الامتلاء من الروح القدس – الصليب والمعمودية والامتلاء من الروح القدس 

الامتلاء من الروح القدس – الصليب والمعمودية والامتلاء من الروح القدس 

الامتلاء من الروح القدس

الامتلاء من الروح القدس – الصليب والمعمودية والامتلاء من الروح القدس 

تمجيد المسيح واعطاء الروح القدس:

الروح القدس المعزى الذى أرسله المسيح يوم الخمسين على الكنيسة فملأ جميع الحاضرين كان تحقيقًالدعوة المسيح إلى الشرب منه أي من يسوع، عندما وقف فى عيد المظال ونادى قائلاً ” إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب. ومن آمن بى تجرى من بطنه أنهار ماء حي ” ويعلّق القديس يوحنا الرسول كاتب الإنجيل على مناداة يسوع ودعوته للشرب قائلاً: “قال هذا (جريان انهار الماء الحي) عن الروح الذى كان المؤمنون به مزمعين ان يقبلوه لأن الروح القدس لم يكن قد أعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد ” (يو37:7ـ39).

 

فإنسكاب الروح القدس يوم الخمسين وملؤه للرسل والمؤمنين جميعًا هو نتيجة حتمية لتمجيد المسيح عن يمين الآب بعد ما صلب وقام من أجل خطايانا. ويظهر من تصريحات الرب يسوع الأخرى فى إنجيل يوحنا أنه لم يكن ممكنًا أن يأتى الروح القدس المعزى ويسكن فى التلاميذ والكنيسة كلها قبل أن يتمجد يسوع عن يمين الآب بعد آلامه وقيامته. إذ يقول بفمه الإلهى ” واما الآن فأنا ماض إلى الذى أرسلنى… لكنى أقول لكم الحق أنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ولكن إن ذهبت أرسله إليكم ” وهنا يؤكد الرب نفسه أن مجيئ الروح القدس ليسكن سكنى أبدية وإقامة دائمة فى الكنيسة، غير ممكن أن لم ينطلق هو بالجسد إلى السماء أي إن لم يدخل بجسده إلى المجد ويصير يسوع ـ بنفس الجسد الذى أخذه من طبيعتنا وصلب به ـ يصير ممجدًا فى يمين الآب. وبعد أن يتمجد يسوع فى مجد الآب. وبعد ذلك ينسكب الروح القدس ويفيض بملئه من يسوع على الكنيسة لهذا يقول الرسول بولس ” هو الذى صعد فوق جميع السموات لكى يملأ الكل وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلاً والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين لأجل تكميل الكنيسة ” (أف10:4ـ12).

 

وعندما تحدث بطرس يوم الخمسين ـ يوم حلول الروح القدس وملئه لجميع المؤمنين مع الرسل ـ وضح أن إنسكاب الروح القدس وملأه للكنيسة يعتمد على قيامة يسوع بعد صلبه، وتمجيده وارتفاعه عن يمين الله فيقول “فيسوع هذا أقامه الله ونحن شهود لذلك. وإذ ارتفع (تمجد) بيمين الله وأخذ موعد الروح القدس من الآب سكب هذا الذى أنتم تنظرونه وتسمعونه” (أع32:2،33).

 

            ويتحدث القديس يوحنا ذهبى الفم عن معنى عدم مجيئ الروح إلاّ بعد تمجيد المسيح فيقول ” لماذا لم يأت الروح القدس قبل ذهاب المسيح إلى الآب؟ لأن اللعنة لم تكن قد رُفعت، والخطية لم تكن قد مُحيت بل كان الجميع تحت النقمة، لذلك لم يستطع أن يأت. فمن الضرورى أن تبطل العداوة، وأن تتم مصالحتنا مع الله، وبعد ذلك نقبل العطية.

ولكن لماذا يقول ” سأرسله إليكم ” معناها، ” إننى سأهيأكم قبل أن تقبلوا الروح ” (1).

ويشرح القديس يوحنا ذهبى الفم هذا الاعداد أو التهيئة لمجئ الروح القدشس بأنه هو الصلب والقيامة إذ يقول: ” وحيث إن بداية اعطاء الروح القدس تأتى بعد الصلب ولأن المسيح كان مزمعًا أن يعطى هذه العطية (الروح القدس) للمؤمنين، ولكنها لم تكن قد اعطيت بعد، لهذا يقول ” لأن الروح القدس لم يكن قد أعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مجد بعد “. إذ يدعو الصليب مجدًا. إذ أن الموهبة لا تعطى للأعداء بل للأصدقاء.. لذلك كان من الضرورى أن تقدم الذبيحة لأجلنا أولاً، لإبطال العداوة بيننا وبين الله… لنصبح أصدقاء الله وأحباءه وهكذا يمكن أن نقبل العطية”(2).

 

ويقول القديس أمبروسيوس: ” إن المسيح يقف على باب نفسك يريد أن يدخل ويتعشى معك… إذن فافتح أبوابك للمسيح… لكى ما يأتى إلى داخلك ولا تفتح فقط أبوابك للمسيح بل أرفعها أيضًا… وذلك بأن تؤمن بابن الله، وتؤمن به إلهًا، كلى القدرة يفوق ويعلو كل تسبيح وكل فهم.. وعندما ترفع أبوابك، فحينئذ سيأتى المسيح فى داخلك مع الآب، لكيما يدخل كما هو، ممجدًا أعلى من السموات ومن كل الأشياء، ولكى ما يرسل عليك روحه القدوس. إنه من الضرورى لك أن تؤمن أنه قد صعد وأنه جالس عن يمين الآب.. فإن لم يمض (من العالم) لأجلك، ويصعد من أجلك فإن المعزى الروح القدس لن يأتى إليك، كما قال المسيح نفسه لنا ” إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ولكن إن ذهبت سأرسله إليكم ” (3).

 

إذن فانسكاب الروح القدس يوم الخمسين وملؤه للكنيسة هو النتيجة الطبيعية والحتمية لصلب المسيح وقيامته ودخوله إلى يمين الآب بالجسد، بل إن انسكاب الروح القدس من السماء باسم يسوع هو الشهادة الأكيدة أن يسوع الذى صلب هو الرب الحي والممجد فى السماء، لأن الروح القدس بمجيئه يوم الخمسين أعلن للجميع وعلى رأسهم الرسل أنفسهم بشكل يقينى لا يتزعزع ـ عظمة ومجد الرب يسوع وربوبيته وسيادته المطلقة على الكل وسلطانه فى السماء وعلى الأرض ـ ولهذا نرى بطرس الرسول يشهد للمسيح وهو ممتلئ من الروح القدس فى يوم الخمسين، ويبين أن انسكاب الروح القدس ” هذا الذى أنتم تبصرونه وتسمعونه ” هو ثمرة جلوس يسوع عن يمين الآب ويستشهد بقول داود ” قال الرب لربى أجلس عن يمينى حتى أضع أعدائك موطئًا لقدميك ” لكى يؤكد للجموع أن يسوع هو الرب المُمجد عن يمين الآب بعد صلبه ويقول لهم ” فليعلم يقينًا جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذى صلبتموه أنتم ربًا ومسيحًا.

 

فالرسول بطرس يريد أن يقول للجموع أن الروح القدس الذى انتم الآن تبصرونه وتسمعونه منسكبًا علينا هو البرهان الأكيد على أن يسوع الناصرى الذى صلبتموه أنتم هو نفسه الرب المُمجد والمسيح. لقد انسكب الروح القدس على المؤمنين دليلاً على ما تم فى السماء فى عرش الله أي أن يسوع قد تمجد عن يمين الله، ومجئ الروح القدس وملئه لنا نحن المؤمنين هو برهان ربوبية الرب يسوع وألوهيته. وبذلك نعرف لماذا يقول الرسول بولس إنه لا يقدر أحد أن يقول إن يسوع هو الرب إلاّ بالروح القدس (1كو3:12).

 

إنسكاب الروح وملئه للكنيسة قد حدث بسبب قيامة المسيح بعد صلبه ثم جلوسه عن يمين الآب. إن الروح القدس فاض بملئه من المسيح الرأس المُمجد فى السماء على الكنيسة التى هى جسده لذلك يتحدث الرسول بولس إلى أهل أفسس عن ” عظمة الله الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمله الذى عمله فى المسيح ” ويقول إن عمل قدرة هذا الذى عمله من نحونا وعمله فى المسيح هو أنه ” أقامه من الأموات وأجلسه عن يمينه فى السماويات فوق كل رياسة وسلطان وكل اسم “، أي جلوس المجد والربوبية ويكمل قائلاً إنه ” جعله رأسًا فوق كل شئ للكنيسة التى هى جسده ملء الذى يملأ الكل فى الكل ” فالمسيح بجلوسه فى المجد بعد الصلب والقيامة صار رأسًا للكنيسة وسكب الروح القدس بملئه ليصير ملء الله فى الكنيسة التى هى جسد المسيح. أنظر أف 19:1ـ23.

 

وهذا يتضح من كلام الرسول بولس أيضًا فى نفس الرسالة عندما يربط بين صعود المسيح وملئه للكل بالروح إذ يقول ” الذى نزل هو الذى صعد أيضًا فوق جميع السموات، لكى يملأ الكل ” وواضح أنه يقصد بملئه للكل هنا هو ملئه للكنيسة بالروح القدس ومواهبه لأنه يقول بعدها ” وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلاً والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين… لأجل بنيان جسد المسيح… ننمو فى كل شئ إلى ذلك الذى هو الرأس المسيح الذى منه كل الجسد… ” (أف10:4ـ16).

 

فملء الروح هو للكنيسة من رأسها المسيح. وقد سكب المسيح ملء الروح القدس أي سكب ملء الله فى الكنيسة جسده فصار جسد المسيح أي أعضاؤه على الأرض هو المحل أو المكان أو الهيكل الذى فيه يسكن الروح القدس بملئه منسكبًا من المسيح الرأس ابتداء من يوم الخمسين وبلا انقطاع إلى ان يكتمل جسد المسيح باكتمال عمل الروح القدس فى العالم ليجمع كل شئ فى المسيح ويكمل إعداد العروس لتُزف إلى العريس السماوى يسوع المسيح فى مجيئه الثانى المجيد حسب اعلان يوحنا الرسول فى سفر الرؤيا (رؤ7:19،17:22).

 

ملء الروح للأعضاء:

عرفنا أن ملء الروح القدس انسكب على الكنيسة من المسيح الرأس المُمجد وهو فيها إلى الآن منذ يوم الخمسين وسبق أن عرفنا فى حديثنا عن ” المعمودية ونوال عطية الروح القدس” أن كل من يؤمن بالمسيح ويقبله ويعتمد باسمه فإنه ينال غفران الخطايا ويقبل عطية الروح القدس. فكل من اعتمد باسم الرب يسوع ـ إعتمد لموته ولقيامته أي دفن مع المسيح وقام بالمعمودية، فإنه نال عطية الروح القدس بعد خروجه من الماء فى مسحة الميرون، وبذلك يصير عضوًا فى جسد المسيح ـ أي الكنيسة، أي أنه انضم إلى الجسد الذى فيه يسكن الروح القدس بملئه.

 

وهنا ينبغى أن ننتبه بشدة إلى أن الهدف من انضمامنا إلى جسد المسيح بالمعمودية هو أن نحصل على ملء الروح الموجود فى الكنيسة والساكن فيها منذ يوم الخمسين، لهذا نحتاج أن نعرف أن هناك فرقًا بين نوالنا عطية الروح القدس فى المعمودية وبين أن نكون ممتلئين من الروح القدس كإمتداد ونمو للعطية التى نلناها فى المعمودية، كما يقول القديس باسيليوس الكبير “الروح القدس حاضر فى جميع الذين يستحقونه ولكنه لا يظهر قوته إلاّ فى الذين تطهروا من الأهواء “(4). فالذى يمتلئ من الروح إنما يمتلئ من الروح الذى سبق أن ناله فى المعمودية المقدسة. وهذا نجده واضحًا جدًا فى حديث الرسول بولس إلى أهل أفسس إذ يكلمهم فى الأصحاح الأول ويقول لهم إنهم آمنوا وختموا بالروح القدس (أف13:1ـ20) أي إنهم اعتمدوا بعدما آمنوا فنالوا الروح القدس(5).

 

ويحدثهم فى الأصحاح الثالث ويقول “بسبب هذا أحنى ركبتى لدى أبى ربنا يسوع المسيح… لكى يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه فى الإنسان الباطن ليحلّ المسيح بالإيمان فى قلوبكم.. وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكى تمتلئوا إلى كل ملء الله ” (أف14:3ـ19). وهذا يكشف لنا بكل وضوح أن الرسول يحث المؤمنين الذين اعتمدوا للمسيح ونالوا الروح القدس، أن يصلوا لكى ينالوا بالإيمان، من الله الآب التأييد بالقوة بالروح القدس فى داخلهم. أي ينالوا من الله تأييدًا بقوة الروح القدس، فيحل المسيح فى قلوبهم وذلك بقوة الروح القدس وملئه لهم. وهذه القوة، قوة الروح تجعلهم يتأصلون فى المحبة ويعرفون محبة المسيح الفائقة المعرفة.

 

وبهذا التأييد بقوة الروح القدس يقول الرسول إنهم” يمتلئون إلى كل ملء الله” وهذا ما يصلى لأجله الرسول معتمدًا فى صلاته لأجلهم على أن الله يعطيهم بحسب غنى مجده، وغنى المجد هذا الذى يعتمد عليه الرسول وهو يجاهد فى الصلاة لأجلهم هو غنى الله المذخر فى المسيح والمنسكب منه منذ تمجيد المسيح بالصليب والقيامة، هذا الغنى الذى ظهر وانسكب يوم الخمسين وسكن بملئه فى الكنيسة كما رأينا. هذا الغنى هو الذى على أساسه يصلى الرسول ويحث المؤمنين أن ينالوا القوة بالروح القدس ليحصلوا على حلول المسيح بالإيمان فى قلوبهم ويعرفوا محبته الفائقة المعروفة ويمتلئوا إلى كل ملء الله أي أن الرسول يصلى ويحنى ركبيته أمام الآب لكى يحصل المؤمنون على قوة الروح القدس ويمتلئوا بالملء نفسه الذى ملأ الكنيسة يوم الخمسين.

 

ولهذا نرى الرسول بولس فى الأصحاح الخامس يكلم أهل أفسس ويعظهم ويحثهم أن يمتلئوا بالروح فيقول: ” ولا تسكروا بالخمر الذى فيه الخلاعة بل امتلئوا بالروح مكلمين بعضكم بعضًا بمزامير وتسابيح وأغانى روحية مترنمين فى قلوبكم للرب ” (أف18:5،19) فهنا يوصى الرسول المؤمنين فى أفسس قائلاً: “امتلئوا بالروح” (أو كما تترجم فى ترجمة أخرى “دعوا الروح يملئكم”). وهذه دعوة للمؤمن المُعمد الذى يعرف المسيح المخلص وهو عضو فى جسده أن يفتح قلبه وكيانه كله للروح القدس لكى يملأه، لأن الروح منسكب بملئه باستمرار من المسيح وينتظر القلب المستعد والنفس المطيعة الخاضعة للمسيح الرأس حتى يفيض فيها بملئه. ونتعلم من كلام الرسول أن الامتلاء من الروح القدس أو فتح قلوبنا لكى ندع الروح يملأنا يصاحبه تسابيح وأغانى روحية وترنيم وترتيل للرب فى القلب.

حياة الامتلاء من الروح القدس:

قد نتساءل بعد هذا ونقول ما هى الحياة المملوءة بالروح القدس؟ وما هى علاماتها؟. فى الحقيقة من الصعب والعسير إعطاء صورة محددة مفصلة لحياة الملء بالروح لأن حياة الملء بالروح ليست شيئًا ماديًا حتى نستطيع أن نشرحه ونصوره بالمقاييس العادية إذ كما يقول الرب نفسه ” إن الريح تهب حيث يشاء ولا نعلم من أين تأتى ولا إلى أين تذهب. ولكننا فقط نسمع صوتها ” هكذا الإنسان الذى يعيش بالروح ويمتلئ بالروح، وبناءًا على كلام الرب فإننا فقط نستطيع أن نتلمس وندرك آثار حياة الروح فى الإنسان عندما يمتلئ بالروح بشكل كامل أو نهائى. ونستطيع أن نسمع صوت الروح واضحًا وأثره ملمومسًا مما يقوله الروح فى العهد الجديد عن حالة الملء بالروح.

فأول مرة نقرأ فى العهد الجديد عن شخص مملوء بالروح القدس بعد ما ذكره سفر الأعمال عن حلول الروح القدس يوم الخمسين وملئه لجميع الحاضرين، هو عندما تكلم سفر الأعمال عن اختيار استفانوس إذ يقول عنه ” فاختاروا استفانوس رجلاً مملوءًا من الإيمان والروح القدس ” (أع5:6). وفى نفس المناسبة وهى اختيار الشمامسة السبعة يتكلم سفر الأعمال ويقول إن الرسل دعوا جمهور المؤمنين وطلبوا منهم أن ينتخبوا سبعة رجال من وسطهم لإقامتهم خدامًا أي شمامسة لخدمة الموائد والأرامل واشترط الرسل أن يراعوا فى الانتخاب أن يكون الرجال السبعة ” مشهود لهم ومملوئين من الروح القدس والحكمة ” (أع2:6،3) وفى نفس الفصل يصف سفر الأعمال استفانوس هكذا ” وأما استفانوس إذ كان مملوء إيمانًا وقوة كان يصنع عجائب وآيات عظيمة فى الشعب ” (أع8:6).

وهكذا نرى أن وصف الامتلاء من الروح القدس يرافقه امتلاء من الإيمان أو امتلاء من الحكمة الروحية أو امتلاء من القوة أي امتلاء بقوة الروح القدس التى ظهرت فى حالة استفانوس فى صنع عجائب وآيات عظيمة ويتضح أيضًا من شرط اختيار الرجال السبعة أن المملوئين من الروح القدس يكونون مشهودًا لهم أي يشهد لهم الجميع بقداسة سيرتهم وطهارتهم وامتلائهم بالمحبة وعدم المحاباة أو التعصب وأيضًا مملوئين من الحكمة أي الفهم الروحى والبصيرة الروحية والتمييز وهذه كلها بلا شك ناتجة من امتلائهم بروح الله أي امتلائهم بالمسيح الذى هو حكمة الله.

والامتلاء من الروح القدس هو امتلاء من القوة كما قال الرب يسوع “ستنالون قوة متى حلّ الروح القدس عليكم وتكونون لى شهودًا”. وهى القوة اللازمة للشهادة للمسيح وخدمته وسط العالم. هذا الامتلاء من الروح القدس بالقوة قد يكون فى شكل آيات وعجائب كما حدث مع استفانوس وقد يكون برهان الروح فى كلمة الكرازة نفسها كما حدث مع بطرس الرسول حينما امتلئ من الروح القدس وبدأ يكلم رؤساء الشعب (أع8:4).

وكما حدث مع الرسل وجماعة المؤمنين ” إذ لما صلوا تزعزع المكان الذى كانوا مجتمعين فيه وامتلأ الجميع من الروح القدس وكانوا يتكلمون بكلام الله بمجاهرة ” (أع31:4) وفى هاتين الحالتين الآخيرتين حالة بطرس أمام رؤساء الشعب، وحالة الرسل والجماعة كلها بعدما صلوا حدث الامتلاء من الروح القدس لمنح قوة المجاهرة باسم يسوع والكرازة به وكان هذا الامتلاء من الروح غير امتلائهم لأمل مرة من الروح القدس عندما حلّ الروح القدس عليهم يوم الخمسين وهذا يرشدنا إلى أن الامتلاء من الروح القدس يمكن أن يحدث فى حياة المؤمنين ليس مرة واحدة بل مرات ويتكرر بحسب الحاجة إليه خاصة فى مواقف الشهادة للمسيح والكرازة باسمه.

بل إننا لاحظنا أن الرسول بولس يدعو المؤمنين أن يكونوا دائمًا مملوئين بالروح عندما أوصى أهل أفسس (ص5) قائلاً “كونوا مملوئين بالروح” والفعل المستمر هنا للتعبير عن الدعوة للامتلاء هو فعل يدل على الاستمرار “أى كونوا باستمرار مملوئين بالروح” أو “دعوا الروح يملأكم دائمًا” فتكونوا فى تسبيح وترنيم وترتيل للرب من قلوبكم لأن الروح القدس حينما يملك على قلب الإنسان الذى يخضع للرب يسوع ويطيعه فإنه يملأ قلبه وحياته فرحًا وتهليلاً وتسبيحًا وتمجيدًا مستمرًا للرب يسوع.

 

وهذا ما نتعلمه أيضًا من سفر الأعمال عن حالة الامتلاء من الروح القدس إذ بينما كان الاضطهاد ثائرًا على بولس وبرنابا فى مدينة أنطاكيا فى نفس الوقت يقول الوحى أن المؤمنين ” كانوا يمتلئون من الفرح والروح القدس ” (أع52:13). مما يوضح أن الامتلاء من الروح القدس يرافقه امتلاء من الفرح.

