مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – فبراير 2023م

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفهرست

معنى مصطلح ”مونارخية“. 1

مفهوم ”مونارخية الآب“. 1

لمحة سريعة عن مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة الجامعة. 2

مونارخية الآب عند الآباء الإسكندريين. 2

مونارخية الآب عند آباء فلسطين. 5

مونارخية الآب عند الآباء الأنطاكيين. 6

مونارخية الآب عند آباء آسيا الصغرى.. 7

مونارخية الآب في الكنيسة الغربية. 9

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية الحديثة والمعاصرة 13

المطران كاليستوس وير. 13

مونارخية الآب بحسب التعليم الكبادوكي. 13

بول أفدوكيموف.. 14

مونارخية الآب في تعليم الآباء الكبادوك. 14

المطران إيريثيؤس فلاخوس… 15

المفهوم الأرثوذكسي لمونارخية الآب.. 15

جورج فلوروفسكي. 16

مونارخية الآب في تعليم ق. باسيليوس الكبير. 16

مونارخية الآب في تعليم ق. غريغوريوس اللاهوتي. 16

أندرو لاوث.. 17

وحدة الألوهة في أقنوم الآب.. 17

مونارخية الآب في تعليم مجمع نيقية 325. 18

جون رومانيدس… 18

مونارخية الآب بحسب تعليم آباء الكنيسة. 18

جون ماكجوين. 19

مونارخية الآب في تعليم ق. غريغوريوس اللاهوتي. 19

فلاديمير لوسكي. 20

مونارخية الآب في تعليم الآباء اليونانيين. 20

جان كلود لارشيه. 21

مونارخية الآب في التعليم الأرثوذكسي الشرقي. 21

يوحنا زيزيولاس… 22

مونارخية الآب في تعليم الآباء اليونانيين. 22

الآب هو العلة الأنطولوچية. 23

مونارخية الآب في اللاهوت الشرقي. 24

الشماس اسبيرو جبور. 25

مفهوم مونارخية الآب في الثالوث.. 25

فالتر كاسبر. 25

مونارخية الآب في صيغ الاعتراف القديمة والليتورجية القديمة في الكنيسة. 26

مونارخية الآب عند يوستينوس وإيرينيؤس وترتليانوس.. 26

مونارخية الآب عند العلامة أوريجينوس والأب يوحنا الدمشقي. 27

مونارخية الآب عند العلامة ترتليان الأفريقي. 27

مونارخية الآب عند ق. ديونيسيوس الإسكندري.. 28

مونارخية الآب في مجمع نيقية المسكوني ٣٢٥. 29

مونارخية الآب عند الآباء الكبادوك. 29

جيوفري ويليام لامب.. 31

مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة الجامعة. 31

أليستر ماجراث.. 31

مونارخية الآب في اللاهوت الشرقي. 31

مونارخية الآب بحسب الآباء الكبادوك. 32

مونارخية الآب في تعليم الآباء الشرقيين اليونانيين. 33

مونارخية الآب وجدل الفيليوكوي.. 33

ديفيد برنارد 34

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك. 34

هنري شيلدون. 35

مونارخية الآباء في تعاليم آباء الكنيسة. 35

كارل ردولف هاجينبك. 36

مونارخية الآب في التعليم النيقاوي.. 36

جوزيف تكسرون. 36

وحدة الألوهة في أقنوم الآب عند ق. أثناسيوس.. 36

مونارخية الآب في تعليم الآباء الكباوك. 37

لويس بيركهوف.. 38

الفرق بين مونارخية الجوهر ومونارخية الآب.. 38

جستو جونذاليز. 39

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك. 39

جيمس فرانكلين بيثون بيكر. 42

الآب الينبوع عند ق. أثناسيوس.. 42

مونارخية الآب عند ق. غريغوريوس النيسي. 42

رينهولد سيبرج. 44

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك. 44

كارل رانر. 46

وحدة الألوهة في أقنوم الآب.. 46

شرح الثالوث بين الشرق والغرب.. 47

سر مونارخية الآب ووحدة السمو الإلهي. 48

جوهانس كواستن. 48

الآب هو الينبوع والمصدر عند ق. أثناسيوس.. 48

مونارخية الآب في الدراسات القبطية الحديثة. 50

جورج عوض إبراهيم. 50

مونارخية الآب عند ق. كيرلس الإسكندري.. 50

المفهوم الأرثوذكسي لمونارخية الآب.. 51

سعيد حكيم يعقوب.. 52

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك. 52

مونارخية الآب في تعليم الآباء الشرقيين. 52

 

 

معنى مصطلح ”مونارخية“

مصطلح ”مونارخية“ هو مصطلح يونانيّ يتكوَّن من مقطعين هما: مونو μονο وهي كلمة يونانية معناها واحد وحيد، و άρχή وهي كلمة يونانية معناها رأس، أو أصل، أو بداية، أو مصدر.

مفهوم ”مونارخية الآب“

مفهوم ”مونارخية الآب“ كما شرحه آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا هو أن أقنوم الآب هو الرأس، أو الأصل، أو العلة، أو الينبوع، أو المصدر الوحيد لأقنومي الابن والروح القدس في الثالوث القدوس. وهكذا يُؤكِّد آباء الكنيسة على ولادة الابن من الآب كرأس ومصدر قبل كل الدهور أزليًا وبلا بداية زمنية، كما يُؤكِّدون على انبثاق الروح القدس من الآب فقط كأصل ومصدر قبل كل الدهور أزليًا وبلا بداية زمنية.

 

 

لمحة سريعة عن مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة الجامعة

سوف نستعرض بإيجازٍ شديد عقيدة ”مونارخية الآب“ في كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، لنُؤكِّد على أن هذه العقيدة هي عقيدة راسخة ومتغلغلة في فكر ووجدان الكنيسة الأولى منذ نشأتها وإلى الآن.

مونارخية الآب عند الآباء الإسكندريين

يُشِير العلامة كليمندس الإسكندريّ إلى ”مونارخية الآب“ في الثالوث، حيث يرى أن الآب هو علة كل شيء جيد، وأنه ملك الكل، وأن الابن هو الثاني، وكل شيء به كان بحسب إرادة الآب، والروح القدس هو الثالث، وكل شيء به كان وفقًا لإرادة الآب قائلاً: ”حتى أنه عندما يقول: ’حول [الآب] ملك الكل، كل شيء يوجد، وبسببه كل شيء. وهو علة كل الأشياء الجيدة. وحول الثاني الأشياء الثانية في الترتيب، وحول الثالث الثالثة‘. فإنني لا أفهم شيئًا آخر سوى أن المقصود هو الثالوث القدوس، لأن الثاني هو الابن الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب، والثالث الروح القدس، الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب“.[1] ويشير العلامة أوريجينوس الإسكندريّ إلى ”مونارخية الآب“ في الثالوث، مُؤكِّدًا على أن الآب هو بداية الابن في الأزلية، وذلك في سياق تفسيره لآية (يو 1: 1) ”في البدء كان الكلمة“ كالتالي: ”يمكن للمرء أن يفترض بالاستناد على نقطة أن الله نفسه هو بداية كافة الأشياء، أن الآب هو بداية الابن. وهكذا إن الفساد هو بداية أعمال السخط، فبكلمةٍ واحدةٍ، [الله] هو بمثابة البداية لكل ما هو موجودٌ. هذا الرأي مدعوم من قبلنا (في القول المقدَّس) ’في البدء كان الكلمة‘. ففي لفظة (الكلمة) يمكن للمرء أن يرى الابن، ولأن (الابن) كان في الآب، فمن هنا يمكن بالمثل أن يُقَال أنه، أي الابن، كان أيضًا في البدء [الآب]“.[2] يُشِير ق. ديونيسيوس الإسكندريّ في إشارة واضحة إلى ”مونارخية الآب“ في الثالوث القدوس، حيث يُؤكِّد على وحدة مشيئة الآب والابن في تدبير الآلام الخلاصية، وهكذا يُكرِّم الابن الآب كرأسٍ له قائلاً: ”قطعًا ويقينًا إن إرادة الابن ليست شيئًا آخر غير إرادة الآب، لأنَّ مَن يريد ما يريده الآب تكون له نفس مشيئة الآب. هذا بشكلٍ هندسيّ، لذلك فعندما يقول: ’لا إرادتي بل إرادتك‘، فليس معناها أنه يرغب أن تنزاح عنه الكأس، بل إنه يشير إلى أن إرادة الآب هي في أن يتألم، وهكذا يُكرِّم الآب كرأسٍ άρχήν، لأنه إذَا لقَّب الآباء إرادة شخص بأنها مُجرَّد رأي [أو علامة رمزية أو شكلية]، وإنْ كانت مثل هذه الإرادة ترتبط بما هو خفيّ وله غاية كامنة، فكيف يقول البعض إن الربَّ الذي هو فوق كل هذه الأشياء له إرادة شكلية؟ إن هذا واردٌ فقط إذَا كان لدينا خلَّل في الفكر“.[3]

يُوضِّح العلامة الإسكندريّ ديديموس الضرير، في سياق تأكيده على ”مونارخية الآب“ في الثالوث، أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج الابن أو المخلِّص نفسه من الله، ويشير إلى أن الروح القدس يُقَال عنه أنه ’ينبثق من عند الآب‘ (يو 15: 26)، وذلك وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة، أي المصدرية. وبالرغم من أن المسيح قال إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه خاصية الانبثاق عند حديثه عن علاقته بالآب، لأن خاصية الانبثاق هي خاصة بالروح القدس فقط كالتالي: ”فعلينا أن ندرك أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج المخلِّص نفسه من الله، وهو ما شهد له [المخلِّص] بقوله: ’لأني خرجت من قِبَل الله وأتيت‘ (يو 8: 42) […] وهكذا فعلينا أن نُؤمن بالإقرارات التالية التي استخدمت كلمات لا يُنطَق بها وهي مُدرَكة بالإيمان وحده عن أن المخلِّص ’خرج من عند الآب‘ (يو 8: 42)، و ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26)، والآب نفسه الذي قال: ’الروح الذي يخرج مني‘ (إش 57: 16 سبعينية). وبالحقيقة قد قيل حسنًا بالنص: ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26). وكان من الممكن أن يقول: ’من الله‘، أو ’من الربّ‘، أو ’من ضابط الكل‘، ولكنه لم يستعمل أيًا من هذه. بل عوضًا قال: ’من الآب‘، وهذا مردَّه لا لأن الآب مُختلِف عن الله ضابط الكل – فإن مُجرَّد التفكير في هذا يُعدّ جرمًا – بل بالحري أن روح الحق يُقَال عنه ’ينبثق من الآب‘ (يو 15: 26)، وفق خاصة الآب المتفرِدة، ووفق مفهوم الأبوة. وبالرغم من أن المسيح قال في مواقفٍ عديدةٍ إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه المزيَّة [أي الخاصية الأقنومية] التي ناقشناها لتونا [أي الانبثاق]، عند حديثه عن علاقته بالآب، بل عندما يتحدَّث عنها يقول: ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وفي موضع آخر: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30). والقارئ الحصيف سيجد في الإنجيل فقرات أخرى عديدة مُشابهة لهذه“.[4]

يصف ق. أثناسيوس الإسكندريّ الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس، مُميِّزًا بينه وبين أقنومي الكلمة والروح القدس كالتالي: ”وهكذا يُكرَز بإلهٍ واحدٍ في الكنيسة: ’الذي على الكل وبالكل وفي الكل‘ (أف 4: 6). ’على الكل‘ أي كأب وكبدءٍ وكينبوع، و ’بالكل‘ أي بالكلمة، و ’في الكل‘ أي في الروح القدس. هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام، بل بالحق والوجود الفعليّ“.[5]

يشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى ”مونارخية الآب“ في الثالوث، وذلك في سياق رده على إدعاء الآريوسيين الهراطقة بأن الآب هو علة وجود الابن المخلوق، مُؤكِّدًا على أن الآب هو علة وجود الابن كوالدٍ بحسب الطبيعة، وليس كخالق، قائلاً: ”بأية طريقة، يا مُحارِبي المسيح، تزعمون أن الآب صار علة وجود الابن؟ حسنًا. إذَا كُنتم تظنون أنه مخلوق، فإنه عندئذٍ يكون مخلوقًا وليس ابنًا، مُحارِبين بوضوحٍ الآب الذي يقول للذي ولده: ’ولدتك من بطني قبل يوسيفوروس [كوكب الصبح]“ (مز 109: 3 سبعينية). أمَّا لو اعترفتم بأنه – حقًا – هو الابن وآمنتم بأنه هكذا يكون، عندئذٍ يتحتم عليكم ألا تقولوا إن الآب علة الابن كخالق، بل كوالدٍ بحسب الطبيعة. ولن يُعِيقكم عن ذلك شيءٌ؛ لأن الذي يأتي من آخر بحسب الطبيعة، يتحتم أن يكون من نفس جوهره، حتى لو كان ذاك هو علة وجوده“.[6]

مونارخية الآب عند آباء فلسطين

يرى ق. كيرلس الأورشليميّ في تأكيده على ”مونارخية الآب“ أن الآب هو رأس الابن، وأن الابن ليس له مبدآن، بل له مبدأ وحيد هو الآب قائلاً: ”ولكن كما أن الآب أزليّ، فقد ولده منذ الأزل، وبكيفية لا تُوصَف، ابنًا وحيدًا ليس له أخوة. وكذلك ليس له مبدآن، ولكن رأس الابن هو الآب، المبدأ الوحيد (1كو 11: 3). لأن الآب ولد ابنه، وهو إلهٌ حق، يُدعَى عمانوئيل (إش 7: 14) الذي تفسيره: الله معنا (مت 1: 23)“.[7] ويُوضِّح ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص أن قول المسيح عن الآب أنه ”الإله الحقيقيّ وحده“، فإنه يقودنا إلى وحدة الرأس أو المبدأ، أي ”مونارخية الآب“، قائلاً: ”لذا ففي قوله ’الإله الحقيقيّ وحدك‘، قد قادنا إلى ’وحدة الرأس/المبدأ‘، لكي لا نكون ’خاضعين تحت أركان العالم‘ (غلا 4: 3) فيما بعد، […] إذًا، فإن الآب هو الله الواحد والإله الحقيقيّ وحده، والابن الوحيد هو الله. لذا فهو ليس غريبًا عن الله وعن الوحدة. لكن بما أن الابن من الآب، لذا فهو الإله الحقيقيّ وحده. […] لكنه الإله الحقيقيّ وحده، لأن الابن الوحيد هو وحده من الوحيد، والروح القدس وحده [من الوحيد]. فإنه هناك ثالوث في وحدة، وإله واحد، آب وابن وروح قدس“.[8]

مونارخية الآب عند الآباء الأنطاكيين

يُؤكِّد ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ على ”مونارخية الآب“ في الثالوث، مُشِيرًا إلى أن الآب هو مصدر كل شيء قائلاً: ”وإذَا دعوته الآب، فأنا أتحدَّث عنه كمصدر كل شيء“.[9] يتحدَّث ق. يوحنا ذهبي الفم عن وحدة المبدأ الأبويّ في الثالوث، أو مونارخية الآب في الثالوث، وينفي فكرة وجود علتين أو أصلين في الثالوث، حيث يقول كالتالي: ”وإنْ كان لشخص ما أن يسأل: لماذا لم يذكر العلة الأولى [أي الآب]، بل هو يحدَّثنا في الحال عن العلة الثانية [أي الابن]؟ إننا نستعفي من الحديث عن العلة الأولى والثانية، لأن الألوهة فائقة على الأعداد الحسابية وتتابُّع الزمن. لذا تحاشينا استعمال هذه التعابير، ونُؤكِّد على أن الآب غير مولود، والابن مولود من الآب […] إنه يعلم أن البشر يُكرِّمون جدًا العلة الأولى [أي الآب] وأنه ليس له بداية واعتبروه الله“.[10]

يُشِير ق. ساويروس الأنطاكيّ إلى ”مونارخية الآب“، مُؤكِّدًا على أن الآب هو جذر ومصدر الابن والروح القدس قائلاً: ”وهذا يُوضِّح أننا بدورنا نؤمن بإلهٍ واحدٍ وفي جوهر [أوسيا] واحد، وهو موجود ويُعرَف في ثلاثة أقانيم. إذ إن الابن قد وُلِدَ من الآب، والروح مُنبثِق من الآب، بالرغم من أن ذلك منذ الأزل وبغير زمن، وأن رجوعهما هو إليه كما إلى جذر ومصدر، وأنهما منه، إلا أنهما ليسا بعده. ولهذا السبب، بينما نعترف بثلاثة أقانيم، لا نُؤمن بثلاثة أسباب [علل] أولية، ولكن بسبب [بعلة] أوليّ واحد، وملك واحد“.[11]

مونارخية الآب عند آباء آسيا الصغرى

يُشِير ق. غريغوريوس العجائبيّ، أسقف قيصرية الجديدة بآسيا الصغرى (تركيا حاليًا)، إلى ”مونارخية الآب“ في الثالوث، حيث يرى أن الآب هو العلة الأولى الصانعة لجميع الأشياء بواسطة الابن قائلاً: ”أمَّا من جهتنا نحن البشر، فوسيلتنا الوحيدة لإظهار العرفان بالجميل والورع، تجاه كل الخيرات التي نتلقاها من الآب، لن تكون إلا بواسطة الابن الذي من خلاله، نُقدِّم عرفان الجميل بحسب إمكانيتنا مُعترِفين أن السبيل الوحيد لإظهار التقوى إنما يكمن بالتذكُّر الدائم للعلة الأولى الصانعة جميع الأشياء بواسطة الابن“.[12] يتحدَّث ق. باسيليوس الكبير بوضوحٍ عن ”مونارخية الآب“، مُشِيرًا إلى أن الآب هو العلة والمصدر في الثالوث القدوس قائلاً: ”لأنه كما أن الابن بحسب الترتيب، هو الثاني في علاقته بالآب، لأنه آتى منه، وبحسب رتبة البنوة، هو الثاني، لأن الآب هو المصدر والعلة، طالما أنه أبو الابن، ولأنه عن طريقه، قد آتى الابن وعاد إلى الله الآب، لكنه بحسب الطبيعة، ليس ثانٍ، لأن الألوهية واحدة في كليهما“.[13]

يُؤكِّد ق. غريغوريوس اللاهوتيّ على ”مونارخية الآب“، وذلك في سياق شرحه لموضوع العلة في الثالوث القدوس، وتشديده على أن الآب هو مبدأ وعلة الألوهة للابن والروح القدس أزليًا، أي من دون سابق زمنيّ في الثالوث. حيث إن مفهوم العلية كما جاء في الفلسفات اليونانية وبالأخص الفلسفة الأرسطية، مبني على وجود فاصل زمنيّ بين العلة الأولى، أي الله، وبين الخليقة المعلولة له، ولكن لا ينطبق هذا المفهوم على الحال في الثالوث، لأنه في الأزلية خارج الزمن لا يوجد سابق ولاحق، بل العلة في اللازمكان، علة مُختلِفة تمامًا عن العلة في الزمكان كالتالي: ”فكيف لا يكونان مع الآب بدون مبدأ إذَّا كانا معه أزليين؟ فما لا مبدأ له أزليّ، ولكن ما هو أزليّ ليس بالضرورة بلا مبدأ، ما دام ذلك يتعلق بالآب الذي هو المبدأ. فليسا بلا مبدأ من حيث العلة، ولكنه من الظاهر أن هذه العلة لا تسبق مَنْ كانا معلولين لها مثلما لا تكون الشمس سابقة لنورها. فهما بدون مبدأ من حيث الزمن. بالرغم من فزَّاعتك التي تعمل بها على ترويع السذج، إذ لا يخضع للزمن مَنْ يصدر عنهم الزمن“.[14]

يُشدِّد ق. غريغوريوس النيسيّ على ”مونارخية الآب“ في الثالوث قائلاً: ”بالنسبة للثالوث القدوس لا ينطبق هذا: أن الأقنوم الواحد نفسه هو بالتحديد: أقنوم الآب، الذي يُولَد الابن منه، والذي ينبثق الروح القدس منه [قارن يو15: 26]. ولذلك ندعوه بحزمٍ دون ارتياب الأصل مع مَنْ يصدر منه الإله الواحد، لأن له نفس الوجود معهما. فأقانيم الألوهية غير مُنفصِلين عن بعضهم البعض في الزمان، ولا في المكان، ولا في الإرادة، ولا في العمل، ولا في الطاقات، ولا في شيء مما يحدث منهم، ولا في هذه الأمور التي توجد عند البشر؛ إلا في واحدة فقط، أن الآب آب وليس ابنًا، والابن ابن وليس آبًا، وبالمثل فإن الروح القدس ليس الآب ولا الابن. ولذلك لا نُضلِّل أنفسنا بأيّ استنتاج منطقيّ لندعو الأقانيم الثلاثة ثلاثة آلهة“.[15]

مونارخية الآب في الكنيسة الغربية

يُؤكِّد ق. إيرينيؤس – أسقف ليون بفرنسا، والملقَّب بـ ”أبي التقليد الكنسيّ“، والذي كان تلميذًا للقديس بوليكاربوس أسقف سميرنا (حاليًا أزمير بتركيا)، والذي كان بدوره تلميذًا للقديس يوحنا الرسول – على أن الآب هو رأس المسيح في سياق تأكيده على ”مونارخية الآب“ في الثالوث قائلاً: ”وهكذا يُعلِن إله واحد، الله الآب، الذي فوق الكل، وخلال الكل، وفي الكل. فالآب هو حقًا فوق الكل، وهو رأس المسيح، أمَّا الكلمة فهو خلال كل الأشياء، وهو نفسه رأس الكنيسة، بينما الروح هو فينا جميعًا، وهو الماء الحيّ (يو 7: 39)، الذي يمنحه الربُّ للمؤمنين به بإستقامةٍ ويحبونه، والذين يعرفون أنه يوجد آب واحد الذي ’على الكل، وبالكل، وفينا كُلنا‘ (أف 4: 6)“.[16]

يُشِير العلامة ترتليان الأفريقيّ إلى ”مونارخية الآب“، مُؤكِّدًا على أن كلمة مونارخية لا تعني أي شيء آخر سوى مبدأ الشخص الواحد المفرد، ولكن لا تمنع هذه المونارخية من أن يكون لهذا الشخص ابنًا في إشارة واضحة إلى شخص الآب كرأس ومبدأ واحد في الثالوث قائلاً: ”فأنا مُتأكِّد أن كلمة مونارخية ليس لها معنى آخر سوى مبدأ الشخص الواحد المفرد، لكن رغم هذا، إن هذه المونارخية ولأنها تعني رئاسة شخص، لا تمنع هذا الشخص الذي له [المونارخية] من أن يكون له ابنٌ، أو أن يجعل لنفسه ابنًا، أو أن يُدبِّر مونارخيته [رئاسته] الخاصة من خلال مَن يريد. بل بالأكثر، فأنا أؤكد أنه لا توجد مونارخية لواحدٍ وحيد، فهل سيكون رأسًا لنفسه مُنعزِلاً لهذا الحدّ؟ فهل تكون هذه مونارخية، تلك التي لا تُدبَّر من خلال أشخاص آخرين مُقرَّبين إليها؟ ولكن إذَا كان هناك ابن لصاحب المونارخية [الرئاسة]، فإن هذا لا يجعله منقسمًا، ولا تتوقف مونارخيته، حتى لو افترضنا أن الابن شريكٌ فيها، فهي ستبقى دائمًا لهذا الذي تنتقل منه إلى الابن، وطالما كانت له، فستبقى دائمًا مونارخية هي التي تُقَام بالاثنين، وتجعلهما مُتَّحِدين معًا“.[17]

ويُؤكِّد نوفاتيان الأفريقيّ على ”مونارخية الآب“، حيث يشير إلى أن الابن يُقدِّم نفسه للآب مُطِيعًا في كل شيء، برغم من أنه هو الله أيضًا، إلا أنه بإطاعته يُظهِر أن الآب الذي يستمد منه أصله هو الله الواحد قائلاً: ”وبينما يُقدِّم [الابن] نفسه إلى الآب مُطِيعًا في كل شيء، برغم من أنه هو الله أيضًا، إلا أنه بإطاعته يُظهِر أن الآب الذي يستمد منه أصله هو الله الواحد. ونتيجةً لذلك، لا يستطيع [الابن] أبدًا أن يُشكِّل إلهًا ثانيًا؛ لأنه لا يُشكِّل أصلاً ثانيًا، بقدر ما يحصل على مصدر ولادته قبل كل الأزمنة من ذاك الذي هو بلا بداية. ولأن ما هو غير مولود، مثل الله الآب وحده، الذي يسمو عن أيّ أصل، والذي منه مَن هو مولود، هو أصل كل الأشياء الأخرى، فإن مَن هو مولود منه يأتي بحقٍ ممَّن هو بلا أصل. هذا يثبت أن [الآب] غير المولود هو الأصل الذي منه الابن ذاته. وحتى برغم أن المولود هو الله، إلا أنه يُظهِر أن الله واحدٌ، لأن المولود أكَّد أنه [أي الآب] هو بلا أصل“.[18]

يُشدِّد ق. أمبروسيوس أسقف ميلان على أن الآب هو ينبوع وأصل كينونة الابن في سياق تأكيده على ”مونارخية الآب“ في الثالوث قائلاً: ”لأنه هو الابن المولود من الآب، إنه يحيا بالآب لأنه من جوهر واحد معه، بالآب لأنه هو الكلمة الذي يُولَد من قلب الآب (مز 44: 1 سبعينية)، لأنه جاء من الآب لأنه مولود من ’أحشاء الآب [من البطن ولدتك]‘ (مز 109: 3 سبعينية)، لأن الآب هو ينبوع وأصل كينونة الابن“.[19] ويُؤكِّد ق. هيلاري أسقف بواتييه، والملقَّب بـ ”أثناسيوس الغرب“ على ”مونارخية الآب“، مُشِيرًا إلى أن الآب هو المصدر الفريد للابن، لأن الابن هو المولود الوحيد منه كالتالي: ”الآب في الابن، لأن الابن منه؛ الابن في الآب، لأن الآب هو مصدره الفريد؛ المولود الوحيد هو في غير المولود، لأنه المولود الوحيد من غير المولود“.[20]

 

 

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية الحديثة والمعاصرة

سوف نستعرض في هذا البحث أهم الإشارات إلى عقيدة مونارخية الآب في الثالوث القدوس، وذلك في كتابات أهم الأساتذة والباحثيين اللاهوتيين من مُختلف الجامعات والمدارس اللاهوتية، سواء المدرسة الإنجليزية، أو الفرنسية، أو الألمانية، أو الأمريكية، أو اليونانية، أو القبطية، بل ومن مُختلف الكنائس والطوائف المسيحية، سواء، الأرثوذكسية، أو الكاثوليكية، أو البروتستانية. وذلك من أجل الوقوف على أفضل تصوُّر للمونارخية، أو وحدة الرأس، أو الأصل، أو المصدر، أو الينبوع، أو العلة في الثالوث القدوس. وسوف نبحث شروحات هؤلاء الأساتذة والباحثين المرموقين على مستوى العالم لفكر آباء الكنيسة والمجامع المقدَّسة حول مونارخية الآب في الثالوث القدوس.

المطران كاليستوس وير

مونارخية الآب بحسب التعليم الكبادوكي

يشرح المطران كاليستوس وير مونارخية الآب في الثالوث بحسب تعليم الآباء الكبادوك قائلاً: ”ولكن إذَا كان لكل أقنوم ميزته الخاصة، فما الذي يجمع الثالوث القدوس؟ تُجِيب الكنيسة الأرثوذكسية عن هذا السؤال، وفقًا لآراء الآباء الكبادوكيين، أن الله واحدٌ لأن الآب واحدٌ. وفي التعبير اللاهوتيّ، الآب هو علة الألوهة ومصدرها. وهو مبدأ αρχή الوحدة بين الثلاثة. وتتحدَّث الأرثوذكسية في هذا المعنى عن مونارخية الآب μοναρχή. أمَّا الأقنومان الباقيان فيرجع أصلهما للآب ويُحدَّدان حسب علاقتهما به. الآب هو مصدر الألوهة، وهو غير مولود، ولم ينبثق من أحد. والابن مولود من الآب منذ الأزل (قبل كل الدهور على حد تعبير قانون الإيمان)، والروح القدس منبثق من الآب منذ الأزل“.[21]

بول أفدوكيموف

مونارخية الآب في تعليم الآباء الكبادوك

يُفسِّر اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ الروسيّ بول أفدوكيموف ”مونارخية الآب“ في تعليم الآباء الكبادوك قائلاً: ”إن للأقانيم في الثالوث جوهرًا واحدًا، ولكُلٌّ منهم خصائص شخصية. هذه الخصائص هي الصفات الأقنومية التي تُميِّز الآب بوصفه غير مولود ومبدأ الألوهة وينبوعها وجذرها، والابن بوصفه مولودًا والروح بوصفه منبثقًا. وهذه الصفات من شأنها التمييز بين الأقانيم والتعبير عن الطرائق الوجودية في الأقانيم. فالآب، آبٌ منذ البدء، والابن مولودٌ بدون ابتداء، كائنٌ معه، مُساوٍ له كصورته الحية وصورة جوهره. وانبثاق الروح القدس لا يختلط أصلاً بهذا الإيلاد، ويظلّ مُكتنفًا بالأسرار. غير أن الآب يُصدِر الروح القدس كما يلد الابن. إن كلمتي الولادة والانبثاق تشيران إلى مصدر ومبدأ الولادة والانبثاق، وكلاهما صدور باطنيّ، لا يمكن فصلهما عن الآب الذي يعطي الجوهر الذي لا ينقسم كله، جوهر الألوهة. وهكذا، فالآب هو مبدأ الابن والروح، وهو جذر وينبوع، ولأجل هذا، ’فالألوهة معبودةٌ في وحدة الرئاسة‘contra sabellius. Hom. 24. PG. 31. 609 ، كما يقول ق. باسيليوس. ويُفسِّر ق. غريغوريوس النزينزيّ ذلك بقوله: ’إن وحدة الرئاسة تعني الكرامة المتساوية في الطبيعة، وتوافق الفكر، والذاتية حيال الآب […] إن وثوق الصلة التي بين الأقانيم تجعل الثلاثة في اتحادٍ لا ينفصم في وحدة الله الواحد‘ Hom. 29. 2. PG. 36. 76“.[22]

المطران إيريثيؤس فلاخوس

المفهوم الأرثوذكسي لمونارخية الآب

يشرح المطران الأرثوذكسيّ إيريثيؤس فلاخوس، مطران نافباكتوس وفلاسيوس في اليونان، وأستاذ اللاهوت في جامعات تسالونيكي وأثينا باليونان، ”مونارخية الآب“ في الثالوث، كالتالي: ”بالرغم من أن الآب هو المصدر، والابن مولودٌ، والروح مُنبثقٌ، إلا أن الثلاثة لهم نفس الطبيعة والجوهر والإرادة والقوة. يشترك أقانيم الثالوث القدوس الثلاثة في نفس الطبيعة، ونفس الفكر، ونفس القوة، وأيٌّ منهم ليس أعظم من الآخرين. بكلماتٍ أخرى، ليس الابن ولا الروح القدس أدنى مرتبةً من الآب. وعندما نتحدَّث عن الأقانيم الأول والثاني والثالث في الثالوث القدوس، نحن لا نُقارِن بينهم بحسب القيمة والرفعة والقدرة، بل بحسب طريقة الكينونة (القديس باسيليوس الكبير). في النهاية، يعجز المنطق البشريّ والفهم البشريّ والكلمات عن صياغة سر الإله الثالوثيّ“.[23]

جورج فلوروفسكي

مونارخية الآب في تعليم ق. باسيليوس الكبير

يشرح الأب چورچ فلوروفسكي، أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعات هارفارد وبرنستون بأمريكا، والعميد السابق لمعهد سرجيوس بباريس وسانت فلاديمير بأمريكا، ”مونارخية الآب“ عند ق. باسيليوس الكبير قائلاً: ”تكشف أسماء الثالوث عن سر الوحدة الإلهية. وبحسب ق. باسيليوس، ’فإن الوحدة حاضرةٌ في فكرة جوهرهم. وعلى الرغم من وجود تمايُّز في عدد وخصائص كُلٌّ منهم، إلا أن الوحدة موجودة في فكرة الألوهة نفسها. وذلك لأن مبدأ واحد، ومصدر واحد، وعلة واحدة، للوجود الإلهيّ‘ متأصلة في الله. فالآب هو المبدأ والعلة للابن المولود والروح المنبثق. إنه [الآب] النقطة المركزية للوجود الإلهي والحياة الإلهية. فالعلية أو السببية الموجودة في الحياة الإلهية هي أزلية، لأن كل شيء في الألوهة لا يتغيَّر ولا يتبدل. إن تضاد ’ما يُسبَّب‘ مع ’ما هو السبب‘، والتمييز بين الأول والثاني، لن يكون له معنى إلا في سياق عملية الاستدلال لدينا. إنهما يُحدِّدان الترتيب الذي يمكننا به فهم الألوهة“.[24]

مونارخية الآب في تعليم ق. غريغوريوس اللاهوتي

يُوضِّح الأب چورچ فلوروفسكي ”مونارخية الآب“ في تعليم ق. غريغوريوس النزينزيّ اللاهوتيّ قائلاً: ”على الرغم من أن الأقانيم أزلية وفائقة على الزمن، إلا أنها ليست مستقلة عن بعضها البعض. الابن والروح ’ليس لهما بداية من جهة الزمن‘، لكنهما ’ليسا بلا مصدر أوليّ مطلق‘. ولكن الآب لا يوجد قبلهما، لأنه لا هو ولا هما خاضعون للزمن. إن الابن والروح أزليان، لكن، على عكس الآب، لم يكونا بلا مصدر، لأنهما ’من الآب، ولكنهما ليسا بعده‘. وهذه العلية أو السببية الغامضة لا تتضمن تسلسلاً أو استحداثًا. لا شيء في الثالوث يأتي إلى الوجود، أو ينشأ أبدًا، لأن اللاهوت هو الكمال، ’بحرٌ لا نهاية له من الوجود‘. يُدرِك ق. غريغوريوس أن هذا التمييز لم يكن من السهل فهمه، وأنه يمكن أن يكون مُربِكًا للناس البسطاء. ’صحيح أن ما ليس له بداية هو أزليّ، لكن ما هو أزليّ، ليس بالضرورة بلا مصدر، إنْ كان هذا المصدر هو الآب‘“.[25]

أندرو لاوث

وحدة الألوهة في أقنوم الآب

يرى الأب أندرو لاوث، أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعة أوكسفورد، في سياق تأكيده على ”مونارخية الآب“ في الثالوث، أن اللاهوت اليونانيَّ يُشِير إلى وحدة الألوهة في أقنوم الآب، خاصةً في القرنين الرابع والخامس كالتالي: ”هناك، ولا يزال في اللاهوت اليونانيّ على وجه الخصوص، شعور بأن الله هو الآب؛ فهو تعبيرٌ شائعٌ في اللاهوت اليونانيّ في القرنين الرابع والخامس، وفي الواقع، يتحدَّث في وقتٍ لاحقٍ عن ho theo kai pater، أي ’الله والآب‘، وغالبًا ما يُترجَم بتكاسلٍ إلى ’الله الآب‘. لذلك هناك شعور قوي جدًا في العهد الجديد وفي اللاهوت اليونانيّ اللاحق بأن كلمة ’الله‘ ho theos تُشِير إلى الآب. يُوضِّح هذا الاستعمال أن توحيد العبرانيين هو أمرٌ يُؤكِّده الإيمان المسيحيّ ولا يُقوِّضه. وما حدث – بسرعةٍ كبيرةٍ، وفي غضون عقود من صلب المسيح – هو أن المسيح يُنظَر إليه على أنه في نفس مرتبة الله الآب، مع الروح القدس أيضًا“.[26]

مونارخية الآب في تعليم مجمع نيقية 325

يشرح الأب واللاهوتيّ الأرثوذكسيّ أندرو لاوث مفهوم ”مونارخية الآب“ في الثالوث في قانون إيمان نيقية قائلاً: ”أول مصطلح تقنيّ تمَّ تقديمه هو تعبير ’هوموأوسيوس‘، أو مُساوٍ في الجوهر: لقد تمَّ التأكيد على الابن في قانون إيمان نيقية، والمجمع المسكونيّ الأول ٣٢٥م، أنه هوموأوسيوس، مُساوٍ للآب في الجوهر، أي أنه يستمد ذاته من الآب، وأنه مُساوٍ له، وليس بنوعٍ من التراتبية. وفي وقتٍ لاحقٍ من هذا القرن، أصبح من الواضح أن الروح القدس أيضًا مُساوٍ للآب في الجوهر. ويقتضي هذا التأكيد على أنه لا يوجد سوى كينونة واحدة أو جوهر إلهيّ واحد، أو أوسيا واحدة، وأن هذا يُعبِّر عن وحدة الألوهية. لكن الأوسيا أو الجوهر الإلهيّ لا يجب أن يُفهَم – كما هو بمصطلحات عامة أخرى – مثلما يعني أن تكون إلهيًا، فلا يحفظ هذا وحدانية الله، كما أن الطبيعة البشرية الواحدة لا تعني إنسان واحد فقط. بل بالأحرى، كان يُفهَم أن الأوسيا الإلهيّ هو كيان الآب – كينونة الإله الواحد الذي ندعوه بالآب – والذي امتد باستمراريةٍ غير مُنقطِعة إلى الابن، من خلال الولادة، وإلى الروح القدس، من خلال الانبثاق“.[27]

جون رومانيدس

مونارخية الآب بحسب تعليم آباء الكنيسة

يُؤكِّد الأب يوحنا رومانيدس على أن الآب هو مصدر وجود الكلمة والروح القدس في إطار شرحه لمونارخية الآب في الثالوث بحسب تعاليم آباء الكنيسة قائلاً: ”الآب هو مصدر وجود الكلمة والروح القدس، أي هو يمنح الوجود للكلمة والروح القدس. إنه يمنح الوجود لأقانيمهم، ولكنه لا يمنح الوجود لجوهر الكلمة والروح القدس، أو لقوة جوهرهما الطبيعية. بمعنى آخر، إن جوهر الآب هو في شركة مع جوهر الكلمة وجوهر الروح القدس، والقوة الطبيعية لجوهر الله هي في شركة مع القوة الطبيعية لجوهرهما، ولكن يبقى الآب هو مصدر وجود أقنوم الكلمة وأقنوم الروح القدس“.[28]

جون ماكجوين

مونارخية الآب في تعليم ق. غريغوريوس اللاهوتي

يشرح الأب چون ماكجوين، أستاذ اللاهوت الأرثوذكسي في جامعة أوكسفورد، ”مونارخية الآب“ في الثالوث بحسب تعليم ق. غريغوريوس النزينزيّ اللاهوتيّ كالتالي: ”إن اللاهوت الأرثوذكسيّ الخاص بالانبثاق الأحادي للروح القدس قد عبَّر عنه بوضوحٍ ق. غريغوريوس اللاهوتيّ، مُتبِعًا العبارة العقائدية (يو ١٥: ٢٦) ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘. كما دافع عنه بقوة في القرن التاسع ق. فوتيوس الكبير. يرى ق. غريغوريوس أن الانبثاق هو خاصية الروح، كما أن البنوة هي الميزة الفريدة لأقنوم الابن. فالابن يصدر من الآب عن طريق الولادة، كما أن الروح يصدر من الآب عن طريق الانبثاق. ويأتي كُلٌّ من الابن والروح القدس من نفس الآب، ولهما طبيعة ذلك الآب كطبيعتهما الخاصة. وبالتالي، هناك طبيعة واحدة للاهوت في الثالوث القدوس (لا شيء سوى الطبيعة الإلهية للآب) مع ثلاثة أقانيم يُعبَّر عنها بشكلٍ مُميَّزٍ: يُعبِّر الآب عن طبيعته الخاصة باعتباره العلة الفريدة غير المعلولة للألوهية Monas Aitios، ويُعبِّر الابن عن طبيعة الآب (أي طبيعته الآن) كأقنوم مولود، ويُعبِّر الروح عنها كأقنوم منبثق. وهكذا، فإن الانبثاق الأحاديّ الوحيد لكُلٌّ من الابن والروح من الآب وحده حافظ على المعنى المسيحيّ للألوهة الواحدة السامية. علاوة على ذلك، فإن مصطلحات ومفاهيم البنوة والانبثاق هي عناصر الوحي المقدَّسة، المذكورة في الكتاب المقدَّس، ولا ينبغي استبدالها أو إعادة التعبير عنها كأوصاف لحياة الله كثالوث“.[29]

فلاديمير لوسكي

مونارخية الآب في تعليم الآباء اليونانيين

يشرح اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ الروسيّ فيلاديمير لوسكي ”مونارخية الآب“ في الثالوث بحسب تعليم الآباء اليونانيين قائلاً: ”أكَّد الآباء اليونانيون دائمًا على أن مبدأ الوحدة في الثالوث هو شخص الآب. ولأنه مبدأ الشخصين الآخرين، فالآب هو أيضًا حدّ العلائق، ومنه تأخذ الأقانيم خصائصها المميَّزة بإصداره الشخصين، يُحدِّد الآب علائق أصلهما – الولادة والانبثاق – بالنسبة إلى مبدأ اللاهوت الوحيد. لهذا السبب عارض الشرق صيغة الفيلويوكيه [انبثاق الروح من الابن] التي بدت وكأنها تُبطِل أولية [مونارخية] الآب: فكان يجب إمَّا كسر الوحدة للقول بمبدأين للاهوت، أو تأسيس الوحدة على الطبيعة المشتركة التي تنتقل بهذا إلى الصدارة مُحوِّلةً الأشخاص إلى علائق في وحدة الجوهر. عند الغربيين العلائق تُنوِّع الوحدة الجوهرية، أما عند الشرقيين فهي تعني في وقت واحد تنوعًا ووحدةً، وذلك لأنها ترتبط بالآب الذي هو مبدأ الثالوث وخلاصته. بهذا المعنى يفهم ق. أثناسيوس جملة ق. ديونيسيوس الإسكندريّ: ’نبسط الوحدة في الثالوث دون أن نُقسِّمها، ثم نُلخِّص الثالوث في الوحدة دون أن نُنقِصه‘ De sententia Dionysii, PG C. 25, col. 505A، ويقول [أثناسيوس] في موضع آخر: ’ثمة مبدأ واحد للاهوت وتاليًا رئاسة واحدة μοναρχή على نحوٍ مُطلقٍ‘ Contra Arianos or. IV, PG. t. 26, col. 468B. ’إله واحد إذ هناك آب واحد‘، بحسب قول الآباء اليونانيين المأثور. تُوضَع الأشخاص والطبيعة، إذَا صح القول، في وقتٍ واحدٍ، من دون أن تسبق الواحدة الأخرى منطقيًا. يُصدِر الآب، ينبوع اللاهوت في الثالوث، الابن والروح القدس مانحًا إياهما طبيعته التي تبقى واحدة غير مُنقسِمة، ذاتها في الثلاثة. عند الآباء اليونانيين، الاعتراف بوحدة الطبيعة هو إقرار بالآب كمصدر وحيد للشخصين اللذين يتقبلان منه هذه الطبيعة عينها“.[30]

جان كلود لارشيه

مونارخية الآب في التعليم الأرثوذكسي الشرقي

يُشِير اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ الفرنسيّ چان كلود لارشيه إلى ”مونارخية الآب“ بحسب تعليم اللاهوت الشرقيّ الأرثوذكسيّ، وخاصةً تعليم الآباء الكبادوك قائلاً: ”ولنلاحِظ، من ثمَّ، أن الابن والروح القدس، حسب التصور الشرقيّ، بالرغم من كونهما يستمدان بشكلٍ متوازٍ، كل من الأقنوم والطبيعة الإلهية، فهما مُتَّحِدان فيما بينهما بالآب بطبيعتهما التي يشترك فيها الثلاثة معًا، وكذلك بواقع أن أصلهما معًا هو في الآب: هنا بالذات نعود فنلقى معنى ’السيادة/الرئاسة‘ μοναρχή، التي هي غالية على قلوب الكبادوكيين“.[31]

يوحنا زيزيولاس

مونارخية الآب في تعليم الآباء اليونانيين

نستعرض الآن مونارخية الآب بحسب المطران يوحنا زيزيولاس. فمنذ عمله الأول، وقد عبَّر زيزيولاس بشكلٍ مُتكررٍ عن إصراره على الأسبقية العلية للآب داخل حياة الثالوث. ويُعبِّر عن موقفه قائلاً: ”وحدة الله بين الآباء اليونانيين، والإله الواحد، و ’المبدأ‘ الأنطولوچيّ، أو ’العلة‘ الأنطولوچية لكينونة وحياة الله، لا تتمثَّل في الجوهر الإلهيّ الواحد [كما في المفهوم الأوغسطينيّ والتوماويّ الغربيّ]، بل في الأقانيم، أي في أقنوم الآب. فالإله الواحد ليس هو الجوهر الواحد، بل الآب، الذي هو ’علة‘ كُلٌّ من ولادة الابن وانبثاق الروح القدس. وتبعًا لذلك، يُعزَا ’المبدأ‘ الأنطولوچيّ [الوجوديّ] إلى الله، ومرةً أخرى، إلى الأقنوم. وبالتالي، عندما نقول إن الله ’يكون‘، فنحن لا نُقيِّد الحرية الشخصانية [الأقنومية] لله […] بل ننسب الكينونة الإلهية إلى حريته الشخصانية [الأقنومية]. وبطريقة أكثر تحليلاً، معنى هذا أن الله كآب وليس كجوهر، دائمًا ما يُؤكِّد من خلال ’الكينونة‘ على حرية إرادته في الوجود […] وهكذا، الله كشخص [أقنوم] – كأقنوم الآب – يجعل من الجوهر الإلهيّ الواحد أن يكون ما يكونه: إلهٌ واحدٌ“.[32]

وهكذا يُميِّز زيزيولاس هنا بين طريقتين مُتضادتين لتعريف وحدة أو وحدانية الله كالتالي:

  • عن طريق الجوهر الإلهيّ، وهو الموقف الذي يعزوه زيزيولاس إلى التقليد الأوغسطينيّ والتقليد الغربيّ في العموم (سواء في العصر الوسيط أو في العصر الحديث).
  • عن طريق أقنوم الآب، وهو التصوُّر الغالب إن لم يكن الحصريّ لوحدة الله في التقليد الآبائيّ اليونانيّ.

الآب هو العلة الأنطولوچية

حجة زيزيولاس لصالح المونارخية المنفرِدة للآب مُرتبِطة بطرح ثلاثيّ الأوجه كالتالي: ”بجعل شخص [أقنوم] الآب هو التعبير عن الأصل άρχή الأنطولوچيّ [الوجوديّ] الواحد في الله، فنحن نجعل من الغيرية مقومًا أو قوامًا أنطولوچيًا [وجوديًا] في الكينونة الإلهية. بالتساوي عن طريق إيعاز الكينونة الإلهية إلى علة شخصانية [أقنومية] بدلاً من الجوهر، فنحن نسمو بالخصوصية والغيرية إلى حالة أنطولوچية [وجودية] أولية [مبدئية]. وفي الأخير، عن طريق إيعاز العلية الأنطولوچية [الوجودية] الأولية [المبدئية] إلى شخص [أقنوم] واحد وحيد في الثالوث، فنحن نُؤكِّد على أن الواحد في الأنطولوچيا [الوجودية] الأفلاطونية واليونانية لا يسبق ’الكثرة‘، بل هو نفسه ’الواحد‘ في ’الكثرة‘ […] المونارخية الأنطولوچية للآب، التي لها كينونة علائقية، وربط العلية الأنطولوچية [الوجودية] به، يُساعِد على الحفاظ على انسجام وتطابُّق الواحد والكثرة في الكينونة الإلهية“.[33]

مونارخية الآب في اللاهوت الشرقي

ويُفسِّر المطران يوحنا زيزيولاس ”مونارخية الآب“ في الثالوث بحسب اللاهوت الشرقيّ قائلاً: ”إذًا، الوجود شركة بمعنى دقيق يُعبِّر عنه اللاهوت الشرقيّ بدقةٍ، أي أن جوهر الله ليس غامضًا وفكرة مُجرَّدة، بل كيان أبوة يخلق شركة، وليس مُجرَّد بناء وجوديّ نتأمله من الخارج ونتقرب منه لأنه موجود من أجل التمتُّع بالوجود، بل وجود الله وجوهره هو وجود وجوهر في أشخاص أو أقانيم الثالوث، حيث الآب نفسه هو علة وسبب وجود أقنوميّ الابن والروح القدس. […] يتَّضح إذَا تأملنا حقيقة الإيمان المسيحيّ. فالأبوة في الله هي شخص أو أقنوم حر، وبالتالي، الكيان والوجود الإلهيّ ليس فكرة أو مبدأ أو بناءً خاضعًا لضرورات الوجود، بل هو الآب أي الأقنوم“.[34]

نستنتج مما سبق أن ”مونارخية الثالوث“ هي مُحاولة لإقحام الأوغسطينية والتوماوية في اللاهوت الآبائيّ اليونانيّ الشرقيّ. حيث تُنادِي الأوغسطينية والتوماوية بأسبقية وحدة الجوهر على تمايُّز الأقانيم، وهكذا تجعل من الأقانيم مُجرَّد علائق أو علاقات داخل الثالوث القدوس، وليست أقانيم لكُلٌّ منهم كيان أقنوميّ قائم بذاته داخل الجوهر الإلهيّ الواحد. ومونارخية الثالوث تجعل من الخاصية الأقنومية المتفرِدة للآب كأنها خاصية مشتركة بينه وبين الأقنومين الآخرين، أي الابن والروح القدس، رغم أن الخاصية الأقنومية التي تُميِّز أقنوم الآب عن الخاصية الأقنومية لكُلٌّ من الأقنومين الآخرين، هي خاصية المونارخية أو المصدرية أو العلية أو الأبوة، وهي ما تجعل نمط وجوده الأقنوميّ قائم، لأنه لو لم يلد الآب الابن بالطبيعة، ولو لم يبثق الروح القدس بالطبيعة، لن يكون هناك وجود لأقنوم الآب، وبالتالي، فلن يلد الابن ولن يبثق الروح القدس، وبالنتيجة، لن يكون هناك ثالوث بالأساس، بينما مونارخية الآب في الثالوث القدوس تُحافِظ على الوحدة والتمايُّز أو الغيرية في الثالوث القدوس. كما أن مونارخية الثالوث بمعنى اشتراك الابن والروح القدس في خاصية المصدرية والعلية مع الآب تجعل من الأقانيم الثلاثة عبارة عن ثلاثة رؤوس أو علل أو مصادر أو أصول داخل الثالوث، وبالتالي، تنتفي الوحدانية تمامًا داخل الثالوث القدوس. ولكن الأدق والأصح هو مونارخية الثالوث في علاقته مع الخليقة كرأس وينبوع ومبدأ واحد للخليقة، وليس في داخل الثالوث الأزليّ نفسه في العلاقات الأقنومية بين الأقانيم الثلاثة.

الشماس اسبيرو جبور

مفهوم مونارخية الآب في الثالوث

يُفسِّر الشماس الأرثوذكسي المغبوط اسبيرو جبور ”مونارخية الآب“ في الثالوث قائلاً: ”الآب مُنتشِر ومُتحدِّد في الروح والابن وإليه معادهما. وهو منبع، ومصدر الوحدة والألوهة في الثالوث. يمنح الابن والروح طبيعته التي تبقى واحدةً، وغير متجزئة، وغير مقسومة، ومعادلة لنفسها في الثلاثة. الابن والروح القدس نابعان من شخص الآب: الابن بالولادة والروح القدس بالانبثاق. الآب هو العلة. شخص الآب يلد ويبثق، شخصه هو العلة“.[35]

فالتر كاسبر

سوف نتطرق الآن إلى رأي واحد من أهم اللاهوتيين في العالم وهو الكاردينال الأمانيّ الكاثوليكيّ ”فالتر كاسبر“، أسقف روتنبرج بألمانيا، ورئيس لجنة الحوار الكاثوليكيّ من أجل الوحدة المسيحية، حيث يتتبع مونارخية الآب في تعاليم آباء الكنيسة في القرون الخمسة الأولى وفي صيغ اعتراف الكنيسة في العصور المسيحية المبكرة، وفي النصوص الليتورچية المبكرة، التي تتحدَّث عن ”مونارخية الآب“ في الثالوث القدوس.

مونارخية الآب في صيغ الاعتراف القديمة والليتورجية القديمة في الكنيسة

يتحدَّث فالتر كاسبر عن الاعتقاد بـ ”مونارخية الآب“ في الثالوث منذ فجر المسيحية في صيغ الاعتراف الإيمانية القديمة وفي النصوص الليتورچية القديمة قائلاً: ”واليقين الأساسيّ بأن الله يدل أولاً ومُباشرةً على الآب تُعبِّر عنه أيضًا صيغ الاعتراف في الكنيسة القديمة. فاعترافات الكنيسة الأولى تتوجه دومًا إلى الله، الآب القادر على كل شيء. وبالتالي، فالآب وحده يُعد المبدأ، الذي لا مبدأ له άρχή، لكل حقيقة. فهو principium sine principo أي المبدأ الذي لا مبدأ له. وما يدل على ذلك خصوصًا لغة الصلاة في الليتورچيات الأولى القديمة. فأقدم صلاة إفخارستية نُقلت إلينا تتوجه إلى الآب: ’إننا نشكرك، يا أبانا، لأجل الكرامة المقدسة لداود خادمك، الذي منحتنا أن نعرفه بيسوع خادمك. ولك المجد إلى الأبد‘“.[36]

مونارخية الآب عند يوستينوس وإيرينيؤس وترتليانوس

يُشِير فالتر كاسبر إلى مونارخية الآب عند الآباء المدافعين، يوستينوس، وإيرينيؤس، وترتليانوس قائلاً: ”لقد استعاد التقليد المسيحيّ القديم كلام الكتاب المقدَّس في الله كأب، وسمَّى الله بمعنى مطلق بـ ’الآب‘. يوستينوس وإيرينيؤس وترتليانوس يتكلمون كلهم بلغة واحدة. وعندما يكون المقصود هو الله، فالكلام عن الآب“.[37]

مونارخية الآب عند العلامة أوريجينوس والأب يوحنا الدمشقي

يتحدَّث فالتر كاسبر عن ”مونارخية الآب“ عند العلامة أوريجينوس والأب يوحنا الدمشقيّ، وكيف أولى الآباء اليونانيون هذه العقيدة أهمية كبرى قائلاً: ”بذلك تحدَّد هذا الأمر: أن الله هو منذ الأزل أبو ابنه الذي هو من ذات جوهره. أما في داخل الثالوث، فالقول الآن إن الآب هو المبدأ άρχή والينبوع πηγή كما كان يقول اليونانيون، أو المبدأ principium كما كان اللاتين يقولون. أما في الخارج كان القول بأن الخلق وتاريخ الخلاص هما عمل الثالوث بأجمعه. فالعقيدة التي نشأت من قبل عند أوريجينوس، والمنطلقة من الآب كمبدأ وينبوع للألوهية، قد أولاها الآباء اليونانيون على الخصوص أهمية كبرى. ويوحنا الدمشقي قد لخصها مرةً أخرى أيضًا في كتاب ’المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسيّ‘ الذي صار عمليًا الكتاب المدرسيّ في الكنيسة الأرثوذكسية“.[38]

مونارخية الآب عند العلامة ترتليان الأفريقي

يشرح فالتر كاسبر ”مونارخية الآب“ في تعليم العلامة ترتليان الأفريقي قائلاً: ”إذاك تصون عقيدة ترتليانوس عن الثالوث وحدة سيادة الآب monarchia  الذي منه ينبثق كل شيء وكذلك التدبيرoiconomia ، أي النظام الحسيّ لتلك السيادة، الذي به يجعل الآب الابن مُشارِكًا في سيادته ويُمارِسها من خلاله. وعليه يستطيع ترتليانوس أن يصون الوحدة في الله، مع إبراز الفرق، بخلاف الشكليين modalists  الذي من بينهم يسترعي براكسياس على الخصوص انتباه ترتليانوس. فهؤلاء لا يرون في الابن والروح سوى شكلين مختلفين لظهور الآب، وينسون أن الآب ليس آبًا إلا بالنسبة إلى الابن، وبالعكس. وعليه فالوحدة في الثالوث تعني أن الثلاثة يتميَّزون لا بالحالة بل بالدرجة، لا بالجوهر بل بالشكل، لا بالقدرة بل بالهيئة. فخلافًا للغنوسية، ليس هناك انفصال، ولكن، خلافًا للشكليةmodalism ، هناك تمييز بين الأشخاص وليس بين الجواهر. ويصوغ ترتليانوس ذلك صياغةً لا مثيل لها: الثلاثة هم وحدة وليس واحدًاtres unum sunt non unus “.[39]

مونارخية الآب عند ق. ديونيسيوس الإسكندري

يُوضِّح فالتر كاسبر عقيدة ”مونارخية الآب“ في تعليم ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، أحد أهم الآباء الإسكندريين، والذي كان يُلقَّب بـ ”مُعلِّم المسكونة الكبير“، قائلاً: ”لقد كان لتوضيحات ترتليانوس ودقتها تأثيرًا حاسمًا خصوصًا في عقيدة الثالوث الغربية التي رُسِمَت خطوطها الأساسية في وقت باكر نسبيًا. ويبدو هذا التأثير جليًا في النزاع بين الديونيسيوسين [الاسكندري والروماني]. ففي كتاب وجهه أسقف روما ديونيسيوس سنة ٢٦٢ إلى سميه ديونيسيوس أسقف الإسكندرية، أبدى اعتراضه على ثلاثية الآلهة tritheisme  المزعومة عند نظيره في الإسكندرية، وعلى شكلية modalism سابيليوس. من الواجب ألا تُحل الوحدة الإلهية إلى ثلاث ألوهيات منفصلة تمامًا tritheisme، وألا يُماهَى الآب والابنmodalisme. وإذَا تساءلنا كيف يجب، مع ذلك، التفكير في الاثنين معًا، فلن نجد جوابًا عند ديونيسيوس. ولكن من المفيد مُلاحظة أنه لا يضع وحدة سيادة الآب في الجوهر الإلهي الواحد، بل في الآب، الذي يتَّحد به الابن، وفيه يبقى ويسكن الروح. فليس الروح، أو، كما عند أوغسطينوس لاحقًا، بل الآب هو هنا رباط الوحدة في الثالوث. ونجد في الغرب المسيحي، بعد قرن، عند هيلاريوس [أسقف بواتييه وأثناسيوس الغرب] تصوُّرًا مماثلاً. وعليه استقر في الغرب اللاتينيّ تصوُّر للثالوث، يُناسِب اهتمام الشرق، يصون وحدة سيادة الآب“.[40]

مونارخية الآب في مجمع نيقية المسكوني ٣٢٥

يُشِير فالتر كاسبر إلى عقيدة ”مونارخية الآب“ في مجمع نيقية المسكونيّ الأول ٣٢٥ قائلاً: ”هذا التفسير للهوموأوسيوس όμοούσιος يتضمن، بالنسبة إلى عقيدة الثالوث التي هي في أساس مجمع نيقية، ويحتوي على ما يلي: لا ينطلق المجمع بطريقةٍ توحيديةٍ من الذات الإلهية الواحدة [ما يُعرَف بمونارخية الجوهر أو مونارخية الثالوث حسب تعبير تورانس المستحدث] للكلام لاحقًا فقط بطريقةٍ ثالوثيةٍ على الآب والابن والروح القدس، كأشكال ثلاثة توجد بها واقعيًا هذه الذات الإلهية الوحيدة. ينطلق الاعتراف بالعكس، من الآب الذي تفهمه ’كذروة الوحدة‘ الذي فيه يتَّحد الابن والروح القدس. فنحن بالتالي أمام تصوُّر تكوينيّ للألوهة ينبثق من الآب [مونارخية الآب] ويجري في الابن وفي الروح القدس“.[41]

مونارخية الآب عند الآباء الكبادوك

وأخيرًا، يُشِير فالتر كاسبر إلى عقيدة ”مونارخية الآب“ في تعليم الآباء الكبادوك، ويُوضِّح التكامُّل والانسجام بين شرح ق. أثناسيوس والآباء الكبادوك، وليس التعارُّض بينهما، قائلا: ”كان أنصاف الآريوسيين يريدون صيانة الفارق بين الآب والابن، إذ كان يبدو لهم موضع شبهة شكلية [سابيلية] بكلمة هوموأوسيوس όμοούσιος، فزادوا حرفًا وتكلَّموا على هوميوأوسيوس όμοιούσιος (أي المشابه للآب، والمساوي له دون أن يكون هو ذاته). ولكن لم يكن القبول بهذه التسوية ممكنًا، لأنها لا تفي بالمقتضى العميق للهوموأوسيوسόμοούσιος . وبدا حل، عندما قام أثناسيوس، المدافع الكبير عن النزعة النيقاوية، ببعض التقريب، في مجمع الإسكندرية عام ٣٦٢، وسوَّغ التمييز بين ثلاثة أقانيم hypostases وذات (جوهر) وحيدة. فجرى التمييز، إذًا، عندئذٍ، بين مفهومين كانا لا يزالان في نيقية مترادفين. التوضيح الأدق لهذين المفهومين كان من عمل الكباودكيين الثلاثة (باسيليوس القيصريّ، وغريغوريوس النزينزيّ، وغريغوريوس النيسيّ). يرى باسيليوس أن الجوهر ούσία يعني بالفلسفة الرواقية العمومية غير المحدَّدة. وبالتالي، على سبيل المثال، يمكن نسبة الجوهر الإنسانيّ إلى أناس عدة معًا. أمَّا الأقانيم ύποστάσεις، فهي بالمقابل التحقيق الفعليّ الفرديّ لهذا الجوهر. وهي توجد بفضل مجموعة من الـidiomata ، أي خصوصيات [خواص] تُنتِج أفرادًا. إلا أن هذه الخصوصيات لا تُعتبر أعراضًا، بل هي مكونات constitutiva الكائن الفعليّ. خصوصية الآب إنه ليس لوجوده أية علة أخرى، وخصوصية الابن أن يكون مولودًا من الآب، وخصوصية الروح أن يكون معروفًا بعد الابن ومعه، وأن تنشأ ذاته من الآب“.[42]

نستخلص من هذا أن عقيدة مونارخية الآب في الثالوث القدوس كانت عقيدة راسخة ومتغلغلة في المسيحية منذ نشأتها وخاصةً في القرون الخمسة الأولى في جميع التقاليد اللاهوتية والكنسية والليتورچية المختلفة وفي نصوص صيغ الإيمان المسيحي القديمة المبكرة.

جيوفري ويليام لامب

مونارخية الآب في تعليم آباء الكنيسة الجامعة

يذكر چيوفري ويليام لامب، أستاذ اللاهوت في جامعة كامبريدچ بإنجلترا، عقيدة ”مونارخية الآب“ في معجمه الآبائيّ الشهير، المعروف بـ ”معجم لامب الآبائيّ“، حيث يُشِير إلى مونارخية الآب، وإلى الصدور الأحادي من الآب فقط كمصدر وحيد في الثالوث، وكمصدر للألوهة في الثالوث، في كتابات الآباء التاليين: يوسابيوس القيصريّ المؤرخ (عن اللاهوت الكنسي ٢: ٧)، والعلامة ترتليان الأفريقي (ضد براكسياس، ٨)، وق. أثناسيوس الرسولي  (المقالة الرابعة ضد الآريوسيين ٤: ١)، وق. باسيليوس الكبير (الروح القدس، ٤٥)، وق. كيرلس الأورشليمي (المقالات للموعوظين ٧: ١)، وق. غريغوريوس النزينزي (عظة ٢٩: ٢)، وق. غريغوريوس النيسي (العظة التعليمية الكبرى، ٣)، وق. إبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص (باناريون ضد الهرطقات ٦٢: ٣)، وق. كيرلس الإسكندري (المقالة العاشرة من الكنوز في الثالوث).[43]

أليستر ماجراث

مونارخية الآب في اللاهوت الشرقي

يتحدَّث الكاهن الانجليكانيّ وأستاذ اللاهوت التاريخي في جامعة أوكسفورد أليستر ماجراث عن تركيز اللاهوت الشرقيّ في شرح الثالوث على ”مونارخية الآب“ قائلاً: ”كان الفكر اللاهوتيّ الشرقيّ مائلاً بصفة عامة إلى التركيز على فرادنية [شخصانية] الأقانيم الثلاثة المتمايزة، وإلى الحفاظ على وحدتهم، عن طريق التشديد على أن كل من الابن والروح القدس صادر من الآب. فإن العلاقة بين الأقانيم هي علاقة وجودية [أنطولوچية]، متأصلةً في طبيعة هؤلاء الأقانيم وماهيتهم. وهكذا، جرى تعريف علاقة الابن بالآب بمفردات كونه ’مولودًا‘، أي بمفردات ’البنوية‘. لكن، كما سنرى لاحقًا، حاد أوغسطينوس عن هذه المنهجية، مُفضِّلاً التعامل مع الأقانيم بمفردات علاقاتية [علائقية]. وسنُعاوِد التطرُّق إلى هذه الأفكار في وقتٍ لاحقٍ، في أثناء دراستنا للجدل الفيليوكوي Filioque Controversy. في المقابل، كانت المنهجية الغربية أكثر تميزًا بميلها إلى الانطلاق من وحدانية الله [ما يُسمَّى بمونارخية الجوهر أو مونارخية الثالوث بحسب تورانس]، ولا سيما في عمل الإعلان والفداء، وإلى تفسير العلاقة بين الأقانيم الثلاثة بمفردات الشركة المتبادلة بينهم. هذا هو الرأي الذي تميَّز به أوغسطينوس، والذي سنستعرضه في جزء لاحق من دراسة الحالة الحالية“.[44]

مونارخية الآب بحسب الآباء الكبادوك

ويستطرد البروفيسور ماجراث في الحديث عن أهم سمة من سمات منهجية الآباء الكبادوك في تناول عقيدة الثالوث، وهي الأولوية أو المونارخية المعطَاة للآب قائلاً: ”من أهم سمات هذه المنهجية المميزة في تناول عقيدة الثالوث هي الأولوية [المونارخية] التي أُعطِيَت للآب. فعلى الرغم من تشديد الكُتاب الكبادوكيين على عدم قبولهم لفكرة تبعية [subordinationism] الابن أو تبعية الروح القدس للآب، لكنهم مع ذلك ذكروا صراحةً أن الآب ينبغي أن يُعتبر هو مصدر الثالوث أو منبعه. فإن جوهر الآب يُنقَل إلى كل من الابن والروح القدس، ولكن بطريقةٍ مختلفةٍ: فالابن مولود من الآب، والروح القدس منبثق من الآب. وهكذا، أشار غريغوريوس النيسي إلى الأقنوم الواحد للآب، الذي منه يُولَد الابن، وينبثق الروح القدس“.[45]

مونارخية الآب في تعليم الآباء الشرقيين اليونانيين

ويستعرض البروفيسور ماجراث الصراع حول انبثاق الروح القدس وارتباطه بموضوع المونارخية في الثالوث، مؤكدًا على أن الآباء الشرقيين اليونانيين شدَّدوا على مونارخية الآب في الثالوث قائلاً: ”أصرَّ الكُتَّاب الآبائيون اليونانيون (الشرقيون) على أنه لا يوجد سوى مصدر واحد للجوهر والكينونة في الثالوث. فالآب وحده هو المصدر الوحيد الفائق لكل شيء، بما في ذلك الابن والروح القدس داخل الثالوث. فالابن والروح القدس صادران من الآب، ولكن بطريقتين مختلفتين“.[46]

مونارخية الآب وجدل الفيليوكوي

ويُوضِّح البروفيسور ماجراث الاختلافات الأساسية بين الشرقيين والغربيين في سياق الحديث عن جدل الفيليوكوي Filioque، وتركيز الطرف اليوناني الشرقي على مونارخية الآب كالتالي: ”كان غرض الطرف اليونانيّ (أو الشرقيّ) من هذا الجدل [أي جدل الفيليوكوي] هو الحفاظ على مكانة الآب باعتباره المصدر الأوحد للألوهية. ولأن كل من الابن والروح القدس صادران منه – ربما بطريقتين مختلفتين، لكنهما طريقتان صالحتان بالقدر نفسه – فقد نجح ذلك في الحفاظ على ألوهيتهما هما أيضًا. وقد بدا لليونانيين أن المنهجية اللاتينية تفيد بوجود مصدرين منفصلين للألوهية في الذات الإلهية، وتقوض التمايُّز الحيويّ بين الابن والروح القدس. ففي حين يرى الرأي اليونانيّ أن الابن والروح القدس يُؤدِيان دورين متمايزين، لكن تكميليين في الآن ذاته، يرى الطرف الغربيّ أن الروح القدس هو روح المسيح“.[47]

ديفيد برنارد

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك

يُشِير أستاذ دراسات العهد الجديد الأمريكيّ البروتستانتيّ ديفيد برنارد إلى مُساهمة الآباء الكبادوك في توضيح اللبس حول عقيدة الثالوث بحسب ق. أثناسيوس، الذي أثير بسبب استخدام مصطلح الهوموأوسيوس، واعتبار حزب أشباه الآريوسيين أو حزب الهوميوأوسيوس له أنه تعبير سابيلي، قائلاً: ”يستنتج المؤرِّخون في العموم أن العامل الحاسم في انتصار عقيدة الثالوث كان بلاغة وتصميم أثناسيوس نفسه. لقد أدرك أن أشباه الآريوسيين كانوا في الواقع أقرب إلى موقفه من الآريوسية، وشكل تحالف معهم، مما أدى إلى تشكيل الأغلبية مرة أخرى. وفي هذا المسعى، تلقى [ق. أثناسيوس] عونًا كبيرًا من ثلاثة لاهوتيين بارزين من كبادوكية، هم: ق. باسيليوس القيصري، وق. غريغوريوس النيسي، وق. غريغوريوس النزينزي، الذين قاموا باستخدام المفاهيم والمصطلحات الفلسفية اليونانية، وقاموا بتوضيح عقيدة الثالوث بحسب أثناسيوس لجعلها أكثر قبولاً على نطاقٍ واسعٍ“.[48]

هنري شيلدون

مونارخية الآباء في تعاليم آباء الكنيسة

يُشِير البروفيسور هنري شيلدون، أستاذ اللاهوت التاريخي في جامعة بوسطن بأمريكا، إلى عقيدة ”مونارخية الآب“ في تعليم آباء الكنيسة الجامعة قائلاً: ”أحرزت عقيدة ألوهية الروح [القدس] انتصارًا كبيرًا في مجمع القسطنطينية عام 381. وهكذا اكتملت عقيدة نيقية عن الله الثالوث. لقد تحقَّق التوفيق بشكلٍ كافٍ بين الأقنومية [الشخصانية] الثلاثية مع الوحدة الإلهية من خلال التأكيد على وحدة الأقانيم [الأشخاص] في الجوهر. ومع ذلك، أضاف البعض إلى هذا الاعتبار أن هناك مبدأ واحدًا في اللاهوت، وهو أن مصدر أقنومية [شخصانية] الابن والروح [القدس] هو الآب (أثناسيوس، المقالة ضد الآريوسيين 4: 1؛ غريغوريوس النزينزي، خطبة 20: 6؛ وقارن مع يوسابيوس القيصري، عن اللاهوت الكنسي 1: 11، 2: 6). وتقترب بعض التعبيرات، خاصةً من جانب غريغوريوس النيسيّ، في ظاهرها بشكلٍ وثيقٍ جدًا من التعليم الثالوثيّ. تلك هي الحالة التي يحاول فيها توضيح وحدة الجوهر في الأقانيم الإلهية من خلال الإشارة إلى حقيقة أن ثلاثة رجال، مثل: بطرس، ويعقوب، ويوحنا، على سبيل المثال، لهم جوهر مشترك [عموميّ]، أي جوهر الإنسانية. ولكن تشير جميع كتابات غريغوريوس إلى أنه لم يقصد أن يُؤخَذ هذا المثال دون قيد أو شرط. يقول دورنر Dorner: ’من الخطأ القول بأن غريغوريوس يتصوَّر التمايُّزات الأقنومية في الثالوث بأنها مرتبطةٌ ببعضها البعض كرجلين منفردين؛ لأنه، على العكس من ذلك، إنه يختزل بالأحرى التمايُّز الكامل بين الآب والابن في ذلك – أن السابق [الآب] هو العلة αϊτιον والأخير [الابن] هو المعلول αίτιατόν، بينما التمايُّز بين الرجال الحقيقيين هو أكثر عمقًا‘“.[49]

كارل ردولف هاجينبك

مونارخية الآب في التعليم النيقاوي

يُؤكِّد البروفيسور البروتستانتي السويسريّ كارل ردولف هاچينبك، أستاذ اللاهوت في جامعة بازل بسويسرا، على ”مونارخية الآب“ في التعليم النيقاويّ قائلاً: ”بحسب الأفكار السائدة لهذا العصر، كان الآب يُعتبر المبدأ المؤثر الوحيد μία άρχή الذي تدين إليه جميع الأشياء بوجودها، الذي يُولَد منه الابن، وينبثق منه الروح القدس، والذي يعمل كل الأشياء من خلال الابن في الروح القدس. وتمَّ التأكيد على عبارة أن الروح القدس مُنبثِق من الآب خصوصًا في مواجهة أعداء الروح القدس Pneumatomachi. وكان من المؤكَّد في مواجهة هؤلاء: ’أن الروح القدس لا يستمد جوهره من الابن بطريقةٍ اعتماديةٍ، بل يقف في علاقة مُتساوِية ومُباشرة مع الآب، باعتباره العلة الأولى المشتركة؛ وكما أن الابن مولودٌ من الآب، كذلك الروح القدس مُنبثقٌ من الآب‘ Neander, Kg. ii. S. 897“.[50]

جوزيف تكسرون

وحدة الألوهة في أقنوم الآب عند ق. أثناسيوس

يرى عالم الآبائيات الكاثوليكيّ الفرنسيّ چوزيف تكسرون أن ق. أثناسيوس قد نسب بوضوحٍ إلى الآب اسم ”الله“ كالتالي: ”كان من المقرَّر أن يصبح تعليم ق. أثناسيوس عن الثالوث هو تعليم الكنيسة اليونانية؛ ولكنه كان أول تعليم استقبل إضافات مهمة سواء في مصطلحاته أو في نظريته عن الأقانيم الإلهية وعلاقاتهم. نسب ق. أثناسيوس إلى الآب فقط اسم ’الله‘ بشكلٍ بارزٍ: έν τή έκκλησία είς θεός κηρύσσεται, ό τοϋ λόγου πατήρ (Epist. ad. Epictetum, 9). بل، وعلى الرغم من أنه لم يدين في المجمع المنعقد في الإسكندرية في عام 362، أولئك الذين يتحدَّثون عن جوهر واحد وثلاثة أقانيم، μία ούσία, τρεϊς ύποστάσεις، إلا أنه هو شخصيًا يُوحِّد بين مصطلحي جوهر όύσία وأقنوم ύποστάσις (De decretis, 27p De synodis, 41; Tomus ad Antioch., 6)؛ حتى أنه يكتب حوالي عام 369، في رسالة إلى الأفارقة، 4: Η δέ ύποστασις ούσία έστί, καί ούδέν άλλό σημαινόμενον έχει ή αύτό τό όν؛ علاوة على ذلك، إذ يتحاشى أيضًا استخدام كلمة بروسوبون πρόσωπον، فيترتب على ذلك أن مفرداته لم يكن لديها مصطلح تشير به إلى الأقنوم [الشخص]. بالإضافة إلى أنه لم يدرس ما تُشكِّله الأقانيم الإلهية في حد ذاته، ولا كيف يكونون متمايزين، وكيف يمكن تمييز أحدهما عن الآخر، ولا كيف يمكننا، بواسطة القياسات الخارجية المباشرة، أن نُصوِّر لأنفسنا الأفعال الخفية التي تمنحهم كينونتهم. لم يكن لدى أثناسيوس، كمجادل دائمًا في خضم المعركة، وقت الفراغ، وربما، الرغبة في مُعالجة هذه المسائل المتعلقة بالفلسفة الدينية العميقة. إذًا، تعليمه عن الثالوث غير كامل؛ وينبغي على الكبادوكيين سد هذه الفجوة إلى حدٍ كبيرٍ“.[51]

مونارخية الآب في تعليم الآباء الكباوك

يُشِير عالم الآبائيات چوزيف تكسرون إلى ”مونارخية الآب“ في تعليم الآباء الكبادوك قائلاً: ”ومع ذلك، يرى ق. غريغوريوس النزينزي أنه لا يمكن للمرء أن يُحدِّد بدقةٍ ما الذي يختلف فيه انبثاق الروح القدس عن ولادة الابن (خطبة 39: 12؛ خطبة 23: 11؛ 31: 8). بل ما هو مُؤكَّد ليس إلا هذا: أن الخواص المميزة للأقانيم الإلهية والمفاهيم مُرتبطةٌ بأصل الأقانيم الإلهية وبتمايُّزهم المتبادل (ق. باسيليوس، ضد أفنوميوس، 1: 45؛ ق. غريغوريوس النزينزيّ، خطبة 31: 9؛ ق. غريغوريوس النيسي، في أنهم ليسوا ثلاثة آلهة، P.G. xlv, 133)؛ ويكتب ق. باسيليوس بهذا المعنى: أننا نقول إن الآب أعظم من الابن، ليس لأنه كذلك بالطبيعة، بل لأننا نتصوَّر المبدأ ذهنيًا على أنه أسمى مما ينبع منه (ضد أفنوميوس، 1: 20). وهكذا يتمّ الحفاظ على أولوية الآب بقوةٍ وتأكيدها في اللاهوت الكبادوكيّ. فالآب هو مبدأ الثالوث، الرباط، الذي من خلال الاشتراك في طبيعته، تنشأ وحدة الثالوث (قارن مع ق. باسيليوس، ضد أفنوميوس 1: 13، 14). فهو ينبوع πηγή، وأصل άρχή، وعلة αίτία الألوهة θεότητος، والمصطلحان الآخران هما معلولان ومشتقان من الآب (ق. غريغوريوس النزينزي، خطبة 42: 15؛ خطبة 20: 7؛ ق. غريغوريوس النيسي، عن المفاهيم العامة، P.G. xlv, 180)“.[52]

لويس بيركهوف

الفرق بين مونارخية الجوهر ومونارخية الآب

يتحدَّث اللاهوتيّ البروتستانتيّ الألمانيّ الأمريكيّ، وأستاذ اللاهوت في جامعة برنستون بأمريكا، لويس بيركهوف عن ”مونارخية الجوهر“ عند ق. أثناسيوس و ”مونارخية الآب“ عند الآباء الكبادوك قائلا: ”وفي غضون ذلك، نشأ فريق نيقيّ أصغر سنًا، يتألَّف من رجال كانوا من تلاميذ المدرسة الأوريجانية، ولكنهم كانوا مدينين بالفضل للقديس أثناسيوس، ولقانون الإيمان النيقاوي، وذلك من أجل تفسير أكثر كمالاً للحقيقة. وكان أهمهم الكبادوكيين الثلاثة: ق. باسيليوس الكبير، وق. غريغوريوس النيسي، وق. غريغوريوس النزينزي. لقد رأوا أن مصدر سوء التفاهم هو في استخدام مصطلح أقنوم كمرادف لكل من أوسيا أو جوهر، وبرسوبون أو شخص، وهكذا، قصروا استخدامه على تحديد وتخصيص الوجود الشخصاني [الأقنومي] للآب والابن. وبدلاً من أن يتخذوا نقطة انطلاقهم من الجوهر الإلهي الواحد لله، كما فعل ق. أثناسيوس، اتخذوا نقطة انطلاقهم من الأقانيم الثلاثة في الكينونة الإلهية، وحاولوا إرجاعهم لمفهوم الأوسيا أو الجوهر الإلهي. قارن الغريغوريوسان بين علاقة الأقانيم في اللاهوت بالكينونة الإلهية وبين علاقة ثلاث أشخاص ببشريتهم المشتركة. وهكذا بتأكيدهم على الأقانيم الثلاثة في الكينونة الإلهية، حرَّروا العقيدة النيقية من شوائب السابيلية في عيون حزب يوسابيوس، ومن ثم، بدت شخصانية [أقنومية] اللوغوس مصونةً بما يكفي. وفي نفس الوقت، حافظوا بشدةٍ على وحدة الاقانيم الثلاثة في اللاهوت، وأوضحوا ذلك بطرق مختلفة“.[53]

جستو جونذاليز

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك

يتحدَّث البروفيسور چستو جونذاليز أستاذ اللاهوت التاريخي بجامعة يال Yale بأمريكا عن دور ق. غريغوريوس النزينزيّ في توضيح عدم سابيلية المصطلحات النيقية، التي استخدمها ق. أثناسيوس، كما أشاع عنها حزب يوسابيوس القيصريّ، قائلاً: ”لكن النقطة التي يتجاوز فيها تعليم غريغوريوس [النزينزي] تعليم باسيليوس لم تكن ألوهية الروح القدس – التي قَبِلَها باسيليوس، على الرغم من أنها ربما لم تكن صريحةً مثل صديقه – بل العلاقات بين الأقانيم الثلاثة في الثالوث. إن محاولة التمييز بين الآب والابن والروح القدس على أساس خواصهم، والتمييز بين الآب المتعال تمامًا والابن أو الكلمة، القادر على الارتباط بالعالم أدى بالضرورة إلى التراتبية أو التبعية، وفي النهاية إلى الآريوسية. قد كان أثناسيوس على علم بذلك، ولذلك نقى بشكلٍ قاطعٍ ومُتكررٍ كل محاولة لفهم سمو وتعالي الآب بطريقة تجعله يبدو أبعد عن الخليقة من الابن. ولكن هذا التركيز على السمو المتساوي للآب والابن، في حين أنه يقضي على أحد أسس الآريوسية، إلا أنه لم يكن قادرًا على إظهار كيف تختلف العقيدة النيقية عن السابيلية. وكانت هذه المهمة العظيمة هي مهمة الكبادوكيين. إن نهج غريغوريوس [النزينزيّ] قاده إلى التعامل مع هذه المشكلة على أساس العلاقات الداخلية بين الأقانيم الإلهية الثلاثة في الثالوث. وفقًا لغريغوريوس [النزينزي]، فإن التمايُّزات الوحيدة التي يمكن تحديدها بين الأقانيم الثلاثة في الثالوث هي تلك التمايُّزات التي تشير إلى أصل كل منهم. هذه التمايُّزات لا علاقة لها بالجوهر أو الطبيعة، بل فقط بمصدر كل أقنوم. ’فعندما أتحدَّث عن الله، فينبغي عليك أن تستنير على الفور بشعاع واحد من النور وبالثلاثة. إنهم ثلاثة في الأقانيم، أو إنْ كان أيّ أحد يفضل أن يدعوهم هكذا، أو في الأشخاص [بروسوبا] πρόσωπα، لأننا لن نختلف حول الأسماء، طالما أن الألفاظ تصل إلى نفس المعنى، ولكنهم واحد بحسب الجوهر – أي الألوهة. لأنهم متمايزون دون انقسام، إن كان لي أن أقول ذلك، ومتحدون في التمايز. لأن الألوهة واحدةٌ في الثلاثة، والثلاثة واحدٌ، وفيهم تكون الألوهة، أو لنقل بأكثر دقة، الذين يكونون الألوهة. […] الآب هو آبٌ، وغير مولود، لأنه ليس من آخر، والابن هو ابن، ولكنه ليس غير مولود، لأنه من الآب. ولكن إذَا أخذت لفظة أصل أو مصدر بمعنى زمنيّ، فهو [الابن] غير مولود أيضًا، لأنه صانع الزمن، وغير خاضع للزمن. الروح القدس هو روح حقًا، ويصدر من الآب حقًا، ولكن ليس بحسب طريقة الابن، لأنه ليس بالولادة بل بالانبثاق […] لأن الآب لم يتوقف عن أن يكون غير مولود بسبب ولادته لشيء ما، ولا الابن يتوقف عن أن يكون مولودًا بسبب أنه من غير المولود، لأنه كيف يمكن أن يكون هذا؟! ولا الروح تغيَّر إلى الآب أو الابن لأنه منبثق، أو لأنه إله‘“.[54]

ويُعلِّق البروفيسور چستو جونذاليز على الاختلاف في شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوكيين قائلاً: ”هناك بعض الاختلافات بين أثناسيوس والكبادوكيين، ترجع إلى سياقهم التاريخيّ المختلف، والبعض الآخر إلى أساليبهم اللاهوتية المتنوعة. كان على أثناسيوس والكبادوكيين أن يواجهوا خصومًا، على الرغم من أن الآريوسيين جميعهم كانوا مختلفين، إلا أن ق. أثناسيوس واجه الآريوسية عندما لم تكن عواقبها النهائية قد ظهرت بعد، لذلك، كان من الضروري دحضها وإدانتها من خلال إظهار ما اَعتبره أنه آثارها السلبية على الإيمان المسيحي. أمَّا الكبادوكيون فقد قاوموا الآريوسية الناضجة والمكتملة، التي أصبحت ثمارها معروفة بالفعل. لذلك، لم تكن مهتهم محاولة اكتشاف نتائج الآريوسية، بل كانت دحض هذه النتائج وتطوير بديل لها. وهكذا، فإن المسافة التي تفصل بين النقيين القدامى والجدد، يمكن، بل ويجب، إلى حدٍ كبيرٍ تفسيرها على أساس المسافة التي تفصل بين الآريوسيين القدامى والجدد. علاوة على ذلك، اختلف الكبادوكيون عن ق. أثناسيوس في المنهجية اللاهوتية. فقد كان الأسقف الاسكندريّ العظيم يحيل كل مسألة تتعلق بألوهية الابن إلى نتائجها الخلاصية. بينما كان الكبادوكيون يميلون إلى استخدام الحجج المنطقية والكتابية، دون بذل مجهود مستمر وواعٍ لربط عقيدة الثالوث بالتعليم الخلاصيّ المسيحيّ. فبالنسبة لهم، ما هو محل خلاف هو عقيدة أساسية في المسيحية، وليس نقطة انطلاق ضرورية للتعليم الخلاصيّ المسيحيّ. فالمعركة على وشك الانتهاء، ومهمة الكبادوكيين تتمثَّل في تنظيم وترتيب إيمان الكنيسة وشرحه بأكبر قدر ممكن من الوضوح المنطقيّ. ربما يكون هذا أحد الأسباب التي جعلتنا، مع ق. غريغوريوس النيسيّ، نجد أنفسنا مرة أخرى في الإطار الأصلي الذي يبدو أن ق. أثناسيوس قد خلفه ورائه“.[55]

جيمس فرانكلين بيثون بيكر

الآب الينبوع عند ق. أثناسيوس

يُشِير البروفيسور چيمس فرانكلين بيثون بيكر أستاذ اللاهوت في جامعة كامبريدچ إلى وصف أثناسيوس للآب بأنه الينبوع، والابن بأنه النهر، قائلاً: ”يجب أن نعتمد على الكتاب المقدس، حيث يصف الكتاب الآب بالينبوع، والابن بالنهر، ونحن نشرب من الروح، أو يصف الآب بالنور، والابن بالشعاع، ونحن نستنير بالروح. الآب هو وحده الحكيم، والابن حكمته، ونحن ننال روح الحكمة. ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصل أحدهما عن الآخر“.[56]

مونارخية الآب عند ق. غريغوريوس النيسي

ويتحدَّث البروفيسور چيمس فرانكلين بيثون بيكر عن ”مونارخية الآب“ عند ق. غريغوريوس النيسيّ قائلاً: ”من الواضح في هذا البرهان أنه تمَّ الاعتراف بالاشتراك في الأزلية، والمساواة المطلقة للأقانيم الثلاثة. لا تؤدي فكرة العلية إلا إلى التمييز بين أنماط الوجود الثلاثة. فالله واحد ό θεος، ولكن داخل وجوده، هناك علة τό αϊτιον التي يتناسب معها اسم الآب، وهناك معلول τό αίτιατόν، والذي يتضمن المعلول المباشر τό προσεχώς έκ τοϋ προώτου، الذي يتناسب معه اسم الابن، وهناك المعلول الوسيط τό διά τοϋ προσεχώς έκ τοϋ προώτου، والذي يتناسب معه اسم الروح القدس. فالروح القدس هو من الآب، كما هو أيضًا من خلال الابن. وارتباط الروح هذا بالابن والآب هو تعليم ق. غريغوريوس النيسيّ أيضًا في كتاباته الأخرى، إن لم يكن بنفس المصطلحات دائمًا“.[57]

نستنتج مما سبق تكامُّل وتضافر الشرحين الأثناسيوسيّ والكبادوكيّ مع بعضهما البعض في شرح عقيدة الثالوث، حتى وإن اختلف الاثنان في نقطة الانطلاق، وذلك راجع كما عرضنا إلى عدة أسباب يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  • نقطة انطلاق ق. أثناسيوس في مواجهة الآريوسية المبكرة، آريوسية آريوس ويوسابيوس النيقوميديّ، هي سوتيريولوچية أو خلاصية، أي من علاقة الأقانيم الثلاثة في الجوهر الإلهيّ الواحد بالخليقة في إطار تدبير الخلاص، لذا شدَّد على وحدة الجوهر الإلهيّ في إطار علاقته مع الخليقة من أجل تدبير الخلاص، أي في سياق تدبيريّ.
  • نقطة انطلاق الكبادوك في مواجهة الآريوسية الناضجة، آريوسية آتيوس وأفنوميوس، هي ثيؤلوجية أو لاهوتية وشخصانية وأنطولوچية، أي ينطلق الكبادوك من العلاقات الأقنومية داخل الثالوث وصولاً إلى وحدة الجوهر الإلهي، لذا شدَّد الكبادوك على ”مونارخية الآب“ كاسم شركة أو علاقة يدل على علاقته بالأقنومين الآخرين في إطار ثيؤلوجيّ صرف.
  • اختلاف السياقات التاريخية بين النيقيين القدامي والجدّد والآريوسيين القدامى والجدّد، وبالتالي، اختلاف مُتطلبات الشرح اللاهوتيّ لعقيدة الثالوث بين ق. أثناسيوس والآباء الكبادوك في مُواجهة هذه السياقات التاريخية.
  • هناك دور رئيسيّ للشرح الكبادوكيّ في إزالة الشبهات الواهية بالسابيلية المزعومة عن الشرح الأثناسيوسيّ.

