تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

بدأ وعي الكنيسة بالحاجة إلى قائمة متفق عليها من الكتب يتشكّل تدريجيًا؛ وربما كان لظهور قانون ماركيون (Marcion’s canon) دورٌ متفاوت في تحفيز هذا الوعي. وبحلول نهاية القرن الثاني، أصبحت مسألة قانونية الكتب محل نقاش محتدم. (ويُقدَّم قانون موراتوري (Muratorian Canon)، الذي يُرجّح أنه يعود إلى هذه الفترة⁴، كدليل على هذا النقاش.)

في ذلك الوقت، لم يعد هناك شك في الجزء الأكبر من أسفار العهد الجديد: الأناجيل الأربعة، سفر الأعمال، رسائل القديس بولس الرسول، وبعض الرسائل الجامعة (Catholic Epistles). أما الشكوك فظلّت قائمة حول الكتب السبعة “المُختلَف عليها”، (وهي: الرسالة إلى العبرانيين، رسالة يعقوب، رسالة بطرس الثانية، رسالتا يوحنا الثانية والثالثة، رسالة يهوذا، وسفر الرؤيا) حتى القرن الرابع، وحتى بعد ذلك في بعض المناطق.

ومن المهم التنبيه إلى أن هذا العرض لا يتعدى كونه إطارًا عامًا للفهم السائد بشأن تكوين قانون أسفار العهد الجديد، إذ تختلف تفاصيل الحجة من كاتب إلى آخر.”

 

لا يمكن لنا في مقال واحد أن نطمح إلى معالجة شاملة لكل ما يتعلّق بتاريخ قانون أسفار العهد الجديد، أو إلى مناقشة جميع الآراء والحجج التي طُرحت حول هذا الموضوع. ومع ذلك، من الممكن أن نطرح بعض التساؤلات حول الطريقة المعتادة التي يُتناوَل بها هذا الموضوع.

أدلة مبكرة على أن كتب العهد الجديد كان يُنظر إليها على أنها تتمتع بسلطة كتابية

ينبغي أن نلاحظ أولًا أن الأدلة المتوفرة لدينا من المسيحية الأولى لا تدعم دائمًا الافتراضات أو الاستنتاجات التي تم ذكرها أعلاه.

 

أما فيما يخص الادّعاء القائل بأن كتابات العهد الجديد لم تكن تُعتبَر ذات سلطان “كتابي” (scriptural authority) حتى أواخر القرن الثاني، فإن الأدلة، على أقل تقدير، مبهمة. وأي شخص يرغب في الأخذ بهذا الادّعاء عليه أن يُفسّر الحقائق التالية:

 

أ. في الرسالة الأولى إلى تيموثاوس 5:18، نرى مقطعًا من العهد القديم واقتباسًا من الإنجيل يُوضَعون جنبًا إلى جنب، ويُقدَّمون بنفس العبارة: “يقول الكتاب”. وحتى لو لم يكن الرسول بولس يشير إلى إنجيل مكتوب، إلا أنه من الواضح أنه يُساوي بين قول الرب وبين ما جاء في الكتاب المقدس للعهد القديم.

 

ب. في رسالة بطرس الثانية 3:16، يُشار إلى رسائل بولس، ويذكر أن البعض “يحرّفونها كما يفعلون أيضًا مع الكتب المقدسة الأخرى”، مما يعني أن رسائل بولس كانت تُعتبَر في نظر الكاتب مساوية لأسفار العهد القديم (من حيث السلطان).

 

ج. ينبغي الحذر عند استخلاص استنتاجات حاسمة من الديداخي (Didache)، بسبب الغموض الكبير حول تاريخ كتابته (ما بين سنة 70 إلى 150م تقريبًا) وطريقة تكوين هذه الوثيقة. لكن من الواضح في هذا أن الديداخي:

  1. يعتبر وصايا الرب ذات أعلى سلطان.
  2. يستشهد بإنجيل مكتوب (قارن: الديداخي 8:2 و15:3،4).
  3. يوصي قارئيه بشأن وصايا الرب قائلاً: “لا تُضِف عليها شيئًا ولا تُنقِص منها” (الديداخي 4:13، مقتبسًا من سفر التثنية 4:2 و12:32)، واضعًا بذلك وصايا الرب في مرتبة مساوية لشريعة موسى.

 

د. نفس الاقتباس من سفر التثنية نجده أيضًا في رسالة برنابا (Epistle of Barnabas) التي تعود إلى الربع الأول من القرن الثاني (برنابا 19:11).5 وفي نفس الرسالة نقرأ: “فلنحذر لئلا يُقال عنا كما هو مكتوب: «كَثِيرِونَ يُدْعَونَ، وَلَكِنْ قَلِيلِينَ فَقَطْ يُختَارُونَ.»” (برنابا 4:14). ويبدو أن الكاتب هنا يشير إلى إنجيل متى كمصدر كتابي (قارن متى 20:16 و22:14).

 

هـ. القديس إغناطيوس الأنطاكي (استُشهد بين عامي 98 و117م) يذكر في سياق واحد الإنجيل والرسل والأنبياء، وهو أسلوب معتاد للإشارة إلى أسفار العهد القديم.

 

و. الغنوصي باسيليدس (Basilides) (125–150م) يُقدِّم اقتباسات من رسائل بولس بهذه العبارات: «كما كُتِب» (ويليها رومية 8:19، 22)، وأيضًا: «والكتاب يقول في هذا الصدد…» (ويليها 1 كورنثوس 2:13). (راجع: هيبوليتس، Refutation of All Heresies، الكتاب السابع، الفصول 13 و14 – ANF).

 

ز. بوليكاربوس أسقف سميرنا (الذي استُشهد غالبًا حوالي عام 155م) يحضّ أهل فيلبي قائلاً: «كما قيل في هذه الكتب: “اغضبوا ولا تخطئوا” و”لا تغرب الشمس على غيظكم”» (رسالة بوليكاربوس إلى أهل فيلبي 12:1). وفي نفس الرسالة (6:3)، يضع المسيح والرسل والأنبياء معًا.

 

ح. ما يُعرَف بـ الرسالة الثانية للقديس كليمندس الروماني (2 Clement)، والتي كُتِبت ربما حوالي سنة 150م، يقتبس في الإصحاح 2:4 أولًا من إشعياء 54:1، ثم يقول: «وكتاب آخر يقول أيضًا: “لم آتِ لأدعو أبرارًا بل خطاة”» (مرقس 2:17 وما يوازيه).

 

وبالنظر إلى هذا النوع من الأدلة التي قدمناها، فإن الباحث ر. ب. س. هانسون R. P. C. Hanson6 جادل بأن هذه الشواهد لا تُثبت الأمر بشكل قاطع. فقد زعم أن التعبير الوحيد الذي يُعَدّ مؤشّرًا موثوقًا على المكانة التي منحها كتّاب القرن الثاني لأسفار العهد الجديد هو عبارة “الكتب المقدسة” (the Holy Scriptures). ويقول إننا لا نجد هذا التعبير مستخدمًا للإشارة إلى العهد الجديد حتى ما بعد منتصف القرن الثاني بفترة وجيزة، في دفاع أرستيدس (Aristides’ Apology، فقرة 16).

 

لكن التركيز على هذا التعبير بعينه غير مبرَّر، خصوصًا وأنه لا يُستخدم في العهد الجديد كله إلا مرة واحدة فقط (رومية 1:2)، ثم لا يظهر مجددًا إلا عند القديس يوستينوس الشهيد (الذي كتب حوالي سنة 160م)، حيث استخدمه مرتين فقط في أكثر من 70 إشارة إلى العهد القديم كـ”الكتب المقدسة”.

 

ما دام هناك مقاطع من أسفار العهد الجديد تُقدَّم بنفس الصيغ التي تُستخدم مع أسفار العهد القديم، فستظل هناك حاجة لإعطاء مبررات كافية إن أردنا التمييز في السلطان المنسوب لكل منهما.

 

عدم اعتبار التقليد الشفهي منافسًا للتقليد المكتوب

قضية أخرى يكتنفها الغموض في الأدلة هي مسألة التقليد الشفهي. لا شك في وجود تقليد شفهي في الكنيسة الأولى، ولكن يبدو أن مجرد حقيقة وجوده يُفهم أحيانًا وكأنه يُقلِّل من سلطان التقليد المكتوب.

 

ومن المؤسف أن كامبنهاوزن7 لا يزال يرى أن بابياس Papias (الذي كتب ما بين سنة 110–130م تقريبًا) كان يؤمن بـ”تفوق التقليد الشفهي”، مستندًا إلى قول بابياس:

«ما يأتي من الكتب لا يبدو لي نافعًا بقدر ما يأتي من الكلام الحي ويبقى كذلك» (تاريخ الكنيسة ليوسابيوس، الكتاب الثالث، الفصل 39، الفقرة 4 – ترجمة كامبنهاوزن).

 

ولكن كما أظهر جي. بي. لايتفوت J. B. Lightfoot8 في وقت سابق، وأعاد تأكيده باحثون آخرون لاحقًا (ذكرهم كامبنهاوزن نفسه)، فليس هذا هو الفهم الأوضح أو الأرجح للنص الوارد في كتاب يوسابيوس.

 

يبدو بالأحرى أن بابياس كان حقيقةً يعتمد على التقليد الشفهي فقط في تفسير أقوال الرب، لا في نقل مضمون تلك الأقوال نفسها. وقد يكون تعليقه المسيء على الكتب موجهًا في الواقع إلى الكتابات الهرطوقية التي كانت كما نعلم، في ذلك الوقت، تحاول تفسير أقوال الرب من منظورها الخاص، تمامًا كما كان يحاول بابياس أن يفسرها.

 

من خلال ما يقوله يوسابيوس Eusebius عنه، فإن الصورة التي تتكون لدينا عن بابياس هي صورة “أصولي” من القرن الثاني، يتمسك بعقيدة المُلك الألفي الحرفي (Pre-millennialism)، ويؤمن بـعصمة الأناجيل، حيث يجادل بقوة أن غياب الترتيب الزمني في إنجيل مرقس لا يعني وجود خطأ في هذا الإنجيل من قِبل الكاتب. (وهذا أمر غريب أن يصدر عن شخص يُفترض أنه يفضل التقليد الشفهي على المكتوب.)

