الإلحاد الجديد – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

الإلحاد الجديد – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

الإلحاد الجديد – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

الإلحاد الجديد – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

تقييم نقدي لدوكنز، دينيت، ولبرت،

 هاريس وستينجر، روي ابراهام

 

الإلحاد الجديد The New Atheism

الأساس الذي يقوم عليه كتاب «الإلحاد الجديد» new atheism هو الاعتقاد بعدم وجود إله، إذ لا وجود للإله الخالد اللامتناهي مصدر كل الموجودات. هذا الاعتقاد الأساسي يحتاج إلى أساس من أجل أن تصح بقية الحجج. أريد أن أقول هنا أن الملاحدة الجدد من أمثال ريتشارد دوكنز Richard Dawkins، ودانيال دینیت Daniel Dennett، ولويس ولبرت Lewis Wolpert، وسام هاريس Sam Harris، وفيكتور شتينجر Victor Stenger، لم يفشلوا فقط في البرهنة على هذا الاعتقاد، بل أنهم أهملوا الظواهر المرتبطة بالسؤال فيما إذا كان الإله موجودا.

أرى أن هناك خمس ظواهر واضحة في تجربتنا المباشرة لا يمكن تفسيرها إلا بلغة وجود الإله. هذه الظواهر هي:

الأولى، العقلانية المتضمنة في جميع خبراتنا الحسية عن العالم الفيزيائي.

الثانية الحياة، القدرة على الفعل المستقل.

الثالثة الوعي، القدرة على أن تكون على علم.

الرابعة، الفكر التصوري Conceptual thought، القدرة على التعبير وفهم الرموز الموجودة في اللغة.

الخامسة، النفس البشرية، «مركز» الوعي والفكر والفعل.

هناك ثلاثة أشياء يجب أن تقال عن هذه الظواهر وارتباطها بوجود الإله.

أولا، نحن اعتدنا على سماع الحجج والبراهين لوجود الله. في رأيي، أن هذه الحجج مفيدة في توضيح بعض الأفكار الأساسية، ولكن لا يمكن اعتبارها «براهين» تحدد مشروعية صورية فيما إذا كان هناك إله. بدلا من ذلك، فإن كل واحدة من الظواهر الخمسة التي نستشهد بها هنا، بطريقتها الخاصة، تفترض مسبقا وجود عقل بديل نهائي. الإله هو الشرط الذي يكمن وراءه كل ما هو بديهي في خبرتنا.

ثانيا، يجب أن يكون واضحا من النقطة السابقة، أننا لا نتحدث عن احتمالات وفرضيات، وإنما نتحدث عن مواجهة مع حقائق أساسية لا يمكن إنكارها، وإلا وقعنا في التناقض الذاتي. وبعبارة أخرى، نحن لا نطبق مبرهنات الاحتمال على مجموعات معينة من البيانات، ولكننا نركز أكثر بكثير على السؤال الأساسي حول كيف يمكن تقييم البيانات من الأساس. وبالمثل، فإن الأمر ليس مجرد مسألة استنتاج وجود الإله من خلال بعض الظواهر المعقدة. بدلا من ذلك، فإن وجود الإله هو فرض مسبق لكل هذه الظواهر.

ثالثا، يشتكي الملحدون القدماء والجدد من عدم وجود دليل على وجود الإله، وقد رد بعض الموحدين على ذلك بالقول إن فكرة الإرادة الحرة يمكن أن تصمد فقط إذا كان الدليل غير متعسف Noncoercive. النهج المتبع هنا هو أن لدينا كل الأدلة التي نحتاجها في تجربتنا المباشرة، وأن الرفض المتعمد لرؤية الواقع هو المسؤول عن الإلحاد بصيغه المتعددة.

عند النظر في تجربتنا المباشرة، دعونا نقوم بتجربة فكرية. فكر لدقيقة واحدة أن أمامك طاولة من الرخام، هل يمكن أن تتصور أنه بعد مليارات السنين أو بعد مرور زمن لا نهائي إمكانية أن تتحول هذه الطاولة بصورة مفاجئة أو تدريجية إلى طاولة مدركة وواعية لما حولها، وواعية بهويتها بالكيفية التي نفهم بها الأمور؟ ببساطة هذا أمر لم ولن يقع، وهو ما ينطبق على جميع الجمادات غير الطاولة. بمجرد أن تدرك طبيعة المادة المكونة من كتلة وطاقة تدرك أن طبيعتها تجعل من المستحيل عليها أن تعي أو تفكر و «لا أن تقول أنا». ولكن موقف الملحدين يتمثل في أنه في نقطة معينة في تاريخ هذا الكون تحول هذا المستحيل وغير المتصور إلى واقع، وانتقلت المادة غير المميزة إلى الحياة وبعد ذلك أصبحت مدركة وبعدها أصبحت متقنة ثم «صارت أنا» (الكلام بصيغة المتكلم).

لكن عندما نعود إلى مثال الطاولة، نجد ببساطة أن ذلك مثير للضحك، فالطاولة لا تمتلك خصائص الوعي، وإعطاءها وقت لانهائي لا يمكنها من اكتساب هذه الخصائص. حتى إذا قبلنا ببعض السيناريوهات غير المعقولة عن أصل الحياة فإنه لابد للمرء أن يتخلى عن عقله حتى يقبل بسيناريو يقول إن الطاولة يمكن أن تنتج تصورات، وعلى المستوى دون الذري Subatomic level ما ينطبق على الطاولة ينطبق على بقية الأشياء.

على مدى الثلاثمائة السنة الماضية، كشفت العلوم التجريبية بما لا يعد ولا يحصى المزيد من البيانات حول العالم الفيزيائي أكثر من أي وقت مضى، وهو ما يصعب على أجدادنا تصوره. وهذا يشمل الفهم الشامل للشبكات الوراثية والعصبية التي تكمن وراءها الحياة والوعي والفكر والذات. بل أبعد من ذلك، فهذه الظواهر الأربعة تعمل مع البنية التحتية الفيزيائية بشكل يمكننا من الفهم بشكل أفضل من أي وقت مضى.

لا يستطيع العلم أن يخبرنا شيئا عن أصل أو طبيعة الظواهر في ذاتها. وعلى الرغم من محاولة بعض العلماء تفسير هذه الظواهر على أنها استظهار Manifestations للمادة، فإنه لا مجال للبرهنة على أن فهمي لجملة ما هو إلا انتقال لإشارات عصبية محددة.

من المؤكد أن هناك إشارات عصبية ترافق عملية تفكيري، وقد بين علم الأعصاب الحديث كيف أن مناطق في المخ مسؤولة عن جوانب عقلية معينة. ولكن القول بأن فكرة معينة هي مجرد انتقال لإشارات عصبية هو قول تافه بنفس درجة تفاهة فكرة أن العدل ما هي إلا حبر على ورق. ولذا فإن القول بأن الوعي والفكر هو ببساطة مجرد انتقال مادي Physical transactions هو قول غير متماسك.

نظرا لضيق المساحة هنا، أقدم نظرة عامة مختصرة جدا للظواهر الخمس الأساسية التي تمثل أساس لتجربتنا عن العالم، والتي لا يمكن تفسيرها ضمن إطار «الإلحاد الجديد» New atheism. ويمكن الاطلاع على دراسة أكثر تفصيلا في كتابي المقبل «الحلقة المفقودة».

 

العقلانية Rationalism

يسأل دوكنز وأخرين: «من خلق الإله؟» من الواضح أن الموحدين والملحدين يتفقون على شيء واحد، وهو أنه إذا كان هناك شيء ما موجود فلابد أن هناك من سبقه، وأنه دائم الوجود. ولكن كيف جاءت هذه الحقيقة الأبدية؟ الجواب هو أنها لم تأت مطلقا، لأنها موجودة على الدوام. أختر أمر من الأمرين، إما الإله أو الكون. لابد من شيء ما دائم الوجود.