رينهولد سيبرج

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك

يُشِير البروفيسور الألمانيّ اللوثريّ رينهولد سيبرج، أستاذ اللاهوت في جامعة برلين بألمانيا، إلى الاختلاف في شروحات الثالوث بين ق. أثناسيوس والآباء الكبادوك كالتالي: ”إن التعديل الذي تمَّ إجراؤه هنا على عقيدة نيقية القديمة واضحٌ جدًا. لقد علَّم أثناسيوس (وماركيليوس الأنقريّ) بالإله الواحد، الذي يعيش حياة أقنومية [شخصانية] ثالوثية، والذي يكشف عن نفسه على هذا النحو. بينما يُفكِّر الكبادوكيون في ثلاثة أقانيم إلهية، تُظهِر نفس النشاط، ويُعترَف بأنها تمتلك طبيعة واحدة ولها نفس الكرامة. سرّ السابقين يكمن في الثالوث؛ وسرّ الأخيرين يكمن في الوحدة. وهكذا يحفظ الأخيرون أنفسهم بالكاد وبصعوبةٍ من تعدُّد الآلهة. ولكن بهذه الطريقة فقط تحرَّرت العقائد النيقية، بالنسبة للشرقيين، من وصمة السابيلية، وبدت أقنومية [شخصانية] اللوغوس مُؤكَّدةً بما فيه الكفاية. لقد فسَّر الكبادوكيون عقيدة أثناسيوس وفقًا للمفاهيم والمبادئ الأساسية لخريستولوچية اللوغوس عند أوريجينوس. ولكنهم دفعوا ثمنًا باهظًا مُقابل إنجازهم، لم يُدرِكوا حجمه: أي فكرة الإله الشخصيّ [الشخصانيّ]. والنتيجة هي ثلاثة أشخاص [أقانيم] وجوهر مُجرَّد وغير شخصانيّ [متأقنم]. بهذا الشكل تكون الأوسيا [الجوهر] والطبيعة عبءً ثقيلاً على العقيدة الخاصة بالله؛ لأنهما يتعارضان مع شخصانية [أقنومية] الله. لقد كان تصحيحًا جزئيًا لهذا، أنهم، بعد كل شيء – بشكلٍ غير مُتسقٍ – عرَّفوا الألوهة بالآب، والذي كان مرةً أخرى من بقايا التراتبية السابقة. الآب هو الألوهة كمصدر يصدر منه الابن والروح [القدس]: ’الطبيعة واحدةٌ في الثلاثة، أي الله؛ لكن الاتحاد هو الآب، الذي منه وإليه يُشَار إليهما بدورهما‘ (ق. غريغوريوس النزينزي، خطبة 42: 15؛ خطبة 20: 8). وعلى وجه الخصوص: ’لأنه من أقنوم الآب نفسه يُولَد الابن وينبثق الروح القدس. وهكذا بالتأكيد أيضًا الواحد، الذي هو علة الأشياء، التي تحدث بواسطته، تدعوه أنتَ إلهًا واحدًا، لأنه أيضًا فيهم‘ (Greg. Nyss. Ohl. Ii. 226; Apollin. Χαπά μερ. Etc., pp. 373, 273). وهكذا، حلَّت عقيدة الإله الثالوثيّ المشابه في الطبيعة محل تصوُّر إله ثالوثيّ ذي طبيعة واحدة. لقد كان أثناسيوس قادرًا على تحمُّل الأخير، دون أن يدعمه بحماسةٍ، أو يدين ماركيليوس، لأنه يمكن أن يُفهَم مماسبق أنه قد تمَّ حثه على القيام بذلك (ق. باسيليوس رسالة 125). كان هذا هو تعليم الرجال الذين اَعتبروا أنفسهم ورثة قانون الإيمان النيقاويّ (ق. باسيليوس رسالة، 52: 1). ’لقد أعتقدوا بأن الله الذي نعبده باعتباره فوق الملائكة (Bas. Horn. 15. 1) يجب فهمه بدقةٍ فيما يتعلق بهذه الصيغ‘، لأنه ’فيما يتعلق بالتعليم عن الله، فإن الاستخدام المختلف للمصطلحات لم يعدّ غير ضار، لأن ما كان شيئًا صغيرًا آنذاك، لم يعد شيئًا صغيرًا‘ (Greg. Nyss. Ohl. Ii. 192). لقد أنتجت صراعات العصر والتلاعُّب بالصيغ مفهومًا مُرهِقًا عن الأرثوذكسية. لقد صاغ هؤلاء الآباء – بالتحالف مع العالم – أرثوذكسيةً في القالب اليونانيّ“.[58]

كارل رانر

وحدة الألوهة في أقنوم الآب

يُشِير اللاهوتيّ الألمانيّ الكاثوليكي الشهير كارل رانر إلى ”مونارخية الآب“ في عقيدة الرسل وكتابات الآباء اليونانيين قائلاً: ”وإذَا كنا نقصد أن لفظ الجلالة ’الله‘ في الكتاب المقدس وكتابات الآباء اليونانية يعني في المقام الأول الآب (لا أن ندع الكلمة ببساطة تفترض أنه الآب)، عندئذٍ، نجد أن البنية الثالوثية لعقيدة الرسل، التي تتناغم مع اللاهوت اليونانيّ للثالوث، ستؤدي بنا إلى أن نتعامل أولاً مع الآب، وأن نأخذ في اعتبارنا أيضًا، في هذا القسم الأول من عقيدة الله، ’جوهر‘ الله، أي ألوهية الآب“.[59]

ويُؤكِّد كارل رانر على الحقيقة السابقة في موضع آخر قائلاً: ”تعترف الكنيسة في إيمانها بإلهٍ واحدٍ قادرٍ على كل شيء، يظهر لها باعتباره الربَّ العامل في تاريخ الخلاص، وخالق كل الحقائق المحدودة، وتؤمن به باعتباره ’الآب‘. وهكذا تبدأ صيغة اعتراف الإيمان: ’نؤمن بإلهٍ واحدٍ، آبٍ قديرٍ‘. بالطبع، كان يمكننا أن نبدأ أيضًا بالاعتراف بالثالوث. على أيّ حال، يجب ألا يعني هذا أنه يوجد نوع من الألوهة بشكلٍ ما – فيما وراء الأقانيم الثلاثة – وأنها مقصودةٌ بشكلٍ كاملٍ من خلال الاعتراف، والتي، من ثمَّ، تُفضِي إلى الشخصة الثلاثية. فالاعتراف الإيمانيّ والممارسات الدينية يُقصَد بهما الحفاظ على سلامة الحقيقة الخلاصية. لكن الثالوث، على هذا النحو ’ثلاثية‘، وبالتالي، يُعدّ مفهوم الوحدة، مفهومًا لاحقًا، بما أنه يجمع ’الثلاثة‘ معًا في وحدةٍ فيما يتعلق تحديدًا بذاك (أي الأقنوم) الذي من خلاله هم متمايزون بشكل تامٍ. وهذا كله يُفسِّر السبب في أنه من المشروع تمامًا، حتى في تنظيم منهجيّ لعقيدة الكنيسة، أن نبدأ كما في العقائد القديمة بالاعتراف الإيمانيّ بالآب“.[60]

شرح الثالوث بين الشرق والغرب

يُشِير كارل رانر إلى اختلاف شرح الثالوث بين الشرق والغرب، حيث كانت نقطة انطلاق الكتاب المقدَّس والأباء اليونانيين هي الإله الواحد القائم بذاته، الذي هو آبٌ بالفعل، ولكن نقطة البداية اللاتينية تبدأ من وحدانية الجوهر الإلهيّ وصولاً إلى تمايُّز الأقانيم كالتالي: ”لا شك في أن مزيدًا من الاهتمام قد خُصِّصَ، ويجب أن يُخصَّص، عندئذٍ، حتى لا يُنظَر إلى هذا ’الجوهر‘ الإلهيّ نفسه على أنه حقيقة ’رابعة‘ سابقة الوجود في الأقانيم الثلاثة. وبالنسبة للكتاب المقدَّس والآباء اليونانيين فسيجعلون نقطة الإله الواحد القائم بذاته، الذي هو آبٌ بالفعل حتى من دون معرفة أي شيء بعد عن الولادة والانبثاق. فهو يُعرَف بأنه الأقنوم الواحد القائم بذاته الذي لا يمكن إدراكه ’فعليًا‘ باعتباره ’مطلقًا‘، حتى قبل أن يُعرَف بوضوحٍ بكونه نسبيًا [علائقيًا]. لكن نقطة البداية ’اللاتينية‘ المرتبطة بالعصور الوسطى جاءت مُختلفةً. وهكذا، قد يؤمن المرء بأن اللاهوت المسيحيّ أيضًا ربما، بل ويجب عليه أن يضع البحث في ’الإله الواحد‘ قبل البحث في ’الإله الثالوثيّ‘. ولكن بالنظر إلى أن هذا المنهج تُبرِّره وحدانية الجوهر الإلهيّ، فإن البحث الوحيد الذي يُكتَب، أو من الممكن كتابته، هو ’عن الإله الواحد‘. ونتيجةً لذلك، يصبح المبحث فلسفيًا ومُجرَّدًا بالكامل، ولا يشير على الإطلاق إلى تاريخ الخلاص“.[61]

سر مونارخية الآب ووحدة السمو الإلهي

يُشِير كارل رانر إلى سر مونارخية الآب ووحدة السمو الإلهيّ كالتالي: ”وتمشيًا مع هذه الفكرة، بوسعنا أن نشير إلى أن وحدة السمو الإلهيّ الأساسية هي سر لا يُسبَر غوره، والتي تظلّ غامضةً إلى الأبد عبر التاريخ، ووحدة سمو التاريخ تحمل أعماقها النهائية وجذورها الأكثر عمقًا في الثالوث، الذي فيه الآب هو الأصل الذي لا يُستقصَى والوحدة الأصلية، و’الكلمة‘ (اللوغوس) هو نطقه في التاريخ، و ’الروح القدس‘ انفتاح التاريخ على أصله الأبويّ الوثيق وغايته. وعلى وجه الدقة، فإن ثالوث تاريخ الخلاص هذا، على النحو الذي به يُعلِن ذاته لنا بالأعمال هو الثالوث في جوهره (المحايث)“.[62]

جوهانس كواستن

الآب هو الينبوع والمصدر عند ق. أثناسيوس

يُشِير عالم الآبائيات الكاثوليكيّ الألمانيّ الشهير چوهانس كواستن إلى تفسير ق. أثناسيوس لأية ”أبي أعظم مني“ في سياق ثيؤلوجيّ وليس إيكونوميّ، بمعنى أن الآب هو المصدر والينبوع، مع رفض ق. أثناسيوس لتعليم التراتبية Subordinationism في الثالوث قائلاً: ”ولا يوجد هناك أيّ مجال لأن يكون الابن أقل من الآب Subordinationism في التعليم عن اللوغوس. وإذَا قال الابن: ’أبي أعظم مني‘، فإن هذا يعني أن الآب هو المصدر والينبوع، والابن مولودٌ منه (Or. Arian. 3, 3; 4 EP 760/776). والابن مولودٌ أزليًا من جوهر الآب έκ τής ούσίας τοϋ πατρός، وهو واحدٌ في ذات الجوهر مع الآب όμοούσιος. وقد استخدم مجمع نيقية المصطلحين، ويَعتبرهما ق. أثناسيوس جوهرين بشكلٍ مطلقٍ، بينما تجاهل مصطلح ’مُشابِه‘ όμοιος لأنه غير مُرضٍ“.[63]

 

 

مونارخية الآب في الدراسات القبطية الحديثة

سوف نستعرض في هذا الجزء من بحثنا رأي اثنين من أفضل الباحثين الأقباط في الأونة الأخيرة وهما: المتنيح د. چورچ عوض، والمتنيح د. سعيد حكيم، اللذين كانا باحثين بالمركز الأرثوذكسيّ للدراسات الآبائية بالقاهرة والأستاذين لعلم الآباء ”الباترولوچي“ في الكلية الإكليريكية والمعاهد التعليمية.

يتحدَّث الباحثان القبطيان الكبار عن ”مونارخية الآب“ في الثالوث وفي تعاليم آباء الكنيسة، وذلك ردًا على الإدعاءات الواهية بأن مونارخية الآب هي الهرطقة الآريوسية، وهذا كلام عارٍ تمامًا عن الصحة، ونابع عن جهل وعدم وعي بتعاليم آباء الكنيسة بمونارخية الآب في الثالوث، بل ويتهم آباء الكنيسة ضمنيًا بالهرطقة الآريوسية لأنهم ينادون بمونارخية الآب، وهذا محض عبث وهراء.

جورج عوض إبراهيم

مونارخية الآب عند ق. كيرلس الإسكندري

يتحدَّث المتنيح د. چورچ عوض ابراهيم، ردًا على الذين يقولون إن آباء كنيسة الإسكندرية لا يعرفون شيء اسمه مونارخية، بأن التعليم باعتبار الآب هو بداءة اللابداءة للابن والروح القدس يُمثِّل واحدًا من التعاليم الأساسية عن الثالوث عند ق. كيرلس الإسكندريّ، قائلاً: ”إن الرأي العقيديّ بخصوص اعتبار الآب هو بداءة اللابداءة للابن والروح القدس يُمثِّل واحدًا من التعاليم الأساسية عن الثالوث عند ق. كيرلس الإسكندريّ في شرحه للعلاقة الأزلية بين الآب والابن والروح القدس“.[64]

ويستطرد د. چورچ عوض في نفس السياق مُؤكِّدًا على أن التعبير عن الآب بأنه بداية اللابداية للابن هو تعبير يصف العلاقة السببية الأزلية بين الآب والابن، أي العلاقة السببية التي توجد بين الآب كعلةٍ أزليةٍ والابن كنتيجةٍ أزليةٍ لهذه العلة كالتالي: ”التعبير عن الآب بأنه بداية اللابداية للابن هو تعبير يصف العلاقة السببية الأزلية بين الآب والابن، أي العلاقة السببية التي توجد بين الآب كعلةٍ أزليةٍ، والابن كنتيجةٍ أزليةٍ لهذه العلة، وبذلك فهو يخص المفهوم اللاهوتيّ للولادة الأزلية للابن من الآب“.[65]

المفهوم الأرثوذكسي لمونارخية الآب

ويُؤكِّد د. چورچ عوض في موضع آخر على أن الآب هو البداية الازلية، والمصدر الأزلي للألوهية. الحقيقة الوجودية الأكثر عمقًا في الله هو أنه شخصٌ، ولا يوجد بأيّ طريقة أخرى إلا فقط بكونه شخص، فالآب هو علة الوجود الإلهيّ، بل اسمه هو اسم شركة قائلاً: ”الآب هو البداية η αρχή الأزلية، والمصدر πηγή الأزليّ للألوهية. إذًا، الله هو واحدٌ، لأنه واحدٌ هو الآب الذي يلد أزليًا الابن وينبثق منه الروح القدس أيضًا. هكذا أشخاص الثالوث القدوس هم من نفس الجوهر مع الآب، لكن الابن والروح القدس لهما علتهما الأزلية في شخص الآب. الحقيقة الأنطولوچية (الوجودية) الأكثر عمقًا في الله هو أنه شخصٌ، ولا يوجد بأيّ طريقة أخرى إلا فقط بكونه شخص. الآب هو علة الوجود الإلهيّ، بل اسمه هو اسم شركة“.[66]

سعيد حكيم يعقوب

شرح الثالوث بين ق. أثناسيوس والكبادوك

يرى المتنيح د. سعيد حكيم أن ق. أثناسيوس تفرد بتقديم رؤية مختلفة عن الآباء الذين علموا بأن الآب هو المبدأ الأقنوميّ لأقنومي الابن والروح القدس مثل العلامة ديديموس الضرير، وق. باسيليوس الكبير، وق. غريغوريوس النيسيّ، وق. غريغوريوس النزينزيّ كالتالي: ”القديس أثناسيوس تفرد بتقديم رؤية مختلفة عن الآباء الذين علَّموا بأن الآب هو المبدأ الأقنوميّ لأقنومي الابن والروح القدس، مثل العلامة ديديموس الضرير، وق. باسيليوس، وق. غريغوريوس النيسيّ، وق. غريغوريوس النزينزيّ، فعندما تناول الآباء موضوع μοναρχία المونارخية، أي وحدة المبدأ، كان للقديس أثناسيوس رأيًا خاصًا فقد أقر في خطابه للأنطاكيين بالاعتراف بثالوث قدوس، لكن لاهوت واحد ومبدأ واحد αρχή، وبأن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب، كما أن الروح القدس غير منفصل عن جوهر الآب والابن. إلا أن قبوله بصيغة جوهر واحد وثلاثة أقانيم μία ούσία τρείς ύποστάσεις، لم يمنعه من رفض الرأي المنادي بوحدة المبدأ μοναρχία الذي تعتمد فيه وحدانية الله على شخص الآب. فحين يُشَار إلى أن الآب هو العلة αίτιος والمبدأ αρχή للابن، فإن المقصود هو التعبير عن حقيقة ثابتة ومطلقة، وهو أن الآب هو أبو الابن، وإن الابن هو ابن الآب“.[67]

مونارخية الآب في تعليم الآباء الشرقيين

ويُؤكِّد د. سعيد حكيم على أن الآباء الشرقيين قد نادوا بأن الآب هو المصدر والعلة في الثالوث، وأن الابن والروح القدس هما واحدٌ مع الله الآب في الجوهر قائلاً: ”لقد تمسك الآباء الشرقيون بمصطلحات العهد الجديد، فالإشارة إلى كلمة الله تتضمن الله الآب وابنه يسوع المسيح، كما جاء في (رو ٢: ٦؛ ٢كو ١١: ٣١؛ أف ١: ٣). فالله الآب هو خالق السماء والأرض، وهو بداية الوحدة الكونية لهذا العالم، الذي هو بالطبيعة خارج نطاق الألوهية، وهو المصدر والعلة، وأن الابن والروح القدس هما واحدٌ مع الله الآب في الجوهر“.[68]

ويُؤكِّد د. سعيد حكيم في نفس السياق على أن التعليم اللاهوتيَّ عن الوحدة والتمايُّز في الثالوث القدوس، الذي أرسى مبادئه ق. إيرينيؤس، قد بدأ تقليد امتد إلى العصور اللاحقة، ووجد التعبير الكامل عنه من خلال الآباء الكبادوك، والذي يُقرّ ويعترف بأنه في شخص الله الآب تكمن الوحدة في الله، هذه الوحدة تحمل طابعًا خاصًا وتستند إلى أن الآب هو المصدر والأصل، وليست طبيعة إلهية مجهولة ليس لها كيانًا كالتالي: ”وهكذا من خلال هذا التعليم اللاهوتيّ عن الوحدة والتمايُّز في الثالوث القدوس، الذي أرسى مبادئه ق. إيرينيؤس، قد بدأ تقليد امتد إلى العصور اللاحقة، ووجد التعبير الكامل عنه من خلال الآباء الكبادوك، والذي يُقرّ ويعترف بأنه في شخص الآب، تكمن الوحدة في الله. هذه الوحدة تحمل طابعًا خاصًا وتستند إلى أن الآب هو المصدر أو الأصل، وليست طبيعةً إلهيةً مجهولةً ليس لها كيانًا“.[69]

نستخلص مما سبق عرضه في كتابات د. چورچ عوض ود. سعيد حكيم النتائج التالية:

  • علَّم آباء الكنيسة الجامعة منذ ق. إيرينيؤس وحتى ق. كيرلس الإسكندريّ بمونارخية الآب.
  • علَّم آباء كنيسة الإسكندرية مثل ق. كيرلس الإسكندري والعلامة ديديموس الضرير الإسكندريّ بمونارخية الآب في الثالوث، وليس كما يدَّعي البعض بأن آباء كنيسة الإسكندرية لم يُعلِّموا بشيء اسمه مونارخية من الأساس.
  • القديس أثناسيوس حالة خاصة دون باقي آباء كنيسة الإسكندرية والآباء الكبادوك الذي نادى بمونارخية ثالوثية، وإنْ كان لم يرفض رفضًا تامًا مونارخية الآب، بل فسَّرها في ضوء الولادة الأزلية للابن من الآب.
  • مونارخية الآب ليس تعليمًا آريوسيًا، كما يدَّعي البعض عن جهل وعدم وعي، بل هو تعليمٌ أرثوذكسيّ سليم راسخ وثابت في كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا وفي تقاليد كنسية مختلفة، سواء، إسكندريّ، أنطاكيّ، كبادوكيّ، غربيّ لاتينيّ قبل أوغسطينوس وتوما الأكوينيّ والعصر الوسيط.

[1] كليمندس الإسكندري (علامة)، المتفرقات (نسخة إليكترونية)، ترجمة: الأب الدكتور بولا ساويروس، (القاهرة، موقع الكنوز القبطية)، 5: 14: 28، 29، ص 945، 946.

[2] أوريجينوس (علامة)، تفسير إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الراهب مكاري البهنساوي، تحت إشراف: الأنبا اسطفانوس أسقف ببا والفشن، (القاهرة، 2020)، ص 122، 123.

[3] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، تفسير إنجيل لوقا (لو 22: 42-48)، ص 211، 212.

[4] ديديموس الضرير (علامة)، الروح القدس، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2015)، 4: 113-115، ص 73-75.

[5] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 28، ص 96.

[6] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 10: 10، ص 124.

[7] كيرلس الأورشليمي (قديس)، العظات، ترجمة: الأب چورچ نصور، (لبنان: رابطة معاهد اللاهوت في الشرق الأوسط، الكسليك، 1982)، 11: 14، ص 173.

[8] إبيفانيوس أسقف سلاميس (قديس)، أنكوراتوس (المثبَّت بالمرساة)، ترجمة: راهب من دير الانبا أنطونيوس، (البحر الأحمر: دير أنبا أنطونيوس، 2018)، 2: 4-6، ص 139، 140.

[9] ثيؤفيلوس الأنطاكي (قديس)، الرد على أتوليكوس، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2019)، 1: 3، ص 39.

[10] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 2، ص26.

[11] ساويروس الأنطاكي (قديس)، رسائل القديس ساويروس الأنطاكي (الرسائل 1-52)، ترجمة: الراهب جرجس الأنطوني، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2016)، رسالة 23 إلى الكهنة والأرشمندريتين يوناثان وصموئيل ويوحنا العموديين، ص 113.

[12] غريغوريوس العجائبي (قديس)، خطاب إلى المعلم أوريجينوس، ترجمة: مكاريوس جبور وناتاشا يازجي، (لبنان: منشورات النور، 2000)، فصل 38، ص 7.

[13] باسيليوس الكبير (قديس)، ضد أفنوميوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، مراجعة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، 3: 1، ص 206.

[14] غريغوريوس النزينزي (قديس)، الخطب 27-31 اللاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1993)، خطبة 29: 3، ص 82.

[15] غريغوريوس النيسي (قديس)، خطاب إلى اليونانيين ’عن الاصطلاحات العامة‘، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: دورية مدرسة الإسكندرية عدد 29، 2020)، ص 19، 20.

[16] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 5: 18: 2، ص 318.

[17] ترتليان الأفريقي (علامة)، ضد براكسياس أو عن الثالوث القدوس، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الفصل 3، ص 87.

[18] نوفاتيان الأفريقي، عن الثالوث، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: رسالتنا للنشر والتوزيع، 2022)، 31: 15، 16، ص 146، 147.

[19] أمبروسيوس أسقف ميلان (قديس)، شرح الإيمان المسيحي، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 4: 10: 133، ص 263.

[20] هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير البحر الأحمر، (البحر الأحمر: دير أنبا أنطونيوس، 2017)، 3: 4، ص 276.

[21] كاليستوس وير (مطران)، الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعقيدة، (منشورات النور، ١٩٨٢)، ص ٣٢.

[22] بول أفدوكيموف، الروح القدس في التراث الأرثوذكسي، ترجمة: المطران إلياس نجم، مراجعة: المطران چورچ خضر، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ١٩٨٩)، ص ٤٢، ٤٣.

[23] إيريثيؤس فلاخوس (مطران)، الأعياد السيدية، ترجمة: الأب أنطوان ملكي، (لبنان: مكتبة البشارة، بانياس، 2017)، ص 315.

[24] Georges Florovsky, The Eastern Fathers of Fourth Century, Vol. 7,(Nordland publishing Co., 1972), p. 58.

[25] Ibid, p. 78, 79.

[26] Andrew Louth, Introducing Eastern Orthodox Theology, (USA: IVP Academics, 2013), p. 22.

[27] Ibid, p. 27, 28.

[28] يوحنا رومانيدس (أب)، اللاهوت الآبائي، ترجمة الخورية چولي عطية، مراجعة: الأب أنطوان ملكي، (القاهرة: دار رسالتنا للنشر والتوزيع، ٢٠٢١)، ص ١٩٥.

[29] John Anthony McGuckin, The Orthodox Church: An introduction to its history, doctrine & spiritual culture, (USA: Blackwell publishing, 2008), p. 170.

[30] فلاديمير لوسكي، بحث في اللاهوت الصوفي لكنيسة المشرق، ترجمة: نقولا أبو مراد، مراجعة: رهبنة دير ق. جاورجيوس – دير الحرف، (لبنان: منشورات النور، ٢٠٠٠)، ص ٤٩.

[31] چان كلود لارشيه، في إطار الحوار الأرثوذكسي الكاثوليكي: انبثاق الروح القدس من الآب والابن، مسعى للتقارب أم تكريس للتباعد، ترجمة: الأب الدكتور يوحنا اللاطي، مراجعة: الأرشمندريت توما البيطار، (لبنان: عائلة الثالوث القدوس، ٢٠٠٤)، ص ٣٨.

[32] John D. Zizioulas, Being as Communion, (New York: Saint Vladimir’s Seminary Press, 1997), pp. 40-41.

[33] John D. Zizioulas, Communion and Otherness, Edit. by Paul McPartlan, (London & New York: T&T Clark, 2009), p. 35.

[34] يوحنا زيزيولاس (مطران)، الوجود شركة، ترجمة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٠٦)، ص ٢١، ٢٢.

[35] اسبيرو جبور (شماس)، الله في اللاهوت المسيحي، (لبنان، ١٩٩٦)، ص ٨١.

[36] فالتر كاسبر (كاردينال)، إله المسيحيين، ترجمة: المطران يوحنا منصور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٦)، ص ١٧٨.

[37] المرجع السابق، ص ١٧٨.

[38] المرجع السابق، ص ١٨٠.

[39] المرجع السابق، ص ٢٧٠.

[40] المرجع السابق، ص ٢٧١.

[41] المرجع السابق، ص ٢٧٥.

[42] المرجع السابق، ص ٢٧٥، ٢٧٦.

[43] G. W. H. Lampe, A Patristic Greek Lexicon, (Oxford: At The Clarendon Press, 1961), p. 877.

[44] أليستر أي ماجراث، اللاهوت التاريخي، (لبنان: منهل الحياة، ٢٠٢٢)، ص ٩٧، ٩٨.

[45] المرجع السابق، ص ١٠٢.

[46] المرجع السابق، ص ١٠٨.

[47] المرجع السابق، ص ١١٠.

[48] David K. Bernard, A History of Christian Doctrine Vol. 1, USA, WAP, 1995, p. 130.

[49] Henry C. Sheldon, History of Christian Doctrine, Vol. I, (New York: Harper & Brothers, Franklin Square, 1886), p. 211

[50] K. R. Hagenbach, A History of Christian Doctrine, Vo. I, Intro. by E. H. Plumptre, (Edinburgh, T & T Clark, 1883), p. 372, 373.

[51] Joseph Tixeront, History of Dogmas, Vol. II, Trans. by H. L. B, (USA: St. Louis, MO, 1914), p. 75.

[52] Ibid, p. 79.

[53] Louis Berkhof, The History of Christian Doctrines, London, The banner of truth trust, 1969, p. 89, 90.

[54] Justo L. Gonzalez, A History of Christian Thought Vol. 1, USA, Abingdon Press, 1987, p. 311.

[55] Ibid, p. 314.

[56] J. F. Bethune-Baker, An Introduction to the Early  History of Christian Doctrine, London, Methuen, 1903, p. 211.

[57] Ibid, p. 221, 222.

[58] Reinhold Seeberg, Text-Book of The History of Doctrines, Vol. I, Trans. by Charles E. Hay, (Philadelphia: Lutheran Publication Society, 1905), p. 232, 233.

[59] كارل رانر (يسوعي)، الثالثوث: الله الواحد مصدر تاريخ الخلاص، ترجمة: نيكلس نسيم وتوماس نبيل، (القاهرة: دار الأكويني، 2021)، ص 24.

[60] المرجع السابق، ص 66، 67.

[61] المرجع السابق، ص 25، 26.

[62] المرجع السابق، ص 54، 55.

[63] چوهانس كواستن، علم الآبائيات ”باترولوچيا‘، ترجمة: الراهب غريغوريوس البرموسي ود. نادر مدحت، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2021)، ص 90، 91.

[64] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١١)، مقدمة دراسية، ص ٢٠.

[65] المرجع السابق، ص ٢١.

[66] چورچ عوض (دكتور)، المعرفة الإلهية بين الثيؤلوجيا والايكونوميا، (القاهرة، ٢٠٢٠)، ص ٣٨.

[67] سعيد حكيم (دكتور)، الوحدة والتمايز في الثالوث القدوس بحسب فكر آباء الكنيسة، (القاهرة، ٢٠١٩)، ص ١٣.

[68] المرجع السابق، ص ٢٤.

[69] المرجع السابق، ص ٤٠.

 

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ابريل 2024م

 

 

الفهرست

مقدمة. 1

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس الرسولي. 5

خلاص الإنسان بالتأله. 5

الخلاص بتألهنا عن طريق تأله ناسوت المسيح. 7

الخلاص بالأسرار والتأله. 8

الانجماع الكلي للبشرية في المسيح. 9

مفهوم العدالة الإلهية. 10

مفهوم الفدية. 10

مفهوم الدين. 12

مفهوم اللعنة. 14

مفهوم العداوة 15

دحض نظرية البدلية العقابية. 15

وجودنا الكياني في المسيح أثناء الخلاص… 16

مفهوم التبرير والتقديس.. 16

الخلاص بتأليه البشرية. 21

مفهوم التبرير بالدم 21

التقديس باتحاد الطبيعتين في المسيح. 22

دحض نظرية الإبدال العقابي. 23

مفهوم المصالحة. 24

إعادة خلق الطبيعة البشرية في المسيح. 25

الاتحاد بالآب في المسيح. 27

المبادلة الخلاصية الشفائية وليس العقابية. 28

مفهوم التقدمة. 30

مفهوم الذبيحة. 32

المبادلة الخلاصية وليس العقابية. 34

هدف التجسد هو إبادة الموت.. 35

تجديد الإنسان بنعمة الروح القدس.. 36

انجماع البشرية في المسيح. 36

موت المسيح هو موت جميع البشر. 37

تمجيد البشرية في المسيح. 39

جسد الكلمة هو جسدنا نحن. 41

انجماع البشرية في المسيح. 41

تقديس الأشياء بالروح القدس.. 42

تقديس جسدنا بجسد المسيح. 43

الخلاص بتأليه البشر. 44

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم أنسلم الكانتربري.. 46

الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته. 47

لا يوجد غفران بدون عقوبة. 47

مبدأ إيفاء العدل الإلهي. 48

توضيح نظرية الترضية لأنسلم 49

نقد نظرية الترضية لأنسلم 55

الفصل الثالث: الدراسات الحديثة حول تدبير الخلاص بين الشرق والغرب.. 58

نورمان راسل. 58

توماس تورانس.. 59

خالد أناطوليوس.. 63

جوهانس رولدانوس.. 64

لويس بيركهوف.. 64

ستيفن هولمز. 66

جون كيلي. 68

لورانس جرينستيد 69

هستنجس راشدال. 69

جوناثان هيل. 70

أليستر ماجراث.. 71

كاليستوس وير. 72

فلاديمير لوسكي. 73

جورج فلورفسكي. 74

فالتر كاسبر. 75

جوهانس كواستن. 76

كاثرين ساندرجير. 77

توماس ويناندي.. 78

جوستاف ألين. 78

المطران كيرلس بسترس وآخرون. 79

عبد المسيح اسطفانوس.. 80

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على البدلية العقابية في اللاهوت الغربي. 84

 

 

مقدمة

سوف نحاول في هذا البحث الموجز توضيح نقاط الاختلاف بين تعليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص، وبين تعليم أنسلم رئيس أساقفة كانتربري بانجلترا في القرن الحادي عشر عن الكفارة والفداء، وابتكاره لنظرية ”الترضية“ التي سادت العصر الوسيط في أوروبا، وتسلَّلت إلى كنائسنا في غفلة من الزمن، وذلك للرد على الذين يعتنقون فكرة وجود نظرية البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس الرسوليّ، لاهوتيّ التألُّه والانجماع الكليّ في المسيح، حيث يعتقدون أنهم عندما يجدون كلمات مثل: بدلاً عنا، عوضًا عنا، نيابةً عنا، فدية، ثمن، كفارة، دَّين، ذبيحة لعنة، حكم، وغيرها من المصطلحات القانونية، إنه يوجد بذلك تعليم بدلية عقابية عند ق. أثناسيوس، وهذا ضرب من الوهم والخيال.

فالدراس الحقيقيّ الموضوعيّ لتعاليم ق. أثناسيوس حول تدبير الخلاص، يجد أن تعاليمه الخلاصية تتمحور حول تأليه الطبيعة البشرية عن طريق اتحادها بأقنوم الكلمة في المسيح يسوع ربنا، وتبتعد كل البعد عن نظرية الترضية، أو مصالحة العدل مع الرحمة على الصليب، أو إيفاء العدل الإلهيّ، أو ترضية كرامة الله المهدرة بسبب خطية البشرية غير المحدودة، وغيرها من الأفكار في لاهوت العصر الوسيط التي أنتشرت في أوروبا لقرونٍ عديدةٍ، وسبَّبت العديد من المجادلات والمجامع لعلاج المشاكل الناجمة عن هذه التعاليم الخطيرة البعيدة كل البعد عن التعليم الآبائيّ الشرقيّ الأرثوذكسيّ، الذي يُمثِّله في هذا البحث، ق. أثناسيوس العظيم، مُعلِّم المسكونة.

سنحاول في هذا البحث الموجز استعراض أهم ملامح ومفاهيم تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس، ومقارنتها بنلامح ومفاهيم نظرية الترضية والبدلية العقابية في تعليم أنسلم الكانتربري لإبرارز نقاط الاختلاف الشديدة والواضحة بين التعليمين، وردًا على محاولات البعض عن جهل ودون دراسة وعلم ووعي بالدراسات الأكاديمية إلصاق تعليم البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس الرسوليّ.

أود التنويه إلى أن البعض يدَّعي أننا نُقدِّم تعليم غربيّ أكاديميّ غير أرثوذكسيّ، ويبدو أنهم نسوا أو تناسوا أو نغافلوا عن أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أكثر كنيسة استفادت من الإسهامات الغربية الأكاديمية الحديثة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: ترجمة كرنيليوس قاندياك البروتستانتية الغربية مع البستانيّ، وهي الترجمة المعتمدة حاليًا في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وهناك أيضًا مجلدات كتابات آباء ما قبل نيقية ونيقية وما بعد نيقية التي يتهافت الباحثين الأقباط وغيرهم من المترجمين حاليًا على ترجمتها والاقتباس منها بكل اريحية وثقة، وهي في الأساس منتج بروتستانتيّ غربيّ صرف، فالمحرِّر لهذه المجلدات هو فيليب شاف مؤرخ وأستاذ لاهوت بروتستانتيّ، وفريقه من المترجمين لمجموعة المجلدات والمحرِّرين المساعدين أغلبهم بروتستانت غير أرثوذكس، سأكتفي بهذين المثالين، رغم أن الأمثلة كثيرة جدًا، ولكن حتى لا أطيل على القارئ، سأكتفي بذلك. فالذي يُغفِل الإسهام الأكاديميّ الغربيّ غير الأرثوذكسيّ في العالم المسيحيّ، فهو إمَّا جاهل أو شعبويّ أو مُنافِق أو مُخادِع أو مُدلِّس أو ناكر الجميل والمعروف، وسامحوني في هذه الألفاظ، لأنه كم الخداع والتضليل والتدليس والتجهيل والتغييب وصل لدرجاتٍ غير مسبوقة، نصلي إلى الله أن يغير النفوس، وينير العيون والقلوب لمجد اسمه القدوس.

أود التنويه أيضًا إلى أن النصوص المذكورة في هذا البحث الموجز، سواء للقديس أثناسيوس الرسوليّ أو أنسلم الكانتربريّ، هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من النصوص الأخرى التي تخدم هدف البحث، كما ذكرنا أعلاه، ولكننا أكتفينا بهذه النصوص لتوضيح الفكرة والهدف من البحث للقارئ العزيز.

وأخيرًا، أصلي إلى الله أن يمون هذا البحث سبب بركة ونعمة في حياة الكثيرين، بصلوات وشفاعات القديسة العذراء مريم والدة الإله، وصلوات وشفاعات الآباء القديسين مُعلِّمي الكنيسة العظام الذين أثروا العالم بتعاليمهم الغنية والعميقة.

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس الرسولي

سوف نتتبع في هذ الفصل ملامح ومفاهيم تدبير الخلاص في تعليم القديس أثناسيوس، وذلك لمقارنتها بين تعليم أنسلم الكانتربريّ، وذلك لتوضيح نقاط الاختلاف الشديدة بين مفهوم ق. أثناسيوس للخلاص ومفهوم أنسلم للترضية والكفارة، الذي يؤمن به البعض في أيامنا هذه ويُدافِع عنه وكأنه تعليم آبائيّ أرثوذكسيّ سليم، رغم أنه تعليم معيب وغير أرثوذكسيّ تركه أصحابه وانتقدوه، ولكن يتشبث به الجهلاء في عصرنا هذا عن دون دراية ووعي ودراسة لتاريخ تطوُّر شرح العقيدة المسيحية عبر العصور.

خلاص الإنسان بالتأله

يقول ق. أثناسيوس عبارته التبادلية الشهيرة التي تُوضِّح عقيدة التألُّه بالنعمة، لكي يؤكد أن المسيح قد تجسَّد من أجل أن يؤلهنا، وبالتالي، الخلاص في فكر ق. أثناسيوس هو من خلال تأليه الإنسان كالتالي:

”ﻷن كلمة الله صار انسانًا لكي يُؤلِّهنا نحن“.[1]

ويتحدَّث ق. أثناسيوس أيضًا عن عقيدة التألُّه بالنعمة، وتألُّه ناسوت المسيح الذي صار طريقًا نحو تأليه أجسادنا أيضًا قائلاً:

”فإن اللوغوس لم يحط قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالحري فإن الجسد الذي لبسه قد تألَّه، بل وأكثر من ذلك فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجةٍ أكثر“.[2]

يشير ق. أثناسيوس إلى أننا بشركتنا في الروح القدس نصير شركاء الطبيعة الإلهية، وبالتالي يُثبِت عقيدة ألوهية الروح القدس مُستخدِمًا عقيدة التألُّه بالنعمة، حيث يرى أنه إذَا كان الروح القدس مخلوقًا، فكيف يُؤلِّهنا نحن البشر بالنعمة كالتالي:

”ولكن إنْ كُنا بالاشتراك في الروح نصير شركاء الطبيعة الالهية، فإنه يكون من الجنون أن نقول إن الروح من طبيعة المخلوقات، وليس من طبيعة الله، وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه يتألَّهون، وإنْ كان [الروح القدس] يُؤلِّه البشر فلا ينبغي أن يشك في أن طبيعته هي طبيعة إلهية“.[3]

وهكذا يُؤكِّد ق. أثناسيوس هنا أن مَنْ يُشكِّك في تأليه الروح القدس للبشر بالنعمة هو كمَّن يُشكِّك في ألوهية الروح القدس ويدعوه جنونًا.

يدحض ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية ويشير إلى أن الكلمة صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته، وهكذا نقل المسيح في نفسه جنسنا نحن البشر الضالين لكي نصبح نسلاً مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية، ولم يقل مات بديلاً عقابيًا عن البشر، بل نقل البشر في نفسه لكي يتألهوا بمشاركة طبيعته الإلهية، مما يؤكد على أن مفهوم الخلاص عند ق. أثناسيوس هو من خلال تأليه الإنسان كالتالي:

”لأنه قد صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته. وقد صار جسدًا من امرأةٍ ووُلِدَ من عذراء كي ينقل إلى نفسه جنسنا نحن البشر الذين ضلَّلنا، ولكي نصبح بذلك جنسًا مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4) كما كتب بطرس المطوَّب“.[4]

ويرى ق. أثناسيوس أن كل الأشياء التي تألم بها جسد الكلمة البشريّ كان الكلمة الذي سكن الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع أن نشترك نحن البشر في لاهو الكلمة، لا يوجد مكان هنا للبدلية العقابية، بل اشتراك البشرية المتَّحِدة بالكلمة في لاهوته، لا يوجد مكان هنا لإنزال عقوبة الموت على الكلمة الذي سكن الجسد، بل توجد شركة للبشرية في لاهوت الكلمة كالتالي:

”لأن تلك الأشياء التي كان يتألم منها جسد الكلمة البشريّ، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة“.[5]

الخلاص بتألهنا عن طريق تأله ناسوت المسيح

يُؤكِّد ق. أثناسيوس الرسوليّ على تألُّه ناسوت المسيح كوسيلة لتألُّه أجسادنا، ويُؤكِّد أيضًا على تبادل الخواص أو الصفات أو الأسماء في المسيح كالتالي:

”بل كُتِبَت هذه العبارة عنه بسببنا ولأجلنا. لأنه كما مات المسيح ثم رُفِعَ كإنسان، فبالمثل قيل عنه إنه أخذ كإنسان ما كان له دائمًا كإله، وذلك لكي تصل إلينا عطية مثل هذه النعمة، فإن اللوغوس لم يحط من قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالأحرى فإن الجسد الذي لبسه قد تألَّه، بل وأكثر من ذلك، فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجة أكثر“.[6]

ويُكرِّر ق. أثناسيوس نفس الحديث عن تألُّه ناسوت المسيح في موضع آخر كالتالي:

”لأنه حينما صار إنسانًا، لم يكف عن أن يكون الله، ولا بسبب كونه الله يتجنب ما هو خاص بالإنسان، حاشا بل بالحري، إذ هو الله فقد أخذ الجسد لنفسه، وبوجوده في الجسد، فإنه يُؤلِّه الجسد“.[7]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس أيضًا على تألُّه ناسوت المسيح كوسيلة لخلاصنا عن طريق تألُّه أجسادنا باتحادنا به قائلاً:

”وعندئذٍ لم يقل ’والابن‘ كما سبق وقال إنسانيًا، بل قال: ’ليس لكم أن تعرفوا‘، لأن الجسد عندئذٍ كان قد قام وخلع عنه الموت وتألَّه، ولم يعد يليق به أن يجيب بحسب الجسد عندما كان مُنطلقًا إلى السماوات، بل أن يُعلِّم بطريقةٍ إلهيةٍ“.[8]

الخلاص بالأسرار والتأله

يشير ق. أثناسيوس إلى تقديسنا وتأليهنا بتناولنا من جسد الكلمة نفسه وليس بتناول مُجرَّد جسد لإنسانٍ ما، حيث أننا ننال التألُّه بالنعمة من خلال الاتحاد السريّ بجسد الكلمة ذاته في الإفخارستيا، وبالتالي تُعتبر الأسرار الكنسية ضروريةً في نوال نعمة التألُّه والحياة الأبدية كالتالي:

”ولكن ’الكلمة صار جسدًا‘ (يو 1: 14) مرةً واحدةً في ملء الزمان ليزيل الخطية، ووُلِدَ من العذراء مريم إنسانًا مثلنا، كما قال لليهود: ’تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق‘ (يو 8: 40)، لذا نحن نتألَّه بتناولنا جسد الكلمة نفسه، وليس باشتراكنا في جسد إنسانٍ ما“.[9]

الانجماع الكلي للبشرية في المسيح

يتحدَّث ق. أثناسيوس عن وجودنا الكيانيّ في المسيح عند موته، ويتحدَّث عن موت الجميع في المسيح مُؤكِّدًا على وحدة الجنس البشريّ في المسيح آدم الجديد قائلاً:

”لكي إذَا كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطِل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفِذَ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر“.[10]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على وحدة البشرية في شخص المسيح، لارتباطنا به في جسده، وصعودنا معه إلى السماء في جسده، وهكذا يصير لنا شركة الحياة الأبدية، لأننا لم نعد بشرًا عاديين، بل صرنا في اللوغوس لوغسيين كالتالي:

”ولكن ارتباطنا بالكلمة الذي من السماء، فأننا نُحمَل إلى السموات بواسطته، لذلك بطريقةٍ مماثلةٍ قد نقل إلى نفسه أوجاع الجسد الأخرى لكي يكون لنا شركة في الحياة الأبدية، ليس كبشر فيما بعد، بل أيضًا لأننا قد صرنا خاصين بالكلمة [أي لوغسيون]“.[11]

مفهوم العدالة الإلهية

يربط ق. أثناسيوس الرسوليّ بين العدل والقداسة في الله، فالله هو عادلٌ وقدوسٌ بطبيعته قائلاً:

”ولكنه لكونه إله وكلمة الآب، فهو قاضٍ عادلٍ ومُحِب للفضيلة، وبالأحرى هو مانح الفضيلة. إذًا، فهو عادلٌ وقدوسٌ بطبيعته. فلهذا يُقَال إنه يحب البر ويبغض الإثم (إش 61: 8). وهذا يُعادِل القول القائل إنه يحب الصالحين ويُعِينهم“.[12]

مفهوم الفدية

نجد مفهوم ومجاز الفدية الخاص بالحروب والأسر عند ق. أثناسيوس، حيث يشير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح الفدية للموت من أجل خلاص كل الخليقة، وذلك من خلال مجيئه في الجسد كالتالي:

”فإن مجيء المخلِّص مُتجسِّدًا، قد صار فديةً للموت وخلاصًا لكل الخليقة“.[13]

ويتحدَّث ق. أثناسيوس في موضع آخر عن تقديم المسيح الفدية للموت من أجل خلاص الكل قائلاً:

”وبموته صار الخلاص للجميع، وتمَّ الفداء لكل الخليقة. هذا هو ’حياة‘ الكل، الذي سلَّم جسده للموت كحَمَل فدية لأجل خلاص الكل، ولو لم يؤمن اليهود بذلك“.[14]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على تقديم المسيح الفدية للموت عن حياة الجميع كالتالي:

”ولأن كلمة الله هو فوق الجميع، فقد كان لائقًا أن يُقدِّم هيكله الخاص وأداته البشرية فديةً عن حياة الجميع مُوفِيًا دَّين الجميع بموته. وهكذا باتَّخاذه جسدًا مماثلاً لجسد جميع البشر وباتحاده بهم، فإن ابن الله عديم الفساد ألبس الجميع عدم الفساد بوعد القيامة من الأموات. ولم يعدّ الفساد الفعلي بالموت له أي سلطان على البشر بسبب الكلمة الذي جاء وسكن بينهم بواسطة جسده“.[15]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح جسده للموت وإقامته ثانيةً كالتالي:

”ولهذا السبب أيضًا فإنه لم يُتمِّم ذبيحته عن الكل بمُجرَّد مجيئه مُباشرةً، بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانيةً“.[16]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن الدَّين المستحق على الجميع هو دَّين الموت، وبالتالي أسلَّم المسيح هيكله للموت من أجل إيفاء دَّين الموت كالتالي:

”ولمَّا كان من الواجب وفاء الدَّين المستحق على الجميع، إذ – كما بيَّنا سابقًا – كان الجميع مستحقين الموت، فلأجل هذا الغرض، جاء المسيح بيننا. وبعدما قدَّم براهينًا كثيرةً على ألوهيته بواسطة أعماله في الجسد، فإنه قدَّم ذبيحته عن الجميع، فأسلَّم هيكله للموت عوضًا عن الجميع“.[17]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس أيضًا على أن موت الرب هو الفدية عن الجميع من أجل نقض حائط السياج المتوسط كالتالي:

”وإضافة إلى ذلك، إنْ كان موت الرب هو فديةٌ عن الجميع وبواسطة موته هذا ’نقض حائط السياج المتوسط‘، وصارت الدعوة لجميع الأمم“.[18]

يتحدَّث ق. أثناسيوس عن تقديم المسيح الفدية للآب، ولكن ليس بمعنى الإبدال العقابيّ، بل من أجل تطهيرنا من الخطايا بدم نفسه، وبإقامتنا من بين الأموات كالتالي:

”وعندما أراد الآب أن تُقدَّم الفدية لأجل الجميع، وأن تُعطَى النعمة الكل، عندئذٍ مثلما أرتدى هارون الجبة؛ أخذ الكلمة جسدًا من الأرض مُتَّخِذًا له من مريم الجسد كما من أرض بكر حتى إذ يكون له – كرئيس كهنة – شيء يُقدِّمه، فهو يُقدِّم ذاته للآب، ويُطهِّرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه، ويُقِيمنا من بين الأموات“.[19]

مفهوم الدين

يستخدم ق. أثناسيوس مجاز ”الدَّين“ التجاريّ في سياق سوتيرلوچيّ [خلاصيّ]، حيث يفهم ”الدَّين“ على أنه دَّين الموت الذي كان الجميع مدينًا به لله مانح وواهب الحياة للجميع، فالإنسان بخطيته جلب الموت على نفسه، وبدَّد هبة الحياة التي أعطاها الله له، فصار مدينًا لله بحياته التي بدَّدها بموته، فكان ينبغي أن يُوفِي أحدٌ هذا الدَّين بأن يعيد الحياة المفقودة من الإنسان مرةً أخرى بموته ليُسدِّد دَّين الموت، ويهب الحياة للإنسان الذي فقد حياته بإرادته بالخطية والموت. وهنا لم يطلب الله مقابل الدَّين، بل ساعد الله نفسه الإنسان بتجسُّده ليعيد ما فَقَدَه الإنسان من حياة بموته ليهب له الحياة، كالتالي:

”وهكذا تمَّ في جسد المسيح فعلان مُتناقِضان في نفس الوقت: الأول، هو أن موت الجميع قد تمَّ في جسد الربِّ على الصليب، والثاني، هو أن الموت والفساد قد أُبِيدا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به، فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتمَّ الموت نيابةً عن الجميع لكي يُوفِي الدَّين المستحق على الجميع“.[20]

يُوضِّح ق. أثناسيوس مفهوم الدَّين أيضًا، حيث يرى إنه في جسد المسيح تمَّ فعلان متناقضان في نفس الوقت، هما: موت الجميع في جسد الرب، داحضًا بذلك نظرية الإبدال العقابيّ، فطالما أن موت الجميع تمَّ في جسد الربِّ، فأين الإبدال العقابيّ الذي يفصل بيننا نحن المؤمنون وبين جسد المسيح المقدَّم على عود الصليب كترضيةٍ نيابيةٍ عن البشرية المعاقَبة للآب، كما يدحض أيضًا نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين جسد المسيح الذي أخذه من العذراء، وبين جسد المسيح في الإفخارستيا، وبين جسد المسيح السري أي الكنيسة، والتي تهدم عمل المسيح الخلاصيّ من أساسه، بفصلنا نحن المؤمنون عن جسد المسيح السريّ. لذا يُؤكِّد ق. أثناسيوس على الانجماع الكليّ في المسيح أثناء عمله الخلاصيّ بموت الجميع فيه على الصليب كالتالي:

”وهكذا تمَّ في جسد المسيح فعلان متناقضان في نفس الوقت: الأول هو أن موت الجميع قد تمَّ في جسد الربِّ على الصليب، والثاني هو أن الموت والفساد قد أُبيدَا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به. فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتمَّ الموت نيابةً عن الجميع لكي يُوفِي الدَّين المستحق على الجميع“.[21]

مفهوم اللعنة

ويرى ق. أثناسيوس أن المسيح أبطل اللعنة وهو كائنٌ فينا أي في بشريتنا كالتالي:

”إذ أن لعنة الخطية قد أُبطِلَت بسبب ذاك الذي هو كائنٌ فينا، والذي قد صار لعنةً لأجلنا“.[22]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على نقطة خطيرة جدًا يُنكِرها البعض في عصرنا الحالي وهي أن موت المسيح كان موتنا جميعًا، وقيامته وتمجيده وصعوده للسماء كان هو قيامتنا وتمجيدنا وصعودنا، لأننا في المسيح نفسه أيضًا كالتالي:

”لأجل هذا السبب يُقَال إنه إنسان مُجِّدَ أيضًا نيابةً عنا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدَنا مجدًا عاليًا، مُقَامين من بين الأموات وصاعدين إلى السموات، حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا“.[23]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس في عبارة خطيرة جدًا على عدم اندهاش القوات السمائية عندما ترانا نحن المؤمنين بالمسيح أي كنيسته المتَّحِدين به داخلين إلى مناطقهم السمائية قائلاً:

”لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا – المتَّحِدين معه في نفس الجسد – داخلين إلى مناطقهم السمائية“.[24]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على وحدتنا في جسد المسيح التي صِرنا بها هيكلاً لله، وصِرنا أبناءً لله يُعبَد الرب فينا كالتالي:

”أنه ليس اللوغوس بسبب كُونه لوغوس هو الذي حصل على مثل هذه النعمة، بل نحن لأنه بسبب علاقتنا بجسده فقد صرنا نحن أيضًا هيكل الله – وتبعًا لذلك قد جُعِلَنا أبناء الله، وذلك حتى يُعبَد الرب فينا أيضًا، والذين يُبصِروننا يُعلِنون – كما قال الرسول: ’إنَّ الله بالحقيقة فيكم‘“.[25]

مفهوم العداوة

أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية هو الادعاء بأنه كانت هناك خصومة بين الآب والبشرية المتمثلة في ناسوت المسيح المتألم على الصليب. هذا الرأي يصوِّر اللاهوت بأنه قد كان في خصومة مع ناسوت المسيح في المسيح الواحد، طالما الآب كان في خصومة مع ناسوت المسيح الذي اتَّحد به لاهوت الكلمة في التجسُّد. وهذا للأسف أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية. يرفض ق. أثناسيوس ترك الآب للناسوت، أو وجود خصومة بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

”لذلك لا يمكن أن يُترَك الرب من الآب، وهو كائنٌ دائمًا في الآب قبل أن يتكلَّم وأثناء نطقه بهذه الصرخة“.[26]

دحض نظرية البدلية العقابية

يدحض ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية التي تُميِّز اللاهوت الغربيّ، حيث يرى ق. أثناسيوس أن موت المسيح هو موت جميع البشر كالتالي:

”حيث أن الجميع ماتوا بواسطته، هكذا قد تمَّ الحكم إذ أن الجميع ماتوا في المسيح. وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحرارًا من الخطية ومن اللعنة الناتجة عنها، ويبقى الجميع على الدوام قائمين من الأموات، ولابسين عدم موت وعدم فساد“.[27]

وجودنا الكياني في المسيح أثناء الخلاص

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على وحدتنا ووجودنا في المسيح بسبب سُّكنى الروح القدس فينا الذي يُوحِّدنا معه، وهكذا نصير في الله ويصير الله فينا كالتالي:

”لذلك فبسبب نعمة الروح الذي أُعطِي لنا نصير نحن فيه وهو فينا، وحيث إن روح الله فينا، لذلك فبواسطة سُّكناه فينا وبحسب حصولنا على الروح، نُحسَب أننا في الله، وهكذا يكون الله فينا“.[28]

مفهوم التبرير والتقديس

يُوضِّح ق. أثناسيوس كيفية تقديس وتبرير وتمجيد الجميع في المسيح لله الآب، فاللوغوس نفسه لا يحتاج إلى التقديس أو التبرير أو التمجيد، لأنه هو ذاته القداسة والبرّ ومصدر كل برّ وقداسة، بل اللوغوس بتقديس ذاته، فإنه يُقدِّسنا ويُمجِّدنا ويُبرِّرنا جميعًا فيه، وبالتالي، يدحض ق. أثناسيوس أي تبرير أو تقديس بالمعنى القضائيّ والقانونيّ سوف نراه فيما بعد في اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ سواء المبكر أو المدرسيّ أو البروتستانتيّ كالتالي:

”وكما أنه وهو الذي يُقدِّس الجميع، يقول أيضًا إنه يُقدِّس نفسه للآب من أجلنا – ليس بالطبع لكي يكون اللوغوس مُقدَّسًا – بل لكي بتقديس ذاته يُقدِّسنا جميعًا في ذاته. وهكذا بنفس المعنى ينبغي أن نفهم ما يُقَال الآن أنه ’تمجَّد‘. ليس لكي يُمجَّد هو نفسه [أي اللوغوس] – إذ أنه هو الأعلى – بل لكي هو ذاته ’يصير برًا‘ من أجلنا، أمَّا نحن فلكي نتمجَّد ونُرفَع فيه ولندخل إلى أبواب السماء، التي قد فتحها هو ذاته من أجلنا […] فإنْ كان الابن هو البرّ، إذًا، فهو لم يرتفع بذاته كما لو كان في حاجة إلى الرفعة، بل نحن الذين ارتفعنا وتمجَّدنا بسبب البرّ الذي هو المسيح نفسه“.[29]

يستطرد ق. أثناسيوس في شرح مفهوم التبرير والتقديس من وجهة نظر شفائية وتجددية بحتة، حيث يُشِير ق. أثناسيوس إلى أن مسحة الرب يسوع بالروح القدس كانت من أجلنا ليبني فينا سُّكنى الروح وألفته تمامًا مثلما وهبنا الرفعة والقيامة، لذا يُقدِّس المسيح ذاته، ليس لأنه مُحتاجٌ إلى التقديس في ذاته، بل نحن الذين نتقدَّس فيه كالتالي:

”فهو كإنسان يُقَال عنه إنه يُمسَح بالروح، وذلك حتى يبني فينا نحن البشر سُّكنى الروح وألفته تمامًا مثلما وهبنا الرفعة والقيامة. وهذا ما عناه هو نفسه عندما أكَّد الرب عن نفسه في الإنجيل بحسب يوحنا: ’كما أرسلتني إلى العالم، أرسلتهم أنا إلى العالم، ولأجلهم أُقدِّس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضًا مُقدَّسين في الحق‘ (يو 17: 18-19). وقد أوضَّح بقوله هذا إنه ليس هو المقدَّس بل المقدِّس. لأنه لم يُقدَّس من آخر، بل هو يُقدِّس ذاته. حتى نتقدَّس نحن في الحق. وهذا الذي يُقدِّس ذاته؛ إنما هو رب التقديس. كيف، إذًا، حدث هذا؟ وماذا يريد أن يقول بهذا سوى إنه: ’كوني أنا كلمة الآب، فأنا نفسي أُعطِي ذاتي الروح حينما أصير إنسانًا. وأنا الصائر إنسانًا أُقدِّس نفسي (في الآب) لكي يتقدَّس الجميع فيَّ. وأنا الذي هو الحق. لأن ’كلامك هو حق‘ (يو 17: 17)“.[30]

ويُفسِّر ق. أثناسيوس، في سياق مفهومه عن التبرير والتقديس من خلال الاتحاد بالمسيح، سبب نزول الروح القدس في هيئة حمامة على المسيح في نهر الأردن، وهل كان المسيح محتاجًا للتقديس والمسحة من الروح القدس، بالرغم من أنه الإله مانح وواهب القداسة؟ ولكن يدحض ق. أثناسيوس بدعة التبني لبولس الساموساطيّ – الذي أدَّعى حلول أو سُّكنى الروح القدس في المسيح كما كان يحلّ ويملأ الأنبياء في العهد القديم – مشيرًا إلى أن نزول الروح عليه في الأردن كان نزولاً علينا نحن بسبب أنه لَبِسَ جسدنا من أجل تقديسنا من جديد واشتراكنا في مسحته كالتالي:

”إذًا، فإنْ كان يُقدِّس ذاته من أجلنا، وهو يفعل هذا لأنه قد صار إنسانًا، فمن الواضح جدًا أن نزول الروح عليه في الأردن، إنما كان نزولاً علينا نحن بسبب لبسه جسدنا. وهذا لم يصر من أجل ترقية اللوغوس، بل من أجل تقديسنا من جديد، ولكي نشترك في مسحته، ولكي يُقَال عنا: ’أمَّا تعلمون أنكم هيكل الله، روح الله يسكن فيكم؟‘ (1كو 3: 16). فحينما أغتسل الرب في الأردن كإنسان، كنا نحن الذين نغتسل فيه وبواسطته. وحينما أقتبل الروح، كنا نحن الذين صرنا مُقتبلين للروح بواسطته. ولهذا السبب، فهو ليس كهارون، أو داود، أو الباقين – قد مُسِحَ بالزيت هكذا – بل بطريقةٍ مغايرةٍ لجميع الذين هم شركاؤه – أي ’بزيت الابتهاج‘ – الذي فُسِّرَ أنه يعني الروح – قائلاً بالنبي: ’روح السيد الرب عليَّ، لأن الرب مسحني‘ (إش 61: 1). كما قال الرسول أيضًا: ’كيف مسحه الله بالروح القدس‘ (أع 10: 38). متى قيلت عنه هذه الأشياء – إلا عندما صار في الجسد وأعتمد في الأردن، ’ونزل عليه الروح‘؟ (مت 3: 16). وحقًا يقول الرب لتلاميذه إن ’الروح سيأخذ مما ليَّ‘ (يو 14: 16). و ’أنا أُرسِله‘ (يو 16: 7). و ’اقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22). إلا أنه في الواقع هذا الذي يُعطِي للآخرين ككلمة وبهاء الآب، يُقَال الآن إنه يتقدَّس، وهذا من حيث إنه قد صار إنسانًا، والذي يتقدَّس هو جسده ذاته“.[31]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن التبرير والتقديس يحدث في الإنسان من خلال تبرير وتقديس جسد الكلمة الذي هو جسد جميع البشر، فيدحض بذلك أية فرصة للإشارة إلى التبرير والتقديس القانوني بمعاقبة الآب للابن المتجسِّد بديلاً عن البشرية كالتالي:

”أمَّا وإنْ كان هو الله، ويكون ’عرش ملكه أبديّ‘، فإلى أي مدى يمكن أن يرتقي الله؟ أو ماذا ينقص هذا الذي هو جالس على عرش الآب؟ وكما قال الرب نفسه، إنْ كان الروح هو روحه والروح أخذ منه، وهو نفسه أرسل الروح (يو 16: 14، 16: 7)، إذًا، فلا يكون اللوغوس باعتباره اللوغوس والحكمة هو الذي يُمسَح من الروح، الذي يُعطِيه هو ذاته، بل الجسد الذي قد اتَّخذه، هو الذي يُمسَح فيه ومنه، وذلك لكي يصير التقديس الصائر إلى الرب كإنسان، يصير (هذا التقديس) إلى جميع البشر به. لأنه يقول: ’إن الروح لا يتكلم من نفسه‘ (يو 16: 13)، بل اللوغوس هو الذي يعطي هذا (الروح) للمستحقين. فإن هذا يُشبِه ما سبق من قول، لأنه كما كتب الرسول: ’الذي إذ كان في صورة الله، لم يُحسَب خلسةً أن يكون معادلاً لله‘ لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبدٍ، صائرًا في شبه الناس‘ (في 2: 6، 7). وبالمثل يُرنِّم داود للرب إنه إله وملك أبدي، مُرسَل إلينا ومُتَّخِذًا جسدنا الذي هو مائت؛ لأن هذا هو المقصود في المزمور بالقول: ’كل ثيابك مر وعود وسليخة‘ (مز 45: 8) […] إذًا، مثلما كان قبل تأنُّسه – إذ أنه كان اللوغوس، فإنه منح الروح للقديسين باعتباره خاصًا به – وهكذا عندما صار إنسانًا، فإنه قدَّس الجميع بالروح، وقال لتلاميذه: ’اقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22)“.[32]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس إنه في تدبير الإخلاء والتواضع أقام الابن الجسد وشيَّده إذ هو ربه وخالقه، وكإله قدَّسه، ولذلك صار كلمة الله إنسانًا لأجل تقديس الجسد كالتالي:

”حينما يتحدَّث عن التواضع لكي نعرف على الفور رفعته وجلاله الذي من الآب. ولذلك قال: وموسى كان خادمًا أما المسيح فهو ابن. كان الأول ’أمينًا في بيته‘، أما الثاني فكان ’على بيته‘ (عب 3: 5، 6)، لأنه هو الذي أقامه وشيَّده إذ هو ربه وخالقه، وكإله قدَّسه. ولما كان موسى إنسانًا بالطبيعة. فإنه قد صار أمينًا بسبب إيمانه بالله الذي تحدث إليه عن طريق الكلمة، أما الكلمة فلم يكن في الجسد كأحد المخلوقات، ولم يكن كمخلوق قي مخلوق، بل هو كإله في الجسد، كخالق ومشيِّد وسط ما خُلِقَ بواسطته. وإن كان البشر قد لبسوا جسدًا، فلكي يكون لهم وجود وكيان. أما كلمة الله فقد صار إنسانًا لأجل تقديس الجسد، وبينما هو رب فقد وُجِدَ في هيئة عبد، لأن كل الخليقة التي وُجِدَت بالكلمة، وخُلِقَت به هي عبدة له“.[33]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى أن الرب قد جعل من الابن إنسانًا لكي يكون بذلك ربًا على الكل ويُقدِّس الكل بواسطة المسحة، فالتقديس والتبرير صارا بالتجسُّد والاتحاد بين الله والإنسان في المسيح، وليس عن طريق تحمل الابن العقوبة بدلاً عن البشر الخطأة أمام الله الآب، كما جاء في لاهوت العصر الوسيط، بل الكلمة باتخاذ الجسد، قد حرَّر كل البشرية، وصار في هيئة عبد لكي يقدس الجميع بالروح القدس الذي مسح جسد الرب في تجسُّده لأجلنا كالتالي:

”وهذا مُشابِه للقول إن الرب إذ قد جعل منه إنسانًا -لأنه أمر يخص الإنسان أن يكون مصنوعًا- فهو لم يجعله إنسانًا فقط، بل جعله هكذا لأنه يكون ربًا على الجميع، ويُقدِّس الكل بواسطة المسحة. لأنه وإن كان الكلمة وهو في صورة الله، اتخذ صورة عبد، إلا أن اتخاذه للجسد، لم يجعل الكلمة وهو رب الطبيعة أن يكون عبدًا، بل بالأحرى، فإن الكلمة بهذا الحدث [اتخاذ الجسد]، قد حرَّر كل البشرية. فإن الكلمة نفسه وهو بالطبيعة الرب الكلمة، قد جُعِلَ إنسانًا، ومن خلال صورة العبد، صار رب الجميع ومسيحًا، أي لكي يُقدِّس الجميع بالروح“.[34]

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاص بتأليه البشرية

ويربط ق. أثناسيوس كما ربط كثيرًا بين التقديس وتأليه البشرية فيه، فغاية التجسُّد وفداء البشرية هو تقديس وتأليه البشرية في المسيح كالتالي:

”ولكن إن كان الكلمة قد جاء بيننا لكي يفدي جنس البشر، وإن كان الكلمة قد صار جسدًا لكي يُقدِّس البشر ويُؤلِّههم. وهو لهذه الغاية قد جاء فعلاً. فلمَّن لا يكون واضحًا عندئذٍ أن ما يقول الرب إنه أخذه، حينما صار جسدًا، فهو لم يأخذه لأجل نفسه، لكن لأجل الجسد، لأن العطايا المعطَاة بواسطته من الآب تخص الجسد، ولقد كان مُتَّحِدًا بهذا الجسد، عندما نطق بهذه الأمور“.[35]

مفهوم التبرير بالدم

يُوضِّح ق. أثناسيوس نقطة تبرير الجسد بدم المسيح، ولكن المفاجأة ليس كما شرح أنسلم، أو اللاهوتيون المدرسيون، أو مارتن لوثر أو فيليب ميلانكتون، أو چون كالفن، أو غيرهم من لاهوتي الإصلاح، بل يربط ق. أثناسيوس التبرير بالدم بإحياء الجسد المخلوق الذي أماته الإنسان الأول بسبب تعديه، وليس لأنه بسفك دم المسيح قد تم تسكين وتهدئة غضب الآب على البشرية الخاطئة كما جاء في نظرية البدلية العقابية التي تبناها اللاهوت الغربي في شرح الكفارة والفداء، وهكذا يدحض ق. أثناسيوس فكرة التبرير بالدم بسفك دم بريء من أجل الآثمة؛ والذي لا يُعتبر عدلاً هنا على الأرض، فبالأولى لا يكون عدلاً في السماء أو لإيفاء العدل الإلهي. الدم هو رمز الحياة أي حياة الإنسان، لذلك سفك المسيح دمه أي حياته لكي بموته يبطل عز الموت، وليس لكي يرى الآب السماوي الدم المسفوك والمهرق أمامه فيصفح عن الخليقة العاصية كالتالي:

”لأنه حيث إن الطريق الأول الذي كان من خلال آدم، قد ضاع، وانحرفنا إلى الموت بدل الفردوس، وسمعنا القول: ’إنك من التراب وإلى التراب تعود‘ (تك 3: 19)، لذا فإن كلمة الله المحب للبشر، لبس – بمشيئة الآب – الجسد المخلوق لكي يُحِيي بدم نفسه هذا الجسد الذي أماته الإنسان الأول بسبب تعديه، كما قال الرسول: ’وكرَّس لنا طريقًا حيًا حديثًا بالحجاب أي جسده‘ (عب 10: 20). وهو ما أشار إليه في موضع آخر، حين قال: ’إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدًا‘ (2كو 5: 17)“.[36]

التقديس باتحاد الطبيعتين في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديس الجسد البشري أو الطبيعة البشرية باتحادها بالطبيعة الإلهية في المسيح، مؤكدًا على أن التبرير والتقديس للطبيعة البشرية قد تمَّ عن طريق الاتحاد بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح كالتالي:

”وهذا هو الأمر العجيب، أنه بينما كان يتصرف كإنسان، كان ككلمة الله يحيي كل الأشياء، وكابنٍ كان كائنًا مع أبيه. ولذلك عندما ولدته العذراء لم يعتريه أيّ تغيير (من جهة طبيعته الإلهية)، ولا تدنس بحلوله في الجسد، بل بالعكس فهو قد قدَّس الجسد أيضًا“.[37]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على تقديس الكلمة للجسد من خلال اتحاده بهذا الجسد، وليس بإنزال العقوبة على الجسد لكي يتبرَّر ويتقدَّس، بل بمُجرَّد اتحاد الكلمة بالجسد قدَّس طبيعة الجسد فيه، ويمنح هذا التقديس للمؤمنين من خلال اتحادهم به، ولكنه لم يشترك في خواص هذا الجسد، بل استخدمه كأداة لتقديس الجسد قائلاً:

”لأنه كما أنه كائنٌ في الخليقة، ومع ذلك لا يشترك في طبيعتها بأي حال، بل بالحري، فإن كل المخلوقات قَبِلت قوةً منه، هكذا أيضًا عندما اتَّخذ الجسد كأداةٍ له، فإنه لم يشترك في خواص الجسد، بل بالحري، فإنه قدَّس الجسد“.[38]

دحض نظرية الإبدال العقابي

يهدم ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية تمامًا عندما يشير إلى عمل المسيح في فداء البشرية من خلال نزع الخطية من الجسد، لا بتسديد عقوبة الخطية بديلاً عن البشرية لله الآب، بل باتحاد اللوغوس بالجسد، فينزع عنه الخطية مُقدسًا ومُطهرًا إياه من كل دينونة الخطية، ويعيد خلقة الإنسان فيه بحسب الروح لا بحسب الجسد، وليس كما في نظرية الإبدال العقابي بتسديد عقوبة الخطية في الجسد كالتالي:

”وبحسب هذا فإن الخدمة من خلاله قد صارت أفضل، إذ أيضًا ’لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه في ما كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية، دان الخطية في الجسد‘ (رو 8: 3)، نازعًا الخطيئة من الجسد، الذي كان أسيرًا لها على الدوام لدرجة أنه لم يستوعب الفكر الإلهي. وإذ جعل الجسد قادرًا على تقبل اللوغوس، فإنه خلقنا حتى ’لا نسلك بعد بحسب الجسد، بل بحسب الروح‘. ونقول ونكرز نحن ’لسنا في الجسد، بل في الروح‘ (رو 8: 9)، وأن ابن الله جاء ’إلى العالم لا لكي يدين العالم‘، بل لكي يفدي الجميع، ’ويخلص به العالم‘ (يو 3: 17). لأنه في السابق كان الناموس يدين العالم كمسئول، أما الآن فإن اللوغوس أخذ الدينونة على نفسه، وبتألمه لأجل الجميع بالجسد، وهب الخلاص للجميع. هذا ما رآه يوحنا فصاح قائلاً: ’لأن الناموس بموسى أُعطِيَ، أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا‘ (يو 1: 17). فالنعمة أفضل من الناموس، والحقيقة أفضل من الظل“.[39]

مفهوم المصالحة

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى عمل المسيح الخلاصي لأجلنا، لأنه أرتدى جسدنا المخلوق ليعيد خلقة الجسد فيه ويبطل الموت ويدين الخطية في الخطية ويُقِيم الجميع من الأموات، ويؤكد ق. أثناسيوس على أن الكلمة يمنح كل هذه المفاعيل إلى المتَّحِدين معه في جسده، الذين هم فيه وهو فيهم، وبالتالي ينفي ق. أثناسيوس أية إشارة إلى نظرية الإبدال العقابيّ بتسديد عقوبة الخطية نيابةً عن البشرية لإيفاء العدل الإلهي، بل على العكس، يُؤكِّد على أننا نحن المتَّحِدون به نصير فيه خليقةً جديدةً معتوقةً من الخطية واللعنة التي بدَّدها باتحاده بالجسد، وليس بتسديد العقوبة على الصليب كما في لاهوت العصر الوسيط ولاهوت الإصلاح، وهكذا يربط بين محو الخطية واللعنة من الجسد وتجديد الطبيعة البشرية فيه عن طريق الاتحاد به في جسده كالتالي:

”وإنْ كان لم يُخلَق لأجل ذاته، بل لأجلنا، فلا يكون هو نفسه مخلوقًا، بل يقول هذا لأنه أرتدى جسدنا. وهذا المفهوم هو ما تعنيه الكتب المقدَّسة. وهذا هو ما نتعلَّمه من الرسول؛ لأنه يقول في رسالته إلى أهل أفسس: ’ونقض حائط السياج المتوسط (أي العداوة). مُبطِلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا، صانعًا سلامًا‘ (أف 2: 14، 15). فلو أن الاثنين خُلِقَا في نفسه ووُجِدَا في جسده، فمن الطبيعي أنه كان يلبس الاثنين في نفسه، فإنه يكون كما لو كان هو نفسه الذي يُخلَق. لأن الذين يخلقهم يتحدون به، ويكون هو فيهم كما يكونون هم فيه. هكذا إذًا فما دام قد خُلِقَ الاثنان فيه، فيكون من الملائم تمامًا أن يقول: ’الرب خلقني‘. فلأنه يأخذ على عاتقه ضعفاتنا، يُقال عنه إنه يضعفُ رغم أنه هو لا يضعفُ؛ لأنه قوة الله، وقد صار خطيةً لعنةً من أجلنا، بالرغم من أنه غير خاطئ، ولكنه يُقال هذا ؛ لأنه حمل خطايانا ولعنتنا. وهكذا إذ قد خُلِقَنا فيه، فيُقال أيضًا: ’خلقني من أجل الأعمال‘، رغم أنه غير مخلوق“.[40]

إعادة خلق الطبيعة البشرية في المسيح

ويُفسِّر ق. أثناسيوس كيفية إبطال سلطان الخطية على الجسد من خلال إعادة خلقة الطبيعة البشرية في المسيح، فيُقال عنه أنه مخلوق رغم أننا نحن المخلوقون فيه من جديد باتحادنا بجسده، وهكذا يطرد المسيح الخطية من الجسد بسكناه فيه، وليس بتسديد عقوبة الخطية عن الجنس البشري أمام الله الآب، بل بسكناه في الجسد من أجل تقديسه وتطهيره من كل خطية كالتالي:

”وبحسب فكر أولئك يُعتبر جوهر الكلمة مخلوقًا بسبب قوله ’الرب خلقني‘، وبالتالي، لكونه مخلوقًا، فهو لم يُخلَق من أجلنا، وإنْ لم يكن قد خُلِقَ من أجلنا، فنحن لم نُخلَق به، وإن لم نُخلَق به، فلن يكون هو لنا في داخلنا، بل سيكون من خارجنا، كما لو كنا نقبل منه التعليم مثلما نقبله من مُعلِّمٍ. ولو كان الأمر كذلك معنا، لما فقدت الخطية سلطانها على الجسد، بل لظلت مُلتصِقةً به وليست بعيدةً عنه. غير أن الرسول يعارض تعليم هؤلاء بإعلانه لأهل أفسس قبل ما سبق أن اقتبسنا بقليلٍ قائلاً: ’لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع‘. فإن كنا قد خُلِقَنا في المسيح، فلا يكون هو الذي خلقنا، بل نحن الذين خُلِقَنا بواسطته. لذا فالقول ’خلق‘ هو من أجلنا نحن وبسبب احتياجنا. فإن الكلمة رغم أنه خالق، احتمل أيضًا لقب المخلوقين. ولم يكن هذا لقبه الخاص. إذ إنه هو الكلمة، ولكن اللقب ’خلق‘ هو خاص بنا نحن المخلوقين بواسطته. وأيضًا كما أن الآب كائن دائمًا، فإن كلمته كائن دائمًا أيضًا، ولأنه كائن دائمًا، فهو يقول: ’وكنتُ أنا موضع بهجته، فرحًا في حضرته كل يوم‘ (أم 30: 8)، وأيضًا ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 10: 14). هكذا فإنه حينما صار إنسانًا تابعًا لجنسنا البشري مثلنا، قال: ’الرب خلقني‘ لكي يستطيع أن يطرد الخطية بعيدًا عن الجسد بسُكناه فيه، ولكي نحصل نحن على فكر حر“.[41]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن المسيح هو أخونا وبكرنا؛ لأنه لبس جسدًا مشابهًا لأجسادنا، وكان أول جسد خلصه وحرَّره الكلمة هو جسده، وهكذا إذ قد صرنا مُتَّحِدين بجسد الكلمة، خلُصنا على مثال جسده، وصار بهذا الجسد قائدنا إلى السماء، نحن الذين قد متنا قبل موت الكلمة في الجسد بعد مخالفة آدم، فيدحض ق. أثناسيوس بذلك أي معنى لنظرية البديل العقابيّ على الصليب، طالما أن جسده قد تم تخليصه وتحريره باتحاده بالكلمة نفسه في لحظة التجسُّد كالتالي:

”ولهذا من الصواب أن يُدعَى أيضًا ’أخانا‘ و ’بكرنا‘. لأنه بما أن البشر قد هلكوا بسبب مخالفة آدم، فإن جسده كان أول ما تمَّ تخليصه وتحريره، إذ أن هذا الجسد هو جسد الكلمة نفسه. وهكذا إذ قد صرنا متحدين بجسده، قد خلُصنا على مثال جسده، وبهذا الجسد صار الرب قائدنا إلى ملكوت السماوات وإلى أبيه؛ لأنه يقول: ’أنا هو الطريق‘ (يو 14: 6). و ’أنا هو الباب‘ (يو 10: 7). ويجب على الجميع ’أن يدخلوا بي‘. من أجل ذلك، يُدعَى ’بكر من بين الأموات‘، لا لأنه مات أولاً -إذ أننا قد متنا قبله- بل لأنه قد أخذ على عاتقه أن يموت لأجلنا، وقد أبطل هذا الموت، فإنه هو الأول الذي قام كإنسان، إذ قد أقام جسد لأجلنا. وتبعًا لذلك، حيث إن الجسد قد اُقِيم، هكذا نحن أيضًا ننال القيامة من بين الأموات منه وبسببه“.[42]

الاتحاد بالآب في المسيح

يرى ق. أثناسيوس أن المسيح يُكمِّل في الروح القدس كل معرفتنا عن الله، ويُتمِّم فيه كمالنا الخاص بنا، ويُوحِّدنا بالروح القدس مع شخصه ومن خلاله مع الآب، أي مع الثالوث القدوس كالتالي:

”ولكي يُكمِّل فيه كل معرفتنا عن الله [أي كل التعليم عن الله]، ويُتمِّم كمالنا الخاص، والذي به وحَّدنا مع شخصه ومن خلاله مع الآب“.[43]

يُوضِّح ق. أثناسيوس أن قداستنا مُستمدة من الآب بالابن في الروح القدس، وذلك لأن الروح القدس هو القوة الحيوية والعطية التي تُقدِّسنا ونستنير بها كالتالي:

”وأن نُفكِّر بطريقةٍ مشروعةٍ، وأن نُؤمِن بقداسةٍ واحدةٍ مُستمَدة من الآب بالابن في الروح القدس. لأنه كما أن الابن هو وليدٌ وحيدٌ، هكذا أيضًا الروح إذ هو مُعطَى ومُرسَل من الابن، هو نفسه واحد وليس كثيرين، وليس واحدًا من كثيرين، بل هو نفسه وحيد. إذًا، كما أن الابن – الكلمة الحيّ – هو واحدٌ، هكذا فإن القوة الحيوية والعطية التي بها يُقدِّس ويضيء، ينبغي أن تكون واحدة وكاملة وتامة، وهي التي يُقال عنها إنها تنبثق من الآب، لأنها من الكلمة – الذي يُعترَف أنه من الآب – وهي التي تشرق وتُرسَل وتُعطَى“.[44]

المبادلة الخلاصية الشفائية وليس العقابية

ويرى ق. أثناسيوس أن المسيح كطبيب ومخلص بعدما خلق الإنسان، واستدعت الضرورة علاج ما هو موجود، عندئذٍ جاء المسيح الطبيب الشافي لكي يشفي الخلائق الموجودة مُستخدِمًا جسده كأداةٍ بشريةٍ في إتمام ذلك، أي إتمام المبادلة الخلاصية وليس العقابية للموت بالحياة وللفساد بعدم الفساد عن طريق اتحاده بالكلمة الذي هو الحياة في ذاته كالتالي:

”ونجيب على اعتراضهم هذا بجوابٍ معقولٍ قائلين إنه في البدء لم يكن شيء موجودًا بالمرة. فكل ما كان مطلوبًا هو مجرد ’نطق‘ مع إرادة إلهية لإتمام الخلق. ولكن بعد أن خُلِقَ الإنسان (وصار موجودًا)، واستدعت الضرورة علاج ما هو موجود، وليس ما هو غير موجود، عندئذٍ كان من الطبيعي أن يظهر الطبيب والمخلِّص فيما هو موجود لكي يشفي الخلائق الموجودة. لهذا السبب قد صار إنسانًا، واستخدم جسده أداةً بشريةً […] ثم ينبغي أن يُعرَف هذا أيضًا، أن الفساد الذي جرى لم يكن خارج الجسد، بل كان ملتصقًا به، وكان الأمر يحتاج إلى أن تلتصق به الحياة بدلاً من الفساد حتى كما صار الموت في الجسد، تصير الحياة في داخل الجسد أيضًا“.[45]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على البعد الشفائيّ للخلاص في موضع آخر، حيث يتحدَّث عن سيادة الموت على الجنس البشري من آدم إلى موسى، ولعنة الأرض، وفتح الجحيم، وغلق الفردوس، وإهانة السماء، لذلك دفع الله محب البشر الإنسان المصنوع على صورته إلى الكلمة نفسه، لكي يعالج الإنسان كطبيب من لدغة الحية، وكان ذلك باتخاذه جسدًا من أجل استعادة الإنسان بالكامل كالتالي:

”لأنه حينما أخطأ الإنسان وسقط، وصارت كل الأشياء بسقطته في ارتباكٍ: حين ساد الموت من آدم إلى موسى (رو 5: 14)، ولُعِنَت الأرض، وفُتِحَ الجحيم، وأُغلِقَ الفردوس، وأُهِينت السماء، وأخيرًا، فسد الإنسان وتوحش (مز 49: 12)، وكان إبليس يسخر منا؛ فحينئذ قال الله مُحِب البشر الذي لم يُرد هلاك الإنسان المصنوع حسب الصورة: ’مَن أُرسِل؟ ومَن يذهب؟‘ (إش 6: 8). ولكن بعدئذٍ ذاك القائل: ’اذهب أنت‘ (إش 6: 9)، هو الذي دفع الإنسان إليه، لكي يستطيع الكلمة نفسه أن يصير جسدًا، وهكذا استعاد هذا الجسد بالكامل من خلال اتخاذ الجسد. لقد كان طبيبًا بالنسبة للإنسان الذي قد دُفِعَ إليه ليعالج لدغة الحية، وحياةً ليرفع مَن كان مائتًا، ونورًا ليضيء الظلمة؛ ولأنه كان الكلمة ليجدد الطبيعة العاقلة. لقد دُفِعت إليه كل الأشياء منذ ذلك الحين، وعندما صار إنسانًا، تمَّ ضبط وتكميل كل الأشياء في الحال. وهكذا نالت الأرض بركةً بدلاً من اللعنة، وفُتِحَ الفردوس للص، وانحسر الجحيم، وتفتحت القبور، وأُقِيم الموتى، وفُتِحَت أبواب السماء في انتظار ذلك ’الآتي من أدوم‘ (مز 24: 7؛ إش 63: 1)“.[46]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى شفاء ضعفات وأوجاع الجسد البشريّ من خلال حمل الكلمة لضعفات الجسد، لأنه اتَّخذ جسدًا وصارت ضعفات الجسد خاصة بجسده، وخدم الجسد أعمال اللاهوت المتَّحِد به، وبالتالي، يتمُّ افتدائنا نحن البشر من أوجاعنا ونمتلئ ببرّ الكلمة كالتالي:

”والكلمة حمل ضعفات الجسد، كما لو كانت له، لأن الجسد كان جسده، والجسد خدم أعمال اللاهوت، لأن اللاهوت كان في الجسد، ولأن الجسد كان جسد الله. وحسنًا قال النبي: ’حملها‘ (إش 53: 4)، ولم يقل إنه ’شفى ضعفاتنا‘، لئلا تكون هذه الضعفات خارج جسده، وهو يشفيها فقط – كما كان يفعل دائمًا – فيترك البشر بذلك خاضعين للموت، ولكنه حمل ضعفاتنا، وحمل هو نفسه خطايانا، لكي يتضح أنه قد صار إنسانًا لأجلنا، وأن الجسد الذي حمل الضعفات هو جسده الخاص، وبينما هو نفسه لم يصبه ضرر أبدًا، ’حمل خطايانا في جسده على الخشبة‘، كما قال بطرس (1بط 2: 24)، فإننا نحن البشر قد افتُدِينا من أوجاعنا وامتلأنا ببر الكلمة“.[47]

مفهوم التقدمة

يتحدَّث ق. أثناسيوس في سياق دفاعه عن ألوهية الابن عن مفهوم تقدمة الابن الجنس البشريّ للآب كجنسٍ طاهرٍ، وكاملٍ، ومُقدَّسٍ قائلاً:

”من أجل هذا أيضًا، فإنه إذ قد صار إنسانًا، فقد أظهر جهل البشر في نفسه، أولاً، لكي يُظهِر أن له جسدًا بشريًا حقًا، وثانيًا، لكي -عندما يكون له في جسده جهل البشر، يُقدِّم للآب جنسًا بشريًا مُفتدَى من بين الجميع، وطاهرًا، وكاملاً، ومُقدَّسًا […] فبالأولى جدًا كلمة الله كلي القداسة، خالق الشمس وربها، لا يتدنس بمجيئه في الجسد، بل بالعكس، فلكونه عديم الفساد، فقد أحيا الجسد المائت وطهَّره، فهو الذي كُتِبَ عنه: ’الذي لم يفعل خطيةً، ولا وُجِدَ في فمه مكر‘ (1بط 2: 22؛ إش 53: 9)“.[48]

ويربط ق. أثناسيوس بين مفهوم التألُّه أو شركة الطبيعة الإلهية وبين التقديس في إطار عرضه لمفهوم التقدمة أيضًا، حيث يتحدَّث عن انتقال الجنس البشريّ الضال إلى المسيح من خلال تجسده من العذراء لكي نصبح فيه جنسًا مُقدَّسًا ونصير شركاء الطبيعة الإلهية؛ فقد صار ابن الله إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته كالتالي:

”وإنْ كان الله قد أرسل ابنه مولودًا من امرأة، فإن هذا الأمر لا يسبب لنا عارًا، بل على العكس مجدًا ونعمةً عظمى. لأنه قد صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته، وقد صار (جسدًا) من امرأة، وُلِدَ من عذراء كي ينقل إلى نفسه جنسنا (نحن البشر) الذين ضللنا، ولكي نصبح بذلك جنسًا مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4) كما كتب بطرس المطوَّب. وما ’كان الناموس عاجزًا عنه إذ أنه كان (الناموس) ضعيفًا بواسطة الجسد، فإن الله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد‘ (رو 8: 3)“.[49]

وهكذا أخذ كلمة الله جسدًا ليُحرِّر به كل الأشياء ويُقرِّب العالم إلى الآب ويصنع سلامًا لكل المخلوقات سواء السماوية أو الأرضية كالتالي:

”لأن إيمان الكنيسة الجامعة يُقرّ بأن كلمة الله هو خالق كل الأشياء ومبدعها، ونحن نعرف أنه ’في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله‘ (يو 1: 1). فإننا نعبد ذلك الذي صار هو نفسه أيضًا إنسانًا لأجل خلاصنا، لا كما لو كان هذا الذي صار جسدًا هو مُساوٍ للجسد بالمثل، بل (نعبده) كسيد آخذًا صورة عبد، كصانع وخالق، صائرًا في مخلوق أي (الجسد) لكي بعد أن يُحرِّر به كل الأشياء، يُقرِّب العالم إلى الآب، ويصنع سلامًا لكل المخلوقات، سواء التي في السماوات أو التي على الأرض“.[50]

مفهوم الذبيحة

يشير ق. أثناسيوس إلى أن عمل الفداء لم يكن من أجل خلاص اللاهوت نفسه، بل من أجل خلاصنا نحن نسل إبراهيم، فالمسيح لم يقدم ذاته ذبيحةً لأجل نفسه ليفتدي نفسه، بل يفتدي الآخرين من الخطايا، وهنا يرفض ق. أثناسيوس فكرة احتياج اللاهوت إلى ذبيحة لأجل نفسه وعن نفسه، بل قدَّم الابن جسده لأجلنا نحن، ولم يكن تقديم الذبيحة ليفتدي نفسه كالتالي:

”فلو كان الكلمة حقًا من نفس جوهر الجسد حسبما تقولون، فأية حاجة كانت هناك لكي يقيم الكلمة بيننا، لكي يلبس ما هو من نفس جوهره الخاص، أو أن يتحوَّل عن طبيعته الذاتية فيصير جسدًا؟ لأن اللاهوت لم يخطئ في شيء وهو يفتدي خطايا الآخرين، حتى يصير جسدًا ويُقدِّم ذاته لأجل نفسه ويفتدى نفسه. لكن حاشا له أن يكون هكذا. لأنه كما قال الرسول جاء لمساعدة نسل إبراهيم، ومن ثم كان ينبغي أن ’يشبه أخوته في كل شيء‘ (عب 2: 16، 17)، ويتَّخذ جسدًا مشابهًا لنا. ولهذا السبب أيضًا، كانت مريم في الحقيقة مفترضةً من قبل ليأخذ الكلمة منها (جسدًا) خاصًا به ويُقدِّمه لأجلنا“.[51]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن الكلمة بعدما اتَّخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، نحن الخاضعين للموت والفساد، بذل جسده للموت عن الجميع وقدَّمه للموت وللآب من أجل محبته للبشر، وليس ترضيةً للآب الغاضب على البشرية، بل إبطالاً لناموس الموت والفناء عن البشر، وهكذا يدحض ق. أثناسيوس أية فكرة عن الإبدال العقابيّ للابن عنَّا، أو إنزال الآب عقوبة البشر على الابن المتجسِّد، بل الابن مِن فرط محبته للبشرية بذل ذاته لأجلهم، إذ قد مات الجميع في المسيح، فأين الإبدال العقابي إذا كان الجميع قد مات في المسيح؟ فالهدف من الخلاص هو إبادة الموت من البشر كما تبيد النار القش؛ لذا يقول التالي:

”وهكذا إذ اتَّخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدَّمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطِل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفِذَ في جسد الربِّ، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر المماثلة لجسد الربِّ. ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يُعِيدهم إلى عدم فساد، ويُحِييهم من الموت بالجسد الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تبيد النار القش“.[52]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على تقديم الكلمة جسده للموت كتقدمة مُقدَّسة وذبيحة خالية من كل عيب قائلاً:

”لذلك قدَّم للموت ذلك الجسد الذي اتَّخذه لنفسه كتقدمةٍ مُقدَّسةٍ وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمةٍ مناسبةٍ، فإنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه البشر“.[53]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على تقديم جسده للموت وإقامته ثانيةً وبالتالي، تمَّم بتأنُّسه هذا عمليتي المحبة، وهما: إبادة الموت من داخلنا وتجديدنا ثانيةً، وإعلان إنه كلمة الآب بأعماله في الجسد كالتالي:

”ولهذا السبب أيضًا، فإنه لم يُتمِّم ذبيحته عن الكل بمُجرَّد مجيئه مُباشرةً، بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانيةً. لأنه لو فعل ذلك لجعل ذاته غير ظاهر، ولكنه صيَّر نفسه ظاهرًا جدًا بتلك الأعمال التي عملها وهو في الجسد، والمعجزات التي أظهرها، وبذلك صار معروفًا أنه ليس بعد مُجرَّد إنسان فقط، بل أنه هو الله الكلمة. لأن المخلِّص تمَّم بتأنسه عمليتي المحبة: أولاً، أنه أباد الموت من داخلنا وجدَّدنا ثانيةً. ثانيًا، إنه إذ هو غير ظاهر ولا منظور، فقد أعلن عن نفسه، وعرَّف ذاته بأعماله في الجسد، بأنه كلمة الآب، ومُدبِّر وملك الكون“.[54]

المبادلة الخلاصية وليس العقابية

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على المبادلة الخلاصية وليس الإبدال العقابيّ، حيث أخذ الكلمة الذي لنا وأعطانا الذي له، أخذ كل الأشياء التي كان يتألم منها في جسده وينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة، وهكذا يُلبِسنا ما له أي عدم الموت وعدم الفساد كالتالي:

”لأن تلك الأشياء التي كان يتألم بها جسد الكلمة البشري، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة. ومن الغريب أن الكلمة نفسه كان متألمًا وغير متألم، فمن ناحية، كان [الكلمة] يتألم لأن جسده هو الذي كان يتألم، وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكلمة يتألم، لأن الكلمة – إذ هو إله بالطبيعة – فهو لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير الجسدي موجودًا في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوي فيه الكلمة غير المتألم؛ الذي كان يبيد العلل التي قَبِلَها في جسده. وكان يصنع هذا، وهكذا كان يصير، كي بعد أن يأخذ ما لنا [أي الجسد] ويُقدِّمه كذبيحةٍ، يقضي على العلل والضعفات كلها. وهكذا يُلبِسنا ما له، وهذا ما يجعل الرسول يقول: ’لأن هذا الفاسد لا بد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت‘ (1كو 15: 53)“.[55]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى المبادلة الخلاصية في سياق تدبير الخلاص، حيث اتَّحد الكلمة بالجسد البشريّ المائت، وحوَّله من جسد مائت إلى جسد غير مائت، ومن جسد حيواني نفسانيّ إلى جسد روحانيّ، ومن جسد ترابيّ إلى جسد سماويّ كالتالي:

”ولم يأت الكلمة من مريم لكي يرتقي هو، بل لكي يفدي الجنس البشريّ. فكيف، إذًا، يُفكِّرون أن الجسد وهو الذي افتداه الكلمة وأحياه، يقوم بإضافة شيءٍ ما من ناحية اللاهوت إلى الكلمة الذي أحياه؟ بل بالعكس، فإن الجسد البشريّ ذاته هو الذي حدثت له زيادة كبيرة، بسبب شركة الكلمة معه واتحاده به، لأنه [الجسد] صار غير مائت بعد أن كان مائتًا، ورغم أن الجسد كان حيوانيًا (نفسانيًا)، فقد صار روحانيًا، ورغم أنه من تراب الأرض، فقد اجتاز الأبواب السماوية“.[56]

هدف التجسد هو إبادة الموت

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن الهدف من اتخاذ الكلمة جسدًا قابلاً للموت هو إبادة الموت فيه وتجديد خلقة البشر الذين خُلِقوا على صورته كالتالي:

”ولهذا فقد كان من اللائق أن يأخذ جسدًا قابلاً للموت حتى يمكن أن يبيد فيه الموت، ويُجدِّد خلقة البشر الذي خُلِقوا على صورته. إذًا، فلم يكن كفئًا لسد هذه الحاجة سوى صورة الآب“.[57]

تجديد الإنسان بنعمة الروح القدس

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تجديد الرب لكل الأشياء بنعمة الروح القدس، وهكذا يجدد الله أرواحنا البشرية بروحه القدوس كالتالي:

”فمتى كان هذا إلا عندما جاء الرب وجدَّد كل الأشياء بنعمته؟ هوذا إذًا أيضًا في هذا القول، يتبيَّن لنا الاختلاف بين الأرواح. فروحنا هي التي تجدَّدت، ولكن الله يقول إن ذلك الروح الذي به تجدَّدت أرواحنا هو روحه، كما يقول المرنِّم في المزمور المئة والثالث: ’تنزع روحها فتموت وإلى ترابها تعود. تُرسِل روحك فتخلق وتُجدِّد وجه الأرض‘ (مز 103: 29، 30). وإذا كنا نتجدَّد بروح الله، فإن الروح الذي يُقَال عنه الآن إنه خُلِقَ لا يشير إلى الروح القدس، بل إلى روحنا“.[58]

انجماع البشرية في المسيح

يُؤكِّد ق. أثناسيوس أن كل ما كُتِبَ عن المخلِّص فيما يخص طبيعته الجسدية، يمكن تطبيقه على كل جنس البشرية، وذلك لأنه أخذنا جسدنا وأظهر ضعف البشرية، فهو يُؤكِّد بذلك على الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح، بحيث أن كل ما يُقَال عن المسيح من جهة ناسوته، فإنه يُقَال عن البشرية كلها، فهو يدحض بذلك نظرية البديل العقابيّ أو نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين أجسادنا وجسد المسيح، وهكذا تقول باختلاف أجسادنا عن جسد المسيح، وأننا كجسد المسيح مُجرَّد جسدًا اعتباريًا رمزيًا وليس أننا ككنيسة جسدًا حقيقيًا للمسيح يسوع ربّنا كالتالي:

”لأن كل ما كُتِبَ عن المخلِّص فيما يخص طبيعته الجسدية، يمكن تطبيقه على كل جنس البشرية، لأنه أخذ جسدنا، وأظهر فيه ضعف البشرية“.[59]

موت المسيح هو موت جميع البشر

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على حقيقة أن موت الرب هو موت جميع البشر وليس موته الخاص، وذلك لإبادة الموت في الجسد، ويدحض بذلك نظرية البدلية العقابية، التي ترى أن المسيح مات كبديل عقابيّ في ذاته، وأن عقوبة الموت وقعت على المسيح من قِبَل الآب كنائب عن البشرية، رغم أن ق. أثناسيوس يؤكد على أن موت المسيح كان موت البشر كلهم، وليس فردًا واحدًا نائبًا عن البشرية كلها، وكأنَّ المسيح كان منفصلاً عن البشرية وقت موته، بل كانت كل البشرية منجمعةً في شخص المسيح، وهذا ما لم يفهمه المنادون بنظرية البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس عن جهل ودون علم كالتالي:

”وفضلاً عن ذلك، فإن المخلِّص لم يأت لكي يُتمِّم موته هو، بل موت البشر، لذلك لم يضع جسده ليموت بموتٍ خاصٍ به إذ إنه هو الحياة وليس فيه موت، بل قَبِلَ في الجسد ذلك الموت الذي أتاه من البشر لكي يبيد ذلك الموت تمامًا عندما يلتقي به في جسده“.[60]

ويدحض ق. أثناسيوس مرةً أخرى نظرية الإبدال العقابيّ التي كانت منتشرة في لاهوت العصر الوسيط، وامتدت إلى اللاهوت البروتستانتيّ، حيث ترى موت المسيح إنه عقوبة أنزلها الآب على الابن نيابةً عن البشر لإيفاء العدل الإلهي حقه، وهذا ما يدحضه ق. أثناسيوس مُشِيرًا إلى أن الكلمة كان يحملنا نحن جميع البشر في جسده الخاص كالتالي:

”فلم يكن الكلمة نفسه هو المحتاج لانفتاح الأبواب، إذ هو رب الكل – فلم تكن مخلوقاته مغلقة في وجهه هو الذي خلقها – بل نحن الذين كنا في احتياج إلى ذلك، أي إلى انفتاح الأبواب، نحن الذين حملنا في جسده الخاص. لأنه كما قدَّم جسده للموت عن الجميع، هكذا بنفس هذا الجسد أيضًا، أعدَّ الطريق للصعود إلى السماوات“.[61]

يشير ق. أثناسيوس إلى أن جسد الربِّ هو جسد مشترك لنا جميعًا، الذي أحتمل فيه الإهانات بإرادته من أجلنا، داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة والبديل العقابيّ اللتين تفصلان البشرية عن جسد المسيح وعمله الخلاصي للبشرية جمعاء، ولأسف هذا الفصل هو فصل نسطوريّ بحت، حيث يرى نسطوريوس انفصال اللاهوت عن الناسوت في المسيح، وبالتالي انفصال البشرية عن الاتحاد بالله في المسيح، لذا يقول ق. أثناسيوس التالي:

”أمَّا الشمس فإذ لم تحتمل تلك الإهانات المثيرة التي وقعت على جسد الربِّ المشترك لنا جميعًا، والتي احتملها هو نفسه من أجلنا بإرادته. فإنها استدارت وحجبت أشعتها، وجعلت ذلك اليوم بلا شمس“.[62]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على الموت الكليّ للبشرية في المسيح داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة والبديل العقابيّ اللتين تفصلان البشرية عن جسد المسيح، كما يشير إلى أننا في المسيح نفسه قد تمَّ تمجيدنا مُقَامين من بين الأموات وصاعدين إلى السماوات كالتالي:

”وبما أن الكلمة هو صورة الآب، وهو غير مائت، قد أتَّخذ صورة عبد، وكإنسان عانى الموت بجسده من أجلنا. لكي بذلك يبذل نفسه للآب بالموت من أجلنا، لأجل هذا السبب يُقَال عنه إنه كإنسان مُجِّد أيضًا نيابةً عنَّا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدَنا مجدًا عاليًا، مُقَامين من بين الأموات، وصاعدين إلى السماوات ’حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا‘ (عب 6: 20)، ’لأن المسيح لم يدخل إلى أقداسٍ مصنوعةٍ بيدٍ أشباه الحقيقية، بل إلى السماء عينها، ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا‘ (عب 9: 24). فإن كان المسيح قد دخل الآن إلى السماء عينها لأجلنا، رغم أنه من قبل هذا الحدث، كان هو دائمًا الرب وخالق السماوات، فتبعًا لذلك تكون هذه الرفعة الحالية قد كُتِبَت أيضًا من أجلنا نحن“.[63]

تمجيد البشرية في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى اتحاد البشرية بنفس الجسد مع المسيح مما يؤدي إلى تمجيدنا العالي في المسيح، فلا تندهش القوات السمائية حينما ترانا نحن البشر المتحدين مع المسيح في نفس الجسد ونحن ندخل إلى مناطقهم السمائية بالمجد والبهاء في المسيح كالتالي:

”لأن مجد الله الآب هو أن يوجد الإنسان الذي كان قد خُلِقَ ثم هلك، وهو أن يحيا الذي مات، وهو أن يصير الإنسان هيكل الله. ولأن القوات السمائية من ملائكة ورؤساء ملائكة كانت تعبده دائمًا، فإنهم الآن أيضًا يسجدون للرب باسم يسوع، فهذه النعمة وهذا التمجيد العالي إنما هو لنا، وإنه بالرغم من أنه صار إنسانًا وهو ابن الله فإنه يُعبَد. لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا – المتَّحِدين معه في نفس الجسد – داخلين إلى مناطقهم السمائية، وهذا قطعًا -لم يكن ممكنًا أن يحدث بأية طريقة أخرى، اللهم إلا إذا كان هذا الذي كان موجودًا في صورة الله، قد اتَّخذ لنفسه صورة العبد، وأذل ذاته راضيًا بأن يصل جسده حتى إلى الموت“.[64]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح في سياق حديثه عن مسحة البشرية بالروح القدس في شخصه، واعتماد البشرية في شخصه، وتمجيد البشرية في شخصه، وفي الأخير تقديس البشرية في شخصه كالتالي:

”أمَّا البشر – الذين يأخذون البداية منه وبسببه – فهؤلاء هم الذين يرتقون. لأنه حينما يُقَال بحسب الوجهة البشرية إنه الآن يُمسَح -نكون نحن الذين نُمسَح في شخصه، حيث إنه حينما اعتمد، نكون نحن الذين نعتمد في شخصه، ويُوضِّح المخلِّص بالأحرى كل هذه الأمور، حينما يقول للآب: ’وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا، كما أننا نحن واحد‘ (يو 17: 22). وتبعًا لذلك، فإنه كان يطلب المجد أيضًا من أجلنا. وبسببنا أيضًا استخدم كلمة ’أخذ‘ وكلمة ’أعطى‘ وكلمة ’مُجِّدَ مجدًا عاليًا‘. وذلك لكي نأخذ نحن أيضًا ولكي يُعطِي لنا، ولكي نُمجَّد نحن فيه مجدًا عاليًا. وذلك كما يُقدِّس ذاته من أجلنا، لكي نتقدَّس نحن في شخصه“.[65]

يُشِير ق. أثناسيوس إلى اشتراك المخلوقات في الابن المولود لا بسبب طبيعتها الذاتية، بل بسبب مشاركتها للابن في الروح القدس، داحضًا بذلك أية إشارة إلى نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين المخلوقات والابن خالقها كالتالي:

”أمَّا المخلوقات فلأنها مخلوقةٌ، فمن المستحيل أن يُقَال عنها إنها مولودةٌ، إلا فيما بعد، أي بعد خلقتها، حينما تشترك في الابن المولود. وفي هذه الحالة، يقولون عنها أيضًا إنها قد وُلِدَت ليس بسبب طبيعتها الذاتية، بل بسبب مشاركتها للابن في الروح“.[66]

جسد الكلمة هو جسدنا نحن

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن جسد الكلمة هو جسدنا نحن؛ الذي اتخذه عندما صار إنسانًا، داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة التي تقول بأننا نحن المؤمنون أي الكنيسة، مُجرَّد جسد اعتباريّ رمزيّ، وليس جسدًا حقيقيًا للربِّ يسوع المسيح كالتالي:

”وواضح أن بيت الحكمة هو جسدنا، الذي عندما اتَّخذه الكلمة، صار إنسانًا. وقال عنه يوحنا بحقٍ: ’الكلمة صار جسدًا‘ (يو 1: 14)“.[67]

انجماع البشرية في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى الانجماع الكليّ للبشرية في جسد المسيح من أجل بقاء جسدنا غير مائت وغير فاسد، وهكذا نصل به إلى الإنسان الكامل في المسيح قائلاً:

”إذًا، فالرب عندما ’أُسِّس‘، لم يكن هذا هو بداية وجوده لأنه قبل التأسيس كان هو الكلمة، لكن عندما لبس جسدنا الذي أخذه كقطعة من جسد مريم، عندئذٍ يقول: ’أسَّسني‘، كما لو كان يقول: ’لكوني الكلمة فقد ألبسني جسدًا ترابيًا‘. لأنه هكذا تأسَّس من أجلنا؛ آخذًا ما يخصنا على عاتقه. لكي باتحادنا معه في الجسد، وارتباطنا به بسبب مشابهة الجسد، نبقى غير مائتين وغير قابلين للفساد، ونصل به إلى إنسان كامل (أف 4: 13)“.[68]

ويدحض ق. أثناسيوس نظريتي البديل العقابيّ والأجساد الثلاثة من خلال تأكيده على أننا محمولون في الابن، لأن الكلمة جاء ليحلَّ فينا، وهكذا صرنا جميعًا باشتراكنا فيه جسدًا واحدًا؛ لأننا نحصل على الرب الواحد في أنفسنا، وهكذا نصير كاملين بكمال جسد المسيح الذي نكون معه جسدًا واحدًا كالتالي:

”إذًا، فالكلمة هو في الواقع وبالحقيقة واحدٌ مع الآب في الجوهر. أمَّا نحن فقد أُعطِيَ لنا أن نتشبه بهذه الطبيعة [أي الطبيعة الإلهية]، كما سبق أن قيل لأنه أضاف مُباشرةً: ’أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد‘ (يو 17: 23). ولذا فالربّ هنا يطلب لأجلنا شيئًا أعظم وأكمل. لأنه واضح أن الكلمة قد جاء لكي يكون فينا؛ لأنه قد لبس جسدنا. وبقوله: ’وأنت أيها الآب فيَّ‘، فهو يعني ’لأني أنا كلمتك‘، وحيث إنك أنت فيَّ بسبب كوني كلمتك، وأنا فيهم بسبب الجسد، ومنك يتحقَّق خلاص البشر فيَّ، لذلك أسأل أن يصيروا هم واحدًا بسبب الجسد الذي فيَّ، وبحسب كماله لكي يصيروا هم أيضًا كاملين؛ إذ يكون لهم وحدة مع الجسد، ولأنهم قد صاروا واحدًا في هذا الجسد، فإنهم كما لو كانوا محمولين فيَّ، يصيرون جميعًا جسدًا واحدًا، وروحًا واحدًا؛ لأننا جميعًا باشتراكنا فيه، نصير جسدًا واحدًا، لأننا نحصل على الربِّ الواحد في أنفسنا“.[69]

تقديس الأشياء بالروح القدس

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديس وتمجيد كل الأشياء أي المخلوقات بالمشاركة في الروح القدس الذي يُقدِّس ويُمجِّد كل الأشياء التي تشترك معه كالتالي:

”فإن كل هذه الأشياء الأخرى [أي المخلوقات] قد تكوَّنت وتقدَّست وتمجَّدت بالمشاركة أيضًا. إذًا، فهناك حاجة ملحة أن تقولوا لنا، مَنْ هو الذي يُشارِكه (الابن)، ما دامت كل الأشياء الأخرى لها شركة في الروح (القدس)، أما هو -فبحسب قولكم- لمَّن يستطيع أن يكون (الابن) مُشارِكًا؟ هل للروح؟ بل كما قال هو ذاته حقًا بالأحرى إن الروح نفسه يأخذ من الابن (يو 16: 14)، ومن غير المعقول القول بأن هذا (الابن) يُقدَّس من ذلك (الروح)، ولا يتبقى بعد ذلك بالضرورة إلا أن نقول إن الآب هو الذي يُشارِكه الابن“.[70]

تقديس جسدنا بجسد المسيح

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن اللوغوس واهب الروح القدس نفسه، قد مُسِحَ لأجلنا بالروح القدس في الجسد، لكي ما نمتلك هذا التقديس بشركة ومسحة الروح القدس في أجسادنا نحن، وهكذا لم يشر ق. أثناسيوس إلى تقديس البشرية بإزالة العقوبة عن البشرية كما في نظرية البدلية العقابية التي انتشرت في لاهوت العصر الوسيط وفي اللاهوت البروتستانتيّ، بل باتحاد اللوغوس بالجسد ومسحة الروح القدس لجسده من أجلنا؛ فصرنا من خلال ذلك مُقدَّسين في المسيح كالتالي:

”هكذا يُرِينا داود أيضًا أنه ليست هناك طريقة أخرى لكي نُشارِك الروح، ونتقدَّس لو لم يقل اللوغوس ذاته، واهب الروح، بأنه هو ذاته مُسِحَ بالروح من أجلنا، ولهذا السبب طبعًا أخذنا الروح، إذ إنه هو الذي قيل فيه إنه قد مُسِحَ بالجسد. حيث إن جسده الخاص هو الذي تقدَّس أولاً، وإذ قيل عنه كإنسان إن جسده قد اتَّخذ هذا الروح، فلأجل هذا، فنحن نمتلك نتيجة ذلك نعمة الروح، آخذين إياها ’من ملئه‘ (يو1: 16)“.[71]

الخلاص بتأليه البشر

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على ترقي ورفعة الأشياء التي يعوزها الترقي والرفعة في المسيح، لأن الابن في تجسُّده جعل البشر أبناءً للآب وقام بتأليه البشر في تأنسه كالتالي:

”لذلك فإنْ كان للابن ذلك المجد حتى قبل خِلقة العالم، وكان هو رب المجد وهو العلي، ونزل من السماء، وهو معبود على الدوام، فينتج من ذلك أنه لم يترق بنزوله، بل بالأحرى هو نفسه الذي رقى الأشياء التي يعوزها الترقي، وإنْ كان قد نزل من أجل ترقيتها، لذلك فإنه لم يحصل على اسم ابن وإله كمكافأة، بل بالأحرى فإنه هو نفسه جعلنا أبناء للآب وألَّه البشر بكونه صار إنسانًا“.[72]

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم أنسلم الكانتربري

سوف نستعرض في هذا الفصل تعليم الكفارة والفداء عند أنسلم رئيس أساقفة كانتربريّ بإنجلترا، وذلك لمقارنة تعاليمه بتعاليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص، لنرى الاختلاف الكبير بن تعليم ق. أثناسيوس عن التعليم الغربي بالترضية وإيفاء العدل الإلهيّ، والإبدال العقابيّ.

يُسمَّى أنسلم أبا المدرسيين الذين درَّسوا في جامعات العصور الوسطى. وكان أنسلم رئيس أساقفة كانتربري في القرن الثاني عشر. وكان واقعيًا. حيث يفترض الواقعيون أن الأفكار والآراء لها وجود في الواقع، بينما أعتقد الأسميون بأن الأفكار أو الأفكار العامة بين جميع البشر هي مُجرَّد أفكار ليس لها أيّ وجود سوى في الفكر. فهم يرون أن الأشياء التي لها أهمية هي الموضوعات الفردية في العالم الماديّ فقط.[73] وإذ كان أنسلم يقف على حافة نهضة القرن الثاني عشر اللاهوتية، قدَّم إسهامات حاسمة في مجالين من مجالات الدراسة، وهما: البراهين على وجود الله، والتفسير العقلانيّ لموت المسيح على الصليب.[74] وخلال إحدى الفترات التي قضاها أنسلم في العمل في إيطاليا، بعيدًا عن إنجلترا، كتب ذلك المؤلَّف الذي ربما يُعدُّ أهم مؤلفاته، بعنوان Cur Deus homo ”لماذا صار الله إنسانًا“. سعى أنسلم في هذا المؤلَّف إلى تقديم إثبات عقلانيّ لضرورة أن يصير الله إنسانًا، بالإضافة إلى تحليل للفوائد التي تعود على البشرية نتيجة تجسُّد ابن الله وطاعته. ومرةً أخرى، يُظهِر هذا المؤلَّف خصائص تنتمي إلى السكولائية في أفضل صورها، ومنها الاحتكام إلى العقل، وحشد الحجج المنطقيّ، واستكشاف معاني الأفكار الضمنية ونتائجها وتطبيقاتها، هذا الاستكشاف الذي لا يلين، بالإضافة إلى القناعة الأساسية بأن الإنجيل المسيحيّ في لبه هو إنجيل عقلانيّ، يمكن إثبات كونه عقلانيًا.[75]

الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته

للحديث عن مفهوم ”الترضية“ و ”البدلية العقابية“ عند أنسلم الكانتربريّ، ينبغي علينا أولاً الحديث عن مفهوم أنسلم عن الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته، والذي نتج عنه مبدأ الترضية، والتعويض، وإيفاء العدل الإلهيّ، والإبدال العقابيّ. حيث يتحدَّث أنسلم عن ماهية الخطية كإهانة لله، وسلب لحقه في الإكرام، وحط من قدره قائلاً:

”فمَّنْ لا يؤدي واجب الإكرام هذا لله، يكون قد سلب الله حقه، وحطَّ من كرامته […] وكذلك مَنْ حطَّ من كرامة صاحبه، فلا يكفي أن يرد له الإكرام الواجب، ينبغي عليه أيضًا التعويض الكافي عن طريق ترضيته عن الإهانة. ومن الملاحظ في هذا الشأن أن المغتصِب الذي يرد المال المغتصَب، ينبغي عليه أن يُعطِي شيئًا، لم يُطالِب به، لو لم يعتد على غيره في ماله. وبالتالي، ينبغي على كل مَنْ يفعل الخطية أن يرد لله الإكرام الواجب الذي سلبه. وهذا هو الإيفاء المطلوب من الخاطئ لله“.[76]

لا يوجد غفران بدون عقوبة

يتحدَّث أنسلم عن عدم غفران الله للخطية من دون عقاب في موضع آخر قائلاً:

”لا يليق بالله أن يغفر خطية من دون عقاب عليها“.[77]

مبدأ إيفاء العدل الإلهي

يشرح أنسلم الكانتربريّ مبدأ إيفاء العدل الإلهيّ حقه، ورد كرامة الله المهانة من البشر بسبب الخطية، واسترداد الله لكرامته المهانة بفرض العقوبة على الخطأة قائلاً:

”لا يوجد شيء ينبغي الحفاظ عليه عند الله أكثر من كرامة مقامه. […] ثم يتساءل: أنسلم: هل يبدو لك إذَا سمح الله بحدوث هذا النهب، ولم يسترد الشيء المنهوب، ولم يُعاقِب الناهب، أنه بذلك يُحافِظ على كرامته العالية المحافِظة الحقيقية التي لا يشوبها أيّ شيء. بوزو Boso: لا أستطيع قول ذلك. أنسلم: بناءً على ذلك، ينبغي أن يسترد الكرامة المهَانة، أو يفرض العقاب، وإلا لن يسير كل من العدالة والقوة الإلهية في مسارهما، ولا يمكن تصوُّر ذلك على الإطلاق“.[78]

ثم يشرح أنسلم بمثالٍ كيفية إيفاء المسيح للقصاص الإلهيّ العادل عوضًا عن البشر المجرمين في حق الله الآب كالتالي:

”حيث كان من الصعب لأحد غيره أن يجد منفذًا من حكم القصاص. وكان ابنه الأمين والصادق هذا له مكانة عظيمة عند ذلك الأب، وهو يحب كثيرًا أولئك الأولاد المجرِمين، فأراد بما له من القدرة أن يُصالِح كل الذين يثقون بمشورته مع الأب بعمل خدمة مُرضِية جدًا، لديه واجب أن يعملها في يوم مُحدَّد بحسب مشيئة الأب […] وحيث كان من الصعب على الذين يريدون الخلاص أن يحضروا جميعًا حينما أكمل المسيح ذلك الفداء، كانت قوته موته فعَّالة بهذا القدر، حتى أن غير الموجودين في الزمان والمكان، يُمكِنهم استنتاج ذلك“.[79]

توضيح نظرية الترضية لأنسلم

انصب تركيز أنسلم بالكامل على برِّ الله. فالله يفتدي البشر على نحوٍ متسق تمامًا مع صفة بره. وقد كانت أطروحة أنسلم بعنوان Cur Deus homo ”لماذا صار الله إنسانًا“ عبارة عن تناول بارع لمسألة إمكانية فداء البشر، في هيئة حوار ثنائيّ. وفي سياق تحليله، أثبت – مع أن مدى نجاحه في هذا يُعدُّ مثار جدل – كلا من ضرورة التجسُّد، والطاقة الخلاصية الكامنة في موت يسوع المسيح وقيامته من بين الأموات. وقد كانت حجته مُعقَّدة، ويمكن تلخيصها على النحو التالي:

  • خلق الله البشر في حالة من البر الأصليّ كي يقتادهم إلى حالة من النعيم الأبديّ.
  • كانت هذه الحالة من النعيم الأبديّ مشروطةً بطاعة الإنسان لله. لكن، بسبب الخطية، صار البشر عاجزين عن تتميم شرط الطاعة اللازم توافره، الأمر الذي يبدو كما لو أنه أحبط قصد الله من خلق البشر من الأساس.
  • وإذ من المستحيل أن تُحبَط مقاصد الله، لا بد من وجود وسيلة يمكن بها علاج هذا الوضع. لكن، لا يمكن علاج الوضع، إلا إذَا قُدِّمَت ترضيةً عن الخطايا. بعبارةٍ أخرى، كان ينبغي فعل شيء، يمكن من خلاله محو الإساءة التي تسبَّبت فيها خطايا البشر وتطهيرها.
  • لكن ما مِن وسيلة يمكن بها للبشر أن يُقدِّموا هذه الترضية اللازمة. فالبشر يفتقرون إلى الموارد اللازمة. لكن في المقابل، لدى الله الموارد اللازمة لتقديم الترضية المطلوبة.
  • ومن ثمَّ، كان من شأن ”الله-الإنسان“ أن تكون لديه القدرة بصفته الله، وأن يكون عليه الإلزام بصفته إنسانًا، بأن يسدّ الترضية المطلوبة. ومن ثمَّ، حدث التجسُّد حتى يمكن تقديم الترضية المطلوبة، وفداء البشر.

تستلزم بعض النقاط السابقة تعليقًا. أولاً، حُسِبَت الخطية هنا إساءةً في حق الله. ويبدو أن حجم هذه الإساءة متناسب طرديًا مع مكانة الطرف المساء إليه. رأى العديد من الباحثين والدارسين أن هذا يوحي بتأثُّر أنسلم الشديد بالمبادئ الإقطاعية التي كانت سائدةً في أيامه، وأنه ربما اَعتبر الله مُعادِلاً لشخصية ”السيد الإقطاعيّ“ أو ”البارون“.

ثانيًا، أُثِيرَ جدلٌ لا بأس به حول أصول فكرة ”الترضية“ Satisfaction. فربما كانت هذه الفكرة مُستمَدة من القوانين الألمانية في تلك الفترة، والتي كانت تنص على وجوب محو الإساءة أو تطهيرها عن طريق دفع ثمن ملائم. لكن، يعتقد غالبية الباحثين والدارسين أن أنسلم احتكم في هذا بشكلٍ مباشرٍ إلى نظام التوبة الذي كان متبعًا في الكنيسة. فقد كان الخاطئ الذي يلتمس التوبة يُطالَب بالاعتراف بكل خطاياه. وعند نطق الكاهن بالحلِّ أو الصفح، كان يطلب من التائب أن يفعل شيئًا (مثل الذهاب في رحلةٍ إلى الأراضي المقدَّسة، أو القيام بعملٍ خيريّ) باعتباره ”ترضيةً“ – أي وسيلةٌ علنيةٌ للتعبير عن الامتنان لأجل الصفح. ومن المحتمَل أن يكون أنسلم قد استقى فكرته من هذا المصدر.

لكن، على الرغم من الصعوبات الواضحة التي صاحبت منهجية أنسلم، أحرز من خلالها تقدُّمٌ مهمٌ. فإن إصرار أنسلم على كون الله مُلزمًا كليةً وتمامًا بالتصرف طوال عملية فداء البشر وفقًا لمبادئ العدل والبرِّ، هو أمر مثَّل مقاطعةً حاسمةً لمنهجية ”كريستور فيكتور“ (المسيح الغالب)، تلك المنهجية المشكوك في إتباعها المبادئ الأخلاقية السليمة. وبتبني الكُتَّاب اللاحقين منهجية أنسلم، استطاعوا وضعها فوق أساس أكثر ثباتًا، وذلك عن طريق ترسيخها في مبادئ القانون العامة.[80]

ويرى الأب الكاثوليكيّ فالتر كاسبر أن أنسلم ينطلق في نظريته عن التكفير أو الترضية من ”نظام الكون“. هذا النظام الشامل المعقول تُعكِره الخطيئة. والإنسان مُسلَّم هكذا إلى الجنون. وهذا الفساد يستدعي التعويض الذي سيكون التكفير. ولو كان الله نفسه يمنح التكفير بمحض الرحمة، لما أرضى ذلك العدل.[81] فلا بد إذًا من القول: ”إمَّا التكفير وإمَّا العقاب“ (أنسلم، لماذا تجسَّد الله، 1: 15). يجب أن يقتضي الله تكفيرًا وتعويضًا. ولكن مقتضى الله هذا يُحبِطه الإنسان. فالخطيئة هي ضد الله اللا متناهي، ولذلك فهي نفسها لا متناهية.[82] ويشرح أنسلم منطقه هذا باستناده خصوصًا إلى مفهوم ”شرف الله“. فقد خُلِقَ الإنسان ليُطِيع الله ويخدمه، ويستسلم له. وقد حاد عن هذه الغاية بالخطيئة. ولكن كلما كان المهَان عظيمًا، عظُمَت أيضًا الإهانة. وشرف الله لا مُتناهٍ، فدَّين الإنسان كذلك لا مُتناهٍ. والتكفير اللا متناهيّ ضروريّ. ولكن الإنسان المتناهيّ غير قادر على القيام به.

وينتج من ذلك أن الإنسان مُلزَم بالتكفير، ولكن الله وحده قادرٌ على القيام به. والتكفير الذي يُعِيد ”نظام الكون“ و ”شرف الله“ لا يمكن تحقيقه إلا بمَّن هو في الوقت عينه إلهٌ وإنسانٌ، أي الإنسان الإله. والسؤال: ”لماذا صار الله إنسانًا“؟ يجد هكذا الجواب عنه. ولكن هذا لا يقول بعد لماذا كان على الله أن يصعد على الصليب ليفتدينا. ويُضِيف أنسلم أيضًا أن حياة يسوع في الطاعة لا تكفي للفداء، إذ إن الإنسان مُلزَم من قبل بتلك الطاعة بالخلق. فالتكفير لا يمكن أن يتحقَّق إلا بشيءٍ لا يُلزِم من قِبَل يسوع بكونه إنسانًا. ولا يمكن يكون سوى موته، إذ إن يسوع لمَّا كان بلا خطيئة فهو غير خاضع لمصير الموت. وبما أن يسوع نفسه لم يكن بحاجة إلى هذا التكفير، فالله قادرٌ على أن يجعله موضوع استحقاق لجميع الآخرين. والعجز في ميزانية جميع الآخرين يُسدِّده فيض ما هو عند المسيح. فيسوع أعاد إذًا بموته الطوعيّ التوازن لـ ”نظام الكون“ وحقَّق التكفير عن الجميع.

لا يمكن أن تُفهَم نظرية أنسلم جيدًا إلا إذَا وُضِعَت في إطار الإقطاع الچرمانيّ، في بداية العصر الوسيط. وهذا يرتكز على علاقة الأمانة التي تربط السيد بمَّن هو تحت يده، وهذا يُقطِعه السيد أرضًا مع حمايته التي تجعل له نصيبًا في السلطة العامة. ويتقبَّل السيد منه الوعد بأن يتبعه ويخدمه. والاعتراف بجميل السيد هو إذًا أساس النظام، والسلام، والحرية، والحقّ. وشرف السيد ليس شرفه الخاص، بل هو موقعه الاجتماعيّ الذي يجعله ضامنًا للسلام العام. وكل نيل من هذا الشرف يتضمَّن هدم الحقّ والسلام، وخسارة الحرية، والفوضى. وبطلب هذا الشرف لا يُنظَر إلى الإرضاء الشخصيّ للسيد، بل إلى إعادة النظام الجماعيّ. ويُميِّز أنسلم بالطريقة نفسها شرف الله ”في ما يعود إليه“ وشرف الله ”في ما يعود إلى الخليقة نفسها“. ففي الأمر الأول لا يمكن زيادة أيّ شيء عليه أو إنقاص أيّ شيء منه. أمَّا إذَا كان الإنسان لم يعدّ يعترف بشرف الله، فينهار ”نظام العدالة“ في العالم.

إن انتهاك شرف الله لا ينال إذًا من الله نفسه، بل من الإنسان والنظام وجمال العالم. وليس شرف الله الشخصيّ الذي يُطلَب رده إلى نصابه، بل العالم المشوَّش والمخلَّع، هذا العالم الذي لا يسوده النظام إلا ما دام يحترم شرف الله. وليس الموضوع هنا التعويض عن شرف إله غيور، ولا شأن نظام قانونيّ مُجرَّد، أو ميزانية يجب أن تُوازن. الموضوع هو الاعتراف بشرف الله وإعادته في سبيل الحرية والسلام والنظام، ولأجل أن يُعَاد إلى العالم معناه.[83]

يحاول أنسلم إثبات حتمية حدوث التجسُّد من خلال العقل بدلاً من التقليد والكتاب المقدَّس. وكانت خطة بحسب الظاهر هو أن يُثبِت لليهود والمسلمين تلك العقيدة مُقدَّمةً في صورة حوار ثنائيّ، والمتحاوران هما أنسلم نفسه وتلميذًا له يُدعَى بوزو Boso.

يبدأ أنسلم بالمشكلة التي يحلها التجسُّد: مشكلة الخطيئة.[84] ويُعرِّف الخطيئة على أنها عصيان لله. وأيّ إخفاق في التسليم الكامل لإرادة الله يجعلنا في حالة خطيئة أمامه. وللأسف، هذا ما حدث، فليس هناك ما يمكننا القيام به لتصحيح الوضع، كما يقول أنسلم:

”إن أيّ شخص لا يعطي الاحترام الواجب لله، فكأنه يسرق من الله ما ينتمي إليه، وهذه خطيئةٌ. وما هو أكثر من ذلك، طالما أنه لا يُسدِّد ما سرقه من الله، فإنه سيظلُّ مُذنِبًا. وليس كافيًا أن نرد ما سرقه، لأن هذا الشخص أهان الله، وعليه أن يُعيد شيئًا أكثر مما أخذ“.[85]

وقد أقتبس أنسلم هذه الأفكار مُباشرةً من مجتمع العصور الوسطى. فالناس الذين خضعوا للنظام الإقطاعيّ في العصور الوسطى دانوا بالولاء للسيد، وكان عليهم أن يطيعوه، وإنْ لم يفعلوا ذلك فهذه إهانةٌ كبيرةٌ له، وكأنهم سرقوا كرامته وشرفه. وإنْ لم يرد السارق ما أخذه، بل وزيادة، نظرًا لأنه قد تسبَّب في الإهانة، فسوف يُعاقَب. أمَّا في حالة الخطيئة، فيتوجَّه أنسلم لنقطة أننا لا نستطيع أن نُعوِّض الله. فلكي نفعل ذلك، علينا أن نعطيه شيئًا لا ندين به له. لكننا ندين لله بكل شيء، إذ أننا موجودون فقط لأنه خلقنا، وحتى لو لم نكن قد أخطأنا سنكون أيضًا مدينين له بولائنا الكامل وكل شيء نمتلكه. ويسأل أنسلم بوزو السؤال الحاسم:

”أنسلم: ما الذي ستُقدِّمه لله من أجل خطاياك؟ بوزو: إذَا كنتُ أنا مدينٌ له بنفسي وبكل شيء حتى وإنْ لم أفعل خطيئةً، ثم بعد أن أخطأت، لم يعدّ لديَّ شيء لأُقدِّمه. أنسلم: ماذا سيحدث لك؟ وكيف يمكنك أن تخلُص؟ بوزو: إذَا أنا فكَّرت فيما قلته لي. لا أستطيع أن أجد أيّ طريق للخلاص“.[86]

وما هو أسوأ قادمٌ. إن عصيان الله هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث. هي جريمةٌ شرها لا نهائيّ. لذا، فلكي نُعوِّض الله عن حقه من الاحترام الواجب، علينا أن نُقدِّم شيئًا ثمينًا يفوق هذه الخطيئة اللا نهائية، وكيف يمكننا فعل ذلك؟ المشكلة هي هنا بما أن الطرف المذنب، أي البشرية يجب أن تُرضِي الله، وهذا ما تعجز عن فعله. في الواقع، أن الله وحده مَن يمكنه فعل ذلك. وهنا يكون الاستنتاج واضح:

”أنسلم: إذًا، فالله وحده هو القادر على أن يُقدِّم هذه الترضية. بوزو: هذا ما يتبع ذلك. أنسلم: لكن ليس من أحد سوى البشر يلزمهم فعل هذا، وإلا لن يكون البشر قد قدَّموا هذه الترضية. بوزو: ليس هناك عدل أكثر من هذا. أنسلم: […] حتى إذَا لم يكن أحدٌ سوى الله الذي يمكنه القيام بهذه الترضية، وليس مَن يمكنه غير الإنسان الذي يلزم عليه القيام بها، لذلك يجب أن يكون هناك إله-إنسان لكي يقوم بذلك. بوزو: تبارك الله!“.[87]

ولتنفيذ هذه الخطة يجب أن يكون الله-الإنسان إلهًا كاملاً وإنسانًا كاملاً. وعليه أن يُقدِّم تقدمةً غاليةً لا نهائيةً. ولأنه هو الله، فإن موته له قيمة لا نهائية. لذا، يسمح هذا الله-الإنسان لنفسه أن يموت مُقدِّمًا موته كتعويض عن الإهانة التي لحقت به بسبب البشرية. وهذا يكفي ويزيد لتعويض ما سُلِبَ، ويمكن للبشرية الخاطئة أن تنال الغفران.

نقد نظرية الترضية لأنسلم

إن تعليم أنسلم هو تقرير موضوعيّ عن الخلاص. فهو يرى الخطيئة على أنها دَّينٌ كونيّ، سدَّده الله لنفسه. وتقف البشرية الخاطئة موقف المراقِب لهذه المبادلة بطريقةٍ سلبيةٍ بدون أن تُشارِك فيها [وهذا عكس تعليم الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح عند ق. أثناسيوس وآباء الشرق اليونانيّ]. ولا يتحدَّث هذا التعليم عن تغيُّر العلاقة مع الله، ولا الطريقة التي يمكن من خلالها للبشرية الخاطئة أن تتغيَّر إلى حياةٍ أفضل. بالطبع هذه الأمور مهمةٌ لأنسلم، ولكنها لا تلعب دورًا في فكره اللاهوتيّ عن الخلاص بالمعنى الدقيق للكلمة. فبالنسبة له، يُشبِه البشر مجرمون هربوا من حكم الإعدام. وأيّ تغيير لاحق في القلب والحياة الأفضل التي يمكن أن يتمتَّع بها الإنسان تأتي كرد فعل للخلاص، وليست جزءًا من الخلاص ذاته، وهذا يتعارض بشدةٍ مع تعاليم أبيلارد في وقتٍ لاحقٍ، وكذلك مع تأكيدات أوغسطينوس السابقة له.

إن مفهوم أنسلم القانونيّ للخلاص سيكون مُؤثِّرًا جدًا، وسيكون السبب الجذري لتعاليم كلٍّ من لوثر وكالفن عن الكفارة، والذي من خلالهما تأسَّست الحكمة المنزلة للبروتستانتية عمومًا.[88]

 

 

 

الفصل الثالث: الدراسات الحديثة حول تدبير الخلاص بين الشرق والغرب

سوف نستعرض في هذا الفصل أهم الدراسات الحديثة للأساتذة والباحثين اللاهوتيين حول الاختلافات بين الشرق والغرب في مفهوم تدبير الخلاص، للتأكيد على أن البدلية العقابية تعليم غير موجود في فكر آباء الشرق عامةً، وفي فكر ق. أثناسيوس خاصةً.

نورمان راسل

يشرح البروفيسور نورمان راسل،[89] أستاذ اللاهوت والآبائيات في جامعة أوكسفورد، تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس، وكيف يربط ق. أثناسيوس بين الخلاص وتأليه الإنسان، حيث يرى أن الخلاص هو عن طريق تأليه الإنسان، وليس عن طريق البدلية العقابية كالتالي:

”إن استخدم أثناسيوس لأول مرة لمصطلح θεοποιέω في الإطار المسيحيّ اللاهوتيّ كان في منطوقه المعروف لـ ’الصيغة التبادلية‘ الذي ورد في كتاب ’تجسد الكلمة‘، فصل 54: ’لقد صار [الله] إنسانًا كي نصير مُؤلَّهين‘. وقد أُشِيرَ منذ أكثر من قرن مضى إلى اعتماده في هذا الصدد على إيرينيؤس. إن عبارة أثناسيوس هي إعادة صياغة بلغةٍ أكثر تقنيةً من لغة إيرينيؤس الذي قال: ’هو صار على ما نحن عليه لكي يجعلنا على ما هو في نفسه‘. (ضد الهرطقات، برهان الكرازة الرسولية، الفصل 5). على مثال إيرينيؤس، فإن أثناسيوس يرى الخلاص كعملية تصحيح لمسار الإنسانية الساقطة نحو الله. ففي فكره، هناك تناقضٌ بين الله غير المخلوق والخليقة التي أحضرها من العدم إلى الوجود. وبالتالي، فإن سقوط الإنسانية هو انجذاب نحو الطبيعة المخلوقة المائلة للعودة نحو العدم. لقد قام التجسُّد بعكس اتجاه الانجذاب [من العدم نحو الله]. بينما هو في الوقت نفسه ’قريبٌ‘ كونه واحدًا منَّا، فإن الإنسانية الآن مُنجذِبة نحو الاتجاه المعاكس، أي نحو غير المخلوق. ويستمر أثناسيوس على هذا النهج في التفسير مُوضِّحًا: ’إنه أعلن ذاته بواسطة الجسد لكي يصير من الممكن لنا أن نُكوِّن فكرة عن الآب غير المنظور، واحتمل الإهانات من البشر لكي نرث نحن عدم الفساد‘. إن ثمار تألُّه البشرية التي تُمثِّلنا والتي اتَّخذها الكلمة هي معرفة الله والانحلال من الفساد“.[90]

توماس تورانس

يستعرض البروفيسور توماس تورانس،[91] أستاذ العقائد المسيحية في جامعة أدنبرج Edinburgh باسكتلندا، جوانب عقيدة الفداء في الكتاب المقدَّس والتقليد الآبائيّ، مؤكدًا على عدم وجود بدلية عقابية في تعليم الآباء الشرقيين، ويشير إلى اختلاف مفاهيم تدبير الخلاص بين الشرق والغرب كالتالي:

”علاقة نظريات الكفارة بجوانب الفداء الثلاثة في العهد القديم: لقد مالت النظريات التاريخية إلى أن تقع في ثلاث مجموعات أساسية، معروفة في العموم كالتالي: نظرية التأثير الأخلاقي، ونظرية الفدية ransom،[92] ونظرية البدلية العقابية penal substitution.[93] هذا التمييز، يجعله أكثر وضوحًا التاريخ الذي يتفق بمعيار حقيقي مُعيَّن مع الجوانب الأساسية الثلاثة في المفهوم الكتابيّ للفداء، ولكن ليس بشكلٍ كاملٍ: فعلى سبيل المثال، يتم إغفال الجانب التعبديّ للفداء، ولكن الأهم من الكل هو حقيقة فقدان الروابط البينية عندما ننظر إلى الكفارة بهذه الطريقة، وبالتالي، الأجزاء الثلاثة التي تنقسم الكفارة إليها هي أكثر ضيقًا وفقرًا من الجوانب الأساسية الثلاثة أو خطوط الفداء padah أي الفدية، و kipper أي الكفارة، و goel أي الفادي. لذا دعونا نفحص هذه الجوانب في ضوء النظريات التاريخية. (1) الجانب الدراميّ [التمثيليّ] للكفارة: لقد مال إلى أن يقع في نظرية ’الفدية للشيطان‘، أو على أحسن تقدير مفهوم المسيح المنتصر Christus Victor. غالبًا هذه النظرية هي نظرية آبائية وفي العصر الوسيط المبكر، بل ولها مثيلاتها الحديثة في الدوائر اللوثرية والأنجلو-كاثوليكية، ولكن ليس كثيرًا جدًا في الأرثوذكسية اليونانية أو اللاهوت الروماني الكاثوليكي. لذا عندما يضيق الجانب الدرامي [التمثيلي] للكفارة بهذه الطريقة، فيكون لديه نزعة مميَّزة نحو الثنائية dualism، ويستدعي هذا ’تجريد الصفات الميثولوچية‘ Demythologisation. فمن الجدير بالملاحظة إنه في حين يتحدَّث المؤرِّخون في كثير من الأحيان عن ذلك بأنه آبائي وعصر وسيط، ولكنه يوجد فقط بالحقيقة الفعلية في جزء بسيط من الفكر الآبائي، أي في الأوريجانية، وفي مواضع مُعيَّنة من الفكر الرهبانيّ، حيث سادت الثنائية. ولم يُنادِ به أيّ من الآباء العظام (فيما عدا غريغوريوس النيسي)، ونجده أيضًا مرةً أخرى في أزمنة العصر الوسيط، في الفكر الشعبيّ والرهبانيّ، ولكنه غير واضح تمامًا عند اللاهوتيين – حيث قضى عليه عمليًا أنسلم وبرنارد من كليرڨو. (2) الجانب التعبديّ – القضائيّ للكفارة: لقد مال هذا إلى أن يقع في مفهومين هما: (أ) المفهوم التعبديّ للكفارة دون عنصر التبرير، موجود غالبًا في النصوص والسياقات الليتورچية. حيث مال إلى المضي قُدمًا في الفكر الغربيّ غالبًا بالارتباط مع ذبيحة القداس، دون العلاقة الكافية بالمسيح نفسه في عمله الخلاصيّ. ولكن يتم المبالغة في ذلك بأيّ حال من الأحوال عند اللاهوتيين العظام. فعلى سبيل المثال، العشرون سؤالاً التي خصَّصها توما الأكويني للإفخارستيا، يوجد سؤال واحد فقط منها مُخصَّص لمفهوم الذبيحة الإفخارستية. كما يوجد مفهوم أفضل كثيرًا في صلوات وتأملات أنسلم. (ب) المفهوم العقابيّ دون الجانب الكهنوتيّ – مفهوم الترضية في الكفارة. هذا المفهوم مُستمَد في الغرب غالبًا من الفكر الأساسيّ لترتليان – ولديه نزعة مُميَّزة نحو الناحية القضائية، مع مفهوم بسيط للخلاص من الناموس، ومفهوم للخلاص ’بمعزل عن الناموس‘. حيث يدين تطوُّر مفاهيم العقوبة والترضية في الكفارة بالكثير إلى اللغة اللاتينية والمفاهيم الأكثر تأثرًا باللاتينية، كما يُمكِننا أن نرى عندما نُقارِن التطوُّر الغربيّ لهذه المفاهيم، سواء في الفكر الرومانيّ أو البروتستانتيّ، مع إيضاح جوانب العقوبة والترضية في فكر كيرلس الإسكندريّ على وجه الخصوص. لقد كان مفهوم البدلية العقابية مع الفهم الضيق للتبرير، هو الذي أصبح سائدًا في القرون المعروفة بالأرثوذكسية البروتستانتية، وفيما يُعرَف اليوم بالبروتستانتية الإنجيلية. (3) الجانب الأنطولوچيّ [الوجوديّ] للكفارة: لقد مال هذا مجددًا إلى أن يقع في مفهومين هما: (أ) المفهوم التجسُّدي incarnational، حيث يكون العنصر الخلاصيّ من خلال المعرفة والاتحاد المستيكيّ [السرائريّ] بالمسيح. وهذا واضح مبكرًا جدًا عند الآباء اليونانيين، على سبيل المثال، عند كليمندس الإسكندريّ، وسابقًا جدًا عند أغناطيوس الأنطاكيّ – ولكنه يختلف في الرسالة إلى ديوجنيتوس. لقد أصبح أحد الخطوط الأساسية للتطور في جميع أنحاء التقليد المستيكيّ [الصوفيّ]، حيث يتم التركيز أكثر في بعض الأحيان على الاتحاد بالله من خلال المعاينة السرية، وأحيانًا على الاتحاد بالله من خلال التجسُّد. (ب) المفهوم الذاتيّ للكفارة، حيث يكون التأثير الأخلاقي لذبيحة المسيح، أو معرفة ماذا فعل الله لأجلنا في محبته هو العنصر الخلاصيّ – على سبيل المثال عند أبيلارد، أو عند سوسينوس Socinus. ولكن يمتلك هذا تطورًا عميقًا ومؤثرًا في الليتورچية، على سبيل المثال، في صلاة مريم أسفل الصليب Stabat Mater – قارن هنا صلاة مريم لهايدن Haydan، والقوة الهائلة للتأمل في جراحات يسوع“.[94]

وهكذا نُدرِك من هذا القول لهذا العلامة اللاهوتيّ الكبير وأستاذ العقائد المسيحية أن مفهوم البدلية العقابية هو مفهوم غربيّ نشأ بالأساس من فكر ترتليان، وتطوَّر في الغرب في اللاهوت الكاثوليكيّ والبروتستانتيّ حتى وصل إلى ما هو عليه في يومنا هذا.

يُحاوِل البروفيسور توماس تورانس التفريق بين جانب الإبدال العقابي للكفارة كما جاء في العهد الجديد من وجهة نظره، وبين فكر الإبدال العقابي كما تطوَّر في الغرب اللاتيني، أو الروماني، أو البروتستانتي، ولكنه يؤكِّد على أن العهد الجديد لم يستخدم لفظة ’يُعاقِب‘ عن العلاقة بين الآب والابن، حيث يقول التالي:

”لهذا السبب، يتحدَّث العهد الجديد عن جانب الإبدال العقابي للكفارة، ليس في أقسام قضائية [شرعية] مُنفصِلة كالتي قد تطوَّرت في الغرب اللاتينيّ، أو الرومانيّ، أو البروتستانتيّ، بل من ناحية حميمية العلاقة بين الآب والابن، حيث يُخضِع الابن ذاته لحكم الآب، وتستجيب له مسرة الآب الصالحة – أنظر هنا الأهمية الكبيرة لچون مكليود كامبل J. Mcleod Campbell وكتابه العظيم ’طبيعة الكفارة‘، حيث يُحذِّرنا بحقٍ من التفكير في الكفارة بتعبيراتٍ عقابيةٍ محضةٍ، لأننا لا نستطيع التفكير في المسيح المعاقَب من الآب بدلاً عنا، فلا يستخدم العهد الجديد في أيّ موضع كلمة Kolazo أي يُعاقِب، عن العلاقة بين الآب والابن“.[95]

ويرى البروفيسور توماس تورانس أن الفداء عند ق. أثناسيوس يحدث في حياة الابن المتجسِّد التوسطية وفي شخصه، يحدث خلاصنا في علاقات الوسيط الداخلية، وليس ببساطةٍ في علاقة المسيح الخارجية بالخطأة، وهذا ينفي عن أثناسيوس فكرة الإبدال العقابيّ، الذي يحاول البعض عن جهل أن ينسبها إليه كالتالي:

”يحدث [الفداء] في حياة الابن المتجسِّد التوسطية وفي شخصه، فكما أنه [أثناسيوس] أعتقد أن اللوغوس هو داخل كيان الله، كذلك أعتقد أن خلاصنا يحدث في علاقات الوسيط الداخلية، وليس ببساطةٍ في علاقة المسيح الخارجية مع الخطأة“.[96]

خالد أناطوليوس

يرى البروفيسور خالد أناطوليوس،[97] أستاذ اللاهوت في جامعة نوتردام والمتخصِّص في تعليم ق. أثناسيوس، أن خلاصنا وتألُّهنا، بحسب ق. أثناسيوس، يتأسَّس بالكامل على أن حالتنا الإنسانية قد انتسبت إلى الكلمة، لأن ذلك في الأساس هو الذي يجعل كياننا مفعمًا بالكلمة كالتالي:

”إن خلاصنا وتألُّهنا يتأسَّس بالكامل على أساس أن حالتنا الإنسانية قد انتسبت للكلمة، لأن ذلك في الأساس هو ما يجعل كياننا مُفعَمًا بالكلمة“.[98]

جوهانس رولدانوس

يرى الباحث الكبير چوهانس رولدانوس أن مفهوم أثناسيوس عن الخلاص يتوقف على وحدة جسد المسيح البشريّ مع جسدنا، وكذلك على وحدة طبيعته الإلهية مع الطبيعة الإلهية للآب قائلاً:

”إن مفهومه عن الخلاص يتوقف على إتمامه لوحدة جسد المسيح البشريّ مع جسدنا، وكذلك على وحدة طبيعته الإلهية مع الطبيعة الإلهية الخاصة بالآب“.[99]

لويس بيركهوف

يتحدَّث البروفيسور المعروف لويس بيركهوف[100] عن الاختلاف بين اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ واللاهوت الغربيّ اللاتينيّ في عقيدة الكفارة وعمل المسيح على الصليب، حيث يقول التالي:

”في اللاهوت الآبائيّ اللاتينيّ: على الرغم من أن تعليم عمل المسيح في اللاهوت الآبائيّ اللاتينيّ لديه نقاط عديدة مُشتركة مع تعليم اللاهوت اليونانيّ المبكر، ولكن حتى في هذه الفترة المبكرة، تبدأ اختلافات مُهمة في الظهور. حيث يبدأ النوع اللاتينيّ المختلِف من اللاهوت مع ترتليان. حيث يتبنى إلى حد ما نظرية إيرينيؤس الانجماع الكلي، ولكنه يتصوَّر التجسُّد على أنه يُؤثِّر على الجنس البشريّ بالأساس من خلال الإرشاد والمثال. ولكن تتراجع هذه الفكرة كلها بشكلٍ أو بآخر إلى الخلفية. حيث يُركِّز كثير جدًا أكثر من إيرينيؤس على الأهمية المحورية لموت المسيح على الصليب، مُعتبرًا إياه نقطة الذروة والنهاية الحقيقية لإرسالية المسيح. لا يُمكِن القول بأنه ذهب بعيدًا عن إيرينيؤس في الصياغة المحدَّدة لعقيدة موت المسيح. ولكن تقع أهميته الحقيقية في حقيقة أنه أدخل استعمال مصطلحات قانونية عديدة إلى اللاهوت، مثل: ’ذنب‘، و ’ترضية‘، و ’استحقاق‘، وما إلى ذلك، التي تمَّ توجيهها لتلعب دورًا كبيرًا في التطوُّر اللاهوتي لعقيدة عمل المسيح. ومع ذلك، يجدر ملاحظة أنه مازال لم يُطبِّق تلك المصطلحات على عمل المسيح الكفاريّ، بل على التوبة والأعمال الصالحة التي ينبغي أن تتبع الخطايا المرتكَبة بعد المعمودية. كما وضع الأساس لتطوُّر عقيدة التوبة في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية“.[101]

يستطرد البروفيسور لويس بيركهوف في نفس السياق مُتحدِّثًا عن عقيدة الكفارة عند أوغسطينوس أبو اللاهوت اللاتينيّ، مُوضِّحًا الاختلاف بين اللاهوت اليونانيّ واللاهوت الأوغسطينيّ بشأن عقيدة الكفارة والفداء، حيث يقول التالي:

”نشعر بشكلٍ طبيعيّ بالميل إلى اعتبار أن أوغسطينوس – الأب الكنسيّ الأعظم في الغرب – قد أضاف بشكلٍ كبيرٍ، سواء على المستويين الجوهريّ والشكليّ، إلى عقيدة عمل المسيح. ولكن ليست تلك هي القضية، بل تقع إنجازاته في موضع آخر. حيث يُقدِّم آراءً متنوعةً، جامعًا في ذاته التطور السابق. كما توجد فكرة تألُّه الطبيعة البشرية بالتجسُّد، ولكن بطريقة أخلاقية فقط، ويوجد أيضًا مفهوم أن الشيطان لديه حق على الإنسان، ولكن تم استكماله، عن طريق فكرة أن حق الشيطان تم إبطاله بموت المسيح. ولكن فيما يُعتبر بأنه خط تفكيره الأساسي، يُعتبَر أوغسطينوس بعيدًا جدًا عن اللاهوت اليونانيّ. حيث كل من افتراضاته واستنتاجاته مُختلفة. فالأفكار الرئيسة هي أفكار الخطية الأصلية، والتبرير بالنعمة، والمصالحة بذبيحة المسيح. حيث يفرض النوع الغربي الجديد من الفكر نفسه، ونجد أنفسنا ندور في دائرة الأفكار البولسية. حيث يتم النظر إلى الإنسان على أنه موضوع الغضب الإلهيّ، وذبيحة المسيح كتهدئة لهذا الغضب، وكمُصالحة للإنسان مع الله. لم يُطوِّر أوغسطينوس هذه الأفكار إلى نظام كامل، حيث تقع أقواله بعيدًا بقليل عن نظرية أنسلم المترابطة تمامًا عن الكفارة. حيث لم يُميِّز بصورةٍ حادةٍ بين الجانب القضائيّ والتجديديّ للفداء“.[102]

ويتَّضح من هنا اتفاق رأي البروفيسور لويس بيركهوف مع غيره من أساتذة العقائد المسيحية أن عقيدة الكفارة والفداء بجانبها القانونيّ والقضائيّ في اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ تختلف تمام الاختلاف عن الجانب الشفائيّ والتأليهيّ في اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ.

ستيفن هولمز

يُقرِّر البروفيسور ستيفنز هولمز[103]Stephens R. Holmes  المحاضر الكبير للاهوت النظامي في جامعة ق. أندراوس باسكتلندا حقيقة واضحة أثناء تأصيله لعقيدة ”البدلية العقابية“ من الكتاب المقدَّس، والأدب المسيحيّ الآبائيّ في مختلف العصور المسيحية، وهي أن ”البدلية العقابية“ ليست فكرة أصيلة في اللاهوت الأرثوذكسيّ الشرقيّ، بل هي فكرة بروتستانتية بامتياز نشأت مع رجالات حركة الإصلاح، وبالأخص عند جون كالفن، حيث يقول التالي:

”أقترح علاوة على تلك الاقتراحات الكثيرة من أجل ايجاد تعليم واضح عن البدلية العقابية في أحداث الكتاب المقدَّس عن طريق اتخاذ صورة تُقرَأ بصورةٍ أكثر طبيعيةً وبشكلٍ مُختلفٍ، وترجمتها إلى أشكال وأنواع البدلية العقابية وصورتها، وهذا الاتجاه مرئي أيضًا في أغلب المحاولات من أجل ايجاد البدلية العقابية عند آباء الكنيسة، حيث هناك فقرات عرضية تنشر بالطبع المجاز القانونيّ، ولكن لا يوجد وعي أن هذا تعليم مُتطوِّر عن الكنيسة الأولى، ولا يوجد دليل على أنه علامة مُميَّزة مفترضة للأرثوذكسية. ويستمر هذا الموقف خلال فترة العصر الوسيط، وأول تفسير مُتكامِل ومُتطوِّر بالفعل للبدلية العقابية أستطيع ايجاده في التاريخ هو في كتاب ’الأسس‘ لكالفن (١٥٣٦- ١٥٥٩م). لقد طوَّر لوثر بالطبع أفكار مُشابِهة قبل عقدين من الزمن، وتوجد بلا شك إرهاصات مُهمة بين كُتَّاب العصور الوسطى في القرن ١٥، ولكن يُقدِّم كالفن تعليم البدلية العقابية بشكلٍ مُفصَّلٍ وناضجٍ. لقد تحدَّث الكُتَّاب الأوائل عن أمور قد تُفهَم بمُصطلحات البدلية العقابية، ولكنهم لم يُعلِّموا أبدًا بالفكرة بشكلٍ مُباشرٍ“.[104]

وهكذا يتَّضح لنا في الأخير اختلاف المفاهيم حول تدبير الخلاص بين اللاهوت الغربيّ مُمثَّلاً في اللاهوت المدرسيّ في العصر الوسيط، ومن بعده اللاهوت البروتستانتيّ، وبين اللاهوت الشرقيّ مُمثَّلاً في آباء الكنيسة الذين يرونا في تدبير الخلاص مبادلة خلاصية شفائية، وليست مبادلة عقابية، والذين يؤكِّدون على وجودنا الكياني في المسيح أثناء تدبيره الخلاصي، وإنه ليس مُجرَّد مثال على فضيلة البذل والحب، وكأنه مُنفصِل عنا، بل نحن ندخل ونتَّحد معه في عمق السر الإلهيّ العجيب الذي صنعه لأجلنا. لم يكن المسيح مُجرَّد ترضية أو إيفاء لدَّين خطية آدم وخطايانا كما يُعلِّم البعض في أيامنا، بل هو مُتَّحِد بنا وبطبيعتنا ليُؤلِّهنا ويُؤلِّه طبيعتنا فيه، ويستبدل الموت بالحياة، والظلمة بالنور، والغلبة بالنصرة، واللعنة بالبركة، والضعف بالقوة.

جون كيلي

يتحدَّث البروفيسور چون كيلي،[105] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، عن تعليم ق. أثناسيوس الخلاصي قائلاً:

”لم يشفنا المسيح فقط، بل حمل العبء الثقيل لضعفنا وخطايانا. المظهر الخارجيّ للتعليم هو أحد تعليم البدلية، ولكن ما يُحاوِل أثناسيوس إبرازه، لم يكن أكثر من أن ذبيحة واحدة كانت بديلة عن الأخرى، حيث ’استُنفِذَ موت الجميع في جسد الرب‘ (تجسد الكلمة، ٢٠). بمعنى آخر، إنه بسبب الاتحاد بين جسده وجسدنا، كان موته وانتصاره بالأساس لنا (أي موتنا وانتصارنا). تمامًا كما ورثنا الموت من خلال ارتباطنا بآدم الأول، هكذا نهزم الموت ونرث الحياة من خلال ارتباطنا بـ ’الإنسان من السماء‘ (ضد الآريوسيين ١: ٤٤: ٢، ٦١؛ ٢: ٦٧)“.[106]

وهذه هي البدلية التي يقصدها أثناسيوس مُبادلة الموت بالحياة، والفساد بعدم الفساد، والظلمة بالنور، والخطية بالقداسة… إلخ.