 

ورغم أن هناك أدلة على استمرار وجود التقليد الشفهي، إلا أنه لا توجد أية أدلة على أن هذا التقليد كان يتنافس من حيث السلطان مع التقليد المكتوب.⁹

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

السؤال الجوهري هو السلطان، وليس مسألة الإدراج الكنسي

الأمر الأهم من مجرد النقاط المتعلقة باستخدام الأدلة من قِبَل الكُتّاب الذين تناولوا موضوع قانونية أسفار الكتاب المقدس، هو مسألة المنهجية التي يتّبعونها: هل يطرحون الأسئلة الصحيحة أصلًا عند بحثهم في تاريخ قانون العهد الجديد؟

 

السؤال الذي يُطرح عادةً هو: “متى نجد أوّل دليل على وجود قائمة متفق عليها من الأسفار ذات سلطان مُلزِم للكنيسة؟” الاقتباس الذي ذكرناه سابقًا عن كامبنهاوزن (Campenhausen) يعبّر عن هذا بوضوح: لا يمكن الحديث عن “قانون” إلّا عندما تُمنَح وثيقة (أو مجموعة وثائق) عن قصدٍ مكانةً معيارية خاصّة، تضعها في مرتبة واحدة مع الكتب المقدسة الموجودة للعهد القديم.

(والجدير بالذكر أن الافتراض بأن قانون العهد القديم كان قد اكتمل بشكل راسخ في الحقبة المعنيّة، هو أمر لا يتفق عليه جميع الباحثين).

 

هذا يعني فعليًا أننا ننطلق من مفهومنا الحالي لكلمة “قانون” (Canon)، ثم نحاول أن نجد دليلاً على وجود هذا المفهوم في الكنيسة الأولى. وبناء على هذا، ينصبّ اهتمامنا على إيجاد – أو إثبات عدم وجود – قوائم طويلة أو قصيرة من الأسفار المقبولة في فترات محدّدة من تاريخ الكنيسة المبكرة، وهو ما سعى إليه كامبنهاوزن10 مثلًا.

 

لكن، هل مسألة القوائم الرسمية هي في الحقيقة السؤال الأهم؟

صحيح أن كلمة “قانون” (canon) تعني في الأصل “قائمة”، ومن ثم، فإن “تقنين” الأسفار بالمعنى الدقيق للكلمة قد يكون قد تم في وقت متأخر نسبيًا. ولكن من المضلِّل جدًا أن نُوحي بأن لحظة إعداد القوائم هي المرحلة الأولى التي بدأت فيها أسفار العهد الجديد تُعتَبَر ذات سلطان [إلهي].

 

حينما يخبرنا كامبنهاوزن قائلاً: «في الكنيسة الأولى، كان المقصود بـ”الكتاب المقدس المسيحي” هو… ببساطة العهد القديم، الذي أُخذ من المجمع اليهودي وأُعيد تفسيره مسيحيًا. ولم تكن هناك بعد أية إشارة إلى قانون للعهد الجديد، لأن هذا نفسه لم يكن موجودًا…»،¹¹ فقد يكون محقًا من الناحية الفنية. لكن في الوقت نفسه، يكشف هذا عن قصور منهجيته بالكامل.

 

القضية الجوهرية هنا هي قضية السلطان (السلطة) Authority. فلو افترض كامبنهاوزن، مثلاً، أن العهد القديم كان هو السلطان الوحيد، أو حتى الأعلى، في الكنيسة الأولى، لبدا هذا الافتراض عبثياً على الفور. فلم يكن هناك وقت – منذ يوم الخمسين (العنصرة) – كانت فيه الكنيسة تعتبر أن العهد القديم وحده يُشكّل السلطان الوحيد أو حتى الأعلى.

 

يصف لوقا في أعمال الرسل 2 الكنيسة الأولى بأنها جماعة من المؤمنين «كانوا يواظبون على تعليم الرسل». فقد كان لسلطان الرسل وتعاليم المسيح التي نقلوها، مكانة أسمى من سلطان العهد القديم، إذ صار العهد القديم يُفهَم فقط في ضوء تعليم المسيح والرسل.

 

ونجد هذا الأمر جليًا أيضًا خارج أسفار العهد الجديد، كما في السجال الذي يرويه لنا القديس إغناطيوس (في رسالته إلى أهل فيلادلفيا 8:2)، حيث قال له بعض الأشخاص (غالبًا من المتهوّدين): «إن لم أجد هذا الشيء في كتبنا القديمة (يقصدون العهد القديم؟)، فلن أؤمن به عندما يرد في الإنجيل.» وحينما أكد لهم إغناطيوس أن الأمر مذكور فعلًا في الكتب المقدسة القديمة، أجابوا: «هذا يحتاج إلى إثبات.» فردّ إغناطيوس قائلاً: «أما أنا، فسجلاتي هي يسوع المسيح، وسجلاتي المقدسة هي صليبه وموته وقيامته، والإيمان الذي يأتي من خلاله.»

 

لا يمكن تقريباً التشكيك في أن المسيحيين الأوائل اعتبروا سلطان الرسل هو الأعلى، حتى أعلى من العهد القديم. ولا يوجد سبب يدعونا للاعتقاد أن هذا السلطان كان يقتصر فقط على تعليمهم الشفهي؛ بل من المؤكَّد تقريبًا أنه امتد أيضًا إلى كتاباتهم، منذ بدايتها.

 

وعليه، يجب أن نعيد صياغة أسئلتنا بشأن تاريخ قانون العهد الجديد بطريقة مختلفة. ما ينبغي علينا تتبعه ليس مجرد وجود قوائم مبكرة للأسفار المقبولة، بل ما إذا كانت هذه الأسفار – التي أُدرِجت لاحقًا في القوائم – قد اعتُبرت في الأصل وقبل ذلك رسولية وذات سلطان. أي: هل تم قبولها كأسفار قانونية عمليًا، حتى إن لم تكن قد أُدرجت رسميًا بعد؟

هذا سؤال أصعب بطبيعته من مجرد تتبُّع القوائم، لكنه يقودنا إلى ملاحظات جديرة بالاهتمام.

  • السلطان الذي يتجلى في الاستخدام المبكر لكتابات العهد الجديد

لقد رأينا سابقًا بعض الأدلة المبكرة التي تشير إلى أن العهد الجديد كان يُعتبر ذا سلطان كتابي (انظر النقطة 1 أعلاه). ويمكننا هنا أن نضيف المزيد من الأدلة المتعلّقة بكيفية استخدام العهد الجديد في الكنيسة الأولى.

 

يُقرّ كامبنهاوزن بأن حقيقة تكرار أو استخدام أو الإشارة إلى كتابات العهد الجديد لا تعني “تقنينها”¹². وهذا صحيح إذا ما أخذنا مفهوم “التقنين” بحسب فهم كامبنهاوزن له. ولكن إن كان يقصد أن التكرارات أو  الإشارات أو الاقتباسات لا تعني شيئًا بخصوص سلطان الكتب المشار إليها، فتصريحه هذا يحتاج إلى تبرير، في ضوء بعض الاعتراضات الواضحة. لا يمكن أن يُعتبر هذا الادعاء سليمًا إلا إذا أمكن إثبات أن كتّاب المسيحية الأولى رددوا أو اقتبسوا أو أشاروا إلى نصوص نعلم يقينًا أنها لم تكن تُعتبر ذات سلطان بنفس الطريقة. أما الواقع، فإن استخدام كتابات العهد الجديد هذا يعكس تمامًا الطريقة التي بها يُستَشهَد بالعهد القديم داخل أسفار العهد الجديد نفسها، وفي كتابات الكنيسة الأولى عمومًا.

 

إن مثل هذه التلميحات والإشارات الضمنية تظهر بوتيرة أكبر بكثير من الاقتباسات الرسمية الصريحة. أفليس من المشروع أن ننظر إلى هذا الأسلوب في الإشارة إلى كتابات العهد الجديد بالطريقة التي نظر بها وستكوت Westcott، عندما قال عن آباء الكنيسة الرسوليين:

 

«إن كلمات الكتاب المقدس (ويقصد بها العهد الجديد) منسوجة في نسيج كتبهم، لا مجزأة كاقتباسات رسمية. فهي ليست منظّمة بغرض الجدل [أو الاستدلال]، بل تُستخدم كتعبير طبيعي عن الحقائق المسيحية. وهذا الاستخدام للأسفار المقدسة يُظهِر – على الأقل – أنها كانت معروفة على نطاق واسع في ذلك الوقت، وبالتالي محروسة بشهادة جمع غفير [من المؤمنين]؛ بحيث أن لغتهم قد انتقلت إلى لغة المؤمنين اليومية؛ وأنها كانت مألوفة لدى أولئك المسيحيين الأوائل بقدر ما هي مألوفة لنا اليوم، بحيث كانوا يستخدمونها بلا وعي في كتاباتهم وحديثهم»¹³.

 

حتى في محاولة التحقق من الأسفار التي كانت معروفة ومستخدمة من قِبل كتّاب الكنيسة بعد العصر الرسولي، لم يُجرَ بعدُ تحليل دقيق بالقدر الكافي للكشف عن هذه الاستشهادات والتلميحات والإشارات غير المباشرة التي قد تشير إلى تلك الأسفار. إذ انصبّ التركيز أثناء البحث غالبًا على الاقتباسات الصريحة والواضحة فحسب.

 

لدينا مجال هنا لمزيد من الفحص الأدبي العميق، ليس فقط لاكتشاف التشابه في اللغة والمفردات والتراكيب النحوية، بل أيضًا لدراسة التشابه في الفكر اللاهوتي والمضمون العقائدي. إن السلطان الظاهري الذي تحظى به كتابات العهد الجديد لدى الكتّاب المسيحيين الأوائل، يتأكد بصورة لافتة من خلال استخدامها أيضًا من قِبل الهراطقة في القرن الثاني الميلادي.

 

لقد أشرنا أعلاه إلى أن الغنوصي باسيليدس (في النصف الأول من القرن الثاني) اقتبس من رسائل بولس على أنها «الكتاب المقدس». أما ماركيون، فعندما وضع «قانونًا» خاصًا به في ذات الفترة تقريبًا، لم يكن غرضه منح بعض الأسفار سلطانًا أعلى، بل على العكس: كان هدفه استبعاد سلطان باقي الأسفار الرسولية.

 

أما الغنوصي فالنتينوس (منتصف القرن الثاني)، فيقول عنه ترتليان14 Tertullian إنه لم يخترع “كتابات مقدسة” جديدة، بل حرّف معنى الكتابات المقبولة من خلال شروحه الخاصة. وقد دافع فان أونيك15 W.C. van Unnik بأن «إنجيل الحق» المنسوب إلى المدرسة الفالنتينية والموجود في مخطوطة نجع حمادي (Jung Codex) يؤكد هذا الرأي الذي أورده ترتليان. وفي موضع آخر، يقول ترتليان: «(الهراطقة) يتعاملون فعليًا مع الكتب المقدسة ويدعمون (آراءهم) منها. وبالطبع يفعلون ذلك؛ فمن أين يمكنهم أن يأتوا بحجج حول أمور الإيمان سوى من سجلات الإيمان؟»¹⁶

 

ويقول إيريناوس Irenaeus عن الأناجيل الأربعة ما يلي: «إن أساس هذه الأناجيل متين جدًا لدرجة أن الهراطقة أنفسهم يشهدون لها، وكل واحد منهم يحاول أن يُقيم عقيدته الخاصة انطلاقًا من هذه (الوثائق)»¹⁷.