في هذه النقطة بالذات تبرز الحاجة للعقلانية. خلافا لاعتراضات الملحدين، فإن هناك فرقا جوهريا بين ادعاء الملحدين والموحدين فيما يخص الكائن الدائم الوجود. يقول الملحدون أن تفسير وجود الكون هو موجود منذ الأزل، ولكننا لا نستطيع تفسير الحالة التي جاءت بهذا الكون الدائم إلى الوجود.

هذا الكون عصي على الشرح ويجب أن يقبل كما هو، يصر الموحدون في المقابل على أن الإله ليس عصية على التفسير: وجود الإله عصي على فهمنا، ولكنه ليس عصي على الإله.

إن وجود الإله الأبدي لابد أن له منطقه الخاص، لأن وجود العقلانية في الكون مشروط بأن يكون هذا الوجود قائم على أسس عقلانية مطلقة Ultimate rationality.

بعبارة أخرى، الحقائق الفردية Singular facts مثل قدرتنا على معرفة وتفسير الحقيقة، والترابط ما بين الأعمال Workings الموجودة في الطبيعة ووصفنا المجرد لهذه الأعمال Abstract descriptions (ما يسميه عالم الفيزياء يوجين فيغنر Eugene Wigner التأثير المنطقي للرياضيات Reasonable Effectiveness of Mathematics) ودور الرموز في النظام الوراثي والعصبي في المستويات الرئيسية للحياة تتمظهر باعتبارها الركائز الأساسية للطبيعة العقلانية Nature of rationality.

ما هو المنطق الداخلي الذي لا نستطيع رؤيته رغم أن الأفكار التقليدية تعطي بعض المؤشرات عن طبيعة الإله؟

على سبيل المثال، السيدة اليانور ستمب Eleonore Stump والسيدة نورمان کرتزمان Norman Kretzmann، تناقشان بالقول إنه عندما نفهم بشكل كامل خاصية البساطة المطلقة للإله فإنه يمكننا تبين كيف أن عدم وجود الإله غير ممكن. يشير ألفن بلانتينغا إلى أن الإله يفهم على أنه الواجب الوجود في كل الأكوان الممكنة. يمكن للملحدين أن يردوا على هذا الكلام بطريقتين: أن للعالم منطق داخلي لا نستطيع رؤيته، أو أننا لا نحتاج أن نعتقد بوجود إله له منطقه الخاص في الوجود. في النقطة الأولى سوف يرد الموحدون بالقول إنه لا وجود لكون أكبر من مجموع ما يتكون منه، ونحن نعلم حقيقة أنه لا يوجد شيء في الكون له منطق داخلي لا نهاية لوجوده.

في النقطة الثانية، يشير الموحدون إلى أن وجود العقلانية -التي نحن على يقين بوجودها -تتراوح ما بين قوانين الطبيعة إلى قدرتنا على التفكير العقلاني ولا يمكن تفسيرها إذا لم يكن لها أساس مطلق Ultimate ground، وهذه العقلانية ليست سوى العقل اللانهائي. «الكون عقلاني»، هذا ما لاحظه عالم الرياضيات المشهور کيرت جوديل[1] Kurt Godel. علاقة العقلانية بالكون تتمثل في أن «نظام الكون هو انعكاس لنظام العقل الخارق الذي يحكمه[2]. لا يمكن تجنب حقيقة العقلانية في الكون من خلال لجوئنا إلى فكرة الانتخاب الطبيعي، فالانتخاب الطبيعي Natural selection يفترض وجود كيانات فيزيائية تتفاعل فيما بينها وفقا القوانين محددة ورموز تنظم عملية الحياة. وعندما نتكلم عن الانتخاب الطبيعي فلابد أن نفترض وجود منطق ما لما يحدث في الكون، بشرط أن يكون بمقدورنا فهم هذا المنطق.

وبالعودة إلى المثال السابق لطاولة الرخام، نقول إن العقلانية الحقيقية التي تقف خلف تفكيرنا والتي تواجهنا في دراستنا للكون الدقيق رياضياً لا يمكن أن تكون نشأت من الحجارة. الإله ليس حقيقة قاهرة Ultimate brute fact، بل حقيقة عقلانية مطلقة في كل جوانب الوجود.

يزعم دانيال دينيت Daniel Dennett بأن «الإله خلق نفسه من العدم، أو على أحسن الأحوال من شيء لا يمكن تمييزه عن العدم»[3].

تم عرض هذه الفكرة بشكل أكثر وضوحا من جانب ملحد أخر حديث هو عالم الفيزياء فيكتور شتينجر Victor Stenger، الذي قدم حله لمسألة أصل الكون وقوانين الطبيعة في كتابه «ليس من خلال التصميم: أصل الكون، هل وجد العلم الإله، الكون القابل للفهم والإله: الفرضية الفاشلة»[4].

من بين أمور أخرى، يقدم شتينجر نقدا جديدا لفكرة قوانين الطبيعة وما يترتب عليها. في كتابه «الكون القابل للإدراك» The Comprehensible Cosmos، يقول شتينجر أن القوانين لم تنزل من أعلى، ولا هي عبارة عن قيود ذاتية in restrictions –Built السلوك المادة، وإنما هي قيود بالمعنى الذي يمكن لعلماء الفيزياء أن يصيغوا معادلاتهم الرياضية عن المشاهدات الحسية.

موقف شتينجر مبني على تفسيره لفكرة أساسية في الفيزياء الحديثة وهي التناظر Symmetry. وفقا لوجهة النظرة الفيزيائية الحديثة، فإن التناظر هو أي حالة تحول Transformation تحافظ على ثبات قوانين الفيزياء عند تطبيقها على النظام.

تم تطبيق الفكرة في البداية في المعادلات التفاضلية Differential equations للميكانيكا الكلاسيكية والكهرومغناطيسية ومن ثم تم تطبيقها بطرق جديدة على نظرية النسبية الخاصة ومشاكل ميكانيكا الكم. يقدم شتينجر لقرائه لمحة عامة لهذه الفكرة القوية، ولكن بعد ذلك ينتهي إلى نتيجتين غير متماسكتين. الأولى هي أن فكرة التماثل تستبعد فكرة قوانين الطبيعة، والثانية أنه لا شيء يمكن أن ينتج شيء ما لأنه لا شيء مستقر. من المدهش أن كتابا صدر بعنوان «التناظر المخيف» Fearful Symmetry لمؤلفه أنتوني زي Anthony Zee، وهو معروف في مجال دراسات التناظر يستخدم نفس الحقائق التي يسوقها شتينجر للوصول إلى نتيجة مختلفة:

«لقد لعبت التناظرات دورا مركزيا بشكل متزايد في فهمنا لعالم الفيزياء … علماء الفيزياء الأساسيين يقولون ن التصميم المطلق Ultimate design يواجه صعوبات مع التناظرات. الفيزياء المعاصرة لم تكن ممكنة بدون التناظرات التي ترشدنا ….. كلما تقدمت الفيزياء إلى الأمام من خلال تجربتنا اليومية، واقتربت من المصمم المطلق Ultimate Designer … لقد تم تدريب عقولنا بعيدا عن مراسيها المألوفة … أفضل أن أفكر في المصمم المطلق الذي يتم تعريفه من خلال التناظر[5].

يجادل شتينجر أن «لا شيء» متناظر تماما لأنه لا يوجد موقع مطلق Absolute position، أو وقت مطلق، أو سرعة مطلقة، أو تسارع مطلق في الفراغ Acceleration in the void.

وردا على سؤال «من أين جاء التناظر؟» يقول شتينجر إنها التماثلات في الفراغ Symmetries of the void، لأن قوانين الفيزياء هي مجرد ما يتوقعونه إذا جاءت من لا شيء».

مغالطة شتينجر الأساسية مغالطة قديمة، وتتمثل في خطأ النظر إلى «لا شيء» على أنه شيء ما.

