دخول المسيح أورشليم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

دخول المسيح أورشليم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

دخول المسيح أورشليم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

دخول المسيح أورشليم

(أحد الشعانين)

للقديس كيرلس الأسكندرى

 

 

دخول المسيح أورشليم

عظة 130

 

لوقا28:19ـ40

وَلَمَّا قَالَ هذَا تَقَدَّمَ صَاعِدًا إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَإِذْ قَرُبَ مِنْ بَيْتِ فَاجِي وَبَيْتِ عَنْيَا، عِنْدَ الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى جَبَلَ الزَّيْتُونِ، أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ قَائِلاً: اِذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، وَحِينَ تَدْخُلاَنِهَا تَجِدَانِ جَحْشًا مَرْبُوطًا لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ قَطُّ. فَحُّلاَهُ وَأْتِيَا بِهِ. وَإِنْ سَأَلَكُمَا أَحَدٌ: لِمَاذَا تَحُّلاَنِهِ؟ فَقُولاَ لَهُ هكَذَا: إِنَّ الرَّبَّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ. فَمَضَى الْمُرْسَلاَنِ وَوَجَدَا كَمَا قَالَ لَهُمَا. وَفِيمَا هُمَا يَحُّلاَنِ الْجَحْشَ قَالَ لَهُمَا أَصْحَابُهُ: لِمَاذَا تَحُّلاَنِ الْجَحْشَ؟ فَقَالاَ: الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ. وَأَتَيَا بِهِ إِلَى يَسُوعَ، وَطَرَحَا ثِيَابَهُمَا عَلَى الْجَحْشِ، وَأَرْكَبَا يَسُوعَ. وَفِيمَا هُوَ سَائِرٌ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَلَمَّا قَرُبَ عِنْدَ مُنْحَدَرِ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، ابْتَدَأَ كُلُّ جُمْهُورِ التَّلاَمِيذِ يَفْرَحُونَ وَيُسَبِّحُونَ اللهَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقُوَّاتِ الَّتِي نَظَرُوا، قَائِلِينَ: مُبَارَكٌ الْمَلِكُ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! سَلاَمٌ فِي السَّمَاءِ وَمَجْدٌ فِي الأَعَالِي!. وَأَمَّا بَعْضُ الْفَرِّيسِيِّينَ مِنَ الْجَمْعِ فَقَالُوا لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، انْتَهِرْ تَلاَمِيذَكَ!. فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنْ سَكَتَ هؤُلاَءِ فَالْحِجَارَةُ تَصْرُخُ! ” .

 

          يسبّح التلاميذ المسيح مخلص الكل ويدعونه باسم الملك، والرب، وأنه سلام السماء والأرض . ولنسبّحه نحن أيضًا آخذين قيثارة المرنم ونقول: ” ما أعظم أعمالك يارب، بحكمة صنعتها ” (مز24:103س)، لأنه لا يوجد شئ من كل الأعمال التي صنعها إلاّ (وصنعها) بحكمة، فهو يوجه كل ما هو نافع، بالأسلوب المناسب له، ويُحدِّد لأفعاله الأوقات التي تناسبها. وطالما كان من المناسب أن يجتاز بلاد اليهود ساعيًا أن يكتسب كثيرين إلى النعمة التي بالإيمان عن طريق الدروس والنصائح الفائقة على الناموس، فإنه لم يتوقف عن فعل هذا. أما وقد دعاه الوقت أخيرًا إلى تلك الآلام التي هي لخلاص العالم كله، ليحرر سكان الأرض من طغيان العدو، ويبطل الموت، ويبيد خطية العالم، فإنه يصعد إلى أورشليم وهو يكشف للإسرائيليين أولاً حقيقة واضحة، ألاّ وهي أن شعبًا جديدًا من بين الوثنيين سوف يخضع له، بينما هم أنفسهم يصيرون مرفوضين كقتلة للرب .

          وماذا كانت العلامة إذن؟ إنه جلس على جحش كما سمعنا بوضوح منذ قليل من الإنجيلي المبارك. لكن ربما يقول قائل: ” عندما كان يجتاز في اليهودية كلها فإنه لم يطلب دابة ليركبها ” حينما كان يُعلّم في مجامعهم، وكان يصنع المعجزات أيضًا. وبينما كان يمكنه أن يشتري دابة فإنه لم يفعل مع أنه كان كثيرًا ما يتعب في الطريق من رحلاته الطويلة، كما هو مكتوب فإنه تعب من السفر عند اجتيازه السامرة (يو6:4). من يمكنه (إذن) أن يجعلنا نصدق أنه عندما كان ذاهبًا من جبل الزيتون إلى أورشليم ـ وهما مكانان يفصلهما مسافة قصيرة جدًا ـ سوف يحتاج إلى جحش؟ وعندما كان الجحش مصحوبًا بأمه فلماذا لم يأخذ المسيح الأم بدلاً من الجحش؟ فنحن نعلم من كلمات متى البشير أنهم قد أحضروا إليه الأتان التي ولدت الجحش، كما يقول ” إنه أرسل تلميذيه إلى القرية التي أمامهما قائلاً لهما ستجدان أتانًا مربوطة وجحشًا معها، فحلاّهما وأتياني بهما ” ـ ولذلك (يقول النص) إنهما أتيا بالأتان والجحش (متى 1:21،2،7) لذلك علينا أن ننظر ما هو التفسير وما المنفعة التي نستخلصها من هذا الحدث، وكيف نجعل من ركوب المسيح على جحش مثالاً لدعوة الأمم .

          خلق إله الكل الإنسان على الأرض بذهن يتميز بالحكمة والقدرة على الفهم، لكن الشيطان خدعه رغم أنه مخلوق على صورة الله، وأضله حتى لا يعرف خالق الكل وصانعهم، فأذل سكان الأرض إلى أدني مستوى من عدم التعقل والجهل. وإذ يعرف النبي الطوباوي داود هذا، ويبكى بمرارة لأجله، فإنه يقول: “إنسان في كرامة ولا يفهمها، هو مثل البهائم التي لا تفهم وقد صار شبيهًا بها”(مز12:48س). لذلك فمن المحتمل أن الأتان الأكبر تشير إلى مجمع اليهود والذي ـ لو جاز القول ـ صار بهيميًا لأنه لم يعطِ سوى اهتمامًا قليلاً لناموس موسى واحتقر الأنبياء القديسين، وأضاف إلى هذا أيضًا عصيانه للمسيح، الذي كان يدعوه إلى الإيمان وإلى انفتاح عينيه. لأنه قال: ” أنا هو نور العالم، من يؤمن بي فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة ” (يو12:8). لكن الظلمة التي يتحدث عنها هي بلا شك ظلمة الذهن أي الجهل والعمى ومرض عدم التعقل الشديد .

          أما الجحش الذي (لم يكن قد جلس عليه أحد)، فهو يمثل الشعب الجديد المدعو من بين الوثنيين، لأنه كان أيضًا بالطبيعة عديم الفهم، تائهًا في الضلال، لكن المسيح صار حكمة له، لأن ” فيه مذّخر جميع كنوز الحكمة وأسرار المعرفة ” (كو3:2) .

          إذن فقد أُحضر الجحش، إذ أرسل المسيح اثنين من تلاميذه لأجل هذا الغرض. وماذا يعني هذا؟ إنه يعني أن المسيح يدعو الوثنيين بأن يجعل نور الحق يشرق عليهم، وتخدمه مجموعتان من خدامه لأجل هذا الغرض، أعني الأنبياء والرسل. لأنه تم ربح الأمم إلى الإيمان بواسطة تعاليم كرازة الرسل الذين كانوا يضيفون دائمًا إلى كلامهم شهادات مستمدة من الناموس والأنبياء. فإن واحدًا منهم قال لهؤلاء الذين دعوا بالإيمان للاعتراف بمجد المسيح: ” وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت التي تفعلون حسنًا إن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم” (2بط19:1). لأنه قبل مجيء المخلص كانت نبوات الناموس والأنبياء المختصة بالمسيح، بمثابة سراج منير في موضع مظلم. لأن ذهن اليهود كان بليدًا دائمًا، مملوءًا بظلمة كثيفة. لأنهم لم يفهموا ولو قليلاً، ما قيل عن المسيح. لكن عندما طلع النهار وأشرق نور الحق، لم تعد الكلمة النبوية سراج صغير بل صارت بالحرى مثل أشعة كوكب الصبح اللامعة .

