مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – فبراير 2023م

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفهرست

معنى مصطلح ”مونارخية“. 1

مفهوم ”مونارخية الآب“. 1

لمحة سريعة عن مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة الجامعة. 2

مونارخية الآب عند الآباء الإسكندريين. 2

مونارخية الآب عند آباء فلسطين. 5

مونارخية الآب عند الآباء الأنطاكيين. 6

مونارخية الآب عند آباء آسيا الصغرى.. 7

مونارخية الآب في الكنيسة الغربية. 9

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية الحديثة والمعاصرة 13

المطران كاليستوس وير. 13

مونارخية الآب بحسب التعليم الكبادوكي. 13

بول أفدوكيموف.. 14

مونارخية الآب في تعليم الآباء الكبادوك. 14

المطران إيريثيؤس فلاخوس… 15

المفهوم الأرثوذكسي لمونارخية الآب.. 15

جورج فلوروفسكي. 16

مونارخية الآب في تعليم ق. باسيليوس الكبير. 16

مونارخية الآب في تعليم ق. غريغوريوس اللاهوتي. 16

أندرو لاوث.. 17

وحدة الألوهة في أقنوم الآب.. 17

مونارخية الآب في تعليم مجمع نيقية 325. 18

جون رومانيدس… 18

مونارخية الآب بحسب تعليم آباء الكنيسة. 18

جون ماكجوين. 19

مونارخية الآب في تعليم ق. غريغوريوس اللاهوتي. 19

فلاديمير لوسكي. 20

مونارخية الآب في تعليم الآباء اليونانيين. 20

جان كلود لارشيه. 21

مونارخية الآب في التعليم الأرثوذكسي الشرقي. 21

يوحنا زيزيولاس… 22

مونارخية الآب في تعليم الآباء اليونانيين. 22

الآب هو العلة الأنطولوچية. 23

مونارخية الآب في اللاهوت الشرقي. 24

الشماس اسبيرو جبور. 25

مفهوم مونارخية الآب في الثالوث.. 25

فالتر كاسبر. 25

مونارخية الآب في صيغ الاعتراف القديمة والليتورجية القديمة في الكنيسة. 26

مونارخية الآب عند يوستينوس وإيرينيؤس وترتليانوس.. 26

مونارخية الآب عند العلامة أوريجينوس والأب يوحنا الدمشقي. 27

مونارخية الآب عند العلامة ترتليان الأفريقي. 27

مونارخية الآب عند ق. ديونيسيوس الإسكندري.. 28

مونارخية الآب في مجمع نيقية المسكوني ٣٢٥. 29

مونارخية الآب عند الآباء الكبادوك. 29

جيوفري ويليام لامب.. 31

مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة الجامعة. 31

أليستر ماجراث.. 31

مونارخية الآب في اللاهوت الشرقي. 31

مونارخية الآب بحسب الآباء الكبادوك. 32

مونارخية الآب في تعليم الآباء الشرقيين اليونانيين. 33

مونارخية الآب وجدل الفيليوكوي.. 33

ديفيد برنارد 34

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك. 34

هنري شيلدون. 35

مونارخية الآباء في تعاليم آباء الكنيسة. 35

كارل ردولف هاجينبك. 36

مونارخية الآب في التعليم النيقاوي.. 36

جوزيف تكسرون. 36

وحدة الألوهة في أقنوم الآب عند ق. أثناسيوس.. 36

مونارخية الآب في تعليم الآباء الكباوك. 37

لويس بيركهوف.. 38

الفرق بين مونارخية الجوهر ومونارخية الآب.. 38

جستو جونذاليز. 39

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك. 39

جيمس فرانكلين بيثون بيكر. 42

الآب الينبوع عند ق. أثناسيوس.. 42

مونارخية الآب عند ق. غريغوريوس النيسي. 42

رينهولد سيبرج. 44

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك. 44

كارل رانر. 46

وحدة الألوهة في أقنوم الآب.. 46

شرح الثالوث بين الشرق والغرب.. 47

سر مونارخية الآب ووحدة السمو الإلهي. 48

جوهانس كواستن. 48

الآب هو الينبوع والمصدر عند ق. أثناسيوس.. 48

مونارخية الآب في الدراسات القبطية الحديثة. 50

جورج عوض إبراهيم. 50

مونارخية الآب عند ق. كيرلس الإسكندري.. 50

المفهوم الأرثوذكسي لمونارخية الآب.. 51

سعيد حكيم يعقوب.. 52

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك. 52

مونارخية الآب في تعليم الآباء الشرقيين. 52

 

 

معنى مصطلح ”مونارخية“

مصطلح ”مونارخية“ هو مصطلح يونانيّ يتكوَّن من مقطعين هما: مونو μονο وهي كلمة يونانية معناها واحد وحيد، و άρχή وهي كلمة يونانية معناها رأس، أو أصل، أو بداية، أو مصدر.

مفهوم ”مونارخية الآب“

مفهوم ”مونارخية الآب“ كما شرحه آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا هو أن أقنوم الآب هو الرأس، أو الأصل، أو العلة، أو الينبوع، أو المصدر الوحيد لأقنومي الابن والروح القدس في الثالوث القدوس. وهكذا يُؤكِّد آباء الكنيسة على ولادة الابن من الآب كرأس ومصدر قبل كل الدهور أزليًا وبلا بداية زمنية، كما يُؤكِّدون على انبثاق الروح القدس من الآب فقط كأصل ومصدر قبل كل الدهور أزليًا وبلا بداية زمنية.

 

 

لمحة سريعة عن مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة الجامعة

سوف نستعرض بإيجازٍ شديد عقيدة ”مونارخية الآب“ في كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، لنُؤكِّد على أن هذه العقيدة هي عقيدة راسخة ومتغلغلة في فكر ووجدان الكنيسة الأولى منذ نشأتها وإلى الآن.

مونارخية الآب عند الآباء الإسكندريين

يُشِير العلامة كليمندس الإسكندريّ إلى ”مونارخية الآب“ في الثالوث، حيث يرى أن الآب هو علة كل شيء جيد، وأنه ملك الكل، وأن الابن هو الثاني، وكل شيء به كان بحسب إرادة الآب، والروح القدس هو الثالث، وكل شيء به كان وفقًا لإرادة الآب قائلاً: ”حتى أنه عندما يقول: ’حول [الآب] ملك الكل، كل شيء يوجد، وبسببه كل شيء. وهو علة كل الأشياء الجيدة. وحول الثاني الأشياء الثانية في الترتيب، وحول الثالث الثالثة‘. فإنني لا أفهم شيئًا آخر سوى أن المقصود هو الثالوث القدوس، لأن الثاني هو الابن الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب، والثالث الروح القدس، الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب“.[1] ويشير العلامة أوريجينوس الإسكندريّ إلى ”مونارخية الآب“ في الثالوث، مُؤكِّدًا على أن الآب هو بداية الابن في الأزلية، وذلك في سياق تفسيره لآية (يو 1: 1) ”في البدء كان الكلمة“ كالتالي: ”يمكن للمرء أن يفترض بالاستناد على نقطة أن الله نفسه هو بداية كافة الأشياء، أن الآب هو بداية الابن. وهكذا إن الفساد هو بداية أعمال السخط، فبكلمةٍ واحدةٍ، [الله] هو بمثابة البداية لكل ما هو موجودٌ. هذا الرأي مدعوم من قبلنا (في القول المقدَّس) ’في البدء كان الكلمة‘. ففي لفظة (الكلمة) يمكن للمرء أن يرى الابن، ولأن (الابن) كان في الآب، فمن هنا يمكن بالمثل أن يُقَال أنه، أي الابن، كان أيضًا في البدء [الآب]“.[2] يُشِير ق. ديونيسيوس الإسكندريّ في إشارة واضحة إلى ”مونارخية الآب“ في الثالوث القدوس، حيث يُؤكِّد على وحدة مشيئة الآب والابن في تدبير الآلام الخلاصية، وهكذا يُكرِّم الابن الآب كرأسٍ له قائلاً: ”قطعًا ويقينًا إن إرادة الابن ليست شيئًا آخر غير إرادة الآب، لأنَّ مَن يريد ما يريده الآب تكون له نفس مشيئة الآب. هذا بشكلٍ هندسيّ، لذلك فعندما يقول: ’لا إرادتي بل إرادتك‘، فليس معناها أنه يرغب أن تنزاح عنه الكأس، بل إنه يشير إلى أن إرادة الآب هي في أن يتألم، وهكذا يُكرِّم الآب كرأسٍ άρχήν، لأنه إذَا لقَّب الآباء إرادة شخص بأنها مُجرَّد رأي [أو علامة رمزية أو شكلية]، وإنْ كانت مثل هذه الإرادة ترتبط بما هو خفيّ وله غاية كامنة، فكيف يقول البعض إن الربَّ الذي هو فوق كل هذه الأشياء له إرادة شكلية؟ إن هذا واردٌ فقط إذَا كان لدينا خلَّل في الفكر“.[3]

يُوضِّح العلامة الإسكندريّ ديديموس الضرير، في سياق تأكيده على ”مونارخية الآب“ في الثالوث، أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج الابن أو المخلِّص نفسه من الله، ويشير إلى أن الروح القدس يُقَال عنه أنه ’ينبثق من عند الآب‘ (يو 15: 26)، وذلك وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة، أي المصدرية. وبالرغم من أن المسيح قال إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه خاصية الانبثاق عند حديثه عن علاقته بالآب، لأن خاصية الانبثاق هي خاصة بالروح القدس فقط كالتالي: ”فعلينا أن ندرك أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج المخلِّص نفسه من الله، وهو ما شهد له [المخلِّص] بقوله: ’لأني خرجت من قِبَل الله وأتيت‘ (يو 8: 42) […] وهكذا فعلينا أن نُؤمن بالإقرارات التالية التي استخدمت كلمات لا يُنطَق بها وهي مُدرَكة بالإيمان وحده عن أن المخلِّص ’خرج من عند الآب‘ (يو 8: 42)، و ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26)، والآب نفسه الذي قال: ’الروح الذي يخرج مني‘ (إش 57: 16 سبعينية). وبالحقيقة قد قيل حسنًا بالنص: ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26). وكان من الممكن أن يقول: ’من الله‘، أو ’من الربّ‘، أو ’من ضابط الكل‘، ولكنه لم يستعمل أيًا من هذه. بل عوضًا قال: ’من الآب‘، وهذا مردَّه لا لأن الآب مُختلِف عن الله ضابط الكل – فإن مُجرَّد التفكير في هذا يُعدّ جرمًا – بل بالحري أن روح الحق يُقَال عنه ’ينبثق من الآب‘ (يو 15: 26)، وفق خاصة الآب المتفرِدة، ووفق مفهوم الأبوة. وبالرغم من أن المسيح قال في مواقفٍ عديدةٍ إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه المزيَّة [أي الخاصية الأقنومية] التي ناقشناها لتونا [أي الانبثاق]، عند حديثه عن علاقته بالآب، بل عندما يتحدَّث عنها يقول: ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وفي موضع آخر: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30). والقارئ الحصيف سيجد في الإنجيل فقرات أخرى عديدة مُشابهة لهذه“.[4]

يصف ق. أثناسيوس الإسكندريّ الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس، مُميِّزًا بينه وبين أقنومي الكلمة والروح القدس كالتالي: ”وهكذا يُكرَز بإلهٍ واحدٍ في الكنيسة: ’الذي على الكل وبالكل وفي الكل‘ (أف 4: 6). ’على الكل‘ أي كأب وكبدءٍ وكينبوع، و ’بالكل‘ أي بالكلمة، و ’في الكل‘ أي في الروح القدس. هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام، بل بالحق والوجود الفعليّ“.[5]

يشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى ”مونارخية الآب“ في الثالوث، وذلك في سياق رده على إدعاء الآريوسيين الهراطقة بأن الآب هو علة وجود الابن المخلوق، مُؤكِّدًا على أن الآب هو علة وجود الابن كوالدٍ بحسب الطبيعة، وليس كخالق، قائلاً: ”بأية طريقة، يا مُحارِبي المسيح، تزعمون أن الآب صار علة وجود الابن؟ حسنًا. إذَا كُنتم تظنون أنه مخلوق، فإنه عندئذٍ يكون مخلوقًا وليس ابنًا، مُحارِبين بوضوحٍ الآب الذي يقول للذي ولده: ’ولدتك من بطني قبل يوسيفوروس [كوكب الصبح]“ (مز 109: 3 سبعينية). أمَّا لو اعترفتم بأنه – حقًا – هو الابن وآمنتم بأنه هكذا يكون، عندئذٍ يتحتم عليكم ألا تقولوا إن الآب علة الابن كخالق، بل كوالدٍ بحسب الطبيعة. ولن يُعِيقكم عن ذلك شيءٌ؛ لأن الذي يأتي من آخر بحسب الطبيعة، يتحتم أن يكون من نفس جوهره، حتى لو كان ذاك هو علة وجوده“.[6]

مونارخية الآب عند آباء فلسطين

يرى ق. كيرلس الأورشليميّ في تأكيده على ”مونارخية الآب“ أن الآب هو رأس الابن، وأن الابن ليس له مبدآن، بل له مبدأ وحيد هو الآب قائلاً: ”ولكن كما أن الآب أزليّ، فقد ولده منذ الأزل، وبكيفية لا تُوصَف، ابنًا وحيدًا ليس له أخوة. وكذلك ليس له مبدآن، ولكن رأس الابن هو الآب، المبدأ الوحيد (1كو 11: 3). لأن الآب ولد ابنه، وهو إلهٌ حق، يُدعَى عمانوئيل (إش 7: 14) الذي تفسيره: الله معنا (مت 1: 23)“.[7] ويُوضِّح ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص أن قول المسيح عن الآب أنه ”الإله الحقيقيّ وحده“، فإنه يقودنا إلى وحدة الرأس أو المبدأ، أي ”مونارخية الآب“، قائلاً: ”لذا ففي قوله ’الإله الحقيقيّ وحدك‘، قد قادنا إلى ’وحدة الرأس/المبدأ‘، لكي لا نكون ’خاضعين تحت أركان العالم‘ (غلا 4: 3) فيما بعد، […] إذًا، فإن الآب هو الله الواحد والإله الحقيقيّ وحده، والابن الوحيد هو الله. لذا فهو ليس غريبًا عن الله وعن الوحدة. لكن بما أن الابن من الآب، لذا فهو الإله الحقيقيّ وحده. […] لكنه الإله الحقيقيّ وحده، لأن الابن الوحيد هو وحده من الوحيد، والروح القدس وحده [من الوحيد]. فإنه هناك ثالوث في وحدة، وإله واحد، آب وابن وروح قدس“.[8]

مونارخية الآب عند الآباء الأنطاكيين

يُؤكِّد ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ على ”مونارخية الآب“ في الثالوث، مُشِيرًا إلى أن الآب هو مصدر كل شيء قائلاً: ”وإذَا دعوته الآب، فأنا أتحدَّث عنه كمصدر كل شيء“.[9] يتحدَّث ق. يوحنا ذهبي الفم عن وحدة المبدأ الأبويّ في الثالوث، أو مونارخية الآب في الثالوث، وينفي فكرة وجود علتين أو أصلين في الثالوث، حيث يقول كالتالي: ”وإنْ كان لشخص ما أن يسأل: لماذا لم يذكر العلة الأولى [أي الآب]، بل هو يحدَّثنا في الحال عن العلة الثانية [أي الابن]؟ إننا نستعفي من الحديث عن العلة الأولى والثانية، لأن الألوهة فائقة على الأعداد الحسابية وتتابُّع الزمن. لذا تحاشينا استعمال هذه التعابير، ونُؤكِّد على أن الآب غير مولود، والابن مولود من الآب […] إنه يعلم أن البشر يُكرِّمون جدًا العلة الأولى [أي الآب] وأنه ليس له بداية واعتبروه الله“.[10]

يُشِير ق. ساويروس الأنطاكيّ إلى ”مونارخية الآب“، مُؤكِّدًا على أن الآب هو جذر ومصدر الابن والروح القدس قائلاً: ”وهذا يُوضِّح أننا بدورنا نؤمن بإلهٍ واحدٍ وفي جوهر [أوسيا] واحد، وهو موجود ويُعرَف في ثلاثة أقانيم. إذ إن الابن قد وُلِدَ من الآب، والروح مُنبثِق من الآب، بالرغم من أن ذلك منذ الأزل وبغير زمن، وأن رجوعهما هو إليه كما إلى جذر ومصدر، وأنهما منه، إلا أنهما ليسا بعده. ولهذا السبب، بينما نعترف بثلاثة أقانيم، لا نُؤمن بثلاثة أسباب [علل] أولية، ولكن بسبب [بعلة] أوليّ واحد، وملك واحد“.[11]

مونارخية الآب عند آباء آسيا الصغرى

يُشِير ق. غريغوريوس العجائبيّ، أسقف قيصرية الجديدة بآسيا الصغرى (تركيا حاليًا)، إلى ”مونارخية الآب“ في الثالوث، حيث يرى أن الآب هو العلة الأولى الصانعة لجميع الأشياء بواسطة الابن قائلاً: ”أمَّا من جهتنا نحن البشر، فوسيلتنا الوحيدة لإظهار العرفان بالجميل والورع، تجاه كل الخيرات التي نتلقاها من الآب، لن تكون إلا بواسطة الابن الذي من خلاله، نُقدِّم عرفان الجميل بحسب إمكانيتنا مُعترِفين أن السبيل الوحيد لإظهار التقوى إنما يكمن بالتذكُّر الدائم للعلة الأولى الصانعة جميع الأشياء بواسطة الابن“.[12] يتحدَّث ق. باسيليوس الكبير بوضوحٍ عن ”مونارخية الآب“، مُشِيرًا إلى أن الآب هو العلة والمصدر في الثالوث القدوس قائلاً: ”لأنه كما أن الابن بحسب الترتيب، هو الثاني في علاقته بالآب، لأنه آتى منه، وبحسب رتبة البنوة، هو الثاني، لأن الآب هو المصدر والعلة، طالما أنه أبو الابن، ولأنه عن طريقه، قد آتى الابن وعاد إلى الله الآب، لكنه بحسب الطبيعة، ليس ثانٍ، لأن الألوهية واحدة في كليهما“.[13]

يُؤكِّد ق. غريغوريوس اللاهوتيّ على ”مونارخية الآب“، وذلك في سياق شرحه لموضوع العلة في الثالوث القدوس، وتشديده على أن الآب هو مبدأ وعلة الألوهة للابن والروح القدس أزليًا، أي من دون سابق زمنيّ في الثالوث. حيث إن مفهوم العلية كما جاء في الفلسفات اليونانية وبالأخص الفلسفة الأرسطية، مبني على وجود فاصل زمنيّ بين العلة الأولى، أي الله، وبين الخليقة المعلولة له، ولكن لا ينطبق هذا المفهوم على الحال في الثالوث، لأنه في الأزلية خارج الزمن لا يوجد سابق ولاحق، بل العلة في اللازمكان، علة مُختلِفة تمامًا عن العلة في الزمكان كالتالي: ”فكيف لا يكونان مع الآب بدون مبدأ إذَّا كانا معه أزليين؟ فما لا مبدأ له أزليّ، ولكن ما هو أزليّ ليس بالضرورة بلا مبدأ، ما دام ذلك يتعلق بالآب الذي هو المبدأ. فليسا بلا مبدأ من حيث العلة، ولكنه من الظاهر أن هذه العلة لا تسبق مَنْ كانا معلولين لها مثلما لا تكون الشمس سابقة لنورها. فهما بدون مبدأ من حيث الزمن. بالرغم من فزَّاعتك التي تعمل بها على ترويع السذج، إذ لا يخضع للزمن مَنْ يصدر عنهم الزمن“.[14]

يُشدِّد ق. غريغوريوس النيسيّ على ”مونارخية الآب“ في الثالوث قائلاً: ”بالنسبة للثالوث القدوس لا ينطبق هذا: أن الأقنوم الواحد نفسه هو بالتحديد: أقنوم الآب، الذي يُولَد الابن منه، والذي ينبثق الروح القدس منه [قارن يو15: 26]. ولذلك ندعوه بحزمٍ دون ارتياب الأصل مع مَنْ يصدر منه الإله الواحد، لأن له نفس الوجود معهما. فأقانيم الألوهية غير مُنفصِلين عن بعضهم البعض في الزمان، ولا في المكان، ولا في الإرادة، ولا في العمل، ولا في الطاقات، ولا في شيء مما يحدث منهم، ولا في هذه الأمور التي توجد عند البشر؛ إلا في واحدة فقط، أن الآب آب وليس ابنًا، والابن ابن وليس آبًا، وبالمثل فإن الروح القدس ليس الآب ولا الابن. ولذلك لا نُضلِّل أنفسنا بأيّ استنتاج منطقيّ لندعو الأقانيم الثلاثة ثلاثة آلهة“.[15]

مونارخية الآب في الكنيسة الغربية

يُؤكِّد ق. إيرينيؤس – أسقف ليون بفرنسا، والملقَّب بـ ”أبي التقليد الكنسيّ“، والذي كان تلميذًا للقديس بوليكاربوس أسقف سميرنا (حاليًا أزمير بتركيا)، والذي كان بدوره تلميذًا للقديس يوحنا الرسول – على أن الآب هو رأس المسيح في سياق تأكيده على ”مونارخية الآب“ في الثالوث قائلاً: ”وهكذا يُعلِن إله واحد، الله الآب، الذي فوق الكل، وخلال الكل، وفي الكل. فالآب هو حقًا فوق الكل، وهو رأس المسيح، أمَّا الكلمة فهو خلال كل الأشياء، وهو نفسه رأس الكنيسة، بينما الروح هو فينا جميعًا، وهو الماء الحيّ (يو 7: 39)، الذي يمنحه الربُّ للمؤمنين به بإستقامةٍ ويحبونه، والذين يعرفون أنه يوجد آب واحد الذي ’على الكل، وبالكل، وفينا كُلنا‘ (أف 4: 6)“.[16]

يُشِير العلامة ترتليان الأفريقيّ إلى ”مونارخية الآب“، مُؤكِّدًا على أن كلمة مونارخية لا تعني أي شيء آخر سوى مبدأ الشخص الواحد المفرد، ولكن لا تمنع هذه المونارخية من أن يكون لهذا الشخص ابنًا في إشارة واضحة إلى شخص الآب كرأس ومبدأ واحد في الثالوث قائلاً: ”فأنا مُتأكِّد أن كلمة مونارخية ليس لها معنى آخر سوى مبدأ الشخص الواحد المفرد، لكن رغم هذا، إن هذه المونارخية ولأنها تعني رئاسة شخص، لا تمنع هذا الشخص الذي له [المونارخية] من أن يكون له ابنٌ، أو أن يجعل لنفسه ابنًا، أو أن يُدبِّر مونارخيته [رئاسته] الخاصة من خلال مَن يريد. بل بالأكثر، فأنا أؤكد أنه لا توجد مونارخية لواحدٍ وحيد، فهل سيكون رأسًا لنفسه مُنعزِلاً لهذا الحدّ؟ فهل تكون هذه مونارخية، تلك التي لا تُدبَّر من خلال أشخاص آخرين مُقرَّبين إليها؟ ولكن إذَا كان هناك ابن لصاحب المونارخية [الرئاسة]، فإن هذا لا يجعله منقسمًا، ولا تتوقف مونارخيته، حتى لو افترضنا أن الابن شريكٌ فيها، فهي ستبقى دائمًا لهذا الذي تنتقل منه إلى الابن، وطالما كانت له، فستبقى دائمًا مونارخية هي التي تُقَام بالاثنين، وتجعلهما مُتَّحِدين معًا“.[17]

ويُؤكِّد نوفاتيان الأفريقيّ على ”مونارخية الآب“، حيث يشير إلى أن الابن يُقدِّم نفسه للآب مُطِيعًا في كل شيء، برغم من أنه هو الله أيضًا، إلا أنه بإطاعته يُظهِر أن الآب الذي يستمد منه أصله هو الله الواحد قائلاً: ”وبينما يُقدِّم [الابن] نفسه إلى الآب مُطِيعًا في كل شيء، برغم من أنه هو الله أيضًا، إلا أنه بإطاعته يُظهِر أن الآب الذي يستمد منه أصله هو الله الواحد. ونتيجةً لذلك، لا يستطيع [الابن] أبدًا أن يُشكِّل إلهًا ثانيًا؛ لأنه لا يُشكِّل أصلاً ثانيًا، بقدر ما يحصل على مصدر ولادته قبل كل الأزمنة من ذاك الذي هو بلا بداية. ولأن ما هو غير مولود، مثل الله الآب وحده، الذي يسمو عن أيّ أصل، والذي منه مَن هو مولود، هو أصل كل الأشياء الأخرى، فإن مَن هو مولود منه يأتي بحقٍ ممَّن هو بلا أصل. هذا يثبت أن [الآب] غير المولود هو الأصل الذي منه الابن ذاته. وحتى برغم أن المولود هو الله، إلا أنه يُظهِر أن الله واحدٌ، لأن المولود أكَّد أنه [أي الآب] هو بلا أصل“.[18]

يُشدِّد ق. أمبروسيوس أسقف ميلان على أن الآب هو ينبوع وأصل كينونة الابن في سياق تأكيده على ”مونارخية الآب“ في الثالوث قائلاً: ”لأنه هو الابن المولود من الآب، إنه يحيا بالآب لأنه من جوهر واحد معه، بالآب لأنه هو الكلمة الذي يُولَد من قلب الآب (مز 44: 1 سبعينية)، لأنه جاء من الآب لأنه مولود من ’أحشاء الآب [من البطن ولدتك]‘ (مز 109: 3 سبعينية)، لأن الآب هو ينبوع وأصل كينونة الابن“.[19] ويُؤكِّد ق. هيلاري أسقف بواتييه، والملقَّب بـ ”أثناسيوس الغرب“ على ”مونارخية الآب“، مُشِيرًا إلى أن الآب هو المصدر الفريد للابن، لأن الابن هو المولود الوحيد منه كالتالي: ”الآب في الابن، لأن الابن منه؛ الابن في الآب، لأن الآب هو مصدره الفريد؛ المولود الوحيد هو في غير المولود، لأنه المولود الوحيد من غير المولود“.[20]

 

 

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية الحديثة والمعاصرة

سوف نستعرض في هذا البحث أهم الإشارات إلى عقيدة مونارخية الآب في الثالوث القدوس، وذلك في كتابات أهم الأساتذة والباحثيين اللاهوتيين من مُختلف الجامعات والمدارس اللاهوتية، سواء المدرسة الإنجليزية، أو الفرنسية، أو الألمانية، أو الأمريكية، أو اليونانية، أو القبطية، بل ومن مُختلف الكنائس والطوائف المسيحية، سواء، الأرثوذكسية، أو الكاثوليكية، أو البروتستانية. وذلك من أجل الوقوف على أفضل تصوُّر للمونارخية، أو وحدة الرأس، أو الأصل، أو المصدر، أو الينبوع، أو العلة في الثالوث القدوس. وسوف نبحث شروحات هؤلاء الأساتذة والباحثين المرموقين على مستوى العالم لفكر آباء الكنيسة والمجامع المقدَّسة حول مونارخية الآب في الثالوث القدوس.

المطران كاليستوس وير

مونارخية الآب بحسب التعليم الكبادوكي

يشرح المطران كاليستوس وير مونارخية الآب في الثالوث بحسب تعليم الآباء الكبادوك قائلاً: ”ولكن إذَا كان لكل أقنوم ميزته الخاصة، فما الذي يجمع الثالوث القدوس؟ تُجِيب الكنيسة الأرثوذكسية عن هذا السؤال، وفقًا لآراء الآباء الكبادوكيين، أن الله واحدٌ لأن الآب واحدٌ. وفي التعبير اللاهوتيّ، الآب هو علة الألوهة ومصدرها. وهو مبدأ αρχή الوحدة بين الثلاثة. وتتحدَّث الأرثوذكسية في هذا المعنى عن مونارخية الآب μοναρχή. أمَّا الأقنومان الباقيان فيرجع أصلهما للآب ويُحدَّدان حسب علاقتهما به. الآب هو مصدر الألوهة، وهو غير مولود، ولم ينبثق من أحد. والابن مولود من الآب منذ الأزل (قبل كل الدهور على حد تعبير قانون الإيمان)، والروح القدس منبثق من الآب منذ الأزل“.[21]

بول أفدوكيموف

مونارخية الآب في تعليم الآباء الكبادوك

يُفسِّر اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ الروسيّ بول أفدوكيموف ”مونارخية الآب“ في تعليم الآباء الكبادوك قائلاً: ”إن للأقانيم في الثالوث جوهرًا واحدًا، ولكُلٌّ منهم خصائص شخصية. هذه الخصائص هي الصفات الأقنومية التي تُميِّز الآب بوصفه غير مولود ومبدأ الألوهة وينبوعها وجذرها، والابن بوصفه مولودًا والروح بوصفه منبثقًا. وهذه الصفات من شأنها التمييز بين الأقانيم والتعبير عن الطرائق الوجودية في الأقانيم. فالآب، آبٌ منذ البدء، والابن مولودٌ بدون ابتداء، كائنٌ معه، مُساوٍ له كصورته الحية وصورة جوهره. وانبثاق الروح القدس لا يختلط أصلاً بهذا الإيلاد، ويظلّ مُكتنفًا بالأسرار. غير أن الآب يُصدِر الروح القدس كما يلد الابن. إن كلمتي الولادة والانبثاق تشيران إلى مصدر ومبدأ الولادة والانبثاق، وكلاهما صدور باطنيّ، لا يمكن فصلهما عن الآب الذي يعطي الجوهر الذي لا ينقسم كله، جوهر الألوهة. وهكذا، فالآب هو مبدأ الابن والروح، وهو جذر وينبوع، ولأجل هذا، ’فالألوهة معبودةٌ في وحدة الرئاسة‘contra sabellius. Hom. 24. PG. 31. 609 ، كما يقول ق. باسيليوس. ويُفسِّر ق. غريغوريوس النزينزيّ ذلك بقوله: ’إن وحدة الرئاسة تعني الكرامة المتساوية في الطبيعة، وتوافق الفكر، والذاتية حيال الآب […] إن وثوق الصلة التي بين الأقانيم تجعل الثلاثة في اتحادٍ لا ينفصم في وحدة الله الواحد‘ Hom. 29. 2. PG. 36. 76“.[22]

المطران إيريثيؤس فلاخوس

المفهوم الأرثوذكسي لمونارخية الآب

يشرح المطران الأرثوذكسيّ إيريثيؤس فلاخوس، مطران نافباكتوس وفلاسيوس في اليونان، وأستاذ اللاهوت في جامعات تسالونيكي وأثينا باليونان، ”مونارخية الآب“ في الثالوث، كالتالي: ”بالرغم من أن الآب هو المصدر، والابن مولودٌ، والروح مُنبثقٌ، إلا أن الثلاثة لهم نفس الطبيعة والجوهر والإرادة والقوة. يشترك أقانيم الثالوث القدوس الثلاثة في نفس الطبيعة، ونفس الفكر، ونفس القوة، وأيٌّ منهم ليس أعظم من الآخرين. بكلماتٍ أخرى، ليس الابن ولا الروح القدس أدنى مرتبةً من الآب. وعندما نتحدَّث عن الأقانيم الأول والثاني والثالث في الثالوث القدوس، نحن لا نُقارِن بينهم بحسب القيمة والرفعة والقدرة، بل بحسب طريقة الكينونة (القديس باسيليوس الكبير). في النهاية، يعجز المنطق البشريّ والفهم البشريّ والكلمات عن صياغة سر الإله الثالوثيّ“.[23]

جورج فلوروفسكي

مونارخية الآب في تعليم ق. باسيليوس الكبير

يشرح الأب چورچ فلوروفسكي، أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعات هارفارد وبرنستون بأمريكا، والعميد السابق لمعهد سرجيوس بباريس وسانت فلاديمير بأمريكا، ”مونارخية الآب“ عند ق. باسيليوس الكبير قائلاً: ”تكشف أسماء الثالوث عن سر الوحدة الإلهية. وبحسب ق. باسيليوس، ’فإن الوحدة حاضرةٌ في فكرة جوهرهم. وعلى الرغم من وجود تمايُّز في عدد وخصائص كُلٌّ منهم، إلا أن الوحدة موجودة في فكرة الألوهة نفسها. وذلك لأن مبدأ واحد، ومصدر واحد، وعلة واحدة، للوجود الإلهيّ‘ متأصلة في الله. فالآب هو المبدأ والعلة للابن المولود والروح المنبثق. إنه [الآب] النقطة المركزية للوجود الإلهي والحياة الإلهية. فالعلية أو السببية الموجودة في الحياة الإلهية هي أزلية، لأن كل شيء في الألوهة لا يتغيَّر ولا يتبدل. إن تضاد ’ما يُسبَّب‘ مع ’ما هو السبب‘، والتمييز بين الأول والثاني، لن يكون له معنى إلا في سياق عملية الاستدلال لدينا. إنهما يُحدِّدان الترتيب الذي يمكننا به فهم الألوهة“.[24]

مونارخية الآب في تعليم ق. غريغوريوس اللاهوتي

يُوضِّح الأب چورچ فلوروفسكي ”مونارخية الآب“ في تعليم ق. غريغوريوس النزينزيّ اللاهوتيّ قائلاً: ”على الرغم من أن الأقانيم أزلية وفائقة على الزمن، إلا أنها ليست مستقلة عن بعضها البعض. الابن والروح ’ليس لهما بداية من جهة الزمن‘، لكنهما ’ليسا بلا مصدر أوليّ مطلق‘. ولكن الآب لا يوجد قبلهما، لأنه لا هو ولا هما خاضعون للزمن. إن الابن والروح أزليان، لكن، على عكس الآب، لم يكونا بلا مصدر، لأنهما ’من الآب، ولكنهما ليسا بعده‘. وهذه العلية أو السببية الغامضة لا تتضمن تسلسلاً أو استحداثًا. لا شيء في الثالوث يأتي إلى الوجود، أو ينشأ أبدًا، لأن اللاهوت هو الكمال، ’بحرٌ لا نهاية له من الوجود‘. يُدرِك ق. غريغوريوس أن هذا التمييز لم يكن من السهل فهمه، وأنه يمكن أن يكون مُربِكًا للناس البسطاء. ’صحيح أن ما ليس له بداية هو أزليّ، لكن ما هو أزليّ، ليس بالضرورة بلا مصدر، إنْ كان هذا المصدر هو الآب‘“.[25]

أندرو لاوث

وحدة الألوهة في أقنوم الآب

يرى الأب أندرو لاوث، أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعة أوكسفورد، في سياق تأكيده على ”مونارخية الآب“ في الثالوث، أن اللاهوت اليونانيَّ يُشِير إلى وحدة الألوهة في أقنوم الآب، خاصةً في القرنين الرابع والخامس كالتالي: ”هناك، ولا يزال في اللاهوت اليونانيّ على وجه الخصوص، شعور بأن الله هو الآب؛ فهو تعبيرٌ شائعٌ في اللاهوت اليونانيّ في القرنين الرابع والخامس، وفي الواقع، يتحدَّث في وقتٍ لاحقٍ عن ho theo kai pater، أي ’الله والآب‘، وغالبًا ما يُترجَم بتكاسلٍ إلى ’الله الآب‘. لذلك هناك شعور قوي جدًا في العهد الجديد وفي اللاهوت اليونانيّ اللاحق بأن كلمة ’الله‘ ho theos تُشِير إلى الآب. يُوضِّح هذا الاستعمال أن توحيد العبرانيين هو أمرٌ يُؤكِّده الإيمان المسيحيّ ولا يُقوِّضه. وما حدث – بسرعةٍ كبيرةٍ، وفي غضون عقود من صلب المسيح – هو أن المسيح يُنظَر إليه على أنه في نفس مرتبة الله الآب، مع الروح القدس أيضًا“.[26]

مونارخية الآب في تعليم مجمع نيقية 325

يشرح الأب واللاهوتيّ الأرثوذكسيّ أندرو لاوث مفهوم ”مونارخية الآب“ في الثالوث في قانون إيمان نيقية قائلاً: ”أول مصطلح تقنيّ تمَّ تقديمه هو تعبير ’هوموأوسيوس‘، أو مُساوٍ في الجوهر: لقد تمَّ التأكيد على الابن في قانون إيمان نيقية، والمجمع المسكونيّ الأول ٣٢٥م، أنه هوموأوسيوس، مُساوٍ للآب في الجوهر، أي أنه يستمد ذاته من الآب، وأنه مُساوٍ له، وليس بنوعٍ من التراتبية. وفي وقتٍ لاحقٍ من هذا القرن، أصبح من الواضح أن الروح القدس أيضًا مُساوٍ للآب في الجوهر. ويقتضي هذا التأكيد على أنه لا يوجد سوى كينونة واحدة أو جوهر إلهيّ واحد، أو أوسيا واحدة، وأن هذا يُعبِّر عن وحدة الألوهية. لكن الأوسيا أو الجوهر الإلهيّ لا يجب أن يُفهَم – كما هو بمصطلحات عامة أخرى – مثلما يعني أن تكون إلهيًا، فلا يحفظ هذا وحدانية الله، كما أن الطبيعة البشرية الواحدة لا تعني إنسان واحد فقط. بل بالأحرى، كان يُفهَم أن الأوسيا الإلهيّ هو كيان الآب – كينونة الإله الواحد الذي ندعوه بالآب – والذي امتد باستمراريةٍ غير مُنقطِعة إلى الابن، من خلال الولادة، وإلى الروح القدس، من خلال الانبثاق“.[27]