على مدى قرون من البحث في مفهوم «العدم» Concept of nothing، حرص المفكرون على التأكيد على أن مصطلح «العدم» لا يعني «شيئا ما». العدم المطلق يعني أن لا وجود لقوانين، لا فراغ، لا طاقة، لا هيكل، لا وجود لكيانات مادية أو عقلية من أي نوع، ولا وجود لتناظرات، وليس هناك خصائص أو قابليات Potentialities. العدم المطلق لا يمكن أن ينتج شيئا ما في وقت لا نهائي-وفي الحقيقة لا يمكن أن يوجد زمان في العدم المطلق. ولكن ماذا عن الفكرة الرئيسية الكتاب شتينجر «الفرضية الفاشلة» والتي تذهب إلى أن ظهور الكون من العدم لا يخالف قوانين الفيزياء لأن الطاقة الصافية net energy للكون صفر؟

طرحت هذه الفكرة لأول مرة من قبل الفيزيائي إدوارد تریون Edward Tryon الذي بين أن الطاقة الصافية للكون هي صفر تقريبا، وبالتالي لا يوجد تناقض في القول إنها جاءت من العدم لأنها عدم. إذا أضفت طاقة الجاذبية الأرضية التي هي سالبة إلى بقية كتلة الكون وهي موجبة فإن الناتج سوف يكون صفر تقريبا. وعندها لا توجد حاجة لطاقة تصنع الكون، ولذلك لا حاجة لخالق.

بخصوص هذا الادعاءات وأمثالها، أشار الفيلسوف الملحد سمارت J. J. C. Smart إلى أن فرضية وجود کون بطاقة صافية تساوي الصفر لا تجيب على السؤال لماذا لابد أن يكون هناك شيء ما من الأساس. لاحظ سمارت أن الفرضية وصياغاتها الحديثة تفترض وجود منظومة الزمان والمكان[6]، والحقل الكمي The Quantum Field، وقوانين الطبيعة، وبالتالي فهي لا تجيب على السؤال لماذا توجد الأشياء، كما لا تجيب على سؤال عما إذا كان هناك سبب غير زماني للكون الزمكاني. الواضح من هذا التحليل، أن شتينجر ترك اثنين من الأسئلة دون إجابة، وهما: لماذا توجد بعض الأشياء وليس عدم مطلق؟ ولماذا تتوافق الأشياء الموجودة مع التناظرات أو تكون هياكل Structures معقدة؟

عرض زي Zee حقائق التناظر نفسها التي أعتمد عليها شتينجر للوصول إلى نتيجة مفادها أن عقل المصمم المطلق هو مصدر التناظر، وأن قوانين الطبيعة في الواقع تعكس التناظر الكامن في الطبيعة، والتناظر وليس قوانين الطبيعة هو الذي يشير إلى عقلانية وذكاء الأكوان-وهي العقلانية المتجذرة في عقل الإله.

 

الحياة Life

الظاهرة الأخرى التي نريد مناقشتها هنا هي الحياة. وفقا لرؤية توني فلو بشأن المادة في هذا الكتاب، لا حاجة لقول المزيد حول أصل الحياة. يجب لفت النظر إلى أن النقاش الحالي حول هذا السؤال لا يبدو أنه يتناول القضايا الأساسية. هناك أربعة جوانب للكائنات الحية. هذه الكائنات فاعلة Agents، وتسعى لهدف Goal seekers، وهي ذاتية التكاثر، وذات طبيعة سيميائية (وجودها يعتمد على التفاعل بين الرموز والكيمياء). كل كائن حي إما فاعل أو له قدرة على الفعل. وكل وجود هو المصدر الموحد Unified source لكل أفعاله. بما أن هؤلاء الفاعلين قادرون على البقاء والعمل بشكل مستقل، فإن أعمالهم موجهة نحو أهداف بنحو ما، وهم يستطيعون التكاثر، وبالتالي فهم كائنات هادفة Goal-seeking وذاتية التكاثر. أشار هوارد باتي Howard H. Pattee إلى أنه يوجد تفاعل بين العمليات السيميائية (الرموز، اللغات، المعلومات، التحكم) مع الأنظمة الفيزيائية (القوانين، الدينامية، الطاقة، القوى والمادة)[7].

من بين الكتب التي نراجعها في هذا الموضوع، فقط دیکونز هو الذي تناول السؤال عن أصل الحياة. يقول ولبيرت Wolpert، وهو أحد البارزين في هذا الحقل «لا نقول بأن كل الأسئلة العلمية المتعلقة بالتطور قد تم حلها. على العكس من ذلك فإن أصل الحياة بحد ذاته وتطور الخلية الذرية التي نتجت منها كل الكائنات الحية لازالت غير مفهومة[8]. في أعماله السابقة، يأخذ دينيت بعض المواقف المادية أخذ المسلمات. لسوء الحظ فإن وجهة نظر دوكنز لم تكن كافية حتى على المستوى الفيزيائي-الكيميائي، بل هي أسوء، ولكنه يتساءل[9] «كيف بدأت الحياة؟ أصل الحياة حدث كيميائي أو سلسلة من الأحداث، حيث تم توفير الشروط الضرورية للانتخاب الطبيعي …. عندما تتوفر المكونات فإن الانتخاب الطبيعي الدارويني يأتي كنتيجة. كيف حدث ذلك؟ أبتكر العلماء سحر الأرقام الكبيرة. الجميل في المبدأ الأنثروبولجي أنه يقول لنا على عكس حدسنا، يقول بأن هذا النموذج الكيميائي لا يحتاج سوى إلى توقع أن الحياة سوف تبرز على الكوكب بالمليارات لتعطينا تفسيرا كاملا ومرضية للحياة[10].

بناء على هذا النوع من التفكير المنطقي والذي يمكن وصفه بأنه تمرين جريء للخرافة، فإن كل شيء نرغب بوجوده ينبغي أن يوجد، فقط إذا استدعينا الأرقام الكبيرة. الحيوانات وحيدة القرن يجب أن توجد على عكس الحدس. النموذج الكيميائي هو المتطلب الوحيد الذي تحتاجه لتوقع ما يحدث على الكوكب بالمليارات.

 

الوعي Consciousness

الحسن الحظ أن الوضع ليس سيئا في دراسات الوعي على عكس ما هو موجود في المجالين السابقين. هناك في الوقت الحالي وعي متزايد بمفهوم الوعي. نحن واعون، ونحن نعي أننا واعون. لا أحد يمكن أن ينكر ذلك دون الوقوع في التناقض الذاتي، وإن كان البعض يصر على ذلك. المشكلة تصبح غير قابلة للحل عندما ندرك طبيعة الخلايا العصبية. كبداية، الخلايا العصبية لا تشابه حياتنا الواعية. الأمر الثاني، وهو أكثر أهمية، أن خصائص الخلايا العصبية من الناحية الفيزيائية لا توفر بأي حال من الأحوال سببا للاعتقاد بأن بإمكانها، أو أنها سوف تنتج وعيا. يرتبط الوعي ببعض مناطق الدماغ، ولكن عندما توجد أنظمة الخلايا العصبية المكونة من نيرونات في جذع الدماغ فإنها لا تنتج وعيا.

في الواقع، كما أشار العالم الفيزيائي جيرالد شرویدر Gerald schroeder، إنه لا يوجد هناك فرق جوهري من الناحية المادية بين كومة من الرمل وعقل أينشتين. فقط الإيمان الأعمى الذي لا أساس له بالمادة، يقف وراء الادعاء بأن جزيئات Bits المادة تستطيع إيجاد حقيقة جديدة لا تشبه المادة. رغم أن التيار العام الدراسات الجسد -العقل اليوم يعترف بحقيقة الوعي وما يستتبعه من غموض، إلا أن دانيال دنييت Daniel Dennett أحد القلة من الفلاسفة الذين لا يزالون يتهربون مما هو واضح. يقول دينيت بأن السؤال عما إذا كان هناك بعض الأشياء واعية سؤال غير قابل للإجابة، ويؤكد على أنه يمكن للمكائن أن تكون واعية لأننا مكائن واعية.

