الإلحاد الجديد – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

الإلحاد الجديد – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

الإلحاد الجديد – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

الإلحاد الجديد – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

تقييم نقدي لدوكنز، دينيت، ولبرت،

 هاريس وستينجر، روي ابراهام

 

الإلحاد الجديد The New Atheism

الأساس الذي يقوم عليه كتاب «الإلحاد الجديد» new atheism هو الاعتقاد بعدم وجود إله، إذ لا وجود للإله الخالد اللامتناهي مصدر كل الموجودات. هذا الاعتقاد الأساسي يحتاج إلى أساس من أجل أن تصح بقية الحجج. أريد أن أقول هنا أن الملاحدة الجدد من أمثال ريتشارد دوكنز Richard Dawkins، ودانيال دینیت Daniel Dennett، ولويس ولبرت Lewis Wolpert، وسام هاريس Sam Harris، وفيكتور شتينجر Victor Stenger، لم يفشلوا فقط في البرهنة على هذا الاعتقاد، بل أنهم أهملوا الظواهر المرتبطة بالسؤال فيما إذا كان الإله موجودا.

أرى أن هناك خمس ظواهر واضحة في تجربتنا المباشرة لا يمكن تفسيرها إلا بلغة وجود الإله. هذه الظواهر هي:

الأولى، العقلانية المتضمنة في جميع خبراتنا الحسية عن العالم الفيزيائي.

الثانية الحياة، القدرة على الفعل المستقل.

الثالثة الوعي، القدرة على أن تكون على علم.

الرابعة، الفكر التصوري Conceptual thought، القدرة على التعبير وفهم الرموز الموجودة في اللغة.

الخامسة، النفس البشرية، «مركز» الوعي والفكر والفعل.

هناك ثلاثة أشياء يجب أن تقال عن هذه الظواهر وارتباطها بوجود الإله.

أولا، نحن اعتدنا على سماع الحجج والبراهين لوجود الله. في رأيي، أن هذه الحجج مفيدة في توضيح بعض الأفكار الأساسية، ولكن لا يمكن اعتبارها «براهين» تحدد مشروعية صورية فيما إذا كان هناك إله. بدلا من ذلك، فإن كل واحدة من الظواهر الخمسة التي نستشهد بها هنا، بطريقتها الخاصة، تفترض مسبقا وجود عقل بديل نهائي. الإله هو الشرط الذي يكمن وراءه كل ما هو بديهي في خبرتنا.

ثانيا، يجب أن يكون واضحا من النقطة السابقة، أننا لا نتحدث عن احتمالات وفرضيات، وإنما نتحدث عن مواجهة مع حقائق أساسية لا يمكن إنكارها، وإلا وقعنا في التناقض الذاتي. وبعبارة أخرى، نحن لا نطبق مبرهنات الاحتمال على مجموعات معينة من البيانات، ولكننا نركز أكثر بكثير على السؤال الأساسي حول كيف يمكن تقييم البيانات من الأساس. وبالمثل، فإن الأمر ليس مجرد مسألة استنتاج وجود الإله من خلال بعض الظواهر المعقدة. بدلا من ذلك، فإن وجود الإله هو فرض مسبق لكل هذه الظواهر.

ثالثا، يشتكي الملحدون القدماء والجدد من عدم وجود دليل على وجود الإله، وقد رد بعض الموحدين على ذلك بالقول إن فكرة الإرادة الحرة يمكن أن تصمد فقط إذا كان الدليل غير متعسف Noncoercive. النهج المتبع هنا هو أن لدينا كل الأدلة التي نحتاجها في تجربتنا المباشرة، وأن الرفض المتعمد لرؤية الواقع هو المسؤول عن الإلحاد بصيغه المتعددة.

عند النظر في تجربتنا المباشرة، دعونا نقوم بتجربة فكرية. فكر لدقيقة واحدة أن أمامك طاولة من الرخام، هل يمكن أن تتصور أنه بعد مليارات السنين أو بعد مرور زمن لا نهائي إمكانية أن تتحول هذه الطاولة بصورة مفاجئة أو تدريجية إلى طاولة مدركة وواعية لما حولها، وواعية بهويتها بالكيفية التي نفهم بها الأمور؟ ببساطة هذا أمر لم ولن يقع، وهو ما ينطبق على جميع الجمادات غير الطاولة. بمجرد أن تدرك طبيعة المادة المكونة من كتلة وطاقة تدرك أن طبيعتها تجعل من المستحيل عليها أن تعي أو تفكر و «لا أن تقول أنا». ولكن موقف الملحدين يتمثل في أنه في نقطة معينة في تاريخ هذا الكون تحول هذا المستحيل وغير المتصور إلى واقع، وانتقلت المادة غير المميزة إلى الحياة وبعد ذلك أصبحت مدركة وبعدها أصبحت متقنة ثم «صارت أنا» (الكلام بصيغة المتكلم).

لكن عندما نعود إلى مثال الطاولة، نجد ببساطة أن ذلك مثير للضحك، فالطاولة لا تمتلك خصائص الوعي، وإعطاءها وقت لانهائي لا يمكنها من اكتساب هذه الخصائص. حتى إذا قبلنا ببعض السيناريوهات غير المعقولة عن أصل الحياة فإنه لابد للمرء أن يتخلى عن عقله حتى يقبل بسيناريو يقول إن الطاولة يمكن أن تنتج تصورات، وعلى المستوى دون الذري Subatomic level ما ينطبق على الطاولة ينطبق على بقية الأشياء.

على مدى الثلاثمائة السنة الماضية، كشفت العلوم التجريبية بما لا يعد ولا يحصى المزيد من البيانات حول العالم الفيزيائي أكثر من أي وقت مضى، وهو ما يصعب على أجدادنا تصوره. وهذا يشمل الفهم الشامل للشبكات الوراثية والعصبية التي تكمن وراءها الحياة والوعي والفكر والذات. بل أبعد من ذلك، فهذه الظواهر الأربعة تعمل مع البنية التحتية الفيزيائية بشكل يمكننا من الفهم بشكل أفضل من أي وقت مضى.

لا يستطيع العلم أن يخبرنا شيئا عن أصل أو طبيعة الظواهر في ذاتها. وعلى الرغم من محاولة بعض العلماء تفسير هذه الظواهر على أنها استظهار Manifestations للمادة، فإنه لا مجال للبرهنة على أن فهمي لجملة ما هو إلا انتقال لإشارات عصبية محددة.

من المؤكد أن هناك إشارات عصبية ترافق عملية تفكيري، وقد بين علم الأعصاب الحديث كيف أن مناطق في المخ مسؤولة عن جوانب عقلية معينة. ولكن القول بأن فكرة معينة هي مجرد انتقال لإشارات عصبية هو قول تافه بنفس درجة تفاهة فكرة أن العدل ما هي إلا حبر على ورق. ولذا فإن القول بأن الوعي والفكر هو ببساطة مجرد انتقال مادي Physical transactions هو قول غير متماسك.

نظرا لضيق المساحة هنا، أقدم نظرة عامة مختصرة جدا للظواهر الخمس الأساسية التي تمثل أساس لتجربتنا عن العالم، والتي لا يمكن تفسيرها ضمن إطار «الإلحاد الجديد» New atheism. ويمكن الاطلاع على دراسة أكثر تفصيلا في كتابي المقبل «الحلقة المفقودة».

 

العقلانية Rationalism

يسأل دوكنز وأخرين: «من خلق الإله؟» من الواضح أن الموحدين والملحدين يتفقون على شيء واحد، وهو أنه إذا كان هناك شيء ما موجود فلابد أن هناك من سبقه، وأنه دائم الوجود. ولكن كيف جاءت هذه الحقيقة الأبدية؟ الجواب هو أنها لم تأت مطلقا، لأنها موجودة على الدوام. أختر أمر من الأمرين، إما الإله أو الكون. لابد من شيء ما دائم الوجود.

في هذه النقطة بالذات تبرز الحاجة للعقلانية. خلافا لاعتراضات الملحدين، فإن هناك فرقا جوهريا بين ادعاء الملحدين والموحدين فيما يخص الكائن الدائم الوجود. يقول الملحدون أن تفسير وجود الكون هو موجود منذ الأزل، ولكننا لا نستطيع تفسير الحالة التي جاءت بهذا الكون الدائم إلى الوجود.

هذا الكون عصي على الشرح ويجب أن يقبل كما هو، يصر الموحدون في المقابل على أن الإله ليس عصية على التفسير: وجود الإله عصي على فهمنا، ولكنه ليس عصي على الإله.

إن وجود الإله الأبدي لابد أن له منطقه الخاص، لأن وجود العقلانية في الكون مشروط بأن يكون هذا الوجود قائم على أسس عقلانية مطلقة Ultimate rationality.

بعبارة أخرى، الحقائق الفردية Singular facts مثل قدرتنا على معرفة وتفسير الحقيقة، والترابط ما بين الأعمال Workings الموجودة في الطبيعة ووصفنا المجرد لهذه الأعمال Abstract descriptions (ما يسميه عالم الفيزياء يوجين فيغنر Eugene Wigner التأثير المنطقي للرياضيات Reasonable Effectiveness of Mathematics) ودور الرموز في النظام الوراثي والعصبي في المستويات الرئيسية للحياة تتمظهر باعتبارها الركائز الأساسية للطبيعة العقلانية Nature of rationality.

ما هو المنطق الداخلي الذي لا نستطيع رؤيته رغم أن الأفكار التقليدية تعطي بعض المؤشرات عن طبيعة الإله؟

على سبيل المثال، السيدة اليانور ستمب Eleonore Stump والسيدة نورمان کرتزمان Norman Kretzmann، تناقشان بالقول إنه عندما نفهم بشكل كامل خاصية البساطة المطلقة للإله فإنه يمكننا تبين كيف أن عدم وجود الإله غير ممكن. يشير ألفن بلانتينغا إلى أن الإله يفهم على أنه الواجب الوجود في كل الأكوان الممكنة. يمكن للملحدين أن يردوا على هذا الكلام بطريقتين: أن للعالم منطق داخلي لا نستطيع رؤيته، أو أننا لا نحتاج أن نعتقد بوجود إله له منطقه الخاص في الوجود. في النقطة الأولى سوف يرد الموحدون بالقول إنه لا وجود لكون أكبر من مجموع ما يتكون منه، ونحن نعلم حقيقة أنه لا يوجد شيء في الكون له منطق داخلي لا نهاية لوجوده.

في النقطة الثانية، يشير الموحدون إلى أن وجود العقلانية -التي نحن على يقين بوجودها -تتراوح ما بين قوانين الطبيعة إلى قدرتنا على التفكير العقلاني ولا يمكن تفسيرها إذا لم يكن لها أساس مطلق Ultimate ground، وهذه العقلانية ليست سوى العقل اللانهائي. «الكون عقلاني»، هذا ما لاحظه عالم الرياضيات المشهور کيرت جوديل[1] Kurt Godel. علاقة العقلانية بالكون تتمثل في أن «نظام الكون هو انعكاس لنظام العقل الخارق الذي يحكمه[2]. لا يمكن تجنب حقيقة العقلانية في الكون من خلال لجوئنا إلى فكرة الانتخاب الطبيعي، فالانتخاب الطبيعي Natural selection يفترض وجود كيانات فيزيائية تتفاعل فيما بينها وفقا القوانين محددة ورموز تنظم عملية الحياة. وعندما نتكلم عن الانتخاب الطبيعي فلابد أن نفترض وجود منطق ما لما يحدث في الكون، بشرط أن يكون بمقدورنا فهم هذا المنطق.

وبالعودة إلى المثال السابق لطاولة الرخام، نقول إن العقلانية الحقيقية التي تقف خلف تفكيرنا والتي تواجهنا في دراستنا للكون الدقيق رياضياً لا يمكن أن تكون نشأت من الحجارة. الإله ليس حقيقة قاهرة Ultimate brute fact، بل حقيقة عقلانية مطلقة في كل جوانب الوجود.

يزعم دانيال دينيت Daniel Dennett بأن «الإله خلق نفسه من العدم، أو على أحسن الأحوال من شيء لا يمكن تمييزه عن العدم»[3].

تم عرض هذه الفكرة بشكل أكثر وضوحا من جانب ملحد أخر حديث هو عالم الفيزياء فيكتور شتينجر Victor Stenger، الذي قدم حله لمسألة أصل الكون وقوانين الطبيعة في كتابه «ليس من خلال التصميم: أصل الكون، هل وجد العلم الإله، الكون القابل للفهم والإله: الفرضية الفاشلة»[4].

من بين أمور أخرى، يقدم شتينجر نقدا جديدا لفكرة قوانين الطبيعة وما يترتب عليها. في كتابه «الكون القابل للإدراك» The Comprehensible Cosmos، يقول شتينجر أن القوانين لم تنزل من أعلى، ولا هي عبارة عن قيود ذاتية in restrictions –Built السلوك المادة، وإنما هي قيود بالمعنى الذي يمكن لعلماء الفيزياء أن يصيغوا معادلاتهم الرياضية عن المشاهدات الحسية.

موقف شتينجر مبني على تفسيره لفكرة أساسية في الفيزياء الحديثة وهي التناظر Symmetry. وفقا لوجهة النظرة الفيزيائية الحديثة، فإن التناظر هو أي حالة تحول Transformation تحافظ على ثبات قوانين الفيزياء عند تطبيقها على النظام.

تم تطبيق الفكرة في البداية في المعادلات التفاضلية Differential equations للميكانيكا الكلاسيكية والكهرومغناطيسية ومن ثم تم تطبيقها بطرق جديدة على نظرية النسبية الخاصة ومشاكل ميكانيكا الكم. يقدم شتينجر لقرائه لمحة عامة لهذه الفكرة القوية، ولكن بعد ذلك ينتهي إلى نتيجتين غير متماسكتين. الأولى هي أن فكرة التماثل تستبعد فكرة قوانين الطبيعة، والثانية أنه لا شيء يمكن أن ينتج شيء ما لأنه لا شيء مستقر. من المدهش أن كتابا صدر بعنوان «التناظر المخيف» Fearful Symmetry لمؤلفه أنتوني زي Anthony Zee، وهو معروف في مجال دراسات التناظر يستخدم نفس الحقائق التي يسوقها شتينجر للوصول إلى نتيجة مختلفة:

«لقد لعبت التناظرات دورا مركزيا بشكل متزايد في فهمنا لعالم الفيزياء … علماء الفيزياء الأساسيين يقولون ن التصميم المطلق Ultimate design يواجه صعوبات مع التناظرات. الفيزياء المعاصرة لم تكن ممكنة بدون التناظرات التي ترشدنا ….. كلما تقدمت الفيزياء إلى الأمام من خلال تجربتنا اليومية، واقتربت من المصمم المطلق Ultimate Designer … لقد تم تدريب عقولنا بعيدا عن مراسيها المألوفة … أفضل أن أفكر في المصمم المطلق الذي يتم تعريفه من خلال التناظر[5].

يجادل شتينجر أن «لا شيء» متناظر تماما لأنه لا يوجد موقع مطلق Absolute position، أو وقت مطلق، أو سرعة مطلقة، أو تسارع مطلق في الفراغ Acceleration in the void.

وردا على سؤال «من أين جاء التناظر؟» يقول شتينجر إنها التماثلات في الفراغ Symmetries of the void، لأن قوانين الفيزياء هي مجرد ما يتوقعونه إذا جاءت من لا شيء».

مغالطة شتينجر الأساسية مغالطة قديمة، وتتمثل في خطأ النظر إلى «لا شيء» على أنه شيء ما.

على مدى قرون من البحث في مفهوم «العدم» Concept of nothing، حرص المفكرون على التأكيد على أن مصطلح «العدم» لا يعني «شيئا ما». العدم المطلق يعني أن لا وجود لقوانين، لا فراغ، لا طاقة، لا هيكل، لا وجود لكيانات مادية أو عقلية من أي نوع، ولا وجود لتناظرات، وليس هناك خصائص أو قابليات Potentialities. العدم المطلق لا يمكن أن ينتج شيئا ما في وقت لا نهائي-وفي الحقيقة لا يمكن أن يوجد زمان في العدم المطلق. ولكن ماذا عن الفكرة الرئيسية الكتاب شتينجر «الفرضية الفاشلة» والتي تذهب إلى أن ظهور الكون من العدم لا يخالف قوانين الفيزياء لأن الطاقة الصافية net energy للكون صفر؟

طرحت هذه الفكرة لأول مرة من قبل الفيزيائي إدوارد تریون Edward Tryon الذي بين أن الطاقة الصافية للكون هي صفر تقريبا، وبالتالي لا يوجد تناقض في القول إنها جاءت من العدم لأنها عدم. إذا أضفت طاقة الجاذبية الأرضية التي هي سالبة إلى بقية كتلة الكون وهي موجبة فإن الناتج سوف يكون صفر تقريبا. وعندها لا توجد حاجة لطاقة تصنع الكون، ولذلك لا حاجة لخالق.

بخصوص هذا الادعاءات وأمثالها، أشار الفيلسوف الملحد سمارت J. J. C. Smart إلى أن فرضية وجود کون بطاقة صافية تساوي الصفر لا تجيب على السؤال لماذا لابد أن يكون هناك شيء ما من الأساس. لاحظ سمارت أن الفرضية وصياغاتها الحديثة تفترض وجود منظومة الزمان والمكان[6]، والحقل الكمي The Quantum Field، وقوانين الطبيعة، وبالتالي فهي لا تجيب على السؤال لماذا توجد الأشياء، كما لا تجيب على سؤال عما إذا كان هناك سبب غير زماني للكون الزمكاني. الواضح من هذا التحليل، أن شتينجر ترك اثنين من الأسئلة دون إجابة، وهما: لماذا توجد بعض الأشياء وليس عدم مطلق؟ ولماذا تتوافق الأشياء الموجودة مع التناظرات أو تكون هياكل Structures معقدة؟

عرض زي Zee حقائق التناظر نفسها التي أعتمد عليها شتينجر للوصول إلى نتيجة مفادها أن عقل المصمم المطلق هو مصدر التناظر، وأن قوانين الطبيعة في الواقع تعكس التناظر الكامن في الطبيعة، والتناظر وليس قوانين الطبيعة هو الذي يشير إلى عقلانية وذكاء الأكوان-وهي العقلانية المتجذرة في عقل الإله.

 

الحياة Life

الظاهرة الأخرى التي نريد مناقشتها هنا هي الحياة. وفقا لرؤية توني فلو بشأن المادة في هذا الكتاب، لا حاجة لقول المزيد حول أصل الحياة. يجب لفت النظر إلى أن النقاش الحالي حول هذا السؤال لا يبدو أنه يتناول القضايا الأساسية. هناك أربعة جوانب للكائنات الحية. هذه الكائنات فاعلة Agents، وتسعى لهدف Goal seekers، وهي ذاتية التكاثر، وذات طبيعة سيميائية (وجودها يعتمد على التفاعل بين الرموز والكيمياء). كل كائن حي إما فاعل أو له قدرة على الفعل. وكل وجود هو المصدر الموحد Unified source لكل أفعاله. بما أن هؤلاء الفاعلين قادرون على البقاء والعمل بشكل مستقل، فإن أعمالهم موجهة نحو أهداف بنحو ما، وهم يستطيعون التكاثر، وبالتالي فهم كائنات هادفة Goal-seeking وذاتية التكاثر. أشار هوارد باتي Howard H. Pattee إلى أنه يوجد تفاعل بين العمليات السيميائية (الرموز، اللغات، المعلومات، التحكم) مع الأنظمة الفيزيائية (القوانين، الدينامية، الطاقة، القوى والمادة)[7].

من بين الكتب التي نراجعها في هذا الموضوع، فقط دیکونز هو الذي تناول السؤال عن أصل الحياة. يقول ولبيرت Wolpert، وهو أحد البارزين في هذا الحقل «لا نقول بأن كل الأسئلة العلمية المتعلقة بالتطور قد تم حلها. على العكس من ذلك فإن أصل الحياة بحد ذاته وتطور الخلية الذرية التي نتجت منها كل الكائنات الحية لازالت غير مفهومة[8]. في أعماله السابقة، يأخذ دينيت بعض المواقف المادية أخذ المسلمات. لسوء الحظ فإن وجهة نظر دوكنز لم تكن كافية حتى على المستوى الفيزيائي-الكيميائي، بل هي أسوء، ولكنه يتساءل[9] «كيف بدأت الحياة؟ أصل الحياة حدث كيميائي أو سلسلة من الأحداث، حيث تم توفير الشروط الضرورية للانتخاب الطبيعي …. عندما تتوفر المكونات فإن الانتخاب الطبيعي الدارويني يأتي كنتيجة. كيف حدث ذلك؟ أبتكر العلماء سحر الأرقام الكبيرة. الجميل في المبدأ الأنثروبولجي أنه يقول لنا على عكس حدسنا، يقول بأن هذا النموذج الكيميائي لا يحتاج سوى إلى توقع أن الحياة سوف تبرز على الكوكب بالمليارات لتعطينا تفسيرا كاملا ومرضية للحياة[10].

