الله إنسانا – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله إنسانا – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الله إنسانا – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

الفصل الرابع

الله إنسانـًا

       ” الله، كان فى المسيح مصالحًا العالم لنفسه ” (2كو19:5)

      ” تعطشّ ليسوع، وهو سيرويك بحبه ” (القديس اسحق السريانى)

      ” قال الأنبا اسحق: “كنت جالسًا مرةً مع الأنبا بيمن، ورأيت أنه فى حالة دهش (اختطاف)، ولما كنت معتادًا على الكلام معه بصراحة، عملت له مطانية وسألته ” اخبرنى، أين كنت؟” ولم يرد أن يخبرنى. لكن لما ألححت عليه، أجاب: ” كانت أفكارى مع القديسة مريم والدة الإله، حينما كانت واقفة تبكى عند صليب المخلص، وودت لو أننى أستطيع على الدوام أن أبكى مثلما بكت هي آنذاك ”                                  (أقوال آباء البرية)

 

رفيقنا على الطريق:

          فى نهاية ” الأرض الخراب ” يكتب ت. س. إليوت:

          من هو الثالث الذي يسير دومًا إلى جوارك ؟

          حينما أحصى العدد، أجد أن هناك فقط أنت وأنا معًا، لكننى حين أنظر إلى الطريق الأبيض، أجد دائمًا واحدًا آخر يمشى إلى جوارك…

          وهو يشرح فى ملاحظاته أنه يفكر فى قصة قيلت عن بعثة شاكلتون إلى القطب المتجمد الجنوبى (أنتاركتيكا):

          وكيف أن جماعة المكتشفين، حينما خارت قواهم، كانوا يشعرون دائمًا أن ثمة شخصًا آخر زائدًا رغم أنهم لا يستطيعون إحصاءه فعلاً. وقديمًا جدًا، وقبل شاكلتون بزمن بعيد، كان للملك نبوخذنصر اختبار مماثل حينما قال: ” ألم نلقِ ثلاثة رجال موثقين فى وسط النار؟.. ومع هذا فها أنا ناظر أربعة رجال محلولين يتمشون فى وسط النار، وما بهم ضرر ومنظر الرابع شبيه بابن الله ” (دا 24:3ـ25).

 

          هذا هو معنى ” يسوع ” مخلصا بالنسبة لنا. فهو الشخص الذي يسير دائمًا إلى جوارنا حين تخور قوانا، فهو معنا فى برية الصقيع وفى أتون النار. وحينما يكون كل واحد منا فى وقت عزلته الشديدة وحده أو فى وقت التجربة، تُقال له هذه الكلمة: ” لست وحدك “، فإن لك رفيقًا.

 

          وقد أنهينا فصلنا الأخير بالحديث عن اغتراب الإنسان ومنفاه. ورأينا كيف أن الخطية، سواء الأصلية أم الشخصية، قد أوجدت هوة بين الله والإنسان، هوة لا يقدر الإنسان بمجهوداته الهزيلة أن يعبرها. فإن الإنسان الساقط وقد انفصل عن خالقه، وانعزل عن رفقائه، وتدهور داخليًا، لم يعد قادرًا على شفاء نفسه. ودائمًا ما نسأل نحن، أين نجد علاجًا ؟ ورأينا أيضًا كيف أن الثالوث، كإله محبة شخصية، لا يقدر أن يبقى غير مبالٍ بألم الإنسان، بل قد اشترك فى هذا الألم. فإلى أى مدى وصل هذا التشارك الإلهي؟

          الإجابة أن هذا الانخراط فى ألم الإنسان قد بلغ أقصى مدى ممكن. ولأن الإنسان لم يقدر أن يأتى إلى الله، فقد جاء الله إلى الإنسان، وقد وَّحَد نفسه مع الإنسان بأكثر الطرق مباشرة. فإن الكلمة الأزلى، ابن الله، الأقنوم الثانى فى الثالوث، قد صار إنسانًا حقيقيًا، صار واحدًا منا؛ لقد شفى إنسانيتنا وردها (إلى الله) بأن أخذها كلها لنفسه. وبكلمات قانون الإيمان:    ” أؤمن.. برب واحد يسوع المسيح.. إله حق من إله حق، واحد مع الآب فى الجوهر.. الذي لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء… ” هذا إذن هو رفيقنا فى الصقيع أو النار: الرب يسوع الذي أخذ جسدًا من العذراء، الواحد من الثالوث وهو واحد منا فى نفس الوقت، إلهنا ومع ذلك فهو أخونا.

 

يارب يسوع، ارحمنى:

          فى فصل سابق[1]، تبحرنا فى المعنى الثالوثى لصلاة يسوع، ” يارب يسوع المسيح، ابن الله، ارحمنى أنا الخاطئ “. فلنتأمل الآن ما تخبرنا به هذه الصلاة عن تجسد يسوع المسيح، وشفائنا به وفيه.

          هناك قطبان فى صلاة يسوع أو هناك نقطتان هما طرفان: 

القطب الأول: “ياربى.. ابن الله”: تتحدث الصلاة أولاً عن مجد الله، معترفة بيسوع أنه رب كل الخليقة وبأنه الابن الأزلى. وفى القطب الثانى أى فى نهايتها تتجه الصلاة إلى حالتنا كخطاة ـ خطاة بسبب السقوط، خطاة بسبب أعمالنا الشخصية فى فعل الخطأ: “.. أنا خاطئ”. (فى معناها الحرفى فى النص اليونانى هي أكثر تأكيدًا، إذ يقول، “أنا الخاطئ” وكأنه يقول أنا الخاطئ الوحيد).

 

          وهكذا فالصلاة تبدأ بالتمجيد وتنتهي بالتوبة. فمن هو أو ما هو الذي يصالح هذا القطبان المختلفان تمامًا: المجد الإلهي وخطيئة الإنسان ؟

          هناك ثلاث كلمات فى الصلاة تعطينا الإجابة. الأولى هي “يسوع” الاسم الشخصى المعطى للمسيح بعد ميلاده البشرى من مريم العذراء. هذا الاسم له معنى “مخلِّص”: كما قال الملاك للقديس يوسف خطيب مريم: “.. وتدعو اسمه يسوع؛ لأنه يخلص شعبه من خطاياهم ” (مت21:1)

          الكلمة الثانية هي اللقب “المسيح”، الترجمة اليونانية لكلمة “المسيا” العبرية، والتي تعنى “الممسوح” ـ أى الممسوح بروح الله القدوس. لأنه بالنسبة للشعب اليهودى فى العهد القديم، كان المسيا هو المخلص الآتى، والملك المنتظر، الذي سيحررهم من أعدائهم بقوة الروح.

          الكلمة الثالثة هي “رحمة”، وهي اللفظة التي تعنى “الحب العامل”، الحب الذي يعمل لجلب المغفرة والحرية والصحة الكاملة. سؤال الرحمة يعنى تبرئة الآخر (الذي يطلب الرحمة) من الذنب الذي لا يقوى على محوه بمجهوداته الشخصية، وإعفاءه من ديون لا يستطيع هو نفسه أن يوفيها، وشفاءه من المرض الذي لا يمكنه أن يجد له علاجًا بدون عون. إن كلمة ” رحمة ” تعنى فوق هذا أن يُمنح كل ذلك كهبة مجانية: فالذي يطلب رحمة ليس له على الآخر مطالبات، ولا حقوق يستند عليها.

          إذن، تدل صلاة يسوع على مشكلة الإنسان من جهة وعلى الحل الذي يقدمه الله من جهة أخرى. يسوع هو المخلص، الملك الممسوح، هو الشخص الرحيم. لكن الصلاة تخبرنا أيضًا بشىء آخر حول شخص يسوع نفسه. فنحن نخاطبه “يارب” و”ابن الله”: هنا تتحدث الصلاة عن لاهوته، وتعاليه وأزليته. لكننا أيضًا نخاطبه بالتساوى (فى هذه الصلاة) باسم “يسوع”، أى باسمه الشخصى الذي أعطته له أمه ويوسف بعد ولادته البشرية فى بيت لحم. وهكذا، فالصلاة تتحدث أيضًا عن إنسانيته، عن الحقيقة الأصيلة لميلاده ككائن بشرى.

 

          هكذا فإن صلاة يسوع هي تأكيد على الإيمان بيسوع المسيح كإله حقيقى وإنسان كامل معًا Theoanthropos أى ” الإله الإنسان “، الذي يخلصنا من خطايانا بالضبط لأنه إله وإنسان معًا وفى نفس الوقت.

          الإنسان لم يقدر أن يأتى إلى الله، لهذا أتى الله إلى الإنسان، بأن جعل نفسه إنسانًا. وفى محبته الفائقة أو “المذهلة” ecstatic، يوحدّ الله نفسه بخليقته بألصق ما يكون الاتحاد، بأن يجعل نفسه يصير ذلك الذي خلقه (أى الإنسان). والله، كإنسان، يحقق مهمة الوساطة التي رفضها الإنسان عند السقوط. ويعبر يسوع مخلصنا الهوة السحيقة بين الله والإنسان، لأنه هو الله والإنسان معًا فى آنٍ واحد، مثلما نقول فى إحدى الترانيم الأرثوذكسية عشية عيد الميلاد “اليوم اتحدت السماء والأرض، لأن المسيح وُلد. اليوم نزل الله إلى الأرض، وارتفع الإنسان إلى السماء “.

 

          التجسد إذن، هو فعل الله للخلاص، إذ يعيدنا إلى الشركة مع نفسه. لكن ماذا كان يمكن أن يحدث لو لم يكن هناك سقوط؟ هل كان الله سيختار أن يصير إنسانًا حتى لو لم يخطئ الإنسان أبدًا؟ هل كان التجسد سيُعدّ هكذا ببساطة استجابة الله لورطة الإنسان الساقط، أم أن التجسد بطريقة ما، هو جزء من القصد الأزلى لله؟ هل يجب أن ننظر فيما وراء السقوط، ونرى فعل الله فى صيرورته إنسانًا على أنه هو التحقيق للغاية الحقيقية للإنسان؟

 

          ليس من الممكن لنا، فى وضعنا الحالى، أن نجيب إجابة نهائية على هذا السؤال الافتراضى. ولأننا نحيا فى ظل ظروف السقوط، فإننا لا نستطيع أن نتصور بوضوح ما كانت ستكون عليه علاقة الله بالبشرية، لو لم يكن السقوط قد حدث بالمرة. وقد جعل الكُتّاب المسيحيون فى معظم الأحوال مناقشتهم للتجسد قاصرة على إطار حالة الإنسان الساقطة. لكن كان هناك قلة منهم أخذوا على عاتقهم أن يكون لهم رأى أوسع، خاصة مار اسحق السريانى ومكسيموس المعترف فى الشرق، ودونس سكوتس   (Duns Scotus) فى الغرب. يقول مار اسحق السريانى إن التجسد هو أكثر الأمور المفرحة والمباركة الذي كان يمكن أن يحدث للجنس البشرى. فهل من الصواب، إذن، أن يكون سبب هذا الحدث المفرح شئ ما، كان يمكن أن لا يحدث أبدًا، وفى الحقيقة هو شئ كان ينبغى ألاّ يحدث؟ ويقول القديس مار اسحق، إنه من المؤكد أن أخذ الله لبشريتنا لا ينبغى أن نفهمه كفعل إصلاح ورد فقط، وليس فقط كمواجهة لخطية الإنسان، بل أيضًا وبشكل أساسى كفعل محبة، وكتعبير عن طبيعة الله الذاتية. فحتى لو لم يكن هناك سقوط، فإن الله فى محبته المتدفقة غير المحدودة كان سيختار أن يوحد نفسه مع خليقته بصيرورته إنسانًا.

 

          إن تجسد المسيح، عندما ننظر إليه من هذه الزاوية، يُحدث تأثيرًا أكبر من مجرد انعكاس السقوط أو مقلوبه وأكثر من رد الإنسان إلى حالته الأولى فى الفردوس. حين يصبح الله إنسانًا، تبدأ مرحلة جديدة جوهريًا فى تاريخ الإنسان، ولا يكون الأمر مجرد عودة إلى الماضى. فالتجسد يرفع الإنسان إلى مستوى جديد، وتكون الحالة الأخيرة أعلى من الأولى. وفى يسوع المسيح فقط نرى أكمل إمكانات طبيعتنا البشرية وقد انكشفت واستعلنت؛ وحتى ميلاد المسيح، لم تكن الملامح الحقيقية للشخص البشرى (Personhood) قد ظهرت بعد. إن ميلاد المسيح، كما يصفه القديس باسيليوس هو “ميلاد الجنس البشرى كله”. المسيح أول إنسان كامل ـ كامل، أى ليس فقط بمعنى (الصورة) أى أنه كمال محتمل، يمكن أن يتحقق فى المستقبل، مثلما كان آدم فى براءته قبل السقوط، بل بمفهوم ” المثال ” (likeness) المتحقق بالكامل. ليس التجسد إذن، هو ببساطة طريقًا لإزالة آثار الخطية الأصلية، بل هو مرحلة جوهرية عبر رحلة الإنسان من الصورة الإلهية إلى الشبه (المثال) الإلهي. فالصورة الحقيقية والمثال الحقيقى لله هو المسيح نفسه، وهكذا، ومنذ اللحظة الأولى لخلقة الإنسان على الصورة، فإن تجسد المسيح كان متضمنًا فعلاً بطريقة ما. إن السبب الحقيقى للتجسد، إذن، يكمن لا فى خطية الإنسان بل فى طبيعته غير الساقطة ككائن مخلوق على الصورة الإلهية وعنده الإمكانية للاتحاد بالله.

 

ثنائى لكنه واحد:

          ويتلخص الإيمان الأرثوذكسى عن التجسد فى القرار الذي يتكرر فى ترنيمة الميلاد للقديس رومانوس المرنم ” طفل مولود حديثًا، هو الله قبل الدهور ” وفى هذه العبارة القصيرة نجد ثلاثة تأكيدات:

          1 ـ يسوع المسيح إله بالتمام وبالكمال.

          2 ـ يسوع المسيح إنسان بالتمام وبالكمال.

          3 ـ يسوع المسيح ليس شخصين بل شخص واحد.

          وقد أعلنت المجامع المسكونية عن هذا الأمر وبتفصيل شامل تمامًا، فمثلما عنى مجمع نيقية (325) ومجمع القسطنطينية (381) بعقيدة الثالوث (أنظر الفصل الثانى)، هكذا اهتم مجمع أفسس بالتجسد.

 

          فقد أعلن مجمع أفسس المسكونى فى سنة 431م، أن العذراء مريم هي “الثيؤطوكوس” أى والدة الإله. وفى هذا اللقب تأكيد ضمنى، ليس عن العذراء أساسًا، بل عن المسيح: أى أن الله قد وُلِدَ وأن العذراء هي أم، لا لشخص بشرى متحد بالشخص الإلهي للكلمة (اللوغوس)، بل أم لشخص واحد غير منقسم هو الله المتأنس بأنٍ واحد[2] 000

          هناك تضاد فى الصياغة الفنية (التقنية) بين عقيدة الثالوث وعقيدة التجسد الإلهي. ففى حالة الثالوث، نحن نؤكد على جوهر واحد وحيد خاص أو طبيعة واحدة خاصة فى ثلاثة أقانيم (أو أشخاص). وفى حالة المسيح المتجسد، من جهة أخرى، فإن هناك طبيعتين؛ واحدة إلهية والأخرى بشرية، لكنهما متحدتان فى شخص واحد وحيد؛ هو الكلمة الأزلى الذي صار إنسانًا أو جسدًا. وكل ما قيل فى الأناجيل؛ وفعله المسيح أو عاناه وتألم به يُنسب إلى نفس الشخص الواحد نفسه، ابن الله الأزلى الذي وُلِد الآن كإنسان فى داخل الزمان والمكان.

 

          وإذا أردنا أن نحدد التعاريف المجمعية حول المسيح كإله متأنس فإن هناك مبدأين أساسيين بخصوص خلاصنا: الأول، الله وحده فقط يقدر أن يخلصنا فإن نبيًا أو معلمًا للبر لا يمكن أن يكون هو فادى العالم. إذن، فلكى يكون المسيح مخلصًا لنا، فلابد أن يكون بالتمام والكمال هو الله. ثانيًا، لابد أن يفى الخلاص بحاجة البشرية. وفقط إن كان المسيح هو بالتمام والكمال إنسانًا مثلما نحن، يمكن لنا نحن البشر أن نشترك فيما فعله لأجلنا.

          لهذا من الخطر المميت على عقيدة خلاصنا إن نحن اعتبرنا المسيح ـ مثلما فكّر الآريوسيون ـ كنوع من نصف إله موجود فى منطقة ضبابية متوسطة بين الإنسانية والألوهية. إن التعليم المسيحى عن خلاصنا يتطلب أن نكون متطرفين Maximalists. ولا ينبغى علينا أن نفكر فى المسيح على أنه  “نصف إله ونصف إنسان” (أو بالعامية “نص نص”). فليس المسيح يسوع 50% إلهًا و50% إنسانًا، بل هو 100% إله و100% إنسان فى وقت واحد معًا. أو بعبارة أخرى، فإن المسيح ” كامل فيما يخص ذاته، وكامل فيما يخصنا نحن.

 

          كامل فيما يخص ذاته: يسوع المسيح نافذتنا على المجال الإلهي، إذ يكشف لنا من هو الله ذاته ” الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذي فى حضن الآب هو خبّر (جعله معروفًا ومعلومًا لنا) ” (يو18:1).

          كامل فيما يخصنا نحن: يسوع المسيح هو آدم الثانى، كاشفًا لنا عن السمة أو الخاصية الحقيقية لشخصيتنا البشرية. الله وحده هو الإنسان الكامل.

          فمن هو الله ؟ ومن أكون أنا ؟ لقد أعطانا يسوع المسيح الجواب على كلا هذين السؤالين.

 

الخلاص كمشاركة:

          الرسالة المسيحية عن الخلاص يمكن إيجازها على أفضل صورة بلغة “المشاركة”، أى بلغة التضامن والتوحد والتطابقidentification . إن فكرة المشاركة أو الشركة هي مفتاح للتعليم عن الله الواحد فى ثالوث، كما أنها مفتاح للتعليم عن الله المتجسد. ويؤكد تعليم الثالوث أنه، كما أن الإنسان يكون شخصًا بحق حينما يشارك الآخرين، هكذا فإن الله ليس شخصًا منفردًا يعيش وحده، بل هو ثلاثة أشخاص يشاركون حياة أحدهم الآخر فى محبة كاملة. والتجسد بالمثل هو تعليم عن المشاركة أو الشركة. فالمسيح يشاركنا ما نحن عليه مشاركةً كاملة، وهكذا يجعله ممكنًا لنا أن نشارك ما هو عليه (أو فيما هو عليه)، أى نشترك فى حياته ومجده الإلهييين؛ لقد صار ما نحن، ليجعلنا ما هو (أو صار ما نحن عليه ليصيرنا ما هو عليه).

 

          ويعبر القديس بولس عن هذا بشكل استعارى بلغة الغنى والفقر: ” فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من إجلكم افتقر وهو غنى لكى تستغنوا أنتم بفقره ” (2كو9:8). وغنى المسيح هو مجده الأبدى، وفقر المسيح هو تطابقه أو توحده الشخصى الكامل مع حالتنا البشرية الساقطة. وفى كلمات ترنيمة ميلاد أرثوذكسية ” إذ شاركتنا بالكامل فى فقرنا، فقد جعلت طبيعتنا الأرضية إلهية، باتحادك معها واشترتكك فيها”. المسيح يشاركنا موتنا، ونحن نشاركه حياته. هو ” أخلى ذاته ” ونحن ” نتمجد مجدًا عاليًا ” (أنظر فى5:2ـ9). إن نزول الله قد جعل ارتفاع الإنسان ممكنًا. ويكتب القديس مكسيموس المعترف: ” الغير المحدود حدّد نفسه بطريقة لا يُنطق بها، بينما اتسع المحدود إلى قياس الغير المحدود “.

 

          وكما قال المسيح بعد العشاء الأخير ” أنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتنى، ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فىّ ليكونوا مكمَّلين إلى واحد” (يو22:17ـ23). فإن المسيح يمكنّنا من أن نشترك فى المجد الإلهي للآب. فالمسيح هو الرابطة ونقطة اللقاء والتقابل: فلأنه إنسان، فهو واحد معنا؛ ولأنه إله، فهو واحد مع الآب. لهذا فبواسطته وفيه نحن واحد مع الله، ويصبح مجد الآب هو مجدنا. تجسد الله يفتح الطريق إلى تأليه الإنسان. فأن نُؤلَّه (أى نصير إلهيين)، معناه على وجه الخصوص جدًا، أن نكون “مُمسحَنين” (Christified): فالمثال الإلهي الذي دُعينا إلى بلوغه هو مثال المسيح. ومن خلال يسوع المسيح الإله المتأنس (أو الإله ـ الإنسان)، يمكن لنا نحن البشر أن “نُغرس فى الله” (ingoded) (ندخل فى الله)، نصير مُؤلَّهين (divinized)، أو يصيرنا” شركاء الطبيعة الإلهية” (2بط4:1). فالمسيح باتخاذه بشريتنا، وهو ابن الله بالطبيعة، قد صيَّرنا أبناء لله بالنعمة. فيه يتبنانا الله الآب، فنصير أبناءً فى الابن.

 

          هذه الفكرة عن الخلاص كشركة تتضمن أمرين بوجه خاص، حول التجسد الإلهي:

          أولاً، تتضمن أن المسيح لم يأخذ جسدًا بشريًا فقط مثل أجسادنا، بل أخذ أيضًا روحًا بشريًا وعقلاً ونفسًا مثلنا (مثل أرواحنا وعقولنا ونفوسنا). والخطية كما عرفنا (فى الفصل السابق ص59)، لا تستمد أصولها من أسفل بل من أعلى، هي ليست مادية فيزيقية فى أصلها بل هي روحية. إذن فإن العنصر من الإنسان الذي يحتاج أن يُفتدى ليس هو جسده فى المقام الأول بل هو إرادته ومركز اختياره الأخلاقى. فلو لم يكن للمسيح عقل بشرى، فإن ذلك سوف يؤثر بشكل خطير ومميت على المبدأ الثانى للخلاص، وهو أن الخلاص الإلهي يجب أن يصل إلى نقطة الاحتياج البشرى.

 

          إن أهمية هذا المبدأ قد أُعيد التأكيد عليها خلال النصف الثانى من القرن الرابع حين ابتدع أبوليناريوس النظرية ـ التي أُدين بسببها فورًا كهرطوقى ـ أنه عند التجسد أخذ المسيح فقط جسدًا بشريًا لكنه لم يأخذ عقلاً بشريًا ولا نفسًا عاقلة. وقد أجاب القديس غريغوريوس اللاهوتى على هذا بعبارة: ” ما لا يُؤخذ لا يَخلُّص (أو لا يُشفى)”. أى أن المسيح يخلصنا بصيرورته ما نحن عليه (أى بصيرورته إنسانًا)، هو يُشفينا بأخذه بشريتنا المكسورة لنفسه، (يشفينا) “بأخذه” هذه البشرية له خاصةً، وبدخوله فى خبرتنا البشرية وبمعرفته لها من الداخل بسبب كونه واحدًا منا. ولكن لو كانت مشاركته لبشريتنا ناقصة من أى ناحية، لأصبح خلاص الإنسان أيضًا ناقصًا بالمثل. فإن كنا نؤمن أن المسيح قد أتى إلينا بخلاصٍ كاملٍ شاملٍ، فيتبع ذلك أنه   ” إتخذ ” لنفسه كل شئ (فى طبيعتنا البشرية).

          ثانيًا، هذه الفكرة عن الخلاص كمشاركة تتضمن ـ على الرغم من أن كثيرين أحجموا عن قول ذلك صراحة ـ أن المسيح أخذ لا الطبيعة البشرية غير الساقطة بل الساقطة. وكما تؤكد الرسالة إلى العبرانيين (وفى كل العهد الجديد لا يوجد نص خريستولوجى (خاص بالمسيح) أكثر أهمية من هذا): ” ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثى لضعفاتنا بل مُجرّب فى كل شئ مثلنا، بلاخطية ” (عب15:4). لقد عاش المسيح حياته على الأرض فى ظل ظروف السقوط. هو نفسه ليس شخصًا خاطئًا، لكن بتضامنه مع الإنسان الساقط يقبل عواقب خطية آدم قبولاً تامًا، يقبل كليةً ليس فقط العواقب الجسدية الطبيعية كالتعب والألم الجسدى وبالتالى انفصال النفس عن الجسد بالموت، بل هو يقبل أيضًا العواقب الأخلاقية، كالشعور بالوحدة، والشعور بالغربة، والصراع الداخلى. قد يبدو شيئًا جسورًا أن ننسب هذا كله إلى الإله الحى، لكن تعليمًا رصينًا متماسكًا عن التجسد يستلزم كل ذلك. فلو كان المسيح قد أخذ فقط مجرد طبيعة بشرية غير ساقطة، وعاش حياته على الأرض فى وضع آدم فى الفردوس لَمَا كان قد تأثر أو شعر بضعفاتنا، ولا كان قد جُربَ فى كل شئ تمامًا مثلما نُجرب نحن: وفى تلك الحالة لا يكون هو “مخلّصنا ” الذي يخلصنا.

 

          ويذهب القديس بولس إلى حدٍ بعيد حتى أنه يكتب قائلاً: ” لأن الله جعل الذي لم يعرف خطية، خطية، لأجلنا ” (2كو21:5). ولا يجب أن نفكر هنا بلغة الإجراءات القضائية فقط، تلك التي اقتضت أن المسيح رغم أنه برئ بلا ذنب، قد حمل ذنبنا الذي ” نُسِبَ ” إليه (أو أُلصِقَ به) بشكلٍ خارجى: إن الأمر يتضمن ما هو أعمق من ذلك بكثير. فالمسيح يخلصنا باختباره “من الداخل” ـ كواحد منا ـ كل ما نعانيه نحن داخليًا من خلال معيشتنا فى عالم خاطئ.

 

لماذا الميلاد من عذراء:

          ذكر كتاب العهد الجديد صراحة أن أم يسوع المسيح كانت عذراء (مت25،23،18:1) إن ربنا له أب أزلى فى السماء، ولكن ليس له أب على الأرض. لقد وُلد خارج الزمن من الآب بدون أم، ووُلد فى الزمن من أمه بلا أب. وهذا الاعتقاد فى الميلاد العذراوى لا يقلل رغم ذلك أبدًا من ملء بشرية المسيح. فعلى الرغم من أن الأم كانت عذراء، كان هناك ميلاد حقيقى لطفل بشرى أصيل وحقيقى.

          ورغم ذلك، نتساءل، لماذا كان ميلاده كإنسان لابد أن يأخذ هذا الشكل الخاص ؟ والإجابة على ذلك أن عذراوية الأم تخدم كآية (كعلامة) على فرادة الابن. والعذراوية تفعل ذلك من خلال ثلاثة طرق وثيقة الصلة ببعضها:

          أولاً: حقيقة أن المسيح ليس له أب أرضى تعنى أنه يشير دائمًا إلى ما وراء وضعه فى المكان والزمان، إلى أصله السماوى والأزلى. فالطفل المولود من مريم هو بالحقيقة إنسان، لكنه “ليس إنسانًا فقط”، هو داخل التاريخ لكنه أيضًا فوق التاريخ. إن ميلاده من عذراء يؤكد أنه على الرغم من أنه متنازل (وحال على الأرض) إلاّ أنه أيضًا متعالٍ وسامٍ؛ وعلى الرغم من أنه إنسان كامل فهو أيضًا إله كامل.

          ثانيًا: حقيقة أن أم المسيح كانت عذراء تدل على أن ميلاده يجب أن يُنسب بطريقة فريدة إلى ” المبادرة الإلهية “. وعلى الرغم من أنه إنسان كامل، فإن ميلاده لم يكن نتيجة اتحاد جنسى بين رجل وامرأة، بل كان بطريقة خاصة، عمل الله ” المباشر “.

          ثالثًا: ميلاد المسيح من عذراء يؤكد أن التجسد لم يتضمن مجىء شخص جديد إلى الوجود. فعندما يولد طفل من أبوين بشريين، بالطريقة العادية، يبدأ شخص جديد فى الوجود. لكن شخص المسيح المتجسد ليس شخصًا آخر سوى الأقنوم الثانى فى الثالوث القدوس. ولهذا فعند ميلاد المسيح، لم يأتِ شخص جديد إلى الوجود، لكن الشخص الكائن سابقًا، شخص ابن الله بدأ الآن يحيا حسب طريقة وجود بشرية وإلهية معًا. لهذا فالميلاد العذراوى يُظهر وجود المسيح الأزلى السابق لتجسده.

 

          ولأن شخص المسيح المتجسد هو هو نفسه شخص الكلمة اللوغوس، فيحق أن نُلقب العذراء مريم بلقب “ثيؤطوكوس”، “والدة الإله” فهي أم، لا لابن بشرى عادى مرتبط بالابن الإلهي، بل هي أم لابن بشرى هو ابن الله الوحيد الجنس. ابن مريم هو هو شخص ابن الله نفسه؛ لهذا، وبفضل التجسد، فإن مريم هي بملء الحقيقة ” أم الله “.

          وبينما تضع الأرثوذكسية دور العذراء المباركة فى كرامة عالية كأم المسيح، فهي لا ترى حاجة إلى أية عقيدة (Dogma) عن ” الحبل بلا دنس”. وهذا التعليم كما حددته الكنيسة الكاثوليكية الرومانية فى عام 1854 ينص على أن مريم، ” من اللحظة الأولى للحبل بها ” بواسطة أمها القديسة حنة، كانت مبرأة من ” كل دنس الخطية الأصلية “. وثمة نقطتان بحاجة أن نفتكر فيهما هنا.

          أولاً، ومثلما سبق ولاحظنا (فى الفصل السابق عن السقوط ص79)، أن الأرثوذكسية لا تفهم السقوط بالمفاهيم الأغسطينية، كدنس من الذنب الموروث. فلو كنا نحن الأرثوذكس قد قبلنا الرأى اللاتينى عن الخطية الأصلية، لكنا ربما شعرنا أيضًا بالحاجة إلى تأييد التعليم عن الحبل بلا دنس. لكن لأن مصادرنا فى البحث مختلفة، لذلك فإن العقيدة اللاتينية تبدو لنا ليس فقط خاطئة جدًا بل بالحرى زائدة عن الحاجة ولا لزوم لها.

          ثانيًا: بالنسبة للأرثوذكسية، تشكل العذراء مريم، مع يوحنا المعمدان، تاج وذروة بتولية العهد القديم. هي الشخصية “الرابطة”: آخر وأعظم الأبرار من الرجال والنساء فى العهد القديم. وهي فى نفس الوقت، القلب الخفى للكنيسة الرسولية (أنظر أع14:1). لكن تعليم ” الحبل بلا دنس ” يبدو لنا وقد أخرج العذراء مريم من العهد القديم ليضعها مسبقًا فى العهد الجديد، كلية. وفى التعليم اللاتينى، فإنها لا تقف بعد على قدم المساواة مع القديسين الآخرين فى العهد القديم، ومن ثم فإن دورها ” كرابطة ” أو “حلقة وصل” يتعطل.

          وعلى الرغم من رفضها للتعليم اللاتينى عن “الحبل بلا دنس”، فإن الكنيسة الأرثوذكسية فى عبادتها الليتورجية تخاطب أم الله بأنها “بلا عيب”          (achrantos) و”كلية القداسة” (panagia) “التي بلا دنس بالكامل”         (panamomos). ونؤمن نحن الأرثوذكس أنها بعد موتها أُخذت إلى السماء، حيث تقيم الآن، بجسدها ونفسها ـ فى مجد أبدى مع ابنها. وهي بالنسبة لنا ” فرح كل الخليقة ” (قداس القديس باسيليوس) ” زهرة الجنس البشرى وباب السماء ” (التمجيد باللحن الأول) ” الكنز الثمين للعالم كله ” (القديس كيرلس الأسكندرى)، ونقول مع القديس مار أفرام السريانى:

          ” أنت وحدك، يا يسوع، مع أمك جميل من كل الوجوه:

          لأنه لا يوجد فيك عيب، ياربى، ولا دنس فى والدتك “.

          من هذا يمكن أن يُرى، علو المكانة التي نعطيها نحن الأرثوذكس، للعذراء القديسة، فى اللاهوت وفى الصلاة. هي بالنسبة لنا التقدمة الفائقة التي قدمها الجنس البشرى لله.

          وبكلمات إحدى الترانيم الميلادية:

          ” ماذا نقدم لك، أيها المسيح،

          أنت الذي من أجلنا قد ظهرت على الأرض كإنسان؛

          كل خليقة من صنعك تقدم لك التشكرات.

          الملائكة يقدمون تسبيحة؛ والسماء، تقدم لك نجمًا؛

          المجوس يقدمون الهدايا؛ والرعاة يقدمون دهشتهم؛

          الأرض تقدم مغارتها؛ والصحراء تقدم مذودًا؛

          ونحن نقدم لك ـ أمًا عذراء.

 

 

أطاع حتى الموت:

          تجسد المسيح هو بذاته عمل خلاصى. فالمسيح باتخاذه إنسانيتنا المكسورة لنفسه، فإنه يعيدها ويصلحها، وأيضًا ـ بكلمات ترنيمة ميلادية أخرى ـ “يرفع الصورة الساقطة”. ولكن لماذا كان الموت على الصليب ضروريًا؟ ألم يكن كافيًا أن يحيا أحد أقانيم الثالوث، كإنسان على الأرض، وأن يفكر وأن يشعر وأن يريد كإنسان، دون حاجة أن يموت أيضًا كإنسان؟

          إن تجسد المسيح كان يمكن فى الواقع أن يكفى كتعبير كامل عن حب الله الدافق، فى عالم غير ساقط، ولكن فى عالم ساقط وخاطئ كان يلزم لمحبته أن تذهب إلى ما هو أكثر من مجرد التجسد. فبسبب الوجود المأساوى للخطية والشر، صارت مهمة إعادة الإنسان تجديده مكلفة بغير حدود. كان يلزم للإنسان شفاء عن طريق فعل تضحية ذبائحى، وهي تضحية لا يستطيع أن يقدمها سوى إله متألم ومصلوب.

التجسد هو فعل اتحاد ومشاركة: فالله يخلصنا بأن يوّحد نفسه بنا، بأن يتعرف على خبرتنا البشرية من الداخل. فالصليب يعنى أن فعل المشاركة هذا قد وصل إلى أقصى حدوده وذلك بطريقة قاسية جدًا ومتصلبة إلى أقصى حد. فالإله المتجسد يدخل إلى اختبارنا البشرى دخولاً كاملاً. فيسوع المسيح رفيقنا، يشترك ليس فقط فى ملء الحياة البشرية، بل يشترك أيضًا فى ملء الموت البشرى. ” أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها” (إش4:53) ـ كل أحزاننا وكل أوجاعنا. ” فالذي لا يُؤخذ لا يُشفى”: لكن المسيح طبيبنا الشافى قد أخذ فى نفسه كل شئ، إنه قد أخذ حتى الموت نفسه.