          لقد أتوا بالجحش من القرية، لكي يشير به أيضًا إلى حالة الهمجية التي كان عليها ذهن الوثنيين، الذين ـ إن جاز القول ـ لم يتعلموا في المدينة ولا تعلموا العادات الشرعية، بل على العكس عاشوا بخشونة وفظاظة، لأن الذين يقيمون في القرى عادة ما يعيشون بهذه الطريقة. لكنهم لم يستمروا في هذه الذهنية الهمجية، بل على العكس تغيروا إلى ملء السلام والحكمة، لأنهم صاروا خاضعين للمسيح الذي علمهم هذه الأشياء .

          وهكذا فإن الأتان قد رُفضِت، لأن السيد المسيح لم يركب عليها مع أنها قد تروضّت من قبل، وتدربت أن تخضع لراكبيها، ولكنه ركب الجحش مع أنه غير مُدَّرب ولم يُختبر من جهة حمله لأي راكب، ولا في خضوعه للجام، لأنه كما قلت فإن المسيح رفض مجمع اليهود مع أن الناموس كان عندهم، كما أن الطاعة لم تكن شيئًا غريبًا عنه، لكن السيد رفضه كشيء قد شاخ وفسد، ولكون هذا المجمع قد ضل بعيدًا في عصيان متعمد لإله الكل، واستحسن الجحش الذي يرمز إلى الشعب الذي من بين الوثنيين .

          وهذا هو معنى المديح المقدم بصوت المرنم إلى المسيح مخلص الكل، حيث يقول عن أولئك الذين كانوا في ضلال: ” بلجام وزمام تكبح فكهم أولئك الذين لا يقتربون إليك ” (مز9:31س). ومن السهل أن نري من الكتاب المقدس أن جمع الوثنيين كان مدعوًا أيضًا إلى التوبة والطاعة بواسطة الأنبياء القديسين، لأن الله تكلم هكذا في موضع ما: ” اجتمعوا وتعالوا تشاوروا معًا أيها الناجون من الأمم ” (إش20:45س).

          لذلك جلس المسيح على الجحش، ولما جاء إلى منحدر جبل الزيتون بالقرب من أورشليم مضي التلاميذ أمامه يسبحونه، لأنهم كانوا مدعوين لأن يشهدوا لأعماله العجيبة التي صنعها، وأيضًا ليشهدوا لمجده وسلطانه الإلهيين. وبنفس الطريقة التي صنعها يجب علينا أيضًا أن نسبحه معتبرين كم هو عظيم ذاك الذي نمجده.

ولكن أحد الإنجيليين القديسين الآخرين ذكر أن الأطفال أيضًا كانوا يرفعون إلى فوق أغصانًا من النخيل وكانوا يركضون أمامه، وكانوا مع بقية التلاميذ يهتفون بمجده (انظر مت8:21، مر8:11، يو13:12)، لكيما بواسطتهم أيضًا نري الشعب الجديد الذي جُمع من بين الوثنيين ممثلاً كما في رسم. لأنه مكتوب ” أن شعبًا سوف يُخلق سوف يسبح الرب” (مز18:101س).

          وقد تذمر الفريسيون، لأن المسيح كان يُسبَّح (من الجموع)، فاقتربوا منه وقالوا: ” اِنتهر تلاميذك“. لكن أيها الفريسي أي خطأ عملوه؟ أي تهمة توجهها للتلاميذ؟ كيف تريدهم أن يُوَّبخوا ؟ لأنهم لم يخطئوا بأي طريقة بل بالأحرى فعلوا ما هو جدير بالمديح. لأنهم إنما قد مجدوا من قد أشار إليه الناموس من قبل برموز وصور كثيرة ـ كملك ورب ـ وقد كرز به جماعة الأنبياء القديسين منذ القديم، لكن أنتم احتقرتموه وأحزنتموه بحسدكم الذي لا حدود له. كان من واجبكم بالأولى أن تنضموا إلى الباقين في تمجيدهم له، كان من واجبكم أن تتراجعوا عن خبثكم الفطري وتغيروا سلوككم نحو الأفضل، وكان من واجبكم أن تتبعوا الأسفار المقدسة وأن تعطشوا إلى معرفة الحق. لكن هذا لم تفعلوه، بل حولتم كلامكم إلى العكس تمامًا إذ أردتم توبيخ المنادين بالحق. فبماذا أجاب المسيح على هذه الأشياء؟ (أجاب) ” أقول لكم: إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ “.

          لأنه من المستحيل ألاّ يُمجد الله حتى لو رفض أبناء جنس إسرائيل أن يفعلوا هذا، لأن الوثنيين كانوا سابقًا مثل حجارة أي قساة، لكنهم نالوا الخلاص من ضلالهم السابق، ونجوا من يد العدو وأفلتوا من الظلمة الشيطانية، وقد دُعوا إلى نور الحق، واستفاقوا كما من سكر، وعرفوا الخالق، وهم سبحوه ليس سرًا ولا في خفية، لا بطريقة مستورة أي في صمت، بل بمجاهرة الكلام وبصوتٍ عالٍ، وباجتهاد داعين بعضهم البعض وقائلين: ” هلموا نسبح الرب ونرتل مزامير لله مخلصنا “، لأنهم قد اعترفوا كما قلت بالمسيح مخلص الكل، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الأبدين . آمين.

 

عظة 131

لوقا41:19ـ44

وَفِيمَا هُوَ يَقْتَرِبُ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَبَكَى عَلَيْهَا قَائِلاً: إِنَّكِ لَوْ عَلِمْتِ أَنْتِ أَيْضًا، حَتَّى فِي يَوْمِكِ هذَا، مَا هُوَ لِسَلاَمِكِ! وَلكِنِ الآنَ قَدْ أُخْفِيَ عَنْ عَيْنَيْكِ. فَإِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ، وَيُحْدِقُونَ بِكِ وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَيَهْدِمُونَكِ وَبَنِيكِ فِيكِ، وَلاَ يَتْرُكُونَ فِيكِ حَجَرًا عَلَى حَجَرٍ، لأَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي زَمَانَ افْتِقَادِكِ ” .

 

         أدان إرميا النبي الطوباوي بصوت عال جهل اليهود وكبريائهم بآن واحد موبخًا إياهم بهذه الكلمات:” كيف تقولون نحن حكماء وكلمة الرب معنا؟ باطل هو قَلَم الكتبة الكاذب، خزي الحكماء ارتاعوا وأُخذوا، أية حكمة وها قد رفضوا كلمة الرب ” (إر8:8،9س)، لأنهم ليسوا حكماء ولا على دراية بالأسفار المقدسة. ومع أن الكتبة والفريسيين ينسبون لأنفسهم زورًا سمعة أنهم متعلمون في الناموس، فإنهم رفضوا كلمة الله، لأنه عندما صار الابن الوحيد إنسانًا، فإنهم لم يقبلوه، ولا أحنوا رقابهم طواعية لدعوته التي وجهها إليهم بالإنجيل. ولأنهم قد رفضوا كلمة الله بسلوكهم الشرير، فهم أنفسهم قد رُفضوا، وتمت إدانتهم بالقرار الإلهي العادل، لأنه يقول بفم إرميا: ” فضة مرفوضة يدعون لأن الرب رفضهم ” (إر30:6)، وقال أيضًا: ” جزى شعرك واطرحيه بعيدًا وخذي مرثاة على شفاك، لأن الرب قد رفض ورذل الجيل الذي فعل تلك الأشياء” (إر29:7س). وقد أعلن لنا إله الجميع ما هي تلك الأشياء بقوله: ” اسمعي أيتها  الأرض، هأنذا جالب شرورًا على هذا الشعب ثمر انحرافهم، لأنهم لم يصغوا لكلمتي ورفضوا شريعتي ” (إر19:6س)، لأنهم لم يحفظوا الوصية التي أعطاها لهم موسى بل ” يعلمون تعاليم هي وصايا الناس ” (مت9:15)، وبالإضافة إلى هذا فقد رفضوا أيضًا كلمة الله الآب برفضهم أن يؤمنوا بالمسيح، حينما دعاهم إلى ذلك. لذلك فإن ثمار انحرافهم كانت واضحة في الكوارث التي حلت بهم ، لأنهم عانوا من كل شقاء كجزاء على قتلهم الرب .