بناء على هذا النوع من التفكير المنطقي والذي يمكن وصفه بأنه تمرين جريء للخرافة، فإن كل شيء نرغب بوجوده ينبغي أن يوجد، فقط إذا استدعينا الأرقام الكبيرة. الحيوانات وحيدة القرن يجب أن توجد على عكس الحدس. النموذج الكيميائي هو المتطلب الوحيد الذي تحتاجه لتوقع ما يحدث على الكوكب بالمليارات.

 

الوعي Consciousness

الحسن الحظ أن الوضع ليس سيئا في دراسات الوعي على عكس ما هو موجود في المجالين السابقين. هناك في الوقت الحالي وعي متزايد بمفهوم الوعي. نحن واعون، ونحن نعي أننا واعون. لا أحد يمكن أن ينكر ذلك دون الوقوع في التناقض الذاتي، وإن كان البعض يصر على ذلك. المشكلة تصبح غير قابلة للحل عندما ندرك طبيعة الخلايا العصبية. كبداية، الخلايا العصبية لا تشابه حياتنا الواعية. الأمر الثاني، وهو أكثر أهمية، أن خصائص الخلايا العصبية من الناحية الفيزيائية لا توفر بأي حال من الأحوال سببا للاعتقاد بأن بإمكانها، أو أنها سوف تنتج وعيا. يرتبط الوعي ببعض مناطق الدماغ، ولكن عندما توجد أنظمة الخلايا العصبية المكونة من نيرونات في جذع الدماغ فإنها لا تنتج وعيا.

في الواقع، كما أشار العالم الفيزيائي جيرالد شرویدر Gerald schroeder، إنه لا يوجد هناك فرق جوهري من الناحية المادية بين كومة من الرمل وعقل أينشتين. فقط الإيمان الأعمى الذي لا أساس له بالمادة، يقف وراء الادعاء بأن جزيئات Bits المادة تستطيع إيجاد حقيقة جديدة لا تشبه المادة. رغم أن التيار العام الدراسات الجسد -العقل اليوم يعترف بحقيقة الوعي وما يستتبعه من غموض، إلا أن دانيال دنييت Daniel Dennett أحد القلة من الفلاسفة الذين لا يزالون يتهربون مما هو واضح. يقول دينيت بأن السؤال عما إذا كان هناك بعض الأشياء واعية سؤال غير قابل للإجابة، ويؤكد على أنه يمكن للمكائن أن تكون واعية لأننا مكائن واعية.

الوظيفية[11] Functionalism هي «تفسير» دينيت للوعي. يقول دينيت إننا لا ينبغي أن نكون قلقين مما يصطلح على تسميته بالظاهرة العقلية. بدلا من ذلك، ينبغي لنا أن نتحقق من العمليات التي تقوم بها هذه الظاهرة. الألم هو الشيء الذي يخلق رد فعل التفادي Avoidance reaction؛ والفكر هو تمرين على حل المشكلة. لا يجب أن ينظر للوعي باعتباره حدثاً خاصاً وقع في وقت خاص، كما سبق مع بقية الظواهر العقلية. أن تكون واعيا يعني أن تقوم بهذه العمليات. ولأن هذه العمليات يمكن تكرارها من خلال أنظمة غير حية (مثال: كمبيوتر يحل مسائل) فإنه ليس هناك أي غموض بخصوص الوعي، وبالتالي ليس هناك أي سبب موجب للذهاب لما هو غير فيزيائي.

ما أغفلته وجهة نظر دينيت، هو أن كل الأفعال العقلية تقترن بحالات وعي Conscious states، وهي الحالات التي تكون فيها على وعي بما نقوم به. لا تستطيع الوظيفية بأي حال من الأحوال تفسير أو الزعم بالقدرة على تفسير الحالات التي نكون فيها مدركين وواعين، فنحن نعرف ما نفكر فيه (الكمبيوتر لا يعرف ما يقوم به. حتى الآن، لا تقول لنا الوظيفية شيء عمن هو المدرك، من هو الواعي، ومن هو الذي يفكر. يقول دينيت بطريقة تثير التعجب إن فلسفته تقوم على فكرة الشخص الثالث المطلق»[12] Third -person absolutism، وهو ما يجعله في موقف الجزم «أنا لا أؤمن بأنا» I do not believe in I“.

ومن المثير للاهتمام، أن بعض أقوى منتقدي دينيت والوظيفية هم في ذاتهم علماء فيزياء من أمثال ديفيد بابينو David Papineau، وجون سيرل John Searle وغيرهم. جون سيرل بالخصوص حاد في نقده لهذه النظرية، حيث يقول «إذا كنت تميل إلى الوظيفية، فأعتقد أنك لست بحاجة إلى تفنيد، وإنما أنت بحاجة إلى مساعدة[13]. على النقيض من دنييت، دافع سام هاريس Sam Harris بقوة عن الطبيعة غير المادية للوعي بقوله «المشكلة ليست متعلقة بالمخ الذي عندما نستكشفه فإنه يظهر المخ على أنه حامل للبعد الداخلي Interior dimension الذي يعيش فيه كل واحد منا، أي الوعي بطريقته الخاصة. حسب قول هاريس، الوعي ظاهرة أكثر بدائية من الكائنات الحية وأمخاخها، ولا يبدو أن هناك طريقة واضحة لاستبعاد هذه الأطروحة بطريقة تجريبية[14].

يحسب لديكونز أنه أعترف بأن حقيقة كل من الوعي واللغة تطرح مشكلة محيرة «لا أنا ولا ستيف بنکر Steve Pinker نستطيع تفسير الوعي الإنساني الشخصي Consciousness Human Subjective وهو ما يسميه الفلاسفة الوعي الشخصي Qualia. في كتابه «كيف يعمل العقل»، يعرض ستيف لمشكلة الوعي الشخصي، ويطرح السؤال: من أين جاء الوعي الشخصي، وما هو تفسيره»، وكان دوكنز نزيهاً بالقول «عليّ أن أكون نزيها وأصرح بأننا لا نعرف الجواب، وأننا لا نفهم تفسيرا لذلك»[15].

يتجنب ولبرت عمداً مسألة الوعي برمتها قائلاً «لقد تجنبت بشكل متعمد أي نقاش حول الوعي»[16].

 

الفكر Thought

ما وراء الوعي Beyond consciousness، هناك ظاهرة الفكر والفهم ورؤية المعنى. كل استخدام للغة يكشف ترتيباً ذكياً فطرياً للوجود. تقف وراء عمليات التواصل واستخدام اللغة وهما أساس لعملية التفكير لدينا-قوة خارقة، قوة تعرف الاختلافات والتشابهات differences and similarities والتعميم والشمول Universalizing وهو ما يسميه الفلاسفة تصورات Concepts وكليات Universals وما شابهها. الفكر عبارة عن قوة معروفة للبشر، وهي قوة مميزة وفريدة من نوعها. كيف يمكنك منذ بداية طفولتك أن تميز دون جهد بين كلبك قيصر Caesar وبين بقية الكلاب. أنت تستطيع أن تتصور اللون الأحمر دون أن تتصور بالخصوص شيء لونه أحمر (بالتأكيد أن اللون الأحمر لا يوجد بذاته وإنما في الأشياء الحمراء). أنت تجرد Abstract وتميز Distinguish وتوحد Unify دون أن يأخذ الأمر من تفكيرك لحظة واحدة. هذه القوة التي تفكر بالتصورات بطبيعتها تتعالى Transcends فوق المادة.

إذا كان هناك من يعترض على ذلك فمن باب الاتساق يجب عليه أن يتوقف عن الكلام والتفكير. في كل وقت يستخدم هؤلاء اللغة فإنهم يؤكدون على الدور الواسع للمعنى، والتصورات، والنوايا والمنطق في حياتنا. ولذلك فإن من غير العقلاني الحديث عن قدرة مشابهة لدى المادة (ليس هناك عضو في الجسد يمارس التفكير)، ولكن بالتأكيد البيانات التي تأتي من الحواس كمواد خام يتم توظيفها في عملية التفكير. بمجرد أن تتأمل في هذا الأمر لعدة دقائق سوف تعرف على الفور أن الفكرة التي تقول بأن تفكيرك بشيء ما هو مجرد عمل فيزيائي تبدو فكرة سخيفة ولا تستحق التفكير فيها.

لنقل إنك تخطط للقيام بنزهة مع عائلتك وأصدقائك، حينها سوف تفكر في الأماكن المناسبة لقضاء النزهة فيها، وتفكر في الأشخاص الذين تريد أن تدعوهم، والأغراض التي تريد أن تحضرها معك، والسيارة التي سوف تستخدمها وبقية الأمور. هل افتراض أن التفكير بأي نحو بهذه الأمور هو عمل فيزيائي يعد افتراضا متماسكا؟

النقطة المهمة هنا هي أن مخك لا يفهم، وإنما أنت الذي تفهم، فعقلك يساعدك على الفهم ولكن ليس لأن أفكارك تحدث في المخ، ولا لأنك سبب حركة الخلايا العصبية. تصرفك على أساس أن فهمك بأن التخلص من الفقر شيء جيد عبارة عن عملية كلية Holistic لها جانبان، فهي عملية غير فيزيائية في جوهرها (كمعنى)، وهي عملية فيزيائية في التنفيذ (الكلمات والخلايا العصبية). لا يمكن فصل الفعل Act إلى فيزيائي وغير فيزيائي، لأنه فعل غير قابل للقسمة، فهو مركب Structure من الإثنين معا: الفيزيائي وغير الفيزيائي، ولكن تزاوجهما كامل، بحيث أنه ليس من المنطقي السؤال عما إذا كانت الأفعال فيزيائية أو غير فيزيائية أو مزيج منهما. الأفعال كما هو الحال مع الشخص المكون من المادي والروحي.

تنشأ الكثير من التصورات الخاطئة عن طبيعة الفكر من التصورات الخاطئة حول أجهزة الكمبيوتر. ولكن دعونا نفترض أننا نتعامل مع كمبيوتر عملاق مثل كمبيوتر الجين الأزرق The Blue Gene، والذي يستطيع القيام بأكثر من مائتي تريليون عملية حسابية في الثانية الواحدة. خطأنا الأول أن نفترض أن الكمبيوتر العملاق مثل النحلة أو البكتيريا. نحن نتعامل في حالة النحلة أو البكتيريا مع فاعل هو المركز في عملية عضوية موحدة. هدف كل نشاطات هذا الفاعل الحفاظ على وجوده بالتكاثر. أما «الجين الأزرق» فهو عبارة عن قطع تقوم مجتمعة أو منفردة بعمليات مزروعة Implanted وموجهة Directed من خالق هذا التجميع.

ثانيا، الكمبيوتر عبارة عن حزمة من الأجزاء التي لا تعرف ما تفعل عندما تقوم بمعالجة ما Performs a transaction. تتم العمليات التي يقوم بها الكمبيوتر العملاق استجابة لبيانات وأوامر هي مجرد إشارات إلكترونية صرفه ودوائر كهربائية وموصلات. يقوم الإنسان بنفس العمليات والمعالجات هذه، ولكن باستخدام آلية خاصة بالمخ، وهي تتم من خلال مركز الإدراك الذي هو على وعي بما يقوم به وهو يفهم ما تم إنجازه، وهو يؤدي كل ذلك عن قصد. ولكن لا يوجد لا فهم، ولا إدراك، ولا معنى، ولا قصد ولا شخص يقوم بذلك عندما يقوم الكمبيوتر بالأفعال نفسها، حتى لو افترضنا أن الكمبيوتر يمتلك معالجات متعددة Multiple processors تعالج البيانات بسرعات بشرية. مخرجات الكمبيوتر تعني لنا شيئا (توقعات الطقس أو حسابك المصرفي)، ولكن من زاوية حزمة القطع التي تسمى كمبيوتر فإن الأرقام الثنائية: Binary digits الصفر والواحد تؤدي إلى نشاطات ميكانيكية. القول بأن الكمبيوتر يفهم ما يقوم به، هو مشابه للقول بأن خط الكهرباء يمكن أن يفكر في مسألة الإرادة الحرة والحتمية، أو أن المواد الكيميائية في أنبوب الاختبار تُطبق مبدأ عدم التناقض Principle of noncontradiction في حل المسائل، أو أن مشغل الأقراص DVD Player يستمتع بالموسيقى التي يعزفها.

 

النفس The Self

من أهم المفارقات التي وقع فيها الملحدون الجدد قولهم إن الحقيقة الفيزيائية -غير الفيزيائية Supraphysical / physical reality الأساسية التي نعرفها من خلال التجربة هي ذاتها الشخص الذي يعيش التجربة، وهي نحن. بمجرد أن ندرك حقيقة الكائن الأول First -person الذي يتكلم بصيغة «أنا»، وندرك صيغ المتكلم الأخرى، فإننا نواجه أعظم لغز ككل وهو «أنا موجود» إذا أنا أفكر وأشعر وأعتزم وأقصد وأتفاعل. من هو «أنا»، وأين هو، وكيف أتي إلى الوجود؟ من الواضح أن ذاتك ليست شيئا فيزيائية، ولكنها ليس غير فيزيائية كذلك، وإنما هي بدن مادي ومحتوى روحي، فأنت لست موجودة في خلية معينة في المخ أو جزء من أجزاء البدن. خلايا بدنك تتغير باستمرار، ومع ذلك فأنت تظل كما أنت. عندما تدرس خلايا العصبية فستكتشف أن أيا منها لا يملك خاصية أن تكون «أنا». بالطبع، جسدك جزء مكمل، ولكنه يظل بدن لأنه مركب من أعضاء فيزيائية. أن تكون إنسانا هو أن تكون جسدا وروحا.

في المقطع الشهير في كتابه «مقال في الطبيعة البشرية»[17]، يعلن هيوم «أنه عندما كنت أدخل بعمق فيما أسميه «نفسي» …. لم أكن قادراً قط على أن أدرك نفسي دون إحساس، ولم أكن قادرا على مراقبة أي شيء سوى الإحساس». في هذا المقطع ينكر هيوم وجود النفس، ببساطة لأنه كما يقول «لم يجد نفسه». ولكن ما الذي يوحد Unifies خبراته المتعددة، ما الذي يجعله يعي وجود العالم الخارجي، وأن يظل كما هو خلال هذه العملية؟ يفترض هيوم أن «ذاتي» Myself هي حالة قابلة للمشاهدة Observable state مثل تفكيره ومشاعره، ولكن النفس ليست شيئا يمكن مشاهدته. إنها حقيقة ثابتة للتجربة Experience، والتي هي فوق الواقع، وأساس لكل التجارب.

في الواقع، من بين كل الحقائق التي يمكن أن نتعرف عليها، فإن النفس هي الأكثر وضوحا، ولا يمكن إنكارها، وفي الوقت نفسه هي الأكثر غموضاً لجميع الكيانات «الفيزيائية» Physicalism. وفي البداية، لابد من القول بأنه لا يمكن ادعاء عدم وجود النفس من دون الوقوع في التناقض. الجواب على السؤال «كيف أعرف أنني موجود» هو يرد السؤال بسؤال أخر «ومن هو السائل؟». النفس هي ما نحن عليه، وليس ما لدينا.

 إنها «أنا» التي تنبثق من منظور المتكلم First -person perspective. نحن لا نستطيع أن نحلل النفس لأنها ليست حالة عقلية Mental state يمكن ملاحظتها أو وصفها. الحقيقة الأساسية القصوى التي نعيها هي النفس البشرية، وفهم النفس يلقي حتما بأثره على بقية الأسئلة الأساسية ويعطينا انطباع ما عن الحقيقة ككل. نحن ندرك أن النفس لا يمكن وصفها، ومن حيث الكيمياء أو الفيزياء: العلم لا يكتشف النفس، النفس هي التي تكتشف العلم. نحن ندرك أن الموقف من تاريخ الكون لن يكون متماسكا إذا لم يكن الموقف Account من النفس متماسكا.

 

الأصل اللامادي The Origin Of The Supraphysical

كيف حدثت الحياة؟ كيف وجد الفكر والنفس؟ يبين تاريخ العالم الظهور المفاجئ لهذه الظواهر، فالحياة ظهرت مباشرة بعد أن برد كوكب الأرض، وبرز الوعي بغموض في الانفجار الكمبري[18] Cambrian explosion، وظهرت اللغة من «الرموز النوعية»[19] Symbolic species دون تطور مسبق. نطاق الظاهرة محل النقاش يبدأ مع الشفرة Code، ونظم معالجة الرموز، والقصد seeking-Goal، والفاعلين الواعين، هذه الأمور في الطرف الأول في مقابل الوعي الذاتي والفكر التصوري Conceptual thought والنفس البشرية، في الطرف الأخر.

الأمر المتماسك الوحيد بالنسبة لهذه الظواهر هو أن لها أبعاد مختلفة من الوجود، وأنها ذات طبيعة غير فيزيائية بطريقة أو بأخرى. تتكامل هذه الظواهر مع ما هو مادي ولكن بصورة «جديدة» بشكل جذري. نحن لا نتكلم هنا عن «أشباح في الآلة»[20] Ghosts in machines، بل نتكلم عن فاعلين من أنواع مختلفة بعضها واعي، والبعض الأخر واعي ويفكر. وفي كل حالة لا توجد ثنائية Dualism أو حيوية Vitalism، ولكن مجموع من التكامل Integration that is total، كلية Holism تتضمن ما هو فيزيائي وما هو معنوي.

على الرغم من أن الملحدين الجدد فشلوا في استيعاب طبيعة مصدر الحياة والوعي والفكر والنفس فإن السؤال عن أصل غير فيزيائي يبدو واضحا: لابد أن الأصل غير الفيزيائي نشأ من مصدر غير فيزيائي. لابد أن الحياة والوعي والنفس نشاؤا من مصدر حي وواعي ويفكر. إذا كنت في مركز الوعي والفكر الذي يمكنه أن يحب ويعتزم وينفذ فإنني لا أفهم كيف أن مراكز هذه النشاطات أتت من شيء ما غير قادر على مثل هذه النشاطات.

على الرغم من أن العمليات الفيزيائية البسيطة يمكن أن تخلق ظواهر فيزيائية معقدة، فإننا لسنا بصدد العلاقة بين الظواهر البسيطة والمعقدة، ولكن نحن بصدد أصل المراكز. ببساطة، إن من غير المعقول أن أي مصفوفة مادية Material array يمكن أن تنتج فاعلين يفكرون ويفعلون. المادة لا يمكن أن تنتج إدراكات أو إحساسات. حقل القوة A force field لا يفكر أو يخطط. إذا على المستوى المنطقي وعلى مستوى التجربة اليومية، نصبح على وعي مباشر بأن عالم الموجودات الحية والواعية والمفكرة أساسه مصدر حي هو العقل.

 

[1] Hao Wang, A Logical Journey: From Godel to Philosophy (Cambridge, MA : MIT Press, 1996), 316

[2] Palle Yourgrau, A World Without Time: The Forgotten Legacy of Gödel and Einstein

(New York: Basic Books, 2005), 104-5.

[3]  Daniel Dennett, Breaking the spell (New York: Viking, 2006), 244.

[4] Not by Design: The Origin of the Universe Has Science Found God? The Comprehensible Cosmos, and God: The Failed Hypothesis

[5] Anthony Zee, Fearful Symmetry (New York: Macmillan, 1986,280-81.

[6] J.J. C. Smart and John Haldane , Atheism and Theism ( Great Debates in Philosophy) (Oxford: Blackwell, 2003), 228 ff

[7] Howard H. Pattee, “The Physics of Symbols: Bridging the Epistemic Cut, Biosystems 60 (2001): 5-21.

[8] Lewis Wolpert, Six Impossible Things Before Breakfast (London: Faber and Faber,2006), 212-13.

[9] Richard Dawkins, The God Delusion (London: Bantar, 2006), 137.

