صوم المسيح – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

صوم المسيح – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

صوم المسيح – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

 

 

صوم المسيح

وتجربته فى البرية

(أحد التجربة: الأحد الثانى من الصوم الكبير)

 

للقديس كيرلس الأسكندرى

 

صوم المسيح وتجربته فى البرية[1]

 

للقديس كيرلس الأسكندرى

 

لوقا4: 1و2: ” أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس. وكان يُقتاد بالروح فى البرية. أربعين يومًا يُجرب من إبليس. ولم يأكل شيئًا فى تلك الأيام. ولما تمت جاع أخيرًا ” .

 

          حينما يتكلم الأنبياء المباركون عن كلمة الله الوحيد ـ الذى هو مساوٍ لله فى المجد، وشريك عرشه، الذى يضيء معه بمساواة كاملة ـ فإنهم أى الأنبياء يقودوننا إلى الاقتناع أنه أُظهر كمخلَّص ومحرَّر لأولئك الذين على الأرض، وذلك بقولهم: “قم يارب، أعنى” (مز26:44). لذلك قام وأعان، وذلك باتخاذه صورة عبد، إذ قد صار فى شبه الناس، فإنه كواحد منا قد أقام نفسه كمنتقم بدلاً منا، منتقم من تلك الحية القاتلة والمتمردة، التى أدخلت الخطية إلينا. وبذلك جعلت الفساد والموت يملكان الأرض، لكى بواسطة المسيح وفيه نحصل على النصرة بينما كنا فى القديم مهزومين وساقطين فى آدم.

          لذلك تعالوا بنا لنسبح الرب ونرتل مزامير لله مخلصنا، هلموا لندوس الشيطان تحت أقدامنا، لنرفع صوت النصر على الذى هو الآن مطروح وساقط، هيا لنرتفع فوق الزحاف الخبيث الذى أُمسك فى فخ لا فكاك منه، ولنقل عنه نحن أيضًا بكلمات إرميا النبى: ” كيف كسرت مطرقة الأرض كلها وضربت فقد وُجدت وأُخذت، لأنك وقفت ضد الرب” (إر23:1س). لأنه منذ القدم، أى قبل زمن مجيء المسيح مخلص الكل، فإن عدو الجميع كانت له تصورات كبيرة ومخيفة عن نفسه. لأنه كان يفتخر متعظمًا على ضعف سكان الأرض قائلاً: ” سأمسك العالم فى يدى كعش وكبيض مهجور آخذه، ولن يهرب أحد منى أو يتكلم ضدى” (إش14:10س). وفى الحقيقة لم يكن أحد من أولئك الذين على الأرض يستطيع أن يقوم ضد قوته، ولكن الابن قام ضده وتصارع معه إذ قد صار مثلنا. لذلك كما قلت فإن الطبيعة البشرية بسبب انتصارها في المسيح تربح الإكليل. وهذا ما أنبأ به الابن نفسه فى الزمن القديم حينما خاطب الشيطان بواسطة أحد الأنبياء القديسين هكذا ” هاأنذا عليك أيها الجبل المهلك ـ الملك كل الأرض ” (إر25:51).

          تعالوا إذن وهيا بنا لنرى ماذا يقول الإنجيلي المبارك، حينما كان المسيح ذاهبًا ليحارب لحسابنا ضد ذلك  الذى أهلك الأرض كلها:      ” أما يسوع فرجع ممتلئًا من الروح القدس“. انظروا هنا، أرجوكم، طبيعة الإنسان ممسوحة بنعمة الروح القدس فى المسيح كباكورة، ومتوجة بأعلى الكرامات. لأنه منذ القديم قد وعد إله الكل قائلاً:    ” ويكون فى تلك الأيام إنى سأسكب من روحى على كل جسد” (يؤ28:2). وقد تحقق الوعد لأجلنا فى المسيح أولاً. وبينما يقول الله عن أولئك الذين فى القديم، الذين استسلموا لشهوة الجسد بلا ضوابط،  ” لا يسكن روحى فى هؤلاء الناس لأنهم جسد ” (تك3:4س). أما الآن فلأن كل الأشياء قد صارت جديدة فى المسيح وقد اغتنينا بالميلاد الجديد الذى بواسطة الماء والروح ـ لأننا لم نعد أولاد اللحم والدم، بل بالحرى ندعو الله أبًا لنا ـ لذلك إذ صرنا الآن فى كرامة بحق، وإذ نمتلك امتياز التبنى المجيد، فقد صرنا شركاء الطبيعة الإلهية بواسطة حصولنا على الروح القدس. ولكن الذى هو البكر فى وسطنا، حينما صار هكذا بكرًا بين اخوة كثيرين وأعطى نفسه للإخلاء فإنه كان أول من حصل على الروح، رغم أنه هو نفسه معطى الروح، لكى تصل إلينا بواسطته هذه الكرامة ونعمة الشركة مع الروح القدس. والرسول بولس يعلمنا مثل هذا حينما يتحدث عنه وعنا ويقول ” لأن المقدس والمقدَسين جميعهم من واحد، فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم اخوة قائلاً: أخبر باسمك اخوتى” (عب11:2 ،12). ولأنه لم يستحِ بالمرة أن يدعونا اخوة نحن الذين أخذ شكلنا لذلك إذ قد نقل فقرنا إلى نفسه، فإنه يتقدس معنا رغم أنه هو نفسه مقدِّس الخليقة كلها. وذلك لكى لا تراه أنت رافضًا لمستوى الطبيعة البشرية، هو الذى رضى من أجل خلاص وحياة الكل أن يصير إنسانًا.

          لذلك، حينما يقول الإنجيلى الحكيم عنه ” أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح“، فلا تعثروا ولا تخطئوا فى أفكاركم الداخلية وتحيدوا عن تعليم الحق، فيما يخص الطريقة والكيفية التى بها تقدس الكلمة ذلك الذى هو الله، بل بالحرى افهموا حكمة التدبير التى بسببها، صار هو موضوع إعجابنا. لأنه قد صار جسدًا وأصبح إنسانًا، لا لكى يتحاشى كل ما يختص بحالة الإنسان ويحتقر فقرنا، بل لكى ما نغتنى نحن بما هو له، وذلك بأنه قد صار مثلنا فى كل شئ ما خلا الخطية. لذلك فهو يتقدَّس كإنسان، ولكنه يُقَدِّس كإله، لأنه إذ هو بالطبيعة إله صار إنسانًا. لذلك يقول الإنجيلى: “وكان يُقتاد بالروح فى البرية أربعين يومًا يُجرب من إبليس“. فما هو إذن معنى كلمة “يُقتاد”؟ إنها لا تعنى توصيله إلى هناك. لأننا نحن أنفسنا أيضًا اعتدنا أن نقول عن أى واحد يحيا بالتقوى، إن فلانًا أو فلانًا أيًا كان الشخص إنما يحيا حياة صالحة. ونحن نعطى لقب مربى لا لنشير به بحسب معناه الحرفى إلى أولئك الذين يقودون الأطفال فعلاً، بل نعنى أنهم يعتنون بهم ويدربونهم بطريقة حسنة جديرة بالثناء، مربين إياهم ومعلمين لهم أن يسلكوا بطريقة لائقة.

          إذن فهو قد أقام فى البرية بالروح، أى روحيًا، فإنه صام، ولم يمنح أى طعام إطلاقًا لحاجات الجسد. ولكنى أتخيل أن البعض قد يعترضون على هذا قائلين:

          وما هو الضرر الذى يلحق يسوع من الإقامة الدائمة فى المدن؟ وما هو الذى يفيده حتى يختار الإقامة فى البرية؟ فليس هناك شئ حسن يحتاج إليه. وأيضًا لماذا هو يصوم؟ وما الذى كان يلزمه لكى يتعب وهو الذى لا يعرف أى إحساس بتحرك أى رغبة منحرفة؟ فنحن نمارس الصوم كوسيلة نافعة جدًا لكي نميت اللذات بواسطته ونقاوم قانون الخطية الذى فى أعضائنا، ونقتلع تلك العواطف التى تؤدى إلى الشهوة الجسدية. أما المسيح فأى حاجة له إلى الصوم؟ فهو الذى بواسطته يبيد الآب الخطية فى الجسد. وبولس الإلهى إذ عرف هذا كتب: ” لأن الناموس فيما كان عاجزًا عنه بسبب ضعفه بواسطة الجسد فإن الله إذ أرسل ابنه فى شبه جسد الخطية ولأجل الخطية، دان الخطية فى الجسد لكى يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح ” (رو3:8و4). لذلك فهو الذى يميت حركات الجسد فينا نحن أنفسنا الكائنات البائسة، وقد أباد الخطية، فأى صوم يمكن أن يحتاجه فيما يخصه هو نفسه؟ إنه قدوس وغير مدنّس بالطبيعة، وهو نقى تمامًا وبلا عيب. وهو لا يمكن أن يحدث له ولا ظل تغيير. فلماذا إذن جعل إقامته فى البرية وصام وجُرِّبَ ؟

          يا أحبائى إن المسيح كمثال لنا يهتم بنا، فهو يضع أعماله أمامنا كنموذج لنا، ويؤسس مثالاً للحياة الفضلى والعجيبة التى يمكن أن تُمارس فى وسطنا، وأنا أعنى حياة الرهبان القديسين. لأنه منذ متى كان ممكنًا للناس على الأرض أن يعرفوا أن عادة السكن فى الصحارى هى نافعة لهم ومفيدة جدًا للخلاص؟ لأنهم يعتزلون من أمام الأمواج والعواصف ومن الاضطراب الشديد وارتباكات هذا العالم الباطلة، وهكذا كما لو كانوا مثل يوسف المبارك، فإنهم يتجردون ويتركون للعالم كل ما هو خاص به. وبولس الحكيم يقول شئ مثل هذا أيضًا عن أولئك الذين يريدون أن يعيشوا هكذا: “ ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات ” (غل24:5). وهو يبين لأولئك الذين يختارون هذه الطريقة للحياة أن الإمساك ضرورى، الذى ثمرته الصوم وقوة الاحتمال، والإمساك عن الطعام أو أخذ القليل منه. فإنه عندئذ حينما يجربهم الشيطان فإنه سينهزم.

          لاحظوا هذا بنوع خاص أن الرب اعتمد أولاً وامتلأ من الروح القدس، وبعد ذلك ذهب إلى البرية، ومارس الإمساك، أى الصوم كما لو كان سلاحًا له. وهكذا إذ كان مستعدًا فحينما اقترب منه الشيطان انتصر عليه، وبذلك فقد وضع نفسه أمامنا كنموذج.

          فأنت، لذلك ينبغى أيضًا أن تلبس سلاح الله، وترس الإيمان، وخوذة الخلاص. ينبغى أولاً أن تلبس قوة من الأعالى، أى ينبغى أن تصير مشتركًا فى الروح القدس بواسطة المعمودية الثمينة، وحينئذ يمكن أن تسلك الحياة المحبوبة والمكرمة لدى الله، وحينئذ يمكنك ـ بشجاعة روحية ـ أن تسكن فى الصحارى، وحينئذ تحفظ الصوم المقدس وتميت الأهواء وتهزم الشيطان حينما يجربك. لذلك، فإننا فى المسيح قد حصلنا على كل الأشياء.