          أما (بخصوص) سقوطهم في هذه البلية[1]، فهذا لم يكن أمرًا يتوافق مع مشيئة الله الصالحة، لأنه كان يريد لهم بالأحرى أن يبلغوا السعادة عن طريق الإيمان والطاعة. أما هم فكانوا غير مطيعين ومتغطرسين، وبالرغم من هذا ـ ومع أن هذه كانت حالة ذهنهم ـ فإن المسيح أشفق عليهم، لأنه ” يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون ” (1تي4:2)، إذ يقول (الكتاب) أيضًا أنه ” نظر إلى المدينة وبكي “، لكيما نعرف بهذا أنه يحزن، إن جاز لنا أن نتكلم هكذا عن الله، الذي يعلو على الكل. ولكننا، ما كنا نستطيع أن نعرف أنه أشفق رغم شرهم، لو لم يكن قد أظهر بفعل بشري ذلك الحزن الذي لا يمكننا أن نراه، لأن الدمعة التي تسقط من العين هي تعبير عن الحزن، أو بالأحرى هي إظهار واضح له. وهكذا بكى أيضًا على  لعازر حتى يمكننا مرة أخرى أن نفهم أنه حزن على طبيعة الإنسان التي سقطت تحت سطوة الموت، لأنه ” خلق كل الأشياء لعدم الفساد (للخلود)، ولكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم[2] (حكمة بن سيراخ23:2). ليس لأن حسد إبليس أقوى من إرادة الخالق، بل بسبب أنه كان من الضروري أن تعدِّي الوصية الإلهية ينتج عنه عقاب يجعل كل من يحتقر ناموس الحياة ينحدر إلى الفساد .

          لذلك نحن نقول إنه بكى على أورشليم لسبب مشابه، لأنه أراد أن يراها في سعادة بقبولها الإيمان به، ونوال السلام مع الله، فإنه إلى هذا (السلام) دعاهم إشعياء النبي أيضًا قائلاً: ” لنصنع سلامًا معه، لنصنع نحن القادمون سلامًا معه” (إش5:27س). أما عن أنه بالإيمان نصنع سلامًا مع الله، فهذا ما يعلمنا إياه الحكيم بولس حيث يكتب: ” إذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح ” (رو1:5). أما هم، فكما قلت، أسرعوا بعنف جامح إلى الغطرسة والازدراء وأصروا على احتقار خلاص المسيح؛ لذلك فالمسيح يلومهم على نفس هذا الأمر قائلاً : ” لو علمت أنتِ أيضًا ما هو لسلامك“، أي (لم تعرفي) تلك الأشياء المفيدة والضرورية لك لتصنعي سلامًا مع الله، وهذه الأشياء هي الإيمان، الطاعة، التخلي عن الظلال، التوقف عن العبادة الناموسية؛ وبدلاً عن ذلك تفضيل العبادة التي بالروح والحق، تلك العبادة التي بالمسيح تكون رائحتها طيبة وجديرة بالإعجاب وثمينة أمام الله لأنه يقول: ” الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا ” (يو24:4) .

          ويقول الرب: ” ولكن قد أُخفى عن عينيك “. لأنهم لم يكونوا مستحقين أن يعرفوا أو بالأحرى أن يفهموا الكتب الموحى بها من الله، والتي تتكلم عن سر المسيح، لأن بولس يقول: ” فإذ لنا رجاء مثل هذا نستعمل مجاهرة كثيرة، وليس كما كان موسى يضع برقعًا على وجهه لكي لا ينظر بني إسرائيل إلى مجد وجهه الزائل، بل أُغلظت أذهانهم لأنه حتى اليوم ذلك البرقع نفسه عند قراءة العهد العتيق باق غير منكشف، لكن حينما يُقرأ موسى فالبرقع موضوع على قلوبهم، لأنه يُبطل في المسيح ” (2كو12:3ـ15) لكن بأي طريقة يُبطل البرقع في المسيح ؟ لأنه حيث إن المسيح هو الحقيقة، فإنه يجعل الظل يُبطل، ولكن بخصوص أن سر المسيح يُشار إليه بواسطة ظل الناموس، فإن المسيح يؤكد لنا ذلك بقوله لليهود: “ لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني أيضًا لأنه هو كتب عنى” (يو46:5) ولأنهم لم يفحصوا ظلال الناموس بعناية، لذلك فإنهم لم يروا الحقيقة . كما يخبرنا بولس المتعلم حقيقة في الناموس أن ” القساوة قد حصلت جزئيًا لإسرائيل ” (رو25:11)، أما القساوة فهي السبب المؤكد للجهل والظلمة؛ فالمسيح قال مرة: ” ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان ” (مت11:15) وفي ذلك الوقت، فإن الفريسيين لاموه على كلامه هكذا بخصوص كسر الناموس وطرح الوصية التي أعطاهم لها موسى[3]. ” وبعد ذلك تقدم التلاميذ وقالوا له أتعلم أن الفريسيين لما سمعوا القول نفروا ؟ فأجاب وقال لهم: كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يُقلع، اتركوهم هم عميان قادة عميان ” (مت12:15ـ14). لذلك فالغرس الذي لم يغرسه الآب يُقلع لأنه (الآب) يدعو الذين سيحسبون أهلاً لخلاصه إلى الاعتراف بالابن .

          أما حالة أولئك المؤمنون به فهي مختلفة تمامًا ، وكيف يمكن أن تكون بخلاف ذلك ؟ لأنهم كما يقول المرنم بخصوصهم: ” مغروسين في بيت الرب، ويزهرون في ديار إلهنا” (مز13:91س)، لأنهم أبناء الله وصنعته، كما تعلن الأسفار المقدسة ، لأنه قيل بفم داود: ” بنوك مثل غروس الزيتون الجدد حول مائدتك ” (مز3:127س) .

          أما الإسرائيليون وحتى قبل التجسد، فقد برهنوا أنهم غير جديرين بخلاص المسيح إذ رفضوا الشركة مع الله وأقاموا لأنفسهم آلهة كاذبة وذبحوا الأنبياء، مع أن الأنبياء حذروهم من أن يحيدوا عن الإله الحي، بل أن يتمسكوا بوصاياه المقدسة. أما هم فلم يقبلوا أن يفعلوا هكذا، بل أحزنوه بطرق كثيرة، وحتى حينما دعاهم إلى الخلاص (بعد ذلك).

          هذا يعلِّمه لنا المخلص نفسه بقوله: ” يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا ” (مت37:23). وها أنت ترى أنه أراد مرات كثيرة أن يسبغ عليهم رحمته، ولكنهم رفضوها، ولذلك فقد أُدينوا بحكم إلهي مقدس، واستُبعدوا عن أن يكونوا أعضاء في بيته الروحي. لأنه قال لشعب اليهود بواسطة أحد الأنبياء القديسين: ” أنا أشبه أمك (أورشليم) بالليل، شعبي هو مثل من ليس له معرفة، لأنك أنت رفضت المعرفة أرفضك أنا حتى لا تكهن لي، ولأنك نسيت شريعة إلهك أنسى أنا أيضًا بنيك ” (هو5:4،6س). لاحظوا أنه يقارن أورشليم بالليل، لأن ظلمة الجهل قد غطت قلب اليهود وأعمت عيونهم؛ ولهذا السبب سُلّموا إلى الهلاك والذبح، لأن إله الكل تكلم بفم حزقيال وقال: ” حي أنا يقول الرب، من أجل أنكِ قد نجستِ مقادسي بنجاستكِ ، سأرفضك أنا أيضًا، ولن تشفق عيني وأنا لا أعفو” (حز11:5س). وأيضًا ” الذين هم في الحقل يموتون بالسيف، والذين هم في المدينة يأكلهم الجوع والوبأ، والذين منهم ينفلتون سيخلصون، وسيكونون على الجبال كحمام الوديان ” (حز15:7، 16س). لأن إسرائيل لم يُستأصل من أصل جذوره، ولا من الجذع والفرع، لكن خلصت بقية، والتي منها كان بكورها وطليعتها الرسل المباركين الذين يقول حزقيال عنهم أنهم كانوا على الجبال كحمام الوديان (أي الذين يتأملون) لأنهم كانوا كسفراء في العالم كله مخبرين بسر المسيح، وكان عملهم هو التسبيح والترتيل، وكأنهم يهتفون عاليًا بالمزامير: “ لساني يلهج ببرك واليوم كله بتسبيحك ” (مز28:34س) .