جون رومانيدس

مونارخية الآب بحسب تعليم آباء الكنيسة

يُؤكِّد الأب يوحنا رومانيدس على أن الآب هو مصدر وجود الكلمة والروح القدس في إطار شرحه لمونارخية الآب في الثالوث بحسب تعاليم آباء الكنيسة قائلاً: ”الآب هو مصدر وجود الكلمة والروح القدس، أي هو يمنح الوجود للكلمة والروح القدس. إنه يمنح الوجود لأقانيمهم، ولكنه لا يمنح الوجود لجوهر الكلمة والروح القدس، أو لقوة جوهرهما الطبيعية. بمعنى آخر، إن جوهر الآب هو في شركة مع جوهر الكلمة وجوهر الروح القدس، والقوة الطبيعية لجوهر الله هي في شركة مع القوة الطبيعية لجوهرهما، ولكن يبقى الآب هو مصدر وجود أقنوم الكلمة وأقنوم الروح القدس“.[28]

جون ماكجوين

مونارخية الآب في تعليم ق. غريغوريوس اللاهوتي

يشرح الأب چون ماكجوين، أستاذ اللاهوت الأرثوذكسي في جامعة أوكسفورد، ”مونارخية الآب“ في الثالوث بحسب تعليم ق. غريغوريوس النزينزيّ اللاهوتيّ كالتالي: ”إن اللاهوت الأرثوذكسيّ الخاص بالانبثاق الأحادي للروح القدس قد عبَّر عنه بوضوحٍ ق. غريغوريوس اللاهوتيّ، مُتبِعًا العبارة العقائدية (يو ١٥: ٢٦) ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘. كما دافع عنه بقوة في القرن التاسع ق. فوتيوس الكبير. يرى ق. غريغوريوس أن الانبثاق هو خاصية الروح، كما أن البنوة هي الميزة الفريدة لأقنوم الابن. فالابن يصدر من الآب عن طريق الولادة، كما أن الروح يصدر من الآب عن طريق الانبثاق. ويأتي كُلٌّ من الابن والروح القدس من نفس الآب، ولهما طبيعة ذلك الآب كطبيعتهما الخاصة. وبالتالي، هناك طبيعة واحدة للاهوت في الثالوث القدوس (لا شيء سوى الطبيعة الإلهية للآب) مع ثلاثة أقانيم يُعبَّر عنها بشكلٍ مُميَّزٍ: يُعبِّر الآب عن طبيعته الخاصة باعتباره العلة الفريدة غير المعلولة للألوهية Monas Aitios، ويُعبِّر الابن عن طبيعة الآب (أي طبيعته الآن) كأقنوم مولود، ويُعبِّر الروح عنها كأقنوم منبثق. وهكذا، فإن الانبثاق الأحاديّ الوحيد لكُلٌّ من الابن والروح من الآب وحده حافظ على المعنى المسيحيّ للألوهة الواحدة السامية. علاوة على ذلك، فإن مصطلحات ومفاهيم البنوة والانبثاق هي عناصر الوحي المقدَّسة، المذكورة في الكتاب المقدَّس، ولا ينبغي استبدالها أو إعادة التعبير عنها كأوصاف لحياة الله كثالوث“.[29]

فلاديمير لوسكي

مونارخية الآب في تعليم الآباء اليونانيين

يشرح اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ الروسيّ فيلاديمير لوسكي ”مونارخية الآب“ في الثالوث بحسب تعليم الآباء اليونانيين قائلاً: ”أكَّد الآباء اليونانيون دائمًا على أن مبدأ الوحدة في الثالوث هو شخص الآب. ولأنه مبدأ الشخصين الآخرين، فالآب هو أيضًا حدّ العلائق، ومنه تأخذ الأقانيم خصائصها المميَّزة بإصداره الشخصين، يُحدِّد الآب علائق أصلهما – الولادة والانبثاق – بالنسبة إلى مبدأ اللاهوت الوحيد. لهذا السبب عارض الشرق صيغة الفيلويوكيه [انبثاق الروح من الابن] التي بدت وكأنها تُبطِل أولية [مونارخية] الآب: فكان يجب إمَّا كسر الوحدة للقول بمبدأين للاهوت، أو تأسيس الوحدة على الطبيعة المشتركة التي تنتقل بهذا إلى الصدارة مُحوِّلةً الأشخاص إلى علائق في وحدة الجوهر. عند الغربيين العلائق تُنوِّع الوحدة الجوهرية، أما عند الشرقيين فهي تعني في وقت واحد تنوعًا ووحدةً، وذلك لأنها ترتبط بالآب الذي هو مبدأ الثالوث وخلاصته. بهذا المعنى يفهم ق. أثناسيوس جملة ق. ديونيسيوس الإسكندريّ: ’نبسط الوحدة في الثالوث دون أن نُقسِّمها، ثم نُلخِّص الثالوث في الوحدة دون أن نُنقِصه‘ De sententia Dionysii, PG C. 25, col. 505A، ويقول [أثناسيوس] في موضع آخر: ’ثمة مبدأ واحد للاهوت وتاليًا رئاسة واحدة μοναρχή على نحوٍ مُطلقٍ‘ Contra Arianos or. IV, PG. t. 26, col. 468B. ’إله واحد إذ هناك آب واحد‘، بحسب قول الآباء اليونانيين المأثور. تُوضَع الأشخاص والطبيعة، إذَا صح القول، في وقتٍ واحدٍ، من دون أن تسبق الواحدة الأخرى منطقيًا. يُصدِر الآب، ينبوع اللاهوت في الثالوث، الابن والروح القدس مانحًا إياهما طبيعته التي تبقى واحدة غير مُنقسِمة، ذاتها في الثلاثة. عند الآباء اليونانيين، الاعتراف بوحدة الطبيعة هو إقرار بالآب كمصدر وحيد للشخصين اللذين يتقبلان منه هذه الطبيعة عينها“.[30]

جان كلود لارشيه

مونارخية الآب في التعليم الأرثوذكسي الشرقي

يُشِير اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ الفرنسيّ چان كلود لارشيه إلى ”مونارخية الآب“ بحسب تعليم اللاهوت الشرقيّ الأرثوذكسيّ، وخاصةً تعليم الآباء الكبادوك قائلاً: ”ولنلاحِظ، من ثمَّ، أن الابن والروح القدس، حسب التصور الشرقيّ، بالرغم من كونهما يستمدان بشكلٍ متوازٍ، كل من الأقنوم والطبيعة الإلهية، فهما مُتَّحِدان فيما بينهما بالآب بطبيعتهما التي يشترك فيها الثلاثة معًا، وكذلك بواقع أن أصلهما معًا هو في الآب: هنا بالذات نعود فنلقى معنى ’السيادة/الرئاسة‘ μοναρχή، التي هي غالية على قلوب الكبادوكيين“.[31]

يوحنا زيزيولاس

مونارخية الآب في تعليم الآباء اليونانيين

نستعرض الآن مونارخية الآب بحسب المطران يوحنا زيزيولاس. فمنذ عمله الأول، وقد عبَّر زيزيولاس بشكلٍ مُتكررٍ عن إصراره على الأسبقية العلية للآب داخل حياة الثالوث. ويُعبِّر عن موقفه قائلاً: ”وحدة الله بين الآباء اليونانيين، والإله الواحد، و ’المبدأ‘ الأنطولوچيّ، أو ’العلة‘ الأنطولوچية لكينونة وحياة الله، لا تتمثَّل في الجوهر الإلهيّ الواحد [كما في المفهوم الأوغسطينيّ والتوماويّ الغربيّ]، بل في الأقانيم، أي في أقنوم الآب. فالإله الواحد ليس هو الجوهر الواحد، بل الآب، الذي هو ’علة‘ كُلٌّ من ولادة الابن وانبثاق الروح القدس. وتبعًا لذلك، يُعزَا ’المبدأ‘ الأنطولوچيّ [الوجوديّ] إلى الله، ومرةً أخرى، إلى الأقنوم. وبالتالي، عندما نقول إن الله ’يكون‘، فنحن لا نُقيِّد الحرية الشخصانية [الأقنومية] لله […] بل ننسب الكينونة الإلهية إلى حريته الشخصانية [الأقنومية]. وبطريقة أكثر تحليلاً، معنى هذا أن الله كآب وليس كجوهر، دائمًا ما يُؤكِّد من خلال ’الكينونة‘ على حرية إرادته في الوجود […] وهكذا، الله كشخص [أقنوم] – كأقنوم الآب – يجعل من الجوهر الإلهيّ الواحد أن يكون ما يكونه: إلهٌ واحدٌ“.[32]

وهكذا يُميِّز زيزيولاس هنا بين طريقتين مُتضادتين لتعريف وحدة أو وحدانية الله كالتالي:

  • عن طريق الجوهر الإلهيّ، وهو الموقف الذي يعزوه زيزيولاس إلى التقليد الأوغسطينيّ والتقليد الغربيّ في العموم (سواء في العصر الوسيط أو في العصر الحديث).
  • عن طريق أقنوم الآب، وهو التصوُّر الغالب إن لم يكن الحصريّ لوحدة الله في التقليد الآبائيّ اليونانيّ.

الآب هو العلة الأنطولوچية

حجة زيزيولاس لصالح المونارخية المنفرِدة للآب مُرتبِطة بطرح ثلاثيّ الأوجه كالتالي: ”بجعل شخص [أقنوم] الآب هو التعبير عن الأصل άρχή الأنطولوچيّ [الوجوديّ] الواحد في الله، فنحن نجعل من الغيرية مقومًا أو قوامًا أنطولوچيًا [وجوديًا] في الكينونة الإلهية. بالتساوي عن طريق إيعاز الكينونة الإلهية إلى علة شخصانية [أقنومية] بدلاً من الجوهر، فنحن نسمو بالخصوصية والغيرية إلى حالة أنطولوچية [وجودية] أولية [مبدئية]. وفي الأخير، عن طريق إيعاز العلية الأنطولوچية [الوجودية] الأولية [المبدئية] إلى شخص [أقنوم] واحد وحيد في الثالوث، فنحن نُؤكِّد على أن الواحد في الأنطولوچيا [الوجودية] الأفلاطونية واليونانية لا يسبق ’الكثرة‘، بل هو نفسه ’الواحد‘ في ’الكثرة‘ […] المونارخية الأنطولوچية للآب، التي لها كينونة علائقية، وربط العلية الأنطولوچية [الوجودية] به، يُساعِد على الحفاظ على انسجام وتطابُّق الواحد والكثرة في الكينونة الإلهية“.[33]

مونارخية الآب في اللاهوت الشرقي

ويُفسِّر المطران يوحنا زيزيولاس ”مونارخية الآب“ في الثالوث بحسب اللاهوت الشرقيّ قائلاً: ”إذًا، الوجود شركة بمعنى دقيق يُعبِّر عنه اللاهوت الشرقيّ بدقةٍ، أي أن جوهر الله ليس غامضًا وفكرة مُجرَّدة، بل كيان أبوة يخلق شركة، وليس مُجرَّد بناء وجوديّ نتأمله من الخارج ونتقرب منه لأنه موجود من أجل التمتُّع بالوجود، بل وجود الله وجوهره هو وجود وجوهر في أشخاص أو أقانيم الثالوث، حيث الآب نفسه هو علة وسبب وجود أقنوميّ الابن والروح القدس. […] يتَّضح إذَا تأملنا حقيقة الإيمان المسيحيّ. فالأبوة في الله هي شخص أو أقنوم حر، وبالتالي، الكيان والوجود الإلهيّ ليس فكرة أو مبدأ أو بناءً خاضعًا لضرورات الوجود، بل هو الآب أي الأقنوم“.[34]

نستنتج مما سبق أن ”مونارخية الثالوث“ هي مُحاولة لإقحام الأوغسطينية والتوماوية في اللاهوت الآبائيّ اليونانيّ الشرقيّ. حيث تُنادِي الأوغسطينية والتوماوية بأسبقية وحدة الجوهر على تمايُّز الأقانيم، وهكذا تجعل من الأقانيم مُجرَّد علائق أو علاقات داخل الثالوث القدوس، وليست أقانيم لكُلٌّ منهم كيان أقنوميّ قائم بذاته داخل الجوهر الإلهيّ الواحد. ومونارخية الثالوث تجعل من الخاصية الأقنومية المتفرِدة للآب كأنها خاصية مشتركة بينه وبين الأقنومين الآخرين، أي الابن والروح القدس، رغم أن الخاصية الأقنومية التي تُميِّز أقنوم الآب عن الخاصية الأقنومية لكُلٌّ من الأقنومين الآخرين، هي خاصية المونارخية أو المصدرية أو العلية أو الأبوة، وهي ما تجعل نمط وجوده الأقنوميّ قائم، لأنه لو لم يلد الآب الابن بالطبيعة، ولو لم يبثق الروح القدس بالطبيعة، لن يكون هناك وجود لأقنوم الآب، وبالتالي، فلن يلد الابن ولن يبثق الروح القدس، وبالنتيجة، لن يكون هناك ثالوث بالأساس، بينما مونارخية الآب في الثالوث القدوس تُحافِظ على الوحدة والتمايُّز أو الغيرية في الثالوث القدوس. كما أن مونارخية الثالوث بمعنى اشتراك الابن والروح القدس في خاصية المصدرية والعلية مع الآب تجعل من الأقانيم الثلاثة عبارة عن ثلاثة رؤوس أو علل أو مصادر أو أصول داخل الثالوث، وبالتالي، تنتفي الوحدانية تمامًا داخل الثالوث القدوس. ولكن الأدق والأصح هو مونارخية الثالوث في علاقته مع الخليقة كرأس وينبوع ومبدأ واحد للخليقة، وليس في داخل الثالوث الأزليّ نفسه في العلاقات الأقنومية بين الأقانيم الثلاثة.

الشماس اسبيرو جبور

مفهوم مونارخية الآب في الثالوث

يُفسِّر الشماس الأرثوذكسي المغبوط اسبيرو جبور ”مونارخية الآب“ في الثالوث قائلاً: ”الآب مُنتشِر ومُتحدِّد في الروح والابن وإليه معادهما. وهو منبع، ومصدر الوحدة والألوهة في الثالوث. يمنح الابن والروح طبيعته التي تبقى واحدةً، وغير متجزئة، وغير مقسومة، ومعادلة لنفسها في الثلاثة. الابن والروح القدس نابعان من شخص الآب: الابن بالولادة والروح القدس بالانبثاق. الآب هو العلة. شخص الآب يلد ويبثق، شخصه هو العلة“.[35]

فالتر كاسبر

سوف نتطرق الآن إلى رأي واحد من أهم اللاهوتيين في العالم وهو الكاردينال الأمانيّ الكاثوليكيّ ”فالتر كاسبر“، أسقف روتنبرج بألمانيا، ورئيس لجنة الحوار الكاثوليكيّ من أجل الوحدة المسيحية، حيث يتتبع مونارخية الآب في تعاليم آباء الكنيسة في القرون الخمسة الأولى وفي صيغ اعتراف الكنيسة في العصور المسيحية المبكرة، وفي النصوص الليتورچية المبكرة، التي تتحدَّث عن ”مونارخية الآب“ في الثالوث القدوس.

مونارخية الآب في صيغ الاعتراف القديمة والليتورجية القديمة في الكنيسة

يتحدَّث فالتر كاسبر عن الاعتقاد بـ ”مونارخية الآب“ في الثالوث منذ فجر المسيحية في صيغ الاعتراف الإيمانية القديمة وفي النصوص الليتورچية القديمة قائلاً: ”واليقين الأساسيّ بأن الله يدل أولاً ومُباشرةً على الآب تُعبِّر عنه أيضًا صيغ الاعتراف في الكنيسة القديمة. فاعترافات الكنيسة الأولى تتوجه دومًا إلى الله، الآب القادر على كل شيء. وبالتالي، فالآب وحده يُعد المبدأ، الذي لا مبدأ له άρχή، لكل حقيقة. فهو principium sine principo أي المبدأ الذي لا مبدأ له. وما يدل على ذلك خصوصًا لغة الصلاة في الليتورچيات الأولى القديمة. فأقدم صلاة إفخارستية نُقلت إلينا تتوجه إلى الآب: ’إننا نشكرك، يا أبانا، لأجل الكرامة المقدسة لداود خادمك، الذي منحتنا أن نعرفه بيسوع خادمك. ولك المجد إلى الأبد‘“.[36]

مونارخية الآب عند يوستينوس وإيرينيؤس وترتليانوس

يُشِير فالتر كاسبر إلى مونارخية الآب عند الآباء المدافعين، يوستينوس، وإيرينيؤس، وترتليانوس قائلاً: ”لقد استعاد التقليد المسيحيّ القديم كلام الكتاب المقدَّس في الله كأب، وسمَّى الله بمعنى مطلق بـ ’الآب‘. يوستينوس وإيرينيؤس وترتليانوس يتكلمون كلهم بلغة واحدة. وعندما يكون المقصود هو الله، فالكلام عن الآب“.[37]

مونارخية الآب عند العلامة أوريجينوس والأب يوحنا الدمشقي

يتحدَّث فالتر كاسبر عن ”مونارخية الآب“ عند العلامة أوريجينوس والأب يوحنا الدمشقيّ، وكيف أولى الآباء اليونانيون هذه العقيدة أهمية كبرى قائلاً: ”بذلك تحدَّد هذا الأمر: أن الله هو منذ الأزل أبو ابنه الذي هو من ذات جوهره. أما في داخل الثالوث، فالقول الآن إن الآب هو المبدأ άρχή والينبوع πηγή كما كان يقول اليونانيون، أو المبدأ principium كما كان اللاتين يقولون. أما في الخارج كان القول بأن الخلق وتاريخ الخلاص هما عمل الثالوث بأجمعه. فالعقيدة التي نشأت من قبل عند أوريجينوس، والمنطلقة من الآب كمبدأ وينبوع للألوهية، قد أولاها الآباء اليونانيون على الخصوص أهمية كبرى. ويوحنا الدمشقي قد لخصها مرةً أخرى أيضًا في كتاب ’المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسيّ‘ الذي صار عمليًا الكتاب المدرسيّ في الكنيسة الأرثوذكسية“.[38]

مونارخية الآب عند العلامة ترتليان الأفريقي

يشرح فالتر كاسبر ”مونارخية الآب“ في تعليم العلامة ترتليان الأفريقي قائلاً: ”إذاك تصون عقيدة ترتليانوس عن الثالوث وحدة سيادة الآب monarchia  الذي منه ينبثق كل شيء وكذلك التدبيرoiconomia ، أي النظام الحسيّ لتلك السيادة، الذي به يجعل الآب الابن مُشارِكًا في سيادته ويُمارِسها من خلاله. وعليه يستطيع ترتليانوس أن يصون الوحدة في الله، مع إبراز الفرق، بخلاف الشكليين modalists  الذي من بينهم يسترعي براكسياس على الخصوص انتباه ترتليانوس. فهؤلاء لا يرون في الابن والروح سوى شكلين مختلفين لظهور الآب، وينسون أن الآب ليس آبًا إلا بالنسبة إلى الابن، وبالعكس. وعليه فالوحدة في الثالوث تعني أن الثلاثة يتميَّزون لا بالحالة بل بالدرجة، لا بالجوهر بل بالشكل، لا بالقدرة بل بالهيئة. فخلافًا للغنوسية، ليس هناك انفصال، ولكن، خلافًا للشكليةmodalism ، هناك تمييز بين الأشخاص وليس بين الجواهر. ويصوغ ترتليانوس ذلك صياغةً لا مثيل لها: الثلاثة هم وحدة وليس واحدًاtres unum sunt non unus “.[39]

مونارخية الآب عند ق. ديونيسيوس الإسكندري

يُوضِّح فالتر كاسبر عقيدة ”مونارخية الآب“ في تعليم ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، أحد أهم الآباء الإسكندريين، والذي كان يُلقَّب بـ ”مُعلِّم المسكونة الكبير“، قائلاً: ”لقد كان لتوضيحات ترتليانوس ودقتها تأثيرًا حاسمًا خصوصًا في عقيدة الثالوث الغربية التي رُسِمَت خطوطها الأساسية في وقت باكر نسبيًا. ويبدو هذا التأثير جليًا في النزاع بين الديونيسيوسين [الاسكندري والروماني]. ففي كتاب وجهه أسقف روما ديونيسيوس سنة ٢٦٢ إلى سميه ديونيسيوس أسقف الإسكندرية، أبدى اعتراضه على ثلاثية الآلهة tritheisme  المزعومة عند نظيره في الإسكندرية، وعلى شكلية modalism سابيليوس. من الواجب ألا تُحل الوحدة الإلهية إلى ثلاث ألوهيات منفصلة تمامًا tritheisme، وألا يُماهَى الآب والابنmodalisme. وإذَا تساءلنا كيف يجب، مع ذلك، التفكير في الاثنين معًا، فلن نجد جوابًا عند ديونيسيوس. ولكن من المفيد مُلاحظة أنه لا يضع وحدة سيادة الآب في الجوهر الإلهي الواحد، بل في الآب، الذي يتَّحد به الابن، وفيه يبقى ويسكن الروح. فليس الروح، أو، كما عند أوغسطينوس لاحقًا، بل الآب هو هنا رباط الوحدة في الثالوث. ونجد في الغرب المسيحي، بعد قرن، عند هيلاريوس [أسقف بواتييه وأثناسيوس الغرب] تصوُّرًا مماثلاً. وعليه استقر في الغرب اللاتينيّ تصوُّر للثالوث، يُناسِب اهتمام الشرق، يصون وحدة سيادة الآب“.[40]

مونارخية الآب في مجمع نيقية المسكوني ٣٢٥

يُشِير فالتر كاسبر إلى عقيدة ”مونارخية الآب“ في مجمع نيقية المسكونيّ الأول ٣٢٥ قائلاً: ”هذا التفسير للهوموأوسيوس όμοούσιος يتضمن، بالنسبة إلى عقيدة الثالوث التي هي في أساس مجمع نيقية، ويحتوي على ما يلي: لا ينطلق المجمع بطريقةٍ توحيديةٍ من الذات الإلهية الواحدة [ما يُعرَف بمونارخية الجوهر أو مونارخية الثالوث حسب تعبير تورانس المستحدث] للكلام لاحقًا فقط بطريقةٍ ثالوثيةٍ على الآب والابن والروح القدس، كأشكال ثلاثة توجد بها واقعيًا هذه الذات الإلهية الوحيدة. ينطلق الاعتراف بالعكس، من الآب الذي تفهمه ’كذروة الوحدة‘ الذي فيه يتَّحد الابن والروح القدس. فنحن بالتالي أمام تصوُّر تكوينيّ للألوهة ينبثق من الآب [مونارخية الآب] ويجري في الابن وفي الروح القدس“.[41]

مونارخية الآب عند الآباء الكبادوك

وأخيرًا، يُشِير فالتر كاسبر إلى عقيدة ”مونارخية الآب“ في تعليم الآباء الكبادوك، ويُوضِّح التكامُّل والانسجام بين شرح ق. أثناسيوس والآباء الكبادوك، وليس التعارُّض بينهما، قائلا: ”كان أنصاف الآريوسيين يريدون صيانة الفارق بين الآب والابن، إذ كان يبدو لهم موضع شبهة شكلية [سابيلية] بكلمة هوموأوسيوس όμοούσιος، فزادوا حرفًا وتكلَّموا على هوميوأوسيوس όμοιούσιος (أي المشابه للآب، والمساوي له دون أن يكون هو ذاته). ولكن لم يكن القبول بهذه التسوية ممكنًا، لأنها لا تفي بالمقتضى العميق للهوموأوسيوسόμοούσιος . وبدا حل، عندما قام أثناسيوس، المدافع الكبير عن النزعة النيقاوية، ببعض التقريب، في مجمع الإسكندرية عام ٣٦٢، وسوَّغ التمييز بين ثلاثة أقانيم hypostases وذات (جوهر) وحيدة. فجرى التمييز، إذًا، عندئذٍ، بين مفهومين كانا لا يزالان في نيقية مترادفين. التوضيح الأدق لهذين المفهومين كان من عمل الكباودكيين الثلاثة (باسيليوس القيصريّ، وغريغوريوس النزينزيّ، وغريغوريوس النيسيّ). يرى باسيليوس أن الجوهر ούσία يعني بالفلسفة الرواقية العمومية غير المحدَّدة. وبالتالي، على سبيل المثال، يمكن نسبة الجوهر الإنسانيّ إلى أناس عدة معًا. أمَّا الأقانيم ύποστάσεις، فهي بالمقابل التحقيق الفعليّ الفرديّ لهذا الجوهر. وهي توجد بفضل مجموعة من الـidiomata ، أي خصوصيات [خواص] تُنتِج أفرادًا. إلا أن هذه الخصوصيات لا تُعتبر أعراضًا، بل هي مكونات constitutiva الكائن الفعليّ. خصوصية الآب إنه ليس لوجوده أية علة أخرى، وخصوصية الابن أن يكون مولودًا من الآب، وخصوصية الروح أن يكون معروفًا بعد الابن ومعه، وأن تنشأ ذاته من الآب“.[42]

نستخلص من هذا أن عقيدة مونارخية الآب في الثالوث القدوس كانت عقيدة راسخة ومتغلغلة في المسيحية منذ نشأتها وخاصةً في القرون الخمسة الأولى في جميع التقاليد اللاهوتية والكنسية والليتورچية المختلفة وفي نصوص صيغ الإيمان المسيحي القديمة المبكرة.

جيوفري ويليام لامب

مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة الجامعة

يذكر چيوفري ويليام لامب، أستاذ اللاهوت في جامعة كامبريدچ بإنجلترا، عقيدة ”مونارخية الآب“ في معجمه الآبائيّ الشهير، المعروف بـ ”معجم لامب الآبائيّ“، حيث يُشِير إلى مونارخية الآب، وإلى الصدور الأحادي من الآب فقط كمصدر وحيد في الثالوث، وكمصدر للألوهة في الثالوث، في كتابات الآباء التاليين: يوسابيوس القيصريّ المؤرخ (عن اللاهوت الكنسي ٢: ٧)، والعلامة ترتليان الأفريقي (ضد براكسياس، ٨)، وق. أثناسيوس الرسولي  (المقالة الرابعة ضد الآريوسيين ٤: ١)، وق. باسيليوس الكبير (الروح القدس، ٤٥)، وق. كيرلس الأورشليمي (المقالات للموعوظين ٧: ١)، وق. غريغوريوس النزينزي (عظة ٢٩: ٢)، وق. غريغوريوس النيسي (العظة التعليمية الكبرى، ٣)، وق. إبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص (باناريون ضد الهرطقات ٦٢: ٣)، وق. كيرلس الإسكندري (المقالة العاشرة من الكنوز في الثالوث).[43]

أليستر ماجراث

مونارخية الآب في اللاهوت الشرقي

يتحدَّث الكاهن الانجليكانيّ وأستاذ اللاهوت التاريخي في جامعة أوكسفورد أليستر ماجراث عن تركيز اللاهوت الشرقيّ في شرح الثالوث على ”مونارخية الآب“ قائلاً: ”كان الفكر اللاهوتيّ الشرقيّ مائلاً بصفة عامة إلى التركيز على فرادنية [شخصانية] الأقانيم الثلاثة المتمايزة، وإلى الحفاظ على وحدتهم، عن طريق التشديد على أن كل من الابن والروح القدس صادر من الآب. فإن العلاقة بين الأقانيم هي علاقة وجودية [أنطولوچية]، متأصلةً في طبيعة هؤلاء الأقانيم وماهيتهم. وهكذا، جرى تعريف علاقة الابن بالآب بمفردات كونه ’مولودًا‘، أي بمفردات ’البنوية‘. لكن، كما سنرى لاحقًا، حاد أوغسطينوس عن هذه المنهجية، مُفضِّلاً التعامل مع الأقانيم بمفردات علاقاتية [علائقية]. وسنُعاوِد التطرُّق إلى هذه الأفكار في وقتٍ لاحقٍ، في أثناء دراستنا للجدل الفيليوكوي Filioque Controversy. في المقابل، كانت المنهجية الغربية أكثر تميزًا بميلها إلى الانطلاق من وحدانية الله [ما يُسمَّى بمونارخية الجوهر أو مونارخية الثالوث بحسب تورانس]، ولا سيما في عمل الإعلان والفداء، وإلى تفسير العلاقة بين الأقانيم الثلاثة بمفردات الشركة المتبادلة بينهم. هذا هو الرأي الذي تميَّز به أوغسطينوس، والذي سنستعرضه في جزء لاحق من دراسة الحالة الحالية“.[44]

مونارخية الآب بحسب الآباء الكبادوك

ويستطرد البروفيسور ماجراث في الحديث عن أهم سمة من سمات منهجية الآباء الكبادوك في تناول عقيدة الثالوث، وهي الأولوية أو المونارخية المعطَاة للآب قائلاً: ”من أهم سمات هذه المنهجية المميزة في تناول عقيدة الثالوث هي الأولوية [المونارخية] التي أُعطِيَت للآب. فعلى الرغم من تشديد الكُتاب الكبادوكيين على عدم قبولهم لفكرة تبعية [subordinationism] الابن أو تبعية الروح القدس للآب، لكنهم مع ذلك ذكروا صراحةً أن الآب ينبغي أن يُعتبر هو مصدر الثالوث أو منبعه. فإن جوهر الآب يُنقَل إلى كل من الابن والروح القدس، ولكن بطريقةٍ مختلفةٍ: فالابن مولود من الآب، والروح القدس منبثق من الآب. وهكذا، أشار غريغوريوس النيسي إلى الأقنوم الواحد للآب، الذي منه يُولَد الابن، وينبثق الروح القدس“.[45]

مونارخية الآب في تعليم الآباء الشرقيين اليونانيين

ويستعرض البروفيسور ماجراث الصراع حول انبثاق الروح القدس وارتباطه بموضوع المونارخية في الثالوث، مؤكدًا على أن الآباء الشرقيين اليونانيين شدَّدوا على مونارخية الآب في الثالوث قائلاً: ”أصرَّ الكُتَّاب الآبائيون اليونانيون (الشرقيون) على أنه لا يوجد سوى مصدر واحد للجوهر والكينونة في الثالوث. فالآب وحده هو المصدر الوحيد الفائق لكل شيء، بما في ذلك الابن والروح القدس داخل الثالوث. فالابن والروح القدس صادران من الآب، ولكن بطريقتين مختلفتين“.[46]

مونارخية الآب وجدل الفيليوكوي

ويُوضِّح البروفيسور ماجراث الاختلافات الأساسية بين الشرقيين والغربيين في سياق الحديث عن جدل الفيليوكوي Filioque، وتركيز الطرف اليوناني الشرقي على مونارخية الآب كالتالي: ”كان غرض الطرف اليونانيّ (أو الشرقيّ) من هذا الجدل [أي جدل الفيليوكوي] هو الحفاظ على مكانة الآب باعتباره المصدر الأوحد للألوهية. ولأن كل من الابن والروح القدس صادران منه – ربما بطريقتين مختلفتين، لكنهما طريقتان صالحتان بالقدر نفسه – فقد نجح ذلك في الحفاظ على ألوهيتهما هما أيضًا. وقد بدا لليونانيين أن المنهجية اللاتينية تفيد بوجود مصدرين منفصلين للألوهية في الذات الإلهية، وتقوض التمايُّز الحيويّ بين الابن والروح القدس. ففي حين يرى الرأي اليونانيّ أن الابن والروح القدس يُؤدِيان دورين متمايزين، لكن تكميليين في الآن ذاته، يرى الطرف الغربيّ أن الروح القدس هو روح المسيح“.[47]

ديفيد برنارد

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك

يُشِير أستاذ دراسات العهد الجديد الأمريكيّ البروتستانتيّ ديفيد برنارد إلى مُساهمة الآباء الكبادوك في توضيح اللبس حول عقيدة الثالوث بحسب ق. أثناسيوس، الذي أثير بسبب استخدام مصطلح الهوموأوسيوس، واعتبار حزب أشباه الآريوسيين أو حزب الهوميوأوسيوس له أنه تعبير سابيلي، قائلاً: ”يستنتج المؤرِّخون في العموم أن العامل الحاسم في انتصار عقيدة الثالوث كان بلاغة وتصميم أثناسيوس نفسه. لقد أدرك أن أشباه الآريوسيين كانوا في الواقع أقرب إلى موقفه من الآريوسية، وشكل تحالف معهم، مما أدى إلى تشكيل الأغلبية مرة أخرى. وفي هذا المسعى، تلقى [ق. أثناسيوس] عونًا كبيرًا من ثلاثة لاهوتيين بارزين من كبادوكية، هم: ق. باسيليوس القيصري، وق. غريغوريوس النيسي، وق. غريغوريوس النزينزي، الذين قاموا باستخدام المفاهيم والمصطلحات الفلسفية اليونانية، وقاموا بتوضيح عقيدة الثالوث بحسب أثناسيوس لجعلها أكثر قبولاً على نطاقٍ واسعٍ“.[48]

هنري شيلدون

مونارخية الآباء في تعاليم آباء الكنيسة

يُشِير البروفيسور هنري شيلدون، أستاذ اللاهوت التاريخي في جامعة بوسطن بأمريكا، إلى عقيدة ”مونارخية الآب“ في تعليم آباء الكنيسة الجامعة قائلاً: ”أحرزت عقيدة ألوهية الروح [القدس] انتصارًا كبيرًا في مجمع القسطنطينية عام 381. وهكذا اكتملت عقيدة نيقية عن الله الثالوث. لقد تحقَّق التوفيق بشكلٍ كافٍ بين الأقنومية [الشخصانية] الثلاثية مع الوحدة الإلهية من خلال التأكيد على وحدة الأقانيم [الأشخاص] في الجوهر. ومع ذلك، أضاف البعض إلى هذا الاعتبار أن هناك مبدأ واحدًا في اللاهوت، وهو أن مصدر أقنومية [شخصانية] الابن والروح [القدس] هو الآب (أثناسيوس، المقالة ضد الآريوسيين 4: 1؛ غريغوريوس النزينزي، خطبة 20: 6؛ وقارن مع يوسابيوس القيصري، عن اللاهوت الكنسي 1: 11، 2: 6). وتقترب بعض التعبيرات، خاصةً من جانب غريغوريوس النيسيّ، في ظاهرها بشكلٍ وثيقٍ جدًا من التعليم الثالوثيّ. تلك هي الحالة التي يحاول فيها توضيح وحدة الجوهر في الأقانيم الإلهية من خلال الإشارة إلى حقيقة أن ثلاثة رجال، مثل: بطرس، ويعقوب، ويوحنا، على سبيل المثال، لهم جوهر مشترك [عموميّ]، أي جوهر الإنسانية. ولكن تشير جميع كتابات غريغوريوس إلى أنه لم يقصد أن يُؤخَذ هذا المثال دون قيد أو شرط. يقول دورنر Dorner: ’من الخطأ القول بأن غريغوريوس يتصوَّر التمايُّزات الأقنومية في الثالوث بأنها مرتبطةٌ ببعضها البعض كرجلين منفردين؛ لأنه، على العكس من ذلك، إنه يختزل بالأحرى التمايُّز الكامل بين الآب والابن في ذلك – أن السابق [الآب] هو العلة αϊτιον والأخير [الابن] هو المعلول αίτιατόν، بينما التمايُّز بين الرجال الحقيقيين هو أكثر عمقًا‘“.[49]

كارل ردولف هاجينبك

مونارخية الآب في التعليم النيقاوي

يُؤكِّد البروفيسور البروتستانتي السويسريّ كارل ردولف هاچينبك، أستاذ اللاهوت في جامعة بازل بسويسرا، على ”مونارخية الآب“ في التعليم النيقاويّ قائلاً: ”بحسب الأفكار السائدة لهذا العصر، كان الآب يُعتبر المبدأ المؤثر الوحيد μία άρχή الذي تدين إليه جميع الأشياء بوجودها، الذي يُولَد منه الابن، وينبثق منه الروح القدس، والذي يعمل كل الأشياء من خلال الابن في الروح القدس. وتمَّ التأكيد على عبارة أن الروح القدس مُنبثِق من الآب خصوصًا في مواجهة أعداء الروح القدس Pneumatomachi. وكان من المؤكَّد في مواجهة هؤلاء: ’أن الروح القدس لا يستمد جوهره من الابن بطريقةٍ اعتماديةٍ، بل يقف في علاقة مُتساوِية ومُباشرة مع الآب، باعتباره العلة الأولى المشتركة؛ وكما أن الابن مولودٌ من الآب، كذلك الروح القدس مُنبثقٌ من الآب‘ Neander, Kg. ii. S. 897“.[50]