          ياللعجب فإنه يظهر بين المصارعين وهو نفسه كإله يمنح الجائزة، يظهر بين أولئك الذين يلبسون إكليل النصر، وهو الذى يكلل هامات القديسين، لذلك فلننظر ولنلاحظ مهارته فى مصارعته وكيف هزم خبث الشيطان وشره. فحينما قضى أربعين يومًا صائمًا فإنه جاع أخيرًا ولكنه هو نفسه يعطى الجياع طعاما؛ وهو نفسه الخبز النازل من السماء الواهب حياة للعالم وهو الذى به تقوم كل الأشياء. ولكن من الجهة الأخرى، بسبب أنه كان من الضرورى لذاك الذى لم يرفض فقرنا، أن لا ينسحب من أى شئ يخص حالة الإنسان، لذلك فقد وافق أن يحتاج للمؤونة الطبيعية. وهذا هو سبب القول ” إنه جاع “. ولكنه مع ذلك لم يجع إلاّ بعد أن صام مدة كافية، وبقوته الإلهية قد حفظ جسده من الخوار، رغم امتناعه عن الطعام والشراب، لكى يسمح لجسده أن يشعر بالإحساسات الطبيعية كما هو مكتوب: ” إنه جاع“. ولأى سبب هذا؟ لكى بمهارة بواسطة الاثنين[2]، فإن ذلك الذى هو إله وإنسان معًا فى نفس الوقت يمكن أن يُعرف بهاتين الصفتين فى نفس الشخص الواحد: أى أعلى منا بطبيعته الإلهية، ومساوٍ لنا فى بشريته.

 

تجربة الخبز :

لوقا4:4  ” وقال إبليس: إن كنت ابن الله فقل لهذا الحجر أن يصير خبزًا ” .

          حينئذٍ يقترب الشيطان لكى يجربه، متوقعًا أن إحساس الجوع سيساعده فى خطته الخبيثة: فإن الشيطان كثيرًا ما ينتصر علينا باتخاذه ضعفاتنا كمساعد لمكائده ومغامراته. لقد تصور الشيطان أن الرب يسوع سيقفز حالاً نحو الرغبة فى رؤية الخبز جاهزًا للأكل، ولذلك قال: ” إن كنت ابن الله، فقل لهذا الحجر أن يصير خبزًا“. إذن فهو يقترب منه، كإنسان عادى وكواحد من القديسين: ومع ذلك فهو لا يزال متشككًا فى أمره، إنه ربما يكون هو المسيح. فبأى طريقة أراد أن يعرف هذا؟ لقد اعتبر الشيطان أن تغيير طبيعة شئ إلى طبيعة أخرى إنما هو فعل قوة إلهية وعملها، لأن الله هو الذى يصنع هذه الأشياء وهو الذى يحوّلها. لذلك، قال فى نفسه إن فعل هذا، فإنه يكون هو بالتأكيد ذلك الشخص المنتظر الذى سيبطل قوتى، ولكن إن رفض أن يعمل هذا التغيير، فإنى بذلك أتعامل مع إنسان وأطرح الخوف بعيدًا، وأنجو من الخطر. لذلك فإن المسيح، لمعرفته بحيلة الشيطان، فإنه رفض أن يحوّل الحجر خبزًا، كما أنه لم يقل إنه غير قادر أو غير راغب أن يعمل هذا التغيير، بل بالحرى يصده بسبب إلحاحه وتداخله فيما ليس له، قائلاً: ” إن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده“، وهو يعنى بهذا، أنه إن أعطى الله قوة للإنسان، فإنه يمكن أن يصمد بدون طعام، ويحيا مثل موسى وإيليا اللذان بقوة كلمة الرب صرفا أربعين يومًا دون أن يأكلا شيئًا، لذلك، فإذا كان ممكنًا للإنسان أن يحيا بدون خبز، فلماذا أحوّل الحجر خبزًا؟ ولكن الرب تعمَّد ألاّ يقول، إنى لا أستطيع وذلك لكى لا ينكر قوته الخاصة، كما أنه لم يقل، إنى أستطيع لئلا عندما يعرف المجرب بذلك إنه هو الله الذى عنده وحده كل شئ مستطاع، فإنه يتركه ويهرب.

          وأرجوكم أن تلاحظوا، كيف أن طبيعة الإنسان فى المسيح هى حرة من أخطاء شراهة آدم، فعن طريق الأكل انهزمنا فى آدم وبواسطة الصوم انتصرنا فى المسيح.

          بواسطة الطعام الذى يخرج من الأرض، يتقوى جسدنا الأرضى، ويسعى إلى الحصول على غذائه مما هو مجانس له، أما النفس العاقلة فإنها تتغذى وتنمو إلى الصحة الروحانية بواسطة كلمة الله. لأن الطعام الذى تقدمه الأرض يغذى الجسد الذى هو قريب لها، أما الطعام الذى من فوق ومن السماء فيقوى الروح ويشددها. طعام النفس هو الكلمة الآتية من الله، أى الخبز الروحانى الذى يقوى قلب الإنسان كما يُرنم فى كتاب المزمور. وإننا نؤكد أن طبيعة خبز الملائكة القديسين هى أيضًا الكلمة الإلهية.

 

تجربة ممالك العالم:

لوقا5:4 ” ثم أصعده إبليس إلى جبل عال وأراه جميع ممالك العالم فى لحظة من الزمان ” .

          وأنت أيها الكائن الخبيث الشرير الملعون، كيف تتجاسر أن تُرى الرب ممالك الخليقة كلها وتقول: ” إنها لى؟ فإن سجدت أمامى سأعطيها لك“. فكيف تعد بشيء ليس هو لك؟ من جعلك وارثًا لمملكة الله؟ من جعلك سيدًا على كل ما تحت السماء؟ إنك حصلت على هذه الأشياء بالخداع والاحتيال، لذلك إرجعها، للابن المتجسد، رب الكل. واسمع ما يقوله إشعياء النبى عنك : ” هل قد أعد لك أيضًا أن تملك؟ هى هوة عميقة، ونار، وكبريت، وحطب مرتب، وغضب الرب كهوة مشتعلة بكبريت“. (إش33:30س) فكيف إذن وأنت نصيبك هو اللهيب الذى لا ينطفئ تعد ملك الكل بما هو ليس لك؟ هل تظن أنك تجعله يسجد له وهو الذى ترتعد أمامه كل الكائنات والسارافيم وكل القوات الملائكية تسبحه بمجد؟ إنه مكتوب: ” للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد“. لقد ذكر الرب هذه الوصية فى الوقت المناسب ووجهها إليه فى الصميم. فقبل مجيء الرب، كان الشيطان قد خدع كل من تحت السماء، وكان يُعبد فى كل مكان. أما وصية الله هذه فإنها تطرده من السيادة التى اغتصبها بالخداع، وتوصى الناس أن يعبدوا الذى هو الإله بالطبيعة وبالحق، وأن يقدموا الخدمة والسجود له وحده.

 

تجربة جناح الهيكل:

لوقا9:4 : ” ثم جاء به إلى أورشليم وأقامه على جناح الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فاطرح نفسك من هنا إلى أسفل” .

          التجربة الثالثة التى يستخدمها الشيطان هى المجد الباطل قائلاً: ” ألقِ نفسك إلى أسفل“، كبرهان على ألوهيتك. ولكنه لم يستطع أن يسقطه بواسطة الغرور، بل إن سهم الشيطان أخطأ الهدف. فقد أجابه الرب: ” إنه قيل لا تجرب الرب إلهك“. فإن الله لا يمنح معونته لأولئك الذين يجربونه، بل لأولئك الذين يثقون به، ولا ينبغى بسبب تلطفه ورحمته علينا أن نتباهى ونغتر. ولنلاحظ أيضًا أن المسيح لم يعطِ آية لأولئك الذين كانوا يجربونه فيقول: ” جيل شرير يطلب آية ولا تُعطى له آية“. فلنسمع الشيطان وهو يجرب هذه الكلمات. لذلك فنحن قد نلنا الانتصار فى المسيح، أما الذى انتصر على آدم فمضى الآن خجلاً لكيما نستطيع أن نضعه تحت أقدامنا، لأن المسيح كمنتصر قد سلمنا أيضًا القوة أن ننتصر، قائلاً: ” ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو“.

 

 

لوقا10:4  ” لأنه يوصى ملائكته بك لكى يحفظوك” .

          انظروا كيف يحاول بخبث أن يستخدم الكتاب المقدس لكى يحط من مجد الرب، كما لو كان الرب محتاجًا لمساعدة الملائكة، وكما لو كان سيعثر لو لم تساعده الملائكة. لأن هذا المزمور لا يشير إلى المسيح، والرب العالى لا يحتاج للملائكة. أما جناح الهيكل، فقد كان مبنى مرتفع جدًا مُقام إلى جانب الهيكل.

          والبعض يشير بهذا المزمور خطأ إلى شخص الرب، ويأخذون عباراته معًا التى تقول هكذا “ لأنك، يارب أنت رجائى جعلت العلى ملجأك” (مز9:91) ولذلك، يقولون إن له ملجأ هو العلى، أى الآب الذى فى السماء. وحجتهم فى مثل هذه الطريقة فى الفهم، أن الشيطان فهمها هكذا فقال: ” إن كنت ابن الله فالقِ نفسك إلى أسفل: لأنه مكتوب أنه يوصى ملائكته بك لكى يحفظوك“، فالشيطان لأنه كذاب ومخادع، يطبق ما هو مكتوب عنا نحن على شخص المسيح مخلصنا جميعًا. ولكننا نحن لا نفهمها بطريقة الشيطان، حتى إن كان الآريوسيون قد فهموها هكذا، فليس هناك ما يدعو للدهشة فى موقفهم هذا، لأنهم يتبعون أباهم، الذى هو كذاب، وليس فيه حق، بحسب كلمات المخلّص. فإن كان الحق هو كما يقولون هم، ونحن قد جعلنا المسيح عوننا، وهو قد جعل الآب ملجأه، فعندئذ نكون نحن قد التجأنا إلى واحد هو نفسه محتاج إلى المساعدة ودعونا ذلك الذى يخلص بواسطة آخر مخلّصًا لنا. هذا لا يمكن أن يكون، حاشا لله. لذلك فنحن نقول لأولئك الذين يريدون أن يفكروا هكذا، أنتم تسيرون خارج الطريق الملكى المستقيم، أنتم تسقطون وسط الأشواك والفخاخ، لقد ضللتم بعيدًا عن الحق. فالابن مساوٍ للآب فى كل الأشياء، فهو صورة ورسم جوهره، وهو العلى كما أن الآب أيضًا هو العلى.