          الموت له وجهان وجه طبيعى (جسدى) ووجه روحى، والوجه الروحى للموت هو الأكثر رعبًا. الموت الطبيعى هو انفصال جسد الإنسان عن نفسه؛ والموت الروحى هو انفصال نفس الإنسان عن الله. فحينما نقول إن المسيح ” أطاع حتى الموت ” (فى8:2)، فلا ينبغى أن نحصر معنى هذه الكلمات فى الموت الطبيعى وحده. فلا ينبغى أن نفكر فقط فى المعاناة الجسدية التي احتملها المسيح فى آلامه: كالجلد، والسقوط تحت ثقل الصليب، والمسامير، والعطش، والحرارة والعرق، والتمزق الناتج عن التعليق مشدودًا على الخشبة. فالمعنى الحقيقى للآلام ينبغى أن نجده ليس فى هذه الآلام فقط، بل بالأكثر فى آلامه الروحية ـ فى الشعور بالإخفاق والعزلة والوحشة التامة، وفى التألم بسبب رفض محبته التي قدمها ولكنها رُفضت.

          ونحن نتفهم الطريقة المتحفظة التي تتحدث بها الأناجيل عن هذه المعاناة الداخلية، ومع ذلك فهي تزودنا ببعض اللمحات. فأولاً تخبرنا الأناجيل عن جهاد المسيح فى بستان جثسيمانى، حينما كان يغمره الرعب والفزع وهو يصلى إلى أبيه متألمًا: ” إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس ” (مت36:26). وكذلك تخبرنا عن سقوط ” عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض” (لو44:22). وكما يصر المطران أنطونيوس أسقف كييف، فإن جثسيمانى تزودنا بمفتاح عقيدتنا عن الكفارة بكليتها. فهنا (فى جثسيمانى) يواجه المسيح ضرورة الاختيار. فمن ناحية هو ليس محتمًا عليه أن يموت، بل هو يختار بإرادته الحرة أن يموت. وبتقديمه لنفسه بإرادته، فإنه يحوّل ما كان عنفًا عشوائيًا وقتلاً شرعيًا، إلى ذبيحة خلاصية. ولكن فعل الاختيار الحر هذا، هو فى غاية الصعوبة. فعندما قرر يسوع أن يسير نحو ساعة القبض عليه والصلب فإنه بكلمات “وليم لو” (William Law): “يختبر رعبًا وفزعًا شديدًا وهو ما تتسم به النفس الضائعة.. أى حقيقة الموت الأبدى “. وينبغى أن نعطى وزنًا كاملاً لكلمات المسيح فى جثسيمانى: ” نفسى حزينة جدًا حتى الموت ” (مت38:26)، ففى هذه اللحظة يدخل يسوع دخولاً تامًا فى اختبار الموت الروحى. وهو فى هذه اللحظة يوّحد نفسه مع كل يأس البشرية وتألمها الذهنى؛ وهذا التوّحد (بينه وبيننا) هو أكثر أهمية لنا من اشتراكه فى آلامنا الجسدية.

          ويقدم لنا الصليب لمحة ثانية حينما صرخ المسيح بصوت عظيم قائلاً: ” إلهي إلهي لماذا تركتنى” (مت46:27). وهنا أيضًا ينبغى أن نعطى تقديرًا ووزنًا كاملاً لهذه الكلمات، فهنا نجد ذروة الشعور بالتخلى والهجر بالنسبة للمسيح، حينما يشعر ليس فقط بتخلى الناس عنه، بل أيضًا بتخلى الآب عنه. ولا يمكننا أن نبدأ بشرح كيف يكون ممكنًا بالنسبة للذى هو نفسه الإله الحى، أن يضيع منه الشعور بالحضور الإلهي. ولكن هذا هو الأمر الواضح أمامنا. فلا يوجد فى آلام المسيح أى نوع من التمثيل ولم يعمل شيئًا فى آلامه للاستعراض الخارجى. فكل كلمة على الصليب تعنى تمامًا ما تقول، وإن كانت صرخة “ إلهي إلهي..” تعنى شيئًا على الإطلاق، فينبغى أن تعنى أن يسوع فى هذه اللحظة كان يختبر الموت الروحى الذي هو الانفصال عن الله (بمعنى تخلى الآب وحجب وجهه عنه). فهو لم يسفك فقط دمه لأجلنا، بل قَبِلَ من أجلنا حتى فقدان الله أيضًا.

          “ونزل إلى الجحيم [3] (قانون إيمان الرسل)، هل يعنى هذا فقط أن المسيح ذهب ليكرز للأرواح المنتقلة، فى الفترة بين مساء الجمعة العظيمة وفجر القيامة (أنظر 1بط19:3). ولكن بالتأكيد أن لهذه العبارة أيضًا معنى أعمق. فالجحيم ليس نقطة فى مكان ما بل فى النفس. الجحيم هو المكان الذي لا يكون الله موجودًا فيه (ومع ذلك فالله موجود فى كل مكان!). “فنزول المسيح إلى الجحيم ” يعنى نزوله إلى الأعماق التي يغيب الله عنها. وقد وحّد المسيح نفسه كلية وبدون أى تحفظ مع كل معاناة الإنسان ووحشته وإحساسه بالعزلة والرفض. لقد أخذ على عاتقه كرب الإنسان، وبإتخاذه إياه فقد شفاه.

 

          لم تكن هناك طريقة أخرى يمكنه أن يشفي بها (كرب الإنسان) سوى بأن يجعل الألم والكرب خاصين به (بالمسيح).

          هذه هي رسالة الصليب لكل واحد منا، فمهما كانت المسافة التي علىَّ أن أسيرها فى وادى ظل الموت، “فأنا لست وحدى إطلاقًا“. فهنا أجد لى رفيقًا، وهذا الرفيق ليس فقط إنسانًا حقيقيًا مثلى، بل هو أيضًا إله حق من إله حق. ففى أعمق لحظات انسحاق المسيح على الصليب، هو فى نفس الوقت الإله الأزلى والحى كما كان هكذا تمامًا عند تجليه بالمجد على جبل طابور. وعندما أنظر إلى المسيح مصلوبًا لا أرى فقط إنسانًا متألمًا بل “إلهًا متألمًا “.

 

الموت نصرة وغلبة:

إن موت المسيح على الصليب ليس إخفاقًا تم تصحيحه فيما بعد بواسطة قيامته. فالموت على الصليب فى ذاته هو انتصار. ما الذي انتصر؟ ليس هناك إلاّ إجابة واحدة: انتصار المحبة المتألمةالمحبة قوية كالموت… مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة” (نش7،6:8). فالصليب يرينا المحبة التي هي قوية كالموت بل هي محبة أقوى من الموت.

          ويفتتح القديس يوحنا روايته عن العشاء الأخير والآلام بهذه الكلمات   ” فيسوع.. إذ كان قد أحب خاصته الذين فى العالم، أحبهم إلى المنتهي” (يو1:13). “إلى المنتهي” ـ وباللغة اليونانية تعنى “إلى النهاية”، أى “إلى الكمال”. وهذه الكلمة اليونانية Telos نجدها فيما بعد مستعملة فى الصرخة الأخيرة التي نطق بها على الصليب: ” قد أُكمّل” (يو30:19) وهذه الصرخة لا ينبغى أن تُفهم كصرخة استسلام أو يأس بل كصرخة انتصار: قد اكتمل، قد أُنجز، قد تحقق. ما هو الذي تحقق؟ ونجيب: عمل المحبة المتألمة، انتصار المحبة على البغضة. المسيح إلهنا قد أحب خاصته إلى المنتهي. لقد خلق العالم بسبب محبته، وبسبب المحبة وُلد فى هذا العالم كإنسان، وبسبب المحبة إتخذ إنسانيتنا المكسورة لنفسه وجعلها خاصة به. بسبب المحبة وحّد نفسه مع آلامنا. بسبب المحبة قدم نفسه ذبيحة واختار وهو فى جثسيمانى أن يمضى بإرادته إلى آلامه: ” وأنا أضع نفسى عن خرافى.. ليس أحد يأخذها منى بل أضعها أنا من ذاتى ” (يو18،15:10). فالذي أتى بيسوع إلى الموت لم يكن قهرًا خارجيًا، بل محبة قوية ومريدة. وفى جهاده فى البستان وعلى الصليب فإن قوات الظلمة تهاجمه بكل عنفها، ولكنها لا تستطيع أن تحوّل محبته إلى بغضة؛ لا تستطيع أن تمنع محبته من أن تظل كما هي. لقد امتُحنت محبته إلى أقصى حد ولكنها لم تُقهر. ” النور يضئ فى الظلمة والظلمة لم تبتلعه” (يو5:1). ويمكن أن نتكلم عن نصرة المسيح على الصليب بالكلمات التي تكلم بها كاهن روسى عند إطلاق سراحه من معسكر السجن، عندما قال: ” الألم قد حطم كل شئ، شئ واحد قد ظل ثابتًا ـ ألاّ وهو المحبة “.

 

          فعندما نفهم الصليب على أنه انتصار فهذا يضع أمامنا مضادة المحبة الكلية القدرة. ويقترب ديستوفسكى من المعنى الحقيقى لنصرة المسيح فى بعض عباراته التي يضعها على لسان الستارتز زوسيما[4]:

          [ يقف الإنسان مرتبكًا أمام بعض الأفكار، وخاصة أمام منظر الخطية البشرية، ويتحير الإنسان هل يقاومها بالقوة أم بالمحبة المتواضعة. قرّر وصمم دائمًا وقل سأقاومها بالمحبة المتواضعة. فإن عزمت على ذلك مرة واحدة، فإنك تستطيع أن تغلب العالم كله. التواضع المملوء محبة هو قوة مرعبة: إنه الأقوى بين الأشياء ولا يوجد شئ آخر مثله ].

 

التواضع المملوء محبة هو قوة مرعبة: فحينما نتخلى عن أى شئ أو نتألم من أى شئ لا بإحساس المرارة المرتبط بالتمرد، بل باستعداد ورغبة ونتيجة المحبة، فهذا لا يجعلنا أضعف بل اقوى. هكذا الأمر أيضًا ـ وأكثر من الكل ـ فى حالة يسوع المسيح. يقول القديس أغسطينوس إن ضعف المسيح كان قوة. إن قوة الله تظهر بالأكثر ليس فى خلقته للعالم أو فى أى معجزة من معجزاته بل بالحرى فى حقيقة أن الله بسبب محبته، قد ” أخلى نفسه” (فى7:2)، قد سكب نفسه فى عطاء سخى للذات باختياره الحر ورضاه بأن يتألم وأن يموت. وهذا الإخلاء للنفس هو تحقيق للذات: الإخلاء هو امتلاء (Kenosis is Plerosis) إن الله لا يكون فى أقصى قوته إلاّ كما يكون وهو فى غاية الضعف.

 

          المحبة والبغضة هما ليس مجرد مشاعر ذاتية، تؤثر فى العالم الداخلى لأولئك الذين يختبرونهما بل هما أيضًا قوتين موضوعيتين فعلاً، وهما تغيران العالم الذي حولنا خارج نفوسنا. بمحبة الآخر أو بغضه فإنى أجعل الآخر ـ إلى درجة ما ـ يتحول ليصير بحسب ما أراه أنا أو أراها. إن محبتى خلاّقة ليس فقط لنفسى بل لحياة كل الذين حولى، وبالمثل فإن كراهيتى هدامة. فإن كان هذا صحيحًا بالنسبة لمحبتى أنا فيكون صحيحًا بدرجة أعظم بما لا يُقاس بالنسبة لمحبة المسيح. فانتصار محبة المسيح المتألمة على الصليب ليس فقط يضع أمامى نموذجًا يبين لىّ ما يمكن أن أصل إليه إن تمثلت به بواسطة جهودى الخاصة، بل أكثر جدًا من هذا فإن محبته المتألمة لها تأثير خلاّق علىَّ ـ إذ أنها تغير قلبى وإرادتى، وتحررنى من العبودية وتجعلنى صحيحًا معافى، وتجعلنى قادرًا على أن أحب بطريقة تتجاوز قواىَّ تمامًا لو لم أكن قد نلت أولاً محبته لىّ. ولأنه وحّد نفسه معى بالمحبة، فإن انتصاره هو انتصارى. وهكذا فإن موت المسيح على الصليب هو بحق “موت خلاّق للحياة” (موت مُحيِى)، كما يصفه قداس القديس باسيليوس.

 

          إذن، فآلام المسيح وموته لهما قيمة موضوعية: لقد عمل لنا شيئًا كنا غير قادرين أن نعمله بدونه. وفى نفس الوقت، لا ينبغى أن نقول إن المسيح قد تألم “بدلاً منا”، بل بالحرى قد تألم “لأجلنا”. ابن الله تألم “حتى الموت”، لا لكى نُعفى نحن من الألم والمعاناة، بل لكى تكون آلامنا مثل ألامه. فالمسيح يقدم لنا طريقًا لا للهروب من الألم بل طريقًا للسير فى وسط الألم؛ فهو لا يقدم لنا مبادلة، بل يرافقنافى آلامنا وبمرافقته لنا يخلصنا.

          هذه هي قيمة صليب المسيح بالنسبة لنا. فإذا أخذناه وربطناه بالتجسد والتجلى اللذين يسبقانه، وبالقيامة التي حدثت بعده ـ فإن كل هذه إنما هي عناصر لعمل واحد لا تقبل الانفصال عن بعضها، أى أنها “دراما”. فإن الصلب ينبغى أن يُفهم على أنه أعظم وأكمل نصرة، وتضحية، ومثال. وفى كل الحالات فإن النصرة، والتضحية، والمثال، هي خاصة بالمحبة المتألمة:

          وهكذا فنحن نرى فى الصليب:

          النصرة الكاملة للتواضع المُحب على البغضة والخوف ؛

          التضحية الكاملة أى تقديم الذات الإرادى الذي للمحبة المشفقة ؛

          المثال الكامل لقوة المحبة الخلاّقة.

          وبكلمات جوليان (من نوريخ Julian of Norwich):

          “هل تريد أن تتعلم قصد سيدك فى هذا الأمر؟ تعلّمه جيدًا. المحبة كانت قصده. من الذي أظهرها لك؟ المحبة. ماذا أظهر لك؟ المحبة. لماذا أظهرها لك؟ لأجل المحبة. فأمسك أنت بها وأنت ستتعلم وتعرف أكثر فى نفس هذا الأمر (المحبة). ولكنك لن تعرف أو تتعلم هناك شيئًا آخر بغير حدود.. ثم قال ربنا الصالح يسوع المسيح: هل أنتِ مسرورة لأنى تألمت لأجلكِ؟ فقلت له: نعم أيها الرب الصالح، إنى أشكرك؛ نعم ياربى الصالح لتكن أنت مباركًا. حينئذٍ قال يسوع سيدنا الحنون: إن كنتِ مسرورة فأنا مسرور. إنه لفرح وإنه لسعادة وأمر مشبع لىّ بلا نهاية إننى عانيت الآلام لأجلكِ، وإن كان يلزم أن أتألم أكثر فإننى سوف أتألم أكثر”.

 

المسيح قام :

          بسبب أن المسيح إلهنا هو إنسان حقيقى، لهذا مات موتًا بشريًا تامًا، موتًا حقيقيًا على الصليب. ولكن لأنه ليس فقط إنسانًا حقيقيًا بل هو أيضًا إله حقيقى، بسبب أنه هو الحياة ذاتها ومصدر الحياة، فهذا الموت لم يكن ولا يمكن أن يكون الخاتمة النهائية.

 

          الصلب ذاته نصرة؛ ولكن النصرة تظل خفية يوم الجمعة العظيمة، ولكن فى فجر القيامة تصير النصرة ظاهرة مكشوفة. المسيح قام من بين الأموات وبقيامته يحررنا من القلق والخوف: فهنا تتأكد نصرة الصليب ويظهر بوضوح أن الحب أقوى من البغضة وأن الحياة أقوى من الموت. الله نفسه مات وقام من الأموات، وهكذا لم يعد هناك موت بعد. فحتى الموت قد صار مملوءًا بالله. وبسبب قيامة المسيح فلم نعد نخاف من أى ظلمة أو قوة شريرة فى الكون كله. وكما نعلن فى صلاة قداس ليلة القيامة ـ بكلمات للقديس يوحنا ذهبى الفم:

          لا أحد يخاف الموت،                                      لأن موت المخلص قد حررنا

          المسيح قام                                                                     والشياطين قد سقطت

          المسيح قام                                                                     والملائكة تتهلل

          هنا ـ مثلما فى مواقف أخرى ـ فإن الأرثوذكسية تصل إلى الطرف الأقصى. فنحن نكرر مع القديس بولس: ” إن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا، وباطل أيضًا إيمانكم” (1كو14:15). كيف نستمر أن نكون مسيحيين، إن كنا نعتقد أن المسيحية مؤسسة على أوهام ؟ وكما أنه لا يكفى أن نعتبر المسيح مجرد نبى أو مجرد معلم للبر، ولم نعتبره الإله المتجسد، هكذا أيضًا لا يكفى أن نشرح القيامة بقولنا أن “روح” المسيح عاش بطريقة ما وسط تلاميذه. فالذي لا يكون “إله حق من إله حق”، والذي لم يقهر الموت بموته وقيامته من بين الأموات، لا يمكن أن يكون هو خلاصنا ورجاؤنا.

 

          نحن الأرثوذكس نؤمن أنه قد حدثت قيامة حقيقية من بين الأموات، أى أن نفس المسيح البشرية قد عادت واتحدت بجسده البشرى، وأن القبر وُجد فارغًا. وبالنسبة لنا نحن الأرثوذكس حينما ندخل فى حوارات “مسكونية” ـ فإن أحد أهم الانقسامات وسط المسيحيين المعاصرين هي بين الذين يؤمنون بالقيامة والذين لا يؤمنون بها.

وأنتم شهود لهذه الأمور” (لو48:24). المسيح المُقام يرسلنا إلى العالم لنشرك الآخرين معنا فى “الفرح العظيم” الذي لقيامته. كتب الأب ألكسندر شميمان:

          [ المسيحية منذ بدايتها كانت هي الكرازة بالفرح، الكرازة بالفرح الوحيد الممكن على الأرض… بدون الكرازة بهذا الفرح تبقى المسيحية غير مفهومة. الكنيسة كانت منتصرة فى العالم لسبب واحد وهو أنها كانت مملوءة بالفرح، وهي فقدت العالم حينما فقدت الفرح، حينما توقفت عن الشهادة للفرح. من بين الاتهامات الموجهة للمسيحيين فإن أشدها هولاً هو الاتهام الذي نطق به نيتشه حينما قال: إن المسيحيين ليس عندهم فرح… الإنجيل يبدأ هكذا: ” ها أنا أبشركم بفرح عظيم..” وينتهي هكذا ” فسجدوا له ورجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيم.. ” (لو10:2، 52:24).]

          [ اعتاد أحد الشيوخ أن يقول: نادى اسم يسوع باتضاع وبقلبٍ منسحق، اخبره بضعفك الشديد، وهو يصير قوتك ]                         من أقوال آباء البرية

          [ ما أسهل أن تقول مع كل نَفَس: ياربى يسوع، ارحمنى! اباركك ياربى يسوع، ياربى يسوع، أعنى ]                                   القديس مقاريوس المصرى

          [ كل الآمال، والخطط، والعادات، والحسابات ـ وفوق الكل ـ المعنى، معنى الحياة، كل هذه تطير إلى داخل القبر المظلم المفتوح. المعنى فقد معناه، وهناك معنى آخر يفوق الإدراك هذا المعنى جعل للإنسان أجنحة تنمو فى ظهره… واعتقد أن أى إنسان يكون له هذا الاختبار للأبدية ـ ولو مرة واحدة، الإنسان الذي عرف طريقه الذي يسير فيه، ولو مرة واحدة ؛ ذلك الذي رأى “ذاك” الذي يسير أمامه، ولو مرة واحدة ـ مثل هذا الشخص سيجد أنه من الصعب أن يتحول عن هذا الطريق: فبالنسبة إليه، كل راحة تبدو سريعة الزوال، كل الكنوز لا قيمة لها، وكل الرفقاء لا لزوم لهم إذا فشل فى ان يرى بينهم ” الرفيق الوحيد”، حاملاً صليبه ]       

الأم ماريا من باريس

(هذه السطور كتبتها بعد وفاة طفلها)[5]

          [ الحق بالنسبة لنا ليس منظومة فكرية. الحق غير مخلوق. الحق كائن. المسيح هو الحق. الحق شخص. الحق ليس منحصرًا فى حدود إدراكنا له. الحق يسمو فوق إدراكنا، نحن لا نستطيع أن نبلغ إلى إدراك كامل للحق. البحث عن الحق هو البحث عن شخص المسيح.

          الحق هو سر شخص المسيح، ولأن الحق هو شخص، فإن السر مرتبط بدون انفصال بالحدث: حدث المقابلة. السر والحدث هما واحد.

          السر، عند الذهن الأرثوذكسى، هو حقيقة دقيقة وبسيطة تمامًا. السر هو المسيح، وهو أن تلتقى بالمسيح ]                                       (الأم ماريا من نورماندى)

          [ الرب قد صار كل شئ لأجلك، وأنت ينبغى ان تصير كل شئ لأجل الرب ]                                                                                               القديس يوحنا من كرونستادت

          [ لو لم يكن (المسيح) قد اتخذ (على عاتقه) الإنسان كله لما كان الإنسان كله قد خَلُص ]                                                                                                     أوريجينوس

 

[ عجيبة مدهشة قد أتت اليوم،

الطبيعة تجددت، والله صار إنسانًا.

ما كان عليه،       ظل كما هو،

وما لم يكن عليه، ذلك قد أخذه لنفسه

وأثناء آلامه ليس هناك اختلاط ولا انقسام

كيف أخبر عن هذا السر العظيم ؟

فذاك الذي هو بدون جسم صار متجسدًا،

الكلمة لبس جسدًا ؛

غير المرئى صار مرئيًا ؛

والذي لا تستطيع اليد أن تلمسه صار يُمسك ؛

والذي ليس له بداية، يبدأ الآن أن يوجد ؛

ابن الله صار ابن الإنسان:

يسوع المسيح هو نفسه، أمس، واليوم وإلى الأبد ]

(من صلاة عشية عيد الميلاد)

[ من لنا مثلك، يارب ؟

العظيم الذي صار صغيرًا، الساهر الذي نام، الطاهر الذي اعتمد، الحى الذي مات، الملك الذي حقر نفسه ليضمن الكرامة للجميع.

مباركة كرامتك، يجب على الإنسان أن يعترف بألوهيتك،

ويليق بالسمائيين أن يسجدوا لبشريتك.

الكائنات السمائية ذُهلت إذ رأتك كيف صرت صغيرًا جدًا.

والكائنات الأرضية ذُهلت إذ رأتك مُمجدًا جدًا ]

القديس مار افرآم السريانى

          [ لأن المسيح هو المحبة الكاملة، لذلك فحياته على الأرض لا يمكن أن تصير حياة من الماضى. هو يظل “حاضر” طوال الأبدية كلها. كان وحيدًا عندئذ، وحمل وحده خطايا البشر جميعًا كوحدة واحدة. ولكن فى موته، أخذنا جميعًا فى عمله. لذلك فالأنجيل حاضر معنا الآن. ويمكننا أن ندخل داخل ذبيحته الخاصة ]                                                                                         (الأم ماريا من نورماندى)

[ ذاك الذي لا يمكن لأحد أن يلمسه، يُقبض عليه ؛

ذاك الذي يحل آدم من اللعنة، يُربط.

ذاك الذي يمتحن القلوب وأفكار الإنسان الداخلية، يؤتى به إلى المحاكمة ظلمًا ؛

ذاك الذي أغلق الجحيم يُوضع فى الحبس.

ذاك الذي تقف أمامه قوات السماء مرتعدة، يقف أمام بيلاطس ؛

الخالق يُضرب بيد خليقته ؛

ذاك الذي سيأتى ليدين الأحياء والأموات يُحكم عليه بالصلب ؛

محطِّم الجحيم يُغلق عليه فى قبر.

يا من احتملت كل هذه الأمور بمحبتك الرقيقة،

يا من خلصت جميع الناس من اللعنة،

أيها الرب الطويل الآناة.. المجد لك ].

(من صلوات الجمعة العظيمة)[6]

          [ أعمق أساس للرجاء والفرح، وهو الأساس الذي يميز الأرثوذكسية ويتغلغل فى كل عبادتها، هو القيامة. عيد القيامة، محور العبادة الأرثوذكسية هو انفجار للفرح، نفس الفرح الذي شعر به التلاميذ حينما رأوا المخلص المُقام. عيد القيامة هو انفجار فرح الكون بانتصار الحياة، بعد الحزن الغامر على الموت ـ الموت الذي عاناه رب الحياة حينما صار إنسانًا “. لتفرح السموات ولتتهلل الأرض، وليحتفل العالم كله المنظور وغير المنظور بالعيد، لأن المسيح فرحنا الأبدى قد قام “. كل الكائنات قد امتلأت الآن بيقين الحياة، بينما كانت قبل ذلك تسير بإطراد نحو الموت.

          الأرثوذكسية تشدد بأصرار على إيمان المسيحية بانتصار الحياة ].

الأب دوميترو ستانيلو

          [عندما يكون الإنسان سجينًا فى معسكر سوفيتى بسبب معتقداته الدينية، عندئذ فقط يمكنه أن يفهم حقًا سر سقوط الإنسان الأول، والمعنى التصوفى (mystical) لافتداء كل الخليقة، ونصرة المسيح العظيمة على قوات الشر. إننا، إذ نتألم لأجل مبادئ الإنجيل المقدس فعندئذ فقط يمكننا أن نفهم بوضوح ضعفنا وخطيئتنا، وندرك عدم استحقاقنا بالمقارنة بالشهداء العظام للكنيسة الأولى. وعندئذ فقط يمكننا أن نفهم أن الوداعة والتواضع العميقين هما ضرورة قصوى، وبدونهما (بدون الوداعة والتواضع العميقين) لا يمكننا أن نخلص؛ عندئذ فقط يمكننا أن نبدأ فى تمييز الصورة العابرة لما هو منظور، كما نميز الحياة الأبدية لما هو غير منظور.

          فى يوم عيد القيامة (الفصح) ـ نحن جميعًا الذين كنا مسجونين بسبب معتقداتنا الدينية ـ اتحدنا معًا فى الفرح الواحد ـ فرح المسيح. لقد انجذبنا كلنا إلى شعور واحد، إلى انتصار روحانى واحد، ممجدين الإله الأبدى الواحد. لم يكن هناك قداس عيد القيامة المهيب المصحوب بصوت أجراس الكنيسة، ولم يكن هناك أى احتمال فى معسكرنا أن نجتمع للعبادة، أو أن نرتدى ملابس العيد، أو أن نعد أطباق عيد الفصح. بل بالعكس، كان هناك عمل أكثر وتدخّل أكثر من المعتاد فى شئون حياتنا. كل السجناء هنا بسبب معتقداتهم الدينية ـ أيًا كانت الكنيسة التي ينتمون إليها ـ كانوا محاصرين بتجسس أكثر، وبتهديدات أكثر من البولس السرى.

          ومع ذلك، فعيد القيامة (الفصح) كان هناك: عظيمًا، مقدسًا، روحانيًا، وغير ممكن نسيانه. نال عيدنا الفصحى بركة حضور إلهنا القائم (الحى) فى وسطنا ـ نال عيدنا بركة هدوء وسكون نجوم صحراء سيبريا، كما نال عيدنا بركة أحزاننا.

          كم هو عجيب أن تنبض قلوبنا بفرح عظيم وهي تشترك فى القيامة العظيمة.

          انهزم الموت، لم يعد هناك خوف، لقد أُعطىَ لنا فصح أبدى! وها نحن ـ ونحن ممتلئون بهذا الفصح العجيب ـ نرسل لكم من معسكر سجننا، الأخبار المنتصرة والفرحة: المسيح قام

(خطاب مرسل من معسكر اعتقال سوفيتى)

 

[1] يشير إلى الفصل الثانى ” الله ثالوث ” فى الجزء الخاص بصلاة ” ياربى يسوع.. ” (ص17).

2 بعد مجمع أفسس سنة 431م، ذكر المؤلف المجامع المسكونية عند الروم الأرثوذكس من الرابع إلى السابع، وعلاقتها بالتجسد. وما جاء فى قرارات هذه المجامع هو عبارة عن الإيمان بالثالوث وباتحاد الطبيعتين فى شخص ابن الله المتجسد الواحد، سبق أن أوردته المجامع الثلاث الأولى التي تعترف بها كنيستنا القبطية (المعرب).

3  وردت أيضًا فى القداس القبطى.

1 ديستوفسكى هو الروائى الروسى العالمى الشهير فى القرن التاسع عشر، وشخصية زوسيما هي إحدى شخصيات رواية ” الاخوة كارمازوف “.

3 راهبة روسية كانت متزوجة قبل الرهبنة، فى الفترة الأخيرة من حياتها كرست نفسها لخدمة المرضى والفقراء والسجناء فى فرنسا، وتوفيت فى معسكرات النازى فى رافنزبروك بألمانيا سنة 1945.

1  من صلوات الجمعة العظيمة عند الروم الأرثوذكس.

 

 

الله إنسانا – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله خالق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله خالق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الله خالق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

الفصل الثالث

الله خالقٌ

جاء إلى القديس أنطونيوس فى البرية أحد الحكماء فى ذلك الزمان وقال له: ” يا أبى، كيف تحتمل العيش هنا محرومًا من كل تعزية من الكتب؟”.
فأجابه أنطونيوس ” كتابى، أيها الفيلسوف هو طبيعة الأشياء المخلوقة، وكلما أردت أقدر أن أقر فيها أعمال الله “.                                                              إفاجريوس البنطى

اعرف أن فى داخلك، على مستوى صغير، كونًا آخر: فى داخلك شمس وهناك قمر، وهناك أيضًا نجوم.                                                                                                                     أوريجينوس

 

تطلع إلى السموات:

          تصف الممثلة ليللا مكارثى كيف أنها ذهبت مرة وهي تشعر بتعاسة شديدة لتقابل ” جورج برنارد شو “، بعد أن هجرها زوجها:

          كنت أرتجف، كان شو يجلس ساكنًا جدًا. جلبت لى النيران الدفء.. لم أعرف كم مكثنا على هذا الحال، لكننى وجدت نفسى الآن أسير بخطى متثاقلة وشو يسير بجوارى.. نقطع “ممر أدلفى” صعودًا وهبوطًا. وتخفف الثقل الواقع على كاهلى رويدًا وأذرفت الدمع الذي لم يكن يفيض من قبل أبدًا.. وتركنى أصرخ. وسرعان ما سمعت صوتًا يتحدث إلىَّ اجتمعت فيه كل رقة العالم ولطفه. قال الصوت: ” تطلعى، يا عزيزتى، تطلعى إلى السموات. هناك فى الحياة ما هو أكثر من هذا. هناك المزيد والكثير”.

          ومهما كان إيمان “شو” بالله أو عدمه، فإن “شو” يشير هنا إلى شئ أساسى فى الطريق الروحى. إنه لم يقدم كلمات ناعمة لتعزية ليللا مكارثى، أو تظاهر أن ألمها من السهل تحمله. ما فعله كان أكثر إدراكًا وتبصرًا. أخبرها أن تخرج لحظة من نفسها، من مأساتها الشخصية، وأن ترى العالم فى موضوعيته، وأن تتحسس جماله وتنوعه، أن تحس به “هكذا كما هو”. وتنطبق نصيحته على جميعنا. ورغم أن آلامى وآلام الآخرين تقهرنى، فينبغى ألا أنسى أنه يوجد فى العالم أكثر من هذا، هناك الكثير جدًا.

 

          ويقول القديس يوحنا من كرونستادت “الصلاة حالة من الشكر الدائم”. فإن كنت لا أشعر بأى إحساس فرح بخليقة الله، وإن كنت أنسى أن أقدم العالم لله بالشكر، فلا أكون قد تقدمت سوى القليل على “الطريق”. ولم أتعلم بعد أن أكون إنسانًا بالحق. لأنه بالشكر فقط أقدر أن “أصبح أنا نفسى”. والشكر الممتزج بالفرح، البعيد جدًا عن كونه شكرًا مغرقًا فى الخيال أو شكرًا عاطفيًا، هو على النقيض شكر واقعى تمامًا ـ لكنها واقعية المرء الذي ” يرى العالم فى الله “، كخليقة إلهية.

 

جسر الماس:

          ” أتيت بنا إلى الوجود من العدم ” (قداس القديس يوحنا ذهبى الفم). كيف لنا أن نفهم علاقة الله بالعالم الذي خلقه ؟ ما معنى هذه العبارة “من العدم”، ولماذا، فى الحقيقة، يخلق الله أصلاً ؟

          إن عبارة ” من العدم ” تدل أولاً وقبل كل شئ، على أن الله خلق العالم ” بفعل مشيئته الحرة”. ولا شئ أجبره على أن يخلق، هو اختار أن يفعل ذلك. لم يُخلق العالم بغير قصدٍ أو عن ضرورة، إنه ليس انبثاقًا آليًا أو فيضًا من الله، بل هو نتيجة الاختيار الإلهي.

          فإن لم يكن شئ قد اضطر الله إلى الخلق، فلماذا إذن اختار أن يفعل هكذا ؟ وبقدر ما يسمح مثل هذا السؤال بإجابة، فإن ردنا يجب أن يكون: إن دافع الله فى الخلق هو محبته. وعوضًا عن القول إنه خلق العالم من عدم، يجب علينا القول بالأحرى إنه خلقه من ذاته هو، التي هي المحبة. علينا أن نفكر، لا فى “الله الصانع” ولا فى “الله الحرَفى” بل فى “الله المحب”. ليس الخلق بالأكثر فعل مشيئته الحرة بقدر ما هو فعل “محبته الحرة”. أن نحب معناه أن نشارك، كما أوضح لنا تعليم الثالوث بكل جلاء. ليس الله مجرد واحد، بل واحد فى ثلاثة، لأنه شركة أشخاص يتشاركون فى المحبة الواحد مع الآخر. إن دائرة الحب الإلهي، رغم ذلك، لم تبقَ مغلقة. إن محبة الله بكل ما تحمله الكلمة من معنى، محبة ” نشوة ودهش ” ـ محبة تجعل الله يخرج من ذاته وأن يخلق أشياء غير ذاته. وخلق الله العالم فى محبة ” دهشٍ ” باختيار إرادى، لتكون بجواره كائنات أخرى تشترك فى حياته ومحبته.

 

          لم يكن الله تحت أى اضطرار لكى يخلق، لكن ذلك لا يعنى أن هناك أى شئ بمحض الصدفة أو غير منطقى حول فعله فى الخلق. الله هو “كل” ما يفعل، لهذا فإن فعله فى الخلق ليس شيئًا ما منفصلاً عن نفسه. إن كل واحد منا كان موجودًا دائمًا فى قلب الله وفى محبته. ومنذ الأزل رأى الله كل واحد منا كفكرة أو فكر فى عقله الإلهي، ومنذ الأزل كان عنده خطة خاصة ومتميزة لكل واحد منا. نحن كنا موجودين على الدوام بالنسبة له، ويعنى الخلق أنه فى نقطة ما معينة فى الزمن بدأنا نوجد نحن أيضًا بالنسبة لأنفسنا.