الوظيفية[11] Functionalism هي «تفسير» دينيت للوعي. يقول دينيت إننا لا ينبغي أن نكون قلقين مما يصطلح على تسميته بالظاهرة العقلية. بدلا من ذلك، ينبغي لنا أن نتحقق من العمليات التي تقوم بها هذه الظاهرة. الألم هو الشيء الذي يخلق رد فعل التفادي Avoidance reaction؛ والفكر هو تمرين على حل المشكلة. لا يجب أن ينظر للوعي باعتباره حدثاً خاصاً وقع في وقت خاص، كما سبق مع بقية الظواهر العقلية. أن تكون واعيا يعني أن تقوم بهذه العمليات. ولأن هذه العمليات يمكن تكرارها من خلال أنظمة غير حية (مثال: كمبيوتر يحل مسائل) فإنه ليس هناك أي غموض بخصوص الوعي، وبالتالي ليس هناك أي سبب موجب للذهاب لما هو غير فيزيائي.

ما أغفلته وجهة نظر دينيت، هو أن كل الأفعال العقلية تقترن بحالات وعي Conscious states، وهي الحالات التي تكون فيها على وعي بما نقوم به. لا تستطيع الوظيفية بأي حال من الأحوال تفسير أو الزعم بالقدرة على تفسير الحالات التي نكون فيها مدركين وواعين، فنحن نعرف ما نفكر فيه (الكمبيوتر لا يعرف ما يقوم به. حتى الآن، لا تقول لنا الوظيفية شيء عمن هو المدرك، من هو الواعي، ومن هو الذي يفكر. يقول دينيت بطريقة تثير التعجب إن فلسفته تقوم على فكرة الشخص الثالث المطلق»[12] Third -person absolutism، وهو ما يجعله في موقف الجزم «أنا لا أؤمن بأنا» I do not believe in I“.

ومن المثير للاهتمام، أن بعض أقوى منتقدي دينيت والوظيفية هم في ذاتهم علماء فيزياء من أمثال ديفيد بابينو David Papineau، وجون سيرل John Searle وغيرهم. جون سيرل بالخصوص حاد في نقده لهذه النظرية، حيث يقول «إذا كنت تميل إلى الوظيفية، فأعتقد أنك لست بحاجة إلى تفنيد، وإنما أنت بحاجة إلى مساعدة[13]. على النقيض من دنييت، دافع سام هاريس Sam Harris بقوة عن الطبيعة غير المادية للوعي بقوله «المشكلة ليست متعلقة بالمخ الذي عندما نستكشفه فإنه يظهر المخ على أنه حامل للبعد الداخلي Interior dimension الذي يعيش فيه كل واحد منا، أي الوعي بطريقته الخاصة. حسب قول هاريس، الوعي ظاهرة أكثر بدائية من الكائنات الحية وأمخاخها، ولا يبدو أن هناك طريقة واضحة لاستبعاد هذه الأطروحة بطريقة تجريبية[14].

يحسب لديكونز أنه أعترف بأن حقيقة كل من الوعي واللغة تطرح مشكلة محيرة «لا أنا ولا ستيف بنکر Steve Pinker نستطيع تفسير الوعي الإنساني الشخصي Consciousness Human Subjective وهو ما يسميه الفلاسفة الوعي الشخصي Qualia. في كتابه «كيف يعمل العقل»، يعرض ستيف لمشكلة الوعي الشخصي، ويطرح السؤال: من أين جاء الوعي الشخصي، وما هو تفسيره»، وكان دوكنز نزيهاً بالقول «عليّ أن أكون نزيها وأصرح بأننا لا نعرف الجواب، وأننا لا نفهم تفسيرا لذلك»[15].

يتجنب ولبرت عمداً مسألة الوعي برمتها قائلاً «لقد تجنبت بشكل متعمد أي نقاش حول الوعي»[16].

 

الفكر Thought

ما وراء الوعي Beyond consciousness، هناك ظاهرة الفكر والفهم ورؤية المعنى. كل استخدام للغة يكشف ترتيباً ذكياً فطرياً للوجود. تقف وراء عمليات التواصل واستخدام اللغة وهما أساس لعملية التفكير لدينا-قوة خارقة، قوة تعرف الاختلافات والتشابهات differences and similarities والتعميم والشمول Universalizing وهو ما يسميه الفلاسفة تصورات Concepts وكليات Universals وما شابهها. الفكر عبارة عن قوة معروفة للبشر، وهي قوة مميزة وفريدة من نوعها. كيف يمكنك منذ بداية طفولتك أن تميز دون جهد بين كلبك قيصر Caesar وبين بقية الكلاب. أنت تستطيع أن تتصور اللون الأحمر دون أن تتصور بالخصوص شيء لونه أحمر (بالتأكيد أن اللون الأحمر لا يوجد بذاته وإنما في الأشياء الحمراء). أنت تجرد Abstract وتميز Distinguish وتوحد Unify دون أن يأخذ الأمر من تفكيرك لحظة واحدة. هذه القوة التي تفكر بالتصورات بطبيعتها تتعالى Transcends فوق المادة.

إذا كان هناك من يعترض على ذلك فمن باب الاتساق يجب عليه أن يتوقف عن الكلام والتفكير. في كل وقت يستخدم هؤلاء اللغة فإنهم يؤكدون على الدور الواسع للمعنى، والتصورات، والنوايا والمنطق في حياتنا. ولذلك فإن من غير العقلاني الحديث عن قدرة مشابهة لدى المادة (ليس هناك عضو في الجسد يمارس التفكير)، ولكن بالتأكيد البيانات التي تأتي من الحواس كمواد خام يتم توظيفها في عملية التفكير. بمجرد أن تتأمل في هذا الأمر لعدة دقائق سوف تعرف على الفور أن الفكرة التي تقول بأن تفكيرك بشيء ما هو مجرد عمل فيزيائي تبدو فكرة سخيفة ولا تستحق التفكير فيها.

لنقل إنك تخطط للقيام بنزهة مع عائلتك وأصدقائك، حينها سوف تفكر في الأماكن المناسبة لقضاء النزهة فيها، وتفكر في الأشخاص الذين تريد أن تدعوهم، والأغراض التي تريد أن تحضرها معك، والسيارة التي سوف تستخدمها وبقية الأمور. هل افتراض أن التفكير بأي نحو بهذه الأمور هو عمل فيزيائي يعد افتراضا متماسكا؟

النقطة المهمة هنا هي أن مخك لا يفهم، وإنما أنت الذي تفهم، فعقلك يساعدك على الفهم ولكن ليس لأن أفكارك تحدث في المخ، ولا لأنك سبب حركة الخلايا العصبية. تصرفك على أساس أن فهمك بأن التخلص من الفقر شيء جيد عبارة عن عملية كلية Holistic لها جانبان، فهي عملية غير فيزيائية في جوهرها (كمعنى)، وهي عملية فيزيائية في التنفيذ (الكلمات والخلايا العصبية). لا يمكن فصل الفعل Act إلى فيزيائي وغير فيزيائي، لأنه فعل غير قابل للقسمة، فهو مركب Structure من الإثنين معا: الفيزيائي وغير الفيزيائي، ولكن تزاوجهما كامل، بحيث أنه ليس من المنطقي السؤال عما إذا كانت الأفعال فيزيائية أو غير فيزيائية أو مزيج منهما. الأفعال كما هو الحال مع الشخص المكون من المادي والروحي.

تنشأ الكثير من التصورات الخاطئة عن طبيعة الفكر من التصورات الخاطئة حول أجهزة الكمبيوتر. ولكن دعونا نفترض أننا نتعامل مع كمبيوتر عملاق مثل كمبيوتر الجين الأزرق The Blue Gene، والذي يستطيع القيام بأكثر من مائتي تريليون عملية حسابية في الثانية الواحدة. خطأنا الأول أن نفترض أن الكمبيوتر العملاق مثل النحلة أو البكتيريا. نحن نتعامل في حالة النحلة أو البكتيريا مع فاعل هو المركز في عملية عضوية موحدة. هدف كل نشاطات هذا الفاعل الحفاظ على وجوده بالتكاثر. أما «الجين الأزرق» فهو عبارة عن قطع تقوم مجتمعة أو منفردة بعمليات مزروعة Implanted وموجهة Directed من خالق هذا التجميع.