جوزيف تكسرون

وحدة الألوهة في أقنوم الآب عند ق. أثناسيوس

يرى عالم الآبائيات الكاثوليكيّ الفرنسيّ چوزيف تكسرون أن ق. أثناسيوس قد نسب بوضوحٍ إلى الآب اسم ”الله“ كالتالي: ”كان من المقرَّر أن يصبح تعليم ق. أثناسيوس عن الثالوث هو تعليم الكنيسة اليونانية؛ ولكنه كان أول تعليم استقبل إضافات مهمة سواء في مصطلحاته أو في نظريته عن الأقانيم الإلهية وعلاقاتهم. نسب ق. أثناسيوس إلى الآب فقط اسم ’الله‘ بشكلٍ بارزٍ: έν τή έκκλησία είς θεός κηρύσσεται, ό τοϋ λόγου πατήρ (Epist. ad. Epictetum, 9). بل، وعلى الرغم من أنه لم يدين في المجمع المنعقد في الإسكندرية في عام 362، أولئك الذين يتحدَّثون عن جوهر واحد وثلاثة أقانيم، μία ούσία, τρεϊς ύποστάσεις، إلا أنه هو شخصيًا يُوحِّد بين مصطلحي جوهر όύσία وأقنوم ύποστάσις (De decretis, 27p De synodis, 41; Tomus ad Antioch., 6)؛ حتى أنه يكتب حوالي عام 369، في رسالة إلى الأفارقة، 4: Η δέ ύποστασις ούσία έστί, καί ούδέν άλλό σημαινόμενον έχει ή αύτό τό όν؛ علاوة على ذلك، إذ يتحاشى أيضًا استخدام كلمة بروسوبون πρόσωπον، فيترتب على ذلك أن مفرداته لم يكن لديها مصطلح تشير به إلى الأقنوم [الشخص]. بالإضافة إلى أنه لم يدرس ما تُشكِّله الأقانيم الإلهية في حد ذاته، ولا كيف يكونون متمايزين، وكيف يمكن تمييز أحدهما عن الآخر، ولا كيف يمكننا، بواسطة القياسات الخارجية المباشرة، أن نُصوِّر لأنفسنا الأفعال الخفية التي تمنحهم كينونتهم. لم يكن لدى أثناسيوس، كمجادل دائمًا في خضم المعركة، وقت الفراغ، وربما، الرغبة في مُعالجة هذه المسائل المتعلقة بالفلسفة الدينية العميقة. إذًا، تعليمه عن الثالوث غير كامل؛ وينبغي على الكبادوكيين سد هذه الفجوة إلى حدٍ كبيرٍ“.[51]

مونارخية الآب في تعليم الآباء الكباوك

يُشِير عالم الآبائيات چوزيف تكسرون إلى ”مونارخية الآب“ في تعليم الآباء الكبادوك قائلاً: ”ومع ذلك، يرى ق. غريغوريوس النزينزي أنه لا يمكن للمرء أن يُحدِّد بدقةٍ ما الذي يختلف فيه انبثاق الروح القدس عن ولادة الابن (خطبة 39: 12؛ خطبة 23: 11؛ 31: 8). بل ما هو مُؤكَّد ليس إلا هذا: أن الخواص المميزة للأقانيم الإلهية والمفاهيم مُرتبطةٌ بأصل الأقانيم الإلهية وبتمايُّزهم المتبادل (ق. باسيليوس، ضد أفنوميوس، 1: 45؛ ق. غريغوريوس النزينزيّ، خطبة 31: 9؛ ق. غريغوريوس النيسي، في أنهم ليسوا ثلاثة آلهة، P.G. xlv, 133)؛ ويكتب ق. باسيليوس بهذا المعنى: أننا نقول إن الآب أعظم من الابن، ليس لأنه كذلك بالطبيعة، بل لأننا نتصوَّر المبدأ ذهنيًا على أنه أسمى مما ينبع منه (ضد أفنوميوس، 1: 20). وهكذا يتمّ الحفاظ على أولوية الآب بقوةٍ وتأكيدها في اللاهوت الكبادوكيّ. فالآب هو مبدأ الثالوث، الرباط، الذي من خلال الاشتراك في طبيعته، تنشأ وحدة الثالوث (قارن مع ق. باسيليوس، ضد أفنوميوس 1: 13، 14). فهو ينبوع πηγή، وأصل άρχή، وعلة αίτία الألوهة θεότητος، والمصطلحان الآخران هما معلولان ومشتقان من الآب (ق. غريغوريوس النزينزي، خطبة 42: 15؛ خطبة 20: 7؛ ق. غريغوريوس النيسي، عن المفاهيم العامة، P.G. xlv, 180)“.[52]

لويس بيركهوف

الفرق بين مونارخية الجوهر ومونارخية الآب

يتحدَّث اللاهوتيّ البروتستانتيّ الألمانيّ الأمريكيّ، وأستاذ اللاهوت في جامعة برنستون بأمريكا، لويس بيركهوف عن ”مونارخية الجوهر“ عند ق. أثناسيوس و ”مونارخية الآب“ عند الآباء الكبادوك قائلا: ”وفي غضون ذلك، نشأ فريق نيقيّ أصغر سنًا، يتألَّف من رجال كانوا من تلاميذ المدرسة الأوريجانية، ولكنهم كانوا مدينين بالفضل للقديس أثناسيوس، ولقانون الإيمان النيقاوي، وذلك من أجل تفسير أكثر كمالاً للحقيقة. وكان أهمهم الكبادوكيين الثلاثة: ق. باسيليوس الكبير، وق. غريغوريوس النيسي، وق. غريغوريوس النزينزي. لقد رأوا أن مصدر سوء التفاهم هو في استخدام مصطلح أقنوم كمرادف لكل من أوسيا أو جوهر، وبرسوبون أو شخص، وهكذا، قصروا استخدامه على تحديد وتخصيص الوجود الشخصاني [الأقنومي] للآب والابن. وبدلاً من أن يتخذوا نقطة انطلاقهم من الجوهر الإلهي الواحد لله، كما فعل ق. أثناسيوس، اتخذوا نقطة انطلاقهم من الأقانيم الثلاثة في الكينونة الإلهية، وحاولوا إرجاعهم لمفهوم الأوسيا أو الجوهر الإلهي. قارن الغريغوريوسان بين علاقة الأقانيم في اللاهوت بالكينونة الإلهية وبين علاقة ثلاث أشخاص ببشريتهم المشتركة. وهكذا بتأكيدهم على الأقانيم الثلاثة في الكينونة الإلهية، حرَّروا العقيدة النيقية من شوائب السابيلية في عيون حزب يوسابيوس، ومن ثم، بدت شخصانية [أقنومية] اللوغوس مصونةً بما يكفي. وفي نفس الوقت، حافظوا بشدةٍ على وحدة الاقانيم الثلاثة في اللاهوت، وأوضحوا ذلك بطرق مختلفة“.[53]

جستو جونذاليز

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك

يتحدَّث البروفيسور چستو جونذاليز أستاذ اللاهوت التاريخي بجامعة يال Yale بأمريكا عن دور ق. غريغوريوس النزينزيّ في توضيح عدم سابيلية المصطلحات النيقية، التي استخدمها ق. أثناسيوس، كما أشاع عنها حزب يوسابيوس القيصريّ، قائلاً: ”لكن النقطة التي يتجاوز فيها تعليم غريغوريوس [النزينزي] تعليم باسيليوس لم تكن ألوهية الروح القدس – التي قَبِلَها باسيليوس، على الرغم من أنها ربما لم تكن صريحةً مثل صديقه – بل العلاقات بين الأقانيم الثلاثة في الثالوث. إن محاولة التمييز بين الآب والابن والروح القدس على أساس خواصهم، والتمييز بين الآب المتعال تمامًا والابن أو الكلمة، القادر على الارتباط بالعالم أدى بالضرورة إلى التراتبية أو التبعية، وفي النهاية إلى الآريوسية. قد كان أثناسيوس على علم بذلك، ولذلك نقى بشكلٍ قاطعٍ ومُتكررٍ كل محاولة لفهم سمو وتعالي الآب بطريقة تجعله يبدو أبعد عن الخليقة من الابن. ولكن هذا التركيز على السمو المتساوي للآب والابن، في حين أنه يقضي على أحد أسس الآريوسية، إلا أنه لم يكن قادرًا على إظهار كيف تختلف العقيدة النيقية عن السابيلية. وكانت هذه المهمة العظيمة هي مهمة الكبادوكيين. إن نهج غريغوريوس [النزينزيّ] قاده إلى التعامل مع هذه المشكلة على أساس العلاقات الداخلية بين الأقانيم الإلهية الثلاثة في الثالوث. وفقًا لغريغوريوس [النزينزي]، فإن التمايُّزات الوحيدة التي يمكن تحديدها بين الأقانيم الثلاثة في الثالوث هي تلك التمايُّزات التي تشير إلى أصل كل منهم. هذه التمايُّزات لا علاقة لها بالجوهر أو الطبيعة، بل فقط بمصدر كل أقنوم. ’فعندما أتحدَّث عن الله، فينبغي عليك أن تستنير على الفور بشعاع واحد من النور وبالثلاثة. إنهم ثلاثة في الأقانيم، أو إنْ كان أيّ أحد يفضل أن يدعوهم هكذا، أو في الأشخاص [بروسوبا] πρόσωπα، لأننا لن نختلف حول الأسماء، طالما أن الألفاظ تصل إلى نفس المعنى، ولكنهم واحد بحسب الجوهر – أي الألوهة. لأنهم متمايزون دون انقسام، إن كان لي أن أقول ذلك، ومتحدون في التمايز. لأن الألوهة واحدةٌ في الثلاثة، والثلاثة واحدٌ، وفيهم تكون الألوهة، أو لنقل بأكثر دقة، الذين يكونون الألوهة. […] الآب هو آبٌ، وغير مولود، لأنه ليس من آخر، والابن هو ابن، ولكنه ليس غير مولود، لأنه من الآب. ولكن إذَا أخذت لفظة أصل أو مصدر بمعنى زمنيّ، فهو [الابن] غير مولود أيضًا، لأنه صانع الزمن، وغير خاضع للزمن. الروح القدس هو روح حقًا، ويصدر من الآب حقًا، ولكن ليس بحسب طريقة الابن، لأنه ليس بالولادة بل بالانبثاق […] لأن الآب لم يتوقف عن أن يكون غير مولود بسبب ولادته لشيء ما، ولا الابن يتوقف عن أن يكون مولودًا بسبب أنه من غير المولود، لأنه كيف يمكن أن يكون هذا؟! ولا الروح تغيَّر إلى الآب أو الابن لأنه منبثق، أو لأنه إله‘“.[54]

ويُعلِّق البروفيسور چستو جونذاليز على الاختلاف في شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوكيين قائلاً: ”هناك بعض الاختلافات بين أثناسيوس والكبادوكيين، ترجع إلى سياقهم التاريخيّ المختلف، والبعض الآخر إلى أساليبهم اللاهوتية المتنوعة. كان على أثناسيوس والكبادوكيين أن يواجهوا خصومًا، على الرغم من أن الآريوسيين جميعهم كانوا مختلفين، إلا أن ق. أثناسيوس واجه الآريوسية عندما لم تكن عواقبها النهائية قد ظهرت بعد، لذلك، كان من الضروري دحضها وإدانتها من خلال إظهار ما اَعتبره أنه آثارها السلبية على الإيمان المسيحي. أمَّا الكبادوكيون فقد قاوموا الآريوسية الناضجة والمكتملة، التي أصبحت ثمارها معروفة بالفعل. لذلك، لم تكن مهتهم محاولة اكتشاف نتائج الآريوسية، بل كانت دحض هذه النتائج وتطوير بديل لها. وهكذا، فإن المسافة التي تفصل بين النقيين القدامى والجدد، يمكن، بل ويجب، إلى حدٍ كبيرٍ تفسيرها على أساس المسافة التي تفصل بين الآريوسيين القدامى والجدد. علاوة على ذلك، اختلف الكبادوكيون عن ق. أثناسيوس في المنهجية اللاهوتية. فقد كان الأسقف الاسكندريّ العظيم يحيل كل مسألة تتعلق بألوهية الابن إلى نتائجها الخلاصية. بينما كان الكبادوكيون يميلون إلى استخدام الحجج المنطقية والكتابية، دون بذل مجهود مستمر وواعٍ لربط عقيدة الثالوث بالتعليم الخلاصيّ المسيحيّ. فبالنسبة لهم، ما هو محل خلاف هو عقيدة أساسية في المسيحية، وليس نقطة انطلاق ضرورية للتعليم الخلاصيّ المسيحيّ. فالمعركة على وشك الانتهاء، ومهمة الكبادوكيين تتمثَّل في تنظيم وترتيب إيمان الكنيسة وشرحه بأكبر قدر ممكن من الوضوح المنطقيّ. ربما يكون هذا أحد الأسباب التي جعلتنا، مع ق. غريغوريوس النيسيّ، نجد أنفسنا مرة أخرى في الإطار الأصلي الذي يبدو أن ق. أثناسيوس قد خلفه ورائه“.[55]

جيمس فرانكلين بيثون بيكر

الآب الينبوع عند ق. أثناسيوس

يُشِير البروفيسور چيمس فرانكلين بيثون بيكر أستاذ اللاهوت في جامعة كامبريدچ إلى وصف أثناسيوس للآب بأنه الينبوع، والابن بأنه النهر، قائلاً: ”يجب أن نعتمد على الكتاب المقدس، حيث يصف الكتاب الآب بالينبوع، والابن بالنهر، ونحن نشرب من الروح، أو يصف الآب بالنور، والابن بالشعاع، ونحن نستنير بالروح. الآب هو وحده الحكيم، والابن حكمته، ونحن ننال روح الحكمة. ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصل أحدهما عن الآخر“.[56]

مونارخية الآب عند ق. غريغوريوس النيسي

ويتحدَّث البروفيسور چيمس فرانكلين بيثون بيكر عن ”مونارخية الآب“ عند ق. غريغوريوس النيسيّ قائلاً: ”من الواضح في هذا البرهان أنه تمَّ الاعتراف بالاشتراك في الأزلية، والمساواة المطلقة للأقانيم الثلاثة. لا تؤدي فكرة العلية إلا إلى التمييز بين أنماط الوجود الثلاثة. فالله واحد ό θεος، ولكن داخل وجوده، هناك علة τό αϊτιον التي يتناسب معها اسم الآب، وهناك معلول τό αίτιατόν، والذي يتضمن المعلول المباشر τό προσεχώς έκ τοϋ προώτου، الذي يتناسب معه اسم الابن، وهناك المعلول الوسيط τό διά τοϋ προσεχώς έκ τοϋ προώτου، والذي يتناسب معه اسم الروح القدس. فالروح القدس هو من الآب، كما هو أيضًا من خلال الابن. وارتباط الروح هذا بالابن والآب هو تعليم ق. غريغوريوس النيسيّ أيضًا في كتاباته الأخرى، إن لم يكن بنفس المصطلحات دائمًا“.[57]

نستنتج مما سبق تكامُّل وتضافر الشرحين الأثناسيوسيّ والكبادوكيّ مع بعضهما البعض في شرح عقيدة الثالوث، حتى وإن اختلف الاثنان في نقطة الانطلاق، وذلك راجع كما عرضنا إلى عدة أسباب يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  • نقطة انطلاق ق. أثناسيوس في مواجهة الآريوسية المبكرة، آريوسية آريوس ويوسابيوس النيقوميديّ، هي سوتيريولوچية أو خلاصية، أي من علاقة الأقانيم الثلاثة في الجوهر الإلهيّ الواحد بالخليقة في إطار تدبير الخلاص، لذا شدَّد على وحدة الجوهر الإلهيّ في إطار علاقته مع الخليقة من أجل تدبير الخلاص، أي في سياق تدبيريّ.
  • نقطة انطلاق الكبادوك في مواجهة الآريوسية الناضجة، آريوسية آتيوس وأفنوميوس، هي ثيؤلوجية أو لاهوتية وشخصانية وأنطولوچية، أي ينطلق الكبادوك من العلاقات الأقنومية داخل الثالوث وصولاً إلى وحدة الجوهر الإلهي، لذا شدَّد الكبادوك على ”مونارخية الآب“ كاسم شركة أو علاقة يدل على علاقته بالأقنومين الآخرين في إطار ثيؤلوجيّ صرف.
  • اختلاف السياقات التاريخية بين النيقيين القدامي والجدّد والآريوسيين القدامى والجدّد، وبالتالي، اختلاف مُتطلبات الشرح اللاهوتيّ لعقيدة الثالوث بين ق. أثناسيوس والآباء الكبادوك في مُواجهة هذه السياقات التاريخية.
  • هناك دور رئيسيّ للشرح الكبادوكيّ في إزالة الشبهات الواهية بالسابيلية المزعومة عن الشرح الأثناسيوسيّ.

رينهولد سيبرج

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك

يُشِير البروفيسور الألمانيّ اللوثريّ رينهولد سيبرج، أستاذ اللاهوت في جامعة برلين بألمانيا، إلى الاختلاف في شروحات الثالوث بين ق. أثناسيوس والآباء الكبادوك كالتالي: ”إن التعديل الذي تمَّ إجراؤه هنا على عقيدة نيقية القديمة واضحٌ جدًا. لقد علَّم أثناسيوس (وماركيليوس الأنقريّ) بالإله الواحد، الذي يعيش حياة أقنومية [شخصانية] ثالوثية، والذي يكشف عن نفسه على هذا النحو. بينما يُفكِّر الكبادوكيون في ثلاثة أقانيم إلهية، تُظهِر نفس النشاط، ويُعترَف بأنها تمتلك طبيعة واحدة ولها نفس الكرامة. سرّ السابقين يكمن في الثالوث؛ وسرّ الأخيرين يكمن في الوحدة. وهكذا يحفظ الأخيرون أنفسهم بالكاد وبصعوبةٍ من تعدُّد الآلهة. ولكن بهذه الطريقة فقط تحرَّرت العقائد النيقية، بالنسبة للشرقيين، من وصمة السابيلية، وبدت أقنومية [شخصانية] اللوغوس مُؤكَّدةً بما فيه الكفاية. لقد فسَّر الكبادوكيون عقيدة أثناسيوس وفقًا للمفاهيم والمبادئ الأساسية لخريستولوچية اللوغوس عند أوريجينوس. ولكنهم دفعوا ثمنًا باهظًا مُقابل إنجازهم، لم يُدرِكوا حجمه: أي فكرة الإله الشخصيّ [الشخصانيّ]. والنتيجة هي ثلاثة أشخاص [أقانيم] وجوهر مُجرَّد وغير شخصانيّ [متأقنم]. بهذا الشكل تكون الأوسيا [الجوهر] والطبيعة عبءً ثقيلاً على العقيدة الخاصة بالله؛ لأنهما يتعارضان مع شخصانية [أقنومية] الله. لقد كان تصحيحًا جزئيًا لهذا، أنهم، بعد كل شيء – بشكلٍ غير مُتسقٍ – عرَّفوا الألوهة بالآب، والذي كان مرةً أخرى من بقايا التراتبية السابقة. الآب هو الألوهة كمصدر يصدر منه الابن والروح [القدس]: ’الطبيعة واحدةٌ في الثلاثة، أي الله؛ لكن الاتحاد هو الآب، الذي منه وإليه يُشَار إليهما بدورهما‘ (ق. غريغوريوس النزينزي، خطبة 42: 15؛ خطبة 20: 8). وعلى وجه الخصوص: ’لأنه من أقنوم الآب نفسه يُولَد الابن وينبثق الروح القدس. وهكذا بالتأكيد أيضًا الواحد، الذي هو علة الأشياء، التي تحدث بواسطته، تدعوه أنتَ إلهًا واحدًا، لأنه أيضًا فيهم‘ (Greg. Nyss. Ohl. Ii. 226; Apollin. Χαπά μερ. Etc., pp. 373, 273). وهكذا، حلَّت عقيدة الإله الثالوثيّ المشابه في الطبيعة محل تصوُّر إله ثالوثيّ ذي طبيعة واحدة. لقد كان أثناسيوس قادرًا على تحمُّل الأخير، دون أن يدعمه بحماسةٍ، أو يدين ماركيليوس، لأنه يمكن أن يُفهَم مماسبق أنه قد تمَّ حثه على القيام بذلك (ق. باسيليوس رسالة 125). كان هذا هو تعليم الرجال الذين اَعتبروا أنفسهم ورثة قانون الإيمان النيقاويّ (ق. باسيليوس رسالة، 52: 1). ’لقد أعتقدوا بأن الله الذي نعبده باعتباره فوق الملائكة (Bas. Horn. 15. 1) يجب فهمه بدقةٍ فيما يتعلق بهذه الصيغ‘، لأنه ’فيما يتعلق بالتعليم عن الله، فإن الاستخدام المختلف للمصطلحات لم يعدّ غير ضار، لأن ما كان شيئًا صغيرًا آنذاك، لم يعد شيئًا صغيرًا‘ (Greg. Nyss. Ohl. Ii. 192). لقد أنتجت صراعات العصر والتلاعُّب بالصيغ مفهومًا مُرهِقًا عن الأرثوذكسية. لقد صاغ هؤلاء الآباء – بالتحالف مع العالم – أرثوذكسيةً في القالب اليونانيّ“.[58]

كارل رانر

وحدة الألوهة في أقنوم الآب

يُشِير اللاهوتيّ الألمانيّ الكاثوليكي الشهير كارل رانر إلى ”مونارخية الآب“ في عقيدة الرسل وكتابات الآباء اليونانيين قائلاً: ”وإذَا كنا نقصد أن لفظ الجلالة ’الله‘ في الكتاب المقدس وكتابات الآباء اليونانية يعني في المقام الأول الآب (لا أن ندع الكلمة ببساطة تفترض أنه الآب)، عندئذٍ، نجد أن البنية الثالوثية لعقيدة الرسل، التي تتناغم مع اللاهوت اليونانيّ للثالوث، ستؤدي بنا إلى أن نتعامل أولاً مع الآب، وأن نأخذ في اعتبارنا أيضًا، في هذا القسم الأول من عقيدة الله، ’جوهر‘ الله، أي ألوهية الآب“.[59]

ويُؤكِّد كارل رانر على الحقيقة السابقة في موضع آخر قائلاً: ”تعترف الكنيسة في إيمانها بإلهٍ واحدٍ قادرٍ على كل شيء، يظهر لها باعتباره الربَّ العامل في تاريخ الخلاص، وخالق كل الحقائق المحدودة، وتؤمن به باعتباره ’الآب‘. وهكذا تبدأ صيغة اعتراف الإيمان: ’نؤمن بإلهٍ واحدٍ، آبٍ قديرٍ‘. بالطبع، كان يمكننا أن نبدأ أيضًا بالاعتراف بالثالوث. على أيّ حال، يجب ألا يعني هذا أنه يوجد نوع من الألوهة بشكلٍ ما – فيما وراء الأقانيم الثلاثة – وأنها مقصودةٌ بشكلٍ كاملٍ من خلال الاعتراف، والتي، من ثمَّ، تُفضِي إلى الشخصة الثلاثية. فالاعتراف الإيمانيّ والممارسات الدينية يُقصَد بهما الحفاظ على سلامة الحقيقة الخلاصية. لكن الثالوث، على هذا النحو ’ثلاثية‘، وبالتالي، يُعدّ مفهوم الوحدة، مفهومًا لاحقًا، بما أنه يجمع ’الثلاثة‘ معًا في وحدةٍ فيما يتعلق تحديدًا بذاك (أي الأقنوم) الذي من خلاله هم متمايزون بشكل تامٍ. وهذا كله يُفسِّر السبب في أنه من المشروع تمامًا، حتى في تنظيم منهجيّ لعقيدة الكنيسة، أن نبدأ كما في العقائد القديمة بالاعتراف الإيمانيّ بالآب“.[60]

شرح الثالوث بين الشرق والغرب

يُشِير كارل رانر إلى اختلاف شرح الثالوث بين الشرق والغرب، حيث كانت نقطة انطلاق الكتاب المقدَّس والأباء اليونانيين هي الإله الواحد القائم بذاته، الذي هو آبٌ بالفعل، ولكن نقطة البداية اللاتينية تبدأ من وحدانية الجوهر الإلهيّ وصولاً إلى تمايُّز الأقانيم كالتالي: ”لا شك في أن مزيدًا من الاهتمام قد خُصِّصَ، ويجب أن يُخصَّص، عندئذٍ، حتى لا يُنظَر إلى هذا ’الجوهر‘ الإلهيّ نفسه على أنه حقيقة ’رابعة‘ سابقة الوجود في الأقانيم الثلاثة. وبالنسبة للكتاب المقدَّس والآباء اليونانيين فسيجعلون نقطة الإله الواحد القائم بذاته، الذي هو آبٌ بالفعل حتى من دون معرفة أي شيء بعد عن الولادة والانبثاق. فهو يُعرَف بأنه الأقنوم الواحد القائم بذاته الذي لا يمكن إدراكه ’فعليًا‘ باعتباره ’مطلقًا‘، حتى قبل أن يُعرَف بوضوحٍ بكونه نسبيًا [علائقيًا]. لكن نقطة البداية ’اللاتينية‘ المرتبطة بالعصور الوسطى جاءت مُختلفةً. وهكذا، قد يؤمن المرء بأن اللاهوت المسيحيّ أيضًا ربما، بل ويجب عليه أن يضع البحث في ’الإله الواحد‘ قبل البحث في ’الإله الثالوثيّ‘. ولكن بالنظر إلى أن هذا المنهج تُبرِّره وحدانية الجوهر الإلهيّ، فإن البحث الوحيد الذي يُكتَب، أو من الممكن كتابته، هو ’عن الإله الواحد‘. ونتيجةً لذلك، يصبح المبحث فلسفيًا ومُجرَّدًا بالكامل، ولا يشير على الإطلاق إلى تاريخ الخلاص“.[61]

سر مونارخية الآب ووحدة السمو الإلهي

يُشِير كارل رانر إلى سر مونارخية الآب ووحدة السمو الإلهيّ كالتالي: ”وتمشيًا مع هذه الفكرة، بوسعنا أن نشير إلى أن وحدة السمو الإلهيّ الأساسية هي سر لا يُسبَر غوره، والتي تظلّ غامضةً إلى الأبد عبر التاريخ، ووحدة سمو التاريخ تحمل أعماقها النهائية وجذورها الأكثر عمقًا في الثالوث، الذي فيه الآب هو الأصل الذي لا يُستقصَى والوحدة الأصلية، و’الكلمة‘ (اللوغوس) هو نطقه في التاريخ، و ’الروح القدس‘ انفتاح التاريخ على أصله الأبويّ الوثيق وغايته. وعلى وجه الدقة، فإن ثالوث تاريخ الخلاص هذا، على النحو الذي به يُعلِن ذاته لنا بالأعمال هو الثالوث في جوهره (المحايث)“.[62]

جوهانس كواستن

الآب هو الينبوع والمصدر عند ق. أثناسيوس

يُشِير عالم الآبائيات الكاثوليكيّ الألمانيّ الشهير چوهانس كواستن إلى تفسير ق. أثناسيوس لأية ”أبي أعظم مني“ في سياق ثيؤلوجيّ وليس إيكونوميّ، بمعنى أن الآب هو المصدر والينبوع، مع رفض ق. أثناسيوس لتعليم التراتبية Subordinationism في الثالوث قائلاً: ”ولا يوجد هناك أيّ مجال لأن يكون الابن أقل من الآب Subordinationism في التعليم عن اللوغوس. وإذَا قال الابن: ’أبي أعظم مني‘، فإن هذا يعني أن الآب هو المصدر والينبوع، والابن مولودٌ منه (Or. Arian. 3, 3; 4 EP 760/776). والابن مولودٌ أزليًا من جوهر الآب έκ τής ούσίας τοϋ πατρός، وهو واحدٌ في ذات الجوهر مع الآب όμοούσιος. وقد استخدم مجمع نيقية المصطلحين، ويَعتبرهما ق. أثناسيوس جوهرين بشكلٍ مطلقٍ، بينما تجاهل مصطلح ’مُشابِه‘ όμοιος لأنه غير مُرضٍ“.[63]

 

 

مونارخية الآب في الدراسات القبطية الحديثة

سوف نستعرض في هذا الجزء من بحثنا رأي اثنين من أفضل الباحثين الأقباط في الأونة الأخيرة وهما: المتنيح د. چورچ عوض، والمتنيح د. سعيد حكيم، اللذين كانا باحثين بالمركز الأرثوذكسيّ للدراسات الآبائية بالقاهرة والأستاذين لعلم الآباء ”الباترولوچي“ في الكلية الإكليريكية والمعاهد التعليمية.

يتحدَّث الباحثان القبطيان الكبار عن ”مونارخية الآب“ في الثالوث وفي تعاليم آباء الكنيسة، وذلك ردًا على الإدعاءات الواهية بأن مونارخية الآب هي الهرطقة الآريوسية، وهذا كلام عارٍ تمامًا عن الصحة، ونابع عن جهل وعدم وعي بتعاليم آباء الكنيسة بمونارخية الآب في الثالوث، بل ويتهم آباء الكنيسة ضمنيًا بالهرطقة الآريوسية لأنهم ينادون بمونارخية الآب، وهذا محض عبث وهراء.

جورج عوض إبراهيم

مونارخية الآب عند ق. كيرلس الإسكندري

يتحدَّث المتنيح د. چورچ عوض ابراهيم، ردًا على الذين يقولون إن آباء كنيسة الإسكندرية لا يعرفون شيء اسمه مونارخية، بأن التعليم باعتبار الآب هو بداءة اللابداءة للابن والروح القدس يُمثِّل واحدًا من التعاليم الأساسية عن الثالوث عند ق. كيرلس الإسكندريّ، قائلاً: ”إن الرأي العقيديّ بخصوص اعتبار الآب هو بداءة اللابداءة للابن والروح القدس يُمثِّل واحدًا من التعاليم الأساسية عن الثالوث عند ق. كيرلس الإسكندريّ في شرحه للعلاقة الأزلية بين الآب والابن والروح القدس“.[64]

ويستطرد د. چورچ عوض في نفس السياق مُؤكِّدًا على أن التعبير عن الآب بأنه بداية اللابداية للابن هو تعبير يصف العلاقة السببية الأزلية بين الآب والابن، أي العلاقة السببية التي توجد بين الآب كعلةٍ أزليةٍ والابن كنتيجةٍ أزليةٍ لهذه العلة كالتالي: ”التعبير عن الآب بأنه بداية اللابداية للابن هو تعبير يصف العلاقة السببية الأزلية بين الآب والابن، أي العلاقة السببية التي توجد بين الآب كعلةٍ أزليةٍ، والابن كنتيجةٍ أزليةٍ لهذه العلة، وبذلك فهو يخص المفهوم اللاهوتيّ للولادة الأزلية للابن من الآب“.[65]

المفهوم الأرثوذكسي لمونارخية الآب

ويُؤكِّد د. چورچ عوض في موضع آخر على أن الآب هو البداية الازلية، والمصدر الأزلي للألوهية. الحقيقة الوجودية الأكثر عمقًا في الله هو أنه شخصٌ، ولا يوجد بأيّ طريقة أخرى إلا فقط بكونه شخص، فالآب هو علة الوجود الإلهيّ، بل اسمه هو اسم شركة قائلاً: ”الآب هو البداية η αρχή الأزلية، والمصدر πηγή الأزليّ للألوهية. إذًا، الله هو واحدٌ، لأنه واحدٌ هو الآب الذي يلد أزليًا الابن وينبثق منه الروح القدس أيضًا. هكذا أشخاص الثالوث القدوس هم من نفس الجوهر مع الآب، لكن الابن والروح القدس لهما علتهما الأزلية في شخص الآب. الحقيقة الأنطولوچية (الوجودية) الأكثر عمقًا في الله هو أنه شخصٌ، ولا يوجد بأيّ طريقة أخرى إلا فقط بكونه شخص. الآب هو علة الوجود الإلهيّ، بل اسمه هو اسم شركة“.[66]

سعيد حكيم يعقوب

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك

يرى المتنيح د. سعيد حكيم أن ق. أثناسيوس تفرد بتقديم رؤية مختلفة عن الآباء الذين علموا بأن الآب هو المبدأ الأقنوميّ لأقنومي الابن والروح القدس مثل العلامة ديديموس الضرير، وق. باسيليوس الكبير، وق. غريغوريوس النيسيّ، وق. غريغوريوس النزينزيّ كالتالي: ”القديس أثناسيوس تفرد بتقديم رؤية مختلفة عن الآباء الذين علَّموا بأن الآب هو المبدأ الأقنوميّ لأقنومي الابن والروح القدس، مثل العلامة ديديموس الضرير، وق. باسيليوس، وق. غريغوريوس النيسيّ، وق. غريغوريوس النزينزيّ، فعندما تناول الآباء موضوع μοναρχία المونارخية، أي وحدة المبدأ، كان للقديس أثناسيوس رأيًا خاصًا فقد أقر في خطابه للأنطاكيين بالاعتراف بثالوث قدوس، لكن لاهوت واحد ومبدأ واحد αρχή، وبأن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب، كما أن الروح القدس غير منفصل عن جوهر الآب والابن. إلا أن قبوله بصيغة جوهر واحد وثلاثة أقانيم μία ούσία τρείς ύποστάσεις، لم يمنعه من رفض الرأي المنادي بوحدة المبدأ μοναρχία الذي تعتمد فيه وحدانية الله على شخص الآب. فحين يُشَار إلى أن الآب هو العلة αίτιος والمبدأ αρχή للابن، فإن المقصود هو التعبير عن حقيقة ثابتة ومطلقة، وهو أن الآب هو أبو الابن، وإن الابن هو ابن الآب“.[67]

مونارخية الآب في تعليم الآباء الشرقيين

ويُؤكِّد د. سعيد حكيم على أن الآباء الشرقيين قد نادوا بأن الآب هو المصدر والعلة في الثالوث، وأن الابن والروح القدس هما واحدٌ مع الله الآب في الجوهر قائلاً: ”لقد تمسك الآباء الشرقيون بمصطلحات العهد الجديد، فالإشارة إلى كلمة الله تتضمن الله الآب وابنه يسوع المسيح، كما جاء في (رو ٢: ٦؛ ٢كو ١١: ٣١؛ أف ١: ٣). فالله الآب هو خالق السماء والأرض، وهو بداية الوحدة الكونية لهذا العالم، الذي هو بالطبيعة خارج نطاق الألوهية، وهو المصدر والعلة، وأن الابن والروح القدس هما واحدٌ مع الله الآب في الجوهر“.[68]

ويُؤكِّد د. سعيد حكيم في نفس السياق على أن التعليم اللاهوتيَّ عن الوحدة والتمايُّز في الثالوث القدوس، الذي أرسى مبادئه ق. إيرينيؤس، قد بدأ تقليد امتد إلى العصور اللاحقة، ووجد التعبير الكامل عنه من خلال الآباء الكبادوك، والذي يُقرّ ويعترف بأنه في شخص الله الآب تكمن الوحدة في الله، هذه الوحدة تحمل طابعًا خاصًا وتستند إلى أن الآب هو المصدر والأصل، وليست طبيعة إلهية مجهولة ليس لها كيانًا كالتالي: ”وهكذا من خلال هذا التعليم اللاهوتيّ عن الوحدة والتمايُّز في الثالوث القدوس، الذي أرسى مبادئه ق. إيرينيؤس، قد بدأ تقليد امتد إلى العصور اللاحقة، ووجد التعبير الكامل عنه من خلال الآباء الكبادوك، والذي يُقرّ ويعترف بأنه في شخص الآب، تكمن الوحدة في الله. هذه الوحدة تحمل طابعًا خاصًا وتستند إلى أن الآب هو المصدر أو الأصل، وليست طبيعةً إلهيةً مجهولةً ليس لها كيانًا“.[69]

نستخلص مما سبق عرضه في كتابات د. چورچ عوض ود. سعيد حكيم النتائج التالية:

  • علَّم آباء الكنيسة الجامعة منذ ق. إيرينيؤس وحتى ق. كيرلس الإسكندريّ بمونارخية الآب.
  • علَّم آباء كنيسة الإسكندرية مثل ق. كيرلس الإسكندري والعلامة ديديموس الضرير الإسكندريّ بمونارخية الآب في الثالوث، وليس كما يدَّعي البعض بأن آباء كنيسة الإسكندرية لم يُعلِّموا بشيء اسمه مونارخية من الأساس.
  • القديس أثناسيوس حالة خاصة دون باقي آباء كنيسة الإسكندرية والآباء الكبادوك الذي نادى بمونارخية ثالوثية، وإنْ كان لم يرفض رفضًا تامًا مونارخية الآب، بل فسَّرها في ضوء الولادة الأزلية للابن من الآب.
  • مونارخية الآب ليس تعليمًا آريوسيًا، كما يدَّعي البعض عن جهل وعدم وعي، بل هو تعليمٌ أرثوذكسيّ سليم راسخ وثابت في كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا وفي تقاليد كنسية مختلفة، سواء، إسكندريّ، أنطاكيّ، كبادوكيّ، غربيّ لاتينيّ قبل أوغسطينوس وتوما الأكوينيّ والعصر الوسيط.

[1] كليمندس الإسكندري (علامة)، المتفرقات (نسخة إليكترونية)، ترجمة: الأب الدكتور بولا ساويروس، (القاهرة، موقع الكنوز القبطية)، 5: 14: 28، 29، ص 945، 946.

[2] أوريجينوس (علامة)، تفسير إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الراهب مكاري البهنساوي، تحت إشراف: الأنبا اسطفانوس أسقف ببا والفشن، (القاهرة، 2020)، ص 122، 123.

[3] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، تفسير إنجيل لوقا (لو 22: 42-48)، ص 211، 212.

[4] ديديموس الضرير (علامة)، الروح القدس، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2015)، 4: 113-115، ص 73-75.

[5] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 28، ص 96.

[6] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 10: 10، ص 124.

[7] كيرلس الأورشليمي (قديس)، العظات، ترجمة: الأب چورچ نصور، (لبنان: رابطة معاهد اللاهوت في الشرق الأوسط، الكسليك، 1982)، 11: 14، ص 173.

[8] إبيفانيوس أسقف سلاميس (قديس)، أنكوراتوس (المثبَّت بالمرساة)، ترجمة: راهب من دير الانبا أنطونيوس، (البحر الأحمر: دير أنبا أنطونيوس، 2018)، 2: 4-6، ص 139، 140.