          وكثمرة مشيئة الله الحرة، ومحبته الحرة، لم يكن العالم ضروريًا ولا مكتفيًا بذاته، بل هو عارض ومعتمد (على الله). وككائنات مخلوقة، لا يمكن أن نصبح نحن أنفسنا أبدًا وحدنا؛ فالله هو قلب كياننا، وإلاّ توقفنا عن الوجود. وفى كل لحظة نحن نعتمد فى وجودنا على مشيئة الله المُحِبة. الوجود هو دائمًا عطية أو هبة من الله ـ عطية مجانية من محبته، عطية لا تسترد أبدًا، لكنها على أى حال عطية، وليست شيئًا ما نمتلكه نحن بقدرتنا الذاتية. الله وحده هو الذي يملك سبب ومصدر كيانه فى ذاته، أما كل الكائنات المخلوقة فإن علتها ومصدرها، ليس فى أنفسها، بل فيه هو. الله وحده ذاتى المصدر، وكل الخلائق مصدرها الله، وجذرها فى الله، تجد أصلها وكمالها فيه. الله وحده ” اسم “، وكل المخلوقات ” صفات “.

 

          وبقولنا إن الله خالق العالم، لا نعنى فقط أنه وضع الأشياء فى حالة حركة بفعل أولى “فى البدء”، بعده استمرت فى أداء أعمالها بذاتها. ليس الله مجرد صانع ساعات كونيًا، يملأ الآلة ويتركها تستمر فى الدق من نفسها. على النقيض، فالخلق “مستمر“. وإن توخينا الدقة فى الحديث عن الخلق، علينا ألاّ نستخدم صيغة الزمن الماضى، بل الحاضر المستمر.

 

          علينا ألاّ نقول إن “الله خلق العالم، وخلقنى أنا فيه”، بل نقول إن ” الله يخلق العالم، ويخلقنى أنا فيه، هنا والآن، فى هذه اللحظة وباستمرار”. ليس الخلق حدثًا فى الماضى، بل هو علاقة فى الحاضر. لو لم يستمر الله فى أعمال مشيئته الخلاقة فى كل لحظة، لتهاوى الكون على الفور إلى عدم الوجود، لا شئ يمكنه أن يبقى موجودًا ثانيةً واحدةً لو لم يشأ الله له أن يكون. ومثلما يعبّر عنها المطران فيلاريت رئيس أساقفة موسكو، “كل المخلوقات تعتمد على كلمة الله الخالقة، كما فوق “جسر من ماس”، فوقها هاوية اللانهائية الإلهية، وتحتها هاوية عدميتها “. ويصدق هذا الأمر حتى على الشيطان والملائكة الساقطين فى الهاوية: إنهم هم أيضًا يعتمدون فى وجودهم على مشيئة الله.        

 

          إن غاية تعليم الخلق، إذن، ليس فى أن ننسب نقطة بداية زمنية للعالم، بل أن نؤكد على أنه فى هذه اللحظة الراهنة، كما فى كل اللحظات، يعتمد العالم فى وجوده على الله. وحينما يعلن سفر التكوين ” فى البدء خلق الله السموات والأرض ” (تك1:1)، فإن كلمة ” بدء ” لا تؤخذ هكذا ببساطة بمعنى زمنى (مؤقت)، بل ككلمة تدل على أن الله هو العلة الثابتة لكل الأشياء والحافظ لكل الأشياء.

 

          وكخالق، إذن، فإن الله هو دائمًا فى قلب كل شئ، وهو يحفظه فى الوجود. وعلى مستوى الاستفسار العلمى، فإننا ندرك بعض العمليات أو العواقب الخاصة بالسبب والنتيجة. وعلى مستوى الرؤيا الروحية والتي لا تناقض العلم لكنها تتجاوزه، ندرك فى كل مكان قدرات الله الخالقة، التي تضبط كل ما هو موجود، والتي تشكل الجوهر العميق جدًا للأشياء كلها. ولكن رغم أن الله حاضر فى كل مكان فى العالم، فإن الله ليس متطابقًا مع العالم. ونحن كمسيحيين لا نؤكد على ألوهية الكون أو “وحدة الوجود”[1] بل على “عدم ألوهية الكون” (أو عدم وحدة الوجود). فالله موجود فى كل شئ ومع هذا فهو أيضًا يفوق ويتجاوز كل الأشياء. هو ” أعظم من كل عظيم ” وأيضًا ” أصغر من كل صغير “.

          وحسب تعبير غريغوريوس بالاماس ” هو فى كل مكان وليس فى أى مكان، هو كل شئ ولا شئ”. ومثلما عبر راهب بندكتى من نيو كليرفو الجديدة ” الله فى القلب (قلب الأشياء Core ومركزها). والله شئ آخر خلاف القلب. الله فى داخل القلب، وهو خلال كل القلب، وهو ما وراء القلب، وهو أقرب إلى القلب من القلب. “.

 

          ” ورأى الله كل ما عمله، فإذ هو حسنٌ جدًا” (تك31:1). الخليقة بكاملها هي من صنع الله، وكل المخلوقات هي فى عمق جوهرها “حسنة جدًا”. وترفض المسيحية الأرثوذكسية الثنائية بكل أشكالها: الثنائية الجذرية الخاصة بالمانوية، والتي تعزى وجود الشر لقوة ثانية، شريكة فى الأزلية Coeternal مع إله المحبة؛ وترفض الثنائية الأقل جذرية للفالنتينيين الغنوسيين، الذين يرون النظام المادى، بما فيه الجسم البشرى، كنظام أتى إلى الوجود كنتيجة للسقوط ما قبل الكونى، كما ترفض الثنائية الأكثر حذقًا للأفلاطونيين، الذين لا يعتبرون المادة شرًا، لكنهم يعتبرونها غير حقيقية.

 

          وتؤكد المسيحية، ضد الثنائية بكل أشكالها، أن هناك خيرًا فائقًا، “الخير الأسمى” ـ أعنى، الله نفسه ـ لكن لا يوجد ولا يمكن أن يكون هناك شر فائق، فالشر ليس شريكًا فى الأزلية مع الله. فى البدء كان الله فقط: وكل الأشياء التي توجد هي خليقته، سواء فى السماء أو على الأرض، سواء كانت روحية أم مادية، وهكذا فهي فى حالتها الأساسية التي خُلقت عليها، كلها حسنة.

 

          ماذا نحن قائلون إذن عن الشر ؟ مادامت كل المخلوقات هي فى داخلها حسنة (صالحة)، والخطية أو الشر فى حد ذاته ليس ” شيئًا “، ولا هو بالكائن الموجود أو الجوهر الموجود. وتقول “يوليان” من نورويخ فى كتابها “كشوف”: “أنا لم أر الخطية لأننى أعتقد أنها ليست لها جوهر من نوع ما، ولا تشارك فى الكيان، ولا يمكن التعرف عليها إلاّ من خلال الألم الذي يتسبب عنها”. ويقول القديس أغسطينوس “الخطية عدم”. “ما هو شر بالمعنى الدقيق” ـ كما يلاحظ إفاجريوس ” ليس هو جوهر بل هو غياب الخير، مثلما أن الظلمة ليست سوى غياب النور”. يعلن القديس غريغوريوس النيصّى ” لا توجد الخطية فى الطبيعة بمعزل عن الإرادة الحرة، إنها ليست جوهرًا قائمًا بذاته “. ويقول مكسيموس المعترف “حتى الشياطين أنفسهم ليسوا أشرارًا بطبيعتهم، لكنهم أصبحوا هكذا لما أساءوا استخدام قدراتهم الطبيعية “. الشر دائمًا طفيلي. هو التواء وسوء استعمال ما هو حسن فى ذاته. ولا يكمن الشر فى الشيء نفسه بل فى موقفنا نحو الشيء ـ أى، يكمن فى إرادتنا.

 

          وقد يبدو بتسمية الشر ” عدمًا “، أننا نقلل من بطشه وقوته. لكن كما لاحظ “س. إسس. لويس”، ” العدم”  هو قوى جدًا. فالقول بأن الشر هو سوء استعمال الخير ـ ومن ثم فى التحليل الأخير، وهمًا وليس حقيقة ـ هذا لا يعنى أن ننكر قبضته القوية علينا. لأنه ما من قوة أعظم فى الخليقة من الإرادة الحرة للكائنات التي أُعطى لها وعى ذاتى وذهن روحى، لهذا فإن سوء استخدام هذه الإرادة الحرة يمكن أن تكون له عواقب مرعبة جدًا.

 

الإنسان كجسد، ونفس وروح:

          وماذا عن مكان الإنسان فى خليقة الله ؟

          “ وإله السلام يقدسكم بالتمام ولتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم حتى مجيء ربنا يسوع المسيح ” (1تس23:5).

          هنا يذكر القديس بولس العناصر أو الأوجه الثلاثة التي تكوّن الإنسان. وبينما تتمايز هذه العناصر إلاّ أنها معتمدة تمامًا الواحد على الآخر؛ فالإنسان وحدة متكاملة وليس المجموع الكلى لأجزاء منفصلة.

          أولاً، هناك “الجسد” ” تراب من الأرض” (تك7:2)، وهو الجانب الفيزيفى أو المادى لطبيعة الإنسان.

          ثانيًا، هناك النفس، قوة الحياة التي تحيى وتنشّط الجسد، فتجعله ليس مجرد كتلة أو عجينة من المادة، لكن شيئًا ينمو ويتحرك، ويشعر ويدرك. وللحيوانات أيضًا نفس، وربما النباتات لها أيضًا. لكن النفس فى حالة الإنسان منحها الله وعيًا، فهي نفس عاقلة، تملك القدرة على التفكير المجرد، والقدرة على التقدم بواسطة النقاش الاستطرادى من مقدمات منطقية إلى الاستنتاج.

          ثالثًا، هناك ” الروح “، ” النسمة ” من الله (أنظر تك7:2)، والتي لا توجد فى الحيوانات. ومن المهم أن نميز ” الروح” (القدس) عن ” الروح” العادية. فالروح المخلوقة التي للإنسان ليست هي الروح غير المخلوق أى روح الله القدوس الأقنوم الثالث فى الثالوث؛ ومع ذلك فإن الروحيين مرتبطان ارتباطًا حميمًا، لأنه من خلال روحه يدرك الإنسان الله ويدخل فى شركة معه.

          وبنفسه (psyche) يدخل الإنسان فى الاستفسارات العلمية أو الفلسفية، فيحلل بيانات خبرته الحسية بواسطة التفكير الاستطرادى. وبروحه        (pneuma) والتي تُلقب أحيانًا بلفظة nous أى ذهن روحى، يفهم الحق الأبدى عن الله أو عن الجواهر الداخلية للمخلوقات (أو logoi)، ليس من خلال التفكير الاستنباطى، بل من خلال الإحساس المباشر أو الإدراك الروحى ـ بواسطة نوع من الحدس يسميه القديس مار اسحق السريانى “المعرفة البسيطة”. هكذا فإن الروح أو الذهن الروحى متميز عن قدرات الإنسان العقلية وعواطفه الجمالية، وتسمو على كليهما معًا.

 

          ولأن للإنسان نفسًا عاقلة وذهنًا روحيًا، فهو يملك القدرة على تقرير مصير نفسه ويملك الحرية الأخلاقية، بمعنى إحساس الخير والشر، والقدرة على الاختيار بينهما. وبينما تتصرف الحيوانات بالفطرة أو الغريزة، فإن الإنسان قادر على اتخاذ قرار حر وواعٍ.

 

          وفى بعض الأحيان، ينبئ “الآباء” نظامًا ثنائيًا لا ثلاثيًا، واصفين الإنسان ببساطة كوحدة من جسد ونفس؛ فى تلك الحالة يعتبرون الروح أو الذهن أنه الجانب الأعلى للنفس. لكن النظام الثلاثى للجسد والنفس والروح أكثر دقة وأكثر توضيحًا، خاصة فى عصرنا هذا حيث يحدث خلط بين النفس والروح، وحين لا يكون معظم الناس حتى على وعى بأنهم يملكون ذهنًا روحيًا. إن النظام الثقافى والتعليمى للغرب المعاصر قائم على وجه الحصر تقريبًا على تدريب الدماغ العقلانى، وبدرجة أقل، على العواطف الجمالية. وقد نسى معظمنا أننا لسنا فقط دماغًا وإرادة، وأحاسيس ومشاعر، إنما نحن أيضًا روح. لقد فقد الإنسان الحديث غالبًا التلامس مع أصدق وأعلى وجه من أوجه شخصيته، ويمكن رؤية أثر هذا الاغتراب الداخلى وبشكل جلى جدًا فى قلقه، وفقدان الهوية وضياع الرجاء.

 

الإنسان وسيط وكون صغير:

          الجسد والنفس والروح هم ثلاثة فى واحد، ويشكل الإنسان وضعًا فريدًا فى النظام المخلوق.

          ووفقًا للنظرة الأرثوذكسية للعالم، فقد جبل الله مستويين للمخلوقات: أولاً المستوى ” العقلى “، ” الروحى ” أو ” الذهنى “.

ثانيًا، المستوى المادى أو الجسدانى.

          وعلى المستوى الأول خلق الله الملائكة الذين لا جسد مادى لهم. وعلى المستوى الثانى خلق الكون المادى ـ الأجرام السماوية، والنجوم والكواكب السيارة مع الأنواع المتعددة من المعادن والنباتات والحيوانات.

          الإنسان، والإنسان وحده، هو الذي يوجد فى كلا المستويين فى آن واحد. فمن خلال روحه أو ذهنه الروحى يشارك فى المجال العقلى noetic وهو فى هذا رفيق الملائكة، ومن خلال جسده ونفسه، يتحرك ويشعر ويفكر وأيضًا يأكل ويشرب ويحول الطعام إلى طاقة ويشارك بشكل عضوى فى المجال المادى، الذي يسرى فى داخله من خلال إدراكاته الحسية.

 

          هكذا فإن طبيعتنا البشرية أكثر تعقيدًا من الطبيعة الملائكية، وقد وُهبت إمكانيات أغنى. والإنسان من وجهة النظر هذه ليس أدنى بل أعلى من الملائكة؛ وكما يؤكد التلمود البابلى، “الأبرار أعظم من الملائكة الخادمين” (سنهدرين 93أ). يقف الإنسان فى قلب خليقة الله. ومن ثم يشارك فى كل من المجالين العقلى والمادى، وهو صورة أو مرآة للخليقة كلها، (أو بالتعبير اللاتينى imago mundi)، أى ” كون صغير ” (ميكروكوزم). وتتلاقى فيه كل المخلوقات. وقد يقول الإنسان عن نفسه، بكلمات كاثلين راين:

لأننى أحب

تسكب الشمس أشعتها من الذهب الخالص

تسكب ذهبها وفضتها على البحر..

لأننى أحب

ينمو نبات السرخس أخضر، ويخضر العشب،

وتخضر الأشجار المشمسة الشفافة.

لأننى أحب

يفيض النهرُ الليلَ كله فى نومى،

وتنام بين ذراعى عشرات الألوف من الأحياء

ويستيقظ النيام، والمتدفقون يجدون راحة.

          ولأن الإنسان كون صغير ـ ميكروكوزم ـ فإنه وسيط أيضًا. ومهمته المعطاة له من الله أن يصالح ويوفق المجالين العقلى مع المادى، ليوحدهما معًا، وليروحن المادى، وليجعل كل القدرات الكامنة للنظام المخلوق تصير ظاهرة ومثلما عبّر الحاسيديم اليهودى، يُدعى الإنسان “ليتقدم من درجة إلى درجة، حتى يتحد كل شئ بواسطته “.

 

          وككون صغير، فإن الإنسان إذن، هو ذلك الشخص الذي يتلخص العالم فيه. وكوسيط، هو الكائن الذي من خلاله يُقدَم العالم لله،.

          والإنسان قادر على ممارسة دور الوساطة هذا فقط لأن طبيعته البشرية هي بالأساس والجوهر، وحدة واحدة. فلو كان الإنسان مجرد نفس تسكن جسدًا بشكل مؤقت، مثلما تصور كثير من فلاسفة الإغريق والهند ـ ولو كان جسده ليس جزءً من نفسه الحقيقية، بل مجرد قطعة من الملابس التي يخلعها يومًا ما، أو سجن يسعى أن يهرب منه ـ لما استطاع الإنسان بهذا الشكل أن يعمل كوسيط.

 

          الإنسان يروحن الخليقة أولاً وقبل كل شئ، بروحنة جسده وتقديمه لله. ويكتب القديس بولس ” أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم؟.. فمجدوا الله فى أجسادكم.. فأطلب إليكم أيها الاخوة، برأفة الله، أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية، مقدسة، مرضية عند الله” (1كو19:6،20، رو1:12). لكن فى ” روحنة ” الجسد، لا يلغى الإنسان مادية هذا الجسد: على العكس، فإن الإنسان مدعو أساسًا أن يعلن أو يظهر الروحى “فى المادى ومن خلاله”. والمسيحيون بهذا المفهوم هم الوحيدون أصحاب المذهب المادى Materialists الحقيقيون.

 

          الجسد إذن، هو جزء مكمِّل للشخصية الإنسانية. وانفصال النفس عن الجسد فى الموت هو أمر غير طبيعى، هو شئ ما مضاد لخطة الله الأصلية. وهذا الموت قد حدث نتيجة السقوط. الأكثر من ذلك، فإن هذا الانفصال مؤقت: ونحن ننظر إلى ما هو قدام، فيما بعد الموت، إلى القيامة النهائية فى اليوم الأخير، حينما تتحد النفس مع الجسد مرة أخرى.

 

الصورة والمثال:

” مجد الله هو الإنسان ” هكذا يؤكد التلمود (Derech Eretz Zutta 10,5)

          ويعلن القديس إيريناوس نفس الشيء: ” مجد الله هو الإنسان الحى “. إن الإنسان يشكل محور خليقة الله وتاجها. ووضع الإنسان الفريد هذا فى الكون نعرفه من الحقيقة التي تؤكد أنه مخلوق ” على صورة الله ومثاله ” (تك26:1). الإنسان تعبير محدود للتعبير الذاتى غير المحدود لله.

 

          وأحيانًا يربط الآباء الشرقيون الصورة الإلهية أو ” الأيقونة ” (Ikon) فى الإنسان بطبيعته كلها، معتبرًا كاتحاد ثلاثى للروح والنفس والجسد. وفى أحيان أخرى يربطون الصورة بنوع خاص بأعلى سمة من سمات الإنسان، أى بروحه أو ذهنه الروحى، الذي ينال بواسطته معرفة الله والاتحاد به. وبشكل أساسى، فإن صورة الله فى الإنسان تشير إلى كل شئ يميز الإنسان عن الحيوانات، والذي يجعله ” شخصًا ” بكل ما تحمله الكلمة من معنى ـ وهو كائن أخلاقى قادر على الصواب والخطأ، وكائن روحى وهبه الله حرية داخلية.

 

          إن صفة ” الاختيار الحر” لها أهميتها الخاصة لفهم الإنسان كمخلوق على صورة الله. ومثلما الله حر، هكذا بالمثل الإنسان حر. وإذ أنه حر، فإن كل إنسان يحقق الصورة الإلهية فى داخل نفسه بأسلوبه الخاص المتميز. وليس البشر عملات نقدية يمكن استبدال الواحدة بأخرى، أو قطع غيار آلة يمكن استبدالها: فكل شخص، إذ هو حر، لا يمكن تكراره، وكل شخص، إذ هو غير قابل للتكرار، هو ثمين بغير حدود. ولا يُقاس البشر كمّيًا: فليس لنا الحق أن نفترض أن شخصًا ما بعينه أكثر قيمة من شخص آخر بعينه، أو أن عشرة أشخاص هم بالضرورة أكثر قيمة من شخص واحد. مثل هذه الحسابات تسيء إلى الشخصية الأصيلة. إن كل شخص لا يمكن استبداله بآخر، ولهذا ينبغى أن يعامل كل إنسان “كغاية” فى حد ذاته أو ذاتها، وألاّ يعامل أبدًا كوسيلة لغاية أبعد. ينبغى أن يُعتبر كل شخص لا كشيء بل كشخص. وإن كنا نجد الناس مملين ومن الصعب جدًا التكهن بما فى داخلهم، فذلك لأننا لم ننفذ إلى مستوى الشخصية الحقيقية فى الآخرين وفى أنفسنا، حيث لا توجد أنماط مكررة بل كل شخص هو فريد.

 

          ويميز كثير من الآباء الشرقيين، وإن لم يكن كلهم، بين “صورة” الله و”مثال” الله. فالصورة بالنسبة لأولئك الذين يميزون اللفظتين، تدل على “إمكانية” الإنسان على الحياة فى الله، و”المثال” يدل على “تحقيقه” لهذه الإمكانية أو القدرة. الصورة هي ما يمتلكه الإنسان منذ البداية، والتي تمكنه من أن يضع خطاه فى المحل الأول على الطريق الروحى؛ أما الشبه فهو ما يرجو أن يصل إليه فى نهاية رحلته. وبتعبير أوريجينوس “أخذ الإنسان كرامة الصورة فى خلقه الأول، لكن كمال تحقيق مثال الله سيُمنح له فقط فى نهاية الدهور”. كل الناس مخلوقون على صورة الله، ورغم أن حياتهم قد تكون فاسدة، إلاّ أن الصورة الإلهية فى داخلهم قد بهتت فقط وتغطت بقشرة معتمة، ومع هذا فهي لم تفقد تمامًا. لكن الشبه (أو المثال) يتحقق بالكامل فقط بواسطة الطوباويين فى ملكوت السموات فى الدهر الآتى.

          وبحسب القديس إيريناوس، فإن الإنسان فى بدء خلقته كان ” مثل طفل صغير”، واحتاج أن “ينمو” إلى كماله. بعبارة أخرى، فإن الإنسان فى بدء خلقته كان بريئًا وقادرًا على التطور روحيًا (الصورة)، لكن هذا التطور لم يكن حتميًا أو أوتوماتيكيًا. دُعى الإنسان للتعاون مع نعمة الله، وهكذا من خلال الاستخدام الصحيح لإرادته الحرة، فإنه ببطء وتدريجيًا يمكن أن يصير كاملاً فى الله (الشبه أو المثال). ويظهر هذا الأمر كيف يمكن لمفهوم الإنسان كمخلوق على صورة الله، أن يُفسر بالأحرى بمعنى ديناميكى متحرك لا استاتيكى ساكن. وهذا لا يعنى بالضرورة أن الإنسان قد وهبه (الله) منذ البداية كمالاً محققًا بالكامل، وأعلى قداسة ومعرفة ممكنة، بل أنه ببساطة قد أُعطى الفرصة لينمو إلى شركة كاملة مع الله.

 

          إن التمييز بين “الصورة” و”المثال” لا يتضمن طبعًا فى ذاته قبول أية “نظرية للتطور” لكنه ليس متنافرًا مع مثل هذه النظرية.

 

          إن الصورة والمثال يدلان على التوجّه والعلاقة. مثلما يعبر فيليب شيرارد ” إن عمق مفهوم الإنسان يتضمن علاقة، يتضمن اتصالاً مع الله. فحينما نؤكد على الإنسان، فإننا نؤكد أيضًا على الله”. ومعنى الإيمان بأن الإنسان مخلوق على صورة الله هو الإيمان بأن الإنسان مخلوق لأجل شركة واتحاد مع الله، وإن كان يرفض هذه الشركة يكف عن أن يكون إنسانًا بمعنى الكلمة. وليس هناك ما يسمى ” بإنسان طبيعى ” يوجد منفصلاً عن الله: الإنسان المنفصل عن الله هو فى حالة غير طبيعية تمامًا. لذلك فإن تعليم “الصورة” يعنى، أن الإنسان يجعل الله هو المركز العميق جدًا لكيانه. إن الله هو العنصر الحاسم فى بشريتنا، فإن فقدنا إحساسنا بالإلهي  نفقد أيضًا إحساسنا بالإنسانى.

 

          وقد تأكد ذلك بشكل ملفت بما حدث فى الغرب، منذ عصر النهضة، وعلى الأخص منذ الثورة الصناعية. فصاحب الدنيوية المتزايدة نمو فى تجريد المجتمع من إنسانيته. وأكبر مثال على ذلك نراه فى النسخة اللينينية ـ الستالينية للشيوعية، فى الاتحاد السوفيتى. حيث تزامن إنكار الله مع القهر القاسى لحرية الإنسان الشخصية. وهو الأمر الذي لا يثير أدنى دهشة. إن الأساس الآمن الوحيد للتعليم عن الحرية والكرامة البشرية هو الاعتقاد بأن كل إنسان مخلوق على صورة الله.

 

          والإنسان مخلوق، ليس فقط على صورة الله، بل بوجه أخص على صورة الثالوث. وكل ما قيل مثلاً عن ” كيف نحيا الثالوث ” (أنظر الفصل الثانى ص53) يكتسب قوة إضافية حينما نعبر عن ذلك بتعليم “الصورة”. فلما كانت صورة الله فى الإنسان هي صورة ثالوثية، يتبع أن الإنسان، مثله مثل الله، يحقق طبيعته الحقيقية من خلال الحياة المشتركة المتبادلة. والصورة تشير إلى العلاقة لا مع الله فقط، بل مع الآخرين من الناس أيضًا. ومثلما تحيا الأقانيم الإلهية فى ولأجل بعضهم البعض، هكذا الإنسان، إذ هو مخلوق على الصورة الثالوثية ـ يصبح شخصًا حقيقيًا برؤيته العالم من خلال عيون الآخرين. بجعله أفراح وأحزان الآخرين أفراحه هو وأحزانه هو. كل إنسان هو شخص فريد، ومع هذا فكل واحد فى فرادته مخلوق للشركة مع الآخرين.

 

          ” نحن الذين من أهل الإيمان يجب أن نرى المؤمنين كلهم كشخص واحد.. وأن نكون مستعدين أن نبذل حياتنا لأجل قريبنا “.

(سمعان اللاهوتى الجديد)

          ” ما من طريق آخر به نخلص، سوى بواسطة قريبنا.. هذه هي نقاوة القلب: حينما ترون الخطاة أو السقماء، وتشعرون حيالهم بالرأفة وحنان القلب نحوهم ”                                                                   (من عظات القديس مقاريوس)

          ” اعتاد الشيوخ أن يقولوا إننا يجب أن نهتم بخبرات جارنا، وكأنها خبراتنا نحن. وعلينا أن نعانى مع جارنا فى كل شئ وأن نبكى معه، وأن نسلك وكأننا فى داخل جسده هو، وإن ألم به أى ضيق، علينا أن نشعر بالضيق الذي نشعر به لأجل أنفسنا ”                                                             (أقوال آباء البرية)

          كل هذا حقيقى، بالضبط لأن الإنسان مخلوق على صورة الله الثالوث.

 

كاهن وملك:

          الإنسان إذ هو مخلوق على الصورة الإلهية ـ ككون صغير ووسيط ـ هو كاهن الخليقة وملكها. ويستطيع الإنسان ـ عن وعى وعن قصد، أن يعمل أمران، تعملها الحيوانات بدون وعى وبشكل غريزى. الأمر الأول، أن الإنسان يستطيع “أن يبارك الله ويسبحه لأجل العالم”. أفضل تعريف للإنسان ليس أنه “حيوان ناطق” أو “عاقل”، بل أنه حيوان “إفخارستى” (أى شاكر). فالإنسان ليس مجرد أنه يحيا فى العالم ويفكر فيه ويستعمله، بل هو يستطيع أن يرى العالم على أنه عطية الله، على أنه سر لحضور الله ووسيلة للشركة مع الله، وهكذا فهو يستطيع أن يقدّم العالم لله بالشكر: “نقدم لك من الذي لك، فى الكل ولأجل الكل ” (قداس القديس يوحنا ذهبى الفم).

 

          والأمر الثانى، إلى جانب أنه يستطيع أن يبارك الله ويسبحه نيابة عن العالم، أن الإنسان يستطيع أن “يعيد تشكيل العالم وأن يغيره”؛ ومن ثم يعطيه معنى آخر وبتعبير “الأب ديمترى ستانيلو”، “يضع الإنسان ختم فهمه وعمله الذكى على الخليقة..” ليس العالم هبة فقط، بل مهمة للإنسان”.

          إنها دعوتنا أن نتعاون مع الله، نحن، بعبارة القديس بولس، ” عاملون مع الله ” (1كو9:3). ليس الإنسان مجرد كائن حى عاقل وكائن حى إفخارستى Eucharistic animal، بل هو كائن حى خلاّق أيضًا Creative: وحقيقة أن الإنسان هو على صورة الله تعنى أن الإنسان خالق على صورة الله الخالق. وهو يتمم هذا الدور الخلاّق، ليس بواسطة قوة بهيمية غشيمة، لكن من خلال جلاء ووضوح رؤيته الروحية؛ وليس الإنسان مدعوًا ليسيطر على الطبيعة ويدمرها، بل أن يغير شكلها ويجلّيها وأن يقدّسها.

 

          وبواسطة العديد من الطرق ـ من خلال استزراع الأرض، ومن خلال الحرف، ومن خلال كتابة الكتب ورسم الأيقونات ـ يستنطق الإنسان الأشياء المادية ويعطيها صوتًا ويجعل الخليقة تنطق بحمد الله وبتسبيحه. وجدير بالملاحظة أن المهمة الأولى لآدم بعد خلقه، كانت أن يعطى للحيوانات أسماءً (تك19:2،20). وإعطاء الأسماء هو فى حد ذاته فعل خلاّق: فمن دون أن نجد اسمًا لشيء ما أو خبرة ما، وأن نجد ” كلمة يتعذر اجتنابها “تدلل على صفة الشيء الحقيقية، لا نقدر أن نبدأ فى فهمه واستخدامه. وأمر ذو دلالة أيضًا، أننا حين نقدم باكورات الأرض لله فى الإفخارستيا، فإننا نقدمها لا فى شكلها الأصلى بل نقدمها وقد أعادت يد الإنسان تشكيلها: فنحن لا نأتى إلى المذبح بسنابل من قمح بل بأرغفة من خبز، ولا نأتى بعنب بل بنبيذ خمر.

 

          الإنسان إذن هو كاهن الخليقة من خلال قدرته على أن يقدم الشكر وأن يقدم الخليقة لله؛ وهو ملك الخليقة من خلال قدرته على أن يصيغ ويشكّل، وأن يتصل وأن ينوّع. وهذه الوظيفة الكهنوتية والملوكية يصفها القديس لونيتوس القبرصى وصفًا جميلاً:

          ” من خلال السماء والأرض، والبحر، من خلال الخشب والحجر، من خلال الخليقة كلها المنظورة وغير المنظورة، أقدم التكريم للخالق والسيد وجابل كل شئ. لأن الخليقة لا تكرم الخالق بشكل مباشر ومن ذاتها، لكنها من خلالى أنا تعلن السموات مجد الله، من خلالى أنا يعبد القمر الله، من خلالى أنا تمجد النجوم الله، من خلالى أنا فإن المياه ورخات المطر والندى وكل الخليقة، تكرم الله وتعطيه مجدًا “.

 

ونفس الأفكار يعبر عنها المعلم اليهودى أبراهام ياكوف من سادا جورا:

          كل المخلوقات والنباتات والحيوانات تأتى وتقدم نفسها للإنسان، لكنها من خلال الإنسان يؤتى بها كلها وتُقدم لله. وحينما يطهر الإنسان نفسه ويقدسها فى كل أعضائه كتقدمة لله، فإنه يطهر ويقدس كل الخليقة.

 

الملكوت الداخلى: 

          ” طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله ” (مت8:5). الإنسان إذ خُلِق على صورة الله، فهو مرآة لله. هو يعرف الله بمعرفته لنفسه: حين يدخل إلى داخل نفسه، يرى الله منعكسًا فى نقاوة قلبه. إن تعليم خلقة الإنسان حسب الصورة يعنى أن فى داخل كل شخص ـ فى داخل ذاته أو ذاتها الأصدق والأعمق، والتي تسمى غالبًا ” بالقلب العميق ” أو ” قاعدة النفس ” ـ هناك التقاء واتحاد مباشر مع غير المخلوق. ” ها ملكوت الله داخلكم ” (لو21:17).

          وهذا السعى للملكوت الداخلى هو أحد أهم الأفكار الرئيسية الموجودة فى كتابات الآباء. يقول القديس كليمندس الأسكندرى: ” إن أعظم الدروس كلها أن تعرف نفسك، لأنه إن عرف الإنسان نفسه ـ سوف يعرف الله، وإن عرف الله، سوف يصبح مثل الله “. ويكتب القديس باسيليوس الكبير: ” حينما لا يتبدد الذهن وسط أمور خارجية أو يشتت فى العالم من خلال الحواس، فإنه يعود إلى ذاته، وبواسطة ذاته يرتفع إلى التفكير فى الله “. ويقول مار اسحق السريانى ” من يعرف نفسه يعرف كل شئ “. ويكتب فى موضع آخر: ” كن فى سلام مع نفسك، حينئذ تسالمك السماء والأرض، أدخل بشوق إلى داخل الكنز الذي فيك، وهكذا ترى كل أمور السماء؛ إذ يوجد مدخل واحد إلى كليهما معًا. إن السُلم الذي يؤدى إلى الملكوت مخبأ فى داخل نفسك. أهرب من الخطية، غصّ داخل نفسك، وفى نفسك ستكتشف درجات السلم التي تصعد عليها “.

 

          ونضيف إلى هذه النصوص شهادة شاهد غربى فى أيامنا هذه، هو توماس مِرتون:

          ” فى كياننا نقطة عَدم لا تلمسها الخطية والخداع، نقطة الحق الصافى. نقطة أو جذوة هي ملك الله بالكامل، ليست تحت تصرفنا أبدًا، منها يرتب الله حياتنا، هي نقطة لا تصل إليها خيالات عقلنا أو وحشية إرادتنا. هذه النقطة الضئيلة من العدم والفقر المطلق هي مجد الله الصافى داخلنا. إنها إن جاز التعبير، اسمه مكتوبًا فينا، كفقرنا، وعوزنا، واتكالنا، وبنوتنا. إنها مثل جوهرة نقية، تتلألأ بنور السماء الغير مرئى. هي فى كل إنسان، وإن استطعنا رؤيتها سوف نرى بلايين من نقاط النور  تتجمع معًا فى وجه وضوء شمس تبدد تمامًا كل ظلمة وقسوة الحياة… إن باب السماء هو فى كل مكان “.