لورانس جرينستيد

يُقارِن البروفيسور لورانس جرينستيد،[107] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، بين تعليم أثناسيوس السوتيريولوجيّ (الخلاصيّ) وتعليم البدلية العقابية، مُؤكِّدًا على أن ق. أثناسيوس لم يقل في أيّ موضع أن موت المسيح كان بمثابة معاناة عقابية، كالتالي:

”لا يوجد مُبرِّر للادعاء بأن أثناسيوس هو أصل وبادرة النظريات العقابية اللاحقة. لا توجد إشارة إنه يَعتبر الموت في أيّ موضع أنه بمثابة مُعاناة عقابية، وقليلاً ما يَعتبر أن موت المسيح بمثابة عقابًا نيابيًا. لم يستخدم بالفعل عبارات ’تألم نيابةً عن الكل‘ و ’الموت نيابةً عن الكل‘ ولكن ينبغي تفسير تلك العبارات بحسب فهمه القوي لوحدة الجنس البشريّ في الكلمة المتجسِّد ’بالنظر إلى موت الجميع فيه‘“.[108]

هستنجس راشدال

يشرح البروفيسور هستنجس راشدال،[109] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، تعليم القديس أثناسيوس الخلاصيّ ويُقارِن بينه وبين تعليم ”البدلية العقابية“ في اللاهوت الغربيّ، حيث يرفض وجود تعليم بدلية عقابية في تعليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص كالتالي:

”هذا هو التعليم المحدَّد عن الذبيحة النيابية، ولكنه مع ذلك، لم يكن بكلماتٍ واضحةٍ تعليم العقاب النيابيّ. يبدو أن الفكرة هي كالتالي، إنه بموت هذه الذبيحة، تمَّ إيفاء دَّين الموت – الذي جلبته خطية آدم – واستُوفِي في حالة الجميع الذين يشتركون في ذلك الناسوت، الذي اتَّحد الكلمة به في حالة الجسد الواحد. حيث يبدو واضحًا أكثر من عند إيرينيؤس، أن موت المسيح لا يُمثِّل مُجرَّد مُعادِل، بل مُساوِي حقًا لموت الجميع (تجسد الكلمة ٢٠: ٤، ٥): مات الجميع بالفعل حرفيًا في موت الواحد. بالرغم من ذلك، لم يكن التركيز على فعل الذبيحة المتعلِق بالماضي، بل على آثار التجديد التابعة، والتابعة من القيامة أكثر من الموت. […] هذا هو خط التفكير الذي قابلناه بالفعل عند إيرينيؤس، ولكنه أكثر تطوُّرًا وتنظيمًا بكثير عند أثناسيوس. يُحاوِل [أثناسيوس] توضيح أن قابلية الفساد ليست عقوبة جزائية تعسفية فرضها الله، بل نتيجة طبيعية وحتمية للخطية“.[110]

جوناثان هيل

يتحدَّث چوناثان هيل،[111] الباحث الكبير في تاريخ العقيدة المسيحية من جامعة أوكسفورد، عن تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس، وأنه مثل ق. إيرينيؤس، يرى أننا خلُصنا باتحاد الله والإنسان في المسيح، الأمر الذي رفع البشرية إلى مستوى الألوهية، أي أن الخلاص عند ق. أثناسيوس هو عن طريق تأليه الإنسان كالتالي:

”على أيّ حال، فالابن يجب أن يكون الله. ولو لم يكن فما كان بمقدوره أن يُخلِّصنا. ويؤمن أثناسيوس، مثل ق. إيرينيؤس من قبله، بأننا خلُصنا باتحاد الله والإنسان في المسيح، الأمر الذي رفع البشرية كلها إلى مستوى الألوهية. وبحسب نظرته، فإن إنكار ألوهية المسيح هو إنكار لأساس الخلاص كله“.[112]

أليستر ماجراث

يتحدَّث البروفيسور أليستر ماجراث،[113] أستاذ اللاهوت التاريخيّ في جامعة أوكسفورد، عن أن الفداء بحسب المدرسة الإسكندرية معناه هو الاشتراك في حياة الله، أو أن يصير المرء إلهيًا، وهي الفكرة التي وُصِفَت قديمًا بمفردات التأليه كالتالي:

”كانت المدرسة الإسكندرية، التي يُعدُّ أثناسيوس واحدًا من ممثليها، سوتيريولوچية في طبيعة منظورها وفي توجهها. فإن يسوع المسيح هو فادي البشرية، حيث كان الفداء [redemption] بحسب هذه المدرسة معناه: ’الاشتراك في حياة الله‘، أو ’أن يصير المرء إلهيًا‘، وهي الفكرة التي وُصِفَت قديمًا بمفردات التأليه. وتُعبِّر الكريستولوچيا عمَّا توحي به ضمنًا هذه الفكرة السوتيريولوچية [الخلاصية]. يمكن تلخيص مسار حجة الكريستولوچيا الإسكندرية على النحو التاليّ: لتأليه الطبيعة البشرية، ينبغي أن تتَّحد هذه الطبيعة بالطبيعة الإلهية. فينبغي أن يصير الله مُتَّحِدًا بالطبيعة البشرية بحيث تأخذ الأخيرة إمكانية الاشتراك في حياة الله. وقال الإسكندريون إن هذا هو بالتحديد ما حدث في تجسُّد ابن الله في يسوع المسيح ومن خلاله. فقد اتَّخذ الأقنوم الثاني في الثالوث طبيعةً بشريةً، وبهذا، ضمن تأليه هذه الطبيعة. صار الله إنسانًا حتى يصير البشر إلهيين“.[114]

كاليستوس وير

يشرح المطران الأرثوذكسيّ كاليستوس وير،[115] أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعتي كامبريدچ وأوكسفورد، الفرق بين نظرة الشرق لتدبير الخلاص باعتباره انتصار ظافر على قوة الشر وبين نظرة الغرب منذ عهد أنسلم الكانتربريّ إلى الصليب بتعابير قانونية وجزائية، وباعتبار عملية الصلب عملاً استعطافيًا للإرضاء أو الإبدال من أجل تهدئة غضب الآب الخالق كالتالي:

”فحينما تتطلع الأرثوذكسية إلى المسيح الظافر قبل كل شيء، يتطلع غرب العصر الوسيط والعصر الذي عقبه إلى المسيح الضحية أولاً. وبينما تُفسِّر الأرثوذكسية فعل الصلب على أنه بالدرجة الأولى انتصارٌ ظافرٌ على قوة الشر، يميل الغرب، وبنوعٍ خاصٍ منذ عهد أنسلموس رئيس أساقفة كانتربري (حوالي عام 1033- 1109) إلى التفكير في أمر الصليب بتعابير قانونية وجزائية، أو باعتبار عملية الصلب عملاً استعطافيًا للإرضاء أو الإبدال من أجل تهدئة غضب الآب الخالق“.[116]

ويتحدَّث المطران كاليستوس وير عن أن هدف الحياة المسيحية هو تأليه الإنسان، وذلك في تعليم القديسين أثناسيوس وباسيليوس الكبير، حيث أن مفهوم فداء الإنسان وخلاصه في الأرثوذكسية معناه تأليه الإنسان قائلاً:

”وقد صوَّر ق. باسيليوس الكبير الإنسان على أنه مخلوقٌ أُمِرَ بأن يصبح إلهًا، أمَّا أثناسيوس فقال بأن الله صار إنسانًا لكي يصبح الإنسان إلهًا. ’في ملكوتي، يقول المسيح، سأكون الله وأنتم آلهةٌ معي‘. ذلك هو، وفقًا لتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية، الهدف النهائيّ الذي يجب أن يتطلع إليه كل مسيحيّ: أن يصبح إلهًا، أي أن يبلغ التأليه. ففي مفهوم الأرثوذكسية، فداء الإنسان وخلاصه يعنيان تأليهه“.[117]

فلاديمير لوسكي

يشرح اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ المعروف فلاديمير لوسكي[118] تدبير الخلاص بحسب ق. أثناسيوس، حيث يرى أن جسد المسيح الذي يتَّحد المسيحيون به في المعمودية، هو بحسب ق. أثاسيوس جذر قيامتنا وخلاصنا، فنحن ككنيسة في المسيح جسد واحد، يجري فيه دم المسيح ليُطهِّرنا من كل خطيئة، ولقد اتَّخذ الكلمة جسدًا لنستطيع أن ننال الروح القدس، لأن حضور الروح القدس فينا هو شرط تألُّهنا كالتالي:

”أمَّا جسد المسيح، الذي به يتَّحد المسيحيون بالمعمودية، فيصير، بحسب القديس أثناسيوس، ’جذر قيامتنا وخلاصنا‘ [Oratio III contra Arianos, 13, PG, t. 25, 393-396]. الكنيسة شيءٌ أكبر من الفردوس الأرضيّ؛ فحالة المسيحيين أفضل من حالة البشر الأولين. ففي الكنيسة لا يعود يُحتمَل فقدان الشركة مع الله نهائيًا، وذلك كوننا محتوين في جسدٍ واحدٍ، يجري فيه دم المسيح الذي ’يُطهِّرنا من كل خطيئة ومن كل غضن. فقد اتَّخذ الكلمة جسدًا لنستطيع أن ننال الروح القدس‘ [S. Athanase, De incarnatione et contra Arianos, 8, PG, t, 26, 996C]. حضور الروح القدس هذا فينا شرط تألُّهنا، لا يمكن أن يضيع“.[119]

جورج فلورفسكي

يرى الأب الأرثوذكسيّ چورچ فلورفسكي،[120] أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعات هرفارد وبرنستون الأمريكية، والعميد السابق لمعهد القديس سرجيوس بفرنسا، والعميد السابق أيضًا لمعهد القديس فلاديمير بأمريكا، أن مغزى الخلاص والفداء في اللاهوت المسيحيّ المبكر هو الاتحاد الحميم بين الله والإنسان في المسيح، ويؤكد على أن هذا كان الخط الرئيسيّ عند ق. أثناسيوس وق. غريغوريوس النزينزيّ اللاهوتيّ كالتالي:

”كانت الرسالة المسيحية ومنذ البداء فعلاً هي رسالة الخلاص، وبحسب ربنا فقد عرفناه وبالأساس بصفته المخلِّص، الذي افتدى شعبه من عبودية وأسر الخطية والفساد. إن عمق حقيقة سر التجسُّد الإلهيّ فعلاً قد تمَّ تفسيره وعلى الدوام في اللاهوت المسيحيّ المبكر عن منظور الفداء، فقد كانت المفاهيم الخاطئة عن شخص المسيح والتي كان على الكنيسة الأولى مواجهتها ومقاومتها ونقدها ودحضها هي تلك التي كانت تفعل ذلك وبالتمام حين كانت تُقلِّل من واقعية وحقيقة الفداء البشريّ. وقد تمَّ الافتراض عمومًا أن منتهى ومغزى الخلاص هو أن الاتحاد الحميم بين الله والإنسان قد تمَّت استعادته، واستقر المقام على أن الإنسان المفتدَى لا بد أن ينتمي بنفسه إلى كلا الجانبين، أي أن يكون من جهة إلهيًا وفي آنٍ إنسانيًا، وإلا ما كانت قد تأصلت وتأسَّست تلك الشركة المشروخة أو المسكورة بين الله والإنسان. ذلك كان الخط الرئيسيّ للفكر اللاهوتيّ العقلانيّ عند القديس أثناسيوس في صراعه مع الآريوسيين، والقديس غريغوريوس النزينزيّ في دحضه للأبولينارية، وللعديد من كُتَّاب آخرين في القرنين الرابع والخامس“.[121]

فالتر كاسبر

يشرح الأسقف الكاثوليكيّ الشهير فالتر كاسبر[122] تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس، حيث يرى أن اهتمام أثناسيوس الأساسيّ في الدفاع عن ألوهية الكلمة كان اهتمام خلاصيّ وليس نظريّ، لذا يرى ق. أثناسيوس ضرورة ألوهية يسوع المسيح وفهمها في الإطار العام للتعليم الخلاصيّ في الكنيسة القديمة الذي يرى الفداء كتأليه للإنسان، فالإنسا ن المخلوق على صورة الله لا يستطيع الحصول على كيانه الحقيقيّ بدون المشاركة في حياة الله، وبالتالي التماثُّل مع الله، ولكن بما أن صورة الله قد أفسدتها الخطيئة، فلا بد من أن يصبح الله إنسانًا لكي نتألَّه نحن، ونبلغ من جديد إلى معرفة الله غير المنظور كالتالي:

”لم تكن هذه التأكيدات متأتية أولاً من اهتمام نظريّ، بل من اهتمام خلاصيّ، كان أثناسيوس يُبرِزه دائمًا: إذَا لم يكن المسيح إلهًا فلسنا نحن مُفتَدين، لأن الله الذي لا يموت وحده يستطيع أن يُحرِّرنا من عبودية الموت، ويجعلنا مُشاركين في ملء الحياة. فعقيدة ألوهية يسوع المسيح الصحيحة يجب أن تُفهَم في الإطار العام للتعليم الخلاصيّ في الكنيسة القديمة مع فكرتها عن الفداء كتأليه للإنسان. إن الإنسان المخلوق على صورة الله لا يستطيع الحصول على كيانه الحقيقيّ والصحيح إلا بالمشاركة في حياة الله، ومن ثمَّ، بالتماثُّل مع الله. ولكن بما أن صورة الله قد أفسدتها الخطيئة، فلا بد من أن يصبح الله إنسانًا لكي نتألَّه نحن، ونبلغ من جديد إلى معرفة الله غير المنظور. ولا علاقة لعقيدة الفداء هذه الطبيعية (في شأن الكيان) بمفهوم طبيعيّ فيزيولوچيّ، بل حتى سحريّ للخلاص، كما ادُّعِيَ ذلك مرارًا. إنها ترتكز في الحقيقة على الفكرة اليونانية عن البايدييا، أي تربية الإنسان، بسعيه لكي يُشبِه هيئة المثال الإلهيّ الأول المنظور في الصورة ويُشارِك فيها“.[123]

جوهانس كواستن

يشرح العلامة الآبائيّ الكاثوليكيّ الكبير چوهانس كواستن[124] تعليم الخلاص عند ق. أثناسيوس، حيث يرى أن أساس ق. أثناسيوس في دافعه عن ألوهية اللوغوس هو أساس خلاصيّ، ويرى أن تأليه الإنسان هو غاية الخلاص في دفاع ق. أثناسيوس عن ألوهية الكلمة كالتالي:

”إن أساس ما كان يُدافِع عنه ق. أثناسيوس فيما يخص اللوغوس هو عقيدة الفداء. والعبارات التالية تُعبِّر عن التعليم اللاهوتيّ للقديس أثناسيوس: ’لقد صار [كلمة الله] إنسانًا لكي يُؤلِّهنا، وقد أظهر نفسه في جسدٍ لكي نحصل على معرفة الآب غير المنظور، واحتمل إهانة البشر لكي نرث نحن عند الموت‘ (تجسد الكلمة، فصل 54). […] لذلك يستدل ق. أثناسيوس على ضرورة تجسُّد الكلمة وموته من مشيئة الله لفداء البشر. فلم يكن ممكنًا أن نحصل على الفداء إذَا لم يكن الله نفسه قد صار إنسانًا، وإذَا لم يكن المسيح هو الله. ولذا، فإن اللوغوس باتّخاذه الطبيعة البشرية، قد ألّه البشر. وقد غلب الموت ليس من أجل نفسه بل من أجلنا كلنا. […] ولو لم يكن المسيح إلهًا بالطبيعة، ولكن بالمشاركة (كما يقول الهراطقة)، فإنه لم يكن بمقدوره أبدًا إعادة تشكيل الإنسان على صورة الله. لأن الذي لا يملك شيئًا إلا الذي استعاره من آخر فلا يمكن أن يمنحه لآخرين“.[125]

كاثرين ساندرجير

تُسجِّل البروفيسور كاثرين ساندرچير[126]Katherine Sanderegger  ، أستاذ اللاهوت في جامعة يال الإمريكية، اعتراض البعض على مفهوم أنسلم عن إيفاء الدَّين وذبيحة الترضية بأنه مفهوم نسطوريّ على نحوٍ خطير، مما يُؤكِّد على ما قلناه قبلاً من اختلاف مفهوم اللاهوت الغربيّ للدَّين عن اللاهوت الشرقيّ، كالتالي:

”علاوة على ذلك، سردية أنسلم عن ’إيفاء الدَّين‘ و ’ذبيحة الترضية‘ تبدو للبعض نسطورية بشكلٍ خطيرٍ، كما لو كان يمكن تقديم ناسوت المسيح كعملٍ مُستقِلٍ للموت البريء، بمعزل عن الاتحاد الأقنوميّ الملازِم للألوهة. بالإضافة إلى ذلك، تبدو مُعالجة أنسلم المدرسية المبكرة لفكرة اللا محدودية، سواء في تقدير الخطية، وفي قيمة الاستحقاق الشخصيّ للمسيح بالنسبة لانتقاداته ذات العقلية الفلسفية غير قوية وغير مُقنِعة“.[127]

توماس ويناندي

لذا يُؤكِّد البروفيسور توماس ويناندي[128] Thomas G. Weinandy على أن مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس هو دَّين الموت كما ذكرنا سابقًا، ولقد قام المسيح بإيفاء دَّين الموت بموته عن الجميع ليهبهم حياة القيامة عديمة الفساد كالتالي:

”السبب في أن الكلمة المتجسِّد يضمن للبشر حياة القيامة عديمة الفساد هو أنه يُقدِّم ’إلى الموت، الجسد الذي قد أخذه هو نفسه كتقدمةٍ وذبيحةٍ بلا عيب، لأنه أبعد للتو الموت عن جميع نظرائه بتقديم النظير. وبما أنه فوق الجميع، وَفَىَ كلمة الله بالطبيعة عن طريق تقديم هيكله وأداته الجسدية الدَّين بموته من أجل حياة الجميع‘ (تجسد الكلمة ٩: ١-٢؛ ٢٠: ٢، ٥-٦). لأن الكلمة، وقد اتَّخذ طبيعتنا عينها، يُقدِّم حياته البشرية النقية والطاهرة كذبيحةٍ بدلاً عنا ولأجلنا، فينقض ويوفي دَّين الموت الذي جلبته أنا وهكذا أقرَّته الخطية. وبالتالي، نعي هنا بوضوحٍ مركزية الصليب داخل سوتيريولوچية [التعليم الخلاصيّ] أثناسيوس“.[129]

جوستاف ألين

يرى البروفيسور چوستاف ألين[130] أن مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس هو دَّين الموت كالتالي:

”نفس الشيء هو حقيقيّ عن مجاز الدَّين، الذي يُوازِيه مجاز الفدية، ولكنها أقل استخدامًا للغاية. حيث يتحدَّث أثناسيوس عن كلمة الله بأنه عن طريق تقديم جسده ’مُوفيًا الدَّين عن الجميع بموته‘، وإنه بذلك الموت تمَّ ’إيفائه‘، كما يربط أيضًا هذه الفكرة مع فكرة الذبيحة، ويقول إن ’الكلمة اتَّخذ الجسد الذي أخذه قربانًا، كذبيحة غير دنسة بالموت، وهكذا أزال الموت من جميع أخوته بذبيحته النيابية‘ (تجسُّد الكلمة، فصل ٩). وبالتالي يُعد الدَّين مدفوعًا في المقام الأول للموت“.[131]

المطران كيرلس بسترس وآخرون

يرى المطران كيرلس سليم بسترس[132] وآخرون، في سياق شرحه لكتاب ”تجسد الكلمة“ للقديس أثناسيوس، أن هدف التجسُّد عند ق. أثناسيوس هو أن يعيد معرفة الله ويُبطِل الخطيئة ويُؤلِّه الإنسان، ويُوحِّده بالله بموهبة الروح القدس ويمنحه الخلود، فالتجسُّد يهدف إلى الفداء، وإعادة الإنسان إلى أصله، فالإنسان مخلوق على صورة الله كالتالي:

”لا نجد في هذا الكتاب أية إشارة إلى الآريوسية. فهو يرجع إلى سنة 318، وكان لأثناسيوس من العمر 23 سنة، ولم يكن بعد أمين سرّ أسقفه ألكسندروس. يتضمن الكتاب قسمين: القسم الأول هو دفاعٌ عن المسيحية بإزاء الوثنيين؛ يُثبِت فيه الكاتب صحة التوحيد الإلهيّ وبطلان عبادة الأصنام وتعدُّد الألهة. والقسم الثاني يُوضِّح الإيمان بالتجسُّد والهدف منه: فقد تجسَّد كلمة الله ليُعيد معرفة الله ويُبطِل الخطيئة، ويُؤلِّه الإنسان ويُوحِّده بالله بموهبة الروح القدس، ويمنحه الخلود. فالتجسُّد يهدف إلى الفداء. يتجسَّد الكلمة ليعيد الإنسان إلى أصله، فالإنسان مخلوقٌ على صورة الله“.[133]

ويتحدَّث المطران كيرلس بسترس وآخرون عن أن الفكرة الرئيسية في لاهوت الآباء اليونانيين عامةً ولاهوت ق. أثناسيوس خاصةً، هو أن كلمة الله تجسَّد لكي يُؤلِّه الإنسان، فالتجسُّد يهدف إلى الفداء والتألُّه، وهنا يربط بين الفداء والتألُّه في التعليم الخلاصيّ للقديس أثناسيوس كالتالي:

”إن لاهوته يُلخَّص في الجملة التالية التي تُعبِّر أيضًا عن الفكرة الرئيسية في لاهوت الآباء اليونانيين: ’تجسَّد كلمة الله ليُؤلِّه الإنسان‘ (ضد الآريوسيين 1: 39). فالتجسُّد يهدف إلى الفداء والتألُّه، وإذَا كان كلمة الله مخلوقًا، فكيف يمكنه أن يُؤلِّه الإنسان؟“.[134]

عبد المسيح اسطفانوس

يتحدَّث القس الدكتور عبد المسيح اسطفانوس[135] عن أن تأليه الإنسان هو محور تعليم الخلاص عند ق. أثناسيوس قائلاً:

”وجدير بالذكر أن أثناسيوس كان قد كتب كتابه ’تجسُّد الكلمة‘ قبل ظهور آريوس وتعاليمه، ولذلك لا نجد فيه مناقشة لآراء آريوس والرد عليها. كان اهتمام أثناسيوس بصفةٍ أساسيةٍ بموضوع الخلاص. ولذلك وجد أن الخلاص لو لم ينبع من الله نفسه لا يكون خلاصًا كاملاً، ولذلك اهتم كثيرًا بألوهية الابن ، واَعتبر أن التجسُّد أمرٌ أساسيّ تمامًا ليتحقَّق الخلاص. وكان هذا ما دفعه لمقاومة تعاليم آريوس. ومن المهم أن نتذكَّر أن اهتمام أغناطيوس وإيرينيؤس بموضوع الخلاص كما رأينا من قبل دفعهما إلى التنبير على ألوهية الربِّ يسوع، ولذلك فقد كانت هنالك خلفية لاهوتية وفكرية هامة موجودةٌ في الكنيسة قبل أثناسيوس. لم يكن اهتمام أثناسيوس أن يكون المسيح هو الله بمعنى أنه هو الله بشخصه، ولكنه أهتم بأن يُوضِّح أن المسيح والله جوهرٌ واحدٌ. ويُنبِّر أثناسيوس على الطبيعة الإنسانية الكاملة للمسيح والطبيعة الإلهية الكاملة ليتحقَّق الخلاص للإنسان. ويقول في هذا الشأن: ’ما كان يمكن للإنسان أن يأتي إلى حضرة الله ما لم يكن ذاك الذي تجسَّد هو بالطبيعة وحقيقةً اللوغوس الصادر منه. كما أنه ما كان يمكن أن نتحرَّر من الخطية ومن اللعنة ما لم يكن الجسد الذي اتَّخذه الكلمة جسدًا إنسانيًا حقيقيًا. إذ لا يمكن أن تكون هنالك شركةٌ بيننا وبين غريب عنَّا. ولذلك، فما كان يمكن للإنسان أن يتألَّه ما لم يكن الكلمة بالطبيعة من الآب وينتمي إليه فعلاً وحقيقةً‘ (ضد الآريوسيين 2: 70). فالآب هو الآب فعلاً لأنه أبو الابن. والابن لا يكون ابنًا سوى لأنه ابن الآب. فالآب والابن أزليان خالدان. ولذلك، فتجسُّد الكلمة [اللوغوس] يمنحنا الخلود. وهذا يُوضِّح لنا أن حديث أثناسيوس عن ’تألُّه‘ الإنسان كان يُقصَد به غالبًا تحقيق الخلود بالمشاركة في الطبيعة الإلهية“.[136]

ويستطرد الدكتور القس عبد المسيح اسطفانوس في التأكيد على أن الخلاص بتأليه الإنسان هو الفكر السائد في تعليم الآباء اليونانيين قائلاً:

”ومن المهم أن نُلاحِظ أن الفكر السائد عند الآباء اليونانيين هو أن الكلمة صار جسدًا لا ليُقدِّم مثالاً لمَّا يجب أن تكون عليه الإنسانية، ولا ليفي الدَّين الذي على الإنسان لله. ولكن لكي يغلب قوات الشرِّ التي أسرتنا، ولكي يفتح في نفس الوقت الطريق لنبلغ الطبيعة الإلهية [ثيؤسيس]. ومن المهم أن نُلاحِظ أن ’التألُّه‘ في فكر الكنيسة الشرقية لم يعن أبدًا أن البشر يتخطون الحدود الإنسانية. فحتى غريغوريوس النزينزيّ الذي كان يحلو له استخدام فكرة ’التألُّه‘، لم يكن يقصد بذلك أن الإنسان يصبح إلهًا مثل اللوغوس [ابن الله]، إلا أنه يبدو أنه كان يؤمن أن الهدف النهائيّ للخلاص والتجسُّد هو أن يصل المؤمنون إلى ’إنسانية‘ الرب يسوع“.[137]

 

 

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على البدلية العقابية في اللاهوت الغربي

نستعرض الآن أهم الانتقادات والاعتراضات الموجَّهة لنظرية ”الإبدال العقابيّ“ في شرح عمل المسيح على الصليب كالتالي:

(1) نجد في ملمح الغضب في سياق ”الإبدال العقابيّ“، تحويل أقانيم الثالوث إلى الآب الساحق والابن المسحوق، أو إلى الآب الغاضب والابن المغضوب عليه، الذي يُسكِّن غضب الآب ويُهدئ من غضبه، وهذا يُعتبر فصل بين أقنومي الآب والابن في جوهر الثالوث الواحد، وهذه هي الهرطقة الآريوسية عينها.

(2) لا نجد أيّ دور لأقنوم الروح القدس في عملية الترضية، والتعويض، والعقوبة، ودفع الثمن. تلك الأمور التي قدَّمها الابن للآب، ولا وجود ولا حضور جلي لأقنوم الروح القدس في تلك الأمور، مما يؤدي إلى التقليل من شأن أقنومية الروح القدس، وهذه هي الهرطقة الأفنومية والمقدونية.

(3) إخضاع الله لقوانين وشروط مُلزِمة له في عملية قبول الثمن والتعويض، وضرورة قبول الترضية لأجلنا. وحاشا لله أن يخضع لمثل هذه القوانين والشروط. فالله غير المحدود، وخالق الكل، وواضع النواميس، كيف يمكن إخضاعه لقوانين ونواميس؟ حاشا.

(4) تقديم صور مُشوَّهة وثنية صنمية عن الله تُظهِره أنه إله غاضب على البشر، ويكرههم، ويبغضهم بسبب خطاياهم، رغم أنه لا توجد مثل هذه المشاعر والأهواء في جوهر الله، فهل الغضب صفة من صفات الجوهر الإلهي؟ وتُظهِر ”البدلية العقابية“ الله إنه يحتاج مَنْ يُهدئه ويُسكِّن غضبه، ويجعله يعود يحب البشر مرةً أخرى بعدما أبغضهم بسبب خطاياهم!

(5) كيف يمكن نقل جميع ذنوب البشر إلى جسد المسيح، بالرغم من أنه القدوس بلا خطية، وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، بل بالحري أتَّخذ المسيح جسدًا مائتًا لكي يهبه الحياة الأبدية بحياته، وموته، وقيامته، وصعوده، وجلوسه عن يمين الآب، وليس بمُجرَّد حمل الخطايا في جسده الطاهر من الخطية ليُعاقَب بها في جسده لأجلنا كما يتحدَّث منظرو ”البدلية العقابية“.

(6) تلغي ”البدلية العقابية“ مفاعيل الأسرار الكنسية الخلاصية كالمعمودية، والميرون، والتناول، لأنه بحسب ”البدلية العقابية“ تم إيفاء الدَّين ودفع الثمن بموت المسيح، فما الحاجة لأن نموت مرةً أخرى، ونُدفَن، ونقوم في المعمودية، بعدما مات المسيح عنا مرةً واحدةً. ولماذا نُمارِس القداسات ونُكرِّر ذبيحة وصلب وعقاب المسيح مرات ومرات على المذابح، طالما تمَّ العقاب والترضية والإيفاء على الصليب، فلا حاجة لمثل هذه الطقوس في سياق نظرية ”البدلية العقابية“ ومفاهيمها وشروحاتها. البدلية العقابية باختصار تدحض وتلغي أسرار الكنيسة.

(7) تُشرِّع، وتُكرِّس، وتُحرِّض ”البدلية العقابية“ على العنف، والتعذيب، والعقاب، والتشفي، وإرضاء الذات، فطالما الله يُعاقِب ابنه لأجل البشر، ويُنزِل جام غضبه على الابن لأجلنا، ويُنزِل العقاب عليه لأجلنا، فهذا خير مُرشِد ودليل لنا لتقليد الله ومحاكاته بإنزال العنف والعقاب والغضب على أبنائنا أيضًا. صور مُشوَّهة، ووثنية، وعنيفة، عن الله الصالح مُحِب البشر.

(8) تُؤدِي البدلية العقابية إلى صراع الصفات داخل الجوهر الإلهيّ الواحد، ما بين محبته ورحمته، وعدله وقصاصه من البشر الخطاة العصاة، وهكذا تُحدِث ”البدلية العقابية“ انقسام وانفصام داخل الجوهر الإلهيّ بين صفتي العدل والرحمة، وإلى تقسيم الله إلى إله غاضب وقاسي ومُنتقِم وكاره، وإله مُحِب وصالح ورحيم ورؤوف، وهذه هي الهرطقة الغنوصية والمانوية عينها. وهذا لا يليق بالله، وحاشا أن يوجد داخل الجوهر الإلهيّ. بل تجعل البدلية العقابية من الآب هو العدل، والابن هو الرحمة، والروح القدس هو التقديس، ويؤدي هذا إلى انقسام داخل جوهر الثالوث القدوس.

(9) تُركِّز نظرية البدلية العقابية على موت المسيح، ولا تُعطِي أية أهمية لقيمة وتأثير قيامة المسيح، وهذا يُمثِّل عدم اكتمال في إدراكنا لموت المسيح على الصليب. حيث تسلط البدلية العقابية الضوء على موت المسيح على الصليب كأكبر حدث للخلاص، وهكذا يطغى على كل شيء آخر، فكل شيء تحقَّق بموت المسيح فقط دون غيره.

(10) ترى نظرية البدلية العقابية أن المشكلة في الله ونظرة الله للإنسان، لأن الفداء صار علاجًا لإرضاء كرامة الله المهدرة، وليس علاجًا للإنسان، رغم أن المشكلة هي مشكلة الإنسان في الأساس، والله يُساعِده في حل هذه المشكلة. فترضية الله نفسه ومحو الإهانة والتعدي عليه بالخطية، وبالتالي رد الكرامة إليه، ينفي المحبة الإلهية والجود الإلهيّ، لأنه صارت غاية الكفارة والفداء هي إرضاء الله ورد كرامته المجروحة والمعتدَى عليها من قِبَل الإنسان.

(11) لو مات المسيح لإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، وإنْ كان قضاء الموت على آدم هو قضاء أبديّ، فينبغي أن يبقى المسيح إلى الأبد في قبضة الموت، وهذا لم يحدث، بل المسيح وطئ الموت بالموت، وقضى على سلطانه إلى الأبد.

(12) تأليه الخطية، حيث ينسب المنادين بنظرية البدلية العقابية صفة عدم المحدودية الحصرية والخاصة بالله إلى الخطية، ويقولون إن خطية الإنسان غير محدودة، ونسوا أن الله فقط غير المحدود، وهكذا يجعلون من الخطية إلهًا ثانيًا.

(13) ينبغي أن يدفع الابن للآب الثمن أو الدَّين في سياق نظرية البدلية العقابية وإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، على الرغم من أن الآب لا يحتاج لمَّن يدفع له شيئًا، لأن الآب والابن والروح القدس جوهر واحد وطبيعة واحدة ومشيئة واحدة. كما أن الابن هو فوق الكل وغير قابل للمقايضة بالخطأة بحسب نظرية الإبدال العقابيّ.

(14) إهمال الجانب القانونيّ في شرح الفداء والكفارة لأهمية الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح من أجل تجديد الطبيعة البشرية وتحريرها من سلطان الفساد والموت، وذلك باتحاد الحياة بالطبيعة البشرية لإبادة الفساد والموت، كل هذا يغيب عن نظرية البدلية العقابية والجانب القضائيّ في شرح الفداء.

(15) تُصوِّر البدلية العقابية الابن أعظم من الآب الغاضب، لأن الابن يحتمل ويصبر على ما لا يستطيع الآب احتماله والصبر عليه، وهكذا يصبح الابن أكثر هدوءًا وثباتًا وقوةً من الآب، لأن الابن استطاع بقوته أن يحلَّ مشكلة الموت والخطية والعقوبة، التي عجز الآب عن حلها، حاشا!

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

[1] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 54: 3، ص 159.

[2] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 11: 42، ص 111.

[3] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون الأسقف، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 24، ص 87.

[4] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أدلفيوس : 4، ص 27.

[5] المرجع السابق، الرسالة إلى أبكتيتوس : 6، ص 41.

[6] أثناسيوس (قديس)، المقالات ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، ١: ١١: ٤٢، ص ١١٠، ١١١.

[7] المرجع السابق، ٣: ٢٧: ٣٨، ص ٣٤٣، ٣٤٤.

[8] المرجع السابق، ٣: ٢٨: ٤٨، ص ٣٥٨.

[9] Athanasius (St.), Select Works and Letters (Letter to Maximus the Philosopher), NPNF, Ser-II, Vol. IV, Trans. by A. T. Robertson, Edit. by P. Schaff & H. Wace, (New York: Christian Literature Co., 1892), p. 578-579.

[10] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 8: 4، ص 22.

[11] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[12] المرجع السابق، 1: 12: 52، ص 128.

[13] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل ق. أثناسيوس، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. صموئيل كامل، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الرسالة إلى أدلفيوس المعترف، الفصل ٦، ص ٢٩.

[14] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 37: 7، ص 106.

[15] المرجع السابق، 9: 2، ص 24.

[16] المرجع السابق، 16: 4، ص 46.

[17] المرجع السابق، 20: 2، ص 57.

[18] المرجع السابق، 25: 3، ص 71.

[19] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ١: ١١: ٤١، ص 109.

[20] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2008)، ٢٠: ٥، ص 58.

[21] المرجع السابق، 20: 5، ص 58.

[22] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[23] المرجع السابق، ١: ٤١، ص 109.

[24] المرجع السابق، ١: ٤٢، ص 111.

[25] المرجع السابق، ١: ٤٣، ص 112.

[26] المرجع السابق، ٣: ٢٩: ٥٦، ص 369.

[27] المرجع السابق، ٢: ٦٩، ص 260.

[28] المرجع السابق، ٣: ٢٣، ص 322.

[29] المرجع السابق، 1: 41، ص 109، 110.

[30] المرجع السابق، 1: 46، ص 118.

[31] المرجع السابق، 1: 47، ص 118، 119.

[32] المرجع السابق، 1: 47، 48، ص 120، 121.

[33] المرجع السابق، 2: 14: 10، ص 168.

[34] المرجع السابق، 2: 15: 14، ص 174، 175.

[35] المرجع السابق، 3: 27: 39، ص 345.

[36] المرجع السابق، 2: 21: 65، ص 254.

[37] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 17: 5-7، ص 49، 50.

[38] المرجع السابق، 43: 6، ص 126.

[39] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 13: 60، ص 143، 144.

[40] المرجع السابق، 2: 20: 55، ص 240، 241.

[41] المرجع السابق، 2: 20: 56، ص 241، 242.

[42] المرجع السابق، 2: 21: 61، ص 249.

[43] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس (الرسالة الأولى إلى سرابيون الأسقف)، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 6، ص 44، 45.

[44] المرجع السابق، 1: 20، ص 78، 79.

[45] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 44: 2، 4، ص 128، 129.

[46] Athanasius (St.), Select Works and Letters (on Luke 10: 22), NPNF, Ser-II, Vol. IV, Trans. by A. T. Robertson, Edit. by P. Schaff & H. Wace, (New York: Christian Literature Co., 1892), p. 87-90.

[47] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 3: 26: 31، ص 333، 334.

[48] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى سرابيون، الفصل 9، ص 19.

[49] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أدلفيوس، الفصل 4، ص 27.

[50] المرجع السابق، الفصل 8، ص 31، 32.

[51] المرجع السابق، الرسالة إلى أبكتيتوس، الفصل 4، 5، ص 39.

[52] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 8: 4، ص 22.

[53] المرجع السابق، 9: 1، ص 23، 24.

[54] المرجع السابق، 16: 4، 5، ص 46، 47.

[55] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أبكتيتوس، الفصل 6، ص 41، 42.

[56] المرجع السابق، الفصل 9، ص 45.

[57] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 13: 9، ص 38، 39.

[58] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون الأسقف، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الرسالة الأولى إلى سرابيون، 1: 9، ص 52، 53.

[59] أثناسيوس (قديس)، الدفاع عن الهروب، ترجمة: ريمون يوسف، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2011)، ص 32.

[60] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 22: 3، ص 64، 65.

[61] المرجع السابق، 25: 6، ص 73.

[62] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 2: 7، ص 45.

[63] المرجع السابق، 1: 11: 41، ص 109.

[64] المرجع السابق، 1: 11: 42، ص 111.

[65] المرجع السابق، 1: 12: 48، ص 122.

[66] المرجع السابق، 1: 13: 56، ص 136.

[67] المرجع السابق، 2: 19: 44، ص 224.

[68] المرجع السابق، 2: 22: 74، ص 269.

[69] المرجع السابق، 3: 25: 21، ص 319، 320.

[70] المرجع السابق، 1: 5: 15، ص 63.

[71] المرجع السابق، 1: 12: 50، ص 125، 126.

[72] المرجع السابق، 1: 11: 38، ص 105.

[73] مايكل باركر (قس، دكتور)، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، (القاهرة: دار الثقافة، 2019)، 183، 184.

[74] أليستر أي ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 162.

[75] المرجع السابق، ص 163.

[76] أنسلم الكانتربري (رئيس أساقفة)، لماذا تجسد الكلمة، ترجمة: القس إبراهيم سعيد، (القاهرة: دار الثقافة، 2021)، 1: 10، ص 35.

[77] المرجع السابق، 1: 11، ص 36.

[78] المرجع السابق، 1: 12، ص 39.

[79] المرجع السابق، 2: 15، ص 98.

[80] أليستر أي ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 192-194.

[81] نجد هنا تجسيد الصراع بين العدل والرحمة في جوهر الله.

[82] هذا هو تأليه الخطية، حيث وصف الخطية بالخطية غير المحدودة، وهو الشرح المعيب الذي يتبناه البعض في أيامنا هذه ويدافع عنه كما لو كان الأرثوذكسية، وهو في الحقيق شرح أنسلم الكانتربريّ في العصر الوسيط.

[83] فالتر كاسبر، يسوع المسيح، ترجمة: المطران يوحنا منصور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000)، ص 359- 361.

[84] للأسف هذا هو لاهوت المنادين بالبدلية العقابية في عصرنا، حيث يبدأون، مثل أنسلم ولاهوت العصر الوسيط،  بشرح تدبير الخلاص من مشكلة الخطيئة، ولا يبدأون من صلاح الله ومحبته للبشرية كدافع له من أجل التجسُّد والاتحاد بالبشرية، فهم يرون أن الخطية هي الدافع الأساسيّ والوحيد لتجسُّد الكلمة، وهذا عكس تعليم تدبير الخلاص عند الآباء اليونانيين الشرقيين، الذين يبدأون من صلاح الله ومحبته للبشرية ورغبته في الاتحاد بها.

[85] Anselm of Canterbury, Cur Deus Homo, 1: 2.

[86] Ibid, 1: 20.

[87] Ibid, 2: 6.

[88] چوناثان هيل، تاريخ الفكر المسيحي، ترجمة: سليم إسكندر ومايكل رأفت، (القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2012)، ص 144-147.

[89] لاهوتي أرثوذكسيّ، حرصنا أن نورد رأيه لأنه يشرح تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة علمية، وذلك للتأكيد على أنه لا يوجد شيء اسمه بدلية عقابية في التعليم الخلاصيّ للقديس أثناسيوس.

[90] نورمان راسل، عقيدة التأله في التقليد الآبائي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: مركز إبيفانيا للنشر والتوزيع، 2019)، ص 225.

[91] بروفيسور بروتستانتي مشيخيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بتجرُّد وحيادية وموضوعية بعيدًا عن انتماءاته الطائفية.

[92] يرتبط هذا المفهوم مع مفهوم المسيح المنتصر، حيث رأت نظرية الفدية موت المسيح كفدية مدفوعة لتحرير البشرية. حيث دُفِعَت، في عيون أوريجينوس، والعديد من الآباء اللاتين، الفدية للشيطان الذي أسر البشرية بسبب الخطية.

[93] النظرية هي أن المسيح قاسى العقوبة في موته من أجل كسرنا للناموس، ومات كبديل بدلاً عنا (العقابية، تتضمن العقوبة، أو العقاب القانوني، من الكلمة اللاتينية poena، عقاب، جزاء، بدلية).

[94] Thomas F. Torrance, Atonement, Edit. by Robert T. Walker, (USA: IVP Academics press, 2009), p. 56-58.

[95] Ibid, p. 72.

[96] Thomas F. Torrance, Divine Meaning: Studies in Patristic Hermeneutics, (Edinburgh: T&T Clark, 1995), p. 193.

[97] لاهوتي كاثوليكي ينتمي لكنيسة الروم الكاثوليك، يشرح بكل حيادية وأمانة مفهوم تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس.

[98] Khaled Anatolios, The soteriological significance of Christ’s humanity in St. Athanasius, (New York: St. Vladimir’s theological quarterly, vol. 40, 1996), pp. 265-286.

[99] J. Roldanus, Le Christ et l’homme dans la theologie d’Athanase d’Alexandrie, (Leiden: Brill, 1968), p. 164.

[100] بروفيسور بروتستاني كالفيني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بكل حيادية وأمانة علمية لاهوتية حتى لو عكس معتقدات طائفته.

[101] Louis Berkhof, The History of the Christian Doctrines, (Michigan, 1949), the doctrine of the atonement or the work of Christ, p. 125-129.

[102] Ibid.

[103] بروفيسور بروتستانتيّ مشيخيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بحيادية تامة موضوع الكفارة والفداء، حتى لو عكس معتقدات طائفته.

[104] R. S. Holmes, T & T Clark Companion to Atonement, Edit. by Andrews J. Johnson, (BLOOMSBURY: T & T CLARK, 2017), p. 306, 307.

[105] بروفيسور بروتستانتيّ مشيخي يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بكل أمانة وحيادية وموضوعية تدبير الخلاص والفداء بعيدًا عن الانتماءات والمعتقدات العقائدية لطائفته.

[106] J. N. D., Kelly, Early Christian doctrines, (London: Adam & Charles Black, 1968), 4th edit., p. 380.

[107] بروفيسور بروتستانتي إنجليكانيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص والفداء بكل حيادية وأمانة علمية وأكاديمية بعيدًا عن معتقداته الطائفية.

[108] L. W. Grensted, A short History of The Doctrine of Atonement, (London & New York: Manchester University Press, 1920), p. 380.

[109] بروفيسور بروتستانتي إنجليكاني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بكل أمانة وحيادية وموضوعية بعيدًا عن انتماءاته الطائفية والعقائدية.

[110] Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in Christian Theology, (London: MACMILLAN & CO., 1919), Lect. 4, p. 296.

[111] باحث لاهوتيّ بروتستانتي يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بكل أمانة وتجرُّد تدبير الخلاص والفداء حتى لو كان يُخالِف انتماءاته العقائدية.

[112] چوناثان هيل، تاريخ الفكر المسيحي، ترجمة: سليم إسكندر ومايكل رأفت، (القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2012)، ص 71.

[113] بروفيسور بروتستانتي إنجليكاني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يعرض بكل أمانة وحيادية وتجرُّد تدبير الخلاص والفداء حتى لو كان يتعارض مع انتماءاته العقائدية.

[114] أليستر أي. ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 82، 83.

[115] مطران روميّ أرثوذكسيّ، تحول من البروتستانية إلى الأرثوذكسية، لا يؤمن بالبدلية العقابية، ولكننا حرصنا على تسجيل شهادته في موضوع تدبير الخلاص، لكي نضع أمام القارئ العزيز رؤية كاملة وشاملة وموضوعية ومحايدة من كافة الطوائف المسيحية، لكي يتأكَّد أن هدف البحث هو موضع إجماع أكاديميّ عالميّ من كافة الطوائف، حيث يؤكدون جميعًا أنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم آباء الشرق عامةً، وق. أثناسيوس خاصةً.

[116] كاليستوس وير (مطران)، الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعقيدة، (منشورات النور، ١٩٨٢)، ص 50.

[117] المرجع السابق، ص 53.

[118] باحث روميّ أرثوذكسيّ، لا يؤمن بالبدلية العقابية، حرصنا على أن نعرض رأيه لنوضح إجماع الطوائف المسيحية سواء أرثوذكسية وكاثوليكية أو بروتستانية على أنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم ق. أثناسيوس.

[119] فلاديمير لوسكي، بحث في اللاهوت الصوفي لكنيسة الشرق، ترجمة: نقولا أبو مراد، مراجعة: رهبنة دير القديس جاورجيوس – دير الحرف، (لبنان: منشورات النور، 2000)، ص 149، 150.

[120] لاهوتي روميّ أرثوذكسيّ أكاديميّ معروف، لا يؤمن بالبدلية العقابية، حرصنا أن نأتي برأيه لنؤكد على الإجماع الأكاديميّ بأنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم آباء الشرق عامةً، وق. أثناسيوس خاصةً.

[121] چورچ فلورفسكي (أب)، التجسد والفداء (موضوعات لاهوتية)، ترجمة: د. جرجس كامل يوسف، (القاهرة: دار جذور للنشر والتوزيع، 2016)، المقالة اللاهوتية التاسعة، ص 103، 104.

[122] لاهوتي وكادرينال كاثوليكيّ شهير، ورئيس لجنة السعي نحو الوحدة المسيحية، وهو كاردينال على مدينة روتنبرج بألمانيا، ولقد حرصنا على أن نعرض رأيه لأنه يشرح تدبير الخلاص بحسب ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة بعيدًا عن معتقداته وانتماءاته الطائفية.

[123] فالتر كاسبر، يسوع المسيح، ترجمة: المطران يوحنا منصور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000)، ص 294.

[124] عالم آبائيات كاثوليكي وأستاذ الأدب الكلاسيكي القديم، وهو يؤمن بنظريات الترضية والإبدال العقابي، ولكنه عندما يشرح تعليم ق. أثناسيوس يشرح التعليم بكل أمانة وحيادية وتجرُّد من انتماءاته ونزعاته الطائفية.

[125] چوهانس كواستن، علم الآبائيات ”باترولوچيا“، مج3، ترجمة: الراهب غريغوريوس البرموسي ود. نادر مدحت، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2021)، ص 92-94.

[126] لاهوتية بروتستانية إنجليكانية تؤمن بالبدلية العقابية، ولكنها تنتقد نظرية أنسلم عن الترضية وإيفاء الدَّين بكل أمانة علمية وحيادية، حتى لو كان ذلك عكس قناعاتها الطائفية واللاهوتية.

[127] Katherine Sanderegger, T&T Clark Companion to Atonement (Anselmanian Atonement), Edit. by Adam J. Johnson, (London & New York: Bloomsbury, 2017), p. 177.

[128] لاهوتي كاثوليكي، نورد رأيه الأكاديمي المحايد حول مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس.

[129] Thomas G. Weinandy, T&T Clark Companion to Atonement (Athanasius’s Incarnational Soteriology), Edit. by Adam J. Johnson, (London & New York: Bloomsbury, 2017), p. 142.

[130] لاهوتي بروتستانتي لوثري، يؤمن بالبدلية العقابية، وهو أسقف سترنجراس بالسويد، حرصنا على أن نأتي برأيه المحايد حول مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس.

[131] Gustaf Aulén, Christus Victor: An Historical Study of The Three Main Types of The Idea of Atonement, Trans. by A. G. Hebert, (London: S. P. C. K, 1975), p. 56.

[132] مطران روم كاثوليك يؤمن بالمعتقدات الكاثوليكية حول الكفارة والفداء، ولكنه عندما يشرح تدبير الخلاص في لاهوت ق. أثناسيوس، يشرحه بأمانة وتجرُّد وحيادية.

[133] كيرلس سليم بسترس وآخرون، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2001)، ص 461.

[134] المرجع السابق، ص 466.

[135] قس بروتستانتي مشيخي، يؤمن بالبدلية العقابية، كان أستاذ اللاهوت في الكلية الإنجيلية بالقاهرة، ورئيس السنودس الإنجيلي مرتين، ولكنه رغم انتماءاته الطائفية والعقائدية، إلا أنه يشرح تدبير الخلاص كما جاء في تعليم ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة لاهوتية وأكاديمية بعيدًا عن معتقداته الطائفية.

[136] عبد المسيح اسطفانوس (قس، دكتور)، تاريخ الفكر المسيحي في القرون الأولى، (القاهرة، 2012)، ص 173، 174.

[137] المرجع السابق، ص 203.

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

أسئلة عن الإيمان – تصميم منهجيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

أسئلة عن الإيمان – تصميم منهجيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

أسئلة عن الإيمان – تصميم منهجيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

تُعني الدفاعيات بتوصيل فرح الإيمان المسيحي واتساقه وملاءمته للحياة من ناحية، وبالتعامل مع ما يواجهه الناس من شكوك ومخاوف وتساؤلات حول الإيمان من ناحية أخرى. وهذا ما نراه منذ زمن العهد الجديد حتى الآن.[1] والدفاعيات تؤكد وجود إجابات أمينة ومقنعة للأسئلة المخلصة التي يسألها الناس عن الإيمان. وهذه الأسئلة لابد أن تُحترم وتؤخذ على محمل الجد. والأهم من هذا، أنه يجب الإجابة عليها. والأهم من هذا وذاك أن الإجابات موجودة.

وتختلف الأسئلة التي تثار حول الإيمان من ثقافة إلى أخرى. فالكُتاب المسيحيون الأوائل، على سبيل المثال، انشغلوا بكيفية مواجهة نقد الفلسفة الأفلاطونية لمعتقداتهم من ناحية، وبكيفية تصميم أسّاليب فعالة لتوصيل إيمانهم وإبراز جماله للأفلاطونيين من ناحية أخرى.

في حين أنه في بداية العصور الوسطى ركز الكثير من اللاهوتيين في أوروبا الغربية، ومن بينهم الفيلسوف العظيم توما الأكويني، على الأسئلة الدفاعية التي أثارها الكُتاب المسلمون. (كان للإسلام تواجد قوي في أسبانيا وشمال فرنسا آنذاك). وفي هذا الصدد أيضًا، علينا أن نُقدر أهمية المستمتعين. لأنه كما تشكل طبيعة المستمتع أسلوبنا في تقديم الإيمان المسيحي، تشكل كذلك الأسئلة التي يطرحها عن المسيحية.

فالأسئلة التي تُطرح في الإطار الإسلامي مثلاً غالبًا ما تتعلق بتاريخ الكنيسة (ولاسيما فترة الحروب الصليبية)، وتتعلق أيضًا بتعليم الثالوث، وبألوهية المسيح، وهما العقيدتان اللتان ينظر إليهما المسلم باعتبارهما متعارضتين تمامًا مع جوهر عقيدة التوحيد في الإسلام.

أما الإطار العقلاني، غالبًا ما يطرح أسئلة تتعلق بالعقائد “غير العقلانية” (مثل عقيدة الثالوث أو الإيمان بأن يسوع هو الله وإنسان في آن)، أو الأسئلة التي تشكك في صلاح الطبيعة البشرية أو استقلاليتها (مثل عقيدة الخطية الأصلية). في حين أنه في إطار ما بعد الحداثة غالبًا ما تتعلق الأسئلة بفكر العهد الجديد الذي يؤكد أن يسوع المسيح هو الطريق الوحيد للخلاص (وهو ما يُعتبر منافيًا لفكر ما بعد الحداثة الذي يمجد التعددية).

فالنقطة المهمة هنا أن تفهم مستمعيك وتتعرف على شكوكهم وأسئلتهم. ولا يجب أن تنظر إلى هذه الأسئلة باعتبارها تهديدات مكروهة، بل رحِّب بها على اعتبار أنها يمكن أن تمثل مداخل للإيمان. فالسؤال يعني أن صاحبه مهتم وراغب في الاستماع.

وقد يكون هدف السائل أن يسدد لك الضربة القاضية بسؤاله، ولكن حتى لو كان الأمر كذلك، فالسؤال يتيح لك فرصة ذهبية لتوصيل الإنجيل عليك أن تقدرها وتنتهزها، لأن هذا النوع من الأسئلة يمنحك الفرصة لتزيل الغموض عن بعض ألغاز الحياة العويصة، ومن هذه النقطة يمكنك أن تشرح الرؤية المسيحية للواقع وتبرز حُسنها. ففي دفاعك عن المسيحية، لا داعي لتكوين توجه دفاعي، وكأنك تدافع عن عقيدتك ضد هجوم يُشن ضدها.

ولكن عليك أن تنظر لكل سؤال على أنه فرصة لإزالة سوء الفهم، وإظهار مصداقية الإيمان وجاذبيته، والحديث عن تأثيره على الحياة. ومن ثم، لابد من الترحيب بالأسئلة ولابد من تكوين إجابات جيدة وتقديمها للسائل. والإجابات متوفرة بالفعل، وليس علينا سوى أن نكتشفها ونطوعها بما يتناسب مع مهاراتنا في الحديث ومع الجمهور الذي نتفاعل معه.

فكيف نتعامل مع هذه الأسئلة؟ تقدم بعض الكتب الدراسية في الدفاعيات إجابات ثابتة لأسئلة ثابتة، وتشجع القارئ على إتقان هذه الردود الروتينية حتى يدافع عن الإيمان المسيحي بإخلاص وفاعلية.[2] ولكن بحكم مهنتي في التدريس، أقول إني أفضل منهجًا مختلفًا.

فأفضل الإجابات التي نقدمها للأسئلة التي يطرحها الناس عن الإيمان ليست تلك التي نأخذها من الكتب الدراسية أو المصبوبة في قوالب جاهزة، ولكن أفضل الإجابات هي التي يُكونها المدافعون فرادي في معالجتهم للأسئلة التي تُطرح عليهم، بناءً على حالة السائل، والموارد المتاحة للإجابة. ومن ثم، على المدافع ألا يَقنع بالإجابات المستعارة، بل عليه أن يكْون إجاباته بنفسه. أي باختصار عليه أن يمتلك إجاباته. فلا تُقدم إجابة إلا إذا كانت مُرضية لك شخصيًا.

وهذا الفصل لا يعرض قائمة تفصيلية بالعثرات التي تواجه الناس في الإيمان والإجابات التي يمكنك تقديمها ردًا عليها. ولكنه يهدف إلى تشجيعك على تكوين إجاباتك الخاصة، بمعنى أنه يُعلمك منهجًا، دون أن يقدم لك عبوة جاهزة من الإجابات تقصها وتلصقها في عقلك. وسوف نتناول أولاً بعض المبادئ العامة للتعامل مع الأسئلة والمخاوف والشكوك.

ولكن قبل أن نستعرض هذه الأسئلة، لابد أن نحدد إطارًا يساعدنا على فهم دور المدافع. وسوف أسوق صورة بصرية تُقرب الفكرة. يُلاحَظ أن الكثير من المدافعين يصابون بالإحباط عندما تُطرح عليهم أسئلة صادقة ويقدمون لها إجابات يرونها جيدة، ولكنها لا تؤثر على مستمعيهم تأثيرًا واضحًا. وذلك لأنهم يعتقدون أنهم إذا قدموا إجابة جيدة فليس هناك ما يمنع الشخص من قبول الإيمان على الفور. ولكن للأسف، من الواضح أن الحياة أعقد من هذا النموذج البسيط.

والصورة التي طالما رأيتها مفيدة في هذا الصدد أن نتخيل أن كل شخص هو غالبًا على الطريق المؤدي من الشك أو عدم الإيمان إلى الإيمان. وذلك الطريق عند البعض سهل وممهد، ولا تكثر فيه العوائق الصعبة. ولكنه عند البعض الآخر طويل وصعب ومليء بالحفر وغيرها من العوائق التي تقف أمام الإيمان على طول الطريق.

ولكن المشكلة أن المدافع الذي يراقب الموقف من الخارج لا يعرف طبيعة الطريق الذي يسير فيه الشخص، فهو لا يعرف ماإذا كانت المشكلة التي يثيرها مَن يتحدث إله هي العائق الوحيد الذي مازال يقف أما الإيمان، أم أن هناك كمية ضخمة من المشكلات التي لم يتم التعامل معها بعد. إن كل ما يمكن المدافع أن يفعله هو أن يقدم إجابة جيدة ويثق أن البذرة قد ألقيت، وأن العوائق نقَص منها واحد، وهو ما يعني أن وظيفتنا أن ننقل الناس خطوة واحدة على الطريق.

وهذه الخطوة ستكون الأخيرة عند البعض، ولكنها عند البعض الآخر ستكوان مجرد خطوة ضمن خطوات عديدة على الطريق. ولكنهم الآن أقرب مما كانوا. فوظيفة المدافع إذَن أن يسير مع الشخص على الطريق إلى الإيمان ويتركه في نقطة أقرب إلى الهدف مما بدأ.

وسنستعرض في جزء لاحق من هذا الفصل دراستّي حالة تقدمان صورة للاعتراضات والشكوك التي غالبًا ما تثار حول المسيحية في المناقشات. وقد تم اختيارهما بوصفهما نموذجًا للشكوك الحقيقية، وسنتعلم منهما أيضًا كيفية تكوين الإجابات الجيدة. 

الأسئلة والشكوك: بعض النقاط الأساسية:

من المفيد ونحن نتعامل مع الأسئلة أن نضعها في نصابها الصحيح ونحاول إيجاد أفضل طريقة للتعامل معها. ومعظم المدافعين يكتشفون أن الخبرة تساعدهم كثيرًا في تطوير قدراتهم على التعرف على الأسئلة والإجابة عنها.

1- كن رقيقًا:

يُذكرنا بولس أننا «سفراء عن المسيح» (2 كو 5: 20). لذلك، علينا أن نتذكر أننا لابد أن نجسد قيم الإنجيل في إجاباتنا على الناس. ولابد في هذه المواقف أن نُظهر رقة قلب الله لا غرورنا البشري أو عصيبتنا. حاول أن تقدم إجابات مهذبة، تراعي مشاعر الآخرين، وتساعدهم، وخصوصًا إن كان السؤال يوحي بأن السائل لا يفهم الإيمان المسيحي جيدًا، أو أن لديه نظرة مضخمة لقدراته العقلية.

2- ما السؤال الحقيقي؟

غالبًا ما يُنصح المدافعون أن يحاولوا اكتشاف السؤال المختفي وراء السؤال. ما معنى هذا؟ تخيل أنك سئلت هذا السؤال: كيف يسمح إله صالح بالمعاناة في العالم؟ قد ينظر السائل إلى هذا السؤال باعتباره مشكلة فكرية بحتة يبحث لها عن إجابة فلسفية شافية. فاحرص على أن تكون قادرًا على تقديم هذه الإجابة.

ولكن ربما أن حقيقة الأمر تختلف عن ذلك تمامًا. فمحتمل أن السائل فتاة كانت تجلس بجوار أمها وهي تراها تعاني آلامًا مبرحة ليلة وراء الأخرى في المراحل الأخيرة من سرطان العظام، إلى أن فارقت الحياة منذ أسبوع. وفي هذه الحالة فهي لا تتعامل مع المسألة انطلاقًا من فضول فكري، ولكن انطلاقًا من ألم نفسي عميق. وهي لا تنتظر منك أن تلقى عليها محاضرة فلسفية. ولكنها تحتاج لتعاطفك وتفهمك. ولذلك، الإجابة التي تنتظرها قد تكون وجودية أكثر منها فكرية، أي أنها تحتاج لمن يطمئنها أن الله يسير معها في وديان الحياة المظلمة.

ومن الطرق التي وجدتها مفيدة في التعامل مع هذه القضية أن أرحب بالسؤال ثم أسأل صاحبه عما إذا كان لا يمانع في أن يطلعني على سر اهتمامه بهذا السؤال، مما يساعدني على اكتشاف السؤال الحقيقي فأتعامل معه بالأسلوب الصحيح.

3- لا تقدم إجابات سابقة التجهيز للأسئلة الصادقة:

من السهل أن نسقط في إغراء حفظ مجموعة من الإجابات لعدد من الأسئلة وترديدها بشكل آلي لمن يسألنا عن الإيمان. إلا أن هذا الأسلوب عديم الفاعلية لسببين وجيهين. أولهما أن الأمر سينتهي بك إلى ما يشبه الماكينة المبرمجة التي تضخ إجابات محفوظة لا تلائم السامع.

وثانيهما أنك قد لا تجد في مخزون إجاباتك الرد المناسب للسؤال المطروح، فتقدم إجابة لسؤال آخر مختلف. والمستمعون يلاحظون ذلك ويرون أن هذه الردود غير شافية وغير مقنعة. ولذلك، على المدافع أن يصغي ويجيب عن السؤال المطروح فعليًا لا عن سؤال مختلف، وهو ما قد يجبرنا على تكييف ما لدينا من إجابات “ثابتة” وتطويرها.

4 – تعَلم من مدافعين آخرين:

من أفيد الأشياء التي أفعلها مع طلابي في “مركز أكسفورد للدفاعيات المسيحية” أن أجمع منهم فريقًا ما بين ستة طلاب واثني عشر طالبًا لنناقش الردود التي يمكن أن نقدمها للأسئلة التي يطرحها الناس علينا. فأبدأ بطرح سؤال وأترك للطلاب يضع دقائق لتحضير إجاباتهم. ثم نراجع كل الإجابات معًا من حيث أسلوبها ومضمونها. وما نتيجة ذلك؟ إكساب الطلاب خبرة في إجابة الأسئلة، والأهم من ذلك تزويدهم بحوالي اثنتي عشرة طريقة مختلفة للتعامل مع السؤال. والجميع يغادرون المجموعة بفهم أفضل لكيفية تقديم إجابة مفيدة للسؤال.

ومن أفضل الطرق لتْكون ردودًا على الشكوك والاعتراضات التي تثار ضد الإيمان أن تتعلم من الآخرين الذين صنعوا فن الدفاعيات، من أمثال “وليم لين كريج”، أو “پيتر كريفت” Peter Kreeft، أو “راڤي زكراياس” Ravi Zacharias. ويمكنك أن تجد على الإنترنت مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية لمحاضراتهم التي تنتهي عادةً بأسئلة وأجوبة. استمع لإجاباتهم عن أسئلة الجمهور. ولاحظ كلاً من أسلوب الإجابة ومحتواها. فليس المهم ما تقول فحسب، بل كيف تقوله.

وحتى تكُون منهجاً خاصًا بك، سنتناول بعض الأسئلة التي تُطرح عادةً في المحاضرات والحوارات الدفاعية، وبعض الأساليب المقترحة للتعامل معها. ولكن لا يجب النظر إلى هذا التحليل باعتباره تحليلاً شاملاً ولا متعمقًا.

ولكنه يزودك بفكرة عن بعض الأساليب التي يمكن استخدامها للتعامل مع كل سؤال، ثم يتركك لتقرر ما ستقوله أنت ردًا على هذا السؤال. وفي كل حالة سنحدد بعض الأركان الأساسية التي يمكن تدمجها في إجاباتك. وهي تمثل الخيوط، أما طريقة نسجها معًا تتمثل في منهجك الخاص في الدفاعيات والأسئلة التي تحتاج أن تتعامل معها. وسنبدأ بمشكلة الألم.

دراسة حالة (1): لماذا يسمح الله بالألم؟

أول دراسة حالة سنتعرض لها تتعلق بقضية دائمًا ما تثار سواء في المناظرات العامة أو الأحاديث الخاصة. وهي تقول إن كان الله صالحًا، فما سر المعاناة التي نراها في العالم؟ لماذا تحدث أشياء سيئة في كونٍ خلقه إله يُفترض أنه محب؟ إنه سؤال مهم في حد ذاته. ولكنه يساعدنا أيضًا لتكتشف كيفية تكويننا للأجابات عن كل الأسئلة التي تطرح علينا.

وفيما يلي، سندرس مجموعة من النقاط التي يمكن تقديمها ردًا على سؤال الألم. وكل منها خيط يمكن استخدامه بمفرده أو نسجه مع خيوط أخرى فتصبح جزءًا من النسق في لوحة أكثر ثراء.

ولنطرح على أنفسنا أولاً هذا السؤال: لماذا يرى الكثيرون أن وجود الألم في العالم مشكلة؟ من الوهلة الأولى، تبدو إجابة السؤال مباشرة، ألا وهو أن القضية تنطوي على تناقض منطقي، فإن كان الله صالحًا، لماذا نرى الشر في العالم؟ عند البعض، هذه هي القضية الحقيقية التي يجب التعامل معها، ومحتمل أنها تهدد إيمان الشخص. لذلك، يحتاج هذا السؤال لإجابة منطقية عقلانية.

ولكن كما أشرنا آنفًا، الألم يثير شكوكًا أعمق عند البعض، فمن المحتمل أنهم يعانون من مشاعر الحيرة والحزن العميق بسبب آلام أحد أحبائهم أو بسبب موته. وفي هذه الحالة لن يعنيهم المنطقُ كثيرًا، لأن مشكلتهم ليست في أن يفهموا الألم بل أن يتعاملوا معه.

وهم ليسوا قلقين لئلا يتضح أن الإيمان المسيحي غير منطقي، ولكنهم قلقون لئلا يتضح أن الكون بلا معنى، كما أشار الكاتب والممثل الكوميدي “وودي ألن” Woody Allen في ملاحظة ساخرة ذات مرة: «إن الجنس البشري يقف اليوم في مفترق طرق لم يشهده مطلقًا على مر التاريخ. وأحد الطريقين يؤدي إلى اليأس وفقدان الأمل التام، والطريق الآخر يؤدي إلى الانقراض النهائي. فلنُصلِ أن يمنحنا الله حكمة الاختيار.»

ومن ثم على المدافع أن يعي أن هذا السؤال يجب التعامل معه على مستويات مختلفة. فبعض الناس لا يحتاجون إلا لتشريح كلينيكي جاف للقضايا الفكرية المتضمنة في الموضوع، في حين أن مثل هذا التحليل سيصيب البعض الآخر بالارتباك والتشوش، خاصةً لأن ما يشغلهم هو قلق وجودي وليس قلقًا فكريًا.

فخبرة الألم عند الكثيرين تمثل مشكلة قلب أكثر منها مشكلة عقل. والسؤال الذي يشغلهم ليس «كيف أفهم هذا الألم على المستوى الفكري؟» بل «كيف أتعامل معه على المستوى الوجودي؟»[3] وفي هذه الحالة يحتاج الشخص إلى مشاركة وجدانية بقدر ما يحتاج إلى حكمة فكرية.

وأول نقطة يجب التركيز عليها أننا لابد أن نتعلم التعايش مع الأسئلة، فما من أحد لديه إجابة قاطعة لمشكلة الألم. فالألم عند الملحد العنيف “ريتشارد دوكينز” عديم المعنى ولا غرض له، وهو الشيء المتوقع في هذا الكون الذي لا غرض له. وكل ما علينا أن نعتاد هذا الوضع. إجابة منظمة ولكنها محبطة جداً للكثيرين، وتطالبهم بأن يرتفعوا فوق ما يرونه في هذا العالم من ألم وانعدام للمعنى.

أما الكثير من الكُتاب الرواقيين القدامى فقد رأوا أن البشر لابد أن يخترعوا عوالم خاصة بهم لها معنى وسط عالم عبثي بلا معنى. وهذا أفضل ما يمكننا أن نصبوا إليه، أن نفرض معنى على عالم هو في الأساس عشوائي وبلا غرض.

ويقول بعض الملحدين إن الألم شر، وهو في حد ذاته كافٍ لدحض فكرة وجود الله. وهي حجة غريبة لأن الفحص الدقيق يبين أنها تفند نفسها بنفسها. فالحجة المبنية على وجود الشر التي تستخدم لإثبات عدم وجود الله تعتمد على الاعتراف بأن الألم شر. ولكن هذا التصريح ليس ملاحظة تقوم على التجريب، ولكنها حكم أخلاقي. فالألم طبيعي، ولكنا عندما نقول إنه شر، فهذا يعني أننا افترضنا إطارًا أخلاقيًا مسبقًا يضع مقاييس واضحة لما هو خير وما هو شر.

ولكن من أين يأتي هذا الإطار؟ فنجاح هذه الحجة يتطلب وجود إطار أخلاقي مطلق، يشير في حد ذاته إلى وجود الله. وهكذا يبدو في نهاية الأمر أن عدم وجود الله يعتمد على وجود الله. إذن فالحجة ليست موفقة. وإن كانت رؤيتي الشخصية تقول بأن الطبيعة شر، فهذه الرؤية لا علاقة لها بمسألة وجود الله، ولكنها قد تكشف شيئًا من نظرتي الساذجة العاطفية، لا عن البنية العميقة للكون.

ولابد هنا أن ننظر للموضوع بشكل أعمق. فالمسيحية تعلن أن الله تألم في المسيح. أي أن الله يعرف معنى الألم. والرسالة إلى العبرانيين تتحدث عن يسوع باعتباره شخصًا يتألم معنا )عب 4: 15). وإن كان ذلك لا يفسر الألم، ولكنه بلا شك يجعلنا أكثر قدرة على تحمله. ويعكس فكرة عميقة، ألا وهي أن الله ذاق المعاناة بنفسه كما نذوقها نحن.

ففي التجسد، الله الخالق يدخل إلى عالم الألم والمعاناة الذي نعيش فيه، لا سائحًا متفرجًا، بل مخلِّصًا ملتزمًا بخليقته، وهكذا يدرك المسيحي ـن التزام الله المحب من نحو عالم متألم دفعه ليدخل فيه شخصيًا، دون أن يرسل مندوبًا عنه، ولكنه اختار أن يشارك في ألمه ومعاناته. والروائية المشهورة “دورورثي ل. سيّرز” Dorothy L. Sayers، وهي أيضًا لاهوتية ولكنها لم تعمل باللاهوت، طرحت هذه النقطة بكل وضوح حين قالت:

أيًا كان السبب الذي من أجله اختار الله أن يخلق

الإنسان على  هذا النحو، محدودًا، وعرضة للألم،

والحزن، والموت، فقد كان الله من الأمانة والشجاعة

أن يتناول دواءه بنفسه. وأيًا كانت اللعبة التي يلعبها

مع خليقته، فقد التزم بقواعدها ولُعِب لُعبًا نظيفًا، إذ أنه

لا يمكن أن يتوقع من الإنسان شيئًا لم يفعله هو بنفسه.

ولكنه اجتاز بنفسه في كل الخبرة البشرية، بدءًا من

المضايقات الأسرية البسيطة، وضغوط العمل الشاق،

وضيق ذات اليد، إلى أفظع أنواع الألم والمهانة والهزيمة

والجزع والموت.[4]

لقد اختار الله أن يعاني. ومعاناة يسوع المسيح تطمئننا أننا نحظى بامتياز التعامل مع إله يعرف ما ينطوي عليه العيش في عالم ساقط من ألم وحزن. وقصة آلام المسيح التي ترويها الأناجيل تخبرنا عن مخَلص يفهم المعاناة حق الفهم، بل إنه اجتاز فيها بنفسه. وتتحدث المزامير عن إله يسير معنا دائمًا في رحلة الحياة حتى في أحلك لحظاتها (مز23).

من الأقوال الشائعة عن العمل الطبي عبارة تقول: «الطبيب المجروح هو فقط من يستطيع أن يعالج.» وسواء أكانت المقولة على صواب أم كانت خاطئة، هذا أمر قابل للنقاش. ولكنها تؤكد أننا نستطيع أن نتعامل بشكل أفضل مع من مَر بمشكلتنا نفسها، واجتاز ما نجتاز فيه، وانتصر عليه. والكثير منا يعرف من الخبرة أنه يصعب التعامل مع شخص لم يشاركنا مشكلاتنا.

إلا أنه من الطرق التي يمكن التعامل بها مع هذه المسألة دفاعيًا هي طريقة المواجدة أي الدخول في وجدان الآخر، فتشاركه وجدانيًا empathize في مشكلاته ومخاوفه. وحتى لو لم تكن قد اجتزت فيها فعليًا، وحتى لو لم تكن قادرًا على فهمها، تحاول أن تدخل بذهنك في الموقف حتى يمكنك أن تخبر الشخص بصدق أنك تفهم تمامًا ما يشعر به.

إلا أن جوهر فكر التجسد في المسيحية يتحدث عن الله المتعاطف sympathizing مع آلامنا، فهو لا يشاركنا فيها وجدانيًا كما لو كان لم يختبرها بنفسه، لكنه يتعاطف معنا، والمعنى الدقيق لهذه الكلمة أنه “يعاني معنا.” ورجوعنا لله يعني الرجوع لمَن يعرفنا ويفهمنا.

هناك قصة رائعة عن “إيست أنجليا” East Anglia التي كانت يومًا ما مركز تجارة الصوف في انجلترا. تقول القصة إنه في أواخر العصور الوسطى كان راعي الأغنام في هذه المنطقة يوضح عند موته في صندوق محشو بصوف خرافه. لماذا؟ حتى يعرف المسيح في يوم الدينونة أنه كان راعيًا، لأنه مادام المسيح نفسه كان راعيًا، فهو يعرف الضغوط التي واجهها هذا الرجل، والوقت الذي كان يصرفه للعناية بالخراف العنيدة، وسيتفهم الظروف التي منعته من المواظبة على الكنيسة.

وبالرغم من أنها قصة مضحكة، فهي تشير إلى نقطة مهمة لابد أن نقدرها باعتبارها واحدة من أثمن الأفكار التي تزودنا بفهم أعمق لله، ألا وهي أننا لا نتعامل مع إله بعيد لا يعرف شيئًا عما تعنيه الإنسانية وما يرتبط بها من ضعف وفناء. ولكن الله يعرف ويفهم «فَلنَتَقَدَّم بِثِقَةٍ إِلَى عَرشِ النِّعمَةِ» (عب4: 16).

علاوة على ذلك، يقدم الإنجيل إعلانًا قويًا يشع بلهيب من المحبة، إذ يُعرفنا أن المعاناة والألم في هذا العالم سيفسحان الطريق لمكان أفضل، مكان فيه «سيمسح الله كل دمعة» من عيوننا. «وَالمَوتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعد» (رؤ21: 4). فنحن نحيا على رجاء.

تساعدنا هذه الأفكار على وضع الألم في سياق. وتمكننا كذلك من تناول جوانب الألم بشكل مقنع. فمن المهم مثلاً أن نوضح أننا نعيش في عالم ساقط حيث لم يعد البشر يعيشون في الحالة التي أرادها الله لهم. وقد أدت أنانيتهم وطمعهم إلى الحروب والمجاعات والإفراط في استغلال الأرض، وحدوث تغييرات جوهرية في موارد العالم، قد تؤدي إلى نتائج تدميرية. إلا أن الله لم يكن يتمنى حدوث أي من هذه الأمور، ولكن كلها أشياء من فعل البشر. حتى إنه دائمًا ما يقال إننا صنعنا تكنولوجيا قد تؤدي بنا إلى الانقراض. وهذا هو اختيارنا الذي لم يكن الله يريده.

من المهم أيضًا أن ندرك أن الألم ينشأ من طبيعة العالم نفسها. ومن ثم، ليس هناك ما يدعو إلى أن نظن أنه كان من الممكن أن يكون العالم “أفضل”. فالعلماء يؤمنون مثلاً بأنه من شروط تواجد الحياة على الأرض أن يكون هناك “صفائح تكتونية” “tectonic plates”، أي أن سطح الأرض لابد أن يكون قادرًا على الحركة حتى يتجاوب مع الضغوط الجيولوجية. والنتيجة؟ زلازل وأمواج تسونامي. هل هذه شرور؟ لا، إنها أمور طبيعية فحسب.

لا شك أنها تتسبب في معناة البشر، إلا أنها لم تصمَّم لذلك، ولكنه جزء من الثمن الذي ندفعه مقابل أننا نعيش في عالم به حياة. ولكن بعض من ينتقدون الله يشكون مر الشكوى من فشل الله في خلق عالم مطابق لمواصفتهم. فلو كان الأمر بيدهم، لنجحوا في تصميم عالم أفضل كثيرًا. إلا أن هؤلاء الأشخاص المخلصين لا يرون حقيقة مؤلمة، ألا وهي أنه ليس هناك ما يدعو إطلاقًا لافتراض إمكانية خلق عالم أفضل، أو أنه يوجد عالم أفضل في مكان آخر.

ولكن لابد أن ننتبه لنقطة أعمق بكثير في هذا الموضوع، ألا وهي: لماذا ننزعج من معاناة الآخرين؟ لماذا تستشعر خطأ كبيرًا في موضوع الألم؟ إنها مسألة تتعلق بالقلب أكثر مما تتعلق بالعقل. فمن أين تأتي هذه المعرفة الحدسية العميقة بأن المعاناة والألم خطأ؟ إن هذا الحدس العميق له دلالة كبيرة لا يعترف بها الكثيرون، وقد رأينا دلالته في تناولنا للحجة المبنية على الرغبة والحجة المبنية على الأخلاق. فإن كانت هذه المعرفة الحدسية عشوائية وبلا معنى، يصبح إدراكنا للعالم مجردًا من أي قيمة أصيلة فيه.

ولكن ماذا لو كانت هذه المعرفة الحدسية تشير إلى شيء أعمق، شيء أصيل فينا يعكس طبيعتنا الحقيقية وهويتنا؟ ماذا لو كانت تمثل أحد جوانب «الفطرة الداخلية التي تسعى لله” التي تناولناها آنفًا؟ ماذا لو كان هذا النفور من المعاناة والألم هو تذكِرة بالفردوس من ناحية، وتوقع لأورشليم جديدة من ناحية أخرى؟ ماذا لو كانت أفكارنا عن الحالة الحاضرة للأشياء تتشكل بإدراكنا الحدسي لمصدرنا الحقيقي ومآلنا؟

وهكذا تثير قضية الألم بعض الأسئلة الدفاعية المهمة جدًا، وتتيح كذلك بعض الفرص القيِّمة. إلا أنه في النهاية، يبقى هذا السؤال من الأسئلة التي يستحيل على أي شخص، علمانيًا كان أم دينيًا، أن يجيب عنه إجابة كاملة. ولكن المهم هنا هو من الذي يمكنه تقديم الإجابة الأكثر إرضاءً من الناحية الوجودية، إجابة تصمد أمام النقد حتى وإن تركت بعض الأسئلة دون إجابة، ربما لأنها غير قابلة للإجابة بشكل نهائي بسبب محدوديتنا البشرية. والقدرة على أن نعيش مع أسئلة بلا إجابات تُعتبر من علامات النضج الفكري، وليست عبثًا منطقيًا كما يراها البعض من غير الحكماء.

وسوف نتناول في جزء لاحق من هذا الفصل كيفية الاستفادة من هذا السؤال، وكيفية استخدام ما يشتمل عليه من أفكار في الدفاعيات. ولكننا سننتقل أولاً لتوضيح القضايا المتعلقة بأحد الأسئلة التقليدية الأخرى في الدفاعيات، ألا وهو: هل الإيمان بالله مجرد عكاز يساعد العاجزين على السير في الحياة؟

دراسة حالة (2): الله عكاز:

من أشهر الانتقادات التي توجَّه للمسيحية أنها عزاء للفاشلين في الحياة، فالسبيل الوحيد الذي يُمَكن هؤلاء البائسين من مواجهة الحياة هو أن يخترعوا إلهًا يمنحهم شعورًا بالراحة. أما الناس الحقيقيون فلا يحتاجون لهذه الطمأنينة الوهمية، ولكنهم يشقُّون طريقهم في الحياة بأنفسهم. إنما الدين فهو ملجأ العاجزين نفسيًا، عكاز لمن لا يقوون على التعامل مع واقع الحياة ويفضلون اختراع عالم خيالي خاص بهم.

ولابد هنا أن ننتبه لجانب مهم ألا وهو أن هذا النقد لا يمثل حجة تقوم على أدلة ومنطق قوي، ولكنه في الواقع مجرد زعم، ليس له أي سند علمي يؤيده. ومع ذلك، فهو مقبول ثقافيًا من الكثيرين، وغالبًا ما يُطرح في المناظرات والمجادلات. فكيف نرد عليه؟

أولاً، لابد أن نفهم أصوله التاريخية، فمن أين أتى هذا النقد؟ كما متوقع، يمكننا العثور على تصريحاته الحديثة في كتابات المحلل النفسي الملحد “سيجموند فرويد” Sigmund Freud (1856 – 1939) الذي اعتبر الإيمان بالله وَهمًا. وهو يقول إن الله لا وجود له إلا في العقل البشري، وفكرة الله هي نوع من “التفكير الرغبوي” الناتج عن رغبتنا في المعنى والحب.

إننا نقول لأنفسنا إنه أمر لطيف جدًا لو كان هناك

إله خلق العالم وأغدق علينا بالعناية والخير، ولو

كان هناك نظام أخلاقي في الكون، ولو كانت هناك

حياة بعد الموت، ولكن الحقيقة الصادمة أن كل

هذا هو بالضبط ما نحن مضطرون أن نتمناه.[5]

أي أننا نخترع عالمًا وهميًا يتوافق مع رغباتنا بدلاً من أن نصالح أنفسنا على قسوة العالم الحقيقي المحيط بنا.

وهذه الفكرة يُعبَّر عنها غالبًا في الكتابات الشائعة ببعض المصطلحات، مثل أن الله وهم (كما في كتابات “ريتشارد دوكينز”) أو أنه عكاز. وينطوي المصطلح الثاني على بلاغة عميقة لأنه يعني ضمنًا أن من يؤمنون بالله أناس عاجزون، مجروحون يحتاجون للمساعدة حتى يواكبوا واقع الحياة، وهم يخترعون الله باعتباره وسيلة نفسية تمدهم بسند وهمي. ويعلن “فرويد” (دون أي دليل تجريبي واضح) أن مفهومنا عن الله وموقفنا منه عبارة عن أوهام طفولية شكلتها خبراتُنا مع آبائنا. والأفراد غير الناضجين لا يتجاوزون أبدًا هذه الثقة الصبيانية في آبائهم والاعتماد عليهم وينقلون هذا الاعتماد بشكل طبيعي إلى «أب معَظَّم جدًا» “enormously exalted father” وهمي. وهو يصرح أنه يعتبر أن هذا النوع من الإيمان بالله سذاجة فكرية:

المسألة كلها طفولية بحتة، ولا تمت بصلة للواقع،

ولكن المؤلم لأي شخص محب للإنسانية أنه يرى

أن الغالبية الساحقة من البشر الفانين لن يتمكنوا أبدًا

من السمو فوق هذه النظرة للحياة.[6]

وتبرز ذات النظرة التي تحقر الإيمان في الإلحاد الجديد أيضًا، ولاسيما في كتاب “ريتشارد دوكينز” “وهم الإله” (2006). ولكن مع كل هذا، يظل ذلك الكلام كله مجرد زعم يستقي مصداقيته الثقافية لا من الديل التجريبي، بل من كثرة تكراره من ناحية، ونبرة الثقة التي يقال بها من ناحية أخرى.

الحقيقة أنه لا يوجد عمليًا دليل واحد يؤيد هذا الزعم الجريء بأن الله مجرد إسقاط لرغبة طفولية في الحماية الأبوية. وفي السنوات الأخيرة تعرضت أسانيد “فرويد” العلمية لموجة من النقد اللاذع، إذ بات واضحًا أن “بحثه العلمي” هو غالبًا مجرد محاولة استبطانية لإثبات ما يؤمن به أصلاً من أحكام مسبقة ومتحيزة، ولاسيما فيمايختص بعدائه تجاه الإيمان بالله.

فهو ينطلق من افتراض عدم وجود إله، ثم يحاول أن يثبت أنه يمكن العثور على تفسير عقلاني يبين سبب إيمان الناس بهذا الإله غير الموجود. فنحن نرى هنا خلطًا واضحًا، لأنه لا يمكن تحديد ما إذا كان الإلحاد هو افتراض مسبق أم خلاصة لهذا المنطق الذي يفتقر تمامًا لأي قدرة على الإقناع.