 

والامتلاء من الروح القدس هو أيضًا امتلاء من الإيمان كما فى حالة استفانوس (أع5:6) وفى حالة برنابا إذ يقول عنه الكتاب ” كان رجلاً صالحًا ممتلئًا من الروح القدس والإيمان ” (أع24:11) لأن هناك رباط لا ينفصل بين الإيمان والثقة فى الرب وبين عمل الروح القدس حسبما قال الرب نفسه من آمن بى تجرى من بطنه أنهار ماء حي قال هذا عن الروح القدس ” (يو38:7). ومن ثمر الروح فى المؤمن “الإيمان” ” فإنه لآخر يعطى إيمانه بالروح الواحد ” (1كو9:12) وأيضًا ” وأما ثمر الروح فهو محبة فرح… إيمان “. إذ بقوة الإيمان والثقة فى الرب يتدفق ملء الروح القدس فى القلب وبقوة الروح القدس فى القلب يتشدد ويتقوى الإيمان للإزدياد فى ملء الروح لتمجيد الرب.

ونستطيع أن نلخص آثار الامتلاء من الروح القدس فى عدة نقاط رئيسية:-

نتائج الامتلاء من الروح القدس:

1 ـ الامتلاء من الروح القدس هو امتلاء بالمسيح:

وهذا ما نتعلمه من الرسول بولس حينما قال لأهل أفسس وهو يصلى لأجلهم طالبًا أن يتأيدوا بالقوة بالروح القدس فى داخلهم يقول إن هذا معناه أن يحلّ المسيح فى قلوبهم بالإيمان ” لكى يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه فى الإنسان الباطن، ليحل المسيح بالإيمان فى قلوبكم ” ( أف16:3،17).

إذ أن هدف مجئ الروح القدس إلينا كما قال المسيح هو أن يشهد للمسيح فى داخلنا ويجعلنا نرى المسيح ظاهرًا فى قلوبنا كما قال الرب يسوع نفسه عندما تحدث عن مجئ الروح القدس قائلاً: ” لا أترككم يتامى إنى آتى إليكم ” وأيضًأ ” آتى أنا والآب وعنده نصنع منزلاً ” و ” الذى يحبنى يحبه أبى وأنا أحبه وأظهر له ذاتى ” وأيضًا ” بعد قليل لا تبصروننى ثم بعد قليل أيضًا تروننى لأنى ذاهب إلى الآب “. فالمسيح يحلّ فى القلب بالروح القدس فتنفتح عيوننا الداخلية، فنرى المسيح الحي المُمجد ساكنًا فى داخلنا وهذا هو معنى الوعد الذى وعده “تروننى لأنى ذاهب إلى الآب ” أي بذهابى سأرسل الروح القدس إلى قلوبكم فتروننى بالروح وآتى مع الآب وأسكن فى داخلكم أي نصنع فيكم منزلاً.

الروح القدس يهدف إلى أن يتصور المسيح فينا ويصير المسيح شخصًا حقيقيًا حاضرًا بالنسبة لنا، لأن الروح بملئه لنا يحفر فى أعماقنا صورة المسيح الحي المُمجد كما يقول الرسول بولس: ” ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب (يسوع) بوجه مكشوف كما فى مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح ” (2كو18:3) أي إننا ننظر مجد المسيح مكشوفًا، وننظره فى مرآة قلوبنا، فنتغير بقوة هذا النظر إلى صورة المسيح المُمجد التى يكشفها الروح القدس لقلوبنا.

إن الامتلاء من الروح القدس يجعلنا نمتلئ بيسوع فى داخلنا. نمتلئ من معرفته ونتأصل ونتأسس فى المحبة، ونعرف محبة المسيح الفائقة المعرفة لكى نمتلئ إلى كل ملء الله (أف17:3ـ19).

فبقدر امتلائنا من الروح القدس بقدر ذلك نعرف المسيح حقًا ونحيا فى المسيح وحده ويحيا المسيح فينا.
بقدر امتلائنا من الروح القدس بقدر ذلك نثبت فى المسيح والمسيح يثبت فينا. وحديث الرب يسوع فى (يو15) عن ثبات الغصن فى الكرمة “الذى يثبت فىَّ وأنا فيه هذا يأتى بثمر كثير لأنكم بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شئ ” (يو5:15)، هو فى الحقيقة إشارة لعمل الروح القدس الذى يثبت المؤمن المُعمد فى المسيح (كما يقول القديس كيرلس الأسكندرى).

وهذا ما يشهد به الرسول بولس قائلاً عن الثبات فى المسيح بقوة الروح القدس ” ولكن الذى يثبتنا معكم فى المسيح وقد مسحنا هو الله الذى ختمنا أيضًا واعطى عربون الروح فى قلوبنا ” (2كو21:1،22) فالله هو الذى ختمنا أو مسحنا بالروح القدس فى المعمودية واعطانا عربون الروح فى قلوبنا وبقوة هذا الروح نفسه الذى ختمنا به يثبتنا فى المسيح. والمسيح يدعو تلاميذه وكل من يؤمن به أن يثبت فيه ويلتصق به بكل قلبه ويضع كل اتكاله على الرب يسوع ” لأنكم بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا ” أي بدونى لن تأتوا بثمر، أي بدون الثبات فىّ بقوة الروح القدس لن تثمروا ثمار حياتى. هذه هى الحياة التى يحققها الروح القدس فينا. حياة الاتحاد بالمسيح والثبات فيه والاعتماد عليه.
هذه الحياة حياة المسيح فينا أو حلول المسيح فى قلوبنا بالروح القدس هى أيضًا التى تنتج كل النتائج الأخرى للامتلاء بالروح القدس.

2 ـ الامتلاء من الروح القدس يملأ الإنسان بالفرح والسلام:

هذا ما نقرأه فى سفر الأعمال عن كنيسة المسيح بعد يوم الخمسين أن حياتهم بسبب ملء الروح كانت مملوءة بالابتهاج والفرح والتسبيح لله “كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب مسبحين الله ولهم نعمة لدى جميع الشعب ” (أع46:2،47) ونقرأ فى سفر الأعمال 13 أنهم كانوا يمتلئون من الفرح والروح القدس. ويقول الرسول بولس لأهل رومية “وليملأكم إله الرجاء كل فرح وسلام فى الإيمان لتزدادوا فى الرجاء بقوة الروح القدس ” (رو13:15). وعندما يوصى الرسول أهل أفسس أن يمتلئوا بالروح يربط هذا الامتلاء من الروح القدس فى الحال بالفرح والتسبيح الروحى “امتلئوا بالروح مكلمين بعضكم بعضًا بمزامير وتسابيح وأغانى روحية مترنمين ومرتلين فى قلويكم للرب ” (أف19:5).

فملء الروح القدس يملأ النفس بفرح المسيح الذى لا ينطق به وهذا ما قاله الرب نفسه إذ بعدما التلاميذ أن يثبتوا فيه بالروح القدس يقول لهم “كلمتكم بهذا لكى يثبت فرحى فيكم ويكمل فرحكم ” (يو11:15). فالروح القدس يملأ النفس التى تخضع للمسيح وتثبت فيه، يملأها بفرح وسلام المسيح نفسه. فيكمل فرحها كما يقول الرب ” لكى يكون فرحكم كاملاً ” (يو24:16).

وكلام الرب ووعوده عن الفرح والسلام كثمر الروح القدس يشهد له الرسول بولس عندما يتكلم عن ثمر الروح فيقول ” ثمر الروح محبة فرح سلام ” (غل22:5). هذا ما اختبره القديسين على مر الأجيال، فيقول القديس أنطونيوس ” حينما يسكن الروح فيهم (يتحدث عن النفوس المطيعة لله) فإنه يهبهم راحة… ويجعل نير الرب حلو لهم جدًا ولا يخافون من أي شئ.. لأن فرح الرب يكون فيهم نهارًا وليلاً ويهب حياة لعقولهم ويصير إذا لهم وبهذا الفرح تنمو النفس وتتغذى وتصير مؤهلة لكل الأشياء وتتكمل بالفرح وبهذا الفرح تصعد إلى السماء… وتغلب النفس بالفرح جميع أعدائها الروحيين وتنتصر عليهم وتدوس مشوراتهم تحت قدميها وتمتلئ بالفرح الأكمل “(6).

فمن أهم ما يعمله الروح القدس فى النفوس التى تقبل أن يملأها ويملك على آرائها هو أنه: يطرد كل خوف وكل كآبة وكل شدة وكل حزن ويملأ كيان الإنسان بفرح المسيح وسلامه، بفرح حضوره فى القلب لأن حضور المسيح هو مصدر فرح لا يستطيع العالم أن ينزعه كما قال الرب ” حزنكم يتحول إلى فرح… سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم ” (يو20:16ـ22) هذا الفرح هو ما وصفه القديس بطرس بقوله عن المسيح للمؤمنين ” ذلك وإن كنتم لا ترونه الآن لكن تؤمنون به فتبتهجون بفرح لا يوصف ومملوء مجدًا ” (1بط9:1).

ويقول القديس مقاريوس ” إن الذين حسبوا أهلاً لأن ينير المسيح أذهانهم بالروح يقودهم الروح بهدايات مختلفة وتعمل النعمة فى قلوبهم سرًا وتكون لهم راحة روحية فتارة تعلو بهم وتفرح قلوبهم بسرور لا يوصف، وتارة تجعلهم كالعروس التى تتنعم بحب عريسها، وتارة تلصق بهم فيصيرون كالملائكة ثملين من فرط الإنذهال من السرائر الإلهية” وأيضًا يقول مقاريوس [ لأن ما هو هذا الملكوت الداخلى إلاّ فرح الروح، هذا الذى يتدفق بقوة فى النفوس المستعدة وهذا الفرح وهذه الراحة المثمرة، وهذا السكر الروحانى هو نفس ما يتذوقه المختارون فى الفردوس فى نور مجد الله… إن عربون هذا الفرح المفرط وباكورته تعطى للنفوس البارة الأمينة عن طريق الشركة الفعّالة مع الروح القدس… كما يقول المزمور ” قلبى وجسمى يهتفان بالإله الحي ” وأيضًا ” أشبعت نفسى كما من شحم ودسم ” وأقوال أخرى مشابهة. فالمقصود من هذا هو الفرح والتهليل بالروح ](7).

ويقول أحد شيوخ الرهبان فى القرن 19 ” حينما يأتى الروح القدس ويحلّ على إنسان ويظلله بملء إنسكابه، تفيض النفس بفرح لا يُنطق، لأن روح الله يحوّل كل ما يلمسه إلى الفرح “(8).

والفرح الناتج عن ملء الروح للقلب يختلف عن مجرد التذوق العابر للحظات فرح تحدث كثيرًا للمبتدئين فى حياة الروح فالإنسان يمكن أن يتذوق بعض الفرح عند بداية رجوعه إلى الرب بالتوبة فيشعر بفرح غفران الخطايا وفرح المعرفة الجديدة للمسيح التى نالها بالتوبة والإيمان. والبعض يتصورون أحيانًا أن هذا الفرح الذى يتذوقونه يعنى أنهم امتلئوا من الروح القدس ويبتدئون يقولون للآخرين إنهم امتلئوا.

 

ويكون هذا تصورًا خاطئًا إذ أن الفرح الناتج عن الامتلاء من الروح القدس ليس فرحًا إنفعاليًا للحظة عابرة بل فرح غامر يملأ كيان الإنسان بسبب حلول المسيح فى القلب وامتلاكه لحياة الإنسان فى الداخل، وهو فرح يتميز بأنه يصاحبه حضور المسيح بالنسبة للنفس، بالإضافة إلى ضرورة توفر النتائج التى تنتج من ملء الروح القدس مثل المحبة من كل القلب لله والمحبة للإخوة من قلب طاهر وغيرها من الآثار. فليس كل فرح عابر يتذوقه أي إنسان فى الصلاة يكون دليلاً على الامتلاء من الروح القدس إذ لا نستطيع أن نجعل مقياس اختبار عمل الروح القدس وملئه هو العاطفة الروحية وحدها، لأن الروح القدس يعمل بقوته ليس فى العاطفة وحدها أي الشعور بل يشمل كل كيان الإنسان: عقله، وإرادته، وعواطفه وحتى جسده.

إن فرح الروح الحقيقى يتميز بسلام عميق فى النفس وهدوء مع ثقة شديدة فى الرب. وقد علمنا الآباء القديسون أن وجود السلام والهدوء فى النفس علامة على أن خبرتنا الروحية هى من الروح القدس فى حين أن إنعدام السلام ووجود الخوف هو علامة على أن الرؤيا أو الخبرة ليست من الروح القدس بل محاربة من الشيطان. يقول القديس أنطونيوس الكبير ” حيثما يحل الله فى رؤيا تمتلئ النفس تعزية وسلام وإذا كانت رؤيا كاذبة تمتلئ خوفًا “.

3 ـ الامتلاء من الروح القدس يثمر كل ثمر الروح:

” أما ثمر الروح فهو محبة، فرح، سلام، طول أناة، لطف، صلاح، إيمان، وداعة، تعفف ” (غل22:5).
ونلاحظ هنا أن الإنجيل لا يتكلم عن ثمار الروح بالجمع بل عن ثمر الروح بالمفرد وإن كان هذا الثمر الواحد يشمل هذه الصفات التسعة لكنه ثمر واحد أساسه وأوله المحبة. وذكر المحبة فى أول ثمر الروح هو بلا شك مقصود من الروح القدس الذى ألهم الرسول بولس. لأن الروح القدس هو روح الله أي روح المحبة لأن ” الله محبة “، ” ومحبة الله قد انسكبت فى قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا ” (رو5:5). فالروح القدس عندما يملأ الإنسان فإن هذا الإنسان يفيض قلبه بمحبة الله فيشعر بالمحبة تغمره غمرًا وتحصره من كل ناحية ” لأن محبة المسيح تحصرنا ” (2كو14:5)، فيحب الله من كل قلبه ومن كل نفسه ومن كل قدرته ومن كل فكره.

وبانسكاب محبة الله فى القلب ينال الإنسان أيضًا محبة شديدة من قلب طاهر لكل إنسان حسب وصية الرب الأساسية ” هذه هى وصيتى ان تحبوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم ” (يو12:15).
الروح القدس بملئه للإنسان هو فى الحقيقة يثمر ثمر حياة المسيح نفسه فينا، فإن كل هذه الصفات التى يعددها الرسول كثمر الروح هى صفات حياة الرب يسوع نفسه التى عاش بها. فعندما نمتلئ بالروح فإن الروح يجعل حياة يسوع تظهر مثمرة فينا محبة ووداعة وتواضعًا ولطفًا وطول أناة وفرح وسلام وصلاح.. إلخ فيجعلنا نحب بحب يسوع ويجعل فينا وداعة يسوع وفرح يسوع، وبالاختصار كما يقول القديس مقاريوس “يملأه بثمار الروح ” (9).

وهنا ينبغى أن نتذكر ما سبق أن قلناه عند حديثنا عن المعمودية فى الفصل الأول أننا ننال حياة المسيح فينا بالروح القدس فى المعمودية ولذلك فإن معموديتنا باسم المسيح معناها ضرورة التزامنا أن نسعى فى طاعة وصية المسيح معتمدين على قوة الروح القدس الذى نلناه فى المعمودية، لكى نمتلئ بالروح القدس فيظهر فى حياتنا فعلاً ثمر حياة يسوع أي ثمر الروح. ولهذا أوصى الرب التلاميذ لكى بعد أن يعمدوا كل من يؤمن أن يعلموه أن يحفظ جميع وصايا المسيح ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصتكم به ” (مت19:28).

فلكى نستطيع أن نتمم وصايا المسيح التى هى ثمر الروح نحتاج أن ننال ملء الروح فينا لكى نحقق الهدف الذى من أجله اعتمدنا ويقول القديس مقاريوس أن ” من يريد أن يكون مسكنًا للمسيح ويمتلئ بالروح القدس ويكمل وصايا الرب إنه يجب أن يغصب نفسه على تذكر الرب وكيفية حياته ويسعى أن يحفظ وصاياه ويدفع قلبه إلى ذلك على قدر طاقته… فحينئذ يظهر له الرب الرحمة وينقذه من أعدائه ومن الخطية الساطنة فيه ثم يملأه بالروح، وفيما بعد ذلك يستطيع أن يفعل وصايا الرب بالحق بلا اغتصاب أو صعوبة وإنما هو الرب نفسه الذى يفعل وصاياه فيه وحينئذ يخرج ثمار الروح بطهارة ” (10).

ويقول القديس مرقس المتوحد الناسك [ الذين اعتمدوا فى الكنيسة ونالوا النعمة بالمعمودية سرًا، تسكن فيهم النعمة مختفية، وفيما بعد حينما يحتفظون بالإيمان والرجاء فى قلوبهم ويمارسون وصايا الرب، فإن النعمة تُظهر نفسها فى المؤمن حسب كلمات الرب: ” من يؤمن بى… تجرى من بطنه أنهار ماء حي. قال هذا عن الروح القدس الذى كان المؤمنين به سيقبلوه ] (11).

ويقول أيضًا: [ إن حصل أي مؤمن، يعيش حسب وصايا المسيح، على عمل روحى معين فينبغى أن يؤمن أنه قد نال القوة لتتميم هذا العمل، لأنه نال الروح القدس فى المعمودية ـ الروح الذى هو سبب كل صلاح وسبب كل الفضائل ليست الخفية والروحية فقط بل والفضائل الظاهرة أيضًا. فلا يفترض أي إنسان أنه يستطيع أن يعمل عملاً صالحًا بقدراته الذاتية وحدها، ” لأن الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يُخرج الصالحات ” (مت35:12)، وليس من نفسه، ويقصد بالكنز الذى فى القلب، الروح القدس المختفى فى قلوب المؤمنين ] (12).

وهكذا بملء الروح تمتلئ الحياة بحلاوة وجمال وعذوبة يسوع فيظهر المسيح للعالم من خلال الحياة المملوءة بالروح وهذه هى الشهادة التى يحتاجها العالم اليوم إحتياجًا شديدًا أن يرى المسيح من خلال حياة الذين يؤمنون باسمه وينتسبون إليه وهل من طريق لتأدية هذه الشهادة للعالم بالحياة وبالكلام إلاّ بالامتلاء بقوة الروح القدس الذى أُعطى لنا فى المعمودية لكى نضرمه فيشتعل فينا بنيران محبة إلهية لا تنطفئ.
إلاّ يلزمنا بشدة أن نصلى ونطلب من الرب بإخلاص ولجاجة أن يفيض فينا ملء حياته، ملء روحه القدوس لنستطيع أن نثمر ثمره ويظهر بنا رائحة معرفته فى كل مكان (2كو14:2).

 

4 ـ الامتلاء من الروح القدس يُبطل سلطان الخطية والإنسان العتيق ويهبنا القداسة:

الامتلاء من الروح القدس يهب الإنسان قوة فائقة فى الداخل أقوى من ناموس الخطية والموت الذى يعمل فى أعضائنا كما يقول الرسول بولس “ناموس روح الحياة فى المسيح يسوع قد اعتقنى من ناموس الخطية والموت “(رو2:8). وروح الحياة فى المسيح هو الروح القدس وناموسه

هو قوته الإلهية الفائقة التى تستطيع وحدها أن تبطل سيادة الخطية والإنسان العتيق فينا وبذلك ينقلنا الروح إلى حياة القداسة إذ هو روح القداسة نفسه، ولهذا يحثنا الرسول بولس قائلاً “اسلكوا بالروح فلا تكملوا شهوة الجسد. لأن الجسد يشتهى ضد الروح(القدس)، والروح(القدس) ضد الجسد وهذان يقاوم أحدهما الآخر حتى تفعلون ما لا تريدون”(غل16:5،17).

لذلك فهناك استحالة أن يتمكن الإنسان من التحرر من سلطان الخطية الذى فيه بدون الاعتماد على قوة الروح القدس المُعطى لنا وهذا الاعتماد يتم بالصلاة الواثقة فى قدرة عمل الروح فهو روح القيامة الذى أقام جسد يسوع من الأموات وهو نفسه كما يقول الرسول الذى يستطيع أن يحيينا من موت الخطية ويهبنا قيامة المسيح ونصرته على الخطية والموت فى داخلنا، إن كنتم بالروح (القدس) تميتون أعمال الجسد فستحيون. لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله ” (رو11:8ـ14).