          لذلك فالوسائل المؤدية لسلام أورشليم مع الله كانت مخفية عنها، ومن بين هذه الوسائل، بل أولها وأهمها هو الإيمان الذي يبرر الخاطئ، وهو الإيمان الذي يُوحِّد بالقداسة والتبرير أولئك الحاصلين عليه، بالله الكلى النقاوة .

          أما عن أن المدينة التي كانت سابقًا مقدسة وشهيرة، أي أورشليم، تسقط في ضيقات الحرب، فهذا يمكن أن نراه من التاريخ، بل إن إشعياء النبي يؤكد هذا لنا، حيث يهتف عاليًا إلى جموع اليهود ويقول : ” بلادكم خربة، مدنكم محرقة بالنار، أرضكم يأكلها الغرباء قدامكم وهي خربة كأنها انقلبت بواسطة أمم غريبة” (إش7:1س). كان هذا هو أجر الافتخار الباطل لليهود، وعقوبة عصيانهم، والعذاب الذي هو العقاب العادل لكبريائهم، أما نحن فقد ربحنا رجاء القديسين، ونحن في سعادة كاملة، لأننا أكرمنا المسيح بالإيمان، هذا الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين .

 

من عظة 132
لوقا45:19ـ48[4]

وَلَمَّا دَخَلَ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِيهِ قَائِلاً لَهُمْ: مَكْتُوبٌ: إِنَّ بَيْتِي بَيْتُ الصَّلاَةِ. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!. وَكَانَ يُعَلِّمُ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ، وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةُ مَعَ وُجُوهِ الشَّعْبِ يَطْلُبُونَ أَنْ يُهْلِكُوهُ، وَلَمْ يَجِدُوا مَا يَفْعَلُونَ، لأَنَّ الشَّعْبَ كُلَّهُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ يَسْمَعُ مِنْهُ.

 

          مكتوب أنه ” يوجد دائمًا نور للبار، أما نور الأشرار فينطفئ” (أم9:13 س)، لأن الله الآب يمنح نور المعرفة الحقيقية غير المنطفئ الخاص بالرؤيا الحقيقية لله لأولئك الذين يقبلون بر المسيح فهو يكشف لهم الابن، كما قال أيضًا المخلص نفسه فى موضع ما لليهود: ” لا تتذمروا فيما بينكم، لا يقدر أحد أن يقبل إلىَّ إن لم يجتذبه الآب الذى أرسلنى ” (يو43:6،44) لكنه ـ طبعًا ـ يجذب بالنور والمعرفة، وبرُبط المحبة (انظر هو4:11). أما بالنسبة لأولئك الذين لا تميل إرادتهم إليه، وعن شر يرفضون وصايا المسيح فحتى ذلك النور الذى لهم فى أذهانهم من وصية موسى، يتلاشى وينطفئ، وتغتصب ظلمة الجهل مكانه .

          أما كون هذا الأمر حقيقى، وأنه هو الوضع الحقيقى للحالة، فهذا ما يثبته لنا عمى اليهود. لأنهم كانوا فى ظلمة وغير قادرين على رؤية مجد الكلمة ـ الذي صار إنسانًا لأجلنا ـ رغم أنه كشف نفسه لهم بعمل معجزات كثيرة وبسلطان إلهى، وأحد الأمثلة على ذلك هو ما حدث فى الهيكل. فقد كان فى الهيكل جمع كثير من التجار وآخرون أيضًا من المُستعبدين لمحبة الربح القبيح وأعنى الصيارفة والعاملين على موائدهم، وبائعى الثيران وتجار الخراف وبائعى الحمام واليمام، وهذه كلها كانت تستخدم فى الذبائح بحسب المراسيم الشرعية. لكن قد آن الأوان لانتهاء الظل ولكى يلمع الحق، ويظهر الجمال البديع للطريق المسيحي، وأمجاد الحياة النقية، والرائحة العقلية الحلوة التى للعبادة بالروح والحق .

          ولهذا السبب فإن الحق ـ أى المسيح تصرف بمنتهى الصواب ـ إذ هو مُكرّم أيضًا مع أبيه فى هيكلهم ـ فأمر أن تُحمل تلك الأشياء ـ التى هى من الناموس، خارجًا، حتى ولو كانت تختص بالذبائح ومحرقة البخور، وأنه يجب أن يظهر الهيكل بوضوح أنه بيت للصلاة. فهذا بالتأكيد هو معنى انتهار (المسيح) للباعة وطردهم من الأروقة المقدسة حينما كانوا يبيعون ما كان لازمًا للذبائح. كما يلزمنا أن نلاحظ أن واحدًا آخر من الإنجيليين الأطهار يذكر أن الرب لم ينتهر الباعة بالكلام فقط بل وصنع أيضًا سوطًا من حبال وهددهم بالضربات (يو15:2). لأنه يليق بالذين أكرموا العبادة الشرعية أن يعرفوا بعد ظهور الحق، أنهم باحتفاظهم بروح العبودية وبرفضهم أن يصيروا أحرارًا، فإنهم يصيرون عُرضة لضربات ومعرضون للعذاب المرتبط بالعبودية، لذلك فإن مخلص ورب الكل أظهر مجده لمنفعتهم حتى يؤمنوا به، فبسبب أنه يملك سلطانًا على الهيكل فهو يعتنى به، وأيضًا يدعو الله أباه. وكما كتب ذلك الإنجيلى الآخر، فإنه قال للباعة: ” لا تجعلوا بيت أبى بيت تجارة ” (يو16:2). ومكتوب أيضًا ” بيتى بيت صلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص ” (مر17:11). لذلك كان من واجبهم، وأقول أيضًا: كان من واجبهم، بالأحرى أن يعبدوه على أنه هو مع الله الآب، رب الهيكل. ولكنهم فى حماقتهم العظيمة لم يفعلوا هذا بل إذ كانوا بالأحرى متلهفين للبغضة بطريقة وحشية، فإنهم أقاموا ضده شوكة الحسد الحادة وأسرعوا إلى القتل الذى هو قريب الحسد وشقيقه. لأنه (يقول) ” إنهم طلبوا أن يهلكوه ولم يجدوا ما يفعلون لأن الشعب كله كان متعلقًا به يسمع منه“. ألا يجعل هذا الكتبة والفريسيين وكل رؤساء اليهود يستحقون عقوبة ثقيلة جدًا؟ إن كل الشعب وهم غير متعلمين كانوا يتعلقون بالتعاليم المقدسة ويشربون كلمة الخلاص كالمطر، كما كانوا أيضًا مستعدين أن يثمروا ثمار الإيمان وأن يحنوا أعناقهم لوصاياه، أما الذين كانت وظيفتهم أن يستحثوا شعبهم على هذا الشيء عينه، فقد تمردوا بطريقة وحشية وبخبث يطلبون فرصة ليقتلوه، ويركضون على الصخور بعنف غير مكبوح، رافضين الإيمان به بل وبشّرٍ يمنعون الآخرين أيضًا عن الإيمان به…

          لقد آن الأوان لدعوة الناس إلى حياة أفضل من الحياة التى كانت تحت الظلال، وإلى نوال التبرير الحقيقى بالإيمان بالمسيح، الذي هو الحق … والذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين. آمين .

[1] ربما يقصد خراب أورشليم سنة 70م (المترجم).

[2] القداس الباسيلي، صلاة الصلح (المترجم) .

[3] بخصوص وصية إكرام الوالدين وتعدي اليهود لهذه الوصية بسبب تمسكهم بتقليد الشيوخ (مت1:15ـ9) (المترجم).

 4جزء من عظة 132 من تفسير القديس كيرلس الأسكندرى لإنجيل القديس لوقا.