 

  • الأسفار المختلف عليها: كانت أيضًا ذات سلطان منذ وقت مبكر

إن التركيز على مسألة السلطان والاستخدام العملي لكتابات العهد الجديد، بدلًا من حصر النظر في مسألة القوائم الرسمية للأسفار المعترف بها، قد يساعدنا أيضًا على إعادة النظر في مشكلة معينة تخص تاريخ تشكّل قانون العهد الجديد.

 

نعلم أن النقاشات التي دارت في القرنين الثالث والرابع بشأن حدود قانون العهد الجديد، انصبت على وضع سبعة أسفار تُعرف بـ الأسفار المختلف عليها (Antilegomena)، وهي: الرسالة إلى العبرانيين، يعقوب، ٢ بطرس، ٢ و٣ يوحنا، يهوذا، وسفر الرؤيا. وهذه الأسفار لم تكن مقبولة على نطاق كلي من الكنيسة.

غالبًا ما يُقال إن مكانة هذه الأسفار كانت محل شك حتى قررت الكنيسة في القرن الرابع إدراجها رسميًا ضمن أسفار العهد الجديد. غير أن الأدلة لا تدعم هذا الادعاء بالضرورة.

بل يبدو أن التلميحات والإشارات إلى هذه الأسفار موجودة حتى منتصف القرن الثاني، وأن التشكيك في سلطانها لم يظهر إلا مع نهاية القرن الثاني، وذلك عندما فرض سيل الكتابات الهرطوقية على الكنيسة أن تبدأ في تقييم الأسفار التي لها سلطان مقابل تلك التي لا سلطان لها.

تشير كل الأدلة إلى أن هذه الأسفار كانت مقبولة قبل نهاية القرن الثاني في المناطق التي كانت معروفة فيها (ومن المهم التأكيد على هذه النقطة، لأنها تفسّر الشكوك التي أثيرت لاحقًا بشأنها [في مناطق أخرى لم تصلها هذه الأسفار بالسرعة ذاتها]).

 

لا يسعنا هنا سوى الإشارة الموجزة إلى الحقائق التالية:

(أ) الرسالة إلى العبرانيين مقتبسة بشكل موسّع في رسالة أكليمندس الأولى Clement (بين عامي 90–110م)، كما استخدمها عدد من الكُتّاب الآخرين. ولم يظهر لنا أن كنيسة شمال إفريقيا لم تكن تتضمنها في قائمتها لأسفار العهد الجديد إلا في بداية القرن الثالث، بحسب ما نعلم من ترتليان.

(ب) رسالة يعقوب موثقة في رسالة كليمنت الأولى ورسالة هرنياس Hernias (منتصف القرن الثاني) وغيرهما.

(ج) أعتقد شخصيًا أن رسالة يهوذا 18 تقتبس من 2 بطرس 3:3، وهناك آثار من 2 بطرس يمكن تتبّعها في بعض آباء الكنيسة الرسوليين مثل (1 أكليمندس 9:3؛ 11:1؛ 23:3؛ رؤى هرماس IV 3:4؛ أمثال هرماس VIII 11:1). ومن المعروف عمومًا أن رسالة 2 بطرس هي الأقل توثيقًا بين الأسفار المُختلَف عليها Antilegomena.

(د) الرسالتان الثانية والثالثة من يوحنا تمثلان تحديًا خاصًا من نوعهما. فعلى الرغم من وجود بعض الآثار لهما في كتابات مسيحية مبكرة، يبدو من سجلات مجمع قرطاج السابع (سنة 256 م)، ومن موضعين في كتابات إيريناوس (ضد الهرطقات Adv. Haer I 16:3؛ III 16:8)¹⁸، أن رسالتي يوحنا الأولى والثانية على الأقل كانتا تُعرفان كرسالة واحدة، إذ نُقلت اقتباسات من 2 يوحنا تحت عنوان: “من رسالة يوحنا”. وطالما لا نعرف على وجه الدقة الشكل الذي كانت تُعرف به هذه الرسائل الثلاث في ذلك الوقت، ونظرًا لِغموض الأدلة، لا يمكننا إلا أن نقول إنه لم تظهر أية شكوك حول صحة هذه الرسائل حتى نهاية القرن الثاني.

(هـ) نجد آثارًا لرسالة يهوذا في كتابات آباء الكنيسة الرسوليين، والطريقة التي يقتبس بها ترتليان من الرسالة (في كتابه حول زينة النساء De Cult. Fem.، القسم الثالث) توحي بأنها كانت مقبولة ومعترف بها منذ وقت طويل في كنيسة شمال إفريقيا.

 

سفر الرؤيا يبدو أنه كان مقبولًا على نطاق واسع حتى أواسط القرن الثالث. أما حقيقة أن صحة وسلطان هذه الأسفار قد أُثيرت حولها الشكوك عندما بدأت النقاشات حول مدى قانونية أسفار العهد الجديد في نهاية القرن الثاني، فتُفسَّر غالبًا بكون هذه الأسفار كانت معروفة في بعض المناطق دون غيرها، وكانت شبه مجهولة في مناطق أخرى.

 

السبب الآخر المحتمل لهذه الشكوك يعود إلى محاولة بعضهم في ذلك الزمان تضييق مفهوم “رسولي” ليعني فقط “من تأليف رسول مباشرة”. وبما أن كُتّاب هذه الأسفار –باستثناء 2 بطرس– لم يكونوا معروفين على وجه الدقة أو كان هناك غموض بشأن هويتهم، فقد كان من الطبيعي أن تُثار تساؤلات بشأنها. أما أسفار مثل مرقس ولوقا وأعمال الرسل، فقد كانت مكانتها قد ترسخت بما يكفي لئلا تثير أية إشكالات من هذا النوع.

 

الخلاصة

من الواضح أن كل ما سبق يشكّل رسمًا مبدئيًا فقط لكيفية تناول موضوع تاريخ قانون أسفار العهد الجديد. فبعض النقاط التي ذكرناها تُظهر ضعف بعض العروض المعيارية التقليدية حول هذا الموضوع.

 

ومن الواضح أيضًا أن أي نقاش حول سلطان كتابات العهد الجديد في الكنيسة ما بعد الرسولية يجب أن يأخذ في الاعتبار السؤال الأوسع عن مفهوم السلطان داخل الكنيسة في تلك الفترة. كما لا ينبغي أن يقلل بحثنا عن قوائم قانونية رسمية من أهمية دراسة ظهور ‘قانون’ العهد الجديد تدريجيًا؛ بل إن هدفنا هو توسيع نطاق التحقيق ووضعه في إطاره الصحيح.

 

توحي رؤيتنا العامة – بنظرة شاملة – حول سلطان كتابات العهد الجديد في الكنيسة الأولى إلى أنه ليس من غير الممكن، ولا من المستبعد منطقيًّا، أن جميع الكتابات الرسولية التي تشكّل اليوم العهد الجديد قد قُبِلت منذ البداية ككتب رسولية وبالتالي ذات سلطة من قبل الكنيسة ما بعد الرسولية، وأن الصحة أو الأصالة لبعض هذه الكتب لم يُشكَّك فيها إلا في وقت لاحق، لأسباب تاريخية واضحة لا تُنقص من قبولها كرسولية من قِبَل الكنيسة ما بعد الرسولية.

 

لكن، هذه ما هي إلا فرضية أولية بحاجة إلى تحليل أعمق وشامل لكل الأدلة المتاحة، للتحقق مما إذا كانت الأدلة فعلاً تدعم هذا الطرح. في حين لا يبدو أن تحليلاً من هذا النوع متوفر حتى الآن.

 

المراجع:

  1. H. V. Campenhausen، The Formation of the Christian Bible (توبنغن 1968؛ الترجمة الإنكليزية لندن 1972)، ص 103.

كان كامبنهاوزن (Campenhausen) أكثر دقة من ر. م. غرانت (R. M. Grant) في The Formation of the New Testament (لندن 1965). (للاطّلاع على بيان موجز عن موقف غرانت، انظر مقاله “The New Testament Canon” في Cambridge History of the Bible، الجزء الأول، ص 284 وما يليها).

يشير كلا من د. إ. غروه (D. E. Groh) في Interpretation 28 (1974، ص 331–343) وأ. س. سوندبرغ (A. C. Sundberg) في Interpretation 29 (1975، ص 352–371) إلى أن كامبنهاوزن لم يكن صارمًا بما فيه الكفاية وأنه يُحدّد تكوّن القانون في وقت مبكر جدًا. انظر أيضًا د. ل. دنغان (D. L. Dungan) في “The New Testament Canon in recent study”، Interpretation 29 (1975، ص 339–351).

أما الباحثون المحافظون، فيبدو أنهم نادرًا ما يتناولون الموضوع. ومن الاستثناءات إ. لايرد هاريس (E. Laird Harris) في Inspiration and Canonicity of the Bible (غراند رابيدز 1969)، إلا أن الكتاب يترك الكثير مما يُرغب بتناوله.

يمكن العثور على معالجة مختصرة للموضوع في مقدمات الشروحات العامة للعهد الجديد. يقدم د. غذري (D. Guthrie) بيانًا مختصرًا مفيدًا في New International Dictionary of the Christian Church، لكنه للأسف لم يتناول الموضوع بشكل شامل في New Testament Introduction.