لذلك يحثنا القديس مقاريوس قائلاً: [فلنتوسل إلى الله إذًا أن ينزع منا الإنسان العتيق لأنه هو وحده القادر على نزعه منا مع الخطية لأنهما أقوى منا بحيث إنهما استأثرانا واستعبدانا فى مملكتهما ولكنه وعد بأن ينقذنا من العبودية العسيرة.. ولكن لا يمكن افتراق النفس من الخطيئة إلاّ بأن يرسل الله هدوءًا ويُسكت الروح الشرير العامل فى النفس والجسد.. فلنلتمس من الله أن يهب لنا “أجنحة حمامة”(مز16:55) أي الروح القدس، لنطير إليه ونطمئن.. ويقطع منا الخطيئة الساكنة فى أعضاء نفسنا وجسدنا لأنه هو وحده القادر على ذلك” (13).
وأيضًا [لذلك يجب على كل واحد أن يغصب نفسه على التوسل إلى
الله لكى يُحسب أهلاً لنوال كنز الروح القدس السماوى، حتى يقدر أن يتمم وصايا الرب بطهارة بلا تعب أو صعوبة أو عيب، الأمر الذى لا يمكنه أن يتممه بدون كنز الروح حتى ولو بالاغتصاب لأن النفس إذا كانت محرومة ـ من شركة الروح القدس، كيف تقدر أن تحصل على أعمال وغنى الروح؟] (14).

ولكن إبطال سلطان الخطيئة وسيادتها ليس معناه أن الإنسان يكون معصومًا من الخطأ وهو فى الجسد إذ لابد من السهر واليقظة والصلاة لكى ينال الإنسان باستمرار قوة الروح القدس الذى يستطيع أن يحفظه فى حالة النصرة والقداسة. فالامتلاء من الروح القدس لا يلغى حرية إرادة الإنسان ولكنه يهب الإنسان قوة أقوى من الخطيئة فلا يكون مستعبدًا للخطيئة وهذه هى الحرية التى يهبها المسيح لكل من يثبت فيه وفى كلامه عندما قال: “فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا ” (يو36:8). فعندما يملك المسيح بروحه القدوس على حياتنا فإنه يصيرنا أحرارًا إذ ” حيث روح الرب فهناك حرية ” (2كو17:3).

 

5 ـ الامتلاء بالروح هو امتلاء بالقوة:

لقد أوصى الرب يسوع التلاميذ أن “لا يبرحوا من أورشليم إلى ان يلبسوا قوة من الأعالى” (لو49:24). وكان يقصد أنهم لا يبرحوا إلى أن يأتى الروح القدس. وظهر قصده هذا واضحًا عندما قال فى(أع8:1) “لكنكم ستنالون قوة متى حلّ الروح القدس عليكم وتكونون لىّ شهودًا فى أورشليم واليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض “. فحلول الروح القدس والامتلاء من الروح القدس منه يعطى للإنسان قوة فائقة هى قوة الله وليست قوة الإنسان. هذا الامتلاء من القوة ناتج عن ملء الروح القدس نفسه وامتلاكه لزمام إرادة الإنسان وكيانه كله. وبسبب أن القوة الإلهية تملأ الإنسان نتيجة الامتلاء من الروح القدس لذلك أوصى الرب التلاميذ أن لا يخرجوا للكرازة والشهادة قبل حلول الروح القدس عليهم وملئه لهم. من أجل ذلك يقول الرب ” ستنالون قوة متى حلّ الروح ” ويكمل قائلاً ” وتكونون لىّ شهودًا “.

فقوة الروح هى التى تمكن الرسل وغيرهم من خدام الكنيسة فى عصرها الأول وفى كل عصر من الشهادة ليسوع فى كل مكان. لهذا يقول الرسول بولس عن كرازته ” وكلامى وكرازتى لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح والقوة لكى لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله ” (1كو4:2). ويتكلم سفر الأعمال عن استفانوس أنه كان ” مملوءًا من الإيمان والروح القدس ” ويكمل الحديث عنه قائلاً ” وأما استفانوس فإذ كان مملوءًا إيمانًا وقوة كان يصنع آيات ومعجزات عظيمة فى الشعب ” (أع5:6،7). ونرى فى سفر الأعمال التحول العجيب الذى طرأ على بطرس وبقية التلاميذ كيف تحولوا من الضعف والخوف إلى المجاهرة بالمسيح بلا خوف ” وامتلأ الجميع من الروح القدس وكانوا يتكلمون بكلام الله بمجاهرة… وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع ” (أع31:4،33).

وسفر الأعمال كله هو تسجيل لمظاهر قوة الروح القدس التى ظهرت فى التلاميذ والكنيسة الأولى نتيجة امتلائهم من الروح القدس، فهو سفر الأعمال التى عملها الرسل بقوة الروح القدس ولذلك كل من يقرأ سفر الأعمال بقلب منقتح يلمس بوضوح ويشعر بالقوة الإلهية الفائقة التى تنتج من فعل الروح القدس وملئه. إن الروح القدس هو روح القوة ” الله لم يعطنا روح الفشل بل روح القوة والمحبة والنصح ” (2تى7:1).

وهذه القوة التى تنتج من ملء الروح ليست للرسل فقط ولا للخدام والكارزين فقط بل هى لكل الذين يعتمدون باسم المسيح ويصيرون أعضاء جسده لذلك نرى الرسول بولس يقول لأهل أفسس ” لكى يعطيكم (الآب) بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه فى الإنسان الباطن ليحلّ المسيح بالإيمان فى قلوبكم… ولكى تمتلئوا إلى كل ملء الله ” (أف16:3ـ19). فكل مسيحى نال الروح القدس فى المعمودية ينبغى أن يسعى لينال من الآب تأييدًا بالقوة أي تتدفق فيه قوة الروح القدس فيعيش مستندًا على تأييد قوة الروح فى حياته الداخلية ويحلّ المسيح فى قلبه ويعرف محبة المسيح الفائقة المعرفة لكى يمتلئ إلى كل ملء الله.

إن الامتلاء من القوة يظهر فى الحياة والسلوك، كما يظهر فى الفاعلية والخدمة والشهادة والعمل الروحى مع الآخرين يظهر فى الحياة والسلوك فى شكل ثمر الروح: فى حياة المحبة والفرح والسلام، محبة وولاء شديد للرب من كل القلب ومحبة لإخوتنا من قلب طاهر بشدة ورقة ولطف وطول أناة وكل ثمر الروح كما ذكرنا.

أما فى الخدمة والشهادة فتظهر قوة الروح القدس فى الفاعلية التى يهبها لكلمة الكرازة والوعظ والتعليم فتبكت بسلطان الروح نفسه وتظهر المسيح المصلوب والمقام مكشوفًا وواضحًا فى ضمائر السامعين وتستطيع أن تجتذب نفوسًا من الخطية والهاوية. ويمكن أن يظهر الروح قوته فى الشهادة عن طريق آيات وعجائب ومواهب مختلفة يهبها الروح القدس كما يشاء هو لخدام الكنيسة لأجل تمجيد يسوع وبنيان الكنيسة وانتشار الإنجيل. كما يقول بولس الرسول ” لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل بقوة آيات وعجائب بقوة روح الله ” (رو18:15،19).

ويقول القديس مقاريوس “الأغنياء بالروح القدس الذين عندهم الغنى السماوى وشركة الروح مع نفوسهم، إذا تكلموا بكلام الحق ووعظوا الآخرين، فإنما يصدر هذا من ذخيرتهم الروحية التى حصلوا عليها.. ويعزون بالروح ويحيون نفوس سامعيهم.. لهذا ينبغى لنا أولاً أن نطلب من الله باجتهاد قلب وإيمان ليهب لنا أن نجد فى قلوبنا هذا الغنى، وهو كنز المسيح الصحيح بقوة الروح وفاعليته فإذا وجدنا فائدته فينا أولاً وهى الخلاص والحياة الأبدية والرب نفسه فحينئذ نفيد غيرنا أيضًا لإقتدارنا على التداخل فيهم فنخرج من كنز المسيح الذى فينا (الروح القدس) كل صلاح بواسطة المخطابات الروحانية ونعلن الأسرار السماوية ” (15).

ومن كلام القديس مقاريوس نلمح أن قوة الروح التى تعمل فى الحياة الداخلية هى التى تظهر بعد ذلك فى الخدمة والشهادة، فهى قوة واحدة، قوة الروح القدس نفسه تؤيدنا فى الإنسان الباطن لنتمتع بحلول المسيح فينا.، وفى الخارج يهب قوة الشهادة حسب ما يقسم عطاياه ومواهبه لكل عضو فى جسد المسيح. ولكن الكنيسة كلها مدعوة لأن تحيا بقوة الروح فى الباطن وتشهد للمسيح فى العالم بنفس القوة الإلهية الفائقة.

هذه بعض نتائح وآثار الامتلاء من الروح القدس وليست كلها، إذ من الصعب أن نحصر بالكلام والشرح كل عمل الروح الفائق المتنوع فى الإنسان ولكننا فقط لمسنا بعض نتائج حضوره وقوته الفعّالة فى الإنسان.

ويبقى بعد ذلك أن نوضح نقطة هامة عن العلامات الظاهرة للامتلاء بالروح.
إذ أن البعض يقولون إن حلول الروح أو الامتلاء منه يصحبه بالضرورة تكلم بالألسنة كعلامة ظاهرة تدل عليه وهذا التعليم خاطئ لأنه حتى فى أيام الرسل حينما كانت الألسنة توهب بكثرة كموهبة صلاة بالروح لبنيان الفرد فإنها لم تكن تحدث فى جميع حالات الروح حلول القدس على المؤمنين الجدد بل هناك بعض حالات ذكرها سفر الأعمال عن حلول الروح القدس والملء منه دون أن يذكر أن أصحابها تكلموا بألسنة(16).

كما ان موهبة الألسنه يمكن أن توجد كموهبة فى بعض أشخاص دون أن يكونوا ممتلئين من الروح القدس وأوضح مثال على ذلك هم أهل كورنثوس أنفسهم الذين كتب إليهم الرسول بولس لكى ينظم لهم موهبة الألسنة ويضبطها من الانحرافات. هؤلاء المؤمنون أنفسهم يبدو من كلام الرسول إليهم فى الأصحاح الثالث أنهم جسديون ويسلكون بحسب البشر إذ فيهم حسد وخصام وانشقاق (1كو1:3ـ4). وهذه الأوصاف ليست هى ما ينطبق على أناس ممتلئين بالروح رغم أنهم كانوا يتكلمون بألسنة. ولكن هذا لا ينفى أن التكلم بألسنة يمكن أن يكون موهبة من الروح القدس للصلاة بالروح لبنيان الشخص نفسه. والروح القدس هو صاحب السلطان فى أن يعطى من يريد أي موهبة من المواهب الروحية سواء الألسنة أو غيرها من المواهب. ولكن لا توجد موهبة بمفردها مهما كانت، تُعد برهانًا وعلامة أكيدة على الامتلاء من الروح القدس فإن المواهب كلها يعطيها الروح القدس، وحالة معمودية بولس الرسول نفسه وامتلائه من الروح القدس بواسطةحنانيا تلميذ الرب، فى أع67:9،68. رغم أن التكلم بألسنة كان من بين المواهب الكثيرة التى نالها الرسول بولس فيما بعد كما يقول 1كو18:14.

لأجل تمجيد المسيح فى بنيان الكنيسة وانتشار الإنجيل، وليست برهانًا على مستوى القداسة.
ولا يوجد دليل أو برهان على ملء الروح القدس إلاّ الروح القدس نفسه كما يقول المسيح: ” أما أنتم فتعرفونه لأنه يمكث معكم ويكون فيكم ” أي أننا نعرف الروح القدس بحضوره فينا. ذلك الحضور الذى يظهرـ فوق كل شئ ـ بالفرح الفائق والسلام العميق والحياة المليئة التى ترتوى من ملء المسيح: ” من ملئه نحن جميعًا أخذنا ” (1يو16:1).

 

كيف نمتلئ بالروح؟

أفضل أن نقول ” كيف نُملأ بالروح ” من أن نقول كيف نمتلئ بالروح لأنه كما أوضحنا فإن الروح القدس حاضر بملئه ومنسكب من المسيح وهو الذى يريد أن يملأنا وهو الذى يتمم فعلاً ملئه لحياتنا، فهو الفاعل فى حياة الملء ونوال قوته فى الإنسان ـ ولسنا نحن الذين نستحق الملء وسكنى الروح بملء المسيح. بل ما يلزمنا نحن من جهتنا هو أن نعطش ونشتاق إلى الرب يسوع والامتلاء منه، وهو كما وعد يسقينا ” إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب ” (يو37:7). ” وجمعينا سُقينا روحًا واحدًا ” (1كو13:12).
وتوجد بعض ملاحظات أساسية يلزم مراعاتها لكى نمتلئ بالروح القدس:

1 ـ تكريس القلب والحياة للرب:

إن معموديتنا باسم المسيح تعنى الدخول فى عهد مع المسيح إذ اعطانا كل ما له ونحن نقدم له القلب والحياة، وهذا هو أساس صلبنا مع المسيح ودفننا معه فى المعمودية لنعيش فى جدة الحياة. وقد مُسِحنا بالروح القدس فى الميرون لتكريسنا كلية للرب لتكون النفس والجسد والقلب والحياة كلها للرب. فإذا كنا بعد المعمودية التى اعتمدناها أطفالاً لانعيش فى المسيح ولا نعيش له فيلزمنا أولاً، أن نرجع إلى الرب يسوع بالتوبة الصادقة وإيمان القلب حتى يتجدد عمل الروح القدس فينا ونستطيع أن نخصص قلوبنا حقًا للرب لكى يملك علينا ويأتى المسيح ويدخل حياتنا ويتعشى معنا، [لأن الروح القدس المعزى المأخوذ فى المعمودية يعطينا العمل بالتوبة ليردنا ثانية لرئاستنا الأولى ] (17).

وإن كان إنسكاب الروح القدس ومجيئه إلى العالم مرتبط أساسًا بتمجيد الرب يسوع أولاً كما تحدثنا من قبل، فإن تدفق الروح القدس فى حياتنا وملئه لنا يتوقف أولاً على تمجيد الرب يسوع فى حياتنا الشخصية، أي ينبغى أن يصير يسوع فعلاً هو سيد حياتنا كلها. ينبغى أن نخضع كل شئ فى قلبنا وحياتنا وعواطفنا واهتماماتنا للسيادة الكاملة للرب يسوع، يلزم أن نعترف بكل قلبنا بأن يسوع هو الرب وهو ملك وسيد حياتنا. وبالحقيقة أننا عندما نكرس قلوبنا وكل ذواتنا للمسيح فنحن لا نتفضل عليه بهذا التكريس لأنه قد سبق واشترى حياتنا بدم صليبه لكى لا نعيش فيما بعد لأنفسنا بل له وحده: ” وهو مات لأجل الجميع كى يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذى مات لأجلهم وقام ” (2كو18:5).

هذا التكريس الداخلى للقلب هو تسليم الذات الذى أوصى به الرب يسوع ” إن أراد أحد أن يأتى ورائى فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعنى “. يلزمنا أن نقبل صليب المسيح ليصلب ذواتنا. ليتحقق موتنا مع المسيح وقيامتنا معه. هذا الموت والقيامة الذى أخذنا عربونه فى المعمودية يلزم أن نمارسه بالإيمان بتسليم ذواتنا للصلب. فيسوع تمجد بالصليب فإنسكب الروح القدس بعد تمجيده. وهكذا لابد أن تُصلب ذواتنا بنفس صليب المسيح ليتمجد المسيح بسيادته على قلوبنا فيستطيع الروح القدس أن يملأنا ويمجد المسيح فى حياتنا ” ذاك يمجدنى “.

فالصليب شرط سابق لملء الروح القدس. فالروح القدس مستعد لملئنا لكنه لا يستطيع أن يملأنا إذا كنا مملوئين بذواتنا. ينبغى أن نُفَرّغ من ذواتنا ليملأنا الروح، والصليب هو طريق إفراغنا من ذواتنا. وإن كنا نسعى للملء فلنسلم ذواتنا للروح القدس بكل خضوع وتسليم وطاعة طالبين أن يحقق صلبنا مع المسيح لكى لانحيا نحن فيما بعد بل يحيا المسيح فينا ” مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىّ ” (غلا20:2).

2 ـ طاعة وصية المسيح:

” إن كنتم تحبوننى فاحفظوا وصاياى وأنا أطلب إلى الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد. روح الحق “(يو15:14ـ17)، فحفظ وصايا يسوع هو الذى يهيئنا للإمتلاء من المعزى روح الحق. وهذه النقطة مرتبطة تمامًا بالنقطة السابقة. وإن كان تكميل الوصايا براحة وبلا صعوبة هو نتيحة ملء الروح القدس إلاّ أنه من الضرورى أن يكون للإنسان رغبة مخلصة ومشيئة واضحة نحو تتميم وصايا يسوع بقصد الثبات فيه والاتحاد به وينبغى أن نصلى لننال قوة تتميم الوصايا مع الرغبة فى تتميمها.

وهنا نستمع إلى القديس مقاريوس: ” من شاء يأتى إلى الرب وأن يصير مسكنًا للمسيح ويمتلئ بالروح القدس ويكمل وصايا المسيح بنقاوة وبلا عيب، يجب عليه أن يبتدئ أولاً بالإيمان بالرب وأن يسلم نفسه بكليتها إلى كلمات وصاياه… ويجب عليه أيضًا أن يواظب دائمًا على الصلاة،وينتظر دائمًا بإيمان وتوقع إفتقاد الرب وعونه… ثم يجب عليه أن يغصب نفسه لتتميم وصايا الرب كلها… فإذا رأى الرب شدة تشوقه واجتهاده الصالح وكيف أنه يغصب نفسه إلى تذكر الرب وإلى تواضع القلب والوداعة والمحبة… فحينئذ يتحنن الرب عليه وينقذه من أعدائه ومن الخطية الساكنة فيه، ويملأه بالروح القدس، وهكذا فبعد ذلك يفعل كل وصايا الرب بالحق بدون تغصب أو صعوبة أو تعب… ” (18).

ووصية المسيح الرئيسية التى يوصينا بها هى المحبة، والروح القدس هو معلم المحبة فإذا أطعنا المسيح الذى سلمنا وصيته وأطعنا الروح القدس الذى يذكرنا بكل ما قاله المسيح ويعلمنا كل شئ (يو26:14)، فإن الروح القدس يسندنا ويقوينا لتتميم الوصية ثم يملأنا بفيضه عندما نسلم ذواتنا لروح المحبة فيكملنا فى المحبة وهذا هو قصد الروح القدس من عمله فى الأفراد أو فى الكنيسة كلها. “تتميم المحبة التى هى رباط الكمال” (كو14:3).

3 ـ الإيمان والثقة فى وعد الرب:

كل مواعيد الله وعطاياه توهب بالإيمان والثقة فى أمانة وعده. وهذا ينطبق على العطية العظمى أيضًا ـ عطية الروح القدس والملء منه، كما قال الرب ” من آمن بىّ تجرى من بطنه أنهار ماء حي. قال هذا عن الروح الذى كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه ” (يو37:7،39). وأيضًا ” الحق الحق أقول لكم من يؤمن بىّ فالأعمال التى أنا أعملها يعملها هو أيضًا ويعمل أعظم منها لأنى ماض إلى أبى ” (يو12:14)، فيلزم أن نثق

بكل قلوبنا فى المسيح ونؤمن به وننتظر تحقيق وعوده لنا، وأعمال المسيح التى يقول أن من يؤمن به يعملها ويعمل أعظم منها تتحقق فينا ومعنا بملء الروح القدس لنا لأنه يقول ” لأنى ماض إلى أبى ” أي أنه بصعوده إلى الآب يسكب ملء الروح فالذى يؤمن ويثق ويطلب من الآب باسم المسيح فإن المسيح هو الذى يعمل فيه بقوة الروح القدس الذى يسكبه من مجده فيستطيع أن يعمل أعمال المسيح.

يقول القديس مقاريوس: ” من شاء أن يجيئ إلى الرب وأن يُحسب أهلاً للحياة الأبدية.. ويمتلئ من الروح القدس ويكمل وصايا الرب بالطهارة؛ يجب عليه أن يبتدئ أولاً بالإيمان بالرب ” وأيضًا فلنجذب نفوسنا ونتوسل إلى الله ونلتمس منه بالإيمان.. بلا إنقطاع وبانتظار ورجاء أن يرسل روحه إلى قلوبنا حتى نصلى إلى الله وبانتظار وثبات أن يرسل روحه إلى قلوبنا حتى نصلى إلى الله ونسجد له بالروح والحق، والروح ذاته يصلى فينا ” (19).
وكما وعد المسيح ” كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه فيكون لكم ” (مت24:11) لذلك يلزمنا أن نطلب بإيمان وثقة أن الرب يسوع يسكب ويفيض فينا ملء روحه ” وبالإيمان والأناة ننال المواعيد ” (عب12:6).

هناك نوع من الإيمان الفائق يتولد من ملء الروح القدس فى القلب ولكن ليس هذا هو الإيمان الذى يلزم توفره لأجل الحصول على ملء الروح القدس. فهناك إيمان أولى يلزم أن يتوفر وهذا أيضًا بلا شك من عمل الروح القدس فينا. وإن شعرنا بضعف إيماننا وثقتنا فلنصرخ إلى الرب معترفين بضعفنا ولكن ملقين أنفسنا على وعد الرب طالبين أن يشدد إيماننا كما صرخ أبو الولد الذى به الروح الأخرس وقال “أومن يا سيد فأعن عدم إيمانى” وكانت هذه الصرخة هى استجابة الرجل لقول المسيح ” إن كنت تستطيع أن تؤمن. كل شئ مستطاع للمؤمن ” (مت23:9،24).