          فالشيطان إذن استخدم هذه العبارات كما لو كان المخلّص إنسانًا عاديًا. فلأنه ظلام بكليته، وقد أعمى عقله، فإنه لم يفهم قوة المكتوب فى المزمور أنه يقصد به شخص كل إنسان بار ينال عونًا من السماء. وإلى جانب ذلك، لم يعرف أن الكلمة، الذي هو الله، قد صار إنسانًا، والآن هو نفسه يُجرّب بحسب خطة الخلاص وكما سبق أن قلت، فقد افترض (الشيطان) أن كلمات المزمور قد قيلت كما عن إنسان عادى أو عن واحد من الأنبياء القديسين.

          ولكن بالنسبة لنا نحن الذين نعرف السر تمامًا، والذين نؤمن أنه هو الله وابن الله، وأنه صار من أجلنا إنسانًا مثلنا، فإنه أمرٌ بشع جدًا أن نتصور أن عبارات المزمور هذه تتحدث عنه. إذن فنحن نقول، إن عبارة  ” جعلت العلى ملجأك” لا تناسب شخص المخلّص، فإنه هو نفسه العلى، ملجأ الكل, ورجاء الكل، وهو عن يمين الآب الكلى القدرة، وكل من يجعله حصنا له، فلن يقترب منه شر لأنه يأمر الملائكة، الذين هم أرواح خادمة، أن يحرسوا الأبرار.

          فكما أن آبائنا الجسديين حينما يرون الطريق خشنًا ويصعب عبوره، فإنهم يمسكون أطفالهم فى أيديهم، لكى لا تصاب أقدامهم الضعيفة بأذى، لكونهم لا يزالون غير قادرين أن يسيروا على الطرق الصعبة، هكذا أيضاً قوات الملائكة لا يسمحون لأولئك الذين لا يزالون غير قادرين على الجهاد بعد، والذين لا يزال ذهنهم طفوليًا، أن يتعبوا بما يفوق طاقتهم، بل يختطفوهم بعيداً عن كل تجربة.

 

1 عظة 12 من تفسير إنجيل لوقا ـ للقديس كيرلس الأسكندرى.

1 الاثنين أى بصومه أربعين يومًا دون أن يخور الجسد من ناحية، وبسماحه للجسد أن يشعر بالجوع من ناحية أخرى.

صوم المسيح – ق. كيرلس الأسكندرى – د. نصحي عبد الشهيد

صوم المسيح وتجربته فى البرية – القديس كيرلس الاسكندري – د. نصحي عبد الشهيد

صوم المسيح وتجربته فى البرية – القديس كيرلس الاسكندري – د. نصحي عبد الشهيد

صوم المسيح وتجربته فى البرية – القديس كيرلس الاسكندري – د. نصحي عبد الشهيد

 

لوقا4: 1و2: ” أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس. وكان يُقتاد بالروح فى البرية. أربعين يومًا يُجرب من إبليس. ولم يأكل شيئًا فى تلك الأيام. ولما تمت جاع أخيرًا ” .

 

          حينما يتكلم الأنبياء المباركون عن كلمة الله الوحيد ـ الذى هو مساوٍ لله فى المجد، وشريك عرشه، الذى يضيء معه بمساواة كاملة ـ فإنهم أى الأنبياء يقودوننا إلى الاقتناع أنه أُظهر كمخلَّص ومحرَّر لأولئك الذين على الأرض، وذلك بقولهم: “قم يارب، أعنى” (مز26:44). لذلك قام وأعان، وذلك باتخاذه صورة عبد، إذ قد صار فى شبه الناس، فإنه كواحد منا قد أقام نفسه كمنتقم بدلاً منا، منتقم من تلك الحية القاتلة والمتمردة، التى أدخلت الخطية إلينا. وبذلك جعلت الفساد والموت يملكان الأرض، لكى بواسطة المسيح وفيه نحصل على النصرة بينما كنا فى القديم مهزومين وساقطين فى آدم.

          لذلك تعالوا بنا لنسبح الرب ونرتل مزامير لله مخلصنا، هلموا لندوس الشيطان تحت أقدامنا، لنرفع صوت النصر على الذى هو الآن مطروح وساقط، هيا لنرتفع فوق الزحاف الخبيث الذى أُمسك فى فخ لا فكاك منه، ولنقل عنه نحن أيضًا بكلمات إرميا النبى: ” كيف كسرت مطرقة الأرض كلها وضربت فقد وُجدت وأُخذت، لأنك وقفت ضد الرب” (إر23:1س). لأنه منذ القدم، أى قبل زمن مجيء المسيح مخلص الكل، فإن عدو الجميع كانت له تصورات كبيرة ومخيفة عن نفسه. لأنه كان يفتخر متعظمًا على ضعف سكان الأرض قائلاً: ” سأمسك العالم فى يدى كعش وكبيض مهجور آخذه، ولن يهرب أحد منى أو يتكلم ضدى” (إش14:10س). وفى الحقيقة لم يكن أحد من أولئك الذين على الأرض يستطيع أن يقوم ضد قوته، ولكن الابن قام ضده وتصارع معه إذ قد صار مثلنا. لذلك كما قلت فإن الطبيعة البشرية بسبب انتصارها في المسيح تربح الإكليل. وهذا ما أنبأ به الابن نفسه فى الزمن القديم حينما خاطب الشيطان بواسطة أحد الأنبياء القديسين هكذا ” هاأنذا عليك أيها الجبل المهلك ـ الملك كل الأرض ” (إر25:51).

          تعالوا إذن وهيا بنا لنرى ماذا يقول الإنجيلي المبارك، حينما كان المسيح ذاهبًا ليحارب لحسابنا ضد ذلك  الذى أهلك الأرض كلها:      ” أما يسوع فرجع ممتلئًا من الروح القدس“. انظروا هنا، أرجوكم، طبيعة الإنسان ممسوحة بنعمة الروح القدس فى المسيح كباكورة، ومتوجة بأعلى الكرامات. لأنه منذ القديم قد وعد إله الكل قائلاً:    ” ويكون فى تلك الأيام إنى سأسكب من روحى على كل جسد” (يؤ28:2). وقد تحقق الوعد لأجلنا فى المسيح أولاً. وبينما يقول الله عن أولئك الذين فى القديم، الذين استسلموا لشهوة الجسد بلا ضوابط،  ” لا يسكن روحى فى هؤلاء الناس لأنهم جسد ” (تك3:4س). أما الآن فلأن كل الأشياء قد صارت جديدة فى المسيح وقد اغتنينا بالميلاد الجديد الذى بواسطة الماء والروح ـ لأننا لم نعد أولاد اللحم والدم، بل بالحرى ندعو الله أبًا لنا ـ لذلك إذ صرنا الآن فى كرامة بحق، وإذ نمتلك امتياز التبنى المجيد، فقد صرنا شركاء الطبيعة الإلهية بواسطة حصولنا على الروح القدس. ولكن الذى هو البكر فى وسطنا، حينما صار هكذا بكرًا بين اخوة كثيرين وأعطى نفسه للإخلاء فإنه كان أول من حصل على الروح، رغم أنه هو نفسه معطى الروح، لكى تصل إلينا بواسطته هذه الكرامة ونعمة الشركة مع الروح القدس. والرسول بولس يعلمنا مثل هذا حينما يتحدث عنه وعنا ويقول ” لأن المقدس والمقدَسين جميعهم من واحد، فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم اخوة قائلاً: أخبر باسمك اخوتى” (عب11:2 ،12). ولأنه لم يستحِ بالمرة أن يدعونا اخوة نحن الذين أخذ شكلنا لذلك إذ قد نقل فقرنا إلى نفسه، فإنه يتقدس معنا رغم أنه هو نفسه مقدِّس الخليقة كلها. وذلك لكى لا تراه أنت رافضًا لمستوى الطبيعة البشرية، هو الذى رضى من أجل خلاص وحياة الكل أن يصير إنسانًا.

          لذلك، حينما يقول الإنجيلى الحكيم عنه ” أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح“، فلا تعثروا ولا تخطئوا فى أفكاركم الداخلية وتحيدوا عن تعليم الحق، فيما يخص الطريقة والكيفية التى بها تقدس الكلمة ذلك الذى هو الله، بل بالحرى افهموا حكمة التدبير التى بسببها، صار هو موضوع إعجابنا. لأنه قد صار جسدًا وأصبح إنسانًا، لا لكى يتحاشى كل ما يختص بحالة الإنسان ويحتقر فقرنا، بل لكى ما نغتنى نحن بما هو له، وذلك بأنه قد صار مثلنا فى كل شئ ما خلا الخطية. لذلك فهو يتقدَّس كإنسان، ولكنه يُقَدِّس كإله، لأنه إذ هو بالطبيعة إله صار إنسانًا. لذلك يقول الإنجيلى: “وكان يُقتاد بالروح فى البرية أربعين يومًا يُجرب من إبليس“. فما هو إذن معنى كلمة “يُقتاد”؟ إنها لا تعنى توصيله إلى هناك. لأننا نحن أنفسنا أيضًا اعتدنا أن نقول عن أى واحد يحيا بالتقوى، إن فلانًا أو فلانًا أيًا كان الشخص إنما يحيا حياة صالحة. ونحن نعطى لقب مربى لا لنشير به بحسب معناه الحرفى إلى أولئك الذين يقودون الأطفال فعلاً، بل نعنى أنهم يعتنون بهم ويدربونهم بطريقة حسنة جديرة بالثناء، مربين إياهم ومعلمين لهم أن يسلكوا بطريقة لائقة.