ولكننا إن وضعنا جانبًا هذا الغياب الواضح المخزي للأدلة، فما مدى هذه الحجج؟ وما مدى ترابط نظرة “فرويد”؟ نتطوي نظرية “فرويد” على مشكلة واضحة، وهي تحديدًا فكرته الغريبة التي تقول بوجود رغبة أوديبية في قتل الأب والزواج من الأم، وهي تكمن في اللاوعي عند كل الذكور.

وبناءً على هذا التفكير، يجب أن يكون الأساس النفسي لرغبة الذكور في التخلص من أي “أب في السماء” معادلاً لرغبتهم في الإيمان به. وذلك لأن “فرويد” يقول بأن الناس يحملون مشاعر إيجابية وسلبية تجاه هذا “الأب المعظم”. إذن هذه المشاعر السلبية قد تجعل قوة الرغبة في عدم وجود الله مساوية للرغبة في وجوده.

وبينما رأى «فرويد» الاعتقاد الديني وهمًا، رأى «سي. إس. لويس» أن مادية «فرويد» الإلحادية تفند نفسها بنفسها، لأن هذه الحجة التي تتحدث عن “الإسقاط” أو “الاختراع” سيف ذو حدين. فإن كان “فرويد” يقول بأن الله هو تفكير رغبوي فيه يهتم الأب السماوي بكل احتياجاتنا، فيمكننا أن ندلل منطقيًا أيضًا على أن «فرويد» وغيره من الملحدين ينكرون وجود الله انطلاقًا من حاجاتهم للهروب من شخصية أبوية لا يحبونها.

وعلى أي حال، فَقَد شابَ علاقة “فرويد” بأبيه نوع من التوتر، مما يجعلنا نستنتج أناعتقاده بعدم وجود إله ينبع من رغبته العميقة في عدم وجود شخصية أبوية، أو إن وُجدَت ربما يجب قتلها.

بالإضافة إلى ذلك، يتضح أن “فرويد” لا يعطي المشاعر المتناقضة تجاه الله حقها في البحث. فالحقيقة أن الحق المتعلق بأن الله محب هو كشف وإعلان وليس فكرة إنسانية طبيعية. حتى إن «مارتن لوثر» وكذلك “چون كالڤن” يؤكدان أن الغريزة الإنسانية الطبيعية هي الخوف من الله.

ويقول «لويس» إن “فرويد” يعجز عن إدراك أنه كما توجد ديناميكية نفسية من التفكير الرغبوي تقابلها كذلك ديناميكية أخرى من التفكير التخوفي fear fulfillment.[7] فإن كان الإيمان بالله له دوافع وأسباب نفسية، فالإيمان بعدم وجود الله له أيضًا دوافع نفسية تجعل الشخص يتمنى عدم وجود إله. لذلك، يصرح «لويس» بأنه عندما كان ملحدًا رأى الله شخصًا لا يريد أن يلتقي به: «اللاأدريون اللطفاء يتحدثون بابتسامة عريضة عن «بحث الأنسان عن الله.» ولكني آنذاك كنت أعتبرهم يتحدثون عن بحث الفأر عن القط.»[8]

والأخطر من ذلك أن “حجة” “فرويد” لا تزيد عن كونها زعمًا بأن إيمان البشر بوجود الله يتساوى مع الإلحاد. إلا أنه يتسق أيضًا مع نظم فكرية أخرى، أبرزها الاعتقاد المسيحي بأن الله خلقنا برغبة داخلية تسعى نحو السماء، كما قال القديس أغسطينوس في صلاته التي اقتبسناها فيما سبق «لقد صنعتنا لذاتك، وستظل قلوبنا قلقة حتى تجد راحتها فيك.»

ويرجع “فرويد” أن الإلحاد يمكن أن يفسر الإيمان بالله، أو الشوق البشري لله. ربما، إلا أن هذا الزعم يبدو في بعض النقاط مرتجلاً ومفروضًا عنوةً. ولكن المسيحية تفسر هذا الإيمان وذلك الشوق على نحو أكثر اتساقًا ومعقولية بما لا يقاس.

ولكننا سنختم بصورة العكاز، وهي صورة بلاغية والرسالة التي تحاول توصيلها رسالة بسيطة تقول: إن الله للعجزة نفسيًا وفكريًا. ولكن الأقوياء والأصحاء لا يحتاجون هذا النوع من الدعم الزائف أو الراحة التي لا تقوم على أي أساس منطقي، لأنهم قادرون على الاعتناء بأنفسهم. أما الله فهو للضعفاء والأغبياء. وتكاد هذه الرسالة تماثل رسالة الإلحاد الجديد الذي يفتخر بالتفوق الفكري الذي يميز معلميه البارزين، مثل “ريتشارد دوكينز” وكذلك “كريستوفر هيتشنز”.

وتجدر الإشارة هنا إلى نقطتين مهمتين. أولاً، المهم في القضية برمتها هو الحق، وليس الاحتياج، حتى إن المدافعين المسيحيين طالما أكدوا أن ما تقوله المسيحية مؤسس على صخرة الحق. فالإيمان المسيحي يُعبر عن الأشياء على حقيقتها من النواحي التاريخية، والعلاقاتية، والوجودية، والفكرية.

وهذه النظرة الشاملة للواقع تتضمن فكرة مهمة هي أن البشر مخلوقون على «صورة الله»، ومن ثم، فهم يتميزون بميل فطري للعثور على طريق العودة إلى الله، سواءً أردنا أم لم نُرد.

وثانياً، إن كانت ساقك مكسورة، أنت تحتاج عكازًا، وإن كنت مريضًا، أنت تحتاج لدواء. فهذه هي طبيعة الأمور. والنظرة المسيحية للطبيعة البشرية تقول بأننا مصابون بخلل، وجرح، وإعاقة بسبب الخطية. وهذه هي طبيعة الحال. وقد شبه القديس أغسطينوس الكنيسة بمستشفى مليء بالجرحى والمرضى الذين يتماثلون للشفاء. ولكن يبدو أن «فرويد» يقول إنه هو وغيره من الملحدين ينتمون لنوعية من البشر أفضل من الآخرين، مما يجعلهم لا يحتاجون لأي مساعدة أو معونة.

ولكن هذا الكلام ليس سوى هراء منظم أبعد ما يكون عن الواقع. فهو ينكر الجانب المظلم في النفس البشرية الذي تشهد عنه الثقافة المعاصرة على نحو يثير الإزعاج. فالناس أصبحوا يدمنون الجنس، والسلطة، والمخدرات، وهي ليست إلا ثلاثة أمثلة فقط على الأشياء التي تجعلنا نضحي باستقلاليتنا ونصبح عبيدًا لها.

وسواءً أراد “فرويد” أم لم يُرد، فالطبيعة البشرية مصابة بعطب بشع. وهي تحتاج لمن يعصب جراحها، ويغسل قروحها، ويشفي أمراضها، ويطهر ذنبها. إن صورة العكاز تلخص حاجتنا للتدخل الخارجي التي تقوم على إدراك احتياجنا للمساعدة، حتى وإن كنا أكبر من أن نطلب المساعدة. لقد سطَّر «فرويد» أكثر كتاباته سذاجة عن الطبيعة البشرية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918 وقبل بزوغ فجر النازبة في ألمانيا والنمسا في الثلاثينات من القرن العشرين.

ولذلك، يرى الكثيرون أن صعود هتلر ربما كان سيدفع «فرويد» لمراجعة بعض أفكاره المثالية عن الطبيعة البشرية. ولكن “فرويد” توفي قبل أن يسمع أحد بمعسكر أوشفتز وغيره من معتقلات الأعدام النازية بفترة طويلة.

ومع ذلك يبدو أن “فرويد” نفسه كان واعيًا بمشكلة في هذا الصدد. فمنذ عام 1913 عبر عن قلقه إزاء أن المحللين النفسيين أنفسهم لا «يتمتعون بشخصيات أفضل ولا أرقى ولا أقوى.»[9] إن هذه العبارة تكشف عن اعتراف صامت بأن علاج “فرويد” لمشكلة البشرية يبدو أنه لم ينجح حتى مع أفضل المؤهلين لتقديمه، مما يدفعنا لأن نقول له ولهؤلاء المحللين: «أيها الطبيب اشفِ نفسك.»

  • الاستخدام العملي: تطبيق دراستي الحالة:

درسنا في القسمين السابقين من هذا الفصل بعض الموضوعات المتصلة بمسألتين تقليديتين في الدفاعيات المسيحية وحددنا بعض عناصر الإجابات لاثنتين من الشكوك والتخوفات المتعلقة بالإيمان. إلا أن الدفاعيات فن كما هي علم. فالأمر لا يتوقف عند معرفة الحجج، بل يمتد إلى استخدامها. وأضرب هنا مثالاً لطبيب لديه معرفة واسعة بالنظرية الطبية وما تشتمل عليه من رصد الخلل الذي يصيب الجسم البشري وكيفية علاجه. إلا أن هذا العلم الطبي يبقى استخدامه محدودًا إلى أن يتمكن الطبيب من أن يجعل مريضه يخبره بمشكلته الحقيقية.

فالكثير من زملائي العاملين في المجال الطبي يشكون غالبًا ما يكونون مترددين في أن يخبروهم بالمشكلة الحقيقية، ربما لأنهم يشعرون بالحرج من الأعراض التي يعانون منها، أو لأنهم يخشون من معرفة المرض الذي تشير إليه هذه الأعراض.

وكل طبيب ذي خبرة يعرف أهمية إتقان فن الطب، أي الإصغاء الجيد المنتبه وكسب ثقة المرضى وتمكنهم من الكشف عن متاعبهم، فالطبيب مسئول عن اكتشاف المشكلة الحقيقية. وهو فن يجب تعلمه باتخاذ الطريق الصعب؛ طريق الخبرة.

والدفاعيات هكذا، فمعرفة الحجج والأفكار والمنهجيات الدفاعية ليست سوى جزء من مهمة المدافع الكفء. وأّفضل المدافعين هم مَن يزاوجون بين المعرفة الواسعة بعلم الدفاعيات والتقدير العميق لفن الدفاعيات. وهنا مكمن الصعوبة، لأن الأفكار يمكن تَعَلُّمها من الكتب والمحاضرات، ولكن الفن لا يمكن أن نتعلمه إلا بالممارسة، وبالمحاولة والخطأ، أي باختصار بعمل الدفاعيات.

فالدفاعيات مثل صنع الكعك، أو رصّ الطوب، أو عزف البيانو، وكلها أشياء تتعلمها بممارستها. ورغم أن كلاً منها يشتمل على عنصر نظري، فالنظرية تؤدي إلى الممارسة وتُكسبها الأساس المعرفي المطلوب.

ويستحيل على شخص مثلي، بل إنه تصرف غير مسئول أن يقدم إجابات نموذجية للأسئلة والاعتراضات. فهذا الفعل لا يختزل الدفاعيات إلى حفظ عدد من الإجابات حفظًا آليًا فحسب، بل يكشف كذلك نوعًا من العجز عن إدراك أن كل سؤال يختلف عن غيره من الأسئلة وأنه يجب أخذه مأخذ الجد والتعامل معه بلغته. ولذلك، علينا أن نصغي جيدًا قبل أن نجيب. خذ مثلاً الأسئلة والشكوك التالية التي تتصل جميعها بقضية الألم اتصالاً مباشرًا، ولكنها تصدر عن خلفيات مختلفة، مما يحتم تقديم إجابات مختلفة ومتمايزة.

  1. «لست أفهم كيف يمكن لإله صالح أن يسمح بالألم، إنها مسألة غير منطقية. هل يمكن أن تشرح أسباب ذلك؟»
  2. «توفيت والدتي الأسبوع الماضي بعد صراع طويل مع المرض. وقد صليت كثيرًا في مرضها طالبًا لها الشفاء. كيف أؤمن بإله محب في موقف كهذا؟ هل يمكن أن تساعدني؟»
  3. «عندما كنت صغير السن قرأت كتاب “سي. إس. لويس” “مشكلة الألم” The Problem of Pain، وقد استفدت منه كثيرًا. إلا أن زوجتي أصيبت بمرض خطير مؤخرًا، مما أصابني بحالة من الانهيار، وبدت لي إجابة “لويس” على براعتها تافهة سطحية، فهي إجابة منظمة جدًا ولكنها لم تساعدني عندما ألّمَّت هذه الكارثة بحياتي. كيف أخرج من هذه الحالة؟»
  4. «الكتاب المقدس يقول إن الله يحبنا. ولكني أحيانًا لاأستطيع أن أرى هذه المحبة. فلماذا كل هذا الألم؟ لماذا الزلازل؟ مؤكد أن الإله المحب كان سيحمينا من هذه الأشياء، أليس كذلك؟»

ادرس كلاً من هذه الأسئلة بدقة. لاحظ أولاً أنه من الصعب تحديد ما إذا كان السائل مسيحيًا، أم لا أدريْا أم ملحدًا، وهي من المعضلات الشائعة في الدفاعيات، فالسؤال لا يكشف بالضرورة ما إذا كان صاحبه مؤمنًا يعاني من شكوك وتساؤلات أم ملحدْا يهدف إلى منازلتك والقضاء عليك. لذلك، من أن تحدد طريقة إجابتك.

ثانيًا، لاحظ أن الإجابة الجاهزة لن تتمكن من التعامل مع القضايا المختلفة التي تثيرها هذه الأسئلة. ولكن يجب التعامل مع كلﱟ منها بلغته الخاصة. وعليك أن تكتشف ما يكمن وراء كل سؤال. ولنأخذ السؤال الثالث كمثال، وهو يطرح قضية في غاية الأهمية عن المنهج الذي يعتمده “سي. إس. لويس” في كتاب “مشكلة الألم” الذي يتحدث عن الألم باعتباره مكبر الصوت الذي يستخدمه الله لإيقاظ العالم الأصم.[10]

ورغم أن فكرة “لويس” جيدة، فالكثيرون يرون أن منهجه ساذج نوعًا ما ولا يصمد أمام واقع الألم القاسي العنيف بما فيه طبعًا “لويس” نفسه بعد وفاة زوجته بمرض السرطان. فكتابه الشهير “حزن مُعاش” A Grief Observed يمثل نقدًا قويًا لمنهجه السابق.

إلا أن “لويس” لم يفقد إيمانه، بل إن كان لهذه الخبرة أي تأثير على إيمانه، فقد أنضجته ودفعته لنمو أعظم خرج من رحم هذه المحنة. وبالتالي، يمكنك، عند الإجابة عن هذا السؤال، أن تتحدث عن موقف «لويس» من الألم وكيف تغير وأصبح أكثر واقعية وقربًا من خبرات الآخرين، وكيف أدمجه «لويس» في إيمانه.

إن فن الدفاعيات يبلغ أبعادًا لا يبلغها علم الدفاعيات. فهو يساعدنا على بناء جسور للتواصل مع الناس. لذلك، عندما نتعامل مع أي شك حول الإيمان، مثل الاثنين اللذين طرحناهما آنفًا، لابد أن نتجنب تقديم إجابة جاهزة ونحاول تفصيل إجابتنا بما يتناسب مع السؤال المحدد المطروح علينا.

  1. حاول أن تفهم لماذا يمثل هذا السؤال مشكلة لصاحبه. هل لأنه لم يفهم ما تُعلم به المسيحية في هذا الموضوع؟ هل لأن تاريخه يجعل من هذه القضية همًا كبيرًا عنده، فمثلاً قضية الألم قد تحمل أهمية خاصة لشخص توفي أعز أصدقائه منذ فترة وجيزة. ثم حاول أن تكتشف ما إذا كان السؤال المطروح هو السؤال الحقيقي أم أن هناك شيئاً آخر يختفي تحت السطح.
  2. والآن تعامل مع السؤال، وحاول أن تختار من دراستَي الحالة السابقتين ما يفيدك في الإجابة.
  3. ضع هذه النقاط في قالب يناسب المستمع. حدد الأمثلة التوضيحية التي يمكنك استخدامها، والكُتاب الذين يمكنك الاقتباس منهم، والخبرات الحياتية التي تساعدك في تشكيل إجابتك.
  4. والآن قم بصياغة ما ستقول.

الخطوة الرابعة هي أصعب الخطوات، لأننا في بداية عملنا بالدفاعيات نميل إلى تقديم إجابات طويلة. فكيف يمكن أن نضع كل ما لدينا من أفكار في إجابة واحدة؟ من الوسائل التي أفادتني كثيرًا في بداية عهدي بالدفاعيات أني كنت أكتب بالتفصيل إجابات الأسئلة المهمة من وجهة نظري.

ثم أقرأها بصوت مسموع وأحاول أن أُعَدﱢلَها حتى تبدو في شكل أفضل، مع الأخذ في الاعتبار أن اللغة المكتوبة تختلف تمامًا عن اللغة المنطوقة. وإن استغرقت الإجابة تسع دقائق مثلاً، كنت أحاول تخفيضها إلى أربع دقائق بهدف الاحتفاظ بأفضل العناصر، وتقديمها بالشكل الأكثر جاذبية وملاءمة. قم أخفضها إلى دقيقتين.

لماذا؟ لأن هذا كان يجبرني أن أركز على المهم الذي يجب أن يقال، وليس على ماأحب أن أقول. ولكن السبب الأهم أن الناس يملون الإجابات الطويلة ويفضلون الردود الموجزة الجذابة على المحاضرات المطولة. وعندما ترى عيون المستمعين تائهة تنم عن تسرب الملل إليهم، اعلم أنك في مشكلة.

إلا أن مشكلة الكثيرين لا تكمن في طول الوقت الذي تستغرقه الإجابة الجيدة، بل في كيفية تكوين إجابة جيدة أصلاً. فعندما أجيب عن أسئلة الحضور عقب المحاضرات التي ألقيها لابد أن أفكر بسرعة وأقدم إجابة سريعة، ولكن هذه المهارة نتاج خبرة عمرها خمسة وعشرون عامًا بذلت أثناءها جهدًا مضنيًا في معظم الأسئلة حتى توصلت إلى إجابات مفيدة. ولكن التحدي الحقيقي أن أقدم إجابة مفيدة للسؤال وأتناوله بشكل لطيف مهذب. وهو فن تعلمته بالممارسة.

وسوف ندرس فيما يلي سؤالين نابعين من دوافع صادقة والإجابة التي قدمتها لكلٌّ منهما. وهي إجابات قصيرة نسبيًا، حوالي دقيقتين أو ثلاث دقائق. ثم سأشرح بعدئذٍ سبب اختياري للطريقة التي أجبت بها. وأقترح أن تقرأ كل سؤال وتفكر في إجابة، ثم تقرأ إجابتي وتحاول أن تحللها.

ويمكنك أن تجيب عن بعض الأسئلة مثل: في رأيك لماذا اخترتُ تلك الأجابة؟ لماذا انتقيتُ تلك الألوان بالتحديد من جملة ألوان الدفاعيات؟ ثم انتقل بعد ذلك لقراءة تعليقاتي على السؤال والإجابة. والسؤالان كانا من الأسئلة التي طرحها الجمهور بعد كلمة ألقيتها في أكسفورد سنة 2007 ردًا على كتاب “ريتشارد دوكينز” “وهم الإله” (2006).

السؤال الأول: «إني أواجه مشكلة حقيقية في مسألة الله والألم. إنه أمر غير مفهوم. فأنا لا أظن أنه يهتم بنا حقاً. لماذا لا يُبعد عنا الألم؟»

السؤال الثاني: «ذكرتَ أن الله ليس وهماً. لكن أي شخص له معرفة بسيطة بعلم النفس سيقول لك إننا نخترع أشياء تناسب احتياجاتنا. فنحن نؤلف أفكاراً، والله ليس استثناء من هذه القاعدة. فلماذا لا نعترف بذلك ونواجه الحقيقة؟»

 

لمزيد من الاطلاع:

Beckwith, Francis, William Lane Craig, and James Porter Moreland, To Everyone an Answer: A Case for the Christian Worldview. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2004.

Craig, William Lane, and Chad V. Meister, God Is Great, God Is Good: Why Believing in God Is Reasonable and Responsible. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2009.

Guinness, Os, Unspeakable: Facing Up to Evil in an Age of Genocide and Terror. San Francisco: HarperOne, 2005.

Kreeft, Peter, and Ronald K. Tacelli. Handbook of Catholic Apologetics: Reasoned Answers to Questions of Faith. San Francisco: Ignatius Press, 2009.

Lewis, C. S. A Grief Observed. London: HarperCollins, 1994.

______. The Problem of Pain. London: Fount, 1977.

Murray, Michael J., ed. Reason for the Hope Within. Grand Rapids: Eerdmans, 1999.

Nicholi, Armand. The Question of God: C. S. Lewis and Sigmund Freud Debate God, Love, Sex, and the Meaning of Life. New York: Free Press, 2002.

Sirc, James R. Why Good Arguments Often Fail: Making a More Persuasive Case for Christ. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2006.

Strobel, Lee. The Case for Faith. Grand Rapids: Zoodervan. 2000.

Zacharias, Ravi, and Norman Geisler, eds. Who Made God? And Answers to Over 100 Other Tough Questions of Faith. Grand Rapids: Zoodervan. 2003.

Beckwith, Francis, William Lane Craig, and James Porter Moreland, To Everyone an Answer: A Case for the Christian Worldview. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2004.

Craig, William Lane, and Chad V. Meister, God Is Great, God Is Good: Why Believing in God Is Reasonable and Responsible. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2009.

Guinness, Os, Unspeakable: Facing Up to Evil in an Age of Genocide and Terror. San Francisco: HarperOne, 2005.

Kreeft, Peter, and Ronald K. Tacelli. Handbook of Catholic Apologetics: Reasoned Answers to Questions of Faith. San Francisco: Ignatius Press, 2009.

Lewis, C. S. A Grief Observed. London: HarperCollins, 1994.

______. The Problem of Pain. London: Fount, 1977.

Murray, Michael J., ed. Reason for the Hope Within. Grand Rapids: Eerdmans, 1999.

Nicholi, Armand. The Question of God: C. S. Lewis and Sigmund Freud Debate God, Love, Sex, and the Meaning of Life. New York: Free Press, 2002.

Sirc, James R. Why Good Arguments Often Fail: Making a More Persuasive Case for Christ. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2006.

Strobel, Lee. The Case for Faith. Grand Rapids: Zoodervan. 2000.

Zacharias, Ravi, and Norman Geisler, eds. Who Made God? And Answers to Over 100 Other Tough Questions of Faith. Grand Rapids: Zoodervan. 2003.

[1] For apologetic motifs in the New Testament, see Avery Dulles, A History of Apologetics (San Francisco: Ignatius Press, 2005), 1-25.

[2] One of the best is the comprehensive account by Peter Kreeft and Ronald K. Tacelli, Handbook of Catholic Apologetics: Reasoned Answers to Questions of Faith (San Francisco: Ignatius Press, 2009). Every apologist can learn much from this work.

[3] My discussion of the different approaches of Martin Luther and C. S. Lewis to suffering is relevant here: Alister McGrath, “The Cross, Suffering and C. S. Lewis,” The Passionate Intellect: Christian Faith and the Discipleship of the Mind (Downers Grove, IL: InterVarsity, 2010), 57-69.

[4] Dorothy L. Sayers, Creed or Chaos? (New York, Harcourt Brace, 1949), 4.

[5] Sigmund Freud, The Future of an Illusion (New York: Norton, 1961), 42.

[6] Sigmund Freud, Civilization and its Discontents (New York: Norton, 1962), 21. The official English translation of the title of this work is not quite correct; it is better translated as “Anxiety in Culture” (Das Unbehagen in der Kultur).

[7] See Armand Nicholi, The Question of God: C. S. Lewis and Sigmund Freud Debate God, Love, Sex, and the Meaning of Life (New York: Free Press, 2002).

[8] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 265.

[9] Freud, Future of an Illusion, 35.

[10] C. S. Lewis, The Problem of Pain (London: HarperCollins, 2002), 91.

أسئلة عن الإيمان – تصميم منهجيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الله وهم أم حقيقة؟ هل إخترعنا وجود الله لإحتياجنا له؟

الله وهم أم حقيقة؟ هل إخترعنا وجود الله لإحتياجنا له؟

الله وهم أم حقيقة؟ هل إخترعنا وجود الله لإحتياجنا له؟

«ذكرتَ أن الله ليس وهماً. لكن أي شخص له معرفة بسيطة بعلم النفس سيقول لك إننا نخترع أشياء تناسب احتياجاتنا. فنحن نؤلف أفكاراً، والله ليس استثناء من هذه القاعدة. فلماذا لا نعترف بذلك ونواجه الحقيقة؟»

إجابتي:

«سؤالك مهم جداً. وهو يفتح الطريق للعديد من القضايا المهمة. ولكن اسمح لي أن أركز على بضع أفكار محاولاً الأجابة على النقطة الرئيسية التي أثرتَها في سؤالك. أظن أني لستُ متفقاً على الملخص الذي عرضتَه لعلم النفس الحديث، ولكني أتفق معك أننا غالباً ما نجد في أنفسنا الرغبة لاختراع أفكار مريحة.

فعندما كنتُ أنا نفسي ملحداً منذ سنوات كنت أرى أن الله مجرد فكرة مريحة اخترعها بعض البؤساء الذين لم يتمكنوا من مواجهة قسوة الحياة. والحقيقة أني كنت أستمتع بشرح القسوة الميتافيزيقية التي تميزالإلحاد، وكانت حجتي أن هذه القسوة تمثل نظرة جافة للحياة لن تستهوي أحداً لاختراعها.

ولكني سأقول نقطتين رداً على هذا السؤال الممتاز.

أولاً، لي زملاء ملحدون لأنهم تحديداً لا يريدون لله أن يكون موجوداً. فهم يريدون أن يبنوا عوالمهم الخاصة، ويقررون الصواب والخطأ بأنفسهم، ولكن الله سيعرقل طريقهم ويُعقد الأمور. فهم يعرفون الأشياء التي يريدونها أن تكون صحيحة. ومن ثم، يعلنون أنها صحيحة. لذلك، أعتقد أن هذه الحجة سلاح ذو حدين. فإن كانت صحيحة، وهي مسألة قابلة للنقاش بالمناسبة، فهي تفسر سبب عدم إيمان الملحدين بالله وسبب إيمان المؤمنين به.

ثانياً، علينا أن نقيس الأشياء وفقاً للأدلة المتاحة. فأنا لم أصبح مسيحياً لأني شعرت باحتياج لله. لقد كنت كمن يعتقد أن الماء الوحيد المتوافر للشرح هو ماء بركة راكدة، فاخترع الشمبانيا. وما قادني للإيمان هو التأمل في العالم، وليس عجزاً وجودياً فيَّ، لأني كنت سعيداً جداً بقبول هذه النظرة الجافة للحياة، مادامت صحيحة.

لذلك، ما جعلني أؤمن بالله أني رأيت أن هذا الإيمان صحيح. أعرف أن قبول الإيمان على هذا النحو هو فعل عقلاني جداً. ولكني اكتشفت فيما بعد أن المسيحية لها عمق تخيلي ووجداني، إضافةً إلى قدرتها على خلق منطق للأشياء. كل هذا اكتشفته فيما بعد. ولكن هذا موضوع آخر على أي حال.

«إذَن أنا متفق معك بكل تأكيد أنه علينا أن نواجه الواقع ونتحقق من صحة الأمور. فالواضح أن كلينا يفكر بشكل نقدي. ولكني أعتقد أن الفارق الكبير بيننا هو في النقطة التي يظن كلٌّمنا أن هذا التفكير النقدي سيوصله إليها.»

أريد أن أوضح أن هذه الردود ليست إجابات نموذجية قابلة للتطبيق في كل المواقف. ولكنها إجابات حقيقية تمت صياغتها في لحظتها فكانت مناسبة لتلك الأسئلة بالذات بالشكل الذي طُرِحَت به. ولكن لماذا اخترت أن أجيب عنها بتلك الطريقة؟

يتضح من مناقشتنا لهذين السؤالين أنه كان يمكن أن أشير إلى الكثير من النقاط. فلماذا اقتصرت على انتقاء تلك الألون بالتحديد؟ أحد الأسباب الواضحة أن الإجابات يجب أن تكون قصيرة نسبياً، وهو ما يحد من عدد النقاط التي يمكنك طرحها. ولذلك، لم أتمكن من ذكر كل النقاط التي أشرت إليها سابقاً في هذا الفصل.

ولننظر إلى الإجابة الأولى. شعرت وأنا أستمع للشخص الذي سأل هذا السؤال أن المشكلة وجودية وليست فكرية. فالكلمات توحي بعنصر فكري في السؤال، ولكن النبرة كانت توحي بمشكلة أعمق. فشعرت أنه لم يكن قلقاً لئلا يكون الإيمان بالله غير منطقي، ولكنه قلق لئلا يكون الكون بلا معنى، وحياته كذلك.

ولذلك، ركزت في إجابتي على تأكيد وجود الله في أوقات الظلام والشك والوحدة، قبل أنأركز على الدور المحوري الذي تلعبه عقيدة التجسد في توكيد التزام الله بنا. ثم ختمت بالتشديد على نقطة واحدة: «نحن غير متروكين.» لأن هذا ما شعرت أن الشخص يريد أن يسمعه.

لاحظ أني لمأدافع عن الله ضد الألم. ولكني شعرت أن التصرف الملائم هو أن أظهر لهذا الشخص كيفية مواجهة الإيمان المسيحي للمعاناة وأن هذا الإيمان لديه أمور مهمة يخبرنا بها. فقد اكتشفت في عملي بالدفاعيات أن شرحما تقوله المسيحية في أي موضوع يُعتبر واحداً من أكثر دفاعاتها فاعلية.

ماذا عن الإجابة الثانية؟ بدا لي وأنا أستمع للسائل أنه يعول كثيراً على قيمة العقل والأدلة، وأنه يميل للاعتقاد بأن الإيمان بالله لا يحظى بالتأييد الكافي منأي منهما. وكان سؤاله ينطوي على افتراض ضمني يقول بأن إيماني بالله وهم. فاخترت أن أبدأ بتوضيح أننا غالباً ما نتآمر مع رغباتنا ونخلق واقعاً يتفق مع ذوقنا. وكما أشرت، كان لابد للسائل أن يفكر في احتمالية أن غير المؤمنين بالله يحولون رغباتهم إلى فلسفة حياتية.

ثم رويت قصة، هي قصتي الشخصية، وإن كنت لم أقص إلا جزءاً منها وبإيجاز. وكانت النقطة الأساسية التي أردت عرضها أن قبولي للإيمان كان يمثل تحولاً إلى العقل والأدلة، وليس تحولاً عنهما، على الأقل من وجهة نظري الشخصية. وأردت أيضاً أن أزرع بذرة، بالإشارة إلى أن الإلحاد نظرة جافة للحياة، وأنه ليس من الحكمة أن نفترض أن القسوة والجفاف مؤشران على صحة منظور معين، لأانهما ليسا كذلك.

هذه هي إجابات “مباشرة علىالهواء” قدمتها في لحظتها رداً على أسئلة صادقة من الحضور. وأرجو لأن تكون قد أفادتك. ولكني متأكد أنه بإمكانك أن تطورها وتبني عليها. وهذا ما أود أن أتركه لك.

الله وهم أم حقيقة؟ هل إخترعنا وجود الله لإحتياجنا له؟

الله والألم – لماذا لا يُبعد الله عنّا الألم؟

الله والألم – لماذا لا يُبعد الله عنّا الألم؟

«إني أواجه مشكلة حقيقية في مسألة الله والألم. إنه أمر غير مفهوم. فأنا لا أظن أنه يهتم بنا حقاً. لماذا لا يُبعد عنا الألم؟»

الله والألم – لماذا لا يُبعد الله عنّا الألم؟

 

«إني أواجه مشكلة حقيقية في مسألة الله والألم. إنه أمر غير مفهوم. فأنا لا أظن أنه يهتم بنا حقاً. لماذا لا يُبعد عنا الألم؟»

أجابتي:

«أشكرك على ذلك السؤال، خاصةً أني واثق أن آخرين من الحضور تدور في أذهانهم أفكار أو شكوك مشابهة. وسأحاول تقديم بعض الأفكار التي أرجو أن تكون مفيدة. أولاً، كلنا نواجه مشكلة في مسألة الألم، لأنها تبدو لنا خاطئة وشاذة، وفي أعماقنا شعور دفين بأن الصورة لا يجب أن تكون على هذا النحو.

ولكن الرجاء المسيحي يتضمن أننا يوماً ما سنصل إلى مكان بلا ألم ولا معاناة، وسوف تختفي كل هذه الأمور. وهذا المكان هو الموضع الذي ننتمي إله بالفعل. فهذا العالم مثل وادي أحزان مظلم، إلا أن المسيحي يعلم أن أورشليم الجديدة تقع في نهايته، وهي مكان يشع بالسلام.

وذلك الرجاء هو ما يساعدنا على مواصلة السير فيما يطلِق عليه الكتاب المقدس «وادي ظل الموت».

«وأود أن أشير إلى نقطة ثانية: الله يهتم بنا فعلياً، فهو معنا طوال الرحلة. وبصفتي مسيحياً، أؤمن من كل قلبي أننا نرى الله في يسوع المسيح. فالله دخل إلى هذا العالم، عالم الألم والحزن والموت، وهذه هي فكرة التجسد. وهو ما يعني أن الله اختار أن يصل إلينا في مكاننا.

لقد اختار أن يشاركنا آلامنا وأحزاننا، ولم يرسل لنا أحد مساعديه ليخبرنا بأنه يهتم بنا، ولكنه قطع المسافة بنفسه ليخبرنا بذلك شخصياً. وقد تألم يسوع على الصليب حتى نصل يوماً ما إلى مكان لا يُعرف فيه أي ألم. لدي الكثير أقوله في هذا الأمر، ولكن النقطة المهمة أن الله يقودنا من عمق الألم إلى المجد، وهو معنا طوال الطريق. نحن غير متروكين.»

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

الله والألم – لماذا لا يُبعد الله عنّا الألم؟

علامات على الطريق – أساليب للعمل بالدفاعيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

علامات على الطريق – أساليب للعمل بالدفاعيات

علامات على الطريق – أساليب للعمل بالدفاعيات – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

علامات على الطريق – أساليب للعمل بالدفاعيات

كتبت الشاعرة الأمريكية “إدنا سينت ڤينسنت ميلاي” Edna St. Vincent Millay (1892-1950) عن “وابل من الحقائق” يتساقط علينا من السماء كما تتساقط النيازك. وهذه الحقائق تشبه الخيوط التي لا بد أن تُنسج معًا لتُكون لوحة، وهي كالدلائل التي لا بد أن تُجمع بعضها مع بعض لتكشف لنا الصورة الكبرى. وكما أشارت “إدنا ميلاي”، إننا نجد أنفسنا مغمورين تحت “وابل من الحقائق”، ولكننا نعجز عن إيجاد معنى له لأننا “لا نجد نولاً لنصنع منه نسيجًا.” أي أننا نحتاج وسيلة تساعدنا على إيجاد معنى لهذا الوابل من المعلومات. والمسيحية تزودنا بوسيلة تضفي حالة من النظام والمعقولية على ملاحظاتنا الكثيرة والمعقدة في العالم الطبيعي، والتاريخ البشري، والخبرة الشخصية. إنها تتيح لنا الفرصة لنضعها معًا في كل متكامل ونراها بوصفها جوانب متشابكة تشكل صورة كلية كبرى.

إننا نتمنى أن نرى الصورة الكبرى التي تخلق معنى لكل ما نراه. بل الأهم من ذلك أننا نريد أن نعرف مكاننا في هذا المخطط الأكبر. ولذلك، تتحدث الفيلسوفة والكاتبة البريطانية “أيريس مرِدوك” Iris Murdoch  (1919-1999) عن “ميل الفكر البشري لصنع كليات تكسبه حالة من الارتياح.” وتقصد بذلك قدرة الصورة الكبرى أو “القصة الكبرى” على التأليف بين أجزاء رؤيتنا للواقع في كل متكامل. والإيمان المسيحي يُعنى بإدراك الصورة الكبرى، ويكشف لنا رؤية للواقع أكبر وأسمى من تلك التي يكشفها العقل البشري.

الدلائل والمؤشرات والبراهين:

قلنا في الفصل السابق إن الإيمان المسيحي منطقي في الأساس، إلا أنه لا يمكن إثباته بالمنطق، وهو ما ينطبق على كل الأشياء الجوهرية. ولكن الأجيال السابقة التي استسلمت دون داعٍ لنوع من العقلانية المتطرفة، زعمت أننا لا يجب أن نؤمن إلا بما له برهان مطلق. ولا يتبنى هذه النظرة حاليًا إلا فئة قليلة جدًا. في حين ترى الأغلبية أن هذه العقلانية الشديدة تحصرنا في مساحة ضيقة من المعتقدات قد تكون واضحة منطقيًا ولكنها قاصرة وجوديًا، لأنها تعجز عن تقديم أساس لحياة ذات معنى. فالعقل أجنحته قصيرة كما قال الشاعر الإيطالي العظيم دانتي Dante في القرن الرابع عشر.

إلا أن هذا لا يعني أن المعتقدات التي لا يمكن إثباتها بشكل قاطع غير منطقية. ولكنه يعني أن الأدلة المتاحة قاصرة عن إثبات صحة نظريات الحياة أو “الفلسفات الحياتية” “”worldviews، بما فيها الإلحاد. وفي النهاية يعتبر اختيارنا لإحدى هذه الفلسفات فعلاً إيمانيًا. وعلينا أن ندرك أن كل الفلسفات الحياتية تقع خارج نطاق البرهان المطلق. فنحن نؤمن أن الفلسفة الحياتية التي نتبناها هي الأفضل في خلق معنى للأشياء ولكننا ندرك أن هذه المسألة بوجه عام تستعصي على البرهان القاطع في هذا العالم.

والمسيحي لا بد أن يرى هذا المشهد على خلفية الإيمان بالسماء “لأَنَّنَا بِالإِيمَانِ نَسْلُكُ لاَ بِالْعِيَانِ.” (2 كو 5: 7). فنحن الآن نجتاز في أرض الظلال، ولكن يومًا ما ستشرق الشمس وسنرى الأشياء كما هي. “فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا. قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ” (رو 13: 11، 12). تمثل هاتان الآيتان دعوة للنظر إلى الحياة المسيحية باعتبارها مسيرة في الظلام. ولكن الفجر أقرب مما كان حين بدأنا المسيرة. وإلى أن يبزغ الفجر علينا أن نعبر أراضي مجهولة واثقين من سلامة الوصول. وبالرغم من أنه لا يمكننا أن نرى الطريق الممتد أمامنا بكل وضوح، فنحن نثق في الرب الذي يقودنا حتى نصل إلى أرض الوطن، كما يقول بولس في هذه الآية الشهيرة: “فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ.” (1 كو 13: 12).

ولكن هذا لا يعني أن نقبل الأشياء بثقة عمياء، فالعالم مرصع بالدلائل المختصة بالطبيعة البشرية وبالهوية الإنسانية. والواقع مزين بعلامات تشير إلى حقيقة الله العظمى. وعلينا أن نصل النقاط ببعضها فنرى الصورة الكاملة. علينا أن ننسج الخيوط معًا ونرى النسق الذي تكشف عنه والمتاح للمدافع ليستخدمه في مساعدة الآخرين ليدركوا قدرة المسيحية على إعطاء معنى لما نفكر فيه ونراه ونختبره، وتشجيعهم على اكتشاف ما للمسيحية من قدرة أعمق على تغيير حياة البشر.

ولكن ليس العالم الخارجي فقط ما يشير إلى الله، بل خبراتنا الداخلية أيضًا تلعب دورًا في ذلك. والدفاعيات المسيحية قادرة على التواصل مع فاعليات الذاتية البشرية الداخلية بقوة ومصداقية، أي أنها قادرة على التواصل مع ما يكمن في أعماق النفس البشرية من مشاعر وعواطف شغلت الشعراء الرومانسيين وغيرهم من الكُتاب أمثال “بليز پاسكال” وكذلك ” سي. إس. لويس.” فماذا يقول الإيمان المسيحي عن هذه الكوامن؟ وكيف نرى خبرتنا الداخلية بعدسته؟ لقد بحث التقليد المسيحي في هذه المسألة من جذورها. فالقديس أغسطينوس في كتاب “الاعترافات” Confessions يروي كيف قادته قراءته للكُتاب “الأفلاطونيين” لاستكشاف أعماقه حيث قابل “نورًا يفوق عقلي ولا يعتريه تغيير.[1]

وفي هذا الفصل سنتناول بعض هذه المؤشرات أو العلامات ونبحث كيفية استخدامها في الدفاعيات. لقد تحدث “سي. إس. لويس” عن الصواب والخطأ باعتبارهما “مفاتيح لحل لغز معنى الكون.” ومفتاح الحل يوحي بالحل، ولكنه لا يُثبت أي شيء. وتكمن أهمية هذه المفاتيح في تراكميتها التي تشير إلى نسق أعمق للمعنى يعطي كلاً من هذه المفاتيح أو الدلائل معناها الحقيقي. فدليل واحد بمفرده لا يمكنه إلا أن يقدم إيحاء معينًا، فهو ليس سوى ريشة في مهب الريح. إلا أن مجموعة من الدلائل المترابطة يمكنها أن تكشف النسق الشامل. وكل دليل يبني على الدلائل الأخرى ويعطيها قوة جمعية تفوق أهميتها الفردية.

فكيف نصل لأفضل فهم لهذه المفاتيح؟ وما الذي تثبته؟ في المحاكمات الجنائية يُطلَب من هيئة المحلفين أن تختار تفسيرًا للدلائل من شأنه أن يُكسبها أفضل معنى، سواءً أكانت مقدَّمة من النيابة أم من الدفاع. ولكنهم ليسوا مطالبين أن يجزموا بثبوت الاتهام أو البراءة لمجرد أنهم يعتقدون أنهم قادرون على الوصول إلى استنتاج قاطع “لا يرقى إليه أي شك معقول.” والدفاعيات تكاد تسير بالطريقة نفسها. فلا يمكن لأيّ شخص أن يثبت وجود الله كما لو كان يثبت أن “الكل أكبر من الجزء.” ولكن يمكنه أن ينتبه إلى كل الدلائل التي تشير إلى وجود الله وما لها من قوة تراكمية. فقد لا يمكن إثبات وجود الله بالمعنى العقلاني الجامد للكلمة. إلا أنه يمكن أن نجزم بكل صدق أن الإيمان بالله منطقي بشكل يسترعي الانتباه وأنه يعطى لما نراه في العالم وما نميزه في التاريخ وما نختبره في حياتنا معنى أعمق من ذلك الذي تعطيه البدائل الأخرى.

فما نوعية المفاتيح أو الدلائل التي نتحدث عنها؟ وكيف يساعد المدافع الناس على رؤيتها والتفكير في أهميتها وتمييز ما يكمن وراءها من نسق أعمق؟ سنستعرض في هذا الفصل ثمانية مفاتيح تسهم في حل لغز الحياة. وكلٌّ منها يمكن دراسته على حدة ويمكنه أن يشكل أساسًا لمناقشة او حجة دفاعية. وسنبدأ بطرح سؤال من أكثر الأسئلة إثارةً في العلوم الطبيعية: من أين أتى الكون؟

المفتاح الأول: الخلق (نشأة الكون):

يؤكد أحد الموضوعات الجوهرية في الإيمان المسيحي أن الله خلق كل شيء من العدم. وكل شيء مدين بأصله وهويته الجوهرية لفعل الله الخلقي. فالكون ليس موجودًا من الأزل ولكنه ظهر إلى الوجود في لحظة معينة. وقد تنوعت وجهات نظر الكُتاب المسيحيين في فهمهم لهذه العقيدة الأساسية. فالقديس أغسطينوس مثلاً يقول إن الله خلق الكون في لحظة ولكنه أسبغ عليه القدرة على التطور بعد الخلق. ويقول آخرون إن الله خلق العالم بالشكل الذي نراه عليه حاليًا. إلا أن الخيط الذي يجمع كل الكُتاب المسيحيين حول هذا الموضوع أن الله أتى بالكون إلى حيز الوجود.

وإن كان مُرَوِّجو الإلحاد الجديد دائمًا ما يعلنون أن ما شهده العلم من تقدم وتطور في القرن الماضي قضى على كل ما يؤيد الإيمان بالله، إلا أن الحقائق تؤكد غير ذلك. وذلك لأن العلاقة بين العلم والإيمان شهدت تغيرًا جذريًا في أواخر القرن العشرين. ففي العقود الأولى من القرن العشرين ساد الاعتقاد بأزلية الكون، وأصبح يُنظر إلى حديث الدين عن “الخلق” على أنه كلام أسطوري فارغ لا يتوافق مع المعرفة العلمية القاطعة.

وقد لعب هذا الاعتقاد دورًا مهمًا في المناظرة الكبرى التي جرت في لندن سنة 1948 بين اثنين من كبار الفلاسفة، وهما الملحد “برتراند راسل” Bertrand Russell (1872-1970) والمسيحي “فردريك سي. كوپلستون” (Frederick C. Coplestone (1907-1990. آمن “راسل” أن هذا الإجماع العلمي أكثر من كافٍ لينهي قضية الله برمتها للأبد. فالكون موجود وحسب وليس هناك أي سبب وجيه يدعونا للتفكير فيما أتى به للوجود. وقد فاز “راسل” بالمناظرة في هذه النقطة.

إلا أنه منذ سنة 1948 تغير كل شيء. ففي الستينات أصبح واضحًا أن الكون له بداية، وهي ما عُرف باسم الانفجار الكبير. إلا أن هذه الفكرة قوبلت بمقاومة عنيفة من بعض العلماء الملحدين آنذاك مثل “فرِد هوُيل” Fred Hoyle عالم الفيزياء الفلكية العظيم الذي شعر بالقلق وعدم الارتياح إزاء هذه الفكرة التي تبدو دينية. ولكنه لم يكن الوحيد ممن أصابهم هذا الشعور. ففي اجتماع عُقد في لنينجراد في ديسمبر 1948 شدد علماء الفلك السوفيت على ضرورة محاربة النظرية “المثالية التي تمثل رد فعل ضد فلسفاتهم” التي تقول بأن الكون له بداية. وقد زعم السوفيت أن دعم هذه النظرية سيقوي قضية “الإكليروس.“[2]

ومن حسن الحظ أن هذا التحيز ضد فكرة نشأة الكون انهزم بالأدلة المضادة. وقد جاء هذا الفهم الجديد لنشأة الكون في تمام الانسجام مع عقيدة الخَلق في المسيحية لأنه يؤكد أن الكون له بداية.

وإذا تكررت المناظرة بين “راسل” وخصمه ” كوپلستون” اليوم ستختلف نتيجتها تمامًا في هذه النقطة. بل إن هذه المناظرة أعيدت بالفعل سنة 1998 احتفالاً بذكراها الخمسين بين اثنين من أكبر الفلاسفة هما “وليم لين كريج” William Lane Craig ونظيره “أنتوني فلو” Anthony Flew الذي كان ملحدًا آنذاك. “كريج” الذي يعتبره الكثيرون الوريث الشرعي للفيلسوف ” كوپلستون” قدم الحجة التالية التي أشرنا إليها سابقًا (ص 85):

  1. المقدمة الكبرى: كل ما يظهر إلى الوجود له سبب.
  2. المقدمة الصغرى: العالم ظهر إلى الوجود.
  3. النتيجة: إذَن العالم له سبب.

وعلى غير العادة نلاحظ في هذه الحجة أن المقدمة الصغرى تعادل المقدمة الكبرى في أهميتها وقد تَفُوقها. وهذه المقدمة الصغرى التي استخدمها “كريج” المقبولة اليوم من كل العلماء تقريبًا كانت ستُرفَض منهم جميعًا سنة 1948. وقد واجه “فلو” صعوبة ضخمة أمام هذه النقطة ولم يتمكن من استخدام الاستراتيجيات التي استخدمها أسلافه من المدافعين الملحدين استخدامًا مناسبًا. ومنذ هذه المناظرة تخلى “فلو” عن الإلحاد. وبالرغم من أنه لم يعتمد النظرة المسيحية لله بكامل ثرائها، فمن المؤكد أنه قبل وفاته سنة 2010 قبِل وجود خالق يحفظ هذا الكون، وهو الله.

وقد أدى هذا التحول الجذري في إجماع العلماء إلى تغيير النبرة السائدة في المناقشات حول قضية الله. وهو ما يُذكرنا بأن العلم يغير رأيه في الأمور، ولاسيما الأمور الجوهرية. فعلم الكون في مطلع القرن الحادي والعشرين أكثر اتفاقًا مع الإيمان المسيحي من ذلك الذي ساد العالم منذ قرن من الزمان. ولكن الأهم من ذلك هو تزايد الإدراك بأن الكون ظهر إلى الوجود وأنه مضبوط بدقة fine-tuned تسمح بوجود الحياة فيه. فالثوابت الأساسية fundamental constants في الطبيعة لها قِيم يبدو أنه تم انتقاؤها على نحو يسمح بتكون الحياة. فهل هذا مجرد صدفة كونية؟ أم أنه نتيجة لاختيار الله أن يصمم الكون بهذه الطريقة؟

المفتاح الثاني: الضبط الدقيق (كون مصمم للحياة):

في السنوات الأخيرة ازداد الاهتمام بظاهرة “الضبط الدقيق” “fine-tuning” في الطبيعة.[3] وغالبًا ما يُستخدم مصطلح “الضبط الدقيق” للإشارة إلى فكرة علمية تقول بأن قيم بعض الثوابت الكونية الأساسية وسمات بعض الظروف الأولية للكون يبدو أنها لعبت دورًا حاسمًا في ظهور الكون بشكل معين يسمح بتكون حياة عاقلة. وقد أكدت الكثير من الدراسات العلمية الحديثة أهمية بعض الثوابت الكونية الأساسية التي لو حدث أي تغير طفيف في قيمتها لكانت له آثار ضخمة على ظهور الحياة البشرية.[4]

وهكذا يتضح أن الثوابت الأساسية في الطبيعة خضعت لعملية من الضبط الدقيق لتصل إلى قيم تصلح لظهور الحياة. فوجود حياة كربونية الأساس[5] على الأرض يتوقف على توازن دقيق للغاية في القوى الفيزيائية والكونية وعلى قيم ثابتة parameters خاصة. ولو حدث أدنى تغيير في أي من هذه الكميات لاختل التوازن وانتفت إمكانية ظهور الحياة على سطح الأرض. ويقول السير “مارتن ريز” Sir Martin Rees عالم الفلك ورئيس الجمعية الملكية البريطانية إن ظهور الحياة البشرية عقب الانفجار الكبير محكوم بستة أرقام كلٌّ منها محدد بمنتهى الدقة لدرجة أنه لو حدث أدنى تغيير في أي منها لأصبح من المستحيل وجود الكون والحياة البشرية بالشكل الذي نعرفه.[6]

وأود أن أشير هنا إلى ما قاله “روبرت چ. سپيتزر” Robert J. Spitzer مؤخرًا بشأن هذه المسألة. فهو يتخيل كما لو كانت كل القيم الثابتة مثل سرعة الضوء في الفراغ، وثابت الجاذبية gravitational constant، والتوصيل الكهرومغناطيسي، وكتل الجسيمات الأولية ممثَّلة جميعًا على هيئة مفاتيح ضبط على “لوحة تحكم كونية”.[7] وقد أشارت اكتشافات علم الكون الحديث إلى أنه لو تغير وضع هذه المفاتيح ولو قيد شعرة لما كنا موجودين هنا نتحدث عن هذه الأمور. فمثلاً لو تغيرت قدرة الجاذبية أو القوة الضعيفة weak force (اثنتان من قوى الطبيعة الأربع المعروفة) بمقدار جزء من 4010 لأدى تمدد الكون إلى انفجار هائل لا يسمح بوجود المجرات، أو لانهار الكون تمامًا. ولو ان أحد التآلفات بين ثوابت الجاذبية والكهرومغناطيسية ونسبة كتل الإلكترونات إلى البروتونات تَغَيَّر بحوالي جزء من 3910 لاستحال تكوُّن نجوم النسق الأساسي main sequence stars التي منها شمس مجموعتنا الشمسية. ولو لم يوجد رنين نووي nuclear resonance محدد لذرة الكربون على نفس المحور مع رنين البيريليوم ونواة هليوم متصادمة (لكن دون أن يكون على نفس المحور مع رنين مناظر في الأكسجين والهليوم[8]) يستحيل أن يوجد الكربون الذي هو أساس الحياة بشكلها الذي نعرفه. وأكثر ما يلفت الانتباه أن “روچر پنروز” Roger Penrose عالم الرياضيات البارز اكتشف حسابيًا ان إنتروبيا[9] الكون تُبين أنه يوجد في حالة دقيقة تبعث على الذهول إذا ما أخذنا في اعتبارنا الكمية الضخمة من القيم المتاحة والمحتملة. فماذا يحمل هذا الضبط الدقيق العجيب من معانٍ دفاعية؟

تحظى ظاهرة الضبط الدقيق بقبول واسع، حتى إن كل المناظرات تدور حول تفسيرها. وقد كان عالِم الكون الملحد “فرِد هويل” مِن أول الذين أدركوا أهمية هذه الملاحظات وما تتضمنه من إشارات واضحة لوجود الله، حتى إنه كتب يقول إنه يبدو كما لو كان “عقل أعلى قد عبث بالفيزياء، وبالكيمياء، وبالأحياء، و… لا يليق بنا أن نتحدث عن قوى عمياء تدير الطبيعة.“[10] كان “هويل” ملحدًا رافضًا لفكرة خلق الله للكون. إلا أن تعليقه هذا يشير إلى ما أنتجه علم الكون المعاصر من ضيق شديد لدى من يرفضون الإيمان بالله. وكأنه أثار سؤالاً يقول: هل يمكن لفكرة الخلق الإلهي أن تقدم شرحًا أفضل للأدلة مما تقدمه فكرة الصدفة؟ لا شك أن “هويل” لم يتمنَّ أن تكون الإجابة بنعم، ولكن هذا ما اكتشفه.

ولكن من يريدون الهروب من الإشارات الواضحة لوجود الله التي يتضمنها الضبط الدقيق يلجؤون لعدة طرق منها افتراض وجود “أكوان متعددة.” ويزعم هذا الرأي أن الكون الذي نعيش فيه ليس إلا واحدًا ضمن مجموعة كبيرة من الأكوان. وهكذا يجب وضع الكون المنظور في سياقٍ كبير لا نهائي من الأكوان المتعددة الأزلية غير المنظورة. فعالمنا قد يكون خاضعًا للضبط الدقيق ولكن الأكوان الأخرى كلها لا تحتاج لهذه العملية، كل ما في الأمر أننا كنا محظوظين ووُجِدنا في هذا الكون بالصدفة. وهذا ما يبين سبب تفضيل “ريتشارد دوكينز” لهذا التفسير!

إلا أن فرضية الأكوان المتعددة تنطوي على مشكلات واضحة كما يبين “سپيتزر”.[11] أولاَ، الفرق بين الكون universe والأكوان المتعددة multiverse هو إلى حد كبير فرق لغوي يتعلق بدلالة المفردات. لأنه إن كان مصطلح “الكون” يعني المجال الكلي الذي يضم عناصر الواقع المادي المتصلة ببعضها، فهذه الفرضية مازالت تتضمن كونًا واحدًا حقيقيًا. وإن كانت الأكوان المتعددة المفتَرضة لا تتصل نهائيًا بالكون الذي نراه فعليًا، فمن الصعب أن نطبق أي قانون فيزيائي من القوانين الفاعلة في مجالنا المنظور على الأكوان المتعددة ككل. وهو ما يعني أنه لا يمكننا أن نستخدم ما نراه من ملاحظات في عالمنا لكي نصل إلى أي استنتاجات عن الأكوان المتعددة. ولكن إن كانت الأكوان المتعددة متصلة من حيث البنية، فالكثير من المشكلات التي تعالجها نظرية الانفجار الكبير سوف تظهر بدلاً منها مشكلات أخرى، أو تعاود الظهور في أشكال مختلفة، أو ستشكل صعوبة أكبر أمام الملحدين.

فما المعاني الدفاعية التي يتضمنها موضوع الضبط التدقيق؟ أن فكرة الضبط الدقيق المتوافق مع الإيمان المسيحي بالله الخالق. رغم أنها لا تثبت أي شيء، لأن كل هذا قد يكون نتيجة صدفة عجيبة شبه مستحيلة، فهي تتفق بشدة مع النظرة المسيحية ويمكن إدراجها بشكل طبيعي سلس في الخريطة التي يرسمها الإيمان المسيحي للواقع. وإن كانت قدرة المسيحية على احتواء هذه الظواهر لا تُعَد برهانًا نهائيًا على أي شيء، إلا أنها تحمل دلالات قوية، والمسيحية واحدة ضمن الكثير من الدلائل المتراكمة التي تُكون معًا “الصورة الكبرى” الكلية للواقع. وهي خيط ضمن الكثير من الخيوط التي يمكن أن تُنسج معاً فتُكون لوحة ذات نسق خاص. إن الضبط الدقيق أحد المفاتيح أو الدلائل التي تفسر معنى الكون، وهو عديم القيمة بمفرده، ولكن وضعه بجوار دلائل اخرى يثريه ويُحمله بدلالات عميقة.

والمسيحي يرى توافقًا مفاهيميًا عميقًا بين الإطار النظري للمسيحية وما تكشفه العلوم الطبيعية عن العالم. وسوف نتناول ذلك بمزيد من التفاصيل في دراستنا للمفتاح الثالث لمعنى الكون: البنية العميقة للعالم.

المفتاح الثالث: النظام (بنية العالم المادي):

ينعكس ميلنا الفطري لتمييز نوع من النظام في العالم انعكاسًا واضحًا في أسفار الحكمة التي يتضمنها العهد القديم. والعلوم الطبيعية أيضًا تقوم على فكرة انتظام الكون. فلولا وجد نظام في الكون لأصبح العلم مشروعًا مستحيلاً.

باعتبار أني كنتُ عالمًا في فترة من حياتي، فقد حظيت بامتياز البحث في الكون الذي يتميز بشفافية منطقية وجمال منطقي في الوقت نفسه، والذي يمكن التعبير عنه بصيغ رياضية مبتكرة وسلسة. ومن العوامل المشتركة بين العلوم الطبيعية واللاهوت المسيحي هو الاعتقاد الراسخ بأن العالم يتميز بحالة من الانتظام والمعقولية، كما أشار أحد علماء الكون في العصر الحديث قائلاً: “النظام الكوني هو إله الفيزيائيين.”[12] فالعالم وطبيعة العقل البشري يتسمان بصفة خاصة جدًا تتيح وجود أنماط في الطبيعة يمكن تمييزها والتعبير عنها.

ومن أهم القواسم المشتركة بين العلوم الطبيعية واللاهوت المسيحي هو الإيمان الأصيل بأن العالم منظم ومعقول. ويُعد مفهوم النظام والمعقولية على قدر كبير من الأهمية على مستوى كلٍّ من العلم والدين، كما أشار عالم الفيزياء “پول داڤيز” Paul Davis: “أثناء عصر النهضة الأوربي كان المبرر الذي نستند عليه لاستخدام ما نسميه اليوم منهج البحث العلمي scientific approach to inquiry هو إيماننا بإله عاقل يمكن اكتشاف نظامه المخلوق عن طريق دراسة دقيقة للطبيعة.[13]

فقد خلق الله عالمًا منظمًا، يمكن للبشر المخلوقين “على صورة الله ومثاله” تمييز ما به من نظام. ولكن ما الذي يمَكن البشر من تمييز هذا التنظيم؟ ولماذا نقدر أن نعبر عنه بمنتهى الذكاء والسهولة على هيئة معادلات رياضية؟ إن هذه الحقيقة أهم بكثير مما نتخيل، كما أشار عالم الفيزياء النظرية “چون پولكينجهورن”:

إن إمكانية فهمنا للعالم أمر مألوف جداً لنا حتى إننا غالبًا

ما نعتبره شيئًا عاديًا ومن المسَلمات. ولكن الحقيقة أنه

لولا هذه الإمكانية لما وُجد العِلم أصلاَ. والبديل لذلك

أن يكون هذا الكون فوضى[14]chaos عشوائية وليس كونًا

[15]cosmos منظمًا. أو أن يكون محكومًا بمنطق ولكن

لا يمكننا نحن البشر أن ندركه. … ولكن الواقع أن

هناك اتساقًا بين عقولنا والكون، وبين منطقيتنا الداخلية

والمنطقية التي نلاحظها خارجنا.[16]

فما الذي يجعل الكون مفهوماً لنا؟ كيف نفسر وضعه وشفافيته المنطقية؟ ولماذا تزودنا التركيبات الرياضية البحتة المجردة، المفترض أنها إنتاج حر من منتجات العقل البشري، بهذه المفاتيح المهمة التي تساعدنا في فهم العالم؟ وقد طرح “يوچين ويجنر” Eugene Wigner  عالم الرياضيات العظيم هذا السؤال الشهير: “ما الذي يمنح الرياضيات هذه الفاعلية غير المعقولة في فهمنا للعالم المادي؟“[17] إنه سؤال يتطلب إجابة. إلا أن العلم لا يمكنه أن يجيب عنه. فالواقع أن العلم يعتمد تحديدًا على ما تتميز به الرياضيات من هذه “الفاعلية غير المعقولة”، ويستخدمها بوصفها أداة، ولكنه لا يقدر أن تقدم تفسيرًا نظريًا يشرح سبب هذه المصداقية الكبيرة التي تتميز بها.

ويقصد “پولكينجورن” أن الإيمان المسيحي يقدم مخططًا للواقع يسمح لنا بإيجاد معنى مقبول منطقيًا لهذه الملاحظات. إن “المنطق الداخلي” وكذلك “المنطق الخارجي” أي منطقية العقلِ البشري والمنطقية المتأصلة في بنية الكون العميقة تنبعان من أصل مشترك في عقلانية أعمق، ألا وهي “عقل الله.” ودائمًا ما تثير العلوم الطبيعية أسئلة مهمة تفوق قدرة الأسلوب العلمي على إجابتها، وهي أسئلة غالبًا ما تكون شديدة الأهمية ولكنها تتجاوز حدود العلم نفسه. فلابد للعلم أن يفترض أن العالم يتميز بالمعقولية لأنها هي ما يعتمد عليه فيما يستخدمه من أساليب. والإيمان المسيحي قادر على تقديم إجابة لهذا السؤال الذي يطرحه العلم عن معقولية العالم، إلا أنه يتجاوز قدرة العلم التي تعجز عن إجابته، ويقدم “خريطة للمعنى” تساعدنا على فهم هذا الإمر فهمًا عميقًا.

وقد انشغل “سي. إس. لويس” أيضًا بسبب التوافق الكبير بين المنطق البشري وبِنية العالم الطبيعي.

أي تفسير للكون لا يمكن أن يكون صحيحًا إلا إذا أقر

بأن تفكيرنا يمثل قدرة حقيقية على الفهم، فالنظرية التي

تشرح كل شيء في الكون كله ولكنها تنفي صلاحية

تفكيرنا تفتقد لكل شرعية، لأن هذه النظرية نفسها تم

التوصل إليها عن طريق التفكير، فإن كان التفكير فاقدًا

للصلاحية، فالنظرية نفسها ستنهار.[18]

ومن ثم فإن استخدام الإنسان للعقل لكي يستكشف العالم يعتمد على منطقية العالم. ولذلك، ما يقصده “لويس” أن كلاً من الخليقة بوجه عام والمنطق البشري بوجه خاص يحملان آثارًا أو بصمات من التنظيم الخلاق النابع من الله. فالإله نفسه الذي أتى بالعالم إلى الوجود هو مَن خلق العقل البشري وصنع حالة من التشابه والانسجام بين هذين الخَلقين وطبيعته الإلهية.

ما فائدة هذا الأسلوب في الدفاعيات؟ يجب توضيح عدد من النقاط في هذا الصدد. أولاً، هذا المنهج يؤكد قدرة الإيمان المسيحي على إضفاء معنى على الأشياء بحيث تتوافق مع ما نلاحظه في العالم، أو مع الصورة الأعمق للواقع التي تنشأ من العلوم الطبيعية. ثانيًا، إنه يقدم لنا نقطة التقاء مهمة مع العلوم الطبيعية. فبالرغم من أنه أحيانًا ما يتم تقديم العلم والإيمان باعتبارهما طرفي نزاع، من الأفضل أن ننظر للإيمان على اعتبار أنه يقدم للأسلوب العلمي بعدًا أعمق. أي أنه يقدم تفسيرًا لنجاح العلم في أداء غرضه.

وهذه نقطة مهمة جدًا فيما يتعلق بفكرة “إله الثغرات” التي نجدها أحيانًا في الكتابات القديمة في مجال الدفاعيات. ويحاول هذا المنهج أن يدافع عن وجود الله بالاستناد إلى ما يوجد في التفسير العلمي من ثغرات. لابد أن أسجل عدم إعجابي بهذا المنهج على الإطلاق. وقد كان “تشارلز كولسون” Charles Coulson (1910- 1974) عالم الكيمياء النظرية بجامعة أكسفورد من أشد نقاد هذه الفكرة وكان يقول إنه “إما أن الله موجود في الطبيعة ككل دون ثغرات أو أنه غير موجود على الإطلاق.”[19] فلا يجب على الدفاعيات المسيحية أن تجعل شغلها الشاغل العثور على ثغرات مؤقتة في النظرة العلمية للعالم تشرح بها بعض الأمور. فالله هو من يعطي معنى للكون بأسره، وهو وحده القادر أن يفسر سبب وجود الأشياء ومعناها. والدفاعيات مهمتها أن تبين أن “الصورة الكبرى” التي تُمكننا المسيحية من إدراكها تجعل للعالم معنى.

المفتاح الرابع: الأخلاق (اشتياق للعدالة):

من الموضوعات الجوهرية في الفلسفة الكلاسيكية ما يطلق علية أحيانًا “الثلاثي الأفلاطوني” “Platonic triad”: الحق، والخير، والجمال. وهي مُثُل يعتبرها الأغلبية جوهرية ومهمة. ويمكن للمدافع أن يستخدم كلاً منها بوصفه مدخلاً للإيمان، وإذا استُخدم بدقة وعلى النحو الصحيح، يمكن أن يمثل نافذة يطل منها المستمع على الصفات الإلهية من حق وخير وجمال.

والدفاعيات الكلاسيكية تميل للتركيز على قضايا الحق، وهو مسلك حكيم جدًا. إذ يبدو أن الله حبا العقل البشري قدرة على إضفاء معنى على الأمور وإدراك أن البشرية جزء من شيء أكبر بكثير. فنحن ندرك أن العمليات المنطقية التي تتم في عقولنا البشرية تُعَد مشاركة في نظام عقلاني موضوعي وانعكاسًا له، وهذا النظام العقلاني أسسه الله وهو يعكس طبيعته وصفاته والأدبية. والبشر مخلوقون على صورة الله. ومن ثم، فهم يعكسون عقلانية الله ولو على نحو باهت. فنحن قادرون على إدراك البنية الأعمق للكون بما فيها وجود الله لأن هذا هو تحديدًا ما خُلقنا له. والقديس أغسطينوس من الكُتاب المسيحيين الأوائل الذين وضعوا هذا المنهج الذي يقوم على تلك الفكرة القائلة بأننا نحمل صورة الله، وهي إحدى الأفكار الجوهرية في الكتاب المقدس (تك 27:1).

إن صورة الخالق ماثلة في النفس البشرية العاقلة أو

المفكرة. … وقد خُلِقَت النفس البشرية على

صورة الله لكي تستخدم المنطق والفكر لتفهم الله وتعاينه.[20]

وكما أدرك أغسطينوس، وكذلك “پاسكال”، وأيضًا “لويس”، إن خلق الإنسان على صورة الله يوفر للدفاعيات المسيحية أساسًا لاهوتيًا قويًا، لأنه يعني أننا قادرون عل استخدام شوق البشرية العميق للحق والخير والجمال في مساعدة الناس على الاتجاه نحو مصدرهم الأعلى وهدفهم الأسمى، أي الله الحي المحب.

وما يعنينا في هذا الجزء هو موضوع “الخير”، أي أساسيات لرؤية ثابتة لما هو خيِّر وكيفية العيش وفقًا له. في لقاء إذاعي حديث تناول أحد الصحفيين البريطانيين طبيعة الأخلاق مع “ريتشارد دوكينز”، الملحد العنيف المشهور. وقد سأله الصحفي “چَستين برايرلي” Justin Brierley عما إذا كانت نظرته الداروينية للأمور قد قدمت له أساسًا للقيم الأخلاقية يمكنه الاعتماد عليه. وفيما يلي جزء من الحوار له أهمية خاصة من وجهة نظر الدفاعيات المسيحية:

برايرلي: ولكنك عندما تٌصدر حكمًا قيميًا، ألا يعني ذلك أنك تقفز خارج هذه العملية النشؤوية الارتقائية وتقول إن هذا الشيء جيد لأنه جيد، دون أن يكون عندك أي مبرر يجعلك تتخذ من هذه العبارة أساسًا للحكم؟

دوكينز: ولكن محتمل أن هذا الحكم القيمي نفسه نتج عن ماضيَّ النشؤوي الارتقائي.

برايرلي: إذَن فهو عشوائي مثل كل نواتج النشوء والارتقاء.

دوكينز: نعم، ولكن هذا لا يعني وجود أي شيء خارق للطبيعة.

برايرلي: ولكن في النهاية يصبح اعتقادك بأن الاغتصاب فعل خاطئ هو اعتقاد اعتباطي وليس له أي سبب، مثله في ذلك مثل حقيقةِ أننا نشأنا وتطورنا بخمسة أصابع وليس بستة.

دوكينز: نعم، صحيح.[21]

لقد اخترق الحوار واحدًا من أهم الأسئلة التي دائمًا ما تُطرح في المناظرات: هل الأخلاق تقوم على معيار أو أساس أعلى يتجاوز الكون المادي transcendent، مثل الله؟ والكثير من الملحدين يرفضون مناقشة هذا السؤال في المناظرات بحجة أنه سؤال سخيف، فكيف يجرؤ أحد أن يقول إن الملحدين عديمو الخلق لأنهم لا يؤمنون بالله؟ ولكن ليست هذه القضية الحقيقية، لأن السؤال المهم هو ما إذا كان يمكن للأخلاق الموضوعية[22] أن تظل باقية دون الإيمان بالله. إن المسيحي يؤمن أن الله وحده هو من يقدم أساسًا موضوعيًا للقيم الأخلاقية التي لا تخضع لنزوات أصحاب السلطة ولا لتغير أمزجة الرأي العام. ويُعبر الفيلسوف الملحد البارز “پول كرتز” Paul Kurtz عن هذه النقطة تعبيرًا جيدًا:

المسألة الجوهرية في المبادئ الأخلاقية والقيمية تتعلق بهذا الأساس الأنطولوجي [المتعلق بالوجود العقلي] ontological. أي أنها إن لم تكن مكتسبة من الله، وإن لم تكن جذورها مغروسة في أرض تتجاوز هذا الكون المادي، فهل هي مجرد شيء عابر قصير الأجل؟[23]

وسوف أسرد مثالاً من التاريخ لتوضيح هذه النقطة. سنة 1933 وصل النازيون إلى السلطة في ألمانيا وسرعان ما طوعوا القانون لفرض حكمهم الشمولي. فسنوا قوانين جديدة فرضت الأيديولوجية النازية. وبذلك تمكن النازيون من أن يدَّعوا أنهم فرضوا أفكارهم بالقانون. والوسيلة الوحيدة للتصدي للمنهج النازي هي بتقديم حجة تؤكد وجود سلطة أخلاقية أعلى من الدولة الألمانية. والأوضاع في ألمانيا آنذاك يطرح سؤالاً لا يمكن تجاهلها، ألا وهو: هل مفاهيم الأخلاقيات والعدالة التي لم تنتجها قناعات بشرية تقوم على أسس تتجاوز الكون المادي؟

أن الأسئلة المزعجة التي أثارها قيام الرايخ الثالث وما أعقبه من كوارث مازالت قائمة حتى الآن. فقد عادت للظهور بسبب المنحى “النفعي” “pragmatic” في الأخلاق الذي ارتبط ببعض الفلاسفة المؤثرين مثل الفيلسوف “ريتشارد رورتي” (1931-2007). والإنسانية وفقًا للقراءة النفعية أو البراجماتية تخلق قيمها وأفكارها الخاصة، وهي لا تحاسَب أمام أي موضوعية خارجية (القانون الطبيعي) أو ذاتية[24] داخلية (الضمير) عن نواتج هذه العملية الخلاقة. “إننا نحاول أولاً أن نكتشف الممارسات التي يجب أن نتبعها، ثم نتوقع من فلاسفتنا أن يُكيفوا تعريف مصطلح “الإنسان” أو “العقلاني” بحيث يلائم هذه الممارسات.”[25] ويقول “رورتي” إن هذا النهج المجتمعي communitarian أو النفعي في موضوع الحق يؤدي للاعتراف بأنه ليس في أعماقنا أي شيء إلا ما وضعناه بأنفسنا، فكل المعايير نحن الذين خلقناها أثناء خلقنا للممارسات، وليس هناك أي مقياس عقلاني لا يستند إلى هذه المعايير، وكل الحجج القوية ليست إلا انصياعًا للأعراف المتبعة.[26]

ووفقًا لهذه النظرة، لابد أن نعتبر الحق والأخلاق انعكاسات للأعراف الاجتماعية التي وضعتها المجتمعات البشرية. ولكن إن كان “رورتي” محقًا في هذه النظرة، فما مبررنا لمعارضة النازية؟ لقد وجد “رورتي” نفسه عاجزًا عن تقديم مبرر مقنع لرفض فلسفة الحكم الشمولي سواءً على المستوى الأخلاقي أو السياسي. ومن ثم، اعترف “رورتي” بأنه:

عندما يأتي البوليس السري، وعندما تُنتهك إنسانية الأبرياء بمختلف أشكال التعذيب، لن يمكننا ردعهم بأن نقول لهم: “حتى وإن كنتم تجسدون ممارسات مجتمع شمولي سيظل قائمًا إلى الأبد، إلا أن هناك صوتًا أعمق في داخلكم يدينكم ويدين هذه الممارسات.”[27]

تتوقف صحة القيم الأخلاقية عند “رورتي” على وجودها في مجتمع معين وقبول هذا المجتمع لها. وقد تعرضت هذه النظرة لنقد لاذع بسبب تبنيها لمنهج يميل لعدم انتقاد الأعراف الاجتماعية السائدة. وكما يشير “ريتشارد بِرنستين” Richard Bernstein يبدو أن “رورتي” تجاوز الحد في تعامله مع الممارسات الاجتماعية باعتبارها مفاهيم صحيحة ومطلقة، فاعتبرها مرادفات للحق والخير والعدالة.

كل هذه القضايا تدلل على الحاجة لأساس أخلاقي يتجاوز هذا الكون المادي، وإلا وجدنا أنفسنا سجناء لتقلبات أصحاب السلطة الذين يعيدون تعريف الأخلاق لتلائم احتياجات أصحاب النفوذ. والحجج الدفاعية التي تستند إلى الأخلاق تنقسم إلى فئتين بينهما اختلاف طفيف: حجج تستند إلى ما يتمتع به الإيمان بالله من ميزة فكرية باعتباره أساسًا للقيم الأخلاقية، حجج تستند إلى ما يتمتع به الإيمان بالله من قيمة عملية، ألا وهي أنه يضمن ثبات القيم الأخلاقية. والاثنتان تقولان بأن الإيمان بوجود الله شيء منطقي لأن هذا الإيمان يقدم أفضل تفسير للوجود، وللطبيعة، ولمعرفتنا بالحق الأخلاقي الموضوعي.

ففي كتاب “المسيحية المجردة” مثلاً يبين “سي. إس. لويس” أن فكرتنا عن الصواب والخطأ تمثل “مفاتيح لفهم معنى الكون.” ويمكن تلخيص حجته الأخلاقية التي تثبت وجود الله كما يلي:

مقدمة 1: يؤمن الجميع بوجود حق أخلاقي موضوعي. ولا يمكننا إجراء مناظرات أخلاقية في غياب هذا الحق.

مقدمة 2: يختلف الحق الأخلاقي الموضوعي عن “قوانين الطبيعية” أو الحقائق “الطبيعية.” فالأول يختص بما “يجب” أن نفعل. بينما تختص الأخيرة بما نلاحظه في العالم من حولنا.

النتيجة: أفضل تفسير لما يمكن داخلنا من حدس[28] عميق بوجد حق أخلاقي موضوعي هو أن هناك عقلاً وراء الطبيعة أو يتجاوزها يغرس فينا معرفة الصواب والخطأ ويمثل أساسًا لما نصدره من أحكام أخلاقية موضوعية.[29]

إن منهج “لويس”، مثل معظم جمل هذه الحجة ليست له القوة المنطقية التي تميز البرهان الاستنباطي. ولكن من الأفضل كثيرًا أن نفهمه باعتباره إيضاحًا إضافيًا يؤكد ما يتميز به الإيمان المسيحي من منطقية أصيلة فيه. أي أن وجود إله يقدم أساسًا أثبت يقوم عليه ما يكمن في البشر من إدراك فطري وحدس عميق لوجود قيم أخلاقية موضوعية، ويقدم دفاعًا عن الأخلاق ضد الحجج غير المسئولة التي تؤيد نسبية الأخلاق. فالله من وجهة نظر “لويس” يُعرف بواسطة ما يكمن فينا من حدس خلقي عميق:

إن كان خارج الكون قوة ضابطة، فلا يمكن أن تُظهر لنا ذاتها باعتبارها واحدة من الحقائق الواقعة داخل الكون، تمامًا كما لا يقدر مهندس قام بتصميم أحد المنازل أن يكون جدارًا دَرجًا أو مدفأة في ذلك المنزل. فالطريقة الوحيدة التي يمكننا بها أن نتوقع من تلك القوة إظهار ذاتها ستكون داخل أنفسنا في صورةِ سلطة مؤثرة أو وصية تحاول أن تحملنا على التصرف بطريقة معينة. وذلك هو عين ما نجده داخل أنفسنا.[30]

وبالتالي، فالإيمان بالله مقنع ومقبول من ناحية، ومفيد من ناحية أخرى. فهو لا يجعلنا صالحين، ولكنه يتيح لنا الإمكانية أن نكون صالحين. وكما يشير “لويس”: “وجود مبرر منطقي للفضيلة لا يجعل الإنسان فاضلاً.”[31] ولكن إن أردنا أن نصبح صالحين، علينا أولاً أن نعرف ماهية “الصلاح” ثم نكتسب القدرة على تحقيقه. وهذا يعتمد على إدراكنا لوضعنا الحقيقي ومحدوديته، كما أشار “لويس”. فنحن نحتاج للشفاء وللمعونة حتى نصبح صالحين. إلا أن اكتشاف نعمة الله واختبارها خطوة مهمة في الطريق إلى الخُلق الصحيح.

فكيف نستخدم هذه المنهجيات في الدفاعيات؟ لابد أن نلاحظ أن الدفاعيات يمكن أن تسير في أحد اتجاهين، أولهما إنشاء حجج تؤيد الإيمان المسيحي، وثانيهما إنشاء تحليلات وتقييمات تنقد المنهجيات غير المسيحية. وقد أعلن “فرانسيس شِفَر” Francis Schaeffer إعلانًا شهيرًا بأن أي منظور غير مسيحي يتضح في النهاية أنه غير متسق ومتناقض. وإن كان هذا الزعم ينطوي على قليل من المبالغة، فهو لا يخلو من الصواب. وتعتبر “الحجة المبنية على الأخلاق” “argument from morality” مثالاً ممتازًا على ذلك، فهل يمكن الإبقاء على فكرة القيم الأخلاقية الثابتة والموضوعية دون الإيمان بواقع يتجاوز العالم المادي، كإله المسيحية؟

وللتوضيح أقول إنه يمكن استخدام الحجة المبنية على الأخلاق على نحو فعال لتأكيد قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للأشياء بتطبيق المنهجيات الموضحة سابقًا، وهذا هو الاتجاه الأول للدفاعيات. ولكن ربما يكون من الأفضل استخدام هذا المنهج نفسه في نقد الأفكار الإلحادية، كأن نطرح سؤالاً مثل: هل يمكن للإلحاد أن يدافع عن فكرة الحق الأخلاقي؟ وهذا هو الاتجاه الثاني للدفاعيات.

وفي المناظرات العامة، يغضب الملحدين من تحليل أفكارهم بهذا الشكل لأنهم يرون أن هذا يعني ضمنيًا القول بأنهم عديمو الخُلق. ولكن هذا ليس صحيحًا لأن هذا النقد لا ينكر القيم الأخلاقية عند الملحدين. ولكنه يطالبهم بتقديم مبرر منطقي لهذه القيم. خذ مثلاً نقدًا لتناول “رورتي” للأخلاق، نرى فيه “رورتي” عاجزًا عن تقديم معيار يعلو فوق الممارسة البشرية للرجوع إليه في الحكم على هذه الممارسة.[32] وقد قالت الفيلسوفة الملحدة “أيريس مِردوك” إن وجود فكرة للصلاح تتجاوز الكون المادي هي عنصر لا غنى عنه يضمن بقاء الأفكار البشرية الخاصة بما هو “صواب” وما هو “عدل”. وإن كانت على حق، فشوقنا للعدالة يمثل في حد ذاته مفتاحًا قويًا لفهم معنى الأشياء.

المفتاح الخامس: الرغبة (فطرة داخلية تسعى إلى الله):

تلجأ الكثير من الحجج التي تثبت وجود الله إلى المنطق في المقام الأول. في حين تستند حجج أخرى على الخبرة معتمدةً على قبول القلب البشري لها بقدر قبول العقل. وقد قال “باسكال” في تعليق شهير له: “للقلب منطقه وأسبابه التي لا يستطيع العقل أن يفهمها.” وأشهر الحجج في هذا المجال هي “الحجة المبنية على الرغبة” argument from desire””. ورغم تنوع أشكالها، فهي في معظم الأحيان تنعكس في وعي الإنسان العميق بأنه يتوق إلى شيء لا يمتلكه ولكنه يشعر بانجذاب نحوه. ويقول المدافعون المسيحيون إن هذا الشوق العميق لشيء يتجاوز حدود الكون المادي يرجع أصلاً إلى أننا مخلوقون لنحيا في شركة مع الله، ولن نرتوي إلا بالوصول إلى هذه الشركة.

وتُعتبر كتابات القديس أغسطينوس من أهم المعالجات اللاهوتية لهذا الموضوع. فالله، عند أغسطينوس، خلق البشر ووضعهم على قمة النظام المخلوق حتى يحققوا أغراضهم بالاتصال معه باعتباره خالقهم ومخلصهم. وبعيدًا عن هذه العلاقة لا يمكن للبشرية أن تكون ما يجب أن تكونه. وقد عبَّر أغسطينوس عن ذلك في صلاة مشهورة قائلاً: “لقد صنعتنا لذاتك، وستظل قلوبنا قلقة حتى تجد راحتها فيك.[33]

ويرجع الفضل للفيلسوف “بليز پاسكال” (1623-1662) وكذلك “سي. إس. لويس” (1898-1963) في وضع أهم تطبيقين دفاعيين لهذا المنهج. يقول “پاسكال” إن ما يختبره البشر من خواء وشوق إنما هو مؤشر على مصير الإنسانية الحقيقي، إنه ينير الطبيعة الإنسانية ويكشف عن هدفنا النهائي، ألا وهو الله من وجهة نظر “پاسكال”.