 

  1. انظر Nicene and Post-Nicene Fathers، السلسلة الثانية، مجلد IV، ص 551 وما بعدها.
  2. E. Hennecke، New Testament Apocrypha (توبنغن 1959؛ ترجمة إنكليزية لندن 1963)، ص 29.
  3. A. C. Sundberg، “Canon Muratori: a 4th Century List”، Harvard Theological Review 66 (1973)، ص 1–41، يشكّك في تأريخ هذا القانون [أنه يعود إلى القرن الرابع].
  4. W. C. van Unnik، “De la règle mēte prostheinai mēte aphelein dans l’histoire du canon”، Vigiliae Christianae 3 (1949)، ص 10 وما بعدها، لا ينفي أن الصيغة الواردة في الديداخي وبرنابا تشير إلى الوصايا المكتوبة، بل يلاحظ فقط الفرق بينها وبين استخدامها في الكتابات الأحدث.
  5. Tradition in the Early Church (لندن 1962)، ص 205 وما بعدها.
  6. كامبنهاوزن، المذكور أعلاه، ص 130 وما بعدها. قارن أيضًا ر. م. غرانت (R. M. Grant) في Cambridge History of the Bible، ص 291.
  7. Essays on the work entitled Supernatural Religion (لندن 1893)، ص 156 وما بعدها.
  8. عمل مفيد جدًا عن العلاقة بين التقليد والكتاب المقدس في الكنيسة الأولى هو كتاب بهذا العنوان لـ إ. فليسمان-فان لير (E. Flesseman-Van Leer) (آسن 1953).
  9. كامبنهاوزن، المرجع السابق، ص 103.
  10. نفس المرجع.
  11. نفس المرجع.
  12. B. F. Westcott، A general survey of the history of the canon of the New Testament (لندن 1896)، ص 49.
  13. De Praescr. Haer.، الفصل 38 (في Ante‑Nicene Fathers).
  14. W. C. van Unnik، “The ‘Gospel of Truth’ and the New Testament” في F. L. Cross (محرِّر)، The Jung Codex (لندن 1955)، ص 79 وما بعدها.
  15. De Praescr. Haer.، الفصل 14 (في Ante‑Nicene Fathers).
  16. Adv. Haer. II 11:7 (في Ante‑Nicene Fathers). كما يخصص Westcott في نفس الكتاب جلستي بحث لنظرته حول شهادة الهراطقة على الأسفار القانونية (ص 278–279، 404 وما بعدها). انظر أيضًا بليز باسكال (Blaise Pascal) في Pensées (نسخة Livre de Poche، ص 260): «Les hérétiques au commencement de l’Église servent à prouver les canoniques.»
  17. انظر Westcott، المرجع الثالث عشر، ص 372، 380، 390.

 

كاتب المقال: ثيو دونر Theo Donner

رابط المقال:

https://www.thegospelcoalition.org/themelios/article/some-thoughts-on-the-history-of-the-new-testament-canon/

ترجمة: عبدالمسيح

تاريخ الأسفار القانونية للعهد الجديد – ثيو دونر – ترجمة: عبدالمسيح

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

المقدمة العامة والفهارس

العهد القديم

 

العهد الجديد

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس 

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس 

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس

العهد القديم

 

العهد الجديد

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس

تفسير رسالة يهوذا – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يهوذا – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يهوذا – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يهوذا – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

 القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج

 

 

 
 
 

 

مواجهة الارتداد

إذ نقترب من سفر الرؤيا حيث يُعلن مجيء يوم الرب العظيم، فنشترك مع مسيحنا القدوس في مجده الإلهي، كما تحذرنا رسالة يهوذا من الارتداد.

عدو الخير لا يعرف الراحة، بل يبذل كل جهده ليحطم مملكة اللّه في داخلنا، وكلما اقترب زمن الدينونة ضاعف جهده ليبث روح الارتداد. وقد جاءت الرسالة تبرز شراسة العدو مع إمكانيات المؤمن الجبارة في مواجهة هذه المعركة.

هذه الرسالة هي دعوة إلهية مقدمة إليك لتكتشف أيها العزيز الطريق، وتتعرف على إمكانيات الخلاص، وتحذر حيل العدو، حتى تتهيأ لمجيء مخلصك الذي يحملك إلى أمجاده.

 

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

 

مقدمة

كاتب الرسالة

ورد في العهد الجديد إثنان باسم يهوذا:

  1. يهوذا أخو يعقوب, وهو أحد الإثني عشر رسولاً, ويرجح البعض أنه لباوس الملقب تداوس، وقد ذكر في (لو 16:6؛ يو 22:14؛ أع 13:1).
  2. يهوذا، كاتب الرسالة، خو الرب (أي ابن خالته مت 55:13؛ مر 3:6)، وكان له أخ يدعى يعقوب، هذا الذي كان له مركز سامٍ في الكنيسة بأورشليم، وقد رأس المجمع الأول المذكور في أعمال الرسل (ص 15).

متى كتبت رسالة يهوذا؟ لمن كتبت رسالة يهوذا؟

  • كتبت قبل خراب أورشليم، وإلا كان قد ذكر هذا الأمر مع ذكره خراب سدوم وعمورة كمثال لدينونة اللّه بالنسبة للفجار.
  • كتبت إلى المؤمنين الذين كانوا قبلا يهودًا أو أممًا.
  • هناك شبه قوي بينها وبين رسالة بطرس الثانية، إذ يتحدث كلاهما عن نفس المعلمين الكذبة الذين عناهم الرسول بطرس، لذلك يرى بعض الدارسين أنها كتبت ما بين 68م و70م.

أهمية رسالة يهوذا

مع صغر حجمها لكنها رسالة ممتعة لها أهميتها:

  1. تكشف عن الإيمان الثالوثي، فقد تحدث الكاتب عن الآب والابن والروح القدس، لا بلغة الفلسفة النظرية، وإنما بلغة الحياة العملية، حيث يختبر المؤمن عمل الثالوث القدوس، ويدرك إمكانياته فيه.

أ. في اللّه الآب ندعى قديسين [1]… فهو القدوس الذي يحتضن أولاده، ليختبروا قداسته فيهم.

ب. في المسيح يسوع نصير محفوظين [1]… فإن كانت الحرب شرسة للغاية، لكننا لسنا طرفًا فيها، هي حرب بين مسيحنا وعدو الخير، إن اختفينا في المسيح مخلصنا نبقى محفوظين.

جـ. مصلين في الروح القدس [20]… إن كنا عاجزين حتى عن الصلاة، فالروح القدس الناري يلهب قلوبنا بالحب، ويرفعها إلى عرش النعمة لتقف أمام السماوي تتحدث معه بلا حاجز!

هذا هو إيماننا بالثالوث القدوس الذي يبني النفس؛ “فابنوا أنفسكم على إيمانكم الأقدس” [20].

2. الحياة الكنسية:

مادامت الرسالة تقدم معركة خطيرة بين اللّه وإبليس، فليدرك المؤمن أنه غالب باللّه مخلصه الذي يحفظه فيه [1]، لكن ليس في سلبية أو تراخٍ أو إهمال، وإنما ببناء نفسه متكئًا على الإيمان الأقدس [20]، عاملاً لا بمفرده، بل مع اخوته بكونه عضوًا حيًا في الكنيسة الجامعة.

لقد أكد الكاتب الحياة الكنسية كسندٍ قويٍ في جهادنا الروحي:

“أكتب إليكم عن الخلاص المشترك[3].

“الإيمان المسلم مرة للقديسين” [3].

في توبتك تسند اخوتك، وفي توبة أخيك معك يسندك، وكل انحراف في حياتك يحطم حياة إخوتك.

حياتنا مع الثالوث القدوس هي حياة شخصية داخلية خفية، وفي نفس الوقت حياة كنسية مشتركة، وليست فردية مبتورة عن بقية أعضاء الجسد الواحد.

3. الحياة الكتابية (الإنجيلية)

في هذا الأصحاح الواحد أشار الكاتب إلى العهد القديم، إذ يقوم خلاصنا على فكر كتابي دون عزل للعهد القديم عن الجديد.

أشار هنا إلى أحداث وردت في العهد القديم لتعليمنا:

أ. انتهار الرب للشيطان (ع 9؛ زك 2:3).

ب. جحد إسرائيل للإيمان (ع 5؛ عدد 12:14-29؛ 64:26،65)

ج. هلاك سدوم وعمورة (ع 7؛ تك 24:19؛ تث 23:29).

د. إخفاء جسد موسى (ع 9؛ تث 34؛ 5، 6).

ه. شر قايين (ع 11؛ تك 5:4)

و. ضلالة بلعام (ع 11؛ عدد 7:22-21).

ز. تمرد قورح (ع 11؛ عدد 1:16-3).

ح. أخنوخ السابع بعد آدم (ع 14؛ تك 18:5).

  1. وجود الملائكة [6] ورؤساء الملائكة [9]؛ وأيضًا الشياطين [9,6].
  2. أكد الدينونة النهائية [6- 7، 13-15، 24]. إنها مرعبة ومظلمة للأشرار، مجيدة ومبهجة لأولاد اللّه [24].
  3. مجيء السيد المسيح الأخير وسط ربوات قديسيه [14].
  4. السفر الوحيد الذي يسجل لنا الصراع بين رئيس الملائكة ميخائيل وإبليس بخصوص جسد موسى [9]، ونبوة أخنوخ [14، 15].
  5. يشير إلى ثلاثة أمور أبدية: الحياة الأبدية [21]؛ القيود الأبدية [6]؛ والنار الأبدية [7].

أمثلة للارتداد

إن كان السيد المسيح قد سبق فأخبرنا عن الارتداد القادم الذي يسبق مجيئه الأخير كآخر محاولة يقدمها عدو الخير لكى يصطاد إن أمكن حتى المختارين، فإن الارتداد هو حرب مستمرة بدأت قبل مجىء الإنسان حين ارتد ملائكة عن الإيمان بتمردهم على اللّه وتتزايد الحركة عبر العصور حتى تبلغ ذروتها في أيام ضد المسيح.

يورد هنا الكاتب ست حركات ارتداد:

  1. ملائكة [5] : عدم حفظ النعمة – كبرياء.
  2. إسرائيل [5] : عدم إيمان.
  3. سدوم [7] : نجاسة وفساد.
  4. قايين [11] : تمرد (إرادة ذاتية).
  5. بلعام [11] : محبة المال.
  6. قورح [11] : شهوة السلطة، وتمرد على النظام الكنسي.

 

مقارنة بين المؤمنين والمرتدين

المؤمنون

المرتدون

يختبرون عمل الثالوث [20,1-21].

يرفضون شمس البرّ عمليًا [13، 14].

يختبرون الحياة الكنسية [3].

يختفون في الكنيسة 4, تائهون [13].

يترقبون مجيء المسيح [14، 15, 20].

خياليـون (محتملون) [8].

أناس صلاة [20].

مفترون [10].

محبون للإخوة [22].

محبون للمال [11].

يشتهون خلاص الغير 23].

بلا مياه نعمة ولا ثمر الروح [12].

طاهرون [23].

شهوانيون [15-19]

 

دائمو التذمر [16].

 

مفتاح السفر:

مفتاح السفر “محفوظ”، وقد تكررت الكلمة خمس مرات:

  1. نحن محفوظون للمسيح يسوع [1]… نحن أعضاء جسده!
  2. مسئوليتنا أن نحفظ الإيمان المسلم مرة للقديسين [3] لننال الخلاص المشترك.
  3. لم يحفظ إبليس وجنوده نعمة الرئاسة، المعطاة لهم كنعمةٍ إلهيةٍ، لهذا هم محفوظون ليـوم الدينونة [6].
  4. لا يحفظ المرتدون الإيمان الحي العملي [19,8]، لهذا فهم محفوظون للظلام ككواكب تائهة عن شمس البرّ [12].
  5. يتحقق حفظ نفوسنا في محبة اللّه، وترقبنا لمجيء المخلص، لكي ننال الحياة الأبدية من قبل رحمته [20].
  6. اللّه القدير هو الذي يحفظنا من عثرة المرتدين الهراطقة [24].