          إذن فهو قد أقام فى البرية بالروح، أى روحيًا، فإنه صام، ولم يمنح أى طعام إطلاقًا لحاجات الجسد. ولكنى أتخيل أن البعض قد يعترضون على هذا قائلين:

          وما هو الضرر الذى يلحق يسوع من الإقامة الدائمة فى المدن؟ وما هو الذى يفيده حتى يختار الإقامة فى البرية؟ فليس هناك شئ حسن يحتاج إليه. وأيضًا لماذا هو يصوم؟ وما الذى كان يلزمه لكى يتعب وهو الذى لا يعرف أى إحساس بتحرك أى رغبة منحرفة؟ فنحن نمارس الصوم كوسيلة نافعة جدًا لكي نميت اللذات بواسطته ونقاوم قانون الخطية الذى فى أعضائنا، ونقتلع تلك العواطف التى تؤدى إلى الشهوة الجسدية. أما المسيح فأى حاجة له إلى الصوم؟ فهو الذى بواسطته يبيد الآب الخطية فى الجسد. وبولس الإلهى إذ عرف هذا كتب: ” لأن الناموس فيما كان عاجزًا عنه بسبب ضعفه بواسطة الجسد فإن الله إذ أرسل ابنه فى شبه جسد الخطية ولأجل الخطية، دان الخطية فى الجسد لكى يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح ” (رو3:8و4). لذلك فهو الذى يميت حركات الجسد فينا نحن أنفسنا الكائنات البائسة، وقد أباد الخطية، فأى صوم يمكن أن يحتاجه فيما يخصه هو نفسه؟ إنه قدوس وغير مدنّس بالطبيعة، وهو نقى تمامًا وبلا عيب. وهو لا يمكن أن يحدث له ولا ظل تغيير. فلماذا إذن جعل إقامته فى البرية وصام وجُرِّبَ ؟

          يا أحبائى إن المسيح كمثال لنا يهتم بنا، فهو يضع أعماله أمامنا كنموذج لنا، ويؤسس مثالاً للحياة الفضلى والعجيبة التى يمكن أن تُمارس فى وسطنا، وأنا أعنى حياة الرهبان القديسين. لأنه منذ متى كان ممكنًا للناس على الأرض أن يعرفوا أن عادة السكن فى الصحارى هى نافعة لهم ومفيدة جدًا للخلاص؟ لأنهم يعتزلون من أمام الأمواج والعواصف ومن الاضطراب الشديد وارتباكات هذا العالم الباطلة، وهكذا كما لو كانوا مثل يوسف المبارك، فإنهم يتجردون ويتركون للعالم كل ما هو خاص به. وبولس الحكيم يقول شئ مثل هذا أيضًا عن أولئك الذين يريدون أن يعيشوا هكذا: “ ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات ” (غل24:5). وهو يبين لأولئك الذين يختارون هذه الطريقة للحياة أن الإمساك ضرورى، الذى ثمرته الصوم وقوة الاحتمال، والإمساك عن الطعام أو أخذ القليل منه. فإنه عندئذ حينما يجربهم الشيطان فإنه سينهزم.

          لاحظوا هذا بنوع خاص أن الرب اعتمد أولاً وامتلأ من الروح القدس، وبعد ذلك ذهب إلى البرية، ومارس الإمساك، أى الصوم كما لو كان سلاحًا له. وهكذا إذ كان مستعدًا فحينما اقترب منه الشيطان انتصر عليه، وبذلك فقد وضع نفسه أمامنا كنموذج.

          فأنت، لذلك ينبغى أيضًا أن تلبس سلاح الله، وترس الإيمان، وخوذة الخلاص. ينبغى أولاً أن تلبس قوة من الأعالى، أى ينبغى أن تصير مشتركًا فى الروح القدس بواسطة المعمودية الثمينة، وحينئذ يمكن أن تسلك الحياة المحبوبة والمكرمة لدى الله، وحينئذ يمكنك ـ بشجاعة روحية ـ أن تسكن فى الصحارى، وحينئذ تحفظ الصوم المقدس وتميت الأهواء وتهزم الشيطان حينما يجربك. لذلك، فإننا فى المسيح قد حصلنا على كل الأشياء.

          ياللعجب فإنه يظهر بين المصارعين وهو نفسه كإله يمنح الجائزة، يظهر بين أولئك الذين يلبسون إكليل النصر، وهو الذى يكلل هامات القديسين، لذلك فلننظر ولنلاحظ مهارته فى مصارعته وكيف هزم خبث الشيطان وشره. فحينما قضى أربعين يومًا صائمًا فإنه جاع أخيرًا ولكنه هو نفسه يعطى الجياع طعاما؛ وهو نفسه الخبز النازل من السماء الواهب حياة للعالم وهو الذى به تقوم كل الأشياء. ولكن من الجهة الأخرى، بسبب أنه كان من الضرورى لذاك الذى لم يرفض فقرنا، أن لا ينسحب من أى شئ يخص حالة الإنسان، لذلك فقد وافق أن يحتاج للمؤونة الطبيعية. وهذا هو سبب القول ” إنه جاع “. ولكنه مع ذلك لم يجع إلاّ بعد أن صام مدة كافية، وبقوته الإلهية قد حفظ جسده من الخوار، رغم امتناعه عن الطعام والشراب، لكى يسمح لجسده أن يشعر بالإحساسات الطبيعية كما هو مكتوب: ” إنه جاع“. ولأى سبب هذا؟ لكى بمهارة بواسطة الاثنين[1]، فإن ذلك الذى هو إله وإنسان معًا فى نفس الوقت يمكن أن يُعرف بهاتين الصفتين فى نفس الشخص الواحد: أى أعلى منا بطبيعته الإلهية، ومساوٍ لنا فى بشريته.

 

تجربة الخبز :

لوقا4:4  ” وقال إبليس: إن كنت ابن الله فقل لهذا الحجر أن يصير خبزًا ” .

          حينئذٍ يقترب الشيطان لكى يجربه، متوقعًا أن إحساس الجوع سيساعده فى خطته الخبيثة: فإن الشيطان كثيرًا ما ينتصر علينا باتخاذه ضعفاتنا كمساعد لمكائده ومغامراته. لقد تصور الشيطان أن الرب يسوع سيقفز حالاً نحو الرغبة فى رؤية الخبز جاهزًا للأكل، ولذلك قال: ” إن كنت ابن الله، فقل لهذا الحجر أن يصير خبزًا“. إذن فهو يقترب منه، كإنسان عادى وكواحد من القديسين: ومع ذلك فهو لا يزال متشككًا فى أمره، إنه ربما يكون هو المسيح. فبأى طريقة أراد أن يعرف هذا؟ لقد اعتبر الشيطان أن تغيير طبيعة شئ إلى طبيعة أخرى إنما هو فعل قوة إلهية وعملها، لأن الله هو الذى يصنع هذه الأشياء وهو الذى يحوّلها. لذلك، قال فى نفسه إن فعل هذا، فإنه يكون هو بالتأكيد ذلك الشخص المنتظر الذى سيبطل قوتى، ولكن إن رفض أن يعمل هذا التغيير، فإنى بذلك أتعامل مع إنسان وأطرح الخوف بعيدًا، وأنجو من الخطر. لذلك فإن المسيح، لمعرفته بحيلة الشيطان، فإنه رفض أن يحوّل الحجر خبزًا، كما أنه لم يقل إنه غير قادر أو غير راغب أن يعمل هذا التغيير، بل بالحرى يصده بسبب إلحاحه وتداخله فيما ليس له، قائلاً: ” إن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده“، وهو يعنى بهذا، أنه إن أعطى الله قوة للإنسان، فإنه يمكن أن يصمد بدون طعام، ويحيا مثل موسى وإيليا اللذان بقوة كلمة الرب صرفا أربعين يومًا دون أن يأكلا شيئًا، لذلك، فإذا كان ممكنًا للإنسان أن يحيا بدون خبز، فلماذا أحوّل الحجر خبزًا؟ ولكن الرب تعمَّد ألاّ يقول، إنى لا أستطيع وذلك لكى لا ينكر قوته الخاصة، كما أنه لم يقل، إنى أستطيع لئلا عندما يعرف المجرب بذلك إنه هو الله الذى عنده وحده كل شئ مستطاع، فإنه يتركه ويهرب.

          وأرجوكم أن تلاحظوا، كيف أن طبيعة الإنسان فى المسيح هى حرة من أخطاء شراهة آدم، فعن طريق الأكل انهزمنا فى آدم وبواسطة الصوم انتصرنا فى المسيح.

          بواسطة الطعام الذى يخرج من الأرض، يتقوى جسدنا الأرضى، ويسعى إلى الحصول على غذائه مما هو مجانس له، أما النفس العاقلة فإنها تتغذى وتنمو إلى الصحة الروحانية بواسطة كلمة الله. لأن الطعام الذى تقدمه الأرض يغذى الجسد الذى هو قريب لها، أما الطعام الذى من فوق ومن السماء فيقوى الروح ويشددها. طعام النفس هو الكلمة الآتية من الله، أى الخبز الروحانى الذى يقوى قلب الإنسان كما يُرنم فى كتاب المزمور. وإننا نؤكد أن طبيعة خبز الملائكة القديسين هى أيضًا الكلمة الإلهية.

 

تجربة ممالك العالم:

لوقا5:4 ” ثم أصعده إبليس إلى جبل عال وأراه جميع ممالك العالم فى لحظة من الزمان ” .

          وأنت أيها الكائن الخبيث الشرير الملعون، كيف تتجاسر أن تُرى الرب ممالك الخليقة كلها وتقول: ” إنها لى؟ فإن سجدت أمامى سأعطيها لك“. فكيف تعد بشيء ليس هو لك؟ من جعلك وارثًا لمملكة الله؟ من جعلك سيدًا على كل ما تحت السماء؟ إنك حصلت على هذه الأشياء بالخداع والاحتيال، لذلك إرجعها، للابن المتجسد، رب الكل. واسمع ما يقوله إشعياء النبى عنك : ” هل قد أعد لك أيضًا أن تملك؟ هى هوة عميقة، ونار، وكبريت، وحطب مرتب، وغضب الرب كهوة مشتعلة بكبريت“. (إش33:30س) فكيف إذن وأنت نصيبك هو اللهيب الذى لا ينطفئ تعد ملك الكل بما هو ليس لك؟ هل تظن أنك تجعله يسجد له وهو الذى ترتعد أمامه كل الكائنات والسارافيم وكل القوات الملائكية تسبحه بمجد؟ إنه مكتوب: ” للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد“. لقد ذكر الرب هذه الوصية فى الوقت المناسب ووجهها إليه فى الصميم. فقبل مجيء الرب، كان الشيطان قد خدع كل من تحت السماء، وكان يُعبد فى كل مكان. أما وصية الله هذه فإنها تطرده من السيادة التى اغتصبها بالخداع، وتوصى الناس أن يعبدوا الذى هو الإله بالطبيعة وبالحق، وأن يقدموا الخدمة والسجود له وحده.

 

تجربة جناح الهيكل:

لوقا9:4 : ” ثم جاء به إلى أورشليم وأقامه على جناح الهيكل وقال له: إن كنت ابن الله فاطرح نفسك من هنا إلى أسفل” .

          التجربة الثالثة التى يستخدمها الشيطان هى المجد الباطل قائلاً: ” ألقِ نفسك إلى أسفل“، كبرهان على ألوهيتك. ولكنه لم يستطع أن يسقطه بواسطة الغرور، بل إن سهم الشيطان أخطأ الهدف. فقد أجابه الرب: ” إنه قيل لا تجرب الرب إلهك“. فإن الله لا يمنح معونته لأولئك الذين يجربونه، بل لأولئك الذين يثقون به، ولا ينبغى بسبب تلطفه ورحمته علينا أن نتباهى ونغتر. ولنلاحظ أيضًا أن المسيح لم يعطِ آية لأولئك الذين كانوا يجربونه فيقول: ” جيل شرير يطلب آية ولا تُعطى له آية“. فلنسمع الشيطان وهو يجرب هذه الكلمات. لذلك فنحن قد نلنا الانتصار فى المسيح، أما الذى انتصر على آدم فمضى الآن خجلاً لكيما نستطيع أن نضعه تحت أقدامنا، لأن المسيح كمنتصر قد سلمنا أيضًا القوة أن ننتصر، قائلاً: ” ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو“.