4 ـ الصلاة:

مع تكريس القلب وطاعة الوصية والإيمان تكون الصلاة أهم عنصر نتهيئ به ليملأنا الروح القدس. فالرب نفسه وعد أن الآب السماوى “يعطى الروح القدس للذين يسألونه ” (لو13:11)، ويحثنا على الصلاة كثيرًا “ينبغى أن يُصلى كل حين ولا يُمل ” (لو1:18) ” أسألوا تعطوا أطلبوا تجدوا أقرعوا يُفتح لكم ” (لو9:11). ” إن سألتم شيئًا باسمى فإنى أفعله، أطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملاً ” (يو14:14،24:16).

والصلاة هى العطش الروحى إلى الله الذى يطفئه المسيح بسكب الروح القدس لذلك يقول ” من يشرب من الماء الذى أعطيه أنا لن يعطش إلى الأبد بل الماء الذى أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية ” (يو4:14)، وأيضًا “إن عطش أحد فليقبل إلى ويشرب. من آمن بى تجرى من بطنه أنهار ماء حى. قال هذا عن الروح الذى كان المؤمنون مزمعين أن يقبلوه ” (يو37:7،39).

فالصلاة هى تعبير عن العطش إلى الله وبهذا العطش مع الصلاة بإيمان يجرى فى داخلنا ينبوع ماء حي، بل كما يقول الرب تجرى من داخلنا ” أنهار ماء حى ” التى هى أنهار الروح القدس المتدفقة من يسوع فى مجده على قلوبنا كما يقول القديس أثناسيوس [ حينما نعطش إليه فهو يشبعنا إذ هو الذى وقف فى اليوم الأخير من العيد وصرخ ” إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب “. لأن هذا هو الحب الذى للقديسين فى كل حين، إنهم لا يكفون عن تقديم ذبيحتهم الدائمة التى يقدمونها للرب بلا إنقطاع، ويعطشون دائمًا ويطلبون منه أن يشربوا.. والرسول بولس يوصينا “أشكروا كل حين صلوا بلا إنقطاع.

 

فأولئك الذين ينشغلون بالصلاة فإنهم ينتظرون الرب دائمًا ويقولون: ” فلنتتبع لنعرف الرب، سنجده مستعدًا كالصبح، وسيأتى إلينا كالمطر المبكر، كمطر متأخر يسقى الأرض ” (هو3:6) فهو يشبعهم ليس فقط فى الصباح ويعطيهم ليس فقط أن يشربوا كلما يسألون، ولكنه يعطيهم بوفرة وسخاء حسب كثرة محبته، مانحًا لهم نعمة الروح فى كل حين. ويوضح ما يعطشون إليه بقوله على الفور ” من آمن بىّ ” لأنه ” كالمياه الباردة لنفس عطشانة ” بحسب الأمثال (25:25)، وهكذا فإن مجيئ الروح لأولئك الذين يؤمنون بالرب هو أفضل من كل انتعاش وابتهاج ] (20).

وهكذا يعلمنا القديس أثناسيوس أن العطش إلى الله معناه تقديم أنفسنا ذبيحة بالصلاة وأن المسيح يشبع هذا العطش الذى بالصلاة بأن يمنح روحه بغنى للذين ينتظرون الرب فى الصلاة. ويوضح أن ما يعطش إليه المؤمنون بالصلاة هو مجيئ الروح الذى يكون بالنسبة إليهم أفضل من كل انتعاش وفرح فى العالم.
لا شك أن هناك علاقة لا تنفصم بين الصلاة وبين الروح القدس وبالتالى بين الصلاة والامتلاء من الروح القدس.

فالروح القدس فى أول مجيئه يوم الخمسين حلّ على الكنيسة وهى مجتمعة معًا بنفس واحدة ومواظبة على الصلاة و الطلبة (أع14:1). ولذلك يقول القديس مقاريوس ” من شاء أن يكون مسكنًا للمسيح ويمتلئ من الروح القدس… يجب عليه أن يواظب على الصلاة فى إيمان الرب وانتظاره بحيث ينتظر افتقاده “(21). وهو يذكر أاهمية المواظبة على الصلاة فى إيمان وانتظار ويؤكد فى نفس الوقت مع الصلاة على السعى غى طاعة وصايا المسيح وتسليم النفس له. كل هذه يذكرها معًا كوسائل ضرورية لنوال ملء الروح القدس. ويقول ” فلنتوسل إلى الله ونطلب منه باجتهاد ونسكب أمامه تضرعاتنا لكى يهبنا مجانًا كنز روحه” (22).

ويقول أيضًا “فلنتوسل إلى الله ونؤمن بالمحبة والرجاء الوافر لكى يمنحنا النعمة السماوية نعمة موهبة الروح حتى يتولانا الروح نفسه ويقودنا إلى إرادة الله ويمتعنا بأنواع الراحة المعهودة لكى بواسطة هذه الفاعلية وتأثير النعمة والتهذيب الروحانى نُحسب أهلاً لإدراك كمال ملء المسيح كما نص على ذلك الرسول ” لتمتلئوا إلى كل ملء الله “… وقد وعد الرب كل الذين يؤمنون به ويسألون منه بالحق بأنه يعطيهم أسرار شركة الروح فائقة الوصف “(22).

وهكذا يؤكد القديس مقاريوس كثيرًا على ضرورة الصلاة مع الإيمان والمحبة لأجل نوال ملء الروح.
وهذا التاكيد على الصلاة لنوال ملء الروح نجده أيضًا عند القديس أنطونيوس: ” ذلك الروح النارى العظيم، الذى قبلته أنا أقبلوه أنتم أيضًا. وإذا أردتم أن تقبلوه لكى يسكن فيكم فقدموا أولاً أتعاب الجسد وتواضع القلب، وارفعوا أفكاركم إلى السماء فى النهار والليل طالبين بإستقامة قلب هذا الروح النارى وحينئذ يعطى لكم…. “.

ويقول القديس أنطونيوس أيضًا لأولاده مشجعًا إياهم على نوال ملء الروح “ولا تفكروا فى قلوبكم وتكونوا ذوى قلبين وتقولوا من يقدر أن يقبل هذا الروح النارى؟ لا يا أولادى لا تدعوا هذه الأفكار تأتى على قلوبكم بل اطلبوا بإستقامة قلب وأنتم تقبلونه. وأنا أيضًا أبوكم أجتهد وأطلب لأجلكم لكى تقبلوه..أديموا الطلبة باجتهاد شديد من كل قلوبكم وهو يعطى لكم، لأن ذلك الروح يسكن فى القلوب المستقيمة. وحينما تقبلونه، فإنه يكشف لكم أعلى الأسرار، ويطرد منكم كل خوف سواء من إنسان أو من الوحوش، ويصير لكم فرح سماوى نهارًا وليلاً، حتى أنكم تصيرون ـ وأنتم فى هذا الجسد ـ مثل أولئك الذين قد دخلوا إلى الملكوت فعلاً ” (23).

فالقديس أنطونيوس يلح على الصلاة والطلبة من كل القلب لأجل نوال الروح وقبوله ومع الصلاة والطلبة باجتهاد يؤكد على تواضع القلب من أجل قبول الروح وهو طبعًا لا يقصد بقبول الروح أن أولاده لم يكونوا قد اخذوا الروح القدس فى المعمودية ولكنه يقصد نوال ملء الروح وقوته أو تدفق فيض الروح القدس وملئه للإنسان عن طريق الصلاة وتواضع القلب والثقة والإيمان فى أن الرب يعطيه لهم.

ونجد فى حديث القديس أنطونيوس تحذير من الشك فى نوال الروح النارى ” لا تفكروا فى قلوبكم وتكونوا ذوى قلبين وتقولوا من يقدر أن يقبل هذا.. لا تدعوا هذه الأفكار تأتى على قلوبكم، بل أطلبوا بإستقامة قلب وأنتم تقبلوه “. فلكى يملأنا الروح يلزم أن نصلى كثيرًا ونطلبه بإيمان ونثق أن الرب يسكب ملئه علينا وفينا كما وعد.
وينبغى أن نطلب بتواضع قلب ووداعة لأن الروح القدس لا يستريح مع النفوس المتعالية ” فالله يقاوم المستكبرين وأما المتواضعين فيعطيهم نعمة، فتواضعوا تحت يد الله القوية ” (1بط5:5،6).
وهذه النقطة أي تواضع القلب هامة جدًا مع الصلاة والإيمان لأجل نوال ملء الروح، فنرى القديس مقاريوس يؤكد نفس ما يؤكده القديس أنطونيوس قائلاً: ” فلنغصب نفوسنا ونلزمها بالتواضع ونغصبها إلى الوداعة وإلى المحبة، ونتوسل إلى الله ونلتمس منه بالإيمان والرجاء والمحبة بلا إنقطاع وبانتظار وثبات أن يرسل روحه إلى قلوبنا حتى نصلى إلى الله ونسجد له بالروح والحق ” (يو24:4) والروح ذاته يصلى فينا(24).

فمنذ القديم اعلن الله بلسان إشعياء النبى أنه يسكن مع المنسحق والمتواضع الروح: “لأنه هكذا قال العلى المرتفع ساكن الأبد القدوس اسمه. فى الموضع المرتفع المقدس أسكن ومع المنسحق والمتواضع الروح لأحيى روح المتواضعين ولأحيى قلب المنسحقين” (إش15:57). وسكنى الله معنا وفينا معناها حلوله فينا بروحه لنصير هيكلاً له يستريح فيه، وروح الله لا يستريح إلاّ فلا القلب المتواضع البسيط. ومن هنا نفهم لماذا يقول الرب يسوع أن الآب يعلن أسراره السماوية وملكوته ويعطى معرفته للأطفال ويخفيها عن الحكماء والفهماء، ويقول إن هذه هى مسرة الآب: “أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء واعلنتها للأطفال نعم أيها الآب لأن هكذا صارت المسرة أمامك ” (لو21:10). وكان يقصد بالأطفال التلاميذ.

وعلى أساس هذه القاعدة فإن الروح القدس يملأ النفوس البسيطة المتضعة بسهولة فإن الأرض المنخفضة تجرى إليها المياه منحدرة بسهولة، أما الأراضى المرتفعة فلا تستطيع المياه أن تجرى فيها. هذه تحتاج أن تنخفض لتدفق فيها المياه هكذا أيضًا مع أنهار الماء الحي أي الروح القدس فهو يتدفق باستمرار من يسوع بجسده المُمجد ولكنه ينجذب بسهولة إلى النفوس البسيطة الصغيرة. وهذا يؤكد ما سبق أن قلناه فى تكريس القلب والحياة للرب عن ضرورة التفرغ من ذواتنا ليملأنا الروح. لذلك لا نستغرب عندما نجد أن الروح القدس يعمل بقوة فى نفوس صغيرة وتبدو فى نظرنا ضعيفة بينما لا تظهر قوته فينا نحن الذين نظن أننا أفضل منهم وأقوى وأجدر منهم دراية وعلمًا ومعرفة: ” اختار الله ضعفاء العالم ليخزى الأقوياء واختار الله جُهال العالم ليخزى الحكماء لكى لا يفتخر كل ذى جسد أمامه. حتى كما مكتوب من افتخر فليفتخر بالرب ” (1كو27:1ـ31).

فالصلاة هى الوسيلة الطبيعية والجو الطبيعى الذى به وفيه ينسكب ملء الروح. ولكن إن لم نصّل بإيمان منتظرين بثقة نوال ملء الروح وإن لم نصلّ بفكر بسيط وقلب متضع فلن ينسكب علينا الروح بملئه، فالصلاة تساعدنا على اكتشاف حاجتنا إلى البساطة والاتضاع وتحطيم كبرياء قلوبنا حتى ننال تواضع القلب بعمل الروح القدس نفسه فينا، لكى يستطيع الروح بعد ذلك أن يتدفق فينا ويملأنا بدون عائق، أي يرفع حواجز ذواتنا أولاً لكى يمكنه بعد ذلك أن يملأنا. فالصلاة هى طريق الملء بالروح.

غاية الحياة المسيحية الحقيقية هى إقتناء الروح القدس:
هذا ما يقوله القديس سيرافيم الراهب الروسى فى القرن التاسع عشر وذلك فى الكتاب الذى أصدره عنه قدس الأب القمص ويصا السريانى (25):
” إن الصلاة والصوم وأعمال الخير المقدمة باسم المسيح هى أعمال ممدوحه فى حد ذاتها، ولكنها لا تعتبر هدفًا… إنها وسائل أو بضائع أرضية على الإنسان أن يتاجر فيها ليصنع مكاسب مودعة فى بنك الروح للتوفير… لا حظ أن أي عمل إن لم يكن حبًا فى المسيح، لا يجلب لنا ثمار الروح القدس، ولا يكون له أجر فى الآخرة ولا نعمة فى هذه الحياة.. إن الإنسان الذى يشكو أن أعماله كثيرة ومع ذلك لا يحس بثمار روحية هو إنسان يعمل لحساب ذاته وليس لحساب المسيح.

نعم ياصديق الرب إن اقتناء الروح القدس، روح الله، الأقنوم الثالث الأقدس، هو الهدف الحقيقى للحياة المسيحية، وما الصلاة والصوم والسهر والصدقة وغيرها من الأعمال الصالحة المعمولة حبًا فى المسيح، غير وسائل لهذا الهدف…

معنى إقتناء الروح القدس:

عندئذ سألت الأب سيرافيم، بأى معنى تتكلم عن إقتناء الروح.. فأجابنى: إن الاقتناء معناه أن تأخذ شيئًا ملكًا لك، هل تفهم ؟ ألا تقول عن إقتناء المال ! نفس المعنى بالنسبة لإقتناء الروح القدس، هل تعلم ماذا تعنى كلمة إقتناء بالمعنى البشرى ؟ الإنسان العادى هدف الحياة عنده هو إقتناء المال أو نوال الألقاب أو المكافآت، أما الإنسان المسيحى فالروح القدس عنده هو رأس مال أبدى يمكن امتلاكه بوسائل مشابهة لوسائل امتلاك المال.

ربنا يسوع المسيح كلمة الله يُشبّه حياتنا بسوق متاجرة، ويدعو الجميع أن يتاجروا إلى أن يجيئ مفتدين الوقت. وهذا يعنى اربحوا فى زمانكم ودبروا أوقاتكم الثمينة جدًا لتقبلوا الإله السماوى تاجروا فى البضائع الأرضية التى هى الأعمال الصالحة المعمولة حبًا فى المسيح، التى تؤهلنا لنعمة الروح الكلى قدسه الذى بدونه لا خلاص لإنسان. لأن كل نفس تحيا بالروح القدس وتتنقى مرتفعة ومتلألئة بالثالوث الواحد بحالة فائقة سرية عجيبة.
إن نفوسنا تصبح مسكنًا لروح الله الكلى القدرة ونحن لا نكون أهلاً لسكناه إلاّ إذا عرفنا كيف يمكننا أن نقتنيه. وهو الذى يسبق ويهيئ نفوسنا وأجسادنا لنكون هيكلاً لله الخالق حسب الآية: ” وأسكن فيهم وأكون لهم إلهًا ويكونون لىّ شعبًا “.

 الصلاة وسيلة لإقتناء الروح القدس:

إن كل عمل يُعمل محبة فى المسيح يعطى نعمة الروح القدس، والصلاة هى أسهل الوسائل وأكثرها فاعلية. ويسهل استخدامها فى كل آن: فقد تود الذهاب إلى الكنيسة ولكن ليس هناك كنيسة أو أن خدمة القداس تكون قد انتهت، وقد تود مساعدة فقير ولكنك لا تجد فقيرًا فى طريقك، وقد تود أن تبقى طاهرًا ولكن بالنظر إلى ضعفك أمام مكايد العدو لم تستطع. أما الصلاة فإنها تصلح لكل آن، وكل إنسان يستطيع أن يقوم بها: الغنى والفقير، الصحيح والعليل، الصالح والخاطئ. إن قوة الصلاة عظيمة وهى تعطى نعمة الروح القدس أكثر من أي شئ. بواسطة الصلاة نستطيع أن نخاطب الرب الصالح والمحيى..

علينا أن نصلى إلى أن يحلّ الروح القدس علينا ويعطينا بحسب قياس يعرفه هو، ويملأنا من نعمته السمائية. وإذا زارنا علينا أن نتوقف عن الصلاة ونصمت أمامه لكى تسمع النفس وتفهم رسالته… لماذا نستمر فى التوسل إليه قائلين: هلم تفضل وحلّ فينا… فى حين أنه يكون قد آتى ؟ افترض إنك دعوتنى لزيارتك فى بيتك وأنا قد وصلت إلى البيت، ولكنك تستمر فى دعوتى مكررًا لى ” من فضلك تعال “. سأفكر بلا شك هكذا: لابد أنه قد تاه عقله، إننى هنا ورغم ذلك يستمر فى دعوتى ! هكذا عندما يتعطف الروح القدس ليزورنا علينا أن نتوقف عن الصلاة الصوتية. يجب على النفس أن تكون صامتة تمامًا لكى تسمع وتفهم رسالته لأن المعزى يكون آنذاك قد أتى وحلّ فينا ليخلصنا نحن الذين سلّمنا له ذواتنا، ودعونا اسمه القدوس كى نقتنيه بكل تواضع ومحبة فى هياكل نفوسنا الجائعة والمتعطشة لمجيئه “(26).

الكنيسة تعلمنا أن نطلب الروح القدس بالصلاة:
تعلمنا الكنيسة أن نطلب حلول الروح القدس بالصلاة والتوسل وذلك فى صلاة الساعة الثالثة أي التاسعة صباحًا وفى صلاة نصف الليل حيث نطلب حلوله ثلاث مرات (مرة فى كل خدمة من خدمات نصف الليل الثلاثة). وسواء فى الساعة الثالثة أو فى نصف الليل، فإن طلب حلول الروح القدس يكون فى صيغة صلاة موجهة للروح القدس نفسه:”أيها الملك السماوى المعزى روح الحق، الكائن فى كل مكان، والمالئ الكل، كنز الصالحات ومعطى الحياة هلم تفضل وحل فينا وطهرنا من كل دنس أيها الصالح، وخلص نفوسنا “. وعندما نوجه قلوبنا بهذه الصلاة لنطلب الروح القدس أن يأتى ويحل فينا فهذا ليس معناه أننا لم نأخذ الروح القدس فى المعمودية بل العكس هو الصحيح، فلأننا أخذنا الروح القدس فى المعمودية لذلك يحق لنا كمؤمنين بالرب يسوع ومُعمدين باسمه أن نطلب بالصلاة كل حين حلول الروح القدس علينا.

فالذين يعرفون أهمية عمل الروح القدس للتقديس ولتطهير الحياة وللدخول فى حالة الشركة الحقيقية مع الله أي السجود بالروح والحق كما قال المسيح، هؤلاء هم الذين يطلبون الروح القدس أن يأتى ويحلّ فيهم كل حين. ونحن حينما نصلى هذه الصلاة التى تعلمنا إياها الكنيسة فإننا نشتاق ونعطش إلى الروح الذى هو الكنز الصالح أو كنز الصالحات ومعطى الحياة، وعندما نعطش فإن المسيح يُسكب علينا ملء روحه بالصلاة. فإن صلينا هذه الصلاة الكنسية بثقة وإيمان، وبانتظار وتوقع، وبقلب بسيط مُسَلِّمين ذواتنا للرب وطالبين أن نرضيه، فلا شك أن الروح القدس يملأنا بحضوره ويغمرنا بالسلام ويطهرنا بقداسته من كل دنس ويخلص نفوسنا فعلاً.

صلاة القداس الإلهى وحلول الروح القدس:

فى صلاة القداس الإلهى تجتمع الكنيسة للصلاة لكى تتحد برأسها الحي المُمجد، الرب يسوع المسيح الذى سبق أن صُلب ثم قام وصعد إلى السموات. ففى صلاة القداس وخدمة الإفخارستيا تسعى الكنيسة بالصلاة لكى تتحقق حضور شخص المسيح المُقام والحي فى السماء، يتحقق حضوره بجسده ودمه لكى يتغذى به المؤمنون ويحيوا، ويتحدوا به وبالآب، هذا الاتحاد الذى هو غاية الحياة المسيحية كلها كما صلى المسيح فى صلاته الأخيرة قائلاً ” ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فىَّ ليكونوا مكملين إلى واحد ” (يو22:17،23). ولكى يتحقق حضور المسيح فى وسط الكنيسة بجسده ودمه، تصلى الكنيسة فى القداس الإلهى طالبة حلول الروح القدس على المؤمنين وعلى القرابين وهو ما يسمى “سر حلول الروح القدس ” أي صلاة لطلب حلول الروح القدس يصليها الكاهن سرًا والشعب كله ساجدًا والكاهن ساجدًا أمام الله وباسطًا يديه: “نسألك أيها الرب إلهنا.. ليحل روحك القدوس علينا وعلى هذه القرابين الموضوعة ويطهرها وينقلها ويظهرها قدسًا لقديسيك ” (27).