 

دخول المسيح أورشليم – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

كتاب أناجيل دورة عيدي الصليب وأحد الشعانين – القس ببنودة السرياني

كتاب أناجيل دورة عيدي الصليب وأحد الشعانين – القس ببنودة السرياني

كتاب أناجيل دورة عيدي الصليب وأحد الشعانين – القس ببنودة السرياني

كتاب أناجيل دورة عيدي الصليب وأحد الشعانين – القس ببنودة السرياني

تحميل الكتاب PDF

كتاب احد الشعانين، صباحا ومساء، احداث، طقس، تفسير، تطبيق PDF القس بيشوي صدقي

كتاب احد الشعانين، صباحا ومساء، احداث، طقس، تفسير، تطبيق PDF القس بيشوي صدقي

كتاب احد الشعانين، صباحا ومساء، احداث، طقس، تفسير، تطبيق PDF القس بيشوي صدقي

كتاب احد الشعانين، صباحا ومساء، احداث، طقس، تفسير، تطبيق PDF القس بيشوي صدقي

تحميل الكتاب PDF

ما معنى احد الشعانين؟

ما معنى كلمة احد الشعانين؟

ما معنى كلمة احد الشعانين؟

ما معنى كلمة احد الشعانين؟

شعانين: كلمة عبرانية من (هوشعنا) أوصنا.. معناها يا رب خلص (مت 21: 9) ومنها أخذت لفظة أوصنا اليونانية (مت 21: 9) التي ترتلها الكنيسة في هذا العيد… وهو يأتي قبل الفصح بأسبوع وهو الأحد الأخير من الصوم واليوم الأول من أسبوع الآلام… وفيه يبارك الكاهن أغصان الشجر من الزيتون وسعف النخيل ويجرى الطواف بالبيعة بطريقة رمزية تذكارًا لدخول السيد المسيح الاحتفالي إلى أورشليم.

وذلك أن المسيح غادر بيت عنيا قبل الفصح بستة أيام وسار إلى الهيكل فكان الجمع الغفير من الشعب يفرشون ثيابهم أمامه وآخرون يقطعون أغصان الشجر ويطرحونها في طريقة احتفاء به وهم يصرخون (هوشعنا لابن داود مبارك الآتي باسم الرب هوشعنا في الأعالي (مت 21: 9).. وقد كانوا يدعون هذا اليوم قديمًا بأسماء مختلفة منها (أحد المستحقين) وهم طلاب العماد الذين عرفوا الدين المسيحي وأرادوا اعتناقه فكانوا يذهبون يوم سبت النور (سبت لعازر) طبقًا لاصطلاحات الكنيسة في أول عهدها..

كذلك كانوا يدعونه (أحد غسل الرأس) وهى عادة كانت لهم في ذلك الزمان إشارة للتطهير والستعداد لدخول الكنيسة… كذلك يدعونه (أحد الأغصان، أحد السعف، أحد أوصنا).

 

أحد الشعانين أو عيد الشعنينة هو الأحد السابع من الصوم الكبير والأخير قبل عيد الفصح (عيد القيامة) ويسمى الأسبوع الذي يبدأ به بأسبوع الآلام، وهو يوم ذكرى دخول يسوع إلى مدينة القدس، ويسمّى هذا اليوم أيضًا بأحد السعف أو الزيتونة لأن أهالي المدينة استقبلوه بالسعف والزيتون المزيّن فارشين ثيابهم وسعف النخيل وأغصان الزيتون أمامه، لذلك يعاد استخدام السعف والزينة في أغلب الكنائس للاحتفال بهذا اليوم. ويرمز سعف النخيل إلى النصر، أي أنهم استقبلوا يسوع منتصرًا مُحقّقا نبؤءة زكريا بصفته المسيح.[1]

يعطي المسيحيون حول العالم خاصةً مسيحيو القدس وغيرها من المدن في الأراضي المقدسة أهمية بالغة لأحد الشعانين كونه ذكرى دخول ملك السلام إلى القدس وحدثاً سابقاً لقيامة يسوع وبداية أسبوع الآلام.

أصل الكلمة

كلمة شعانين تأتي من الكلمة العبرانية “هو شيعه نان” والتي تعنى يا رب خلص. ومنها تشتق الكلمة اليونانية “أوصنا” وهي الكلمة التي استخدمت في الإنجيل من قبل الرسل والمبشريين. وهي أيضاً الكلمة التي استخدمها أهالي القدس عند استقبال المسيح في ذلك اليوم.[2]

الأصول الكتابية

رواية الإنجيل

دخل المسيح إلى القدس راكبًا على حمار تحقيقًا لنبؤة زكريا بن برخيا: «لا تخافي يا ابنة صهيون، فإن ملكك قادمٌ إليك راكبًا على جحشِ ابن أتان».[يو 12:14] وكان استعمال الحمير مقتصرًا في المجتمع اليهودي على طبقة الملوك وطبقة الكهنة، ما يشير إلى يسوع هو المسيح، إذ إن المسيح في العقيدة اليهودية هو نبي وكاهن وملك.[3] وقد يشير الحمار إلى السلام وذلك لأن الحصان عادةً ما يرمز للحرب بينما يرمز الحمار للسلام، وبذلك يكون هناك معنى تاريخي للقصة والذي حدث حقاً بحسب الأناجيل الأربعة، ومعنى ثانٍ رمزي يدل على دخول المسيح إلى القدس كملك للسلام.

استقبل يسوع سكان المدينة والوافدين إليها للاحتفال بعيد الفصح بسعف النخل،[يو 12:13] لتظلله من أشعة الشمس، كما أن سعف النخل علامة الانتصار.[4] وفرشوا ثيابهم على الأرض وأخذوا يهتفون، حسب رواية العهد الجديد: «هوشعنا! مبارك الآتي باسم الرب. هوشعنا في الأعالي!».[مر 11:9] وتعني هوشعنا حرفيًا خلصنا، ويشير باحثو الكتاب المقدس إلى معنى مركب من استخدام “هوشعنا”، فهي في مفهوم اليهود تشير إلى الخلاص من الاحتلال الروماني، ووفق المعاني الروحية والعقائد المسيحية تشير إلى الخلاص من الخطيئة، تحقيقًا لرسالة المسيح القائمة في سر الفداء.[5]

الاحتفال في الليتورجية وطقوس كنسية

المسيحية الشرقية

يعتبر أحد الشعانين أو دخول السيد إلى مدينة أورشليم بحسب الكنائس الأرثوذكسية أحد الأعياد الكبرى للسنة الليتورجية. أما اليوم الذي يسبق أحد الشعانين فهو سبت لعازر والذي يقوم فيه المؤمنون بتحضير سعف الشعانين عن طريق ربطها في الصلبان للتحضير ليوم الأحد.

في سبت لعازر، يتم ترتيل طروبارية لعازر وهي ترتيلة قصيرة والتي تتحدث عن إقامة لعازر من بين الأموات والتي تعتبر تحضيراً لقيامة المسيح من بين الأموات:

“أيُّها المَسيحُ الإِلهُ،

لَمَّا أَقَمتَ لَعازَرَ مِنْ بَينِ الأَمْواتِ

قَبلَ آلامِكَ، حَقَّقْتَ القِيامَةَ العَامَّةَ.

لِذلِكَ وَنَحنُ كالأَطْفالِ،

نَحمِلُ عَلاماتِ الغَلَبَةِ وَالظَّفَرِ

صَارِخِينَ نَحوَكَ، يا غالِبَ المَوتِ:

”أُوْصَنَّا في الأَعالي، مُبارَكٌ الآتي بِاسْمِ الرَّبّ“

من طقوس هذا اليوم أيضاً في الكنيسة الأرثوذكسية[؟] قراءة فصول من الأناجيل الأربعة في زوايا الكنيسة وأرجائها رمزًا للتبشير بالإنجيل في جميع أرجاء العالم.[6]

المسيحية الغربية

في كنيسة الروم الكاثوليك وبعض الكنائس الأخرى مثل الكنائس الإنجيلية واللوثرية، يتم تقديس سعف الشعانين عن طريق وضعهم في ماء مقدسة خارج مبنى الكنيسة في حدث يُدعى تقديس الشعانين.

مسيرة الشعانين في القدس

بالإضافة إلى الاحتفال المتعارف في الكنائس، يتم الاحتفال بأحد الشعانين بطريقة مميزة في القدس في فلسطين المحتلة بحيث يتم عمل مسيرة دينية تقليداً للأحداث المذكورة في الإنجيل، فيتم استخدام جحش واطلاق مسيرة دينية يتخللها التراتيل والصلوات من كنيسة بيت فاجي مروراً بجبل الزيتون ووصولاً إلى كنيسة القديسة حنة بالقرب من باب الأسباط.[7] 

تنتهي المسيرة من خلال صلاة في كنيسة القديسة حنة ثم تخرج فرق الكشافة من هناك وتجوب المدينة وصولاً إلى الباب الجديد في القدس ويشاهدها العديد من الناس احتفالاً بالمناسبة.[8] تتم هذه المسيرة الدينية في تمام الساعة الثانية والنصف ظهراً ويصل عدد المشاركين إلى حوالي 15,000 مسيحي من مختلف الطوائف والجنسيات خاصةً الفلسطينيين وسكان مدينة القدس بالإضافة إلى فرق الكشافة والكهنة.[7]

في عام 2020، لم يتم القيام بمسيرة الشعانين في القدس للمرة الأولى منذ سنوات عديدة وذلك بسبب حدوث جائحة كوفيد-19.[9][10]

طقوس اجتماعيّة

بلاد الشام والعراق

في الأردن ولبنان وعموم فلسطين وسوريا والعراق، يعتبر أحد الشعانين مناسبة خاصة ومناسبة عائليَّة. في هذا اليوم، يُحضر الأطفال الكنيسة مع فروع من أشجار الزيتون والنخيل. بعد القداس تقام مواكب وتطوافات ترافقها فرق الكشافة. ويتخلل هذا اليوم احتفالات اجتماعية واجتماعات عائلية.