 

 

لوقا10:4  ” لأنه يوصى ملائكته بك لكى يحفظوك” .

          انظروا كيف يحاول بخبث أن يستخدم الكتاب المقدس لكى يحط من مجد الرب، كما لو كان الرب محتاجًا لمساعدة الملائكة، وكما لو كان سيعثر لو لم تساعده الملائكة. لأن هذا المزمور لا يشير إلى المسيح، والرب العالى لا يحتاج للملائكة. أما جناح الهيكل، فقد كان مبنى مرتفع جدًا مُقام إلى جانب الهيكل.

          والبعض يشير بهذا المزمور خطأ إلى شخص الرب، ويأخذون عباراته معًا التى تقول هكذا “ لأنك، يارب أنت رجائى جعلت العلى ملجأك” (مز9:91) ولذلك، يقولون إن له ملجأ هو العلى، أى الآب الذى فى السماء. وحجتهم فى مثل هذه الطريقة فى الفهم، أن الشيطان فهمها هكذا فقال: ” إن كنت ابن الله فالقِ نفسك إلى أسفل: لأنه مكتوب أنه يوصى ملائكته بك لكى يحفظوك“، فالشيطان لأنه كذاب ومخادع، يطبق ما هو مكتوب عنا نحن على شخص المسيح مخلصنا جميعًا. ولكننا نحن لا نفهمها بطريقة الشيطان، حتى إن كان الآريوسيون قد فهموها هكذا، فليس هناك ما يدعو للدهشة فى موقفهم هذا، لأنهم يتبعون أباهم، الذى هو كذاب، وليس فيه حق، بحسب كلمات المخلّص. فإن كان الحق هو كما يقولون هم، ونحن قد جعلنا المسيح عوننا، وهو قد جعل الآب ملجأه، فعندئذ نكون نحن قد التجأنا إلى واحد هو نفسه محتاج إلى المساعدة ودعونا ذلك الذى يخلص بواسطة آخر مخلّصًا لنا. هذا لا يمكن أن يكون، حاشا لله. لذلك فنحن نقول لأولئك الذين يريدون أن يفكروا هكذا، أنتم تسيرون خارج الطريق الملكى المستقيم، أنتم تسقطون وسط الأشواك والفخاخ، لقد ضللتم بعيدًا عن الحق. فالابن مساوٍ للآب فى كل الأشياء، فهو صورة ورسم جوهره، وهو العلى كما أن الآب أيضًا هو العلى.

          فالشيطان إذن استخدم هذه العبارات كما لو كان المخلّص إنسانًا عاديًا. فلأنه ظلام بكليته، وقد أعمى عقله، فإنه لم يفهم قوة المكتوب فى المزمور أنه يقصد به شخص كل إنسان بار ينال عونًا من السماء. وإلى جانب ذلك، لم يعرف أن الكلمة، الذي هو الله، قد صار إنسانًا، والآن هو نفسه يُجرّب بحسب خطة الخلاص وكما سبق أن قلت، فقد افترض (الشيطان) أن كلمات المزمور قد قيلت كما عن إنسان عادى أو عن واحد من الأنبياء القديسين.

          ولكن بالنسبة لنا نحن الذين نعرف السر تمامًا، والذين نؤمن أنه هو الله وابن الله، وأنه صار من أجلنا إنسانًا مثلنا، فإنه أمرٌ بشع جدًا أن نتصور أن عبارات المزمور هذه تتحدث عنه. إذن فنحن نقول، إن عبارة  ” جعلت العلى ملجأك” لا تناسب شخص المخلّص، فإنه هو نفسه العلى، ملجأ الكل, ورجاء الكل، وهو عن يمين الآب الكلى القدرة، وكل من يجعله حصنا له، فلن يقترب منه شر لأنه يأمر الملائكة، الذين هم أرواح خادمة، أن يحرسوا الأبرار.

          فكما أن آبائنا الجسديين حينما يرون الطريق خشنًا ويصعب عبوره، فإنهم يمسكون أطفالهم فى أيديهم، لكى لا تصاب أقدامهم الضعيفة بأذى، لكونهم لا يزالون غير قادرين أن يسيروا على الطرق الصعبة، هكذا أيضاً قوات الملائكة لا يسمحون لأولئك الذين لا يزالون غير قادرين على الجهاد بعد، والذين لا يزال ذهنهم طفوليًا، أن يتعبوا بما يفوق طاقتهم، بل يختطفوهم بعيداً عن كل تجربة.

 

1 الاثنين أى بصومه أربعين يومًا دون أن يخور الجسد من ناحية، وبسماحه للجسد أن يشعر بالجوع من ناحية أخرى.

 

صوم المسيح وتجربته فى البرية – القديس كيرلس الاسكندري – د. نصحي عبد الشهيد

صوم المسيح والتجربة – عظة 12 ج1 – إنجيل لوقا 4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

صوم المسيح والتجربة – عظة 12 ج1 – إنجيل لوقا 4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

صوم المسيح والتجربة – عظة 12 ج1 – إنجيل لوقا 4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

صوم المسيح وتجربته في البرية

(لو4: 1ـ2) ” أَمَّا يَسُوعُ فَرَجَعَ مِنَ الأُرْدُنِّ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنْ إِبْلِيسَ. وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَلَمَّا تَمَّتْ جَاعَ أَخِيرًا“.

 

حينما يتكلم الأنبياء المباركون عن كلمة الله الوحيد، الذي هو مساوٍ لله في المجد، وشريك عرشه، الذي يضئ معه بمساواة كاملة، فإنهم أي الأنبياء يقودوننا إلى الاقتناع أنه أُظهر كمخلص ومُحرر لأولئك الذين على الأرض، وذلك بقولهم “ قم يا رب، أعني” (مز44: 26). لذلك قام وأعان، وذلك باتخاذه صورة عبد، إذ قد صار في شبه الناس، فإنه كواحد منا قد أقام نفسه كمنتقم بدلاً منا، منتقم من تلك الحية القاتلة والمتمردة، التي أدخلت الخطية إلينا، وبذلك جعلت الفساد والموت يملكان الأرض. فإننا بواسطته وفيه نحصل على النصرة بينما كنا في القديم مهزومين وساقطين في آدم.

لذلك تعالوا بنا لنُسبح الرب ونرتل مزامير لله مخلصنا، هلموا ندوس الشيطان تحت أقدامنا، لنرفع صوت النصر على الذي هو الآن مطروح وساقط، هيا لنرتفع فوق الزحّاف الخبيث الذي أُمسِكَ في فخ لا فكاك منه، ولنقل عنه نحن أيضًا بكلمات إرميا النبي: “ كيف كسرت مطرقة الأرض كلها وضربت! فقد وُجِدت وأُخِذت، لأنك وقفت ضد الرب” (إر1: 23س). لأنه منذ القدم، أي قبل زمن مجيء المسيح مخلِّص الكل، فإن عدو الجميع كانت له تصورات كبيرة ومخيفة عن نفسه. لأنه كان يفتخر متعظمًا على ضعف سكان الأرض قائلاً: “سأمسك العالم في يدي وكعش وكبيض مهجور آخذه، ولن يهرب أحد مني أو يتكلم ضدي” (إش10: 14س). وفي الحقيقة لم يكن أحد من أولئك الذين على الأرض يستطيع أن يقوم ضد قوته، ولكن الابن قام ضده وتصارع معه إذ قد صار مثلنا، لذلك كما قلت فإن الطبيعة البشرية وهى منتصرة فيه تربح الإكليل. وهذا ما أنبأ به الابن نفسه في الزمن القديم حينما خاطب الشيطان بواسطة أحد الأنبياء القديسين هكذا ” هاأنذا عليك أيها الجبل المُهلك، المهلك كل الأرض” (إر51: 25).

تعالوا إذًا وهيا بنا لنرى ماذا يقول الإنجيل المبارك، حينما كان المسيح ذاهبًا ليحارب لحسابنا ضد ذلك الذي أهلك الأرض كلها: ” أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس“. انظروا هنا، أرجوكم، طبيعة الإنسان ممسوحة بنعمة الروح القدس في المسيح كباكورة، ومُتوَّجة بأعلى الكرامات، لأنه منذ القديم قد وعد إله الكل قائلاً: “ويكون في تلك الأيام أني سأسكب من روحي على كل جسد” (يؤ2: 28). وقد تحقق الوعد لأجلنا في المسيح أولاً. وبينما يقول الله عن أولئك الذين في القديم، الذين استسلموا لشهوة الجسد بلا ضوابط ” لا يسكن روحي في هؤلاء الناس لأنهم جسد” (تك4: 3س)، أما الآن فلأن كل الأشياء قد صارت جديدة في المسيح وقد اغتنينا بالميلاد الجديد الذي بواسطة الماء والروح، فإننا لم نعد أولاد اللحم والدم، بل بالحري ندعو الله أبًا لنا، لذلك إذ صرنا الآن في كرامة بحق، وإذ نمتلك امتياز التبني المجيد، فقد صرنا شركاء الطبيعة الإلهية بواسطة حصولنا على الروح القدس. ولكن الذي هو البكر في وسطنا، حينما صار هكذا بكرًا بين إخوة كثيرين وأعطى نفسه للإخلاء فإنه كان أول من حصل على الروح، رغم أنه هو نفسه معطي الروح، لكي تصل إلينا بواسطته هذه الكرامة ونعمة الشركة مع الروح القدس. والرسول بولس يُعلِّمنا مثل هذا حينما يتحدث عنه وعنا ويقول “ لأن المقدِّس والمقدَّسين جميعهم من واحد” (عب2: 11، 12)، لهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة قائلاً: ” أخبر باسمك إخوتي“. ولأنه لم يستح بالمرة أن يدعونا إخوة نحن الذين أخذ شكلنا لذلك إذ قد نقل فقرنا إلى نفسه، فإنَّه يتقدس معنا رغم أنه هو نفسه مقدِّس الخليقة كلها، وذلك لكي لا تراه أنت رافضًا لمستوى الطبيعة البشرية، هو الذي رضيَ من أجل خلاص وحياة الكل أن يصير إنسانًا.

لذلك، حينما يقول الإنجيلي الحكيم عنه ” أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح“، فلا تعثروا ولا تخطئوا في أفكاركم الداخلية وتحيدوا عن تعليم الحق، فيما يخص الطريق والكيفية التي بها تقدس الكلمة الذي هو الله، بل بالحرى افهموا حكمة التدبير التي بسببها، هو موضوع إعجابنا، لأنه قد صار جسدًا وأصبح إنسانًا، لا لكي يتحاشى كل ما يخص بحالة الإنسان ويحتقر فقرنا، بل لكي نغتني نحن بما هو له، وذلك بأنه قد صار مثلنا في كل شيء ما خلا الخطية، لذلك فهو يتقدس كإنسان، ولكنه يُقدِّس كإله، لأنه إذ هو بالطبيعة إله صار إنسانًا. لذلك يقول الإنجيلي ” وكان يُقتاد بالروح في البرية أربعين يومًا يُجرب من إبليس“، فما هو إذًا معنى كلمة يُقتاد؟ إنها لا تعني توصيله إلى هناك، بقدر ما تعني أنه أقام واستمر هناك. لأننا نحن أنفسنا أيضًا اعتدنا أن نقول عن أي واحد يحيا بالتقوى، إن فلانًا أو فلانًا أيًّا كان الشخص إنما يحيا حياة صالحة. ونحن نعطي لقب مُربِّي لا لنشير به بحسب المعنى الحرفي إلى أولئك الذين يقودون الأطفال فعلاً، بل نعني أنهم يعتنون بهم ويدربونهم بطريقة حسنة جديرة بالثناء، مربين إياهم ومعلمينهم أن يسلكوا بطريقة لائقة.