فالكنيسة تصلى وتطلب حلول الروح القدس عليها أي على المؤمنين ثم على القرابين أي الخبز والخمر لكى بحلول الروح القدس ينتقل الخبز والخمر ويصيران جسد المسيح ودمه. وبحلول الروح القدس، لا يحدث انتقال الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه فقط بل إن الروح القدس يُظهِر لنا نحن المؤمنين جسد المسيح ودمه فنرى ونعرف حضور المسيح بواسطة حلول الروح القدس علينا وإظهاره جسد المسيح ودمه لقلوبنا. وبدون الروح القدس لا نستطيع أن نرى المسيح فى وسطنا ولا يُظهِر لنا جسده ودمه.

ثم بتناولنا من جسد المسيح ودمه واشتراكنا فيه نتحد به فيفيض منه علينا وفينا ملء الروح القدس. وهذا ما يصلى لأجله الكاهن فى ” صلاة الخضوع للآب ” قائلاً “.. نسأل ونطلب من صلاحك يا محب البشر، لكى إذ طهرتنا كلنا تؤلفنا بك من جهة تناولنا من أسرارك الإلهية. لكى نكون مملوئين من روحك القدوس ثابتين فى إيمانك المستقيم، ممتلئين من شوق محبتك الحقيقية وننطق بمجدك كل حين، بالمسيح يسوع ربنا” (28).

إن الاتحاد بالمسيح “تؤلفنا بك” عن طريق التناول يفيض فينا لنكون مملوئين من الروح القدس. وهذا هو الهدف النهائى من طلب حلول الروح القدس، هو أن ننال بالاتحاد بجسد المسيح ملء الروح القدس، لأنه كما سبق أن ذكرنا أن الروح ينسكب دومًا من جسد يسوع بعد تمجيده منذ الصعود. فبعد التناول يرش الكاهن المياه، وهذه المياه هى إشارة إلى تدفق الروح القدس بملئه علينا بعد أن تناولنا. ولهذا يختم الكاهن القداس بصلاة الشكر التى يقول فيها ” فمنا امتلأ فرحًا ولساننا تهليلاً من جهة تناولنا من أسرارك غير المائتة يارب… ” هذا الفرح والتهليل هو النتيجة الطبيعية لانسكاب الروح علينا من المسيح. وبالروح اعلن لنا نحن الأطفال الصغار (كما تقول صلاة الشكر بعد التناول) “ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر”، اعلن لنا ملكوته ومجده بالروح القدس منذ الآن ونحن لا نزال فى الجسد.

وهذا الانسكاب لملء الروح فى صلاة القداس الإلهى يختبره كثيرون ويشعرون به شعورًا واضحًا عندما يكون الكاهن المصلى فى اتصال وخشوع ويقدم صلاة القداس لله بكل قلبه وكيانه فتتملك المؤمنين المشتركين فى القداس، حالة روحية غير عادية من الخشوع الممزوج بالفرح الغامر مع الاحساس بالوجود فى حضرة الله فعلاً كأنهم يعيشون فى السماء ” إذا ما وقفنا فى هيكلك المقدس نُحسب كأننا قائمون فى السماء “.

هذه الحضرة الإلهية التى تغمر المصلين هى نتيجة حلول الروح القدس بالصلاة وملؤه للكنيسة المصلية والطالبة للرب بكل القلب ” تطلبوننى فتجدوننى إذ تطلبوننى بكل قلوبكم ” (إر13:29). وقد رأينا بعض الكهنة وحضرنا معهم قداسات تتجلى فيها بوضوح هذه الحضرة الإلهية فتغير نفوس كثيرين وتجذبهم بقوة إلى حياة القداسة وتعزى وتبنى نفوس كثيرين من المؤمنين. وفى الحقيقة إن هذا هو المفروض فى صلاة القداس الإلهى، أن تكون هى مجال الاتصال الحي بين النفوس وبين الله الآب بالمسيح، اى مجال الشركة الحقيقية مع الآب والمسيح بواسطة حلول الروح القدس على الكنيسة وملئه لها بواسطة الصلاة.

الصلاة وقوة الخدمة:

الصلاة هى سر القوة فى الخدمة لأن القوة فى الخدمة هى قوة الروح القدس. وبالصلاة ننال قوة الروح وملئه فى حياتنا وفى خدمتنا. وبدون قوة الروح تكون خدمتنا ميتة لا تشبع نفسًا ولا تحيى ولا تغير ولا يكون فيها سلطان يأسر النفوس إلى محبة المسيح ومعرفته. وإن سر القوة التى ظهرت فى خدمة مدارس الأحد فى جيلها الأول إنما ترجع أساسًا إلى روح التكريس للمسيح التى كانت تملك قلوب الخدام، واهتمامهم الكبير بالصلاة الفردية وباجتماعات الصلاة التى كانوا يقضون فيها ساعات متواصلة فى الصلاة، فكانت مصدر قوة فى حياتهم وفى فاعلية خدمتهم بسبب أن الروح القدس يملأ الخدام فى فرص الصلاة الطويلة ويعمل فيهم بقوة للخدمة. ولا يزال إلى الان نفس القانون لم يتغير فلا توجد خدمة قوية حية فعّالة إن لم تكن مستندة على الصلاة أساسًا.

وأى خدمة ضعيفة أو ميتة، فهذا معناه عدم تكريس قلوب الخدام للمسيح وعدم الاهتمام بالصلاة والمواظبة عليها سواء فى المخدع على انفراد أو مع جماعة الخدام فى اجتماع الصلاة. فبدون الصلاة المخلصة وطلب الرب من كل القلب لا ننال مؤازرة الروح القدس وتأييده بملئه لنا، وهذه حقيقة أساسية ننبه لها أنفسنا مع الخدام والخادمات فى كل مكان لعل الروح القدس يتدفق بملئه وقوته فى نفوس الجميع لمجد المسيح وامتداد ملكوته فى القلوب.

الصلاة بالروح:

الصلاة وسيلة لملء الروح القدس أو كما يقول سيرافيم الشيخ هى أسهل الوسائل واكثرها فاعلية. ومن الجهة الأخرى فالروح القدس عندما يملأ الإنسان يعلمه ويعطيه الصلاة بالروح. وهذا ما يقوله الرسول بولس فى (رومية ص 8) ” الروح يعين ضعفاتنا. لأننا لسنا نعلم ما نصلى لأجله كما ينبغى ولكن الروح نفسه يشفع فينا بآنّات لا يُنطق بها “. ويميز القديس مقاريوس بين الصلاو باجتهاد وتغصب التى تكون بإيمان وانتظار من أجل نوال ملء الروح، وبين الصلاة التى تكون نتيجة مجيئ الروح وملئه.

فيقول إنه يجب على الإنسان أن ” يغصب نفسه إلى الصلاة إن لم تكن فيه الصلاة الروحانية… فيهب الله له صلاة الروح الحقيقية.. والروح ذاته يمنحه ويعلّمه الصلاة الحقيقية والمحبة الصحيحة والوداعة الحقيقية التى كان قبلاً يغصب نفسه إليها ويطلبها ويشتهيها… فلنجذب إذًا نفوسنا بالجزم إلى التواضع العقلى وإلى الوداعة والمحبة ونتوسل إلى الله ونتلمس منه بالإيمان بلا انقطاع وبانتظار ورجاء أن يرسل روحه إلى قلوبنا، حتى نصلى إلى الله ونسجد له بالروح والحق، والروح ذاته يصلى فينا (رو26:8،27) لعل الروح عينه يعلمنا الصلاة الحقيقية التى لا نقدر على تحصيلها الآن بالاغتصاب ” (29).

فبالصلاة ننال ملء الروح وعندئذ يصلى الروح فينا فنصلى لله ونسجد ونسبح ونعمل كل أعمال المسيح التى أوصانا بها بقوة الروح القدس أو كما يقول يهوذا أخو الرب “ابنوا أنفسكم على إيمانكم الأقدس مصلين فى الروح القدس” (يهوذا20). إننا نصلى فى الروح القدس حقًا عندما يملأنا الروح فى الصلاة فيعلمنا الصلاة الحقيقية بل يصلى فينا موحدًا إيانا بالمسيح نحو الآب فى اتصالنا به كبنين بالحق. وهذه الصلاة بالروح هى نفس ما قصده سيرافيم الشيخ عندما قال: “علينا أن نصلى إلى أن يحل الروح القدس علينا.. ويملأنا من نعمته السماوية، وإذا زارنا علينا أن نتوقف عن الصلاة الصوتية ونصمت أمامه لكى تسمع النفس وتفهم رسالته “.

إن الروح القدس عندما يملأ الإنسان بواسطة الصلاة يصلى هو فى الإنسان بعد ذلك ويقوده وينيره للسجود والتسبيح بالروح والحق، وهذا هو عربون حياة التسبيح والفرح والتمجيد للثالوث القدوس التى هى طبيعة الحياة فى الملكوت الآتى.

5 ـ استقامة القصد:

الشرط الخامس لنوال ملء الروح القدس هو استقامة القصد أو الهدف الذى من أجله نطلب ملء الروح. لأنه لا يمكن أن يملأنا الروح القدس إن كان هدفنا من طلبه يتعارض مع الغرض الذى من أجله جاء الروح القدس. والروح القدس جاء لكى يمجد المسيح ” ذاك يمجدنى ” (يو14:16)، فإن كنا نطلب الروح او نشتهى الملء لكى نتمجد نحن فى أعين أنفسنا أو فى أعين الناس، كأن نصير ذوى شهرة أو كرامة روحية فلا يمكن أن يملأنا الروح القدس، لابد أن يكون هدفنا من كل حياتنا هو مجد الرب يسوع والآب بقوة الروح القدس، ينبغى أن تكون شهوتنا وطعامنا أن نعمل مشيئة الآب ونطيع الرب يسوع وأن نثبت فيه وفى وصيته فإن الله يعطى الروح القدس للذين يطيعون يسوع (أع32:5).

يلزم أن يكون قصدنا هو قصد الروح القدس ـ تمجيد المسيح وليس تمجيد ذواتنا. ولعل هذا ما قصده القديس أنطونيوس بقوله ” اطلبوا باستقامة قلب هذا الروح النارى وحينئذ يُعطى لكم ” وأيضًا ” بل اطلبوا باستقامة قلب وأنتم تقبلونه… فغنه يعطى لكم، لأن ذلك الروح يسكن فى القلوب المستقيمة “. فالقديس أنطونيوس يؤكد على استقامة القلب فى نوال الروح النارى.

ينبغى أن نكون منفتحين لله بلا حواجز إن رغبنا فى الامتلاء ” أفغر فاك فاملأه ” (مز10:81)، وينبغى أن نتحرر من التعصب لذواتنا أو لأى شئ، ومن ضيق القلب، وأن ونفتح ذواتنا للروح بكل حرية حتى يملأنا أو كما يقول القديس أمبروسيوس ” أفتح أبوابك للمسيح لكى يأتى إلى داخلك.. ولا تفتح فقط أبوابك للمسيح بل ارفعها أيضًا… فحينما ترفع أبوابك حينئذ سيأتى المسيح فى داخلك مع الآب ممجدًا أعلى من السموات ومن كل الأشياء، لكى يرسل عليك روحه القدوس ” (30).

الملء بالروح له بداية وليس له نهاية:
من اكبر الأخطاء أن نتصور أن الامتلاء من الروح القدس معناه الوصول إلى النهاية فإن ملء الله ليس له نهاية. فنحن يمكن حقًا أن ندخل فى ملء المسيح فنمتلئ ولكن هذا ليس معناه أن دخولنا فى الملء يعنى أننا قد اخذنا كل الملء وهنا ينبغى أن ننبه إلى خطأ يقع فيه البعض، إذ عندما يتذوقون بداية عمل الروح القدس فى حياتهم بالتوبة وتجديد الحياة أو عندما ينالون تعزية وفرحًا غامرًا فى الصلاة يظنون أنهم أخذوا كل الملء. حقًا إننا حينما نمتلئ بالروح نرتوى ونشبع كما وعد الرب من “يشرب من الماء الذى أعطيه أنا لن يعطش إلى الأبد ” أي نرتوى بالرب ونشبع به فلا نعطش إلى العالم.

 

ولكن بداية ارتوائنا لا تعنى كل الملء لأن بداية اختبارنا لقوة الروح معناها أننا بدأنا نعرف مصدر الشبع والارتواء، وينبغى أن نزداد ونمتد فى الشرب من الرب يسوع لكى نكون دائمًا وبازدياد شباعى ممتلئين. وكما ذكرنا أن وصية ” امتلئوا بالروح ” معناها كونوا باستمرار مملوئين بالروح فالذى يتذوق قوة الروح بتكريس القلب والإيمان فى الصلاة عليه أن يمتد ويواصل الصلاة لكى ينسكب فيه ملء الروح على الدوام، وبازدياد يمتد مدى الحياة ويستمر الامتداد فى الأبدية نفسها لأننا بالروح القدس سنتغير لنكون مثل المسيح عند مجيئه، وبالروح القدس سنُزف إلى المسيح فى عرسه للاتحاد الكامل به.

ونجد فى رؤيا حزقيال (حز1:47ـ5) اعلانًا واضحًا عن ملء الروح وازدياده درجات متوالية، وتوضيح عن إنسكاب الروح القدس وفيضانه إلى أن يكون كنهر سباحة لا يمكن عبوره. وقد فسر آباء الكنيسة رؤيا حزقيال 47 عن المياه الخارجة من تحت عتبة البيت والتى صارت تزداد فى الرؤيا إلى أن أصبحت نهرًا لا يُعبر بأن هذه المياه هى الروح القدس الذى قال عنه المسيح ” من آمن بى تجرى من بطنه أنهار ماء حي ” (يو38:7)، فيقول حزقيال: ” وإذا بمياه تخرج من تحت عتبة البيت… وإذا بمياه جارية من الجانب الأيمن وعند خروج الرجل نحو المشرق والخيط بيد قاس ألف ذراع وعبرنى فى المياه والمياه إلى الكعبين. ثم قاس ألفًا وعبرنى فى المياه والمياه إلى الركبتين. ثم قاس ألفًا وعبرنى والمياه إلى الحقوين. ثم قاس ألفًا وإذا بنهر لم استطع عبوره لأن المياه طمت مياه سباحة نهر لا يعبر “.

فمياه الروح تتدفق من تحت عتبة هيكل الله الحي أي جسد المسيح ـ الكنيسة ـ لأن الروح القدس ينكسب بملئه من المسيح الرأس فى الكنيسة جسده. وإذ نخرج وراء الرب ونخطو أول خطوة بقدمينا فى الماء أي نقدِّم نفسنا بالتكريس القلبى والطاعة مُسلّمين ذواتنا لقيادة الروح القدس ليطهرنا ويقدسنا فإنه يفيض بملئه علينا إلى الكعبين. وهذا هو بداية الملء وليس نهايته، إنه بداية الغمر فنتيجة فيض الروح نبتدئ أن نسلك بالروح (القدمين أو الكعبين). ولكن المياه تستمر فى التدفق إلى أن تصل إلى الركبتين (الركوع) وهذا ازدياد فى الملء، به يقوم الإنسان بخدمة الصلاة والتسبيح بالروح، والتضرع لأجل الآخرين بقوة الروح.

 

أما ازدياد المياه إلى الحقوين فهذا يشير إلى التمنطق بقوة وسلطان الروح فى الخدمة والشهادة فتتدفق أنهار الماء الحي إلى الآخرين ” تجرى من بطنه أنهار ماء حي “. فتشبع وتؤثر وتجذب الآخرين إلى المسيح بقوة الروح. أما الوصول إلى نهر السباحة الذى لا يُعبر فهو إنسكاب ملء الله بشكل يفوق الوصف ويكون الإنسان كالسّباح الذى يحمله مجرى النهر ويكون حمل المياه له اقوى جدًا مما لو سار فى المياه برجليه، لأن قوة تدفق النهر وجريانه تكون معه وتحمله حسبما يشاء الروح. وهكذا فإن تدفق ملء الروح يبدأ بكمية ماء صغيرة ولكن علينا أن نخطو الخطوة الأولى أي الطاعة والتكريس القلبى لكى نتابع الخطوات الأخرى فى مجرى الروح الذى لا حدود لتدفقه. ومن الخطا أن نتصور أن بداية اختبارنا لقوة الروح فى حياتنا الشخصية هى كل ملء الروح.

ومن الجهة الأخرى ينبغى أن ننتبه إلى أن الامتلاء من الروح القدس معناه أن الإنسان يكون مضبوطًا بالروح أو مملوكًا للروح وليس العكس، فالذى يمتلئ بالروح حقًا، فإن الروح يضبطه تمامًا ويسيّره لأنه سلّم قيادة نفسه وعقله وإرادته تمامًا للروح القدس، فيعمل الروح فيه وبه أعمال المسيح. فالإنسان المملوء بالروح هو مملوك للروح، إذ يكون تحت تصرف الروح تمامًا وليس الروح هو الذى يكون تحت تصرفه. الروح يمتلكنا بملئه لنا لتتميم مشيئة الآب الصالحة المرضية الكاملة، لتحقيق المحبة الكاملة “ليكون فيهم الحب الذى احببتى به ” (يو26:17).

وفى الختام إننا بكل اتضاع ندعو كل مؤمن مُعمّد نال الروح القدس فى المعمودية أن يسعى لنوال ملء الروح لكى يتحقق قصد الآب من مجيئ ابنه فى الجسد وهو أن تجهز العروس ليوم الاتحاد بالمسيح فى عرسه عند مجيئه الثانى من السماء.
” الروح والعروس يقولان تعال ومن يسمع فليقل تعال ومن يعطش فليأتِ، ومن يرد فليأخذ ماء حياة مجانًا ” (رؤ17:22).
أمين. تعال أيها الرب يسوع.

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) القديس يوحنا ذهبى الفم: شرح إنجيل يوحنا: عظة78.
(2) ذهبى الفم: شرح إنجيل يوحنا: عظة 51.
(3) القديس أمبروسيوس شرح الإيمان المسيحى ك4 ف2.
(4) القديس باسيليوس الكبير: على الروح القدس فصل 26.
(5) يتحدث القديس مقاريوس الكبير عن هذا الجزء من رسالة أفسس فيقول ” إنه يطلب إلى أولئك الذين حسبوا أهلاً أن يتقبلوا روح الموعد فى المعمودية، ويستحثهم على السعى فى التقدم… ورغبة منه فى أن يعبر بأكثر وضوح عن شركة الروح وإقتنائه يستطرد مبينًا النموذج الكامل لهذه العطية: ” حسب عمل شدة قوته الذى عمله فى المسيح إذ أقامه من الأموات ” لكى تنالوا أنتم الملء حسب قوة روحه ” [عن الخطاب الكبير للقديس مقاريوس].
(6) القديس أنطونيوس: الرسالة 18 عن ترجمة الفيلوكاليا.
(7) عن الخطاب الكبير للقديس مقاريوس.
(8) الراهب الشيخ سيرافيم ساروفسكى.Mystical Theology P. 229 by V. Lossky.
(9) عظة 19 للقديس مقاريوس الكبير.
(10) عظة 19 للقديس مقاريوس الكبير.
(11) أحاديث القديس مرقس الناسك ـ فقرة 13 ـ عن الفيلوكاليا.
(12) أحاديث القديس مرقس الناسك ـ فقرة 16 ـ عن الفيلوكاليا.
(13) القديس مقاريوس ـ عظة 2.
(14) القديس مقاريوس الكبير عظة 18.
(15) القديس مقاريوس الكبير عظة 18.
(16) مثل أهل السامرة فى أعمال 17:8
(17) القديس أنطونيوس الرسالة السابعة.
(18) عظات القديس مقاريوس الكبير 1:19،2.
(19) عظات القديس مقاريوس الكبير عظة 19.
(20) القديس أثناسيوس الرسولى: الخطاب الفصحى رقم 20 N.& P.N. Fathers Vol.IV , p.548.
(21) عظات القديس مقاريوس الكبير عظة 19.
(22) ,, ,, ,, ,, عظة 18.
(23) القديس أنطونيوس الكبير ـ الرسالة الثامنة.
(24) عظات القديس مقاريوس عظة 8:19
(25) أنظر كتاب “لهيب فى سوط الثلوج” حياة القديس سيرافيم
(26) المرجع السابق.
(27) قداس القديس باسيليوس الكبير (أوشية حلول الروح القدس).
(28) المرجع السابق ( صلاة الخضوع للآب ).
(30) القديس أمبروسيوس أسقف ميلان: الإيمان المسيحى ك 4 ف 2.(29) القديس مقاريوس الكبير: عظة 19.ساروفسكى، للقمص ويصا السريانى نشر مكتبة المحبة فبراير 1975م وأُعيد طبعه فى سنة 1996م.