ثانيا، الكمبيوتر عبارة عن حزمة من الأجزاء التي لا تعرف ما تفعل عندما تقوم بمعالجة ما Performs a transaction. تتم العمليات التي يقوم بها الكمبيوتر العملاق استجابة لبيانات وأوامر هي مجرد إشارات إلكترونية صرفه ودوائر كهربائية وموصلات. يقوم الإنسان بنفس العمليات والمعالجات هذه، ولكن باستخدام آلية خاصة بالمخ، وهي تتم من خلال مركز الإدراك الذي هو على وعي بما يقوم به وهو يفهم ما تم إنجازه، وهو يؤدي كل ذلك عن قصد. ولكن لا يوجد لا فهم، ولا إدراك، ولا معنى، ولا قصد ولا شخص يقوم بذلك عندما يقوم الكمبيوتر بالأفعال نفسها، حتى لو افترضنا أن الكمبيوتر يمتلك معالجات متعددة Multiple processors تعالج البيانات بسرعات بشرية. مخرجات الكمبيوتر تعني لنا شيئا (توقعات الطقس أو حسابك المصرفي)، ولكن من زاوية حزمة القطع التي تسمى كمبيوتر فإن الأرقام الثنائية: Binary digits الصفر والواحد تؤدي إلى نشاطات ميكانيكية. القول بأن الكمبيوتر يفهم ما يقوم به، هو مشابه للقول بأن خط الكهرباء يمكن أن يفكر في مسألة الإرادة الحرة والحتمية، أو أن المواد الكيميائية في أنبوب الاختبار تُطبق مبدأ عدم التناقض Principle of noncontradiction في حل المسائل، أو أن مشغل الأقراص DVD Player يستمتع بالموسيقى التي يعزفها.

 

النفس The Self

من أهم المفارقات التي وقع فيها الملحدون الجدد قولهم إن الحقيقة الفيزيائية -غير الفيزيائية Supraphysical / physical reality الأساسية التي نعرفها من خلال التجربة هي ذاتها الشخص الذي يعيش التجربة، وهي نحن. بمجرد أن ندرك حقيقة الكائن الأول First -person الذي يتكلم بصيغة «أنا»، وندرك صيغ المتكلم الأخرى، فإننا نواجه أعظم لغز ككل وهو «أنا موجود» إذا أنا أفكر وأشعر وأعتزم وأقصد وأتفاعل. من هو «أنا»، وأين هو، وكيف أتي إلى الوجود؟ من الواضح أن ذاتك ليست شيئا فيزيائية، ولكنها ليس غير فيزيائية كذلك، وإنما هي بدن مادي ومحتوى روحي، فأنت لست موجودة في خلية معينة في المخ أو جزء من أجزاء البدن. خلايا بدنك تتغير باستمرار، ومع ذلك فأنت تظل كما أنت. عندما تدرس خلايا العصبية فستكتشف أن أيا منها لا يملك خاصية أن تكون «أنا». بالطبع، جسدك جزء مكمل، ولكنه يظل بدن لأنه مركب من أعضاء فيزيائية. أن تكون إنسانا هو أن تكون جسدا وروحا.

في المقطع الشهير في كتابه «مقال في الطبيعة البشرية»[17]، يعلن هيوم «أنه عندما كنت أدخل بعمق فيما أسميه «نفسي» …. لم أكن قادراً قط على أن أدرك نفسي دون إحساس، ولم أكن قادرا على مراقبة أي شيء سوى الإحساس». في هذا المقطع ينكر هيوم وجود النفس، ببساطة لأنه كما يقول «لم يجد نفسه». ولكن ما الذي يوحد Unifies خبراته المتعددة، ما الذي يجعله يعي وجود العالم الخارجي، وأن يظل كما هو خلال هذه العملية؟ يفترض هيوم أن «ذاتي» Myself هي حالة قابلة للمشاهدة Observable state مثل تفكيره ومشاعره، ولكن النفس ليست شيئا يمكن مشاهدته. إنها حقيقة ثابتة للتجربة Experience، والتي هي فوق الواقع، وأساس لكل التجارب.

في الواقع، من بين كل الحقائق التي يمكن أن نتعرف عليها، فإن النفس هي الأكثر وضوحا، ولا يمكن إنكارها، وفي الوقت نفسه هي الأكثر غموضاً لجميع الكيانات «الفيزيائية» Physicalism. وفي البداية، لابد من القول بأنه لا يمكن ادعاء عدم وجود النفس من دون الوقوع في التناقض. الجواب على السؤال «كيف أعرف أنني موجود» هو يرد السؤال بسؤال أخر «ومن هو السائل؟». النفس هي ما نحن عليه، وليس ما لدينا.

 إنها «أنا» التي تنبثق من منظور المتكلم First -person perspective. نحن لا نستطيع أن نحلل النفس لأنها ليست حالة عقلية Mental state يمكن ملاحظتها أو وصفها. الحقيقة الأساسية القصوى التي نعيها هي النفس البشرية، وفهم النفس يلقي حتما بأثره على بقية الأسئلة الأساسية ويعطينا انطباع ما عن الحقيقة ككل. نحن ندرك أن النفس لا يمكن وصفها، ومن حيث الكيمياء أو الفيزياء: العلم لا يكتشف النفس، النفس هي التي تكتشف العلم. نحن ندرك أن الموقف من تاريخ الكون لن يكون متماسكا إذا لم يكن الموقف Account من النفس متماسكا.

 

الأصل اللامادي The Origin Of The Supraphysical

كيف حدثت الحياة؟ كيف وجد الفكر والنفس؟ يبين تاريخ العالم الظهور المفاجئ لهذه الظواهر، فالحياة ظهرت مباشرة بعد أن برد كوكب الأرض، وبرز الوعي بغموض في الانفجار الكمبري[18] Cambrian explosion، وظهرت اللغة من «الرموز النوعية»[19] Symbolic species دون تطور مسبق. نطاق الظاهرة محل النقاش يبدأ مع الشفرة Code، ونظم معالجة الرموز، والقصد seeking-Goal، والفاعلين الواعين، هذه الأمور في الطرف الأول في مقابل الوعي الذاتي والفكر التصوري Conceptual thought والنفس البشرية، في الطرف الأخر.

الأمر المتماسك الوحيد بالنسبة لهذه الظواهر هو أن لها أبعاد مختلفة من الوجود، وأنها ذات طبيعة غير فيزيائية بطريقة أو بأخرى. تتكامل هذه الظواهر مع ما هو مادي ولكن بصورة «جديدة» بشكل جذري. نحن لا نتكلم هنا عن «أشباح في الآلة»[20] Ghosts in machines، بل نتكلم عن فاعلين من أنواع مختلفة بعضها واعي، والبعض الأخر واعي ويفكر. وفي كل حالة لا توجد ثنائية Dualism أو حيوية Vitalism، ولكن مجموع من التكامل Integration that is total، كلية Holism تتضمن ما هو فيزيائي وما هو معنوي.

على الرغم من أن الملحدين الجدد فشلوا في استيعاب طبيعة مصدر الحياة والوعي والفكر والنفس فإن السؤال عن أصل غير فيزيائي يبدو واضحا: لابد أن الأصل غير الفيزيائي نشأ من مصدر غير فيزيائي. لابد أن الحياة والوعي والنفس نشاؤا من مصدر حي وواعي ويفكر. إذا كنت في مركز الوعي والفكر الذي يمكنه أن يحب ويعتزم وينفذ فإنني لا أفهم كيف أن مراكز هذه النشاطات أتت من شيء ما غير قادر على مثل هذه النشاطات.

على الرغم من أن العمليات الفيزيائية البسيطة يمكن أن تخلق ظواهر فيزيائية معقدة، فإننا لسنا بصدد العلاقة بين الظواهر البسيطة والمعقدة، ولكن نحن بصدد أصل المراكز. ببساطة، إن من غير المعقول أن أي مصفوفة مادية Material array يمكن أن تنتج فاعلين يفكرون ويفعلون. المادة لا يمكن أن تنتج إدراكات أو إحساسات. حقل القوة A force field لا يفكر أو يخطط. إذا على المستوى المنطقي وعلى مستوى التجربة اليومية، نصبح على وعي مباشر بأن عالم الموجودات الحية والواعية والمفكرة أساسه مصدر حي هو العقل.