[10] Dawkins, The God Delusion, 137-38

[11] نظرية في فلسفة الذهن تقوم فكرتها الأساسية على أن الحالات الذهنية تتقوم بدورها الوظيفي فحسب.

[12] القبول بفكرة وجود کيانات لا هي مادية ولا هي معنوية.

[13] John Searle, The Rediscovery of the Mind (Cambridge, MA: MITPress, 1992), 9.

[14] ) Sam Harris, The End of Faith (New York: Norton, 2004), 208-9.

[15]  Richard Dawkins and Steven Pinker, “Is Science Killing the soul?” The Guardian

Dillons Debate, Edge 53 (April 8, 1999)

[16] Wolpert, Six Impossible Things Before Breakfast, 78.

[17] A Treatise of Human Nature

[18] ظهور مفاجيء جيلولوجي لمستحدثات أسلاف الحيوانات المألوفة ضمن السجل الأحفوري الأرضي.

[19] إشارة إلى كتاب تيرنس دیکون Terremce Deacon يجمع وجهات نظر من الأحياء العصبية ونظريةالتطور والسميئيات.

[20] مصطلح أبتكره غلبرت رايل للتعبير عن ثنائية العلاقة بين المادي والمعنوي.

إيجاد مساحة للإله – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

إيجاد مساحة للإله – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

إيجاد مساحة للإله – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

إيجاد مساحة للإله – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

Finding Space for God

في المشهد الأول من مسرحية ماكبث Macbeth لشكسبير، وهي إحدى أشهر مسرحياته، يواجه ماكبث وبانكو Banquo وهما إثنان من الجنرالات في الجيش الملكي ثلاثة من الساحرات، حيث تتحدث إليهما الساحرات ثم يختفين. يقول بانکو «الأرض لها فقاعات كما أن للماء فقاعات، وهؤلاء فقاعات كذلك، أين اختفين؟ يرد ماكبث: «في الهواء، ما بدا لك أنه جسد تبخر كهواء في الريح». إنه مسرح ترفيهي وأدب جميل، وفكرة الشخص الذي يختفي «كما الهواء في الريح» نادرا ما تشكل مشكلة لمشاهدي المسرح والأدب، ولكنها في السابق، مثلت عقبة حقيقية للفلاسفة في سعيهم إلى «إتباع الدليل أينما قادهم».

 

لا يوجد أحد هناك There’s No One There

في كتابي «الإله والفلسفة»، وفي منشورات لاحقة له، ذكرت بأن تصور الإله غير متماسك، لأنه يفترض أن الإله روح معنوية حاضرة في كل مكان وزمان، ووجهة نظري كانت مباشرة. الإنسان كما نفهمه بالمعنى المعتاد مكون من لحم ودم، ولذلك فإن قولنا إن «شخص من دون جسد يبدو بلا معنى له مثل قافية الأبيات المنسوبة إلى هنز ميرنز Hughes Mearns:

وأنا أسيرفوق الدرج

قابلت شخصا لم يكن هناك

ولم يكن هناك اليوم أيضا

أه كم أتمنى أن يذهب بعيدا

 أن تقول بأن هناك شخص من دون جسد» مشابه جدا لقولك «هناك شخص ما ليس موجودا هناك». إذا كنا نريد التعرف على شخص من دون جسد، فلابد أن نمتلك وسائل مناسبة للتعرف على ما نسميه «شخص». أستمر الفلاسفة المتأخرون من أمثال بيتر ستراوسن Peter Strawson وبيدي راندل Bede Rundle في تطوير هذا النقد. وفي الآونة الأخيرة، وجدنا نسخة من هذه الحجة في أعمال جون غاسكين John Gaskin أستاذ الفلسفة والزميل في كلية الثالوث بدبلن. فقد كتب غاسکین «غياب الجسد ليس فقط مبرر واقعي للشك في أصل وجود الشخص (لا شخص هناك)، بل هو أيضا مبرر للشك في أن هذا الكيان غير المادي يمكن أن يكون فاعلا[1]. تم الرد على هذا النقد من قبل الموحدين، وقد شهدت فترة الثمانينات والتسعينات صحوة للتوحيد في أوساط الفلاسفة التحليليين. قام العديد من هؤلاء المفكرين بدراسات مطولة عن الخصائص المرتبطة بالإله مثل مفهوم الخلود.

تم الرد على هذا النقد من قبل الموحدين. وقد شهدت الثمانينات والتسعينات نهضة إيمانية في التوحيد في أوساط الفلاسفة التحليليين. قام العديد من هؤلاء المفكرين بدراسات مطولة عن الصفات المرتبطة تقليدية بالإله مثل الخلود.

تصدى اثنان من هؤلاء المفكرين، وهما توماس تريسي Thomas Tracy وبراين ليفتو Brian Leftow بمنهجية المسؤولية الدفاع عن تماسك فكرة «روح معنوية حاضرة في كل زمان ومكان». ففي حين تناول تريسي السؤال عن كيفية تعريف كائن لا مادي، حاول ليفتو أن يبين أن الإله يجب أن يكون خارج المكان والزمان وكيف يمكن أن يتصرف الكائن غير المادي في الكون.

 

كمال الفاعلية The Perfection Of Agency

في كتابه «الإله والفعل والتجسيد» و«الإله الفاعل»، أجاب تريسي باستفاضة على سؤالي كيف يمكن أن يكون هناك شخص دون جسد وكيفية تعريف شخص كهذا. أعتبر تريسي أن الأشخاص (البشري والإلهي) الفاعلين يفعلون عن قصد. وهو يرى الإنسان كفاعل عضوي، كجسد قادر على الفعل القصدي. ولكن على الرغم من أن كل الفاعلين المتجسدین (كأشخاص البشر) يجب أن يكونوا وحدات نفسية (وليست عقول زائد أجساد)، وأنه لا يجب أن يكون كل الفاعلين غير متجسدين.

لا توجد حجة مضادة للثنائية تبين أن الجسد هو شرط ضروري لكينونة الفاعل، طالما أن الشرط الوحيد لكينونة الفاعل هو أن يكون ببساطة قادرة على الفعل القصدي. يرى تريسي أن الإله فاعل، لأن كل أفعاله قصدية. التحدث عن الإله كشخص، هو تحدث عن فاعل يقوم بأفعاله عن قصد. قدرة الإله على الفعل متميزة، والأفعال التي تعزى إلى الإله لا يمكن من حيث المبدأ أن تنسب للفاعلين الأخرين. على سبيل المثال، الإله عبر فعله القصدي، فهو الفاعل الذي يمنح الوجود لكل الكائنات.

لاحظ تريسي أنه يمكن تعريف الإله من خلال النمط الفريد لطريقة فعله. «إذا تصورنا الإله باعتباره الفاعل الكامل، فإنه يمكن القول إن الإله هو فاعل موجد لذاته، وتتبدى حياته كوحدة كاملة من القصد، وهو خالق كل شيء وعلى كل شيء قدير». «أن نقول إن الله يحب، فكأننا نقول إن الله يظهر هذا الحب في أفعاله، وهذه الأفعال تمثل هويته كفاعل. ولكن الله فاعل بحيث أن نمط حياته وقدرته تختلف بشكل جوهري عنا. «بما أن نطاق ومحتوى فعل الإله مميز، فكذلك ستكون خاصية حبه وصبره وحكمته». هذا الفهم للأفعال الإلهية يساعد في إعطاء محتوی لوصفنا للإله بأنه محب أو حكيم، ومع ذلك لا بد أن نعترف بأن فهمنا محدود للغاية[2].

 

التجهيزات الحقيقة للعالم The Real Furniture Of The World

براين ليفتو، وهو أستاذ بجامعة أكسفورد، يعالج هذه الأفكار في كتابه «الزمان والخلود» Time and Eternity. في نقاشي معه، أشار ليفتو إلى أن فكرة الإله الخارج عن الزمان والمكان تتوافق مع نظرية النسبية الخاصة[3] Special relativity. يقول ليفتو «هناك الكثير من الحجج التي يمكن عرضها لبيان أن الإله خارج الزمان. الشيء الذي أثر على أنك إذا أخذت النسبية الخاصة بشكل جاد جدا، فستعتقد بأن كل شيء في الزمان هو أيضا في المكان. إنه مجرد اتصال للأبعاد الأربعة. ليس هناك موحد يقول إن الإله موجود في المكان بالمعنى الحرفي. إذا لم يكن الإله في المكان، وكل من في الزمان هو في المكان، فهذا يعني أن الإله ليس في الزمان. السؤال إذا يصبح هكذا: ما هو المعنى الذي يمكن تصوره لكائن مشابه للشخص خارج عن الزمان؟

يستمر لفتو بالقول «حسنا، الكثير من المحمولات الشخصية لن تنطبق. الإله لا ينسى، أنت تنسى ما هو في الماضي. الإله لا يتوقف عن فعل شيء، أنت تستطيع فقط أن تتوقف عن فعل ما هو في الماضي. ولكن هناك محمولات شخصية، لا يبدو أن مرجعيتها الأساسية: الزمان -الأشياء مثل العلم Knowing، الذي يمكن أن يكون حالة من الميل دون مرجعية زمانية. وسأجادل بأن القصد هو أيضا كذلك. القصد هو حالة من الميل بحيث لو كان شيئا ما سيقع، فإنك ستفعل شيئا ما. ولذلك أنا أميل للاعتقاد بأن هناك أسبابا للاعتقاد بأن الإله خارج الزمان. وأيضا أميل للاعتقاد بأنه يمكننا العثور على معنى من هذا القبيل دون الغوص في مستنقع الوحل.

السؤال الثاني الذي تصدى له ليفتو كان هو: كيف يمكن أن نتكلم عن روح حاضرة بكل زمن ومكان تقوم بممارسة العمل في المكان أو الكون:

«إذا كان الإله غير زماني، فإن أي شيء يفعله سوف يفعله دفعة واحدة[4]، فلا يمكنه أن يفعل شيئا ما أولاً ثم يفعل الثاني بعد ذلك، وإنما هو فعل واحد له تأثير في أزمان مختلفة. قد يقوم الإله بفعل إرادي واحد، بأن يقول بكلمة واحدة أن الشمس سوف تشرق اليوم، وسوف تشرق غداً، إلا أن هذا الشروق يظهر اليوم ثم يظهر غداً. مع ذلك، هذا ليس هو السؤال الأساسي.

السؤال الأساسي هو كيف يمكن أن يكون هناك رابط سببي بين كائن لا زماني ولا مكاني وبين الكون الزماني -المكاني[5]؟ قدرتك على تقديم معنى لذلك يعتمد على تصورك للسببية[6]. إذا كنت تعتقد أن تصور السبب يستبطن بشكل أساسي مرجعية زمانية -مثال: إذا وقع حدث ما، استتبعه حدث أخر وبينهما علاقات معينة-فإن هذا المعنى للسبب سوف يتم استبعاده. ولكن هناك تحليل لا يتضمن مرجعية زمانية أساسية. أنا شخصيا أميل إلى أن تصور السبب لا يحمل تحليلا لأنه مفهوم أولي، والسببية علاقة أولية. إنها جزء من أثاث (تجهيزات العالم. إذا لم يكن لتصور السبب تحليل، فليس ثمة شيء يمكن أن تقتلعه منه عن طريق تحليل ما يستبعد الربط السببي الأولي بين الإله اللازماني والزمان بأسره[7].

إمكانية متماسكة A Coherent Possibility

على أقل تقدير، بينت دراسات تريس وليفتو أن فكرة الروح الحاضرة في كل زمان ومكان ليست غير متماسكة في جوهرها إذا نظرنا إلى هذه الروح خارج الزمان والمكان حيث تقوم بأفعالها القصدية بطريقة خاصة في المتصل الزماني المكاني. السؤال عما إذا كانت هذه الروح موجودة، كما نرى، يقع في صلب حجج وجود الإله.

إما بالنسبة لصلاحية، هذه الحجج فأنا أتفق مع استنتاج كونوي الذي قال فيه: «إذا كان منطق الفصل السابق صحيحا، فإنه لا توجد حجة فلسفية جيدة تنفي وجود الإله لتكون تفسيرا للكون المنظم الذي يظهر لنا. وإن كان الأمر كذلك، فلا يوجد سبب يمنع الفلاسفة للعودة مرة أخرى للتصور الكلاسيكي لموضوعهم، بشرط ألا يكون هناك طريق أخر للظفر بالحكمة»[8].

 

 

[1] John Gaskin, Gods, Ghosts and Curious Persons, unpublished paper.

[2] Thomas F. Tracy, God, Action and Embodiment (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 1984), | 147, 153. See also The God Who Acts, ed. Thomas F. Tracy (University Park: Pennsylvania State University Press, 1994)

[3] النظرية النسبية الخاصة أو نظرية التغير the invariant theory، كما كان يسميها أينشتين، وهي التسمية الأكثر دقة، هي نظرية فيزيائية للقياس في إطار مرجعي اقترحها ألبرت أينشتين عام ۱۹۰۵. كبديل عن نظرية نيوتن في الزمان والمكان لتحل بشكل خاص مشاكل النظرية القديمة فيما يتعلق بالأمواج الكهرومغناطيسية عامة، والضوء خاصة. وهي تدعى «خاصة «لأنها تعالج حالة خاصة تتعلق بحركة المراجع المختبرات) بالنسبة لبعضها البعض بسرعة منتظمة وفي خط مستقيم.

[4] يذكرنا هذا بقوله تعالى : وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصرة (سورة القمر، ۵۰).

[5] وهي معضلة تناولها فلاسفة الإسلام ببحث عميق تحت عنوان « ربط القديم بالحادث»، أنظر: «أصول الفلسفة والمنهج الواقعي» للسيد الطباطبائي، وتعليق الشيخ المطهري، المقالة الحادية عشرة، والمقالة الرابعة عشرة.

[6] وهذا بالضبط ما قدمه صدر الدين الشيرازي، عند طرح نظريته في مناط احتياج المعلول إلى العلة، وبين أن مناط تلك الحاجة أن المعلول هو عين الربط والتعلق بالعلة، وليس شيئا يعرض له الربط والتعلق بالعلة.

[7]Brian Leftow, personal conversation with the author, Oriel College, Oxford University, October 2006.

[8] David Conway, The Rediscovery of Wisdom (London: Macmillan, 2000), 134.

هل يأتي شيء من لا شيء؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

هل يأتي شيء من لا شيء؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

هل يأتي شيء من لا شيء؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

هل يأتي شيء من لا شيء؟ – هناك إله – كيف غير أشهر ملحد رأيه؟ – أنتوني فلو

Did Something Come From Nothing?

في أحد المشاهد الأخيرة من فيلم «صوت الموسيقى» The Sound of Music، تعترف ماريا التي لعبت دورها جولي أندرو وكابتن فون تراب الذي لعب دوره کریستوفر بلمر، يعترف كل منهما بحبه للأخر. كل منهما كان متفاجئا بحب الأخر له، وتسألا كيف حدث ذلك الحب، ولكنهما على ثقة أنه جاء من مكان ما، وأخذا يغنيان «ليس هناك شيء جاء من لا شيء، لا شيء يمكنه ذلك»[1].

ولكن هل هذا صحيح؟ أم يمكن أن يأتي شيء من لا شيء؟ وكيف يمكن أن يؤثر هذا السؤال على فهمنا للكيفية التي جاء بها الكون للوجود؟ هذا هو موضوع البحث العلمي الملتزم في مجال الكونيات، وكذلك فيما يخص الحجة الكونية في الفلسفة. في كتاب «فرضية الإلحاد»، عرفت الحجة الكونية على أنها الحجة التي تبدأ من فرضية وجود الكون، وأقصد بالكون القائم الذي جاء إلى الوجود بسبب كائن آخر (أو ذاك الذي يمكن أن يكون سببا لوجود بقية الكائنات).

 

الكون النهائي The Ultimate Universe

في كتاب «فرضية الإلحاد» والكتابات الإلحادية الأخرى، جادلت بأن علينا أن نأخذ الكون نفسه وأكثر قوانينه الأساسية باعتبارها أمورة نهائية. كل نظام تفسير يجب أن يبدأ من نقطة ما، ونقطة البداية هذه لا يمكن تفسيرها من داخل النظام. لذا لا محالة، أن كل الأنظمة من هذا القبيل تشتمل على الأقل على بعض الأساسيات التي لا تفسر ذاتها. وهذه النتيجة تأتي من الطبيعة الأساسية التفسير المتعلقة بالسؤال: لماذا يوجد شيء ما على الحالة التي هو عليها.

لنفترض على سبيل المثال، أننا لاحظنا أن الطلاء الأبيض الجديد الموجود فوق الموقد أصبح لونه بنياً متسخاً، وبعد أن بحثنا عن السبب، اكتشفنا أن هذا ما يحدث عادة عند تفاعل مثل هذا النوع من الطلاء مع هذا النوع من المواقد. وتقدمنا خطوة ثانية في معرفة السبب، فعلمنا أن هذه الظاهرة يمكن تفسيرها على أساس إطرادات أوسع وأعمق لتركيب كيميائي: فحين يتفاعل الكبريت المتصاعد من لهب الموقد مع شيء ما في الطلاء فإنه يعمل على تكوين مركب كيميائي، وأن هذا هو السبب في تغير لون الطلاء. وبعد البحث أكثر اكتشفنا وجود قذارة في مطبخنا، وهي إحدى النتائج التي لا تعد ولا تحصى المترتبة على نظرية الذرية – الجزيئية atomic -molecular theory لتكون المادة. هكذا هو الحال في عملية التفسير، ففي كل مرحلة نفترض بعض الأمور كحقيقة مسلمة، وهذا هو حال الأشياء.

في مناظراتي مع المعتقدين بوجود إله، شاهدت كيف أنهم يصلون إلى هذه المرحلة التي لا مفر منها. مهما فكر الموحدون، لتفسير شيء ما، من خلال إرجاعه إلى وجود وطبيعة الإله، فلا يمكنهم تفادي أخذ تلك الحقيقة بوصفها نهائية وجوهرية وتتجاوز التفسير. ولا يمكنني رؤية كيف يمكن أن يعرف شيء ما ضمن كوننا، أو يُحدس عقلانياً، بوصفه يشير إلى واقعية ما متعالية تقبع خلف، فوق، أو تتجاوز. إذا لماذا لا نأخذ الكون ومعظم معالمه الأساسية بوصفها هي الحقيقة النهائية.

الآن، معظم النقاشات التي عرضت لها فيما سبق لا تستند إلى التطورات الحادثة في مجال الكونيات. في الحقيقة، أن إثنين من كتبي الرئيسية ضد اللاهوتية كتبتهما قبل وقت طويل من ظهور نظرية الانفجار الكبير أو قبل عرض حجة التوافق Fine -tuning argument المنبثقة من فكرة الثوابت الفيزيائية Physical constants. ولكن مع بداية الثمانينات من القرن الماضي، بدأت بإعادة النظرة في كلا الفكرتين. وقد اعترفت آنذاك بأن على الملحدين أن يشعروا بالإحباط من الإحصاءات الكونية الحديثة، حيث بدا أن علماء الكونيات يقدمون الدليل العلمي على ما قاله القديس توما الأكويني من أنه يصعب على الفلسفة إثباته، يعني أن للكون بداية.

 

في البداية In The Beginning

عندما تعرفت كملحد على نظرية الانفجار الكبير، بدا لي أنها سوف تحدث فارقاً كبيراً لأنها تقول بأن للكون بداية، وأول جملة في سفر التكوين تذكر أنه «في البداية خلق الإله السموات والأرض»، وكانت مرتبطة بما حدث في الكون.

طالما أن الكون يمكن أن لا يكون بلا نهاية فحسب، بل أيضا بلا بداية، فيبقى من السهل أن ترى وجوده (ومعظم معالمه الرئيسية) كحقائق مسلمة. وإذا لم يكن هناك أي سبب يدعو للاعتقاد بأن الكون بداية، فإنه لا حاجة لافتراض وجود شيء ما خلق كل شيء كمصادرة. ولكن نظرية الانفجار الكبير غيرت كل شيء. فإذا كان للكون بداية، فإنه يصبح من المشروع تماما، بل لا مفر من، إثارة السؤال عن الذي أنتج هذه البداية. وهذا ما يغير الوضع بشكل كامل.