إذًا فهو قد أقام في البرية بالروح، أي روحيًّا، فإنه صام، ولم يمنح أي طعام إطلاقًا لحاجات الجسد، ولكني أتخيل أن البعض قد يعترضون على هذا قائلين:

وما هو الضرر الذي يلحق يسوع من الإقامة الدائمة في المدن؟ وما هو الذي يفيده حتى يختار الإقامة في البرية؟ فليس هناك شيء حسن يحتاج إليه، وأيضًا لماذا هو يصوم؟ وما الذي كان يضطّره أن يتعب وهو الذي لا يعرف أي أحساس بتحرك أي رغبة منحرفة؟ فنحن نمارس الصوم كوسيلة نافعة جدًّا نميت اللَّذات بواسطته ونقاوم ناموس الخطية الذي في أعضائنا، ونقتلع تلك العواطف التي تؤدي إلى الشهوة الجسدية. أما المسيح فأي حاجة له إلى الصوم؟ فهو الذي بواسطته يبيد الآب الخطية في الجسد. وبولس الإلهي إذ عرف هذا كتب: ” لأن الناموس فيما كان عاجزًا عنه بسبب ضعفه بواسطة الجسد فإن الله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية، دان الخطية في الجسد لكي يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح” (رو8: 3، 4). لذلك فهو الذي يميت حركات الجسد فينا نحن أنفسنا الكائنات البائسة، وقد أباد الخطية، فأي صوم يمكن أن يحتاجه فيما يخصه هو نفسه؟ إنَّه قدوس وغير مدنَّس بالطبيعة، وهو نقي تمامًا وبلا عيب، وهو لا يمكن أن يحدث له ولا ظل تغيير. فلماذا إذًا جعل إقامته في البرية وصام وجُرِّب؟

يا أحبائي إنَّ المسيح كمثال لنا يهتم بنا، فهو يضع أعماله أمامنا كنموذج لنا، ويؤسس مثالاً للحياة الفضلى والعجيبة التي يمكن أن تُمارَس في وسطنا، وأنا أعني حياة الرهبان القديسين، لأنه منذ متى كان ممكنًا للناس على الأرض أن يعرفوا أن عادة السكن في الصحاري هي نافعة لهم، ومفيدة جدًّا للخلاص؟ لأنهم يعتزلون من أمام الأمواج والعواصف ومن الاضطراب الشديد وارتباكات هذا العالم الباطلة، وهكذا كما لو كانوا مثل يوسف المبارك، فأنهم يتجردون ويتركون للعالم كل ما هو خاص به. وبولس الحكيم يقول شيئًا مثل هذا أيضًا عن أولئك الذين يريدون أن يعيشوا هكذا “ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات” (غل5: 24). وهو يُبين لأولئك الذين يختارون هذه الطريقة للحياة أن الإمساك ضروري، الذي ثمرته الصوم وقوة الاحتمال، والإمساك عن الطعام أو أخذ القليل منه. فإنَّه عندئذ حينما يُجرِّب الشيطان فإنه سيُهزم.

لاحظوا هذا بنوع خاص أن الرب اعتمد أولاً وامتلأ من الروح القدس، وبعد ذلك ذهب إلى البرية، ومارس الإمساك أي الصوم كما لو كان سلاحًا له، وهكذا إذ كان مستعدًا فحينما اقترب منه الشيطان انتصر عليه، وبذلك فقد وضع نفسه أمامنا كنموذج لنا.

فأنت، لذلك ينبغي أيضًا أن تلبس أولاً سلاح الله، وترس الإيمان، وخوذة الخلاص. ينبغي أولاً أن تلبس قوة من الأعالي، أي ينبغي أن تصير مشتركًا في الروح القدس بواسطة المعمودية الثمينة، وحينئذ يمكن أن تسلك الحياة المحبوبة والمكرَّمة لدى الله، وحينئذ يمكنك بشجاعة روحية أن تسكن في الصحاري، وحينئذ تحفظ الصوم المقدس وتميت الأهواء وتهزم الشيطان حينما يجربك، لذلك، فإننا في المسيح قد حصلنا على كل الأشياء…

يا للعجب فإنَّه يظهر بين المصارعين وهو نفسه كإله يمنح الجائزة، يظهر بين أولئك الذين يلبسون إكليل النصر، وهو الذي يكلل هامات القديسين. لذلك فلننظر ولنلاحظ مهارته في مصارعته وكيف هزم خبث الشيطان وشره، فحينما قضى أربعين يومًا صائمًا فإنه جاع أخيرًا ولكنه هو نفسه يعطي الجياع طعامًا، وهو نفسه الخبز النازل من السماء الواهب حياة للعالم وهو الذي به تقوم كل الأشياء. ولكن مِن الجهة الأخرى، بسبب أنه كان من الضروري لذلك الذي لم يرفض فقرنا، أن لا ينسحب من أي شيء يخص حالة الإنسان، لذلك فقد وافق أن يحتاج جسده للمؤونة الطبيعية. وهذا هو السبب للقول “إنَّه جاع” ولكنه مع ذلك لم يجُع إلاَّ بعد أن صام مدة كافية، وبقوته الإلهية قد حفظ جسده من الخوار، رغم امتناعه عن الطعام والشراب، لكي يسمح لجسده أن يشعر بالإحساسات الطبيعية كما هو مكتوب “إنَّه جاع”. ولأي سبب هذا؟ لكي بمهارة بواسطة الاثنين[1]، فإنَّ ذلك الذي هو إله وإنسان معًا في نفس الوقت يمكن أن يُعرف بهاتين الصفتين في نفس الشخص الواحد: أي أعلى منَّا بطبيعته الإلهية، ومساوٍ لنا في بشريته.

 (لو4:4) ” وَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ، فَقُلْ لِهذَا الْحَجَرِ أَنْ يَصِيرَ خُبْزًا“.

حينئذ يقترب الشيطان لكي يجربه، متوقعًا أن إحساس الجوع سيساعده في خطته الخبيثة. فإن الشيطان كثيرًا ما ينتصر علينا باتخاذه ضعفاتنا كمساعد لمكائده ومغامراته، لقد تصور الشيطان أن الرب يسوع سيقفز حالاً نحو الرغبة في رؤية الخبز جاهزًا للأكل، ولذلك قال ” إن كنت ابن الله، فقل لهذا الحجر أن يصير خبزًا“. إذًا فهو يقترب منه، كإنسان عادي وكواحد من القديسين، ومع ذلك فهو لا يزال متشككًا في أمره، أنه ربما يكون هو المسيح. فبأي طريقة أراد أن يعرف هذا؟ لقد اعتبر الشيطان أن تغيير طبيعة شيء إلى طبيعة أخرى إنما هو فعل وعمل قوة إلهية، لأن الله هو الذي يصنع هذه الأشياء وهو الذي يحوِّلها. لذلك، قال في نفسه إن فَعَل هذا، فإنه يكون هو بالتأكيد ذلك الشخص المنتظر الذي سيُبطل قوَّتي، ولكن إن رفض أن يعمل هذا التغيير، فإني بذلك أتعامل مع إنسان وأطرح الخوف بعيدًا، وأنجو من الخطر، لذلك فإن المسيح لمعرفته بحيلة الشيطان فإنه رفض أن يحول الحجر خبزًا، كما أنه لم يقل إنَّه غير قادر أو غير راغب أن يعمل هذا التغيير، بل بالحرى يصده بسبب إلحاحه وتداخله فيما ليس له قائلاً: ” إن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده“. وهو يعني بهذا، أنه إن أعطى الله القوة للإنسان، فإنه يمكن أن يصمد بدون طعام، ويحيا مثل موسى وإيليا اللذان بقوة كلمة الرب صرفا أربعين يومًا دون أن يأكلا شيئًا، لذلك فإذا كان ممكنًا للإنسان أن يحيا بدون خبز، فلماذا أحوِّل الحجر خبزًا؟ ولكن الرب تعمد ألاَّ يقول، إنِّي لا أستطيع وذلك لكي لا ينكر قوته الخاصة، كما إنَّه لم يقل، إني أستطيع لئلا عندما يعرف المجرب بذلك أنه هو الله الذي عنده وحده كل شيء مستطاع، فإنه يتركه ويهرب.

وأرجوكم أن تلاحظوا كيف أن طبيعة الإنسان في المسيح هي حرة من أخطاء شراهة آدم، فعن طريق الأكل انهزمنا في آدم وبواسطة الصوم انتصرنا في المسيح.

بواسطة الطعام الذي يخرج من الأرض، يتقوَّى جسدنا الأرضي، ويسعى إلى الحصول على غذائه مما هو مجانس له، أما النفس العاقلة فإنَّها تتغذى وتنمو إلى الصحة الروحانية بواسطة كلمة الله، لأن الطعام الذي تقدمه الأرض يغذي الجسد الذي هو قريب لها، أما الطعام الذي من فوق ومن السماء فيُقوِّي الروح ويشددها، طعام النفس هو الكلمة الآتية من الله، أي الخبز الروحاني الذي يُقوِّى قلب الإنسان كما يرنم في كتاب المزامير، وإننا نؤكد أيضًا أن الطبيعة خبز الملائكة هي هكذا.

(لو4: 5) “أَصْعَدَهُ إِبْلِيسُ إِلَى جَبَل عَال وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْمَسْكُونَةِ فِي لَحْظَةٍ مِنَ الزَّمَانِ“.

وأنت أيها الكائن الخبيث الشرير الملعون، كيف تتجاسر أن تُري الرب ممالك الخليقة كلها وتقول “ إنها لي؟ فإن سجدت أمامي سأعطيها لك” فكيف تعد بشيء ليس هو لك؟ من جعلك وارثًا لمملكة الله؟ من جعلك سيدًا على كل ما تحت السماء؟ إنَّك حصلتَ على هذه الأشياء بالخداع والاحتيال، لذلك أرجعها، للابن المتجسد، رب الكل. واسمع ما يقوله إشعياء النبي عنك: ” هل قد أعد لك أيضًا أن تملك؟ هي هوة عميقة، ونار، وكبريت، وحطب مرتَّب، وغضب الرب كهوة مشتعلة بكبريت ” (إش33:30س). فكيف إذًا وأنت نصيبك هو اللهيب الذي لا ينطفئ تَعِد مَلِك الكل بما هو ليس لك؟ هل تظن أنك تجعله يسجد لك وهو الذي ترتعد أمامه كل الكائنات والسارافيم وكل القوات الملائكية تُسبح بمجده؟ إنَّه مكتوب: ” للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد“. لقد ذكر الرب هذه الوصية في الوقت المناسب ووجَّهها إليه في الصميم، فقَبْل مجيء الرب، كان الشيطان قد خدع كل من تحت السماء، وكان يُعبَد في كل مكان، أما وصية الله هذه فإنها تطرده من السيادة التي اغتصبها بالخداع، وتوصى الناس أن يعبدوا الذي هو بالطبيعة وبالحق الله وأن يُقدِّموا الخدمة والسجود له وحده.