[9] ثيؤفيلوس الأنطاكي (قديس)، الرد على أتوليكوس، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2019)، 1: 3، ص 39.

[10] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 2، ص26.

[11] ساويروس الأنطاكي (قديس)، رسائل القديس ساويروس الأنطاكي (الرسائل 1-52)، ترجمة: الراهب جرجس الأنطوني، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2016)، رسالة 23 إلى الكهنة والأرشمندريتين يوناثان وصموئيل ويوحنا العموديين، ص 113.

[12] غريغوريوس العجائبي (قديس)، خطاب إلى المعلم أوريجينوس، ترجمة: مكاريوس جبور وناتاشا يازجي، (لبنان: منشورات النور، 2000)، فصل 38، ص 7.

[13] باسيليوس الكبير (قديس)، ضد أفنوميوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، مراجعة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، 3: 1، ص 206.

[14] غريغوريوس النزينزي (قديس)، الخطب 27-31 اللاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1993)، خطبة 29: 3، ص 82.

[15] غريغوريوس النيسي (قديس)، خطاب إلى اليونانيين ’عن الاصطلاحات العامة‘، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: دورية مدرسة الإسكندرية عدد 29، 2020)، ص 19، 20.

[16] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 5: 18: 2، ص 318.

[17] ترتليان الأفريقي (علامة)، ضد براكسياس أو عن الثالوث القدوس، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الفصل 3، ص 87.

[18] نوفاتيان الأفريقي، عن الثالوث، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: رسالتنا للنشر والتوزيع، 2022)، 31: 15، 16، ص 146، 147.

[19] أمبروسيوس أسقف ميلان (قديس)، شرح الإيمان المسيحي، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 4: 10: 133، ص 263.

[20] هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير البحر الأحمر، (البحر الأحمر: دير أنبا أنطونيوس، 2017)، 3: 4، ص 276.

[21] كاليستوس وير (مطران)، الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعقيدة، (منشورات النور، ١٩٨٢)، ص ٣٢.

[22] بول أفدوكيموف، الروح القدس في التراث الأرثوذكسي، ترجمة: المطران إلياس نجم، مراجعة: المطران چورچ خضر، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ١٩٨٩)، ص ٤٢، ٤٣.

[23] إيريثيؤس فلاخوس (مطران)، الأعياد السيدية، ترجمة: الأب أنطوان ملكي، (لبنان: مكتبة البشارة، بانياس، 2017)، ص 315.

[24] Georges Florovsky, The Eastern Fathers of Fourth Century, Vol. 7,(Nordland publishing Co., 1972), p. 58.

[25] Ibid, p. 78, 79.

[26] Andrew Louth, Introducing Eastern Orthodox Theology, (USA: IVP Academics, 2013), p. 22.

[27] Ibid, p. 27, 28.

[28] يوحنا رومانيدس (أب)، اللاهوت الآبائي، ترجمة الخورية چولي عطية، مراجعة: الأب أنطوان ملكي، (القاهرة: دار رسالتنا للنشر والتوزيع، ٢٠٢١)، ص ١٩٥.

[29] John Anthony McGuckin, The Orthodox Church: An introduction to its history, doctrine & spiritual culture, (USA: Blackwell publishing, 2008), p. 170.

[30] فلاديمير لوسكي، بحث في اللاهوت الصوفي لكنيسة المشرق، ترجمة: نقولا أبو مراد، مراجعة: رهبنة دير ق. جاورجيوس – دير الحرف، (لبنان: منشورات النور، ٢٠٠٠)، ص ٤٩.

[31] چان كلود لارشيه، في إطار الحوار الأرثوذكسي الكاثوليكي: انبثاق الروح القدس من الآب والابن، مسعى للتقارب أم تكريس للتباعد، ترجمة: الأب الدكتور يوحنا اللاطي، مراجعة: الأرشمندريت توما البيطار، (لبنان: عائلة الثالوث القدوس، ٢٠٠٤)، ص ٣٨.

[32] John D. Zizioulas, Being as Communion, (New York: Saint Vladimir’s Seminary Press, 1997), pp. 40-41.

[33] John D. Zizioulas, Communion and Otherness, Edit. by Paul McPartlan, (London & New York: T&T Clark, 2009), p. 35.

[34] يوحنا زيزيولاس (مطران)، الوجود شركة، ترجمة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٠٦)، ص ٢١، ٢٢.

[35] اسبيرو جبور (شماس)، الله في اللاهوت المسيحي، (لبنان، ١٩٩٦)، ص ٨١.

[36] فالتر كاسبر (كاردينال)، إله المسيحيين، ترجمة: المطران يوحنا منصور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٦)، ص ١٧٨.

[37] المرجع السابق، ص ١٧٨.

[38] المرجع السابق، ص ١٨٠.

[39] المرجع السابق، ص ٢٧٠.

[40] المرجع السابق، ص ٢٧١.

[41] المرجع السابق، ص ٢٧٥.

[42] المرجع السابق، ص ٢٧٥، ٢٧٦.

[43] G. W. H. Lampe, A Patristic Greek Lexicon, (Oxford: At The Clarendon Press, 1961), p. 877.

[44] أليستر أي ماجراث، اللاهوت التاريخي، (لبنان: منهل الحياة، ٢٠٢٢)، ص ٩٧، ٩٨.

[45] المرجع السابق، ص ١٠٢.

[46] المرجع السابق، ص ١٠٨.

[47] المرجع السابق، ص ١١٠.

[48] David K. Bernard, A History of Christian Doctrine Vol. 1, USA, WAP, 1995, p. 130.

[49] Henry C. Sheldon, History of Christian Doctrine, Vol. I, (New York: Harper & Brothers, Franklin Square, 1886), p. 211

[50] K. R. Hagenbach, A History of Christian Doctrine, Vo. I, Intro. by E. H. Plumptre, (Edinburgh, T & T Clark, 1883), p. 372, 373.

[51] Joseph Tixeront, History of Dogmas, Vol. II, Trans. by H. L. B, (USA: St. Louis, MO, 1914), p. 75.

[52] Ibid, p. 79.

[53] Louis Berkhof, The History of Christian Doctrines, London, The banner of truth trust, 1969, p. 89, 90.

[54] Justo L. Gonzalez, A History of Christian Thought Vol. 1, USA, Abingdon Press, 1987, p. 311.

[55] Ibid, p. 314.

[56] J. F. Bethune-Baker, An Introduction to the Early  History of Christian Doctrine, London, Methuen, 1903, p. 211.

[57] Ibid, p. 221, 222.

[58] Reinhold Seeberg, Text-Book of The History of Doctrines, Vol. I, Trans. by Charles E. Hay, (Philadelphia: Lutheran Publication Society, 1905), p. 232, 233.

[59] كارل رانر (يسوعي)، الثالثوث: الله الواحد مصدر تاريخ الخلاص، ترجمة: نيكلس نسيم وتوماس نبيل، (القاهرة: دار الأكويني، 2021)، ص 24.

[60] المرجع السابق، ص 66، 67.

[61] المرجع السابق، ص 25، 26.

[62] المرجع السابق، ص 54، 55.

[63] چوهانس كواستن، علم الآبائيات ”باترولوچيا‘، ترجمة: الراهب غريغوريوس البرموسي ود. نادر مدحت، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2021)، ص 90، 91.

[64] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١١)، مقدمة دراسية، ص ٢٠.

[65] المرجع السابق، ص ٢١.

[66] چورچ عوض (دكتور)، المعرفة الإلهية بين الثيؤلوجيا والايكونوميا، (القاهرة، ٢٠٢٠)، ص ٣٨.

[67] سعيد حكيم (دكتور)، الوحدة والتمايز في الثالوث القدوس بحسب فكر آباء الكنيسة، (القاهرة، ٢٠١٩)، ص ١٣.

[68] المرجع السابق، ص ٢٤.

[69] المرجع السابق، ص ٤٠.

 

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ابريل 2024م

 

 

الفهرست

مقدمة. 1

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس الرسولي. 5

خلاص الإنسان بالتأله. 5

الخلاص بتألهنا عن طريق تأله ناسوت المسيح. 7

الخلاص بالأسرار والتأله. 8

الانجماع الكلي للبشرية في المسيح. 9

مفهوم العدالة الإلهية. 10

مفهوم الفدية. 10

مفهوم الدين. 12

مفهوم اللعنة. 14

مفهوم العداوة 15

دحض نظرية البدلية العقابية. 15

وجودنا الكياني في المسيح أثناء الخلاص… 16

مفهوم التبرير والتقديس.. 16

الخلاص بتأليه البشرية. 21

مفهوم التبرير بالدم 21

التقديس باتحاد الطبيعتين في المسيح. 22

دحض نظرية الإبدال العقابي. 23

مفهوم المصالحة. 24

إعادة خلق الطبيعة البشرية في المسيح. 25

الاتحاد بالآب في المسيح. 27

المبادلة الخلاصية الشفائية وليس العقابية. 28

مفهوم التقدمة. 30

مفهوم الذبيحة. 32

المبادلة الخلاصية وليس العقابية. 34

هدف التجسد هو إبادة الموت.. 35

تجديد الإنسان بنعمة الروح القدس.. 36

انجماع البشرية في المسيح. 36

موت المسيح هو موت جميع البشر. 37

تمجيد البشرية في المسيح. 39

جسد الكلمة هو جسدنا نحن. 41

انجماع البشرية في المسيح. 41

تقديس الأشياء بالروح القدس.. 42

تقديس جسدنا بجسد المسيح. 43

الخلاص بتأليه البشر. 44

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم أنسلم الكانتربري.. 46

الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته. 47

لا يوجد غفران بدون عقوبة. 47

مبدأ إيفاء العدل الإلهي. 48

توضيح نظرية الترضية لأنسلم 49

نقد نظرية الترضية لأنسلم 55

الفصل الثالث: الدراسات الحديثة حول تدبير الخلاص بين الشرق والغرب.. 58

نورمان راسل. 58

توماس تورانس.. 59

خالد أناطوليوس.. 63

جوهانس رولدانوس.. 64

لويس بيركهوف.. 64

ستيفن هولمز. 66

جون كيلي. 68

لورانس جرينستيد 69

هستنجس راشدال. 69

جوناثان هيل. 70

أليستر ماجراث.. 71

كاليستوس وير. 72

فلاديمير لوسكي. 73

جورج فلورفسكي. 74

فالتر كاسبر. 75

جوهانس كواستن. 76

كاثرين ساندرجير. 77

توماس ويناندي.. 78

جوستاف ألين. 78

المطران كيرلس بسترس وآخرون. 79

عبد المسيح اسطفانوس.. 80

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على البدلية العقابية في اللاهوت الغربي. 84

 

 

مقدمة

سوف نحاول في هذا البحث الموجز توضيح نقاط الاختلاف بين تعليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص، وبين تعليم أنسلم رئيس أساقفة كانتربري بانجلترا في القرن الحادي عشر عن الكفارة والفداء، وابتكاره لنظرية ”الترضية“ التي سادت العصر الوسيط في أوروبا، وتسلَّلت إلى كنائسنا في غفلة من الزمن، وذلك للرد على الذين يعتنقون فكرة وجود نظرية البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس الرسوليّ، لاهوتيّ التألُّه والانجماع الكليّ في المسيح، حيث يعتقدون أنهم عندما يجدون كلمات مثل: بدلاً عنا، عوضًا عنا، نيابةً عنا، فدية، ثمن، كفارة، دَّين، ذبيحة لعنة، حكم، وغيرها من المصطلحات القانونية، إنه يوجد بذلك تعليم بدلية عقابية عند ق. أثناسيوس، وهذا ضرب من الوهم والخيال.

فالدراس الحقيقيّ الموضوعيّ لتعاليم ق. أثناسيوس حول تدبير الخلاص، يجد أن تعاليمه الخلاصية تتمحور حول تأليه الطبيعة البشرية عن طريق اتحادها بأقنوم الكلمة في المسيح يسوع ربنا، وتبتعد كل البعد عن نظرية الترضية، أو مصالحة العدل مع الرحمة على الصليب، أو إيفاء العدل الإلهيّ، أو ترضية كرامة الله المهدرة بسبب خطية البشرية غير المحدودة، وغيرها من الأفكار في لاهوت العصر الوسيط التي أنتشرت في أوروبا لقرونٍ عديدةٍ، وسبَّبت العديد من المجادلات والمجامع لعلاج المشاكل الناجمة عن هذه التعاليم الخطيرة البعيدة كل البعد عن التعليم الآبائيّ الشرقيّ الأرثوذكسيّ، الذي يُمثِّله في هذا البحث، ق. أثناسيوس العظيم، مُعلِّم المسكونة.

سنحاول في هذا البحث الموجز استعراض أهم ملامح ومفاهيم تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس، ومقارنتها بنلامح ومفاهيم نظرية الترضية والبدلية العقابية في تعليم أنسلم الكانتربري لإبرارز نقاط الاختلاف الشديدة والواضحة بين التعليمين، وردًا على محاولات البعض عن جهل ودون دراسة وعلم ووعي بالدراسات الأكاديمية إلصاق تعليم البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس الرسوليّ.

أود التنويه إلى أن البعض يدَّعي أننا نُقدِّم تعليم غربيّ أكاديميّ غير أرثوذكسيّ، ويبدو أنهم نسوا أو تناسوا أو نغافلوا عن أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أكثر كنيسة استفادت من الإسهامات الغربية الأكاديمية الحديثة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: ترجمة كرنيليوس قاندياك البروتستانتية الغربية مع البستانيّ، وهي الترجمة المعتمدة حاليًا في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وهناك أيضًا مجلدات كتابات آباء ما قبل نيقية ونيقية وما بعد نيقية التي يتهافت الباحثين الأقباط وغيرهم من المترجمين حاليًا على ترجمتها والاقتباس منها بكل اريحية وثقة، وهي في الأساس منتج بروتستانتيّ غربيّ صرف، فالمحرِّر لهذه المجلدات هو فيليب شاف مؤرخ وأستاذ لاهوت بروتستانتيّ، وفريقه من المترجمين لمجموعة المجلدات والمحرِّرين المساعدين أغلبهم بروتستانت غير أرثوذكس، سأكتفي بهذين المثالين، رغم أن الأمثلة كثيرة جدًا، ولكن حتى لا أطيل على القارئ، سأكتفي بذلك. فالذي يُغفِل الإسهام الأكاديميّ الغربيّ غير الأرثوذكسيّ في العالم المسيحيّ، فهو إمَّا جاهل أو شعبويّ أو مُنافِق أو مُخادِع أو مُدلِّس أو ناكر الجميل والمعروف، وسامحوني في هذه الألفاظ، لأنه كم الخداع والتضليل والتدليس والتجهيل والتغييب وصل لدرجاتٍ غير مسبوقة، نصلي إلى الله أن يغير النفوس، وينير العيون والقلوب لمجد اسمه القدوس.

أود التنويه أيضًا إلى أن النصوص المذكورة في هذا البحث الموجز، سواء للقديس أثناسيوس الرسوليّ أو أنسلم الكانتربريّ، هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من النصوص الأخرى التي تخدم هدف البحث، كما ذكرنا أعلاه، ولكننا أكتفينا بهذه النصوص لتوضيح الفكرة والهدف من البحث للقارئ العزيز.

وأخيرًا، أصلي إلى الله أن يمون هذا البحث سبب بركة ونعمة في حياة الكثيرين، بصلوات وشفاعات القديسة العذراء مريم والدة الإله، وصلوات وشفاعات الآباء القديسين مُعلِّمي الكنيسة العظام الذين أثروا العالم بتعاليمهم الغنية والعميقة.

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس الرسولي

سوف نتتبع في هذ الفصل ملامح ومفاهيم تدبير الخلاص في تعليم القديس أثناسيوس، وذلك لمقارنتها بين تعليم أنسلم الكانتربريّ، وذلك لتوضيح نقاط الاختلاف الشديدة بين مفهوم ق. أثناسيوس للخلاص ومفهوم أنسلم للترضية والكفارة، الذي يؤمن به البعض في أيامنا هذه ويُدافِع عنه وكأنه تعليم آبائيّ أرثوذكسيّ سليم، رغم أنه تعليم معيب وغير أرثوذكسيّ تركه أصحابه وانتقدوه، ولكن يتشبث به الجهلاء في عصرنا هذا عن دون دراية ووعي ودراسة لتاريخ تطوُّر شرح العقيدة المسيحية عبر العصور.

خلاص الإنسان بالتأله

يقول ق. أثناسيوس عبارته التبادلية الشهيرة التي تُوضِّح عقيدة التألُّه بالنعمة، لكي يؤكد أن المسيح قد تجسَّد من أجل أن يؤلهنا، وبالتالي، الخلاص في فكر ق. أثناسيوس هو من خلال تأليه الإنسان كالتالي:

”ﻷن كلمة الله صار انسانًا لكي يُؤلِّهنا نحن“.[1]

ويتحدَّث ق. أثناسيوس أيضًا عن عقيدة التألُّه بالنعمة، وتألُّه ناسوت المسيح الذي صار طريقًا نحو تأليه أجسادنا أيضًا قائلاً:

”فإن اللوغوس لم يحط قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالحري فإن الجسد الذي لبسه قد تألَّه، بل وأكثر من ذلك فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجةٍ أكثر“.[2]

يشير ق. أثناسيوس إلى أننا بشركتنا في الروح القدس نصير شركاء الطبيعة الإلهية، وبالتالي يُثبِت عقيدة ألوهية الروح القدس مُستخدِمًا عقيدة التألُّه بالنعمة، حيث يرى أنه إذَا كان الروح القدس مخلوقًا، فكيف يُؤلِّهنا نحن البشر بالنعمة كالتالي:

”ولكن إنْ كُنا بالاشتراك في الروح نصير شركاء الطبيعة الالهية، فإنه يكون من الجنون أن نقول إن الروح من طبيعة المخلوقات، وليس من طبيعة الله، وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه يتألَّهون، وإنْ كان [الروح القدس] يُؤلِّه البشر فلا ينبغي أن يشك في أن طبيعته هي طبيعة إلهية“.[3]

وهكذا يُؤكِّد ق. أثناسيوس هنا أن مَنْ يُشكِّك في تأليه الروح القدس للبشر بالنعمة هو كمَّن يُشكِّك في ألوهية الروح القدس ويدعوه جنونًا.

يدحض ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية ويشير إلى أن الكلمة صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته، وهكذا نقل المسيح في نفسه جنسنا نحن البشر الضالين لكي نصبح نسلاً مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية، ولم يقل مات بديلاً عقابيًا عن البشر، بل نقل البشر في نفسه لكي يتألهوا بمشاركة طبيعته الإلهية، مما يؤكد على أن مفهوم الخلاص عند ق. أثناسيوس هو من خلال تأليه الإنسان كالتالي:

”لأنه قد صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته. وقد صار جسدًا من امرأةٍ ووُلِدَ من عذراء كي ينقل إلى نفسه جنسنا نحن البشر الذين ضلَّلنا، ولكي نصبح بذلك جنسًا مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4) كما كتب بطرس المطوَّب“.[4]

ويرى ق. أثناسيوس أن كل الأشياء التي تألم بها جسد الكلمة البشريّ كان الكلمة الذي سكن الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع أن نشترك نحن البشر في لاهو الكلمة، لا يوجد مكان هنا للبدلية العقابية، بل اشتراك البشرية المتَّحِدة بالكلمة في لاهوته، لا يوجد مكان هنا لإنزال عقوبة الموت على الكلمة الذي سكن الجسد، بل توجد شركة للبشرية في لاهوت الكلمة كالتالي:

”لأن تلك الأشياء التي كان يتألم منها جسد الكلمة البشريّ، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة“.[5]

الخلاص بتألهنا عن طريق تأله ناسوت المسيح

يُؤكِّد ق. أثناسيوس الرسوليّ على تألُّه ناسوت المسيح كوسيلة لتألُّه أجسادنا، ويُؤكِّد أيضًا على تبادل الخواص أو الصفات أو الأسماء في المسيح كالتالي:

”بل كُتِبَت هذه العبارة عنه بسببنا ولأجلنا. لأنه كما مات المسيح ثم رُفِعَ كإنسان، فبالمثل قيل عنه إنه أخذ كإنسان ما كان له دائمًا كإله، وذلك لكي تصل إلينا عطية مثل هذه النعمة، فإن اللوغوس لم يحط من قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالأحرى فإن الجسد الذي لبسه قد تألَّه، بل وأكثر من ذلك، فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجة أكثر“.[6]

ويُكرِّر ق. أثناسيوس نفس الحديث عن تألُّه ناسوت المسيح في موضع آخر كالتالي:

”لأنه حينما صار إنسانًا، لم يكف عن أن يكون الله، ولا بسبب كونه الله يتجنب ما هو خاص بالإنسان، حاشا بل بالحري، إذ هو الله فقد أخذ الجسد لنفسه، وبوجوده في الجسد، فإنه يُؤلِّه الجسد“.[7]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس أيضًا على تألُّه ناسوت المسيح كوسيلة لخلاصنا عن طريق تألُّه أجسادنا باتحادنا به قائلاً:

”وعندئذٍ لم يقل ’والابن‘ كما سبق وقال إنسانيًا، بل قال: ’ليس لكم أن تعرفوا‘، لأن الجسد عندئذٍ كان قد قام وخلع عنه الموت وتألَّه، ولم يعد يليق به أن يجيب بحسب الجسد عندما كان مُنطلقًا إلى السماوات، بل أن يُعلِّم بطريقةٍ إلهيةٍ“.[8]

الخلاص بالأسرار والتأله

يشير ق. أثناسيوس إلى تقديسنا وتأليهنا بتناولنا من جسد الكلمة نفسه وليس بتناول مُجرَّد جسد لإنسانٍ ما، حيث أننا ننال التألُّه بالنعمة من خلال الاتحاد السريّ بجسد الكلمة ذاته في الإفخارستيا، وبالتالي تُعتبر الأسرار الكنسية ضروريةً في نوال نعمة التألُّه والحياة الأبدية كالتالي:

”ولكن ’الكلمة صار جسدًا‘ (يو 1: 14) مرةً واحدةً في ملء الزمان ليزيل الخطية، ووُلِدَ من العذراء مريم إنسانًا مثلنا، كما قال لليهود: ’تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق‘ (يو 8: 40)، لذا نحن نتألَّه بتناولنا جسد الكلمة نفسه، وليس باشتراكنا في جسد إنسانٍ ما“.[9]

الانجماع الكلي للبشرية في المسيح

يتحدَّث ق. أثناسيوس عن وجودنا الكيانيّ في المسيح عند موته، ويتحدَّث عن موت الجميع في المسيح مُؤكِّدًا على وحدة الجنس البشريّ في المسيح آدم الجديد قائلاً:

”لكي إذَا كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطِل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفِذَ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر“.[10]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على وحدة البشرية في شخص المسيح، لارتباطنا به في جسده، وصعودنا معه إلى السماء في جسده، وهكذا يصير لنا شركة الحياة الأبدية، لأننا لم نعد بشرًا عاديين، بل صرنا في اللوغوس لوغسيين كالتالي:

”ولكن ارتباطنا بالكلمة الذي من السماء، فأننا نُحمَل إلى السموات بواسطته، لذلك بطريقةٍ مماثلةٍ قد نقل إلى نفسه أوجاع الجسد الأخرى لكي يكون لنا شركة في الحياة الأبدية، ليس كبشر فيما بعد، بل أيضًا لأننا قد صرنا خاصين بالكلمة [أي لوغسيون]“.[11]

مفهوم العدالة الإلهية

يربط ق. أثناسيوس الرسوليّ بين العدل والقداسة في الله، فالله هو عادلٌ وقدوسٌ بطبيعته قائلاً:

”ولكنه لكونه إله وكلمة الآب، فهو قاضٍ عادلٍ ومُحِب للفضيلة، وبالأحرى هو مانح الفضيلة. إذًا، فهو عادلٌ وقدوسٌ بطبيعته. فلهذا يُقَال إنه يحب البر ويبغض الإثم (إش 61: 8). وهذا يُعادِل القول القائل إنه يحب الصالحين ويُعِينهم“.[12]

مفهوم الفدية

نجد مفهوم ومجاز الفدية الخاص بالحروب والأسر عند ق. أثناسيوس، حيث يشير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح الفدية للموت من أجل خلاص كل الخليقة، وذلك من خلال مجيئه في الجسد كالتالي:

”فإن مجيء المخلِّص مُتجسِّدًا، قد صار فديةً للموت وخلاصًا لكل الخليقة“.[13]

ويتحدَّث ق. أثناسيوس في موضع آخر عن تقديم المسيح الفدية للموت من أجل خلاص الكل قائلاً:

”وبموته صار الخلاص للجميع، وتمَّ الفداء لكل الخليقة. هذا هو ’حياة‘ الكل، الذي سلَّم جسده للموت كحَمَل فدية لأجل خلاص الكل، ولو لم يؤمن اليهود بذلك“.[14]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على تقديم المسيح الفدية للموت عن حياة الجميع كالتالي:

”ولأن كلمة الله هو فوق الجميع، فقد كان لائقًا أن يُقدِّم هيكله الخاص وأداته البشرية فديةً عن حياة الجميع مُوفِيًا دَّين الجميع بموته. وهكذا باتَّخاذه جسدًا مماثلاً لجسد جميع البشر وباتحاده بهم، فإن ابن الله عديم الفساد ألبس الجميع عدم الفساد بوعد القيامة من الأموات. ولم يعدّ الفساد الفعلي بالموت له أي سلطان على البشر بسبب الكلمة الذي جاء وسكن بينهم بواسطة جسده“.[15]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح جسده للموت وإقامته ثانيةً كالتالي:

”ولهذا السبب أيضًا فإنه لم يُتمِّم ذبيحته عن الكل بمُجرَّد مجيئه مُباشرةً، بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانيةً“.[16]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن الدَّين المستحق على الجميع هو دَّين الموت، وبالتالي أسلَّم المسيح هيكله للموت من أجل إيفاء دَّين الموت كالتالي:

”ولمَّا كان من الواجب وفاء الدَّين المستحق على الجميع، إذ – كما بيَّنا سابقًا – كان الجميع مستحقين الموت، فلأجل هذا الغرض، جاء المسيح بيننا. وبعدما قدَّم براهينًا كثيرةً على ألوهيته بواسطة أعماله في الجسد، فإنه قدَّم ذبيحته عن الجميع، فأسلَّم هيكله للموت عوضًا عن الجميع“.[17]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس أيضًا على أن موت الرب هو الفدية عن الجميع من أجل نقض حائط السياج المتوسط كالتالي:

”وإضافة إلى ذلك، إنْ كان موت الرب هو فديةٌ عن الجميع وبواسطة موته هذا ’نقض حائط السياج المتوسط‘، وصارت الدعوة لجميع الأمم“.[18]

يتحدَّث ق. أثناسيوس عن تقديم المسيح الفدية للآب، ولكن ليس بمعنى الإبدال العقابيّ، بل من أجل تطهيرنا من الخطايا بدم نفسه، وبإقامتنا من بين الأموات كالتالي:

”وعندما أراد الآب أن تُقدَّم الفدية لأجل الجميع، وأن تُعطَى النعمة الكل، عندئذٍ مثلما أرتدى هارون الجبة؛ أخذ الكلمة جسدًا من الأرض مُتَّخِذًا له من مريم الجسد كما من أرض بكر حتى إذ يكون له – كرئيس كهنة – شيء يُقدِّمه، فهو يُقدِّم ذاته للآب، ويُطهِّرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه، ويُقِيمنا من بين الأموات“.[19]

مفهوم الدين

يستخدم ق. أثناسيوس مجاز ”الدَّين“ التجاريّ في سياق سوتيرلوچيّ [خلاصيّ]، حيث يفهم ”الدَّين“ على أنه دَّين الموت الذي كان الجميع مدينًا به لله مانح وواهب الحياة للجميع، فالإنسان بخطيته جلب الموت على نفسه، وبدَّد هبة الحياة التي أعطاها الله له، فصار مدينًا لله بحياته التي بدَّدها بموته، فكان ينبغي أن يُوفِي أحدٌ هذا الدَّين بأن يعيد الحياة المفقودة من الإنسان مرةً أخرى بموته ليُسدِّد دَّين الموت، ويهب الحياة للإنسان الذي فقد حياته بإرادته بالخطية والموت. وهنا لم يطلب الله مقابل الدَّين، بل ساعد الله نفسه الإنسان بتجسُّده ليعيد ما فَقَدَه الإنسان من حياة بموته ليهب له الحياة، كالتالي:

”وهكذا تمَّ في جسد المسيح فعلان مُتناقِضان في نفس الوقت: الأول، هو أن موت الجميع قد تمَّ في جسد الربِّ على الصليب، والثاني، هو أن الموت والفساد قد أُبِيدا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به، فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتمَّ الموت نيابةً عن الجميع لكي يُوفِي الدَّين المستحق على الجميع“.[20]

يُوضِّح ق. أثناسيوس مفهوم الدَّين أيضًا، حيث يرى إنه في جسد المسيح تمَّ فعلان متناقضان في نفس الوقت، هما: موت الجميع في جسد الرب، داحضًا بذلك نظرية الإبدال العقابيّ، فطالما أن موت الجميع تمَّ في جسد الربِّ، فأين الإبدال العقابيّ الذي يفصل بيننا نحن المؤمنون وبين جسد المسيح المقدَّم على عود الصليب كترضيةٍ نيابيةٍ عن البشرية المعاقَبة للآب، كما يدحض أيضًا نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين جسد المسيح الذي أخذه من العذراء، وبين جسد المسيح في الإفخارستيا، وبين جسد المسيح السري أي الكنيسة، والتي تهدم عمل المسيح الخلاصيّ من أساسه، بفصلنا نحن المؤمنون عن جسد المسيح السريّ. لذا يُؤكِّد ق. أثناسيوس على الانجماع الكليّ في المسيح أثناء عمله الخلاصيّ بموت الجميع فيه على الصليب كالتالي:

”وهكذا تمَّ في جسد المسيح فعلان متناقضان في نفس الوقت: الأول هو أن موت الجميع قد تمَّ في جسد الربِّ على الصليب، والثاني هو أن الموت والفساد قد أُبيدَا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به. فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتمَّ الموت نيابةً عن الجميع لكي يُوفِي الدَّين المستحق على الجميع“.[21]

مفهوم اللعنة

ويرى ق. أثناسيوس أن المسيح أبطل اللعنة وهو كائنٌ فينا أي في بشريتنا كالتالي:

”إذ أن لعنة الخطية قد أُبطِلَت بسبب ذاك الذي هو كائنٌ فينا، والذي قد صار لعنةً لأجلنا“.[22]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على نقطة خطيرة جدًا يُنكِرها البعض في عصرنا الحالي وهي أن موت المسيح كان موتنا جميعًا، وقيامته وتمجيده وصعوده للسماء كان هو قيامتنا وتمجيدنا وصعودنا، لأننا في المسيح نفسه أيضًا كالتالي:

”لأجل هذا السبب يُقَال إنه إنسان مُجِّدَ أيضًا نيابةً عنا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدَنا مجدًا عاليًا، مُقَامين من بين الأموات وصاعدين إلى السموات، حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا“.[23]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس في عبارة خطيرة جدًا على عدم اندهاش القوات السمائية عندما ترانا نحن المؤمنين بالمسيح أي كنيسته المتَّحِدين به داخلين إلى مناطقهم السمائية قائلاً:

”لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا – المتَّحِدين معه في نفس الجسد – داخلين إلى مناطقهم السمائية“.[24]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على وحدتنا في جسد المسيح التي صِرنا بها هيكلاً لله، وصِرنا أبناءً لله يُعبَد الرب فينا كالتالي:

”أنه ليس اللوغوس بسبب كُونه لوغوس هو الذي حصل على مثل هذه النعمة، بل نحن لأنه بسبب علاقتنا بجسده فقد صرنا نحن أيضًا هيكل الله – وتبعًا لذلك قد جُعِلَنا أبناء الله، وذلك حتى يُعبَد الرب فينا أيضًا، والذين يُبصِروننا يُعلِنون – كما قال الرسول: ’إنَّ الله بالحقيقة فيكم‘“.[25]

مفهوم العداوة

أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية هو الادعاء بأنه كانت هناك خصومة بين الآب والبشرية المتمثلة في ناسوت المسيح المتألم على الصليب. هذا الرأي يصوِّر اللاهوت بأنه قد كان في خصومة مع ناسوت المسيح في المسيح الواحد، طالما الآب كان في خصومة مع ناسوت المسيح الذي اتَّحد به لاهوت الكلمة في التجسُّد. وهذا للأسف أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية. يرفض ق. أثناسيوس ترك الآب للناسوت، أو وجود خصومة بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

”لذلك لا يمكن أن يُترَك الرب من الآب، وهو كائنٌ دائمًا في الآب قبل أن يتكلَّم وأثناء نطقه بهذه الصرخة“.[26]

دحض نظرية البدلية العقابية

يدحض ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية التي تُميِّز اللاهوت الغربيّ، حيث يرى ق. أثناسيوس أن موت المسيح هو موت جميع البشر كالتالي:

”حيث أن الجميع ماتوا بواسطته، هكذا قد تمَّ الحكم إذ أن الجميع ماتوا في المسيح. وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحرارًا من الخطية ومن اللعنة الناتجة عنها، ويبقى الجميع على الدوام قائمين من الأموات، ولابسين عدم موت وعدم فساد“.[27]

وجودنا الكياني في المسيح أثناء الخلاص

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على وحدتنا ووجودنا في المسيح بسبب سُّكنى الروح القدس فينا الذي يُوحِّدنا معه، وهكذا نصير في الله ويصير الله فينا كالتالي:

”لذلك فبسبب نعمة الروح الذي أُعطِي لنا نصير نحن فيه وهو فينا، وحيث إن روح الله فينا، لذلك فبواسطة سُّكناه فينا وبحسب حصولنا على الروح، نُحسَب أننا في الله، وهكذا يكون الله فينا“.[28]

مفهوم التبرير والتقديس

يُوضِّح ق. أثناسيوس كيفية تقديس وتبرير وتمجيد الجميع في المسيح لله الآب، فاللوغوس نفسه لا يحتاج إلى التقديس أو التبرير أو التمجيد، لأنه هو ذاته القداسة والبرّ ومصدر كل برّ وقداسة، بل اللوغوس بتقديس ذاته، فإنه يُقدِّسنا ويُمجِّدنا ويُبرِّرنا جميعًا فيه، وبالتالي، يدحض ق. أثناسيوس أي تبرير أو تقديس بالمعنى القضائيّ والقانونيّ سوف نراه فيما بعد في اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ سواء المبكر أو المدرسيّ أو البروتستانتيّ كالتالي:

”وكما أنه وهو الذي يُقدِّس الجميع، يقول أيضًا إنه يُقدِّس نفسه للآب من أجلنا – ليس بالطبع لكي يكون اللوغوس مُقدَّسًا – بل لكي بتقديس ذاته يُقدِّسنا جميعًا في ذاته. وهكذا بنفس المعنى ينبغي أن نفهم ما يُقَال الآن أنه ’تمجَّد‘. ليس لكي يُمجَّد هو نفسه [أي اللوغوس] – إذ أنه هو الأعلى – بل لكي هو ذاته ’يصير برًا‘ من أجلنا، أمَّا نحن فلكي نتمجَّد ونُرفَع فيه ولندخل إلى أبواب السماء، التي قد فتحها هو ذاته من أجلنا […] فإنْ كان الابن هو البرّ، إذًا، فهو لم يرتفع بذاته كما لو كان في حاجة إلى الرفعة، بل نحن الذين ارتفعنا وتمجَّدنا بسبب البرّ الذي هو المسيح نفسه“.[29]

يستطرد ق. أثناسيوس في شرح مفهوم التبرير والتقديس من وجهة نظر شفائية وتجددية بحتة، حيث يُشِير ق. أثناسيوس إلى أن مسحة الرب يسوع بالروح القدس كانت من أجلنا ليبني فينا سُّكنى الروح وألفته تمامًا مثلما وهبنا الرفعة والقيامة، لذا يُقدِّس المسيح ذاته، ليس لأنه مُحتاجٌ إلى التقديس في ذاته، بل نحن الذين نتقدَّس فيه كالتالي:

”فهو كإنسان يُقَال عنه إنه يُمسَح بالروح، وذلك حتى يبني فينا نحن البشر سُّكنى الروح وألفته تمامًا مثلما وهبنا الرفعة والقيامة. وهذا ما عناه هو نفسه عندما أكَّد الرب عن نفسه في الإنجيل بحسب يوحنا: ’كما أرسلتني إلى العالم، أرسلتهم أنا إلى العالم، ولأجلهم أُقدِّس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضًا مُقدَّسين في الحق‘ (يو 17: 18-19). وقد أوضَّح بقوله هذا إنه ليس هو المقدَّس بل المقدِّس. لأنه لم يُقدَّس من آخر، بل هو يُقدِّس ذاته. حتى نتقدَّس نحن في الحق. وهذا الذي يُقدِّس ذاته؛ إنما هو رب التقديس. كيف، إذًا، حدث هذا؟ وماذا يريد أن يقول بهذا سوى إنه: ’كوني أنا كلمة الآب، فأنا نفسي أُعطِي ذاتي الروح حينما أصير إنسانًا. وأنا الصائر إنسانًا أُقدِّس نفسي (في الآب) لكي يتقدَّس الجميع فيَّ. وأنا الذي هو الحق. لأن ’كلامك هو حق‘ (يو 17: 17)“.[30]