وفي نفس الوقت، توقعت أن الملحدين سوف يرون أن فكرة الانفجار الكبير تتطلب تفسيراُ فيزيائياُ، وهو ما قد لا يكون متاحاً للبشر. ولكن أعترف أيضا بأن المعتقدين بالإله يمكن أن يرحبوا بشكل منطقي بفكرة الانفجار الكبير باعتبارها تميل لتأكيد اعتقادهم المسبق بأنه «في البدء» الكون كان قد خلق بواسطة الإله.

يبدو أن علماء الكونيات المعاصرين مرتبكين، كما هو حال الملحدين، في إمكانية أن تتضمن اكتشافاتهم نتائج لاهوتية. وكنتيجة لذلك، ابتكروا طرقا للهروب تحافظ على الوضع الإلحادي القائم. ومن ضمن هذه الطرق فكرة الأكوان المتعددة، أي العدد الهائل من الأكوان الذي نشأ من أحداث متقلبة من الفراغ اللانهائي، أو ما يسمى بالكون المكتفي بذاته حسب تعبير ستيفن هوكينز.

 

إلى أن تحين البداية Until A Beginning Comes Along

كما ذكرت سابقا، لم أجد أن فكرة الأكوان المتعددة مفيدة. وقلت أيضا بأن التعاطي مع فرضية الأكوان المتعددة كمصادرة هو بديل يائس. إذا كان وجود کون واحد يحتاج إلى تفسير، فإن وجود أكوان يحتاج إلى تفسير أكبر بكثير، وعندها يتضاعف حجم المشكلة بمقدار عدد الأكوان الكلي. هذا الوضع يبدو مثل طفل صغير لا يصدق معلمه ادعاءه بأن الكلب أكل كراسة واجبه المدرسي، فيستبدل ذلك بالادعاء بأن مجموعة من الكلاب أكلت کراسة واجبه.

أخذ ستيفن هوكنج اتجاهاً أخر في كتابه «ملخص لتاريخ الزمان». فقد كتب هوكنج قائلا «إنه إذا كان بإمكاننا أن نفترض وجود بداية لهذا الكون فإنه بإمكاننا كذلك أن نفترض وجود خالق لهذا الكون. ولكن إذا كان الكون في الواقع مكتفي بذاته، وليس له حدود، فإنه لن يكون له بداية ولا نهاية، فهو موجود وانتهى الأمر. إذا هل بقي مكان للخالق؟»[2]. في عرضي للكتاب بعدما تم نشره، أشرت إلى أن الاقتراح المتضمن في نهاية السؤال لن يساعد إلا في اللجوء إلى غير الإلهي. وتناسقاً مع هذه الخاتمة، قلت: الذين ليسوا من علماء الفيزياء النظرية، سيكونون مجبرين على أن يردوا، مثل بعض الشخصيات في مسلسل برودواي (مسلسل فكاهي): «إذا لم يكن الانفجار الكبير هو البداية، فإنه سيظل كذلك على الأقل حتى تظهر بداية أخرى». بدا على هوكينج على الأقل شيء من التعاطف مع هذا الرد، حيث قال «إن تمدد الكون لن يمنع من وجود الخالق، ولكنه سوف يزيد فقط من الوقت اللازم لإنجاز عمله»[3].

كتب هوكينز أيضاً قائلاً: «قد يقول قائل إن الزمان بدأ مع الانفجار الكبير، وهذا ببساطة يعني أن الزمان قبل الانفجار الكبير لا يمكن تحديده»[4].

استنتجت من هذا النقاش أنه حتى لو اتفقنا على أن الكون بدأ مع الانفجار الكبير فإن الفيزياء يجب أن تظل لاأدرية بشكل قاطع، فمن المستحيل من الناحية الفيزيائية اكتشاف من الذي سبب الانفجار الكبير من المؤكد أن الإيحاء بأن الكون المتغير باستمرار في مقابل التصرف في الكون الثابت الخامل إلى الأبد يحدث فارقا في المناقشة. لكن المغزى من القصة في نهاية المطاف هو أن القضايا المطروحة قضايا فلسفية وليست قضايا علمية، وهو ما يعيدنا إلى الحجة الكونية.

 

شيء ما أكبر من أن يفسره العلم Something Too Big For Science To Explain

ديفيد هيوم هو الناقد الفلسفي الأساسي للحجة الكونية لوجود الإله. وعلى الرغم من أنني اتفقت مع حجج هيوم في كتبي السابقة، إلا أنني بدأت في التعبير عن شكوكي حول منهجه. على سبيل المثال، كنت قد أشرت في مقال في كتاب تذكاري للفيلسوف تيرينس بينلهم Terence Penelhum أن بعض فرضيات تفكير هيوم أسفرت عن أخطاء قاتلة. وهذه الأخطاء تشمل أطروحته في أن ما نسميه «أسباباً» ليست سوى نوع من «تداعي المعاني» أو الافتقار لمثل هذا التداعي. قلت إن أصل -أو على الأقل التحقق من صحة -تصوراتنا السببية، والأسس التي يفترض أن تبنى عليها معارفنا السببية، تستند إلى وفرة وتكرار النشاط التجريبي لمخلوقات مكونة من لحم ودم، وفاعلة في عالم العقل -المستقل mind -independent world (تجربة محاولة سحب ودفع أشياء، والنجاح في سحب أو دفع بعضها وعدم النجاح مع البعض الأخر، وتجربة التساؤل ماذا سيحدث لو»، وماذا عن التجريب وبالتالي الاكتشاف من خلال التجربة «ماذا يحدث عندما»). يبدو لي الأمر، أن الخبرة التجريبية تتمثل في أننا كفاعلين نتعرف، ونطبق، ونصحح فكرة السبب والمسبب، ونحدد ماذا نعني بمصطلح ضروري ومصطلح مستحيل. توصلت في النهاية إلى أن محاولة هيوم الخيالية لن توفر لنا بوصلة لتحديد معاني للسبب والمسبب وقوانين الطبيعة»[5].

ولكن في كتاب ديفيد كونواي «إعادة اكتشاف الحكمة»، وطبعة عام 2004 من كتاب ريتشارد سوينبيرن «وجود الإله» وجدت ردودا متفاعلة من نقد هيوم و(كانت) للحجة الكونية. تناول كونواي بشكل منهجي كل اعتراضات هيوم على سبيل المثال، يعتقد هيوم أنه لا يوجد سبب لوجود أي سلسلة من الكائنات المادية وراء مجموع كل عضو من أعضاء هذه السلسلة. إذا كانت هناك سلسلة لا بداية لها لكائنات غير ضرورية الوجود، فإن ذلك يعد سببا كافيا للكون ككل. رفض كونواي هذا الاعتراض على أساس أن «التفسيرات السببية لأجزاء من -من هذا القبيل-بلغة الأجزاء الأخرى، لا يمكن أن تضيف شيئا إلى التفسير السببي للكل، إذا كانت المفردات المذكورة كأسباب هي مفردات يحتاج وجودها في ذاته إلى تفسير سببي». لنفترض أن هناك فيروس كمبيوتر قادر على تكرار نفسه في أجهزة كمبيوتر متصلة بشبكة. حقيقة أن ملايين الكمبيوترات المرتبطة بالشبكة قد أصيبت بالفيروس، لا يفسر بذاته وجود فيروس يكرر نفسه.

وفيما يتعلق بحجة هيوم ذاتها، كتب سوينبيرن:

«السلسلة اللانهائية ككل لن تقدم لنا تفسيرا على الإطلاق، لأنه لن يكون هناك أسباب من أعضاء السلسلة تقع خارج هذه السلسلة. في هذه الحالة، سيكون وجود الكون على مر الزمن اللانهائي حقيقة قاهرة متعذرة التفسير. سيكون هناك تفسيراً (بلغة القوانين) للسؤال: لماذا يستمر موجود ما بالوجود؟ ولكن ما سيتعذر تفسيره هو استمرار الكون في الوجود في الزمان اللامتناهي. وجود الكون المادي المعقد عبر زمن متناهي أولا متناهي «أكبر بكثير» من قدرة العلم على التفسير»[6].

 

الحاجة إلى عنصر إبداعي The Need For A Creative Factor

إذا كان ردنا على نقد هيوم كافيا، يصبح من الممكن تطبيق الحجة الكونية في سياق علم الكونيات الحديث. يجادل سوينبيرن بأننا يمكن أن نفسر الأوضاع state of affairs فقط بلغة أوضاع أخرى. القوانين بحد ذاتها غير قادرة بشكل كافي على تفسير هذه الأوضاع، وكتب سيونبرن يقول «إذا لم يكن لدينا قوانين في بداية الكون لأنه لم يكن هناك أوضاع قبل ذلك فإنه لا يمكننا تفسير الكون»[7]. إذا كان هناك قانون معقول لتفسير بداية الكون، فلا بد أن يقول لنا شيئا ما مثل الفراغ المكاني يقود بالضرورة لظهور الطاقة -المادة». وهنا «الفراغ المكاني» هو ليس عدماً بقدر ما هو «مفردة معرفة»، شيء ما موجود هناك. هذا الاعتماد على القوانين للحصول على الكون الذي بدأ من «الفراغ المكاني» يطرح أيضاً سؤالاً: كيف أن الطاقة -المادة matter -energy نتجت في الزمن الصفري t0 وليس في زمن أخر.

أظهر فيلسوف فلسفة العلم جون ليزلي John Leslie أن أياً من التكهنات الكونية المألوفة اليوم لا يمنع من احتمال وجود الخالق. وقد تكهن عدد من علماء الكون بأن الكون نشأ من «العدم». في عام ۱۹۷۳، وضع إدوارد تریون Edward Tryon نظرية مفادها أن الكون كان يتذبذب في فراغ في فضاء أكبر. وجادل ليزلي بأن الطاقة الكلية للكون كانت صفرا، لأن الجاذبية التي تمسك طاقة الكون هي كمية سلبية في معادلات الفيزياء.

باستخدام نهج آخر، تكهن كل من جيم هارتل Jim Hartle، وستيفن هوكينغ Stephen Hawking، وأليكس فيلكن Alex Vilenkin بأن الكون الكمي-المتذبذب quantum -fluctuated جاء من العدم. «العدم» عبارة عن حالة خاصة من الرغوة الزمكانية الفوضوية مع ارتفاع خيالي في كثافة الطاقة. تكهن أخر (من هوكينغ) يقول «إن الوقت يصبح أكثر فأكثر مشابه للمكان في الأوقات الأولى من الانفجار الكبير». |

يعتقد ليسلي أن هذه التكهنات لا علاقة لها بالموضوع، ويقول «بغض النظر عن كيفية وصفك للكون باعتباره موجودا منذ الأزل، أو باعتباره قد انتظم من خارج الزمان والمكان، أو وجد في الفضاء من دون زمان، أو أنه بدأ بشكل كمي ضبابي حيث لم تكن هناك نقطة بداية، أو أنه نشأ عندما كانت الطاقة الكلية صفراً -فإن الناس الذين يرون أن المشكلة في حدوث وجود هائل نتج من شيء ما بدلا من حدوثه من لا شيء، سوف يكونون أقل ميلا إلى أن المشكلة قد حلت».

إذا كانت لديك معادلة تحسب بدقة احتمال وجود شيء من الفراغ فإنه سوف يظل عليك أن تسأل لماذا تنطبق هذه المعادلة في هذه الحالة بالذات. في الحقيقة، لاحظ هوكنج أنه يجب علينا أن ندخل على المعادلات عنصر إبداعي.

في مقابلة بعد وقت قصير من نشر كتابه «موجز في تاريخ الزمان»، أقرهوكينج بأن نموذجه ليس له أي تأثير على وجود الإله. عندما نقول بأن قوانين الفيزياء هي التي حددت كيف بدأ الكون، فكأننا نقول إن الإله لم يختر «أن يسلك الكون بصورة اعتباطية لا نفهمها. ولكنها لا تقول شيئا عن أن الإله موجود أو غير موجود-فقط تقول إنه ليس اعتباطياً»[8].

 

حجة استقرائية جيدة A Good C-Iinductive Argument

تم إعادة صياغة الحجة بلغة كونية حديثة. ولكن ليسلي وجد أن ذلك غير مرضي. لاحظ ليسلي أن بعض الناس يدعون بأن وجود الكون في أي لحظة معينة يمكن تفسيره على أساس حقيقة أنه وجد قبل ذلك الوقت وهلم جراً إلى ما لا نهاية. وهناك علماء فيزياء يعتقدون بأن الكون وجد خلال زمن لا نهائي، إما من خلال سلسلة من الانفجارات أو كجزء من حقيقة التمدد الأبدي الذي أوجد أكوان الانفجار الكبير. في حين أن أخرين يقولون إن الكون وجد من زمن محدود بطريقة حساب معينة، ولكنه وجد من زمن لا متناهي بطريقة حساب أخرى.

وردا على هذه الآراء، أكد ليسلي على «أن وجود سلسلة لا متناهية من الأحداث الماضية لا يمكن أن يعد تفسيراً ذاتياً حين يتم تفسير كل مرحلة من خلال المرحلة التي تسبقها». «إذا كانت هناك سلسلة من كتب الهندسة التي نعتقد بأن كل منها نسخ مما سبقه، فنحن بذلك نظل نحتاج إلى إجابة مقنعة عن سبب وجود هذه الكتب من الأساس، فالسلسلة بأكملها تحتاج إلى تفسير». وأضاف ليسلي قائلا: فكر في آلة زمن تسافر إلى الماضي حيث لا يوجد أحد صممها أو صنعها. وجود مثل هذه الأداة يمثل دوران للتفسير الذاتي، وحتى لو كان السفر خلال الزمان معقولا، فإن التفسير الذاتي لن يكون معقولا[9].

يلخص ريتشارد سوينبيرن Richard Swinburne عرضه للحجة الكونية بالقول: هناك فرصة بأن، الإله إذا كان موجودا، فإنه سيخلق تعقيد ومحدودية الكون. إنه من غير المرجح أن يكون الكون قد وجد بلا سبب، ولكن من المرجح جدا أن الإله وجد بلا سبب. ولذلك فإن حجة وجود الكون سوف تحيل إلى وجود الإله بنوع جديد من أنواع الاستقراء». في نقاش جرى حديثا مع سوينبيرن، لاحظت أن توصيفه للحجة الكونية صحيح من ناحية أساسية. وبعض معالم الحجة تحتاج إلى تعديل، إلا أن هذا التفسير يقود إلى وجود الكون. حجة ريتشارد سوينبيرن الكونية توفر تفسيراً واعداً، ولعله في النهاية أصح التفسيرات.

 

[1]  “Something Good, music and lyrics by Richard Rodgers, 1965.

[2] Stephen Hawking, A Brief History of Time (New York: Bantam, 1988), 174.

[3] Antony Flew, Stephen Hawking and the Mind of God” (1996), http://www. infi dels.org/

library/modern/antony_fl ew/hawking. html.

[4] Hawking, A Brief History of Time, 9.

[5] Antony Flew, “The Legitimation of Factual Necessity,” in Faith, Scepticism and Personal Identity, ed. J. J. Macintosh and H. A. Neynell (Alberta: University of Calgary Press, 1994), 111-17

[6]Richard Swinburne, The Existence of God (Oxford: Clarendon, 2004), 142

[7] Richard Swinburne, “The Limits of Explanation,” in Explanation and Its Limits, ed. Dudley Knowles (Cambridge: Cambridge University Press, 1990), 178-79

[8] John Leslie, Infinite linds (Oxford: Clarendon, 2001), 194-95

[9] Leslie, Infi nite Minds, 193-94.

كتاب هناك إله PDF – توني فلو – للتحميل

كتاب هناك إله PDF – توني فلو – للتحميل

كتاب هناك إله PDF – توني فلو – للتحميل

كتاب هناك إله PDF – توني فلو – للتحميل

تحميل كتاب هناك إله PDF – إضغط هنا

تحميل كتاب لغة الإله PDF كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز – للتحميل

تحميل كتاب لغة الإله PDF كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز – للتحميل

تحميل كتاب لغة الإله PDF – فرانسيس كولينز – للتحميل

كتاب لغة الإله PDF – فرانسيس كولينز – للتحميل

تحميل كتاب لغة الإله كتاب لغة الله PDF – إضغط هنا

 

يقترح الكتاب مفهوم (التصميم الإلهي الحيوي) والذي يسميه Bio Logos ومن خلاله يعرب عن الاعتقاد بأن الله هو مصدر كل حياة، وأن الحياة تعبر عن إرادة الله وأن العلم والإيمان هما وجهان لعملة واحدة،

يستند مصطلح التصميم الإلهي الحيوي لكولينز على الأسس التالية : تم خلق الكون من قبل الله ومن خصائص الكون أنه مضبوط من أجل الحياة، الآلية الدقيقة لأصل الحياة على الأرض ما تزال غير معروفة، بدأت الحياة مرة واحدة والبشر هم جزء من هذه العملية والتي تمت بتدخل الهي مباشر ولذا فهم مميزون في خلقهم بامتلاكهم معرفة الصواب والخطأ والبحث عن الله .

تحميل كتاب لغة الإله PDF كتاب لغة الله – فرانسيس كولينز – للتحميل

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

“العلم بلا دين أعرج، والدين بلا علم أعمى”

“ألبرت أينشتاين” Albert Einstein

 

حقائق “مزعجة”

كان العام 1916 ولم يكن “ألبرت أينشتاين” Albert Einstein  سعيداً بما قادته إليه حساباته. لأنه إن كانت نظريته في النسبية العامة General Relativity  صحيحية، فهي تعني أن الكون ليس أزليًا بل له بداية. وكانت حسابات “أينشتاين” تكشف فعليًا بداية محددة للزمن كله، وللمادة كلها، وللفضاء كله. وهو ما ضرب بعرض الحائط اعتقاده في استاتيكية (أي ثبات) الكون وأزليته.

وقد وصف “أينشتاين” اكتشافه فيما بعد بالاكتشاف “المزعج”، لأنه أراد للكون أن يكون ذاتي الوجود – لا يعتمد على أي مسبب خارجي – ولكن ظهر أن الكون هو أثر عملاق. والحقيقة أن “أينشتاين” ضاق جدًا بتداعيات النسبية العامة، وهى نظرية ثبتت دقتها بدرجة لخمسة أرقام عشرية (واحد من مائة الف)، حتى إنه أدخل ثابتًا كونيًا (أطلق عليه البعض من ذلك الحين “مُعامِل التصحيح” “fudge factor”) في معادلاته ليبيَن أن الكون استاتيكيًا

 وليتجنب فكرة البداية المحددة.

إلا أن معامل تصحيح “أينشتاين” لم يصحِّح طويلاً. ففي عام 1919 أجرى عالم الكون البريطاني “آرثر إدينتون” Arthur Eddington تجربة أثناء كسوف شمسي أكدت فعليًا صحة النسبية العامة، فالكون ليس استاتيكيًا بل له بداية. ولم يسعد “إدينتون” كما لم يسعد “أينشتاين” بالتداعيات. فقد كتب فيما بعد: “من الناحية الفلسفية، أرى أن وجود بداية لنظام الطبيعة الحالي فكرة مُنَفِّرة لي شخصيًا… أتمنى أن أعثر على ثغرة حقيقية”!

وفي سنة 1922 أثبت عالم الرياضيات الروسي “ألكسندر فريدمَن” Alexander Friedman  رسميًا أن معامل تصحيح “أينشتاين” خاطىء وفقًا لقواعد علم الجبر. (الغريب أن “أينشتاين” بكل نبوغه، في محاولاته للهروب من البداية’ قَسَمَ على صفر، وهو ما يعرف حتى تلاميذ المدارس أنه لا يجوز مطلقًا!) وفي الوقت نفسه اكتشف عالِم الفَلَك الهولندي “فيلِم دي سيتَر” Willem de Sitter  أن النسبية العامة تستلزم تمدد الكون. وسنة 1927 لاحظ عالم الفلك “إدوين هَبِل” Edwin Hubble  (الذي سُمِّي التلسكوب الفلكي “هَبِل” باسمه) تمدُّد الكون فعليًا.

فعندما نظر “هَبِل” من التلسكوب البالغ قطره 254 سنتيمترًا الكائن في “مرصد ماونت ويلسون” Mount Wilson Observatory بولاية كاليفورنيا، اكتشف “انزياحًا نحو الأحمر” “red shifty”  في الضوء في كل المجرات التي يمكن ملاحظتها، مما يعني أن تلك المجرات تتحرك بعيدًا عنا. أي أن النسبية العامة تأكَّدت مرة أخرى، ويبدو أن الكون يتمدد من نقطة معينة في الماضي السحيق.[1]

وسنة 1929 شدَّ “أينشتاين” الرِّحال إلى “ماونت ويلسون” لينظر في تلسكوب “هَبِل” بنفسه. وما رآه كان شيئًا لا يقبل الجدل. فالدليل المبني على الملاحظة بيَّن أن الكون يتمدَّد فعلاً كما تنبأَّتْ النسبية العامة.