يتم تجهيز باقة مزينة من الورود والزيتون والنخيل بالإضافة إلى رمز الصليب داخل تلك الباقة لكل طفل، بحيث يحمل الأطفال هذه الباقات ويطوفون فيها بعد القداس الإلهي في دورة تتلى فيها الصلوات والتراتيل. وبعد الدورة وانتهاء الصلاة، يقوم كشاف الكنيسة باستعراض احتفالي للتعبير عن الفرح بدخول السيد إلى القدس.

الهند

في ولاية كيرالا في جنوب الهند يعتبر أحد الشعانين من أهم الأيام المقدسة في تقويم مسيحيون مار توما، من العادات والتقاليد تناثر الزهور حول الهيكل خلال قراءة الإنجيل عند جملة: “هوشعنا في الأعالي مبارك الاتي باسم الرب ” حيث تتم قراءة هذه الكلمات ثلاث مرات. تقام تطوافات ومواكب بعد نهاية القداس، تتخله نثر الزهور ورش الماء. يعتبر أحد الشعانين مناسبة عائلية هامة بالنسبة لمسيحيون مار توما.

مصادر

  1. ^ الجزء الخاص بتعريف أحد الزعف نسخة محفوظة 11 يوليو 2017 على موقع واي باك مشين.
  2. ^ [1] أصل تسمية وكلمة شعانين نسخة محفوظة 11 يوليو 2017 على موقع واي باك مشين.
  3. ^ التفسير التطبيقي للعهد الجديد، مرجع سابق، ص.282
  4. ^ التفسير التطبيقي للعهد الجديد، مرجع سابق، ص.358
  5. ^ التفسير التطبيقي للعهد الجديد، مرجع سابق، ص.164
  6. ^ كتاب للبابا شنودة الثالث عشر عن أحد الشعانيين نسخة محفوظة 14 أغسطس 2017 على موقع واي باك مشين.
  7. ↑ تعدى إلى الأعلى ل:أ ب “بيت فاجي، حيث تبدأ مسيرة الشعانين”. www.terrasanctablog.org. مؤرشف من الأصل في 17 سبتمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 03 يناير 2021.
  8. ^ “الكنائس التي تسير حسب التقويم الغربي تحتفل بأحد الشعانين”. PNN. 2020-04-05. مؤرشف من الأصل في 25 سبتمبر 2020. اطلع عليه بتاريخ 04 يناير 2021.
  9. ^ “الكنائس التي تسير حسب التقويم الغربي تحتفل بأحد الشعانين”. PNN. 2020-04-05. مؤرشف من الأصل في 25 سبتمبر 2020. اطلع عليه بتاريخ 03 يناير 2021.
  10. ^ “إلغاء مسيرة أحد الشعانين بالقدس المحتلة بسبب فيروس “كورونا“. PNN. 2020-03-30. مؤرشف من الأصل في 27 أكتوبر 2020. اطلع عليه بتاريخ 03 يناير 2021.

 

فتاة مسيحية تتعرض لقص شعرها في مترو الأنفاق من إمراة منقبة

أيوة إحنا بنبوس بعض في الكنيسة! – كارولين كامل

قداس أحد الشعانين من الكاتدرائية المرقسية الكبرى – الاسكندرية بحضور البابا تواضروس الثاني

قداس أحد الشعانين من الكاتدرائية المرقسية الكبرى – الاسكندرية

قداس أحد الشعانين من الكاتدرائية المرقسية الكبرى – الاسكندرية
 

قداس أحد الشعانين من الكاتدرائية المرقسية الكبرى – الاسكندرية 

أحد الشعانين ( السعف ) – الأنبا بنيامين

أحد الشعانين ( السعف ) – الأنبا بنيامين

أحد الشعانين ( السعف ) – الأنبا بنيامين

أحد الشعانين ، هو عيد دخول السيد المسيح إلى أورشليم كحمل حقيقي تحت الحفظ من اليوم العاشر من نيسان إلى اليوم الرابع عشر حيث يذبح (مثلما كان يحدث مع خروف الفصح) وكلمة شعانين مأخوذة من كلمة هوشعنا أي خلصنا وهي كلمة عبرية يقابلها باليونانية أوصانا وكلها بمعنى خلصنا…

 

أسماء أخرى للعيد: أحد الأغصان أو أحد السعف أو أحد أوصانا حيث يطوفون البيعة وفي أيديهم أغصان السعف وأغصان الزيتون كما حدث في استقبال الرب لدخوله…

لماذا السعف؟ غشارة للنصرة كما ورد في (رؤ 7 : 9) حسبما رأى يوحنا الرائي المنتصرون…

لماذا أغصان الزيتون؟ غشارة للسلام والأمان والحياة الدائمة (مثلما حدث مع نوح)

 

مكانة أحد الشعانين في الكنيسة:

هو عيد سيدي كبير تحتفل به الكنيسة متذكرة هذا الحدث المهم الذي فيه تحققت النبوات وبدأت الأحداث الفعلية للخلاص الذي تم على الصليب… (1كو 5 : 7) “لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا”… فخروف الفصح كان مجرد رمزاً للمسيح.

وللعيد بعد تاريخي: إذ كان يسمى أحد المستحقين (للعماد) فيغسلون رؤوسهم للتطهير وكان يتم التنصير (المعمودية) في يوم سبت النور… وفي ذلك تحقيق لمعنى الخلاص. وهذا يدل على تدقيق الكنيسة في أسرارها لمن يستحق وليس لكل أحد…..

مع ملاحظة إرتباط هذا بأحداث (خميس العهد والجمعة العظيمة وأحد القيامة) ومعناها للخلاص.

تظهر قيمة العيد هذا في حضور الجميع بالكنيسة (يكتظ الكنيسة بعدد المصلين أكثر من أي يوم آخر)

 

أولاً: البعد اللاهوتي لـ أحد الشعانين:

من أحداث ذلك اليوم يظهر ما يدل على لاهوت السيد المسيح…

1)     معرفة السيد المسيح بالغيب: إذ هو الإله الحقيقي الذي يعرف المستقبل…

+ (مت 21 : 2 ، 3) ” إذهبا إلى القرية التي أمامكما فللوقت تجدان أتاناً مربوطاه وجحشاً معها فحلاها وإتياني بهما وإن قال لكما أحد شيئاً فقولا الرب محتاج إليهما فللوقت يرسلهما”… وقد تم كل ذلك.. مع ملاحظة تعبير (الرب) دلالة على لاهوته…

+ (لو 19 : 42 – 44) أعلن الرب ما سيحدث لأورشليم فقال (إنك لو علمت أنت أيضاً حتى في يومك هذا ما هو لسلامك ولكن الآن قد أُخْفِيَ عن عينيك فإنه ستأتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة ويهدمونك وبنيك فيك ولا يتركون فيك حجراً على حجر لأنك لم تعرفِ زمان إفتقادك”… وقد حدث كل ذلك على يد تيطس القائد الروماني سنة 70 ميلادية… أي بعد حديث الرب بحوالي 40 عاماً…

2)  تحقيق النبوات عن هذا اليوم: نبوة (زكريا 9 : 9) “ابتهجي جداً يا ابنة صهيون إهتفي يا بنت أورشليم هوذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وجحش ابن أتان”…