 

          ويؤكد مار اسحق قائلاً: ” اهربوا من الخطية “، وعلينا أن ننتبه لهذه الكلمات الثلاث. فإن كنا نريد أن نرى وجه الله منعكسًا فينا، علينا أن ننظف المرآة. بدون توبة لن تكون هناك معرفة لذواتنا، ولا اكتشاف للملكوت الداخلى. حينما يُقال لى ” أرجع إلى نفسك: أعرف نفسك “، من الضرورى أن أسأل: أى “نفس” علىّ أن اكتشفها ؟ وما هي نفسى الحقيقية؟ إن التحليل النفسى، يكشف لنا عن نوع واحد من “الذات”، لكنها فى أغلب الأحيان، لا ترشدنا إلى “السُلّم الذي يؤدى بنا إلى الملكوت”، بل تقودنا إلى الدرج الذي يهوى بنا إلى قبو عفن ممتلئ بالثعابين. إن عبارة ” أعرف نفسك ” تعنى ” أعرف نفسك كإنسان أصله هو الله، جذره هو الله، أعرف نفسك فى الله “. ومن وجهة نظر التقليد الروحى الأرثوذكسى ينبغى التأكيد على أننا لن نكتشف هذه النفس الحقيقية “بحسب الصورة “، إلاّ بواسطة موت ذاتنا الزائفة والساقطة. ” من يضيّع نفسه من أجلى يجدها ” (مت25:16). الذي يرى ذاته الزائفة على ما هي عليه ويرذلها هو فقط الذي يصبح قادرًا على إدراك ذاته الحقيقية، الذات التي يراها الله. والقديس برصنوفيوس يؤكد هذا التمييز بين النفس الزائفة والنفس الحقيقية قائلاً:

” أنسَ نفسك واعرف نفسك “.

 

الشر والألم وسقوط الإنسان:

          فى الرواية العظيمة للكاتب ديستوفسكى ” الاخوة كرامازوف “، يتحدى إيفان أخاه: ” افترض أنك تخلق نسيج القدر الإنسانى لغرض إسعاد الناس فى النهاية ومنحهم السلام والراحة، ولكن لكى تفعل هذا من الضرورى أن تعذب طفلاً واحدًا صغيرًا 000 وأن تشيد بناءك على دموعه ـ فهل توافق على إنجاز البناء على هذا الشرط؟ ويجيبه أليوشا: “لا، لن أوافق “. فإن كنا لا نوافق أن نفعل هذا، فمن الواضح إذن أن الله لا يفعله بالأولى.

 

          يخبرنا الأديب سومرست موم، أنه بعد أن رأى طفلاً صغيرًا يحتضر ببطء من مرض الالتهاب السحائى، لم يقدر بعدها أن يؤمن بإله المحبة. وآخرون اضطروا أن يراقبوا زوجًا أو زوجة، طفلاً أو والدًا، تعصف بهم ضائقة شديدة: فإنه فى عمق الألم ربما لا يكون هناك شئ أكثر إزعاجًا لنا من إنسان مصاب باكتئاب سوداوى مزمن (ميلانخوليا). فما هي إجابتنا؟ كيف لنا أن نصالح الإيمان بإله محب ـ الذي خلق كل الأشياء ورأى أنها “حسنة جدًا” ـ مع وجود الألم والخطية والشر؟

 

          أولاً يجب أن نقر أنه من غير الممكن تدبير إجابة سهلة أو مصالحة واضحة. إن الألم والشر يواجهاننا كشيء أصم مصمت. وآلامنا وألام الآخرين، هي خبرة علينا أن نحياها، وهي ليست مشكلة نظرية يمكننا أن نشرحها. وإن كان هناك شرح، فإنه يكون على مستوٍ أعمق من الكلمات. لا يمكن “تبرير” الألم، لكن يمكن استخدامه وقبوله ـ ومن خلال هذا القبول، تتغير هيئته ويتجلى. يقول نيكولاوس برداييف، ” إن مضادة الألم والشر، يمكن حلها فى خبرة التعاطف والحب”.

 

          لكن، وبينما نكون نحن مرتابين من جهة أى حل سهل “لمشكلة الشر”، فإننا نجد فى حدث سقوط الإنسان، الوارد بالإصحاح الثالث من سفر التكوين ـ سواء تم تفسير ذلك حرفيًا أو رمزيًا ـ نجد علامتين حيويتين، يجب أن نقرأهما بعناية.

 

العلامة الأولى:

          أولاً، تبدأ قصة التكوين بالكلام عن “الحية” (1:3)، أى، الشيطان ـ أول من تحول من الملائكة وابتعد عن الله إلى جحيم الإرادة الذاتية. لقد كان هناك سقوط مزدوج: أولاً سقوط الملائكة، ثم سقوط الإنسان. ويُعد سقوط الملائكة بالنسبة للأرثوذكسية حقيقة روحية وليس قصة أسطورية مثيرة للخيال. وقبيل خلق الإنسان، كان قد حدث فعلاً تفريق للطرق داخل المجال العقلى: فقد بقى بعض الملائكة ثابتين فى طاعة الله، ورفضه آخرون. وحول هذه “الحرب فى السماء” (رؤ7:12)، لدينا إشارات مقتضبة فقط فى الكتاب المقدس، فهو لم يخبرنا بتفاصيل ما حدث، بل إن لدينا معرفة أقل حول الخطط التي وضعها الله لمصالحة ممكنة داخل المجال العقلى.

          وعلينا، أن نلاحظ ثلاث نقاط تهمنا فى جهودنا للتعرف على مشكلة الألم. أولاً، بجانب الشر الذي نعتبر نحن البشر مسئولين مسئولية شخصية عنه، هناك فى الكون قوى ذات بطش شديد إرادتها متجهة إلى الشر. هذه القوى، بينما تكون غير بشرية، فإنها رغم ذلك شخصية. إن وجود مثل هذه القوى الشيطانية ليس افتراضًا ولا أسطورة خيالية ـ لكنها هي مسألة خبرة مباشرة بالنسبة لكثيرين من، وللأسف!

          ثانيًا وجود قوات روحية ساقطة يعيننا على فهم السبب فى وجود التشويق والضياع والقسوة فى عالم الطبيعة، وذلك فى نقطة ما من الزمن، من الواضح أنها قُبيل خلقة الإنسان.

          ثالثًا: أوضح تمرد الملائكة وبشكل كبير أن الشر يستمد أصله لا من تحت بل من فوق، لا من المادة بل من الروح. والشر، كما سبق وأكدنا، هو “عدم”؛ ليس الشر كائنًا له وجود ولا مادة موجودة؛ لكنه موقف خطأ تجاه ما هو خير فى ذاته. وهكذا يكمن مصدر الشر فى “الإرادة الحرة” للكائنات الروحية التي منحها (الله) اختيارًا حرًا، والتي تستخدم قوة الاختيار بطريقة خاطئة.

 

العلامة الثانية:

          نكتفى بهذا القدر للعلامة الأولى، حيث الإشارة إلى “الحية”. لكن ثمة علامة أخرى ثانية يوضحها سفر التكوين فى سرده للأحداث، فعلى الرغم من أن الإنسان جاء إلى الوجود فى عالم ملوث فعلاً بسقوط الملائكة، فإنه على الرغم من ذلك، لم يجبر شئ الإنسان على ارتكاب الخطيئة. حواء أغوتها “الحية”، لكنها كانت تملك حرية رفض اقتراحات الحية. إن خطيتها وخطية آدم “الأصلية” كانت عبارة عن فعل عصيان واعٍ، رفض متعمد لمحبة الله، انحراف عن الله إلى الذات تم بإرادة حرة (تك2:3،11:3).

 

          وفى اقتناء الإنسان لحرية إرادته وممارستها لا نجد شرحًا كاملاً، لكن نجد على الأقل بدايات إجابة لمشكلتنا. لماذا سمح الله للملائكة والإنسان أن يقترفوا الخطية ؟ لماذا يسمح الله بالشر والألم ؟ نحن نجيب: لأنه إله محبة. فالمحبة تتضمن المشاركة، وتتضمن المحبة أيضًا الحرية.

          وكثالوث محبة، أراد الله أن يشاركه فى حياته أشخاص مخلوقين مجبولين على صورته، أشخاص قادرين على الاستجابة له بحرية وطوعًا بإرادتهم فى علاقة محبة.

 

          وحيث لا حرية، لا يمكن أن تكون محبة. إن الإجبار يطرد الحب، كما اعتاد “بول افدوكيموف” أن يقول، يقدر الله أن يفعل كل شئ ما عدا أن يجبرنا على محبته. وإذ يريد الله أن نشاركه محبته، خلقنا، لا كإنسان آلى نطيعه آليًا، بل خلق ملائكة وبشرًا ومنحهم الاختيار الحر. ولكى نضع الموضوع بصيغة بشرية وبألفاظ بشرية، فقد خاطر الله: لأنه مع هذه العطية، عطية الحرية، كان هناك أيضًا احتمال فعل الخطية. لكن الذي لا يجازف لا يحب.

 

          بدون حرية لن تكون هناك خطية. لكن بدون حرية لن يصبح الإنسان على صورة الله، بدون حرية لن يصبح الإنسان قادرًا على الدخول فى شركة مع الله فى علاقة حب.

 

عواقب السقوط:

          إذ خُلق الإنسان لشركة مع الثالوث القدوس، ودُعى ليتقدم بالحب من الصورة الإلهية إلى الشبه الإلهي، اختار الإنسان بدلاً من ذلك طريقًا أو مسارًا لا يرفعه بل يهوى به إلى أسفل. ورفض العلاقة مع الله التي هي جوهره الحقيقى. وبدلاً من أن يعمل كوسيط ومركز توحيد، فقد أحدث انقسامًا. انقسام فى داخل نفسه، وانقسام بين نفسه والآخرين، وانقسام بين نفسه والعالم الطبيعى. ورغم أن الله ائتمنه على هبة الحرية، فإنه راح ينكر على الآخرين حريتهم. وإذ باركه (الله) بقوة خاصة لإعادة صياغة العالم وإعطائه معنى جديدًا، فإنه أساء استخدام تلك القوة ليصنع أدوات للقبح والدمار. وكان من عواقب سوء الاستخدام هذا، وخاصة منذ الثورة الصناعية، أن أُصيبت البيئة بتلوث سريع تظهر آثاره البشعة من حولنا.

 

          وكان للخطية الأصلية للإنسان، وانحرافه بعيدًا عن الله كمركز له، إلى التمركز حول ذاته، فى المقام الأول والأخير، معنى واحد، أنه لم يعد ينظر إلى العالم وبقية الكائنات البشرية بطريقة إفخارستية، كسّر شركة مع الله. وتوقف عن أن يعتبرهم عطية، يعود فيقدمها بشكر إلى المعطِى، وبدأ فى التعامل معهم كملكية أو اقتناء شخصى له، يتمسك بهم، يستغلهم، ويبددهم. لهذا لم يعد الإنسان يرى الأشخاص الآخرين والأشياء الأخرى كما هي فى حد ذاتها وفى الله، ورآهم فقط من منظور اللذة والشبع اللذين يمكن أن توفرها له، وكانت نتيجة ذلك، وقوعه فريسة دائرة خبيثة لشهوته ذاتها، التي كانت تزداد جوعًا كلما أشبعها وكافئها. وكف العالم عن أن يكون شفافًا ـ كف عن أن يكون نافذة يطل منها على الله ويراه ـ وازداد العالم عتامةً، وكف عن أن يكون واهبًا للحياة وأصبح عرضة للفساد والموت.     ” لأنك من تراب، وإلى تراب تعود ” (تك19:3). ويصدق هذا القول على الإنسان الساقط وعلى كل شئ مخلوق، لمجرد أن أنقطع جذره عن المصدر الواحد الوحيد للحياة: الله نفسه.

 

          وكانت آثار سقوط الإنسان مادية وأخلاقية. فعلى المستوى المادى أصبح البشر معرضين للألم والمرض، وللعجز والتحلل الجسدى فى الشيخوخة. وأصبحت فرحة المرأة بولادة مولود جديد مختلطة بمخاض وآلام الولادة (تك16:3). ولم يكن أى شئ من ذلك ضمن خطة الله الأولية للبشرية. ومن عواقب السقوط، أصبح الناس أيضًا معرضين لانفصال النفس عن الجسد فى الموت الجسدى. ومع ذلك، يجب أن نرى الموت الجسدى لا كعقاب بالدرجة الأولى، بل كأداة تحرير وراحة أمدنا بها إله محب. ففى رحمته، لم يرد الله أن يستمر الناس يحيون إلى ما لا نهاية فى عالم ساقط، مُمسَكين إلى الأبد فى الدائرة الخبيثة الشريرة، التي اخترعوها بأنفسهم: لهذا دبر الله طريقًا للهروب. لأن الموت ليس نهاية الحياة بل بداية تجديدها. ففيما وراء الموت المادى نتطلع إلى عودة اتحاد النفس بالجسد فى مستقبلها فى القيامة العامة فى اليوم الأخير. لهذا وعند انفصال جسدنا عن النفس فى الموت، يعمل الله كالفخارى: فحينما يصبح الوعاء فوق عجلته فاسدًا ومعوجًا يكسره إلى قطع ليعيد تشكيله من جديد (قارن إرميا1:18ـ6) وهذا ما تؤكده إحدى الصلوات الليتورجية الأرثوذكسية:

منذ القديم خلقتنى من عدم،

وكرمتنى بصورتك الإلهية،

لكننى حين عصيت وصيتك،

أعدتنى إلى الأرض التي أُخذتُ منها.

أعدنى من جديد إلى شبهك،

معيدًا تشكيل جمالى القديم.

 

          وعلى المستوى الأخلاقى، وكعاقبة من عواقب السقوط، أصبح البشر معرضين للإحباط والملل والاكتئاب. والعمل الذي كان القصد منه أن يصبح مصدر فرح للإنسان وأداة شركة مع الله، صار الآن يتم إنجازه اضطراريًا فى معظم أحواله “بعرق الجبين” (تك19:3). ولم يكن هذا كل شئ. إذ أصبح الإنسان عرضةً لاغتراب داخلى: وقد وهنت إرادته، وانقسم على ذاته، وأصبح عدو نفسه وجلادها. ومثلما يعبّر القديس بولس: ” إنى أعلم أنه ليس ساكن فىَّ أى فى جسدى شئ صالح، لأن الإرادة حاضرة عندى، وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد. لأنى لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لست أريده، فإياه أفعل000 ويحى أنا الإنسان الشقى! من ينقذنى؟” (رو18:7،19،24).

 

          والقديس بولس هنا لا يقول إن هناك مجرد صراع فى داخلنا بين الخير والشر. إنه يقول إننا فى أغلب الأحيان، نجد أنفسنا مشلولين أخلاقيًا: فنحن نريد بإخلاص أن نختار الخير، لكننا نجد أنفسنا أسرى وضع معين فيه “كل” اختياراتنا تنتهي بالشر. وكل واحد منا يعرف من خبرته الشخصية ما يعنيه القديس بولس تمامًا.

 

          ورغم ذلك، فإن القديس بولس حريص أن يقول ” إنى أعلم أنه لا يسكن ’جسدى‘ شئ صالح “. إن جهادنا النُسكى هو ضد الجسد بمعنى الشهوات، وليس ضد الجسد فى حد ذاته. فتيار الشهوة الجسدانى (flesh) ليس هو نفسه الجسد (body). إن لفظة جسد (flesh)، كما ورد استخدامها فى النص المقتبس أعلاه، يشير إلى كل ما هو آثم ومضاد لله فينا؛ هكذا ليس الجسد وحده فى الإنسان الساقط هو الذي أصبح جسدانيًا وشهوانيًا، بل النفس أيضًا. وعلينا أن نمقت الشهوة الردية (flesh) وألاّ نمقت الجسد، الذي هو من صنع الله وهيكل الروح القدس. لهذا كان إنكار الذات النسكى جهادًا ضد شهوة الجسد، لكنه ليس جهادًا ضد الجسد بل لأجل الجسد. وكما تعود الأب “سيرجى بولجاكوف” أن يقول ” أقتل الشهوة الجسدانية، لكى تقتنى جسدًا “. وليس النسك استعبادًا للذات، بل هو الطريق إلى الحرية. والإنسان متورط فى فخ من المتناقضات النفسية: ومن خلال النسك (الحقيقى) فقط يمكن أن يقتنى العفوية (السلوك التلقائى).

 

          وإذ نفهم النسك على هذا النحو، كجهاد ضد شهوات الجسد، وضد الوجه الخاطئ والساقط للنفس، فإنه أمر مطلوب من ” كل ” المسيحيين، وليس فقط من أولئك الذين تحت النذور الرهبانية. إن الدعوة الرهبانية ودعوة الزواج ـ طريق النفى وطريق الإيجاب ـ هما طريقان متوازيان ومكملان لبعضهما بعضًا. وليس الراهب أو الراهبة بشخص ثنائى النزعة duelist، بل هو وبنفس الدرجة مثل المسيحى المتزوج. يسعى أن يعلن الخير الكامن فى الخليقة المادية وفى الجسد البشرى، وبنفس القدر، فإن المسيحى المتزوج مدعو إلى النسك. ويكمن الفارق فقط فى الأحوال الخارجية التي يُمارس فيها الجهاد النسكى. كلاهما ناسك بنفس القدر، كلاهما يتعامل مع المادة وهما ماديان بنفس القدر (مادى بالمفهوم المسيحى الحقيقى الذي شرحناه قبلاً). وكلاهما منكر للخطية ويقبل العالم بنفس القدر.

 

          إن التقليد الأرثوذكسى، بدون التقليل من آثار السقوط، لا يعتقد رغم ذلك، أن تلك الآثار نجم عنها “حرمان كامل”، مثلما يؤكد أتباع “كالفن” فى لحظاتهم الأكثر تشاؤمًا. فالصورة الإلهية فى الإنسان تشوهت لكنها لم تُمحَ تمامًا. والاختيار الحر للإنسان فى ممارسته صار محدودًا، لكنه لم يتلاش. حتى فى عالم ساقط، لا يزال الإنسان قادرًا على التضحية بالذات وإبداء عاطفة الحب فى سخاء. حتى فى عالم ساقط لا يزال الإنسان يحوز بعض المعرفة عن الله ويمكنه بالنعمة أن يدخل فى شركة معه. هناك العديد من القديسين فى صفحات العهد القديم، رجالاً ونساءً أمثال إبراهيم وسارة، ويوسف وموسى، وإيليا وإرميا، وخارج شعب الله القديم، هناك شخصيات مثل سقراط الذي لم يعلّم الحق فقط بل عاشه. ومع ذلك يبقى حقيقيًا أن الخطية البشرية ـ خطية آدم الأصلية ـ والتي تضخمت بالخطايا الشخصية لكل جيل لاحق ـ قد أقامت هوةً سحيقة بين الله والإنسان، لا يقوى الإنسان بجهوده الذاتية أن يعبرها.

 

لا أحد يسقط بمفرده:

          بالنسبة للتقليد الأرثوذكسى، فإن خطية آدم الأصلية تؤثر فى الجنس البشرى بكامله، ولها عواقب على المستويين المادى والأخلاقى معًا: فهي لم تسبب فقط المرض والموت الطبيعى، بل تسببت أيضًا فى الضعف والشلل الأخلاقى. فهل هي تتضمن أيضًا ذنبًا guilt متوارثًا؟ هنا تتحفظ الأرثوذكسية جدًا. فالخطية الأصلية لا تُفسر بمفاهيم قضائية أو شبه بيولوجية، وكأنها كانت وصمة عار طبيعية للذنب، تنتقل بواسطة الاتصال الجنسى. فالأرثوذكسية ترفض تمامًا هذه الصورة التي نقلتها النظرة الأوغسطينية (نسبة إلى أغسطينوس). إن تعليم الخطية الأصلية يعنى بالأحرى أننا مولودون فى بيئة يسهل فيها فعل الشر ويصعب فيها عمل الصلاح، يسهل فيها إيذاء الآخرين ويصعب فيها شفاء جراحهم، من السهل أن نثير شكوك الناس ومن الصعب أن نربح ثقتهم. وهذا معناه أن كل واحد فينا أصبح محكومًا بتضامن الجنس البشرى كله فى تراكم ” فعل الخطأ”، “والتفكير الخطأ”، ومن ثم “الكيان الخطأ”. وقد أضفنا نحن أنفسنا بأفعالنا المتعمدة ـ إلى تراكم الخطأ هذا، فاتسعت الهوة أكثر فأكثر.

 

وفى تضامن الجنس البشرى (فى الخطية)، نجد هنا تفسيرًا لهذا الظلم الظاهرى فى تعليم الخطية الأصلية. ونحن نسأل، لماذا ينبغى أن يتألم الجنس البشرى بأكمله بسبب سقوط آدم؟ والإجابة أن البشر، المخلوقين على صورة الله الثالوث، هم معتمدون على بعضهم البعض ويجمعهم أصلهم الفطرى المشترك معًا. فالإنسان، أى إنسان ليس جزيرة منعزلة. ” لأننا بعضنا أعضاء بعض ” (أف25:4)، ولهذا فإن أى فعل، يقوم به أى عضو فى الجنس البشرى، يؤثر حتمًا فى كل الأعضاء الآخرين. حتى وإن كنا غير “مذنبين” بالمعنى الدقيق للكلمة وأبرياء من خطايا الآخرين، إلاّ أننا وبشكل ما مشتركون دائمًا معًا.

 

          ويعلن “ألكسى خومياكوف”، ” حينما يسقط أى واحد، فإنه يسقط وحده، ولكن ما من أحد يخلص وحده ” أما كان ينبغى أن يقول أيضًا “إن لا أحد يسقط وحده؟”. وفى رواية ديستوفسكى ” الاخوة كرامازوف “، فإن المرشد الروحى زوسيما يقترب كثيرًا من الحقيقة حين يقول إن كل واحد فينا ” مسئول عن كل واحد وعن كل شئ “:

          ” لا يوجد سوى طريق واحد للخلاص، هو أن تجعل نفسك مسئولاً عن خطايا كل الناس. وبمجرد أن تجعل نفسك مسئولاً بكل إخلاص عن كل شئ وعن كل واحد، ستجد على الفور أن الأمر هو فى الحقيقة هكذا، وأنك فى الواقع تُلام عن كل واحد وعن كل شئ “.

 

إله متألم:

          هل تتسبب خطيتنا فى إحزان قلب الله ؟

          هل يتألم حينما نتألم ؟

          هل لنا الحق أن نقول للرجل أو للمرأة التي تتألم: ” إن الله نفسه، فى هذه اللحظة بعينها، يتألم بالألم الذي تتألم أنت به وينتصر عليه؟ “

          وإذ أراد الآباء الأوائل من الذين كتبوا باليونانية واللاتينية أن يحافظوا على التسامى الإلهي، فقد أصروا على “التأكيد على عدم التألم ” بالنسبة لله. تفسير هذا بدقة، يعنى أنه عندما يتألم الله الصائر إنسانًا (المتجسد)، فإن الله فى ذاته لا يتألم. ودون إنكار التعليم الآبائى، ألاّ يجب علينا أيضًا أن نقول شيئًا أكثر من هذا؟ ففى العهد القديم، ومنذ زمن أقدم من تجسد المسيح، نجد مكتوبًا عن الله ” حزنت نفسه بسبب مشقة إسرائيل ” (قض16:10). وفى موضع آخر فى العهد القديم هناك كلمات مثل هذه قيلت بفم الله “هل أفرايم ابن عزيز لدىّ ؟ هل هو ولد محبوب؟ لأننى رغم أنى تحولت عنه، لا أزال أذكره. من أجل ذلك اضطرب قلبى لأجله” (إر20:31س).

 

          ” كيف أرفضك يا أفرايم؟ كيف أهجرك يا إسرائيل؟… قد اضطرم قلبى فى داخلى ” (هو8:11س).

          فإن كانت هذه النصوص تعنى شيئًا، فإنها يجب أن تعنى أنه حتى قبل التجسد الإلهي كان الله يشترك مباشرة فى آلام خليقته. إن شقاءنا يسبب الحزن لله، إن دموع الله مرتبطة بدموع الإنسان. إن التوقير اللائق لمنهج النفى سوف يجعلنا بالطبع حذرين من أن نعزى لله مشاعر بشرية بشكل فج وغير دقيق. لكننا على الأقل مسموح لنا أن نؤكد هذا: إن ” الحب يجعل آلام الآخرين هي آلامه”، هكذا نقرأ فى كتاب “المساكين بالروح”. فإن كان هذا يصدق بالنسبة للحب البشرى، فإنه يصدق بالأحرى على الحب الإلهي. ولما كان الله محبة، وخلق العالم كفعل محبة ـ حيث إن الله إله شخصى، والشخصانية personhood تعنى المشاركة ـ فإن الله لا يبقى غير مبالٍ بالنسبة لأحزان هذا العالم الساقط. وإن كنت كإنسان أظل غير متأثرًا بعذاب الآخر، فبأى معنى أكون محبًا له فعلاً وحقًا ؟ إذن فإن الله يقينًا يُوحِّد نفسه مع خليقته فى كربها anguish.

 

          لقد قيل بحق، إنه كان هناك صليب فى قلب الله قبل أن يكون هناك صليب منتصب خارج أورشليم، ورغم أن الصليب الخشبى قد تم إنزاله، فإن الصليب الذي فى قلب الله لا يزال هناك. إنه صليب الألم والنصرة ـ كلاهما معًا. والذين يستطيعون أن يؤمنوا بهذا سيجدون أن الفرح ممتزج بكأس مرارتهم. سوف يشتركون على المستوى البشرى فى الخبرة الإلهية للمعاناة الغالبة.

 

CDCDCDCDCD

 

يا من تغطى مرتفعاتك بالمياه

يا من تقيم الرمال حدًا للبحر

وتضبط كل شئ:

الشمس ترنم بتسابيحك،

والقمر يعطيك مجدًا،

وكل خليقة تقدم لك تسبيحًا

أنت خالقها وصانعها، إلى الأبد

(من كتاب التريوديون)

ما أعظمك يارب، عجيبة هي أعمالك:

لا تكفى الكلمات أن ترنم بالسبح لعجائبك.

لأنك بمشيئتك أتيت بكل شئ من العدم إلى الوجود.

بقوتك تحفظ الخليقة وبعنايتك تضبط العالم

خلقت الخليقة من عناصر أربعة: وبأربعة فصول توجت مدار السنة.

كل القوات الروحانية ترتعد أمامك.

الشمس ترنم بتسابيحك،

القمر يمجدك؛

النجوم تتضرع إليك؛

النور يطيعك؛

الأعماق ترتعد أمام حضورك؛

الينابيع خدامك.

بسطت السموات كستارة ؛

على المياه ثبَّت الأرض؛

وسيجت حول البحر بالرمال.

سكبت الهواء ليتنفس الأحياء.

القوات الملائكية تخدمك، وجوقات رؤساء الملائكة تعبدك؛

الشارويبم الممتلئون أعينًا، والسيرافيم ذوو الستة أجنحة يقفون أمامك

ويطيرون حولك، يخفون وجوههم خوفًا من مجدك الذي لا يدنى منه..

العناصر، والملائكة، والبشر، والأشياء المنظورة، وغير المنظورة،

يمجدون أسمك القدوس، مع الآب والروح القدس،

الآن وإلى الأبد، وإلى دهر الدهور. آمين

(من صلاة بركة المياه الكبيرة فى عيد الظهور الإلهي ـ الإبيفانيا)

 

          إن المخاطرة الإلهية، الكامنة فى قرار خلق كائنات على صورة الله ومثاله، هي ذروة القوة الإلهية الكلية القدرة، أو بالأحرى هي التي تفوق على تلك الذروة فى تنازل تلك القدرة إلى الضعف الذي اتخذه الله عن طواعية. لأن ” ضعف الله أقوى من الناس ” (1كو25:1).

فلاديمير لوسكى

          الكون هو الكرم الذي أعطاه الله للناس.

          يقول القديس يوحنا ذهبى الفم ” كل الأشياء هي لأجلنا، وليس نحن لأجلها”. كل شئ هو عطية من الله للإنسان، هو علامة لمحبته. كل الأشياء تشهد لفيض محبة الله، ومشيئته الصالحة ونعمته، وهي تنقلها إلينا. ومن ثم فإن كل شئ هو وعاء لعطية المحبة الإلهية هذه، تمامًا مثلما تكون كل هدية نقدمها لبعضنا بعضًا علامةً ووعاءً للمحبة نحو بعضنا بعضًا. لكن العطية تتطلب عطية مقابلة استجابة لها، وهكذا يتحقق تبادل المحبة. لكن الإنسان لا يستطيع أن يرد لله شيئًا سوى ما قد أُعطى له لسد أعوازه، لهذا فإن عطية لإنسان هي ذبيحة يقدمها بالشكر لله. إن تقدمة الإنسان لله هي ذبيحة وهي ” إفخارستيا ” (شكر) بأوسع معنى.

          مع ذلك فإننا عند تقديم العالم لله كتقدمة أو ذبيحة، نضع عليها ختم عملنا الخاص، وختم فهمنا، وختم روح ذبيحتنا، ختم حركتنا الذاتية نحو الله. وكلما أدركنا بالأكثر قيمة وعظم هذه العطية الإلهية ونمينا إمكانياتها، ومن ثم نزيد الوزنات التي قد أُعطيت لنا، كلما سبحنا الله أكثر، وجعلناه فرحًا بنا، مبرهنين أننا شركاء نشيطون فى حوار الحب بينه وبيننا.

(الأب ديمترى ستانيلو)

          فى الكاتدرائية الشاسعة التي هي عالم الله، فإن كل إنسان، سواء كان دارسًا أم عاملاً يدويًا، مدعو ليعمل ككاهن لحياته كلها ـ وليأخذ كل ما هو إنسانى، ويحوله إلى تقدمة وترنيمة مجد.                                                  (بول إفدوكيموف)

          إن صار قليل من الناس صلاة ـ صلاة ” نقية ” قد تبدو بحسب ظاهرها عديمة الفائدة ـ فإنهم بمجرد حضورهم ووجودهم ذاته، إنما يغيرون الكون.                                                                                                          (أوليفيه كليمنت)

          أنت عالم داخل عالم: أنظر داخل نفسك، وهناك ترى الخليقة كلها. لا تنظر إلى الأشياء الخارجية بل حوّل انتباهك إلى ما يكمن فى داخلك. اجمع شتات عقلك كله إلى داخل كنز نفسك الذهنى، وهيأ للرب مقدسًا خاليًا من التخيلات.                                                                                              (القديس نيلوس من أنكيرا)

          يبدو للروسى أن الإنسان يمكنه أن يعرف شيئًا ما، كإنسان، فقط من خلال المشاركة.

          إن الخير والشر، على الأرض هنا، مرتبطان ببعضهما البعض بغير انفصال. وهذا بالنسبة لنا هو السر العظيم للحياة على الأرض. وحيث يكون الشر فى أشده، هناك ينبغى أن يكون أيضًا الخير الأعظم.

          وبالنسبة لنا، ليس هذا فرضًا نظريًا، بل هو أمر بديهي.

          لا ينبغى أن نتجنب الخطاة، بل أن نتشارك معهم أولاً ونتفهمهم من خلال المشاركة، ثم من خلال الفهم نفتديهم ونجعلهم يتغيرون ويتجلون.

(جوليادو بوسوبر)

          يجب أن يقدم القديسون توبة لا عن أنفسهم فقط، بل عن قريبهم أيضًا، لأنه من دون الحب الفعّال لا يمكنهم أن يصيروا كاملين. هكذا يُحفظ الكون كله معًا، وبعناية الله يساعد كل منا الآخر.             (القديس مرقس الراهب)

          الله لا يريدنا أن نحزن بوجع القلب، بل بالأحرى، يريدنا لفرط حبه لنا أن نبتهج بفرح النفس. أطرح عنك الخطية، تصبح الدموع لا لزوم لها، فحيث لا يكون جرح، فلا حاجة هناك إلى مرهم. آدم قبل السقوط لم يكن يسكب الدمع، وهكذا لن تكون هناك دموع بعد القيامة من الأموات، حينما تكون الخطية قد أبيدت ويكون الألم والحزن والتنهد قد هربوا.

(القديس يوحنا الدرجى)

          المجد المدعو له الإنسان، هو أنه ينبغى أن ينمو فى مشابهته لله، بأن ينمو دومًا أكثر، ليصير إنسانيًا أكثر.                                      (الأب ديمترى ستانيلو)

 

[1] المذهب القائل بأن الله والوجود أو الكون شئ واحد (المعرب).

 

الله خالق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله ثالوث – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الله ثالوث – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الله ثالوث – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

الفصل الثانى

الله ثالوث

          أيها الآب رجائى:

          أيها الابن، ملجأى:

          أيها الروح القدس حمايتى:

          أيها الثالوث القدوس. المجد لك.

صلاة القديس يؤنيكيوس

          أيها الثالوث، غير المخلوق الذي بلا نهاية،

          أيها الواحد غير المنقسم، الثلاثة في واحد،

          الآب والابن والروح، إله واحد..

          أقبل ترنيمتنا هذه من ألسنة الطين

          وكأنها من أفواه ملتهبة

عن كتاب التريوديون

 

الله كمحبة متبادلة:

          نحن نؤكد في بداية قانون الإيمان أننا ” نؤمن بإله واحد “، لكننا نقول على الفور ما هو أكثر من ذلك. فنحن نستمر قائلين، نحن نؤمن بإله واحد الذي هو في نفس الوقت ثلاثة: الآب والابن والروح القدس. يوجد في الله تمايز أصيل وأيضًا وحدانية حقيقية. إله المسيحيين ليس مجرد وحدة unit من الوحدات بل هو اتحاد، ليس مجرد وحدة بل شركة. هناك في الله شئ ما مماثل للـ” المجتمع “. هو ليس شخصًا فرديًا يحب ذاته وحده، وليس جوهرًا فرديًا monad أو “الواحد”. بل هو ثالوث أو وحدة ثالوثية triunity: ثلاثة أشخاص متساوون، كل شخص يوجد في الاثنين الآخرين بفضل حركة محبة متبادلة لا تتوقف. ” أنا أحب، لهذا أنا كائن Amo ergo sum” ذلك عنوان قصيدة “كاتلين راين” والتي يمكن أن تكون شعارًا لله الثالوث القدوس. وما يقوله شكسبير بشأن الحب الإنسانى بين شخصين يمكن تطبيقه أيضًا على المحبة الإلهية بين الأقانيم الثلاثة الأزليين:

          هكذا أحبا، حبًا بين اثنين

          ولهما جوهر واحد

          والاثنان متميزان، بلا انقسام

          فالعدد في الحب شئ منعدم

 

          إن الغاية الأخيرة من الطريق الروحى أننا نحن البشر يجب أن نكون أيضًا جزءً من الوجود الحى المتبادل في الثالوث [Trinitarian Coinherence أو ما يسمى بالـPerichoresis ]، إذ تجذبنا بالكامل دائرة الحب القائمة في داخل الله. هكذا صلى المسيح لأبيه ليلة صلبه       ” ليكون الجميع واحدًا، كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك، ليكون هم أيضًا واحدًا فينا ” (يو21:17).