والآن بعد أن انسحق ثابته الكون نهائيًا تحت وطأة الدليل المضاد، لم يتمكن “اينشتاين” منذ تلك اللحظة أن يدعم أمله في أزلية الكون. ومن ثم، وَصَفَ الثابت الكوني بأنه “أكبر خطأ محرج في حياتي”، وأعاد توجيه جهوده نحو العثور على سطح علبة لغز الحياة. وقال “أينشتاين” إني أريد “أن أعرف كيف خَلَقَ الله العالم. ولا تهمني هذه الظاهرة أو تلك، ولستُ مهتمًا بمدى هذا العنصر أو ذاك. ولكني أريد أن أعرف فِكرَه، أما الباقي تفاصيل”.

ورغم أن “أينشتاين” قال إنه يؤمن بوحدة الوجود (الله والكون واحد)، فتعليقاته التي يعترف فيها بالخلق والفكر الإلهي هي أقرب للإيمان بالإله الخالق الحافظ. ورغم ما تسببه نظريته في النسبية العامة من “إزعاج”، فهي تقف اليوم بوصفها من أقوى الأدلة على وجود إله خالق حافظ. والحقيقة أن النسبية العامة تؤيد واحدة من أقدم الحجج الرسمية على وجود الإله الخالق الحافظ، ألا وهي الحجة الكونية.

الحجة الكونية: بدايةُ نهايةِ الإلحاد

لا تخف من هذا الاسم الاصطلاحي: فكلمة “كوني” “cosmological” مشتقة من الكلمة اليونانية cosmos التي تعني “العالم” أو “الكون”. أي أن الحجة الكونية Argument  Cosmological  هي الحجة المبنية على بداية الكون. فإن كان للكون بداية، إذَن للكون مسبب. وفي القالب المنطقي تظهر الحجة هكذا:

  • كل ما لديه بداية له مسبِّب.
  • الكون له بداية.
  • إذَن الكون له مسبَّب.

وكما بينَّنا في الفصل السابق، لكي تكون الحجة صحيحة، لا بد أن تكون مقبولة منطقيًا، ولا بد أن تكون فرضياتها صحيحة. هذه الحجة مقبولة منطقيًا، ولكن هل المقدمات صحيحة؟ فلنلقِ نظرة على فرضياتها.

فرضية 1: كل ما له بداية له مسبَّب. هذا هو قانون السببية الذي يمثِّل المبدأ الأساسي للعلم. فلولا قانون السببية، لكان العلم مستحيلاً. وقد قال “فرانسيس بيكون” Francis Bacon (أبو العلم الحديث): ” المعرفة الحقيقية هي معرفة المسبِّبات. أي أن العلم هو بحث عن المسببات. وهذا ما يفعله العلماء؛ يحاولون أن يكتشفوا مسببات الأشياء.

وإن كنا قد لاحظنا أي شيء عن الكون، فما لاحظناه هو أن الأشياء لا تحدث بلا مسبب. فعندما يقود رَجُل سيارته في الطريق لا يمكن أن تظهر أمامه سيارة من مكان لا وجود له، بلا سائق، أو بلا مسبب. صحيح نحن نعلم أن الكثيرين من رجال الشرطة يسمعون ذلك، ولكنه ليس صحيحًا. فدائمًا ما يكون هناك سائق أو أي مسبب آخر وراء تلك السيارة التي ظهرت.

وحتى المتشكك العظيم “ديفيد هيوم” لم يقدر أن يذكر قانون السببية. وقد كتب: “لم أؤكد مطلقًا هذه الفرضية شديدة السخافة: أن شيئًا يمكن أن يحدث دون مسبب”.

والحقيقة أن إنكار قانون السببية يعني إنكار العقلانية، لأن عملية التفكير العقلاني نفسها تتطلب منا أن نجمع معًا الأفكار (المسببات) التي تؤدي إلى النتائج (الآثار). فإن قال لك أحد إنه لا يؤمن بقانون السببية، تسأله: “ما السبب الذي وصل بك إلى هذه النتيجة؟”

وبما أن قانون السببية ثابت ومؤكَّد ولا يمكن إنكاره، إذَن الفرضية رقم 1 صحيحة. ماذا عن الفرضية رقم 2؟ هل للكون بداية؟ إن لم يكن كذلك، إذَن لا حاجة لمسبِّب. ولكن إن كان كذلك، إذَن لا بد أن يكون للكون مسبب.

حتى زمن “أينشتاين” تقريبًا، كان الملحدون مستكينين للاعتقاد بأن الكون أزلي، ومن ثم لا يحتاج لمسبب. ولكن منذ ذلك الحين، اكتُشِفَت خمسة فروع من الأدلة العلمية تُثْبِت بما لا يقبل الشك المنطقي أن الكون له بداية بالفعل. وتلك البداية هي ما يُطلِق عليه العلماء حاليًا “الانفجار الكبير”  “The Big Bang”. وأدلة الأنفجار الكبير يمكن تذكرها بسهولة بكلمة SURGE.[2]

في البدء كان الإنفجار الكبير

كل عدة سنوات أو نحو ذلك، تنشر كبرى المجلات الإخبارية، مثل مجلة “تايم” “Time”  ومجلة “نيوزويك” “Newsweek”  وغيرهما، موضوع غلاف عن أصل الكون ومصيره. ومن الأسئلة التي تبحثها هذه المقالات: “متى بدأ الكون؟” “ومتى سينتهي؟” ولكن فكرة أن الكون له بداية وأنه سيموت في النهاية لا تُطرح للمناقشة في هذه الموضوعات. لماذا؟ لأن العلماء اليوم يعلمون أنه لا بد من وجود بداية ونهاية للكون بناءً على واحد من أكثر القوانين الطبيعية المؤكَّدة ألا وهو القانون الثاني في الديناميكا الحرارية.

القانون الثاني في الديناميكا الحرارية (S)

القانون الثاني في الديناميكا الحرارية Second Law of Thermodynamics هو ما سنشير إليه بحرف S في كلمة SURGE. والديناميكا الحرارية هي العلم الذي يدرس المادة والطاقة، ومن الأشياء التي ينص عليها القانون الثاني أن الكون يفقد الطاقة القابلة للاستخدام. فكل لحظة يتناقص مقدار الطاقة القابلة للاستخدام في الكون، مما يؤدي بالعلماء إلى النتيجة الواضحة من أنه يومًا ما كل الطاقة ستنفذ والكون سيموت. فالكون مثل السيارة المنطلقة على الطريق، لا بد أن تفرغ من البنزين.

تقول: “وَلَوْ! كيف يُثْبِت ذلك بداية الكون؟” لتنظر إلى الأمر هكذا: القانون الأول في الديناميكا الحرارية يقول إن أجمالي كمية الطاقة في الكون ثابت.[3] أي أن الكون لا يملك إلا مقدارًا محددًا من الطاقة (مثل سيارتك التي لا تملك إلا مقدارًا محدودًا من الوقود). والآن، إن كانت سيارتك بها مقدار محدود من الوقود (القانون الأول)، وكلما تسير تستهلك الوقود باستمرار (القانون الثاني)، فهل يمكن لسيارتك أن تتحرك الآن لو كنت قد أدرتها منذ الأزل؟ لا، بالطبع لا.

كان وقودها سينتهي. وهكذا لو كان الكون يعمل منذ الأزل، لكان الآن قد فقد كل طاقته. ولكنه مازال يعمل. إذَن لا بد أنه بدأ في وقت ما في الماضي المحدود. أي أن الكون ليس أزليًا، ولكن له بداية.

يمكنك أيضًا أن تتخيل الكون مثل كشاف كهربائي. إن تركت الكشاف الكهربائي مضاء طوال الليل، فكيف ستكون قوة الضوء في الصباح؟ سيكون خافتًا لأن البطاريات استهلكت معظم طاقتها. إن الكون مثل كشاف كهربائي يخفت ضوءه. وهو لا يملك إلا قدرًا محدَّدًا من الطاقة المتبقية المتاحة للاستهلاك. ولكن بما أن بطارية الكون مازال فيها قدر من الطاقة (لم تَمُتْ تمامًا)، إذَن يستحيل أن يكون أزليًا. بل لابد أن له بداية لأنه لو كان أزليًا لكانت البطارية قد فرغت تمامًا من الطاقة.

ويُعرف القانون الثاني أيضًا باسم قانون الإنثروبي Law of Entropy وهو عبارة عن طريقة معقَّدة للتعبير عن ميل الطبيعة لإشاعة حالة من الفوضى. أي أن الأشياء تتهالك بمرور الزمن. فسيارتك تتهالك، وبيتك يتهالك، وجسمك يتهالك. (الحقيقة أن القانون الثاني هو السبب في أننا عندما نشيخ نمشي على ثلاثة بعد أن كنا نمشي على اثنتين!) ولكن إن كان النظام يقل في الكون، فمِن أين أتى النظام الأصلي؟ عالم الفلك “روبرت جاسترو” Robert Jastrow يُشَبِّه الكون بساعة تُدار يدويًا. إن كانت هذه الساعة تعمل، لا بد أن شخصًا أدارها.

وهذا الجانب أيضًا في القانون الثاني يعَرِّفنا أن الكون له بداية. فبما أنه ما زال شيء من النظام متبقيًا عندنا، تمامًا كما أنه عندنا قدر من الطاقة القابلة للاستخدام، إذَن لا يمكن أن يكون الكون أزليًا، لأنه إن كان كذلك لكُّنا الآن قد وصلنا إلى فوضى كاملة (إنتروبي).

منذ عدة سنوات، دعاني (“أنا نورم”) أحد الطلاب الذين يشاركون في خدمة مسيحية في إحدى جامعات رابطة أيفي ليج Ivy League لأتحدث هناك عن موضوع مشابه. وفي المحاضرة التي قدمتها للطلاب كان موضوعي الأساسي ما كتبناه هنا، ولكن بمزيد من التفاصيل الكثيرة. وبعد المحاضرة طلب مني الطالب الذي دعاني أن أتناول الغداء معه ومع الأستاذ الذي يُدَرِّسه الفيزياء.

وعندما جلسنا للأكل، أوضح الأستاذ أنه متشكك في حجتي التي مفادها أن القانون الثاني يستلزم بداية للكون. وقال إنه يؤمن بالفلسفة المادية التي تقول إنه لا يوجد إلا المادة، وإنها موجودة منذ الأزل.

فسألته: “إن كانت المادة أزلية، فماذا تفعل بالقانون الثاني؟”

أجاب: “لكل قاعدة استثناء. وهذا هو استثنائي”.

كان يمكنني أن أسأله إن كان هذا الافتراض علميًا. فهذا الكلام ليس علميًا، بل قد يكون متناقضًا ويفند نفسه. فهو يفند نفسه إن سالت: “هل القاعدة التي تقول “لكل قاعدة استثناء” لها استثناءات؟” إن كان لها إي استثناء، فقد يكون القانون الثاني استثناء من القانون الذي يقول إن كل قاعدة لها استثناءات.

ولكني لم أتخذ هذا النهج لأني لم أُرِدْ أن أحرجه. ولكني وضعت القانون الثاني جانبًا بشكل مؤقت وقررت أن أسأله عن المادية.

فسالته: “إن كانت كل الأشياء مادية، إذَن ما هي النظرية العلمية؟ فمهما كان، النظريات عن كل الأشياء المادية ليست مادية، فالنظرية لا تتكون من جزيئات”.

ودون أن يتردد لحظة واحدة، أجاب بِرَدّ عبقري قائلاً: “النظرية سِحْر”.

فكررت ما قال لأني لم أصدق أذني: “سحر؟ على أي أساس تقول ذلك؟”

فأجاب مسرعًا: “الإيمان”.

ففكرت في نفسي: “الإيمان بالسحر؟ لست أصدق أذني! إن كان الإيمان بالسحر أفضل ما يمكن لدعاة الفلسفة المادية تقديمه، إذَن لست أملك الإيمان الكافي لاعتناق المادية!”

وعندما استرجعتُ الموقف بدا لي أن هذا الأستاذ عاش لحظة وجيزة من الصدق التام؛ فقد عرف أنه لا يستطيع الرد على الأدلة الكاسحة التي تؤيد القانون الثاني. ولذلك، اعترف أن موقفه لا يقوم على أي دليل أو منطق سليم. وبذلك، قَدَّم مثالاً آخر على رفض الإرادة أن تُصَدِّق ما يقبله العقل باعتباره الحق، وهو أيضًا مثال يبيِّن أن موقف الملحد يقوم على إيمان مَحض.

لقد أصاب الأستاذ في شيء واحد، ألا وهو أن عنده إيمانًا. والحقيقة أنه كان يحتاجُ قفزة إيمانية حتى يتجاهل إراديًا أكثر القوانين المؤكَّدة في الطبيعة برمتها. وقد وصف “آرثر إدينتون” القانون الثاني منذ أكثر من ثمانين عامًا قائلاً:

القانون الذي يقول بزيادة الأنتروبي، وهو القانون الثاني في الديناميكا الحرارية، أظن أنه يحتل المكانة العليا بين قوانين الطبيعة. فإن أخبرك أحدهم أن نظريتك المفضلة عن الكون تتعارض مع معادلات “ماكسويل” Maxwell، يمكن ان تُنَّحي معادلات “ماكسويل” جانبًا.

وإن وُجدَت متعارضة مع الملاحظة، لا يهم، فالتجارب أحيانًا ما تفسد الأمور. ولكن أن وُجِدَت نظريتك متعارضة مع القانون الثاني في الديناميكا الحرارية فلا أستطيع أن أعطيك أي أمل، لأنه ليس أمامها إلا أن تهوي إلى أعماق الخزي.

وبما أني أدركت أن البرفسور لم يكن مهتمًا بقبول الحق، لم أسأله أي أسئلة أخرى محرجة. ولكن لأننا لم نتمكن من تجاهل تأثير القانون الثاني على أجسامنا، “طَلَب كلانا الحلوى بعد الغداء. ولم يُرِدْ أي منا أن ينكر أننا نحتاج أن نعوض الطاقة التي فقدناها لتونا!

تمدد الكون (U) The Universe Is Expanding

إن النظريات العلمية الجيدة هي التي تستطيع أن تتنبأ بالظواهر التي لم تخضع للملاحظة بعد. فكما رأينا النسبية العامة تنبأت بأن الكون يتمدد. ولكن العلماء لم يؤكدوا أن الكون يتمدد وأنه يتمدد من نقطة واحدة إلا بعد أكثر من عشر سنوات عندما نظر أسطورة علم الفلك “إدوين هَبِل” في تلسكوبه. (منذ عام 1913 كان عالم الفلك “فستو ملفين سليفَر” Festo Melvin Slipher  على وشك أن يكتشف تمدد الكون، ولكن “هَبِل” هو من وَضَع أجزاء الصورة معًا حتى اكتملت في أواخر العشرينيات). وهذا الكون المتمدد هو الفرع الثاني من الأدلة العلمية على بداية الكون.

كيف يُثْبِت تمدُّد الكون أن له بداية؟ فكِّر فيها هكذا: تَخيَّل أننا نشاهد تسجيلاً بالفيديو لتاريخ الكون ولكن بالعكس، سنرى أن كل مادة الكون تنهار حتى تصل إلى نقطة، ليست في حجم كرة السلة، ولا في حجم كرة الجولف، ولا حتى في حجم رأس الدبوس، ولكنها رياضيًا ومنطقيًا نقطة عبارة عن لا شيء (لا مكان، ولا زمان، ولا مادة). أي أنه كان هناك عدم ثم، انفجار، صار هناك شيء، انفجر الكون كله إلى الوجود! وهو ما شاعت تسميته طبعًا باسم “الانفجار الكبير”.

ومهم أن نفهم أن الكون لا يتمدد في فضاء فارغ، ولكن الفضاء نفسه يتمدد، فلم يكن هناك فضاء قبل الانفجار الكبير. ومهم أيضًا أن نفهم أن الكون لم ينبثق من مادة موجودة، ولكن من لا شيء، فقبل الانفجار الكبير لم يكن هناك مادة. بل الحقيقة أنه من الناحية الزمنية لم يكن هناك “قبل” الانفجار الكبير لأنه بدون الزمن ليس هناك “قبل”، ولم يكن هناك زمن حتى حدوث الانفجار الكبير.[4]

وهذه الحقائق تسبِّب الكثير من الاضطراب للملحدين، كما حدث في ليلة مطيرة في ولاية جورجيا من شهر نيسان/أبريل سنة 1998. في تلك الليلة حضرتُ (أنا “فرانك”) مناظرة في مدينة “أتلانتا” حول سؤال: “هلِ الله موجود؟” وقد اتخذ “وليم لين كريج” William Lane Craig المؤقف المؤيّد، واتخذ “بيترآتكينز” Peter Atkins الموقف المعارض.

وكانت المناظرة حيوية جدًا، بل فكاهية أحيانًا، وهو ما كان يرجع جزئيًا لحَكَم المناظرة “وليم ف. بَكلي” الابن Jr. William F. Buckley (لم يُخفِ “بَكلي” انحيازه لموقف “كريج” المؤيِّد لله، فبعد أن قدَّم “كريج” ومؤهلاته المبهرة، بدأ تقديم “آتكينز” بتعبير فكاهي، فقال: “ومعنا الدكتور “بيتر آتكينز” في صف الشيطان!”).

وكانت الحجة الكونية واحدة من الحجج الخمس التي طرحها “كريج” لإثبات وجودِ الله مؤيَّدةً بدليل الانفجار الكبير الذي تناولناه هنا. وقد أشار إلى أن الكون: كل الزمان، وكل المادة، وكل المكان انفجر من لا شيء، وهي حقيقة اعترف بها “آتكينز” في كتابه وأكدها ثانية فيما بعد تلك المناظرة.

بما أن “كريج” تحدَّث أولاً فقد أخبر الحضور عن محاولة “آتكينز” أن يفسر الكون من منظور إلحادي قائلاً: “يبذل الدكتور “آتكينز” قصارى جهده في كتابه “مراجعة الخليقة” The Creation Revisited ليفسِّر كيفية ظهور الكون إلى الوجود، بلا مسبب ومن العدم. ولكنه في النهاية يجد نفسه وقد سقط في التناقض. فهو ]يكتب[: “والآن نعود بالزمن إلى ما قبل لحظة الخلق عندما لم يكن هناك زمان، وحيث لم يكن هناك مكان”. وفي هذا الزمان الذي قبل الزمان يتخيل ترابًا من النقاط الرياضية التي تتحرك في دوامات وتتصل مرارًا وتكرارًا وأخيرًا عن طريق المحاولة والخطأ تشكل كوننا بزمانه ومكانه.

ثم أشار “كريج” إلى أن موقف “آتكينز” ليس نظرية علمية ولكنه في الواقع ميتافيزيقا شعبية متناقضة. وهو ميتافيزيقا شعبية لأنها تفسير مُفَبرَك، فليس هناك دليل علمي على الإطلاق يؤيده. وهو متناقض لأنه يفترض الزمان والمكان قبل أن يكون هناك زمان ومكان.

وحيث أن “كريج” لم يحصل على فرصة ليتحاور مع “آتكينز” مباشرةً حول هذه النقطة وقفت أنا وكذلك “رافي زكراياس” في صف الأسئلة قرب نهاية المناظرة لنسأل “آتكينز” عن موقفه. ولكن للأسف الوقت انتهى قبل أن يتمكن أيٌّ منا من طرح سؤاله. لذلك ذهبنا إلى “آتكينز” على انفراد بعد المناظرة.

وبدأ “رافي” الحديث قائلاً: “دكتور “آتكينز”، إنك تعترف أن الكون انفجر من لا شيء، ولكن تفسيرك لبدايته يتلاعب بمعنى “اللاشيء”. وذلك لأن النقاط الرياضية التي تتحرك في دوامات ليست لا شيء. ولكنها شيء. كيف تبرر ذلك؟”

وبدلاً من أن يرد “آتكينز” على هذه القضية استسلم حرفيًا للقانون الثاني من الديناميكا الحرارية، وقال: “الحقيقة أنا متعَب جدًا ولا يمكنني أن أجيب عن المزيد من الأسئلة الآن”.