الامتلاء من الروح القدس – الصليب والمعمودية والامتلاء من الروح القدس 

عطية الروح القدس – الصليب والمعمودية والامتلاء من الروح القدس

عطية الروح القدس – الصليب والمعمودية والامتلاء من الروح القدس 

عطية الروح القدس – الصليب والمعمودية والامتلاء من الروح القدس

عطية الروح القدس – الصليب والمعمودية والامتلاء من الروح القدس 

تدبير المسيح وتدبير الروح القدس:

لكى يكمل الله محبته وخلاصه العجيب لنا أرسل أولاً: ابنه الوحيد يسوع المسيح إذ صار إنسانًا كاملاً مولودًا من الروح القدس ومن العذراء القديسة مريم. وتمم الله أبونا الصالح مصالحتنا معه بتقديم يسوع المسيح ابنه ذبيحة على الصليب من أجل خطايانا. وبعد ما حمل خطايانا فى جسده على الخشبة ومات بسببها، قام من بين الأموات فى اليوم الثالث غالبًا الخطية والموت وإبليس الذى تسلط على البشرية بالخطية وبالموت.

وبقيامة المسيح اعلنت الحياة الأبدية فى جسد بشرى واعطانا الله بداية الحياة الجديدة، بداية الخليقة الجديدة فى شخص يسوع القائم من بين الأموات كما يقول معلمنا بطرس الرسول: ” الله حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حي بقيامة يسوع المسيح من الأموات ” (1بط3:1).

وبعدما قام المسيح حيًا بمجد الآب صعد إلى السموات وجلس عن يمين الآب فى مجده الذى لا يُوصف الذى هو نفسه مجد الآب. وبهذا تم تدبير المسيح الابن بالجسد لأجل خلاصنا وتتميم مصالحتنا مع الآب.

ولكن قبل أن يمضى المسيح من العالم إلى الاب، قبل أن يُنهى أيام خدمته على الأرض لأجل الخلاص وعد التلاميذ أنه عندما يذهب إلى الآب سيرسل إليهم معزيًا آخر ليمكث معهم إلى الأبد.

” إن كنتم تحبوننى فاحفظوا وصاياى وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد روح الحق الذى لا يستطيع العالم أن يقبله لنه لا يراه ولا يعرفه وأما أنتم فتعرفونه لأنه يمكث معكم وسيكون فيكم. لا أترككم يتمامى إنى آتى إليكم ” (يو14:14،15).

ويؤكد الرب يسوع نفسه للتلاميذ أهمية مجيئ المعزى الروح القدس بقوله” لكن أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق لأن إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ولكن إن ذهبت أرسله إليكم ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة.. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق.. ذاك يمجدنى لأنه يأخذ مما لى ويخبركم ” (يو7:16،8،13،14).

وهكذا يعلن لنا المخلص تدبير الروح القدس أو مجيئ الروح القدس المعزى لكى يكمل تدبير الخلاص الذى عمله المسيح بصلبه وقيامته ويقول عنه الرب إنه المعزى الآخر الذى يمكث معكم إلى الأبد، أى معزيًا مثل المسيح ولكنه معزى يمكث معنا ويكون فينا إلى الأبد، لا يتركنا كما فارقنا المسيح بإختفائه عن عيوننا الجسدية وصعوده إلى السماء. ولم يكن ممكنًا أن يبدأ تدبير الروح القدس أى يجيئ الروح القدس المعزى إلى الكنيسة قبل أن يتم تدبير المسيح نفسه أى تتميمه للخلاص بالصليب والقيامة، إذ يقول الرب “إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى”، إذ: “إنه بعد ما تمم التطهير بذبيحة نفسه حينئذ أشرق الروح القدس عليهم ولكن لماذا لم يأتِ الروح القدس والمسيح معهم؟. ذلك لأن الذبيحة لم تكن قد قدمت ولكن بعد ذلك حينما أُبطلت الخطية بذبيحته وكانوا مقبلين على مواجهة أخطار العالم صارت الحاجة إلى مجيئ الروح الذى يمسح” {القديس يوحنا ذهبى الفم}. وهكذا نجد أن الرب يسوع قد ترك لتلاميذه وعدًا صريحًا بإرسال الروح القدس أو بمحيئ المعزى. أى الروح القدس نفسه بعد صعوده وقد أسماه المسيح موعد الآب (يو49:14، أع4:1).

تحقيق الوعد يوم الخمسين:

واستمرار يوم الخمسين فى الكنيسة:

بعد صعود المسيح اعتكف التلاميذ مع العذراء القديسة مريم فى العلية مواظبين معًا بنفس واحدة على الصلاة والطلبة فى انتظار مجيئ المعزى حسب وعد المسيح الذى أوصاهم بأن ينتظروا موعد الآب. وفى اليوم الخمسين لقيامته أرسل المسيح الروح القدس من عند الآب وحلّ على الرسل وعلى الجماعة التابعة ليسوع، مثل ألسنة نار منقسمة على كل واحد منهم. وملأهم من كل معرفة وكل فهم وكل حكمة روحية كوعده الصادق.

ومنذ ذلك اليوم ـ يوم الخمسين ـ جاء المعزى الروح القدس وأقام فى الكنيسة وسكن فيها سكناه وإقامته الأبدية تتميمًا لوعد المسيح إنه “يمكث معكم إلى الأبد ـ يمكث معكم ويكون فيكم” لذلك فإن يوم الخمسين لا يزال مستمرًا أى حضور المعزى الروح القدس، ولا تزال الكنيسة تعيش وتحيا وتصلى وتخدم وتبشر وتعمد وتقيم سر الإفخارستيا وكل أوجه حياتها وأعمالها بالروح القدس الذى حلّ يوم الخمسين، إذ لا يزال هذا المجيئ مستمرًا ولا يمكن أن ينقطع أو يتوقف لأن المسيح قال إنه “يمكث معكم إلى الأبد” ولهذا نجد أن كنيستنا الأرثوذكسية تطلب حلول الروح القدس فى كل عمل من أعمالها وفى كل صلاة من صلواتها وكل طقس من طقوسها وكل سر من أسرارها، تطلبه لكى يتجدد فعله وقوته ويتجدد حضوره فى كل مؤمن اعتمد للمسيح وتطلب حلوله على كل مادة للتقديس سواء كانت ماءًا أم زيتًا أم خبزًا وخمرًا.. إلخ. فروح يوم الخمسين ـ الروح القدس المعزى ـ هو الذى تحيا به الكنيسة الأرثوذكسية فهو روحها، الذى يعلن لها وفيها سر المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات وهو الذى يعلن شخص المسيح المخلص لكل عضو يتحد فيها بالمعمودية والذى يعلن للمؤمنين معرفة الآب والابن “لأنه لا يستطيع أحد أن يقول أن يسوع رب إلاً بالروح القدس” (1كو3:12).

ولا يستطيع أحد أن يعرف الآب إلاّ الابن يسوع المسيح ومن أراد أن يعلن له. ويسوع يعلن الآب فى قلوب الذين يؤمنون به يعلنه بالروح القدس حتى بروح التبنى ينادون الآب أبًا لهم” وبما أنكم أبناء (بالإيمان والمعمودية) أرسل ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب (غل6:4). فالروح القدس هو روح الاعلان الذى يعلمنا ويعلن لنا سر الثالوث القدوس الذى يفوق الفهم. والكنيسة الأرثوذكسية بسبب أصالة إيمانها الرسولى تعلم المؤمنين أن يطلبوا حلول الروح القدس يوميًا فى الصلاة: فى صلاة الساعة الثالثة (التاسعة صباحًا) وهى ساعة حلول الروح القدس على التلاميذ يوم الخمسين “أيها الملك السمائى المعزى روح الحق.. هلم تفضل وحلّ فينا”. وتكرر الكنيسة طلب حلول الروح القدس الذى حل على التلاميذ يوم الخمسين فى كل ليلة 3 مرات فى صلاة نصف الليل. ونفس هذه الصلاة “أيها الملك االسمائى المعزى” نجدها عند إخوتنا الروم الأرثوذكس يفتتحون بها جميع الصلوات فى الكنيسة.

وكل من يعيش عبادة الكنيسة الأرثوذكسية بقلبه وروحه وعقله فإنه يدرك على الفور أن الكنيسة الأرثوذكسية هى كنيسة الروح القدس بلا منازع، التى يحتل فيها الروح القدس صميم القلب وصميم العمق فى كل شئ تمارسه الكنيسة.

وهى التى تؤمن فى أسرارها وممارستها باستمرار إنسكاب الروح الذى بدأ يوم الخمسين، فعّالاً ومتجددًا فى كل يوم إلى أن يأتى العريس المسيح فيكون الروح القدس قد جهز العروس أى الكنيسة بكل تبررات القديسين لتزف العروس أى المؤمنين المنتظرين لمجيئ الرب ـ إلى العريس السماوى فنتحد به فى عرسه الأبدى فى مجد لا يوصف، هو مجد لاهوته غير المنطوق.

المعمودية ونوال عطية الروح القدس:

بعد أن حلّ الروح القدس يوم الخمسين وقف بطرس الرسول مع الأحد عشر فى وسط الجمع الذى تجمهر وصار يكلمهم عن آلام الرب يسوع وقيامته من الأموات وعن ارتفاعه إلى يمين الله ” وإذ ارتفع بيمين الله وأخذ موعد الروح القدس من الآب سكب هذا الذى أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه ” (أع33:2). فلما سمعوا عظة بطرس نُخسوا فى قلوبهم وسألوا ماذا يفعلون فقال لهم بطرس ” توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس لأن الموعد هو لكم ولأولادكم ولكل الذين على بعد…” (أع28:2،29).

فهنا نرى أن موعد الروح القدس الذى أخذه المسيح بصعوده إلى يمين الآب وسكبه يوم الخمسين على الرسل هو نفسه الذى يناله كل من يتوب ويعتمد على اسم يسوع المسيح إذ يقول بطرس توبوا وليعتمد كل واحد منكم.. فتقبلوا عطية الروح القدس. ويستمر فى حديثه ليوضح أن عطية الروح القدس التى تعطى لمن يعتمد باسم يسوع هى نفسها موعد الروح القدس الذى سكبه المسيح فى يوم الخمسين إذ يقول لهم ” لأن الموعد هو لكم ولأولادكم… ” وواضح أن الموعد هنا هو عطية الروح القدس إذ يقول قبلها ” فتقبلوا عطية الروح القدس لأن الموعد ” أى تقبلون عطية الروح لأن موعد الروح القدس هو للجميع لكل من يتوب ويعتمد باسم يسوع وليس فقط للرسل والتلاميذ يوم الخمسين.

لهذا فالرسل عندما كانوا يكرزون بالمسيح، كانوا يعمدون الذين يؤمنون ويتوبون باسم الرب يسوع وكانوا يضعون أيديهم عليهم بعد المعمودية مباشرة لينالوا عطية الروح القدس وهذا نراه بكل وضوح عندما ذهب بطرس ويوحنا إلى السامرة إذ صليا لأجهم لكى يقبلوا الروح القدس بعد أن اعتمدوا باسم الرب يسوع حينئذ وضعا الأيادى عليهم فقبلوا الروح القدس (أع15:8ـ17).

وفى حادثة رجال أفسس الذين عمدهم بولس باسم الرب يسوع ثم وضع اليد عليهم فحلّ الروح القدس (أع5:19،6)

وهكذا فإن المعمودية باسم المسيح ارتبطت بعطية الروح القدس فالذى يعتمد للمسيح أى يدفن مع المسيح ويقوم معه فى المعمودية إنما يتم له هذا بفعل الروح القدس وعمله لنوال غفران الخطايا وتطهير الحياة وتجدديها بالروح القدس ولهذا نرى الرسول بولس يقول لأهل كونرنثوس ” لأننا جميعًا بروح واحد أيضًا اعتمدنا إلى جسد واحد.. وجميعنا سقينا روح واحد ” (1كو13:12).

وهكذا نرى ان المعمودية بالروح القدس ليست شيئًا آخر غير المعمودية باسم الآب والابن والروح القدس التى فيها ندفن ـ بالتغطيس فى الماء مع المسيح أى نعتمد لموته بالروح القدس الذى يشركنا فى موت المسيح وصلبه وينقل إلينا ـ بخروجنا من الماء ـ شركة قيامة المسيح. فالروح القدس هو الذى يجعلنا متحدين مع المسيح فى موته وقيامته والمسيح نفسه هو الذى يرسل الروح القدس فى المعمودية لكى يعمدنا المسيح بالروح القدس إذ هو وحده الذى يعمد بالروح القدس (يو33:1).

وبعد أن نعتمد بالروح القدس فننضم إلى جسد المسيح ونصير أعضاء فيه فإن المسيح يسقينا نفس الروح القدس الواحد الذى به نعتمد فى المعمودية. فالروح القدس يحلّ من المسيح ليسكن فى كل مؤمن يعتمد لموت المسيح وقيامته ويصير المؤمن المُعمد هيكلاً للروح القدس باتحاده بالمسيح فى المعمودية.

الروح القدس ووضع اليد:

ومن بعد عصر الرسل وحتى الآن لا يزال المسيح المرتفع والمُمجد فى يمين الآب يعمد بالروح القدس ويعطى الروح القدس بوضع اليد الرسولية عن طريق الأساقفة خلفاء الرسل(1) وذلك بعد الخروج من مياه المعمودية إذ يُمسح المُعمد بمسحة الروح القدس على جبهته أولاً(2) ثم باقى أعضاء جسمه.

ولا يوجد فى سفر أعمال الرسل أن الروح القدس كان يُعطى

للمؤمنين بوضع أيدى رجال عاديين أو نساء إنما كان الروح القدس يُعطى بالصلاة ووضع أيدى الرسل وتلاميذ الرب. وهذا يتضح من حادثة إيمان أهل السامرة وتعميد فيلبس الشماس لهم باسم الرب يسوع، ولكنه لم يستطع أن يضع يديه عليهم ليعطيهم الروح القدس فلما جاء إليهم الرسولان بطرس ويوحنا مرسلين من قبل الرسل فى أورشليم صليا لأجلهم ليقبلا الروح القدس… ” حينئذ وضعا الأيادى عليهم فقبلوا الروح القدس ” (أع14:8ـ17). وهنا يقول القديس كيرلس الأسكندرى: إنه ليس لأحد ولا حتى الرسل السلطان الشخصى إعطاء الروح القدس فهذا هو سلطان الرب يسوع وحده ويقول إن الرسل عندما ذهبوا لأهل السامرة لم يعطوهم الروح القدس بسلطان شخصى ولكنهم صلوا أى طلبوا من المسيح أن يرسل الروح القدس على أهل السامرة وبعد ذلك وضعوا عليهم الأيادى فقبلوا الروح القدس.

 

لذلك فمن الخطا الشديد أن يتصور أحد رجل كان أو إمرأة أن فى سلطانه أن يعطى الروح القدس للآخرين بوضع يديه فهذا إدعاء خطر وكبرياء مكشوف إذ أن سلطان إعطاء الروح القدس هو خاص بالرب يسوع وحده الذى شهد عنه الآب قائلاً ليوحنا المعمدان ” الذى ترى الروح نازلاً ومستقرًا عليه فهذا هو الذى يعمد بالروح القدس ” (يو33:1) ولذلك فلا يحق لأحد مهما كان يظن أنه مملوء من الروح القدس أن يقول إنه يستطيع أن يسلم الروح القدس للآخرين فهذا حق مُطلق للرب يسوع وحده الذى يسكب الروح القدس حسب وعده على كل الذين يطيعونه (أع32:5).

 

 

التوبة والمعمودية وتجديد الروح القدس:

عندما تحدث بطرس الرسول يوم الخمسين إلى الجموع التى نخسها مناخس الروح القدس قال لهم أنهم لكى ينالوا عطية الروح القدس يلزم أن يتوبوا ويعتمد كل واحد منهم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا (أع38:2). والتوبة وتغير الحياة أمر ضرورى ولازم فى جميع الأحوال لأجل تطهير الحياة من الخطية وتجديد عمل الروح القدس فى القلب ففى حالة الذين يعتمدون كبارًا لابد من توفر الإيمان الحي بالمسيح وقبوله والاعتراف به وكذلك لابد من توفر التوبة وتغير الفكر وتغير إتجاه الحياه من محبة الخطية ومحبة العالم والرجوع بقلب صادق إلى المسيح المخلص لنوال نعمته وخلاصه ونوال عطية الروح القدس. حتى أن القديس كيرلس الأورشليمى يحذر الموعوظين من التصور الخاطئ الذى قد يطرأ على عقولهم وهو التصور بنوال النعمة وقبول الروح فى المعمودية بدون التوبة ” لقد أُعطيت لكم أربعين يومًا فرصة للتوبة: وصار لكم فرصة كاملة لكى تخلعوا شكلكم السابق وتغتسلوا من كل نجاسة وتلبسوا ثوب العفة البهى. ولكن إن ظللت على قصدك الشرير، فالذى يكلمك ليس مسئولاً، إنما لا ينبغى أن تنتظر الحصول على النعمة: لأنك حينئذ ستنزل فى الماء ولكن الروح لن يقبلك، وإذا اتخذت دور المرائى فبالرغم من أن الناس سيعمدونك الآن لكن الروح القدس لن يعمدك. وأى واحد منكم يشعر بجرحه فليسرع إلى تضميد جرحه وإذا كان أحد ساقطًا فليقم… فإن اقتربت بإيمان فإن الروح القدس يهبك ما هو غير منظور رغم أن الناس يخدمون فيما هو منظور ” (3).

 

أما فى حالة كل من اعتمد فى طفولته فإن الروح يدعوه ويناديه بلسان بطرس الرسول ولسان آباء الكنيسة وكهنتها وخدامها أن يتوب ويرجع بكل قلبه إلى المسيح الذى صلب من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا ـ يناديه أن يقبل المسيح المخلص المصلوب لأجله قبولاً شخصيًا ويتوب مسلمًا قلبه وحياته للمخلص المحب الذى باسمه اعتمد فى طفولته ودفن معه فى المعمودية لكى يعيش بعد ذلك فى جدة الحياة. إن الروح القدس الذى عمل فى المعمودية هو الذى يعمل فى القلب للتوبة فيبكت على خطية كما قال الرب يسوع نفسه ” ومتى جاء المعزى يبكت على خطية ” (يو8:16). وهكذا فإن الروح القدس يكشف للنفس محبة المسيح الفادى على الصليب ويوبخ القلب على ابتعاده وعدم إيمانه. والذى يسمع نداء الروح ويقبل فإن الروح القدس يجدد حياته بالتوبة. وبالإيمان يكشف له مجد الرب يسوع فيتعرف على المسيح ويعرفه معرفة شخصية ويصبح المسيح بالنسبة للإنسان التائب ليس إلهًا قديمًا كان يعيش فى الماضى البعيد على الأرض بل يصير المسيح بالنسبة إليه شخصًا حيًا حقيقيًا يستطيع الإنسان أن يحبه ويثق برعايته ومحبته وقدرته ويستطيع أن يسلّم له كل الحياة لكى ” لا يعيش هو فيما بعد بل يحيا المسيح فيه “. أو باختصار فإنه يعرف تمامًا وبطريقة يقينية وأكيدة أن يسوع هو الرب، وهذا من عمل الروح القدس فى المؤمن لأنه ” لا يستطيع أحد أن يقول أن يسوع رب إلاّ بالروح القدس” (1كو3:12). وكما قال المسيح نفسه ” متى جاء المعزى… روح الحق فهو يشهد لى ” (يو26:15). ويكون هذا هو اختبار المعمودية والإيمان اختبار الموت والقيامة مع المسيح. هو نفس الاختبار ولكنه يتحقق بطريقة محسوسة نشعر بها فى قلوبنا بالتوبة والإيمان والصلاة. ولهذا وجدنا بعض الآباء القديسين يتكلمون عن التوبة ” كمعمودية ثانية “ وهذا ما قاله أيضًا مجمع قرطاجنة فى القرن الرابع إذ بالتوبة يتجدد فعل الروح القدس الذى حصلنا عليه أولاً فى المعمودية. يقول القديس أنطونيوس ” لأن الروح القدس المعزى المأخوذ فى المعمودية يعطينا العمل بالتوبة ليردنا ثانية إلى رئاستنا الأولى ” (4). لذلك فعندما تحدث التوبة الصادقة والرجوع القلبى إلى المسيح تنسكب فى القلب عطية الروح القدس من جديد، الروح القدس نفسه الذى حلّ فينا بالمعمودية وكان متعطلاً لعدم التوبة فعندما يستجيب القلب لنداء التوبة ويرجع الإنسان ويتطهر يظهر فيه تجديد الروح القدس الكامن فيه ويبدأ الإنسان يعيش حياة جديدة بقوة الروح القدس، هى حياة المسيح القائم من الأموات.