ويُفسِّر ق. أثناسيوس، في سياق مفهومه عن التبرير والتقديس من خلال الاتحاد بالمسيح، سبب نزول الروح القدس في هيئة حمامة على المسيح في نهر الأردن، وهل كان المسيح محتاجًا للتقديس والمسحة من الروح القدس، بالرغم من أنه الإله مانح وواهب القداسة؟ ولكن يدحض ق. أثناسيوس بدعة التبني لبولس الساموساطيّ – الذي أدَّعى حلول أو سُّكنى الروح القدس في المسيح كما كان يحلّ ويملأ الأنبياء في العهد القديم – مشيرًا إلى أن نزول الروح عليه في الأردن كان نزولاً علينا نحن بسبب أنه لَبِسَ جسدنا من أجل تقديسنا من جديد واشتراكنا في مسحته كالتالي:

”إذًا، فإنْ كان يُقدِّس ذاته من أجلنا، وهو يفعل هذا لأنه قد صار إنسانًا، فمن الواضح جدًا أن نزول الروح عليه في الأردن، إنما كان نزولاً علينا نحن بسبب لبسه جسدنا. وهذا لم يصر من أجل ترقية اللوغوس، بل من أجل تقديسنا من جديد، ولكي نشترك في مسحته، ولكي يُقَال عنا: ’أمَّا تعلمون أنكم هيكل الله، روح الله يسكن فيكم؟‘ (1كو 3: 16). فحينما أغتسل الرب في الأردن كإنسان، كنا نحن الذين نغتسل فيه وبواسطته. وحينما أقتبل الروح، كنا نحن الذين صرنا مُقتبلين للروح بواسطته. ولهذا السبب، فهو ليس كهارون، أو داود، أو الباقين – قد مُسِحَ بالزيت هكذا – بل بطريقةٍ مغايرةٍ لجميع الذين هم شركاؤه – أي ’بزيت الابتهاج‘ – الذي فُسِّرَ أنه يعني الروح – قائلاً بالنبي: ’روح السيد الرب عليَّ، لأن الرب مسحني‘ (إش 61: 1). كما قال الرسول أيضًا: ’كيف مسحه الله بالروح القدس‘ (أع 10: 38). متى قيلت عنه هذه الأشياء – إلا عندما صار في الجسد وأعتمد في الأردن، ’ونزل عليه الروح‘؟ (مت 3: 16). وحقًا يقول الرب لتلاميذه إن ’الروح سيأخذ مما ليَّ‘ (يو 14: 16). و ’أنا أُرسِله‘ (يو 16: 7). و ’اقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22). إلا أنه في الواقع هذا الذي يُعطِي للآخرين ككلمة وبهاء الآب، يُقَال الآن إنه يتقدَّس، وهذا من حيث إنه قد صار إنسانًا، والذي يتقدَّس هو جسده ذاته“.[31]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن التبرير والتقديس يحدث في الإنسان من خلال تبرير وتقديس جسد الكلمة الذي هو جسد جميع البشر، فيدحض بذلك أية فرصة للإشارة إلى التبرير والتقديس القانوني بمعاقبة الآب للابن المتجسِّد بديلاً عن البشرية كالتالي:

”أمَّا وإنْ كان هو الله، ويكون ’عرش ملكه أبديّ‘، فإلى أي مدى يمكن أن يرتقي الله؟ أو ماذا ينقص هذا الذي هو جالس على عرش الآب؟ وكما قال الرب نفسه، إنْ كان الروح هو روحه والروح أخذ منه، وهو نفسه أرسل الروح (يو 16: 14، 16: 7)، إذًا، فلا يكون اللوغوس باعتباره اللوغوس والحكمة هو الذي يُمسَح من الروح، الذي يُعطِيه هو ذاته، بل الجسد الذي قد اتَّخذه، هو الذي يُمسَح فيه ومنه، وذلك لكي يصير التقديس الصائر إلى الرب كإنسان، يصير (هذا التقديس) إلى جميع البشر به. لأنه يقول: ’إن الروح لا يتكلم من نفسه‘ (يو 16: 13)، بل اللوغوس هو الذي يعطي هذا (الروح) للمستحقين. فإن هذا يُشبِه ما سبق من قول، لأنه كما كتب الرسول: ’الذي إذ كان في صورة الله، لم يُحسَب خلسةً أن يكون معادلاً لله‘ لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبدٍ، صائرًا في شبه الناس‘ (في 2: 6، 7). وبالمثل يُرنِّم داود للرب إنه إله وملك أبدي، مُرسَل إلينا ومُتَّخِذًا جسدنا الذي هو مائت؛ لأن هذا هو المقصود في المزمور بالقول: ’كل ثيابك مر وعود وسليخة‘ (مز 45: 8) […] إذًا، مثلما كان قبل تأنُّسه – إذ أنه كان اللوغوس، فإنه منح الروح للقديسين باعتباره خاصًا به – وهكذا عندما صار إنسانًا، فإنه قدَّس الجميع بالروح، وقال لتلاميذه: ’اقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22)“.[32]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس إنه في تدبير الإخلاء والتواضع أقام الابن الجسد وشيَّده إذ هو ربه وخالقه، وكإله قدَّسه، ولذلك صار كلمة الله إنسانًا لأجل تقديس الجسد كالتالي:

”حينما يتحدَّث عن التواضع لكي نعرف على الفور رفعته وجلاله الذي من الآب. ولذلك قال: وموسى كان خادمًا أما المسيح فهو ابن. كان الأول ’أمينًا في بيته‘، أما الثاني فكان ’على بيته‘ (عب 3: 5، 6)، لأنه هو الذي أقامه وشيَّده إذ هو ربه وخالقه، وكإله قدَّسه. ولما كان موسى إنسانًا بالطبيعة. فإنه قد صار أمينًا بسبب إيمانه بالله الذي تحدث إليه عن طريق الكلمة، أما الكلمة فلم يكن في الجسد كأحد المخلوقات، ولم يكن كمخلوق قي مخلوق، بل هو كإله في الجسد، كخالق ومشيِّد وسط ما خُلِقَ بواسطته. وإن كان البشر قد لبسوا جسدًا، فلكي يكون لهم وجود وكيان. أما كلمة الله فقد صار إنسانًا لأجل تقديس الجسد، وبينما هو رب فقد وُجِدَ في هيئة عبد، لأن كل الخليقة التي وُجِدَت بالكلمة، وخُلِقَت به هي عبدة له“.[33]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى أن الرب قد جعل من الابن إنسانًا لكي يكون بذلك ربًا على الكل ويُقدِّس الكل بواسطة المسحة، فالتقديس والتبرير صارا بالتجسُّد والاتحاد بين الله والإنسان في المسيح، وليس عن طريق تحمل الابن العقوبة بدلاً عن البشر الخطأة أمام الله الآب، كما جاء في لاهوت العصر الوسيط، بل الكلمة باتخاذ الجسد، قد حرَّر كل البشرية، وصار في هيئة عبد لكي يقدس الجميع بالروح القدس الذي مسح جسد الرب في تجسُّده لأجلنا كالتالي:

”وهذا مُشابِه للقول إن الرب إذ قد جعل منه إنسانًا -لأنه أمر يخص الإنسان أن يكون مصنوعًا- فهو لم يجعله إنسانًا فقط، بل جعله هكذا لأنه يكون ربًا على الجميع، ويُقدِّس الكل بواسطة المسحة. لأنه وإن كان الكلمة وهو في صورة الله، اتخذ صورة عبد، إلا أن اتخاذه للجسد، لم يجعل الكلمة وهو رب الطبيعة أن يكون عبدًا، بل بالأحرى، فإن الكلمة بهذا الحدث [اتخاذ الجسد]، قد حرَّر كل البشرية. فإن الكلمة نفسه وهو بالطبيعة الرب الكلمة، قد جُعِلَ إنسانًا، ومن خلال صورة العبد، صار رب الجميع ومسيحًا، أي لكي يُقدِّس الجميع بالروح“.[34]

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاص بتأليه البشرية

ويربط ق. أثناسيوس كما ربط كثيرًا بين التقديس وتأليه البشرية فيه، فغاية التجسُّد وفداء البشرية هو تقديس وتأليه البشرية في المسيح كالتالي:

”ولكن إن كان الكلمة قد جاء بيننا لكي يفدي جنس البشر، وإن كان الكلمة قد صار جسدًا لكي يُقدِّس البشر ويُؤلِّههم. وهو لهذه الغاية قد جاء فعلاً. فلمَّن لا يكون واضحًا عندئذٍ أن ما يقول الرب إنه أخذه، حينما صار جسدًا، فهو لم يأخذه لأجل نفسه، لكن لأجل الجسد، لأن العطايا المعطَاة بواسطته من الآب تخص الجسد، ولقد كان مُتَّحِدًا بهذا الجسد، عندما نطق بهذه الأمور“.[35]

مفهوم التبرير بالدم

يُوضِّح ق. أثناسيوس نقطة تبرير الجسد بدم المسيح، ولكن المفاجأة ليس كما شرح أنسلم، أو اللاهوتيون المدرسيون، أو مارتن لوثر أو فيليب ميلانكتون، أو چون كالفن، أو غيرهم من لاهوتي الإصلاح، بل يربط ق. أثناسيوس التبرير بالدم بإحياء الجسد المخلوق الذي أماته الإنسان الأول بسبب تعديه، وليس لأنه بسفك دم المسيح قد تم تسكين وتهدئة غضب الآب على البشرية الخاطئة كما جاء في نظرية البدلية العقابية التي تبناها اللاهوت الغربي في شرح الكفارة والفداء، وهكذا يدحض ق. أثناسيوس فكرة التبرير بالدم بسفك دم بريء من أجل الآثمة؛ والذي لا يُعتبر عدلاً هنا على الأرض، فبالأولى لا يكون عدلاً في السماء أو لإيفاء العدل الإلهي. الدم هو رمز الحياة أي حياة الإنسان، لذلك سفك المسيح دمه أي حياته لكي بموته يبطل عز الموت، وليس لكي يرى الآب السماوي الدم المسفوك والمهرق أمامه فيصفح عن الخليقة العاصية كالتالي:

”لأنه حيث إن الطريق الأول الذي كان من خلال آدم، قد ضاع، وانحرفنا إلى الموت بدل الفردوس، وسمعنا القول: ’إنك من التراب وإلى التراب تعود‘ (تك 3: 19)، لذا فإن كلمة الله المحب للبشر، لبس – بمشيئة الآب – الجسد المخلوق لكي يُحِيي بدم نفسه هذا الجسد الذي أماته الإنسان الأول بسبب تعديه، كما قال الرسول: ’وكرَّس لنا طريقًا حيًا حديثًا بالحجاب أي جسده‘ (عب 10: 20). وهو ما أشار إليه في موضع آخر، حين قال: ’إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدًا‘ (2كو 5: 17)“.[36]

التقديس باتحاد الطبيعتين في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديس الجسد البشري أو الطبيعة البشرية باتحادها بالطبيعة الإلهية في المسيح، مؤكدًا على أن التبرير والتقديس للطبيعة البشرية قد تمَّ عن طريق الاتحاد بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح كالتالي:

”وهذا هو الأمر العجيب، أنه بينما كان يتصرف كإنسان، كان ككلمة الله يحيي كل الأشياء، وكابنٍ كان كائنًا مع أبيه. ولذلك عندما ولدته العذراء لم يعتريه أيّ تغيير (من جهة طبيعته الإلهية)، ولا تدنس بحلوله في الجسد، بل بالعكس فهو قد قدَّس الجسد أيضًا“.[37]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على تقديس الكلمة للجسد من خلال اتحاده بهذا الجسد، وليس بإنزال العقوبة على الجسد لكي يتبرَّر ويتقدَّس، بل بمُجرَّد اتحاد الكلمة بالجسد قدَّس طبيعة الجسد فيه، ويمنح هذا التقديس للمؤمنين من خلال اتحادهم به، ولكنه لم يشترك في خواص هذا الجسد، بل استخدمه كأداة لتقديس الجسد قائلاً:

”لأنه كما أنه كائنٌ في الخليقة، ومع ذلك لا يشترك في طبيعتها بأي حال، بل بالحري، فإن كل المخلوقات قَبِلت قوةً منه، هكذا أيضًا عندما اتَّخذ الجسد كأداةٍ له، فإنه لم يشترك في خواص الجسد، بل بالحري، فإنه قدَّس الجسد“.[38]

دحض نظرية الإبدال العقابي

يهدم ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية تمامًا عندما يشير إلى عمل المسيح في فداء البشرية من خلال نزع الخطية من الجسد، لا بتسديد عقوبة الخطية بديلاً عن البشرية لله الآب، بل باتحاد اللوغوس بالجسد، فينزع عنه الخطية مُقدسًا ومُطهرًا إياه من كل دينونة الخطية، ويعيد خلقة الإنسان فيه بحسب الروح لا بحسب الجسد، وليس كما في نظرية الإبدال العقابي بتسديد عقوبة الخطية في الجسد كالتالي:

”وبحسب هذا فإن الخدمة من خلاله قد صارت أفضل، إذ أيضًا ’لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه في ما كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية، دان الخطية في الجسد‘ (رو 8: 3)، نازعًا الخطيئة من الجسد، الذي كان أسيرًا لها على الدوام لدرجة أنه لم يستوعب الفكر الإلهي. وإذ جعل الجسد قادرًا على تقبل اللوغوس، فإنه خلقنا حتى ’لا نسلك بعد بحسب الجسد، بل بحسب الروح‘. ونقول ونكرز نحن ’لسنا في الجسد، بل في الروح‘ (رو 8: 9)، وأن ابن الله جاء ’إلى العالم لا لكي يدين العالم‘، بل لكي يفدي الجميع، ’ويخلص به العالم‘ (يو 3: 17). لأنه في السابق كان الناموس يدين العالم كمسئول، أما الآن فإن اللوغوس أخذ الدينونة على نفسه، وبتألمه لأجل الجميع بالجسد، وهب الخلاص للجميع. هذا ما رآه يوحنا فصاح قائلاً: ’لأن الناموس بموسى أُعطِيَ، أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا‘ (يو 1: 17). فالنعمة أفضل من الناموس، والحقيقة أفضل من الظل“.[39]

مفهوم المصالحة

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى عمل المسيح الخلاصي لأجلنا، لأنه أرتدى جسدنا المخلوق ليعيد خلقة الجسد فيه ويبطل الموت ويدين الخطية في الخطية ويُقِيم الجميع من الأموات، ويؤكد ق. أثناسيوس على أن الكلمة يمنح كل هذه المفاعيل إلى المتَّحِدين معه في جسده، الذين هم فيه وهو فيهم، وبالتالي ينفي ق. أثناسيوس أية إشارة إلى نظرية الإبدال العقابيّ بتسديد عقوبة الخطية نيابةً عن البشرية لإيفاء العدل الإلهي، بل على العكس، يُؤكِّد على أننا نحن المتَّحِدون به نصير فيه خليقةً جديدةً معتوقةً من الخطية واللعنة التي بدَّدها باتحاده بالجسد، وليس بتسديد العقوبة على الصليب كما في لاهوت العصر الوسيط ولاهوت الإصلاح، وهكذا يربط بين محو الخطية واللعنة من الجسد وتجديد الطبيعة البشرية فيه عن طريق الاتحاد به في جسده كالتالي:

”وإنْ كان لم يُخلَق لأجل ذاته، بل لأجلنا، فلا يكون هو نفسه مخلوقًا، بل يقول هذا لأنه أرتدى جسدنا. وهذا المفهوم هو ما تعنيه الكتب المقدَّسة. وهذا هو ما نتعلَّمه من الرسول؛ لأنه يقول في رسالته إلى أهل أفسس: ’ونقض حائط السياج المتوسط (أي العداوة). مُبطِلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا، صانعًا سلامًا‘ (أف 2: 14، 15). فلو أن الاثنين خُلِقَا في نفسه ووُجِدَا في جسده، فمن الطبيعي أنه كان يلبس الاثنين في نفسه، فإنه يكون كما لو كان هو نفسه الذي يُخلَق. لأن الذين يخلقهم يتحدون به، ويكون هو فيهم كما يكونون هم فيه. هكذا إذًا فما دام قد خُلِقَ الاثنان فيه، فيكون من الملائم تمامًا أن يقول: ’الرب خلقني‘. فلأنه يأخذ على عاتقه ضعفاتنا، يُقال عنه إنه يضعفُ رغم أنه هو لا يضعفُ؛ لأنه قوة الله، وقد صار خطيةً لعنةً من أجلنا، بالرغم من أنه غير خاطئ، ولكنه يُقال هذا ؛ لأنه حمل خطايانا ولعنتنا. وهكذا إذ قد خُلِقَنا فيه، فيُقال أيضًا: ’خلقني من أجل الأعمال‘، رغم أنه غير مخلوق“.[40]

إعادة خلق الطبيعة البشرية في المسيح

ويُفسِّر ق. أثناسيوس كيفية إبطال سلطان الخطية على الجسد من خلال إعادة خلقة الطبيعة البشرية في المسيح، فيُقال عنه أنه مخلوق رغم أننا نحن المخلوقون فيه من جديد باتحادنا بجسده، وهكذا يطرد المسيح الخطية من الجسد بسكناه فيه، وليس بتسديد عقوبة الخطية عن الجنس البشري أمام الله الآب، بل بسكناه في الجسد من أجل تقديسه وتطهيره من كل خطية كالتالي:

”وبحسب فكر أولئك يُعتبر جوهر الكلمة مخلوقًا بسبب قوله ’الرب خلقني‘، وبالتالي، لكونه مخلوقًا، فهو لم يُخلَق من أجلنا، وإنْ لم يكن قد خُلِقَ من أجلنا، فنحن لم نُخلَق به، وإن لم نُخلَق به، فلن يكون هو لنا في داخلنا، بل سيكون من خارجنا، كما لو كنا نقبل منه التعليم مثلما نقبله من مُعلِّمٍ. ولو كان الأمر كذلك معنا، لما فقدت الخطية سلطانها على الجسد، بل لظلت مُلتصِقةً به وليست بعيدةً عنه. غير أن الرسول يعارض تعليم هؤلاء بإعلانه لأهل أفسس قبل ما سبق أن اقتبسنا بقليلٍ قائلاً: ’لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع‘. فإن كنا قد خُلِقَنا في المسيح، فلا يكون هو الذي خلقنا، بل نحن الذين خُلِقَنا بواسطته. لذا فالقول ’خلق‘ هو من أجلنا نحن وبسبب احتياجنا. فإن الكلمة رغم أنه خالق، احتمل أيضًا لقب المخلوقين. ولم يكن هذا لقبه الخاص. إذ إنه هو الكلمة، ولكن اللقب ’خلق‘ هو خاص بنا نحن المخلوقين بواسطته. وأيضًا كما أن الآب كائن دائمًا، فإن كلمته كائن دائمًا أيضًا، ولأنه كائن دائمًا، فهو يقول: ’وكنتُ أنا موضع بهجته، فرحًا في حضرته كل يوم‘ (أم 30: 8)، وأيضًا ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 10: 14). هكذا فإنه حينما صار إنسانًا تابعًا لجنسنا البشري مثلنا، قال: ’الرب خلقني‘ لكي يستطيع أن يطرد الخطية بعيدًا عن الجسد بسُكناه فيه، ولكي نحصل نحن على فكر حر“.[41]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن المسيح هو أخونا وبكرنا؛ لأنه لبس جسدًا مشابهًا لأجسادنا، وكان أول جسد خلصه وحرَّره الكلمة هو جسده، وهكذا إذ قد صرنا مُتَّحِدين بجسد الكلمة، خلُصنا على مثال جسده، وصار بهذا الجسد قائدنا إلى السماء، نحن الذين قد متنا قبل موت الكلمة في الجسد بعد مخالفة آدم، فيدحض ق. أثناسيوس بذلك أي معنى لنظرية البديل العقابيّ على الصليب، طالما أن جسده قد تم تخليصه وتحريره باتحاده بالكلمة نفسه في لحظة التجسُّد كالتالي:

”ولهذا من الصواب أن يُدعَى أيضًا ’أخانا‘ و ’بكرنا‘. لأنه بما أن البشر قد هلكوا بسبب مخالفة آدم، فإن جسده كان أول ما تمَّ تخليصه وتحريره، إذ أن هذا الجسد هو جسد الكلمة نفسه. وهكذا إذ قد صرنا متحدين بجسده، قد خلُصنا على مثال جسده، وبهذا الجسد صار الرب قائدنا إلى ملكوت السماوات وإلى أبيه؛ لأنه يقول: ’أنا هو الطريق‘ (يو 14: 6). و ’أنا هو الباب‘ (يو 10: 7). ويجب على الجميع ’أن يدخلوا بي‘. من أجل ذلك، يُدعَى ’بكر من بين الأموات‘، لا لأنه مات أولاً -إذ أننا قد متنا قبله- بل لأنه قد أخذ على عاتقه أن يموت لأجلنا، وقد أبطل هذا الموت، فإنه هو الأول الذي قام كإنسان، إذ قد أقام جسد لأجلنا. وتبعًا لذلك، حيث إن الجسد قد اُقِيم، هكذا نحن أيضًا ننال القيامة من بين الأموات منه وبسببه“.[42]

الاتحاد بالآب في المسيح

يرى ق. أثناسيوس أن المسيح يُكمِّل في الروح القدس كل معرفتنا عن الله، ويُتمِّم فيه كمالنا الخاص بنا، ويُوحِّدنا بالروح القدس مع شخصه ومن خلاله مع الآب، أي مع الثالوث القدوس كالتالي:

”ولكي يُكمِّل فيه كل معرفتنا عن الله [أي كل التعليم عن الله]، ويُتمِّم كمالنا الخاص، والذي به وحَّدنا مع شخصه ومن خلاله مع الآب“.[43]

يُوضِّح ق. أثناسيوس أن قداستنا مُستمدة من الآب بالابن في الروح القدس، وذلك لأن الروح القدس هو القوة الحيوية والعطية التي تُقدِّسنا ونستنير بها كالتالي:

”وأن نُفكِّر بطريقةٍ مشروعةٍ، وأن نُؤمِن بقداسةٍ واحدةٍ مُستمَدة من الآب بالابن في الروح القدس. لأنه كما أن الابن هو وليدٌ وحيدٌ، هكذا أيضًا الروح إذ هو مُعطَى ومُرسَل من الابن، هو نفسه واحد وليس كثيرين، وليس واحدًا من كثيرين، بل هو نفسه وحيد. إذًا، كما أن الابن – الكلمة الحيّ – هو واحدٌ، هكذا فإن القوة الحيوية والعطية التي بها يُقدِّس ويضيء، ينبغي أن تكون واحدة وكاملة وتامة، وهي التي يُقال عنها إنها تنبثق من الآب، لأنها من الكلمة – الذي يُعترَف أنه من الآب – وهي التي تشرق وتُرسَل وتُعطَى“.[44]

المبادلة الخلاصية الشفائية وليس العقابية

ويرى ق. أثناسيوس أن المسيح كطبيب ومخلص بعدما خلق الإنسان، واستدعت الضرورة علاج ما هو موجود، عندئذٍ جاء المسيح الطبيب الشافي لكي يشفي الخلائق الموجودة مُستخدِمًا جسده كأداةٍ بشريةٍ في إتمام ذلك، أي إتمام المبادلة الخلاصية وليس العقابية للموت بالحياة وللفساد بعدم الفساد عن طريق اتحاده بالكلمة الذي هو الحياة في ذاته كالتالي:

”ونجيب على اعتراضهم هذا بجوابٍ معقولٍ قائلين إنه في البدء لم يكن شيء موجودًا بالمرة. فكل ما كان مطلوبًا هو مجرد ’نطق‘ مع إرادة إلهية لإتمام الخلق. ولكن بعد أن خُلِقَ الإنسان (وصار موجودًا)، واستدعت الضرورة علاج ما هو موجود، وليس ما هو غير موجود، عندئذٍ كان من الطبيعي أن يظهر الطبيب والمخلِّص فيما هو موجود لكي يشفي الخلائق الموجودة. لهذا السبب قد صار إنسانًا، واستخدم جسده أداةً بشريةً […] ثم ينبغي أن يُعرَف هذا أيضًا، أن الفساد الذي جرى لم يكن خارج الجسد، بل كان ملتصقًا به، وكان الأمر يحتاج إلى أن تلتصق به الحياة بدلاً من الفساد حتى كما صار الموت في الجسد، تصير الحياة في داخل الجسد أيضًا“.[45]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على البعد الشفائيّ للخلاص في موضع آخر، حيث يتحدَّث عن سيادة الموت على الجنس البشري من آدم إلى موسى، ولعنة الأرض، وفتح الجحيم، وغلق الفردوس، وإهانة السماء، لذلك دفع الله محب البشر الإنسان المصنوع على صورته إلى الكلمة نفسه، لكي يعالج الإنسان كطبيب من لدغة الحية، وكان ذلك باتخاذه جسدًا من أجل استعادة الإنسان بالكامل كالتالي:

”لأنه حينما أخطأ الإنسان وسقط، وصارت كل الأشياء بسقطته في ارتباكٍ: حين ساد الموت من آدم إلى موسى (رو 5: 14)، ولُعِنَت الأرض، وفُتِحَ الجحيم، وأُغلِقَ الفردوس، وأُهِينت السماء، وأخيرًا، فسد الإنسان وتوحش (مز 49: 12)، وكان إبليس يسخر منا؛ فحينئذ قال الله مُحِب البشر الذي لم يُرد هلاك الإنسان المصنوع حسب الصورة: ’مَن أُرسِل؟ ومَن يذهب؟‘ (إش 6: 8). ولكن بعدئذٍ ذاك القائل: ’اذهب أنت‘ (إش 6: 9)، هو الذي دفع الإنسان إليه، لكي يستطيع الكلمة نفسه أن يصير جسدًا، وهكذا استعاد هذا الجسد بالكامل من خلال اتخاذ الجسد. لقد كان طبيبًا بالنسبة للإنسان الذي قد دُفِعَ إليه ليعالج لدغة الحية، وحياةً ليرفع مَن كان مائتًا، ونورًا ليضيء الظلمة؛ ولأنه كان الكلمة ليجدد الطبيعة العاقلة. لقد دُفِعت إليه كل الأشياء منذ ذلك الحين، وعندما صار إنسانًا، تمَّ ضبط وتكميل كل الأشياء في الحال. وهكذا نالت الأرض بركةً بدلاً من اللعنة، وفُتِحَ الفردوس للص، وانحسر الجحيم، وتفتحت القبور، وأُقِيم الموتى، وفُتِحَت أبواب السماء في انتظار ذلك ’الآتي من أدوم‘ (مز 24: 7؛ إش 63: 1)“.[46]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى شفاء ضعفات وأوجاع الجسد البشريّ من خلال حمل الكلمة لضعفات الجسد، لأنه اتَّخذ جسدًا وصارت ضعفات الجسد خاصة بجسده، وخدم الجسد أعمال اللاهوت المتَّحِد به، وبالتالي، يتمُّ افتدائنا نحن البشر من أوجاعنا ونمتلئ ببرّ الكلمة كالتالي:

”والكلمة حمل ضعفات الجسد، كما لو كانت له، لأن الجسد كان جسده، والجسد خدم أعمال اللاهوت، لأن اللاهوت كان في الجسد، ولأن الجسد كان جسد الله. وحسنًا قال النبي: ’حملها‘ (إش 53: 4)، ولم يقل إنه ’شفى ضعفاتنا‘، لئلا تكون هذه الضعفات خارج جسده، وهو يشفيها فقط – كما كان يفعل دائمًا – فيترك البشر بذلك خاضعين للموت، ولكنه حمل ضعفاتنا، وحمل هو نفسه خطايانا، لكي يتضح أنه قد صار إنسانًا لأجلنا، وأن الجسد الذي حمل الضعفات هو جسده الخاص، وبينما هو نفسه لم يصبه ضرر أبدًا، ’حمل خطايانا في جسده على الخشبة‘، كما قال بطرس (1بط 2: 24)، فإننا نحن البشر قد افتُدِينا من أوجاعنا وامتلأنا ببر الكلمة“.[47]

مفهوم التقدمة

يتحدَّث ق. أثناسيوس في سياق دفاعه عن ألوهية الابن عن مفهوم تقدمة الابن الجنس البشريّ للآب كجنسٍ طاهرٍ، وكاملٍ، ومُقدَّسٍ قائلاً:

”من أجل هذا أيضًا، فإنه إذ قد صار إنسانًا، فقد أظهر جهل البشر في نفسه، أولاً، لكي يُظهِر أن له جسدًا بشريًا حقًا، وثانيًا، لكي -عندما يكون له في جسده جهل البشر، يُقدِّم للآب جنسًا بشريًا مُفتدَى من بين الجميع، وطاهرًا، وكاملاً، ومُقدَّسًا […] فبالأولى جدًا كلمة الله كلي القداسة، خالق الشمس وربها، لا يتدنس بمجيئه في الجسد، بل بالعكس، فلكونه عديم الفساد، فقد أحيا الجسد المائت وطهَّره، فهو الذي كُتِبَ عنه: ’الذي لم يفعل خطيةً، ولا وُجِدَ في فمه مكر‘ (1بط 2: 22؛ إش 53: 9)“.[48]

ويربط ق. أثناسيوس بين مفهوم التألُّه أو شركة الطبيعة الإلهية وبين التقديس في إطار عرضه لمفهوم التقدمة أيضًا، حيث يتحدَّث عن انتقال الجنس البشريّ الضال إلى المسيح من خلال تجسده من العذراء لكي نصبح فيه جنسًا مُقدَّسًا ونصير شركاء الطبيعة الإلهية؛ فقد صار ابن الله إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته كالتالي:

”وإنْ كان الله قد أرسل ابنه مولودًا من امرأة، فإن هذا الأمر لا يسبب لنا عارًا، بل على العكس مجدًا ونعمةً عظمى. لأنه قد صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته، وقد صار (جسدًا) من امرأة، وُلِدَ من عذراء كي ينقل إلى نفسه جنسنا (نحن البشر) الذين ضللنا، ولكي نصبح بذلك جنسًا مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4) كما كتب بطرس المطوَّب. وما ’كان الناموس عاجزًا عنه إذ أنه كان (الناموس) ضعيفًا بواسطة الجسد، فإن الله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد‘ (رو 8: 3)“.[49]

وهكذا أخذ كلمة الله جسدًا ليُحرِّر به كل الأشياء ويُقرِّب العالم إلى الآب ويصنع سلامًا لكل المخلوقات سواء السماوية أو الأرضية كالتالي:

”لأن إيمان الكنيسة الجامعة يُقرّ بأن كلمة الله هو خالق كل الأشياء ومبدعها، ونحن نعرف أنه ’في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله‘ (يو 1: 1). فإننا نعبد ذلك الذي صار هو نفسه أيضًا إنسانًا لأجل خلاصنا، لا كما لو كان هذا الذي صار جسدًا هو مُساوٍ للجسد بالمثل، بل (نعبده) كسيد آخذًا صورة عبد، كصانع وخالق، صائرًا في مخلوق أي (الجسد) لكي بعد أن يُحرِّر به كل الأشياء، يُقرِّب العالم إلى الآب، ويصنع سلامًا لكل المخلوقات، سواء التي في السماوات أو التي على الأرض“.[50]

مفهوم الذبيحة

يشير ق. أثناسيوس إلى أن عمل الفداء لم يكن من أجل خلاص اللاهوت نفسه، بل من أجل خلاصنا نحن نسل إبراهيم، فالمسيح لم يقدم ذاته ذبيحةً لأجل نفسه ليفتدي نفسه، بل يفتدي الآخرين من الخطايا، وهنا يرفض ق. أثناسيوس فكرة احتياج اللاهوت إلى ذبيحة لأجل نفسه وعن نفسه، بل قدَّم الابن جسده لأجلنا نحن، ولم يكن تقديم الذبيحة ليفتدي نفسه كالتالي:

”فلو كان الكلمة حقًا من نفس جوهر الجسد حسبما تقولون، فأية حاجة كانت هناك لكي يقيم الكلمة بيننا، لكي يلبس ما هو من نفس جوهره الخاص، أو أن يتحوَّل عن طبيعته الذاتية فيصير جسدًا؟ لأن اللاهوت لم يخطئ في شيء وهو يفتدي خطايا الآخرين، حتى يصير جسدًا ويُقدِّم ذاته لأجل نفسه ويفتدى نفسه. لكن حاشا له أن يكون هكذا. لأنه كما قال الرسول جاء لمساعدة نسل إبراهيم، ومن ثم كان ينبغي أن ’يشبه أخوته في كل شيء‘ (عب 2: 16، 17)، ويتَّخذ جسدًا مشابهًا لنا. ولهذا السبب أيضًا، كانت مريم في الحقيقة مفترضةً من قبل ليأخذ الكلمة منها (جسدًا) خاصًا به ويُقدِّمه لأجلنا“.[51]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن الكلمة بعدما اتَّخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، نحن الخاضعين للموت والفساد، بذل جسده للموت عن الجميع وقدَّمه للموت وللآب من أجل محبته للبشر، وليس ترضيةً للآب الغاضب على البشرية، بل إبطالاً لناموس الموت والفناء عن البشر، وهكذا يدحض ق. أثناسيوس أية فكرة عن الإبدال العقابيّ للابن عنَّا، أو إنزال الآب عقوبة البشر على الابن المتجسِّد، بل الابن مِن فرط محبته للبشرية بذل ذاته لأجلهم، إذ قد مات الجميع في المسيح، فأين الإبدال العقابي إذا كان الجميع قد مات في المسيح؟ فالهدف من الخلاص هو إبادة الموت من البشر كما تبيد النار القش؛ لذا يقول التالي:

”وهكذا إذ اتَّخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدَّمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطِل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفِذَ في جسد الربِّ، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر المماثلة لجسد الربِّ. ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يُعِيدهم إلى عدم فساد، ويُحِييهم من الموت بالجسد الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تبيد النار القش“.[52]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على تقديم الكلمة جسده للموت كتقدمة مُقدَّسة وذبيحة خالية من كل عيب قائلاً:

”لذلك قدَّم للموت ذلك الجسد الذي اتَّخذه لنفسه كتقدمةٍ مُقدَّسةٍ وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمةٍ مناسبةٍ، فإنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه البشر“.[53]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على تقديم جسده للموت وإقامته ثانيةً وبالتالي، تمَّم بتأنُّسه هذا عمليتي المحبة، وهما: إبادة الموت من داخلنا وتجديدنا ثانيةً، وإعلان إنه كلمة الآب بأعماله في الجسد كالتالي:

”ولهذا السبب أيضًا، فإنه لم يُتمِّم ذبيحته عن الكل بمُجرَّد مجيئه مُباشرةً، بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانيةً. لأنه لو فعل ذلك لجعل ذاته غير ظاهر، ولكنه صيَّر نفسه ظاهرًا جدًا بتلك الأعمال التي عملها وهو في الجسد، والمعجزات التي أظهرها، وبذلك صار معروفًا أنه ليس بعد مُجرَّد إنسان فقط، بل أنه هو الله الكلمة. لأن المخلِّص تمَّم بتأنسه عمليتي المحبة: أولاً، أنه أباد الموت من داخلنا وجدَّدنا ثانيةً. ثانيًا، إنه إذ هو غير ظاهر ولا منظور، فقد أعلن عن نفسه، وعرَّف ذاته بأعماله في الجسد، بأنه كلمة الآب، ومُدبِّر وملك الكون“.[54]

المبادلة الخلاصية وليس العقابية

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على المبادلة الخلاصية وليس الإبدال العقابيّ، حيث أخذ الكلمة الذي لنا وأعطانا الذي له، أخذ كل الأشياء التي كان يتألم منها في جسده وينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة، وهكذا يُلبِسنا ما له أي عدم الموت وعدم الفساد كالتالي:

”لأن تلك الأشياء التي كان يتألم بها جسد الكلمة البشري، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة. ومن الغريب أن الكلمة نفسه كان متألمًا وغير متألم، فمن ناحية، كان [الكلمة] يتألم لأن جسده هو الذي كان يتألم، وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكلمة يتألم، لأن الكلمة – إذ هو إله بالطبيعة – فهو لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير الجسدي موجودًا في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوي فيه الكلمة غير المتألم؛ الذي كان يبيد العلل التي قَبِلَها في جسده. وكان يصنع هذا، وهكذا كان يصير، كي بعد أن يأخذ ما لنا [أي الجسد] ويُقدِّمه كذبيحةٍ، يقضي على العلل والضعفات كلها. وهكذا يُلبِسنا ما له، وهذا ما يجعل الرسول يقول: ’لأن هذا الفاسد لا بد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت‘ (1كو 15: 53)“.[55]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى المبادلة الخلاصية في سياق تدبير الخلاص، حيث اتَّحد الكلمة بالجسد البشريّ المائت، وحوَّله من جسد مائت إلى جسد غير مائت، ومن جسد حيواني نفسانيّ إلى جسد روحانيّ، ومن جسد ترابيّ إلى جسد سماويّ كالتالي:

”ولم يأت الكلمة من مريم لكي يرتقي هو، بل لكي يفدي الجنس البشريّ. فكيف، إذًا، يُفكِّرون أن الجسد وهو الذي افتداه الكلمة وأحياه، يقوم بإضافة شيءٍ ما من ناحية اللاهوت إلى الكلمة الذي أحياه؟ بل بالعكس، فإن الجسد البشريّ ذاته هو الذي حدثت له زيادة كبيرة، بسبب شركة الكلمة معه واتحاده به، لأنه [الجسد] صار غير مائت بعد أن كان مائتًا، ورغم أن الجسد كان حيوانيًا (نفسانيًا)، فقد صار روحانيًا، ورغم أنه من تراب الأرض، فقد اجتاز الأبواب السماوية“.[56]

هدف التجسد هو إبادة الموت

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن الهدف من اتخاذ الكلمة جسدًا قابلاً للموت هو إبادة الموت فيه وتجديد خلقة البشر الذين خُلِقوا على صورته كالتالي:

”ولهذا فقد كان من اللائق أن يأخذ جسدًا قابلاً للموت حتى يمكن أن يبيد فيه الموت، ويُجدِّد خلقة البشر الذي خُلِقوا على صورته. إذًا، فلم يكن كفئًا لسد هذه الحاجة سوى صورة الآب“.[57]

تجديد الإنسان بنعمة الروح القدس

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تجديد الرب لكل الأشياء بنعمة الروح القدس، وهكذا يجدد الله أرواحنا البشرية بروحه القدوس كالتالي:

”فمتى كان هذا إلا عندما جاء الرب وجدَّد كل الأشياء بنعمته؟ هوذا إذًا أيضًا في هذا القول، يتبيَّن لنا الاختلاف بين الأرواح. فروحنا هي التي تجدَّدت، ولكن الله يقول إن ذلك الروح الذي به تجدَّدت أرواحنا هو روحه، كما يقول المرنِّم في المزمور المئة والثالث: ’تنزع روحها فتموت وإلى ترابها تعود. تُرسِل روحك فتخلق وتُجدِّد وجه الأرض‘ (مز 103: 29، 30). وإذا كنا نتجدَّد بروح الله، فإن الروح الذي يُقَال عنه الآن إنه خُلِقَ لا يشير إلى الروح القدس، بل إلى روحنا“.[58]

انجماع البشرية في المسيح

يُؤكِّد ق. أثناسيوس أن كل ما كُتِبَ عن المخلِّص فيما يخص طبيعته الجسدية، يمكن تطبيقه على كل جنس البشرية، وذلك لأنه أخذنا جسدنا وأظهر ضعف البشرية، فهو يُؤكِّد بذلك على الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح، بحيث أن كل ما يُقَال عن المسيح من جهة ناسوته، فإنه يُقَال عن البشرية كلها، فهو يدحض بذلك نظرية البديل العقابيّ أو نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين أجسادنا وجسد المسيح، وهكذا تقول باختلاف أجسادنا عن جسد المسيح، وأننا كجسد المسيح مُجرَّد جسدًا اعتباريًا رمزيًا وليس أننا ككنيسة جسدًا حقيقيًا للمسيح يسوع ربّنا كالتالي:

”لأن كل ما كُتِبَ عن المخلِّص فيما يخص طبيعته الجسدية، يمكن تطبيقه على كل جنس البشرية، لأنه أخذ جسدنا، وأظهر فيه ضعف البشرية“.[59]

موت المسيح هو موت جميع البشر

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على حقيقة أن موت الرب هو موت جميع البشر وليس موته الخاص، وذلك لإبادة الموت في الجسد، ويدحض بذلك نظرية البدلية العقابية، التي ترى أن المسيح مات كبديل عقابيّ في ذاته، وأن عقوبة الموت وقعت على المسيح من قِبَل الآب كنائب عن البشرية، رغم أن ق. أثناسيوس يؤكد على أن موت المسيح كان موت البشر كلهم، وليس فردًا واحدًا نائبًا عن البشرية كلها، وكأنَّ المسيح كان منفصلاً عن البشرية وقت موته، بل كانت كل البشرية منجمعةً في شخص المسيح، وهذا ما لم يفهمه المنادون بنظرية البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس عن جهل ودون علم كالتالي:

”وفضلاً عن ذلك، فإن المخلِّص لم يأت لكي يُتمِّم موته هو، بل موت البشر، لذلك لم يضع جسده ليموت بموتٍ خاصٍ به إذ إنه هو الحياة وليس فيه موت، بل قَبِلَ في الجسد ذلك الموت الذي أتاه من البشر لكي يبيد ذلك الموت تمامًا عندما يلتقي به في جسده“.[60]

ويدحض ق. أثناسيوس مرةً أخرى نظرية الإبدال العقابيّ التي كانت منتشرة في لاهوت العصر الوسيط، وامتدت إلى اللاهوت البروتستانتيّ، حيث ترى موت المسيح إنه عقوبة أنزلها الآب على الابن نيابةً عن البشر لإيفاء العدل الإلهي حقه، وهذا ما يدحضه ق. أثناسيوس مُشِيرًا إلى أن الكلمة كان يحملنا نحن جميع البشر في جسده الخاص كالتالي:

”فلم يكن الكلمة نفسه هو المحتاج لانفتاح الأبواب، إذ هو رب الكل – فلم تكن مخلوقاته مغلقة في وجهه هو الذي خلقها – بل نحن الذين كنا في احتياج إلى ذلك، أي إلى انفتاح الأبواب، نحن الذين حملنا في جسده الخاص. لأنه كما قدَّم جسده للموت عن الجميع، هكذا بنفس هذا الجسد أيضًا، أعدَّ الطريق للصعود إلى السماوات“.[61]

يشير ق. أثناسيوس إلى أن جسد الربِّ هو جسد مشترك لنا جميعًا، الذي أحتمل فيه الإهانات بإرادته من أجلنا، داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة والبديل العقابيّ اللتين تفصلان البشرية عن جسد المسيح وعمله الخلاصي للبشرية جمعاء، ولأسف هذا الفصل هو فصل نسطوريّ بحت، حيث يرى نسطوريوس انفصال اللاهوت عن الناسوت في المسيح، وبالتالي انفصال البشرية عن الاتحاد بالله في المسيح، لذا يقول ق. أثناسيوس التالي:

”أمَّا الشمس فإذ لم تحتمل تلك الإهانات المثيرة التي وقعت على جسد الربِّ المشترك لنا جميعًا، والتي احتملها هو نفسه من أجلنا بإرادته. فإنها استدارت وحجبت أشعتها، وجعلت ذلك اليوم بلا شمس“.[62]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على الموت الكليّ للبشرية في المسيح داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة والبديل العقابيّ اللتين تفصلان البشرية عن جسد المسيح، كما يشير إلى أننا في المسيح نفسه قد تمَّ تمجيدنا مُقَامين من بين الأموات وصاعدين إلى السماوات كالتالي:

”وبما أن الكلمة هو صورة الآب، وهو غير مائت، قد أتَّخذ صورة عبد، وكإنسان عانى الموت بجسده من أجلنا. لكي بذلك يبذل نفسه للآب بالموت من أجلنا، لأجل هذا السبب يُقَال عنه إنه كإنسان مُجِّد أيضًا نيابةً عنَّا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدَنا مجدًا عاليًا، مُقَامين من بين الأموات، وصاعدين إلى السماوات ’حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا‘ (عب 6: 20)، ’لأن المسيح لم يدخل إلى أقداسٍ مصنوعةٍ بيدٍ أشباه الحقيقية، بل إلى السماء عينها، ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا‘ (عب 9: 24). فإن كان المسيح قد دخل الآن إلى السماء عينها لأجلنا، رغم أنه من قبل هذا الحدث، كان هو دائمًا الرب وخالق السماوات، فتبعًا لذلك تكون هذه الرفعة الحالية قد كُتِبَت أيضًا من أجلنا نحن“.[63]

تمجيد البشرية في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى اتحاد البشرية بنفس الجسد مع المسيح مما يؤدي إلى تمجيدنا العالي في المسيح، فلا تندهش القوات السمائية حينما ترانا نحن البشر المتحدين مع المسيح في نفس الجسد ونحن ندخل إلى مناطقهم السمائية بالمجد والبهاء في المسيح كالتالي:

”لأن مجد الله الآب هو أن يوجد الإنسان الذي كان قد خُلِقَ ثم هلك، وهو أن يحيا الذي مات، وهو أن يصير الإنسان هيكل الله. ولأن القوات السمائية من ملائكة ورؤساء ملائكة كانت تعبده دائمًا، فإنهم الآن أيضًا يسجدون للرب باسم يسوع، فهذه النعمة وهذا التمجيد العالي إنما هو لنا، وإنه بالرغم من أنه صار إنسانًا وهو ابن الله فإنه يُعبَد. لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا – المتَّحِدين معه في نفس الجسد – داخلين إلى مناطقهم السمائية، وهذا قطعًا -لم يكن ممكنًا أن يحدث بأية طريقة أخرى، اللهم إلا إذا كان هذا الذي كان موجودًا في صورة الله، قد اتَّخذ لنفسه صورة العبد، وأذل ذاته راضيًا بأن يصل جسده حتى إلى الموت“.[64]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح في سياق حديثه عن مسحة البشرية بالروح القدس في شخصه، واعتماد البشرية في شخصه، وتمجيد البشرية في شخصه، وفي الأخير تقديس البشرية في شخصه كالتالي:

”أمَّا البشر – الذين يأخذون البداية منه وبسببه – فهؤلاء هم الذين يرتقون. لأنه حينما يُقَال بحسب الوجهة البشرية إنه الآن يُمسَح -نكون نحن الذين نُمسَح في شخصه، حيث إنه حينما اعتمد، نكون نحن الذين نعتمد في شخصه، ويُوضِّح المخلِّص بالأحرى كل هذه الأمور، حينما يقول للآب: ’وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا، كما أننا نحن واحد‘ (يو 17: 22). وتبعًا لذلك، فإنه كان يطلب المجد أيضًا من أجلنا. وبسببنا أيضًا استخدم كلمة ’أخذ‘ وكلمة ’أعطى‘ وكلمة ’مُجِّدَ مجدًا عاليًا‘. وذلك لكي نأخذ نحن أيضًا ولكي يُعطِي لنا، ولكي نُمجَّد نحن فيه مجدًا عاليًا. وذلك كما يُقدِّس ذاته من أجلنا، لكي نتقدَّس نحن في شخصه“.[65]

يُشِير ق. أثناسيوس إلى اشتراك المخلوقات في الابن المولود لا بسبب طبيعتها الذاتية، بل بسبب مشاركتها للابن في الروح القدس، داحضًا بذلك أية إشارة إلى نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين المخلوقات والابن خالقها كالتالي:

”أمَّا المخلوقات فلأنها مخلوقةٌ، فمن المستحيل أن يُقَال عنها إنها مولودةٌ، إلا فيما بعد، أي بعد خلقتها، حينما تشترك في الابن المولود. وفي هذه الحالة، يقولون عنها أيضًا إنها قد وُلِدَت ليس بسبب طبيعتها الذاتية، بل بسبب مشاركتها للابن في الروح“.[66]

جسد الكلمة هو جسدنا نحن

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن جسد الكلمة هو جسدنا نحن؛ الذي اتخذه عندما صار إنسانًا، داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة التي تقول بأننا نحن المؤمنون أي الكنيسة، مُجرَّد جسد اعتباريّ رمزيّ، وليس جسدًا حقيقيًا للربِّ يسوع المسيح كالتالي:

”وواضح أن بيت الحكمة هو جسدنا، الذي عندما اتَّخذه الكلمة، صار إنسانًا. وقال عنه يوحنا بحقٍ: ’الكلمة صار جسدًا‘ (يو 1: 14)“.[67]

انجماع البشرية في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى الانجماع الكليّ للبشرية في جسد المسيح من أجل بقاء جسدنا غير مائت وغير فاسد، وهكذا نصل به إلى الإنسان الكامل في المسيح قائلاً:

”إذًا، فالرب عندما ’أُسِّس‘، لم يكن هذا هو بداية وجوده لأنه قبل التأسيس كان هو الكلمة، لكن عندما لبس جسدنا الذي أخذه كقطعة من جسد مريم، عندئذٍ يقول: ’أسَّسني‘، كما لو كان يقول: ’لكوني الكلمة فقد ألبسني جسدًا ترابيًا‘. لأنه هكذا تأسَّس من أجلنا؛ آخذًا ما يخصنا على عاتقه. لكي باتحادنا معه في الجسد، وارتباطنا به بسبب مشابهة الجسد، نبقى غير مائتين وغير قابلين للفساد، ونصل به إلى إنسان كامل (أف 4: 13)“.[68]

ويدحض ق. أثناسيوس نظريتي البديل العقابيّ والأجساد الثلاثة من خلال تأكيده على أننا محمولون في الابن، لأن الكلمة جاء ليحلَّ فينا، وهكذا صرنا جميعًا باشتراكنا فيه جسدًا واحدًا؛ لأننا نحصل على الرب الواحد في أنفسنا، وهكذا نصير كاملين بكمال جسد المسيح الذي نكون معه جسدًا واحدًا كالتالي:

”إذًا، فالكلمة هو في الواقع وبالحقيقة واحدٌ مع الآب في الجوهر. أمَّا نحن فقد أُعطِيَ لنا أن نتشبه بهذه الطبيعة [أي الطبيعة الإلهية]، كما سبق أن قيل لأنه أضاف مُباشرةً: ’أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد‘ (يو 17: 23). ولذا فالربّ هنا يطلب لأجلنا شيئًا أعظم وأكمل. لأنه واضح أن الكلمة قد جاء لكي يكون فينا؛ لأنه قد لبس جسدنا. وبقوله: ’وأنت أيها الآب فيَّ‘، فهو يعني ’لأني أنا كلمتك‘، وحيث إنك أنت فيَّ بسبب كوني كلمتك، وأنا فيهم بسبب الجسد، ومنك يتحقَّق خلاص البشر فيَّ، لذلك أسأل أن يصيروا هم واحدًا بسبب الجسد الذي فيَّ، وبحسب كماله لكي يصيروا هم أيضًا كاملين؛ إذ يكون لهم وحدة مع الجسد، ولأنهم قد صاروا واحدًا في هذا الجسد، فإنهم كما لو كانوا محمولين فيَّ، يصيرون جميعًا جسدًا واحدًا، وروحًا واحدًا؛ لأننا جميعًا باشتراكنا فيه، نصير جسدًا واحدًا، لأننا نحصل على الربِّ الواحد في أنفسنا“.[69]

تقديس الأشياء بالروح القدس

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديس وتمجيد كل الأشياء أي المخلوقات بالمشاركة في الروح القدس الذي يُقدِّس ويُمجِّد كل الأشياء التي تشترك معه كالتالي:

”فإن كل هذه الأشياء الأخرى [أي المخلوقات] قد تكوَّنت وتقدَّست وتمجَّدت بالمشاركة أيضًا. إذًا، فهناك حاجة ملحة أن تقولوا لنا، مَنْ هو الذي يُشارِكه (الابن)، ما دامت كل الأشياء الأخرى لها شركة في الروح (القدس)، أما هو -فبحسب قولكم- لمَّن يستطيع أن يكون (الابن) مُشارِكًا؟ هل للروح؟ بل كما قال هو ذاته حقًا بالأحرى إن الروح نفسه يأخذ من الابن (يو 16: 14)، ومن غير المعقول القول بأن هذا (الابن) يُقدَّس من ذلك (الروح)، ولا يتبقى بعد ذلك بالضرورة إلا أن نقول إن الآب هو الذي يُشارِكه الابن“.[70]

تقديس جسدنا بجسد المسيح

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن اللوغوس واهب الروح القدس نفسه، قد مُسِحَ لأجلنا بالروح القدس في الجسد، لكي ما نمتلك هذا التقديس بشركة ومسحة الروح القدس في أجسادنا نحن، وهكذا لم يشر ق. أثناسيوس إلى تقديس البشرية بإزالة العقوبة عن البشرية كما في نظرية البدلية العقابية التي انتشرت في لاهوت العصر الوسيط وفي اللاهوت البروتستانتيّ، بل باتحاد اللوغوس بالجسد ومسحة الروح القدس لجسده من أجلنا؛ فصرنا من خلال ذلك مُقدَّسين في المسيح كالتالي:

”هكذا يُرِينا داود أيضًا أنه ليست هناك طريقة أخرى لكي نُشارِك الروح، ونتقدَّس لو لم يقل اللوغوس ذاته، واهب الروح، بأنه هو ذاته مُسِحَ بالروح من أجلنا، ولهذا السبب طبعًا أخذنا الروح، إذ إنه هو الذي قيل فيه إنه قد مُسِحَ بالجسد. حيث إن جسده الخاص هو الذي تقدَّس أولاً، وإذ قيل عنه كإنسان إن جسده قد اتَّخذ هذا الروح، فلأجل هذا، فنحن نمتلك نتيجة ذلك نعمة الروح، آخذين إياها ’من ملئه‘ (يو1: 16)“.[71]

الخلاص بتأليه البشر

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على ترقي ورفعة الأشياء التي يعوزها الترقي والرفعة في المسيح، لأن الابن في تجسُّده جعل البشر أبناءً للآب وقام بتأليه البشر في تأنسه كالتالي:

”لذلك فإنْ كان للابن ذلك المجد حتى قبل خِلقة العالم، وكان هو رب المجد وهو العلي، ونزل من السماء، وهو معبود على الدوام، فينتج من ذلك أنه لم يترق بنزوله، بل بالأحرى هو نفسه الذي رقى الأشياء التي يعوزها الترقي، وإنْ كان قد نزل من أجل ترقيتها، لذلك فإنه لم يحصل على اسم ابن وإله كمكافأة، بل بالأحرى فإنه هو نفسه جعلنا أبناء للآب وألَّه البشر بكونه صار إنسانًا“.[72]

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم أنسلم الكانتربري

سوف نستعرض في هذا الفصل تعليم الكفارة والفداء عند أنسلم رئيس أساقفة كانتربريّ بإنجلترا، وذلك لمقارنة تعاليمه بتعاليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص، لنرى الاختلاف الكبير بن تعليم ق. أثناسيوس عن التعليم الغربي بالترضية وإيفاء العدل الإلهيّ، والإبدال العقابيّ.

يُسمَّى أنسلم أبا المدرسيين الذين درَّسوا في جامعات العصور الوسطى. وكان أنسلم رئيس أساقفة كانتربري في القرن الثاني عشر. وكان واقعيًا. حيث يفترض الواقعيون أن الأفكار والآراء لها وجود في الواقع، بينما أعتقد الأسميون بأن الأفكار أو الأفكار العامة بين جميع البشر هي مُجرَّد أفكار ليس لها أيّ وجود سوى في الفكر. فهم يرون أن الأشياء التي لها أهمية هي الموضوعات الفردية في العالم الماديّ فقط.[73] وإذ كان أنسلم يقف على حافة نهضة القرن الثاني عشر اللاهوتية، قدَّم إسهامات حاسمة في مجالين من مجالات الدراسة، وهما: البراهين على وجود الله، والتفسير العقلانيّ لموت المسيح على الصليب.[74] وخلال إحدى الفترات التي قضاها أنسلم في العمل في إيطاليا، بعيدًا عن إنجلترا، كتب ذلك المؤلَّف الذي ربما يُعدُّ أهم مؤلفاته، بعنوان Cur Deus homo ”لماذا صار الله إنسانًا“. سعى أنسلم في هذا المؤلَّف إلى تقديم إثبات عقلانيّ لضرورة أن يصير الله إنسانًا، بالإضافة إلى تحليل للفوائد التي تعود على البشرية نتيجة تجسُّد ابن الله وطاعته. ومرةً أخرى، يُظهِر هذا المؤلَّف خصائص تنتمي إلى السكولائية في أفضل صورها، ومنها الاحتكام إلى العقل، وحشد الحجج المنطقيّ، واستكشاف معاني الأفكار الضمنية ونتائجها وتطبيقاتها، هذا الاستكشاف الذي لا يلين، بالإضافة إلى القناعة الأساسية بأن الإنجيل المسيحيّ في لبه هو إنجيل عقلانيّ، يمكن إثبات كونه عقلانيًا.[75]

الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته

للحديث عن مفهوم ”الترضية“ و ”البدلية العقابية“ عند أنسلم الكانتربريّ، ينبغي علينا أولاً الحديث عن مفهوم أنسلم عن الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته، والذي نتج عنه مبدأ الترضية، والتعويض، وإيفاء العدل الإلهيّ، والإبدال العقابيّ. حيث يتحدَّث أنسلم عن ماهية الخطية كإهانة لله، وسلب لحقه في الإكرام، وحط من قدره قائلاً:

”فمَّنْ لا يؤدي واجب الإكرام هذا لله، يكون قد سلب الله حقه، وحطَّ من كرامته […] وكذلك مَنْ حطَّ من كرامة صاحبه، فلا يكفي أن يرد له الإكرام الواجب، ينبغي عليه أيضًا التعويض الكافي عن طريق ترضيته عن الإهانة. ومن الملاحظ في هذا الشأن أن المغتصِب الذي يرد المال المغتصَب، ينبغي عليه أن يُعطِي شيئًا، لم يُطالِب به، لو لم يعتد على غيره في ماله. وبالتالي، ينبغي على كل مَنْ يفعل الخطية أن يرد لله الإكرام الواجب الذي سلبه. وهذا هو الإيفاء المطلوب من الخاطئ لله“.[76]

لا يوجد غفران بدون عقوبة

يتحدَّث أنسلم عن عدم غفران الله للخطية من دون عقاب في موضع آخر قائلاً:

”لا يليق بالله أن يغفر خطية من دون عقاب عليها“.[77]

مبدأ إيفاء العدل الإلهي

يشرح أنسلم الكانتربريّ مبدأ إيفاء العدل الإلهيّ حقه، ورد كرامة الله المهانة من البشر بسبب الخطية، واسترداد الله لكرامته المهانة بفرض العقوبة على الخطأة قائلاً:

”لا يوجد شيء ينبغي الحفاظ عليه عند الله أكثر من كرامة مقامه. […] ثم يتساءل: أنسلم: هل يبدو لك إذَا سمح الله بحدوث هذا النهب، ولم يسترد الشيء المنهوب، ولم يُعاقِب الناهب، أنه بذلك يُحافِظ على كرامته العالية المحافِظة الحقيقية التي لا يشوبها أيّ شيء. بوزو Boso: لا أستطيع قول ذلك. أنسلم: بناءً على ذلك، ينبغي أن يسترد الكرامة المهَانة، أو يفرض العقاب، وإلا لن يسير كل من العدالة والقوة الإلهية في مسارهما، ولا يمكن تصوُّر ذلك على الإطلاق“.[78]

ثم يشرح أنسلم بمثالٍ كيفية إيفاء المسيح للقصاص الإلهيّ العادل عوضًا عن البشر المجرمين في حق الله الآب كالتالي:

”حيث كان من الصعب لأحد غيره أن يجد منفذًا من حكم القصاص. وكان ابنه الأمين والصادق هذا له مكانة عظيمة عند ذلك الأب، وهو يحب كثيرًا أولئك الأولاد المجرِمين، فأراد بما له من القدرة أن يُصالِح كل الذين يثقون بمشورته مع الأب بعمل خدمة مُرضِية جدًا، لديه واجب أن يعملها في يوم مُحدَّد بحسب مشيئة الأب […] وحيث كان من الصعب على الذين يريدون الخلاص أن يحضروا جميعًا حينما أكمل المسيح ذلك الفداء، كانت قوته موته فعَّالة بهذا القدر، حتى أن غير الموجودين في الزمان والمكان، يُمكِنهم استنتاج ذلك“.[79]

توضيح نظرية الترضية لأنسلم

انصب تركيز أنسلم بالكامل على برِّ الله. فالله يفتدي البشر على نحوٍ متسق تمامًا مع صفة بره. وقد كانت أطروحة أنسلم بعنوان Cur Deus homo ”لماذا صار الله إنسانًا“ عبارة عن تناول بارع لمسألة إمكانية فداء البشر، في هيئة حوار ثنائيّ. وفي سياق تحليله، أثبت – مع أن مدى نجاحه في هذا يُعدُّ مثار جدل – كلا من ضرورة التجسُّد، والطاقة الخلاصية الكامنة في موت يسوع المسيح وقيامته من بين الأموات. وقد كانت حجته مُعقَّدة، ويمكن تلخيصها على النحو التالي:

  • خلق الله البشر في حالة من البر الأصليّ كي يقتادهم إلى حالة من النعيم الأبديّ.
  • كانت هذه الحالة من النعيم الأبديّ مشروطةً بطاعة الإنسان لله. لكن، بسبب الخطية، صار البشر عاجزين عن تتميم شرط الطاعة اللازم توافره، الأمر الذي يبدو كما لو أنه أحبط قصد الله من خلق البشر من الأساس.
  • وإذ من المستحيل أن تُحبَط مقاصد الله، لا بد من وجود وسيلة يمكن بها علاج هذا الوضع. لكن، لا يمكن علاج الوضع، إلا إذَا قُدِّمَت ترضيةً عن الخطايا. بعبارةٍ أخرى، كان ينبغي فعل شيء، يمكن من خلاله محو الإساءة التي تسبَّبت فيها خطايا البشر وتطهيرها.
  • لكن ما مِن وسيلة يمكن بها للبشر أن يُقدِّموا هذه الترضية اللازمة. فالبشر يفتقرون إلى الموارد اللازمة. لكن في المقابل، لدى الله الموارد اللازمة لتقديم الترضية المطلوبة.
  • ومن ثمَّ، كان من شأن ”الله-الإنسان“ أن تكون لديه القدرة بصفته الله، وأن يكون عليه الإلزام بصفته إنسانًا، بأن يسدّ الترضية المطلوبة. ومن ثمَّ، حدث التجسُّد حتى يمكن تقديم الترضية المطلوبة، وفداء البشر.

تستلزم بعض النقاط السابقة تعليقًا. أولاً، حُسِبَت الخطية هنا إساءةً في حق الله. ويبدو أن حجم هذه الإساءة متناسب طرديًا مع مكانة الطرف المساء إليه. رأى العديد من الباحثين والدارسين أن هذا يوحي بتأثُّر أنسلم الشديد بالمبادئ الإقطاعية التي كانت سائدةً في أيامه، وأنه ربما اَعتبر الله مُعادِلاً لشخصية ”السيد الإقطاعيّ“ أو ”البارون“.

ثانيًا، أُثِيرَ جدلٌ لا بأس به حول أصول فكرة ”الترضية“ Satisfaction. فربما كانت هذه الفكرة مُستمَدة من القوانين الألمانية في تلك الفترة، والتي كانت تنص على وجوب محو الإساءة أو تطهيرها عن طريق دفع ثمن ملائم. لكن، يعتقد غالبية الباحثين والدارسين أن أنسلم احتكم في هذا بشكلٍ مباشرٍ إلى نظام التوبة الذي كان متبعًا في الكنيسة. فقد كان الخاطئ الذي يلتمس التوبة يُطالَب بالاعتراف بكل خطاياه. وعند نطق الكاهن بالحلِّ أو الصفح، كان يطلب من التائب أن يفعل شيئًا (مثل الذهاب في رحلةٍ إلى الأراضي المقدَّسة، أو القيام بعملٍ خيريّ) باعتباره ”ترضيةً“ – أي وسيلةٌ علنيةٌ للتعبير عن الامتنان لأجل الصفح. ومن المحتمَل أن يكون أنسلم قد استقى فكرته من هذا المصدر.

لكن، على الرغم من الصعوبات الواضحة التي صاحبت منهجية أنسلم، أحرز من خلالها تقدُّمٌ مهمٌ. فإن إصرار أنسلم على كون الله مُلزمًا كليةً وتمامًا بالتصرف طوال عملية فداء البشر وفقًا لمبادئ العدل والبرِّ، هو أمر مثَّل مقاطعةً حاسمةً لمنهجية ”كريستور فيكتور“ (المسيح الغالب)، تلك المنهجية المشكوك في إتباعها المبادئ الأخلاقية السليمة. وبتبني الكُتَّاب اللاحقين منهجية أنسلم، استطاعوا وضعها فوق أساس أكثر ثباتًا، وذلك عن طريق ترسيخها في مبادئ القانون العامة.[80]

ويرى الأب الكاثوليكيّ فالتر كاسبر أن أنسلم ينطلق في نظريته عن التكفير أو الترضية من ”نظام الكون“. هذا النظام الشامل المعقول تُعكِره الخطيئة. والإنسان مُسلَّم هكذا إلى الجنون. وهذا الفساد يستدعي التعويض الذي سيكون التكفير. ولو كان الله نفسه يمنح التكفير بمحض الرحمة، لما أرضى ذلك العدل.[81] فلا بد إذًا من القول: ”إمَّا التكفير وإمَّا العقاب“ (أنسلم، لماذا تجسَّد الله، 1: 15). يجب أن يقتضي الله تكفيرًا وتعويضًا. ولكن مقتضى الله هذا يُحبِطه الإنسان. فالخطيئة هي ضد الله اللا متناهي، ولذلك فهي نفسها لا متناهية.[82] ويشرح أنسلم منطقه هذا باستناده خصوصًا إلى مفهوم ”شرف الله“. فقد خُلِقَ الإنسان ليُطِيع الله ويخدمه، ويستسلم له. وقد حاد عن هذه الغاية بالخطيئة. ولكن كلما كان المهَان عظيمًا، عظُمَت أيضًا الإهانة. وشرف الله لا مُتناهٍ، فدَّين الإنسان كذلك لا مُتناهٍ. والتكفير اللا متناهيّ ضروريّ. ولكن الإنسان المتناهيّ غير قادر على القيام به.

وينتج من ذلك أن الإنسان مُلزَم بالتكفير، ولكن الله وحده قادرٌ على القيام به. والتكفير الذي يُعِيد ”نظام الكون“ و ”شرف الله“ لا يمكن تحقيقه إلا بمَّن هو في الوقت عينه إلهٌ وإنسانٌ، أي الإنسان الإله. والسؤال: ”لماذا صار الله إنسانًا“؟ يجد هكذا الجواب عنه. ولكن هذا لا يقول بعد لماذا كان على الله أن يصعد على الصليب ليفتدينا. ويُضِيف أنسلم أيضًا أن حياة يسوع في الطاعة لا تكفي للفداء، إذ إن الإنسان مُلزَم من قبل بتلك الطاعة بالخلق. فالتكفير لا يمكن أن يتحقَّق إلا بشيءٍ لا يُلزِم من قِبَل يسوع بكونه إنسانًا. ولا يمكن يكون سوى موته، إذ إن يسوع لمَّا كان بلا خطيئة فهو غير خاضع لمصير الموت. وبما أن يسوع نفسه لم يكن بحاجة إلى هذا التكفير، فالله قادرٌ على أن يجعله موضوع استحقاق لجميع الآخرين. والعجز في ميزانية جميع الآخرين يُسدِّده فيض ما هو عند المسيح. فيسوع أعاد إذًا بموته الطوعيّ التوازن لـ ”نظام الكون“ وحقَّق التكفير عن الجميع.

لا يمكن أن تُفهَم نظرية أنسلم جيدًا إلا إذَا وُضِعَت في إطار الإقطاع الچرمانيّ، في بداية العصر الوسيط. وهذا يرتكز على علاقة الأمانة التي تربط السيد بمَّن هو تحت يده، وهذا يُقطِعه السيد أرضًا مع حمايته التي تجعل له نصيبًا في السلطة العامة. ويتقبَّل السيد منه الوعد بأن يتبعه ويخدمه. والاعتراف بجميل السيد هو إذًا أساس النظام، والسلام، والحرية، والحقّ. وشرف السيد ليس شرفه الخاص، بل هو موقعه الاجتماعيّ الذي يجعله ضامنًا للسلام العام. وكل نيل من هذا الشرف يتضمَّن هدم الحقّ والسلام، وخسارة الحرية، والفوضى. وبطلب هذا الشرف لا يُنظَر إلى الإرضاء الشخصيّ للسيد، بل إلى إعادة النظام الجماعيّ. ويُميِّز أنسلم بالطريقة نفسها شرف الله ”في ما يعود إليه“ وشرف الله ”في ما يعود إلى الخليقة نفسها“. ففي الأمر الأول لا يمكن زيادة أيّ شيء عليه أو إنقاص أيّ شيء منه. أمَّا إذَا كان الإنسان لم يعدّ يعترف بشرف الله، فينهار ”نظام العدالة“ في العالم.

إن انتهاك شرف الله لا ينال إذًا من الله نفسه، بل من الإنسان والنظام وجمال العالم. وليس شرف الله الشخصيّ الذي يُطلَب رده إلى نصابه، بل العالم المشوَّش والمخلَّع، هذا العالم الذي لا يسوده النظام إلا ما دام يحترم شرف الله. وليس الموضوع هنا التعويض عن شرف إله غيور، ولا شأن نظام قانونيّ مُجرَّد، أو ميزانية يجب أن تُوازن. الموضوع هو الاعتراف بشرف الله وإعادته في سبيل الحرية والسلام والنظام، ولأجل أن يُعَاد إلى العالم معناه.[83]

يحاول أنسلم إثبات حتمية حدوث التجسُّد من خلال العقل بدلاً من التقليد والكتاب المقدَّس. وكانت خطة بحسب الظاهر هو أن يُثبِت لليهود والمسلمين تلك العقيدة مُقدَّمةً في صورة حوار ثنائيّ، والمتحاوران هما أنسلم نفسه وتلميذًا له يُدعَى بوزو Boso.

يبدأ أنسلم بالمشكلة التي يحلها التجسُّد: مشكلة الخطيئة.[84] ويُعرِّف الخطيئة على أنها عصيان لله. وأيّ إخفاق في التسليم الكامل لإرادة الله يجعلنا في حالة خطيئة أمامه. وللأسف، هذا ما حدث، فليس هناك ما يمكننا القيام به لتصحيح الوضع، كما يقول أنسلم:

”إن أيّ شخص لا يعطي الاحترام الواجب لله، فكأنه يسرق من الله ما ينتمي إليه، وهذه خطيئةٌ. وما هو أكثر من ذلك، طالما أنه لا يُسدِّد ما سرقه من الله، فإنه سيظلُّ مُذنِبًا. وليس كافيًا أن نرد ما سرقه، لأن هذا الشخص أهان الله، وعليه أن يُعيد شيئًا أكثر مما أخذ“.[85]

وقد أقتبس أنسلم هذه الأفكار مُباشرةً من مجتمع العصور الوسطى. فالناس الذين خضعوا للنظام الإقطاعيّ في العصور الوسطى دانوا بالولاء للسيد، وكان عليهم أن يطيعوه، وإنْ لم يفعلوا ذلك فهذه إهانةٌ كبيرةٌ له، وكأنهم سرقوا كرامته وشرفه. وإنْ لم يرد السارق ما أخذه، بل وزيادة، نظرًا لأنه قد تسبَّب في الإهانة، فسوف يُعاقَب. أمَّا في حالة الخطيئة، فيتوجَّه أنسلم لنقطة أننا لا نستطيع أن نُعوِّض الله. فلكي نفعل ذلك، علينا أن نعطيه شيئًا لا ندين به له. لكننا ندين لله بكل شيء، إذ أننا موجودون فقط لأنه خلقنا، وحتى لو لم نكن قد أخطأنا سنكون أيضًا مدينين له بولائنا الكامل وكل شيء نمتلكه. ويسأل أنسلم بوزو السؤال الحاسم:

”أنسلم: ما الذي ستُقدِّمه لله من أجل خطاياك؟ بوزو: إذَا كنتُ أنا مدينٌ له بنفسي وبكل شيء حتى وإنْ لم أفعل خطيئةً، ثم بعد أن أخطأت، لم يعدّ لديَّ شيء لأُقدِّمه. أنسلم: ماذا سيحدث لك؟ وكيف يمكنك أن تخلُص؟ بوزو: إذَا أنا فكَّرت فيما قلته لي. لا أستطيع أن أجد أيّ طريق للخلاص“.[86]

وما هو أسوأ قادمٌ. إن عصيان الله هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث. هي جريمةٌ شرها لا نهائيّ. لذا، فلكي نُعوِّض الله عن حقه من الاحترام الواجب، علينا أن نُقدِّم شيئًا ثمينًا يفوق هذه الخطيئة اللا نهائية، وكيف يمكننا فعل ذلك؟ المشكلة هي هنا بما أن الطرف المذنب، أي البشرية يجب أن تُرضِي الله، وهذا ما تعجز عن فعله. في الواقع، أن الله وحده مَن يمكنه فعل ذلك. وهنا يكون الاستنتاج واضح:

”أنسلم: إذًا، فالله وحده هو القادر على أن يُقدِّم هذه الترضية. بوزو: هذا ما يتبع ذلك. أنسلم: لكن ليس من أحد سوى البشر يلزمهم فعل هذا، وإلا لن يكون البشر قد قدَّموا هذه الترضية. بوزو: ليس هناك عدل أكثر من هذا. أنسلم: […] حتى إذَا لم يكن أحدٌ سوى الله الذي يمكنه القيام بهذه الترضية، وليس مَن يمكنه غير الإنسان الذي يلزم عليه القيام بها، لذلك يجب أن يكون هناك إله-إنسان لكي يقوم بذلك. بوزو: تبارك الله!“.[87]

ولتنفيذ هذه الخطة يجب أن يكون الله-الإنسان إلهًا كاملاً وإنسانًا كاملاً. وعليه أن يُقدِّم تقدمةً غاليةً لا نهائيةً. ولأنه هو الله، فإن موته له قيمة لا نهائية. لذا، يسمح هذا الله-الإنسان لنفسه أن يموت مُقدِّمًا موته كتعويض عن الإهانة التي لحقت به بسبب البشرية. وهذا يكفي ويزيد لتعويض ما سُلِبَ، ويمكن للبشرية الخاطئة أن تنال الغفران.