أي أن انخفاض طاقته أثبت أن القانون الثاني سارٍ. والحقيقة ان “آتكينز” لم يكن لديه فعليًا أي شيء يقوله.

وفقاً للأدلة الكونية الحديثة، لم يكن هناك فعليًا أي شيْ انبثق منه الكون. ولكن عندما حاول “آتكينز” أن يقدم تفسيرًا إلحاديًا لذلك لم يبدأ باللاشيء، بل بنقاط رياضية وزمان. وبالطبع لا يستطيع المرء على أي حال أن يتخيل كيف يمكن لمجرد نقاط رياضية وزمان أن يُسَبِّبا الكون. إلا أننا أردنا أن نؤكد أن الملحدين أمثال “آتكينز” عليهم أن يجدوا طريقة ليفسروا كيفية بدء الكون من لا شيء أصلاً.

ما هو اللاشيء؟ قدَّم أرسطو تعريفًا جيدًا حين قال: اللاشيء هو ما تحلم به الصخور! إن اللاشيء الذي نشأ منه الكون ليس “نقاطًا رياضية” كما يرجح “آتكينز”، ولا “طاقة إيجابية وسلبية” كما كتب ذات مرة إسحاق أزيموف” Isaac Asimov ، وهو أيضًا ملحد. اللاشيء هو حرفيًا لا شيء، إنه ما تحلم به الصخور.

وقد وصف الكاتب البريطاني “أنتوني كني”  Anthony Kenny بأمانة المأزق الذي يجد نفسه فيه بصفته ملحدًا في ضوء الأدلة على الانفجار الكبير. فكتب: “وفقًا لنظرية الانفجار الكبير، كل مادة الكون ظهرت في الوجود في وقت معين في الماضي السحيق. ومؤيد هذه النظرية، على الأقل إن كان ملحدًا، لا بد أن يؤمن أن مادة الكون أتت من لا شيء وبواسطة لا شيء”.

الإشعاع المنبعث من الانفجار الكبير (R ) Radiation from the Big Bang

الفرع الثالث من الأدلة العلمية على أن للكون بداية اكتُشِفَ بالصدفة سنة 1965. وكان ذلك عندما التقط كلٌّ من “آرنو بنزياس” Arno Penzias وزميله “روبرت ويلسون” Robert Wilson  إشعاعًا غريبًا على هوائي “مَعامل بل” Bell Labs” في “هولمدل” Holmdel بولاية نيو جيرسي. وحتى عندما أدارا الهوائي في كل الاتجاهات ظل هذا الإشعاع الغامض موجودًا. وفي البداية ظنًا أنه يمكن أن يكون نتيجة تراكم فضلات الحمام المعشش من شاطيء نيو جيرسي على الهوائي. فطلبا إبعاد الحمام وإزالة فضلاته. ولكنهما عندما دخلا ثانية وجدا أن الإشعاع ظل باقيًا، وظل يأتي من كل الاتجاهات.

وما رصده “بنزياس” وزميله “ويلسون” أصبح من أكثر الاكتشافات المدهشة في القرن الماضي، حتى إنه كان سببًا في فوزهما بجائزة نوبل. لقد اكتشف عالِما “مَعامل بل” الشعاع التابع لانفجار كرة النار الكبير!.

وهذا الشعاع التابع للانفجار الذي يُعرف اصطلاحًا باسم إشعاع الخلفية الكونية cosmic background radiation هو فعليًا عبارة عن ضوء وحرارة من الانفجار الأصلي. إلا أن هذا الضوء لم يعُد منظورًا لأن طوله الموجي تَمَدَّد بفعل التمدُّد الكوني حتى وصل إلى أطوال موجية أقصر قليلاً من الموجات الصادرة من فرن الميكروويف. ولكننا مازلنا قادرين على رصد الحرارة المنبعثة.

ومنذ سنة 1948 تنبأ ثلاثة علماء أن الانفجار الكبير، إن كان حقيقيًا، فلا بد أن يوجد إشعاع كهذا. ولكن لسببٍ ما، لم يحاول أحد ان يرصده قبل أن يتعثر فيه “بنزياس” وزميله “ويلسون” بالصدفة بعد ما يقرب من عشرين عامًا. وعندما تأكد الاكتشاف أسكت كل الاقتراحات التي تُلِحّ على أن يكون في حالة أزلية ثابتة. وهو ما عَبَّرَ عنه عالم الفلك اللاأدري “روبرت جاسترو” بهذه الكلمات:

لم يُكتَشَف لإشعاع كرة النار إلا الانفجار الكبير. والفيصل الذي أقنع تقريبًا آخر توما شكاك هو أن الإشعاع الذي اكتشفه “بنزياس” و”ويلسون” له نفس نمط الأطوال الموجية المتوقَّعة للضوء والحرارة الناتجين عن انفجار ضخم. وقد حاول مؤيدو نظرية الحالة الثابتة steady state theory  محاولات مستميتة أن يجدوا تفسيرًا بديلاً. ولكنهم فشلوا. وفي الوقت الحالي، نظرية الانفجار الكبير تقف بلا منافس.

والواقع أن اكتشاف إشعاع كرة النار أحرق أي أمل في الحالة الثابتة. إلا أنه لم يكن آخِر الاكتشافات. وفيما يلي مزيد من أدلة الانفجار الكبير. والحقيقة أنه لو كان عِلم الكون مبارة كرة قدم أمريكية، لَطُلِب من المؤمنين بالانفجار الكبير أن “يقفزوا” فوق لاعبي الفريق المنافس مع ظهور هذا الاكتشاف التالي.

بذور المجرة العظيمة (G) Great Galaxy Seeds

بعد اكتشاف تمدُّد الكون الذي تنبأت به النظريات، والإشعاع التابع للانفجار الكبير، وَجَّهَ العلماء انتباههم لتنبوء آخر من شأنه تأكيد الانفجار الكبير. فإن كان الانفجار الكبير قد حدث بالفعل، رأى العلماء أنه لابد أن نرى تنوعات طفيفة (أو حركات موجية دائرية صغيرة) في درجة حرارة الإشعاع الخلفي الكوني الذي اكتشفه “بنزياس” و”ويلسون”. وهذه الحركات الموجية الدائرية من درجة الحرارة مَكَّنَت المادة من التجمع بفعل الجاذبية في هيئة مجرات. وإن وُجِدَت، ستُشَكِّل الفرع الرابع من الأدلة العلمية على بداية الكون.

وسنة 1989 تَكَثَّف البحث عن هذه الحركات الموجية عندما أطلقت ناسا القمر الصناعي الذي تعادل قيمته 200 مليون دولار، والذي اختير له اسم مناسب جدًا هو “مستكشف الخلفية الكونية” Cosmic Background Explorer  واختصاره “كوب” COBE. وقد تَمَّكَن “كوب” بما حمله من أجهزة شديدة الحساسية أن يرى ما إذا كانت هذه الحركات الموجية الدائرية الصغيرة موجودة بالفعل في الإشعاع الخلفي ومدى دقتها.

وعندما أعلن عالم الفلك “جورج سموت” George Smoot، قائد المشروع، نتائجَ “كوب” سنة 1992 نشرت صحف العالم وصفَه الصادم. فقد قال: “إن كنتَ متدينًا، فالأمر يشبه النظر إلى الله”. ولم يكن “مايكل ترنر” Michael Turner عالم الفيزياء الفلكية بجامعة شيكاغو أقل حماسًا، إذ زعم قائلاً: “إن قيمة هذا ]الاكتشاف[ أعظم من أن توصف.

لقد وجدوا قدس أقداس الكونيات”. وقد اتفق معهما أيضًا “ستيفن هوكينج” عالم الفلك بجامعة  كامبريدج، ووصف النتائج بأنها “أهم اكتشاف في القرن، إن لم يكن في التاريخ كله”. فما الذي اكتشفه “كوب” حتى يستحق كل هذه الأوصاف الرنانة؟

إن “كوب” لم يجد الحركات الموجية الدائرية فحسب، ولكن العلماء ذُهِلوا من دقتها. فالحركات الموجية تُبَيِّن أن انفجار الكون وتمدُّده ضُبِطَا بدقة تتيح إنتاج المادة بكمية تكفي لتَجَمُّعها معًا بما يسمح بتكوين المجرات، ولكنها لا تكفي لتجعل الكون ينهار مرة أخرى على نفسه. ولو حدث تغيير طفيف بأي شكل من الشكال لن يكون أيُّ منَّا حتى يخبر به. وفي الحقيقة الحركات الموجية الدائرية الصغيرة في منتهى الدقة (تصل دقتها إلى جزء من مائة ألف) حتى إن “سموت” أطلق عليها “آثار آلةِ خلق الكون”، ووَصَفَها أيضًا بأنها ” بصمات الخالق”.

ولكن هذه الحركات الموجية الدائرية لدرجة الحرارة ليست مجرد نقط على رسم بياني لأحد العلماء في مكانٍ ما. ولكن “كوب” التقط صورًا تحت الحمراء للحركات الموجية. تَذَكَّر أن ملاحظة الفضاء هي في الواقع ملاحظة للماضي، نظرًا لطول الزمن الذي يستغرقه الضوء القادم من أجسام بعيدة جدًا حتى يصل إلينا. لذا، صور “كوب” هي فعليًا صور من الماضي. أي أن الصور تحت الحمراء التي التقطها “كوب” تشير إلى وجود مادة من الكون الأولي تُشَكِّل في النهاية المجرات والعناقيد المجرِّية.

وقد أطلق “سموت” على هذه المادة “بذور” المجرات كما توجد اليوم (يمكن الاطلاع على هذه الصور على الموقع الإليكتروني للقمر “كوب”: http://imbda.gsfc.nasa.gov)). وهذه “البذور” هي أكبر بِنَى تم رصدها على الإطلاق، وأكبرها يمتد بعرض ثُلث الكون المعروف. وهو ما يعادل 10 مليار سنة ضوئية أو 95 مليار تريليون (95 يتبعها 21 صفر) كيلومتر.

والأن تستطيع أن تفهم سبب الأوصاف المهيبة التي أطلقها بعض العلماء على الاكتشاف. إنه شيء آخر تنبّأت به نظرية الانفجار الكبير، والآن تم اكتشافه، وكان ذلك الشيء عظيم الكِبرَ وشديد الدقة حتى إنه أحدث انفجارًا كبيرًا عند العلماء!

نظرية أينشتاين في النسبية العامة (E) Einstein’s Theory of General Relativity

حرف E  في كلمة SURGE  يشير إلى “أينشتاين” Einstein. وتمثِّل نظريته في النسبية العامة الفرع الخامس في الأدلة العلمية على بداية الكون، وكان اكتشافها بداية النهاية لفكرة أزلية الكون. والنظرية نفسها التي تم التحقُّق من دقتها للرقم العشري الخامس (أي بنسبة واحد من مائة ألف)، تستلزم بداية محددة للزمن، والمكان، والمادة. وهي تبين أن الزمان، والمكان، والمادة ملازِمة لبعضها البعض. أي أنها علاقة تكافيلية، لا يمكن أن يوجد عنصر واحد دون العنصرين الآخَرين.

ومن نظرية النسبية العامة، تنبأ العلماء بتمدد الكون، والشعاع المنبعث عقب الانفجار، وبذور المجرة العظيمة التي ضُبِطَت بدقة تسمح للكون أن يتخد شكله الحالي، ثم اكتشفوا كل هذه الحقائق. أضف هذه الاكتشافات إلى القانون الثاني في الديناميكا الحرارية. وبذلك تتكون لدينا خمسة فروع من الأدلة العلمية القوية على أن الكون له بداية. بداية، إن جاز لنا التعبير، أتت في انفجار كبير أشرنا إلى أدلته بلفظ SURGE.

الله وعلماء الفلك

إذَن الكون له بداية. ماذا يعني ذلك لمسألة وجوِد الله؟ العالِم الذي يشغل حاليًا كرسي “إدوين هَبِل” في “مرصد ماونت ويلسون” يخبرنا ببعض الأمور عن هذا الموضوع. واسمه “روبرت جاسترو”، وهو عالم فلك اقتبسنا من أقواله في هذا الفصل. وهو مدير “مرصد ماونت ويلسون”، ومؤسس “معهد جودار لدراسات الفضاء التابع لناسا” NASA’s Goddard Institute of Space Studies.

ومن الواضح أن مؤهلاته لا تشوبها شائبة. وهو ما جعل لكتابه “الله وعلماء الفلك” God and the Astronomers تأثيرًا كبيرًا على من يبحثون في تداعيات الانفجار الكبير، أي من يطرحون سؤال: “هل الانفجار الكبير يشير إلى الله؟”

ويكشف “جاسترو” في افتتاحية الفصل الول أنه لا يتبنى أي آراء دينية يود إقناع القارئ بها. فهو يقول: “عندما يكتب عالِم فَلَك عنِ الله، يفترض زملاؤه إما أنه شاخ وخَرِف، أو أنه أصيب بالجنون. ولكني أرجو أن يُفْهَم من البداية أني لاأدري في الأمور الدينية”.

في ضوء لاأدرية “جاستو”، تظهر أقواله التي تتعلق بالإيمان بالله الخالق أكثر إثارةً. فبعد أن شرح بعض أدلة الانفجار الكبير التي استعرضناها توًا، كتب: “يمكننا الآن أن نرى أن الأدلة الفلكية تؤدي إلى منظور كتابي[5] لأصل العالم. ورغم اختلاف تفاصيل الرواية الفلكية عن الرواية الكتابية الواردة في سفر التكوين؛ فالعناصر الأساسية في الروايتين واحدة: سلسلة الأحداث التي تؤدي إلى ظهور الإنسان بدأت بداية مفاجئة واضحة في لحظة محدَّدة في الزمن، في ومضة من الضوء والطاقة”.

والأدلة المذهلة على الانفجار الكبير وتوافقها مع الرواية الكتابية في سفر التكوين دفعا “جاسترو” أن يقول في حوار أُجري معه: “يرى علماء الفلك اليوم أنهم وضعوا أنفسهم في مزنق؛ لأنهم أثبتوا بطُرُقِهم العلمية أن العالم بدأ فجأة بفِعْلِ خَلْقٍ يمْكِنك أن تعزي له كل بذور كل نجم، وكل كوكب، وكل كائن حي في هذا الكون وعلى الأرض. وقد وجدوا أن كل هذا حدث نتاجًا لقوى لا يمكنهم حتى أن يحلموا باكتشافها…إني أعتقد أن وجود ما أُطْلِقُ عليه، أنا أو غيري، قوى فوق طبيعية عاملة أصبح الآن حقيقة ثابتة علميًا”.

وإذ يثير “جاسترو” فكرة فوق الطبيعي، يردد الخلاصة التي توصل إليها “آرثر إدينتون” الذي عاصر “أينشتاين”. فكما ذكرنا فيما سبق، أنه رغم أن “إدينتون” وجدها فكرة “منفِّرة”، فقد اعترف أن “البداية يبدو أنها تطرح صعوبات مستعصية إلا إذا اتفقنا أن ننظر إليها بصفتها فوق طبيعية على نحو صريح”.

ولكن لماذا يعترف “جاسترو” وكذلك “إدينتون” بوجود قوى “فوق طبيعية” عاملة؟ ما المانع أن يكون الكون نتاجَ قوى طبيعية؟ لأن هؤلاء العلماء يعلمون، مثلما يعلم أي شخص آخر، أن القوى الطبيعية، بل الطبيعة برمتها، خُلِقَت في الانفجار الكبير. أي أن الانفجار الكبير كان نقطة البداية للكون المادي كله. فالزمان والمكان والمادة أتت إلى الوجود عند تلك النقطة. وقبل الانفجار الكبير لم يكن هناك عالم طبيعي ولا قانون طبيعي.

وبما أن المسبِّب لا يمكن أن يَعْقُب الأثر، إذَن القوى الطبيعية لا يمكن أن تفسِّر الانفجار الكبير. ومن ثم لا بد من وجود شيء خارج الطبيعة يقوم بهذه الوظيفة. وهذا هو بالظبط ما يعنيه تعبير فوق طبيعي.

و”روبرت ويلسون” و”آرنو بنزياس”، مكتشِفا الشعاع التابع للانفجار، لم يكونا من معلمي الكتاب المقدس المتحمسين له. بل كان كلاهما في البداية يؤمن بنظرية الحالة الثابتة. ولكنهما نظرًا لتزايد الأدلة، غيَّرا موقفهما واعترفا بحقائق تتفق مع الكتاب المقدس. ويعترف “بنزياس” قائلاً: “لقد اتضح أن نظرية الحالة الثابتة في منتهى البشاعة حتى إن الناس لفظوها. وأسهل وسيلة لتوفيق الملاحظات على أقل عدد من المعايير تتمثل في تأكيد أن الكون خُلِقَ من لا شيء، في لحظة، وأنه مازال يتمدد”.

وقد قال “ويلسون” الذي درس على يد “فْرِد هويل” Fred Hoyle (الذي روَّج لنظرية الحالة الثابتة ونشرها على نطاق واسع سنة 1984): “لقد أُعجِبْتُ بنظرية الحالة الثابتة من الناحية الفلسفية. ولكن واضح أنه كان لا بد أن أتخلى عنها”. وعندما سأله الكاتب العلمي “فْرِد هيرِن” Fred Heeren عما إذا كانت أدلة الانفجار الكبير تشير إلى وجود خالق، أجاب “ويلسون” قائلاً: “مؤكد أن شيئًا ما أطلق هذه العملية برمتها.

ومؤكد، إن كنتَ متدينًا، أنه لا يمكنني أن أجد نظرية أفضل منها عن أصل الكون تتناسب مع سفر التكوين”. وقد أكد “جورج سموت” تقييم “ويلسون” حينما قال: “لا شك أن هناك تشابهًا بين الانفجار الكبير بصفته حدثًا والفكرة المسيحية المختصة بالخلق من عدم”.

“الإمبراطورية تعيد الضربات”[6] (ولكنها تتلاشى)

ما قول الملحدين في ذلك؟ لقد رأينا ما في تفسيرات “آتكينز” و”إسحق أزيموف” من قصور، فهي تنطلق من شيء وليس من عدم فعلي. فهل هناك أي تفسيرات إلحادية أخرى مقبولة منطقيًا؟ لم نرَ للملحدين تفسيرات مقبولة حتى اللآن. فقد خرجوا بنظريات أخرى، ولكنها جميعًا مشوبة بأخطاء فادحة. فلنلق نظرة سريعة على القليل منها.

نظرية الارتداد الكوني The Cosmic Rebound Theory: ترجِّح هذه النظرية أن الكون كان يتمدَّد وينكمش منذ الأزل. وهو ما يساعد مؤيديها على الهروب من البداية المحدَّدة. ولكن هذه النظرية محاطة بمشكلات عديدة، مما أدى إلى رفضها.

وأول هذه المشكلات وأوضحها هو عدم توافر دليل على وجود عدد لانهائي من الانفجارات (فمهما كان النظرية ليست نظرية الانفجار، الانفجار، الانفجار، الانفجار…الكبير!) بل يظهر أن الكون انفجر مرة واحدة من العدم، وليس مرارًا من مادة موجودة.

ثانيًا، الكون لا يحوي مادة كافية لسحب كل الأشياء معًا مرة أخرى. فيبدو أن الكون محكوم بشكل يجعله يستمر في التمدد إلى ما لانهاية. وهو ما أكَّده سنة 2003 “تشارلز بِنِت” Charles Bennett أحد علماء “مركز جودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا” NASA’s Goddard Space Flight Center. فبعد أن فحص قراءات من أحدث مسبار فضائي لوكالة ناسا قال: “الكون سيستمر في التمدد إلى الأبد. فهو لن يرتد على نفسه وينهار محدثًا دويًا عظيمًا” والحقيقة أن علماء الفلك يكتشفون حاليًا أن سرعة تمدّد الكون تتزايد بالفعل، مما يستبعد أيضًا احتمالية الانهيار.

ثالثًا، حتى وإن كانت هناك مادة كافية لجعل الكون ينكمش ثم “ينفجر” ثانيةً، فنظرية الارتداد الكوني تتناقض مع القانون الثاني في الديناميكا الحرارية لأن النظرية تفترض، خطأً، أنه لن يُفقَد أي قدر من الطاقة في كل انكماش وانفجار. إن الكون الذي “ينفجر” مرارًا كثيرة لا بد أن يضعف ويتلاشى كما تضعف الكرة الساقطة. فلو كان الكون يتمدد وينكمش منذ الأزل، لكان قد تلاشى.