وكما ورد في (لو 19 : 45 ، 46) عن تطهير الهيكل وقول الرب للناس (ان بيتي بيت الصلاة وأنتم جعلتموه مغارة للصوص… نرى نبوة (إش 56 : 7) “آتي بهم إلى جبل قدسي وأخرجهم في بيت صلاتي وتكون محرقاتهم وذبائحهم مقبولة على مذبحي لأن بيتي بيت الصلاة يدعى لكل الشعوب”.. وهكذا في نبوة (إرميا 7 : 11) “هل صار هذا البيت الذي دعي اسمي عليه مغارة لصوص في أعينكم”. وكذلك ما ذكر في (يو 2 : 17) عن عبارة أنه مكتوب أن غيرة بيتك أكلتني…

3)  تطهير الهيكل: طرد الباعة والمشترين وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام مت 21 : 12 ولم يدع أحد يجتاز بمتاع (مر 11 : 16) وهذا سلطان غير عادي سأله الفريسيون عنه… وقد صنع الرب ذلك معلناً عن وجوده كذبيحة حقيقية فلماذا الرمز إذن؟!!!… كما قال أحد القديسين: إن طرد باعة الحمام يحمل عملاً رمزياً فقد جاء السيد المسيح فصحنا ليبذل نفسه فدية عنا لذا كان يجب إبطال الذبيحة الحيوانية الدموية فلا حاجة للبيع والشراء… وفي سؤال الفريسيين عن السلطان وإجابة الرب (مت 21 : 24 – 27) ما يؤكد أنه هو المخلص فقد شهدت السماء عنه من خلال معمودية يوحنا المعمدان ولم يستطيعوا انكار ذلك وهذا دليل آخر على لاهوت السيد المسيح…

4)  حديث الرب عن نفسه: بيتي بيت الصلاة يدعى – من أفواه الأطفال والرضعان هيأت تسبيحاً – مملكتي ليست من هذا العالم (يو 18 : 26)… ان سكن هؤلاء لنطقت الحجارة (مت 21 : 16)…

5)  كذلك شهادة الأطفال والرسل والناس: أوصانا لابن داود – أوزصانا في الأعالي – مبارك هو الآتي باسم الرب – مباركة هي مملكة داود أبينا – (مت 21 : 9)

6)  شهادة من خلال طقس اليوم: إذ نقرأ البشائر الأربعة في أركان الكنيسة الأربعة شهادة أن ذبيحة المسيح كافية للعالم كله وأن الكرازة بالإنجيل وبالخلاص للعالم كله… وكفاية الذبيحة إشارة إلى لاهوت المسيح… (ملاحظة بناء القبة على 4 عمدان ورسم الأربع مخلوقات غير المتجسدين على أركان القبة بطريقة فيها ترتيب عكس اتجاه عقارب الساعة ومدلول ذلك لاهوتياً”…

 

ثانيا: البعد الروحي لـ أحد الشعانين:

المعنى الانتصاري للعيد في دخول الرب ليحقق النصرة على الموت وعلى الخطية… وهذا هو مفهوم الخلاص الذي ذُبح الرب من أجله… لذلك في التسابيح يذكرون مملكة داود لأنه رمز للسيد المسيح حين انتصر على الشيطان (جليات)… ويعلق ق. أغسطينوس على لو 19 : 10 قائلاً عن لأن إبن الإنسان قد جاء ليطلب ويخلص ما قد هلك لقد جاء الرب يبحث عن المفقودين الذين اختفوا بين الأشواك وتشتتوا بين الذئاب لذلك حمل الأشواك في جبينه فخلصهم منها بذبحه لأجلهم…

والمعنى الثاني : التسبيح : دليل الفرح الحقيقي الذي ينتج عن الخلاص… ويقول الأنبا موسى: لا يقدر على التسبيح إلا مت تمتع بالخلاص والحياة الأبدية… أما من دخلوا في مملكة إبليس فلا يقدرون على التسبيح بل يرفضونه… ليس في الجحيم من يشكرك ولا في الهابطين إلى الجب… أما نحن الأحياء فنباركك إلى الأبد..

فكرة التطهير:التطهير من الخطية والشكلية والعبودية المرة للشر… يقول ق. امبروسيوس الله لا يريد أن يكون هيكله موضعاً للتجارة لأن هيكله مقدس مؤكداً على خدمة الكهنوت أنها لا تتم بالاتجار بالدين بل بالبذل الإرادي مجاناً… فالتجارة تشير إلى روح العالم (مغارة لصوص) والتطهير يتم بالتوبة والاعتراف والحل والتناول (الحياة السرائرية) بالمسيح من خلال خدمة الكهنوت… والتطهير له بعد الصلوات والعبادات لتقديس الهيكل وبالصوم كذلك.

 

ثالثاً: البعد الرعوي لـ أحد الشعانين:

صورة الرب وسط تلاميذه والجموع (الفرحين به كمخلص) هي صورة للرعاية من خلال عمل المسيح الخلاصي لكل من يؤمن به ويحيا معه من خلال الأسرار فقد جاء الرب ليعيد ملكية الله على الإنسان… وينقذ مملكته من يد الشيطان… إنها صورة الخدمة في كل الأجيال وهدف الرعاية السامي جداً… وبركات الرعاية في الآتي:

فرش القمصان: يشير لخلع المظاهر الخارجية لتكون الحياة مع الله من الأعماق… مو 129 : 1 ، 2 كو 10 : 5 مستأثرين كل فكر لطاعة المسيح ، مز 119 لصقت بالتراب نفسي…

مسك الأغصان: للإعلان عن الداخل الحي الأبيض النقي الدائمة الحياة من الرب… ودلي الإثمار الحقيقي نتيجة عمل الروح القدس في الداخل (غلا 5) ثمر الروح…

إرتجاج المدينة: إحساساً بقوة المخلص الذي ملك على خشبة منتصراً على الموت…

مظاهر هذه القوة: هدم الشر مثل الهرطقات والنجاسات كما رأينا في سير القديسين الذين سلكوا في العفة… النصرة على الخيانة… (ممثلة في يهوذا ورؤساء الكهنة والفريسيون)… والخيانة سمة في مملكة الشيطان… لقد بكى الرب (كأمانه) على أورشليم (التي خانته)… النفوس الأمينة تنتصر على الخوف (مثل ساكبة الطيب على تذمر يهوذا) (إنجيل عشية أحد الشعانين).

 

رابعا: البعد الطقسي لـ أحد الشعانين:

يتميز هذا العيد بعدة أمور:

  1. اللحن الشعانيني: الذي يحمل روح التهليل والفرح في كمال صورته (لحن افلوجي مينوس)
  2. دورة الشعانين: والتي تشمل: باب الهيكل الكبير – أيقونات العذراء – البشارة – الملاك ميخائيل – مارمرقس – مارجرجس – شفيع الكنيسة – الأنبا أنطونيوس – الباب البحري – اللقان – الباب القبلي – يوحنا المعمدان… (12 صلاة وإنجيل) إرتباط دور الشعانين: بالخلاص – بالألم – بالعمل الخدمي والشركة مع الله في العمل – الحياة الأبدية (الأبواب إشارة لأبواب أورشليم السمائية). والاتجاه في الزفة (عكس عقارب الساعة)…
  3. تلاوة الفصول الأربعة من البشاير الخاصة بالشعانين: (مت 21 : 1 – 17 ، مر 11 : 1 – 11 ، لو 19 : 29 – 46 ، يو 12 : 12 – 23)… مما يدل على أهمية حدث يوم الشعانين…
  4. الجناز العام: وفكرته انشغال الكنيسة بآلام المسيح.

 

طقس أحد الشعانين:

العشية: إبصالية خاصة بالعيد من النوع الذي له 3 طرق فقط (سنوي – كيهكي – الفرايحي) مما يدل على ارتباط كيهك بالشعانين (الولادة أو التجسد لأجل اتمام الفداء ودخول أورشليم) فيها الربط بين بداية الخلاص بالتجسد وبدايته بدخول أورشليم…

والشيرات بالطريقة الشعانيني… وبداية العشية حيث الصلاة بالطريقة الفرايحي (الفرح بالخلاص) الشكر – أرباع الناقوس – أوشية الراقدين – الذكصولوجيات – إفنوتي ناي نان – أوشية الإنجيل ثم المزمور والإنجيل – ثم الأواشي – ثم التحاليل – ويلاحظ بعد افنوتي ناي نان يرتل الشعب كيرياليسون باللحن الكبير 3 مرات ثم بلحن افلوجي مينوس حتى صورة الشعانين وليس زفة كاملة ثم الطرح بلحنه ثم تكملة العشية كما ذكرنا… (ويقال لحن راشي أونوف سيون ثي فاكي) وترجمتها (إفرحي وتهللي يا ابنه صهيون – يا صهيون المدينة) في الختام ثم البركة والانصراف…

في تسبحة نصف الليل: توجد 3 ذكصولوجيات، ابصالية أيكوتي تقال باللحن الفرايحي ويقال الطرح (بكتاب دلال اسبوع الآلام)، اللحن الشعانيني لكل من يتأثر به في التسبحة.