العمل الإلهي ودورنا الإيجابي

لا يفصل القديس يهوذا الإيمان الأقدس عن الجهاد الروحي. فاللّه هو الذي يقدسنا [1]، ويحفظنا [1]. أما من جانبنا فيقول:

ابنوا أنفسكم” [20].

“مصلين في الروح القدس” [20].

“احفظوا أنفسكم في محبة اللّه” [21].

“منتظرين (ترقبوا) رحمة ربنا يسوع المسيح للحياة الأبدية” [21].

“ارحموا” [22].

“خلصوا البعض” [23]… جهاد لأجل خلاص كل نفس !!!

“مبغضين)ابغضوا (حتى الثوب المدنس من الجسد” [23].

أقسام الرسالة

  1. التحية الافتتاحية [2,1].
  2. تحذير للمحافظة على الإيمان المستقيم [4,3].
  3. أمثلة عن المنحرفين:

 أ. انحراف الشعب اليهودي [5].

 ب. سقوط بعض الملائكة [6].

 جـ. حرق سدوم وعمورة [7].

  1. صفات المعلمين الكذبة [8-13].
  2. نبوات عنهم:

 أ- أخنوخ [ 14-16].

 ب- الرسل [17-19].

  1. الأسس التي تقوم عليها الحياة الروحية [20-23].
  2. الختام [24- 25].

 

 
 

1. التحية الافتتاحية

“يهوذا عبد يسوع المسيح وأخو يعقوب”.

يفتخر القديس يهوذا أنه عبد يسوع المسيح، متناسيًا نسبه للرب حسب الجسد، لأن عذوبة التعبد للّه تعطينا حلاوة وفرحًا، حتى أنه يدعونا أحباء وأبناء وعروسًا له. أما نحن ففي حب نجيبه: “لسنا مستأهلين أن نكون عبيدًا لك”.

“إلى المدعوين المقدسين في اللّه الآب،

والمحفوظين ليسوع المسيح” [1].

يوجه رسالته إلى المؤمنين عامة… الـ “مدعوين” أي ليس لهم فضل، لأن اللّه أحبنا أولاً ودعانا. وفى دعوته لا يحابى، إنما يقبل الإنسان الدعوة أو يرفضها، وفى قبوله لها رغم جهاده وتعبه، يُحسب الفضل للّه وليس منا.

“المقدسين“، فإذ نقبل الدعوة ونؤمن به ونعتمد، يلزمنا أن نسلم حياتنا للروح القدس الذي يقدسنا للّه الآب كأبناء له، فنصير على شبه أبينا القدوس.

“والمحفوظين ليسوع المسيح“، أي يحفظنا الروح القدس، ويهيئنا كعروسٍ عفيفةٍ تليق بعريسها الرب يسوع، وكعرشٍ مقدسٍ للّه القدوس.

وكما يقول القديس مقاريوس الكبير: [في العالم الظاهر إذا ذهب ملك ليقيم زمانًا (في المدينة) واتفق أنه نزل بيتًا فيه نجاسة ما فإنه يُنظم ويُزين بزينات متنوعة، ويُبخر بروائح عطرة، فكم بالحري يحتاج بيت النفس الذي يأتي الرب ليستريح فيه إلى زينات كثيرة، لكي يدخله ويقيم فيه، ذاك الذي هو نفسه نقي من كل دنسٍ وعيبٍ؛ هكذا هو القلب إذ فيه يحل اللّه وكل الكنيسة السماوية[1]].

ويقول أيضًا: [إذًا يجب على كل منا أن يجتهد بإخلاص، ولا يقصر في الفضيلة، وأن يؤمن ويطلبها من الرب لكي يصير الإنسان الباطن منه شريكًا في المجد في هذه الحياة الحاضرة، وتكون للنفس شركة في قداسة الروح (1 يو 3:1) حتى إذا تطهرنا من دنس الخطية، يكون لنا في القيامة ما نستر به عري أجسادنا عند قيامها، ونغطي به عيوننا ويحيينا ويريحنا في ملكوت السماوات إلى الأبد[2]].

“لتكثر لكم الرحمة والسلام والمحبة” [2].

هذه هي طلبة الرسل لشعبهم، يطلبون لهم مراحم اللّه التي لا تُحد، وسلام اللّه الذي يفوق كل عقل، والمحبة التي مصدرها اللّه.

لا تكف الكنيسة في بداية كل صلاة عن أن تطلب على لسان الكاهن قائلة من أجل أولادها: “السلام للكل (أيريني بآسي)”، وتطلب الرعية من أجل الراعي قائلة: “ولروحك أيضًا”.

لا يرد الشعب “ولك أيضًا”، بل “ولروحك أيضًا”، لأننا لا نطلب من أجل سلامٍ خارجيٍ، إنما سلام الروح الذي يقوم على اغتصابها رحمة اللّه ونعمته، وتمتعها بالشركة معه وغفران الخطية التي تفسد كيانها.

هكذا لا نكف عن الجهاد من أجل هذه الطلبة من أجل نفوسنا وإخوتنا، وكما يقول العلامة أوريجينوس: [لنغتصب هذه البركة على قدر طاقتنا، متطلعين إلى الامتلاء من الرب إلهنا. إذ يقول الرب: “افغر فاك فاملأه” )مز 10:80(].

ولما كان الرسول يهوذا يملأ الرسالة بالحديث عن المعلمين الكذبة الفجّار خشي أن يدخل إلى قلبهم بغضة شخصية، وليس ضد البطلان والشر، لهذا يطلب لهم: “لتكثر لكم … المحبة”.

 

 

2. تحذير للمحافظة على الإيمان المستقيم

 

“أيها الأحباء، إذ كنت أصنع كل الجهد لأكتب إليكم

عن الخلاص المشترك” [3].

كان الرسول يصنع كل الجهد ليكتب عن الخلاص، لأنه من يقدر أن يكتب عنه أو يعبر عنه؟ فالحديث عن الخلاص هو حديث عن الحب الإلهي غير المنطوق به. هو إيماننا باللّه الذي يتسلمه كل جيل من قلوب الأجيال الأخرى.

لذلك فالمسيحية بالحق ليست كتبًا تقرأ أو مبادئ تحفظ، بل هي حياة مع ربنا وتذوق لحلاوة العشرة معه.

لقد تلمذ ربنا يسوع تلاميذه على يديه، عاش في وسطهم وعاشوا معه. التفوا حوله، وساروا معه أينما ذهب. وهكذا طلب من تلاميذه: “اذهبوا وتلمذوا” (مت 19:28). فيتتلمذ كل جيلٍ على يدي آبائه لربنا يسوع.

وإذ ضعفت روح التلمذة في جيلنا هذا لهذا فترت الروحانية وتحولت العبادة إلى مجرد وعظ وتأليف كتب وتثقيف ذهني وحفظ كلمات وكثرة جدال[3].

“لأكتب إليكم عن الخلاص المشترك”، أي الذي تشترك فيه كل أمة ولسان وقبيلة، لأن اللّه ليس عنده محاباة.

“اضطررت أن اكتب إليكم،

واعظا أن تجتهدوا لأجل الإيمان المسلم مرة للقديسين” [3].

كان يتوق الرسول إلى الحديث عن الخلاص والصليب ومحبة اللّه والشركة معه. الأمور المبهجة، لكن إذ رأى أن بعض المعلمين يعلمون بغير ما استلمت الكنيسة، غيّر حديثه عن اضطرارٍ، مطالبًا إياهم أن يجتهدوا “لأجل الإيمان المسلم للقديسين“.

فحيث توجد البدع والهرطقات التي يبثها الغرباء، وهم يدعون أنهم مسيحيون، يليق بالراعي أن يوقظ أولاده، ويحذرهم حتى لا ينحرفوا عن الإيمان المستقيم.

وخطورة هؤلاء المعلمين أنهم يدخلون خلسة: “لأنه دخل خلسة أناس، قد كُتبوا منذ القديم لهذه الدينونة”. أي أنهم مخادعون، ينادون باسم المسيح، وهم يهاجمونه في كنيسته.

يدخلون خلسة، أي دخلاء مختلسون، يظهرون غير ما يبطنون. لهم مظهر التقوى والغيرة في الخدمة، لكنهم يحرفون تفسير الكتب.

هؤلاء هم فجّار، وذلك لسببين:

أ. “يحولون نعمة إلهنا إلى الدعارة” فجار، أي خالون من مخافة اللّه، إذ يستغلون نعمة إلهنا ومحبته كفرصة لتحقيق نزواتهم. متطلعين إلى دم السيد المسيح ليس كفرصة للجهاد والتحلي بالفضائل التي نقتنيها من يديه، بل فرصة للتراخي والانجراف في تيار الشهوات، ظانين أن مجرد الإيمان بغير جهاد يكفيهم.

ب. “ينكرون السيد الوحيد اللّه وربنا يسوع المسيح” [4]، هذا الإنكار يأخذ أحد صورتين أو كليهما، إما إنكار وجود اللّه أو لاهوت ربنا يسوع، أو إنكار لعملهما، وذلك بالاندفاع في تيار الخطية، وعدم التسليم والجهاد حسب إرادة الرب.

 

3. أمثلة لانتقام اللّه من الفجار

أ. هلاك اليهود بسبب عدم إيمانهم

“فأريد أن أذكركم ولو علمتم هذا مرة،

أن الرب بعدما خلص الشعب من أرض مصر،

أهلك أيضًا الذين لم يؤمنوا” [5].

ما يذكره الرسول هنا إنما هو مثال لما حدث في العهد القديم، والتاريخ يعيد نفسه. فهذا الشعب الذي أنقذه الرب من أرض مصر ارتد عن الإيمان، وعبدوا العجل الذهبي في البرية، وتركوا عبادة اللّه الحقيقي. فنجاتهم مرة لا يعفيهم من الهلاك. هذا ما حدث لهم، فماذا يكون موقفنا إن أهملنا خلاص اللّه، “كيف ننجو نحن إن أهملنا خلاصا هذا مقداره!” (عب 3:2)

ب- هلاك الملائكة الساقطين

“والملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم،

بل تركوا مسكنهم،

حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم،

لقيودٍ أبديةٍ تحت الظلام” [6].

يقول القديس بطرس: “إن كان اللّه لم يشفق على ملائكة أخطأوا، بل في سلاسل الظلام طرحهم” )2 بط 4:2(. كان إبليس وجنوده قبل سقوطهم من أكبر الطغمات السمائية، فإذ لم يحفظوا رئاستهم بحبهم للرئاسة تركوا مسكنهم. تركوا السماء التي لا يسكنها إلا المتواضعون، وحُفظوا بقيود أبدية تحت الظلام، أي ارتبطوا بالظلمة في رباط أبدي.