 

          لماذا نؤمن أن الله ثلاثة ؟ أليس من الأسهل أن نؤمن ببساطة بالوحدانية الإلهية، مثلما يفعل اليهود والمسلمون؟ بالتأكيد هذا أسهل. إن عقيدة الثالوث تقف أمامنا بمثابة تحدٍ، كاللغز (crux) بالمعنى الحرفى: إنها بعبارة فلاديمير لوسكى “صليب لطريق التفكير البشرية”، وهي تتطلب يتطلب منا التوبة (metanoia) بصورة جذرية ـ وليس مجرد لفتة تصديق رسمى، بل تغير حقيقى في الذهن وفى القلب.

          لماذا الإيمان إذن بالله كثالوث ؟ وجدنا في الفصل السابق أن أكثر طريقين يساعدانا على الدخول إلى السر الإلهي أن نؤكد أن الله شخص  وأن الله محبة. ويتضمن هذان المفهومان المشاركة والتبادل. أولاً، ليس “الشخص” هو نفس الشيء “كالفرد” على الإطلاق. فأى واحد منعزل ومستقل بذاته لا يكون شخصًا أصيلاً حقيقيًا بل مجرد فرد، أى وحدة مجردة كما يتم تسجيلها في التعداد. إن التمركز حول الأنا هو موت الشخصية الحقيقية. ويصبح كل فرد شخصًا حقيقيًا فقط من خلال الدخول في علاقة مع أشخاص آخرين، أى من خلال الحياة لأجلهم وفيهم. لقد قيل وهذا حق، إنه ما من إنسان يمكن أن يوجد، ما لم يكن اثنان على الأقل في علاقة معًا. ونفس الشيء يُصدق، على المحبة. لا يمكن للمحبة أن تقوم في عزلة، بل هي تفترض وجود الآخر. إن محبة الذات هي إلغاء المحبة. ومثلما أوضح ” تشارلز ويليامز” هذا التأثير المُخرِّب فى روايته ” الهبوط إلى الجحيم “، فإن حب الذات هو الجحيم، لأن حب الذات إذا ما بلغ منتهاه، إنما يدل على نهاية كل فرح وكل معنى. ليس الجحيم هو الآخرون، إنما الجحيم هو ذاتى، إذا ما انفصلت عن الآخرين وتمركزت حول نفسها.

 

          إن الله أفضل بكثير من أحسن ما نعرفه في نفوسنا. فإن كان اثمن عنصر في حياتنا كبشر هو العلاقة بين ” الأنا والأنت “، فإننا لا يمكننا إلاّ أن ننسب نفس العلاقة، بمعنى ما، إلى كيان الله الأزلى ذاته. وهذا بالضبط ما تعنيه عقيدة الثالوث القدوس. ففى قلب الحياة الإلهية ذاتها، ومنذ الأزل يعرف الله ذاته بصفته ” أنا وأنت ” I and Thou “، بأسلوب ثالوثى، وهو يفرح على الدوام بهذه المعرفة. إذن، كل ما يتضمنه فهمنا المحدود للشخص الإنسانى وللحب الإنسانى، هذا نؤكده أيضًا عن الله الثالوث، ونضيف أن هذه الأمور في حالة الثالوث تعنى أكثر بغير حدود مما يمكن أن نتخيله على الإطلاق.

 

          إن الشخص والمحبة يعنيان الحياة، والحركة، والاكتشاف. هكذا فإن عقيدة الثالوث تعنى أننا يجب أن نفكر في الله بمعانٍ متحركة أكثر منها ساكنة. فليس الله مجرد سكون وراحة وكمال غير قابل للتغيير. ولكى نكوّن صورًا عن الله الثالوث علينا أن نتأمل الريح، والمياه الجارية ولهب النيران المتأججة. هناك تشبيه مفضل عن الثالوث كان دائمًا يصوره بثلاثة مشاعل تشتعل بلهب واحد. وتخبرنا ” أقوال آباء البرية ” كيف أن أخًا جاء مرة ليتحدث إلى الأنبا يوسف فى بانيفو وقال الزائر ” يا أبانا، إنى أتبع حسب مقدرتى قاعدة متواضعة للصلاة والصوم، والقراءة والصمت، وبقدر استطاعتى أحفظ نفسى طاهرًا في أفكارى. فماذا لى أن أفعل أكثر؟ فأجابه الأنبا يوسف وقد وقف على قدميه ورفع ذراعيه نحو السماء، وأصبحت أصابعه مثل عشرة مشاعل مضيئة، وقال الشيخ العجوز للزائر: “إن أردت، يمكنك أن تصير كلك نارًا بالكامل”. فإن كانت هذه الصورة عن اللهب الحى تساعدنا على فهم طبيعة الإنسان في أعلى حالاتها، ألاّ يمكن أن تنطبق أيضًا على الله ؟ إن أقانيم الثالوث هم ” بالكامل نار “.

 

          لكن في النهاية، فإن أقل صورة تضلل فهمنا يمكن أن نجدها، لا في العالم الطبيعى خارجنا، بل في القلب البشرى، إن التشبيه الأفضل هو ذلك الذي بدأناه ألاّ وهو خبرتنا بالاهتمام الشديد بشخص آخر ومعرفتنا أن محبتنا تُرد لنا بمحبة مثلها.

 

ثلاثة أشخاص (أقانيم) في جوهر واحد:

          قال المسيح ” أنا والآب واحد ” (يو30:10) فماذا كان يعنى ؟ للإجابة علينا أولاً أن نرجع أول مجمعين من المجامع المسكونية: مجمع نيقية      (325)، ومجمع القسطنطينية (381)، وإلى قانون الإيمان الذي صاغه هذان المجمعان. إن التأكيد الأساسى والحاسم في قانون الإيمان هو أن يسوع المسيح هو “الإله الحق من الإله الحق”، “واحد في الجوهر” (أو “هوموأوسيوس”) مع الله الآب. بعبارة أخرى، فإن يسوع المسيح مساوٍ للآب: هو الله بنفس معنى أن الآب هو الله، ومع ذلك فهما ليسا إلهين بل إله واحد. ومن ثم إن الآباء الشرقيين في أواخر القرن الرابع الميلادى قالوا نفس الشيء عن الروح القدس: هو بالمثل إله حق، “واحد في الجوهر” مع الآب والابن. ورغم أن الآب والابن والروح القدس إله واحد، فإن كلاً منهم هو منذ الأزل شخص (أقنوم)، هو مركز متميز لوعى ذاته. الله الثالوث إذن يوصف بأنه ثلاثة أقانيم في جوهر واحد. توجد في الله منذ الأزل وحدة حقيقية، مرتبطة بتمايز شخصى أصيل: لفظة “جوهر”، “كيان” (ousia)، إنما تدل على الوحدة، ولفظة “شخص” أو “أقنوم” (هيبوستاسيس) (hypostasis) أو (بروسوبون) تدل على التمايز. فلنحاول أن نفهم ما الذي تدل عليه هذه اللغة المحيرة، لأن عقيدة الثالوث القدوس عقيدة حيوية بالنسبة لخلاصنا.

 

          الآب والابن والروح واحد في الجوهر، لا بمعنى فقط أن الثلاثة هم أمثله لنفس المجموعة أو الجنس العام، بل بمفهوم أنهم يشكلون معًا حقيقة واحدة فريدة وخاصة. وفي هذا الصدد هناك فارق هام بين معنى أن أشخاص الله الثلاثة هم واحد، ومعنى أن يدعى ثلاثة أشخاص من البشر واحدًا. فالأشخاص الثلاثة من البشر بطرس ويعقوب ويوحنا، ينتمون إلى نفس الجنس العام، جنس “الإنسان”. وبرغم أنهم متقاربون معًا متعاونون معًا، فإن لكل واحد منهم إرادته الخاصة وقدرته الخاصة، يعمل كل واحد بمقتضى قوته الخاصة المنفصلة في اتخاذ القرار أو المبادرة. باختصار، هم ثلاثة رجال وليس رجلاً واحدًا. لكن في حالة أشخاص الثالوث الثلاثة ليس الأمر هكذا. هناك تمايز، لكن ليس هناك انفصال على الإطلاق. فالآب والابن والروح كما يؤكد القديسون ـ تابعين شهادة الكتاب المقدس ـ لهم إرادة واحدة فقط وليست ثلاث إرادات. لهم طاقة واحدة وليست ثلاثًا. لا أحد من الثلاثة يعمل منفردًا، بمعزل عن الاثنين الآخرين. هم ليسوا ثلاثة آلهة، بل إله واحد.

 

          ومع ذلك ورغم أن الأقانيم أو الأشخاص الثلاثة لا يعملون أبدًا بمعزل الواحد عن الآخر، فإن في الله تمايزًا أصيلاً كما أن فيه وحدة خاصة. فى اختبارنا لله وهو يعمل في عمق حياتنا الخاصة، وبينما نجد أن الثلاثة يعملون دائمًا معًا، مع ذلك فإننا نعلم أن كلاً منهم يعمل فينا بطريقة مختلفة. نحن نختبر الله كثلاثة فى واحد، ونؤمن أن هذا التمايز الثلاثى فى عمل الله الخارجى يعكس تمايزًا ثلاثيًا فى حياته الداخلية. والتمايز بين الأشخاص الثلاثة يعتبر تمايزًا أزليًا قائمًا فى داخل طبيعة الله نفسه؛ فالتمايز لا ينطبق فقط على فعله الخارجى فى العالم. الآب والابن والروح القدس ليسوا مجرد “أشكال” أو “أساليب” للاهوت (الألوهية)، ليسوا مجرد أقنعة يرتديها الله لفترة فى تعاملاته مع الخليقة ثم يخلعها جانبًا. هم على النقيض ثلاثة أشخاص متساوون معًا وأزليون معًا (Coequal, Coeternal Persons). الأب البشرى أكبر سنًا من ابنه. لكن حين نتحدث عن الله “كأب” و”كابن” لا نفسر هذه الألفاظ بهذا المعنى الحرفى. نحن نؤكد أن ” الابن ” لم يكن هناك وقت لم يكن فيه موجودًا. ونفس الشيء يُقال عن الروح.

 

          كل واحد من الثلاثة هو بالكامل وبالكلية الله. ليس أحد منهم أكثر أو أقل من إله بالنسبة للآخرين. كل واحد يملك، لا ثلث لاهوت، بل الألوهية الكاملة فى مجملها، ومع هذا فكل واحد يحيا ويكون هذا اللاهوت الواحد بطريقته المتميزة الخاصة ‎والشخصية. وإذ يؤكد القديس غريغوريوس النيسى على هذه الوحدة الثالوثية فى تنوع، يكتب:

          [ كل ما يكونه الآب، نراه ظاهرًا (مستعلنًا) فى الابن، وكل ما هو للابن فهو للآب أيضًا، لأن الابن بكامله يسكن فى الآب، وله الآب بكامله ساكنًا فى ذاته، الابن الكائن دائمًا فى الآب لا يمكن أن ينفصل عنه، ولا يمكن أن ينفصل الروح عن الابن الذي يعمل بالروح كل شئ. والذي يقبل الآب يقبل أيضًا وفى آنٍ واحد الابن والروح. من المستحيل أن نتخيل أى نوع من الانفصال أو القطع بينهم: فلا يمكن للمرء أن يفكر فى الابن بمعزل عن الآب، ولا أن يفصل الروح عن الابن. هناك بين الثلاثة مشاركة وتمايز يفوق التعبير بالكلام ويفوق الفهم. والتمايز بين الأشخاص لا يضعف وحدانية الطبيعة ولا تقود وحدانية الجوهر المشتركة إلى اختلاط بين الخصائص المتميزة للأشخاص (الثلاثة). لا تندهشوا أننا يجب أن نتكلم عن اللاهوت بأنه موحد ومتمايز في آنٍ واحد. وإذا استخدمنا الألغاز، إن جاز التعبير، فإننا نتصور تنوعًا ـ فى ـ وحدة، ووحدة ـ فى تنوع، غريبة ومتناقضة].

 

وباستخدامه عبارة ” إذا استخدمنا الألغاز.. ” فإن القديس غريغوريوس مضطر أن يؤكد أن تعليم الثالوث ” فيه تناقض ظاهرى ” Paraoxical وأنه ” يفوق التعبير بالكلام والفهم “. إنه شئ أعلنه الله لنا ولم توضحه لنا عقولنا. يمكننا أن نلمح له بلغة بشرية، لكننا لا نقدر أن نشرحه بالكامل. وقدراتنا العقلية هي هبة من الله ويجب أن نستخدمها حتى الكمال، لكن علينا أن ندرك محدوديتها. ليس الثالوث نظرية فلسفية، لكنه الله الحى الذي نعبده، لهذا تأتى نقطة فى اقترابنا من الثالوث حين يجب لمناقشتنا وتحليلنا أن يترك المكان للصلاة التي بغير كلام:

          ” فليصمت كل جسد مائت

وليقف فى خوف ورعدة.”                                        (ليتورجية القديس يعقوب)

 

الخصائص الشخصية فى الثالوث:

          الشخص الأول فى الثالوث، الله الآب، هو “نبع اللاهوت”، المصدر، العلة، أو مبدأ أصل الشخصين الآخرين. هو رابطة الوحدة بين الثلاثة: هناك إله واحد لأن هناك آبًا واحدًا. ” الوحدة هي الآب، الذي منه وإليه يسير مجرى نظام الأشخاص” (القديس غريغوريوس اللاهوتى). كل شخص من الشخصين الآخرين يُعّرف بألفاظ تعبر عن علاقته بالآب: فالابن “مولود” من الآب، والروح “ينبثق” من الآب. وفى الغرب اللاتينى، هناك اعتقاد ثابت بأن الروح ينبثق ” من الآب ومن الابن “. وقد أُضيفت لفظة فيليوك filioque (أى من الابن) إلى النص اللاتينى لقانون الإيمان. وتعتبر الأرثوذكسية لفظة فيليوك إضافة غير شرعية ـ لأنها أُضيفت إلى قانون الإيمان دون موافقة الشرق المسيحى ـ ليس هذا فحسب، بل إنها تعتبر أيضًا أن تعليم ” الانبثاق المزدوج “، كما يُشرح عادة، هو تعليم غير دقيق لاهوتيًا وضار روحيًا. وبحسب آباء القرن الرابع الشرقيين، الذين تتبعهم الكنيسة الأرثوذكسية حتى يومنا هذا، فإن الآب هو المصدر الوحيد وأساس وحدة اللاهوت. ولكى نجعل الابن مصدرًا مثل الآب، أو بالاشتراك معه، معناه أن نتسبب فى ارتباك الخصائص المميزة للأشخاص.

 

          والشخص الثانى فى الثالوث هو ابن الله، ” كلمته ” أو اللوغوس. ولكى نتحدث بهذا الأسلوب عن الله كابن وآب معناه على الفور أن يتضمن (هذا الحديث) حركة من المحبة المتبادلة، كما أشرنا قبلاً. ومعناه أن يتضمن (كلامنا) أنه منذ الأزل فإن الله نفسه، كابن ـ فى طاعة بنوة ومحبة ـ يرد إلى الله الآب الكيان الذي يولّده الآب فيه منذ الأزل بالبذل الذاتى الأبوى. وفى الابن ومن خلاله يُستعلن أو ينكشف الآب لنا: ” أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتى إلى الآب إلاّ بى” (يو6:14). هو الذي وُلِدَ على الأرض كإنسان من العذراء مريم فى مدينة بيت لحم. لكنه كالكلمة أو لوغوس الله فهو أيضًا يعمل قبل التجسد الإلهي. هو مبدأ النظام وهو الغاية الذي يتغلغل فى كل الأشياء ويجذبها إلى الوحدة فى الله، وهكذا يجعل العالم universe “كونًا Cosmos”، أى كلاً متكاملاً ومتناسقًا. وقد أسبغ اللوغوس الخالق على كل شئ مخلوق اللوغوس الخاص به الساكن فيه أى المبدأ الداخلى، الذي يجعل هذا الشيء هو ذاته بشكل متميز، والذي يجذب فى آنٍ واحد ويوجه كل شئ نحو الله. ومهمتنا البشرية كصناع أو حرفيين هي أن ندرك هذا اللوغوس الساكن فى كل شئ وأن نجعله ظاهرًا (معلنًا)، نحن لا نسعى أن نهيمن ونسيطر بل أن نتعاون.

 

          أما الشخص الثالث فهو الروح القدس، “الريح” أو” نفس” (نسمة) الله. وبينما نحن ندرك عدم دقة التقسيمات المرتبة، فإننا يمكن أن نقول إن الروح هو الله فينا، والابن هو الله معنا، والآب هو الله فوقنا أو فيما وراءنا أو أبعد منا. ومثلما يكشف الابن الآب لنا، هكذا فإن الروح هو الذي يكشف الابن لنا، ويجعله حاضرًا معنا. ومع ذلك فالعلاقة متبادلة. فالروح يجعل الابن حاضرًا معنا، لكن الابن هو الذي يرسل الروح إلينا. (نحن نلاحظ أن هناك تمايزًا بين “الانبثاق الأزلى” للروح و”إرساليته الزمنية”. فالروح مرسل إلى العالم فى الزمن، بواسطة الابن، لكن بالنسبة لأصله فى داخل الحياة الأزلية للثالوث، فإن الروح ينبثق من الآب وحده).

 

          ويكتب سينيسيوس القيروانى مميزًا كل شخص من الأشخاص الثلاثة:

نهتف، يا أيها الآب، نبع الابن،

أيها الابن، صورة الآب،

أيها الآب، القاعدة حيث يقوم الابن،

أيها الابن، ختم الآب؛

أيها الآب، قوة الابن،

أيها الابن، جمال الآب،

أيها الروح الكلى الطهر، الرابطة بين الآب والابن،

أرسل أيها المسيح، الروح،

أرسل الآب إلى نفسى،

أغمر قلبى الجاف فى هذا الندى، أحسن كل عطاياك.

              

لماذا نتحدث عن آب وليس أم:

          لكن لماذا نتحدث عن الله كآب وابن، وليس كأم وابنة، إن اللاهوت فى ذاته ليس فيه ذكورة ولا أنوثة. وعلى الرغم من أن خصائصنا البشرية كذكر وأنثى تعكس، فى أعلى وأصدق صورها ملمحًا أو مظهرًا من الحياة الإلهية، إلاّ أنه لا يوجد فى الله مثل هذا التمايز الجنسى. لهذا فحينما نتحدث عن الله كآب فإننا لا نتكلم كلامًا حرفيًا بل روحيًا. ومع ذلك فلماذا تكون الرموز ذكرية وليست أنثوية؟ لماذا ندعو الله ” هو ” وليس ” هي” ؟ فى الحقيقة فإن المسيحيين قد طبقوا أحيانًا لغة ” الأم ” على الله. فيتحدث أفراهات، أحد قدامى الآباء السريان الأوائل، عن محبة المؤمن “لله أبيه والروح القدس أمه”، بينما نجد فى العصور الوسطى للغرب أن الليدى يوليان من نورويخ تؤكد أن: “الله يتهلل بأنه أبونا، والله يتهلل بأنه أمنا “. لكن تلك استثناءات. فالرمزية المستخدمة عن الله بواسطة الكتاب المقدس وفى عبادة الكنيسة هي تقريبًا على الدوام رمزية ذكرية.

 

          ولا يمكننا أن نثبت بالمجادلات لماذا يجب أن يكون الأمر هكذا، ومع ذلك تبقى حقيقة اختبارنا المسيحى أن الله وضع ختمه على بعض الرموز دون رموز أخرى. ولم نختر نحن الرموز بل هي قد أُعطيت وأُعلنت لنا من الله. يمكن للرمز أن يتحقق ويُعاش ويُصلى به ـ لكن لا يمكن أن “نبرهن” عليه منطقيًا. وهذه الرموز ” المعطاة ” رغم ذلك، وإن كان من غير الممكن أن يكون لها برهان، إلاّ أنها بعيدة رغم ذلك عن أن تكون اعتباطية Arbitrary. ومثل رموز الأساطير، والأدب والفن، فإن رموزنا الدينية تتغلغل بعمق إلى جذور كياننا الخفية، ولا يمكن أن تتبدل أو تتغير دون أن تنتج عنها عواقب فورية. فإن بدأنا مثلاً بالقول ” أمنا التي فى السموات ” بدلاً من ” أبانا”، فإننا لا نكون فقط قد غيرنا فى نص بتصور آخر عارض بل نكون قد بدلنا المسيحية بدين جديد. فإن الإلهة الأم ليست هي الرب الذي تؤمن به الكنيسة المسيحية.

 

          ولماذا يكون الله شركة أشخاص ثلاثة إلهيين لا أكثر ولا أقل ؟ هنا أيضًا لا يوجد دليل منطقى. فإن ثالوثية الله شئ معطى وموحى به لنا فى الكتاب المقدس، واستلمناه فى التقليد الرسولى، وفى خبرة القديسين عبر القرون. كل ما يمكننا عمله أن نثبت صحة هذه الحقيقة المعطاة من خلال حياتنا الخاصة فى الصلاة.

 

الولادة والانبثاق:

          ما الفرق بالضبط بين “ولادة” الابن و”انبثاق” الروح ؟ “إن طريقة الولادة وطريقة الانبثاق من الأمور التي لا يمكن إدراكها بالعقل”، هكذا يقول القديس يوحنا الدمشقى. ” لقد عرفنا أن هناك فرقًا بين الولادة والانبثاق لكن ما هي طبيعة هذا الفارق، فهذا ما لا نفهمه على الإطلاق”. فإن كان القديس يوحنا الدمشقى نفسه يعترف أنه متحير أفلا نكون نحن كذلك. إن ألفاظ “ولادة” و” انبثاق” هي رموز اصطلاحية لواقع يفوق مدارك دماغنا المفكر. يقول القديس باسيليوس الكبير ” إن عقلنا المفكر ضعيف ولساننا أضعف، من الأسهل قياس البحر كله بقدح صغير عن أن ندرك عظمة الله غير المدركة بالعقل البشرى “. ولكن إن كانت تلك الرموز لا يمكن شرحها بالكامل  إلاّ أننا يمكن (كما قلنا) أن نتأكد منها خلال لقائنا بالله فى الصلاة، فنعرف أن الروح ليس هو نفسه الابن، حتى إن كنا لا نستطيع تعريف الفارق بالضبط بواسطة الكلمات.

 

يدا الله:

          فلنحاول أن نشرح تعليم الثالوث بالتأمل فى النماذج الثالوثية فى تاريخ الخلاص وفى حياة الصلاة التي نعيشها.

          إن الأشخاص الثلاثة، كما رأينا، يعملون دائمًا معًا، ولهم إرادة وقوة واحدة. ويتحدث القديس إيريناؤس عن الابن والروح القدس “كيديّ” الله الآب؛ وفى كل فعل خلاّق وتقديسى يستخدم الآب هاتين ” اليدين” معًا فى وقت واحد. ويوفر لنا الكتاب المقدس والعبادة أمثلة متكررة لذلك:

 

1 ـ الخلق: “ بكلمة الرب صُنعت الأرض السموات وبنسمة فيه كل جنودها” (مز6:33). يخلق الله الآب بواسطة “كلمته” أى اللوغوس (الأقنوم الثانى)، وبواسطة “نسمته” أى روحه (الأقنوم الثالث). وتعمل “يدا” الآب معًا فى تشكيل الكون. وقيل عن اللوغوس ” كل شئ به كان” (يو3:1). قارن قانون الإيمان.. ” الذي به كان كل شئ ” ـ وقيل عن الروح فى الخلق إنه ” كان يرف على وجه المياه ” (تك2:1). فكل المخلوقات تحمل ختم الثالوث.

 

2ـ التجسد: عند البشارة، يرسل الآب الروح القدس على العذراء المباركة مريم فتحمل بابن الله الأزلى (لو35:1). هكذا فإن إتخاذ الله لبشريتنا هو عمل ثالوثى. يُرسل الروح من الآب، ليحقق حضور الابن فى داخل رحم العذراء. ويجب أن نضيف أن التجسد ليس فقط عمل الثالوث بل أيضًا عمل إرادة مريم الحرة. لقد انتظر الله قبولها الإرادى، الذي تعبر عنه الكلمات “ هوذا أنا أمة الرب، ليكن لى كقولك ” (لو38:1)، وهو القبول الذي لو كانت قد امتنعت عن تقديمه، لِما أصبحت مريم أم الله. فالنعمة الإلهية لا تحطم الحرية البشرية بل تؤكدها.

 

3 ـ معمودية المسيح: فى التقليد الأرثوذكسى، تُرىَ هذه المعمودية كاستعلان للثالوث. فصوت الآب من السماء يحمل الشهادة للابن قائلاً: “هذا هو ابنى الحبيب الذي به سررت ” وفى نفس اللحظة، فإن الروح القدس، فى شكل حمامة، ينزل من الآب ويستقر على الابن (مت16:3ـ17). ولهذا تُرّنم الكنيسة الأرثوذكسية فى عيد الظهور الإلهي عيد معمودية المسيح [1]:

          حين تعمدت أيها الرب فى نهر الأردن

          استعلنت عبادة الثالوث.

          لأن صوت الآب حمل الشهادة لك

          فناداك بالابن الحبيب.

          والروح فى شكل حمامة

          ختم على كلمته بأنها أكيدة وثابتة.

 

4 ـ تجلى المسيح: وهو حدثٌ ثالوثى أيضًا. فنفس العلاقة تتجلى بين الأقانيم الثلاثة كما فى المعمودية. فالآب يشهد من السماء ” هذا هو ابنى الحبيب الذي به سررت له اسمعوا ” (مت5:17)، بينما ينزل الروح كما حدث قبلاً على الابن، وفى هذه المرة فى شكل سحابة نور(لو34:9). كما نؤكد فى واحدة من ترانيم هذا العيد:

          اليوم على جبل طابور فى استعلان نورك أيها الرب

          أنرت أيها النور غير المتغير من نور الآب غير المولود،

          ورأينا الآب كنور

          والروح كنور

          الذي بنوره يرشد الخليقة كلها.

 

5 ـ استدعاء الروح فى الإفخارستيا: نفس النموذج الثالوثى الذي يتجلى فى البشارة وفى المعمودية، وفى التجلى، يظهر أيضًا فى لحظة الذروة فى الإفخارستيا، لحظة استدعاء الروح القدس (Epiclesis)، فالكاهن خديم السر حينما يخاطب الآب يقول فى قداس القديس يوحنا ذهبى الفم:

نقدم لك هذه العبادة الروحية بدون سفك دم.

ونصلى ونتضرع ونبتهل إليك

أن ترسل إلينا روحك القدوس، علينا وعلى هذه القرابين الموضوعة أمامك

وأن تجعل هذا الخبز الجسد الثمين لمسيحك

وأن تجعل ما بداخل هذه الكأس دم مسيحك

محوّلاً إياهما بروحك القدوس.

 

          ومثلما هو الحال فى البشارة هكذا فى الإفخارستيا التي هي امتداد لتجسد المسيح. فالآب يرسل الروح القدس ليحقق حضور الابن فى القرابين المقدسة. وهنا ـ مثلما هو فى كل حال ـ فإن الأقانيم الثلاثة للثالوث يعملون معًا.

 

نصلى للثالوث ونحيا الثالوث

نحن نصلى للثالوث:

          ومثلما يكون فى استدعاء الروح القدس فى الإفخارستيا بنيان  ثالوثى، هكذا الأمر تقريبًا فى كل صلوات الكنيسة. فالابتهالات الافتتاحية، التي يستخدمها الأرثوذكس فى صلواتهم اليومية كل صباح ومساء، هي ذات روح ثالوثية واضحة. وهي صلوات مألوفة جدًا، وتكرارها دائم، حتى أنه من السهل أن يفوتنا الانتباه إلى سمتها الحقيقية باعتبارها تمجيد للثالوث القدوس. ونحن نبدأ بالاعتراف بالله بأنه ثلاثة فى واحد، حينما نرشم علامة الصليب ونتلو الكلمات التالية:

باسم الآب والابن والروح القدس

          هكذا أيضًا فى مستهل كل يوم جديد، فنحن نضع اليوم تحت حماية الثالوث. ثم نقول ” المجد لك، يا إلهنا، المجد لك” ـ ويبدأ اليوم الجديد بالاحتفال والبهجة والشكر. ويلى هذا صلاة للروح القدس، ” أيها الملك السمائى… ” ثم نكرر ثلاث مرات:

قدوس الله، قدوس القوى، قدوس الحى الذي لا يموت، ارحمنا

          وهذه التقديسات الثلاث، هي تمثل بتسبحة ” قدوس قدوس قدوس ” التي يسبح بها الشاروبيم فى رؤيا إشعياء (إش3:6)، والأربعة الكائنات الحية فى سفر الرؤيا (رؤ8:4).وفى هذه الـ ” قدوس” التي تتكرر ثلاث مرات هناك ابتهال للثلاثة اقانيم الأزليين. ونتبع ذلك، فى صلواتنا اليومية، بأكثر عباراتنا الليتورجية تكرارًا: ” المجد للآب وللابن وللروح القدس..” وعلينا هنا قبل كل شئ ألاّ نسمح للألفة أن تولد الاحتقار. ففى كل مرة نستخدم هذه العبارة، من الضرورى أن نتذكر معناها الحقيقى باعتبارها تقديم المجد للثالوث. وهذا التمجيد Gloria تليه صلاة أخرى للأقانيم الثلاثة:

أيها الثالوث الأقدس ارحمنا            يارب اغفر لنا خطايانا

يا سيد اصفح عن آثامنا                     أيها القدوس افتقدنا واشفِ أمراضنا

لأجل اسمك القدوس.                       

          وهكذا تستمر صلواتنا اليومية. وفى كل خطوة، سواء ضمنًا أم صراحة، هناك بنية ثالوثية، واعتراف بالله كواحد فى ثلاثة. فنحن نفكر بالثالوث، نتحدث بالثالوث، ونتنفس الثالوث.

هناك أيضًا بعد ثالوثى فى الصلاة المحبوبة جدًا، وهي صلاة أرثوذكسية من جملة واحدة، ألاّ وهي “صلاة يسوع”، وهي “صلاة سهمية” تستخدم فى العمل وفى أثناء فترات الهدوء. وأكثر أشكالها شيوعًا هو:

يا ربى يسوع المسيح، ابن الله، ارحمنى أنا الخاطئ

          وهي فى شكلها الخارجى، صلاة للأقنوم الثانى من الثالوث، الرب يسوع المسيح. لكن الأقنومين الآخرين موجودان أيضًا فيها، رغم أنهما لا يذكران بالاسم. لأننا بذكرنا ليسوع أنه ” ابن الله ” نشير بذلك إلى أبيه، وتتضمن صلاتنا الروح أيضًا لأنه “لا يقدر أحد أن يقول إن يسوع رب إلاّ بالروح القدس” (1كو3:12). إذن فصلاة يسوع ليست صلاة متمركزة فقط حول المسيح، بل هي صلاة ثالوثية.

 

نحن نحيا الثالوث:

          يقول تيتو كولياندر: ” الصلاة فعل “.

” ما هي الصلاة النقية ؟ هي الصلاة  الموجزة فى كلماتها لكنها غزيرة فى فعلها. لأنه إن كانت أعمالك لا تفوق توسلاتك، فإن صلواتك ليست إلاّ مجرد كلمات، وليس فيها بذار اليدين ”                                 (من أقوال آباء البرية)

 

          فإن تحولت الصلاة إلى فعل، فإن هذا الإيمان الثالوثى الذي يغذى كل صلاتنا يجب أن يظهر أيضًا فى حياتنا اليومية. وقبيل تلاوة قانون الإيمان مباشرة فى القداس الإلهي[2]، نردد هذه الكلمات:

          ” فلنحب بعضنا بعضًا، حتى إننا بذهن واحد نعترف بالآب والابن والروح القدس، الثالوث الواحد فى الجوهر والغير منقسم”. لاحظوا هذه الكلمات، “حتى إننا”. إن الاعتراف الأصيل بالإيمان بالإله الثالوث فى واحد لا يمكن أن يقوم به إلاّ أولئك الذين، بحسب مثال الثالوث، يظهرون محبة الواحد نحو الآخر. هناك صلة وثيقة بين محبتنا الواحد للآخر وإيماننا بالثالوث: فالمحبة شرط أساسى للإيمان بالثالوث، والإيمان بالثالوث بدوره يعطى كامل القوة والمعنى للمحبة.

 

          إن عقيدة الثالوث أبعد من أن ندفع بها فى ركن بعيد ونعاملها كقطعة عويصة من التنظير اللاهوتى الذي لا يعنى به إلاّ المتخصصون، بل يجب أن يكون لعقيدة بالثالوث أثرها على حياتنا اليومية، ذلك الأثر الذي ينبغى أن لا يقل عن أن يكون أثرًا ثوريًا. فالبشر إذ هم مخلوقون على صورة الله الثالوث، مدعون أن يُظهروا على الأرض سر المحبة المتبادلة التي يحياها أقانيم الثالوث فى السماء.

 

          وفى العصور الوسطى بروسيا، كرس القديس سرجيوس الرادونيزى ديره الجديد للثالوث القدوس، وكان قصده الفعلى فى ذلك أن يظهر رهبانه المحبة الواحد نحو الآخر كل يوم، وهي نفس المحبة التي تسرى بين أقانيم الثالوث الثلاثة. وهذه ليست دعوة الرهبان وحدهم بل هي دعوة كل واحد فينا.

          فينبغى على كل وحدة اجتماعية: الأسرة، المدرسة، الورشة، والإيبارشية والكنيسة الجامعة ـ أن تصبح أيقونة للثالوث.

 

          ولأننا نعرف أن الله ثلاثة فى واحد، فإن كل واحد منا ملتزم أن يحيا حياة البذل مع الآخر ولأجل الآخر، كل منا ملتزم بشكل نهائى أن يحيا حياة الخدمة العملية، أن يحيا حياة الحنان النشيط. إن إيماننا بالثالوث يضعنا تحت التزام الجهاد على كل مستوى، من الشخصى جدًا وحتى العام المنظم تنظيمًا عاليًا، أى أن نناضل ضد كل أشكال القهر، والظلم، واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان. وفى صراعنا لأجل البر الاجتماعى و”حقوق الإنسان”، فإننا نتصرف بوجه خاص ” باسم الثالوث القدوس “.

 

          ” إن أكمل قاعدة للمسيحية، وتعريفها الدقيق، وذروتها العليا، هي هذه: أن نبحث عما هو لنفع الجميع “، هكذا يقول القديس يوحنا ذهبى الفم. “.. لا أقدر أن أؤمن أنه من الممكن لأى إنسان أن يخلص إن لم يعمل لأجل خلاص جاره ” تلك هي المضامين العملية لعقيدة الثالوث. وهذا هو معنى أن ” نحيا الثالوث “.

 

CDCDCDCDCD

 

          لا نمجد ثلاثة آلهة بل إلهًا واحدًا.

          نحن نكرم الأقانيم الثلاثة الذين هم بالحقيقة ثلاثة:

          الآب غير المولود                                                     والابن المولود من الآب

          والروح القدس المنبثق من الآب                  إله واحد فى ثلاثة:

          وبإيمان ومجد حقيقيين ننسب إلى كل منهم لقب الله.