نقد نظرية الترضية لأنسلم

إن تعليم أنسلم هو تقرير موضوعيّ عن الخلاص. فهو يرى الخطيئة على أنها دَّينٌ كونيّ، سدَّده الله لنفسه. وتقف البشرية الخاطئة موقف المراقِب لهذه المبادلة بطريقةٍ سلبيةٍ بدون أن تُشارِك فيها [وهذا عكس تعليم الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح عند ق. أثناسيوس وآباء الشرق اليونانيّ]. ولا يتحدَّث هذا التعليم عن تغيُّر العلاقة مع الله، ولا الطريقة التي يمكن من خلالها للبشرية الخاطئة أن تتغيَّر إلى حياةٍ أفضل. بالطبع هذه الأمور مهمةٌ لأنسلم، ولكنها لا تلعب دورًا في فكره اللاهوتيّ عن الخلاص بالمعنى الدقيق للكلمة. فبالنسبة له، يُشبِه البشر مجرمون هربوا من حكم الإعدام. وأيّ تغيير لاحق في القلب والحياة الأفضل التي يمكن أن يتمتَّع بها الإنسان تأتي كرد فعل للخلاص، وليست جزءًا من الخلاص ذاته، وهذا يتعارض بشدةٍ مع تعاليم أبيلارد في وقتٍ لاحقٍ، وكذلك مع تأكيدات أوغسطينوس السابقة له.

إن مفهوم أنسلم القانونيّ للخلاص سيكون مُؤثِّرًا جدًا، وسيكون السبب الجذري لتعاليم كلٍّ من لوثر وكالفن عن الكفارة، والذي من خلالهما تأسَّست الحكمة المنزلة للبروتستانتية عمومًا.[88]

 

 

 

الفصل الثالث: الدراسات الحديثة حول تدبير الخلاص بين الشرق والغرب

سوف نستعرض في هذا الفصل أهم الدراسات الحديثة للأساتذة والباحثين اللاهوتيين حول الاختلافات بين الشرق والغرب في مفهوم تدبير الخلاص، للتأكيد على أن البدلية العقابية تعليم غير موجود في فكر آباء الشرق عامةً، وفي فكر ق. أثناسيوس خاصةً.

نورمان راسل

يشرح البروفيسور نورمان راسل،[89] أستاذ اللاهوت والآبائيات في جامعة أوكسفورد، تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس، وكيف يربط ق. أثناسيوس بين الخلاص وتأليه الإنسان، حيث يرى أن الخلاص هو عن طريق تأليه الإنسان، وليس عن طريق البدلية العقابية كالتالي:

”إن استخدم أثناسيوس لأول مرة لمصطلح θεοποιέω في الإطار المسيحيّ اللاهوتيّ كان في منطوقه المعروف لـ ’الصيغة التبادلية‘ الذي ورد في كتاب ’تجسد الكلمة‘، فصل 54: ’لقد صار [الله] إنسانًا كي نصير مُؤلَّهين‘. وقد أُشِيرَ منذ أكثر من قرن مضى إلى اعتماده في هذا الصدد على إيرينيؤس. إن عبارة أثناسيوس هي إعادة صياغة بلغةٍ أكثر تقنيةً من لغة إيرينيؤس الذي قال: ’هو صار على ما نحن عليه لكي يجعلنا على ما هو في نفسه‘. (ضد الهرطقات، برهان الكرازة الرسولية، الفصل 5). على مثال إيرينيؤس، فإن أثناسيوس يرى الخلاص كعملية تصحيح لمسار الإنسانية الساقطة نحو الله. ففي فكره، هناك تناقضٌ بين الله غير المخلوق والخليقة التي أحضرها من العدم إلى الوجود. وبالتالي، فإن سقوط الإنسانية هو انجذاب نحو الطبيعة المخلوقة المائلة للعودة نحو العدم. لقد قام التجسُّد بعكس اتجاه الانجذاب [من العدم نحو الله]. بينما هو في الوقت نفسه ’قريبٌ‘ كونه واحدًا منَّا، فإن الإنسانية الآن مُنجذِبة نحو الاتجاه المعاكس، أي نحو غير المخلوق. ويستمر أثناسيوس على هذا النهج في التفسير مُوضِّحًا: ’إنه أعلن ذاته بواسطة الجسد لكي يصير من الممكن لنا أن نُكوِّن فكرة عن الآب غير المنظور، واحتمل الإهانات من البشر لكي نرث نحن عدم الفساد‘. إن ثمار تألُّه البشرية التي تُمثِّلنا والتي اتَّخذها الكلمة هي معرفة الله والانحلال من الفساد“.[90]

توماس تورانس

يستعرض البروفيسور توماس تورانس،[91] أستاذ العقائد المسيحية في جامعة أدنبرج Edinburgh باسكتلندا، جوانب عقيدة الفداء في الكتاب المقدَّس والتقليد الآبائيّ، مؤكدًا على عدم وجود بدلية عقابية في تعليم الآباء الشرقيين، ويشير إلى اختلاف مفاهيم تدبير الخلاص بين الشرق والغرب كالتالي:

”علاقة نظريات الكفارة بجوانب الفداء الثلاثة في العهد القديم: لقد مالت النظريات التاريخية إلى أن تقع في ثلاث مجموعات أساسية، معروفة في العموم كالتالي: نظرية التأثير الأخلاقي، ونظرية الفدية ransom،[92] ونظرية البدلية العقابية penal substitution.[93] هذا التمييز، يجعله أكثر وضوحًا التاريخ الذي يتفق بمعيار حقيقي مُعيَّن مع الجوانب الأساسية الثلاثة في المفهوم الكتابيّ للفداء، ولكن ليس بشكلٍ كاملٍ: فعلى سبيل المثال، يتم إغفال الجانب التعبديّ للفداء، ولكن الأهم من الكل هو حقيقة فقدان الروابط البينية عندما ننظر إلى الكفارة بهذه الطريقة، وبالتالي، الأجزاء الثلاثة التي تنقسم الكفارة إليها هي أكثر ضيقًا وفقرًا من الجوانب الأساسية الثلاثة أو خطوط الفداء padah أي الفدية، و kipper أي الكفارة، و goel أي الفادي. لذا دعونا نفحص هذه الجوانب في ضوء النظريات التاريخية. (1) الجانب الدراميّ [التمثيليّ] للكفارة: لقد مال إلى أن يقع في نظرية ’الفدية للشيطان‘، أو على أحسن تقدير مفهوم المسيح المنتصر Christus Victor. غالبًا هذه النظرية هي نظرية آبائية وفي العصر الوسيط المبكر، بل ولها مثيلاتها الحديثة في الدوائر اللوثرية والأنجلو-كاثوليكية، ولكن ليس كثيرًا جدًا في الأرثوذكسية اليونانية أو اللاهوت الروماني الكاثوليكي. لذا عندما يضيق الجانب الدرامي [التمثيلي] للكفارة بهذه الطريقة، فيكون لديه نزعة مميَّزة نحو الثنائية dualism، ويستدعي هذا ’تجريد الصفات الميثولوچية‘ Demythologisation. فمن الجدير بالملاحظة إنه في حين يتحدَّث المؤرِّخون في كثير من الأحيان عن ذلك بأنه آبائي وعصر وسيط، ولكنه يوجد فقط بالحقيقة الفعلية في جزء بسيط من الفكر الآبائي، أي في الأوريجانية، وفي مواضع مُعيَّنة من الفكر الرهبانيّ، حيث سادت الثنائية. ولم يُنادِ به أيّ من الآباء العظام (فيما عدا غريغوريوس النيسي)، ونجده أيضًا مرةً أخرى في أزمنة العصر الوسيط، في الفكر الشعبيّ والرهبانيّ، ولكنه غير واضح تمامًا عند اللاهوتيين – حيث قضى عليه عمليًا أنسلم وبرنارد من كليرڨو. (2) الجانب التعبديّ – القضائيّ للكفارة: لقد مال هذا إلى أن يقع في مفهومين هما: (أ) المفهوم التعبديّ للكفارة دون عنصر التبرير، موجود غالبًا في النصوص والسياقات الليتورچية. حيث مال إلى المضي قُدمًا في الفكر الغربيّ غالبًا بالارتباط مع ذبيحة القداس، دون العلاقة الكافية بالمسيح نفسه في عمله الخلاصيّ. ولكن يتم المبالغة في ذلك بأيّ حال من الأحوال عند اللاهوتيين العظام. فعلى سبيل المثال، العشرون سؤالاً التي خصَّصها توما الأكويني للإفخارستيا، يوجد سؤال واحد فقط منها مُخصَّص لمفهوم الذبيحة الإفخارستية. كما يوجد مفهوم أفضل كثيرًا في صلوات وتأملات أنسلم. (ب) المفهوم العقابيّ دون الجانب الكهنوتيّ – مفهوم الترضية في الكفارة. هذا المفهوم مُستمَد في الغرب غالبًا من الفكر الأساسيّ لترتليان – ولديه نزعة مُميَّزة نحو الناحية القضائية، مع مفهوم بسيط للخلاص من الناموس، ومفهوم للخلاص ’بمعزل عن الناموس‘. حيث يدين تطوُّر مفاهيم العقوبة والترضية في الكفارة بالكثير إلى اللغة اللاتينية والمفاهيم الأكثر تأثرًا باللاتينية، كما يُمكِننا أن نرى عندما نُقارِن التطوُّر الغربيّ لهذه المفاهيم، سواء في الفكر الرومانيّ أو البروتستانتيّ، مع إيضاح جوانب العقوبة والترضية في فكر كيرلس الإسكندريّ على وجه الخصوص. لقد كان مفهوم البدلية العقابية مع الفهم الضيق للتبرير، هو الذي أصبح سائدًا في القرون المعروفة بالأرثوذكسية البروتستانتية، وفيما يُعرَف اليوم بالبروتستانتية الإنجيلية. (3) الجانب الأنطولوچيّ [الوجوديّ] للكفارة: لقد مال هذا مجددًا إلى أن يقع في مفهومين هما: (أ) المفهوم التجسُّدي incarnational، حيث يكون العنصر الخلاصيّ من خلال المعرفة والاتحاد المستيكيّ [السرائريّ] بالمسيح. وهذا واضح مبكرًا جدًا عند الآباء اليونانيين، على سبيل المثال، عند كليمندس الإسكندريّ، وسابقًا جدًا عند أغناطيوس الأنطاكيّ – ولكنه يختلف في الرسالة إلى ديوجنيتوس. لقد أصبح أحد الخطوط الأساسية للتطور في جميع أنحاء التقليد المستيكيّ [الصوفيّ]، حيث يتم التركيز أكثر في بعض الأحيان على الاتحاد بالله من خلال المعاينة السرية، وأحيانًا على الاتحاد بالله من خلال التجسُّد. (ب) المفهوم الذاتيّ للكفارة، حيث يكون التأثير الأخلاقي لذبيحة المسيح، أو معرفة ماذا فعل الله لأجلنا في محبته هو العنصر الخلاصيّ – على سبيل المثال عند أبيلارد، أو عند سوسينوس Socinus. ولكن يمتلك هذا تطورًا عميقًا ومؤثرًا في الليتورچية، على سبيل المثال، في صلاة مريم أسفل الصليب Stabat Mater – قارن هنا صلاة مريم لهايدن Haydan، والقوة الهائلة للتأمل في جراحات يسوع“.[94]

وهكذا نُدرِك من هذا القول لهذا العلامة اللاهوتيّ الكبير وأستاذ العقائد المسيحية أن مفهوم البدلية العقابية هو مفهوم غربيّ نشأ بالأساس من فكر ترتليان، وتطوَّر في الغرب في اللاهوت الكاثوليكيّ والبروتستانتيّ حتى وصل إلى ما هو عليه في يومنا هذا.

يُحاوِل البروفيسور توماس تورانس التفريق بين جانب الإبدال العقابي للكفارة كما جاء في العهد الجديد من وجهة نظره، وبين فكر الإبدال العقابي كما تطوَّر في الغرب اللاتيني، أو الروماني، أو البروتستانتي، ولكنه يؤكِّد على أن العهد الجديد لم يستخدم لفظة ’يُعاقِب‘ عن العلاقة بين الآب والابن، حيث يقول التالي:

”لهذا السبب، يتحدَّث العهد الجديد عن جانب الإبدال العقابي للكفارة، ليس في أقسام قضائية [شرعية] مُنفصِلة كالتي قد تطوَّرت في الغرب اللاتينيّ، أو الرومانيّ، أو البروتستانتيّ، بل من ناحية حميمية العلاقة بين الآب والابن، حيث يُخضِع الابن ذاته لحكم الآب، وتستجيب له مسرة الآب الصالحة – أنظر هنا الأهمية الكبيرة لچون مكليود كامبل J. Mcleod Campbell وكتابه العظيم ’طبيعة الكفارة‘، حيث يُحذِّرنا بحقٍ من التفكير في الكفارة بتعبيراتٍ عقابيةٍ محضةٍ، لأننا لا نستطيع التفكير في المسيح المعاقَب من الآب بدلاً عنا، فلا يستخدم العهد الجديد في أيّ موضع كلمة Kolazo أي يُعاقِب، عن العلاقة بين الآب والابن“.[95]

ويرى البروفيسور توماس تورانس أن الفداء عند ق. أثناسيوس يحدث في حياة الابن المتجسِّد التوسطية وفي شخصه، يحدث خلاصنا في علاقات الوسيط الداخلية، وليس ببساطةٍ في علاقة المسيح الخارجية بالخطأة، وهذا ينفي عن أثناسيوس فكرة الإبدال العقابيّ، الذي يحاول البعض عن جهل أن ينسبها إليه كالتالي:

”يحدث [الفداء] في حياة الابن المتجسِّد التوسطية وفي شخصه، فكما أنه [أثناسيوس] أعتقد أن اللوغوس هو داخل كيان الله، كذلك أعتقد أن خلاصنا يحدث في علاقات الوسيط الداخلية، وليس ببساطةٍ في علاقة المسيح الخارجية مع الخطأة“.[96]

خالد أناطوليوس

يرى البروفيسور خالد أناطوليوس،[97] أستاذ اللاهوت في جامعة نوتردام والمتخصِّص في تعليم ق. أثناسيوس، أن خلاصنا وتألُّهنا، بحسب ق. أثناسيوس، يتأسَّس بالكامل على أن حالتنا الإنسانية قد انتسبت إلى الكلمة، لأن ذلك في الأساس هو الذي يجعل كياننا مفعمًا بالكلمة كالتالي:

”إن خلاصنا وتألُّهنا يتأسَّس بالكامل على أساس أن حالتنا الإنسانية قد انتسبت للكلمة، لأن ذلك في الأساس هو ما يجعل كياننا مُفعَمًا بالكلمة“.[98]

جوهانس رولدانوس

يرى الباحث الكبير چوهانس رولدانوس أن مفهوم أثناسيوس عن الخلاص يتوقف على وحدة جسد المسيح البشريّ مع جسدنا، وكذلك على وحدة طبيعته الإلهية مع الطبيعة الإلهية للآب قائلاً:

”إن مفهومه عن الخلاص يتوقف على إتمامه لوحدة جسد المسيح البشريّ مع جسدنا، وكذلك على وحدة طبيعته الإلهية مع الطبيعة الإلهية الخاصة بالآب“.[99]

لويس بيركهوف

يتحدَّث البروفيسور المعروف لويس بيركهوف[100] عن الاختلاف بين اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ واللاهوت الغربيّ اللاتينيّ في عقيدة الكفارة وعمل المسيح على الصليب، حيث يقول التالي:

”في اللاهوت الآبائيّ اللاتينيّ: على الرغم من أن تعليم عمل المسيح في اللاهوت الآبائيّ اللاتينيّ لديه نقاط عديدة مُشتركة مع تعليم اللاهوت اليونانيّ المبكر، ولكن حتى في هذه الفترة المبكرة، تبدأ اختلافات مُهمة في الظهور. حيث يبدأ النوع اللاتينيّ المختلِف من اللاهوت مع ترتليان. حيث يتبنى إلى حد ما نظرية إيرينيؤس الانجماع الكلي، ولكنه يتصوَّر التجسُّد على أنه يُؤثِّر على الجنس البشريّ بالأساس من خلال الإرشاد والمثال. ولكن تتراجع هذه الفكرة كلها بشكلٍ أو بآخر إلى الخلفية. حيث يُركِّز كثير جدًا أكثر من إيرينيؤس على الأهمية المحورية لموت المسيح على الصليب، مُعتبرًا إياه نقطة الذروة والنهاية الحقيقية لإرسالية المسيح. لا يُمكِن القول بأنه ذهب بعيدًا عن إيرينيؤس في الصياغة المحدَّدة لعقيدة موت المسيح. ولكن تقع أهميته الحقيقية في حقيقة أنه أدخل استعمال مصطلحات قانونية عديدة إلى اللاهوت، مثل: ’ذنب‘، و ’ترضية‘، و ’استحقاق‘، وما إلى ذلك، التي تمَّ توجيهها لتلعب دورًا كبيرًا في التطوُّر اللاهوتي لعقيدة عمل المسيح. ومع ذلك، يجدر ملاحظة أنه مازال لم يُطبِّق تلك المصطلحات على عمل المسيح الكفاريّ، بل على التوبة والأعمال الصالحة التي ينبغي أن تتبع الخطايا المرتكَبة بعد المعمودية. كما وضع الأساس لتطوُّر عقيدة التوبة في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية“.[101]

يستطرد البروفيسور لويس بيركهوف في نفس السياق مُتحدِّثًا عن عقيدة الكفارة عند أوغسطينوس أبو اللاهوت اللاتينيّ، مُوضِّحًا الاختلاف بين اللاهوت اليونانيّ واللاهوت الأوغسطينيّ بشأن عقيدة الكفارة والفداء، حيث يقول التالي:

”نشعر بشكلٍ طبيعيّ بالميل إلى اعتبار أن أوغسطينوس – الأب الكنسيّ الأعظم في الغرب – قد أضاف بشكلٍ كبيرٍ، سواء على المستويين الجوهريّ والشكليّ، إلى عقيدة عمل المسيح. ولكن ليست تلك هي القضية، بل تقع إنجازاته في موضع آخر. حيث يُقدِّم آراءً متنوعةً، جامعًا في ذاته التطور السابق. كما توجد فكرة تألُّه الطبيعة البشرية بالتجسُّد، ولكن بطريقة أخلاقية فقط، ويوجد أيضًا مفهوم أن الشيطان لديه حق على الإنسان، ولكن تم استكماله، عن طريق فكرة أن حق الشيطان تم إبطاله بموت المسيح. ولكن فيما يُعتبر بأنه خط تفكيره الأساسي، يُعتبَر أوغسطينوس بعيدًا جدًا عن اللاهوت اليونانيّ. حيث كل من افتراضاته واستنتاجاته مُختلفة. فالأفكار الرئيسة هي أفكار الخطية الأصلية، والتبرير بالنعمة، والمصالحة بذبيحة المسيح. حيث يفرض النوع الغربي الجديد من الفكر نفسه، ونجد أنفسنا ندور في دائرة الأفكار البولسية. حيث يتم النظر إلى الإنسان على أنه موضوع الغضب الإلهيّ، وذبيحة المسيح كتهدئة لهذا الغضب، وكمُصالحة للإنسان مع الله. لم يُطوِّر أوغسطينوس هذه الأفكار إلى نظام كامل، حيث تقع أقواله بعيدًا بقليل عن نظرية أنسلم المترابطة تمامًا عن الكفارة. حيث لم يُميِّز بصورةٍ حادةٍ بين الجانب القضائيّ والتجديديّ للفداء“.[102]

ويتَّضح من هنا اتفاق رأي البروفيسور لويس بيركهوف مع غيره من أساتذة العقائد المسيحية أن عقيدة الكفارة والفداء بجانبها القانونيّ والقضائيّ في اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ تختلف تمام الاختلاف عن الجانب الشفائيّ والتأليهيّ في اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ.

ستيفن هولمز

يُقرِّر البروفيسور ستيفنز هولمز[103]Stephens R. Holmes  المحاضر الكبير للاهوت النظامي في جامعة ق. أندراوس باسكتلندا حقيقة واضحة أثناء تأصيله لعقيدة ”البدلية العقابية“ من الكتاب المقدَّس، والأدب المسيحيّ الآبائيّ في مختلف العصور المسيحية، وهي أن ”البدلية العقابية“ ليست فكرة أصيلة في اللاهوت الأرثوذكسيّ الشرقيّ، بل هي فكرة بروتستانتية بامتياز نشأت مع رجالات حركة الإصلاح، وبالأخص عند جون كالفن، حيث يقول التالي:

”أقترح علاوة على تلك الاقتراحات الكثيرة من أجل ايجاد تعليم واضح عن البدلية العقابية في أحداث الكتاب المقدَّس عن طريق اتخاذ صورة تُقرَأ بصورةٍ أكثر طبيعيةً وبشكلٍ مُختلفٍ، وترجمتها إلى أشكال وأنواع البدلية العقابية وصورتها، وهذا الاتجاه مرئي أيضًا في أغلب المحاولات من أجل ايجاد البدلية العقابية عند آباء الكنيسة، حيث هناك فقرات عرضية تنشر بالطبع المجاز القانونيّ، ولكن لا يوجد وعي أن هذا تعليم مُتطوِّر عن الكنيسة الأولى، ولا يوجد دليل على أنه علامة مُميَّزة مفترضة للأرثوذكسية. ويستمر هذا الموقف خلال فترة العصر الوسيط، وأول تفسير مُتكامِل ومُتطوِّر بالفعل للبدلية العقابية أستطيع ايجاده في التاريخ هو في كتاب ’الأسس‘ لكالفن (١٥٣٦- ١٥٥٩م). لقد طوَّر لوثر بالطبع أفكار مُشابِهة قبل عقدين من الزمن، وتوجد بلا شك إرهاصات مُهمة بين كُتَّاب العصور الوسطى في القرن ١٥، ولكن يُقدِّم كالفن تعليم البدلية العقابية بشكلٍ مُفصَّلٍ وناضجٍ. لقد تحدَّث الكُتَّاب الأوائل عن أمور قد تُفهَم بمُصطلحات البدلية العقابية، ولكنهم لم يُعلِّموا أبدًا بالفكرة بشكلٍ مُباشرٍ“.[104]

وهكذا يتَّضح لنا في الأخير اختلاف المفاهيم حول تدبير الخلاص بين اللاهوت الغربيّ مُمثَّلاً في اللاهوت المدرسيّ في العصر الوسيط، ومن بعده اللاهوت البروتستانتيّ، وبين اللاهوت الشرقيّ مُمثَّلاً في آباء الكنيسة الذين يرونا في تدبير الخلاص مبادلة خلاصية شفائية، وليست مبادلة عقابية، والذين يؤكِّدون على وجودنا الكياني في المسيح أثناء تدبيره الخلاصي، وإنه ليس مُجرَّد مثال على فضيلة البذل والحب، وكأنه مُنفصِل عنا، بل نحن ندخل ونتَّحد معه في عمق السر الإلهيّ العجيب الذي صنعه لأجلنا. لم يكن المسيح مُجرَّد ترضية أو إيفاء لدَّين خطية آدم وخطايانا كما يُعلِّم البعض في أيامنا، بل هو مُتَّحِد بنا وبطبيعتنا ليُؤلِّهنا ويُؤلِّه طبيعتنا فيه، ويستبدل الموت بالحياة، والظلمة بالنور، والغلبة بالنصرة، واللعنة بالبركة، والضعف بالقوة.

جون كيلي

يتحدَّث البروفيسور چون كيلي،[105] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، عن تعليم ق. أثناسيوس الخلاصي قائلاً:

”لم يشفنا المسيح فقط، بل حمل العبء الثقيل لضعفنا وخطايانا. المظهر الخارجيّ للتعليم هو أحد تعليم البدلية، ولكن ما يُحاوِل أثناسيوس إبرازه، لم يكن أكثر من أن ذبيحة واحدة كانت بديلة عن الأخرى، حيث ’استُنفِذَ موت الجميع في جسد الرب‘ (تجسد الكلمة، ٢٠). بمعنى آخر، إنه بسبب الاتحاد بين جسده وجسدنا، كان موته وانتصاره بالأساس لنا (أي موتنا وانتصارنا). تمامًا كما ورثنا الموت من خلال ارتباطنا بآدم الأول، هكذا نهزم الموت ونرث الحياة من خلال ارتباطنا بـ ’الإنسان من السماء‘ (ضد الآريوسيين ١: ٤٤: ٢، ٦١؛ ٢: ٦٧)“.[106]

وهذه هي البدلية التي يقصدها أثناسيوس مُبادلة الموت بالحياة، والفساد بعدم الفساد، والظلمة بالنور، والخطية بالقداسة… إلخ.

لورانس جرينستيد

يُقارِن البروفيسور لورانس جرينستيد،[107] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، بين تعليم أثناسيوس السوتيريولوجيّ (الخلاصيّ) وتعليم البدلية العقابية، مُؤكِّدًا على أن ق. أثناسيوس لم يقل في أيّ موضع أن موت المسيح كان بمثابة معاناة عقابية، كالتالي:

”لا يوجد مُبرِّر للادعاء بأن أثناسيوس هو أصل وبادرة النظريات العقابية اللاحقة. لا توجد إشارة إنه يَعتبر الموت في أيّ موضع أنه بمثابة مُعاناة عقابية، وقليلاً ما يَعتبر أن موت المسيح بمثابة عقابًا نيابيًا. لم يستخدم بالفعل عبارات ’تألم نيابةً عن الكل‘ و ’الموت نيابةً عن الكل‘ ولكن ينبغي تفسير تلك العبارات بحسب فهمه القوي لوحدة الجنس البشريّ في الكلمة المتجسِّد ’بالنظر إلى موت الجميع فيه‘“.[108]

هستنجس راشدال

يشرح البروفيسور هستنجس راشدال،[109] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، تعليم القديس أثناسيوس الخلاصيّ ويُقارِن بينه وبين تعليم ”البدلية العقابية“ في اللاهوت الغربيّ، حيث يرفض وجود تعليم بدلية عقابية في تعليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص كالتالي:

”هذا هو التعليم المحدَّد عن الذبيحة النيابية، ولكنه مع ذلك، لم يكن بكلماتٍ واضحةٍ تعليم العقاب النيابيّ. يبدو أن الفكرة هي كالتالي، إنه بموت هذه الذبيحة، تمَّ إيفاء دَّين الموت – الذي جلبته خطية آدم – واستُوفِي في حالة الجميع الذين يشتركون في ذلك الناسوت، الذي اتَّحد الكلمة به في حالة الجسد الواحد. حيث يبدو واضحًا أكثر من عند إيرينيؤس، أن موت المسيح لا يُمثِّل مُجرَّد مُعادِل، بل مُساوِي حقًا لموت الجميع (تجسد الكلمة ٢٠: ٤، ٥): مات الجميع بالفعل حرفيًا في موت الواحد. بالرغم من ذلك، لم يكن التركيز على فعل الذبيحة المتعلِق بالماضي، بل على آثار التجديد التابعة، والتابعة من القيامة أكثر من الموت. […] هذا هو خط التفكير الذي قابلناه بالفعل عند إيرينيؤس، ولكنه أكثر تطوُّرًا وتنظيمًا بكثير عند أثناسيوس. يُحاوِل [أثناسيوس] توضيح أن قابلية الفساد ليست عقوبة جزائية تعسفية فرضها الله، بل نتيجة طبيعية وحتمية للخطية“.[110]

جوناثان هيل

يتحدَّث چوناثان هيل،[111] الباحث الكبير في تاريخ العقيدة المسيحية من جامعة أوكسفورد، عن تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس، وأنه مثل ق. إيرينيؤس، يرى أننا خلُصنا باتحاد الله والإنسان في المسيح، الأمر الذي رفع البشرية إلى مستوى الألوهية، أي أن الخلاص عند ق. أثناسيوس هو عن طريق تأليه الإنسان كالتالي:

”على أيّ حال، فالابن يجب أن يكون الله. ولو لم يكن فما كان بمقدوره أن يُخلِّصنا. ويؤمن أثناسيوس، مثل ق. إيرينيؤس من قبله، بأننا خلُصنا باتحاد الله والإنسان في المسيح، الأمر الذي رفع البشرية كلها إلى مستوى الألوهية. وبحسب نظرته، فإن إنكار ألوهية المسيح هو إنكار لأساس الخلاص كله“.[112]

أليستر ماجراث

يتحدَّث البروفيسور أليستر ماجراث،[113] أستاذ اللاهوت التاريخيّ في جامعة أوكسفورد، عن أن الفداء بحسب المدرسة الإسكندرية معناه هو الاشتراك في حياة الله، أو أن يصير المرء إلهيًا، وهي الفكرة التي وُصِفَت قديمًا بمفردات التأليه كالتالي:

”كانت المدرسة الإسكندرية، التي يُعدُّ أثناسيوس واحدًا من ممثليها، سوتيريولوچية في طبيعة منظورها وفي توجهها. فإن يسوع المسيح هو فادي البشرية، حيث كان الفداء [redemption] بحسب هذه المدرسة معناه: ’الاشتراك في حياة الله‘، أو ’أن يصير المرء إلهيًا‘، وهي الفكرة التي وُصِفَت قديمًا بمفردات التأليه. وتُعبِّر الكريستولوچيا عمَّا توحي به ضمنًا هذه الفكرة السوتيريولوچية [الخلاصية]. يمكن تلخيص مسار حجة الكريستولوچيا الإسكندرية على النحو التاليّ: لتأليه الطبيعة البشرية، ينبغي أن تتَّحد هذه الطبيعة بالطبيعة الإلهية. فينبغي أن يصير الله مُتَّحِدًا بالطبيعة البشرية بحيث تأخذ الأخيرة إمكانية الاشتراك في حياة الله. وقال الإسكندريون إن هذا هو بالتحديد ما حدث في تجسُّد ابن الله في يسوع المسيح ومن خلاله. فقد اتَّخذ الأقنوم الثاني في الثالوث طبيعةً بشريةً، وبهذا، ضمن تأليه هذه الطبيعة. صار الله إنسانًا حتى يصير البشر إلهيين“.[114]

كاليستوس وير

يشرح المطران الأرثوذكسيّ كاليستوس وير،[115] أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعتي كامبريدچ وأوكسفورد، الفرق بين نظرة الشرق لتدبير الخلاص باعتباره انتصار ظافر على قوة الشر وبين نظرة الغرب منذ عهد أنسلم الكانتربريّ إلى الصليب بتعابير قانونية وجزائية، وباعتبار عملية الصلب عملاً استعطافيًا للإرضاء أو الإبدال من أجل تهدئة غضب الآب الخالق كالتالي:

”فحينما تتطلع الأرثوذكسية إلى المسيح الظافر قبل كل شيء، يتطلع غرب العصر الوسيط والعصر الذي عقبه إلى المسيح الضحية أولاً. وبينما تُفسِّر الأرثوذكسية فعل الصلب على أنه بالدرجة الأولى انتصارٌ ظافرٌ على قوة الشر، يميل الغرب، وبنوعٍ خاصٍ منذ عهد أنسلموس رئيس أساقفة كانتربري (حوالي عام 1033- 1109) إلى التفكير في أمر الصليب بتعابير قانونية وجزائية، أو باعتبار عملية الصلب عملاً استعطافيًا للإرضاء أو الإبدال من أجل تهدئة غضب الآب الخالق“.[116]

ويتحدَّث المطران كاليستوس وير عن أن هدف الحياة المسيحية هو تأليه الإنسان، وذلك في تعليم القديسين أثناسيوس وباسيليوس الكبير، حيث أن مفهوم فداء الإنسان وخلاصه في الأرثوذكسية معناه تأليه الإنسان قائلاً:

”وقد صوَّر ق. باسيليوس الكبير الإنسان على أنه مخلوقٌ أُمِرَ بأن يصبح إلهًا، أمَّا أثناسيوس فقال بأن الله صار إنسانًا لكي يصبح الإنسان إلهًا. ’في ملكوتي، يقول المسيح، سأكون الله وأنتم آلهةٌ معي‘. ذلك هو، وفقًا لتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية، الهدف النهائيّ الذي يجب أن يتطلع إليه كل مسيحيّ: أن يصبح إلهًا، أي أن يبلغ التأليه. ففي مفهوم الأرثوذكسية، فداء الإنسان وخلاصه يعنيان تأليهه“.[117]

فلاديمير لوسكي

يشرح اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ المعروف فلاديمير لوسكي[118] تدبير الخلاص بحسب ق. أثناسيوس، حيث يرى أن جسد المسيح الذي يتَّحد المسيحيون به في المعمودية، هو بحسب ق. أثاسيوس جذر قيامتنا وخلاصنا، فنحن ككنيسة في المسيح جسد واحد، يجري فيه دم المسيح ليُطهِّرنا من كل خطيئة، ولقد اتَّخذ الكلمة جسدًا لنستطيع أن ننال الروح القدس، لأن حضور الروح القدس فينا هو شرط تألُّهنا كالتالي:

”أمَّا جسد المسيح، الذي به يتَّحد المسيحيون بالمعمودية، فيصير، بحسب القديس أثناسيوس، ’جذر قيامتنا وخلاصنا‘ [Oratio III contra Arianos, 13, PG, t. 25, 393-396]. الكنيسة شيءٌ أكبر من الفردوس الأرضيّ؛ فحالة المسيحيين أفضل من حالة البشر الأولين. ففي الكنيسة لا يعود يُحتمَل فقدان الشركة مع الله نهائيًا، وذلك كوننا محتوين في جسدٍ واحدٍ، يجري فيه دم المسيح الذي ’يُطهِّرنا من كل خطيئة ومن كل غضن. فقد اتَّخذ الكلمة جسدًا لنستطيع أن ننال الروح القدس‘ [S. Athanase, De incarnatione et contra Arianos, 8, PG, t, 26, 996C]. حضور الروح القدس هذا فينا شرط تألُّهنا، لا يمكن أن يضيع“.[119]

جورج فلورفسكي

يرى الأب الأرثوذكسيّ چورچ فلورفسكي،[120] أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعات هرفارد وبرنستون الأمريكية، والعميد السابق لمعهد القديس سرجيوس بفرنسا، والعميد السابق أيضًا لمعهد القديس فلاديمير بأمريكا، أن مغزى الخلاص والفداء في اللاهوت المسيحيّ المبكر هو الاتحاد الحميم بين الله والإنسان في المسيح، ويؤكد على أن هذا كان الخط الرئيسيّ عند ق. أثناسيوس وق. غريغوريوس النزينزيّ اللاهوتيّ كالتالي:

”كانت الرسالة المسيحية ومنذ البداء فعلاً هي رسالة الخلاص، وبحسب ربنا فقد عرفناه وبالأساس بصفته المخلِّص، الذي افتدى شعبه من عبودية وأسر الخطية والفساد. إن عمق حقيقة سر التجسُّد الإلهيّ فعلاً قد تمَّ تفسيره وعلى الدوام في اللاهوت المسيحيّ المبكر عن منظور الفداء، فقد كانت المفاهيم الخاطئة عن شخص المسيح والتي كان على الكنيسة الأولى مواجهتها ومقاومتها ونقدها ودحضها هي تلك التي كانت تفعل ذلك وبالتمام حين كانت تُقلِّل من واقعية وحقيقة الفداء البشريّ. وقد تمَّ الافتراض عمومًا أن منتهى ومغزى الخلاص هو أن الاتحاد الحميم بين الله والإنسان قد تمَّت استعادته، واستقر المقام على أن الإنسان المفتدَى لا بد أن ينتمي بنفسه إلى كلا الجانبين، أي أن يكون من جهة إلهيًا وفي آنٍ إنسانيًا، وإلا ما كانت قد تأصلت وتأسَّست تلك الشركة المشروخة أو المسكورة بين الله والإنسان. ذلك كان الخط الرئيسيّ للفكر اللاهوتيّ العقلانيّ عند القديس أثناسيوس في صراعه مع الآريوسيين، والقديس غريغوريوس النزينزيّ في دحضه للأبولينارية، وللعديد من كُتَّاب آخرين في القرنين الرابع والخامس“.[121]

فالتر كاسبر

يشرح الأسقف الكاثوليكيّ الشهير فالتر كاسبر[122] تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس، حيث يرى أن اهتمام أثناسيوس الأساسيّ في الدفاع عن ألوهية الكلمة كان اهتمام خلاصيّ وليس نظريّ، لذا يرى ق. أثناسيوس ضرورة ألوهية يسوع المسيح وفهمها في الإطار العام للتعليم الخلاصيّ في الكنيسة القديمة الذي يرى الفداء كتأليه للإنسان، فالإنسا ن المخلوق على صورة الله لا يستطيع الحصول على كيانه الحقيقيّ بدون المشاركة في حياة الله، وبالتالي التماثُّل مع الله، ولكن بما أن صورة الله قد أفسدتها الخطيئة، فلا بد من أن يصبح الله إنسانًا لكي نتألَّه نحن، ونبلغ من جديد إلى معرفة الله غير المنظور كالتالي:

”لم تكن هذه التأكيدات متأتية أولاً من اهتمام نظريّ، بل من اهتمام خلاصيّ، كان أثناسيوس يُبرِزه دائمًا: إذَا لم يكن المسيح إلهًا فلسنا نحن مُفتَدين، لأن الله الذي لا يموت وحده يستطيع أن يُحرِّرنا من عبودية الموت، ويجعلنا مُشاركين في ملء الحياة. فعقيدة ألوهية يسوع المسيح الصحيحة يجب أن تُفهَم في الإطار العام للتعليم الخلاصيّ في الكنيسة القديمة مع فكرتها عن الفداء كتأليه للإنسان. إن الإنسان المخلوق على صورة الله لا يستطيع الحصول على كيانه الحقيقيّ والصحيح إلا بالمشاركة في حياة الله، ومن ثمَّ، بالتماثُّل مع الله. ولكن بما أن صورة الله قد أفسدتها الخطيئة، فلا بد من أن يصبح الله إنسانًا لكي نتألَّه نحن، ونبلغ من جديد إلى معرفة الله غير المنظور. ولا علاقة لعقيدة الفداء هذه الطبيعية (في شأن الكيان) بمفهوم طبيعيّ فيزيولوچيّ، بل حتى سحريّ للخلاص، كما ادُّعِيَ ذلك مرارًا. إنها ترتكز في الحقيقة على الفكرة اليونانية عن البايدييا، أي تربية الإنسان، بسعيه لكي يُشبِه هيئة المثال الإلهيّ الأول المنظور في الصورة ويُشارِك فيها“.[123]

جوهانس كواستن

يشرح العلامة الآبائيّ الكاثوليكيّ الكبير چوهانس كواستن[124] تعليم الخلاص عند ق. أثناسيوس، حيث يرى أن أساس ق. أثناسيوس في دافعه عن ألوهية اللوغوس هو أساس خلاصيّ، ويرى أن تأليه الإنسان هو غاية الخلاص في دفاع ق. أثناسيوس عن ألوهية الكلمة كالتالي:

”إن أساس ما كان يُدافِع عنه ق. أثناسيوس فيما يخص اللوغوس هو عقيدة الفداء. والعبارات التالية تُعبِّر عن التعليم اللاهوتيّ للقديس أثناسيوس: ’لقد صار [كلمة الله] إنسانًا لكي يُؤلِّهنا، وقد أظهر نفسه في جسدٍ لكي نحصل على معرفة الآب غير المنظور، واحتمل إهانة البشر لكي نرث نحن عند الموت‘ (تجسد الكلمة، فصل 54). […] لذلك يستدل ق. أثناسيوس على ضرورة تجسُّد الكلمة وموته من مشيئة الله لفداء البشر. فلم يكن ممكنًا أن نحصل على الفداء إذَا لم يكن الله نفسه قد صار إنسانًا، وإذَا لم يكن المسيح هو الله. ولذا، فإن اللوغوس باتّخاذه الطبيعة البشرية، قد ألّه البشر. وقد غلب الموت ليس من أجل نفسه بل من أجلنا كلنا. […] ولو لم يكن المسيح إلهًا بالطبيعة، ولكن بالمشاركة (كما يقول الهراطقة)، فإنه لم يكن بمقدوره أبدًا إعادة تشكيل الإنسان على صورة الله. لأن الذي لا يملك شيئًا إلا الذي استعاره من آخر فلا يمكن أن يمنحه لآخرين“.[125]

كاثرين ساندرجير

تُسجِّل البروفيسور كاثرين ساندرچير[126]Katherine Sanderegger  ، أستاذ اللاهوت في جامعة يال الإمريكية، اعتراض البعض على مفهوم أنسلم عن إيفاء الدَّين وذبيحة الترضية بأنه مفهوم نسطوريّ على نحوٍ خطير، مما يُؤكِّد على ما قلناه قبلاً من اختلاف مفهوم اللاهوت الغربيّ للدَّين عن اللاهوت الشرقيّ، كالتالي:

”علاوة على ذلك، سردية أنسلم عن ’إيفاء الدَّين‘ و ’ذبيحة الترضية‘ تبدو للبعض نسطورية بشكلٍ خطيرٍ، كما لو كان يمكن تقديم ناسوت المسيح كعملٍ مُستقِلٍ للموت البريء، بمعزل عن الاتحاد الأقنوميّ الملازِم للألوهة. بالإضافة إلى ذلك، تبدو مُعالجة أنسلم المدرسية المبكرة لفكرة اللا محدودية، سواء في تقدير الخطية، وفي قيمة الاستحقاق الشخصيّ للمسيح بالنسبة لانتقاداته ذات العقلية الفلسفية غير قوية وغير مُقنِعة“.[127]

توماس ويناندي

لذا يُؤكِّد البروفيسور توماس ويناندي[128] Thomas G. Weinandy على أن مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس هو دَّين الموت كما ذكرنا سابقًا، ولقد قام المسيح بإيفاء دَّين الموت بموته عن الجميع ليهبهم حياة القيامة عديمة الفساد كالتالي:

”السبب في أن الكلمة المتجسِّد يضمن للبشر حياة القيامة عديمة الفساد هو أنه يُقدِّم ’إلى الموت، الجسد الذي قد أخذه هو نفسه كتقدمةٍ وذبيحةٍ بلا عيب، لأنه أبعد للتو الموت عن جميع نظرائه بتقديم النظير. وبما أنه فوق الجميع، وَفَىَ كلمة الله بالطبيعة عن طريق تقديم هيكله وأداته الجسدية الدَّين بموته من أجل حياة الجميع‘ (تجسد الكلمة ٩: ١-٢؛ ٢٠: ٢، ٥-٦). لأن الكلمة، وقد اتَّخذ طبيعتنا عينها، يُقدِّم حياته البشرية النقية والطاهرة كذبيحةٍ بدلاً عنا ولأجلنا، فينقض ويوفي دَّين الموت الذي جلبته أنا وهكذا أقرَّته الخطية. وبالتالي، نعي هنا بوضوحٍ مركزية الصليب داخل سوتيريولوچية [التعليم الخلاصيّ] أثناسيوس“.[129]

جوستاف ألين

يرى البروفيسور چوستاف ألين[130] أن مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس هو دَّين الموت كالتالي:

”نفس الشيء هو حقيقيّ عن مجاز الدَّين، الذي يُوازِيه مجاز الفدية، ولكنها أقل استخدامًا للغاية. حيث يتحدَّث أثناسيوس عن كلمة الله بأنه عن طريق تقديم جسده ’مُوفيًا الدَّين عن الجميع بموته‘، وإنه بذلك الموت تمَّ ’إيفائه‘، كما يربط أيضًا هذه الفكرة مع فكرة الذبيحة، ويقول إن ’الكلمة اتَّخذ الجسد الذي أخذه قربانًا، كذبيحة غير دنسة بالموت، وهكذا أزال الموت من جميع أخوته بذبيحته النيابية‘ (تجسُّد الكلمة، فصل ٩). وبالتالي يُعد الدَّين مدفوعًا في المقام الأول للموت“.[131]

المطران كيرلس بسترس وآخرون

يرى المطران كيرلس سليم بسترس[132] وآخرون، في سياق شرحه لكتاب ”تجسد الكلمة“ للقديس أثناسيوس، أن هدف التجسُّد عند ق. أثناسيوس هو أن يعيد معرفة الله ويُبطِل الخطيئة ويُؤلِّه الإنسان، ويُوحِّده بالله بموهبة الروح القدس ويمنحه الخلود، فالتجسُّد يهدف إلى الفداء، وإعادة الإنسان إلى أصله، فالإنسان مخلوق على صورة الله كالتالي:

”لا نجد في هذا الكتاب أية إشارة إلى الآريوسية. فهو يرجع إلى سنة 318، وكان لأثناسيوس من العمر 23 سنة، ولم يكن بعد أمين سرّ أسقفه ألكسندروس. يتضمن الكتاب قسمين: القسم الأول هو دفاعٌ عن المسيحية بإزاء الوثنيين؛ يُثبِت فيه الكاتب صحة التوحيد الإلهيّ وبطلان عبادة الأصنام وتعدُّد الألهة. والقسم الثاني يُوضِّح الإيمان بالتجسُّد والهدف منه: فقد تجسَّد كلمة الله ليُعيد معرفة الله ويُبطِل الخطيئة، ويُؤلِّه الإنسان ويُوحِّده بالله بموهبة الروح القدس، ويمنحه الخلود. فالتجسُّد يهدف إلى الفداء. يتجسَّد الكلمة ليعيد الإنسان إلى أصله، فالإنسان مخلوقٌ على صورة الله“.[133]

ويتحدَّث المطران كيرلس بسترس وآخرون عن أن الفكرة الرئيسية في لاهوت الآباء اليونانيين عامةً ولاهوت ق. أثناسيوس خاصةً، هو أن كلمة الله تجسَّد لكي يُؤلِّه الإنسان، فالتجسُّد يهدف إلى الفداء والتألُّه، وهنا يربط بين الفداء والتألُّه في التعليم الخلاصيّ للقديس أثناسيوس كالتالي:

”إن لاهوته يُلخَّص في الجملة التالية التي تُعبِّر أيضًا عن الفكرة الرئيسية في لاهوت الآباء اليونانيين: ’تجسَّد كلمة الله ليُؤلِّه الإنسان‘ (ضد الآريوسيين 1: 39). فالتجسُّد يهدف إلى الفداء والتألُّه، وإذَا كان كلمة الله مخلوقًا، فكيف يمكنه أن يُؤلِّه الإنسان؟“.[134]

عبد المسيح اسطفانوس

يتحدَّث القس الدكتور عبد المسيح اسطفانوس[135] عن أن تأليه الإنسان هو محور تعليم الخلاص عند ق. أثناسيوس قائلاً:

”وجدير بالذكر أن أثناسيوس كان قد كتب كتابه ’تجسُّد الكلمة‘ قبل ظهور آريوس وتعاليمه، ولذلك لا نجد فيه مناقشة لآراء آريوس والرد عليها. كان اهتمام أثناسيوس بصفةٍ أساسيةٍ بموضوع الخلاص. ولذلك وجد أن الخلاص لو لم ينبع من الله نفسه لا يكون خلاصًا كاملاً، ولذلك اهتم كثيرًا بألوهية الابن ، واَعتبر أن التجسُّد أمرٌ أساسيّ تمامًا ليتحقَّق الخلاص. وكان هذا ما دفعه لمقاومة تعاليم آريوس. ومن المهم أن نتذكَّر أن اهتمام أغناطيوس وإيرينيؤس بموضوع الخلاص كما رأينا من قبل دفعهما إلى التنبير على ألوهية الربِّ يسوع، ولذلك فقد كانت هنالك خلفية لاهوتية وفكرية هامة موجودةٌ في الكنيسة قبل أثناسيوس. لم يكن اهتمام أثناسيوس أن يكون المسيح هو الله بمعنى أنه هو الله بشخصه، ولكنه أهتم بأن يُوضِّح أن المسيح والله جوهرٌ واحدٌ. ويُنبِّر أثناسيوس على الطبيعة الإنسانية الكاملة للمسيح والطبيعة الإلهية الكاملة ليتحقَّق الخلاص للإنسان. ويقول في هذا الشأن: ’ما كان يمكن للإنسان أن يأتي إلى حضرة الله ما لم يكن ذاك الذي تجسَّد هو بالطبيعة وحقيقةً اللوغوس الصادر منه. كما أنه ما كان يمكن أن نتحرَّر من الخطية ومن اللعنة ما لم يكن الجسد الذي اتَّخذه الكلمة جسدًا إنسانيًا حقيقيًا. إذ لا يمكن أن تكون هنالك شركةٌ بيننا وبين غريب عنَّا. ولذلك، فما كان يمكن للإنسان أن يتألَّه ما لم يكن الكلمة بالطبيعة من الآب وينتمي إليه فعلاً وحقيقةً‘ (ضد الآريوسيين 2: 70). فالآب هو الآب فعلاً لأنه أبو الابن. والابن لا يكون ابنًا سوى لأنه ابن الآب. فالآب والابن أزليان خالدان. ولذلك، فتجسُّد الكلمة [اللوغوس] يمنحنا الخلود. وهذا يُوضِّح لنا أن حديث أثناسيوس عن ’تألُّه‘ الإنسان كان يُقصَد به غالبًا تحقيق الخلود بالمشاركة في الطبيعة الإلهية“.[136]

ويستطرد الدكتور القس عبد المسيح اسطفانوس في التأكيد على أن الخلاص بتأليه الإنسان هو الفكر السائد في تعليم الآباء اليونانيين قائلاً:

”ومن المهم أن نُلاحِظ أن الفكر السائد عند الآباء اليونانيين هو أن الكلمة صار جسدًا لا ليُقدِّم مثالاً لمَّا يجب أن تكون عليه الإنسانية، ولا ليفي الدَّين الذي على الإنسان لله. ولكن لكي يغلب قوات الشرِّ التي أسرتنا، ولكي يفتح في نفس الوقت الطريق لنبلغ الطبيعة الإلهية [ثيؤسيس]. ومن المهم أن نُلاحِظ أن ’التألُّه‘ في فكر الكنيسة الشرقية لم يعن أبدًا أن البشر يتخطون الحدود الإنسانية. فحتى غريغوريوس النزينزيّ الذي كان يحلو له استخدام فكرة ’التألُّه‘، لم يكن يقصد بذلك أن الإنسان يصبح إلهًا مثل اللوغوس [ابن الله]، إلا أنه يبدو أنه كان يؤمن أن الهدف النهائيّ للخلاص والتجسُّد هو أن يصل المؤمنون إلى ’إنسانية‘ الرب يسوع“.[137]

 

 

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على البدلية العقابية في اللاهوت الغربي

نستعرض الآن أهم الانتقادات والاعتراضات الموجَّهة لنظرية ”الإبدال العقابيّ“ في شرح عمل المسيح على الصليب كالتالي:

(1) نجد في ملمح الغضب في سياق ”الإبدال العقابيّ“، تحويل أقانيم الثالوث إلى الآب الساحق والابن المسحوق، أو إلى الآب الغاضب والابن المغضوب عليه، الذي يُسكِّن غضب الآب ويُهدئ من غضبه، وهذا يُعتبر فصل بين أقنومي الآب والابن في جوهر الثالوث الواحد، وهذه هي الهرطقة الآريوسية عينها.

(2) لا نجد أيّ دور لأقنوم الروح القدس في عملية الترضية، والتعويض، والعقوبة، ودفع الثمن. تلك الأمور التي قدَّمها الابن للآب، ولا وجود ولا حضور جلي لأقنوم الروح القدس في تلك الأمور، مما يؤدي إلى التقليل من شأن أقنومية الروح القدس، وهذه هي الهرطقة الأفنومية والمقدونية.

(3) إخضاع الله لقوانين وشروط مُلزِمة له في عملية قبول الثمن والتعويض، وضرورة قبول الترضية لأجلنا. وحاشا لله أن يخضع لمثل هذه القوانين والشروط. فالله غير المحدود، وخالق الكل، وواضع النواميس، كيف يمكن إخضاعه لقوانين ونواميس؟ حاشا.

(4) تقديم صور مُشوَّهة وثنية صنمية عن الله تُظهِره أنه إله غاضب على البشر، ويكرههم، ويبغضهم بسبب خطاياهم، رغم أنه لا توجد مثل هذه المشاعر والأهواء في جوهر الله، فهل الغضب صفة من صفات الجوهر الإلهي؟ وتُظهِر ”البدلية العقابية“ الله إنه يحتاج مَنْ يُهدئه ويُسكِّن غضبه، ويجعله يعود يحب البشر مرةً أخرى بعدما أبغضهم بسبب خطاياهم!

(5) كيف يمكن نقل جميع ذنوب البشر إلى جسد المسيح، بالرغم من أنه القدوس بلا خطية، وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، بل بالحري أتَّخذ المسيح جسدًا مائتًا لكي يهبه الحياة الأبدية بحياته، وموته، وقيامته، وصعوده، وجلوسه عن يمين الآب، وليس بمُجرَّد حمل الخطايا في جسده الطاهر من الخطية ليُعاقَب بها في جسده لأجلنا كما يتحدَّث منظرو ”البدلية العقابية“.

(6) تلغي ”البدلية العقابية“ مفاعيل الأسرار الكنسية الخلاصية كالمعمودية، والميرون، والتناول، لأنه بحسب ”البدلية العقابية“ تم إيفاء الدَّين ودفع الثمن بموت المسيح، فما الحاجة لأن نموت مرةً أخرى، ونُدفَن، ونقوم في المعمودية، بعدما مات المسيح عنا مرةً واحدةً. ولماذا نُمارِس القداسات ونُكرِّر ذبيحة وصلب وعقاب المسيح مرات ومرات على المذابح، طالما تمَّ العقاب والترضية والإيفاء على الصليب، فلا حاجة لمثل هذه الطقوس في سياق نظرية ”البدلية العقابية“ ومفاهيمها وشروحاتها. البدلية العقابية باختصار تدحض وتلغي أسرار الكنيسة.

(7) تُشرِّع، وتُكرِّس، وتُحرِّض ”البدلية العقابية“ على العنف، والتعذيب، والعقاب، والتشفي، وإرضاء الذات، فطالما الله يُعاقِب ابنه لأجل البشر، ويُنزِل جام غضبه على الابن لأجلنا، ويُنزِل العقاب عليه لأجلنا، فهذا خير مُرشِد ودليل لنا لتقليد الله ومحاكاته بإنزال العنف والعقاب والغضب على أبنائنا أيضًا. صور مُشوَّهة، ووثنية، وعنيفة، عن الله الصالح مُحِب البشر.

(8) تُؤدِي البدلية العقابية إلى صراع الصفات داخل الجوهر الإلهيّ الواحد، ما بين محبته ورحمته، وعدله وقصاصه من البشر الخطاة العصاة، وهكذا تُحدِث ”البدلية العقابية“ انقسام وانفصام داخل الجوهر الإلهيّ بين صفتي العدل والرحمة، وإلى تقسيم الله إلى إله غاضب وقاسي ومُنتقِم وكاره، وإله مُحِب وصالح ورحيم ورؤوف، وهذه هي الهرطقة الغنوصية والمانوية عينها. وهذا لا يليق بالله، وحاشا أن يوجد داخل الجوهر الإلهيّ. بل تجعل البدلية العقابية من الآب هو العدل، والابن هو الرحمة، والروح القدس هو التقديس، ويؤدي هذا إلى انقسام داخل جوهر الثالوث القدوس.

(9) تُركِّز نظرية البدلية العقابية على موت المسيح، ولا تُعطِي أية أهمية لقيمة وتأثير قيامة المسيح، وهذا يُمثِّل عدم اكتمال في إدراكنا لموت المسيح على الصليب. حيث تسلط البدلية العقابية الضوء على موت المسيح على الصليب كأكبر حدث للخلاص، وهكذا يطغى على كل شيء آخر، فكل شيء تحقَّق بموت المسيح فقط دون غيره.

(10) ترى نظرية البدلية العقابية أن المشكلة في الله ونظرة الله للإنسان، لأن الفداء صار علاجًا لإرضاء كرامة الله المهدرة، وليس علاجًا للإنسان، رغم أن المشكلة هي مشكلة الإنسان في الأساس، والله يُساعِده في حل هذه المشكلة. فترضية الله نفسه ومحو الإهانة والتعدي عليه بالخطية، وبالتالي رد الكرامة إليه، ينفي المحبة الإلهية والجود الإلهيّ، لأنه صارت غاية الكفارة والفداء هي إرضاء الله ورد كرامته المجروحة والمعتدَى عليها من قِبَل الإنسان.

(11) لو مات المسيح لإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، وإنْ كان قضاء الموت على آدم هو قضاء أبديّ، فينبغي أن يبقى المسيح إلى الأبد في قبضة الموت، وهذا لم يحدث، بل المسيح وطئ الموت بالموت، وقضى على سلطانه إلى الأبد.

(12) تأليه الخطية، حيث ينسب المنادين بنظرية البدلية العقابية صفة عدم المحدودية الحصرية والخاصة بالله إلى الخطية، ويقولون إن خطية الإنسان غير محدودة، ونسوا أن الله فقط غير المحدود، وهكذا يجعلون من الخطية إلهًا ثانيًا.

(13) ينبغي أن يدفع الابن للآب الثمن أو الدَّين في سياق نظرية البدلية العقابية وإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، على الرغم من أن الآب لا يحتاج لمَّن يدفع له شيئًا، لأن الآب والابن والروح القدس جوهر واحد وطبيعة واحدة ومشيئة واحدة. كما أن الابن هو فوق الكل وغير قابل للمقايضة بالخطأة بحسب نظرية الإبدال العقابيّ.

(14) إهمال الجانب القانونيّ في شرح الفداء والكفارة لأهمية الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح من أجل تجديد الطبيعة البشرية وتحريرها من سلطان الفساد والموت، وذلك باتحاد الحياة بالطبيعة البشرية لإبادة الفساد والموت، كل هذا يغيب عن نظرية البدلية العقابية والجانب القضائيّ في شرح الفداء.

(15) تُصوِّر البدلية العقابية الابن أعظم من الآب الغاضب، لأن الابن يحتمل ويصبر على ما لا يستطيع الآب احتماله والصبر عليه، وهكذا يصبح الابن أكثر هدوءًا وثباتًا وقوةً من الآب، لأن الابن استطاع بقوته أن يحلَّ مشكلة الموت والخطية والعقوبة، التي عجز الآب عن حلها، حاشا!

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

[1] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 54: 3، ص 159.

[2] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 11: 42، ص 111.

[3] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون الأسقف، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 24، ص 87.

[4] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أدلفيوس : 4، ص 27.

[5] المرجع السابق، الرسالة إلى أبكتيتوس : 6، ص 41.

[6] أثناسيوس (قديس)، المقالات ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، ١: ١١: ٤٢، ص ١١٠، ١١١.

[7] المرجع السابق، ٣: ٢٧: ٣٨، ص ٣٤٣، ٣٤٤.

[8] المرجع السابق، ٣: ٢٨: ٤٨، ص ٣٥٨.

[9] Athanasius (St.), Select Works and Letters (Letter to Maximus the Philosopher), NPNF, Ser-II, Vol. IV, Trans. by A. T. Robertson, Edit. by P. Schaff & H. Wace, (New York: Christian Literature Co., 1892), p. 578-579.

[10] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 8: 4، ص 22.

[11] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[12] المرجع السابق، 1: 12: 52، ص 128.

[13] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل ق. أثناسيوس، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. صموئيل كامل، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الرسالة إلى أدلفيوس المعترف، الفصل ٦، ص ٢٩.

[14] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 37: 7، ص 106.

[15] المرجع السابق، 9: 2، ص 24.

[16] المرجع السابق، 16: 4، ص 46.

[17] المرجع السابق، 20: 2، ص 57.

[18] المرجع السابق، 25: 3، ص 71.

[19] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ١: ١١: ٤١، ص 109.

[20] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2008)، ٢٠: ٥، ص 58.

[21] المرجع السابق، 20: 5، ص 58.

[22] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[23] المرجع السابق، ١: ٤١، ص 109.

[24] المرجع السابق، ١: ٤٢، ص 111.

[25] المرجع السابق، ١: ٤٣، ص 112.

[26] المرجع السابق، ٣: ٢٩: ٥٦، ص 369.

[27] المرجع السابق، ٢: ٦٩، ص 260.

[28] المرجع السابق، ٣: ٢٣، ص 322.

[29] المرجع السابق، 1: 41، ص 109، 110.

[30] المرجع السابق، 1: 46، ص 118.

[31] المرجع السابق، 1: 47، ص 118، 119.

[32] المرجع السابق، 1: 47، 48، ص 120، 121.

[33] المرجع السابق، 2: 14: 10، ص 168.

[34] المرجع السابق، 2: 15: 14، ص 174، 175.

[35] المرجع السابق، 3: 27: 39، ص 345.

[36] المرجع السابق، 2: 21: 65، ص 254.

[37] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 17: 5-7، ص 49، 50.

[38] المرجع السابق، 43: 6، ص 126.

[39] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 13: 60، ص 143، 144.

[40] المرجع السابق، 2: 20: 55، ص 240، 241.

[41] المرجع السابق، 2: 20: 56، ص 241، 242.

[42] المرجع السابق، 2: 21: 61، ص 249.

[43] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس (الرسالة الأولى إلى سرابيون الأسقف)، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 6، ص 44، 45.

[44] المرجع السابق، 1: 20، ص 78، 79.

[45] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 44: 2، 4، ص 128، 129.

[46] Athanasius (St.), Select Works and Letters (on Luke 10: 22), NPNF, Ser-II, Vol. IV, Trans. by A. T. Robertson, Edit. by P. Schaff & H. Wace, (New York: Christian Literature Co., 1892), p. 87-90.

[47] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 3: 26: 31، ص 333، 334.

[48] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى سرابيون، الفصل 9، ص 19.

[49] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أدلفيوس، الفصل 4، ص 27.

[50] المرجع السابق، الفصل 8، ص 31، 32.

[51] المرجع السابق، الرسالة إلى أبكتيتوس، الفصل 4، 5، ص 39.

[52] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 8: 4، ص 22.

[53] المرجع السابق، 9: 1، ص 23، 24.

[54] المرجع السابق، 16: 4، 5، ص 46، 47.

[55] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أبكتيتوس، الفصل 6، ص 41، 42.

[56] المرجع السابق، الفصل 9، ص 45.

[57] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 13: 9، ص 38، 39.

[58] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون الأسقف، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الرسالة الأولى إلى سرابيون، 1: 9، ص 52، 53.

[59] أثناسيوس (قديس)، الدفاع عن الهروب، ترجمة: ريمون يوسف، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2011)، ص 32.

[60] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 22: 3، ص 64، 65.

[61] المرجع السابق، 25: 6، ص 73.

[62] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 2: 7، ص 45.

[63] المرجع السابق، 1: 11: 41، ص 109.

[64] المرجع السابق، 1: 11: 42، ص 111.

[65] المرجع السابق، 1: 12: 48، ص 122.

[66] المرجع السابق، 1: 13: 56، ص 136.

[67] المرجع السابق، 2: 19: 44، ص 224.

[68] المرجع السابق، 2: 22: 74، ص 269.

[69] المرجع السابق، 3: 25: 21، ص 319، 320.

[70] المرجع السابق، 1: 5: 15، ص 63.

[71] المرجع السابق، 1: 12: 50، ص 125، 126.

[72] المرجع السابق، 1: 11: 38، ص 105.

[73] مايكل باركر (قس، دكتور)، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، (القاهرة: دار الثقافة، 2019)، 183، 184.

[74] أليستر أي ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 162.

[75] المرجع السابق، ص 163.

[76] أنسلم الكانتربري (رئيس أساقفة)، لماذا تجسد الكلمة، ترجمة: القس إبراهيم سعيد، (القاهرة: دار الثقافة، 2021)، 1: 10، ص 35.

[77] المرجع السابق، 1: 11، ص 36.

[78] المرجع السابق، 1: 12، ص 39.

[79] المرجع السابق، 2: 15، ص 98.

[80] أليستر أي ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 192-194.

[81] نجد هنا تجسيد الصراع بين العدل والرحمة في جوهر الله.

[82] هذا هو تأليه الخطية، حيث وصف الخطية بالخطية غير المحدودة، وهو الشرح المعيب الذي يتبناه البعض في أيامنا هذه ويدافع عنه كما لو كان الأرثوذكسية، وهو في الحقيق شرح أنسلم الكانتربريّ في العصر الوسيط.

[83] فالتر كاسبر، يسوع المسيح، ترجمة: المطران يوحنا منصور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000)، ص 359- 361.

[84] للأسف هذا هو لاهوت المنادين بالبدلية العقابية في عصرنا، حيث يبدأون، مثل أنسلم ولاهوت العصر الوسيط،  بشرح تدبير الخلاص من مشكلة الخطيئة، ولا يبدأون من صلاح الله ومحبته للبشرية كدافع له من أجل التجسُّد والاتحاد بالبشرية، فهم يرون أن الخطية هي الدافع الأساسيّ والوحيد لتجسُّد الكلمة، وهذا عكس تعليم تدبير الخلاص عند الآباء اليونانيين الشرقيين، الذين يبدأون من صلاح الله ومحبته للبشرية ورغبته في الاتحاد بها.

[85] Anselm of Canterbury, Cur Deus Homo, 1: 2.

[86] Ibid, 1: 20.

[87] Ibid, 2: 6.

[88] چوناثان هيل، تاريخ الفكر المسيحي، ترجمة: سليم إسكندر ومايكل رأفت، (القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2012)، ص 144-147.

[89] لاهوتي أرثوذكسيّ، حرصنا أن نورد رأيه لأنه يشرح تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة علمية، وذلك للتأكيد على أنه لا يوجد شيء اسمه بدلية عقابية في التعليم الخلاصيّ للقديس أثناسيوس.

[90] نورمان راسل، عقيدة التأله في التقليد الآبائي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: مركز إبيفانيا للنشر والتوزيع، 2019)، ص 225.

[91] بروفيسور بروتستانتي مشيخيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بتجرُّد وحيادية وموضوعية بعيدًا عن انتماءاته الطائفية.

[92] يرتبط هذا المفهوم مع مفهوم المسيح المنتصر، حيث رأت نظرية الفدية موت المسيح كفدية مدفوعة لتحرير البشرية. حيث دُفِعَت، في عيون أوريجينوس، والعديد من الآباء اللاتين، الفدية للشيطان الذي أسر البشرية بسبب الخطية.

[93] النظرية هي أن المسيح قاسى العقوبة في موته من أجل كسرنا للناموس، ومات كبديل بدلاً عنا (العقابية، تتضمن العقوبة، أو العقاب القانوني، من الكلمة اللاتينية poena، عقاب، جزاء، بدلية).

[94] Thomas F. Torrance, Atonement, Edit. by Robert T. Walker, (USA: IVP Academics press, 2009), p. 56-58.

[95] Ibid, p. 72.

[96] Thomas F. Torrance, Divine Meaning: Studies in Patristic Hermeneutics, (Edinburgh: T&T Clark, 1995), p. 193.

[97] لاهوتي كاثوليكي ينتمي لكنيسة الروم الكاثوليك، يشرح بكل حيادية وأمانة مفهوم تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس.

[98] Khaled Anatolios, The soteriological significance of Christ’s humanity in St. Athanasius, (New York: St. Vladimir’s theological quarterly, vol. 40, 1996), pp. 265-286.

[99] J. Roldanus, Le Christ et l’homme dans la theologie d’Athanase d’Alexandrie, (Leiden: Brill, 1968), p. 164.

[100] بروفيسور بروتستاني كالفيني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بكل حيادية وأمانة علمية لاهوتية حتى لو عكس معتقدات طائفته.

[101] Louis Berkhof, The History of the Christian Doctrines, (Michigan, 1949), the doctrine of the atonement or the work of Christ, p. 125-129.

[102] Ibid.

[103] بروفيسور بروتستانتيّ مشيخيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بحيادية تامة موضوع الكفارة والفداء، حتى لو عكس معتقدات طائفته.

[104] R. S. Holmes, T & T Clark Companion to Atonement, Edit. by Andrews J. Johnson, (BLOOMSBURY: T & T CLARK, 2017), p. 306, 307.

[105] بروفيسور بروتستانتيّ مشيخي يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بكل أمانة وحيادية وموضوعية تدبير الخلاص والفداء بعيدًا عن الانتماءات والمعتقدات العقائدية لطائفته.

[106] J. N. D., Kelly, Early Christian doctrines, (London: Adam & Charles Black, 1968), 4th edit., p. 380.

[107] بروفيسور بروتستانتي إنجليكانيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص والفداء بكل حيادية وأمانة علمية وأكاديمية بعيدًا عن معتقداته الطائفية.

[108] L. W. Grensted, A short History of The Doctrine of Atonement, (London & New York: Manchester University Press, 1920), p. 380.

[109] بروفيسور بروتستانتي إنجليكاني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بكل أمانة وحيادية وموضوعية بعيدًا عن انتماءاته الطائفية والعقائدية.

[110] Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in Christian Theology, (London: MACMILLAN & CO., 1919), Lect. 4, p. 296.

[111] باحث لاهوتيّ بروتستانتي يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بكل أمانة وتجرُّد تدبير الخلاص والفداء حتى لو كان يُخالِف انتماءاته العقائدية.

[112] چوناثان هيل، تاريخ الفكر المسيحي، ترجمة: سليم إسكندر ومايكل رأفت، (القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2012)، ص 71.

[113] بروفيسور بروتستانتي إنجليكاني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يعرض بكل أمانة وحيادية وتجرُّد تدبير الخلاص والفداء حتى لو كان يتعارض مع انتماءاته العقائدية.

[114] أليستر أي. ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 82، 83.

[115] مطران روميّ أرثوذكسيّ، تحول من البروتستانية إلى الأرثوذكسية، لا يؤمن بالبدلية العقابية، ولكننا حرصنا على تسجيل شهادته في موضوع تدبير الخلاص، لكي نضع أمام القارئ العزيز رؤية كاملة وشاملة وموضوعية ومحايدة من كافة الطوائف المسيحية، لكي يتأكَّد أن هدف البحث هو موضع إجماع أكاديميّ عالميّ من كافة الطوائف، حيث يؤكدون جميعًا أنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم آباء الشرق عامةً، وق. أثناسيوس خاصةً.

[116] كاليستوس وير (مطران)، الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعقيدة، (منشورات النور، ١٩٨٢)، ص 50.

[117] المرجع السابق، ص 53.

[118] باحث روميّ أرثوذكسيّ، لا يؤمن بالبدلية العقابية، حرصنا على أن نعرض رأيه لنوضح إجماع الطوائف المسيحية سواء أرثوذكسية وكاثوليكية أو بروتستانية على أنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم ق. أثناسيوس.

[119] فلاديمير لوسكي، بحث في اللاهوت الصوفي لكنيسة الشرق، ترجمة: نقولا أبو مراد، مراجعة: رهبنة دير القديس جاورجيوس – دير الحرف، (لبنان: منشورات النور، 2000)، ص 149، 150.

[120] لاهوتي روميّ أرثوذكسيّ أكاديميّ معروف، لا يؤمن بالبدلية العقابية، حرصنا أن نأتي برأيه لنؤكد على الإجماع الأكاديميّ بأنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم آباء الشرق عامةً، وق. أثناسيوس خاصةً.

[121] چورچ فلورفسكي (أب)، التجسد والفداء (موضوعات لاهوتية)، ترجمة: د. جرجس كامل يوسف، (القاهرة: دار جذور للنشر والتوزيع، 2016)، المقالة اللاهوتية التاسعة، ص 103، 104.

[122] لاهوتي وكادرينال كاثوليكيّ شهير، ورئيس لجنة السعي نحو الوحدة المسيحية، وهو كاردينال على مدينة روتنبرج بألمانيا، ولقد حرصنا على أن نعرض رأيه لأنه يشرح تدبير الخلاص بحسب ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة بعيدًا عن معتقداته وانتماءاته الطائفية.

[123] فالتر كاسبر، يسوع المسيح، ترجمة: المطران يوحنا منصور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000)، ص 294.

[124] عالم آبائيات كاثوليكي وأستاذ الأدب الكلاسيكي القديم، وهو يؤمن بنظريات الترضية والإبدال العقابي، ولكنه عندما يشرح تعليم ق. أثناسيوس يشرح التعليم بكل أمانة وحيادية وتجرُّد من انتماءاته ونزعاته الطائفية.

[125] چوهانس كواستن، علم الآبائيات ”باترولوچيا“، مج3، ترجمة: الراهب غريغوريوس البرموسي ود. نادر مدحت، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2021)، ص 92-94.

[126] لاهوتية بروتستانية إنجليكانية تؤمن بالبدلية العقابية، ولكنها تنتقد نظرية أنسلم عن الترضية وإيفاء الدَّين بكل أمانة علمية وحيادية، حتى لو كان ذلك عكس قناعاتها الطائفية واللاهوتية.

[127] Katherine Sanderegger, T&T Clark Companion to Atonement (Anselmanian Atonement), Edit. by Adam J. Johnson, (London & New York: Bloomsbury, 2017), p. 177.

[128] لاهوتي كاثوليكي، نورد رأيه الأكاديمي المحايد حول مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس.

[129] Thomas G. Weinandy, T&T Clark Companion to Atonement (Athanasius’s Incarnational Soteriology), Edit. by Adam J. Johnson, (London & New York: Bloomsbury, 2017), p. 142.

[130] لاهوتي بروتستانتي لوثري، يؤمن بالبدلية العقابية، وهو أسقف سترنجراس بالسويد، حرصنا على أن نأتي برأيه المحايد حول مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس.

[131] Gustaf Aulén, Christus Victor: An Historical Study of The Three Main Types of The Idea of Atonement, Trans. by A. G. Hebert, (London: S. P. C. K, 1975), p. 56.

[132] مطران روم كاثوليك يؤمن بالمعتقدات الكاثوليكية حول الكفارة والفداء، ولكنه عندما يشرح تدبير الخلاص في لاهوت ق. أثناسيوس، يشرحه بأمانة وتجرُّد وحيادية.

[133] كيرلس سليم بسترس وآخرون، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2001)، ص 461.

[134] المرجع السابق، ص 466.

[135] قس بروتستانتي مشيخي، يؤمن بالبدلية العقابية، كان أستاذ اللاهوت في الكلية الإنجيلية بالقاهرة، ورئيس السنودس الإنجيلي مرتين، ولكنه رغم انتماءاته الطائفية والعقائدية، إلا أنه يشرح تدبير الخلاص كما جاء في تعليم ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة لاهوتية وأكاديمية بعيدًا عن معتقداته الطائفية.

[136] عبد المسيح اسطفانوس (قس، دكتور)، تاريخ الفكر المسيحي في القرون الأولى، (القاهرة، 2012)، ص 173، 174.

[137] المرجع السابق، ص 203.

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

Exit mobile version