وهكذا كما أن الروح القدس يحفظ المؤمنين ليسوع المسيح [1]، هكذا حُفظ الملائكة الأشرار للظلمة.

 

ج. حرق سدوم وعمورة

“وكما أن سدوم وعمورة والمدن التي حولهما،

إذ زنت على طريق مثلهما،

ومضت وراء جسد آخر،

جُعلت عبرة،

مكابدة عقاب نار أبدية” [7].

صارت سدوم وعمورة عبرة أمام الأشرار حتى يتوبوا.

لقد زنى الشعب جماعيًا وذلك برفضه طريق الرب وعصيانه واختيار إله آخر غيره. هذا يعتبره الرب زنًا روحيًا. فقد مضت (مملكة إسرائيل) وراء جسدٍ آخر، أي وراء رجل آخر أو عريس آخر غير عريسها أو وراء إلهًا آخر.

إن كل ما نضعه في قلوبنا – إنسانًا أو ممتلكات أو شهوة – ليحل مكان الرب في عرشه، يصير سيدًا لنا، ويُحسب زنا وخيانة لإلهنا.

يقول القديس أغسطينوس:

[يُُفهم من الزنا جميع الشهوات الجسدية والحيوانية. فالكتاب المقدس يتحدث عن عبادة الأوثان كزنا، ويدعو الرسول بولس الطمع عبادة أوثان وبالتالي يكون زنا.

إذن كل شهوة شريرة تدعى بحق زنًا، لأن الروح تفسد بتركها الشريعة السامية التي تحكمها وتبيع شرفها بشهوة دنيئة لا تتناسب مع سمو الروح[4]!]‍‍‍‍

 

 

4. صفات المعلمين المخادعين

 

“لكن كذلك هؤلاء المحتلمون

ينجسون الجسد،

ويتهاونون بالسيادة،

ويفترون على ذوي الأمجاد”[8].

إذ سبق الرسول فوصفهم بـ “الفجار” لأنهم لا يخافون الرب لهذا نتوقع فيهم كل شر. لأنه حيث لا تكون فيهم مخافة الرب ولا محبته يصيرون أداة لعدو الخير، فهم:

أ. محتلمون: أي يعيشون على الأحلام والأوهام، لا يعتمدون على الحق، بل هم كأناس سكارى يخدعون وينخدعون، يسلكون حسب أهوائهم الخاصة، وليس حسب إرادة اللّه الثابتة.

ب. ينجسون الجسد: إذ يرفضون إرادة الرب يستهينون بأجسادهم كأعضاء المسيح، فيسلمونها للشهوات الدنسة (2 بط 10:2). أو بمعنى آخر بكبريائهم يصيرون أعضاء دنسة مبتورة، بدلاً من أعضاء حية مقدسة مرتبطة بالكنيسة جسد المسيح المقدس.

ج. يتهاونون بالسيادة: إذ يرفضون الخضوع للسلطان الكنسي. وكلمة “السيادة” في الأصل اليوناني مشتقة من كلمة “سيد” أو “رب”، أي رافضين اللّه. وهذا هو ثمرة الخطية، فإذ يسقط الإنسان في الشهوات يهدىء ضميره بإنكار وجود اللّه والاستهزاء بالكنيسة. وكما يقول القديس أغسطينوس أن وراء كل إلحاد شهوة.

د. يفترون على ذوي الأمجاد: ربما قصد بذوي الأمجاد “سلطان الكنيسة”، وذلك كما افترى العبرانيون على موسى النبي. وقد يقصد بذوي الأمجاد الملائكة، لأنه إذ ينحرف الإنسان يدين الآخرين حتى الملائكة، ولا يرى أمامه أحدًا مقدسًا، لأن عينيه لا تستطيعان أن ترى ذلك.

هـ. متكبرون: لا يقتدون برئيس الملائكة ميخائيل، الذي عندما خاصم إبليس من جهة جسد موسى، إذ لم يرد أن يظهره حتى لا يتعبد له الشعب فأخفاه، لم يرد أن يورد حكم افتراء من ذاته بل في تواضع مملوء شجاعة قال: “لينتهرك الرب”.

وقد أخذ يهوذا هذا الأمر عن التسليم “وأما ميخائيل رئيس الملائكة، فلما خاصم إبليس محاجًا عن جسد موسى لم يجسر أن يورد حكم افتراء بل قال لينتهرك الرب” [9].

فمع أن رئيس الملائكة على حق ويعرف الحقيقة تمامًا، لكنه ينفذ كل عمل متخفيًا في الرب، أما هؤلاء المحتلمون فيعملون في عجرفة، ويخفون الله ليظهروا هم، بالرغم من جهلهم وعدم معرفتهم: “ولكن هؤلاء يفترون على مالا يعلمون”.

و. ينحطون ليصيروا أدنى من الحيوانات: “وأما ما يفهمونه بالطبيعة كالحيوانات غير الناطقة ففي ذلك يفسدون” [10]. فلا يقف أمرهم عند عدم إقتدائهم برئيس الملائكة في تواضعه بالرغم من عدم معرفتهم للأمور، لكن حتى في الأمور التي يعرفونها بالطبيعة، أي بالناموس الطبيعي، والتي تدركها الحيوانات بالغريزة الطبيعية فإنهم يفسدونها، الأمر الذي لا تصنعه الحيوانات العجماوات.

ز. غير محبين: “ويل لهم لأنهم سلكوا في طريق قايين” [11] الذي ليس فيه حب بل بغضة للإخوة وعدم مخافة اللّه بل يقتل ويتكلم بوقاحة (تك 5:4-12). هكذا هم يُهلكون نفوس كثيرة ويقتلونها بالانحراف بهم عن مصدر حياتهم، وفى نفس الوقت يدافعون عن أنفسهم بوقاحة وجسارة كأنهم لم يصنعوا شيئًا.

س. محبون للأجرة: “وانصبوا إلى ضلالة بلعام لأجل أجرة” هكذا تحت محبة الأجرة انسكبوا كالماء تجاه الضلال، مثل بلعام (عد 7:22، تث 4:23) الذي صار جاهلاً وتصرف حماره بحكمة عنه.

يقول القديس أغسطينوس: [ينبغي ألا نبشر بالإنجيل بقصد الحصول على الطعام، لكننا نأكل لنستطيع التبشير بالإنجيل. فإن كنا نبشر بالإنجيل لكي نحصل على الطعام، يكون التبشير بالإنجيل في نظرنا أقل أهمية من الطعام. ولكن ما هو الهدف في تبشيره؟… إنه بقصد نوال جزاء الإنجيل نفسه والحصول على ملكوت اللّه وبذلك يبشر به طوعًا لا كرهًا[5].]

لا تعنى الأجرة الطعام أو المال فقط، بل قد تأخذ صورة الكرامة، أو ربما لدافع سياسي كما صنعت بعض الإرساليات الأجنبية للأسف.

ش. عاصون: “وهلكوا في مشاجرة قورح” هذا الذي قاوم موسى (عد 1:16-30) هكذا يتخصص هؤلاء شفى عصيان الرب وعروسه.

ص. لهم المظهر الخارجي المخادع وهذا أشر ما فيهم أنهم يظهرون بمظهر التقوى والغيرة على الخدمة وهم في الداخل مملؤون شرًا. وقد قدم لنا الرسول تشبيهات كثيرة فقال:

  1. “هؤلاء صخور في ولائمكم المحبية، صانعين ولائم معًا بلا خوف، راعين أنفسهم” [12]. فإذ ساد الكنيسة الأولى روح الحب كانت تكثر من ولائم المحبة (الأغابي)، يشترك فيها الأغنياء والفقراء. أما هؤلاء المنفصلون فقلدوا الكنيسة في ذلك، ليس بدافع الحب، إنما لعزل أولاد الكنيسة عن ولائم المحبة وجذبهم إلى الهرطقات التي يبثونها.

ما أكثر الولائم التي يقدمها الغربيون – تحت ستار المحبة – لفصل الأقباط عن كنيستهم، وذلك تحت ستار الرحمة والمحبة، مقدمين معونات مالية وعينية… والشرط في هذا – بطريق مباشر أو غير مباشر – هو ترك كنيستهم!!

إنهم كالصخور الخفية، “هؤلاء صخور” لا تراها العين تحطم السفن!

  1. هم بحق “غيوم بلا ماء تحملها الرياح. أشجار خريفية، بلا ثمر، ميتة مضاعفًا، مقتلعة” [12]. سحاب خادع يبشر بالخير، لكنه للأسف لا يحمل ماء الحب.
  2. أشجار خريفية: والخريف هو الوقت الذي فيه تكون الأشجار محملة بالثمار، لكنها بلا ثمر وميتة. وأكثر من هذا “مُقتلعة”، واقتلاع الشجرة لا يكون إلا بعد اليأس التام منها.
  3. “أمواج بحر هائجة مزبدة بخزيهم” [13]. تجمع الأقذار المطروحة في البحر، ولا يهدأون قط عن الثورة ضد الكنيسة علنًا أو خفية، يعملون على تحطيم السفن وإغراق البشر.

“نجوم تائهة محفوظة لها قتام الظلام إلى الأبد” أي انحرفت عن مجالها، فلابد أن تسقط ولا تعود بعد تستنير وتنير! فالنجم الذي يتوه عن الشمس، يفقد انعكاس النور عليه. هكذا الهراطقة، وإن ظهروا ككواكبٍ عظيمة، لكنها تائهة بعيدة عن روح السيد المسيح شمس البرّ، لذا يفقدون نور المسيح، ويصيرون في ظلمة، ويُحفظون للظلمة الأبدية.

بينما يدعون أنهم في الكنيسة الجامعة هم في الحقيقة تائهون!

 

 

5. النبوات عنهم

 

1. خنوخ

“تنبأ عن هؤلاء أيضًا أخنوخ السابع من آدم،

قائلاً: هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه” [14].

اقتبس الرسول هذه النبوة لأخنوخ عن التسليم… أن الرب آت في ربوات قديسيه، أما الأشرار فيدينهم ويهلكهم.

“ليصنع لدينونة على الجميع،

ويعاقب جميع فجارهم على جميع أعمال فجورهم التي فجروا بها،

وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاة فجار” [15].

إنه سيدينهم عن كل كلمة نطقوا بها ضد اللّه، وكل تصرف ليس فيه خوف الرب. شرهم وأعمالهم هي التي تدينهم.

عاد الرسول يصفهم بقوله: “هؤلاء هم مدمدمون متشكون،” أي متذمرون على الدوام، محرومون من حياة السلام والشكر.