(من كتاب التريوديون)

تعالوا، يا جميع الشعوب، لنعبد اللاهوت الواحد فى ثلاثة أقانيم،

الابن فى الآب مع الروح القدس        لأن الآب أعطى الميلاد قبل الزمان للابن،

الأزلى معه والجالس فى العرش معه،

والروح القدس ممجد فى الآب مع الابن:

قوة واحدة، جوهر واحد، لاهوت واحد، الذين نعبدهم كلهم والذين نقول لهم:

قدوس الله، الذي خلق كل الأشياء بالابن، بمشاركة الروح القدس.

قدوس وقوى الذي به نعرف الآب والذي به أتى الروح القدس ليسكن فى العالم

قدوس وغير مائت، الروح البارقليط، المنبثق من الآب والمستقر على الابن.

أيها الثالوث القدوس، المجد لك

(من صلوات عيد الخمسين)

أسبح اللاهوت، الواحد فى ثلاثة أقانيم

لأن الآب نور،            والابن نور،                   والروح نور

لكن يبقى النور بغير انقسام        ساطعًا فى وحدة الطبيعة،

ومع ذلك فهو يسطع فى ثلاثة أشعة من الأقانيم  (من كتاب التريوديون)

          المحبة هي الملكوت الذي وعد به الرب سريًا للتلاميذ، حينما قال إنهم سيأكلون فى ملكوته ” ستأكلون وتشربون على مائدتى فى ملكوتى ” (لو30:22). فما الذي سيأكلونه ويشربونه، المحبة؟

          وحينما نبلغ المحبة، نكون قد أدركنا الله وتكتمل رحلتنا. فقد عبرنا إلى الجزيرة التي تقع فيما وراء العالم، حيث الآب والابن والروح القدس: الذين لهم المجد والسلطان. فليجعلنا الله مستحقين أن نخافه ونحبه. آمين.                                                                                                               (القديس مار اسحق السريانى)

          مهما حاولت جاهدة، أجد من المستحيل أن أشيد شيئًا أعظم من هذه الكلمات الثلاث، ” احبوا بعضكم بعضًا ” فقط حتى النهاية، ومن دون استثناءات: حينئذٍ يتبرر كل شئ وتستنير الحياة، وإلاّ صارت خلاف ذلك بغيضة وعبئًا ثقيلاً.                                                                         (الأم ماريا من باريس)

          لا يمكن أن تكون كنيسة بدون محبة.   (القديس يوحنا كرونستادت)

          صدقونى، توجد حقيقة واحدة تسود وتسمو ابتداءً من أهداب إكليل المجد وحتى أدنى ظل لأتفه المخلوقات الدنيا: هذه الحقيقة هي المحبة. المحبة هي المنبع الذي تفيض منه الينابيع المقدسة للنعمة بدون توقف من مدينة الله، تروى الأرض وتجعلها مثمرة”، “غمر ينادى غمرًا” (مز7:42): كمثل غمر أو هاوية، وفى لانهائيتها تساعدنا المحبة على أن نصور لذواتنا الرؤيا المرهبة للألوهية. إنها المحبة التي تشكل كل الأشياء وتحافظ عليها فى وحدة. المحبة هي التي تهب الحياة والدفء، وتلهم وترشد. المحبة هي الختم الموضوع على الخليقة، هي توقيع الخالق. المحبة هي شرح صنع يديه.

          كيف نجعل المسيح يأتى ويسكن فى قلوبنا؟ كيف إن لم يكن بالمحبة ؟

(الأب ثيوكليتوس من دير ديونيسيوس)

          أرح المتعبين، افتقد المرضى، أعن الفقراء، لأن هذه أيضًا صلاة.

(القديس أفراهات)

          علينا أن نعامل أجساد رفقائنا من البشر بعناية أكثر مما نوليها لأجسادنا. تعلمنا المحبة المسيحية أن لا نعطى اخوتنا عطايا روحية فقط، بل عطايا مادية كذلك. حتى قميصنا الأخير، وآخر قطعة خبز عندنا، علينا أن نعطيها لهم. إن الصدقة الشخصية وأوسع الأعمال الاجتماعية انتشارًا، هما بالتساوى مهمان وضروريان.

          يكمن الطريق إلى الله فى محبة الآخرين، وليس هناك من طريق آخر. فى الدينونة الأخيرة، لن أُسأَل إن كنت ناجحًا فى نسكياتى أو كم عدد السجدات التي أديتها فى صلواتى، بل أُسأل، هل أطعمت الجوعى، وكسوت العرايا، وافتقدت المرضى والمساجين، هذا ما سوف أُسأل عنه.

(الأم ماريا من باريس)

أيها الثالوث، الأعلى فى الكيان                   أيتها الوحدانية التي بلا بداية

أجناد الملائكة يرنمون بتسابيحك، وهم يرتعدون أمامك،

تقف السموات والأرض والأعماق فى رهبة أمامك أيها الثالوث الكلى القداسة: يباركك الناس،        وتخدمك النار،                    ويطيعك كل شئ فى خوف

(من كتاب الميناون يوم 8 سبتمبر)

 

[1]  هذه التسابيح موجودة فى الكتب الطقسية لكنيسة الروم الأرثوذكس، وتوجد صلوات مشابهة فى كتب الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

[2] قداس يوحنا ذهبى الفم المستعمل فى كنائس الروم الأرثوذكس (المعرب).

 

الله ثالوث – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

علامات على الطريق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

علامات على الطريق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

علامات على الطريق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

 

 

الطريق الأرثوذكسي للأسقف كاليستوس وير

 

” أنا هو الطريق والحق والحياة ”                                   (يو6:14)

          ” لا تعطينا الكنيسة نظامًا، بل مفتاحًا، لا خطة عن مدينة الله، بل تعطينا وسيلة لدخولها. وقد يفقد شخص ما طريقه لأنه لا يملك خطة. لكن كل ما يمكن أن يراه، سيراه من دون وسيط، سيراه مباشرة، ويكون حقيقيًا بالنسبة له، بينما الذي درس الخطة فقط، يغامر بالبقاء خارجًا، ولا يجد في الحقيقة أي شئ “.

(الأب جورج فلورفسكى)

          القديس سرابيون السائح، أحد أشهر آباء البرية في القرن الرابع الميلادي، كان قد سافر ذات مرة لزيارة روما. وهناك علم بأمر إحدى الناسكات ذائعة الصيت، وهي امرأة كانت تعيش دائمًا داخل غرفة ضيقة واحدة، لم تغادرها قط، وإذ كان يرتاب في طريقة حياتها ـ لأنه هو نفسه كان سائحًا عظيمًا، دعاها وسألها: لماذا تجلسين هاهنا؟ فأجابته ” أنا لست جالسة، أنا على سفر “.

          “ أنا لست جالسة، أنا على سفر“. كلمات يمكن أن يطبقها كل مسيحي على نفسه. فلكي تكون مسيحيًا، يعنى أن تكون مسافرًا، أي في رحلة. يقول الآباء الشرقيون، إن حالنا يشبه حال الشعب الإسرائيلي في برية سيناء، فنحن نعيش في خيام، لا في بيوت، لأننا نتحرك على الدوام روحيًا. نحن في رحلة (سفر) عبر الفضاء الداخلي للقلب، رحلة لا تُقاس بالساعات في معاصمنا ولا بالأيام في نتائج حوائطنا، لأنها رحلة خارج الزمن إلى الأبدية.

          ومن أقدم أسماء المسيحية هو ببساطة ” الطريق “. ومكتوب في سفر أعمال الرسل (23:19) ” وحدث في ذلك الوقت شغب ليس بقليل بسبب هذا الطريق “، ” فلما سمع هذا فيلكس أمهلهم، إذ كان يعلم بأكثر تحقيق أمور هذا الطريق” (أع22:24). إنه اسم يؤكد الصفة العملية للإيمان المسيحي.

          المسيحية أكبر من أن تكون نظرية حول الكون، وأكبر من كونها تعاليم مكتوبة على ورق. إنها طريق نسافر من خلاله، في أعمق وأغني معنى، إنها ” طريق الحياة “.

          وهناك طريقة واحدة فقط لاكتشاف الطبيعة الحقيقية للمسيحية. يجب علينا أن نخطو على هذا الطريق، وأن نلزم أنفسنا بطريق الحياة هذا، عندئذ سنبدأ في رؤية ما به بأنفسنا. وطالما بقينا خارجًا، لا نقدر أن نفهم بشكل صحيح. من المؤكد أننا بحاجة إلى أخذ إرشادات قبل أن نبدأ؛ نحتاج أن نعرف ما هي علامات الطريق التي نبحث عنها، ونحتاج أن يكون معنا رفقاء صحبة. حقًا، بدون إرشاد من الآخرين، من الصعب أن نبدأ الرحلة. لكن إرشادات الآخرين لا يمكنها أن تنقل إلينا ماهية الطريق فعلاً، ولا يمكنها أن تكون بديلاً للخبرة الشخصية المباشرة. إن كل واحد منا مدعو أن يتحقق بنفسه مما تعلمه ـ كل واحد مطالب أن يعيد اختبار ” التقليد ” الذي تسلمه ويحياه بنفسه.

          يقول المطران ” فيلاريت ” أسقف موسكو إن قانون الإيمان لا يخصك إن لم تكن قد عشته. وما من أحد يقدر أن يكون مسافرًا في هذه الرحلة البالغة الأهمية بينما هو قابع في مكانه، ما من أحد يقدر أن يكون مسيحيًا بشكل غير مباشر. إن لله أولادًا لكن ليس له أحفاد !

          وكمسيحي في الكنيسة الأرثوذكسية، أود بشكلٍ خاص أن أؤكد على هذه الحاجة إلى “الاختبار الحي”. تبدو الكنيسة الأرثوذكسية في نظر كثيرين من أهل الغرب في القرن العشرين أنها كنيسة جديرة بالاعتبار بشكل ملحوظ، لأنها تمثل جو التراث القديم والتقاليد المحافظة. إن رسالة الأرثوذكس لإخوانهم الغربيين تبدو هكذا، ” نحن ماضيكم “، ورغم ذلك، فإن الولاء للتقليد بالنسبة للأرثوذكس لا يعني بالدرجة الأولى قبول صيغ أو عادات قديمة من أجيال ماضية، بل بالأحرى قبول الجديد الدائم الجدة والاختبار الشخصي والمباشر للروح القدس، ” في الحاضر، هنا والآن “.

          وفي وصفه لزيارة إحدى كنائس الريف باليونان، يؤكد يوحنا بيتجمان على عنصر ” التراث “، لكنه يركز أيضًا على شئ آخر أكثر:

                    … الظلام الدامس يبتلع النهار.

                    هنا حيث توقد شمعة وتصلي.

      وعلى لهب الشمعة تظهر العيون المتوهجة.

لقديسي الموضع الذين يُظهرون ودون إبهار

استشهادهم منقوشًا على الجدار

حيث يسقط نور النهار

الخافت باهتًا

والضوء يُظهر لوحة مشروخة، ألوانها الأزرق والأخضر البحري والأحمر والذهبي،

يظهر من خلالها الخشب الحبيبي

لأيقونات، أكْثَر الناس من تقبيلها وربما تعود

إلى القرن الرابع عشر…

هكذا تنمو الشجرة العتيقة في قوة واقتدار

وقد جعلها الاضطهاد مشذبة ترويها الدماء

وجذورها الحية عميقة في طين ما قبل المسيحية

لا تحتاج إلى حماية بيروقراطية

فحمايتها في قيامتها الدائمة.

 

          ويلفت بيتجمان الأنظار هنا إلى أكثر ما يملكه الأرثوذكس من نفائس: أعني إلى قيمة الإشارات الرمزية، مثل لهب الشمعة، ودور الأيقونات في إيصال معنى كنيسة محلية ” كسماء على الأرض “، وسمو الاستشهاد في الاختبار الأرثوذكسي تحت حكم الأتراك منذ عام 1453م، وتحت حكم الشيوعيين منذ عام 1917م. وتعد الأرثوذكسية وبحق في العالم الحديث “شجرة عتيقة “. وبجانب عمرها الضارب في القدم هناك الحيوية، حيث “القيامة الدائمة ” وهذا هو المهم، وليس مجرد التراث القديم. فالمسيح لم يقل ” أنا عادة قديمة ” بل قال ” أنا هو الحياة “.

 

          وهدف هذا الكتاب الحالي أن يكشف عن المنابع العميقة لهذه ” القيامة الدائمة “، ويشير الكتاب إلى بعض علامات الطريق الحاسمة والإشارات على الطريق الروحي. وما من محاولة بذلناها هنا لتقديم تقرير فعلي دقيق على التاريخ الماضي والحالة المعاصرة للعالم الأرثوذكسي. وهذا ما يمكن الحصول على معلومات عنه فى كتابى السابق ” الكنيسة الرثوذكسية The Orthodox Church (Penguin Books)، الذي نُشر أصلاً سنة1963؛ وحاولت بقدر الإمكان أن أتجنب هنا تكرار ما ذكرته فى ذلك الكتاب.

 

          وهدفي من هذا الكتاب الحالي أن أقدم تقريرًا موجزًا عن التعاليم الأساسية للكنيسة الأرثوذكسية، حيث يظهر الإيمان طريقًا للحياة، وسبيلاً للصلاة. تمامًا مثلما عنون تولستوى الروائي إحدى قصصه القصيرة ” ما يحيا به الناس “، هكذا يمكن أن يُدعى هذا الكتاب ” ما يحيا به المسيحيون الأرثوذكس “. وفي حقبة مبكرة أكثر رسمية كان يمكن أن يأخذ هذا العمل شكل ” تعليم مسيحى للكبار” يحوي أسئلة وأجوبة. لكن ليست هناك محاولة أن يكون العمل شاملاً كل شئ، فقد قيل القليل جدًا هنا عن الكنيسة وصفة “المجمعية” (Conciliar) فيها، وحول شركة القديسين، والأسرار المقدسة، ومعنى العبادة الليتورجية: وربما استطعت أن أجعل هذا الخط الفكري موضوعًا لكتابٍ آخر. وبينما أشير من حين لآخر إلى طوائف مسيحية أخرى، فإني لا أعقد أية مقارنات منهجية. فاهتمامي منصب على وصف الإيمان الذي أحياه كأرثوذكسي، وأن أجعل ذلك بألفاظ إيجابية، عن أن أقترح مناطق الاتفاق والاختلاف مع الكاثوليكية الرومانية أو مع البروتستانتية.

 

          وإذ اشتاق أن أسمع صوت الآخر، وأن أري شهادات أخرى أفضل بجانب صوتي وشهادتي، فقد وضعت في الكتاب عدة اقتباسات، خاصة في بدء كل فصل وختامه. وتوجد ملاحظات مختصرة عن المؤلفين (وكتبهم)، الذين اقتبست منهم فى نهاية هذا الكتاب. إن معظم الفقرات المقتبسة هي من ” كتب الصلوات الأرثوذكسية ” المستعملة يوميًا فى عبادتنا الكنسية[1]، أو من كتابات الذين نطلق عليهم لقب ” الآباء “. وهم كُتّاب غالبًا من القرون الثمانية الأولى للتاريخ المسيحى، وفى بعض الحالات من تاريخ متأخر عن ذلك؛ لأنه يمكن أن يوجد مؤلف من عصرنا الحاضر ونطلق عليه أيضًا لقب ” أب ” وإن كان بمعنى خاص. وهذه الاقتباسات هي ” الكلمات ” التي ثبت أنها أكثر الكلمات عونًا لي شخصيًا، كعلامات على الطريق لاكتشافاتي الخاصة على الطريق. ويوجد طبعًا كُتاب آخرون كثيرون، لم يُذكروا بالاسم فى هذا الكتاب، وقد اقتبست من هؤلاء بعض الكلمات أيضًا..

          أيها المخلص،

          يا من سافرت مع لوقا وكليوباس إلى عمواس،

          سافر مع خدامك الذين بدأوا الآن ارتحالهم على الطريق واحفظهم من كل شر..                                                                               (صلاة تُقال قبل بداية أى الرحلة)

 

 

عيد القديس الرسول والإنجيلي يوحنا اللاهوتى

26 سبتمبر 1978

الأرشمندريت كاليستوس

 

 

2 يقصد كتب صلوات الخدمات فى كنيسة الروم الأرثوذكس التي هو عضو فيها وأحد لاهوتييها المعاصرين.

 

علامات على الطريق – الطريق الأرثوذكسي – د. نصحى عبد الشهيد

الحجر مدحرجا – إنجيل لوقا 24 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الحجر مدحرجا – إنجيل لوقا 24 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الحجر مدحرجا – إنجيل لوقا 24 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

قيامة المسيح

(لو1:24ـ5): “ ثُمَّ فِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ أَوَّلَ الْفَجْرِ أَتَيْنَ إِلَى الْقَبْرِ حَامِلاَتٍ الْحَنُوطَ الَّذِي أَعْدَدْنَهُ وَمَعَهُنَّ أُنَاسٌ. فَوَجَدْنَ الْحَجَرَ مُدَحْرَجًا عَنِ الْقَبْرِ. فَدَخَلْنَ وَلَمْ يَجِدْنَ جَسَدَ الرَّبِّ يَسُوعَ. وَفِيمَا هُنَّ مُحْتَارَاتٌ فِي ذَلِكَ إِذَا رَجُلاَنِ وَقَفَا بِهِنَّ بِثِيَابٍ بَرَّاقَةٍ. وَإِذْ كُنَّ خَائِفَاتٍ وَمُنَكِّسَاتٍ وُجُوهَهُنَّ إِلَى الأَرْضِ“.

 

          النسوة أتين إلى القبر، ولما لم يجدن جسد المسيح ـ لأنه كان قد قام ـ فإنهن تحيّرن كثيرًا. ثم ماذا تبع ذلك؟ إنهنَّ لأجل حبهنَّ للمسيح، ولأجل غيرتهنَّ الحارَّة له، فقد حُسِبن مستحقات أن يَرين الملاكين المقدَّسَيْن اللذين أخبراهن بالأخبار السارة، وصارا مبشرين بالقيامة قائلين: “ لماذا تطلبن الحي بين الأموات؟ ليس هو ههنا لكنه قام” (لو5:24، 6). إن كلمة الله حي إلى الأبد، وبحسب طبيعته هو الحياة ذاتها، ولكنه عندما أخلى ذاته، ووضع نفسه ليصير مثلنا، فإنه ذاق الموت، ولكنه برهن على موت الموت، لأنه قام من الموت ليصير هو الطريق الذى به ليس هو فقط بل نحن أيضًا نعود إلى عدم الفساد. ليت لا أحد يبحث عن ـ هذا الحي إلى الأبد ـ بين الأموات، لأنه هو ليس هنا بين الأموات وهو ليس في القبر، ولكن أين يوجد بالأحرى؟ ببساطة ووضوح، هو في السماء، في مجد الله. ولأجل أن يرسِّخ الملاكان بأكثر ثبات إيمان النسوة بهذه الأخبار، فإنهما أعادا إلى ذاكرتهن ما سبق أن قاله المسيح: ” اذكرن كيف كلَّمكن وهو بعد في الجليل قائلاً: إنه ينبغي أن يُسلَّم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة ويُصلب وفي اليوم الثالث يقوم” (لو7:24).

 

          إن الملائكة هم الذين أتوا بالأنباء السارة للميلاد إلى الرعاة في بيت لحم، والآن أيضًا هم الذين يُبلِّغون أخبار القيامة، والسماء تُقدِّم خدمتها لتشهد له، والأجناد الروحانية العلوية تعبد الابن كإله حتى بعد أن صار جسدًا.

 

(عدد 9): ” وَرَجَعْنَ مِنَ الْقَبْرِ وَأَخْبَرْنَ الأَحَدَ عَشَرَ وَجَمِيعَ الْبَاقِينَ بِهَذَا كُلِّهِ“.

          بعد أن تعلََّّمن السِّر من صوت الملائكة، فإنهن أسرعن ليبلغن التلاميذ بهذه الأمور. كان لائقًا جدًّا أنَّ هذه النعمة، رغم أنها عظيمة جدًّا أن تُخوَّل للنساء، إذ أنَّ المرأة التي خدمت الموت في القديم قد أُعتِقت الآن من ذنبها، بالخدمة التي وصلتها بصوت الملائكة القديسين، وكذلك لأنها صارت الأولى لأنها أولاً: عَلِمت، وثانيًا: لأنها أخبرت بسرَّ القيامة المجيد. لذلك فإن الجنس النسائي قد نال البراءة من العار، وكذلك بطُلَت اللعنة، وذلك لأن الذي قال للمرأة في القديم: بالوجع تلدين أولادًا (تك16:3) هو الذى خلصها من البليَّة، بأن قابلها في البستان ـ كما ورد في إنجيل آخر ـ وقال لها: “ سلام” (متى9:28). أمَّا بخصوص الرسل القديسين، فقد ظلَّت رواية القيامة تبدو لهم وكأنها غير معقولة تمامًا ومزيَّفة، لأنه حتى ذلك الوقت لم يكونوا يعرفون الكتب المقدسة، لذلك كانوا غير مُصدِّقين، ولأجل ذلك فقد سَخَروا من خبر القيامة ورفضوه.

          ولكن كيف أنَّ التلاميذ في إنجيل يوحنا، بعد أن سمعوا مريم المجدلية، وركضوا تجاه القبر آمنوا ؟ بخصوص هذا فإن البشائر تشهد لهم بالقول: ” فحينئذٍ دخل أيضًا التلميذ الآخر الذى جاء أولاً إلى القبر ورأى فآمن” (يو8:20). فالاثنان آمنا: بطرس ويوحنا. أمَّا إنجيل لوقا فيقول: ورجعن من القبر وأخبرن الأحد عشر وجميع الباقين بهذا كله، وكانت مريم المجدلية ويونا ومريم أم يعقوب والباقيات معهن اللواتي قُلن هذا للرسل ، فتراءى كلامهن لهم كالهذيان ولم يصدقوهن.

 

(أعداد 13ـ15): “ وَإِذَا اثْنَانِ مِنْهُمْ كَانَا مُنْطَلِقَيْنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى قَرْيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أُورُشَلِيمَ سِتِّينَ غَلْوَةً اسْمُهَا عِمْوَاسُ. وَكَانَا يَتَكَلَّمَانِ بَعْضُهُمَا مَعَ بَعْضٍ عَنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْحَوَادِثِ. وَفِيمَا هُمَا يَتَكَلَّمَانِ وَيَتَحَاوَرَانِ اقْتَرَبَ إِلَيْهِمَا يَسُوعُ نَفْسُهُ وَكَانَ يَمْشِي مَعَهُمَا“.

          بخصوص الاثنين اللذين كانا منطلقين إلى قرية عمواس، فقد كانا يتكلمان مع بعضهما بشأن المسيح، وهما يعتبرانه أنه لم يَعُد بعد على قيد الحياة، بل كانا ينوحان عليه كميت، وبينما كانا يتكلمان ويتحاوران اقترب إليهما يسوع نفسه وكان يمشي معهما دون أن يعرفاه، لأن أعينهما أُمسِكت عن معرفته (ع16). فقال لهما: ” ما هذا الكلام الذي تتطارحان به وأنتما ماشيان عابسين؟ فأجاب أحدهما الذى اسمه كليوباس وقال له: هل أنت متغرِّب وحدك في أورشليم… إلخ” (أعداد 17ـ21)، ثم أخبراه عن الإشاعات التى وَافَتهُم بها النسوة بخصوص القيامة، وكذلك بخصوص كلام بطرس، ولكنهما لم يصدقوهن، لأنه بقولهما: “ بل بعض النسوة حيَّرننا… لأنهم لم يجدن الجسد…” (أعداد23،22)، يتضح أنهما لم يقتنعا ليؤمنا بالأخبار، ولا نظرا إليها كأخبار حقيقية، ولكنها أصبحت في نظرهما أخبارًا تدعو إلى القلق والدهشة، بل وحتى شهادة بطرس الذى رأى اللفائف الكتان عند القبر، لم يعتبراها برهانًا كافيًا جديرًا بالثقة والتصديق بخصوص القيامة لأن الإنجيلي لم يقل عنه إنه رأى الرب شخصيًّا، بل إنه استنتج أنه قام بسبب كونه لم يعد موجودًا في القبر. يجب عليكم أيضًا أن تعلموا أنَّ هذين الاثنين هما من عداد السبعين تلميذًا، وكان سمعان ـ وهو غير بطرس ـ هو رفيق كليوباس، كما أنه ليس من قانا، ولكنه واحد من السبعين[1].

         

(عدد 27 ): ” ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ“.

          لقد بيَّن الرب من خلال هذا الحديث أنَّ الناموس كان ضروريًّا ليُمهِّد الطريق، وأيضًا خدمة الأنبياء كانت لازمة لتُعِد البشر للإيمان بهذا العمل الفائق، حتى إذا ما تم هذا العمل بالفعل، فإنه يجب على هؤلاء الذين ينزعجون بسبب المجد الفائق أن يتذكروا ما سبق أن قيل في القديم، وهذا يقودهم إلى الإيمان، لذلك فإن يسوع قد مهَّد الطريق لهم من خلال كتابات موسى والأنبياء، وهو يشرح لهما معانيها الخفية، ويفسِّر للذين يستحقون ما هو غامض على غير المستحقين، وهكذا يوطِّد في داخلهم الإيمان القديم والمتوارَث الذي تعلَّموه من الكتب المقدسة التي كانت في حوزتهم، لأنه لا شئ يأتي من عند الله بلا منفعة، بل الكل له الموضع والخدمة المحدَّدة. فالخدام يُرسَلون مسبقًا إلى مكانهم الواجب ليعدُّوا لحضور السيد، بأن يقدموا من قَبْل نبوات كإعداد ضرورى مسبق للإيمان، تمامًا مثل كنز ملكي قد سبق التنبؤ عنه، فإنه يجب في الأوان المناسب أن يُؤتى به من مخبئه السابق المُحاط بالغموض، بأن يُماط عنه اللثام ويصبح ظاهرًا جليًّا من خلال وضوح التفسير. وهكذا فإن الرب بعد أن حرَّك عقليهما عن طريق كتابات الناموس والأنبياء، فإنه بعد ذلك بوضوح أكثر، وضع نفسه أمامهما عندما قبل رجاءهما بأن يذهب معهما إلى القرية، إذ أنه أخذ خبزًا وباركه وقسمه بينهما، لأنه مكتوب: أُمسِكت أعينهما عن معرفته (ع16)، إلى أن دخلت الكلمة داخلهما وحركت قلبيهما للإيمان، وبعد ذلك صيَّرت ما سبق أن سمعاه وآمنا به، مرئيًّا، لأنه منحهما الرؤية في أوانها بعد السماع، إلاَّ أنه لم يستمر معهما لأن الكتاب يقول: “ ثم اختفى عنهما“، لأن علاقة الرب بالناس بعد القيامة لا تستمر كما كانت من قبل، لأنهم هم يحتاجون إلى تجديد وحياة ثانية في المسيح، حتى يلتحم الجديد بالجديد، وغير الفاسد يقترب من غير الفاسد، أليس لهذا السبب لم يسمح الرب ـ كما يقول يوحنا في إنجيله (انظر يو17:20) لمريم المجدلية أن تلمسه إلى أن يصعد ثم يعود ثانية.

 

(عدد 33): ” فَقَامَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَرَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ وَوَجَدَا الأَحَدَ عَشَرَ مُجْتَمِعِينَ هُمْ وَالَّذِينَ مَعَهُمْ “.

          يقول الكتاب إن كليوباس ورفيقه قاما في تلك الساعة. وذلك في نفس الوقت الذي اختفى فيه المسيح عن أعينهما ورجعا إلى أورشليم، ولكنه لم يقل إنهما وجدا الأحد عشر مجتمعين معًا في نفس تلك الساعة، وأنهما قالا لهم ما حدث بخصوص المسيح بل بعد مرور عدد من الساعات تكفي للسفر ستين غلوة بين عمواس وأورشليم، وفي أثناء هذه الساعات ظهر الرب لسمعان بطرس.

 

          والبشير (لوقا) حذف الأحداث التى تمَّت في خلال هذا الزمن (الأربعين) بين ظهوره للرسل في أورشليم وبين اليوم الذى ارتفع فيه. أمَّا ما سمعه كليوباس ورفيقه من الرسل: ” إنَّ الرب قام بالحقيقة وظهر لسمعان ” (لو24: 34)، فهذا الظهور لم يذكر عنه أين أو متى أو كيف تم… خلال هذه الفترة أيضًا (بين الظهور مساء القيامة وبين الصعود) تمت الأحداث التي في الجليل والتي سجلها القديس متى (انظر مت16:28ـ20)[2].

 

(عدد  36): ” وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِهَذَا وَقَفَ يَسُوعُ نَفْسُهُ فِي وَسَطِهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: سَلاَمٌ لَكُمْ!“.

          والآن، نحن نلتزم بترتيب الحوادث، فإننا نقول إن رواية القيامة قد بلغت الرسل من جهات مختلفة، وصارت رغبتهم في رؤية الرب جامحة، وها هو يأتي بحسب رغبتهم ويقف مرئيًّا في وسطهم ويُعلِن نفسه إذ قد صاروا يبحثون عنه ويتوقَّعون حضوره، وها هو الآن يظهر لهم وأعينهم ليست مُمسكة عن المعرفة، ولا كمن يتحدث معهم عن شخص آخر، وهو الآن يسمح لهم أن يبصروه بوضوح، ويُحيِّيهم بالتحيَّة الملائمة، ولكن مع ذلك ” فإنهم جزعوا وخافوا وظنوا أنهم نظروا روحًا” (لو37:24)، أي ظنوا أنه ليس هو نفسه، بل مُجرَّد شبح وخيال. وللوقت فإنه هدَّأ من روعهم وقلقهم بسبب هذه الأفكار التى خطرت في قلوبهم وخاطبهم بتحيته المعتادة وقال: “سلام لكم“.

 

(عدد 38): ” فَقَالَ لَهُمْ: مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ؟“.

          لكي يقنعهم الرب بتأكيد لا يدع مجالاً للشك بأنه هو نفسه الذي تألّم، فإنه يٌبيَّن للتو أنه بسبب كونه الله بالطبيعة، فإنه يعرف ما هو مخفي، وأن الأفكار الثائرة داخلهم لا تخفى عن معرفته، لذلك قال لهم: ” ما بالكم مضطربين؟” هذا برهان واضح أنَّ هذا الذي يرونه أمامهم ليس شخصًا آخر، بل هو نفسه الذي رأوه يذوق الموت على الصليب، والذي وُضِع في القبر، وهو نفسه الذي يفحص القلوب والكُلى والذي ليس شيء غير مكشوف لعينيه. هذا الأمر يعطيه لهم كعلامة تدل علي شخصه، أعني معرفته بالأفكار الثائرة داخلهم. ولكي يبرهن لهم بصورة أقوى، وبطريقة أخرى أنَّ الموت قد قُهِرَ، وأن الطبيعة البشرية قد خلعت عنها الفساد في شخصه كباكورة، فإنه أراهم يديه ورجليه وثقوب المسامير وسمح لهم بأن يمسكوه، لكى يقنعهم بكل وسيلة أنَّ نفس الجسد الذي تألم هو الذى قام كما قلت لكم. لذلك ليت لا أحد يثير اعتراضات تافهة بخصوص القيامة، وإن كنتم تسمعون الكتاب المقدس يقول عن الجسم الإنسانى إنه يُزرع جسمًا حيوانيًّا ويُقام جسمًا روحانيًّا (1كو44:15) فلا تنكروا عودة الأجسام البشرية إلى عدم الفساد، لأنه كما أنَّ الحيواني هو الذي يكون تابعًا ويخضع للبهيمية أي الشهوات الجسدانية، كذلك أيضًا الروحاني هو تحت سلطان الروح القدس (أي جسمًا روحانيًّا).

 

          لأنه لن يوجد بعد القيامة من الموت فرصة للعواطف الجسدانية لأن مِهماز الخطية سيكون بلا قوة تمامًا، وهذا الجسد نفسه الذى جُبِل من الأرض، سوف يلبس عدم فساد. ولكى يتأكد التلاميذ تمامًا أنَّ هذا هو نفسه الذى تألم وقُبِرَ، وهو الذي قام ثانيةً وهو واقف الآن أمامهم، فإنه ـ كما قلت لكم ـ أراهم يديه ورجليه. وأمرهم أن يكونوا مقتنعين تمامًا أنه ليس روحًا كما يظنون، بل هو بالحري قام بجسد حقيقي، فيقول لهم: “ فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي” (ع39)، لأن الظِّلَ والروح والشبح لا يمكن لمسها باليد.

 

          وبعد أن أراهم ـ كما قلنا ـ يديه ورجليه، فإنه أقنعهم تمامًا أنَّ الجسد الذي تألم قد قام، ولكن من أجل أن يجعل فيهم قدرًا وافرًا من الإيمان بتأكيد أكثر، فإنه سألهم عن طعام، فناولوه جزءًا من سمك مشوي (ع42)، فأخذ وأكل قدامهم (ع43)، وهذا فعله ليس لأي سبب آخر سوى أن يبيِّن أنَّ مَن قام من الأموات هو نفسه الذي فيما مضى أكل وشرب معهم طوال فترة خدمته معهم، وهو الذي تكلم معهم كإنسان بحسب الصوت النبوي في القديم (باروخ37:3)، وكان قصده من هذا أن يلاحظوا أنَّ الجسم البشري يحتاج فعلاً إلى غذاء من هذا النوع، أما الروح فلا تحتاج لذلك. فالذى يستحق أن يُدعَى مؤمنًا، والذي يقبل بلا تردد شهادة الإنجيليين القديسين (بخصوص القيامة) لن ينصت فيما بعد إلى خرافات الهراطقة، ولن يمكنه أن يحتمل تجارة الخياليين المُغرِضة والرخيصة[3]. إن قوة المسيح تفُوق أسئلة البشر، كما أنها ليست على مستوى الفهم كالأحداث المعتادة. المسيح أكل آنذاك جزءًا من سمك بسبب القيامة، أما النتائج الطبيعية للأكل فلا يمكن أن تحدث في حالة المسيح بالطريقة التى يمكن أن يعترض بها غير المؤمن، الذى لا يعرف سوى أنَّ ما يدخل الفم يلزم بالضرورة أن يمضي إلى الجوف ويندفع إلى المخرج (مت17:15)، أمَّا المؤمن فلن يفسح مجالاً لمثل هذه الاعتراضات التافهة في عقله، ولكن يترك الأمر إلى قوة الله.

 

(عدد 45): “ حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ“.

          بعد أن هدَّأ الرب أفكارهم بما قاله لهم، وبلمسة أيديهم له، وبمشاركته لهم في الأكل، حينئذٍ فتح ذهنهم ليفهموا أنه كان ينبغى له أن يتألم وأن يُعلَّق على خشبة الصليب. هنا يعيد الرب إلى أذهان التلاميذ ما قاله لهم سابقًا، لأنه سبق أن أخبرهم بخصوص آلامه على الصليب بحسب ما تكلم الأنبياء قبل ذلك بوقت طويل كما أنه فتح أيضًا عيون قلوبهم حتى يفهموا النبوات القديمة.