هذا هو الروح القدس نفسه الذى حلّ على التلاميذ فى يوم الخمسين وسكن فينا نحن بالمعمودية والمسحة، لذلك تعلمنا الكنيسة أن نصلى كل يوم إلى المسيح فى صلاة الساعة الثالثة طالبين أن لاينزع من روحه القدوس الذى أرسله على تلاميذه القديسين ” لكن جدده فى أحشائنا، قلبًا نقيًا أخلق فىَّ يا الله وروحًا مستقيمًا جدده فى أحشائى “. وتكرر الطلب مرة أخرى فى القطعة الثانية: ” روحك القدوس هذا الذى أرسلته على تلاميذك القديسين… لا تنزعه منا أيها الصالح لكن نسألك أن تجدده فى أحشائنا… روحًا مستقيمًا ومُحييًا روح البنوة والعفة. روح القداسة والعدالة والسلطة أيها القادر على كل شئ… “.

وهكذا تعلمنا الكنيسة أن نسعى بالإيمان ونصلى بالقلب الخاضع التائب طالبين تجديد الروح القدس فينا لأننا بدون قوة الروح القدس وفاعليته

المحيية فينا لا يمكننا أن نعيش فى جدة الحياة وفى القداسة التى تليق بأولاد الله الذين اعتمدوا للمسيح.

لذلك فبكل اتضاع ومحبة من المسيح نتوجه إلى قلب وضمير كل قارئ. إلى كل أخ وكل أخت من أبناء المعمودية ونتوسل إلى كل واحد أن يراجع نفسه ويسألها هل تعيش الآن متمعًا بعطية الحياة الجديدة التى وهبها لك المسيح فى المعمودية. أم انت تعيش متغربًا عن موعد المسيح أى عطية الروح القدس، رغم أنك قد تكون بحسب الشكل والظاهر موجود فى الكنيسة وقد يكون لك عمل أو نشاط فيها؟

ولكن الظاهر والشكل لن يفيد شيئًا إن لم نعش بإيمان حى ونعرف المسيح بالحق فى قلوبنا ونسلم له حياتنا وقلبنا وكل ما فينا ولنا واثقين من حبه وفدائه لنا الذى تبررنا به، ونعيش ممسكين بشخص الرب يسوع بإيمان قلوبنا. فيسكب فينا الحياة الجديدة وسلام أبناء الله العميق، السلام الذى تركه المسيح لنا عندما قال قبل أن يبارح العالم بالجسد: “سلامى أترك لكم سلامى أعطيكم ليس كما يعطى العالم اعطيكم أنا، لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب ” (يو27:14).

وهكذا عندما تعيش الحياة الجديدة التى فى المسيح فإنك تستطيع أن تشترك مع الكنيسة الحية بالمسيح فى الوليمة السماوية التى يقيمها المسيح لأحبائه إذ يعطيهم جسده ودمه لكى يتحدوا به ويحيوا، لأنك حينما تختبر التوبة وتسلك فى جدة الحياة فإن الكاهن حينما يراك ويعرف توبتك ويسمع اعترافك فإنه سيدرك صدق توبتك واستعدادك للشركة فى مائدة الرب فتدخل لتتذوق عربون عرس الحمل ويمتلئ “فمك فرحًا ولسانك تهليلاً بسبب تناولك من الأسرار غير المائتة” (أنظر صلاة الشكر التى يقولها الكاهن بعد التناول)، ويفيض الروح القدس عليك وعلى كل الكنيسة بسبب اتحادك بجسد المسيح الحي الذى لا يكف الروح عن التدفق منه على كل الذين يفتحون قلوبهم ليقبلوه، ويمتلئوا منه. وهذا التدفق هو ما تشير إليه الكنيسة برش المياه فى ختام القداس الإلهى بعد التناول من الأسرار المقدسة.

الروح القدس وعطية البنوة:

المسيح ابن الله بسبب مجيئه فى الجسد واتحاده بالبشرية ” الكلمة صار جسدًا وحلّ فينا ” (يو14:1)، وهب للإنسان بالإيمان به أن يصير ابنًا لله “جميعكم أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع ” (غل26:3). ويوضح الرسول أننا نصير أبناء الله بالإيمان، فبعمل الروح القدس وحلوله علينا فى المعمودية، نلبس المسيح ابن الله “لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح ” (غل27:3). وكل من يلبس المسيح ابن الله فإنه يصير باتحاده بابن الله ابنًا لله. وهذه العطية أى عطية البنوة تُوهب بفعل الروح القدس الذى يعطيه المسيح للمؤمنين به إذ هو روح التبنى ” أخذتم روح التنبى الذى به نصرخ يا أبا الاب، الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله، فإن كنا أولادًا فإننا ورثة أيضًا ورثة الله وشركاء المسيح فى الميراث “(رو15:8ـ17). ” أرسل الله ابنه مولودًا من إمرأة… ليفتدى الذين تحت الناموس لننال التبنى، ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا ياأبا الاب. إذًا لست بعد عبدًا بل ابنًا وإن كنت ابنًا فوارث الله بالمسيح ” (غل4:4ـ7).

ويشهد القديس أثناسيوس لحقيقة نعمة البنوة العظيمة التى وُهبت للإنسان بمجيئ المسيح وعطية الروح القدس قائلاً ” الكلمة صارجسدًا لكى يجعل الإنسان مؤهلاً للاهوت.. فنحن لسنا أبناء الله بحسب الطبيعة ولكن الابن الذى هو ساكن فينا هو ابن الله بالطبيعة وكذلك أيضًا فإن الله ليس أبانا بالطبيعة ولكنه أب بالطبيعة للكلمة الذى فينا، الذى فيه (أى فى الابن) وبسببه نصرح يا أبا الآب. وهكذا بنفس الطريقة فإن الآب ينادى كل من يرى فيهم ابنه الخاص ويدعوهم أبناء ويقول لكل منهم ” أنا ولدتك ” لأن الولادة هى الأمر الذى يميز الابن، وأما الخلق فهذا خاص بالمخلوقات.. ولذلك فإننا لا نولد أولاً بل نُخلق أو كما هو مكتوب ” لنخلق الإنسان ” ولكن فيما بعد ـ أى بعد خلقتنا ـ حينما نقبل نعمة الروح القدس يقول عنا الكتاب حينئذ إننا مولودون أيضًا (5) “.

وهكذا فإن كل من يؤمن بالمسيح ويعرفه بالحق يعرف أنه لابس للمسيح بالمعمودية وبالتالى فإن المسيح فيه ولذلك فهو ابن حقيقى لله والروح القدس يصرخ فى قلبه بدالة ابن ويعلمه أن ينادى الآب أبًا له.

أيها العزيز، هذه العطية ـ عطية البنوة ـ هى هبة المسيح لك بالروح القدس فى قلبك فهل تعيش فيها وتتمتع بها وتمارسها بالصلاة ؟  

هذه البنوة التى وهبها لنا الآب بالمسيح بعمل الروح القدس وسكناه فينا هى ما يسميه الكتاب شركة الطبيعة الإلهية. لأن قدرته الإلهية قد وهبت لنا كل ما للحياة والتقوى بمعرفة المسيح الذى دعانا بمجده وفضل نعمته لكى بواسطة المواعيد العظمى والثمينة التى وهبها لنا نصير شركاء الطبيعة الإلهية هاربين من الفساد الذى فى العالم بالشهوة (انظر2بط3:1ـ4).

ويعلمنا القديس أثناسيوس اننا ننال هذه الشركة بالروح القدس إذ يقول: [إننا بالروح القدس نشترك كلنا فى الله لأنه يقول ” أما تعلمون أنكم هيكل 

الله وروح الله يسكن فيكم “… وإن كنا بالاشترك فى الروح القدس نصبح شركاء الطبيعة الإلهية فإنه من الجنون أن نقول إن الروح القدس له طبيعة مخلوقة لا طبيعة الله، لأن الذى فيهم الروح القدس تصبح لهم الطبيعة الإلهية على هذا الأساس. وإن كان الروح القدس يجعل الناس شركاء الطبيعة الإلهية فلا شك طبيعته طبيعة إلهية ] (6).

ولكن الشركة فى الطبيعة الإلهية التى هى نوال البنوة بالمسيح لا تعنى كما قد يُظن أن الإنسان المؤمن المُعمد أصبح من نفس جوهر الله، فهذا لا يصدق على أحد إلاً ابن الله الوحيد يسوع المسيح الذى هو من ” جوهر الآب مولود غير مخلوق ” كما نعترف فى قانون الإيمان. أما نحن كما يقول القديس اثناسيوس فإننا لسنا أبناء الله بالطبيعة. وهذا هو الفرق بين الأبناء الكثيرين الذين أتى بهم الآب ليصيروا إخوة للمسيح، وبين المسيح نفسه ابن الله الوحيد.

ولكن كما يقول القديس أثناسيوس إن الله يدعو كل مؤمن يرى فيه المسيح ابنًا له ويقول له “أنا ولدتك”، إذًا فبالمسيح ابن الله الذى فينا نكون نحن أبناء الله. ويصير لنا كل ما للمسيح. وكل ما للمسيح الابن بالطبيعة يوهب لنا بالنعمة. ونستطيع أن نقول مع يوحنا الرسول “أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أبناء الله.. والآن نحن أولاد الله ولم يظهر بعد ماذا سنكون ولكن نعلم إذا أُظهر نكون مثله (أى مثل المسيح) لأننا سنراه كما هو وكل من عنده هذا الرجاء به يطهر نفسه كما هو طاهر” (1يو1:3ـ3).

أيها الجبيب إن كنت تعيش بالإيمان الحي فى المسيح المُعطى لك بمقتضى المعمودية التى اعتمدتها باسم المسيح فإنت ابن لله أو ابنة لله.

ليس فى هذا أى كبرياء بل هذا هو الميراث الذى وهبه لنا المسيح بالروح القدس فى المعمودية. وبدون يقين البنوة والأحساس بالبنوة فإننا لا نستطيع أن نقترب إلى الله كآب لنا. ولا نستطيع أن نصلى صلاة البنين لأن العبد لا يبقى فى البيت كما يقول المسيح وبدون نعمة البنوة لا يحق لنا أن نشترك فى قداس القديسين أى قداس المتناولين فهؤلاء هم أبناء الله فقط. كما يعلن الكاهن فى القداس قبل التناول ” القدسات للقديسين “. وأبناء الله هم الذين بسبب اشتراكهم فى الطبيعة الإلهية أى فى طبيعة المسيح الحي المُمجد الغالب الخطية والموت، بسبب اشتراكهم فيه ونوالهم طبيعته الظافرة المنتصرة فإنهم كما يقول الرسول بطرس يهربون من الفساد الذى فى العالم بالشهوة (2بط4:1).

إن عطية البنوة بالروح القدس لا تجعلنا نتكبر بل إن فضل نعمة الله الفائقة وعطيته المجانية التى لا نستحقها تجعلنا نتضع جدًا شاعرين بنعمته السخية المتفاضلة جدًا التى لا نستحقها بالمرة. وحتى فى تعاملنا مع الناس لا نستطيع أن نتعالى عليهم بسبب نعمة البنوة والشركة فى الطبيعة الإلهية فهى فضل ونعمة من الله وليست استحقاقًا وجدارة. ولكننا لا نستطيع أن ننكر النعمة التى أعطيت لنا بل لابد أن نشهد للإله الذى أحبنا وأعطانا أن نصير أولاد الله مستعدين دائمًا لمجاوبة كل من يسألنا عن سبب الرجاء الذى فينا بوداعة وخوف (1بط15:3). وبسبب رجائنا الذى نشهد له ونجاوب عنه هو المسيح الذى فينا بالروح القدس.

الروح القدس والارشاد:

من علامات البنوة لله الإنقياد بروح الله ” لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله” (رو14:8). فالذى يعيش بروح الله ويسلك بالروح فهو من أبناء الله. فالروح القدس كما وعد المسيح يرشدنا إلى جميع الحق لأنه يأخذ مما للمسيح ويخبرنا (يو13:16،14). أى يرينا ويكشف لنا حتى نسلك ونفكر ونتصرف بحسب إرشاد الروح. والروح القدس يعلّم أولاد الله ويرشدهم لمعرفة أسرار المسيح، أسرار ملكوت الله، يعلن لهم الآب ويعطيهم معرفته ومعرفة المسيح أيضًا. هذه المعرفة التى هى نفسها معرفة الثالوث القدوس، معرفة الآب والابن والروح القدس. هى ليست معرفة مادية نظرية، بل معرفة الاختبار الحي بارشاد الروح القدس وإعلانه للقلب إذ يأتى الآب والمسيح بالروح القدس ويصنعون فينا منزلاً(7). هذه هى معرفة الروح القدس الحقيقية التى أنعم بها المسيح علينا كما نصلى فى القداس الغريغورى. هذه المعرفة التى يقول عنها يوحنا الرسول ” وأما أنتم فالمسحة التى أخذتموها منه ثابتة فيكم ولا حاجة بكم أن يعلمكم أحد بل كما تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شئ وهى حق وليست كذب، كما علمتكم تثبتون فيه ” (1يو27:2).

فالروح القدس يعلن لنا ربوبية المسيح فى قلوبنا فنعلنه ونعترف به ربًا وإلهًا ومخلصًا، مصلوبًا ومقامًا لأجلنا، وهذا هو أساس الإيمان بالمسيح. وهو الذى يرشدنا إلى جميع الحق أى إلى كل ما يتصل بالخلاص والحياة الأبدية وكل أمور ملكوت الله وعمل الله فى كنيسته وفى الخليقة كلها.

والروح القدس لا يرشد فقط إلى الحق المتعلق بأمور الإيمان وأسراره ولكنه يرشد إلى الحق فى السلوك أيضًا. وهذا ما قصده الرسول فى رومية14:8 عندما قال ” لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله “. لأنه يتحدث عن السلوك والحياة حسب الروح، وإماتة أعمال الجسد بقوة الروح القدس. ” لأنه إن عشتم حسب الجسد فستموتون ولكن إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون ” (رو13:8). فالروح القدس يرشد المؤمن ويحثه لكى يسلك حسب المسيح ـ أى بحسب وصايا يسوع ـ أى حسب الإنسان الجديد الذى لبسه فى المعمودية خالعًا الإنسان العتيق. وكون الروح القدس يرشدنا ويعلمنا ويقودنا فى الإيمان والسلوك، فهذا لا يعنى أننا لا نحتاج إلى ارشاد المرشدين وتوجيه الآباء الروحيين لأننا فى أمور كثيرة يمكن ان ننخدع بدوافع جسدية ذاتية ويختلط علينا الأمر: هل الصوت الذى فى قلوبنا هو من ذواتنا أم من الروح القدس. ونحتاج بكل تأكيد إلى المرشد أو الأب الذى يرشدنا بالروح القدس ويساعدنا على السير بلا عثرة ـ بحسب وصايا الإنجيل ـ فى الطريق الروحى وهنا تظهر أهمية الاعتراف والارشاد الروحى الذى استلمناه فى تقليد الكنيسة منذ عصور قديمة حسب وصية الإنجيل ” أطيعوا مرشديكم واخضعوا لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم كأنهم سوف يعطون حسابًا لكى يفعلوا ذلك بفرح لا آنين لأن هذا غير نافع لكم ” (عب17:13).

مواهب الروح:

حينما انسكب الروح القدس على الكنيسة يوم الخمسين وسكن فيها حسب وعد المسيح وشح الكنيسة بالمواهب المتعددة للعبادة وللكرازة وهذا كان تحقيقًا لوعد الرب الذى أعطاه للتلاميذ عندما أوصاهم أن ” يذهبوا إلى العالم أجمع ويكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها “.. فبعدما أوصاهم بالكرازة أعلن لهم وعده الصادق قائلاً: ” وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين باسمى ويتكلمون بألسنة جديدة يحملون حيات وإن شربوا سمًا مميتًا لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون ” (مر17:16،18). فهذا الوعد تحقق بمجيئ الروح القدس يوم الخمسين على التلاميذ والكنيسة كلها. ويخبرنا سفر أعمال الرسل والرسائل المختلفة عن المواهب التى ظهرت فى الرسل وفى كثيرين من المؤمنين غير الرسل، نتيجة سكنى الروح نفسه وعمله فيهم، وعمله بهم لتمجيد اسم يسوع فيهم، والاعلان عن شخصه الفادى المخلص، وإظهار مجده وسلطانه وتمجيد الآب وتسبيحه وتعظيم اسمه وذلك فى وسط الكنيسة وأيضًا أمام العالم غير المؤمن خارج الكنيسة لأجل إجتذاب النفوس البعيدة وإدخالها إلى حظيرة ملكوت الله بقوة الروح القدس.

وهكذا منذ يوم الخمسين وعلى مر العصور أعطى الروح القدس الساكن فى الكنيسة مواهب متنوعة لأعضائها قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء (الروح). فالبعض أعطاهم الروح كلام حكمة، والبعض أعطاهم كلام علم ومعرفة واستنارة، والبعض إيمان فائق وثقة شديدة، والبعض موهبة النبوة أى الوعظ الروحى بسلطان فائق، كاشف للضمائر والقلوب، أو الإنباء بمشيئة الله وقصده. وفى بعض حالات موهبة النبوة أعطى لبعض القديسين نبوات عن المستقبل. وتاريخ الكنيسة القديم والحديث فيه عينات كثيرة من هذه الموهبة.

وأعطى الروح للبعض أن يكونوا مبشرين، وأعطى البعض أن يكونوا رعاة ومعلمين، والبعض موهبة التدبير، والبعض الآخر مواهب شفاء، والبعض إخراج شياطين، والبعض عمل قوات. كما أعطى البعض موهبة تمييز الأرواح. والبعض أعطاهم أنواع ألسنة والبعض ترجمة ألسنة… هذه المواهب كلها أعطاها الروح الساكن فى الكنيسة لأجل بنيان جسد المسيح، لأجل عمل الخدمة. فتزداد المواهب أو تنقص من عصر إلى عصر بحسب قوة الكنيسة أو ضعفها روحيًا، أو بمعنى آخر بحسب مقدار تجاوبها مع روح المسيح عمليًا وإنقيادها له وإخلاصها لقصده ومشيئته. ولكن المواهب لم تنقطع حتى إن كانت قد نقصت فى بعض العصور أو شحت جدًا فى عصور كثيرة. لأن الروح فى جميع الأحوال ظل ويظل سكانًا ومقيمًا فى الكنيسة أى فى مؤمنيها الذين هم هيكل الله الحي.

 

والروح عندما يُظهر المواهب فى بعض المؤمنين فلا تكون الموهبة عن استحقاق أو قداسة أكثر. إذ أن المواهب هى هبات مجانية يهبها الروح لمن يشاء أن يعطيه: ” قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء ” (1كو11:12)، أى كما يشاء الروح لا كما يشاء الإنسان أو يستحق. فوجود المواهب فى الشخص ليس دليلاً على القداسة الفردية. ولكن هذا ليس معناه أن الروح يعطى مواهبه لأشخاص ليس لهم إيمان بالمسيح وليس لهم صلة أو ارتباط به. فنحن نرى فى أهل كورنثوس مثالاً واضحًا لوجود المواهب رغم أنهم لم يكونوا كاملين فى أذهانهم. والرسول يوبخهم كثيرًا بسبب وجود الخصام والحسد والانشقاق فيهم.

فالهدف الذى من أجله يعطى الروح القدس، المواهب الروحية هو بنيان الجماعة ونمو المؤمنين فى النعمة وتكميلهم فى الإيمان، وامتداد إنجيل الخلاص بالمسيح وانتشاره فى وسط العالم. لذلك فلا يحق لأى إنسان نال موهبة خاصة من الروح القدس أن يفتخر على غيره أو يتعالى على إخوته، لأن الموهبة إنما أعطيت له لأجل خدمة الآخرين وبنيانهم بالمحبة وتعزيتهم. ومن يفتخر بموهبة نالها، إنما يسئ إلى المسيح الذى يعلمنا أن ننكر ذواتنا ونجحدها ونخدم الآخرين ونغسل أرجلهم. وقد نبهنا الرب يسوع نفسه أن فرحنا وسعادتنا لا تكون بالمواهب التى يعطيها لنا لتمجيده، بل أن يكون فرحنا بكتابة أسمائنا فى السموات. فعندما رجع السبعون إليه بفرح قائلين: ” يارب حتى الشياطين تخضع لنا باسمك ” قال لهم: ” ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شئ. ولكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم بل افرحوا بالحرى أن أسماءكم كتبت فى السموات ” (لو19:10،20).

لذلك فالسعى لطلب المواهب الروحية ينبغى أن يكون هدفه الوحيد هو تمجيد المسيح فى كنيسته وليس لأجل مجد شخصى ولا للافتخار الذاتى وإرضاء رغبات النفس. لذلك فالسعى والإلحاح الشديد لنوال المواهب وخصوصًا من الأشخاص الذين لم يدعهم الروح لحمل مسئولية الخدمة والكرازة، يمكن أن يكون انحرافًا خطيرًا قد يُفسد الإيمان ويوقع الإنسان فى خطر الكبرياء والتباهى.