علامَ يدلل هذا التحرق والعجز، سوى على أنه كان بداخل كلٍّ منا سعادة حقيقية لم يبقَ منها الآن إلا مسحة وآثار فارغة؟[34]

الله وحده هو من يقدر أن يملأ هذا “الهوة”؛ هذه الفجوة العميقة المشكَّلة على صورة الله التي غرسها الله في الطبيعة البشرية ليجذب بها الناس إليه ثانيةً.

أن هذه الهوة غير المحدودة لا يمكن أن تُملأ إلا بشيء غير محدود غير متغير، أي الله نفسه. الله فقط هو خيرنا الحقيقي.[35]

وغالبًا ما يُعبَّر عن فكرة “پاسكال” بعبارة “فجوة على شكل الله” أو “فراغ على شكل الله” داخل الطبيعة البشرية. وبالرغم من أن “پاسكال” نفسه لم يستخدم هذه التعبيرات فعليًا، فهي تلخص منهجه ببراعة. وهو يقول إن الإيمان المسيحي يقدم إطارًا يفسر ما يختبره البشر عمومًا من المشاعر “التوق والعجز.” ويتكون هذا التفسير من عنصرين: أولهما، أنه يعطي معنى للخبرة. وثانيهما، أنه يُحدث تغييرًا في هذه الخبرة البشرية نتيجةً لتحديد معناها.

وقد وضع “سي. إس. لويس” منهجًا مشابهًا له أهمية خاصة للدفاعيات المسيحية.[36] فهو يقر بأهمية ما يختبره الكثيرون من إحباط تطلعاتهم: “نحاول، في أولى لحظات الشعور بهذا التوق، أن نمسك بشيء معين ولكنه سرعان ما يتلاشى على أرض الواقع.” فما تفسير ذلك؟ يشير “لويس” إلى طريقتين في التفسير يعتبرهما معيبتين: الأولى، أن نفترض أن هذا الإحباط ينتج عن البحث في أماكن خاطئة. والثانية، أن ننتهي إلى أن المزيد من البحث لن يؤدي إلا إلى المزيد من الإحباط. ومن ثم، فأي محاولة للعثور على شيء أفضل مما يقدمه العالم هي محاولة خاطئة. ويقول “لويس” بوجود حل ثالث، ألا وهو الاعتراف بأن هذه الأشواق الأرضية ليست “سوى نسخة، أو صدى، أو سراب” لوطننا الحقيقي.

ثم يبني “لويس” بعدئذٍ ما قد يطلق عليه البعض “الحجة المبنية على الرغبة”، ويمكن صياغتها كما يلي:

  1. كل رغبة طبيعية يقابلها موضوع تتجه نحوه، ولا تشبَع إلا عندما تصل إليه أو تختبره.
  2. هناك رغبة طبيعية نحو إشباع يتجاوز حدود العالم المادي لا يمكن الوصول إليه ولا اختباره بأي شيء أو عن طريق أي شيء في العالم الحاضر.
  3. وبالتالي هذه الرغبة الطبيعية في إشباع يتجاوز حدود العالم المادي لا يمكن تحقيقها إلا فيما وراء العالم الحاضر، في عالم يشير إليه النظام الحاضر.[37]

هذه الحجة لا تثبت فعليًّا وجود الله بالمعنى الضيق لهذا المصطلح. فيجب علينا في البداية أن نوسع نقطة “لويس” لتشمل إعلان المسيحية عن أن الله إما هو تحقيق الرغبة البشرية الطبيعية في إشباع يتجاوز العالم المادي أو أنه شرط أساسي له. ومع ذلك، لا يجب فهم هذه الحجة باعتبارها استنباطًا لوجود الله.

إلا أن “لويس” رأى أن هذا الخط الفكري يبين الارتباط بين الإيمان والخبرة لأنه يكشف بالتجربة العملية أن النظرة المسيحية للواقع تتوافق مع ما نختبره في نفوسنا. والحجة ليست استنباطية، ولكنها تستخدم الاستدلال بالاستبعاد، على حد تعبير “پيرس”. فمن الواضح أن “لويس” يرى أن الإيمان المسيحي يلقي الضوء على واقع خبراتنا الذاتية. وقد نسج القديس أغسطينوس الموضوعات المحورية في التعاليم المسيحية عن الخليقة والفداء في الصلاة له: “لقد صنعتنا لذاتك، وستظل قلوبنا قلقة حتى تجد راحتها فيك.“[38] ويؤكد “لويس” هذه الفكرة، ويغرس جذورها في عالم الخبرة البشرية التي يرى أنها تستنير بهذه الفكرة.

وهكذا يرى “لويس” أن الدفاعيات المسيحية لابد أن تتفاعل مع هذه الخبرة الإنسانية الأساسية من “التوق” إلى شيء له أهمية قصوى. والإيمان المسيحي يفسر هذه الحالة باعتبارها مفتاحًا يسهم في حل لغز السعي نحو تحقيق الهدف الحقيقي للطبيعة البشرية. وكما يشير الجوع الجسدي إلى احتياج بشري حقيقي يتم إشباعه بالطعام، هكذا يتقابل هذا الجوع الروحي مع احتياج حقيقي يتم إشباعه بالله نفسه. ويقول “لويس” إن معظم الناس يدركون بداخلهم شعورًا عميقًا بالتوق لا يمكن إشباعه بأي شيء مؤقت أو مخلوق: “إن وَجَدتُ في نفسي رغبة لا تشبعها أي خبرة في العالم، فالتفسير الأرجح لهذه الحالة أنني خُلقتُ لعالم آخر.”[39]

إلا أن هذا لا يثبت أي شيء. فقد أشعر برغبة عميقة في أن ألتقي بحصان وحيد القرن ذهبي اللون، إلا أن هذه الرغبة لا تعني أن الخيول وحيدة القرن موجودة فعليًا، سواء أكانت ذهبية أو غير ذهبية. ولكن ليس هذا ما يقصده “لويس”، بل يقصد أن المسيحية تخبرنا أن هذا الشعور بالشوق لله هو شيء متوقع جدًا لأننا مخلوقون لنتواصل مع الله. فهو يتوافق مع أسلوب التفكير المسيحي، وبذلك يؤكد مصداقيته بشكل غير مباشر، مما يخلق اتساقًا قويًا بين النظرية والملاحظة، أي بين الإطار اللاهوتي وواقع خبرتنا الشخصية.

فكيف يمكن تطوير هذا الأسلوب وتطبيقه في الدفاعيات؟ إن العنصر الأساسي في هذا النهج هو استناده إلى الخبرة الإنسانية، أي إلى عالم المشاعر الذاتي، لا إلى التحليل الموضوعي للعالم الطبيعي. إلا أن هذه الخبرات الذاتية مهمة عند أصحابها، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها شعور الناس بمدى أهميتها. وحتى إن لم يكن الجميع قادرين أن يتعرفوا على هذه الخبرة عندما توصف لهم، إلا أن انتشارها يكفي أن يجعلها أساسًا لاستراتيجية مهمة في الدفاعيات. ويجب التنويه إلى ثلاث نقاط في هذا النهج.

  1. يتصل هذا المنهج بخبرة إنسانية يشترك فيها الكثير من البشر. وهو يتفاعل مع شيء له أصداء عند الكثيرين، ويقدم تفسيرًا لشعور يختلج في صدور الكثيرين ولكنهم يتساءلون عن معناه.
  2. الخبرة لها تفسير. فهي ليست خبرة عشوائية أو بلا معنى، ولكنها مؤشر ينبه إلى شيء أبعد منه. فما يراه البعض ظاهرة بلا معنى يصبح علامة على الطريق لها دلالتها.
  3. تُعتبر هذه الخبرة بوابة مؤدية لله. فالله وحده هو مَن يستطيع أن يُحدث تحولاً في الخبرة الإنسانية. الله فقط هو من يقدر أن يملأ ما أطلق عليه “پاسكال” “الهوة” الكامنة في الطبيعة البشرية. وتفسير الخبرة الإنسانية على هذا النحو ليس انتهازيًا ولا اعتباطيًا، ولكنه يضرب بجذوره في فهم الطبيعة البشرية والمصير البشري من الوجهة اللاهوتية.

ولا تُعَد هذه ” الحجة المبنية على الرغبة” “برهانًا” منطقيًا قويًا يثبت وجود الله، ولكنها تصل إلى مستوى أعمق بكثير. فقد تنقصها القوة المنطقية، ولكنها تتميز بعمق وجودي. فهي تتعلق بقدرة الإيمان المسيحي على مخاطبة أعماق الخبرة الإنسانية، أي الأمور التي تمثل أهمية حقيقية لنا. وهي تعتمد على الشعور بالقلق وعدم الرضا الذي يعتمل في الطبيعة البشرية وتُبين أن هذه الحالة تمثل مفتاحًا يساعد في فهم طبيعتنا الحقيقة ومصيرنا. وكما قال “لويس”، إن لم يكن في هذا العالم ما يُشبع هذه الأشواق والتطلعات العميقة، فقد يعني ذلك أننا لابد أن نُسَلِّم بأن بيتنا الحقيقي في عالم آخر. وكما قال “فرانسيس كوارلز” Francis Quarles (1592-1644) أحد شعراء عصر النهضة، إن نفوسنا كالإبرة المعدنية التي تنجذب نحو مغناطيس الله. فكما يستحيل محو ما نشعر به من توق للعدالة أو رغبة عميقة في تحسين هذا العالم، يستحيل كذلك أن نمحو الله من الحياة الإنسانية تمامًا. إن ما بداخلنا من ميل فطري نحو الذهاب إلى البيت يرجع تحديدًا إلى وجود بيت لنا نعود إليه، ويُعَد هذا الموضوع من أهم موضوعات العهد الجديد.

وتمثل هذه الرغبة نقطة مهمة عندما نفكر في طبيعة المجتمع الغربي. فقد أجرى الفيلسوف السياسي “تشارلز تيلور” Charles Taylor مؤخرًا تحليلاً تفصيليًا لظهور “عصر علماني” وختمه بخلاصة مفادها أن الدين لن يختفي بسبب ما يميز الطبيعة البشرية من سمات خاصة، على رأسها ما يطلق عليه الفيلسوف الفرنسي “شانتال ميلون دلسول” Chantal Milon-Delsol “رغبة في الأبدية.”[40] إن الطبيعة البشرية تتميز بشيء يجعلنا نريد أن نصل إلى ما وراء الحدود العقلانية والتجريبية سعيًا نحو المعنى والقيمة.

ويجب التنويه إلى نقطة أخرى في هذا الصدد: إن الفكر المسيحي الذي يؤمن بأن البشرية تحمل صورة الله ينطوي على معانٍ مهمة تتصل بدور الخيال. ويؤكد كلٌّ من “لويس” وكذلك “تولكين” أن تخيلاتنا تفتح عوالم تصدر إشارات تبين هويتنا الحقيقية مصيرنا الحقيقي. فنحن غالبًا ما نحلم بعوالم جميلة، لا لأننا نريد الهروب من هذا العالم، ولكن لأن في أعماقنا شيئًا يجعلنا نتوق لواقع جميل. وسنرى فيما بعد أن هذه الفكرة أيضًا تتماشى مع الدفاعيات.

 المفتاح السادس: الجمال (بهاء العالم الطبيعي):

يتأثر الكثيرون تأثرًا عميقًا برؤية جمال الطبيعة، مثل سلاسل الجبال الضخمة، أو منظر الغروب الرائع، أو الوديان الزاخرة بالأشجار. فكيف نساعد الشخص على الانتقال من محبة مخلوقات الله لمحبة الله الخالق؟ قد تكون أول وأوضح نقطة أن نساعد الناس على رؤية العالم بنظرة مختلفة، أي باعتباره علامة على الطريق، ليس محطة وصول. فجمال العالم يشير إلى جمال الله الأعظم الذي يعكسه العالم كما يعكس القمر نور الشمس الأعظم، أو كما تتلألأ ماسة جميلة عندما تلتقط أشعة الشمس.

ويُعتبر هذا الموضوع من الموضوعات الرئيسية التي يتناولها اللاهوتي الأمريكي العظيم “چوناثان إدواردز” الذي يضع أساسًا لاهوتيًا صلبًا لمنهج دفاعي يقوم على فكرة جمال الطبيعة. ويرى “إدواردز” أن الله يرغب في أن تَعرف مخلوقاته جماله وتستمتع به. ولذلك، فهو يختار أن يوصل هذا الجمال عن طريق النظام المخلوق حتى يراه الجميع ويقرون به ويتجاوبون معه.[41] إن الطبيعة مصممة لتكشف جمال الله، وهي مثل مَدرسة للرغبة تتعلم فيها البشرية كيف تدرك مجد الله وتتجاوب معه بإيمان ومهابة.

ولكننا لابد أن نمعن التفكير في قضية الجمال. فإن أردت أن أدرك حجة منطقية، لابد أن أفكر فيها مليًا لأنها لا تُفهم فجأة. إلا أن الجمال يختلف لأنه شيء ندركه في التو واللحظة. فعندما نرى منظرًا أو شخصًا أو عملاً فنيًا جميلاً، نفهم على الفور أنه متميز. ولا نحتاج لمن يقنعنا بأن هذا الشيء أو هذا الشخص جميل، ولكننا نجد شيئًا عميقًا في داخلنا يخبرنا بذلك. وهكذا، فالدفاعيات التي تقوم على الجمال لا تستند على الحجة بل على التذوق. ولكن الحجة تبدأ عندما نسأل عما يشير إليه جمال الطبيعة.

فقد لا يعني إدراكنا لجمال الطبيعة أي شيء على الإطلاق. وقد يكون كله صدفة، مجرد شيء اعتباطي وبلا معنى. إذن، فهو أيضًا ما يطلق عليه “سي. إس. لويس” مصطلح “مفتاح لفهم معنى الكون.”[42] وفي أحد أشكال الحجة المبينة على الرغبة، يقول “لويس” إن توقنا للجمال يصاب بإحباط تام إن ظننا أننا سنجد الجمال الحقيقي في أي شيء مخلوق أو محدود، لأننا بذلك نبحث عن شيء لا وجود له. وهكذا، يرى “لويس” أن ما نراه في هذا العالم هو علامات تشير إلى الموضع الذي نجد فيه ما تدلل عليه، إلا أنها هي نفسها لا تقدم جمالاً حقيقيًا. وإن كنا نعتقد أن فيها جمالاً حقيقيًا، سنسقط في حالة من البؤس والتشوش.

ويرى “لويس” أن السعي البشري نحو الجمال الحقيقي هو نقطة تلاقي مهمة مع الإنجيل. وهو يمثل أحد الموضوعات المحورية في عظة “ثقل المجد” “The Weight of Glory” [43] التي ألقاها سنة 1941 وهي تُعتبر أهم أعماله القصيرة. ويعتقد “لويس” أن بداخلنا ميلاً فطريًا نحو ما يتجاوز حدود العالم المادي، يثيره فينا الجمال، ويعبر عن “رغبة في وطننا البعيد نكتشفها في أنفسنا الآن.”[44] والجمال، عند “لويس”، يستنفر قيمة أكثر واقعية من كل ما نلتقي به في هذا العالم الوقتي. وهو يثير شعورًا بالتوق إلى عالم تَعلَق بذاكرتنا صورة باهتة له ولكننا منفيون منه حاليًا، كما أشرنا في الجزء السابق من هذا الفصل. إنها رغبة “في شيء لم يظهر مطلقًا في نطاق خبرتنا” ولكن خبرتنا دائمًا ما تلوح به وتحببه إلينا.[45]

ولذلك، فالسعي البشري نحو الجمال يمثل في الواقع سعيًا نحو مصدر ذلك الجمال الذي ينتقل إلينا عبر الأشياء التي نراها في هذا العالم، ولكنها لا تحتويه. وتلك الأشياء “التي كنا نظن أن الجمال يكمن فيها سَوف تخوننا إن وثقنا فيها: فالجمال لم يكن فيها، ولكنه أتى من خلالها فحسب، وما أتى من خلالها كان الشعور بالتوق.”[46] وهذا هو ما يفسر انتهاء ذلك السعي بالإحباط أو اليأس. “لقد ابتسم الجمال، لكن لا ليرحب بنا.”[47] إننا نلتقط لمحة من ذلك الشيء الذي يفوق الوصف الذي يُعتبر الجمال رسولاً له، فنخطئ الفهم ونظن أنه الرسالة نفسها.

ولذلك، يؤكد “لويس” أنه لا بد لنا أن نرى الطبيعة بوصفها علامة على الطريق تشير إلى جمال الله الأعظم. إن “الجانب التصويري الذي يحظى بالقبول” في التقليد المسيحي يخاطب الشوق الذي نعرفه ونختبره، ويبشر في الوقت نفسه بكشف ما هو مخبوء في الوقت الحاضر، أي “ما لم نعرفه بعد ولكننا نريد أن نعرفه.”[48] إنه يفسر هذا السعي نحو الجمال على أنه “توق للاتحاد مرة أخرى بشيء في الكون نشعر أننا الآن منقطعون عنه، وشوق للدخول من باب ما طالما رأيناه من الخارج فقط.”[49] إن ما نختبره من رغبة في الجمال هو بالفعل دعوة “للعبور في الطبيعة ومن خلالها، ثم تَجاوزِها وصولاً إلى ذلك البهاء الذي تعكسه على نحو مؤقت.”[50]

وهكذا تُعتبر الطبيعة “أول رسم تخطيطي … مجرد صورة، أو رمز” لذلك الواقع الأعظم الذي تشير إليه. وبذلك تمثل الطبيعة “صورة جيدة لِما نرغب فيه بالفعل” ولكن الناس يعتقدون خطأً أنها هي نفسها ما يسعون إليه.[51] إلا أن الجمال يكشف الحق بالإشارة إلى عالم يتجاوز عالم الأشياء المنظور. إنه يتيح لنا أن نرى ما وراء الباب المغلق في الوقت الحاضر متوقعين فتحه والعبور فوق عتبته.

لا يمكننا أن نمسك بما نراه من صور البهاء. إلا أن حفيف أوراق العهد الجديد كلها يذيع أن الوضع لن يبقى كما هو عليه. ولكن يومًا ما، بمشيئة الله، سوف ندخل العالم الذي نشتاق إليه.[52]

ويمكننا العثور على أفكار مشابهة في كتابات آخرين مثل “چوناثان إدواردز” وكذلك “هانس أورز ڤون بالثازار” “Hans Urs von Balthasar. فكل الجمال الذي نراه في النظام المخلوق، سواء أكان في السماوات أم على الأرض مشتق من ضياء يسوع المسيح الذي هو صورة الله الجميل مصدر كل جمال.

فكيف نستخدم الجمال في دفاعياتنا؟ إجابة “لويس” بسيطة: الجمال يتجاوز التحليل العقلاني ويخاطب شيئًا أعمق بكثير داخلنا. قرر صديق لي يعمل محاميًا هو وصديقته أن يتزوجا. فذهبا إلى الصائغ لشراء خاتم الزواج بعد أن حددا مواصفات الخاتم المطلوب من حيث نوع الحجر الكريم الذي يزينه، والإطار المحيط به، وما إلى ذلك. ثم رأيا خاتمًا وقع كلاهما في غرامه. ورغم أنه لم يكن مطابقًا للمواصفات، فقد رأيا أنه الخاتم المناسب وعادا إلى البيت فرحين باختيارهما.

ولا يصعب أن نميز ما تتضمنه هذه القصة من معانٍ دفاعية. فأحيانًا يكون المهم أن تسمح للإنجيل أن يقنع الناس بنفسه. والتاجر الذي أدرك جمال “اللؤلؤة كثيرة الثمن” وقيمتها لم يكن بحاجة لأحد يقنعه بقيمتها الحقيقية (مت 13: 46،45). ولكن اللؤلؤة أقنعته بنفسها. فمهمتنا أن نساعد الناس على إدراكِ جمال الإنجيل، كبائع المجوهرات الذي يدفع ماسة مقابل الضوء حتى تبرق وجوهها فيُقدر الناظر جمالها. ولكن الجمال موجود من الأصل، وكل ما فعله الجواهرجي أنه عرضه بحيث يظهر بأقصى وضوح ممكن.

المفتاح السابع: العلاقاتية (الله بوصفه شخصًا):

تؤكد رواية الخلق في سفر التكوين أن كل ما خلقه الله حسن. ولكن عند نقطة معينة يقرر الله إجراء تغيير معين، فليس حسنًا أن يكون آدم وحده (تك 18:2)، وهو إقرار بما يميز البشر من جانب علاقاتي. فقد خُلقنا لنوجد في علاقة، مع بعضنا البعض، ومع الله. والصورة الفردوسية التي يرسمها الكتاب المقدس لِجَنَّة عدن تصور آدم وحواء في انسجام بعضهما مع بعض ومع الله. فالإنسانية الأصيلة تتضمن التواجد في علاقات، حسب الوضع الذي خُلقنا عليه.

وقد أدرك الإنسان احتياجه الأساسي للتواجد في علاقات منذ زمن بعيد. فعندما أطلق أرسطو، وهو من فلاسفة العصر الكلاسيكي العظماء، جملته الشهيرة أن البشر “حيوانات سياسية” كان يقصد فعليًا أن الإنسان لديه ميل طبيعي أن يعيش في مجتمعات مثل دولة المدينة التي سادت اليونان في الحقبة الكلاسيكية. إلا أن أهم طريقة لفهم حاجتنا للعلاقات، عند الغالبية، لا يُعَبَّر عنها بمصطلحات سياسية، بل بلغة الحب الشخصية الحميمة.

لقد قال “ڤيكتور ايجو” Victor Hugo (1802-1885) الكاتب المسرحي الفرنسي الشهير إن السعادة القصوى في الحياة تتحقق عندما نتأكد أننا محبوبون.” فمعرفتنا أننا محبوبون تمنحنا قاعدة الأمان التي نحتاج إليها لنواصل حياتنا. إننا نحتاج أن نطمئن إلى أننا مهمون عند شخص ما. ومما يؤكد أهمية هذا الموضوع عند جميع البشر أن حتى المقالات الأكاديمية المملة والروايات الرومانسية التافهة لم تخلُ منه، وهي تطرح سؤالاً يقول: لماذا نجد الأغنياء وأصحاب السلطة في غاية التعاسة؟ لأن ما يهم الناس فعلاً هو الحب، لا الثروة ولا السلطة. ولا يمكننا ان نحيا دون علاقات شخصية ذات معنى.

ويمكننا أن نروي الكثير من القصص لتوضيح هذه النقطة. ولكن قصتي المفضلة تختص بالفيلسوف الأمريكي “پول إلمر مور” Paul Elmer More (1864-1937). انبهر “مور” في شبابه بفكرة أفلاطون عن المثالي Ideal أي الواقع الذي يكمن خلف أي مظهر مرئي على الأرض. إلا أنه كلما تأمل في “عالم مثاليات” أفلاطون تضاءل إعجابه به. فقد بدا له قاحلاً عقيمًا عاجزًا عن التواصل مع البشر، ورآه باردًا يتلامس مع الإنسان باعتباره شخصًا، ولا تُنطق فيه أي كلمات ولا تُعرف فيه مشاعر الحب الرقيقة. إلا أن المسيحية تتحدث عن إله يدخل في تاريخنا ويحررنا من عالم المثاليات البارد المجرد من المشاعر لندخل عالمًا مشحونًا بحضور الله الشخصي البهيج. والاختلاف بين الاثنين يمثل أهمية عظمى. ولذلك، أصبح “مور” مسيحيًا في مرحلة لاحقة من حياته.[53] فما من كائن بشري يمكنه أن ينعم بالإشباع في عالم مجرد لا يتلامس مع الناس باعتبارهم أشخاصًا، فنحن نحتاج للتواصل من الآخرين، بمن فيهم الله.

والمسيحية إيمان علاقاتي في الأساس. فلا يجب أن نفكر في الإنجيل إطلاقًا من وجهة عقلانية بحتة، مثل الإيمان بوجود إله، كما لو كان الإيمان مجرد نوع من استيفاء مجموعة من الشروط. فرغم أن الإيمان له محتوى واضح يحدد ما نؤمن به عن الله وعن أنفسنا، هو أعمق من ذلك بكثير. ومن ثم، يجب ألا ننسى أبدًا أن الفكرة التي يتمحور حولها الإيمان في الكتاب المقدس تتلخص أساسًا في الثقة في الله الذي يُظهر نفسه على أنه أهل لتلك الثقة بالقول وبالفعل. ومن هنا يتضح الاتصال الوثيق بين الإيمان والرجاء والمحبة. فنحن نثق في إله يحبنا ويمنحنا رجاء للمستقبل.

ويمكن رؤية الجوانب العلاقاتية للإيمان في مجموعة لا تحصى من الفقرات الكتابية. ومنها مثلاً دعوة إبراهيم (تك 17،15). والعنصر الجوهري في هذه القصص الكتابية هو ثقة الإنسان في المواعيد الإلهية. ففي حالة إبراهيم كان الأساس هو تكوين علاقة ثقة وطاعة بين إبراهيم والله. ونرى نموذجًا مشابهًا في دعوة التلاميذ الأوائل على شاطئ بحر الجليل (مر 1: 16-20) حيث يدعو يسوع صيادين ليتبعوه، أي بالأحرى ليدخلوا في علاقة معه.

وعبر صفحات الوحي كله، نرى الله باعتباره شخصًا، وليس مجرد قوة، فهو شخص يحبنا ويريد أن يدخل في علاقة معنا. واللغة التي نستخدمها لنَصف علاقتنا بالله تشبه تلك التي نستخدمها لوصف علاقتنا بالآخرين، وهو ما يتضح في بعض الكلمات مثل “حب” أو “تكريس”. وبولس مثلاً يستخدم في رسائله تعبير “المصالحة” للإشارة إلى استعادة العلاقة بين الله وأناس غرباء واستعادة الشركة بين الله والبشر في المسيح.

والنقطة الدفاعية الرئيسية هنا تقوم على أسس لاهوتية متينة، ألا وهي أننا خُلقنا لكي نتواصل مع الله وسنظل مضطربين وغير مشبَعين حتى يحدث هذا التواصل. لقد خُلقنا “على صورة الله” (تك 1: 27)، وهذا ما يعني وجود تشابه أصيل، وليس تماثلاً، بين الله وكل واحد منا. فنحن نوصف بأننا كائنات بشرية بفضل ما منحنا الله إياه من قدرة على التواصل معه باعتباره خالقنا وفادينا. وعندما نصل إلى الإيمان بالله نرجع للحالة التي قصدها الله لنا. فالوجود الأصيل authentic existence لا يُكتسب بالممتلكات، ولا المناصب، ولا السلطة، بل بالالتصاق بالله الحي المحب.

وهذه القضية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بموضوع بحثناه سابقًا في هذا الفصل، وهو الحجة المبنية على الرغبة. ولكن الرغبة هنا تتجه نحو شخص، لا نحو شيء أو قوة. فالله شخص نعرفه، ولسنا فقط نعرف عنه. فلا شك أن بداخلنا “فراغًا على صورة الله” يدلل على حاجتنا للاتصال بالله حتى نصير إلى الوضع الذي يريدنا عليه. ودون الله، نظل نعاني من الفراغ وعدم الإشباع.

المفتاح الثامن: الأبدية (رجاء حدسي):

تصعب ترجمة بعض النصوص الكتابية إلى الإنجليزية نظرًا لثراء الأصل العبري أو اليوناني وتعقيده. وكما يقولون، إن المعاني تُفقد في الترجمة. فالإصحاح الثالث من سفر الجامعة يأخذ شكل تأمل طويل في موقعنا على خط الزمن. ولكن أحد أجزائه يشكل صعوبة حقيقية في الترجمة إلى اللغة الإنجليزية، ويقول هذا الجزء إن الله عندما خلق البشر “وضع في عقولهم حسًا بالماضي والمستقبل” (جا 3: 11). إلا أن هذه العبارة لا تحمل معنى مرور الوقت. لذلك، ربما يمكن ترجمتها بطريقة أخرى كأن نقول إن الله “زرع الأبدية في قلوبهم.” إننا ندرك في أعماقنا قِصَر الحياة البشرية، وحدسنا الداخلي يخبرنا بأن الواقع يتجاوز ما أعطي لنا من مقدار ضئيل من الزمان والمكان. ووجودنا المؤقت في هذا العالم يشير إلى وجود شيء أعظم وأفضل يتجاوزه. وبداخلنا شعور يقول لنا إننا خُلقنا لشيء أكبر من هذه الحياة. ولكن ما هو؟ وكيف نحصل عليه؟

إن هذا الشعور بان مصيرنا الحقيقي يتجاوز هذا العالم الزائل يتأكد بعدة عوامل. أولها الحدس الداخلي العميق بأننا لا ننتمي إلى هذا العالم. وقد تحدث القديس أغسطينوس الذي كتب في القرن الخامس عن ذكرى الفردوس التي تطاردنا بحيث لا يمكننا التخلص منها أبدًا. وحتى ونحن غارقون في خضم مشاغل الحياة، نتذكر عالمًا آخر، ووجودًا آخر. ويبدو أن الأصوات تنادينا من أقاصي الأرض مشيرةً إلى أعمق وأفضل من كل ما نمتلك أو نعرف في الوقت الحاضر. وقد عبَّر عن ذلك الشاعر “ماثيو أرنولد” Matthew Arnold (1822-1888) في قصيدته “الحياة الفانية” The Buried life التي نظَمها في أوج ازدهار العصر الفيكتوري:

ولكن غالبًا في أكثر شوارع هذا العالم ازدحامًا

ولكن غالبًا في عمق المعاناة

تنبثق رغبة يَقصُر التعبير عن وصفها

بعد أن عرفنا بحياتنا الفانية

يبدو أن ذكرى جنة عدن مطبوعة في نفوسنا، وهي تنهض لتوقظنا وتنعشنا عندما تغيب عن عيوننا هويتنا الحقيقية ومصيرنا الحقيقي.

وقد عبَّرت الموسيقية الأمريكية “چوني ميتشل” Joni Mitchell (المولودة سنة 1943) عن فكرة مشابهة سنة 1969 في أغنيتها الشهيرة “وُدستوك” “Woodstock” التي تقول فيها إننا “مصنوعون من تراب سحري”، إلا أن هذا لا يعني أننا نُختزل إلى مكوناتنا المادية كأننا مكونون من عناصر الكون الكيميائية، ولكننا نتميز بشي مختلف، شيء يجعلنا متفردين عن كل ما حولنا. وعلينا أن نستعيد إحساسنا بهويتنا وغرضنا. ولكن كيف؟ تأتي إجابة “چوني” قوية ومؤثرة: “ينبغي أن نعود بأنفسنا إلى الجنة.”

وهذا الشعور بالرجاء مغروس ومتأصل في الثقافة الغربية. فقد أجرت الصحفية “ليزا ميلر” Lisa Miller مؤخرًا دراسة على ما يتبناه الناس من مواقف ثقافية نحو السماء، أشارت فيها إلى أن الأفراد والمجتمعات مبرمجون على الاعتقاد في “مكان يجسد الأفضل في كل شيء، بل ما هو أعظم من الأفضل … الأجمل، والأكثر حبًا، والأكثر عدالة، والأوفر حقًا.”[54] وقد يكون هذا الاعتقاد طبعًا مجرد وهم، وتفكير رغبوي يحمينا من واقع الحياة القاتم. أو قد يمثل مفتاحًا يشير إلى هويتنا الحقيقية وقيمتنا. وترى “ليزا” أن في أعماقنا “رجاء أصيلاً”، يساعدنا على مواصلة الحياة حتى عندما يهاجمنا اليأس. ومن السهل أن نرى ارتباط هذه الفكرة بالرؤية المسيحية للرجاء المؤسس على قيامة يسوع المسيح ويقين المكوث في محضر الله نهائيًا في أورشليم الجديدة.

ومهمة المدافع أن يلتقط هذه المعرفة الحدسية العميقة الكامنة في القلب البشري ويبين أن الإيمان المسيحي يعطيها معنى ويقدم رجاءً حقيقيًا مؤسسًا في الله الحقيقي. فالمدافع يتخذ من هذا الشعور بالرجاء نقطة انطلاق ويسأل عما يشير إليه. ثم يشرح طبيعة الرجاء المسيحي، ويبين كيف أنه يجعل من هذا الحدس الأساسي الكامن في القلب البشري حقيقة واقعة. وهنا يمكن أن يبين أنه ربما غرس الله فكرة الأبدية في قلوبنا لتكون مفتاحًا يوحي بالمعنى الحقيقي للكون، وربما ما يجعلنا ننشغل بهذه الأفكار ونختبر هذه الأشواق أن الله خلقنا هكذا.

إن هذا الطرح لا يعتبر حجة منطقية. ولكنه توضيح لقدرة الإيمان المسيحي على أن يضفي معنى على الوضع البشري ويبين لنا أن ما نعرفه معرفة حدسية يمكن أن يتحقق واقعيًا في المسيح. إنه تفسير للوضع البشري باعتباره إعدادًا لتحويل اتجاهه وتغييره.

المفاتيح في نسيج واحد: بحثًا عن نسق:

أشرنا آنفًا إلى الصورة التي رسمتها الشاعرة الأمريكية “إدنا سينت ڤينسنت ميلاي” لِما أطلقت عليه “وابلاً من الحقائق” يهطل من السماء. وهي تشَبِّه هذه الحقائق بالخيوط التي لابد أن تُكون نسيجًا واحدًا يصنع لوحة، فهي كالمفاتيح التي يجب أن توضح معًا لتفتح الصورة الكبرى. وكما أشارت “ميلاي”، إننا عندما نواجه هذا الوابل من الحقائق، لابد أن نجد نولاً لنصنع منها نسيجًا. فما هو النسق الكامن في هذه الحقائق؟

تناولنا في هذا الفصل ثمانية مفاتيح تساعد في فهم معنى الكون. وكلٌّ منها له أهميته في حد ذاته، إلا أن قيمتها الحقيقية تكمن في النسق الكلي الذي تكشفه. فهي كالخيوط في لوحة الإيمان، واللاهوت المسيحي هو النول الذي ينسجها معًا حتى يدركها المرء ويُقدر قيمتها الحقيقية. فبالرغم من أنه يمكن تقدير كل خيط على حدة، فهي تزداد أهمية عندما تُنسج معًا لتشكيل نسقًا جميلاً متكاملاً.

وبعض هذه المفاتيح يختص بما نلاحظه في العالم المحيط بنا، والبعض الآخر يتعلق بعالم خبراتنا الداخلية. إلا أننا سنكتشف أن الإيمان المسيحي قادر على إضفاء المعنى على هذه المفاتيح ووضعها في الصورة الكبرى للواقع كما يكشفها الإنجيل، وذلك سواءً على مستوى ما يدور في أذهاننا من أفكار أو ما يعتمل في قلوبنا من أشواق. وهذه القدرة على التلامس مع خبرتنا وإعطائها معنى تُعتبر مؤشرًا أكيدًا على ما يميز الإيمان المسيحي من حق عقلاني ومَقدرة وجودية.

وقد قدم الفيلسوف “چون كوتينجهام” John Cottingham مؤخرًا شرحًا دقيقًا يعلل ما يتمتع به الإيمان المسيحي بالله من صلابة فكرية فائقة وإشباع روحي:

إنه يقدم إطارًا يحررنا من شبح الصدفة والبُطل الذي

يختبئ تحت سطح الأخلاق العلمانية التي يُظن أنها تتمتع

بالاستقلالية والاكتفاء الذاتي. فهو لا يعطينا برهانًا ولكنه

يملؤنا بالأمل في أن “كهف” عالمنا البشري (على حد

تعبير أفلاطون) لن يظل مغلقًا ومختومًا، بل ما نلتقطه

داخلنا من إشارات أخلاقية باهتة يعكس النبع الأصلي لكل

صلاح.[55]

وهكذا يقول “كوتينجهام” إن الومضات الأخلاقية التي تصدر داخلنا تعكس المصدر الأصلي للجمال وتشير إليه. والإنجيل يصنع لهذه “الإشارات” معنى، ويعيد توجيهها في الوقت نفسه نحو مَنشئها الحقيقي ومآلها.

والمنهج الذي نعرضه هنا يمكن دراسته بمزيد من الاستفاضة في ضوء الإطار اللاهوتي الذي يقدمه “چون كالڤن” John Calvin (1509-1564) في الفصول الافتتاحية من كتابه “مبادئ الدين المسيحي” Institutes of the Christian Religion،[56] حيث يؤكد أننا نتمتع بمعرفة حدسية أو نظرة لله تقوم إما على التأمل في العالم المحيط بنا أو على وعي داخلي بوجود الله فينا. وهو يعتبر هذه المعرفة مقبولة وإن كانت قاصرة، لأنها مجرد إشارات إلى شيء أعظم. ثم يستطرد “كالڤن” مؤكدًا أن المعرفة الكاملة لله التي تتأسس على الإعلان الإلهي قادرة على التلامس مع هذا النوع من الإدراك فتتيح للمرء أن يفهمه فهمًا صحيحًا، وتعمل أيضًا على إعادة تفسير هذه الأشكال من الإدراك، وإعادة توجيهها، وأخيرًا تؤدي إلى اكتمالها من خلال فداء المسيح.

ومن ثم، فالمنهج الدفاعي المستخدم في هذا الفصل يقوم على تحديد المفاتيح التي تساعد في فهم معنى الكون، سواء أكانت تصدر عن ملاحظاتنا للعالم المحيط بنا أم عن المشاعر الذاتية والأشواق البشرية العميقة. وعندما ننظر إلى هذه المفاتيح معًا، نجدها تمثل مؤشرات مهمة تدلل على قدرة الإيمان المسيحي على خلق معنى للحياة. إلا أنه يجب إدراك هذه المفاتيح وتطبيقها كلٍّ على حدة، فكلٌّ منها له أهميته الخاصة وهو يشع استراتيجية دفاعية منهجًا دفاعيًا خاصًا. وسأشرح ما أعنيه.

لنأخذ واحدًا من هذه المفاتيح، وليكن نظام الكون، ونرى كيف نستخدم مختلف جوانبه في الدفاعيات. كيف نستكشف هذا المفتاح ونساعد الآخرين على إدراك أهميته؟ كيف نستند على نظام الكون وانتظامه ونساعد الناس على إدراك أن هذا المفتاح يشير إلى أن الله مصدر هذا الكون؟ سأضرب مثلاً استخدمته في محاضرة قدمتها لشركة الإذاعة البريطانيةBritish Broadcasting Corporation  وأذيعت في مارس 2010. وفي هذه المحاضرة القصيرة استخدمت هذا “المفتاح”، وافتتحت كلمتي بواقعة من التراث القديم:

تحكى هذه القصة عن الفيلسوف اليوناني أريستبوس

الذي قذفته الأمواج على شاطئ جزيرة رودس، ولم يكن

يعلم شيئًا عن المكان، ولم يعلم إن كان آهلاً بالسكان أم

لا. وبينما كان يسير على الشاطئ وجد الأشكال

الهندسية مرسومة على الرمل، فهمس لنفسه قائلاً: “هناك

أمل. لابد أن في المكان أناسًا.” لقد رأى أريستبوس

أمارات في الطبيعة تشير إلى احتمال وجود عقل بشري.

فالأشكال تدلل على أن أشخاصًا مثله قاموا بتصميمها

ورسمها، أي أنه لم يكن وحده على هذه الجزيرة.

وبعدئذٍ ذكرتُ أن الكون يكشف عن أشكال نمطية منتظمة خاصة به، ومنها الضبط الدقيق. وكما استنتج أريستبوس من التصميمات التي رآها على شاطئ جزيرة رودس وجود فاعل عاقل صممها، قلت إن ما نراه من نظام في العالم يشير إلى وجود خالق. ثم ختمت المحاضرة كما يلي بالتفسيرات المحتملة لما نراه في الكون من نظام غريب وأنماط منتظمة:

من الإجابات التي تفسر ذلك أننا نجد هويتنا الحقيقية

ومعنانا عندما نعرف الله. وهذه هي الإجابة التي أقدمها

الآن، أو على الأقل جزء منها. ولكني لم أكن مقتنعًا بها

فيما سبق، إلا أنني عندما كنت طالبًا في أكسفورد منذ

سنوات طويلة بدأ هذا التفسير يستحوذ على أفكاري

وخيالي تدريجيًا.

وما زال هذا التفسير يملؤني بهجة وحيوية، فقد كان اكتشافي لله كالعثور على عدسة ساعدتني على رؤية الأشياء بمزيد من الوضوح. فالإيمان يقدم صورة أكبر للواقع، وهو في نظري شيء له معنى، وفي الوقت نفسه يجعل لوجودي معنى. وقد كتب “سي. إس. لويس”: “إني أؤمن بالمسيحية كما أؤمن بأن الشمس قد أشرقت، لا فقط لأني أراها، ولكن لأني أرى كل الأشياء الأخرى بواسطتها.” ولا أرى أن الإيمان بالله يتعارض مع العلم، بل إنه يزودني بإطار فكري وأخلاقي يمكن من خلاله تقدير نجاحات العلم وفهمها، وإدراك محدوديته.

وأود أن أختم بفكرة للسير “إسحق نيوتن”، وهو واحد من أهم من أسهموا في الثورة العلمية التي قامت في القرن السابع عشر. وما حققه “نيوتن” من طفرات علمية ورياضية، مثل اكتشافه لقوانين حركة الكوكب، ونظرية البصريات وضعه في صدارة ما توصل إليه العلم من مفاهيم جديدة للطبيعة. إلا أن “نيوتن” آمن أن ما يُرى من الطبيعة يشير إلى شيء أعمق يتجاوزها، والمنظور هو علامة إرشادية تلفت النظر إلى هذا الشيء. وقد كتب في نهاية حياته: “لم أكن سوى طفل يلعب على الشاطئ، وانا الآن أدخل قليلاً إلى المياه فأجد حصاة أنعم من الحصوات العادية أو صدفة أجمل من الأصداف العادية، ولكني حتى الآن لم أكتشف محيط الحق الشاسع الذي لا يزال ممتدًا أمامي.” ما زال هذا المحيط موجودًا، وأغواره التي لم تُسبر تدعونا لنغوص فيها وندخل في أعماقها.

لاحظ أني كونت منهجًا دفاعيًا وليس كرازيًا. فأنا لم أحاول أن أقود المستمع لقبول الإيمان، ولكني سعيت لإثارة تفكيره، وجذب انتباهه، ولفت نظره، وأخيرًا إقناعه. فما هو أفضل تفسير لهذا المفتاح؟ وما المعاني التي ينطوي عليها فيما يتعلق بالوجود البشري؟ أظن أننا جميعًا متفقون أن ما يجب أن يقال في هذا الموضوع يزيد عما أوردنا بكثير. ولكن على أي حال يجب أن يُنظر إلى الدفاعيات عمومًا باعتبارها وسيلة لفتح حوار جاد يجذب انتباه الجمهور، سواء أكان شخصًا واحدًا أو قاعة مليئة بالحضور، بطرح أسئلة الحياة العميقة. فالدفاعيات تفتح الحديث، والكرازة تصل به إلى النتيجة النهائية.

خطوة للأمام:

تناولنا في هذا الفصل “مفاتيح” تساعد في فهم معنى الكون المتناثر حولنا. ورغم أن الكثير من هذه المفاتيح معروف لجمهورنا، ربما أنهم لم يفكروا فيما تعنيه. ومهمتنا نحن المدافعين أن نصل كل هذه النقاط ونضع المفتاح في إطارها الصحيح.

ولكن يجب الإشارة هنا إلى نقطة أخرى. لقد أكدنا في الفصل السابق أهمية أخذ الجمهور في الاعتبار لأن الناس مختلفون. فالبعض قد يُقدر قيمة الحجة العقلية. في حين أن البعض الآخر قد يُقدر أسلوبًا يتناول مستوى أعمق، مثل الجمال أو شعور البشر بالتوق إلى شيء له قيمة عظمى. وهو ما يعني أننا لا نقتصر على الحجج التي تستند إلى المنطق البشري، ولكننا قادرون على التفاعل مع كل جوانب الطبيعة البشرية، بما فيها الخيال، والمشاعر، والحدس. وفي الفصل التالي سنتناول مجموعة من المداخل للإيمان وندرس أهميتها وكيفية استخدام كلًّ منها الاستخدام الأمثل.

لمزيد من الاطلاع:

Craig, William Lane. “In Defense of Theistic Arguments.” In The Future of Atheism, edited by Robert B. Stewart, 67-96. Minneapolis: Fortress Press, 2008.

Dubay, Thomas. The Evidential Power of Beauty: Science and Theology Meet. San Francisco: Ignatius press, 1999.

Evans, C. Stephen. Natural Signs and Knowledge of God: A New Look at Theistic Arguments. Oxford: Oxford University Press, 2010.

Feingold, Lawrence. The Natural Desire to See God According to St. Thomas and His Interpreters. Rome: Apollinare Studi, 2001.

Haldane, John. “Philosophy, the Restless Heart, and the Meaning of Theism.” Ratio 19 (2006): 421-40.

Hart, David Bentley. The Beauty of the Infinite: The Aesthetics of Christian Truth. Grand Rapids: Eerdmans, 2003.

Keller, Timothy J. Counterfeit Gods: The Empty Promises of Money, Sex, and Power, and the Only Hope That Matters (New York: Dutton, 2009).

McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: science, Faith, and How We Make sense of Things. Louisville: Westminster John Knox, 2011.

Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.

Plantinga, Alvin. Warranted Christian Belief. Oxford: Oxford University Press, 2000.

Polkinghorne, John. Science and Creation: The Search for Understanding. London: SPCK, 1988.

Spitzer, Robert J. New Proofs for the Existence of God: Contributions of Contemporary Physics and Philosophy. Grand Rapids: Eerdmans, 2010.

Swinburne, Richard. The Existence of God. 2nd ed. Oxford: Clarendon Press, 2004.

Warren, Rick. The Purpose Driven Life: What on Earth Am I Here for? Grand Rapids: Zondervan, 2002.

Wolterstorff, Nicholas. “The Migration of the Theistic Arguments: from Natural Theology to Evidentialist Apologetics.” In Rationality, Religious Belief, and Moral Commitment, edited by Robert Audi and William J. Wainwright, 38-80. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1986.

[1] Augustine of Hippo, Confessions VII.x.16.

[2] Helge Kragh, Cosmology and Controversy (Princeton: Princeton University Press, 1999), 262.

[3] For a thorough exploration of the scientific issues and their apologetic implications, see Alister E. McGrath, A Fine-Turned University: The Quest for God in Science and Theology (Louisville: Westminster John Knox, 2009), 109-201ز

[4] Richard Swinburne, “The Argument from the Fine-Tuning of the Universe,” Physical Cosmology and Philosophy, ed. John Leslie (New York: Macmillan, 1990), 154-73; Robin Collins, “A Scientific Argument for the Existence of God: The Fine-Tuning Design Argument,” Reason for the Hope Within, ed. Michael J. Murray (Grand Rapids: Eerdmans, 1999), 47-75.

[5] الكربون هو المكون الرئيسي للمركبات العضوية ويمثل حوالي 18% من وزن الكائنات الحية. (المترجمة)

[6] Martin J. Rees, Just Six Numbers: The Deep Forces That Shape the Universe (London: Phoenix, 2000).

[7] Robert J. Spitzer, New Proofs for the Existence of God: Contributions of Contemporary Physics and Philosophy (Grand Rapids: Eerdmans, 2010), 60-65

[8] عملية تحول ذري تحدث داخل النجوم، مثل الشمس وفيها تتحول ذرات الهيدروجين إلى هليوم ثم يتحول الهليوم إلى كربون وأكسجين في وجود مركب الباريوم. وهذه العملية المعقدة هي الأساس الوحيد لتكون الكربون في الكون. (المترجمة)

[9] entropy: مصطلح يعبر عن محتوى الطاقة الداخلي في المادة، ويترجَم وفقًا لما ورد في “معجم المصطلحات العلمية والفنية والهندسية” لأحمد شفيق الخطيب إلى “درجة التعادل الحراري”، أو “قياس الطاقة اللامتاحة”. (المترجمة) 

[10] Fred Hoyle, “The Universe: Past and Present Reflections,” Annual Review of Astronomy and Astrophysics 20 (1982): 16.

[11] Spitzer, New Proofs for Existence of God, 34-42.

[12] Heinz R. Pagels, The Cosmic Code: Quantum Physics and the Language of Nature (Harmondsworth: Penguin, 1984), 83.

[13] Paul Davies, The Mind of God: Science and the Search for Ultimate Meaning (London: Penguin, 1992), 77.

[14] الأصل اليوناني للكلمة khaos ويعني “فجوة شاسعة”، “فراغ”. (المترجمة)

[15] الأصل اليوناني للكلمة kosmos ويعني “نظام” أو “عالم”. (المترجمة)

[16] John Polkinghorne, Science and Creation: The Search for Understanding (London: SPCK, 1988), 20-21.

[17] Eugene Wigner, “The Unreasonable Effectiveness of Mathematics,” Communications on Pure and Applied Mathematics 13 (1960): 1-14.

[18] C. S. Lewis, Miracles (New York: Macmillan, 1947), 26ز

[19] Charles A. Coulson, Science and Christian Belief (Chapel Hill: University of North Carolina Press, 1958), 22.

[20] Augustine, On the Trinity XVI. Iv.6.

[21] Audio recording available at .

[22] الموضوعية هي وجود الشيء مستقلاً عن الأفكار والآراء الشخصية وغير متأثر بها، وتشير في الفلسفة إلى الاعتقاد بأن الموجودات توجد مستقلة عن معرفة البشر بها أو إدراكهم لها. (المترجمة)

[23] Paul Kurtz, Forbidden Fruit: The Ethics of Humanism (Buffalo: Prometheus Books, 1988), 65ز

[24] الذاتية في الفلسفة موقف يرى أن المعرفة تتوقف على وجود الذات المدركة وأنه ليس هناك حقيقة موضوعية أو خارجية. (المترجمة)

[25] Richard Rorty, Contingency, Irony, and Solidarity (Cambridge: Cambridge University Press, 1989), 194 n.6.

[26] Richard Rorty, The Consequences of Pragmatism (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1982), xlii.

[27] Ibid.

[28] الحدس intuition هو الفهم أو المعرفة التي تعتمد على الشعور لا على المنطق والدليل والحقائق. (المترجمة)

[29] C. S. Lewis, Mere Christianity (London: HarperCollins, 2002), 3-8.

[30] Ibid., 24.

[31] C. S. Lewis, The Abolition of Man (London: Collins, 1978), 19.

[32] Philip E. Devine, Natural Law Ethics (Westport CT: Greenwood, 2000), 32-34.

[33] Augustine, Confessions I.i.1.

[34] Blaise Pascal, Pensées (Mineola, NY: Dover Publications, 2003), 113.

[35] Ibid.

[36] See Lewis, Mere Christianity, 134-38. See also a similar argument in C. S. Lewis, “The Weight of Glory,” Screwtape Proposes a Toast (London: Collins, 1965), 94-110.

[37] For Lewis’s approach, see Peter Kreeft, “C. S. Lewis’s Argument from Desire,” G. K. Chesterton and C. S. Lewis: The Riddle of Joy, ed. Michael H. MacDonald and Andrew A. Tadie (Grand Rapids: Eerdmand, 1989), 249072. More generally, see John Haldane, “Philosophy, the Restless Heart, and the Meaning of Theism,” Ratio 19 (2006): 421-40.

[38] Augustine, Confessions I.i.1.

[39] Lewis, Mere Christianity, 136-37.

[40] Charles Taylor, A Secular Age (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2007), 530.

[41] Avihu Zakai, “Jonathan Edwards and the Language of Nature: The Re-Enchantment of the World in the Age of Scientific Reasoning,” Journal of Religious History 26 (2002): 15-41.

[42] Lewis, Mere Christianity, 1.

[43] Lewis, “Weight of Glory,” 94-110

[44] Ibid.,97.

[45] Ibid.

[46] Ibid., 98.

[47] Ibid., 105.

[48] Ibid., 100.

[49] Ibid., 106.

[50] Ibid., 108.

[51] Ibid., 107-8.

[52] Ibid., 107.

[53] See Paul Elmer More, Christ the Word (Princeton: Princeton University Press, 1927).

[54] Lisa Miller, Heaven: Our Enduring Fascination with the Afterlife (New York: HarperCollins, 2010).

[55] John Cottingham, Why Believe? (London: Continuum, 2009), 47.

[56] For comment, see the classic studies of Edward A. Dowey, The Knowledge of God in Calvin’s Theology (New York: Columbia University Press, 1952); and T. H. L. Parker, Calvin’s Doctrine of the Knowledge of God (Edinburgh: Oliver & Boyd, 1969).

الجمهور – الإمكانات المتاحة والقضايا المطروحة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الجمهور – الإمكانات المتاحة والقضايا المطروحة  – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الجمهور – الإمكانات المتاحة والقضايا المطروحة  – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الجمهور – الإمكانات المتاحة والقضايا المطروحة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

 

يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو يرفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة. والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المضللة، فيدركون فجأة سر ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.

فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي. فما هي المداخل التي نقصدها؟

حتى عهد قريب، كان الاتجاه السائد في الدفاعيات يعتمد على استخدام الحجج للدفاع عن الإيمان المسيحي بشكل عقلاني. إلا أن هذا الاتجاه كان يمثل إلى حد كبير استجابة لثقافة عقلانية اتخذت من التوافق مع العقل معيارًا للحق. وسنرى أن استخدام الحجة ما زال يمثل جزءًا لا يتجزأ من الدفاعيات المسيحية ولا يجب تهميشه أبدًا. إلا أن تراجع المذهب العقلاني في الثقافة الغربية أدى إلى الإقلال من أهميتها. وخلَق جوًا يتطلب إدراكَ جوانب أخرى في الإيمان المسيحي، وعلى رأسها ما يتمتع به من جاذبية عظمى على مستوى الخيال، والأخلاق. والكُتاب المسيحيون القدامى، وخاصةً كُتاب العصور الوسطى وعصر النهضة، علقوا أهمية كبرى على الصور التشبيهية والقصص الكتابية في تعليم الأشخاص المخلصين، إلا أن صعود تيار الحداثة أدى إلى الحط من قيمة هذين العنصرين، بقدر ما أدى ظهور تيار ما بعد الحداثة إلى إعادة اكتشاف قوة تأثيرهما.

وقد أدى نمو تيار ما بعد الحداثة مؤخرًا إلى تأكيد أهمية القصة والصورة من جديد لأن كلاً منهما يجذب الخيال البشري بشكل خاص. وكل من له دراية بتاريخ الدفاعيات المسيحية لا يصعب عليه أن يدرك أن المدافعين القدامى كانوا يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على هذين العنصرين باعتبارهما مداخل للإيمان، وخاصةً في عصر النهضة. ولذلك، فنحن بحاجة لاستعادة هذه الأساليب القديمة في الدفاعيات لخلق منهج متوازن يدافع عن الإيمان المسيحي ويبرز جماله في ظل ما تشهده ثقافتنا من تحولات.

وعلينا أن نكيف دفاعياتنا بم يتلاءم مع مستمعينا، مع الانتباه لوجود عدة نقاط للتلاقي بين الإنجيل والنفس البشرية. ويتضح أن العهد الجديد نفسه يُعنى بربط الإنجيل مع مفاهيم وخبرات المتلقين على اختلاف نزعاتهم. فإن كانت النفس تَعطش لله “كَأَرضٍ يَابِسَةٍ” (مز143: 6)، فكيف ترتوي؟ إن مهمتنا تحديد القنوات المتاحة التي تتدفق فيها مياه الإنجيل الحية فتنعش النفس البشرية وتغيرها، ثم استخدام هذه القنوات بأمانة وفاعلية. وفي هذا الفصل سأستخدم صورة المدخل لتساعدنا على فهم هذه المنهجيات المختلفة.

المداخل والدفاعيات: بعض الأفكار:

تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل” Alan of Lille (المتوفى سنة 1203) مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة. ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء. إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزاً من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.

وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية. إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضًا، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.

والمدخل وسيلة تنفتح بها عيوننا على حقيقة حالتنا، وقدرة الإنجيل على تغييرها. ولكي نفهم هذه النقطة المهمة، تخيل أنك مصاب بتسمم في الدم، وحياتك ستنتهي في غضون ساعات لو لم تحصل على الأدوية اللازمة، ولكنك لا تعرف ما أصابك على وجه التحديد، ولا تعرف بوجود علاج لهذه الحالة. حاول أن تتخيل نفسك في ذلك الموقف. والآن فكِّر في الطرق التالية التي يمثل كلٌّ منها مدخلاً يؤدي إلى تغيير وضعك:

  1. يخبرك طبيب من أصدقائك أن ما تعانيه هو تسمم في الدم، ويشرح لك أن هذه الحالة إن لم تعالج تؤدي إلى الوفاة، ويعطيك أسماء عدة أدوية ويخبرك بالمكان الذي تحصل عليها منه وبكيفية استخدامها.
  2. يخبرك صديق آخر أنه أصيب بهذه الأعراض عينها، إلا أن شخصًا أخبره بدواء معين أنقذ حياته. يقترح عليك أن تجرب هذا الدواء. أي أنه يحكي لك قصته الشخصية التي تتقابل مع قصتك في هذه النقطة الحرجة.

الطريقة الأولى تمثل حجة تستند إلى أدلة، أما الثانية قصة تستند إلى خبرة شخصية يرى صاحبها أنها مطابقة للموقف الذي تمر به. ورغم أن كل أسلوب يختلف تمامًا عن الآخر، فكلٌّ منهما يمثل مدخلاً. كيف؟

أولاً، كلٌّ منهما يساعدك على رؤية الأمور على حقيقتها. ثانياً، كلٌّ منهما يتيح لك أن تدرك ما يجب فعله لتغيير الأوضاع. ثالثًا، كلٌّ منهما يشجعك على اتخاذ تلك الخطوة الحاسمة بالحصول على الدواء، وتناوله حتى تتحسن حالتك.

إن الدواء هو سبب شفائك، ولكنك لو لم تدرك حقيقة حالتك، وأنك تحتاج للدواء، لكان شفاؤك مستحيلاً. ونعمة الله هي الدواء، وبعد أن تُشفى بهذه النعمة يمكنك أن تساعد الآخرين على إدراك حاجتهم لها، ويمكنك أن تشهد عن قوتها. والله هو من يغير الناس ويأتي بهم للإيمان. أنت جزء صغير (ولكنه حقيقي) في عملية الشفاء هذه. ومن ثم، فما تقوله يمكن أن يمثل مدخلاً يسمح للناس برؤية الأمور من منظور مختلف، مما يساعدهم على تخيل طريقة جديدة للتفكير والعيش.

فما هذه المداخل المتاحة للدفاعيات المسيحية؟ سوف نبحث في هذا الفصل بعض الإمكانات المتوفرة للدفاعيات. وسنبدأ بأبسط الأساليب الدفاعية، ألا وهي شرح ماهية المسيحية.

المدخل الأول: الشرح:

أفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان. ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[1] كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.

وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا. ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟

اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروز Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا.

اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه.[2]

وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروز (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روجتها المانوية عن المسيحية. وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروز بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.

ولابد أن البعض ممن نلتقي بهم في خدمتنا الدفاعية يحمل أفكارًا مضللة ومشوهة تمامًا عن المسيحية. وهذه المفاهيم الخاطئة التي يلتقطها البعض دون وعي، والبعض الآخر ينشرها عن قصد، لابد من تحديدها وإبطال مفعولها بخطة مُحكمة مدروسة.

ننتقل الآن لنبحث ما قد يُعتبر أكثر مداخل الإيمان شيوعًا، ألا وهو استخدام الحجة المنطقية.

المدخل الثاني: الحجة:

تؤكد المنهجيات الكلاسيكية في الدفاعيات أهمية العقل في كلٍّ من بناء حجة فكرية تؤيد فكرة وجود الله، ونقد الأفكار المغايرة. وقد بحثنا فيما سبق دور الحجج في الدفاع عن وجود الله، ومنها:

  1. الحجة المبنية على التصميم argument from design: وهي تَعتبر أن ملاحظة التصميم الموجود في العالم، مثل ما يميزه من “ضبط دقيق”، أو بنية معقدة يشير إلى أن الله هو المصمم (ص 99، 100).
  2. الحجة المبنية على الإنشاء argument from origination: إن كانت للكون بداية، فهذا يعني أن له مسببًا أنشأه، وقد يكون هذا المسبب شخصًا أو شيئًا، وهو ما يشير تلقائيًا إلى فكرة الله في المسيحية باعتباره خالقَ كل شيء (ص 96- 98).
  3. الحجة المبنية على الترابط argument from coherence: وهنا نركز على قدرة الإيمان المسيحي أن يقدم تفسيرًا لما نلاحظه في العالم المحيط ولما نختبره داخلنا (ص79- 86، 101- 103).
  4. الحجة المبنية على الأخلاق argument from morality: تقول هذه الحجة باستحالة وجود قواعد ثابته وموثوق بها للقيم الأخلاقية إلا إذا كان لها أساس يتجاوز هذا العالم المادي، كإله بار مثلاً (ص 104-109).

وقائمة الحجج تطول، ولكن لابد أن نأخذ في اعتبارنا أن هذه الحجج لا يجب أن تُفهم على أنها “براهين” بالمعنى المنطقي الدقيق للكلمة. ولكن ما توضحه هذه الحجج بكل جلاء أن الإيمان بالله له أسباب وجيهة، أو أن الإيمان بالله له مبرراته، حتى وإن كان لا يمكن البرهنة عليه بشكل مطلق.

وكلمة “برهان” بمعناها الدقيق لا تنطبق إلا على المنطق والرياضيات، فكما يمكننا أن نبرهن على أن الكل أكبر من الجزء، يمكننا أن نبرهن أن 2+2 =4. إلا أنه يجب أن نحترس من الخلط بين “قابلية البرهنة” و”الحق”. ففي مطلع القرن العشرين أثبت عالم الرياضيات العظيم “كرت جودل” Kurt Gödel أنه بالرغم من كثرة ما نصوغه من قواعد الاستدلال، ستظل هناك بعض الاستدلالات التي لا تخضع لهذه القواعد، ومع ذلك فهي مقبولة. أي أن هناك عددًا من الأفكار الصحيحة التي قد لا يمكننا إثبات صحتها،[3] وهذه الحقيقة تنطوي على معانٍ غاية في الأهمية من الناحية الفلسفية.[4]

ويمكن استخدام الحجج أيضًا في نقد بدائل الإيمان المسيحي وتقييمها، وذلك بإظهار عدم ترابطها على المستوى الفكري أو افتقارها لأساس من الأدلة يمكن الوثوق به. فقد أبرزنا مثلاً عبر صفحات هذا الكتاب قدرة الإنجيل على خلق معنى للأشياء. ونحن بذلك لا نحصر جاذبية المسيحية في أبعادها العقلانية فحسب، لأنها غنية بالجوانب الوجدانية، والأخلاقية، والتخيلية، والوجودية. ويجب على المدافع الذي يتحلى بروح المسئولية أن يستفيد منها استفادة كاملة. ولا شك أن الكثيرين ينجذبون إلى الإيمان المسيحي بسبب قدرته على خلق معنى للأشياء.

ولكن ماذا عن بدائل المسيحية؟ ما مدى قدرة النظم المنافسة على خلق معنى للأشياء؟ هل تصمد أمام اختبار الاتساق التجريبي، أي هل تنجح نظرياتها في خلق معنى للملاحظة وللخبرة؟ وقد أكدنا في فصل سابق أهمية إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من قدرة على خلق معنى لملاحظاتنا وخبراتنا. ولا يكفي هنا أن يقتصر المدافع على إظهار تفوق المسيحية في هذا الصدد، ولكنه لا بد أن يبين قصور البدائل الأخرى.

ويرجع الفضل في تصميم هذا الأسلوب لواحد من أهم المدافعيين الكتابيين في أمريكا الشمالية أثناء القرن العشرين، وهو “فرانسيس شِفَر” (1912- 1984). ويُبرز أسلوب “شِفَر” في الدفاعيات الكثير من النقاط التي تناولناها في هذا الكتاب.[5] فهو يلفت النظر مثلاً لأهمية أخذ الجمهور في الاعتبار، والابتعاد عن استخدام منهج موحد للجميع: “إن أردنا أن نتواصل مع مستمعينا، لابد أن نصرف الوقت والجهد لنفهم لغتهم، حتى نوصل لهم الرسالة باللغة التي يفهمونها.”[6] أي أن المدافع لابد أن يستمع لجمهوره حتى يتعلم لغتهم ليتمكن من التواصل معهم بهذه اللغة.

ويبدو أن “شِفَر” اكتشف بنفسه أهمية الإصغاء لأفكار جمهوره ومخاوفهم وتطلعاتهم أثناء عمله المرسلي في المنطقة الناطقة بالفرنسية في سويسرا في أواخر الخمسينات وفي الستينات من القرن العشرين. ونظرًا لأنه كان يقيم في كوخ سويسري (اسمه “لابري” L’Abri وهو مشتق من الكلمة الفرنسية التي تعنى “مأوى” أو “ملجأ”) في قرية بجبال الألب تدعى “إيموز” Huemoz، فقد كان يستضيف الكثير من الطلاب الذين يتجولون في أنحاء أوروبا، ولاسيما الشباب الأمريكيين الذين كانون يتجولون في مختلف البلدان الأوروبية بحقيبة ظهر. فكان يسمع آرائهم في الأفلام والروايات المعاصرة أو في الفلسفات الجديدة التي ظهرت آنذاك. وكان يتساءل كيف يمكن تقديم الكتاب المقدس بشكل يناسب الأفكار الوجودية العنيدة التي روجها الفلاسفة المؤثرون في تلك الحقبة مثل “جان بول سارتر”  Jean Paul Sartreوكذلك “سورن كيركجارد”. وإذ استمع “شِفَر” لهؤلاء الطلاب وهم يُعبرون عن أفكارهم، اكتشف أنه يمكنه التفاعل معهم في مستواهم وبلغتهم، مستخدمًا صورًا توضيحية من عالمهم ليساعدهم على إدراك معقولية الإيمان المسيحي.

إلا أن أعظم إساهم قدمه “شِفَر” للدفاعيات يكمن في الأهمية التي يعلقها على تحديد مَواطن الصراع في الفلسفات غير المسيحية واكتشاف ما تنطوي عليه من معانٍ أشمل. والمقصود أن أي فلسفة حياتية ترتكز على افتراضات مسبقة معينة، فإن كانت هذه الافتراضات المسبقة من صنع الإنسان ولا تتضمن تفويضًا أو تخويلاً إلهيًّا، فلن تتمكن من التوافق مع بِنَى الكون الذي خلقه الله.

كلما كان مَن يؤمن بفكر غير مسيحي منسجمًا مع افتراضاته المسبقة، ابتعد عن العالم الحقيقي، وكلما اقترب من العالم الحقيقي، تَبدد انسجامه مع افتراضاته المسبقة.[7]

ويقول “شِفَر” إن كل شخص يعيش بإحدى قدميه في أحد العالمَين ويضع الأخرى في العالم الآخر: العالم الحقيقي الخارجي الذي يتميز بعمقه وتعقيده، وعالم داخلي من الأفكار يشكله الاشتياق للتفهم، والحب، والقيمة. فإن وُجِد صراع بين هذين العالمين، يستحيل على الفرد أن يحيا حياة لها معنى. فلابد من وجود توافق بين خبرتنا في العالم الخارجي وعالمنا الداخلي.[8] ولذلك، يرجح “شِفَر” أن المدافع لابد أن يستخدم الحجة المنطقية لتحديد وكشف التناقضات والصراعات الداخلية التي تحويها الفلسفات الحياتية غير المسيحية. وهو يبين أنها تقوم على فرضيات أو افتراضات مسبقة لا تتسق مع الوجود الإنساني الحقيقي ولا تتوافق معه.

كل مَن نتحدث إليه، سواءً أكان بائعًا في متجر أم كان طالبًا جامعيًا، يحتفظ بمجموعة من الافتراضات المسبقة، سواء قام بتحليلها أم لم يقم… ويستحيل على أي شخص غير مسيحي أو جماعة غير مسيحية أن تتوافق مع النظام الذي تتبعه سواء على مستوى المنطق أو على مستوى الممارسة. وعندما يحاول الشخص إخفاء الصراع، عليك أن تساعده على كشفه، وفي نقطة معينة سيكتشف عدم الاتساق. وعندئذٍ سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار، وهذا الصراع ليس صراعًا فكريًا فحسب، ولكنه يقع في صميم الكيان الإنساني ككل.[9]

ومن ثم، على المدافع أن يساعد الفرد على إدراك هذا “الصراع” والشعور بقوته الفكرية والوجودية، وهو ما يتضمن مساعدته على اكتشافه أولاً، وتقدير أهميته ثانيًا. ويرى “شِفَر” أن البشر يَقُون أنفسهم من هذا الصراع بحمايتها داخل شرنقة فكرية تمنعهم من مواجهة ذلك الاكتشاف المزعج بأن أفكارهم لا تتفق مع الواقع. ويستخدم “شِفَر” صورة يقتبسها من شتاء سويسرا لوصف هذه الحالة، فهو يشبه هذه الشرنقة الفكرية بأسقف أكواخ جبال الألب التي تعمل كمصدات تحمي المسافرين من الانهيارات الثلجية:

فهو يشبه المصدات الكبيرة التي تبنى على بعض الممرات الجبلية لحماية العربات من انهيارات الصخور والحجارة التي تهوي من فوق الجبل من آن لآخر. وهذه الانهيارات الثلجية في حالة غير المسيحي هي العالم الحقيقي الساقط المشوه الذي يحيط بهم. وعلى المسيحي أن يزيل المصدة بحب ويسمح لحقيقة العالم الخارجي وحقيقة الإنسان بأن تصدمه.[10]

ومن ثم يمكن النظر إلى الدفاعيات باعتبارها نزعًا لسقف هذا الكوخ لإجبار الشخص على إدراك أن طريقة تفكيره عاجزة عن الصمود في مواجهة العالم الحقيقي الخارجي.

فكيف يمكن تطبيق هذا المنهج؟ يعطينا “شِفَر” مثالاً يوضح هذا الأسلوب جيدًا. فقد كان يتحدث إلى مجموعة من الطلاب في غرفة بإحدى الكليات في جامعة كامبردج. وبينما كان الماء يغلي لتحضير الشاي، ابتدره أحد الطلاب الهنود قائلاً إن المسيحية لا معنى لها. فسأله “شِفَر” عن عقيدته قائلاً: “ألستُ على صواب إن قلت إن القسوة وعدم القسوة متساويات في عقيدتك، وليس بينهما أي فارق أصيل؟” فوافقه الطالب. ثم يروي “شِفَر” ما حدث بعد ذلك:

الطالب الذي اجتمعنا في غرفته فهم جيدًا ما يعنيه اعتراف الطالب السيخي، فتناول الغلاية الممتلئة بالماء الساخن الذي كان سيعمل به الشاي، ووضعها أعلى رأس الشاب الهندي والبخار يتصاعد منها. فنظر الشاب لأعلى وسأله: ماذا تفعل؟ فأجابه بنبرة حاسمة باردة ولكنها مهذبة: “لا فرق بين القسوة وعدم القسوة.” وعندئذ خرج الهندي صامتًا واختفى في ظلام الليل البهيم.[11]

وأسلوب “شِفَر” يتسم بقوته وبقدرته على الوفاء بالعديد من الأغراض، مما يجعله صالحًا لعدد من المواقف المختلفة. خذ مثلاً الوضعية المنطقية Logical Positivism، وهي حركة فلسفية حققت نجاحًا كاسحًا في العالم الناطق بالإنجليزية في ستينات القرن العشرين. وقد أعلنت هذه الحركة أن كل العبارات الميتافيزيقية*، بما فيها ما يتعلق بالله، عديمة المعنى. وكان الأساس الذي اعتمدت عليه هذه الفلسفة في ذلك هو “مبدأ التحقق” الذي قصر العبارات ذات المعنى على القضايا الصحيحة في حد ذاتها (مثل “كل العزاب غير متزوجين”) أو التي تتأكد بالخبرة (مثل “كان في الحديقة الأمامية لقصر “باكينجهام” ست إوزات الساعة 5:23 صباحًا يوم 1 ديسمبر 1968″). وتطبيق منهج “شِفَر” يتيح لنا أن نؤكد أن مبدأ التحقق نفسه عديم المعنى لأنه لا يتماشى مع المعيار الذي اعتمدته الوضعية المنطقية لقياس المعنى.

أو خذ مثالاً أبسط للهجمة الشرسة التي غالبًا ما نواجهها في جامعات أمريكا الشمالية: “لا يمكن أن تتأكد من أي شيء”. وهذه النظرة تهدف إلى الإطاحة برؤية “الصورة الكبرى” للواقع، كتلك التي يقدمها الإيمان المسيحي لأنها تعني أننا لابد أن نتشكك حتى في كل العبارات المؤكدة المختصة بالحياة. ولكن من الواضح أن هذا التصريح ذاتي المرجعية يعتمد في صدقه أو كذبه على ذاته self-referential، ويمكن تقويضه والقضاء عليه بطرح سؤال بسيط ردًا عليه: “هل أنت متأكد من ذلك؟” وهكذا فإن المنطق الذي يقوم عليه الادعاء هو نفسه الذي يُسقطه.

إلا أن هذا لا يعنى أن مهمتنا هي مجرد الفوز بالمجادلات أو تقديم المؤهلات العقلانية للإيمان. فمما يؤسف له أن تأثير حركة التنوير على الثقافة الغربية لم يختفِ، ولا سيما في الإصرار على تقديم براهين تثبت صحة العقائد، مما نتج عنه تقديم الدفاعيات المسيحية باعتبارها مجرد بناء حجج فعالة تهدف لإقناع الناس بصحة الإيمان المسيحي. إلا أن الخطورة في ذلك أنه قد يؤدي إلى إظهار المسيحية على أنها مجموعة من الحقائق الجامدة والأفكار المجردة. ولذلك، فإن هذا المنهج ينطوي على ثلاث صعوبات.

أولها، أنه ليس  مؤسسًا على الكتاب المقدس كما يجب. فالحق، ولاسيما في العهد القديم، يركز في المقام الأول على المصداقية والثقة. والقضية الأساسية في الدفاعيات تتلخص في أن الله هو قاعدة أمان، وأنه أساس آمن تُبنى عليه حياة الإيمان. أي أن “الإله الحقيقي” ليس مجرد إله موجود، بل إله يمكن الاعتماد عليه. والنظرة العقلانية التي تعتبر الحق هو كل افتراض تَثبت صحته تستبعد النظرة الكتابية التي تعتبر الحق مفهومًا علاقاتيًا.

والمشكلة الثانية أن جاذبية الإيمان المسيحي لا يمكن أن تقتصر على منطقية عقائده. ولكن المسيحية تستند بقوة على الخيال أيضًا. كما توضح كتابات “سي. إس. لويس.” وعندما كان “لويس” شابًا وجد نفسه يتوق إلى عالم له معنى، يشتعل حبًا، ويفيض جمالاً، ولكنه اقتنع أن هذا العالم لم ولن يوجد: “كنت أؤمن أن كل ما أحبه تقريبًا وَهم، وتقريبًا كل ما آمنت بأنه حقيقي رأيته منفرًا وبلا معنى.”[12] لقد أخبره خياله بوجود عالم أفضل، ولكن عقله أخبره أنه كلام فارغ. فلم يجد أمامه خيارًا سوى مواجهة عالم مجدب مجرد من المشاعر، ومواجهة وجوده الخالي من أي معنى.

وأخيرًا اكتشف “لويس” عقلانية الإيمان المسيحي، إلا أن انجذابه للإيمان كان سببه أن الإنجيل يقدم معنى، وليس لأنه يُعبر عن افتراضات صحيحة. وقد علق “لويس” على هذا قائلاً: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى.”[13] وجاذبية الإيمان المسيحي عند البعض تتمثل في جمال عبادته، أو في قدرته على التلامس مع المشاعر الإنسانية، أو في نتائجه الأخلاقية.

أما ثالث هذه المشكلات فهي أن المنهج العقلاني يقوم على نظرة حداثية. إلا أنه في معظم أنحاء العالم الغربي اليوم، حل اتجاه ما بعد الحداثة مكان الحداثة، مما يقلب الكثير من المعتقدات المحورية للحداثة رأسًا على عقب. فالاستناد إلى الصفة العقلانية الأصيلة في الإيمان ينجح في إطار حداثي، ولكن في أطر ثقافية أخرى، قد يفشل هذا المنهج نفسه الذي يقوم على الحجة والمنطق فشلاً ذريعًا في التلامس مع التطلعات والأفكار الثقافية المسبقة. وكما سنرى في قسم لاحق من هذا الفصل، أن ميل ما بعد الحداثة للقَصص أكثر منه للحجة يتيح فرصًا عظيمة للدفاعيات الكتابية نظرًا لأن الأشكال القصصية تملأ صفحات الوحي.

ولكننا مع ذلك، ما زلنا نؤكد منطقية الإيمان ونشدد عليها، دون أن نحصره فيما يمكن للمنطق أن يبرهن عليه بشكل قاطع. فأسئلة الحياة الجوهرية تتجاوز حدود العقل بكثير، ومن هذه الأسئلة: من أنا؟ هل أنا مهم فعلاً؟ لماذا أنا هنا؟ هل يمكنني أن أُحدث اختلافًا؟[14] وهي أسئلة لا يمكن للعلم ولا للمنطق البشري الإجابة عنها. ومع ذلك، إن لم يجد المرء إجابات لهذه الأسئلة، تصبح حياته بلا معنى. وعلينا نحن المدافعين أن نبين أن الإيمان المسيحي يقدم إجابات لأسئلة الحياة الجوهرية، وهي إجابات منطقية من ناحية، وناجحة على المستوى العملي من ناحية أخرى. فكما هو مهم أن نُظهر أن المسيحية صحيحة، مهم أحيانًا أن نُظهر أنها حقيقية.

المدخل الثالث: القصص:

إن تركيز تيار ما بعد الحداثة على القصص يمثل أهمية خاصة في الدفاعيات. فقد كانت الحداثة تنظر بعين الريبة للقصة في التعامل مع الواقع. ومن ثم، سعت لإجهاضها أو التخلص منها بالاستناد إلى التحليل أو الحجة العقلانية، بحيث تتحرر تمامًا من قيود عشوائية التاريخ الأليمة. وقد انعكس ذلك بكل وضوح في تفسير الكتاب المقدس. وكما أشار “هانس فري” Hans Frei  (1922- 1988) أستاذ اللاهوت في “جامعة ييل” Yale University، مختزلاً ما به من روايات تاريخية وأشكال قصصية (كأمثال المسيح) إلى أفكار مجردة من الزمن.[15] وكان يُنظر إلى القصة كأنها قشرة مزعجة غير مستحبة تغطي على الجوهر الفكري والأخلاقي للكتاب المقدس.

إلا أن تيار ما بعد الحداثة شهد استعادة للاهتمام بالقصة الكتابية بما فيها الأشكال القصصية الخاصة كالأمثال التي رواها يسوع ليُعَلم الجموع عن ملكوت الله. ولم يعد إثبات الحق يتوقف على الحجة، ولكن بدأ يُنظر للقصص على أنها قادرة على تكوين هوية مميزة من الناحية الأخلاقية والمفاهيمية. فالمسيحية تعلن عن عالم يتشكل بالقصص وهي تسكن في هذا العالم، والأساس الذي يشكل أفكار هذا العالم وقيمه هو قصة تعاملات الله مع شعبه التي تبلغ ذروتها في قصة يسوع الناصري. وهكذا فالمسيحية في أساسها ليست مجرد مجموعة أفكار.

منذ حوالي سبعينات القرن العشرين، تزايد الاهتمام بدراسة دور القصة في كلٍّ من اللاهوت والفلسفة، وعلى صعيد الفلسفة الإنجليزية والأمريكية، ظهر بعض الكُتاب البارزين أمثال “بول ريكور” Paul Ricoeur وكذلك “ألاسدير ماكينتاير” وأيضًا “تشارلز تيلور” الذين تصدوا لتقديم معالجات جادة لما ينطوي عليه القَصَص من موضوعات أساسية. فقد درس “ريكور” القصة بوصفها أساسًا لكل صور فهمنا للعالم وبوصفها إطارًا يعيش فيه البشر. ويقول “ماكينتاير” بأن قرارات حياتنا تتشكل وتترتب بناءً على فهمنا لها باعتبارها تشكل جزءًا في “قصة” (أو تقليد) أكبر. وهو يقول “لا يمكنني أن أجيب عن سؤال “ماذا يجب أن أفعل؟” إلا بعد أن أجيب عن سؤال أسبق، وهو “ما هي القصة التي أشكل جزءًا منها؟”[16] وكما سنرى، يمكن أن تمثل هذه المنهجيات قيمة عظمى للدفاعيات المسيحية.

والكثيرون اليوم يؤيدون الرأي الذي يقول بأن القصص هي المنظار الأساسي الذي يرى البشر الواقع من خلاله. فنحن نرى العالم باعتباره قصة تجيب عن الأسئلة المحورية المختصة بالوجود، والهوية، والمستقبل. وهذه القصص يمكن أن تجيب عما يسميه الفيلسوف “كارل بوبَر” Karl Popper “الأسئلة العليا” “ultimate questions” وهو بذلك يريدنا أن نفهم المسائل الكبرى التي تتناول “معنى الحياة”، ومنها تلك التي يطرحها “روي بوميستر” Roy [17]Baumeister، وهي التي تتعلق بالهوية، والغرض، والتكليف، والقيمة وتتخذ شكل أسئلة مثل: “من أنا؟” “ما هدف الحياة؟” ” ماذا أفعل لأُحدث فرقًا؟”

وقد أدرك البشر من قديم الزمان الأهمية الثقافية والفكرية لوجود قصة تفسيرية شاملة. وغالبًا ما يستخدم مصطلح “الأسطورة” في المجال الأكاديمي للإشارة إلى هذه القصص التفسيرية التي تشرح الواقع والهوية الشخصية والاجتماعية. (عادةً ما يساء فهم مصطلح “الأسطورة” على أنه “قصة غير حقيقية”، إلا أن هذا المعنى ليس هو المقصود هنا). ولكن كما أشار “لويس” وآخرون، كلمة “أسطورة” تشير أساسًا إلى قصة عن العالم تُمكن الأفراد من فهمه والعيش فيه. وهذه “الأساطير” تمثل العدسات التي ينظر بها أي مجتمع للعالم، فهي تقدم إطارًا يسهم في حل التناقض بين الخبرات العديدة ويعمل على خلق رابطة بينها.

والقصة المسيحية عند “لويس” التي يعتبرها المنحة الإلهية التي تكمل وتتوج المحاولات البشرية الأخرى في صنع الأسطورة، تمثل أعلى وأسمى قمة نرى منها الحقيقة ونفهمها. فالقصة المسيحية عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تعطي معنى لكل القصص الأخرى التي نرويها عن هويتنا وغاياتنا الحقيقية. إنها القصة الأم، الرواية العليا التي تضع سائر الروايات المختصة بأصل الإنسان ومصيره في مكانها الصحيح.