 

          لقد وعد المخلص تلاميذه بحلول الروح القدس الذى سبق أن أعلن الله عنه في القديم بيوئيل النبي (يؤ28:2)، والقوة النازلة من الأعالى حتى يصيروا أقوياء لا يُقهرون ويكونوا بلا خوف تمامًا لكي يعلِّموا السر الإلهي للناس في كل مكان.

 

          إنه يطلب إليهم الآن بعد القيامة أن يقبلوا الروح القدس: ” اقبلوا الروح القدس” (يو22:20)، ويضيف: ” أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الآب الذى سمعتموه مني، لأن يوحنا عمَّد بالماء وأما أنتم فستتعمَّدون بالروح القدس” (أع5،4:1). إنه لا يضيف ماء إلى ماء، ولكنه يكمل ما كان ناقصًا بإضافة ما كان مكملاً له (أي الروح).

(عدد 51): ” وَفِيمَا هُوَ يُبَارِكُهُمُ انْفَرَدَ عَنْهُمْ وَأُصْعِدَ إِلَى السَّمَاءِ “.

أنه ارتفع إلى السماء حتى يشترك في عرش الآب بالجسد الذى هو متَّحد به.

هذا الطريق الجديد قد صنعه الكلمة لنا بعد أن ظهر في الطبيعة البشرية. وبعد ذلك، وفي الوقت المناسب، سوف يأتي ثانيةً في مجد أبيه مع الملائكة، فيأخذنا إليه لنكون دائمًا معه.

لذلك دعنا نُمجِّده، هذا الذي وهو الإله الكلمة صار إنسانًا لأجلنا، هذا الذي تألم بإرادته في الجسد وقام من الأموات وأبطل الفساد، هذا الذي ارتفع إلى السماء، وسوف يأتي بمجدٍ عظيم ليدين الأحياء والأموات، وليعطي كل واحد بحسب أعماله، هذا الذي به ومعه لله الآب يليق المجد والقوة مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

1 يقول أوريجينوس في ديباجة شرحه لإنجيل يوحنا نفس التقليد، فيذكر أنَّ رفيق كليوباس كان يُسمى سمعان، أما في المؤلفات المتأخرة مثل ثيؤفلاكت، فإنه يظن أنَّ هذا الرفيق كان لوقا نفسه.

2 ذكر القديس يوحنا في إنجيله ظهورات بعد ظهوره يوم القيامة نفسه وذلك في يوحنا 24:20ـ31، ويوحنا ص21 كله (المُترجِم).

3 يقصد هنا هؤلاء الذين يُروِّجون إشاعة أنَّ جسد الرب خيالي أو شبح أى ليس جسدًا حقيقيًّا.

 

الحجر مدحرجا – إنجيل لوقا 24 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يعلق بين لصين – إنجيل لوقا 23 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يعلق بين لصين – إنجيل لوقا 23 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يعلق بين لصين – إنجيل لوقا 23 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لوقا32:23ـ43 ): ” وَجَاءُوا أَيْضًا بِاثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مُذْنِبَيْنِ لِيُقْتَلاَ مَعَهُ. وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى جُمْجُمَةَ صَلَبُوهُ هُنَاكَ مَعَ الْمُذْنِبَيْنِ وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. [فَقَالَ يَسُوعُ: يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ]. وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا. وَكَانَ الشَّعْبُ وَاقِفِينَ يَنْظُرُونَ وَالرُّؤَسَاءُ أَيْضًا مَعَهُمْ يَسْخَرُونَ بِهِ قَائِلِينَ: خَلَّصَ آخَرِينَ فَلْيُخَلِّصْ نَفْسَهُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمَسِيحَ مُخْتَارَ اللهِ. وَالْجُنْدُ أَيْضًا اسْتَهْزَأُوا بِهِ وَهُمْ يَأْتُونَ وَيُقَدِّمُونَ لَهُ خَلاًّ. قَائِلِينَ : إِنْ كُنْتَ أَنْتَ مَلِكَ الْيَهُودِ فَخَلِّصْ نَفْسَكَ. وَكَانَ عُنْوَانٌ مَكْتُوبٌ فَوْقَهُ بِأَحْرُفٍ يُونَانِيَّةٍ وَرُومَانِيَّةٍ وَعِبْرَانِيَّةٍ: هَذَا هُوَ مَلِكُ الْيَهُودِ. وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلاً: إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!. فَانْتَهَرَهُ الآخَرُ قَائِلاً: أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هَذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟. أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ. ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ “.

 

          إن الطوباوي بولس يعتبر سِرّ تجسُّد الابن الوحيد جديرًا بكل إعجاب، وإن جاز القول، فإنه يبدي اندهاشه عن حكمة وسموِّ تدبير الخلاص فيقول: “ يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه” (رو33:11) فانظروا كيف أنَّ مخلِّص ورب الكل، الذي به أوجد الآب كل شيء يُجدِّد طبيعة الإنسان ويستردّها إلى ما كانت عليه في البدء بصيرورته هو نفسه مثلنا، وحمله لآلامنا من أجلنا. لأن الإنسان الأول كان حقًّا في البدء في فردوس البهجة، وقد أنعم الله عليه بغياب كلٍّ من الألم والفساد، لكن عندما احتقر الوصية التي أُعطِيَت له وسقط تحت اللعنة والدينونة وفى فخ الموت بأكله من الشجرة المحرَّمة، فإن المسيح ـ كما قلتُ ـ ردَّه إلى وضعه الأصلي بواسطة الشجرة (الخشبة، أي بواسطة خشبة الصليب) إذ احتمل الصليب الثمين لأجلنا كي ما يبيد الموت، الذي بواسطة الشجرة غزا أجساد البشر. فقد احتمل الآلام لكيما يخلِّصنا من الآلام، وكما هو مكتوب: “ احتُقِر وخُذِل من الناس” (إش3:53س) لكيما يجعلنا مكرَّمين، ولم يفعل خطية لكيما يكلِّل طبيعتنا بمجدٍ مشابه، وهو الذي لأجلنا صار إنسانًا خاضعًا كذلك لنصيبنا، وهو الذي يعطي حياة للعالم خضع للموت بالجسد. أفليس السرّ عميقًا إذن؟ ألا يلزمنا الاعتراف بأن التدبير أعظم ممَّا يمكن للغة أن تصفه؟ أيّ شك يمكن أن يوجد في هذا؟ لذلك ليتنا عندما نقدِّم له التسبيح أن نكرِّر ما أنشده المرنِّم بقيثارته: “ ما أعظم أعمالك… كلها بحكمة صنعتَ” (مز4:103س).

 

          وهكذا عندما عُلِّق على الصليب الثمين، صُلب معه اثنان من اللصوص. ما الذي ترتَّب على هذا؟ كان قصد اليهود حقًّا من هذا هو السخرية به إلى أبعد حدٍّ ممكن، لكنه من ناحية أخرى كان تذكيرًا بالنبوة، لأنه مكتوب أنه “ أُحصيَ مع أثمة” (إش12:53س) لأنه من أجلنا صار هو لعنة، أى ملعونًا، لأنه مكتوب أيضًا: ” ملعون كل من عُلِّق على خشبة” (تث23:21). لكن عمله هذا أبطل اللعنة التى كانت علينا، لأننا معه وبسببه نكون مُبارَكين، وإذ يعلم بهذا الطوباوي داود، فإنه يقول:” مبارَكون نحن من الرب الذي خلق السماء والأرض” (مز23:113س). لأن بآلامه حلَّت علينا البركات، وهو دفع ديوننا بدلاً عنَّا وحمل خطايانا، وكما هو مكتوب، “ هو حمل خطايانا وجُلد عوضًا عنَّا” (إش6:53س)، ” وهو حمل خطايانا في جسده على الخشبة” (1بط24:2). حقًّا إننا “ بِحُبره شُفينا” (إش5:53ش). هو أيضًا تألم بسبب خطايانا، وبهذا خلََّصنا من أمراض النفس. هو احتمل الهزء والازدراء والبصق لأن رؤساء مجمع اليهود استهزءوا به وهزُّوا رؤوسهم النجسة وصبُّوا عليه ضحكهم المرير قائلين: ” خلَّص آخرين فليخلِّص نفسه إن كان هو المسيح“. لكن إن كنتم حقًّا لا تؤمنون أنه هو المسيح فلماذا قتلتموه كالوريث؟ لماذا ترغبون في الاستيلاء على ميراثه؟ وإن كان قد خلَّص آخرين وأنتم تعرفون جيدًا أنَّ الأمر حقًّا كان هكذا، فكيف تُعوِزه القوَّة لأن يخلِّص نفسه من بين أيديكم؟ أنتم سمعتم في الهيكل أولئك الذين كانت وظيفتهم أن يرتِّلوا وينشدوا في الخورس يقولون على الدوام: “ ثقبوا يديَّ ورجليَّ… أحصوا كلَّ عظامي، وهم ينظرون ويتفرَّسون فيَّ، يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون” (مز16:21 ـ18س)، وكذلك ” يعطونني علقمًا لطعامي، ولعطشي يعطونني خلاًّ لأشرب ” (مز21:68س)، وحيث إنكم متمرِّسون في الناموس ـ مثلما تعتبرون أنفسكم هكذا ـ فكيف يتأتَّى لكم أن تتركوا النبوة وتتركوا دونما فحص ما سبق الإخبار به بخصوص هذه الأشياء؟ كان واجبكم أن تستفهموا  وتبحثوا عمَّن قيلت هذه الأشياء، أقصد على أي شخص يليق بكم أن تُطبِّقوا هذه الآيات. أنتم سمعتم قائدكم العظيم موسى ينبئكم عن وحشية هجماتكم، لأنه قال إنكم ” سوف تبصرون حياتكم معلَّقة على خشبة” (تث66:28س). أي سترون الذي هو علَّة الحياة، أو بالحري مَن هو الحياة ذاتها معلَّقًا على خشبة، فكيف تتجاهلون تمامًا نبوة موسى الذي به تفتخرون جدًّا؟ لأننا سمعناكم تُصرِّحون علانية: ” نحن تلاميذ موسى” (يو28:9).

          أخبرنى ماذا تقصد بإنغاضك الرأس عليه؟ هل تزدري بالاحتمال الوديع للمتألِّم؟ أم لكي تُبرهِن بهذا على تحجُّر قلبك وقساوته الشديدة؟ هل أنت متلهِّف على إخضاع رئيس الحياة لموت الجسد؟ لماذا تتطفل على التدابير المقدَّسة؟ لماذا تفكر في مشورةٍ لن تستطيع تحقيقها؟ إنه مكتوب: “ الساكن في السموات يضحك بهم، والرب يستهزئ بهم” (مز4:2).

 

          وكما قلتُ، صُلب معه لصان من باب السخرية على تلك الآلام التى تجلب الخلاص لكل العالم، ولكن أحد هذين اللصين شابه في سلوكه عقوق اليهود، إذ قذف بقوَّة نفس كلماتهم، وتفوَّه بسهولة بتعبيرات تجديفيَّة فقال: ” إن كنت أنت المسيح فخلِّص نفسك وإيانا“، أمَّا الآخر فقد اتَّبع مسلكًا مخالفًا وهو جدير عن حق بإعجابنا، لأنه آمن به. وبينما كان يكابد أقصى عقوبة، وبَّخ صرخات اليهود المتهوِّرة وكذلك كلمات اللص الآخر الذي كان مصلوبًا معه، إنه اعترف بخطاياه لكيما ما يتبرَّر (إش26:43س)، وصار لائمًا لطرق نفسه الخاطئة لكيما يبرئه الله من ذنبه كما هو مكتوب: ” قلتُ أعترفُ للرب بإثمي وأنت صفحتَ لي عن نفاقات قلبي” (مز5:31س)، وهو شهد للمسيح بالبراءة ووبَّخ افتقار اليهود لمحبتهم لله وأدان حكم بيلاطس إذ قال عن المسيح: أمَّا هذا فلم يفعل شيئًا مكروهًا. كم هو جميل هذا الاعتراف، كم هي حكيمة تعليلاته، كم هي سامية أفكاره. لقد صار معترفًا بمجد المخلص، ولائمًا لكبرياء الذين صلبوه. فأية مكافأة نالها؟ وأي كرامات كان هو جدير بها؟ وأية منفعة عادت على هذا اللص الذي كان أول من يُعلِن الإيمان؟ فهو عثر على كنز جدير بالامتلاك، وصار غنيًّا على غير توقع، واقتنى كل بركة، وفاز بميراث القديسين، وصار اسمه مكتوبًا فوق في السموات، والذي كان يكابد حكم الموت صار اسمه في سفر الحياة وأصبح في عداد سكان المدينة السماوية.

 

          فلنتطلَّع إلى اعترافه الإيمانى الجميل جدًّا، إذ قال ليسوع: ” اذكرني يا رب متى جئتَ في ملكوتك“. أنت تراه مصلوبًا وتدعوه ملكًا؛ وذاك الذي كان يكابد العذاب والاستهزاء، أنت تتوقع مجيئه في مجد إلهي؛ أنت تراه محاطًا بجموع اليهود وزمرة الفريسيين الأشرار وعسكر بيلاطس، وهؤلاء جميعًا يسخرون به، وليس بينهم واحد يعترف به…

 

(عدد 45،44): “ وَكَانَ نَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ فَكَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ مِنْ وَسَطِهِ“.

          ذاك الذي يفوق كل المخلوقات ويشارِك في عرش الآب، وَضع ذاته إلى درجة الإخلاء وأخذ شكل العبد واحتمل حدود الطبيعة البشرية لكيما يوفي بالوعد الذي أعطاه الله لأجداد اليهود، لكنهم كانوا في منتهى العناد وعدم الطاعة إلى درجة أن يثوروا على سيدهم. لأنهم جعلوا جلَّ شغلهم الشاغل هو أن يُسلِّموا رئيس الحياة للموت وأن يصلبوا رب المجد، لكنهم لما ثبَّتوا رب الكل على الصليب، انسحبت الشمس من على رؤوسهم وتدثَّر النور بالظلام في منتصف النهار مثلما أنبأ عاموس النبي (عا18:5)، لأنه كانت هناك ظلمة من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة، وهذه كانت علامة واضحة لليهود أنَّ أذهان الذين صلبوه قد تغلَّفت بظلمة روحية، لأن العمى والقساوة قد حصلت جزئيًّا لإسرائيل (رو25:11)، وداود في محبته لله يلعنهم قائلاً: لتظلم عيونهم لكي لا يبصروا (مز23:68س).

          نعم! الخليقة ذاتها ندبت ربها، لأن الشمس أظلمت والصخور تشقَّقَت، والهيكل ذاته ارتدى ثياب النائحين إذ انشق حجابه من أعلى إلى أسفل، وهذا ما يشير به الله إلينا بفم إشعياء قائلاً أُلبس السموات ظلامًا، وبالمِسح أُغطِّيها (إش3:50س).

 

(عدد 47 ): ” فَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ مَا كَانَ مَجَّدَ اللهَ قَائِلاً: بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هَذَا الإِنْسَانُ بَارّاً!“.

          أتوسل إليكم أن تلاحظوا أيضًا أنه بمجرد أن كابد آلامه على الصليب لأجلنا، حتى ابتدأ في اكتساب الكثيرين إلى معرفة الحق، إذ يقول النص: إنه لما رأى قائد المائة ما حدث مجَّد الله قائلاً : بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًّا، وبعض اليهود أيضًا قرعوا صدورهم إذ ـ بدون شك ـ قد وَخَزَتهم ضمائرهم وتطلَّعوا بأعين أذهانهم إلى الرب، وربما برَّأوا أنفسهم من سلوكهم المشين ضد المسيح بهتافهم ضدَّ من صلبوه حتى وإن لم يتجاسروا على فعل هذا علانية بسبب عدم تَقْوَى الحكام. لذلك قال ربنا عن حق:     ” وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض أجذب إلىَّ جميع الناس” (يو32:12).

 

(عدد 55): “ وَتَبِعَتْهُ نِسَاءٌ كُنَّ قَدْ أَتَيْنَ مَعَهُ مِنَ الْجَلِيلِ وَنَظَرْنَ الْقَبْرَ وَكَيْفَ وُضِعَ جَسَدُهُ.“.

 

          إن نساء حكيمات تبعن المسيح مخلصنا جميعًا، جامعاتٍ كل ما كان مفيدًا ضروريًّا للإيمان به، وعندما قدَّم جسده كَفِدية لحياتنا جميعًا، عكفنَ بحكمة واجتهاد على الاعتناء بجسده، لأنهن ظننَ أنَّ جسده سيبقى على الدوام في القبر.

يسوع يعلق بين لصين – إنجيل لوقا 23 ج3 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع في طريقه للصلب – إنجيل لوقا 23 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع في طريقه للصلب – إنجيل لوقا 23 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع في طريقه للصلب – إنجيل لوقا 23 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو24:23ـ31 ): “ فَحَكَمَ بِيلاَطُسُ أَنْ تَكُونَ طِلْبَتُهُمْ. فَأَطْلَقَ لَهُمُ الَّذِي طُرِحَ فِي السِّجْنِ لأَجْلِ فِتْنَةٍ وَقَتْلٍ الَّذِي طَلَبُوهُ وَأَسْلَمَ يَسُوعَ لِمَشِيئَتِهِمْ. وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ أَمْسَكُوا سِمْعَانَ رَجُلاً قَيْرَوَانِيًّا كَانَ آتِيًا مِنَ الْحَقْلِ وَوَضَعُوا عَلَيْهِ الصَّلِيبَ لِيَحْمِلَهُ خَلْفَ يَسُوعَ. وَتَبِعَهُ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الشَّعْبِ وَالنِّسَاءِ اللَّوَاتِي كُنَّ يَلْطِمْنَ أَيْضًا وَيَنُحْنَ عَلَيْهِ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِنَّ يَسُوعُ وَقَالَ: يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ لاَ تَبْكِينَ عَلَيَّ بَلِ ابْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ وَعَلَى أَوْلاَدِكُنَّ. لأَنَّهُ هُوَذَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُونَ فِيهَا: طُوبَى لِلْعَوَاقِرِ وَالْبُطُونِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ وَالثُّدِيِّ الَّتِي لَمْ تُرْضِعْ. حِينَئِذٍ يَبْتَدِئُونَ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ: اسْقُطِي عَلَيْنَا وَلِلآكَامِ: غَطِّينَا. لأَنَّهُ إِنْ كَانُوا بِالْعُودِ الرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هَذَا فَمَاذَا يَكُونُ بِالْيَابِسِ؟“.

 

          إن مخافة الله مكروهة من فاعلي الشر، وهذا القول صحيح لأن الكتاب المقدس لا يمكن أن يكذب، لأن الرغبة في الحياة باستقامة وقداسة هو أمر غريب تمامًا عند أولئك الذين يحبون الشر، ولأن عنف أهوائهم يهاجمهم كوحشٍ كاسرٍ فهم لن ينصتوا لكلام من ينصحهم، بل يعتبرون كل من يعلِّمهم كيف ينبغي أن يحيوا الحياة الصالحة، بمثابة عدوٍّ لهم. كان هذا هو الشعور الذي جعل جموع اليهود يبغضون المسيح، مع أنَّ ما دعاهم إليه كان هو الخلاص وغفران الخطية، وإلى نمط من الحياة جدير بالإعجاب، وإلى برٍّ أسمى من برِّ الناموس، وإلى عبادة روحية أعلى من الرموز والظلال.

 

          لقد أتوا بالقدوس والبار إلى بيلاطس ونطقوا ضده بكلام عنيف ومتهوِّر، وانهالوا عليه باتهامات كاذبة ملفَّقة، واستمرُّوا طويلاً في كَيْل الاتهامات له بحدَّة حتى إن بيلاطس أخيرًا حكم أن تُلبَّى طلبتهم مع أنه قال علانية: ” أنا لا أجد علَّة في هذا الإنسان“، لكنهم ـ بحسب النص ـ صرخوا قائلين: ” خذه، اصلبه“. وكان الرب قد وبَّخهم لأجل هذه الصرخة بالذات ـ الصرخة القاسية وغير الشرعية ـ بصوت النبي إشعياء، لأنه هكذا مكتوب: ” إنَّ َكْرم رب الجنود، الغرس الجديد والمحبوب هو بيت يهوذا، فانتظرتُ أن يصنع عدلاً ولكنه عمل إثمًا، وليس استقامة بل صراخًا” (إش7:5س). وفي موضع آخر قال عنهم: ” ويل لهم لأنهم هربوا عنِّي. إنهم تعساء لأنهم أخطأوا ضدِّي، ولكن أنا افتديتهم أمَّا هم فتكلموا عليَّ بكذب” (هو13:7س)، وأيضًا: “سيسقط رؤساؤهم بالسيف بسبب فظاظة لسانهم” (هو16:7س).

 

          لذلك ـ بحسب النص ـ حكم بيلاطس أن تلبَّى طلبتهم، لكن كان من الأفضل لهم لو تغلَّبتْ رغبة بيلاطس وصار الحكم هو بإطلاق سراح الرب وتبرئته من كل جرم، وتمَّ فك البار البريء من قيوده لكنهم قاوموا وعارضوا بشدة، وهكذا فازوا بمأربهم الذي كان هو علَّة فسادهم، والذي أَعدَّ لهم الشرك الذي كان سبب خرابهم، وجلب عليهم البؤس الشديد والمُحتَّم.

 

          لكن أتوسل إليكم أن تلاحظوا هنا كيف أنَّ الحية المتمرِّدة، تُطرد من سيادتها علينا، وتحفر لنفسها هي ولرَهطِ الأشرار الذين يخدمونها هُوَّة الهلاك. لأنه كما يقول المرنم: ” وَقَعَت الأمم في الهلاك الذي صنعوه، وفي الفخ الذي نصبوه انتَشَبَت أرجلهم، سيُعرَف الرب أنه هو صانع الأحكام، والشرِّير يُؤخذ بعمل يديه” (مز16،15:9س)، ” إذ ثبت أنَّ أعمال يديه هي بمثابة فخ له، وسقط هو في الحفرة التي حفرها، وارتدَّ تعبه على رأسه، وعلى هامته هبط إثمه” (مز16،15:7س). لأنه كما قلت، قد طُرد من طغيانه علينا. وهذا ما علَّمنا المخلِّص إياه، لأنه عندما كان مزمعًا أن يحتمل آلامه الخلاصية لأجلنا قال: ” الآن دينونة هذا العالم، الآن يُطرح رئيس هذا العالم خارجًا، وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض أجذب إلىَّ الجميع” (يو31:12و32). لذلك فإن يسوع جاء إلى الصليب حتى إذا ما رُفع يمكنه أن يجتذب إليه الجميع، ولكيما بهذا يجرِّد الشيطان من عابديه، وهو الذي في علوِّ كبريائه تجاسر على أن يقول: “سأُمسِك العالم كله في يدي كعش، وكما يُجمع بيض مهجور جمعتُ أنا كل الأرض، ولن يوجد من يفلت مني أو يتكلم ضدي” (إش14:10س).

          إذًا، أنت لم تكن تتوقع أن ينهض أحد ضدك حينما كنت مستوليًا على ما ليس هو لك. ولكن مع ذلك فالأنبياء تجاسروا أن يفعلوا ذلك، مع أنَّ الإسرائيليين كانوا بتهيُّجِك وإغرائك يندفعون باستمرار إلى العنف وارتكاب جرائم قتل شنيعة. ثم قام ضدّك رب الكل وتكلم ضدّك، وإذ قد أخذ شكل العبد وتكلم كنبي، مع أنه هو المُعطِي كل نبوة ومعرفة، وهو العالي الذي يفوق الكل تخلَّى عن مجده، وظهر في ضعفٍ مثلنا مع أنه رب الجنود. وأنت لم تعرف المخلِّص، وكما يقول إرميا النبى: ” قد وُجدتَ وأُمسكتَ لأنك قد وقفت ضد الرب” (إر24:50س). وكيف أُمسكتَ؟ بِكَوْن أولئك الذين كانوا في الظلمة والجهل الذي سبَّبته لهم نالوا نورًا، وأولئك الذين كانوا تائهين في الضلال جيء بهم إلى الطريق الصحيح، وسَقَطَت سيادتك الطاغية والقاسية، وبادت شوكة الخطية، وقُتل الموت بموت المسيح. هذه هي المنافع التي صُنِعَت لنا بواسطة آلام المخلِّص، لذلك قُدْ يسوع! نعم قُده إلى الصليب الذي سيؤدِّي إلى خرابك، واخزن لنفسك النار التي لا تُطفأ، واحفر لنفسك الحفرة التى ستُطرح فيها إذ ستداس تحت أقدام أولئك الذين يخافون الرب. لذلك إن كنت تضحك عندما تراه مصلوبًا ومعلَّقًا على خشبة، لكن سرعان ما سوف تراه وقد قام من الأموات، وآنذاك سوف تُولوِل على الموت لأنه قد سقط. إبكِ بغزارة لدى رؤيتك للهلاك وهو ينهزم، إبكِ لأن الله يُعيد تشكيل طبيعة الإنسان لتتأهَّل للحياة، إذ هو سحق الخطية وأخضعها، هذه التى بفعلك تسَلَّطَت علينا بوحشية، وأنت لن تعود بعد تشتكي على أي إنسان، لأن ” الله هو الذي يُبرِّر فمن هو الذي يدين” (رو34،33:8)، وكما يقول المرنم: ” كل إثم يسدُّ فاه” (مز42:107).

 

          وهكذا اقتيد المخلِّص إلى آلامه المخلِّصة، لكنهم ـ يقول الكتاب ـ وضعوا صليبه على سمعان القيرواني، لكن إنجيلي قديس آخر قال إن المخلص نفسه حمل الخشبة (يو17:19)، كلاهما حتمًا صادق فيما يقوله، لأن المخلِّص حمل الصليب فعلاً، ولكن ربما لاقاهم سمعان القيرواني في وسط الطريق فأمسكوه وجعلوه يحمل الصليب بدلاً منه. ويوجد سبب هام لحقيقة أنَّ المسيح مخلِّص الكل حَمَل الصليب، هو أنه قد قيل عنه بفم إشعياء النبى:” إنه يولَد لنا ولد ونُعطَى أيضًا ابنًا وتكون الرياسة على كتفه” (إش6:9س). لأن الرياسة كانت بالصليب الذي به صار مَلِكًا على العالم. وذلك لأنه أطاع الآب حتى الموت موت الصليب، فلأجل هذا السبب أيضًا رَفَّعه الله وعظَّمه جدًّا، وأعطاه اسمًا فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممَن في السماء ومَن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أنَّ يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب (فى8:2ـ11).

 

          وأعتقد أنه من المهم أن نلاحظ هذا الأمر أيضًا هنا، هو أنه عندما صعد الطوباوي إبراهيم إلى الجبل الذي أراه الله إياه ليُصعِد هناك إسحق ذبيحة بحسب أمر الله، فإن إبراهيم وضع الحطب على الصبي الذي كان مثالاً للمسيح وهو يحمل صليبه الخاص على كتفيه وهو صاعد إلى مجد آلامه، لأن كَوْن آلام المسيح هي مجده، فهذا هو ما علَّمه لنا المسيح بنفسه عندما قال: ” الآن تمجد ابن الإنسان وتمجَّد الله فيه. إن كان الله قد تمجَّد فيه، فإن الله سيمجِّده في ذاته ويُمجِّده سريعًا” (يو32،31:13).

 

          كان يسوع ماضيًا إلى موضع الصلب وتبعته آنذاك نساء تبكين وكذلك آخرون كثيرون، لأن جنس النساء على الدوام يستسلم للبكاء، ولديهم استعداد أن يتأثَّروا بشِدَّة عندما يقترب أي شيء مُحزِن. أما يسوع فقال لهن: يا بنات أورشليم وفِّرن دموعكن لأجلي، وتوقَّفوا عن نحيبكن بخصوصي، بل ” بالأحرى لا تبكين علىَّ بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن، لأنه هوذا أيام تأتي سيكون فيها أفضل للنساء أن تكنَّ عواقر من أن تَلِدن“. كيف هذا أو بأية طريقة؟ لأنه عندما وقعت الحرب على بلاد اليهود، هلك الجميع تمامًا كبيرهم مع صغيرهم، الأطفال مع أمهاتهم، والأبناء مع آبائهم، والجميع بادوا بلا تفريق. ويقول الرب إنه آنذاك سيعتبرونه أثمن شيء لديهم هو أن يُسحقوا تحت الجبال والآكام؛ لأنه في أثناء تلك الكوارث الفظيعة، فإن هذه المحن التي هي أقل وحشية وقسوة، تصير كأنها مرغوبة. لأنه يقول: ” لأنه إن كان بالعود الرطب يفعلون هذا، فماذا يكون باليابس؟” (لو31:23).

 

          إنه أمر جدير باهتمامنا أن نفهم ماذا كان يقصد المخلِّص بهذه الكلمات، لأن القول صيغ في هيئة مَثَل أو بالحري مِثال، لكنه مليء بالمعاني الروحية، وأنا أعتقد أنه ربما يقصد أن يوحِى بما يلى: فهو يشبِّه نفسه بالشجرة الخضراء التى لها أوراق وأزهار وثمر، وأثماره كانت تعاليم وعظات وأيضًا مظاهر قوته الإلهية في معجزاته الإلهية فائقة الوصف، فأي عمل من أعماله لا يفوق مستوى إعجابنا؟ فهو قد أقام الموتى وطهَّر البرص وشفى الأعمى وأعمال أخرى صنعها أثارت فينا كل التسبيح والتمجيد له. ورغم أنَّ هذه كانت هي أعماله، لكن جنود الرومان أو بالأحرى بيلاطس أدانه وحكم عليه بحكم جائر، وابتلاه بهذه الاستهزاءات القاسية، لذلك عندما يقول إن رؤساء الرومان قد أوقعوا بي كل هذه الأمور مع أنهم رأوني أتحلَّى بمثل هذا المجد والمديح العظيم، فماذا سيفعلون بإسرائيل عندما يجدون أنه عود يابس غير مثمر؟ لأنهم لن يجدوا فيه شيئًا يستحق الإعجاب مِن الأشياء التي ربما يعتبرونها جديرة بالتكريم والرحمة. من الواضح أنهم سيحرقونه بالنار بدون أن يُظهروا له أيَّة رحمة، بل وسيكابد بالأحرى القساوات التى ستتأتَّى من هياج وحشي. فهذه كانت فعلاً البلايا التى أصابت الإسرائيليين عندما حتَّم الله الذي يحكم بعدل، بالعقوبة التي استوجبها شرهم ضد المسيح. أمَّا نحن الذين نؤمن به، فإن المسيح ينعم علينا بالنعمة والبركة، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

يسوع في طريقه للصلب – إنجيل لوقا 23 ج2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تسليم يسوع إلى بيلاطس – إنجيل لوقا 23 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تسليم يسوع إلى بيلاطس – إنجيل لوقا 23 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تسليم يسوع إلى بيلاطس – إنجيل لوقا 23 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو1:23ـ5 ، 18ـ19): ” فَقَامَ كُلُّ جُمْهُورِهِمْ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى بِيلاَطُسَ. وَابْتَدَأُوا يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ: إِنَّنَا وَجَدْنَا هَذَا يُفْسِدُ الأُمَّةَ وَيَمْنَعُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ قَائِلاً: إِنَّهُ هُوَ مَسِيحٌ مَلِكٌ. فَسَأَلَهُ بِيلاَطُسُ : أَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَأَجَابَهُ: أَنْتَ تَقُولُ. فَقَالَ بِيلاَطُسُ لِرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْجُمُوعِ : إِنِّي لاَ أَجِدُ عِلَّةً فِي هَذَا الإِنْسَانِ. فَكَانُوا يُشَدِّدُونَ قَائِلِينَ: إِنَّهُ يُهَيِّجُ الشَّعْبَ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ مُبْتَدِئًا مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى هُنَا[1]…. فَصَرَخُوا بِجُمْلَتِهِمْ قَائِلِينَ : خُذْ هَذَا وَأَطْلِقْ لَنَا بَارَابَاسَ!. وَذَاكَ كَانَ قَدْ طُرِحَ فِي السِّجْنِ لأَجْلِ فِتْنَةٍ حَدَثَتْ فِي الْمَدِينَةِ وَقَتْلٍ “.

 

         يا إخوتي، إنَّ غباوة القلب وعدم الفهم هما مرض مُشِين يصحبه اختراع أفكار وضيعة، كثيرًا ما تقود البشر لكل ما هو شرِّير، بل وكثيرًا ما تجعلنا نخطئ ضد مجد الله. وهذا ما يمكن أن نراه بالنسبة لوضع مجمع اليهود، لأنهم أخطأوا ضد المسيح، ولذلك قاسوا كل بؤس، إذ أُدينوا بقضاء عادل من الله لنفس المصير الذي جلبوه على ذاك الذي كان يمكن أن يقيمهم إلى الحياة. ولأنهم جاءوا بيسوع إلى بيلاطس لذلك هم أنفسهم أيضًا سُلِّموا لعساكر الرومان الذين استولوا على كل أراضيهم وجعلوهم أسرى، كما اقتحموا مدينتهم التى كانت سابقًا المدينة المقدسة والمجيدة، وجعلوا سكانها فريسة للسيف والنار، ولذلك تحقَّقت فيهم نبوات الأنبياء القديسين، لأن واحدًا منهم يقول: “ويل للشرير، شرور سوف تحدث له بحسب أعمال يديه” (إش11:3س)، ويقول آخر: ” كما فعلتَ يُفعلُ بك، عملك يرتدّ على رأسك” (عوبديا15).