وأخيرًا، كان من المستحيل أن نصل إلى يومنا هذا لو كان الكون يتمدد وينكمش منذ الأزل. فحدوث عدد لانهائي من الانفجارات الكبيرة هو استحالة حقيقية (وسوف نتناول ذلك بالتفصيل بعد بضع صفحات). وحتى لو كان هناك عدد نهائي من الانفجارات، فالنظرية لا تستطيع أن تشرح ما سَبَّبَ أول انفجار. فلم يكن هناك شيئ “ينفجر” قبل الانفجار الأول!

الزمن التخيلي Imaginary Time:

أما المحاولات الإلحادية الأخرى التي تحاول تفسير كيفية انفجار الكون إلى الوجود من عدم هي أيضًا محاولات معيبة. فمثلاً في محاولةً لتجنب بداية محددة للكون، طرح “ستيفن هوكينج” Stephen Hawking نظرية تستخدم “الزمن التخيلي”. ويمكننا نحن أيضًا أن نسميها “نظرية تخيلية” لأن “هوكينج” نفسه يعترف أن نظريته “مجرد مقترح ]ميتافيزيقي[” لا يستطيع أن يفسِّر ما حدث في الزمن الحقيقي.

فهو يعترف أنه “في الزمن الحقيقي الكون له بداية…والواقع أن “هوكينج” يرى أن “الجميع تقريبًا اليوم يؤمنون أن الكون والزمن نفسه بدآ في الانفجار الكبير”. ومن ثم، باعتراف “هوكينج” نفسه، نظريته التخيلية تتلاشى عندما تُطَبَّق على العالم الحقيقي. فالزمن التخيلي محض خيال.

انعدام اليقين Uncertainty:

نظرًا لقوة الأدلة على بداية الكون، فإن بعض الملحدين يشكَّكون في الفرضية المنطقية الأولى في الحجة الكونية، ألا وهي قانون السببية. إلا أن هذا التشكيك يمثّل خطورة كبيرة على الملحدين الذين عادة ما يفخرون بأنهم أبطال العقل والعلم. وكما اشرنا آنفًا، قانون السببية هو أساس العلم برمته. فالعلم هو بحث عن المسببات. فإن دَمَّرتَ قانون السببية، دَمَّرتَ العلم نفسه.

ولكن الملحدون يحاولون التشكيك في قانون السببية باللجوء إلى الفيزياء الكمية، وتحديدًا مبدأ عدم اليقين عند هايزنبرج Heisenberg’s Uncertainty Principle. ويصف هذا المبدأ عجزنا عن التنبوء في آن واحد بموقع وسرعة الجسميات الموجودة في الذرة subatomic particles (أي الإلكترونيات). والملحدون هنا مقتنعون بأنه: إن كانت السببية غير ضرورية في عالم الذرة الداخلي، إذَن ربما سببية الكون برمته غير ضرورية أيضًا.

ولكن من حسن حظ العلم ان هذه المحاولة الإلحادية للتشكيك في قانون السببية تبوء بالفشل. لماذا؟ لأنها تخلط بين السببية وإمكانية التنبوء. فمبدأ عدم اليقين عند هايزنبرج لا يُثبت أن حركة الإلكترونات بلا مسبب، ولكنه يصف فقط عجزنا عن التنبؤء بموقعها وسرعتها في وقت بعينه، فعدم قدرتنا على التنبوء بشيء لا يعني أن هذا الشيء بلا مسبب.

والحقيقة أن واضعي نظريات الكم يعترفون أنه قد لا نستطيع التنبوء بسرعة الإلكترونات وموقعها في آن، لأن محاولتنا لملاحظتها هي السبب في تحركاتها التي لا يمكن التنبوء بها! فكما يضع مربي النحل رأسه في خلية النحل، علينا أن نستثيرها حتى نلاحظها. ومن ثم قد تكون الحركة الحادثة هي عبارة عن عالِم يرى رموشه في الميكروسكوب.

وفي النهاية يتضح أنه ليست هناك نظرية إلحادية تُفَنِّد أيًا من فرضيات الحجة الكونية بكفاءة. فللكون بداية، ومن ثم يحتاج إلى مسبب.

ديانة العلم

فلماذا إذَن لا يقبل كل العلماء هذه النتيجة بدلاً من أن يحاولوا تجنب الحقائق ومضامينها بتفسيرات معيبة وغير مقبولة منطقيًا؟ وتعليقات “جاسترو” ثاقبة في هذا الصدد أيضًا (تَذكَّر أن “جاسترو” لاأدري). فهو يقول:

اللاهوتيون عمومًا سعداء بالبرهان على بداية الكون، ولكن الغريب أن الفلكيين متضايقون. وردود أفعالهم تُعَبِّر تعبيرًا مثيرًا عن استجابة العقل العلمي، الذي يُفتَرَض أنه عقل موضوعي جدًا، عندما تؤدّي الأدلة التي كشفها العلم نفسه إلى صدام مع بنود الإيمان في مهنتنا. وينتهي المطاف بالعالِم إلى أن يتصرف كما نفعل جميعًا عندما تصطدم معتقداتنا بالأدلة. فإما أننا ننزعج، أو نتظاهر بعدم وجود صدام، أو نخفيه بعبارات لا معنى لها.

والعبارات التي رأينا “آتكينز” و”أزيموف” يستخدمانها لتفسير بداية الكون مثل “النقاط الرياضية”، و”الطاقة الأيجابية والسلبية” على الترتيب تبدو لنا بالتأكيد بلا معنى. وهي في الواقع لا تفسِّر شيئًا.

أما بخصوص مشاعر “أينشتاين” “المزعجة” تجاه النسبية العامة وتمدد الكون، يقول “جاسترو”: “إنها لغة عاطفية غريبة لا تناسب مناقشة الصيغ الرياضية. ولكني أظن أن فكرة البداية الزمنية ضايقت “أينشتاين” لما لها من مضامين لاهوتية”.

إن الجميع يعلمون أن المؤمنين بالله الخالق لديهم معتقدات لاهوتية. ولكن الحقيقة المهملة غالبًا هي أن العلماء الملحدين والمؤمنين بوحدة الوجود لديهم أيضًا معتقدات لاهوتية. وكما أشرنا آنفًا، يُطْلِق “جاسترو” على بعض هذه المعتقدات “بنود الإيمان في مهنتنا” وهو يؤكد أن بعض هذه المعتقدات تشكل “الديانة العلمية”. فهو يكتب قائلاً:

هناك نوع من الديانة العلمية…كل أثر لا بد أن يكون له مسبب، فليس هناك مسبب أولي…ولكن هذا الإيمان الديني عند العالِم يتأذى باكتشاف أن العالَم له بداية شروطها تُبطل قوانين الفيزياء المعروفة، وأنه نتاجُ قوى أو ظروف لا يمكننا اكتشافها. وعندما يحدثُ ذلك يفقد العالم السيطرة. ولو فَحَصَ مضامين هذه الاكتشافات فحصًا حقيقيًا، لأُصيب بصدمة. وكالعادة عندما يواجه العقل صدمة يكون رد فعله أنه يتجاهل مضامينها، وهو ما يُعرف في العلم باسم “رفض توقع النتائج المتضمنّة”، أو التهوين من أصل العالَم بتسميته الانفجار الكبير، وكأن الكون لعبة نارية.

وسواء كان العلماء مصدومين أم لا، عليهم أن يدركوا ما تنطوي عليه أدلة الانفجار الكبير من مضامين. فقد لا تعجبهم الأدلة أو مضامينها، إلا أن هذا لا يغير الحقائق. وحيث إن الأدلة تبين أن الزمان والمكان والمادة خُلِقَت في الانفجار الكبير، فالخلاصة العلمية الأكثر احتمالاً هي أن الكون سُبِّبَ بفعل شيء خارج الزمان والمكان والمادة (أي مسبب أزلي). وعندما يقصر العلماء عن مواجهة تلك الخلاصة بإخفائها “بعبارات لا معنى لها” أو “برفض توقع النتائج المتضمنة”، يبدو أنهم ببساطة يرفضون قبول الحقائق والخلاصات الأكثر منطقية المترتبة عليها. وهو رفض إرادي، لا عقلي. فالأدلة موضوعية، ولكن العلماء الذين لا يصدقونها غير موضوعيين.

ماذا لو كانت نظرية الانفجار الكبير خاطئة؟

لقد استعرضنا حتى الآن أدلة علمية متينة ( (SURGEعلى حقيقة بداية الكون. ولكن هَبْ أن العلماء استيقظوا ذات يوم واكتشفوا أن كل حساباتهم خاطئة، وأنه لم يكن هناك انفجار كبير. ولكننا إن أخذنا في الاعتبار الأدلة العديدة المتنوعة وقدرة النظرية على التنبوء تنبؤات صحيحة بكمً كبير من الظواهر القابلة للملاحظة، يصبح رفض نظرية الانفجار الكبير أمرًا مستبعدًا تمامًا.

وهو ما يعترف به حتى الملحدين أنفسهم. فمثلاً “فيكتور ستنجر” Victor Stenger، وهو فيزيائي كان يُدَرِّس في “جامعة هاواي” University of Hawaii كتب أن “الكون انفجر من العدم”. واعترف “ستنجر” مؤخَّرًا أن الانفجار الكبير يبدو دائمًا أكثر احتمالاً. وقد قال: “علينا أن نترك المجال مفتوحًا لاحتمالية خطأ ]الانفجار الكبير[، لكننا…كل سنة نكتشف أن البيانات الفلكية المتراكمة تزداد توافقًا على الأقل مع الصورة العامة للانفجار الكبير”.

والواقع أنه في سنة 2003 ظهرت المزيد من الأدلة على صحة الانفجار الكبير. فالقمر الصناعي المسمى “مسبار ويلكينسون لقياس اختلاف الراديوية” (WMAP Wilkinson Microwave Anisotropy Probe) التابع لناسا أكد اكتشافات سابقة “كوب” وأنتج صورًا أوضح خمسًا وثلاثين مرة من صور “كوب” للحركات الموجية الدائرية لإشعاع الخلفية الكونية.

والحقيقة أن ملاحظات الفضاء تؤيِّد، يومًا بعد يوم، المنظور الإيماني حتى إن “جورج ويل” George Will يعلق عليها قائلاً: “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية”Union American Civil Liberties ، أو “أناس من أجل النهج الأمريكي” people for the American Way، أو غيرهما من الفصائل العلمانية المُحِبَّة للتقاضي سترفع دعاوي قضائية قريبًا على ناسا متهمة إياها بأن تلسكوب هَبِل الفضائي ينحاز لذوي الميول الدينية بما يخالف الدستور”.

ومع ذلك دعونا نلعب دور محامي الشيطان للحظات. فلنفترض أنه في نقطة ما في المستقبل اعتُبِرَت نظرية الانفجار الكبير خاطئة. فهل هذا سيعني أن الكون أزلي؟ لا، لعدة أسباب.

أولاً، القانون الثاني في الديناميكا الحرارية (المشار إليه بحرف S  في كلمة SURGE) يؤيّد الانفجار الكبير ولكنه لا يعتمد عليه. فحقيقة أن الكون يستنفذ الطاقة القابلة للاستخدام ويتجه نحو حالة من الفوضى هي حقيقة لا جدال عليها. وهو ما عبَّر عنه “إدينتون” قائلاً إن القانون الثاني “يحتل المكانة العليا بين قوانين الطبيعة”. فهو قانون صحيح حتى إن لم يكن الانفجار الكبير صحيحًا.

ثانيًا، ينطبق هذا الكلام نفسه على نظرية “أينشتاين” في النسبية العامة (المشار إليها بحرف  E في كلمة SURGE). فهذه النظرية، التي تم التحقق منها جيدًا بالملاحظة، تستلزم وجود بداية للمكان، والمادة، والزمان سواء أكان كل هذا قد بدأ بانفجار أم لا.

ثالثًا، هناك أيضًا أدلة علمية جيولوجية تؤكّد أن للكون بداية. وكما دَرَسَ الكثير منا في مادة الكيمياء في المدرسة الثانوية، العناصر المشعة تضمحل بمرور الوقت متحولة إلى عناصر أخرى. فمثلاً اليورانيوم المشع يتحول في النهاية إلى رصاص. وهو ما يعني أنه لو كانت كل ذرات اليورانيوم أزلية، لكانت قد تحولت جميعها إلى رصاص، ولكن ذلك لم يحدث. إذَن لا يمكن أن تكون الأرض أزلية.

أخيرًا، هناك فرع فلسفي من الأدلة على بداية الكون. وهذا الفرع من الدلة منطقي جدًا، على نحو لا يمَكِّننا من التملص منه، حتى إن البعض يعتبرونه أقوى الحجج جميعًا. ويطلق عليه الحجة الكونية من علم الكلام Kalam Cosmological Argument، وهي تقول:

  1. العدد اللانهائي من الأيام لا نهاية له.
  2. ولكن اليومَ هو اليومُ النهائي في التاريخ (التاريخ باعتباره مجموعة من كل الأيام).
  3. إذَن لم يكن هناك عدد لانهائي من الأيام قبل اليوم (أي أن الزمان له بداية).

ولفهم هذه الحجة، انظر الخط الزمني أدناه، وهو مقسَّم إلى أجزاء تمثل أيامًا (شكل 3-1). وكلما تتحرك يسارًا، تتجه تاريخيًا إلى الماضي. والآن تخيَّل لِلَحظة أن هذا الخط يمتد يسارًا إلى ما لانهاية، بحيث لا ترى إن كانت له بداية أصلاً. ولكنك عندما تنظر إلى اليمين ترى نهاية الخط لأن آخر جزء في الخط يمثل اليوم. والغَدّ لم يأتِ بعد، ولكنه عندما يأتي سنضيف جزءًا آخر (أي يومًا) على الطرف الأيمن من الخط.

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

ولنشرح  الآن كيف يُثْبت ذلك أن الزمان له بداية: بما أنه من المؤكَّد أن الخط ينتهي على اليمين، فلا يمكن أن يكون الخط الزمني لانهائيًا لأن اللانهائي ليس له نهاية. علاوة على ذلك، لا يمكنك أن تضيف أي شيء إلى اللانهائي، ولكننا غدًا سنضيف يومًا آخر إلى خطنا الزمني. إذَن لا نستطيع أن ننكر أن خطنا الزمني محدود.

ولننظر إلى هذه الحجة من زاوية مختلفة. لو كان هناك عدد لانهائي من الأيام قبل اليوم، إذَن اليوم لن يأتي أبدًا. ولكنه أتى! إذَن لا بد أنه لم يكن هناك إلا عدد نهائي من الأيام قبل اليوم. أي أننا حتى وإن كنا لا نستطيع أن نرى بداية الخط عندما ننظر يسارًا فنحن نعلم أنه لابد أن يكون قد بدأ عند نقطةٍ ما، لأنه لا بد أن تنقضي مدة نهائية من الزمن حتى يأتي هذا اليوم الحاضر. فلا يمكن لعدد لانهائي من الأيام أن ينقضي. إذَن لا بد أن الزمان له بداية.

وقد يقول البعض إن الأعداد اللانهائية موجودة، فما المانع أن يكون هناك عدد لانهائي من الأيام؟ لأن هناك فرقًا بين سلسلة لانهائية مجردّة وسلسلة محسوسة. فالأولى نظريةٌ بحتة، والثانية فعلية. فمن الناحية الرياضية يمكننا أن ندرك عددًا لانهائيًا من الأيام، ولكن من الناحية الفعلية يستحيل أن نَعُدّ أو نعيش عددًا لانهائيًا من الأيام. يمكنك أن تدرك عددًا لانهائيًا من النقاط الرياضية بين طرفي رف من رفوف المكتبة، ولكنك لا تستطيع أن تضع بينهما عددًا لانهائيًا من الكتب.

وهذا هو الفرق بين المجرد والمحسوس. فالأرقام مجردة. أما الأيام محسوسة. (وبالمناسبة ينسحب هذا الكلام على إجابتنا المذكورة آنفًا عن سبب استحالة وجود عدد لانهائي من الانفجارات في تاريخ الكون. فمن المستحيل وجود عدد لانهائي من الأحداث الفعلية).

إن ما نقصده هنا هو ان الكون، سواء أكان الانفجار الكبير صحيحًا أم لا، له بداية. أي أن الحجة الكونية صحيحة لأن فرضيتييّ الحجة كلتيهما صحيحتان: كل ما يأتي للوجود له مسبِّبن والكون اتى للوجود. بما أن الكون له بداية،لا بد ان له بادئ.

مَنْ صَنَعَ الله؟

في ضوء كل الأدلة على وجود بداية للكون المحدود بالزمكان Space-time universe، لا بد أن يكون البادئ خارجَ كونِ الزمكان. وعندما نقترح أن الله هو البادئ، ينبري الملحدون يسألون السؤال القديم قِدَم التاريخ: “إذَن مَنْ صَنَعَ الله؟ إن كان كل شيء يحتاج لمسبب، فالله أيضًا يحتاج لمسبب!”

كما رأينا قانون السببية هو أساس العلم. فالعلم بحث عن المسببات، وذلك البحث يقوم على ملاحظتنا التي تبين دائمًا أن كل ما له بداية له مسبب. والحقيقة أن سؤال “مَنْ صَنَعَ الله؟” يشير إلى احترامنا لقانون السببية. فإنه من المُسَلَّم به أن كل شيء تقريبًا يحتاج لمسبب.

فلماذا إذَن لا يحتاجُ الله لمسبب؟ لأن قناعات الملحد تسيء فهم قانون السببية. فقانون السببية لا يقول إن كل شيء يحتاج لمسبب. ولكنه يقول إن كل شيء يأتي إلى الوجود يحتاج لمسبب. والله لم يأتِ إلى الوجود. فالله لم يصنعه أحد. إنه غير مصنوع. والله بصفته كائنًا أزليًا لا بداية له، إذَن فهو لا يحتاج لمسبّب.

إلا أن الملحد سيَحتَجّ قائلً: “ولكن مهلاً، إن كان عندك إله أزاي، إذَن يمكن أن يكون عندي كون أزلي! وإن كان الكون أزليًا، إذَن لا يكون له مسبب”. نعم، من الممكن منطقيًا أن يكون الكون أزليًا ومن ثم لا يكون له مسبب. والواقع أن هذا الاحتمال هو واحد من اثنين: إما أن الكون أزلي، أو شيء خارج الكون هو الأزلي. (بما أنه لا شك أن شيئًا ما يوجد اليوم، إذَن لا بد أن شيئًا آخر وُجِدَ أزلاً. وليس أمامنا إلا خياران: الكون، أو شيء سبَّبَ الكون).

ولكن المشكلة التي تواجه الملحد هي أنه رغم أنه ممكن من الناحية المنطقية أن يكون الكون أزليًا، يبدو أنه ليس ممكنًا من الناحية الواقعية. وذلك لأن كل الأدلة العلمية والفلسفية)  (SURGE، واضمحلال النشاط الإشعاعي، والحجة الكونية من علم الكلام) تخبرنا أن الكون يستحيل أن يكون أزليًاز وعليه، باستبعاد أحد الخيارين، ليس أمامنا إلا الخيار الآخر: شيء خارج الكون هو الأزلي.

وعندما تنتبه للأمر جديًا، لا تجد إلا احتمالين لأي شيء موجود: إما أنه (1) موجود أزلاً ومن ثم لا مسبب له، أو (2) له بداية وقد سبَّبَه شيء آخر (لا يمكن أن يكون سبَّبَ نفسه، لأنه في هذه الحالة لا بد أن يكون موجودًا من الأصل حتى يسبّب أي شيء). ووفقًا للأدلة الهائلة، الكون له بداية، إذَن لا بد أن شيئًا آخر سبَّبَه، شيء خارجه. لاحظ أن هذا الاستنتاج يتوافق مع الأديان التي تؤمن بالله الخالق، ولكنه لا يقوم على تلك الأديان، بل يقوم على منطق سليم ودليل صلب.