ويؤكد هذه النقطة أستاذ العهد الجديد والمدافع البريطاني ” ن. ت. رايت” N.T. Wright الذي يقول إننا عندما نروي قصة الكتاب المقدس كاملةً فنحن بذلك نعلن النظرة المسيحية للواقع وفي الوقت نفسه نتحدى البدائل العلمانية الأخرى. فبروايتنا لقصة الكتاب المقدس

مؤكد أننا نتحدى جوانب عديدة في نظرة العالم للأمور (أي نظرته للسلطة والقوة). ونقوض نظرته لماهية العالم ولغرضه بالكامل، ونقدم نظرة جديدة للعالم بأفضل طريقة ممكنة.[18]

والكتاب المقدس عند “رايت” يتحدى طرق التفكير الأخرى ويبرز جمال طريقته ويجسدها بوضوح. وهو يروي قصة تجيب عن أربعة أسئلة أساسية:

  1. من نحن؟ الكتاب المقدس يخبرنا أننا بشر مصنوعون على صورة خالقنا، ولا نكتسب هويتنا الجوهرية من العنصر الذي ننتمي إليه، ولا النوع، ولا الطبقة الاجتماعية، ولا الموقع الجغرافي.
  2. أين نحن؟ نتعلم من الكتاب المقدس أننا نحيا في عالم حسن وجميل، ولكنه مؤقت. وقد خلقه الله الذي نحمل صورته.
  3. ما المشكلة؟ نفهم من الكتاب المقدس أن البشرية تمردت على خالقها، وبالتالي انحرف العالم عن القصد المخلوق له.
  4. ما الحل؟ يطمئننا الكتاب المقدس أن الله عمل، ويعمل، وسوف يعمل في الخليقة من خلال المسيح يسوع والروح القدس ليتعامل مع الشر الذي نتج عن تمرد البشرية، وليصل بعالمه إلى الغاية التي صنعه من أجلها، ألا وهي أن يكون في توافق تام مع حضوره ومجده.[19]

وتطالعنا أعمال الروائي “ج. ر. ر. تولكين” بنظرة مشابهة. وقد عُرف “تولكين” بدفاعه المستميت عن الدور المحوري الذي تلعبه الأسطورة في خلق معنى للواقع وبمحاولته أن يطبق هذا الفكر في ثلاثيته الملحمية “ملك الخواتم” The Lord of the Rings.[20] ووفقًا لهذا النهج، تظهر قدرة القصة المسيحية الكبرى على تفسير الأمور في تَمَكُّنها من وضع غيرها من القصص الكبرى في موقعها الصحيح، وتفسيرها، وشرحها. والقصة المسيحية، مثل سائر القصص، لا يمكن “البرهنة عليها” بالوسائل الموضوعية منطقية كانت أم علمية. بل يجب تقييمها بناءً على قدرتها أن تخلق للأشياء معنى أعمق من منافساتها الحالية أو التي قد تظهر فيما بعد، وذلك ببساطتها، وأناقتها، وسهولة فهمها، وقدرتها على خلق معنى يتجاوز حدودها.

فكيف نستفيد من عودة الاهتمام بالقصة في محاولتنا لفهم كيفية تقديم الإيمان المسيحي لثقافتنا؟ سأطرحُ هنا بعض الأفكار الشخصية. عندما كنت أصغر سنًا كنت أعتقد أن أفضل طريقة لمساعدة الآخرين على اكتشاف حق المسيحية المدهش هو مناقشتهم بالحجة. أي إقناعهم بأن المسيحية صحيحة وحق. وباختصار، كونت ما يطلق عليه الكثيرون اليوم منهجًا “حداثيًا”. ولكني اليوم أوصل حق الإنجيل بطريقة مختلفة. فأنا أحكي قصة قبولي للإيمان. لماذا؟ لأن القصة أكثر تشويقًا من أي حجة، ولكن السبب الأهم أن قصتي تبين أن المسيحية حقيقية، أي أنها قادرة على تغيير حياة البشر، وإعطائهم أسباب جديدة للحياة ورجاء أكيد للمستقبل. فالقصة تدور حول فلسفة حياتية أصبحت تمثل نظرة شخصية في حياة صاحبها، وهي قادرة على التجديد والتغيير والاستثارة. وروايتي لهذه القصة الشخصية تؤكد أن الإنجيل حقيقي في حياتي.

إننا نعيش في عالم تشكله القصص. بالإضافة إلى أن “القصص الكبرى” قادرة على إضفاء معنى على العالم وعلى خلق علاقة مفيدة بين من يلاحظ الأحداث والأحداث نفسها. وهذه القصص عبارة عن شباك من المعاني نحكيها لنجمع فيها خبراتنا الشخصية ونحتفظ بها، ولنختزن فيها المعنى الذي نرى أنها تنقله أو تنطوي عليه. والمسيحية تروي واحدة من هذه القصص، والإلحاد الجديد يروي قصة أخرى، وهناك قصص لا تحصى يرويها أولئك ممن لديهم أغراض يريدون تنفيذها، ورؤى ينشرونها، ومصالح أو أغراض شخصية يروجونها. إن القصص تحدد أماكن الحقائق بوضعها في إطار قصصي.

والآن بعد أن وضعنا أساسًا نظريًا لتأكيد أهمية القصص في الدفاعيات، سنتناول كيفية استخدامها. وسنبدأ بعد قليل بقصتين تُستخدمان في تدعيم الدعاوى التي يقيمها بعض الكُتاب ضد المسيحية، وسنرى كيف يمكن نقدهما.

على الدفاعيات المسيحية أن تنقد وتُقَيم غيرها من القصص الكبرى، مثل القصص العلمانية التي تعمل على تقويض المسيحية أو تهميشها. ولكنها لابد أن تُقدر في الوقت نفسه ما تتضمنه المسيحية من قصص خاصة بها. فالقصة المسيحية الكبرى عن الخلق، والسقوط، والفداء، ونهاية الزمان تساعدنا أن نفهم معنى العالم، كما أشار “لويس” وغيره. ولكن هذه كلها “قصص كبرى” فماذا عن القصص العادية؟ وكيف يمكن استخدامها في الدفاعيات المسيحية؟

أَوضَحُ نموذج يمكننا البدء به هو أمثال المسيح. فاستخدام الرب يسوع للقصص حتى يتفاعل مع مستمعيه لم يكن من قبيل الصدفة، ولكن هذه القصص كان لها غالبًا أساس في الحياة اليومية للمجتمعات الريفية والزراعية التي سادت فلسطين في القرن الأول. وقد كانت قصصًا غاية في السهولة تجذب انتباه المستمعين وتثير خيالهم. وكلُّ من هذه الأمثال يحمل داخله قدرة دفاعية هائلة يجب اكتشافها وفهمها، بل استخدامها. وإذا استُخدمَت هذه الأمثال بحكمة فإنها تتمتع اليوم بذات التأثير الذي كانت تتمتع بها عندما قيلت لأول مرة.

والمدافع الحكيم هو من يدرس الأمثال الرئيسية ويسأل هذه الأسئلة المحورية: كيف تساعدني هذه القصة في توصيل الإنجيل؟ كيف تساعدني على التواصل مع هذه الفئة؟ فالقضية هنا ليست دراسة ما في المثل من صور ومفردات في ضوء الديانة اليهودية إبان القرن الأول، بل اكتشاف وسائل لاستخدامه دفاعيًا اليوم.

ولنأخذ مثالاُ لوضيح هذه النقطة، وليكن تلك القصة المعروفة التي عادةً ما يشار إليها باسم “مثل اللؤلؤة كثيرة الثمن.”

أَيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا تَاجِرًا يَطْلُبُ لآلِئَ حَسَنَةً، فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَاهَا. (مت 13: 45، 46)

بالرغم من صياغة القصة بأقل عدد ممكن من الكلمات (خمس وعشرون كلمة فقط في الأصل اليوناني)، فالخيال البشري يمكنه بسهولة معالجتها وتذوق تأثيرها. والخبرة البشرية تؤكد صحتها. بالإضافة إلى أنه من السهل البناء عليها وتطبيقها. فكيف نستخدمها في الدفاعيات؟ سأعرض لك كيف أستخدمها، وأترك لك الحرية في تطويرها:

إننا جميعًا نبحث عن شيء له قيمة في الحياة. إلا أننا غالبًا ما نكتشف أن الأشياء التي كنا نظن أنها ستسعدنا وتفرحنا لا تفعل ذلك، فنشعر أنه ما من شيء يمكنه أن يمنحنا الفرح والسلام. ولكن يسوع روى قصة عن هذا الموضوع. فقد قال إن تاجرًا وجد لؤلؤة ثمينة كانت معروضة للبيع، فقرر أن يبيع كل شيء ليحصل عليها. لماذا؟ عندما رأي التاجر تلك اللؤلؤة المميزة أدرك أن كل ممتلكاته باهتة وتافهة مقارنةً بها. وكما يغطي لمعان الشمس على لمعان النجوم، فلا يُرى إلا ليلاً، هكذا أتاحت هذه اللؤلؤة الثمينة للتاجر أن يرى ممتلكاته من منظور مختلف. فما كان يظن أنه سيشبعه ثبت أنه يكشف عدم شبعه، ويثير اشتياقه لشيء لم يكن في متناوله. ولكنه رأى تلك اللؤلؤة المتميزة، فأصر أن يحصل عليها، لأنها شيء عظيم القيمة، شيء يستحق الامتلاك، حتى إن كل مقتنياته الأخرى تبدو قليلة القيمة مقارنةً بها. هذا هو الإنجيل عندما تكتشفه لأول مرة. إنه شيء في غاية الروعة حتى إنه يتفوق على كل ما عداه.

وهنا نرى مثالاً لاستخدام قصة كتابية لتوضيح نقطة دفاعية مهمة. إلا أن القصص الكتابية يمكن أن تُستخدم أيضاً لتكوين أطر تقدم معاني أو تفسيرات يمكن استخدامها لإضفاء معنى على الحياة. وعندما نستخدم القصص ندعو المستمع للدخول في القصة ونسأله عما إذا كانت تعطي معنى لخبراته وملاحظاته.

ولكن ليست كل القصص الكتابية تلقي الضوء على نقاط محددة بهذا الشكل. فبعض القصص تتيح لنا أن نرى خبراتنا الحياتية وملاحظاتنا من منظور مختلف. ولتوضيح هذه الفكرة سنأخذ قصة من أعظم قصص العهد القديم، وهي قصة السبي البابلي وَرَدّ مسبيي أورشليم إلى أرضهم بعد سقوط الإمبرطورية البابلية.

وتُعتبر قصة السبي البابلي سنة 586 ق. م من أهم قصص العهد القديم. ففي سنة 605 ق.م هزم الإمبرطور البابلي نبوخذ نصر الجيوش المصرية التي تجمعت في كركميش، وهكذا أسس بابل باعتبارها أعلى قوة عسكرية وسياسية في المنطقة. إلا أن يهوياقيم ملك يهوذا تمرد على الحكم البابلي، فقامت القوات البابلية بغزو يهوذا، وهو ما فسره الكُتاب آنذاك بكل وضوح باعتباره تنفيذًا للقضاء الذي أخبر به الرب على شعبه الخائن وملكهم. وفي مطلع سنة 597 ق.م استسلم كلٌّ من الملك، والعائلة المالكة، ومستشارو البلاط الملكي لقوات الحصار. وتم ترحيلهم إلى بابل مع عدة آلاف من المسبيين غيرهم. ثم حدثت موجة أخرى من الترحيلات سنة 586 ق.م ولم يحصل اليهود على حريتهم في العودة إلى أرضهم إلا بعد سقوط بابل أمام الفرس سنة 539 ق.م.

وغالبًا ما تستخدم هذه القصة التاريخية المؤثرة لخلق معنى للوضع البشري. فمن منظور مسيحي، يرمز وضع اليهود أثناء سبيهم في بابل لحالة البشر. وذلك لأن اليهود لم يكونوا ينتمون لبابل، ولكنهم كانوا مسبيين يتوقون للعودة إلى أرضهم. ومزمور 137 يرسم صورة تنبض باشتياقهم للعودة وتعبر عن ذكرياتهم المرتبطة بأرضهم: “عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا، بَكَيْنَا أَيْضًا عِنْدَمَا تَذَكَّرْنَا صِهْيَوْنَ.” (ع1).

إن هذا الإطار يعطي الحياة الإنسانية معنى. فليس المفترض أن نكون هنا، وهذه الأرض ليست وطننا، ولكننا ننتمي لوطن آخر. ومازلنا نحمل في أعماقنا ذكرى هذا الوطن التي لا تستطيع قوة في الوجود أن تمحوها. إننا نتحرق شوقًا للعودة إلى وطننا، ونحيا على رجاء أننا يومًا ما سنكون في الوطن الذي ننتمي إليه بالفعل. إن هذا الإطار يشير إلى مصدرنا الحقيقي ومآلنا، ويعطي معنى للشوق والتوق العميق الذي تتناوله “الحجة المبنية على الرغبة.”

ولكن ماذا عن القصص التي تتحدى المسيحية؟ سنستعرض قصتين تهدفان لهدم المصداقية التاريخية لأهمية يسوع الناصري كما يصورها التقليد المسيحي. أولهما “شفرة دافينشي” The Da Vinci Code (2003) لكاتبها “دان براون” Dan Brown، والثانية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ    (2010) لمؤلفها “فيليب بولمان” Philip Pullman. ما المنهجيات التي يتبعها كلٌّ منهما؟ وكيف نرد عليهما؟

إن القصص تدعونا لنتخيل عوالم بديلة ونقارنها بعالمنا: أيهما أكثر معقولية؟ وأكثر جاذبية؟ وتجدر الإشارة إلى أن إعادة قراءة التاريخ بشكل مختلف عادةً ما يكون وراءها دوافع هجومية أو أخلاقية، ومنها على سبيل المثال تصوير شخصية تاريخية خبيثة بشكل أفضل، أو شخصية محبوبة بشكل أسوأ. فرواية “أنا كلوديوس” I, Claudius (1934) مثلاً لكاتبها “روبرت جرفز” Robert Graves تتعاطف مع الإمبرطور الروماني كلوديوس (10ق.م – 54 م) وترسم له صورة إيجابية، وهو شخص كان يُنظر إليه في التاريخ على أنه رجل أحمق لا يضر ولا ينفع. إلا أن “جرفز” يبرز كلوديوس على أنه يروج هذه الصورة عمدًا حتى يخدع الآخرين فيضمن بقاءه في زمن ملئ بالمخاطر السياسية.

وقد تَمكَّن كتاب “دان براون” الذي صدر سنة 2003 من تحقيق نجاح باهر واستحوذ على انتباه قرائه بفضل حبكته المتقنة التي تروي بداية تاريخ المسيحية بدرجة عالية من المعقولية حتى إن القارئ لا يلحظ التحريفات الجذرية المدسوسة في الكتاب ببراعة. (والطبعات الأولى من الكتاب كانت بحمل على غلافها كلمة “رواية” تحت العنوان. ولكنها حُذفَت فيما بعد). والقصة المحورية في هذا الكتاب تتلخص في أن الكنيسة اخترعت صورة خاصة بها ليسوع وجعلت منه إلهًا وفرضت هذه الصورة بالمؤامرة السياسية والتهديد بالعنف. ويصور “براون” الإمبراطور قسطنطين على أنه شخص مكيافلي انتهازي يغير طبيعة المسيحية لتخدم أغراضه السياسية.

ويروي “براون” قصة خداع وقمع تنتهي بكشف “الحق” وتحرير الناس. ويركز جزء كبير من القصة على بداية تاريخ المسيحية، فيروي أن الإمبراطور قسطنطين أراد للمسيحية أن تكون الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية، ولكنه أدرك أنها تحتاج لنوع من إعادة الصياغة حتى تفي بهذا الغرض. ومن ثم، كان لابد من رفع رتبة يسوع الناصري بحيث لا يظل ذلك المعلم الريفي الفلاح، فأعلن فسطنطين أن يسوع هو الله. وقد استلزم ذلك الحصول على عدد مناسب من الأصوات والتلاعب في النصوص. ويتم إطلاع القارئ على هذه الأسرار في شخصية السير “لي تيبينج” Sir Leigh Teabing الذي يعلم بهذه الخفايا التاريخية، فيصرح بأنه لم يكن أحد يعتقد أن يسوع هو الله حتى مجمع نيقية سنة 325 عندما طُرحَت المسألة للتصويت، وحصلت على غالبية الأصوت بفارق ضئيل. وتُصدم “صوفي نفو” Sophie Neveu المتخصصة في فك الشفرات عندما تسمع هذا الكلام وتقول في حالة من الذهول: ” لست أفهم ما تقول. هل تتحدث عن ألوهيته؟”

صرح لها “تيبينج”: “عزيزتي، حتى تلك اللحظة، كان أتباع يسوع يتعتبرونه نبيًا فانيًا مثل كل البشر… رجل عظيم مؤثر، ولكنه إنسان، فانٍ”.

[قالت “صوفي”]: “ليس ابن الله؟”

أجاب “تيبينج”: “بلى. فكرة أن يسوع “ابن الله” طُرحَت رسميًا للتصويت في مجمع نيقية.”

“مهلاً. تقول إن لاهوت يسوع جاء نتيجة تصويت؟”

أضاف “تيبينج”: “بفارق ضئيل بين الطرفين.”[21]

ويشرح “تيبينج” كيف حظر قسطنطين الأناجيل التي تحدثت عن يسوع بلغة إنسانية بحتة، ولم يسمح إلا بالأناجيل التي تشير إلى ألوهيته.[22]

ويتم تعريف القارئ بالحقائق المحظورة الخطيرة التي تتعلق بتاريخ الكنيسة ويركز الكاتب بشكل خاص على جماعة يلفها الغموض تعرف باسم “جمعية سيون” Priory of Sion ويقدمها باعتبارها حارسة لأحد الأسرار الخطيرة. ويخبر “براون” قراءه بأن هذه “الجمعية” هي جماعة سرية تكونت سنة 1099 ومازالت موجودة حتى اليوم ويؤكد لهم أن هذه حقائق ثابتة. والحقيقة أن هذا كلام خاطئ بكل المقاييس، لأن “جمعية سيون” عبارة عن منظمة اخترعها “بيير بلانتار”  Pierre Plsntard (1920- 2000) سنة 1956، وقد كان “بلانتار ” بارعًا في تأليف القصص الخيالية، فنسج قصصًا غاية في الإتقان عن هذه الجماعة التي اخترعها وربط بينها وبين أحداث من العصور الوسطى والأرض المقدسة.[23] أي أن الموضوع لا يمت بصلة لأي نوع من الحقائق.

ولست أعرف أي سند تاريخي ذا قيمة يؤيد أيًا من الأفكار الرئيسية التي تقوم عليها “شفرة دافينشي” التي يمكن تفنيدها جميعًا بمنتهى السهولة. ولكن مربط الفرس أن “براون” يروي قصة يتمنى الكثيرون أن تكون صحيحة ويدعوهم أن يصدقوها. وقصة “براون” تقوض الفكر المسيحي التقليدي في أذهان عموم القراء بتصويره لهذا الفكر على أنه نشأ من إساءة ممارسة السلطة والرغبة في قمع العناصر الأنثوية للإيمان. والقصة “تُعرفنا” بأن الحقيقة هي أن يسوع تزوج مريم المجدلية وأن ابنتهما أنجبت نسلاً ملكيًا في فرنسا. وقد قال “براون” ردًا على الانتقادات الكثيرة التي تناولت الأخطاء التاريخية الفادحة في روايته إن كل ما فعله أنه وضع الكلمات في أفواه شخصيات الرواية وترك القارئ يفهم منها ما يفهمه.

وتكمن جاذبية منهج “براون” في المقام الأول في قدرته على الهدم. فالقصة مكتوبة بأسلوب ركيك يبدو أن معظم القراء يتقبلونه خاصةً مع سرعة توالي الأحداث. وهي من حيث الأسلوب على النقيض تمامًا من “يسوع الصالح والمسيح الشرير” لكاتبها “فيليب بولمان” التي صدرت سنة 2010.[24] فأسلوب “بولمان” يتبع نوعًا ما أسلوب ترجمة الملك جيمز King James للكتاب المقدس، وهو يتميز بفصاحة لا نجد لها أثرًا في أسلوب “براون” الممل الركيك.

وكتاب “بولمان” يعيد سرد قصة الإنجيل في قالب تخيلي يحتفظ بالأسلوب الأصلي للأناجيل ولكنه يغير المحتوى تغييرًا جذريًا. وتنطوي إعادة صياغة القصة بهذا الشكل على تقديم فرضية محورية يبني عليها “بولمان” أطروحته. فهو يصور مريم على أنها فتاة تعاني من ضعف قدراتها العقلية وصعوبات في التعلم، يخدعها أحد الرجال لتنام معه مؤكدًا لها أنه ملاك، فتلد توأمين، يسوع والمسيح، ولكن العلاقة بينهما تسوء منذ سن مبكرة.

كان يسوع رجلاً تقيًا، وواعظًا متجولاً يكرز بملكوت الله وينتظر من أتباعه أن يتغيروا أخلاقيًا. ويخبرنا “بولمان” أن يسوع، كأي كارز بروتستانتي ليبرالي من القرن التاسع عشر، لم يصنع معجزات بالمعنى المفهوم. ولكنه كان يجعل الأمور تحدث بشكل طبيعي. فما الذي حدث في إشباع الخمسة الآلاف؟ كل ما في الأمر أنهم تقاسموا ما كان معهم من طعام.

وهكذا يتضح أن يسوع شخص صالح ينتمي إلى عالم مثالي غير عالمنا ولا يحتك بواقع السلطة السياسية. إلا أن المسيح مختلف. فهو يلتقي بشخصية غامضة اسمها “الغريب” The Stranger تزرع في عقله فكرةَ أن يعيد كتابة قصة يسوع وتعاليمه على نحو يجعلها أكثر جاذبية وأطول عمرًا. والنتيجة إنجيل أسطوري كُتِب أصلاً لأسباب تافهة بقلم توأم يسوع المزعوم. وما يريد “بولمان” أن يشير إليه من طرف خفي أن إنجيل المسيح “المحسَّن” والمزوَّر هو السبب الأساسي في ظهور كتابات بولس في العهد الجديد.

وهكذا تصبح الكنيسة مؤسسة على إنجيل المسيح الوهمي، وليس على حقيقة يسوع التاريخية المفقودة. فالمسيح يدرك بدهائه ضرورة خلق قصة كبرى، فلسفة حياتية مغرية لتضمن استمرار الكنيسة على مر التاريخ. ونظرًا لفشل يسوع في تقديم هذه القصة، يقوم المسيح بتعويض هذا العجز بنفسه بتأليف قصة قادرة على إنشاء مؤسسة قوية والحفاظ عليها. والقوة المؤسسية تعتمد على الأمر الإلهي الذي يُفرض دون هوادة ويصبح أيديولوجية راسخة تضمن استمراريته. ويظهر بكل وضوح من هذه الرواية ومن ثلاثية “مواده السوداء” His Dark Materials أن “بولمان” يستهدف مؤسسة الكنيسة.

وأخيرًا يحرض “الغريب” المسيح على خيانة أخيه، خيانة تؤدي إلى موت الشقيق (نعم، يتضح في النهاية أن المسيح هو يهوذا الإسخريوطي). ثم تصبح القيامة مسرحية يحاول فيها المسيح الحي أن يُظهر نفسه على أنه يسوع الميت، وهو ما يعني طبعًا أن القيامة تمثيلية اخترعها المسيح ليعوض عن موت يسوع ميتة مؤسفة عادية. والموضوع مألوف لدى قراء الأعمال العقلانية التي أعادت تأليف حياة يسوع في القرن الثامن عشر، ولكن “بولمان” أدخل عليها تعديلات تاريخية جديدة ولكنها مستحيلة الحدوث.

وهذه هي المشكلة، فهذه القصة الهجومية غير معقولة على الإطلاق لدرجة أنها لا تطابق أدنى المعايير المستخدمة لتحديد صحة الأحداث من الناحية التاريخية. والقصة معقدة ومتداخلة حتى إنها لا يمكن أن بؤخذ على محمل الجد من الناحية التاريخية. ورغم أن الكاتب قَصَّاص من الطراز الأول عندما يؤلف قصصًا خاصة به، فعندما يعيد إنتاجَ قصص غيره، وخاصةً إذا كانت قصة مألوفة كقصة يسوع الناصري يتعثر كثيرًا. فالحبكة مفتعلة بشكل مفرط حتى إن براعة “بولمان” الأسلوبية تعجز عن التعامل مع هذا الخط القصصي المعقد اللازم لتحقيق أغراضه في مهاجمة التقليد.

وقد أقحم “بولمان” نفسه في القصة الكتابية على نحو سافر، فلم يكن دوره فيها سلبيًا ولا صامتًا. وأكثر المواقف التي يظهر فيها هذا الإقحام بشكل صريح هو صلاة يسوع في جثسيماني التي يفاجئنا بأن يسوع يختمها قائلاً أنه لا يوجد إله. ويأتي صوت المؤلف مملاً رتيبًا في مواقف كهذه، ولا سيما عندما يعظ يأخذ مكان يسوع ويعظ قراءه بنبرة حادة مزعجة. وهو ما يختلف عن أسلوبه في ثلاثية “مواده السوداء”. وهو في رواية “يسوع الصالح والمسيح الشرير” يفتعل حالة من التقوى المفرطة بشكل يثير الاشمئزاز. علاوة على أنه يَسهل على القارئ التنبؤ بما سيحدث قبل قراءته.

ومن الواضح أن القصة مستحيلة الحدوث التي نطالعها في هذه الرواية تهدف إلى هدم مؤسسة السلطة الدينية. ويتضح هذا الهدف بجلاء في سؤال طرحه أثناء لقاء أجري معه عقب نشر كتابه بفترة وجيزة: “إن استطعت أن ترجع بالزمن وتنقذ ذلك الرجل من الصَلب وأنت تعلم أن هذا يعني عدم ظهور الكنيسة لحيز الوجود، هل ستنقذه أم لا؟” وترتكز هذه الحجة على افتراض مسبق مفاده أن القارئ يشارك “بولمان” في كراهيته الشديدة للمؤسسة الكنسية، وهو ما يظهر بكل وضوح في أعماله الأسبق. ولكن هل الأمور حقًا بهذه البساطة؟ وهل الحق التاريخي يتوقف على ما نحب؟ وهل الإنجيل يتمحور فعلاً حول الكنيسة باعتبارها مؤسسة؟

معروف أن “بولمان” يريد أن يزعزع أساس الإيمان المسيحي. ولكن كيف يدعم هذا الكتاب حجته؟ إن ما حصل عليه هذا الكتاب من ردود أفعال فاترة على المواقع الإلكترونية الإلحادية يؤكد مدى غموضه. وقد سألني أحد زملائي من الأساتذة الملحدين مؤخرًا: “ولكن ما الفائدة منه؟ ومن سيلتفت لهذا الهراء؟” وقد راودتني هذه الأسئلة الوجيهة الواضحة وأنا أقرأ هذا الكتاب. ورغم استمتاعي بأسلوبه، لم أتمكن من تصديق حبكته الركيكة. ولابد أن أعترف أني لم أجد إجابة مقنعة حتى الآن.

المدخل الرابع: الصور:

تُعتبر الصور، لا الكلمات، أعلى أشكال التواصل عند كُتاب ما بعد الحداثة. وشركات الدعاية والإعلان تنفق أموالاً طائلة لتحصل على أفضل صورة للشركة المعلِنة، وتصمم إعلانات تليفزيونية تعرض صورًا تجعلنا نريد أن نشتري منتجات معينة دون غيرها. إلا أن الكثير من المسيحيين، مثلي، يفضلون استخدام الكلمة (ولا سيما الكلمة المكتوبة، في حالتي) لتوصيل الإيمان وإبراز جماله. ولكن علينا أن نعي أن الصور يُنظر إليها في إطار ما بعد الحداثة على أنها تتمتع بمصداقية وقوة من نوع خاص وتتجاوز الحدود المفروضة على الكلمات.

والعقل البشري يعمل عن طريق توليد صور تساعدنا على “تصوير” العالم المحيط بنا وفهم معناه. ويمكن تشبيه الصور بالخرائط الذهنية التي تساعدنا على رسم أرض الواقع وتحديد مكاننا في الإقليم المحيط بنا. وهذه الصور مفيدة جدًا للمدافع، لأن الصور التي تُعبر عن الفكر المسيحي يمكن تقديمها بأشكال تجذب الخيال البشري. وعمومًا نحن نتعلم أن نسكن في صورة نستخدمها ونكتشف مدى ملاءمتها لواقع عالمنا.

وسنفحص في هذا الجزء عددًا من هذه الصور ونبحث كيفية استخدامها لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله. وبعضها مأخوذ من الكتاب المقدس، والبعض الآخر من الثقافة العلمانية. وأولى هذه الصور مأخوذ من أحد كلاسيكيات الفلسفة اليونانية القديمة، ألا وهو كتاب “الجمهورية” Republic لأفلاطون. (إن كنت قد قرأت رواية “الكرسي الفضي” The Silver Chair، وهي إحدى روايات سلسلة “نارنيا” لكاتبها “لويس”، ستكون الصورة مألوفة لك، حتى وإن لم تكن تعرف أصلها التاريخي[25]).

يدعونا أفلاطون لأن نتخيل كهفًا مظلمًا عاشت فيه مجموعة من الناس منذ مولدهم. وقد ظلوا محبوسين في هذا الكهف طيلة حياتهم حتى إنهم لم يعرفوا عالمًا آخر سواه. وفي أحد أطراف الكهف تشتعل نيران متوهجة بالدفء والضوء. اللهُّب المتصاعدة تلقي ظلالاً على جدران الكهف، فيشاهد الناس هذه الظلال التي تسقط أمامهم على الحائط، ويفكرون فيما تعنيه، فهذه الظلال المرتعشة هي كل ما يعرفه سكان الكهف عن العالم. وإدراكهم للواقع منحصر فيما يرونه ويختبرونه في هذا السجن المظلم. فإن كان هناك عالم خارج الكهف، فإنه شيء لا يعرفونه ولا يمكنهم أن يتخيلوه، وكل آفاقهم محدودة ومحددة بالظلال وبما ينالونه من ضوء خافت. ولكنهم لا يعرفون أن الكهف سجن ولا أنهم محبوسون فيه، وليس لهم أن يصلوا إلى هذا الاكتشاف إلا إذا عرفوا بوجود عالم آخر.

ويزين أفلاطون هذه الصورة بالعديد من التفاصيل، منها أن سكان الكهف مقيدون بأغلال تمنعهم من الحركة في أنحاء الكهف. ولا يمكنهم أن يروا إلا الجدار المقابل لهم. ويمتد خلفهم ممر يعبر فيه أشخاص يحملون أشياء متنوعة على رؤوسهم، والنار تلقي هذه الظلال المتحركة على جدران الكهف. والناس الذين يعبرون الممر يتحدثون بعضهم مع بعض فتُرَجِّع أصواتهم صداها في جنبات الكهف، ولكنها تأتي مشوهة بفعل الجدران. وهكذا يرى السجناء ظلالاً متحركة ويسمعون أصداء أصوات. فهم لا يرون ولا يسمعون أي شيء بشكل مباشر، ولكن خبرتهم بكل شيء تأتي على نحو غير مباشر وغير واضح المعالم.[26]

ولا يعنينا هنا البناء الفلسفي لهذا التشبيه كما وضعه أفلاطون، ولكن ما يعنينا هو إمكانية استخدامه في الدفاعيات. فكيف نستخدم هذه الصورة لتوصيل الإنجيل وإبراز جماله في عالم اليوم؟ تخيل نفسك الآن تسكن في هذه الصورة بضع دقائق، ولاحظ أنك لابد أن تنسى كل شيء عن العالم الذي نعرفه جميعًا حيث الشمس الساطعة، والهواء العليل، والورود، والبحيرات، والأشجار. وتَذَكر أن العالم الوحيد الذي تعرفه هو ذلك الكهف المظلم الذي يمثل لك الواقع كله. وأنت لا ترى إلا ظلالاً ولا تسمع إلا أصداء. وما يظهر من هذه الأشياء يصبح واقعًا لك.

احترس من مقارنة عالم الكهف بأي واقع آخر، ففكرة التشبيه كلها تقوم على أساس أنك لا تعرف أي شيء غير هذا الكهف الذي يمثل لك تعريف الواقع. وعندما تشعر بأنك اعتدت على الصورة، سنبدأ في فحصها ودراسة كيفية تطبيقها في الدفاعيات.

اسأل نفسك هذا السؤال: كيف يتأتى لسكان الكهف أن يدركوا أن هناك عالمًا أفضل خارج جدران الكهف المظلمة المدخنة؟ فكر قليلاً في السؤال ثم واصل القراءة بعد أن تصل إلى بعض الإجابات.

ثلاث وسائل تُمكن سكان الكهف من اكتشاف وضعهم الحقيقي:

  1. يدخل شخص من العالم الحقيقي الخارجي إلى داخل الكهف ويخبر سكانه بالعالم الحقيقي. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة فكرة الإعلان الإلهي.
  2. بنية الكهف نفسه تحتوي على دلائل تشير إلى وجود عالم خارج جدرانه. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بناءً على المؤشرات التي نراها في بنية العالم.
  3. عند هؤلاء المساجين معرفة حدسية تقول لهم إن هناك عالمًا أفضل من الكهف المظلم المدخن. ومن الناحية الدفاعية، تقابل هذه الوسيلة الحجج التي تؤكد وجود الله بالاستناد على المشاعر الإنسانية، ومنها الحجة المبنية على الرغبة.

وسوف نبحث فيما يلي ما تتضمنه كل وسيلة من إمكانية دفاعية مع الاحتفاظ بصورة الكهف.

أولاً، قد يقتحم الكهف شخص من عالم آخر، ويخبرنا عن ذلك العالم الآخر مستخدمًا تشبيهات مستمدة من الكهف. بل إنه قد يفعل ما هو أفضل من هذا فيعرض علينا أن يرشدنا لطريق الخروج. وقد يفعل ما هو أفضل من هذا وذاك، فيعرض علينا أن يُخرجنا بنفسه. وهذا الأسلوب هو الذي ينعكس في عقيدة التجسد المسيحية التي ترى يسوع المسيح باعتباره الشخص الذي يدخل إلى عالم التاريخ والخبرة البشرية، ليُظهر لنا الأمور على حقيقتها وليعطينا القدرة أن نتحرر من ربط العالم وقيوده. وبالرغم من أن هذا الموضوع يملأ صفحات العهد الجديد، فهو يَبرز بشكل خاص في إنجيل يوحنا، كما يتضح من الآيتين التاليتين:

وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا (يو 1: 14)

أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. (يو 6: 51)

والوسيلة الثانية تقول بأن عالم الكهف نفسه مرصع بمؤشرات ومفاتيح تشير إلى أنه ليس العالم الوحيد. فقد يكون على جدران الكهف علامات تشير إلى أصله أو إلى مصيره الحقيقي، مثل العلامات التي لاحظها أريستبوس على شاطئ جزيرة رودس (ص 122). فربما الكهف يكشف عن أدلة تشير إلى وجود تصميم أو بنية معقدة تثير أسئلة جوهرية عن نشأته. وقد تكون جدرانه مزينة بالرسوم أو غيرها من الدلائل التي تشير إلى أصله وتاريخه.

أما الحل الثالث هو أن من يلاحظون الكهف أنفسهم يملكون في أعماقهم حسًا فطريًا أصيلاً بوجود عالم آخر. وقد يتخذ هذا الحس شكل قناعة عميقة أن الحياة أكثر من مجرد ظلمة هذا الكهف المدخن، أو معرفة حدسية قوية بأن مصيرهم يجب أن يكون في مكان آخر، أو رغبة في شيء يشعر صاحبها أنها لن تُشبع أبدًا، وهو شعور يشير إلى أن عالمنا ليس العالم الوحيد، وأن إشباعنا الحقيقي لن يتحقق فيه. فنار الشوق التي تشتعل داخلنا ولا تطفئها خبراتنا في هذا العالم تمثل مفتاحًا جوهريًا يشير إلى وضعنا الحقيقي ويدعونا لاكتشاف الواقع الأعظم الذي تشير إليه.

هكذا قمنا ببحث الأساليب الثلاثة وشرحها بسهولة مستخدمين صورة كهف أفلاطون. وكل وسيلة منها تتيح للدافع أن يبحث أحد جوانب الإيمان المسيحي ويكتشف تلامسه مع خبرتنا بالعالم المحيط ومع معرفتنا الحدسية وأشواقنا العميقة وقدرته على خلق معنى لكل هذه الأمور. ويمكن إدماج هذه الصورة المعبرة بسهولة في الأحاديث، والعظات، والمحاضرات، ويمكن تطويرها بالعديد من الطرق المبتكرة. ويسهل كذلك إضافة طرق أخرى للثلاثة المذكورة أعلاه.

فما الصور الأخرى التي يمكن استخدامها في الدفاعيات؟ يستخدم بولس مجموعة من الصور القوية في رسائله ليساعدنا على فهم ما فعله المسح لأجلنا بصلبه وقيامته. ومن هذه الصور صورة التبني. وفيها يؤكد لنا بولس أننا أصبحنا أبناء الله بالتبني في المسيح (رو 8: 23، غل 4: 5). ويرى بولس أن هذه الصورة المستمدة من قانون الأسرة الروماني تلقي الضوء على امتيازات المؤمن ومكانته في علاقته بالله.[27] وهي صورة تتطلب منا أن ندركها في عقولنا ونقدرها في قلوبنا.

وصورة التبني سهلة الفهم نسبيًا، فهي تُعبر عن أسرة تقرر أن تمنح طفلاً لم يولد في أحضانها الامتيازات القانونية نفسها التي يحصل عليها الطفل المولود في الأسرة. وهو ما يستتبع أن الطفل المتبنى يتمتع بحقوق الميراث التي يتمتع بها الطفل الطبيعي. وهكذا يمكن أن يرى المؤمن نفسه باعتبار أنه أُدخِل في عائلة الله ومُنح ذات الامتيازات القانونية التي يتمتع بها أي ابن طبيعي. ومن هو الابن الطبيعي لله؟ إنه المسيح نفسه. وبذلك، يشرح بولس هذه الفكرة القوية، ألا وهي أن كل ما منحه الله للمسيح باعتباره ابنه سيؤول إلينا في النهاية باعتبارنا أولاد الله:

أَنَّنَا أَوْلاَدُ اللهِ. فَإِنْ كُنَّا أَوْلاَدًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ. (رو 8: 16، 17)

ولذلك فالسمات الأسرية التي تميز أولاد الله هي الألم في هذه الحياة والوعد بالمجد في الحياة الآتية. وهو ما يعني أن المجد يكمن وراء الألم، ولابد أن نتعلم أن نرى الألم باعتباره امتيازًا نحتمله مسرورين بوصفه نتيجة لمركزنا الجديد بصفتنا ورثة الله.

ولكن صورة التبني لا تخاطب العقل فحسب، بل تستحوذ على الخيال والقلب أيضًا. وهي بذلك تدعونا أن نترجمها بشكل تخيلي، ولا نكتفي بفهمها. فالتبني معناه أن الطفل مرغوب فيه، وهو يتضمن أيضًا معنى الانتماء. وهذه قضايا وجدانية عميقة تتلامس مع اهتمامات الكثيرين ومخاوفهم في مجتمعات تزداد انكسارًا يومًا بعد يوم. فالتبني يعني دعوة الشخص ليدخل في بيئة مُحبة حانية. وهي تعني الترحيب بالشخص والرغبة في وجوده وتقديره . والتبني يقدر امتياز الدعوة التي يتم بمقتضاها الترحيب بشخص من خارج الأسرة وإدخاله في كنف الإيمان والحب.

والصورة التي يرسمها بولس للتبني تتوافق بشدة مع اشتياق الإنسان العميق للانتماء إلى مكان ما. فنحن نحتاج أن نشعر أننا مقبولون ومرغوبون. وتؤكد “سيمون فيّ” كثيرًا في كتاباتها أهمية هذه النقطة. فهي تشير في كتابها “البحث عن الجذور” The Need for Roots إلى أهمية المجتمعات في تكوين الهوية الشخصية وحمايتها: “قد تمثل الحاجة للجذور أهم احتياجات النفس البشرية ولكنها الأقل حظًا من حيث إدراكها والاعتراف بها.”[28] ويتناول “ولتر بروجمَن” Walter Brueggemann أستاذ العهد القديم المعروف هذه الفكرة بمزيد من العمق عندما يشير إلى أن

الشعور بالضياع والتشرد وفقدان المأوى يسود ثقافتنا المعاصرة. وتوق الإنسان لأن ينتمي لمكان، ويكون له بيت، يحتمي في موضع آمن هو سعي عميق يثير في النفس لهيبًا من المشاعر المتأججة.[29]

ونجاح المسلسل التليفزيوني الأميريكي “في صحتك” Cheers يعكس هذه النقطة على أكمل وجه. وقد بدأ عرض المسلسل الذي تجري أحداثه في حانة في بوسطن سنة 1982 واستمر على مدى 271 حلقة حتى سنة 1993. ويرجع نجاحه الباهر إلى ما خلقه من شعور قوي بالانتماء لجماعة.[30] فقد كانت الحانة مكانًا للأحاديث الخفيفة والأحاديث الجادة، وكانت ملجأ يرحب بكل من يأتيه، والجميع هناك يعرفك. أما خارج الحانة هناك جموع مجهولة من بشر لا يعرفهم أحد ولا يعرفون بعضهم البعض. ولكن داخل الحانة، أنت شخص مميز، ومهم عند الآخرين، أنت تنتمي لمكان. وقد عبَّرت أغنية المسلسل عن هذا المعنى أوضح تعبير: أنت تريد أن تكون في مكان “كل من فيه يعرف اسمك.”

ويمكن للمدافع أن يستخدم صورة التبني التي يرسمها بولس مشيرًا إلى ما تحمله من معانٍ على مستويات مختلفة. فهي لا تلقي الضوء على ما يعود علينا من موت المسيح وقيامته فحسب، ولكنها تخاطب اشتياق القلب البشري العميق للانتماء.

وهناك صور كتابية أخرى يسهل الاستفادة منها في الدفاعيات، مثل صورة الله الراعي، أو المسيح خبز الحياة. فالدفاعيات تتمتع بصندوق زاخر بالكنوز التي يمكننا الاستفادة منها، وهي تستخدم الخيال باعتباره مدخلاً للنفس البشرية. وينبغي على المدافع الناجح أن يجدد هذا الصندوق باستمرار مضيفًا إليه قصصًا وصورًا جديدة.

خطوة للأمام:

المداخل الأربعة التي تناولناها في هذا الفصل كلها مهمة ويمكن تطبيقها بسهولة في الدفاعيات. إلا أنها مجرد أمثلة توضيحية لا تشمل كل المداخل التي يمكن الاستفادة منها، بل يمكن إضافة مداخل أخرى لها. ومنها على سبيل المثال تجسيد المؤمن لإيمانه في حياته العملية، وهو مدخل يؤدي وظيفة دفاعية مهمة. فالكثيرون يسألون عن الإيمان عندما يرون أن أصدقائهم يتميزون بشيء غير متوفر لهم، كالشعور بالسلام أو بوجود غرض للحياة، أو الشعور العميق بالحنان والحب للبشر، وهو ما يثير لديهم السؤال: “من أين لهم هذا؟” ويتمنون في أعماقهم أن يتمتعوا بما يتمتع به هؤلاء. ومحبة الله تتجسد وتعلَن عندما يخدم المسيحي الحقيقي العالم المحيط به.

والطريقة التي يتعامل بها المؤمن مع الموت تقدم شهادة مهمة لرجاء القيامة المغير الذي يمثل ركيزة أساسية في الإنجيل. فممارسة الحق في حياتنا العملية هي “دفاعيات متجسدة” تمثل في حد ذاتها شهاد قوية لذلك الحق. أي أننا نحتاج لما هو أكثر من الحجج، نحتاج أن نظهر أن الإيمان المسيحي يغير الحياة ويمنحها قوة، كما أشار المدافع “فيليب د. كنِسون” Philip D. Kenneson في ملاحظة حكيمة قائلاً:

إن ما ينتظره عالمنا، وما تبدو الكنيسة متقاعسة عن تقديمه، ليس الاستمرار في تقديم مزيد من الأحاديث عن الحق الموضوعي، بل شهادة متجسدة تعطي الآخرين سبباً للالتفات لهذا الحق.[31]

علاوة على ذلك، تقدم الحياة المسيحية شهادة مهمة لقدرة الإنجيل على تغيير حياة البشر، فعندما نشهد عن قصتنا الشخصية، نقدم شهادة غير مباشرة على أن الإنجيل حقيقي، وليس صحيحًا فحسب.

ومن السهل إضافة المزيد من الأساليب أو تطويرها حسب القضايا التي يواجهها المدافع أو الاتجاهات الثقافية التي يشعر أنه يجب التعامل معها. ومن الأمثلة الواضحة التي يمكن استخدامها في الدفاعيات من بعض المجالات الفنية والأدبية الأخرى:

  1. الأفلام: ربما يعتبر الفيلم، لما يميزه من المزج بين القصة والصورة، أفضل وسيلة للتواصل مع جيل يطَلِّع على الواقع بطريقة بصرية أكثر منها نَصية. والكثير من الأفلام الحديثة تثير قضايا لاهوتية ودفاعية كبرى، مما يتيح الفرصة لفتح مناقشات دفاعية.
  2. الشعِر: تُعبر الكثير من القصائد عن شعور بالقلق الشديد تجاه الوضع الحالي للعالم، وعن تطلع نحو الهدف الأسمى للبشرية. وليس من الصعب على المدافع أن يحدد بعض القصائد، وكلمات بعض الأغاني المشهورة، التي تتيح الفرصة لإثارة أسئلة أو فتح مداخل للدفاعيات.
  3. اللوحات الفنية: الكثير من الأعمال الفنية الكلاسيكية، ناهيك عن الصور المشهورة، يمكن أن تمثل مداخل دفاعية. فإذا أجريت بحثًا سريعًا على الإنترنت مثلاً ستجد لوحة مشهورة للفنان “إدفارد مونك” Edvard Munch اسمها “الصرخة” The Scream  (1893) يظهر فيها شخص في حالة من اليأس الوجودي المريع لعجزه عن التعامل مع العالم. فكيف نستفيد من هذه اللوحة؟ إنها مدخل ممتاز للدفاعيات، ويمكنك أن تجد الكثير غيرها بسهولة.

الآن وقد اطلعنا على أساليب تساعدنا في إبراز جمال الإيمان المسيحي وربطه بحياة الناس العاديين، لابد أن ننتقل للعثرات والشكوك التي يواجهها الناس في الإيمان وكيفية التعامل معها .

لمزيد من الاطلاع:

Garson, D.A.The God Who Is There: Finding Your Place in God’s Story. Grand Rapids: Baker, 2010.

Johnston, Robert K.Reel Spirituality: Theology and Film in Dialogue، 2nd ed. Grand Rapids: Baker Academic, 2006.

Keller, Timothy J. The Reason for God: Belief in an Age of Skepticism. New York: Dutton, 2008.

Marsh, Clive. Theology Goes to the Movies: An Introduction to Critical Christian Thinking. New York: Routledge, 2007.

McGrath, Alister E. Surprised by Meaning: Science, Faith, and How We Make Sense of Things. Louisville: Westminster john Knox, 2011.

Nash, Ronald H. Faith and Reason: Searching for a Rational Faith. Grand Rapids: Academie Books, 1988.

Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.

Piper, John. Think: The Life of the Mind and the Love of God. Wheaton: Grossway, 2010.

Sire, James W. Naming the Elephant: Worldview as a Concpt. Downers Grove, IL: Inter Varsity, 2004.

Wright, N. T. Simply Christian: Why Christianity Makes Sense. San Francisco: HarperSanFrancisco, 2006.

[1] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).

[2] Augustine, Confessions V.xiii.23-xiv.25.

[3] James Robert Brown, Philosophy of Mathematics: An Introduction to the World of Proofs and Pictures (London: Routledge, 1999, 71-78); George Bools, “Gödel’s Second Incompleteness Theorem Explained in Words of One Syllable,”, Mind 103 (1994): 1-3.

[4] For a highly influential discussion, see John Lucas, “Minds, Machines and Gödel,” Philosophy 36 (1961): 112-27.

[5] For two good assessments of Schaeffer’s approach, see Thomas V. Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics: A Critique (Grand Rapids: Baker, 1987); Bryan A. Follis, Truth with Love: Apologetics of Francis Schaeffer (Wheaton: Crossway, 2006).

[6] Francis Schaeffer, The God Who Is There, Complete Works of Francis Schaeffer, vol. 1 (Westchester, IL: Crossway, 1982), 130.

[7] Ibid., 134.

[8] For a good analysis, see Morris, Francis Schaeffer’s Apologetics, 21-22.

[9] Schaeffer, The God Who Is There, 132.

[10] Ibid., 140.

[11] Ibid., 110.

* metaphysical وتترجم أحياناً إلى “ما وراء الطبيعة” والمقصود كل ما يختص بالبحث الفسلفي في المبادئ أو العلل الأولى للكينونة والمعرفة. (المترجمة)

[12] C. S. Lewis, Surprised by Joy (London: HarperCollins, 2002), 138.

[13] C. S. Lewis, Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.

[14] See Roy Baumeister, Meanings of Life (New York: Guilford Press, 1991). Baumeister’s analysis of the importance of questions of identity, value, purpose, and agency is of major importance to Christian apologetics.

[15] Hans Frei, The Eclipse of Biblical Narrative: A Study in Eighteenth and Nineteenth Century Biblical Hermeneutics (New Haven: Yale University Press, 1977).

[16] Alasdair MacIntyre, After Virtue (London: Duckworth, 1985), 216.

[17] Baumeister, Meanings of Life.

[18] N. T. Wright, “How Can the Bible Be Authoritative?” Vox Evangelica 21 (1991): 7-32.

[19] N. T. Wright, The New Testament and the People of God (Minneapolis: Fortress, 1992), 132.

[20] See Verlyn Flieger, Splintered Light: Logos and Language in Tolkien’s World (Kent, OH: Kent State University, 2002); Jeffrey L. Morrow, “J. R. R. Tolkien as a Christian for Our Times,” Evangelical Review of Theology 29 (2005), 164-77.

[21] Dan Brown, The Da Vinci Code: A Novel (New York: Doubleday, 2003), 233.

[22] Brown is totally wrong on all these points. See, for example, Bart D. Ehrman, Truth and Fiction in The Da Vinci Code: A Historian Reveals What We Really Know About Jesus, Mary Magdalene, and Constantine (Oxford: Oxford University Press, 2004), 23-24.

[23] The best account of the fabrication of this myth is Massimo Introvigne, Gli Illuminatie il Priorate di Sion (Milan: Piemme, 2005). An English summary of this work is available at http://www.cesnur.org/2005/pa_introvigne.htm.

[24] Philip Pullman, The Good Man Jesus and the Scoundrel Christ (Edinburgh: Canongate, 2010).

[25] You might enjoy reading the interesting study of William G. Johnson and Marcia K. Houtman, “Platonic Shadows in C. S. Lewis’ Narnia Chronicles,” Modern Fiction Studies 32 (1986), 75-87.

[26] For a detailed discussion, see Gail Fine, Plato on Knowledge and Forms: Selected Essays (Oxford: Oxford University Press, 2003).

[27] James C. Walters, “Paul, Adoption, and Inheritance,” Paul in the Greco-Roman World, ed. J. Paul Sampley (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2003), 42-76.

[28] Simone Weil, The Need for Roots (London: Routledge, 2002), 43.

[29] Walter Brueggemann, The Land: Place as Gift, Promise, and Challenge in Biblical Faith, 2nd ed. (Philadelphia: Fortress Press, 2002), 1.

[30] Bill Carter, “Why ‘Cheers’ Proved So Intoxicating,” New York Times, Sunday, May 9, 1993.

[31] Philip D. Kenneson, “There’s No Such Thing as Objective Truth, and It’s a Good Thing, Too.” Christian Apologetics in the Postmodern World, ed. Timothy R. Phillips and Dennis L. Okholm (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 1995), 155-70.

الدفاعيات والثقافة المعاصرة من الحداثة وما بعد الحداثة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الدفاعيات والثقافة المعاصرة من الحداثة وما بعد الحداثة

الدفاعيات والثقافة المعاصرة من الحداثة وما بعد الحداثة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

عن كتاب: الدفاعيات المجردة لأليستر ماكجراث

 
الدفاعيات والثقافة المعاصرة من الحداثة وما بعد الحداثة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

الدفاعيات والثقافة المعاصرة من الحداثة وما بعد الحداثة – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

 

        دائما ما تتم الدفاعيات في إطار ثقافي محدد. فالمرسلون المسيحيون إلى الصين والهند سرعان ما اكتشفوا أن الأساليب الدفاعية التي نجحت في أوروبا الغربية لم تكن فعالة في آسيا. وكان لابد من وضع منهجيات جديدة تتلاءم مع المناخ الثقافي والأنماط الفكرية التي تميز هذه المناطق. وهو ما يعني أن المنهج الدفاعي الذي يأتي بنتائَج عظيمة في إطار ثقافي معين قد يُثبت عدم فاعليته، بل قد يأتي بنتائج عكسية في إطار ثقافي آخر.

الدفاعيات والحداثة:

        عادةً مايُطلق على البيئة الثقافية التي سادت الغرب منذ حوالي سنة 1750 إلى1960مصطلح “الحداثة” “modernity”. وقد قام هذا الفكر على الاعتقاد بشمولية العقل البشري، أي أن هناك عقلاً مشتركًا يشمل جميع الناس والأزمنة، وهو قادر على إدراك أعمق أنظمة العالم. وكان العقل هو المفتاح الذي كشف غوامض الحياة، وكانت الحجة هي أداته في الإقناع. وأصبحت الحجة العقلية هي الأداة الموثوق بها في هذه الحقبة الثقافية. وسرعان ما أدرك العاملون في حقل الدفاعيات المسيحية أهمية هذا التطور. وأصبح الدفاع العقلاني عن الإيمان على درجة عالية من الأهمية.

        وكانت نوعيات الدفاعيات التي صممها الكُتَّاب المسيحيون للتفاعل مع الحداثة تركز على إظهار الأسس المنطقية والعقلانية للإيمان. وتم تأسيس العقائد الصحيحة على فرضيات صحيحة قامت بدورها على قواعد المنطق العقلانية. وهكذا، أصبح يُنظر إلى الدفاعيات، في المقام الأول، باعتبارها حججًا تقوم على المنطق وتُخاطب العقل البشري. وبينما تميزت هذه المنهجيات بالكثير من نقاط القوة، إلا أنها تجاهلت جوانب العلاقاتية والتخيلية والوجودية في الإيمان. وكما أشرنا آنفا “بليز باسكال” عَبَّر عن استيائه من الإفراط في التركيز على العقل. فماذا عن القلب البشري؟ وقد قال إن للقلب منطقه الخاص الذي يقوده للإيمان ولايمكن للعقل إدراكه.

        ومن النتائج الهامة لتأثير العقلانية على الدفاعيات المسيحية التقليل من أهمية كل مايُنظر إليه باعتباره “غير عقلاني” أو “غير منطقي” في الفكر المسيحي، مثل تعليم الثالوث. ولم يدافع عن هذه الفكرة في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر سوى القليل من المدافعين المسيحيين، إيمانًا منهم أنه يضع العقلانية المتشددة التي سادت عصرهم في موقف حرج. ولم يعاد اكتشاف الأهمية اللاهوتية لتعليم الثالوث ولم تُسترد الثقة في أسسه واتساقه المنطقي إلا بعد الحرب العالمية الأولى عندما تَلَقَّت عقلانيةُ عصرِ التنويرِ ضربةً قاسيةً مِن لاعقلانيةِ الحرب العالمية الأولى.

        ومع ذلك، استجابت الدفاعيات المسيحية بوجه عام استجابة جيدة لتحديات العقلانية، ووضعت منهجيات جديدة في الدفاعيات تتفق مع “روح العصر”. وقد افرز هذا العصر بعض الأعمال التي تمثل علامات بارزة على طريق الدفاعيات. فقد ألَّف “إدوارد جون كارنل” Edward John Carnell (1919- 1967) كتابًا يُعَد نموذجًا للدفاع المنطقي الانجيلي[1] عن الإيمان المسيحي.[2] إلا أنه بمرور الوقت أصبحت كثرة استخدام هذه المؤلفات تسبب مشكلة، لسببين:

  1. كل عصر يُوَلِّد شكوكه وتحليلاته وانتقاداته الخاصة بشان الإيمان المسيحي. فالكثير من القضايا التي اعتبرها “كارنل” وغيره من مدافعي هذا العصر قضايا مهمة تبدو اليوم قليلة الأهمية. وقراءة المؤلفات الأقدم في مجال الدفاعيات تشبه بحق الذهاب في رحلة عبر الذاكرة تزينها أسماء الكُتاب والمجادلات التي أصبحت لا تمت بصلة للعصر الحاضر .
  2. الكثير من مدافعي عصر الحداثة تفاعلوا مع محيطهم الثقافي مستخدمين منهجيات رأوا أنها تلائم جمهورهم، ومنها الاعتماد على الحجة العقلانية بوصفها الأساس لبناء ايمان موثوق به. ومقياس نجاح الدفاعيات، كما سنرى، هو قدرتها على إثارة اهتمام جمهور بعينه والتواصل معه. إلا أن فرضية الحداثة التي تعطي الأولوية للعقلانية أصبحت الآن موضع شك، مما يشكل صعوبات امام المنهجيات الدفاعية التي تقوم على العقلانية أو تستند إليها.

          ومن المشكلات التي تنشأ هنا أن المناهج العقلانية في الدفاعيات تميل إلى الحد من العنصر السري الباطني في الايمان المسيحي لكي تُقَرِّب المسيحية إلى العقل. ولكن الانجيل يحوي بعض الأفكار الإلهية التي تتجاوز قدرة العقل البشري. حتى إن المدافعين، حتى يكسبوا المجادلة مع خصمهم، أحيانًا ما يستعيرون فرضيات الخصم. وهكذا يمكن أن تتحول ميزة تكتيكية إلى ضرر استراتيجي. فخطورة النماذج الدفاعية التي تتعامل مع المذهب العقلاني أنها غالبًا ما ينتهي بها الحال إلى استيراد العقلانية إلى المسيحية، بدلاً من تصدير الإنجيل إلى الثقافة العقلانية.

صعود تيار ما بعد الحداثة:

          تواجه مسيحية الغرب في مطلع القرن الحادي والعشرين محيطًا ثقافيًا أكثر تعقيدًا وتنوعًا مما اعتاده المدافعون في منتصف القرن العشرين. فالآن أصبح المسيحيون أفرادًا وجماعات يعيشون في عالم ما بعد الحداثة. والمناهج الدفاعية التي نجحت في الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين أصبحت نشازًا في المناخ الثقافي الذي أعقب هذه الفترة.

ظهر مصطلح “ما بعد الحداثة” ”postmodernism” حوالي عام 1971. وقد استُخدم بادئ الأمر للإشارة إلى طراز معماري جديد، لكنه ىسرعان ما انسحب على عالم الأفكار. وأصبح مصطلح ما بعد الحداثة يشير إلى الاعتقاد الثقافي المتنامي القائل بفشل الحداثة وضرورة إصلاحها. وقد ركز هذا الاتجاه في البداية على إخفاقات “الفن الحديث” في التفاعل مع الخيال البشري، ولكنه سرعان ما امتد إلى القضايا الاجتماعية والمشكلات الناتجة عن الاعتقاد السائد بحتمية التقدم، مثل حتمية تحول المجتمعات إلى التصنيع “industrialization” وحتمية الامتداد الحضري “urbanization”. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحركة الناشئة لم تُسمِّ نفسها بأنها “مضادة للحداثة” ”antimodernism”. فحركة ما بعد الحداثة لا ترفض كل جوانب الحداثة، ولكن دعاتها يعتبرونها محاولة لدمج أفضل ما في العالم الحديث بأفضل عناصر التقاليد الكلاسيكية والتخلص من الجوانب الغير مرغوب في كلٍ منهما.

وقد تعرضت حركة ما بعد الحداثة لنقد لاذع بسبب ضحالتها الفكرية، ولاسيما من حيث أنها تنتقي عناصرها من أكثر من مذهب. فمن الذي يقرر ما نختاره من الماضي والحاضر وندمجه في مذهب واحد؟ إلا أن الحجة التي يقدمها كُتاب ما بعد الحداثة هي أن الحركة تمثل محاولة لدفع المجتمع والفكر للأمام على نحو يستفيد من أفضل أفكار الماضي دون أن يسقط في في فخاخه. فمن أهم ما يعنون به مثلاً مقاومة “الأنظمة الشمولية” الكاسحة مثل الماركسية التي كانت من أبرز خصائص الحداثة التي أصبحتمن أبرز خصائصالحداثة التي أصبحت اليوم تُعتبر قميصًا فكريًا وثقافيًا يضيق بمن يرتديه. وكما سنرى بعد قليل، هذا النقد لهذه “الأحادية” “uniformitarianism” التي برزت في فكر الحداثة له أهمية كبيرة في الدفاعيات المسيحية.

فكيف نستجيب إذًا لهذا التحول الثقافي الكبير؟ ربما الخطوة الأولى أن نضع هذا التطور في حجمه الحقيقي، ويساعدنا على ذلك أن نمعن النظر في تاريخ الكنيسة. فكل جيل يعتقد أنه يقف في نقطة حرجة من التاريخ. فحتى القديس أغسطينوس أسقف هيبو الذي كتب في مطلع القرن الخامس ذكر أن الكثيرين من معاصريه كانوا يتوقون لأيام الماضي الجميل عندما كانت المسيحية تحظى بالدعم والأمن من الامبراطورية الرومانية. وكذلك “برنارد الذي من كليرفو” Bernard of Clairvaux الذي كتب بعد أغسطينوس بسبعمائة سنة، أشار إلى ما شعر بها الكثيرون في عصره من حنين لعصر أغسطينوس. والكثير من كُتاب القرن السادس عشر عبَّروا عن اشتياقهم أن يعيشوا في عصر “برنارد الذي من كليرفو”، لأن أيامه كانت أفضل بكثير! فمن السهل جدًا أن نرى أن الماضي كان أفضل. ولكن علينا أن نتذكر أننا نميل إلى إضفاء صبغة مثالية رومانسية على الماضي، وخاصةً إن كنا لانجد لنا مكانًا في الحاضر ونشعر باغترابنا عنه.

إلا أن مهمتنا ألا نظل أسرى الحنين للماضي، بل أن نتعامل مع تحديات الحاضر مستغلين أساليب الدفاعيات التي استُخدِمَت في الماضي طالما أنها مفيدة (وهي غالبًا كذلك). والدفاعيات غالبًا ما تعمل في مواجهة مايطرأ على المحيط الثقافي من تحولات. إلا أن الإنجيل لا يتغير، ولكن الاسئلة المطروحة عنه والتحديات التي يواجهها هي التي تتغير تغيرًا كبيرًا حسب الإطار الثقافي. فقد اجتاح مد الحداثة المشهد الثقافي في فترة معينة من التاريخ ولكنه الآن يتراجع مفسحًا الطريق لحركة ما بعد الحداثة التي أصبحت هي التيار السائد. وفي المستقبل قد يتغير الوضع تمامًا.

ويجب ألا ينزعج المدافعون المسيحيون من صعود تيار ما بعد الحداثة، لأن الإيمان المسيحي يمتلك موارد وفيرة تمكنه من مواجهة هذا التحدي. كل ما في الأمر أننا لم نستخدم بعضها على مدى عصور طويلة لأنها لم تكن ملائمة للنظرة الحداثية. ولا شك أن صعود تيار مابعد الحداثة يضع تحديات حقيقية أمام الدفاعيات المسيحية، إلا أنه من الواضح أن يخلق أيضًا فرصًا حقيقية. ومن الواضح أيضًا أن هذا الاتجاه الثقافي الجديد يشكل تحديات أمام الكنائس من حيث إنه يجبرها على أن تعيد النظر بشكل جاد في بعض الأمور. فهل الأساليب المتبعة في الكرازة بالإنجيل هي الأفضل؟ أم أنها تضرب جذورها في اتجاه فكري قديم حتى إنها تسقط مع سقوط الحداثة؟

يرى الكثير من المدافعين الغربيين الأصغر سنًا أن المسيحية أصبحت شديدة التداخل مع الأنظمة المحببة في الحداثة؛ تلك الفترة المزدهرة في تاريخ أوربا الثقافي التي سادت من حوالي سنة 1750 حتى 1960. ومن ثَمَّ، صعود تيار ما بعد الحداثة يتيح الفرصة لمراجعة هذا الاتجاه. فالحقائق التي اعتبرها الكُتاب السابقون ضرورة لاهوتية ربما يثبت أنها كانت فقط تتماشى مع ثقافة عصرهم أو أنها كانت مرتبطة بحقبة تاريخية معينة.

كيف يمكننا إذًا أن نشرح الإنجيل أو ندافع عنه أو نوصله في هذا الوضع الثقافي المتغير؟ بينما أؤمن أن اتجاه ما بعد الحداثة يمثل صعوبة فكرية من حيث إمكانية الدفاع عنه والحفاظ عليه، إلا أنني أقبل أنه مازال يُشكِّل المدارك الثقافية للناس. وعلينا أن نصل إليهم في النقطة التي يقفون فيها، لا النقطة التي نرى نحن أنهم يجب أن يكونوا فيها. وعلى أي حال، فأنا أؤمن أيضًا أنه يتيح لنا فرصًا جديدة للكرازة بالإنجيل وتوصيله، وهذا ما سأتناوله لاحقًا.

يظن بعض المدافعين الأقدم أن أفضل طريقة لإعلان الانجيل في محيط ما بعد الحداثة أن نحاول إعادة الناس إلى الحداثة. ولكن هذا الأسلوب خاطئ ومستحيل. ولن أدافع، في هذا الكتاب، لا عن الحداثة ولا ما بعد الحداثة ولن أنقد أيًّا منهما. كل ما سأفعله أني سأعتبرهما “معطيات” ثقافية شَكَلَّتها الحداث التاريخية وسافترض أن لكُّل منهما نقاط قوة ونقاط ضعف. فلا شك أن تيار ما بعد الحداثة يضع أمامنا بعض التحديات، ولكني أظن أن الكنيسة قادرة على التصدي لها والاستفادة منها.

 

الدفاعيات وحركة ما بعد الحداثة:

ما هي إذًا القضايا الأساسية في مذهب “ما بعد الحداثة” الذي نتحدث عنه؟ أصبح التقليد المقدس في هذا المضمار هو أن نبدأ أي حديث عن حياة الكنيسة وشهادتها في عصر ما بعد الحداثة بطرح أكاديمي مفصل للنشأة التاريخية لحركة ما بعد الحداثة، وجذورها الفسلفية، ومضامينها الثقافية، مع تزيينه ببعض الملاحظات الحصيفة التي تشير إلى أن المصطلح يتسم في حد ذاته بالميوعة التي قد تصل إلى حد التضليل. إلا أنه من الواضح أن هذا المذهب يمثل شيئًا لايستهان به حدث في الثقافة الغربية أثناء الحقبة الماضية حتى لو كان وصفه وصفًا دقيقًا مازال يشكل صعوبة.

قد تكون أكثر السمات المميِّزة لاتجاه ما بعد الحداثة هو رفضه لمِا سأطلق عليه الأحادية، أي الإصرار على أنه لا توجد إلا طريقة واحدة صحيحية للتفكير، وطريقة واحدة صحيحة للسلوك، ويرى كُتاب ما بعد الحداثة أن هذه التوجهات هي ما تكمن وراء النازية والستالينية اللتين يعتبرونهما الوجه المرئي غير المقبول للأحادية. وهم يرون أن الدعوة للتوحيد والتنميط تؤدي إلى القهر من حيث إن الناس يُجبَرون على الدخول في قالب واحد وحيد سابق التجهيز، حيث يُختزل” الآخر” “the other” بلا هوادة إلى “المِثل” “the same”، على حد تعبير بعض فلاسفة ما بعد الحداثة البارزين.

وهكذا يمكن اعتبار تيار ما بعد الحداثة رد فعل مضادًا لهذه الأشكال من التفكير التي يعتبرها هذا التيار الجديد قهرية. ومن ثمَّ، خلق بدلاً منها مناخًا ثقافيًا يحترم التنوع ويسعى لتقويض تلك النظرة الجامدة المُقَيَّدة القهرية. فهو في المقام الأول رد فعل ضد الحداثة التي حاولت اختزال كل شيء لمجموعة موحدة من الأفكار في محاولة للتحكم في الآخرين والسيطرة عليهم، مما يجعلها نوعًا من الستالينية الفكرية أو الثقافية التي تتسم برفضها للتنوع في قراءاتنا للعالمَ. وهكذا ترى مدرسة ما بعد الحداثة أن الحرية الإنسانية مرهونة بالنجاح في تحديد ما يتحكم في الناس من “قصص كبرى” “metanarratives”[3] ومواجهتها ثم تقويضها.

        إلا أنه من الإنصاف أن تشير إلى أن تيار ما بعد الحداثة أيضًا له قصصه الكبرى المميِّزة التي ترقى فوق النقد. بل إن بعض هذه القصص الكبرى أصبحت التقليد القويم السائد في بعض قطاعات الثقافة الغربية، مما يطرح أسئلة جوهرية على دعاة ما بعد الحداثة الذين يرفضون “الصورة الكبرى” للواقع. ولنأخذ مثلاً من يؤمنون بالنسبية التي تقول بأن كل وجهات النظر في موضوعٍ ما على نفس الدرجة من الصحة حتى لو كانت تبدو ظاهريًّا غير متوافقة بعضها مع بعض. وهذا الموقف يقوم أساسًا على فهم للواقع (بل يمكن أن تقول “قصة للواقع” أو قصة كبرى) يتعارض تعارضًا واضحًا وصريحًا مع قصص أخرى للواقع تنظر إليه، ولو من حيث المبدأ، باعتباره مفتوحًا للخبرة العامة وللنقاش العام.

        والواقع أنه ليس من السهل وضع تعريف محدد لمصطلح ما بعد الحداثة، حتى إن كبار روادها ينظرون إليها بطرق مختلفة، ويقول بعضهم إنها بطبيعتها لابد بالضرورة أن ترفض أي شكل من أشكال التعريفات. وهكذا، يصبح أقصى ما نصبو إليه اقتراح توصيف أو نوع من الوصف المختصر لما بعد الحداثة. وفيما يلي سأطرح شرحًا حديثًا ثاقبًا يجلو الغموض عن الموضوعات الرئيسية في تيار ما بعد الحداثة أقتبسه من كتابات “كفن فانهوزر” Kevin Vanhoozer، وهو أحد أساتذة اللاهوت الإنجيليين البارزين في “كلية ويتون” Wheaton College بولاية إلينوي.[4]

        يرى “فانهورز” أن ظاهرة ما بعد الحداثة المعقدة يمكن تلخيصها في أربعة انتقادات توجهها لطرق التفكير الأقدم:

  • العقل: يشير “فانهوزر” إلى أن كُتاب ما بعد الحداثة ينظرون بعين الريبة إلى منهج الحداثة الذي يقوم على أن الحجة هي أداة التفكير المنطقي. فبينما كانت الحداثة تؤمن بعقل شامل وحيد، ترى ما بعد الحداثة أن هناك أنواعًا كثيرة ومختلفة من العقلانية. “إنهم يرفضون فكرة العقلانية الشاملة، والعقل عندهم أمر نسبي يتوقف على المحيط الموجود فيه.”
  • الحق: يقول “فانهوزر” إن مدرسة ما بعد الحداثة تشك في فكرة الحق بسبب استخدامه في تقنين القهر، أو تبرير الامتيازات الممنوحة للبعض. وهي تعتبر أن الحق “قصة جذابة يرويها أشخاص في مواقع السلطة ليبقوا على رؤيتهم للعالم الطبيعي والاجتماعي وتنظيمهم له.”
  • التاريخ : يرى “فانهوزر” أنه بينما حاول كُتاب الحداثة إيجاد أنماط عامة موحدة تشمل التاريخ، فإن ما بعد الحداثة “ترفض الإيمان بالقصص التي تحاول تقديم نوع من التاريخ العام الموحد.” وهو ما يعني من وجهة نظر المدافعين المسيحيين أن أي محاولة لاكتشاف مغزى عام في قصة يسوع الناصري سينظر إليه بعض المنتمين إلى ثقافة اليوم بقدر كبير من الشك.
  • الذات: يشير “فانهوزر” إلى أنه تبعًا لما سبق. يرفض تيار ما بعد الحداثة أي فكرة تقول بوجود “رواية واحدة صحيحة لتاريخ الشخص”، وبالتالي يخلص تيار ما بعد الحداثة إلى أنه “ليست هناك رواية واحدة صحيحة لهوية المرء.” وهكذا تصبح كل أساليب فهم الفرد لنفسه مفتوحة النهاية وجزئية. وليست هناك إجابة موحدة للسؤال عن ماهية الهوية الانسانية.[5]

وتكمن أهمية تحليل “فانهوزر” في أنه يساعد على تحديد ماستواجهه المناهج الأقدم في الدفاعيات المسيحية من عثرات وشكوك في أطر ما بعد الحداثة. إلا أنه من الواجب ملاحظة نقطتين على وجه الخصوص :

  • يجب ألا ننظر أبدًا إلى ما بعد الحداثة على أنها تعطي تعريفًا لما هو “صواب” أو “حق”. ولكنها مناخ ثقافي شَكَلَّتَه قيم ومعتقدات معينة. وتيار ما بعد الحداثة، مثل الحداثة، هو في الأساس نظرة علمانية، فلا هو ضد المسيحية ولا مؤيدًا لها. ولكنه يعكس إطارًا ثقافيًا علينا أن نقدم فيه الدفاعيات.
  • الكثير من المنهجيات الدفاعية التي نعتبرها “تقليدية” قديمة هي في الواقع منتجات حديثة نوعًا ما وتمثل استجابات لإطار الحداثة. فالمدافعون الذي أرادوا أن يخاطبوا الحداثة وضعوا منهجيات مصممة خصيصًا لفرضيات الحداثة، وأهمها أولوية العقل.

        علينا أن ندرك أن لنا الحرية في تصميم المنهجيات الدفاعية التي تقدم الإنجيل بأمانة من ناحية، وتلائم محيطنا الثقافي من ناحية أخرى. وبذلك نكرر أسلوب “الدفاعيات التقليدية” في استجابتنا لما يطرأ من تغيرات على المحيط الثقافي الذي نخاطبه. فلا يمكننا استخدام منهج صُمم ليخاطب عقلانية القرن الثامن عشر للدفاع عن الإيمان مع أبناء القرن الحادي والعشرين الذين يعتبرون العقلانية فكرة بالية ومُقَيِّدة.

        فمثلاً تيار ما بعد الحداثة يعتبر الاستناد إلى الحجج العقلانية مشكلة. ولكنه ينجذب بشدة للقصص والصور. علاوة على أن اتجاه ما بعد الحداثة يُقدر الحق الذي يُثبت قابليته للتطبيق في الحياة العملية أكثر من الحق الذي يتم التدليل عليه بالحجج العقلية. وهذا يساعدنا أن ندرك سبب أن “الدفاعيات المتجسدة” “incarnational apologetics” التي تؤكد الأهمية الدفاعية للحياة الأمينة الشاهدة أصبحت شديدة التأثير في السنوات الأخيرة. وكما سيتضح في فصل لاحق، يمكننا عادةً التصدي بسهولة لهذا التحدي الجديد، ليس باختراع منهجيات جديدة في الدفاعيات بل باستعادة منهجيات أسبق جعلها صعود العقلانية تبدو قديمة الطراز.

وكما سنرى، قد يؤدي صعود تيار ما بعد الحداثة إلى تغيير بعض ما نتبناه من أساليب، ولكنه لايُبطل مهام الدفاعيات المسيحية ولا أسسها الفكرية. فالمبادئ الأساسية تبقى دائمًا دون تغيير:

1.افهم الإنجيل.

2.افهم الإطار الذي تقوم فيه بالدفاعيات.

  1. صمم أساليب دفاعية تقدم الإنجيل بأمانة وتبني على “أرضية مشتركة” أو “نقاط التقاء” مع الإطار الثقافي.

 

المنهج المعتمد في هذا الكتاب:

        تتعدد طرق تقديم الدفاعيات. فبعض الكتب تستخدم منهج “دراسة الحالة” بتقديم عدد من الاعتراضات أو الصعوبات المتعلقة بالإيمان المسيحي. ثم يتم دراسة كلٍ منها وتقديم الإجابات لها. وبعض الكتب تستند إلى الأدلة التاريخية أو العقلانية التي تثبت صحة الإيمان. في حين تنطلق فئة أخرى من مبدأ أنه لا يمكن فهم العالم دون أن تكون المرجعية لله. إلا أن هذا الكتاب لا يعكس أي منهج لأي مدرسة من مدارس الدفاعيات، بل يهدف إلى تمكين مستخدميه من التفكير بأسلوب دفاعي، مستفيدًا من أفضل الدفاعيات لدراسة القضايا المطروحة.

        ويمكن إيجاز المنهج الأساسي للكتاب في سلسلة الخطوات التالية. وسوف نتناول كلاً منها بمزيد من التفصيل فيما بعد. ولكني في هذه المرحلة أكتفي بعرضها.

  • افهم الايمان :

       أولاً، فهمك للإيمان المسيحي فهمًا جيدًا هو أمر أساسي. إلا أن هذا الفهم يجب أن يشتمل على بعد دفاعي. أي أنه علينا أن نفكر كيف يمكن للموضوعات الرئيسية في الإيمان أن تتلامس مع الناس وتتفاعل مع خبراتهم وأفكارهم، وهو ما يتطلب محاولة تكوين “نظرة من الخارج” للإيمان وطرح السؤال: كيف يتجاوب غير المؤمن مع الجوانب الجوهرية في الإنجيل؟ بدلاً من أن ينصب كل اهتمامنا على القضايا التي تشغل المؤمنين.

       فمثلاً قد يسأل أحد أساتذة الكتاب المقدس السؤال التالي: ” كيف يساعدنا مثل الابن الضال في فهم علاقة يسوع الناصري بالديانة اليهودية؟” أما المدافع يسأل سؤالاً مختلفًا، مثل: “كيف يساعدنا هذا المثل في فهم عالم الشخص غير المؤمن؟” فالمدافع عليه أن يكتشف كيف يمكن لما يحويه الإيمان من أفكار وقصص وصور ذهنية أن يتفاعل مع واقع الحياة اليومية.

  • افهم جمهورك :

       ثانيًا، من المهم أن تفهم الجمهور الذي تخاطبه. من هم؟ رأيت من خبرتي الشخصية أن الناس يختلفون اختلافًا كبيرًا، كما كان الحال في زمن العهد الجديد. قارن بين الأساليب التي استخدمها بطرس في خطابه لجمهور يهودي (أع2) وأساليب بولس وهو يخاطب جمهورًا يونانيًا (أع17) ولاحظ الاختلاف الجذري بين الاثنين. سترى أن الإنجيل الذي يقدمه كلاهما ويبرز جماله إنجيل واحد ولكن الطرق مختلفة تمامًا تلائم العالم الذي ينتمي إليه كلٌ من هاتين الفئتين المختلفتين. فكل جمهور له أسئلته واعتراضاته ومشكلاته التي يجب التفاعل معها، وله كذلك “نقاط التقاء” وأبواب مفتوحة أمام الإيمان.

       ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أن المعرفة بالإيمان المسيحي تختلف اختلافات شاسعة من جمهور لآخر. فبعض الناس ليس لديه أي معرفة بالكتاب المقدس، ويعتبره لا يمت بصله له على الإطلاق. وبعضهم مازال يحتفظ في ذاكرته ببضعة نصوص كتابية ويُكن تجاهها مشاعر طيبة، مثل (مزمور1:23) “اَلرَّبُّ رَاعِيَّ.” والناس مختلفون اختلافًا كبيرًا أيضًا في انتماءاتهم الثقافية. فبعضهم يتبنى مفاهيم الحداثة، في حين أن مجموعة أخرى تتبنى مفاهيم ما بعد الحداثة. بعض الناس يحب الأدب الكلاسيكي، بينما يُفضل آخرون الحديث عن أحدث المسلسلات التلفزيونية. بعض الناس يفكر بأساليب مجردة جدًا، في حين أن آخرين يستخدمون الصور أو القصص كأدوات للتفكير. وفي كل حالة ينبغي أن نجد الطريقة المثلى لتوصيل الإيمان المسيحي بلغة تناسب خبرة المستمع ومعرفته.

  • تواصَل بوضوح:

       ثالثًا، علينا أن نترجم إيماننا إلى لغة يفهمها مستمعونا. وقد تساعدنا في هذا الصدد المناقشات الدائرة حول الترجمة الكتابية حيث إنها تلفت انتباهنا لضرورة توصيل رسالة الكتاب بلغة عصرية مفهومة، كما أشار “سي. إس. لويس” في ملاحظة حكيمة قائلاً: “مهمتنا أن نقدم ما لازمن له (هو هو أمس واليوم وغدًا- عب 13 :8) بلغة زماننا.”[6] إن امتيازنا ومسئوليتنا أن نُعبر عن حق الإنجيل الذي يصلح لكل زمان بلغة وصور ذهنية تلائم مستمعينا. ولذلك، فالمدافع هو شخص يترجم حقائق الإيمان إلى لغة الثقافة الدارجة.

  • ابحث عن نقاط التقاء:

       رابعًا، يجب علينا أن نحدد ما في الثقافة والخبرة الإنسانية من نقاط التقاء مع الإنجيل. فالله لم يترك نفسه بلا شاهد في التاريخ أو الثقافة أو الخبرة الإنسانية (أع 14 : 17) ومهمتنا أن نحاول تحديد ذلك الشاهد (سواءٌ أكان في الطبيعة، أو المجتمع، أو العُرف الأخلاقي) ونستخدمه باعتباره نقطة تلاقي لإعلان الانجيل.

  • قَدِّم الإنجيل كله:

      خامسًا، لابد أن نحترس من أن نُفقر نداء الإيمان المسيحي بأن نحصره في الأجزاء التي نستمع بها شخصيًا أو نراها جذابة لنا. فقد أكد “سي. إس. لويس” أن المدافع لابد أن يميز تمييزًا دقيقًا بين “الرسالة المسيحية” و”أفكاره الخاصة.” وإن فشلنا في هذا التمييز فلن نقدم للمستمعين الإنجيل بل سنقدم لهم من الانجيل مانراه مهمًا وشيقًا. ويرى “لويس” أن الفخ الذي قد نقع فيه من التركيز على ما يعجبنا شخصيًا ومانقبله يُفقر الإنجيل. وينتهي بنا الأمر إلى الإعلان عن أنفسنا في الوقت الذي يجب فيه أن نعلن عن المسيح.

      إلا أن تأثير الإيمان المسيحي على حياتنا مهم في حد ذاته في الدفاعيات. لماذا؟ لأنه يشهد على قدرة الإنجيل على تغيير وجود الشخص. ويقصد “لويس” أننا لابد ألا نقدم المسيحية انطلاقًا من تفضيلاتنا الشخصية، بل نُظهر قدرتها على التفاعل مع أعمق مستويات الوجود البشري، أي مع قلوبنا، وعقولنا، وأرواحنا.