 

[1] Hao Wang, A Logical Journey: From Godel to Philosophy (Cambridge, MA : MIT Press, 1996), 316

[2] Palle Yourgrau, A World Without Time: The Forgotten Legacy of Gödel and Einstein

(New York: Basic Books, 2005), 104-5.

[3]  Daniel Dennett, Breaking the spell (New York: Viking, 2006), 244.

[4] Not by Design: The Origin of the Universe Has Science Found God? The Comprehensible Cosmos, and God: The Failed Hypothesis

[5] Anthony Zee, Fearful Symmetry (New York: Macmillan, 1986,280-81.

[6] J.J. C. Smart and John Haldane , Atheism and Theism ( Great Debates in Philosophy) (Oxford: Blackwell, 2003), 228 ff

[7] Howard H. Pattee, “The Physics of Symbols: Bridging the Epistemic Cut, Biosystems 60 (2001): 5-21.

[8] Lewis Wolpert, Six Impossible Things Before Breakfast (London: Faber and Faber,2006), 212-13.

[9] Richard Dawkins, The God Delusion (London: Bantar, 2006), 137.

[10] Dawkins, The God Delusion, 137-38

[11] نظرية في فلسفة الذهن تقوم فكرتها الأساسية على أن الحالات الذهنية تتقوم بدورها الوظيفي فحسب.

[12] القبول بفكرة وجود کيانات لا هي مادية ولا هي معنوية.

[13] John Searle, The Rediscovery of the Mind (Cambridge, MA: MITPress, 1992), 9.

[14] ) Sam Harris, The End of Faith (New York: Norton, 2004), 208-9.

[15]  Richard Dawkins and Steven Pinker, “Is Science Killing the soul?” The Guardian

Dillons Debate, Edge 53 (April 8, 1999)

[16] Wolpert, Six Impossible Things Before Breakfast, 78.

[17] A Treatise of Human Nature

[18] ظهور مفاجيء جيلولوجي لمستحدثات أسلاف الحيوانات المألوفة ضمن السجل الأحفوري الأرضي.

[19] إشارة إلى كتاب تيرنس دیکون Terremce Deacon يجمع وجهات نظر من الأحياء العصبية ونظريةالتطور والسميئيات.

[20] مصطلح أبتكره غلبرت رايل للتعبير عن ثنائية العلاقة بين المادي والمعنوي.

هل يأتي شيء من لا شيء؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

هل يأتي شيء من لا شيء؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

هل يأتي شيء من لا شيء؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

هل يأتي شيء من لا شيء؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

Did Something Come From Nothing?

في أحد المشاهد الأخيرة من فيلم «صوت الموسيقى» The Sound of Music، تعترف ماريا التي لعبت دورها جولي أندرو وكابتن فون تراب الذي لعب دوره کریستوفر بلمر، يعترف كل منهما بحبه للأخر. كل منهما كان متفاجئا بحب الأخر له، وتسألا كيف حدث ذلك الحب، ولكنهما على ثقة أنه جاء من مكان ما، وأخذا يغنيان «ليس هناك شيء جاء من لا شيء، لا شيء يمكنه ذلك»[1].

ولكن هل هذا صحيح؟ أم يمكن أن يأتي شيء من لا شيء؟ وكيف يمكن أن يؤثر هذا السؤال على فهمنا للكيفية التي جاء بها الكون للوجود؟ هذا هو موضوع البحث العلمي الملتزم في مجال الكونيات، وكذلك فيما يخص الحجة الكونية في الفلسفة. في كتاب «فرضية الإلحاد»، عرفت الحجة الكونية على أنها الحجة التي تبدأ من فرضية وجود الكون، وأقصد بالكون القائم الذي جاء إلى الوجود بسبب كائن آخر (أو ذاك الذي يمكن أن يكون سببا لوجود بقية الكائنات).

 

الكون النهائي The Ultimate Universe

في كتاب «فرضية الإلحاد» والكتابات الإلحادية الأخرى، جادلت بأن علينا أن نأخذ الكون نفسه وأكثر قوانينه الأساسية باعتبارها أمورة نهائية. كل نظام تفسير يجب أن يبدأ من نقطة ما، ونقطة البداية هذه لا يمكن تفسيرها من داخل النظام. لذا لا محالة، أن كل الأنظمة من هذا القبيل تشتمل على الأقل على بعض الأساسيات التي لا تفسر ذاتها. وهذه النتيجة تأتي من الطبيعة الأساسية التفسير المتعلقة بالسؤال: لماذا يوجد شيء ما على الحالة التي هو عليها.

لنفترض على سبيل المثال، أننا لاحظنا أن الطلاء الأبيض الجديد الموجود فوق الموقد أصبح لونه بنياً متسخاً، وبعد أن بحثنا عن السبب، اكتشفنا أن هذا ما يحدث عادة عند تفاعل مثل هذا النوع من الطلاء مع هذا النوع من المواقد. وتقدمنا خطوة ثانية في معرفة السبب، فعلمنا أن هذه الظاهرة يمكن تفسيرها على أساس إطرادات أوسع وأعمق لتركيب كيميائي: فحين يتفاعل الكبريت المتصاعد من لهب الموقد مع شيء ما في الطلاء فإنه يعمل على تكوين مركب كيميائي، وأن هذا هو السبب في تغير لون الطلاء. وبعد البحث أكثر اكتشفنا وجود قذارة في مطبخنا، وهي إحدى النتائج التي لا تعد ولا تحصى المترتبة على نظرية الذرية – الجزيئية atomic -molecular theory لتكون المادة. هكذا هو الحال في عملية التفسير، ففي كل مرحلة نفترض بعض الأمور كحقيقة مسلمة، وهذا هو حال الأشياء.

في مناظراتي مع المعتقدين بوجود إله، شاهدت كيف أنهم يصلون إلى هذه المرحلة التي لا مفر منها. مهما فكر الموحدون، لتفسير شيء ما، من خلال إرجاعه إلى وجود وطبيعة الإله، فلا يمكنهم تفادي أخذ تلك الحقيقة بوصفها نهائية وجوهرية وتتجاوز التفسير. ولا يمكنني رؤية كيف يمكن أن يعرف شيء ما ضمن كوننا، أو يُحدس عقلانياً، بوصفه يشير إلى واقعية ما متعالية تقبع خلف، فوق، أو تتجاوز. إذا لماذا لا نأخذ الكون ومعظم معالمه الأساسية بوصفها هي الحقيقة النهائية.

الآن، معظم النقاشات التي عرضت لها فيما سبق لا تستند إلى التطورات الحادثة في مجال الكونيات. في الحقيقة، أن إثنين من كتبي الرئيسية ضد اللاهوتية كتبتهما قبل وقت طويل من ظهور نظرية الانفجار الكبير أو قبل عرض حجة التوافق Fine -tuning argument المنبثقة من فكرة الثوابت الفيزيائية Physical constants. ولكن مع بداية الثمانينات من القرن الماضي، بدأت بإعادة النظرة في كلا الفكرتين. وقد اعترفت آنذاك بأن على الملحدين أن يشعروا بالإحباط من الإحصاءات الكونية الحديثة، حيث بدا أن علماء الكونيات يقدمون الدليل العلمي على ما قاله القديس توما الأكويني من أنه يصعب على الفلسفة إثباته، يعني أن للكون بداية.

 

في البداية In The Beginning

عندما تعرفت كملحد على نظرية الانفجار الكبير، بدا لي أنها سوف تحدث فارقاً كبيراً لأنها تقول بأن للكون بداية، وأول جملة في سفر التكوين تذكر أنه «في البداية خلق الإله السموات والأرض»، وكانت مرتبطة بما حدث في الكون.

طالما أن الكون يمكن أن لا يكون بلا نهاية فحسب، بل أيضا بلا بداية، فيبقى من السهل أن ترى وجوده (ومعظم معالمه الرئيسية) كحقائق مسلمة. وإذا لم يكن هناك أي سبب يدعو للاعتقاد بأن الكون بداية، فإنه لا حاجة لافتراض وجود شيء ما خلق كل شيء كمصادرة. ولكن نظرية الانفجار الكبير غيرت كل شيء. فإذا كان للكون بداية، فإنه يصبح من المشروع تماما، بل لا مفر من، إثارة السؤال عن الذي أنتج هذه البداية. وهذا ما يغير الوضع بشكل كامل.