فما صفات هذا المسبب الأولي؟ قد يظن المرء أنه لا بد أن يعتمد على الكتاب المقدس أو غيره مما يطلق عليه وحي ديني للإجابة عن ذلك السؤال، ولكننا لا نحتاج هنا أيضًا لأي نص مقدس حتى نستنتج صفات ذلك المسبب الأولي. فقد أصاب “أينشتاين” حين قال: “العلم بلا دين أعرج، والدين بلا علم أعمى”. العلم يؤكد الدين ويُطَعِّمه بالمعارف، وهو ما تفعله الحجة الكونية مثلاً. اي أنه يمكننا أن نكتشف بعض سمات المسبب الأولي من الأدلة التي تناولناها في هذا الفصل فحسب. ومن تلك الأدلة فقط نعرف أن المسبب الأولي لا بد أن يكون:

  • ذاتي الوجود، سرمدي غير محدود بزمان، غير محدود بمكان، غير مادي (بما أن المسبب الأولي خلق الزمان، والمكان، والمادة، إذَن لا بد أن يكون المسبب الأولي خارج الزمان، والمكان، والمادة). أي أنه غير محدود أو لانهائي.
  • قويًا بشكل يفوق الخيال، مادام قادرًا على خلق الكون برمته من العدم.
  • ذكيًا ذكاءً فائقًا، مادام قادرًا على تصميم الكون بهذه الدقة المذهلة (سنرى المزيد في هذا الموضوع في الفصل القادم).
  • شخص، مادام قادرًا أن يختار أن يُحَوِّل حالة العدم إلى كون من الزمان والمكان والمادة (القوة اللاشخصية لا تقدر على الاختيار).

سمات المسبب الأولي هذه هي بالضبط السمات التي ينسبها المؤمنون بالله الخالق إلى الله. ونكرِّر إن هذه السمات لا تقوم على ديانة شخصٍ ما أو على خبرة ذاتية. ولكنها مأخوذة من الأدلة العلمية التي استعرضناها توًا، وهي تساعدنا على رؤية جزء جوهري من سطح علبة هذا اللغز الذي نسميه الحياة.

الخلاصة: إن لم يكنِ الله موجودًا، فلماذا يوجد شيء بدلاً من العدم؟

منذ سنوات ناظرتُ (“أنا نورم”) أحد الملحدين في “جامعة ميامي” University of Miami حول سؤال “هلِ الله موجود؟” وبعد أن قَدَّمتُ الكثير من الأدلة التي استعرضناها في هذا الفصل، أتيحت لي الفرصة أن اسأل خصمي بعض السئلة. وأليك ما سألت:

” سيدي، عندي لك بعض الأسئلة: أولاً “إن لم يكنِ الله موجودًا، لماذا أصلاً يوجد شيء بدلاً من العدم؟” ثم سألته بضعة أسئلة أخرى معتقدًا أنه سيجيب عنها بالترتيب.

عادة عندما تناظر شخصًا تحاول أن تقنع الجمهور. ولكنك لا تتوقع أن تجعل خصمك يعترف بأنه مخطئ. فقد استثمر الكثير والكثير في الموقف الذي يتبناه، ومعظم المناظرين لا تسمح لهم كبرياؤهم أن يعترفوا بالخطأ. ولكن هذا الرجل كان مختلفًا. فقد فاجأني بالقول: “السؤال الأول سؤال وجيه. إنه حقًا سؤال وجيه”. ودون أن يضيف أي تعليق آخر انتقل إلى إجابة سؤالي الثاني.

فبعد أن سمع هذا المُناظر الأدلة على وجودِ الله بدأ يشك في معتقداته. بل إنه حضر اجتماع متابعة عقب المناظرة وعبَّر عن أنه يشك في الإلحاد. لقد بدأ إيمانه بالإلحاد يهتز بالفعل.

“أن لم يكنِ الله موجودًا، فلماذا اصلاً يوجد شيء بدلاً من العدم؟” سؤال علينا جميعًا أن نجيبه. وفي ضوء الأدلة ليس أمامنا إلا خياران: إما أنه لا أحدَ خلق شيئًا من العدم، أو أن شخصًا ما خلق شيئًا من العدم. أيّ المنظورين أكثر منطقية؟ العدم خلق شيئًا؟ لا. حتى “جولي أندروز” Julie Andrews  عرفت الإجابة عندما غنَّت قائلة: ” لا شيء يأتي من العدم. لا شيء أبدًا أتى من العدم!” وإن كنت لا تستطيع أن تصدق أن العدم سبَّبَ شيئًا، إذَن أنت لا تملك الإيمان الكافي للإلحاد!

إن المنظور الأكثر منطقية هو الله. وهو مارجحه “روبرت جاسترو” عندما ختم كتابه “الله وعلماء الفلك” بهذه الكلمات الكلاسيكية: “بالنسبة للعالِم الذي عاش على إيمانه بقوة العقل، تنتهي القصة كحُلْم مزعج. لقد تسلق جبال الجهل، وكان على وشك أن يغزو أعلى قممها، وبينما يجذب جسمه على آخر صخرة، يصادف مجموعة من اللاهوتيين يحيّونه وقد جلسوا هناك منذ قرون”.

 

[1] كل المجرات تتجه بعيداً عنا‘ ولكن هذا لا يعني أننا في مركز الكون. ولكي ترسم صورة في ذهنك لهذه الفكرة، تَخَيل بالونة عليها نقط سوداء. وعندما تنفخ البلونة، تنفصل كل النقط عن بعضها البعض سواء أكانت قريبة من المركز ام لا. والنقط التي على جانبي البلونة (الأبعد عن بعضها البعض) تنفصل أسرع من النقط المتجاورة. والحقيقة أن “هَبِل” اكتشف علاقة طردية بين المسافة والسرعة، أظهرت أن مجرة تبعد عنا ضعف المسافة التي تبعدها مجرة أخرى، تسير عنا بمقدار ضعف السرعة. وهو ما عُرِف باسم “قانون هَبِل”.

 تعني زيادة مفاجئة، أو ارتفاع مفاجئ، أو تدفق قوي مفاجئ. (المترجمة)surge الطريف أن كلمة [2]  

[3]  ربما أنك سمعت القانون الأول في الديناميكا الحرارية مصاغًا على هذا النحو: “الطاقة لا تُخلق ولا تُدَمَّر” أو الطاقة لا تفنى ولا تَّستحدث من عدم”. هذه عبارة فلسفية، وليست ملاحظة تجريبية. فكيف لنا أن نعرف أن الطاقة لم تُخلَق لم تستحدث من عدم)؟

لم يكم هناك ملاحظون ليتحققوا من هذا الأفتراض. ولكن التعريف الأدق للقانون الأول بقدر ما تتيحه الملاحظة هو أن “إجمالي كمية الطاقة في الكون (اي الطاقة القابلة للاستخدام وغير القابلة للاستخدام) تظل ثابتة”. لذلك بينما تُستهلك الطاقة القابلة للاستخدام، تتحول إلى طاقة غير قابلة للاستخدام، ولكن مجموع الاثنتين يبقى كما هو. كل ما يتغير هو نسبة الطاقة القابلة للاستخدام إلى الطاقة غير القابلة للاستخدام.

[4]  كلمات مثل “يسبق” و”قبل” عادة ما تنطوي على زمن. ولكننا لا نقصدها بذلك المعنى، لأنه لم يكن هناك زمن “قبل” الانفجار الكبير. لأنه يستحيل أن يكون هناك زمن قبل بدء الزمن. فما الذي يمكن أن يوجد إذَن قبل الزمن؟ الإجابة بمنتهى البساطة هي: الأزلي! أي المسبب الأزلي الذي أوجد الزمان، والمكان، والمادة.

[5]  كلمة “كتابّي” في الفهم المسيحي تعني: وفقًا للكتاب المقدس. (المترجمة)

[6]  الإشارة إلى الجزء الخامس من فيلم “حرب النجوم” Star Wars ، وعنوانه بالإنجليزية The Empire Strikes Back. (المترجمة)

الإنفجار الكبير – الزمن والبيج بانج

دليل على قيامة الرب يسوع مقبول من علماء غير مؤمنين – ترجمة توماس نبيل

دليل على قيامة الرب يسوع مقبول من علماء غير مؤمنين – ترجمة توماس نبيل

دليل على قيامة الرب يسوع مقبول من علماء غير مؤمنين – ترجمة توماس نبيل

دليل على قيامة الرب يسوع مقبول من علماء غير مؤمنين – ترجمة توماس نبيل

اشراف فريق اللاهوت الدفاعي

هذه المقالة تتحدث عن حجة تسمى “حجة الحد الأدنى من الحقائق” والتي تثبت قيامة الرب يسوع ويقدمها لنا د. جاري هابرماس وهي واحدة من أقوي الحجج علي قيامة الرب يسوع.

د. هابرماس هو مؤرخ أمريكي ودارس للعهد الجديد وأحد فلاسفة الدين، وقد درس القيامة لمدة أربعين سنة إلى الان. خلال هذا الوقت كان يصنع قائمة بحقائق القيامة المقبولة من قبل علماء العهد الجديد بصرف النظر عن معتقداتهم.

د. هابرماس يقول الآتي عن حجة الحد الأدنى من الحقائق:

“حجة الحد الأدنى من الحقائق والتي هي حجة لصالح قيامة يسوع تم تطويرها قبل عدة سنوات خلال كتابتي لرسالة الدكتوراه. هذه الحجة تحتاج لأمرين من أجل اثبات حقائق تاريخية معينة: أن تكون هذه الحقائق مؤكدة بواسطة عدد من الحجج القوية والمستقلة، ويجب ان الغالبية العظمي من العلماء حتي علماء النقد يعترفوا بصحة الحدث تاريخياً. علماء النقد هؤلاء من الممكن ان يكونوا ليبراليين أو شكوكيين أو لا أدريين أو حتي ملحدين

هذا لا يهم طالما انهم متخصصون في مجال دراسة ذو صلة بالموضوع كدراسة العهد الجديد. بخصوص هذين المطلبين، من المهم ان ندرك ان المعيار الأول بخصوص دليل قوي يأتيمن أكثر شيء مصيري.

لذا لماذا يسمح أو يعترف حتي علماء النقد بهذه الحقائق التاريخية الفردية؟ الإجابة ان كلاً منها غير قابل للإنكار. معظم الحقائق القليلة المستخدمة مؤكد بواسطة عشرة اعتبارات تاريخية أو اكثر. هذا ببساطة أساس رائع خاصة بالنسبة للأحداث التي وقعت في القرن الأول الميلادي.”

لو كان احد الفيزيائيين يكتب عن حقيقة القيامة، اذاً لن يقبل الناس هذه الحقائق التي كتبها لأن الدكتوراه الخاصة بالفيزيائي ليس لها علاقة بالموضوع. لكن حتي لو احد علماء العهد الجديد الملحدين كان يكتب عن القيامة، ثم قام بإحصاء الحقائق التي قبلها الناس. فقد جمع هذا العالم ما يزيد علي 3000 مرجع باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية، ثم قام بعمل قائمة بالحد الأدنى من الحقائق المقبولة والتي بينها شيء مشترك. في الواقع الحقائق التالية مقبولة من قبل كل المؤرخين والشكوكيين والمؤمنين:

  1. أن المسيح مات علي الصليب.
  2. رسل المسيح وتلاميذه اختبروا ما قد آمنوا أنه ظهورات للمسيح المُقام (لقد ادّعوا هذا وآمنوا به).
  3. ان يعقوب أخا الرب والذي آمن قبلاً ان يسوع كان مجنوناً، فجأة اصبح مسيحياً.
  4. بولس، والذي كان قبلاً مضطهداً للمسيحية، فجأة أصبح مسيحياً.
  5. أن القبر وُجد فارغاً بعدها بثلاثة أيام.

الحقيقة الوحيدة المُتنازع عليها هي القبر الفارغ، ولكن حتي مع هذا، لديك %75 من المؤرخين يقبلون هذه الحقيقة، ولكن هناك ثلاث حجج لدعم حقيقة القبر الفارغ:

  1. أن يسوع صُلب في أورشليم، المكان الذي بدأت منه الكرازة، كل ما احتاجت اليه السلطات لكي تقضي علي المسيحية كان اظهار الجسد للجموع.
  2. شهادة الأعداء. فاتهام النقاد الأوائل (اليهود) رسل المسيح بسرقة جسده، كان اعتراف منهم بأن الجسد لم يكن موجوداً.
  3. شاهد العيان الأول علي القبر الفارغ كان مجموعة نساء، وهذا له صلة بالموضوع لان شهادة النساء في القرن الأول في كلاً من الثقافة اليهودية والرومانية كانت تعتبر محل شك وغير مستحقة للثقة.

هناك ايضاً حقائق آخري مقبولة مثل:-

  1. أنه دُفن علي الأرجح في قبر خاص.
  2. أن رسل المسيح تحولوا من متشككين إلى مُعلنين (مبشرين) شجعان وكانوا حتي مستعدين أن يموتوا من اجل ذلك الايمان.
  3. أصل الكنيسة المسيحية.
  4. كيف أن القيامة كانت أساس البشارة.
  5. الكرازة بدأت مبكراً.

وغيرها الكثير….

ولكن في الحقيقة أنت فقط تحتاج اول خمس حقائق لكي تُصيغ هذه الحجة. فبما ان هذه الحقائق مقبولة، حتي من قبل الشكوكيين والمؤرخين الملحدين، كل فرد منا يحتاج ان يحاول ويفسّر هذه الحقائق، حتي الان معظم هذه التفسيرات يفشل في تفسير كل هذه البيانات.

اكثر النظريات شيوعاً والتي ستسمعها لمحاولة تفسير هذه الحقائق الهامة هي:

  • نظرية المؤامرة.
  • نظرية الموت الظاهري.
  • نظرية الجسد المسروق.
  • نظرية الهلوسة.

نظرية المؤامرة :

بشكل أساسي تنص علي أن الرسل تآمروا لبدء الديانة المسيحية. ولكن هذا يفشل عندما نأخذ في الاعتبار شروط نجاح أي مؤامرة. وايضاً يفشل في تفسير القبر الفارغ وتحول كلاً من يعقوب أخا الرب وبولس للمسيحية.

نظرية الموت الظاهري:

تنص علي أن يسوع لم يمت فعلاً علي الصليب، وأنهم فقط اعتقدوا أنه مات عندما اُنزل من علي الصليب ووضع في القبر، ثم بعد ثلاثة أيام خرج يسوع من القبر “بأعجوبة”. هذا يفشل عندما ندرك كيف كانت عقوبات الصلب ناجحة، أحد مؤرخي اليهود في القرن الأول سجل أنه خلال احدي عقوبات الصلب، لاحظ أن ثلاثة من أصدقائه كان يتم صلبهم.

لذا ذهب إلى الحاكم الروماني وقام بعمل استئناف، وبناء عليه أمر الحاكم الروماني ان يتم إنزال هؤلاء الثلاثة من علي الصليب واعطاءهم افضل رعاية طبية ممكنة. ورغم هذا مات اثنان منهم. لو لم يمت يسوع فعلاً علي الصليب لكنه دُفن حياً، لم يكن وقتها سيخرج بأعجوبة من القبر بعدها بثلاثة أيام ويُظن خطأ انه قام، كان الرسل بمجرد رؤيتهم له سيخبروه “انه يحتاج طبيباً”.

نظرية الموت الظاهري أيضاً تفشل عندما ندرك كيف كان الرومان بارعين (ضليعين) في اعدام الناس، أو المسئولية حيث لو أن انساناً كان من المفترض ان يموت ولم يمت، لكان الجنود المُشرفين علي الحكم قد اُعدموا، وايضاً هذا لا يفسر تحول يعقوب أخا الرب وبولس.

نظرية الجسد المسروق :

تنص علي ان الجسد إما تم تحريكه (سرقته) او انهم ذهبوا للقبر الخطأ، ولكن هذه النظرية تفشل في تفسير تحول كلاً من يعقوب وبولس، وايضاً تفشل في تفسير ادعاءات الرسل ان يسوع القائم ظهر لهم. ايضاً، جميع السلطات الحاكمة، التي حاربت المسيحية، الشيء الوحيد الذي احتاجوا أن يفعلوه هو اظهار الجسد للجموع ولكنهم لم يفعلوا.

نظرية الهلوسة :

هذه النظرية قد تكون أقوي نظرية تمت صياغتها، لكنها ايضاً تفشل، بسبب أن الهلوسة تشبه الاحلام، وهي بطبيعتها فردية، ولا يتم مشاركتها. في كورنثوس الاولي 15: 3-8 وهي تحويأقدم عقيدة تؤرخ لفترة في خلال ستة أشهر من القيامة. نقرأ ان يسوع ظهر للاثني عشر، لأكثر من خمسمائة أخ دفعة واحدة، ثم لجميع الرسل. (هذه العقيدة هي واحدة من الأدلة التي يقبلها الدارسين الشكوكيين). كما ان نظرية الهلوسة تفشل في تفسير القبر الفارغ وايضاً تحول كلاً من يعقوب وبولس.

عندما تأخذ في الاعتبار كل هذه الحقائق الهامة الخاصة بالقيامة، ستجد ان وحدها نظرية القيامة، أن يسوع المسيح قام حقاً من الموت، تفسّر كل البيانات التي بين أيدينا.

المرجع

Evidence of the Resurrection Accepted Even by Atheist New Testament Scholars

دليل على قيامة الرب يسوع مقبول من علماء غير مؤمنين – ترجمة توماس نبيل

الملحد السابق بيتر هيتشنز يعود للإيمان المسيحي

الملحد السابق بيتر هيتشنز يعود للإيمان المسيحي

الملحد السابق بيتر هيتشنز يعود للإيمان المسيحي

الملحد السابق بيتر هيتشنز يعود للإيمان المسيحي

بيتر هيتشنز الملحد السابق يتحول للإيمان المسيحي وهو صحفي وكاتب معروف في انجلترا، إذ يكتب في الصحف يوم الأحد، وقد نشر 6 كتب وهو أيضاً مؤلّف الكتاب الواسع الانتشار “الثورة على الله”، وهو شقيق المناضل الملحد كريستوفر هيتشنز. ونقلا عن هيتشنز الذي صرّح: “لقد قمت بحرق كتابي المقدس على المسرح في مدرسة كامبردج الداخلية في إحدى أمسيات الربيع المزهرة من عام 1976 حيث كنت أبلغ من العمر الخامسة عشرة عاماً.

 لكنه لم يحترق كاملاً كما كنت قد تمنيت.” وقد اختصر هيتشنز حياته السابقة والتي لا تبدو موضع افتخار بالنسبة لأسرته، إذ تضمنت سيرة حياته شجارات مع السلطات المحلية وانخراط بالمخدرات حيث تم القبض عليه من قبل، بالإضافة إلى امتلاكه لبعض الأسلحة التي كاد أن يقتل بها أحد الأشخاص وحتى نفسه إحدى المرات.

 وقد شملت حياته السابقة كما تحدّث عنها هيتشنز العديد من الصفات السلبية الأخرى مثل الخيانة، عدم الامتنان، عدم الولاء وعدم التقدير، وعدم الوفاء بالوعود وتحقيق الآمال وكسر العهود والجبن مع الأنانية الصارخة. وقد قال إنه لا يمكن أن يفعل أي شيء حتى يكفّر عن مثل هذه الصفات. ويتحدث هيتشنز عن نقطة التحول في مسار حياته حيث يتحدث في إحدى الليالي عن تسلله إلى احتفال موسيقي في عيد الميلاد حيث كان حريصاً ألا يراه أحد.

 لقد علم تماماً في داخله أنه استمتع بهذا الاحتفال بالرغم من عدم رغبته للإعلان عن ذلك. في نفس الوقت بدأ يفقد إيمانه بالسياسة وكل ما كان يشغل باله في ذلك الوقت حيث توّصل في داخله أنه يحتاج إلى اختبار جديد يبني عليه ما تبقّى من حياته. تابعونا على الفيسبوك: ويختتم هيتشنز كلامة بالحادثة التي تمكن من التواصل فيها مع أخيه الذي كان يزداد في مشاعر إلحاده يوماً بعد، إذ في إحدى الليالي تفاجأ بأنّ أخيه كان قد أعدّ عشاء له، وجلس الاثنان يناقشان أمور متعلّقة بالإيمان واللإلحاد، حيث عبّر بيتر لأخيه عمّا كان قد توّصل إليه أنّ وجود الله ليس خطأ في هذا العالم وأن وجود ديانة في حياة الإنسان لا تسمّم كل شيء من حوله. ويقتبس بيتر من الكاتب المعروف تي. أس. ايليوت أنّه على المرء أن يعود إلى بداياته حتى يعرف أنه يوجد أساس وبداية لكل شيء.

Exit mobile version