سالكون بحسب شهواتهم” وهذا يفقدهم الشبع، مما يفقدهم السلام؛ لا يبالون بإرادة اللّه، بل يطلبون إرادتهم لعلهم يشبعون ولكن بغير جدوى.

“وفمهم يتكلم بعظائم” أي ألسنتهم مملوءة عجرفة واعتدادًا بالذات.

يحابون بالوجوه من أجل المنفعة“، أي من أجل نفعهم الخاص يحابون الأغنياء والعظماء على حساب الحق.

ب. الرسل

 “وأما أنتم أيها الأحباء،

فأذكروا الأقوال التي قالها سابقًا رسل ربنا يسوع المسيح.

فإنهم قالوا لكم

أنه في الزمان الأخير سيكون قوم مستهزئون،

سالكين بحسب شهوات فجورهم” [17، 18].

هذا الأمر ليس غريبًا بل تكلم عنه الرسل وتنبأوا به (2 تى 1:3-5، عب 2:1، أع 29:20، 1 بط 20:1، 1 يو 18:2).

 أما قوله “الزمان الأخير” فانه بعد صعود ربنا إلى السماء، يُحسب الزمن الباقي “الساعة الأخيرة” أو الزمان الأخير الذي فيه ينتظر المؤمنون مجيء الرب يسوع في يومه العظيم.

“وهؤلاء هم المعتزلون بأنفسهم،

نفسانيون لا روح لهم” [19].

هؤلاء دعاهم الرسول بالمعتزلين، لأنهم يعزلون أنفسهم بأنفسهم عن الكنيسة، منشقين عليها.

نفسانيون“، أي يسلكون ليس حسب الروح في تواضع، بل معجبون بأنفسهم، لا يحترمون سوى آرائهم وتخيلاتهم ويسيرون حسب فكرهم.

لا روح لهم“، أي غير سالكين حسب روح اللّه القدوس.

 

 

6. الأسس التي تقوم عليها الحياة الروحية

 

“وأما أنتم الأحباء،

فابنوا أنفسكم على إيمانكم الأقدس” [20].

ترك الرسول الحديث عن المعلمين الكذبة بعدما حذرنا منهم، وعاد يوجه أنظارنا إلى حياتنا الداخلية، لئلا في دوامة الجهاد من أجل الإيمان المستقيم ننسى بناءنا الروحي الداخلي.

يقول الرسول “فابنوا أنفسكم على إيمانكم الأقدس“. هذا هو أساس الحياة الروحية أن تقوم على إيمان أقدس مستقيم بلا انحراف. هذا الإيمان يلزم أن ترتبط به الأعمال: “فابنوا“. وهنا يظهر ضرورة الجهاد والعمل من جانبنا. هذا الجهاد والعمل هو بقوة الروح القدس الساكن فينا، لهذا يكمل قائلاً:

“مصلين في الروح القدس[20]، إذ كل عملٍ أو جهادٍ يقوم على غير الصلاة يكون باطلاً. وكما يقول الأب اسحق: [هناك نوع من الوحدة المشتركة غير المنفصلة بين الاثنين (أي الصلاة الدائمة والفضائل). فكمال الصلاة هو تاج بنيان كل الفضائل، فإذا لم تتحد كل فضيلة اتحادًا محكمًا بالصلاة بكونها تاجها، لا يكون لها قوة وثباتًا. ودوام الهدوء في الصلاة وثباته لا يمكن أن يكون أكيدًا وكاملاً ما لم تسندها الفضائل، ولا يمكن اقتناء الفضائل التي تضع أساساتها اقتناًء كاملاً ما لم تثبت في الصلاة[6]].

“واحفظوا أنفسكم في محبة اللّه”، وكأن محبة اللّه هي المظلَّة التي نحتمي فيها، ونستتر خلال الصلاة بالروح، وهذا يتطلَّب الجهاد والمثابرة: “واحفظوا أنفسكم“.

يقول الأب بفنوتيوس: [من المفيد لنا أن نتأكد أنه بالرغم من أننا نجاهد في الفضائل جهادًا غير باطل، لا نستطيع بلوغ الكمال بجهدنا وغيرتنا، فلا يكفى نشاط الإنسان وجهاده المجرد للبلوغ إلى عطية النعمة الغنية ما لم يصون جهاده التعاون مع اللّه وتوجيهات اللّه للقلب نحو الحق[7]].

“منتظرين رحمة ربنا يسوع المسيح للحياة الأبدية” [21] ويكون جهادنا في الصلاة والتستر في محبة اللّه غايته ترجي رحمة ربنا يسوع المعلنة لنا بتقديمه الحياة الأبدية. لأنه ما هو نفع إيماننا أو جهادنا بغير رجاء في الأبدية أو حب للقاء مع العريس إلى الأبد؟!

هذا الرجاء كما يقول الأب شيريمون: [هو الذي ينزع عن عقولنا محبة الأمور الزمنية محتقرين كل الملذات الجسدية مقابل ما ننتظره من البركات السماوية[8]].

ويربطه القديس أغسطينوس بالحب قائلاً: [لا يوجد حب بدون رجاء، ولا رجاء بدون حب، ولا حب أو رجاء بدون إيمان[9]].

“وارحموا البعض مميزين” [22].

إذ لنا رجاء في محبة اللّه منتظرين الأبدية يلزمنا ألا نيأس من جهة الآخرين بل نترفق بهم. هذا الترفق يكون بتمييز وحكمة (مميزين)، فالبعض يحتاج إلى اللين في معاملته، والآخر نترفق به خلال التأديب والحزم معه حتى يرتدع، وذلك كقول الآباء:

القديس غريغوريوس: [لتكن المحبة ولكن غير رخوة. ولتكن القسوة لكن غير شديدة. ولتكن الشفقة مطابقة لمقتضى الحال، أي غير مغالٍ في التسامح[10].]

القديس أمبروسيوس: [يجب أن تكون هناك معايير حقيقية لكلماتنا وتعاليمنا حتى لا تأخذ مظهر اللين الزائد أو الخشونة المغالى فيها.]

القديس يوحنا الدرجى: [من يرعى الخراف، ينبغي ألا يكون أسدًا ولا نعجة.]

“وخلصوا البعض بالخوف،

مختطفين من النار،

مبغضين حتى الثوب المدنس من الجسد” [23].

اجتهدوا في إنقاذ تلك النفوس بالخوف، أي خلال التأديبات والإنذارات وذلك بالنسبة للمستهترين المحتاجين إلى حزم.

إذ يقول: “مختطفين من النار“، يعلن عن ضرورة الإسراع في اختطاف هذه النفوس بغير توانٍ من وسط النار المشتعلة فيهم.

وقوله “مبغضين حتى الثوب المدنس” تعني أننا في سعينا لخلاصهم نحذر لئلا ننجرف معهم بدلاً من إنقاذهم.

 

 

7. الختام

 

“والقادر أن يحفظكم غير عاثرين،

ويوقفكم أمام مجده بلا عيب في الابتهاج،

الإله الحكيم الوحيد مخلصنا،

له المجد والعظمة والقدرة والسلطان،

الآن وإلى كل الدهور. آمين” [24-25].

هكذا يختتم الرسول رسالته بكلمة تملأ النفس رجاء، خاصة وأن أغلب الرسالة تحدثت عن المعلمين المخادعين الذين يتخفون تحت اسم السيد المسيح.

يعود فيحدثهم عن ضرورة جهادهم ومثابرتهم وبحثهم عن كل نفس مع الحذر من الانحراف معهم.

  • القادر أن يحفظكم …” مشجعًا إيانا ألا نخاف في الخدمة، لأن اللّه يستطيع أن يحفظنا بغير عثرة، ويهبنا حياة مقدسة بلا عيب في الابتهاج، أي في يوم الدينونة المفرح.
  • يذكرنا بالمجد الدائم والبهجة المنتظرة، الأمر الذي يعطى للنفس أن تحمل الصليب بفرحٍ.
  • يذكرنا بالإله الحكيم مخلصنا، فهو اللّه الواحد يعرف بحكمته كيف يخلص وينقذ.
  • وأخيرًا يذكرنا بالتسبحة التي ينشدها أولاد اللّه الذين ذاقوا حلاوة العشرة مع المخلص وسينشدونها بفرح أيضًا إلى الأبد.

ليهبنا الرب النصيب الأبدي فنتمجد معه وبه.آمين.

 

 

من وحي يهوذا

احفظني لك، يا عريس نفسي!

 

  • ما أعجبك يا إلهي!

 تركت عدو الخير يدخل معك في معركة، يا خالق الكل!

ارتد عن رتبته الملائكية،

وصار ضالاً ومضلاً.

  • بقى العدو في معركته وسيبقى،

حتى يأتي بكل طاقاته كضد المسيح.

  • إني لا أخافه مادمت معي!

فيك اختفى، يا عريس نفسي!

إني محفوظ لك بروحك القدوس!

  • احفظ كنيستك يا مخلص العالم!

احفظها ممن دخلوا خلسة،

يحملون روح الضلال لا روح الحق،

ويعملون لحساب العدو متسترين باسمك!

احفظني لك، يا عريس نفسي!

احفظ كنيستك!

احفظ البشرية كلها مقدسة لك،

يا مخلص العالم!

 

 

[1] للمؤلف: الحب الإلهي، الإسكندرية، 1967، ص 1016.

[2] الحب الإلهي، ص 1019.

[3] للمؤلف: الحب الرعوي، الإسكندرية، 1965، “الاعتراف تلمذة”، ص274 الخ.

[4] للمؤلف: القديس أغسطينوس في شرح الموعظة علي الجبل، طبعة 68، ص 92.

[5] للمؤلف: القديس أغسطينوس في شرح الموعظة علي الجبل، طبعة 68، ص 216-218.

[6] للمؤلف: مناظرات يوحنا كاسيان، ص 210.

[7] المرجع السابق ص 95.

[8] المرجع السابق ص 275-276.

[9] القديس أغسطينوس :الإيمان والرجاء والمحبة (تحت الطبع).

[10] الحب الرعوي ص607.