وفي نفس الوقت، توقعت أن الملحدين سوف يرون أن فكرة الانفجار الكبير تتطلب تفسيراُ فيزيائياُ، وهو ما قد لا يكون متاحاً للبشر. ولكن أعترف أيضا بأن المعتقدين بالإله يمكن أن يرحبوا بشكل منطقي بفكرة الانفجار الكبير باعتبارها تميل لتأكيد اعتقادهم المسبق بأنه «في البدء» الكون كان قد خلق بواسطة الإله.

يبدو أن علماء الكونيات المعاصرين مرتبكين، كما هو حال الملحدين، في إمكانية أن تتضمن اكتشافاتهم نتائج لاهوتية. وكنتيجة لذلك، ابتكروا طرقا للهروب تحافظ على الوضع الإلحادي القائم. ومن ضمن هذه الطرق فكرة الأكوان المتعددة، أي العدد الهائل من الأكوان الذي نشأ من أحداث متقلبة من الفراغ اللانهائي، أو ما يسمى بالكون المكتفي بذاته حسب تعبير ستيفن هوكينز.

 

إلى أن تحين البداية Until A Beginning Comes Along

كما ذكرت سابقا، لم أجد أن فكرة الأكوان المتعددة مفيدة. وقلت أيضا بأن التعاطي مع فرضية الأكوان المتعددة كمصادرة هو بديل يائس. إذا كان وجود کون واحد يحتاج إلى تفسير، فإن وجود أكوان يحتاج إلى تفسير أكبر بكثير، وعندها يتضاعف حجم المشكلة بمقدار عدد الأكوان الكلي. هذا الوضع يبدو مثل طفل صغير لا يصدق معلمه ادعاءه بأن الكلب أكل كراسة واجبه المدرسي، فيستبدل ذلك بالادعاء بأن مجموعة من الكلاب أكلت کراسة واجبه.

أخذ ستيفن هوكنج اتجاهاً أخر في كتابه «ملخص لتاريخ الزمان». فقد كتب هوكنج قائلا «إنه إذا كان بإمكاننا أن نفترض وجود بداية لهذا الكون فإنه بإمكاننا كذلك أن نفترض وجود خالق لهذا الكون. ولكن إذا كان الكون في الواقع مكتفي بذاته، وليس له حدود، فإنه لن يكون له بداية ولا نهاية، فهو موجود وانتهى الأمر. إذا هل بقي مكان للخالق؟»[2]. في عرضي للكتاب بعدما تم نشره، أشرت إلى أن الاقتراح المتضمن في نهاية السؤال لن يساعد إلا في اللجوء إلى غير الإلهي. وتناسقاً مع هذه الخاتمة، قلت: الذين ليسوا من علماء الفيزياء النظرية، سيكونون مجبرين على أن يردوا، مثل بعض الشخصيات في مسلسل برودواي (مسلسل فكاهي): «إذا لم يكن الانفجار الكبير هو البداية، فإنه سيظل كذلك على الأقل حتى تظهر بداية أخرى». بدا على هوكينج على الأقل شيء من التعاطف مع هذا الرد، حيث قال «إن تمدد الكون لن يمنع من وجود الخالق، ولكنه سوف يزيد فقط من الوقت اللازم لإنجاز عمله»[3].

كتب هوكينز أيضاً قائلاً: «قد يقول قائل إن الزمان بدأ مع الانفجار الكبير، وهذا ببساطة يعني أن الزمان قبل الانفجار الكبير لا يمكن تحديده»[4].

استنتجت من هذا النقاش أنه حتى لو اتفقنا على أن الكون بدأ مع الانفجار الكبير فإن الفيزياء يجب أن تظل لاأدرية بشكل قاطع، فمن المستحيل من الناحية الفيزيائية اكتشاف من الذي سبب الانفجار الكبير من المؤكد أن الإيحاء بأن الكون المتغير باستمرار في مقابل التصرف في الكون الثابت الخامل إلى الأبد يحدث فارقا في المناقشة. لكن المغزى من القصة في نهاية المطاف هو أن القضايا المطروحة قضايا فلسفية وليست قضايا علمية، وهو ما يعيدنا إلى الحجة الكونية.

 

شيء ما أكبر من أن يفسره العلم Something Too Big For Science To Explain

ديفيد هيوم هو الناقد الفلسفي الأساسي للحجة الكونية لوجود الإله. وعلى الرغم من أنني اتفقت مع حجج هيوم في كتبي السابقة، إلا أنني بدأت في التعبير عن شكوكي حول منهجه. على سبيل المثال، كنت قد أشرت في مقال في كتاب تذكاري للفيلسوف تيرينس بينلهم Terence Penelhum أن بعض فرضيات تفكير هيوم أسفرت عن أخطاء قاتلة. وهذه الأخطاء تشمل أطروحته في أن ما نسميه «أسباباً» ليست سوى نوع من «تداعي المعاني» أو الافتقار لمثل هذا التداعي. قلت إن أصل -أو على الأقل التحقق من صحة -تصوراتنا السببية، والأسس التي يفترض أن تبنى عليها معارفنا السببية، تستند إلى وفرة وتكرار النشاط التجريبي لمخلوقات مكونة من لحم ودم، وفاعلة في عالم العقل -المستقل mind -independent world (تجربة محاولة سحب ودفع أشياء، والنجاح في سحب أو دفع بعضها وعدم النجاح مع البعض الأخر، وتجربة التساؤل ماذا سيحدث لو»، وماذا عن التجريب وبالتالي الاكتشاف من خلال التجربة «ماذا يحدث عندما»). يبدو لي الأمر، أن الخبرة التجريبية تتمثل في أننا كفاعلين نتعرف، ونطبق، ونصحح فكرة السبب والمسبب، ونحدد ماذا نعني بمصطلح ضروري ومصطلح مستحيل. توصلت في النهاية إلى أن محاولة هيوم الخيالية لن توفر لنا بوصلة لتحديد معاني للسبب والمسبب وقوانين الطبيعة»[5].

ولكن في كتاب ديفيد كونواي «إعادة اكتشاف الحكمة»، وطبعة عام 2004 من كتاب ريتشارد سوينبيرن «وجود الإله» وجدت ردودا متفاعلة من نقد هيوم و(كانت) للحجة الكونية. تناول كونواي بشكل منهجي كل اعتراضات هيوم على سبيل المثال، يعتقد هيوم أنه لا يوجد سبب لوجود أي سلسلة من الكائنات المادية وراء مجموع كل عضو من أعضاء هذه السلسلة. إذا كانت هناك سلسلة لا بداية لها لكائنات غير ضرورية الوجود، فإن ذلك يعد سببا كافيا للكون ككل. رفض كونواي هذا الاعتراض على أساس أن «التفسيرات السببية لأجزاء من -من هذا القبيل-بلغة الأجزاء الأخرى، لا يمكن أن تضيف شيئا إلى التفسير السببي للكل، إذا كانت المفردات المذكورة كأسباب هي مفردات يحتاج وجودها في ذاته إلى تفسير سببي». لنفترض أن هناك فيروس كمبيوتر قادر على تكرار نفسه في أجهزة كمبيوتر متصلة بشبكة. حقيقة أن ملايين الكمبيوترات المرتبطة بالشبكة قد أصيبت بالفيروس، لا يفسر بذاته وجود فيروس يكرر نفسه.

وفيما يتعلق بحجة هيوم ذاتها، كتب سوينبيرن:

«السلسلة اللانهائية ككل لن تقدم لنا تفسيرا على الإطلاق، لأنه لن يكون هناك أسباب من أعضاء السلسلة تقع خارج هذه السلسلة. في هذه الحالة، سيكون وجود الكون على مر الزمن اللانهائي حقيقة قاهرة متعذرة التفسير. سيكون هناك تفسيراً (بلغة القوانين) للسؤال: لماذا يستمر موجود ما بالوجود؟ ولكن ما سيتعذر تفسيره هو استمرار الكون في الوجود في الزمان اللامتناهي. وجود الكون المادي المعقد عبر زمن متناهي أولا متناهي «أكبر بكثير» من قدرة العلم على التفسير»[6].