 (لو4: 9) ” ثُمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَأَقَامَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ مِنْ هُنَا إِلَى أَسْفَلُ “.

التجربة الثالثة التي يستخدمها الشيطان هي المجد الباطل قائلاً: ” ألقِ نفسك إلى أسفل“، كبرهان على ألوهيتك، ولكنه لم يستطع أن يُسقطه بواسطة الغرور، بل إنَّ سهم الشيطان أخطأ الهدف، فقد أجابه الرب ” إنه قيل لا تجرب الرب إلهك“. فإن الله لا يمنح معونته لأولئك الذين يجربونه، بل لأولئك الذين يثقون به، ولا ينبغي بسبب تلطفه ورحمته علينا أن نتباهى ونغتر، ولنلاحظ أيضًا أن المسيح لم يعطِ آية لأولئك الذين كانوا يجربونه: فيقول “جيل شرير يطلب آية ولا تعطى له آية” (مت39:12). فليسمع الشيطان وهو يجرِّب هذه الكلمات. لذلك فنحن قد نلنا الانتصار في المسيح، أما الذي انتصر في آدم فمضى الآن خجلاً لكي ما نستطيع أن نضعه تحت أقدامنا، لأن المسيح كمنتصر قد سلَّمنا أيضًا القوة لكي ننتصر، قائلاً ” ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو ” (لو19:10). 

(لو4: 10) ” لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ لِكَيْ يَحْفَظُوكَ

انظروا كيف يحاول بخبث أن يستخدم الكتاب المقدس لكي يحطَّ من مجد الرب، كما لو كان الرب محتاجًا لمساعدة الملائكة، وكما لو كان سيعثر لو لم تساعده الملائكة، لأن هذا المزمور لا يشير إلى المسيح، والرب العالي لا يحتاج للملائكة. أما جناح الهيكل، فقد كان مبنَى مرتفع جدًّا، مُقام إلى جانب الهيكل.

والبعض يشيرون بهذا المزمور خطأ إلى شخص الرب، ويأخذون عباراته معًا التي تقول هكذا ” لأنك، يا رب أنت رجائي، جعلت العلي ملجأك” (مز91: 9)، ولذلك يقولون إن الرب له ملجأ هو العلي، أى الآب الذي في السماء. وحجَّتهم في مثل هذه الطريقة في الفهم، أن الشيطان فهمها هكذا فقال ” إن كنت ابن الله فالقِ نفسك إلى أسفل: لأنه مكتوب أنه يوصى ملائكته بك لكي يحفظوك“، فالشيطان لأنه كذاب ومخادع، يُطبق ما هو مكتوب عنَّا نحن على شخص المسيح مخلصنا جميعًا. ولكننا نحن لا نفهمها بطريقة الشيطان، حتى إن كان الآريوسيون قد فهموها هكذا، فليس هناك ما يدعو للدهشة في موقفنا هذا، لأنهم يتبعون أباهم، الذي هو كذاب، وليس فيه حق، بحسب كلمات المخلِّص (انظر يو44:8)، فإن كان ما يقولونه هو الحق، ونحن قد جعلنا المسيح عوننا، وهو قد جعل الآب ملجأه، فعندئذ نكون نحن قد التجأنا إلى واحد هو نفسه محتاج إلى المساعدة، ودَعونا ذلك الذي يخلص بواسطة آخر مخلِّصًا لنا. هذا لا يمكن أن يكون، حاشا لله. لذلك فنحن نقول لأولئك الذين يريدون أن يفكروا هكذا، أنتم تسيرون خارج الطريق الملكي المستقيم، أنتم تسقطون وسط الأشواك والفخاخ، لقد ضللتم بعيدًا عن الحق. فالابن مساوٍ للآب في كل الأشياء، فهو صورة ورسم جوهره، وهو العلي كما أن الآب أيضًا هو العلي.

الشيطان استخدم إذًا هذه العبارات كما لو كان المخلص إنسانًا عاديًّا، فلأنه ظلام بكليته، وقد أُعمى عقله، فإنه لم يفهم قوة المكتوب في المزمور أنه يقصد به شخص كل إنسان بار ينال عونًا من السماء، وإلى جانب ذلك، لم يعرف أن الكلمة، إذ هو الله، قد صار إنسانًا، والآن هو نفسه يجرَّب بحسب خطة الخلاص. وكما سبق أن قلت، فقد افترض (الشيطان) أن كلمات المزمور قد قيلت كما على إنسان عادي، أو على واحد من الأنبياء القديسين.

ولكن بالنسبة لنا نحن الذين نعرف السر تمامًا، والذين نؤمن أنه من الله وابن الله، وأنه صار من أجلنا إنسانًا مثلنا، فإنه أمر بشع جدًّا أن نتصور أن عبارات المزمور هذه تتحدث عنه، إذًا فنحن نقول، إن عبارة “جعلتُ العلي ملجأك” لا تناسب شخص المخلِّص، فإنه هو نفسه العلي، ملجأ الكل، ورجاء الكل، وهو عن يمين الآب الكلي القدرة، وكل من يجعله حصنًا له، فلن يقترب منه شر لأنه يأمر الملائكة، الذين هم أرواح خادمة، أن يحرسوا الأبرار.

فكما أن آباءنا الجسديين حينما يرون الطريق خشنًا ويصعب عبوره، فإنهم يمسكون أطفالهم في أيديهم، لكي لا تصاب أقدامهم الضعيفة بأذى، لكونهم لا يزالون غير قادرين أن يسيروا على الطرق الصعبة، هكذا أيضًا قوات الملائكة لا يسمحون لأولئك، الذين لا يزالون غير قادرين على الجهاد، والذين لا يزال ذهنهم طفوليًّا، أن يتعبوا بما يفوق طاقتهم، بل يختطفونهم بعيدًا عن كل تجربة.

[1] الاثنين أي بصومه أربعين يومًا دون أن يخور الجسد من ناحية، وبسماحة للجسد أن يشعر بالجوع من ناحية أخرى.

صوم المسيح والتجربة – عظة 12 ج1 – إنجيل لوقا 4 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

لماذا يسمح الله بالتجربة والألم والامتحان؟ – القس نصرالله زكريا

لماذا يسمح الله بالتجربة والألم والامتحان؟ – القس نصرالله زكريا

لماذا يسمح الله بالتجربة والألم والامتحان؟ – القس نصرالله زكريا

لماذا يسمح الله بالتجربة والألم والامتحان؟ – القس نصرالله زكريا

التجربة والامتحان أمران لا يمكن الهروب منهما، فما دمنا في هذا العالم، وفي هذا الجسد، وما دمنا في حرب مستعرة مع إبليس وجنوده لا يمكن أن نتجنب التجربة أو الامتحان.

والتجربة جريئة تأتي إلينا في أي وقت، في الأزمات، في الأوقات السعيدة، بل في الصلاة يمكن أن تفاجأنا التجربة، رأينا هذا يحدث مع أنبياء الله إيليا (1ملوك 19)، موسى في وسط صيامه (خروج 32: 19)، المسيح نفسه جاءه المجرب بعد وقت طويل من الصوم والصلاة (لوقا 4: 2-3).

التجربة تأتي في أي مكان، جاءت لآدم في الجنة (تكوين 3)، وجاءت لابني هرون في خيمة الاجتماع (لاويين 10: 1-2)، وفي الهيكل حيث ضربت عزيا الملك بالبرص (2أخبار 26: 16-20).

لكن السؤال الهام: هل هناك فرق بين التجربة والامتحان؟ (وإن كان هناك فرق) فمَن وراء التجربة؟ ومَن وراء الامتحان؟ لماذا يتعرض المؤمنين إلى التجارب والامتحانات؟ ما هو موقف الله عندما يتعرض أولاده للتجارب المختلفة؟

أولًا: الفرق بين التجربة والامتحان!!!

تختلف التجربة كثيرًا عن الامتحان، فمن حيث المعنى، والمصدر، والهدف، والنتيجة، نرى اختلافًا واضحًا وكبيرًا بين كل من التجربة والامتحان.

التجربة: في معناها، تعني الإغواء والإغراء؛ “دعوة إلى الخطية” هذا ما حدث مع حواء في جنة عدن، حينما جاءتها الحية لتغريها بالأكل من الشجرة المنهى عنها.

مصدر التجربة: إبليس، لذلك يسميه الكتاب المقدس، “المجرب”، جاء ليجرب المسيح (متى 4: 3)، ويكتب عنه الرسول بولس إلى مؤمني أهل تسالونيكي قائلًا: «مِنْ أَجْلِ هَذَا إِذْ لَمْ أَحْتَمِلْ أَيْضًا، أَرْسَلْتُ لِكَيْ أَعْرِفَ إِيمَانَكُمْ، لَعَلَّ الْمُجَرِّبَ يَكُونُ قَدْ جَرَّبَكُمْ، فَيَصِيرَ تَعَبُنَا بَاطِلًا» (1تسالونيكي 3: 5).

وقد يستخدم إبليس في تجربته للبشر كل ما هو تحت إمرته، فهو يستخدم ثورات الطبيعة من براكين وزلازل وغيرها ليجرب الإنسان، وأحيانا يستخدم نواميس الطبيعة المعروفة (البحر يُغرق من لا يعرف العوم، وفي الكتاب نقرأ عن افتيخوس الذي نام وهو يسمع عظة بولس فوقع من الطاقة ومات (أع 20: 9)، الأمراض والأوبئة، يستخدم البشر في تجربة البشر أيضًا وتتعدد طرق إبليس التي يجربنا بها.

هدف التجربة: السقوط والفشل، هذا ما حدث مع أبوينا الآولين، سقطا في فخ التجربة، وهكذا عندما تأتي التجربة لإنسان ما فإن هدفها الأول والأخير هو إسقاطه في فخها.

نتيجة التجربة: هو الموت، اقرأ ما كتبه الرسول يعقوب: «وَلَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُجَرَّبُ إِذَا انْجَذَبَ وَانْخَدَعَ مِنْ شَهْوَتِهِ، ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمُلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا».