تفسير رسالة يهوذا – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسائل القديس يوحنا الثلاثة ورسالة يهوذا PDF ميخائيل مكسي اسكندر

تفسير رسائل القديس يوحنا الثلاثة ورسالة يهوذا PDF ميخائيل مكسي اسكندر

تفسير رسائل القديس يوحنا الثلاثة وتفسير رسالة يهوذا الرسول PDF ميخائيل مكسي اسكندر

تفسير رسائل القديس يوحنا الثلاثة ورسالة يهوذا PDF ميخائيل مكسي اسكندر

تحميل الكتاب PDF

شرح من العبرانيين إلى الرؤيا – وليم إدي – الكنز الجليل في تفسير الإنجيل ج8 PDF

شرح من العبرانيين إلى الرؤيا – وليم إدي – الكنز الجليل في تفسير الإنجيل ج8 PDF

شرح من العبرانيين إلى الرؤيا – وليم إدي – الكنز الجليل في تفسير الإنجيل ج8 PDF

شرح من العبرانيين إلى الرؤيا – وليم إدي – الكنز الجليل في تفسير الإنجيل ج8 PDF

تحميل تفسير من العبرانيين إلى الرؤيا – وليم إدي PDF

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج6 من رومية إلى الرؤيا PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج6 من رومية إلى الرؤيا PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج6 من رومية إلى الرؤيا PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)
سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج6 من رومية إلى الرؤيا PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج6 من رومية إلى الرؤيا PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

تحميل الكتاب PDF

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج1، من التكوين خروج لاويين عدد تثنية يشوع PDF – فرانسيس دافسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج2 من قضاة الى استير PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج3، من أيوب لنشيد الانشاد PDF – فرانسيس دافسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج4، من اشعياء إلى ملاخي PDF – فرانسيس دافسن (جماعة من اللاهوتيين)

سلسلة تفسير الكتاب المقدس ج5 متى مرقس لوقا يوحنا اعمال الرسل PDF – فرنسيس دافدسن (جماعة من اللاهوتيين)

هل اقتبس كاتب رسالة يهوذا من سفر اخنوخ الابوكريفي؟

هل اقتبس كاتب رسالة يهوذا من سفر اخنوخ ؟

هل اقتبس كاتب رسالة يهوذا من سفر اخنوخ الابوكريفي ؟

هل اقتبس كاتب رسالة يهوذا من سفر اخنوخ الابوكريفي ؟

 
سمعت احد المشككين يتكلم عن اقتباس كاتب رسالة يهوذا لسفر اخنوخ الابوكريفي 1 : 9 .فهل هذا صحيح..!

رسالة يهوذا 1 : 14 “وتنبأ عن هؤلاء ايضا اخنوخ السابع من آدم قائلا هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه

ليصنع دينونة على الجميع، ويعاقب جميع فجارهم على جميع أعمال فجورهم التي فجروا بها ، وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاة فجار
كتاب اخنوخ
Behold, he will arrive with millions of the holy ones in order to execute judgment upon all. He will destroy the wicked ones and censure all flesh on account of everything that they have done, that which the sinners and the wicked ones committed against him. The Book of Enoch, Section 1, chap. 1, para. 9.[1]
الترجمة
هوذا ,هو سوف ياتي بملايين من قديسيه ليصنع دينونة علي الكل ، وهو سوف يهلك الأشرار ويعاقب الاجساد بحسب اعمالهم التي ارتكبها الخطاة والفجـار ضده,
يذكر يهوذا ان الرب قد جاء في ربوات بينما توجد في كتاب اخنوخ الذي ترجم بواسطة جيمس شارليسورز ملايين .وبالرغم من التشابه لكن هناك العديد من الاختلافات بين ما ذكر في رسالة يهوذا وما بين ما جاء في سفر اخنوخ الابوكريفي.
 
1- يجب ملاحظة ان يهوذا “قد جاء الرب “لكن كتاب اخنوخ يشير الي انه سوف ياتي وسوف يصل .فيهوذا اشار الي الرب بصيغة الماضي في حين ان اخنوخ لم يذكر الرب لكنه استعمل صيغة المستقبل وذلك من خلال تعبيرات هو سوف ياتي وليصنع الدينونة.
 
2- الامر الثاني ان رسالة يهوذا تكلمت عن النبوة “ان الرب قد جاء في ربوات “ولكن كاتب سفر اخنوخ يشير الي انه سيأتي بملايين .وعشرات الالاف تساوي رياضياً مليون .وهذا هو الفرق الرئيسي بين الكتابين .
 
3- يهوذا يقول انه سيدينهم علي جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها الفجار .بينما اخنوخ يذكر الافعال والاعمال التي ارتكبت ضده.
وهناك اختلافات اخري لكن علي اي الاحوال هناك اعتقاد ان يهوذا سجل بدقة نبوة اخنوخ بتصحيح اكثر من خلال الروح القدس لهذا التقليد القديم .فعدم وجود اشاره في العهد القديم لهذه النبوه جعل العلماء في حيره جعل العديد منهم يقولون ان يهوذا اقتبس من كتاب اخنوخ لكن يوجد فروقات كبيره توحي بان يهوذا تلقي هذه النبوة مباشرتاً من الله بفعل الروح القدس او استقاها من التقليد الشفوي .وحتي ان افترضنا اقتباس يهوذا لها من كتاب اخنوخ هذا لا يؤثر سلبياً علي القانونية .فلدينا اقتباس لبولس من شاعر كريتي في رسالة تيطس الاصحاح الاول .
 
12 قال واحد منهم، وهو نبي لهم خاص: «الكريتيون دائما كذابون. وحوش ردية. بطون بطالةهذه الشهادة صادقة. فلهذا السبب وبخهم بصرامة لكي يكونوا أصحاء في الإيمان” وهذه الشهاده مصدق عليها ومن ضمن الوحي الالهي.فليس معناه ان كل اقتباس يشير الي قانونية كاتب معين فالمشكك لا يعلم مفاهيم القانونية فالنبوة المذكوره في رسالة يهوذا لاخنوخ اشاره لعودة المسيح المجيده الي الارض مع الآلاف الآلاف من الملائكة القديسين تؤكد ما جاء في ” متي 24 :30 وتيمثاوس الثانية 1 : 10″ حيث سيكون الدينونة “تيمثاوس الثانية 1: 7 -10 وسيدين كل الخطاه . (2)
 
و قد اقتبس بولس من كتب الادب والشعراء والفلاسفة الوثنين في الكتاب المقدس اعمال الرسل 17 :28 , تيتوس 1 : 12 فالروح القدس قادر ان يدرج في الوحي الالهي ما يتفق مع الحقيقة (3)وقد تتكلم كتابBeliever’s Bible Commentaryعن هذا الموضوع قائلاً ” يظن البعض ان النبوة كانت موجوده في الكتاب الابوكريفي لاخنوخ ولكن ليس هناك دليل علي ان هذا الكتاب الابوكريفي كان موجودً في وقت يهوذا .وقال كيلي ان كتاب اخنوخ يوجد لدينا شواهد انه كتب بعد تدمير الهيكل “أي كُتب بعد ما كتب يهوذا .بواسطة يهودي كان لديه امل ان الله سيقف بجوار اورشاليم.

في حين نحن لا نعرف كيف عرف يهوذا هذه النبوة القديمة”يقصد هل من التقليد ام من ان الرب كشفها له ” .لكن التفسير البسيط انه عمل الروح القدس كشف له هذه الكلمات .كما فعل مع بولس.(4)

وكما قلت ان بعض العلماء رجحو اقتباس كاتب اخنوخ من يهوذا كما اشرنا وليس العكس يقول كتاب A commentary, critical and explanatory ان هذه النبوة مستمده من التقاليد وهذا بالرجوع ل يهوذا 1 : 9 وهناك اسباب تجعلنا نعتقد ان كاتب اخنوخ اقتبس من يهوذا وليس العكس .(5)وحتي البعض الذي يقول ان يهوذا اقتبس من اخنوخ يقولون ان هذا لا يعني انه كتاب قانوني ففي كتاب The Bible exposition commentary يقول “ان اقتباس يهوذا من اخنوخ لا يعني انه كتاب قانوني وجدير بالثقة باقتبس بولس كثيراً من الشعراء اليونانين ووضع الرب الموافقة علي كل ما كتبه من خلال الروح القدس وجعل الكلام من ضمن وحي الكتاب المقدس .
 
وربما اخنوخ كتب هذه النبوة اشاره الي الدينونة القادمة للطوفان.فهو عاش في عصر الفجار وكان يشير الي ان الدينونة آتية .”(6) و يعتقد ان النبوة التي ذكرها يهوذا كانت غير مكتوبه وغير مقتبسة من كتاب ابوكريفي لكن تم استيلامها من خلال التقليد وذاكره الاجيال الشفوية القادمة من القدماء.(7) في النهاية هي نبوه مصدق عليها من قبل الروح القدس .ويرجح العلماء اقتباسها من خلال تقليد او من خلال اعلان الروح القدس وكشفه ليهوذا
وليكن للبركة
اغريغوريوس
aghroghorios

المراجع

1-James H. Charlesworth in The Old Testament Pseudepigrapha. Doubleday Publishing. 1983. Vol.1, p. 14.

2- Walvoord, J. F., Zuck, R. B., & Dallas Theological Seminary. (1983-c1985). The Bible knowledge commentary: An exposition of the scriptures (2:922). Wheaton, IL: Victor Books.

3-Believer’s Study Bible. 1997, c1995. C1991 Criswell Center for Biblical Studies. (electronic ed.) (Jud 14). Nashville: Thomas Nelson.

4-MacDonald, W., & Farstad, A. (1997, c1995).Believer’s Bible Commentary: Old and New Testaments (Jud 14). Nashville: Thomas Nelson.

5- Jamieson, R., Fausset, A. R., Fausset, A. R., Brown, D., & Brown, D. (1997). A commentary, critical and explanatory, on the Old and New Testaments. On spine: Critical and explanatory commentary. (Jud 14). Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc.

6- Wiersbe, W. W. (1996, c1989). The Bible exposition commentary. “An exposition of the New Testament comprising the entire ‘BE’ series”–Jkt. (Jud 14). Wheaton, Ill.: Victor Books.

7- There seems to be a want of due order in the 15th verse; the execution of judgment is mentioned first, and then the conviction of the ungodly; but it is an order which exactly corresponds with numberless passages in Scripture: the final action first, and then that which lends to it. — Ed.

هل اقتبس كاتب رسالة يهوذا من سفر اخنوخ ؟

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

رسالة يهوذا وسفر اخنوخ الابوكريفى

 

رسالة يهوذا وسفر اخنوخ الابوكريفى

رسالة يهوذا وسفر اخنوخ الابوكريفى

 
 

بحث مبسط عن النص الوارد فى رسالة معلمنا يهوذا العددين 14 و15 فيما يختص بنبوة اخنوه البار السابع من ادم
وورود هذة النبوة بكتاب اخنوخ الابوكريفى

عرض سريع للموضوع باقوال الاباء والعلماء
وهل ورود هذة النبوة او اقتباسها من كتاب ابوكريفى يشكك فى وحى وقانونية رسالة يهوذا

 

لتحميل رسالة يهوذا وسفر اخنوخ الابوكريفى اضغط هنا

 

رسالة يهوذا وسفر اخنوخ الابوكريفى

 

Exit mobile version