 

الحاجة إلى عنصر إبداعي The Need For A Creative Factor

إذا كان ردنا على نقد هيوم كافيا، يصبح من الممكن تطبيق الحجة الكونية في سياق علم الكونيات الحديث. يجادل سوينبيرن بأننا يمكن أن نفسر الأوضاع state of affairs فقط بلغة أوضاع أخرى. القوانين بحد ذاتها غير قادرة بشكل كافي على تفسير هذه الأوضاع، وكتب سيونبرن يقول «إذا لم يكن لدينا قوانين في بداية الكون لأنه لم يكن هناك أوضاع قبل ذلك فإنه لا يمكننا تفسير الكون»[7]. إذا كان هناك قانون معقول لتفسير بداية الكون، فلا بد أن يقول لنا شيئا ما مثل الفراغ المكاني يقود بالضرورة لظهور الطاقة -المادة». وهنا «الفراغ المكاني» هو ليس عدماً بقدر ما هو «مفردة معرفة»، شيء ما موجود هناك. هذا الاعتماد على القوانين للحصول على الكون الذي بدأ من «الفراغ المكاني» يطرح أيضاً سؤالاً: كيف أن الطاقة -المادة matter -energy نتجت في الزمن الصفري t0 وليس في زمن أخر.

أظهر فيلسوف فلسفة العلم جون ليزلي John Leslie أن أياً من التكهنات الكونية المألوفة اليوم لا يمنع من احتمال وجود الخالق. وقد تكهن عدد من علماء الكون بأن الكون نشأ من «العدم». في عام ۱۹۷۳، وضع إدوارد تریون Edward Tryon نظرية مفادها أن الكون كان يتذبذب في فراغ في فضاء أكبر. وجادل ليزلي بأن الطاقة الكلية للكون كانت صفرا، لأن الجاذبية التي تمسك طاقة الكون هي كمية سلبية في معادلات الفيزياء.

باستخدام نهج آخر، تكهن كل من جيم هارتل Jim Hartle، وستيفن هوكينغ Stephen Hawking، وأليكس فيلكن Alex Vilenkin بأن الكون الكمي-المتذبذب quantum -fluctuated جاء من العدم. «العدم» عبارة عن حالة خاصة من الرغوة الزمكانية الفوضوية مع ارتفاع خيالي في كثافة الطاقة. تكهن أخر (من هوكينغ) يقول «إن الوقت يصبح أكثر فأكثر مشابه للمكان في الأوقات الأولى من الانفجار الكبير». |

يعتقد ليسلي أن هذه التكهنات لا علاقة لها بالموضوع، ويقول «بغض النظر عن كيفية وصفك للكون باعتباره موجودا منذ الأزل، أو باعتباره قد انتظم من خارج الزمان والمكان، أو وجد في الفضاء من دون زمان، أو أنه بدأ بشكل كمي ضبابي حيث لم تكن هناك نقطة بداية، أو أنه نشأ عندما كانت الطاقة الكلية صفراً -فإن الناس الذين يرون أن المشكلة في حدوث وجود هائل نتج من شيء ما بدلا من حدوثه من لا شيء، سوف يكونون أقل ميلا إلى أن المشكلة قد حلت».

إذا كانت لديك معادلة تحسب بدقة احتمال وجود شيء من الفراغ فإنه سوف يظل عليك أن تسأل لماذا تنطبق هذه المعادلة في هذه الحالة بالذات. في الحقيقة، لاحظ هوكنج أنه يجب علينا أن ندخل على المعادلات عنصر إبداعي.

في مقابلة بعد وقت قصير من نشر كتابه «موجز في تاريخ الزمان»، أقرهوكينج بأن نموذجه ليس له أي تأثير على وجود الإله. عندما نقول بأن قوانين الفيزياء هي التي حددت كيف بدأ الكون، فكأننا نقول إن الإله لم يختر «أن يسلك الكون بصورة اعتباطية لا نفهمها. ولكنها لا تقول شيئا عن أن الإله موجود أو غير موجود-فقط تقول إنه ليس اعتباطياً»[8].

 

حجة استقرائية جيدة A Good C-Iinductive Argument

تم إعادة صياغة الحجة بلغة كونية حديثة. ولكن ليسلي وجد أن ذلك غير مرضي. لاحظ ليسلي أن بعض الناس يدعون بأن وجود الكون في أي لحظة معينة يمكن تفسيره على أساس حقيقة أنه وجد قبل ذلك الوقت وهلم جراً إلى ما لا نهاية. وهناك علماء فيزياء يعتقدون بأن الكون وجد خلال زمن لا نهائي، إما من خلال سلسلة من الانفجارات أو كجزء من حقيقة التمدد الأبدي الذي أوجد أكوان الانفجار الكبير. في حين أن أخرين يقولون إن الكون وجد من زمن محدود بطريقة حساب معينة، ولكنه وجد من زمن لا متناهي بطريقة حساب أخرى.

وردا على هذه الآراء، أكد ليسلي على «أن وجود سلسلة لا متناهية من الأحداث الماضية لا يمكن أن يعد تفسيراً ذاتياً حين يتم تفسير كل مرحلة من خلال المرحلة التي تسبقها». «إذا كانت هناك سلسلة من كتب الهندسة التي نعتقد بأن كل منها نسخ مما سبقه، فنحن بذلك نظل نحتاج إلى إجابة مقنعة عن سبب وجود هذه الكتب من الأساس، فالسلسلة بأكملها تحتاج إلى تفسير». وأضاف ليسلي قائلا: فكر في آلة زمن تسافر إلى الماضي حيث لا يوجد أحد صممها أو صنعها. وجود مثل هذه الأداة يمثل دوران للتفسير الذاتي، وحتى لو كان السفر خلال الزمان معقولا، فإن التفسير الذاتي لن يكون معقولا[9].

يلخص ريتشارد سوينبيرن Richard Swinburne عرضه للحجة الكونية بالقول: هناك فرصة بأن، الإله إذا كان موجودا، فإنه سيخلق تعقيد ومحدودية الكون. إنه من غير المرجح أن يكون الكون قد وجد بلا سبب، ولكن من المرجح جدا أن الإله وجد بلا سبب. ولذلك فإن حجة وجود الكون سوف تحيل إلى وجود الإله بنوع جديد من أنواع الاستقراء». في نقاش جرى حديثا مع سوينبيرن، لاحظت أن توصيفه للحجة الكونية صحيح من ناحية أساسية. وبعض معالم الحجة تحتاج إلى تعديل، إلا أن هذا التفسير يقود إلى وجود الكون. حجة ريتشارد سوينبيرن الكونية توفر تفسيراً واعداً، ولعله في النهاية أصح التفسيرات.

 

[1]  “Something Good, music and lyrics by Richard Rodgers, 1965.

[2] Stephen Hawking, A Brief History of Time (New York: Bantam, 1988), 174.

[3] Antony Flew, Stephen Hawking and the Mind of God” (1996), http://www. infi dels.org/

library/modern/antony_fl ew/hawking. html.

[4] Hawking, A Brief History of Time, 9.

[5] Antony Flew, “The Legitimation of Factual Necessity,” in Faith, Scepticism and Personal Identity, ed. J. J. Macintosh and H. A. Neynell (Alberta: University of Calgary Press, 1994), 111-17

[6]Richard Swinburne, The Existence of God (Oxford: Clarendon, 2004), 142

[7] Richard Swinburne, “The Limits of Explanation,” in Explanation and Its Limits, ed. Dudley Knowles (Cambridge: Cambridge University Press, 1990), 178-79

[8] John Leslie, Infinite linds (Oxford: Clarendon, 2001), 194-95

[9] Leslie, Infi nite Minds, 193-94.

Exit mobile version