 ملاحظة هامة جدًا: لا خطأ في أن تُجرَّب، فجميع مَن وجدوا على ظهر الأرض تعرضوا للتجارب، حتى المسيح نفسه تعرض للتجربة مرارًا، فلم يُجرب فقط على الجبل، الثلاث تجارب الشهيرة، لكن اسمع ما سجله لوقا عن تجارب المسيح قائلًا: «وَلَمَّا أَكْمَلَ إِبْلِيسُ كُلَّ تَجْرِبَةٍ فَارَقَهُ إِلَى حِينٍ» (لوقا 4: 13)؛ فلا خطأ في التجربة، ولا نستطيع أن نمنعها، بل يمكن أن تكون فرصة رائعة للنصرة وتمجيد إلهنا الذي نعبده ونستعين به.

أما الامتحان: في معناه فهو محاولة معرفة حقيقة الأشياء العميقة التي فينا، الامتحان: “عطية النعمة لنا” لاكتشاف وإظهار أفضل ما فينا.

مصدر الامتحان: هو الله، هذا ما يؤكده لنا كاتب المزمور قائلًا: «اَلرَّبُّ فِي هَيْكَلِ قُدْسِهِ. الرَّبُّ فِي السَّمَاءِ كُرْسِيُّهُ. عَيْنَاهُ تَنْظُرَانِ. أَجْفَانُهُ تَمْتَحِنُ بَنِي آدَمَ. الرَّبُّ يَمْتَحِنُ الصِّدِّيقَ، أَمَّا الشِّرِّيرُ وَمُحِبُّ الظُّلْمِ فَتُبْغِضُهُ نَفْسُهُ» (مزمور 11: 4-5).

هدف الامتحان: هو النجاح والترقي، هذا ما أخبر به موسى الشعب قائلًا: «لاَ تَخَافُوا. لأَنَّ اللهَ إِنَّمَا جَاءَ لِيَمْتَحِنَكُمْ، وَلِتَكُونَ مَخَافَتُهُ أَمَامَ وُجُوهِكُمْ حَتَّى لاَ تُخْطِئُوا» (خروج 20: 18-20)؛ وهذا ما يخبرنا به الرسول يعقوب قائلًا: «عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا» (يعقوب 1: 13).

نتيجة الامتحان: الحياة المنتصرة الشاهدة عن عمل نعمة الله الغنية من خلالنا.

ثانيًا: لماذا يتعرض المؤمنون للتجارب أو الامتحانات؟

يظن البعض أن الإنسان طالما أصبح مؤمنًا، وابنًا لله فهذا كافٍ لحمايته من التجارب، وهذا الفكر خاطئ للأسباب الآتية:

1- يظل المؤمن إنسانًا حتى بعد إيمانه، وهذا يبقيه في نطاق نواميس الطبيعة وخضوعه لقوانين الطبيعة التي وضعها الله.

2- يخبرنا الكتاب أن، “الطبيعة كلها أخضعت للبطل وأن الخليقة كلها تئن وتتمخض معًا” (رومية 8).

3- الإنسان كائن اجتماعي، فنزال بعد الإيمان مشتركين في علاقات اجتماعية غير منفصلة عن الآخرين وقدرة الآخرين على الإيذاء أو إمكانية استخدم المجرب لهم لتجربتنا.

4- الله لا يحابي الوجوه، وليس لديه قوم مفضلون على قومٍ، بل مكتوب عنه إنه: «يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ» (متى 5: 45)؛ فلو أن زلازلًا فرَّق بين الأبرار والأشرار، فأصاب الأشرار فقط ألا يكون في هذا تجربة كبيرة للكثيرين حتى يخدموا الله ابتغاء هذه العناية واتقاء للكوارث، أو أن الأمراض لا تفتك إلا بالأشرار فقط، أليس في هذا تجربة للكثيرين بالتظاهر بالتقوى والبر حتى يتجنبوا خطر الأوبئة والأمراض.

ثالثًا: موقف الله من أولاده المجربين والمتألمين

  يخطئ من يظن أن الله يقف بعيدًا عن أولاده وهم يُجربون، أو هم يتعرضون للامتحان، بل هنا يختلف أولاد الله عن بقية البشر، فإذا كان جميع البشر معرضون للتجربة، إلا أن أولاد الله يتميزون بأن الله لا يقف بعيدًا عنهم، يقول الكتاب: «فِي كُلِّ ضِيقِهِمْ تَضَايَقَ، وَمَلاَكُ حَضْرَتِهِ خَلَّصَهُمْ» (إشعياء 63: 9). وكل من يعرف المسيح كمخلص شخصي لحياته يعلم تمامًا أن الله لم يدعه وحده للتجربة أو الألم، بل يدعى اسمه عمانوئيل أي الله معنا، فالله يبقى معنا وسط التجربة، ليمنحنا القوة لننتصر عليها، «لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ» (عبرانيين 2: 18).

موقف الله من تجاربنا

1- عند التجربة: يخبرنا الكتاب عن أمانة الله قائلًا: «وَلَكِنَّ اللهَ أَمِينٌ الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضًا الْمَنْفَذَ لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا» (1كورنثوس 10: 13).

2- عند هجوم إبليس: يخبرنا الكتاب عن موقف الله من أولاده قائلًا: «أَمِينٌ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي سَيُثَبِّتُكُمْ وَيَحْفَظُكُمْ مِنَ الشِّرِّيرِ» (2تسالونيكي 3: 3).

3- عند الشعور بالخوف: «اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ الْعَلِيِّ فِي ظِلِّ الْقَدِيرِ يَبِيتُ. أَقُولُ لِلرَّبِّ: «مَلْجَإِي وَحِصْنِي. إِلَهِي فَأَتَّكِلُ عَلَيْهِ». لأَنَّهُ يُنَجِّيكَ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِ، وَمِنَ الْوَبَإِ الْخَطِرِ. بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ، وَتَحْتَ أَجْنِحَتِهِ تَحْتَمِي. تُرْسٌ وَمِجَنٌّ حَقُّهُ. لاَ تَخْشَى مِنْ خَوْفِ اللَّيْلِ، وَلاَ مِنْ سَهْمٍ يَطِيرُ فِي النَّهَارِ، وَلاَ مِنْ وَبَأٍ يَسْلُكُ فِي الدُّجَى، وَلاَ مِنْ هَلاَكٍ يُفْسِدُ فِي الظَّهِيرَةِ» (مزمور 91: 1-5).

4- عندما نخون الله، أو لا نستطيع أن نضع ثقتنا فيه، يخبرنا الكتاب عنه أنه: «إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِينًا، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ» (2تيموثاوس 2: 13).

5- عند انتقاد الآخرين لنا: يخبرنا الكتاب ألا ننظر للآخرين ولا نعتبر لكلامهم بل نستودع نفوسنا كما لخالق أمين في عمل الخير، يكتب الرسول بطرس مؤكدًا هذه الحقيقة قائلًا: «الَّذِينَ يَتَأَلَّمُونَ بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ فَلْيَسْتَوْدِعُوا أَنْفُسَهُمْ كَمَا لِخَالِقٍ أَمِينٍ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ» (1بطرس 4: 19)، وكما قال الرب عن أولئك الذين ينتقدوننا أو يغيظوننا في تجربتنا: «إِنَّهُ سَيَخْزَى وَيَخْجَلُ جَمِيعُ الْمُغْتَاظِينَ عَلَيْكَ. يَكُونُ كَلاَ شَيْءٍ مُخَاصِمُوكَ، وَيَبِيدُونَ» (إشعياء 41: 11).

6- عندما نكون تحت تأديب الله لنا، يجب أن نتأكد من محبة الله لنا، ولهذا هو يؤدبنا، اسمع ما كتبه كاتب العبرانيين قائلًا: «لاَ تَخُرْ إِذَا وَبَّخَكَ. لأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ، وَيَجْلِدُ كُلَّ ابْنٍ يَقْبَلُهُ». إِنْ كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ التَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ اللهُ كَالْبَنِينَ» (عبرانيين 12: 6-7)، وقل مع المرنم: «قَدْ عَلِمْتُ يَا رَبُّ أَنَّ أَحْكَامَكَ عَدْلٌ، وَبِالْحَقِّ أَذْلَلْتَنِي» (مزمور 119: 75).

7-  عندما تشتد عليك التجربة وتفقد الهدف والمعنى من حياتك: تذكر قول الرب لك: «لاَ تَخَفْ لأَنِّي مَعَكَ. لاَ تَتَلَفَّتْ لأَنِّي إِلَهُكَ. قَدْ أَيَّدْتُكَ وَأَعَنْتُكَ وَعَضَدْتُكَ بِيَمِينِ بِرِّي» (إشعياء 41: 10).

8- الله لا يسلمنا أبدًا إلى الزلل، بهذا يترنم المرنم قائلًا: «الْجَاعِلَ أَنْفُسَنَا فِي الْحَيَاةِ، وَلَمْ يُسَلِّمْ أَرْجُلَنَا إِلَى الزَّلَلِ. لأَنَّكَ جَرَّبْتَنَا يَا اللهُ. مَحَصْتَنَا كَمَحْصِ الْفِضَّةِ. أَدْخَلْتَنَا إِلَى الشَّبَكَةِ. جَعَلْتَ ضَغْطًا عَلَى مُتُونِنَا. رَكَّبْتَ أُنَاسًا عَلَى رُؤُوسِنَا. دَخَلْنَا فِي النَّارِ وَالْمَاءِ، ثُمَّ أَخْرَجْتَنَا إِلَى الْخِصْبِ» (مزمور 66: 9-12).

ما أعظم إلهنا هذا الذي في كل ضيقنا يتضايق معنا، وهو الذي لا يدع أرجلنا تزل، بل هو أمين لا يدعنا نجرب فوق ما نستطيع أن نحتمل بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لنستطيع أن نحتمل، وما علينا إلا أن نثق في أن الله مسيطر على توقيت وشدة التجربة والامتحان فلا نفشل، لأن الله لم يعطنا روح الفشل بل روح القوة والمحبة والنصح.

وإذا وثقت في الله وفي محبته وفي قدرته، ستكون التجربة التي هدفها هزيمتي فرصة لإعلان نصرتي وقوتي التي منحني إياها الله في المسيح، وبهذا تكون التجربة فرصة ليعلن الله من خلالها لي وللآخرين قوته المحبة والحافظة.

إن كنا لا نستطيع أن ننجو من التجارب، لكننا بالتأكيد نستطيع أن نضع ثقتنا الكاملة في الله المحب الذي يأخذ بيدنا ويعيننا ويساعدنا ويخوض معنا التجربة ليخرجنا منها ظافرين منتصرين.

لماذا يسمح الله بالتجربة والألم والامتحان؟ – القس نصرالله زكريا

درجة إيمان أعالى – أضواء على النبوات – عزت شاكر حلقة54

درجة إيمان أعالى – أضواء على النبوات – عزت شاكر حلقة54

درجة إيمان أعالى – أضواء على النبوات – عزت شاكر حلقة54

درجة إيمان أعالى – أضواء على النبوات – عزت شاكر حلقة54

Exit mobile version