ينبغى أن يكون عطش المؤمن الشديد هو إلى إرضاء الرب وتمجيده بالسلوك فى الطاعة الكاملة وقداسة الحياة والتواضع والمحبة من قلب طاهر بشدة بحسب وصية المسيح. وحينما تكون غاية الإنسان وشهوته الوحيدة هى تمجيد إلهه ومخلصه فى كل شئ، وليس تمجيد ذاته، فيمكنه أن يطلب أن يهبه الله مواهب الروح حسبما يشاء الروح نفسه. ويطلب المواهب التى تبنى إخوته وتكون لخيرهم ونموهم، وليس لمجرد أن يتعزى هو ويفرح بنفسه أو بموهبته.

تعريف الذات مع ابن الإنسان

يسوع هو الله لفظاً

انجيل توما

مختصر تاريخ ظهور النور المقدسهل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل

ــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(1) يقول القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة (200 ـ 258م) ” الرسولان بطرس ويوحنا صليا لأجل اهل السامرة وطلبا إنسكاب الروح القدس عليهم، ووضعا عليهم الأيادى، هكذا الذين يعتمدون فى الكنيسة، يحضرون إلى كهنة الكنيسة وبواسطة صلواتنا ووضع أيادينا ينالون الروح القدس ويختمون بختم الرب ” (رسالة 73).

(2) قرر آباء مجمع القسطنطينية المسكونى الثانى (سنة381) ” أننا نقبل الذين يرجعون إلى الأرثوذكسية بأن يختموا أى يُمسحوا بالزيت المقدس أولاً على جباههم، وعيونهم وأنوفهم وأفواههم وآذانهم “، وعندما نختمهم نقول ” ختم موهبة الروح القدس ” القانون السابع للمجمع المسكونى الثانى.

(3) كيرلس الأورشليمى ـ تعاليم للموعوظين ـ المقدمة فقرة 4 وعظة 36:17.

(4) القديس أنطونيوس الكبير الرسالة السابعة.

(5) أثناسيوس ضد آريوس 95:2.

(6) رسائل القديس أثناسيوس عن الروح القدس ص 62،63.

(7) يقول القديس أثناسيوس أن ” الثالوت يكون فينا. فعندما يعطى لنا الروح القدس يصبح الله فينا،… فعندما يكون الله فينا يكون الابن أيضًا فينا لأن الابن نفسه قال ” الآب وأنا نأتى وعنده نصنع منزلاً ” (رسائل أثناسيوس عن الروح القدس الرسالة الأولى فصل 19،20).

عطية الروح القدس – الصليب والمعمودية والامتلاء من الروح القدس 

حياة المسيح فينا – الصليب والمعمودية والامتلاء من الروح القدس

حياة المسيح فينا – الصليب والمعمودية والامتلاء من الروح القدس 

حياة المسيح فينا – الصليب والمعمودية والامتلاء من الروح القدس

حياة المسيح فينا – الصليب والمعمودية والامتلاء من الروح القدس 

الصليب والمعمودية:

” الله بيّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا ” (رو8:5).

إن موت المسيح على الصليب يمثل بالنسبة لنا أمران فى غاية الأهمية لخلاصنا:

الأمر الأول: هو أنه حمل عنا خطايانا فى جسده إذ مات بسببها، وهذا يكشف لنا عمق محبة الله لنفوسنا لأنه أرسل ابنه ليصير إنسانًا وينوب عنا فى حمل لعنة الخطية ودينونتها على الصليب. الله لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين (رو32:8) وكل هذا لكى نعرف نحن البشر أن الله يحبنا ويريدنا ويريد خلاصنا وحياتنا لنحيا معه وفيه إلى الأبد ” هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية ” (يو16:3).

الله يعلن محبته للإنسان من على صليب المسيح وينادى كل إنسان لكى يقبل المحبة المعلنة فى موت المسيح، ويأتى ويقبل المسيح فاديًا لنفسه ويؤمن بعمل الله لأجله ومحبته له كما تظهر فى صليب المسيح. إن الله يدعو كل إنسان للمصالحة، ” لأن الله كان فى المسيح مصالحًا العالم لنفسه غير حاسب لهم خطاياهم ” (2كو19:5). والمسيح الفادى المصلوب ينادى الإنسان، ينادى قلوب كل البشر ” تصالحوا مع الله “، إذ هو بصليبه وسيط المصالحة. وبدون قبول نداء المسيح الذى يرسله بالروح القدس العامل والناطق فى الكنيسة فإن الإنسان لا ينال الحياة والغفران والخلاص.

الأمر الثانى: إنه بصلب المسيح قد تم صلب طبيعتنا القديمة أى إنساننا العتيق ” عالمين هذا إن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليبطل جسد الخطية كى لا نعود نُستعبد أيضًا للخطية ” (رو6:6) ففى الصليب تنتهى الخليقة الأولى. فى الصليب ينتهى الإنسان الأول وليس فقط ننال غفرانًا لخطايانا. فى الصليب قد تم صلبنا مع المسيح ومن قبر المسيح ظهرت حياة جديدة وخليقة جديدة، ظهرت بقيامة المسيح من الأموات. وهذا هو الأساس الذى عليه تقوم المعمودية: إننا فى المعمودية ندفن مع المسيح للموت أى يدفن إنساننا العتيق لكى نخرج من المياه مشتركين فى قيامة المسيح لنسلك فى الحياة الجديدة التى ظهرت أولاً فى قيامة المسيح نفسه رأس الخليقة الجديدة ” فدُفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أُقيم المسيح من الأموات هكذا نسلك نحن أيضًا فى جدة الحياة ” (رو4:6).

فعلى الصليب لم يحمل المسيح عنا خطايانا فقط ـ هذا الحمل الذى هو أساس الغفران ـ بل كان المسيح يحمل فى جسده كل البشرية ولذلك لما صُلب ومات صُلبنا نحن فيه ومعه رغم أننا لم نكن قد وجدنا كأفراد بعد. وهذا ما يعلنه لنا الإنجيل، إننا نرى فى الصليب فاديًا يقدم لنا الغفران مجانًا بسفك دمه عن كل البشر. ولكننا أيضًأ نرى فيه طبيعتنا وذواتنا محكوم عليها بالصلب والموت. فحينما مات المسيح على الصليب مت أنا معه. وكل من يؤمن بموت الرب يسوع وقيامته ينبغى ايضًا أن يؤمن أنه قد مات بموت المسيح أو مات معه. وهذه هى الحقيقة التى تعلن عنها الكنيسة فى المعمودية. فى المعمودية يشترك كل واحد شخصيًا فى موت المسيح وقيامته. وفى المعمودية ننال هذه الإمكانية بفعل الروح القدس أى إمكانية الموت مع المسيح فعلاً. موت إنساننا العتيق ثم قيامتنا مع المسيح، أو قيامة المسيح فينا أو ظهور حياة المسيح فينا عن طريق موت الإنسان العتيق. وحياة المسيح فينا التى ننال إمكانيتها وبذرتها بالمعمودية هى قوة الحياة الجديدة التى نسلك بها كأولاد الله فى هذا العالم. وبدون هذه القوة قوة حياة المسيح الغالبة للخطية والموت لا نستطيع أن نعيش فى القداسة وجدة الحياة.

هذا الإيمان بالصليب والمعمودية ضرورة أساسية حتى نعيش حياة النصرة، حياة القداسة التى هى الحياة والسلوك حسب الروح.

هذا الإيمان وهذه الثقة تأتى أولاً من المعرفة، ” عالمين هذا إن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليبطل جسد الخطية كى لا نعود أيضًا نُستعبد للخطية ” وهنا نجد أن الرسول بولس يتكلم عن معرفة نعرفها أو نعلمها عن صلب إنساننا العتيق مع المسيح على الصليب وعن دفننا معه بالمعمودية للموت ” أم تجهلون إننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته فدفنا معه بالمعمودية للموت… ” (رو3:6ـ6).

وهذه المعرفة تقدمها الكنيسة لكل مُعمّد أو لكل موعوظ يرغب فى الدخول إلى ملكوت الله وهذا ماتزال الكنيسة تمارسه فى طقس جحد الشيطان والاعتراف بالمسيح إذ يعلن الموعوظ (أو الأشبين فى حالة الطفل) انفصاله عن مملكة الشيطان. مملكة الظلمة والخطية وذلك ناحية الغرب، ثم يتجه ناحية الشرق ويعلن قبوله للمسيح واعترافه به إلهًا ومخلصًا وبأعماله المخلصة التى تعطى الحياة للإنسان ويتعهد بطاعة وصايا المخلص. كل هذا يعرفه الموعوظ ويتعهد به جهرًا أمام الكنيسة قبل أن يُدفن مع المسيح فى مياه المعمودية ليقوم مع المسيح فى حياة جديدة هى حياة المسيح القائم من الأموات. هذه المعرفة هامة جدًا إذ هى قبول خبر الإنجيل والإيمان به كما قال الرب نفسه ” إكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن ” (مر16:16).

ولذلك ففى حالتنا نحن الذين اعتمدنا أطفالاً ننال هذه المعرفة بواسطة سماع كلمة التعليم والوعظ فى الكنيسة أو قراءة الإنجيل لتصل إلى قلوبنا هذه المعرفة التى نستطيع بها، إن صدقناها وآمنا بعمل المسيح لأجلنا، وآمنا بالحياة التى أعطاها لنا الروح القدس فى المعمودية، أن نتيقن بعد ذلك تمامًا أننا قد متنا ودفنا مع المسيح ونستطيع اعتمادًا على ما فعله المسيح لأجلنا بصلبه وقيامته، ثم على ما فعله فينا بالمعمودية بقوة روحه القدوس أن نعيش ونتصرف بعد ذلك حاسبين أنفسنا ” أمواتًا عن الخطية ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا ” (رو11:6).

وهنا يلزم أن نوضح إن هذه المعرفة ليست معرفة عقلية نظرية ولكنها اعلان روح الله القدوس لقلوبنا لكى يستطيع كل منا أن يرى نفسه مصلوبًا مع المسيح حقيقة ومدفونًا معه ثم يرى المسيح حيًا فى داخله ” مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىَّ ” (غل20:2).

إننا كثيرًا ما نسعى ونحاول أن ندخل أنفسنا فى المسيح كأننا لم نوجد فيه مع إن الله قد وضعنا فى المسيح وضمنا إلى جسده بالمعمودية والإيمان كما يقول الرسول بولس ” لأننا جميعًا بروح واحد اعتمدنا إلى جسد واحد ” (1كو13:12) أى نحن دخلنا فى جسد المسيح وأصبحنا فيه بالمعمودية وهذا هو معنى “اعتمدنا إلى جسد واحد”، ونحتاج أن نؤمن حقًا ونكتشف أننا موجودون فى المسيح حتى نطمئن ونثق بقوة الحياة الجديدة التى دخلت فينا. وبقوة هذه الحياة ـ حياة المسيح ـ نحسب بالإيمان أنفسنا أمواتًا عن الخطية فنعيش بقوة المسيح غالبين الخطية، أو بالأحرى حياة المسيح فينا هى التى تغلب الخطية، والمسيح نفسه هو الذى يجاهد فينا ومعنا لنكمل القداسة.

لذلك نحتاج أن نصلى إلى الله من كل قلوبنا طالبين أن يكشف لقلوبنا هذا الحق: أى موتنا مع المسيح وقيامتنا معه، أن نصلى من أجل نوال الاستنارة بالروح القدس. كما يقول الرسول لأهل أفسس بعد ان آمنوا بالمسيح وختموا بالروح القدس (أف13:1)، يقول: “لكى يعطيكم الله روح الحكمة والاعلان فى معرفته مستنيرة عيون أذهانكم لتعلموا ما هو رجاء دعوتكم.. وما هى عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته الذى عمله فى المسيح إذ أقامه من الأموات..” فهنا يصلى الرسول لأجلهم ـ وليتنا نصلى معه من أجل نفوسنا لأجل نوال روح الاعلان لتستنير عيوننا الداخلية ـ أى قلوبنا ـ فنعرف لماذا دعانا المسيح لنؤمن به ولنعتمد باسمه ولنكتشف عظمة قدرة الله الفائقة والمتجهة إلينا لتعمل فينا العمل الذى تم وكمل بقيامة المسيح. ولذلك يكمل الرسول قائلاً “ونحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح وأقامنا معه.. بالنعمة أنتم مخلصون..” (أف17:1ـ20،أف5:2ـ8). هذا العمل الإلهى هو عمل الله فينا وليس لنا أى استحقاق فيه ونحن نقبله بالإيمان فى المعمودية. إذ ينقل إلينا الروح القدس قوة قيامة المسيح بالدفن مع المسيح والقيامة معه فى المعمودية.

لهذا يقول الرسول فى رسالته إلى تيطس ” ولكن حين ظهر لطف الله مخلصنا وإحسانه لا بأعمال فى بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثانى (أى بحميم المعمودية) وتجديد الروح القدس الذى سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلصنا ” (تى4:3ـ6) فالعطية المعطاة لنا من الله فى المعمودية هى نعمة مجانية من لطف الله وإحسانه الذى ظهر بمجيئ المسيح وصلبه وقيامته وإنسكاب الروح القدس بغنى. وبقوة هذه العطية الموهوبة لنا فى المسيح بالمعمودية نستطيع أن نعيش الحياة الجديدة سالكين فى القداسة والأعمال الصالحة التى خُلقنا فى المسيح لكى نسلك فيها (أف10:2).

هذا هو الحق الذى نصلى إلى الله لكى يكشفه لقلوبنا ولقلوب الجميع حتى نعيش به وبقوته غالبين الخطية والموت بقوة الروح القدس الذى أسكنه المسيح فى قلوبنا، لكى يخبرنا بكل ما للمسيح، لكى يتمجد المسيح فى حياتنا ” ذاك (الروح القدس) يمجدنى لأنه يأخذ مما لى ويخبركم ” (يو4:16).

حياة المسيح فينا – الصليب والمعمودية والامتلاء من الروح القدس

أعمالنا الجسدية واليومية: هل الله طالبنا أن نتخلى عن حياتنا الجسدية ؟

سلام في الرب
هناك الكثيرين في عدم نضوج روحي وبلا إدراك واعي للمقاصد الإلهية في حياتهم الشخصية، يندفعون حينما يسمعون عن حياة بعض القديسين الذين تخلوا عن حياتهم الجسدية ليصبحوا رهباناً أو مكرسين لله الحي، أو كارزين.. الخ، أو بكون هناك مصاعب في حياتهم الشخصية العئلية أو وسط المجتمع عموماً، فأنهم بهذا التأثر يتسرعون في نذر أنفسهم لله ويتخلون عن حياتهم الأرضية بالتمام ليعتكفوا باقي أيام عمرهم في الصلاة أو تقديم الخدمة، وهذا كله قبل أن يمكثوا عند قدمي المخلص في مخادعهم مصلين في الروح القدس منتظرين أن يسمعوا دعوة الله لهم وطريقة خدمتهم التي يريدها منهم، لأن عادةً المستعجل برجليه يُخطئ، والدعوة الإلهية دائماً ما تأتي في وقتها حسب مسرة مشيئة الله وتدبيره لتلك النفس، أما الترك والتخلي فهو يأتي حسب نداء الله وطلبه من النفس، وليس حسب فكر الإنسان بحجة أنه يتخلى عن الأرضيات والفانيات، لأن مثلاً لو أن الأرضيات غير مهمة فلماذا نأكل ولماذا نشرب ولماذا نلبس !!! ولماذا أعطانا الله النباتات وغيرها لكي نأكل ونشرب ونسدد حاجات الجسد الطبيعية !!!

هناك قصة آبائية حلوة توضح معنى كلامي:
[ أتى أحد الآباء الرهبان المتقشفين – صباحاً – لدير والتقى بالأب الروحي ونظر ووجد الرهبان يعملون بجد ونشاط في الزراعة والخبيز وغيرها من أعمال البناء … الخ الخ .. فبكتهم على أنهم يقضون وقت طويل في كل ما يخص الجسد ويسعون للعالم الفاني وطلب منهم أن يعملوا للطعام الباقي لأجل ملكوت الله، وبعد نهاية حديثة وتبكيته لهم، قال للأب الروحي أنه يريد مكان ينفرد فيه ليُصلي ويقرأ، فأرشده أب الدير لمكان يختلي فيه في قلاية أحد الإخوة افرغوها له خصيصاً …
مر وقتاً طويلاً جداً إلى أن انتهى النهار وجاع هذا الأب الراهب أخيراً لأنه أتى من سفر طويل ولم يأكل منذ أن غادر ديره الذي يعيش فيه، فالتقى بالأب الروحي وسأله قائلاً:
ألم يأكل الإخوة في الغذاء، فرد الأب الروحي وقال: أكلوا
وقال الأب الراهب للأب الروحي، ألم يأكلوا في العشاء أيضاً، فرد الرب الروحي وقال: أكلوا
فقال للأب الروحي: إذن فلماذا لم يستدعيني أحد لآكل معكم
فقال له الأب الروحي: أنت رجل روحاني لا تعمل لأجل الطعام الفاني للجسد ولا تهتم بتسديد احتياجاته لأنك ارتقيت فوق هذا المستوى الضعيف؛ أما نحن فجسديون لم نصل بعد لمستوى قامتك الروحية فأكلنا …
فندم الأب وطالب من الأب الروحي الصفح والغفران لأنه لم يتعلم بعد ويحتاج أن يتعلم ]

هذه القصة توضح لكل من بتسرع ويحكم على أعمال الجسد الطبيعية بالخطأ ويسعى أن يتخلص منها ويبكت من يفعلها كأنها هي من تفصلنا وتبعدنا عن الله الحي وبها تتعثر حياتنا الروحية، لأن الأعمال الجسدية بالروح القدس تتقدس وتصير أعمالاً لأجل تمجيد الله القدوس الحي، وبخاصة ان كانت تؤدى بإتقان وبكل إخلاص وأمانة، والله لم يطالب من الإنسان أن يتخلى عن دراسته أو جميع احتياجاته الأرضية بحجة الخدمة، أو تحت مسمى التخلي عن الأرضيات والفانيات، هذا كلام لا يصح أن يُقال إطلاقاً، لأن كل عمل يُصب في المعرفة، وكل معرفة في النهاية تُصب في عمل الله وتمجيد اسمه القدوس، فلو تخيلنا لو المؤمن الحي بالله لم يتعلم أي علم يخص الأرضيات، من علوم متنوعة ومختلفة، فكيف ينمو العالم وتتوسع المجتمعات، وأين الأطباء والمهندسين والتجاريين، والذين في روضة الأطفال والمحامين الذين يدافعون عن المظلوم وغيرهم … الخ الخ، أليست هذه كلها خدمات ممكن تُستغل في الخدمة وتكون لأجل تمجيد اسم الله وخدمة الكنيسة !!!

ولو تخيلنا مثلاً طالب في طب وانشغل في الخدمة وترك المذاكرة بحجة أنه تخلى عن الأرضيات لأجل السماويات، فمن أين لفقير أن يبحث عن دكتور محباً لله يخدمه بالمجان ويعالجة ويساعده، أليست المذاكرة وزنة من الوزنات التي سنحاسب عليها أيضاً، وألم نقرأ عن الأغنياء الذين يعيلون أسر وينقذوهم من الجوع والتشرد، وألم نرى مهندسين يبنون كنائس لنصلي بها، أو دار أيتام أو دار مسنين أو بيوت للفقراء والعجزة، ألم نرى محامين دافعوا بكل قوتهم عن الفقراء المظلومين، ألم نرى المدرسين الذين يخدمون غير المتعلمين ويعلموهم، ألم نرى زراعيين وفلاحين يخدمون الأرض ويزرعون لأجل أن يعينوا الجوعى، ألم نرى المصممين للملابس الذين يعملون على كساء الفقراء … الأمثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى … وياترى أليس هذا كله عمل لأجل تمجيد اسم الله وأعظم من تضيع الوقت بحجة الخدمة !!! ]


فهل أحد فينا يظن أن الله يطالب بالتخلي عن واجبتنا الأساسية، أم أنها حقل حلو لتمجيد اسمه القدوس، وهل القديس بولس تخلى عن دراسته ومعرفته التي تربى بها أم أنها توجهت بالروح القدس وخدم بها أعظم خدمه، وهل الآباء الذين درسوا وتعلموا تخلوا عن دراستهم أم أكملوها وتتمموها بكل أمانة…
عموماً 
وبكل هذه الأمثلة السابقة ينبغي أن نستوعب الخدمة بروح الإنجيل وخدمة الله القدوس، ولا نحتقر أعمال الآخرين في الجسد مهما ما كانت أعمالهم، ولا بنبغي أن نتسرع في حمل نير أي خدمة، أو نتخلى عن أموالنا وأعمالنا أن لم نصغي أولاً ونفهم ونعرف ماذا يريد الله منا لكي نتمم مشيئته لا مشيئتنا.. كونوا معافين

 

Exit mobile version