 

          لكن دعنا نرى ماذا كان نوع شرّهم، وماذا أيضًا قالوا لبيلاطس عندما صاغوا اتهاماتهم ضد المسيح مخلِّصنا كلنا. ” إننا وجدنا هذا يُفسد شعبنا ويمنع أن تُعطى جزية لقيصر، ويقول عن نفسه إنه هو مسيح ملك“. ولكن أنتم باشرتم محاكمته منذ وقت قليل مضى، ولم تثيروا مثل هذه القضايا، لكنكم سألتموه فقط إن كان هو المسيح. فهذا ما كنتم تسعون إلى معرفته، وبخلاف هذا لم تسألوه عن أي شيء آخر على الإطلاق. وهو في رده على أسئلتكم سعى أن يبيِّن أنه هو المسيح وأيضًا أنه هو بالطبيعة والحقيقة ابن الله الآب، لأنه قال: ” من الآن تُبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة” (انظر مت64:26). أرجوكم أن تُخبروني مَن الذي يحق له أن يجلس مع الآب إلاَّ الذي هو الابن بالطبيعة؟ لأنه لا يمكن لمخلوق على الإطلاق أن يتحدث عن جلوسه على عرش الألوهة، لأن كل كائن مخلوق يوضَع تحت قدمي الطبيعة الإلهية الفائقة التى تسود الكل وتتسامى على كل ما خُلق. الله الآب وحده هو الذي يجلس على العرش عاليًا ومرتفعًا، ويشاركه ابنه في عرشه، وهو الكائن دائمًا معه، ومولود منه بالطبيعة. لذلك فقد حصلتم بسؤالكم هذا على التأكيد الكامل بأنه هو المسيح، لكن في تلهُّفكم على أن تتَّهموه بالتجديف قد أعلن لكم مجده، فقلتم ما حاجتنا بعد إلى شهود لأننا نحن سمعنا من فمه. فكيف تتناسون هذا أو بالأحرى تتجاوزون في خبثكم وشركم كل بنود الاتهام التى حاكمتموه عليها وتأتون بقائمة اتهامات لها طبيعة مختلفة تمامًا وتقولون: إننا وجدنا هذا يُفسد الأُمَّة. أخبرونا فيما يكون هذا الإفساد! إن تعاليمه كانت منصبَّة على التوبة. أين مَنَع أن تُعطى جزية لقيصر؟ فأنتم في الحقيقة أرسلتم إليه بعضًا من جماعتكم مع قوم من هؤلاء الذين يُدعَون هيرودسيين ليجرِّبوه قائلين: يا معلم، أيجوز أن تُعطى جزية لقيصر أم لا (مت17:22) فردَّ المسيح عليهم قائلاً: أرونى معاملة الجزية، فسألهم لمن هذه الصورة والكتابة الموجودة على الدينار الذي قدَّمتموه؟ ولما قالوا له لقيصر قال لهم: أعطوا إذًا ما لقيصر لقيصر وما لله لله (مت15:22ـ21). إذن ففي أي موضع منع أن تُعطى جزية لقيصر؟ لكن كان هدفهم الوحيد هو أن يُحدِروا إلى الموت ذلك الذي يقيمهم إلى الحياة. كان هذا هو مقصد خططهم وهدف الأفعال الدنيئة والأكاذيب التي اخترعوها، والكلمات المُرَّة التي جرت على ألسنتهم الشريرة. ولكن الناموس يُعلن لكم بصوت عال: ” لا تشهد على قريبك شهادة زور” (خر16:20)، ويقول أيضًا:    ” لا تقتل البريء والبار” (خر7:23).

 

          وقال الله في أحد المواضع بلهجة عنيفة في غضبه بفم واحد مِن أنبيائه القديسين: ” أمَّا أنتم فتقدَّموا إلى هنا أيها البنون الأشرار، يا نسل الفاسقين والزانية: بمن تَسخَرون؟ وعلى من تفغرون الفم؟ وعلى من تُخرجون لسانكم؟ أما أنتم أولاد المعصية ونسل الظالمين” (إش3:57،4س). وكذلك داود النبى يصفهم في موضع ما في المزامير وهو يخاطب الله الآب في السموات:       ” شتِّتهم بقوَّتك، واهبط بهم يا رب يا عاضدي، إنَّ خطية أفواههم هي كلام شفاههم، وسوف يُؤخذون في كبريائهم“(مز11:58، 12س). لأنهم إذ أطلقوا العنان للسانهم الجامح ضد المسيح، وكما هو مكتوب، ” ورفعوا إلى العُلا قرنهم وتكلَّموا بالإثم ضد الله” (مز5:74س)، فإنهم إنما سقطوا في كبريائهم. بالتأكيد كان من واجبهم طالما يفتخرون بمعرفتهم لشرائع الله أن يتذكروا أنَّ الله قال لا تقتل التَقي ولا البار، لكنهم لم يعطوا أي اعتبار للاحترام الواجب للناموس، ولكن بسبب أنهم انقادوا بتهور شديد إلى كل ما يُسِرهم ويرضيهم هم وحدهم دون فحص لطبيعته، فإنهم اخترعوا اتهامات عديدة وحشدوا ضد المسيح اتهامات لم تكن صحيحة، ولا استطاعوا أيضًا أن يبرهنوا عليها. لكنهم كانوا بهذا مدانين بكونهم أكثر شرًّا من عابد الأوثان، لأن بيلاطس إذ برَّأ يسوع من كل لوم قال علانية: لم أجد علَّة واحدة في هذا الإنسان، ولم يَقل هذا مَرَّة واحدة بل ثلاث مرات.

          لكنهم اعترضوا بإصرار أنه يفسد الشعب ويعلِّم في كل اليهودية مبتدئًا من الجليل إلى هنا. ها إنهم يُغيِّرون مرة أخرى اتهاماتهم السابقة ويخترعون أعذارًا لتثقيل تهمته ويجمعون فرصًا جديدة لذمِّه واغتيابه، إذ قالوا ” إنه يُهيِّج الشعب وهو يُعلِّم مبتدئًا من الجليل إلى هنا“. لكن فيما هم يتهمونه بالتعليم، نجدهم قد صمتوا عن فحوى ما يُعلِّمه إذ خافوا ـ كما أظن ـ لئلا يكون بيلاطس نفسه ضمن مَن يؤمنون به، لأنه لو كان قد سمع المسيح وهو يكشف سرَّه الإلهي، ربما كان قد توقف منذ ذلك الوقت عن عبادة تلك الآلهة الكاذبة، بقبوله لسكنى نور معرفة الله الحقيقية في داخله، ولإمتَلَكَ في ذهنه وقلبه الدواء الذي تهبه تلك الرسالة المقدسة والخلاصية التى بالمسيح، لأنه ماذا كانت تعاليم المسيح؟ إنه يدعو مَن كانوا في ضلال ويعبدون المخلوق بدلاً من الخالق أن يأتوا إلى المعرفة الحقيقية لله. وهو يريد لكل من يقترب منه أن يتلألأ بأمجاد البر وأن يكون بلا عيب وصالحًا، لطيفًا ورحيمًا، حكيمًا وقديسًا وحياته مستقيمة وبلا لوم. لذلك هم بدهاء عظيم قالوا إنه يُعلِّم، لكنهم صمتوا من جهة طبيعة تعاليمه، لكن بالرغم من كلامهم هكذا، فإن بيلاطس وبَّخهم وبرَّأ نفسه قائلاً: إني لا أجد علة في هذا الإنسان. ” قد قدَّمتم إليَّ هذا الإنسان كمن يُفسد الشعب، وها أنا قد فحصته قدامكم ولم أجد في هذا الإنسان عِلَّة مما تشتكون به عليه ولا هيرودس أيضًا، لأنه أرجعه إلينا، وها لا شيء يستحق الموت صنعه” (انظر لو13:23ـ15).

 

          انظروا! فإن من يعرفون الشرائع الإلهية ويقولون بكبرياء وبعجرفة ” نحن تلاميذ موسى” يطالِبون بالحكم بالموت على مَن هو غير مذنب بأي إثم، بل من هو رأس ومُعلِّم كل تَقْوَى، وهو الذي يجعل مَن يؤمنون به ماهرين في كل فضيلة. وحينما برَّأه مَن كان يحق له أن يحاكمه فإنهم لكي يجعلوا عذابهم الأبدي أشد شِدَّة، طلبوا باجتهاد شديد أن يُحكم بعقوبة الموت على من لم يأتِ بأيِّ فعل أثيم، لأن كل الجمع صرخ قائلاً: “خذ هذا وأطلق لنا باراباس” (لو18:23). لذلك فقد أنكروا حقًّا بوضوح القدوس البار، كما قال الطوباوي بطرس، وطلبوا أن يوهب لهم رجل قاتل (أع14:3)، لكيما يكونوا شركاء في نصيبه ومتورِّطين في ذنبه، وكان نصيبهم أن ينالوا العذاب، لأنهم قد سُلّموا للهلاك والفزع، وهلكوا جميعهم مع كل جنسهم، لأنهم ” صرخوا قائلين اصلبه اصلبه” (لو21:23). وقد لام الرب صرختهم غير المقدسة هذه وقال بفم إرميا:   ” قد تركتُ بيتي هجرتُ ميراثي، دفعتُ حبيبتي الغالية ليد أعدائها. صار لي ميراثي كأسد في الوعر، أطلق علىَّ صوته، من أجل ذلك أبغضته” (إر7:12، 8). لذلك أبغضهم الله لأنهم هجموا على المسيح كأسد، وأطلقوا ضده صيحة تتَّسم بالقسوة وعدم الشفقة. أمَّا نحن فنُسبِّح المسيح الذي تألم بالجسد بدلاً عنا، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

[1] النص السريانى يحذف الأعداد 6ـ17 ويقرِّب الأحداث الروائية معًا، حيث إنَّ هذه الأعداد ذُكرت داخل صُلب العظة، وبعد ذلك تعبر المخطوطة السريانية على الأعداد 20ـ23، التي منها تقتبس العدد 21 فقط. 

تسليم يسوع إلى بيلاطس – إنجيل لوقا 23 ج1 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المحاكمة في مجلس اليهود – إنجيل لوقا 22 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المحاكمة في مجلس اليهود – إنجيل لوقا 22 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

المحاكمة في مجلس اليهود – إنجيل لوقا 22 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو63:22ـ71): “ وَالرِّجَالُ الَّذِينَ كَانُوا ضَابِطِينَ يَسُوعَ كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وَهُمْ يَجْلِدُونَهُ. وَغَطَّوْهُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَ وَجْهَهُ وَيَسْأَلُونَهُ: تَنَبَّأْ! مَنْ هُوَ الَّذِي ضَرَبَكَ؟. وَأَشْيَاءَ أُخَرَ كَثِيرَةً كَانُوا يَقُولُونَ عَلَيْهِ مُجَدِّفِينَ. وَلَمَّا كَانَ النَّهَارُ اجْتَمَعَتْ مَشْيَخَةُ الشَّعْبِ: رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ وَأَصْعَدُوهُ إِلَى مَجْمَعِهِمْ. قَائِلِينَ: إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمسِيحَ فَقُلْ لَنَا. فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ قُلْتُ لَكُمْ لاَ تُصَدِّقُونَ. وَإِنْ سَأَلْتُ لاَ تُجِيبُونَنِي وَلاَ تُطْلِقُونَنِي. مُنْذُ الآنَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ قُوَّةِ اللهِ. فَقَالَ الْجَمِيعُ: أَفَأَنْتَ ابْنُ اللهِ؟ فَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا هُوَ. فَقَالُوا: مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شَهَادَةٍ؟ لأَنَّنَا نَحْنُ سَمِعْنَا مِنْ فَمِه “.

          فليقل النبي إرميا هنا أيضًا عن جنس إسرائيل: ” يا ليت رأسي ماء وعيني ينبوع دموع فأبكي نهارًا وليلاً لأجل هذا الشعب؟” (ار1:9س). أيّ نواح يمكن أن يكفي لأجل أولئك الذين سقطوا في هوة الهلاك بسبب تصرُّفهم الشرير ضد المسيح، وبسبب جرمهم العظيم جدًّا، حتى أنهم لم يحزنوه فقط بالكلمات وبسخريتهم عليه بصرخات ممتلئة تجديفًا، بل إنهم أمسكوه بأيديهم الآثمة وأعدوا له فخ الموت؟ وهكذا عاملوه بغطرسة، وبشرِّهم جعلوه تسلية لهم، بل إنهم أيضًا تجرَّأوا أن يضربوه، لأننا هكذا قد سمعنا اليوم البشير القديس يقول: “والرجال الذين كانوا ضابطين يسوع كانوا يستهزئون به وهم يجلدونه، قائلين: تنبأ من هو الذي ضربك؟..” أما هو ” فإذ شُتم لم يكن يشتم عوضًا، وإذ تألم لم يكن يُهدِّد بل كان يُسلِّم لمن يَقضي بعدل” (1بط23:2). حسنًا، لذلك يجب أن ننطق بما قاله واحد من الأنبياء عن بعض الناس: ” السموات دُهشت من هذا، وارتعدت جدًّا يقول الرب” (إر12:2س)، ذلك لأن سيد الأرض والسماوات، خالق الكل وصانعهم، ملك الملوك ورب الأرباب، الفائق العظمة والمجد والجلال، المؤسِّس كل الأشياء، الذي فيه يقوم الكل ويثبت، لأن ” فيه تقوم كل الأشياء” (كو17:1)، ذلك الذي هو حياة كل الأرواح المقدسة في السماء، صار يُزدرى به ويُحتقر كواحد مثلنا، وهو بصبر يحتمل الضربات، ويخضع لسخرية الأشرار، ويعطينا نفسه مثالاً كاملاً لطول الأناة، أو بالأحرى يُظهر لطفه الإلهي الذي لا يقارن في عظمته.

          وربما قد احتمل المسيح ذلك لكي يوبِّخ ضعف أذهاننا، ولكي يبين أنَّ أمور الناس تقع بعيدًا جدًّا عن الكمالات الإلهية، بمقدار ضعف وصغر طبيعتنا بالنسبة لطبيعته، لأننا نحن الأرضيون، ونحن مُجرَّد فساد ورماد، نهاجِم في الحال أولئك الذين يضايقوننا، إذ لنا قلب ممتلئ بالعنف كوحوش ضارية. أما ذلك الذي له طبيعة ومجد يفوقان حدود إدراكنا وقوَّة تعبيرنا، فقد احتمل بصبرٍ أولئك الجنود الذين لم يسخروا به فقط بل وأيضًا جلدوه، لأن (البشير) يقول: “وبعدما عصبوا عينيه وضربوه بعد ذلك، فإنهم سألوه قائلين: تنبَّأ من هو الذي ضربك؟” لقد سخروا منه كما لو كان شخصًا جاهلاً هذا الذي هو مانح كل معرفة، والذي يرى الخفيات التي فينا، لأنه يقول في موضع ما بواسطة واحد من الأنبياء القديسين: ” من الذي يخفى مشورة عني، ومن الذي يغلق على كلماتٍ في قلبه ويظن أنه يخبئها عني” (أى2:38س). فالذي يفحص القلب والكُلى والذي يمنح كل نبوَّة، كيف لا يقدر أن يعرف مَن الذي ضربه؟ لكن كما قال الرب نفسه: الظلمة قد أعمت عيونهم، وعميت أذهانهم (انظر يو40:12)، لذلك يمكن أن يُقال عنهم أيضًا: ” ويل للسكارى وليس من خمر!” (إش9:29س)، ” لأن جفنتهم من جفنة سدوم ومن كروم عمورة” (تث32:32س).

          وبعدما اجتمع مجمعهم الشرير في الفجر، فإن الذي هو رب موسى ومرسِل الأنبياء، بعدما استهزأوا به عن غير وجه حق، أحضروه في الوسط وسألوه إن كان هو المسيح؟ يا أيها الفريسي عديم الفهم، إن كنت تسأل لأنك لا تعلم، فكان يجب عليك ألاَّ تحزنه إلى أن تعرف الحقيقة ـ لئلا تكون بذلك قد أحزنتَ الله. ولكن إن كنت تتظاهر بالجهل بينما تعلم الحقيقة أنه هو المسيح، فكان يجب عليك أن تسمع ما يقوله الكتاب المقدس: ” الله لا يُشمخ عليه” (غل7:6).

          ولكن أخبرني لماذا تسأله وتريد أن تعلم منه إن كان هو المسيح؟ إنه من السهل للغاية أن تحصل على معرفة عنه من الناموس والأنبياء. فتِّش في كتب موسى فسوف تراه موصوفًا بطرق متنوِّعة. إنه ذُبح كحمل وقَهَر المُهلِك بدمه، وسبق ورُمِز إليه أيضًا بأشكال أخرى كثيرة. افحص أيضًا كتابات الأنبياء، سوف تسمعهم يعلنون عن معجزاته الإلهية العجيبة. إنهم يقولون: “حينئذٍ تتفتَّح عيون العمي، وآذان الصم سوف تسمع، حينئذٍ يقفز الأعرج كالأُيّل ولسان الخرس يصبح مستقيمًا” (إش5:35س)، ” وأيضًا الموتى يقومون والذين في القبور يستيقظون لأن طلَّك يشفيهم” (إش19:26س). لذلك إن كنتم أنتم أنفسكم ترون أنَّ تحقيق النبوات يتم بوضوح بخصوصه، فلماذا لا تعترفون به بالحري بسبب معجزاته الإلهية التي تشهد له، وبسبب أعماله فائقة الوصف؟ وهذا أيضًا ما قاله المسيح نفسه لكم: ” الأعمال التي أعطاني الآب لأكملها هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها هي تشهد لي إنَّ الآب قد أرسلني” (يو36:5)، وأيضًا:” لو لم أكن قد عملتُ بينهم أعمالاً لم يعملها أحد غيري لم تكن لهم خطية، وأما الآن فقد رأوا وأبغضوني أنا وأبي” (يو24:15). لذلك فإن رؤساء اليهود والشعب الذي تحت رعايتهم كانوا في الحقيقة غير مؤمنين وبدون فهم بكل معنى الكلمة.

          كما أظن أيضًا أنه يلزمنا أن نفحص الكلمات التي استخدمها المسيح، لأنها كانت توبيخًا لعدم محبة الله، وهو ما كان الكتبة والفريسيون مذنبين به. لذلك فإنهم عندما سألوه إن كان حقًّا المسيح، وأرادوا أن يعرفوا هذا الأمر بعينه، فإنه أجابهم قائلاً: إن قلتُ لكم لا تُصدِّقون، وإن سألتُ لا تجيبونني. تعالوا إذن ودعوني أشرح لكم، كأناس يُسرَّون بأن يتعلموا، ماذا كانت المناسبة التي سمعوا فيها ولم يؤمنوا، وما هي المناسبة التي صمتوا فيها عندما سُئلوا. عندما صعد المسيح إلى أورشليم وجد في الهيكل الذين كانوا يبيعون بقرًا وغنمًا وحمامًا والصيارف جلوسًا، يقول الكتاب إنه صنع سوطًا من حبال وطرد الجميع من الهيكل وقال: ” ارفعوا هذه من ههنا، لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة” (يو13:2ـ16)، وبسبب أنه دعا الله أباه، فإن أولئك الذين كانوا يُقدِّمون الذبائح في الهيكل تذمَّروا وهاجموه قائلين: بأي سلطان تفعل هذا؟ ومن أعطاك هذا السلطان؟ فأجاب يسوع وقال لهم: ” وأنا أيضًا أسألكم كلمة واحدة، فإن قلتم لي عنها أقول لكم أنا أيضًا بأي سلطان أفعل هذا. معمودية يوحنا من أين كانت، من السماء أم من الناس؟” ويقول الكتاب إنهم ” فكَّروا في أنفسهم قائلين: إن قلنا من السماء يقول فلماذا لم تؤمنوا به، وإن قلنا من الناس نخاف من الشعب لأن يوحنا كان عند الجميع مثل نبي، فأجابوا وقالوا: لا نعلم. فقال لهم المسيح: ولا أنا أقول لكم بأي سلطان أفعل هذا” (انظر مت23:21ـ27).

          وسألهم في مناسبة أخرى: ماذا تظنون في المسيح؟ ابن من هو؟ قالوا له ابن داود، فقال لهم الرب بعد ذلك: فكيف يدعوه داود بالروح ربًّا قائلاً: قال الرب لربى اجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئًا لقدميك. فإن كان داود يدعوه ربًّا فكيف يكون ابنه؟ وفى هذه المناسبة أيضًا فإنهم سكتوا (انظر41:22ـ46). وهكذا ترون أنَّ المسيح يتكلم بالصواب عندما يقول: ” وإن سألتكم لا تجيبونني“.

          كما أنكم سوف ترون أيضًا أنَّ الإعلان الآخر هو صحيح أيضًا مثل الأول، وهو ما يلي: ” إن قلتُ لكم لا تصدِّقون“، لأن المغبوط يوحنا البشير يكتب أنه كان عيد التجديد في أورشليم وكان شتاء، ” وكان يسوع يتمشَّى في رواق سليمان، فاحتاط به اليهود وقالوا له: إلى متى تُعلِّق أنفسنا، إن كنت أنت المسيح فقل لنا جهرًا، فأجابهم يسوع: إني قلتُ لكم ولستم تؤمنون، الأعمال التي أنا أعملها باسم أبي هي تشهد لي، ولكنكم لستم تؤمنون” (يو22:10ـ26).

          ولكي يجعل دينونتهم أكثر قساوة، أقصد فيما يتعلق برفضهم الإيمان به، فإنه يضع مجده أمامهم بوضوح ويقول: ” منذ الآن يكون ابن الإنسان جالسًا عن يمين قوة الله“. وكأنه يقول: عندما كنت في الشكل مثلكم، مع أنني بالطبيعة والحق ابن الله الآب، فأنتم لم تقدموا لي أي اعتبار، ولكن أما كان ينبغي ألاّ تغيب عن انتباهكم هذه الطريقة الممتازة للتدبير في الجسد إذ أنكم متعلِّمون من الناموس ومتربُّون على كتابات موسى. بل ألم تكن تنبؤات الأنبياء القديسين معروفة لديكم؟! ولكن حيث إنكم جعلتم أنفسكم بهذا المقدار من عدم المعرفة، وامتلأتم من الجهل المطبق، ولم تتعرَّفوا على السِرِّ الخاص بي، فإنني أخبركم بالضرورة أنه سوف تُمنح لكم فرصة قصيرة جدًا لكبريائكم وخبثكم ضدي، أي إلى وقت صلبي. لأنه بعد هذا مباشرة سوف ألتحف بالكرامة وأصعد إلى المجد الذي كان لي منذ البدء، بل وحتى وأنا متجسد فأنا مشترك مع الله الآب في عرشه، وأملك كل سلطان على الكل، رغم أني لبستُ شبهكم. وحينما كان المسيح يتكلم هكذا، فإن جماعة الفريسيين التهبوا بغضب لا يُضبط، وأمسكوا بالعبارة كحجة على التجديف، واتهموا الحقَّ نفسه! وقالوا: ما حاجتنا بعد إلى شهادة لأننا نحن سمعنا كلماته. ماذا سمعتموه يقول أيها الرجال، يا عديمي الفهم والأردياء، لقد أردتم أن تعرفوا إن كان هو المسيح، وهو عرَّفكم إنه هو بالطبيعة وبالحق ابن الله الآب، ويشترك معه في عرش الألوهة، لذلك كما اعترفتم أنكم لا تحتاجون بعد إلى شهادة لأنكم سمعتموه يتكلم؛ فكان يجب أن تعلَموا جيدًا أنه هو المسيح؛ ولكان هذا سوف يدلكُّم على الطريق إلى الإيمان، وتكونون من بين أولئك الذين يعرفون الحق. أما هم فلكونهم جعلوا طريق الخلاص، سببًا لهلاك أنفسهم فإنهم لم يفهموا، بل بحماقة وعدم فهم قتلوه، واحتفظوا بهدف واحد مُزدرين بالشريعة كلها، وتغاضوا تمامًا عن الأوامر الإلهية، لأنه مكتوب: ” البريء والبار لا تقتلوه” (خر7:23س)، ولكنهم ـ كما قلتُ لكم ـ لم يراعوا على الإطلاق أيًّا من الأوامر المقدسة، ولكنهم اندفعوا إلى أسفل كما ينزلون إلى منحدر شديد ليسقطوا في أشراك الهلاك.

          كان هذا هو سلوكهم، وأما نحن فنقدِّم تسابيحنا لله الكلمة الذي صار إنسانًا لأجل خلاصنا، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

المحاكمة في مجلس اليهود – إنجيل لوقا 22 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إنكار بطرس – إنجيل لوقا 22 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إنكار بطرس – إنجيل لوقا 22 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إنكار بطرس – إنجيل لوقا 22 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو54:22ـ62): ” فَأَخَذُوهُ وَسَاقُوهُ وَأَدْخَلُوهُ إِلَى بَيْتِ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ. وَأَمَّا بُطْرُسُ فَتَبِعَهُ مِنْ بَعِيدٍ. وَلَمَّا أَضْرَمُوا نَارًا فِي وَسَطِ الدَّارِ وَجَلَسُوا مَعًا جَلَسَ بُطْرُسُ بَيْنَهُمْ. فَرَأَتْهُ جَارِيَةٌ جَالِسًا عِنْدَ النَّارِ فَتَفَرَّسَتْ فيهِ وَقَالَتْ: وَهَذَا كَانَ مَعَهُ. فَأَنْكَرَهُ قَائِلاً: لَسْتُ أَعْرِفُهُ يَا امْرَأَةُ!. وَبَعْدَ قَلِيلٍ رَآهُ آخَرُ وَقَالَ: وَأَنْتَ مِنْهُمْ! فَقَالَ بُطْرُسُ: يَا إِنْسَانُ لَسْتُ أَنَا !. وَلَمَّا مَضَى نَحْوُ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ أَكَّدَ آخَرُ قَائِلاً: بِالْحَقِّ إِنَّ هَذَا أَيْضًا كَانَ مَعَهُ لأَنَّهُ جَلِيلِيٌّ أَيْضاً. فَقَالَ بُطْرُسُ: يَا إِنْسَانُ لَسْتُ أَعْرِفُ مَا تَقُولُ. وَفِي الْحَالِ بَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ صَاحَ الدِّيكُ. فَالْتَفَتَ الرَّبُّ وَنَظَرَ إِلَى بُطْرُسَ فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ الرَّبِّ كَيْفَ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. فَخَرَجَ بُطْرُسُ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا“.

 

من أجل أن نكون حذرين في أي عمل مقدَّس نباشره، فإن ربنا يسوع المسيح يوصينا أن نقدِّم باستمرار تضرعات وتوسلات، وأن يكون جزء من صلواتنا أن نطلب: ” لا تدخلنا في تجربة “، وذلك لأن عنف التجارب يكون في الغالب كافيًا أن يهزَّ حتى الذهن الثابت تمامًا، وأن يذل إلى درجة الترنُّح، وأن يُعِّرض إلى أهوال لا حدَّ لها حتى الإنسان الشجاع والقوى القلب. كان هذا هو نصيب التلميذ المختار أن يذوقه، وأنا أقصد به هنا القديس بطرس، لأنه قد ثبت ضعفه وأنكر المسيح مخلِّصنا كلنا، وهذا الإنكار لم يرتكبه مرة واحدة فقط بل ثلاث مرات وبقَسَم، لأن القديس متى يقول: ” فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف إنِّي لا أعرف الرجل” (مت74:26). هناك البعض يريدون أن يقنعونا أنَّ ما حلف به التلميذ قُصِدَ أنه لم يكن يعرف المسيح كمجرَّد إنسان فقط، ولكن حجَّتهم تسقط، رغم أن هدفهم من هذا هو أن يلتمسوا عذرًا محبةً منهم للتلميذ، لأنه إن كان قد أقسم كما يقولون إنه لا يعرف أنَّ يسوع كان إنسانًا، فماذا يكون هذا سوى إنكار لسر التدبير الإلهي الخاص بتجسده ؟ لأنه يعرف أنَّ كلمة الله الابن الوحيد صار مثلنا، أي أنه صار إنسانًا، وهو قد اعترف جهارًا قائلاً: ” أنت هو المسيح ابن الله الحي” (مت16:16)، وهو لم يقصد بقوله هذا أن يؤكِّد أنه لكونه مثلنا فهو ابن الله، ولكن ليؤكِّد أنَّ الذي يراه واقفًا (وسط التلاميذ) في حدود الطبيعة البشرية هو الكلمة الذي يفوق كل شيء مخلوق، وهو الذي خرج من جوهر الله الآب. أقول      ـ ومع ذلك ـ فإنه لم يتحاشَ الاعتراف والإقرار به أنه هو ابن الله الحي، لذلك فإنه يصير من المنافي للعقل أن نفترض أنه رغم كونه يعرف سر التدبير الإلهي للتجسُّد، فإنه لا يعرف أنَّ المسيح إنسان. ولكن ما هي الحقيقة إذن؟

 

          كان بطرس في الواقع ضعيفًا. لأنه لا يمكن أن يكون عبثًا أن يقول المسيح محذِّرًا: “ قبل أن يصيح الديك سوف تنكرني ثلاث مرات“، كما أنه ليس صوابًا أن نقول إن الإنكار حدث كي يتحقَّق كلام المسيح، ولكن هدفه هو أن يحذِّر التلميذ نظرًا لأن ما هو مزمع أن يحدث لا يخفى عن معرفته. ولكن هذه البليَّة وقعت للتلميذ بسبب جُبن الطبيعة البشرية، فإنه بسبب أنَّ المسيح لم يكن قد قام بعد من الأموات، ولم يكن الموت قد أُبيد بعد ولا أُزيل الفساد، فإن مجابهة الموت كانت لا تزال أمرًا يفوق احتمال البشر. وكما قلتُ إن هذا الفعل التعس قد حدث بسبب علّة الجُبن البشرى، وأن التلميذ أُدين من ضميره الشخصي، فهذا قد تبرهن ببكائه بعد ذلك مباشرة، وبدموعه التي انهمرت من عينيه، كما لو كانت بسبب خطية ثقيلة كعلامة لتوبته، لأن الكتاب يقول إنه بعد أن نظر إليه يسوع، وتذكَّر بطرس ما كان قد قاله له: ” فإنه خرج إلى خارج وبكى بكاءً مُرًّا“.

 

          إنه يناسبنا بعد ذلك أن نلاحظ بأي طريقة قد غُفِرت خطيته، وكيف طُرح عنه ذنبه، لأن هذه الحادثة تبيِّن أنَّ لها منفعة ليست بقليلة لنا. إنه لم يؤجل توبته، ولا كان مهملاً لها، وكما كان سقوطه في الخطيئة سريعًا جدًّا، هكذا كانت دموعه سريعة بسببها؛ كما أنه لم يبكِ فقط ولكن بكى بمرارة، ومثل شخص قد سقط، فإنه نهض بشجاعة مرة أخرى، لأنه كان يعرف أنَّ الله الرحيم يقول في موضع ما بفم واحد من الأنبياء: ” من يسقط ألا يقوم؟ ومن يرتدّ ألا يرجع؟” (إر4:8س). لذلك ففي عودته لم يفقد الهدف، لأنه استمر على نفس الوضع الذي كان عليه سابقًا، أي تلميذًا حقيقيًّا؛ لأنه عندما حذَّره المسيح أنه سوف ينكره ثلاث مرات قبل أن يصيح الديك، فإنه أيضًا نال رجاء الغفران، لأن كلمات المسيح له كانت: “وأنت متى رجعت ثبّت إخوتك” إنَّ مثل هذه الكلمات تخص شخصًا يجهِّزه مرَّة ثانية ويعيده إلى الصلاحيات الرسولية، لأنه استأمنه ثانية إذ أسند إليه مهمَّة تثبيت الإخوة، الشيء الذي عمله أيضًا.

 

          ونقول أيضًا، إنه رغم أننا عرفنا عن سقطات القديسين من الكتب المقدسة، فهذا ليس لكي نسقط في فخاخ مماثلة بسبب إهمالنا للثبات الواجب، بل لكي إذا حدث أننا ضعفنا وفشلنا في عمل ما هو ضروري للخلاص، فلا ينبغي أن نيأس من أن نكون قادرين مرَّة أخرى على الصعود إلى حالة الثبات، وهكذا نستعيد صحتنا بعد مرض لم يكن مُتوقَّعًا. إن الله الرحوم قد منح لسكان الأرض التوبة كدواء للخلاص، ولا أعلم كيف أنَّ أُناسًا يحاولون أن يستعفوا منها قائلين إننا أنقياء، وفى جنونهم العظيم لا يفهمون أنَّ إضمارهم مثل هذه الفكرة عن أنفسهم هو أمر مملوء من كل نجاسة، لأنه مكتوب: ” ليس إنسانًا خاليًا من الدنس” (أم9:20س)، وبجانب هذا نقول: إن هذا يُغضب الله أن نتخيَّل أننا خالين من كل نجاسة، لأننا نجده يقول لأحد هؤلاء الذين يحيون حياة دنسة: ” هاأنذا أحاكمكِ لأنك قلتِ لم أخطئ، وأنتِ قد ازدريتِ جدًّا بتكرارك لطرقك” (إر35:2، 36س)، لأن تكرار السلوك في الخطية هو بالنسبة لنا أننا عندما نُباغَت بالخطايا (ونقع فيها) نرفض التصديق أننا مذنبون بالنجاسة التي تنشأ منها.

 

          إنهم يقولون: ” نعم إن رب الكل يصفح عن خطايا أولئك الذين لم يعتمدوا بعد، ولكن ليس الأمر هكذا بالنسبة لأولئك الذين دخلوا إلى نعمته” ماذا نقول عن هذا ؟ إن كانوا يقدمون قوانين بحسب أوهامهم، فإن كلماتهم لا تعنينا كثيرًا، أما إن كانوا يستشهدون بالكتب الإلهية المُوحَى بها، فمتى ذُكر فيها أنَّ إله الكل غير رحيم؟ لَيْتَهُم يسمعونه وهو يصيح عاليًا: “حدِّث بآثامك السابقة لكي تتبرَّر” (إش26:43س)، وليتهم يتذكرون الطوباوي داود الذي يقول في المزامير: ” هل ينسى الله رأفة أو هل هو يجمع مراحمه في غضبه؟” (مز9:76س) وأيضًا: ” قلتُ أعترف للرب بذنبي وأنتَ غفرتَ آثام قلبي” (مز5:31س)، وبجانب هذا، يلزم ألاَّ ينسوا أنه قبل أن يُقبض على المسيح، وقبل الإنكار، كان بطرس مشتركًا في جسد المسيح ودمه الثمين، لأن الرب:  ” أخذ الخبز وبارك وكسر وأعطاهم قائلاً: خذوا هذا هو جسدي، وبنفس الطريقة أيضًا أخذ الكأس قائلاً: اشربوا منها كلكم، لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد ” (راجع مت26:26ـ28). لاحظوا إذن بوضوح أنه بعد أن صار شريكًا في العشاء السرِّي، فإنه وقع في الخطية، ونال غفرانًا عند توبته. دعهم إذن لا يجدون نقصًا في لطف الله، دعهم لا يفكرون بازدراء في محبته للجنس البشرى، ولكن تذكروا هذا الذي يقول بوضوح: ” شرّ الشرِّير لا يضرّه في يوم رجوعه عن شرِّه” (حز12:33س). فما دام الله يقدم لنا الهداية في أي يوم يريد الإنسان فيه أن يتوب، فلماذا لا يكلَّلون بالأحرى بمدائح الحمد هذا الذي يساعدهم بدلاً من أن يعارضوه بتمرُّد وبغباوة؟ إنهم بفعلهم هذا يجلبون الدينونة على رؤوسهم، ويُحضرون إلى أنفسهم غضبًا محتومًا. لأن الله الرحوم لا يتوقف عن أن يكون رحومًا، حيث إن صوت النبي يقول: ” إنه يُسرُّ بالرأفة” (ميخا18:7).

 

          فليتنا إذن نجاهد بكل قدرتنا كي لا نقع في خطية، وليت حبًا راسخًا مخلصًا للمسيح يثبت فينا بلا تغيير، ونقول بكلمات المغبوط بولس: “ من سيفصلني عن محبة المسيح ؟ أشِدَّة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟” (رو35:8). ولكن إن هاجمتنا التجربة بعنف وثبت أننا ضعفاء، فدعنا نبكي بمرارة ونسأل الغفران من الله، لأنه يشفي أولئك النادمين المنسحقين ويقيم الساقطين، ويمد يده المخلِّصة لأولئك الذين أخطأوا، لأنه هو مخلِّص الكل، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

إنكار بطرس – إنجيل لوقا 22 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version