في باكر: يصلى بالطريقة الفرايحي – إفنوتي ناي نان بصليب كبير بالسعف وكيرياليسون الطويلة -ثم دورة الشعانين كما ذكرنا- والدورة تشير على موكب المنتصرين في الأبدية… وفيه تنفيذ لدخول الرب أورشليم كتذكار لهم… ثم تكمل صلوات رفع بخور باكر…

في القداس الإلهي: تصلي الساعة الثالثة والسادسة – يقدم الحمل – لحن ني سافيف تيرو – طاي شوري – الهيتينيات – وبعد الإبركسيس يقال لحن افلوجي مينوس – أوشية الإنجيل فالمزمور بالحن السنجاري وإنجيل متى ومرقس ولوقا – ثم أوشية الإنجيل ثانية ثم مزمور وإنجيل يوحنا الحبيب.. ويكمل القداس ويصلى المزمور 150 باللحن الشعانيني… ثم صلاة الجناز العام…

 

الجناز العام: بعد التوزيع لا يرش الماء ولكن يصرف ملاك الذبيحة فقط….

مقدمة البولس (إزفيتي أناستاسيس) ثم قراءة البولس ثم أوشية الإنجيل ثم المزمور والإنجيل والثلاث أواشي الكبار ثم قانون الإيمان ثم أوشية الراقدين وأبانا الذي ثم التحاليل الثلاثة ثم قانون اسبوع الآلام في الختام ثم البركة والانصراف لتبدأ البصخة…

في مساء اليوم… يرش الماء المصلى عليه صلوات الجناز العام للشعب وليس للسعف…

 

قراءات أحد الشعانين:

 العشية : (مز 88 : 26 ، 27) (مبارك الآتي باسم الرب باركناكم من بيت الرب رتبوا عيداً في الواصلين إلى قرون المذبح)… وفي هذا إشارة لبيت عنيا التي بقرب أورشليم وسماها قرون المذبح (الذبيحة)… (الإنجيل يو 12 : 1 – 11) سكب مريم الطيب على السيد المسيح وتذمر يهوذا الخائن)

باكر: (مزمور 68 : 19 ، 25) (مبارك الرب الإله – مبارك الرب يوماً فيوماً – إله اسرائل هو يعطي قوة وعزاءاً لشعبه – مبارك هو الله)… يتضح نداءات الناس أمام خروف الفصح – البركة – قوة وعزاءً).

الإنجيل (لو 19 : 1 – 10) (لقاء المسيح مع زكا عند الجميزة التي تشير للصليب) حدث خلاص لهذا البيت.

 

القداس: مزمور الأناجيل الثلاثة: (مز 81 : 1 ، 2 ، 3) (بوقوا في رأس الشهر بالبوق – وفوا عيدكم المشهور – ابتهجوا بالله معيننا – هللوا لإله يعقوب – خذوا مزماراً واضربوا دفاً – مزماراً مطراً مع قيثار)

الأناجيل: مت 21 : 1 – 17 ، مر 11 : 1 – 11 ، لو 19 : 29 – 48 (أجداث الدخول لأورشليم)… ويلاحظ هتاف الجماهير: أوصانا لابن داود – مبارك الآتي باسم الرب ، أوصانا في الأعالي – مباركة مملكة أبينا داود الآتية باسم الرب، سلام في السماء ومجد على الأرض)…

مزمور الإنجيل الرابع: (مزمور 65 : 1 ، 2) (لله ينبغي التسبيح يا الله في صهيون – ولك نوفي النذور في أورشليم – استمع يا الله صلاتي لأنه إليك يأتي كل بشر)

الإنجيل: (يو 12 : 12 – 19) (وهو الإنجيل الوحيد الذي ذكر الأتان والجحش إبن أتان كرمز لليهود والأمم… انه شمولية الخلاص المقدم للجميع)…

الرسائل:

البولس: (1 كو 15 : 1 – 27) (عب 9 : 11 – 28) يتكلم عن الخلاص بدم المسيح وليس بدم تيوس وعجول بسبب القيامة – فالذبيحة الحقيقية مرتبطة بقوة القيامة وليس بمجرد سفك الدم فقط والموت…

الكاثوليكون: (1 بط 4 : 1 – 11) (الخدمة كوكلاء صالحين على نعمة الله – فالمسيح مصدر الخلاص ونحن خدامه. فإذ قد تألم المسيح بالجسد فلنتسلح بهذه الآلام فنستحق عمل النعمة ونخدم بها كوكلاء صالحين)

الابركسيس: (أع 28 : 11 – 31) (وهنا يقدم الفارق بين قساوة الشعب الرافضين لخلاص المسيح طمسوا عيونهم وأصموا أذانهم لئلا يبصروا ويسمعوا فيرجعوا وأشفيهم يقول الرب)

وهكذا تقدم القراءات وصفاً تفصيلياً لتسابيح الفرحين ورفض الآخرين الخلاص في دخول الرب لأورشليم…

صلاة الجناز العام: البولس : (1 كو 15 : 1 – 27) القيامة ، المزمور (65 : 1 ، 4) (طوبى لمن اخترتخ وقبلته ليسكن في ديارك إلى الأبد – ستشبع من خيرات بيتكقدوس هو هيكلك وعجيب بالبر) مختلف عن الجنازات العادية.

الإنجيل: (يو 5 : 19 – 29) ارتباط القيامة بالدينونة (وهذا تحذير وجب التنبيه إليه)

مجمل قراءات اليوم كحدث هو (الخلاص الذي قدمه الرب مبتدئاً بدخوله أورشليم) وفرح الأبرار به ورفض الأشرار له… وكأنها دينونة مبكرة…

الذي يحتفل بأحد الشعانين يُقبض عليه !

الذي يحتفل بأحد الشعانين يُقبض عليه !

الذي يحتفل بأحد الشعانين يُقبض عليه
قد تتعجب وتندهش عزيزي القارئ من عنوان الموضوع!، ما الجرم الذي اقترفه المسيحي عند إحتفاله وممارسته شعائره الدينية التي لا يوجد فيها أي شيء يدعو إلى الكراهية أو العنف ! فقط سَعف النخل، إذا جاء في يد المسيحي صار جريمة .. هكذا كان الحال في عصر الحاكم أبو علي منصور بن العزيزي بالله ولنقرأ هذا الكلام من كتاب المواعظ والإعتبار بذكر الخطط والآثار للمؤرخ المقريزي
الذي يحتفل بأحد الشعانين يُقبض عليه


عيد الزيتونة: ويعرف عندهم بعيد الشعانين، ومعناه التسبيح، ويكون في سابع أحد من صومهم، ونتهم في عيد الشعانين أن يخرجوا سعف النخل من لكنيسة، ويرون أنه يوم ركوب المسيح العنو ( وهو الحمار في القدس ) ودخوله صهيون وهو راكب ، والناس بين يديه يسبحون، وهو يأمر بالمعروف، ويحث على عمل الخير، وينهى عن المنكر ويباعد عنه.
وكان عيد الشعانين من مواسم النصارى بمصر التي تزين فيها كنائسهم فلما كان لعشر خلون من شهر رجب، ستة ثمان وسبعين وثلاثائة، كان عيد الشعانين، فمنع الحاكم ببأمر الله، أبو علي منصور بن العزيزي بالله، النصارى من تزيين كنائسهم وحملهم الخوص على ما كانت عادتهم، وقبض على عدة مممن وجد معه شيئًا من ذلك، وأمر بالقبض على ما هو محبس على الكنائس في الأملاك، وأدخلها الديوان، وكتب لسائر الأعمال بذلك، وأحرقت عدة من صلبانهم على باب الجامع العتيق والشرطة.
 


الذي يحتفل بأحد الشعانين يُقبض عليه


والمُلاحظ من الكلام أن هذه الطقوس لم يكن المسيحيون يمارسونها داخل الكنائس فقط بل خارج الكنيسة إذ يزينون بالأغصان الكنائس .. 

كُل عام وأنتم بخير 

Exit mobile version