        ويجب ألا نُقَيِّد نداء المسيحية بالحد من الوسائل المستخدَمة لتوصيلها. فالكثيرون من المسيحيين في الغرب يركزون على الأفكار الجوهرية في المسيحية ويعتبرون الدفاعيات هي الدفاع العقلاني عن الحق المسيحي. وهنا أريد أن أوضح أن هذا صواب، وهو جيد ولكنه ليس الأفضل، وهو لا يمثل الحقيقة كلها، لأننا لابد أن نسير خطوة أبعد وننتبه أن الكتاب المقدس يستخدم صورًا ذهنية وقصصًا وأفكارًا ليوصل رسالته المحورية. وقد استخدم يسوع الناصري الأمثال لتوصيل الموضوعات الأساسية في ملكوت الله. وقد نجحت هذه القصص في غرس بعض الأفكار الجوهرية في أذهان مستمعيه. فكيف يمكننا اليوم أن نفعل ذلك؟

6- لاتكف عن الممارسة:

 سادسًا، الدفاعيات ليست مجرد نظرية، ولكنها ممارسة. علينا أن نعرف كيف نطبق الأفكار والأساليب الدفاعية في حياتنا اليومية؛ في حواراتنا، ومناقشاتنا، ولقاءاتنا، وفي كل تفاعلاتنا مع الآخرين. فالدفاعيات علم وفن. أي أنها تجمع بين المعرفة والحكمة. وهي تشبه الطبيب الماهر الخبير الذي يعرف نظريات الطب معرفة جيدة، ولكنه لابد أن يطبقها على مرضاه، وهو ما يتطلب أن يشعر بهم ويفكر في أفضل الطرق لمساعدتهم باكتشاف مشكلاتهم الحقيقية وإيجاد وسيلة لتوصيل المصطلحات الطبية لهم بلغتهم العادية وشرح كيفية التعامل مع المرضى.

          وسوف نتناول هذه الموضوعات الستة في الفصول التالية في دراستنا للموضوعات والمنهجيات المهمة في الدفاعيات المسيحية.

خطوة للأمام:

        تناولنا باختصار بعض الأسئلة الأولية المتعلقة بالدفاعيات. وبذلك أصبح المسرح مُعَدًا لدراسة أوسع فيما يلي حيث نعالج بعض هذه الموضوعات بمزيد من التفصيل. وسنبدأ بتناول الأسس اللاهوتية العميقة التي تقوم عليها الدفاعيات المسيحية.

 

 

[1] مصطلح “إنجيلي” evangelical في هذا الكتاب لا يشير إلى الطائفة بل إلى الاتجاه المحافظ في التفسير الكتابي مقابل الاتجاه الليبرالي المتحرر. (المترجمة)

[2] Edward John Carnell, An Introduction to Christian Apologetics (Grand Rapids: Eerdmans, 1948). For an analysis, see Kenneth C. Harper, “Edward John Carnell: An Evaluation of His Apologetics,” Journal of the Evangelical Theological Society 20 (1977), 133-46.

 

[3] يشير المصطلح في تيار ما بعد الحداثة إلى الأفكار التي تُقدم للمجتمع لإضفاء المشروعية على آليات التحكم فيه، وقد رفضها تيار ما بعد الحداثة، ويعتبر الفيلسوف “جان فرانسوا ليوتارد” “Jean-Francois Lyotard” رائدًا في استخدام المصطلح. (المترجمة)

[4] Kevin Vanhoozer, “Theology and the Condition of Postmodernity,” in The Cambridge Companion to Postmodern Theology, ed. Kevin Vanhoozer (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), 3-24.

[5] يعلق المفكر المسيحي د. ماهر صموئيل على أهمية ملاحظة اختلاف الواقع العربي عن الواقع الغربي من جهة مدى اتصاله بهذا التطور الفكري الذي حدث في الغرب. فالثقافة السائدة في المجتمع العربي حتى الآن تميل إلى ثقافة ما قبل الحداثة، وإن كانت بدأت تنحسر الآن مد العولمة وثورات الربيع العربي لحساب الحداثة، وبنسبة أقل لما بعد الحداثة. لذلك، على من يتصدون للدفاعيات المسيحية في العالم العربي أن يعوا أنهم يتعاملون مع ثلاثة أنظمة فكرية تسود المجتمع في الوقت نفسه. ولكن أهمها من وجهة نظره هو الحداثة. وبالتالي، على المدافعين أن يكثروا من استعمال الحجة المنطقية. (المترجمة)

[6] Lewis, “Christian Apologetics,” C. S. Lewis: Essay Collection (London: Harper Collins, 2000), 151.

الأساس اللاهوتي للدفاعيات – أليستر ماجراث (الدفاعيات المجردة)

الأساس اللاهوتي للدفاعيات  – أليستر ماجراث (الدفاعيات المجردة)

الأساس اللاهوتي للدفاعيات  – أليستر ماجراث (الدفاعيات المجردة)

 عن كتاب: الدفاعيات المجردة لأليستر ماكجراث

الأساس اللاهوتي للدفاعيات – أليستر ماجراث (الدفاعيات المجردة)

 

ليست الدفاعيات مجموعة من الأساليب الفنّية لربح الناس للمسيح، ولا مجموعة من الحجج النموذجيّة الجاهزة التي تهدف للفوز بالمناظرات. ولكنها رغبة في العمل مع الله لمساعدة النفوس على اكتشاف مجده والرجوع له. وقد عبِّر “إفري داليس” Avery Dulles عن أسفه تجاه هذه النظرة قائلاً إنَّ المُدافع غالبًا ما يُنظر إليه بإعتباره “شخصًا عدوانيًّا انتهازيًّا يُحاول بحجته أن يضُم النّاس الى الكنيسة سواءً أكان ذلك بوسائل رقيقة أو فظّة”.[1]

وليس صعبًا أن نرى كيف تنشأ هذه الصُّور النمطيّة الشائعة. ولا يصعُب كذلك أن تكتشف خطورة هذه التّوجُّهات.  فالدِّفاعيّات في جوهرها ليست إتقان مجموعة من الأساليب الفنّية وحفظها لتسيير المناقشة في اتجاه مُعيّن للحُصول على النتيجة المَرجُوّة. ولكنّها تعني أن نكون محكومين بالإيمان المسيحي بحيث تنطبع أفكاره وموضوعاته وقيمه على عقولنا وفي قلوبنا إنطباعًا عميقًا.

فالدفاعيّات أبعد ما تكون عن ترديد الأفكار آليًّا، ولكنها إدراك طبيعي لما يمكننا ان نقدّمه من إجابات عن أسئلة الناس وشكوكهم، إجابات تنبع من تأصّلنا المخلص العميق في واقع إيماننا. وأفضل الدفاعيّات هي ما تتم انطلاقًا من رؤية ثريّة للواقع تُميّز الإنجيل، وتَخلِق بصيرةٍ شديدة الواقعيّة تنفُذ الى الطبيعة البشريّة. فما مشكلتنا؟ وما احتياجنا؟ وكيف يمكن الوفاء بهذا الإحتياج؟ في كل حالة، يمكن تقديم إجابة قويّة لكلّ سؤال، إجابة مؤسّسة على الفهم المسيحي لطبيعة الأمور.

وكما سيؤكد هذا الكتاب، لا بديل عن دراسة حقائق الإيمان العظمى دراسة طويلة، جادّة، مُمتزجة بالصلاة من ناحية، وفهم طبيعة الجمهور الذي نتفاعل معه ونُخاطبه فهمًا عميقًا من ناحية أخرى. وسأتناول في هذا الفصل قدرة الدراسة اللاهوتيّة للموضوعات المحوريّة في الإيمان المسيحي على إثراء الدفاعيات.

تكوين سياق:

لنأخذ واحدًا من أول الأحداث المُسجّلة في روايات الإنجيل عن خدمة يسوع الناصري حتى نضع دراستنا في سياق مناسب:

وَفِيمَا هُوَ يَمشِي عِندَ بَحرِ الجَلِيلِ أَبصَرَ سِمعَانَ وَأندَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلقِيَانِ شَبَكَةً فِي البَحرِ فَإنِهُمَا كَانَا صَيَّادَينِ.  فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: «هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجعَلُكُمَا تَصِيرَانِ صَيَّادِي الْنَاس».  فَلِلوَقتِ تَرَكَا شِبَاكَهُمَا وَتَبِعَاه. (مر 16:1-18).

 

يا لها من قصّة بديعة مُحمّلة بالتفاصيل والأفكار، حيث نرى يسوع مثلاً يدعو صيادين. وهنا تجدر الإشارة الى أنّ الكتابات اليهوديّة آنذاك امتلأت بالأحاديث عن فئات من النّاس كانت وظائفهم تمنعهم من حفظ ناموس موسى، ومنهم النّجارون والصّيادون الذين غالبًا ما كانوا ملفوظين لأسباب خاصة (سلبيّة). فالنّجار كان يعمل حانوتيًّا يتعامل مع أجساد الموتى طوال الوقت، بالإضافة لعمله بالنجارة. والصّياد كان يتعامل مع أنواع مُختلفةٍ من الأسماك منها ما هو طاهر وما هو نجس. وهكذا كانت هاتان الفئتان غير قادرتين على الالتزام بالقواعد اليهوديّة الصّارمة فيما يختص بالطّهارة الطقسيّة التي كانت تحظر لمس أي شيء نجس. ومع ذلك، نرى يسوع يدعو هؤلاء الصّيادين على وجه التّحديد، أولئك الذين يعيشون على هامش الحياة الدينيّة اليهوديّة، وهو ما يُذكّرنا بكل جلاء أنّ الإنجيل يصل للجميع، حتى مَن يعتبرهم المُجتمَع عاجزين أو بلا قيمة.

وبالرّغم من أهمية تلك النُقطة، فهي ليست الأهمّ من وجهة النّظر الدفاعيّة، لأنّ السؤال الدّفاعي الذي يجب أن نسأله: ما الذي جعل سمعان وأندراوس يتركان كل شيء ويتبعان يسوع؟ هل قدّم يسوع حججًا قويّة لإثبات وجود الله؟ هل شرح لهما أنّ فيه تتحقق نبوات العهد القديم العظيمة؟ لا. بل إنّ يسوع نفسه كان يتمتع بجاذبيّة خاصّة، فجاءت استجابة سمعان وإندراوس فوريّة وحدسيّة. ويترك لدينا مرقس انطباعًا عن شخص شديد الجاذبيّة، حضوره يُجبر النّاس تلقائيًا على قبوله.

وبالرغم من أنّ قصة لقاء يسوع النّاصري مع أوّل تلاميذه على بحر الجّليل مألوفة لنا جدًّا، علينا أن نقرأها إنطلاقًا من غرض دفاعي. وهي تُساعدنا على وضع الدفاعيّات في نصابها الصّحيح، من حيث إنّها تُذكّرنا أنّ الحجّة ليست إلاّ جزءًا من استراتيجيتنا. فمهمتنا، من أوجه كثيرة، هي أن نقود الناس للمسيح ولاكتشاف الله الحيّ. أي أن الدفاعيّات لا تُخلِّص أحدًا ولا يُمكنها أن تفعل ذلك. ولكنّها تُرشد الناس للاتجاه الصّحيح بإزالة العوائق التي تحول دون اللقاء مع الله، أو بفتح نافذة يطلّ منها الناس على المسيح. وهي تُمكّن النّاس من إدراك أهمية الإنجيل. ومن ثَمُّ فهي تُوجّه، وتشرح، وتفتح الأبواب وتُزيل العوائق. ولكن ما يُخلّص ليس الدفاعيّات في حدّ ذاتها، بل الحقيقة العُظمى المُختصّة بالله والمسيح المُقام. 

ولشرح هذه النقطة المهمة، نرجع لرواية آخرى من روايات دعوة التلاميذ الأوائل:

فِيلُبُّسُ وَجَدَ نَثَنَائِيلَ وَقَالَ لَهُ: «وَجَدنَا الَّذِي كَتَبَ عَنهُ مُوسَى فِي اَّلَنامُوسِ وَالأَنبِيَاء: يَسُوعَ ابنَ يُوسُفَ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَة».  فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ: «أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمكِنُ أَنَ يَكُونَ شَيءٌ صَالِحٌ؟» قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ: «تَعَالَ وَانظُر».  (يو 45:1-46)

يقتنع فيلبس بعد لقائه مع يسوع الناصري أنه لشخص الذي كان يرجوه، ويحاول بعدئذٍ أن يقنع نثنائيل أنّ يسوع هو تحقيق رجاء إسرائيل. ولكن نثنائيل في شكّ شديد من الأمر، حتّى إنّه يعترض قائلاً: هل يُمكن أن يأتي شخص كهذا من الناصرة؟ وبدلاً من أن يُواجه فيلبس هذا الاعتراض بحجة منطقية، يدعو نثنائيل ليلتقي بيسوع الناصري ويُقرّر بنفسه.

كان بإمكان فيلبس أن يُجيب نثنائيل بحجّة مُفصّلة. كان يمكنه أن يثبت له أنّ نشأة يسوع في الناصرة تحقيق لنبوّة كتابيّة. أو كان يُمكنه أن يشرح له العوامل المُختلفة التي دعته هو وأندراوس وبطرس لاتباع يسوع الناصري والإيمان به باعتباره تحقيق رجاء إسرائيل. إلاّ أنّ فيلبس عرف أنّ اللقاء أفضل من الحجة. فما الداعي من النقاش مع نثنائيل وهناك طريقة مباشرة وأكثر ملاءمة لحلِّ المسألة؟ وهكذا نجد فيلبس يقول :«تَعَالَ وَانظُر».  وبعد لقاء نثنائيل بيسوع واستماعه له يصل إلى الاستنتاج بنفسه: «يَا مُعَلِّمُ، أَنتَ ابنُ الله! أَنتَ مَلِكَ إِسرَائِيلَ!»  (يو 49:1). وهنا نرى أهميّة توجيه الناس نحو يسوع الناصري. فيمكننا، مثل فيلبس، أن نشرح ما نراه في يسوع من جاذبيّة وجمال لا يُقاوم. ولكن في النهاية، لا يأتي الاقتناع الكامل من شهادتنا. بل من اللقاء الشخصيّ مع المسيح المُقام.

وهنا نصل الى نقطة مُهمّة، فغالبًا ما يُقال لنا إنّ الدفاعيّات في إقناع النّاس بحقّ الايمان المسيحيّ. وهذه العبارة تشتمل على شيء من الحقيقة ولكنّها ليست الحقيقة الكاملة، لأنّ الحجج تقف عند حدود مُعيّنة يستحيل أن تتعدّاها. فقد يمكنك أن تقنع شخصًا بصحّة فكرةٍ ما، ولكن هل اقتناعه سيغير حياته؟ لقَد أصاب فيلبس في إدراكه أنّ نثنائيل لن يتغير بحجّةٍ ولا حتّى بفكرةٍ، بل بلقاءٍ شخصّي مع يسوع. فهو لم يُقدّم حجّة لحساب يسوع، بل أشار إلى يسوع. ألا يُقدِّم لنا هذا نموذجًا مُفيدًا للشهادة المسيحية، من حيث إنها توجيه النّاس ليسوع الذي وجدنا فيه كمال تحقيق أشواق الإنسانيّة، وتاجَ تطلعاتها، حتى نتيح لهم أن يلتقوا به بأنفسهم بدلاً من الاعتماد على ما نُقدّمه لهم من حجج وشرح؟

ولكن القصّة تستمر، حيث يمكننا الإشارة إلى المزيد من النقاط المُتعلّقة بالدفاعيّات. فبعد بضعة أيّام، يحضر يسوع وتلاميذه عرسًا في قانا الجليل، حيث يُجري يسوع “آيةً” محوّلاً الماء إلى خمر، وهو ما كان له عظيم الأثر على التلاميذ. وكما تُخبرنا رواية الإنجيل: “هَذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الَجلِيلِ، وَأَظهَرَ مَجدَهُ، فَآمَنَ بِهِ تلَامِيذُهُ.” (يو 11:2). وهنا نرى الإيمان يأتي نتيجة إعلان مجد المسيح، وهذا هو ما يتجاوز الحجج المنطقيّة بكثير. الإيمان هو الاستجابة لإدراكِ كمال مجد المسيح، وجلاله، وروعته. ولعلّ أوضح الأمثلة على ذلك هو “توما المُتشكك” الذي يؤمن بالمسيح عندما يدرك أنه قام حقًّا من الأموات “أجاب توما وقال له:«رَبِّي وَإِلَهِي».” (يو 28:20).

يبين هذا الشرح المُختصر لطبيعة الدفاعيّات أن لها بُعداً لاهوتيًّا قويًّا. وقد يكون من المفيد أن نتناول هذه النقطة بمزيد من التفصيل قبل التقدّم في الموضوع.

أوّلاً، تُذكرنا نصوص إنجيل يوحنّا التي تبيّن أنّ الإيمان ينشأ عن إعلان المجد الإلهيّ بأنّ قُبول الإيمان لا يتمّ بالحكمة او المنطق البشريين، ولكنّه، في أعمق معانيه، يحدث بفعل إلهيّ. وهذا الموضوع ثابت في العهد الجديد كله. فكرازة بولس في كورنثوس لم تعتمد على الحكمة البشريّة “لِكَي لَا يَكُونَ إِيمَانُكُم بِحِكمَة النَّاسِ بَل بِقُوَّةِ الله.” (اكو 5:2). والإيمان ليس مجرّد تغيير الفكر، ولكنّه تحول شخصي يتمّ باللقاء مع الله الحيّ.

ثانيًا، يصوّر العهد الجديد ما أصاب الطبيعة البشريّة من جرح وخلل بسبب الخطيئة، مما جعلنا عاجزين عن رؤية الأمور على حقيقتها. ” الَّذِينَ فِيهِم إِلَهُ هَذَا الدَّهرِ قَد أَعمَى أَذهَانَ غَيرِ المُؤمِنِينَ، لِئَلَا تُضِيءَ لَهُم إِنَارَة إِنجِيلِ مَجِد المسيح الذي هو صورة الله.” (2كو 4:4). فلا الحجج ولا كثرة الأدلّة ولا قوّة البلاغة ولا جاذبيّة الشهادة الشخصيّة تستطيع أن تُعالج العمى. ولكن العمى يحتاج الى شفاء، وهذا الشفاء لا يستطيع أن يفعله سوى الله. الله وحده هو القادر على فتح عيون العُمي وتمكينهم من رُؤية واقع الحياة على حقيقته. وهكذا فالدفاعيّات تعتمد على نعمة الله وقدرته على الشفاء والتجديد، وهو ما لا نستطيع أن نفعله نحن. وهو ما يساعدنا أن نضع الدفاعيّات في حجمها الصحيح.

ثالثًا، هذه الزاوية اللاهوتيّة تضع مهمة الدفاعيّات في سياقها الصحيح، لأنّها تساعدنا على أن نُدرك أننا نلعب دورًا مهمًّا في الإتيان بالناس للإيمان. ولكنّه، على أهمّيته، دور محدود. فالله هو الذي يُغيّر الشخص، ونحن لنا الامتياز أن نأتي به إلى نقطة مُعيّنة عندها يتولى الله المسؤولية. إننا نشير إلى مصدر الشفاء، والله هو الذي يشفي. ونشهد لقوّة الغفران، والله هو الذي يغفر. ونشرح كيف غيّر الله حياتنا وحوّلها للأفضل، والله هو الذي يدخل الحياة ويغيّرها. فنحن نقوم بدور حقيقي في هذه العمليّة، وهو امتياز لنا، ولكنّنا لا نقوم به وحدنا. لأنّ الدفاعيّات دائمًا ما تتم بقوة المسيح المُقام وحضوره.

وسأقدم هنا تشبيهًا لعلّه يُساعد في توضيح هذه النقطة الجوهريّة. تخيّل أنك أُصبت بتسمم في الدم منذ عدة سنوات. وظهرت عليك بعض الأعراض، وعندئذ أدركت أنّك في حالة حرجة. فاستشرت طبيبًا ماهرًا أخبرك بالمُشكلة ووصف لك علاجًا، هو البنسيلين. فأخذت العلاج على الفور وبدأت تستعيد صحّتك في غُضون أيّام. سيناريو بسيط يسهل تخيّله، ويُمكنك أن تعيد كتابته بأسلوبك لتنشره على نطاق أوسع.

وإليك السؤال المُهم: هل الطبيب شفاك؟ من ناحية، نعم. ومن ناحية أخرى، لا. الطبيب أخبرك بالمُشكلة وبما يجب أن تفعله حتّى تشفى. ولكن ما عالجك بالفعل هو البنسيلين. فتشخيص الطبيب عرّفك بالمشكلة، ولكن قبل اكتشاف البنسيلين كانت هذه الحالة تعني شيئاً واحداً، هو الموت. وما كان هناك من سبيل لإنقاذك. وحتّى تحديد المشكلة ليس كافيًا لشفائك، بل لابد من العلاج.

يتيح لنا هذا التشبيه فهمًا أفضل لدور الدفاعيّات ولموقعنا في الخطّة الكبرى. واستمرارًا لهذا التشبيه الطبّي، أقول إن الدفاعيّات تشرح أن الطبيعة البشريّة مجروحة، فاسدة، مكسورة، ساقطة، وأنّها لا يُمكن أن تُشفى إلاّ بنعمة الله. ولشرح هذه الفكرة وتوصيلها والدفاع عنها يُمكن للمُدافع استخدام الكثير من الإستراتيجيات. وبالمثل يُمكننا استخدام الكثير من الاستراتيجيات التي تُسهم في شرح وتوصيل فكرة وجود علاج حقيقي والدفاع عنها. ولكن الدفاعيّات نفسها لا تشفي. كل ما تفعله أنّها تُشير إلى حيث يوجد الشفاء.

وهكذا يمكننا أن نُقدّم أقوى الحجج على وجود علاج، يمكننا أن نقدم شهادات شخصيّة عن أُناس تغيّرت حياتهم باكتشاف هذا العلاج. ولكن في النهاية الشفاء لا يتم إلاّ بالعُثور على العلاج وقُبوله والسماح له أن يؤدّي وظيفته. يُمكننا القيام بدور حقيقي ومهمّ في مُساعدة الناس على إدراك مرضهم وفي إرشادهم للعلاج الذي قد لا يعثرون عليه بدوننا. ولكن عملية الشفاء الفعليّة تنتج من قوّة البنسيلين، لا من كلامنا.

الدفاعيّات ورؤية لاهوتيّة للواقع:

تقوم الدفاعيّات على أساس من التقدير العميق لما يتميّز به الإيمان المسيحي من إتساع فكري وثراء روحي. فمهمة المُدافع لا أن يجعل الإيمان المسيحي جذّابًا أو مُناسبًا للعالم، ولكنّنا مدعوون لنُساعِد الناس على إدراكِ واكتشاف قوّته وملاءمته لحياتهم وقُدرته على الإقناع. والمُدافع مدعو أن يجد السُبل التي تتيح للنّاس أن يُميّزوا ما في الإيمان المسيحي من حقٍّ أصيل وجمال وصلاح.

وأسوقُ تشبيهًا آخر يُساعدُ في توضيح هذه النقطة. هبْ أنّك تقف على جبلٍ مع أحد أصدقائك مُندهشين من جمال الطبيعة. المنظر مألوف لك تمامًا لأنّك زرت المكان عدة مرّات. ولكنّ صديقك لم يزره، فكلّ شيء جديد عليه. وأسفل الجبل تمتد عناصر الطبيعة في الفضاء الفسيح؛ الغابات والأنهار والحقول والقرى. وأنت تُشير إلى القرى وتروي تاريخها لصديقك، وتُريه الأنهار، وتُخبره عن الغابات القديمة. وتُشير إلى شلاّلٍ صغير لا يلحظه الناظر إلاّ اذا كان يعرِفُ المكان من قَبْل. وصديقك مبتهج بالمنظر. ولكن النقطة التي لا بد من الانتباه لها أنّك لم تَخلِق هذا الجمال ولا التاريخ. كل ما هُنالِك أنّك ساعدت صديقك على تقدير قيمة ما هو موجود بالفعل، شيء لم يَعرِف به من قبل، ولم يلحظه.

فالدفاعيّات لا تعني إلباس الإيمان المسيحي ثوبًا من العقلانيّة أو الخيال الثري أو الخُلُق الراقي، لأنّ هذه الصفات هي صفات أصيلة في الإيمان، ولكن كل ما تفعله الدفاعيّات أنّها تُبرِز هذه السمات، وتُتيح الفرصة للناس حتى يروها بوضوح ويُقدّروا قيمتها الحقيقيّة. وهو ما يتطلّب من المُدافع نفسه أن يكون عنده من الرغبة والقدرة ما يمكنه من تقدير الإيمان المسيحي تقديرًا عميقًا واعيًّا. ولكن هذا لا يكفي: فلا بد للمُدافع أيضًا أن يكون نظره من الخارج. أي أنّه علينا ان نفهم كيفية الدفاع عن الموضوعات العظمى في الإيمان المسيحي وشرحها لأُناسٍ لم يألفوا مُفرادات هذا الإيمان ولا ممارساته. والأهم من ذلك أن نتمكن من اكتشاف وسيلة بها تتلامس هذه الموضوعات مع الناس، حتّى يدركوا ملاءمتها لهم وما يكمُن فيها من قوّة تغيير.

فكيف يمكننا أن نُقدّر قوًة الإيمان المسيحي وعُمقه عن طريق التحليل اللاهوتي؟ سنبدأ بتشبيه ساعد الكثيرين على إدراك أهميّة اللاهوت في الدفاعيّات. بدأت أستخدم هذا التشبيه في أواخر الثمانينات من القرن العشرين، وتشجّعت عندما رأيت الكثيرين يقتبسونه (وأحياناً يقتبسونه بتصرّف!) ما هو التشبيه؟ المنشور.

سنة 1666 توصّل عالم الرياضيات والفيزياء “إسحق نيوتين” Isaac Newton إلى اكتشاف ما في قاعاته الدراسيّة في “كليّة ترنيتي” Trinity College بجامعة كامبردج. وهذا الاكتشاف هو أنّه إذا تمّ تمرير شعاع من ضوء أبيض عبر منشور زجاجي، ينقسم الشعاع إلى سبعة ألوان قوس القزح: الأحمر، والبرتقالي، والأصفر، والأخضر، والأزرق، والنيلي، والبنفسجي.[2]  واستنتج “نيوتين” أن تكوُّن ألوان قوس القزح يتم بعمليّة مشابهة، فقطرات المطر تكسر ضوء الشمس الأبيض فيتحلّل إلى مُكوناته اللونيّة. ورغم أن كلّ لون موجود أصلاً في شعاع الضوء الأبيض، فهوّيته الفرديّة لم تكن ظاهرة، والمنشور هو ما سمح للألوان أن تنفصل حتّى يظهر كلٌّ منها ويتمكّن الرائي من تقدير جماله.

تشبيه بسيط ولكنّه يوضح نقطة في غاية الأهمّيّة. فالإنجيل مثل شعاع الضوء الأبيض؛ حقيقة غنيّة مركّبة تتكوّن من مجموعة عناصر، يستحق كلٌّ منها أن يُدرس على حده ليُقدّر الدارس قيمته. والتحليل اللاهوتي يهتم بتحديد كلٍّ من هذه العناصر في الإعلان المسيحي واكتشاف ما يكمن فيها من قدرة دفاعيّة، واستخدامها على نحو مُناسب.

ولمزيدٍ من إيضاح هذه النقطة سنتناول جزءًا من تحليل لاهوتي ونستخدمه استخدامًا دفاعيًّا. لنطرح سؤالاً بسيطًا: ما قيمة صليب المسيح؟ بالرغم من أهميّة هذا السؤال على المستوى اللاهوتي، فهو مُهمّ بالقدر ذاته على مستوى الدفاعيّات.  فالنّاس مُختلفون في حاجاتهم وشكوكهم. وقد يتفاعل أحد جوانب الإنجيل مع مجموعة من الاحتياجات، في حين يتماشى جاتب آخر مع مجموعة أخرى مختلفة.

مثال مُناسب: تحليل لاهوتي للصليب:

يستحيل تلخيص رسالة الصليب بكل ثرائها وتعقيدها في كلمات قليلة. فالواقع أن واحدة من أعظم مُتع اللاهوت أنّه يتيح لنا الفرصة لإمعان النظر والتعمُّق (مُطولاً) في المعنى الكامل للموضوعات العظيمة التي تُكوّن الرسالة المسيحيّة مثل صليب المسيح.[3] إلاّ أنّه من الأهميّة بمكان أن نُلاحظ أنّه يُمكن تحديد عدد من الجوانب في تلك الرسالة يُلائم كلّ منها مجموعات مُعيّنة من البشر. فكُلّ جانب من الإعلان المسيحي عن صليب المسيح يجد له صدى عند جماعات مُعيّنة من البشر خارج الكنيسة.

وللوفاء بغرضنا في هذا الجزء، سنتناول أربعة موضوعات رئيسيّة في صليب المسيح، تلعب جميعها دورًا مُهمًّا في شهادة العهد الجديد عن أهميّة موت المسيح وما يترتّب عليه من أفكار تختص بالمعنى الواسع لهذا الحدث في تقليد اللاهوت المسيحي.

  1. صليب المسيح أساس غفران خطيّة البشر.
  2. صليب المسيح وقيامته نصرة على الخطيّة والموت.
  3. الصليب شفاء للبشريّة الكسيرة الجريحة.
  4. الصليب يُظهر محبة الله للبشر.

يمكن إضافة موضوعات أخرى لهذه القائمة القصيرة. ولا أقصد هنا تقديم تحليل لاهوتي شامل للصليب، بل أود أن أُبيّن أنّ تحديد موضوعاته يتضمّن تطبيقات دفاعيّة على قدر كبير من الأهميّة. وقبل أن ندرس ما تتضنمه هذه النقاط اللاهوتيّة الأربع من أبعاد دفاعيّة، سوف أتناول كلاًّ منها باختصار.

  1. صليب المسيح أساس غفران خطيّة البشر:

يمثل إعلان بولس أن “المَسِيحَ مَاتَ مِن أَجلِ خَطَايَانَا.” (اكو 3:15) نقطة انطلاقٍ جيّدة لدراستنا. فأهمّية موت المسيح لا تقتصر على كونِها حقيقة تاريخيّة ثابتة جامدة، بل تتجاوزها لتشمل دلالة ذلك الحدث لنا. أي أنّ موت المسيح حقيقة تاريخيّة، أمّا موت المسيح من أجل غفران خطايانا فهو الإنجيل. والصليب، طبقًا لما يقوله بولس، يعني الخلاص والغُفران والنصرة على الموت. ومن ثَمّ، فإنّ “رسالة الصليب” لا تتفق عند حد حَدَثِ صلب يسوع، بل تمتد لتشمل ما يعنيه هذا الحدث لنا، ألا وهي أن يسوع مات لكي نحيا نحن. لقد أُحصي يسوع مع أثمة حتى ينال الأثمة غفران الخطايا.

ورغم أنّ لاهوت الغفران موضوعٌ ضخمٌ جدًّا، فهذا الكتاب يَختصّ بالدفاعيّات، وليس اللاهوت. وما يَعنينا هنا ان نُركّز على الرُؤية الخارجيّة، فنسأل أنفسنا: كيف يُمكن لإعلان وجود غُفران حقيقي لخطايا حقيقيّة من خلال موت المسيح أن يتلامس مع مَن هم خارج الإيمان المسيحي؟ كيف يُمكن لهذا الحق اللاهوتي أن يتلاقى مع مخاوفهم وتطلُّعاتهم؟ لابدّ أن نتعلّم التفكير بأسلوب دفاعي محاولين أن نُجيب عن أسئلة مُهمّة، مثل: كيف يُمكن لهذا الجانب من الصليب أن يكون بوّابة تنفتح أمام الشخص لاكتشاف حقائق الإنجيل؟ كيف يُمكننا أن نستخدم فكرة الغفران هذه كجسرٍ لله؟

من المداخل التي تُساعدنا على ذلك مسألة الشُّعور بالذّنب التي تشغل الكثيرين. وقد أشار الفيلسوف “إيمانيول كانط” Immanuel Kant إلى أنّ الشُّعور العميق بالذّنب يمنع الكثيرين من الفعل الأخلاقي. وفي حين أنّ هذه العبارة لا تخلو من الحقيقة، فلابدّ من لفت النظر الى نقطةٍ أعمق كثيرًا. فبعض الناس يُعانون من شعور شديد بالذنب تجاه شيء فعلوه، أو أحيانَا، تجاه شيءٍ تسبّبوا هم في يُفعل بهم، مما يشعرهم أنّهم لا يُمكن أن يعيشوا حياة سويّة إلاّ إذا تمّ حلّ هذه المُشكلة، وهم يتساءلون: ما السبيل لتحقيق لك؟

تُعتبر هذه المسألة من الموضوعات الجوهريّة في واحدة من أشهر كلاسيكيات الأدب الإنجليزي، وهي رواية “سياحة المسيحي” The Pilgrim’s Progress لكاتبها “يوحنا بنيان” John Bunyan حيث يصوّر السائح بطل القصّة يرزح تحت “ثقل الخطيّة” لدرجة أنّه يسقط على ركبتيه، فلا يَقوى على السير بشكل طبيعي. وأخيرًا، يتمكّن من إلقاء حِمله عند الصليب، وعندئذٍ يسير على نحو سويّ لأوّل مرّة. وهذا ما يشعر به الكثيرون، فهم يشعرون أنّهم مُثقلون بالذنب، ويدركون أنّهم لا يُمكن أن يعيشوا حياة سويّة إلاّ إذا تأكّدوا أنّهم نالوا غفرانًا على أساس سليم.

إلاّ أنه من المُؤكد أنّ كلمة “خطيّة” تُمثّل مُشكلة للكثيرين اليوم. ونُخطئ إن اعتقدنا أنّ هذه المشكلة حديثة العهد.  فمنذ عام 1945 قال “سي. إس. لويس” إنّ “معنى الخطيّة يكاد يكون غائبًا تمامًا” في الثقافة الحديثة. وهو ما يتطلّب أن يتعامل المُدافع مع “أُناس نشئوا على الاعتقاد بأنّ أيّ خطأ يَحدُث في العالم هو مَسؤوليّة شخص آخر غيرهم.”[4] فالخطيّة، كغيرها من مُفردات الدفاعيّات، يجب شرحها.[5]

  1. صليب المسيح وقيامته نصرة على الخطيّة والموت:

من أروع موضوعات الإنجيل أنّ صليب يسوع المسيح وقامته يعتقاننا من خوف الموت. فقد أُقيم المسيح من الأموات ومن يُؤمن به سيحظى بنصيب في تلك القيامة يومًا وما يبقى معه للأبد، وبذلك لم يعُد الموت شيئًا يخشاه. وهذا ما يحتفل به المسيحيون إحتفالاً مجيدًا في عيد القيامة عندما يتذكرون كُلفة هذا الانتصار بشعور من العرفان والابتهاج بحقيقته. ورُغم أنّ رسالة رجاء عظيمة كهذه في مواجهة الألم والموت رسالة لا غِنى عنها لنا جميعًا، فهي تحمل مغزى خاصًّا جدًّا لمن يستيقظون في منتصف الليل مذعورين من فكرة الموت. فالكثيرون في الثّقافة الغربيّة غير قادرين أو غير راغبين أن يُواجهوا حقيقة الفناء البشريّ، ويتمنّون أن يجتازوا في الحياة دون يضطروا للتعامل معها. إلاّ أنّه لا يُمكن للمرء أن يهرُب من الواقع، لأنّه مُجبَر على مُواجهته كما هو.

ويُقدّم كتابُ  “إنكار الموت” The Denial of Death الفائز بإحدى الجوائز لكاتبه “إرنست بِكَر” Ernest Becker دراسة نموذجيّة لرفض الغرب أن يُواجه حقيقة فناء البشر، حيث يقول “بِكَر” إنّ الكثير من الغربيين يوهمون أنفسهم بأنّ الإنسان خالد ويرفضون الإعتراف بحتميّة فنائهم، لأنّهم يجدون التفكير في هذه المسألة شديد الصّعوبة والإيلام.  ومن ثمَّ، فهم يُجنّبون هذه القضيّة ويتجاهلونها، ولكن تجاهلها لا يلغي وجودها.

إنّ الصليب يُحرّرنا من خوف الموت ومن العيش في أكذوبة الخلود. فهو ترياق فعّال يُعالج ميلنا الطبيعي للخوف أو القلق بشأن وضعنا في العالم، ويجعلنا نواجه الموت بثقة الهادئ المُطمئن، عالمين أنّ شوكته قد زالت بالصليب وقد نلنا النصرة بالقيامة. والرسالة إلى العبرانيين تؤكد هذه الحقيقة بكُلّ قوّةٍ عندما تُعلن أنّ المسيح مات “لكي يُبِيدَ بِالمَوتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلطَانُ المَوتِ، أَي إِبلِيسَ،  وَيُعتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوفًا مِنَ المَوتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِم تَحتَ العُبُودِيَّةِ.” (عب 14:2-15).

لاحظ أنّ هذا الأسلوب لا يقول: “دعونا نتظاهر أنّ الموت انهزم وأنّ قوته انكسرت، ولنمضِ في حياتنا وكأنّ الموت لا يُقلقنا.” لو فعلنا ذلك فنحن نغمض عيوننا عن حقائق الحياة المُرّة ونعيش في عالمٍ من الوهم الزائف وكأنّنا ندخل في قصّة خياليّة من قصص الجنّيات، أو في لُعبةِ السجن والتنين الخياليّة. ولكن ما يطرحه هذا الأسلوب مُختلف تمامًا عن ذلك، فهو يقول: “إنّ قوّة الموت انكسرت بصليب يسوع المسيح وقيامته. وقد نلنا النصرة على الموت من خلال المسيح، ومعرفتنا لهذه الحقيقة لابدّ أن تُغيّرنا، وتُغيّر طريقة تفكيرنا وأسلوب حياتنا. ولا يُفترض أن نخاف من الموت فيما بعد لأنّ المسيح صارعه على الصليب وصرعه.” فنحن لا نعيش في عالم وهميّ من الخيال البشري الحماسيّ الخصب، ولكنّه العالم الحقيقي للإنجيل الذي يعطيه الله شخصيًّا ويضمنه.

إنّ ما تتضمنّه هذه الحقيقة من أبعاد دفاعيّة لهُوَ شديد الأهميّة، خاصةً لمن يخشى الموت ويتمنّى أن ينفلت من قبضته، فالكثيرون فشلوا في أن يقبلوا الحياة لشدة خوفهم من الموت. ولكن الإنجيل يواجه هذه المخاوف ولا يهرب من الواقع.

  1. الصليب شفاء للبشريّة الكسيرة الجريحة:

يُعتبر شفاء الله للعالم الكسير واسترداده للنفوس الفاسدة من الموضوعات المحوريّة في أسفار الكتاب المُقدّس. وقد أكّد الأنبياء هذا الرجاء في الشفاء مشبّهين الله بالطبيب أو بشمس البرّ “تُشرِقُ شَمسُ البِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجنِحَتِهَا.” (مل 2:4).  ويمكن النظر إلى خدمة الشفاء التي قام بها يسوع الناصري باعتبارها امتدادًا لهذا الموضوع، من حيث أنها تشير الى تجديد الله لخليقته بتدخل شخصي منه.

ويتجسد هذا الموضوع بمنتهى الجلاء في الصليب الذي يراه العهد الجديد تحقيقًا لموضوع “العبد المُتألّم” الوارد في نبوّة إشعياء:

 

لَكِنَّ أَحزَانَنَا حَمَلَهَا وَأوجَاعَنَا تَحمَّلَهَا. وَنَحنُ حَسِبنَاهُ مُصَابًا مَضرُوبًا مِنَ الله وَمَذلُولاً. وَهُوَ مَجرُوحٌ لأَجلِ مَعَاصِينَا مَسحُوقٌ لأَجلِ آثَامِنَا. تَأدِيبُ سَلَامِنَا عَلَيهِ وَبِحُبرِهِ شُفِينَا. ” (إش 4:53-5)

وهكذا يمكننا أن نُدرك البُعد الأعمق لجراح المسيح المصلوب وآلامه. فقد حمل المسيح الألم والمُعاناة نيابةً عن أُناسٍ آخرين حتى يُشفوا.

وقد كان كُتّاب المسيحيّة الأوائل واعين بما لهذا الموضوع من أهميّة دفاعيّة. ففي أواخر القرن الأوّل تحدّث إغناطيوس الأنطاكيّ Ignatius Antioch عن “دواء الخلود” مشبّهًا الإنجيل بعقارٍ قادرٍ على شفاء داء الإنسانيّة المُميت وتحريرها من رهبة الموت. وفي القرن الخامس شبّه القديس أغسطينوس الكنيسة بالمستشفى المليء بالجرحى والمرضى الذين يُشفون من أمراضهم تحت رعاية الطبيب الماهر والدواء الذي يُقدّمه لهم. وتُعبّر إحدى الترانيم الرائعة للأمريكيين الأفارقة تعبيرًا قويًّا لا يُنسى عن هذا الموضوع:

          في جلعادَ بلسان

          يُعيدُ الجريحَ صحيحًا

          في السماءِ قوّةٌ

          تشفي النفسَ المريضة

فكيف يُمكن استخدام هذا الموضوع دفاعيًّا؟ كيف يخاطب الجوّ الثقافي وطموحات الناس العاديين ومخاوفهم؟ إنّ الكثيرين يرون المُجتمع كسيرًا أو يرون أنّهم مُصابون بخلل أو جرح، وهو ما يُمثّل تعبيرًا دالّاً قويًّا يعكس شُعورًا عميقًا بأنّ الأمور ليست في وضعها الصحيح، ويجب أن تُعاد إلى الحالة التي كان يُفترض أن تكون عليها. ولكن أين الشّفاء؟

عند هذه المرحلة، تبرز حلقة اتّصال قويّة بالإيمان المسيحي يُمكن إبرازها تصويريًّا، أي باستخدام الصور الذهنيّة، وصورة المسيح المجروح والمُتألّم على الصليب المألوفة للغالبيّة، عندما يتم تفسيرها على النحو الصحيح. تُجسّد تضامن الله مع المُتألّمين والباب المفتوح للتجديد والاسترداد. ويُمكن أيضًا إبرازها فكريًّا من حيث دخول المسيح في وادي الحزن والألم البشرييّن ليُغيّر هذا الوضع. ومن ثَمّ، ليس من قبيل الصُّدفة أنّ ما يُقدّمه العهد الجديد من صورة رائعة لأورشليم الجديدة تُؤكّد أنّ الحزن والألم قد ذهبا دون رجعة، ولن يكون لهما مكان في النظام الجديد. “وَسَيمسَحُ الله كُلَّ دَمعَةٍ مِن عُيُونِهِم، وَالمَوتُ لَا يَكُونُ فِي مَا بَعدُ، وَلَا يَكُونُ حُزنٌ وَلَا صُرَاخٌ وَلَا وَجَعٌ فِي مَا بَعدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَد مَضَت.” (رؤ 4:21)

  1. الصليب يُظهر محبة الله للبشر:

يكمن في قلب الإيمان المسيحي الاعتقاد في إله محب وأهل للثقة. بل إنّ الله بيّن محبّته للبشريّة بموت المسيح على الصليب. “الله بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحنُ بَعدُ خُطَاةٌ مَاتَ المَسِيحُ لأَجلِنَا. ” (رو 8:5). وهكذا ينكشف مُنتهى هذا الحب في صليب المسيح. فقد مات يسوع ليقنعنا ويؤكد لنا محبّة الله الرقيقة لنا نحن الخطاة (يو 16:3)، وهكذا يُعيدنا الى بيتنا؛ إلى الله. ولكن من الناس من يشعُرون أنّهم غارقون في بحر الخطيّة حتّى إنّ الله يستحيل أن يحبّهم. إلّا أنّ نظرة العهد الجديد مختلفة تمامًا، إذ يؤكد أنّه ما من شيء يمكن أن يفصلنا عن محبّة الله في المسيح (رو 31:8-39).

والإيمان المسيحي يُعلن أنّ محبّة الله أُظهِرَت وتبرهنت بفعل عملي، وهو ما يجعل عبارة  “الله مَحبَّةٌ” (1يو8:4) حقيقة مؤكَّدة. إلا أن الكثيرين يسيئون فهم هذا الحق الثابت على مر الأزمان ويظنون أن الله هو النموذج الحقيقي الكامل للحب البشري. ولكن هذا المفهوم قاصر عن وصف إله المسيحية. فالكتاب المقدس يشهد عن إله يخرجُ كالراعي الذي فقدَ أحد خرافه ليبحث عنه ويحمله عائدًا به إلى البيت فرِحًا (لو4:15-7). وتتجسد هذه الصورة بمنتهى الروعة والبهاء في صليب المسيح الذي كان العمل الذي قام به الله لإظهار محبته “بِهَذَا أُظهِرَت مَحَبَّةُ اللهِ فِينَا: أَنَّ الله قَد أَرسَلَ ابنَهُ الوَحِيدَ إِلَى العَالمَ لِكَي نَحيَا بِهِ.” (1 يو 9:4). ولا شكّ أنّ الأفعال أعلى صوتًا من الأقوال. فالله إله حيّ نشط، إلهٌ فاعِل يقوم بأعمال معيّنة ليكشف عن كمال محبّته لنا.

كيف يُمكن إذًا لهذه الفِكرة اللاهوتيّة المُهمّة أن تُستخدَم بشكل دفاعيّ؟ كيف تتحدّث إلى ثقافتنا اليوم؟ إنّ كل شخص يتمنّى أن يكون مهمًا، وجميعنا نحتاج إلى “قاعدة أمان”، أيُّ بيئةٍ ننعم فيها بالحب وتأكيد الذات ونتمكن من النموّ والتقدُّم. والمفترض أن تكون الأُسر، والأصدقاء، والمجتمعات قادرة على الوفاء بهذا الاحتياج. ومع ذلك، غالبًا ما يشعر الكثيرون بالوحدة والضياع في رحلة الحياة، ويشعرون بالعجز أمام ضخامة هذا الكون الشاسع وقِصر الحياة البشرية وتفاهتها. وكأنّ لسان حالهم يقول: من يهتمّ بنا؟

إنّ موضوع محبّة الله يتحدث عن إله حاضر ومُهتمّ، إلهٌ تمثل له أهميّة عظمى. والله يعرف كلاً منا معرفة شخصيّة وبالإسم، كما يعلن كاتب المزمور وهو يتأمّل السموات الشاسعة بنجومها المتلألئة:

          “إِذَا أَرَى سَمَواَتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ القَمَرَ وَالّنُجُومَ الَّتِي كَوَّنتَهَا  فَمَن هُوَ الإِنسَانُ حَتَّى تَذكُرَهُ وَابنُ آدَم حَتَّى تَفتَقِدَهُ! وَتَنقُصَهُ قَلِيلًا عَنِ المَلَائِكةِ وَبِمَجدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُه.” (مز 3:8-5).

هذا الإعلان الأكيد يكتسب مزيدًا من العمق والقوّة في رسالة صليب المسيح التي تتحدّث عن الله الذي خلق كل الأشياء ودخل في خليقته ليفدينا. فكم كان الله “مشغولاً” بكلّ منا حتّى إنّ المسيح اختار أن يموت عن كلّ واحدٍ، واهبًا كل ما له من أجلنا، كما أشار “سي. إس. لويس” قائلاً إنّ المسيحي لا يؤمن أنّ “الله سيحبنا لكوننا صالحين، بل إنّه سيجعلنا صالحين لكونه يحبّنا.”[6]   

خطوة للأمام:

رأينا في هذا الفصل أنّ الدراسة اللاهوتيّة الدقيقة للموضوعات والعناصر الجوهريّة في الإنجيل تتيح لنا الفرصة لإكتشاف الصلة بينه وبين مستمعينا. وهذا النسق الفكري يمكن تطبيقه على كل الموضوعات. المُهم هو أن نجد نقاط التلاقي بين الإنجيل وحياة الناس، واللاهوت هو الذي يُساعدنا على تحديد أنسب هذه النقاط، بما يمكّن الأفراد من اكتشاف فرح الإيمان. إلاّ أنّ هذا لا يعني أننا نختزل الإنجيل لنقطة واحدة فقط، ولكنّه يعني أنّنا نبحث عن أكثر جوانب الإنجيل قربًا وملاءمة للشخص الذي نتحدث إليه، وسوف تأتي بقيّة جوانب الإنجيل في وقتها المناسب. ولذلك، علينا أن نبدأ من نقطة معيّنة مع كل شخص، واللاهوت هو ما يُساعدنا على تحديد أفضل نقطة بدء في كل حالة على حده.

وسنركز في الفصل التالي بمزيد من التفصيل على هويّة المستمعين، وكيف تؤثر على أسلوبنا في خدمة الدفاعيّات.

لمزيد من الإطلاع:

Allen, Diogenes. Christian Belief in a Postmodern World: The Full Wealth of Conviction. Louisville: Westminster John Knox, 1989.

Grenz, Stanley J., and William C. Placher. Essentials of Christian Theology. Louisville: Westminster John Knox, 2003.

McGrath Alister E. Christian Theology: An Introduction, 5th ed. Oxford: Wiley-Blackwell, 2011.

Sire, James W. A Little Primer on Humble Apologetics. Downers Grove.IL: InterVarsity, 2006.

Sproul, R. C. Defending Your Faith: An Introduction to Apologetics. Wheaton: Crossway, 2003.

[1] Avery Dulles, A History of Apologetics, 3rd ed. (San Francisco: Ignatius Press, 2005), xix

[2] Richard S. Westfall, The Life of Isaac Newton (Cambridge: Cambridge University Press, 1993), 73-75.

[3] For some important representative accounts, see Colin E. Gunton, The Actuality of Atonement: A Study of Metaphor, Rationality, and the Christian Tradition (Grand Rapids: Eerdmans, 1989); Charles E. Hill and Frank A. James, eds., The Glory of the Atonement: Biblical, Historical & Practical Perspectives (Downers Grove, IL: InterVarsity, 2004); Peter Schmiechen, Saving Power: Theories of Atonement and Forms of the Church (Grand Rapids: Eerdmans, 2005); and Thomas F. Torrance, Atonement: The Person and Work of Christ (Downers Grove, IL: InterVarsity, 2009)

[4] Lewis, “Christian Apologetics,” C. S. Lewis: Essay Collection (London: HarperCollins, 2000), 152-53.

[5] For an excellent introduction, which offers the apologist many helpful approaches and analogies, see Cornelius Plantinga, Not the Way It’s Supposed to Be: A Breviary of Sin (Grand Rapids: Eerdmans, 1995).

[6] C. S. Lewis, Mere Christianity (London: HarperCollins, 2002), 63.

ما هي الدفاعيات ؟ – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

ما هي الدفاعيات ؟ – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

ما هي الدفاعيات ؟ – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

عن كتاب: الدفاعيات المجردة لأليستر ماكجراث

ما هي الدفاعيات ؟ – أليستر ماكجراث (الدفاعيات المجردة)

تُقدم الإرسالية العظمي لكل مؤمن امتياز ومسئولية الكرازة بالخبر السار حتى نهاية الزمان: “فَاذهَبوُا وَتلمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ” (مت 28: 18-20). إن كل مسيحي على قيد الحياة اليوم مرتبط، عن طريق سلسة أحداث تاريخية مركبة، بهذه اللحظة المحورية. وكلٌ منا له شجرة عائلة روحية تضرب بجذورها في أعماق الزمن. فنحن، على مدى العصور المتعاقبة، مثل العّدَّائين في سباق تتابع تاريخي ضخم، فقد سبقنا عداؤون آخرون ونقلوا الأخبار السارة من جيل إلى جيل. والآن قد استلمنا نحن العصا، وحان دورنا. وهو ما يعني أننا مؤتمنون على نقل البشارة للقريب وللبعيد.

ويا لها من فكرة مثيرة لأنها تساعدنا على اكتشاف مكاننا في الصورة الأكبر. ولكنها تمثل تحديًا ضخمًا للكثيرين. وكأن لسان حالهم: هل نحن قادرون على الاضطلاع بهذا الأمر؟ كيف يمكننا أن نحمل هذه المسئولية الثقيلة؟ لابد أن ندرك أن المؤمنين طالما شعروا بهول التحديات التي تواجههم في توصيل إيمانهم للآخرين. فنحن نشعر أننا نفتقد الحكمة، والبصيرة، والقوة اللازمة للقيام بهذه المهمة، ونحن محقون في هذا الشعور. ولكن علينا أن ندرك أيضًا أن الله يعرفنا تمام المعرفة (مز 139). إنه يعرف أسرارنا الخفية، ونقاط قوتنا، ونقاط ضعفنا. والله قادر أن يعمل فينا وبنا ليتحدث للعالم الذي مات المسيح من أجله.

إن واحدًا من الموضوعات الرائعة في الكتاب المقدس أنه وقتما يطلب الله منا أن نقوم بعملٍ ما من أجله، يمنحنا ما نحتاج إليه من مواهب للقيام بهذا العمل. ولمَّا كان يعرفنا على حقيقتنا، فهو يؤهلنا للمهمة التي يريدنا القيام بها. ولذلك، تتضمن الإرسالية العظمى أمرًا ووعدًا. الأمر الذي يصدره المسيح المقام لتلاميذه يتسم بالجرأة والصعوبة: “فَاذهَبُوا وَتَلمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ” (أع 19). وعلى قدر صعوبة الأمر يأتي الوعد الذي يقطعه المسيح لأولئك التلاميذ مطَمئنًا ومشجعًا: “وَهَا أَنَا مَعَكُم كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انقِضَاءِ الدَّهر.” (أع 20). وهو وعد مُعّزٍّ جدًا. فنحن لسنا بمفردنا، ولكن المسيح المقام يقف معنا وبجوارنا ونحن نبذل قصارى جهدنا لتوصيل الخبر السار عن شخص المسيح وما فعله من أجلنا، ولتسليمه لمَن بعدنا.

ومع ذلك، معرفتنا أن المسيح المقام يرافقنا ويقوينا في مسيرة إيماننا لا تجيب عن الأسئلة الكثيرة التي لابد أن نواجهها وندرسها ونحن نعلن الإنجيل ونبرز جماله للآخرين. فكيف يمكن لأي شخص أن يفي الإنجيل حقه مظهرًا كل ما فيه من إثارة وفرح وروعة؟ إننا كثيراً ما نجد كلماتنا تعجز عن التعبير عن ثراء الإنجيل تعبيرًا وافيًا. فحقيقة الله والإنجيل دائمًا ما تتجاوز قدراتنا على التعبير. وكيف يمكن أن نقدم إجابات فعالة لما تطرحه ثقافتنا من أسئلة عن الله، أو كيف نرد على الاعتراضات التي تثيرها بشأن الإيمان؟ وكيف يمكننا أن نعثر على طرق واضحة وصادقة ومتجددة لشرح الإنجيل والتعبير عنه، بما يتيح له التلامس مع آمال المحيطين بنا ومخاوفهم؟

كيف يمكن للمؤمنين أن يشرحوا إيمانهم بلغة مفهومة لِمَن هم خارج الكنيسة؟ كيف يمكننا أن نتعامل مع الفهم الخاطئ أو التفسير الخاطئ للإيمان المسيحي؟ كيف يمكننا توصيل ما في الإنجيل من حق، وجاذبية، وفرح لثقافتنا؟ هذه الأسئلة تناولها المسيحيون منذ زمن العهد الجديد. وهذا ما جرى العرف على تسميته بعلم “الدفاعيات” الذي يمثل موضوع هذا الكتاب.

 

تعريف الدفاعيات:

ما هي الدفاعيات إذَن؟ القديس أوغسطينوس أسقف هيبوAugustine of Hippo (354-430)، وهو من أعظم اللاهوتيين في الكنيسة، يُعتبر باتفاق الغالبية مفسرًا للكتاب المقدس، وواعظًا، وشارحًا لنعمة الله. ومِن أَقيَم ما ساهم به في تكوين اللاهوت المسيحي هو أفكاره عن تعليم الثالوث. وهو تعليم غالبًا ما يمثل صعوبة للناس، كما سيعرف القارئ فيما بعد. إلا أن الصعوبة التي واجهها أوغسطينوس شخصيًا كانت تتعلق بتعبير “ثلاثة أقانيم، إله واحد.” فكان يتساءل: لماذا استخدم المسيحيون كلمة “أقنوم” “person” في هذا السياق؟ لأنه رأي أن الكلمة لا تساعد على فهم الموضوع. ولا شك أنه كان يمكن استخدام كلمة أفضل. إلا أن أوغسطينوس توصل في النهاية إلى أنه ربما لم تكن هناك كلمة أفضل، وأن كل ما يجب على الكنيسة أن تظل تستخدم كلمة “أقنوم” على هذا النحو.

وهذا ما أشعر به غالبًا عندما أستخدم مصطلح “دفاعيات” “apologetic”، لأن الكلمة لا تساعدنا كثيرًا. فهي في نظر الكثيرين توحي بفكرة “الاعتذار”[1]. وأنا موقن أن الكنيسة اليوم يجب أن تعتذر عن الكثير. ولكن ليس هذا معني الدفاعيات. ومما يُزيد الأمر صعوبة أن كلمة “دفاعيات” تبدو انها في صيغة الجمع ]ينطبق هذا على الكلمة الإنجليزية أيضًا[، ولكنها في الواقع مفرد (مثل كلمة “scissors”]مقص[). وبالرغم من محاولات الكُتاب المسيحيين عبر العصور لإيجاد مصطلحات بديلة، يبدو أن أيًا منها لم يحظَ بالإعجاب. لذلك، سنلتزم باستخدام مصطلح “الدفاعيات.” ولكن حتى وإن لم يكن بإمكاننا تغيير الكلمة، لابد أن نحرص على إدراك ثراء معناها.

يكتسب مصطلح “الدفاعيات” معني أعمق بكثير عندما ننظر لمعنى الكلمة اليونانية المشتقة منها كلمة “apologetics” الإنجليزية، ألا وهي “apologia” التي تعني “الدفاع”، أي قضية منطقية مكتملة الأركان تُثبت براءة متهم في المحكمة، أو عرض لصحة حجة أو معتقَد. وقد استخدم بطرس هذا المصطلح في (1 بطرس 15:3) التي يراها الكثيرون عبارة كتابية نموذجية توضح أهمية الدفاعيات:

بَل قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلَهَ فِي قُلُوبِكُم، مُستَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَة “apologia” كُلِّ مَن يَسأَلُكُم عَن سَبَبِ “logos” الرَّجّاءِ اَّلذِي فِيكُم بِوَدَاعَةٍ وَخَوفٍ.

إنه نص مهم ويستحق ان نقرأه في قرينته كاملةً. فرسالة بطرس الأولى موجَّهة للمسيحين في آسيا الصغرى (تركيا الحالية) في زمن سيادة الإمبراطورية الرومانية. وهو في هذه الرسالة يطمئنهم ويعزيهم وهم يواجهون خطر الاضطهاد، ويشجعهم على التفاعل مع مَن ينتقدونهم ويسألونهم، وذلك بأن يشرحوا لهم أساس إيمانهم ومحتواه بوداعة وخوف.

ويتضح أن بطرس يعتبر أن الأفكار المسيحية تتعرض إما لسوء الفهم أو سوء التفسير، ويحث قراءه على تصحيح المفاهيم، ولكن مع مراعاة حسن الخلق ودون إساءة للآخر. ومن هنا يرى بطرس أن الدفاعيات هي دفاع عن الحق بلطف واحترام. فالدفاعيات لا تهدف إلى استعداء مَن هم خارج الكنيسة ولا إهانتهم، بل إلى فتح عيونهم على واقعية الإيمان المسيحي، وصدقه، وملاءمته لحياتهم واحتياجاتهم. ولا يجب أن يحدث تعارض أو تناقض بين الرسالة المعلَنة ونبرة الرسول الذي يعلنها. فلابد أن نكون جذابين، ولطفاء، وكريمي الخلق. وإن كان الإنجيل يشكل صعوبة، يجب أن تنبع من ذات طبيعته ومحتواه، لا من أسلوب إعلاننا له[2]. فالفارق كبير أن تأتي العثرات من الإنجيل نفسه، وأن تأتي من المدافعين عنه بسبب عدم حكمتهم في اختيار اللغة أو عدوانيهم نحو مَن هم مِن خارج واستهانتهم بهم.

وقد أخذ المسيحيون هذه النصيحة مأخذ الجد منذ الأيام الأولى للكنيسة. والعهد الجديد نفسه يحتوي على عدد من النصوص المهمة التي تشرح الإيمان المسيحي وتظهر جماله وتدافع عنه أمام جماهير من خلفيات مختلفة، ومعظم هذه النصوص في أعمال الرسل. فعظة بطرس الشهيرة يوم الخمسين تقيم الحجة بأن يسوع المسيح هو منتهى آمال إسرائيل (أع 2). وعظة بولس التي لا تقل شهرة أمام فلاسفة أثينا تثبت بالحجة أن يسوع الناصري هو مقصد السعي البشري الطويل عن الحكمة (أع 17).

وقد استمر هذا الاندماج مع المجتمع عبر تاريخ الكنيسة. وكان الكُتاب المسيحيون الأوائل مهتمين بوجه خاص بمخاطبة المذهب الأفلاطوني. فكيف أمكنهم توصيل حق الإنجيل وقوته لأناس اعتادوا على التفكير الأفلاطوني؟ لقد اعتمدوا في منهجهم على تحديد كلٍ من الفرص المتاحة، والتحديات، ثم استغلال الفرص ومواجهة التحديات. إلا أن الأفلاطونية بوجه عام أفل نجمها في أوائل العصور الوسطى، وأصبح أرسطو هو الفيلسوف الذي يقع عليه الاختيار في معظم الجامعات الغربية ن القرن الثالث عشر حتى مطلع القرن السادس عشر. وعندئذٍ نهض المدافعون المسيحيون لهذا التحدي أيضًا. وقاموا بتحديد التحديات التي يطرحها المذهب الأرسطي مثل الاعتقاد بأزلية العالم، وكذلك الأبواب التي يفتحها أمام الإيمان. ومازالت المهمة مستمرة إلى يومنا هذا ونحن نواجه تحديات وفرصًا فكرية وثقافية جديدة. ومن السهل أن نرتاع من هول التحديات التي تُنتج من التغيرات الثقافية، مما يعجزنا عن رؤية ما تتيحه من فرص.

 

الموضوعات الأساسية في الدفاعيات المسيحية:

 

قبل أن نتناول هذه الفرص، علينا أن نفكر أكثر في طبيعة الدفاعيات، فما القضايا التي يتناولها هذا العلم؟ وكيف يساعدنا في إعلان الإنجيل وتوصيله؟ يمكننا أن نلخص المهام الثلاث التي واجهها متخصصو الدفاعيات في الماضي وما يواجهونه في الحاضر تحت عناوين رئيسية: الدفاع، وإبراز الجمال، والترجمة.

الدفاع:

وهنا يحاول المدافع أن يكشف العوائق التي تقف أمام الإيمان. هل نتجت عن إساءة الفهم أو إساءة التفسير؟ وإن كان الأمر كذلك، فلابد من التصحيح. أم نتجت بسبب صعوبة حقيقية يشكلها الحق المسيحي؟ إن كان الأمر كذلك، فلابد من تناول هذه القضايا التي تمثل صعوبة. ولابد أن نلاحظ أن الدفاع عمومًا هو استراتيجية رد فعل، أي أنه عندما تُطرح شكوك معينة لابد من الرد عليها. ولحسن الحظ هناك إجابات ممتازة يمكن تقديمها، وعلى المدافع أن يعرفها ويفهمها. وعندما تُطرح أسئلة صادقة بإخلاص، لابد أن نقدم لها إجابات صادقة بقوة وبلطف في الوقت نفسه.

إلا أن الأسئلة والمخاوف والشكوك تختلف من شخص لآخر. ومن ثَمَّ، على المدافع أن يعرف جمهوره، ويكشف التحديات التي يواجهها الناس في الإنجيل. فمن أول الأمور التي يتعلمها المدافع في تقديمه للدفاعيات، وليس مجرد قراءته بعض الكتب عنها، أن الناس مختلفون اختلافًا كبيرًا، مما يستتبع اختلافات التحديات المحددة التي يواجهها كلٌ منهم في الإيمان التي لا يجب اختزالها وتعميهما في نمط موحد.

وهذه التحديات غالبًا ما تكون عقلية تتعلق بالأدلة التي تثبت صحة الإيمان أو ببعض التعاليم المسيحية الأساسية. ولكن من المهم أن ندرك أنه ليست كل الصعوبات تندرج تحت هذه الفئة. فبعض القضايا أعمق من ذلك بكثير، ولا تتصل كثيرًا بالفهم العقلاني بل بالبعد الوجودي. وقد علَّق المدافع الفرنسي “بليز باسكال” Blaise Pascal (1623-1662) ذات مرة تعليقًا ثاقبًا حين قال: “للقلب منطقه وأسبابه التي لا يستطيع العقل أن يفهمها.” والدفاعيات تهدف إلى تحديد هذه الحواجز التي تقف عائقًا أمام الإيمان، أيًّا كانت طبيعتها، وتقديم إجابات تساعد في التغلب عليها.

والدفاعيات تشجع المسيحيين على “تلمذة العقل وتهذيبه”، حتى قبل أن نتمكن من إجابة الأسئلة التي يطرحها الآخرون عن إيماننا، لابد أن نجيب عنها لأنفسنا أولاً. فالمسيح يدعو أتباعه أن يحبوا الله من كل قلبهم، ومن كل نفسهم، ومن كل فكرهم (مت 37:22). وبولس أيضًا يتحدث عن تجديد أذهاننا (رو 2:12) باعتباره جزءًا من عملية تغيير حياتنا. فكوننا مسيحيين يعني أن نفكر في إيماننا ونبدأ في تكوين إجابات لأسئلتنا. إن الدفاعيات تهتم بالتعمق في الإيمان المسيحي والغوص فيه لاكتشاف ما به من كنوز. وهي تساعدنا نحن أنفسنا على تقدير ثراء إيماننا ومنطقيته. ولكنها تمكننا ايضًا، وهو ما قد لا يقل أهمية عن فائدتها السابقة، من التعامل مع أسئلة الآخرين.

ومن المهم أيضًا أن ندرك أن مَن يطرحون أسئلة عن الإيمان ليسوا فقط مِن خارج الكنيسة. فالكثير من المسيحيين أيضًا يواجهون عثرات في إيمانهم ويجدون أنفسهم يبحثون عن تفسيرات له أو وسائل تساعدهم على الاحتفاظ به. ورغم أن الدفاعيات تركز أساسًا على ثقافة المجتمع المحيط بوجه عام، علينا ألا ننسى أن الكثير من المسيحيين داخل الكنيسة يحتاجون لمَن يساعدهم في إيمانهم. لماذا يسمح الله بالألم؟ كيف افهم الثالوث؟ هل حيواناتي المنزلية ستذهب إلى السماء بعد الموت؟ كل هذه أسئلة دفاعية مألوفة لأي قس، ولابد من الإجابة عليها. ومن حسن الحظ أن هناك بالفعل إجابات لها جذور عميقة في تاريخ الكنيسة المسيحية الطويل بكتابها المقدس الذي يتناول هذه الأسئلة.

وعلى المؤمنين أن يظهروا تفهمهم لهذه المخاوف ولا ينظروا إليها على أنها مجرد حجج يستهان بها ببساطة وبسهولة. ولكن علينا أن نتعامل معا بحرص وحنو بالدخول إلى عقل الشخص الذي تمثل له هذه المخاوف مشكلة. فلماذا تمثل له مشكلة؟ ما الذي تراه أنت ولم يتمكن هو من رؤيته؟ كيف يمكنك أن تساعده على رؤية الأمور بنظرة جديدة تحل المشكلة أو تُبين له أنها مشكلة معتادة في مجالات حياته الأخرى؟ من المهم إذَن ألا نستهين بهذه الأمور، بل لابد ان نتحلى باللطف والتعاطف. فالدفاعيات تتعلق بتوجهاتنا وصفاتنا الأدبية بقدر ما تتعلق بما نطرحه من حجج وتحليلات. وعليه، يمكنك أن تدافع عن الإنجيل ولكن دون أن تتخذ موقفًا عنيفًا كمَن يدافع عن نفسه ضد هجوم أو تهمة.

إبراز الجمال:

          وهنا يسعى المدافع لإتاحة الفرصة للمستمع أن يُقدر حق الإنجيل وملاءمته لحياته. وقد يكون المستمع شخصًا واحدًا أو مجموعة كبيرة. وفي الحالتين يحاول المدافع أن يفسح المجال لروعة الإيمان المسيحي وامتيازه لكي يظهرا جليين حتى يفهمه المستمع ويقدره. فنحن لسنا بحاجة أن نجعل الإنجيل ملائمًا لحياة هؤلاء الأشخاص، لأنه كذلك بالفعل. ولكن المهم أن نجد الأساليب التي تساعدهم على إدراك هذه الحقيقة. ومنها الأمثلة التوضيحية أو التشبيهات أو القصص التي تُمكنهم من التلامس مع الإنجيل.

          ومن ثَمَّ، فالدفاعيات لها بعد إيجابي قوي، وهو إظهار كمال جاذبية الرب يسوع حتى يتمكن مَن هم خارج الإيمان من إدراك السبب الذي يجعل يسوع يستحق أن نعيره اهتمامًا جادًا. والمسيح نفسه شَبَّه ملكوت السماوات بلؤلؤة كثيرة الثمن: “أَيضًا يُشبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَات إِنسَانًا تَاجِرًا يَطلُبُ لَآلِئَ حَسَنَة فَلَمَّا وَجَدَ لُؤلُؤةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ الثَّمّنِ مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَاشتَرَاهَا.” (مت 46،45:13). كان التاجر يُقدر قيمة اللآلئ وأدرك أن هذه اللؤلؤة بالذات من الجمال والقيمة حتى إنها تستحق أن يتخلى عن كل شيء لكي يحصل عليها.

          وكما سنرى أنه من الطرق التقليدية للقيام بهذه المهمة أن نبين أن المسيحية جذابة من الناحية العقلية. فهي تعطي الأشياء معنى أفضل مما يفعل منافسوها. إلا أنه من المهم جدًا ألا نحصر جاذبية الإنجيل في العقل البشري. فماذا عن القلب البشري؟ إن الأناجيل تخبرنا مرارًا وتكرارًا أن الناس كانوا ينجذبون ليسوع الناصري لأنهم أدركوا قدرته على تغيير حياتهم. ولم يكن مقياس تحققهم من ذلك: “هل هذا صواب؟” بقدر ما كان: “هل هذا سيَصلح معي؟”

          فمهمتنا أن نساعد الناس على إدراك أن الإيمان المسيحي له من الجمال والروعة ما لا يضاهيه فيهما شيء، وهو ما يعني أن نساعد الناس على رؤية ما في الأيمان من جاذبية. واللاهوت يساعدنا في تحديد العناصر الفردية في الإيمان المسيحي وتقدير قيمتها، بحيث نكون كمَن يفتح صندوقًا للمجوهرات ويسمك بالجواهر، واللآلئ، والأحجار الكريمة واحدة بعد الأخرى بحيث يُرى كل منها بمفرده وتظهر قيمته على حدة، وكأنه يمسك بماسة ويرفعها في النور حتى يشع كل وجه من وجوهها فيُظهر جماله وبريقه أمام عين الرائي.

الترجمة:

          في هذه المرحلة يجد المدافع أن الكثير من الأفكار والموضوعات المحورية في الإيمان المسيحي غالبًا ما تكون غير مألوفة للكثير من مستمعيه. لذلك، يجب عليه شرحها باستخدام صور مجازية أو مصطلحات أو قصص مألوفة سهلة الفهم. ويُعتبر “سي. إس. لويس” بحق أستاذًا في هذه المهارة، ولابد أن ننتبه لمدي تقديره لأهميتها:

          علينا أن نتعلم لغة مستمعينا. وبادئ ذي بدء أقول إنه لا فائدة أن نقدم ما يفهمه “الشخص العادي” وما لا يفهمه باعتباره بديهيات. فعليك أن تكتشف ذلك من الخبرة. … ينبغي أن تترجم كل جزء في لاهوتك إلى لغة العامة. … إن الاستنتاج الذي توصلتُ إليه أنه لو لم تتمكن من ترجمة أفكارك إلى لغة غير المتعلمين، فلن تكون مفهومة. والقدرة على الترجمة هي المحك الذي يثبت ما إذا كنت فهمت المعنى الذي تقصده.[3]

          والمسألة هنا تتعلق بمدى أمانتنا وفاعليتنا في توصيل الإيمان المسيحي لثقافة قد لا تفهم المصطلحات أو المفاهيم المسيحية التقليدية. فلابد أن نكون قادرين على الاضطلاع بالمهمة وشرح ما يتميز به الإنجيل من جمال أخاذ لثقافتنا باستخدام لغة وصور مفهومة لها. وليس من قبيل الصدفة أن المسيح اعتمد على الأمثال لِيُعَلِّم عن ملكوت الله. وقد استخدم تعبيرات وصورًا مألوفة لثقافة عصره الريفية الفلسطينية لتوصيل حقائق روحية عميقة.

          فكيف يمكننا ترجمة الأفكار المحورية في الإيمان المسيحي، مثل الفداء والخلاص للغة ثقافتنا العامية؟ إن أردنا للمصطلحات الكتابية أن تلقى صدى عند الناس اليوم، فلابد من شرحها وتفسيرها. وهنا أضرب مثالاً لتوضيح هذه النقطة. بولس يعلن قائلاً: “فَإِذ قَد تَبَرَّرنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلَامٌ مَعَ اللهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ المَسِيحِ” (رو 1:5). من الواضح أن هذه الآية تقرر عنصرًا جوهريًا في الإنجيل. ولكنها غير مفهومة للناس في عصرنا. وقد يخطئون فهم الفكرة المحورية التي يعرضها بولس، ألا وهي “التبرير” ويفهمونها بإحدى طريقتين:

  1. دفاع عن سلامة تصرفنا أو “صحة موقفنا” بمعنى “أنا قدمت تبريرًا لأفعالي أمام رؤسائي.” أي أن التبرير هنا معناه إثبات أننا على صواب.
  2. محاذاة النص على هامش الصفحة الأيمن، وخاصة إذا كانت تُكتب على الكمبيوتر.[4] أي أن التبرير هو ضبط نص غير منظم.

إلا أن أيًا من هذين الفهمين لا يجلو الغموض عن المعنى الذي يقصده بولس في (روية 1:5)، فهذان التعريفان يضللان الناس بشأن المعنى الذي يقصده بولس. لذلك، لابد من شرح فكرة بولس عن التبرير بلغة أمينة لما قصده بولس أصلاً ومفهومة للمستمع المعاصر. فيمكن مثلاً أن نبدأ بشرح الفكرة بأن نقول إنها تعني “إصلاح موقف” الإنسان مع الله، بما يتيح تناول الجوانب العلاقاتية والشرعية التي يحتويها مفهوم التبرير.

بناءً على ما قيل حتى الآن يتضح أن الدفاعيات تهتم بثلاثة موضوعات يضيف كلً منها عمقًا جديدًا لإيماننا الشخصي وسمة جديدة لشهادتنا المسيحية:

  1. التعرف على الاعتراضات أو الصعوبات المتعلقة بالإنجيل والرد عليها وتذليل هذه العقبات التي تعيق الإيمان.
  2. إظهار ما يميز الإيمان المسيحي من إثارة وروعة حتى يُدرك السامع قدرته على تغيير الوضع البشري.
  3. ترجمة الأفكار المحورية في الإيمان المسيحي إلى لغة مفهومة لِمَن هم من خارج.

وسوف نعالجُ كلاً من هذه القضايا بمزيد من العمق في هذا الكتاب لاحقًا. ولكننا الآن سنتناول علاقة الدفاعيات بالكرازة.

الدفاعيات والكرازة:

مما ذُكِرَ أعلاه نرى ان الدفاعيات المسيحية تمثل تفاعلاً جادًا ومستمرًا مع “الأسئلة الأساسية” التي تطرحها ثقافة معينة، أو جماعة، أو فرد بهدف إظهار قدرة الإيمان المسيحي على تقديم إجابات لها معني لهذه الأسئلة. أين الله من معاناة العالم؟ هل الإيمان بالله منطقي؟ إن الدفاعيات تهيئ الطريق للكرازة، كما هيأ يوحنا المعمدان الطريق لمجيء يسوع الناصري.

والكرازة تخطو أبعد من هذه المحاولة مبُينة معقولية الإيمان المسيحي من الناحية الثقافية. فبينما تُعتبر الدفاعيات أداة تفسح الطريق أمام الإيمان بالمسيح، والكرازة تدعو الناس للتجاوب مع الإنجيل. وبينما تهدف الدفاعيات إلى الحصول على “موافقة” الناس على الإنجيل، فالكرازة تهدف إلى الحصول على “التزامهم” به. وتعريف “ديفيد بوش” David Bosch للكرازة الذي يحظى بسعة القبول والتأثير، يشرح هذه النقطة جيدًا:

الكرازة إعلان للخلاص بالمسيح لِمَن لا يؤمنون به، داعيةً للتوبة والتحول إلى الإيمان، ومعلنةً غفران الخطايا، مُقدمة لهم الدعوة ليصبحوا أعضاء أحياء في جماعة المسيح على الأرض ويبدؤوا حياة الخدمة للآخرين بقوة الروح القدس.[5]

واتباعًا لهذا النهج نفسه يمكننا أن نقول إن الدفاعيات تهدف إلى إثبات منطقية الخلاص بالمسيح، مثلاً عن طريق بناء قضية فكرية تستدل على سقوط البشرية أو طبيعتها الخاطئة من التاريخ الثقافي، أو بالاستناد إلى خبرة التوق الروحي التي يجتازها الكثيرون باعتبارها دليلاً يؤكد اغترابنا عن الله وعن مصيرنا الحقيقي. ومن ثَمَّ، فإن مهمة الدفاعيات أن تمهد الطريق لقدوم المسيح، تمامًا مثل إزالة الأحجار وغيرها مما يعيق السير من الطريق.

وبالرغم من أن الخط الفاصل بين الدفاعيات والكرازة دقيق للغاية، من المفيد لنا أن نميز بينهما. فالدفاعيات تقوم على الحوار Conversational، بينما الكرازة تقوم على تقديم الدعوة Invitational.[6] وبينما يمكن للحوار الدفاعي عن الإيمان المسيحي أن يؤدي بسهولة إلى الدعوة للإيمان، فهو يُعني في المقام الأول بإزالة سوء الفهم وشرح الأفكار وتبيان ملاءمة الإيمان لحياة الفرد على المستوى الشخصي. أي أن الدفاعيات تهتم بإقناع الناس بوجود باب ينفتح على عالم آخر، باب ربما لم يسمعوا به إطلاقًا. أما الكرازة تُعني بمساعدة الناس على فتح ذلك الباب والدخول إلى العالم الجديد الممتد وراءه.

ويمكن وضع تعريف مبدئي بسيط للكرازة بأنها “دعوة الشخص لأن يصبح مسيحيًا.” وهكذا يمكن اعتبار الدفاعيات وسيلة لتمهيد الطريق لتلك الدعوة حتى يزداد احتمال استجابة المستمع لها. ويمكن القول أيضًا بأن الكرازة تشبه تقديم الخبز للشخص. أما الدفاعيات فهي إقناع الشخص بوجود خبز يمكنه تناوله والاستفادة منه.

وأضرب مثالاً من تعليم المسيح لتوضيح هذه النقطة. كان الرب يسوع غالبًا ما يشبه ملكوت الله بالوليمة (لو15:14-24). وهكذا، يمكن أن تُعتبر الدفاعيات وسيلة تشرح للناس أن هناك وليمة بالفعل، وتدعوهم ليفكروا فيما قد يجدونه فيها، مثل الطعام والشراب. فما أروع أن يحصل المرء على دعوة! وما أحلى أن يكون هذا الخبز حقيقيًا! وكما أشار “بليز باسكال” إنه علينا “أن نجعل الناس يتمنون أن يكون [الإيمان المسيحي] صحيحًا، ثم نثبت لهم صحته.”[7] وما يقصده “باسكال” أن دورنا مساعدة الناس على الاشتياق لما يعَد به الإيمان المسيحي، وبعدئذٍ تُظهر لهم أن ما يتوقون إليه صواب وحقيقي. فالرغبة في الشيء تخلق الدافعية لاستكشافه.

          أما الكرازة مختلفة عن ذلك. فهي تقدم دعوة شخصية: “انت مدعو للوليمة. تفضل.” والدفاعيات تمهد الطريق لهذه الدعوة، ثم تقوم الكرازة بتقديمها. وكلاهما جزء أساسي من إرسالية الكنيسة. الدفاعيات تثبت منطقية الإنجيل ومرغوبتيه وتعلنهما، بينما الكرازة تنادي الناس للدخول فيه والاشتراك في بركاته. الدفاعيات ليست كرازة، وهي قاصرة من دونها. إلا أنها تلعب دورًا مهمًا ومتميزًا في تفاعل المجتمع المسيحي مع العالم كما تشجع إيمان المسيحيين وتنميه.

          إلا أن الدفاعيات تشتمل على بعض الصعوبات التي يجب التعرف عليها. فكل أداة لابد من ضبطها حتى يمكن فهم نقاط قوتها وضعفها. وعلينا ان نعرف الظروف اللازمة لهذه الأداة حتى تعمل بكفاءة، ونحدد ما قد يُحدث خللاً فيها. وسوف نتناول هذه المسألة في الجزء التالي.

 

حدود الدفاعيات:

إذا فُهِمَت الدفاعيات واستُخدِمَت على النحو الصحيح تصبح ذات أهمية محورية في خدمة الكنيسة، إذ يمكنها إضفاء سمة جديدة وعمق فكري على حياة المؤمنين العاديين وتأهيلهم للإجابة عن أسئلتهم الشخصية حول إيمانهم، وأسئلة أصدقائهم. وهي تساعدنا على مد الجسور بيننا وبين ثقافتنا ممهدةً الطريق لإعلان الإنجيل. إلا أنه من السهل إساءة فهم الدفاعيات وإساءة تطبيقها.

من المهام التي تهدف الدفاعيات إلى القيام بها ترجمة الأفكار الأساسية في الإيمان المسيحي إلى عناصر يفهمها العالم. فمثلاً بعض المصطلحات الكتابية، مثل التبرير، تفسيرها يجب للثقافة العلمانية[8] لئلا يساء فهمها. إلا أنه بالرغم من أن هذه العملية من “الترجمة الثقافية” للأفكار الأساسية في الإنجيل يمكن أن تكون عظيمة الأهمية في مساعدة الناس على فهم الإيمان المسيحي، فمن الممكن أيضًا أن تؤدي إلى نتيجتين ضارتين.

أولاً، ترجمة الأفكار المسيحية إلى مصطلحات ثقافية يمكن أن تؤدي بسهولة لاختزال الفكرة المسيحية إلى مقابلها الثقافي. فقد يساعدنا مثلاً أن نري المسيح باعتباره الوسيط بين البشر والله، ولدينا في العهد الجديد ما يؤكد صحة الحديث عن المسيح من هذا المنطق. وهذا الأسلوب يساعدنا على تحديد العناصر الجوهرية المختصة بالمسيح من وجهة نظر مسيحية. إلا أن الثقافة الغربية الحديثة تفهم “الوسيط” من منظور مهني، أي أن الوسيط شخص له خبرة في حل الصراعات ووظيفته تسوية نزاع نشب بين طرفين. لذلك، الحديث عن الرب يسوع باعتباره وسيطًا قد يؤدي إلى اختزال دوره إلى ما تفهمه الثقافة المعاصرة عن هذه الفكرة، فقد يُفهم مثلاً أن يسوع صانع سلام. لذا، علينا أن نحرص على عدم اختزال يسوع المسيح أو الإنجيل إلى مصطلحات مفهومة في ثقافتنا. ومن هنا قد تؤدي الدفاعيات إلى ضياع الهوية المميِّزة للمسيحية.

ويمكن بالطبع تفادي هذا الخطر بتوضيح أن الدفاعيات تهدف إلى بناء جسور مع الثقافة المعاصرة. ففي نهاية الأمر، لا يجب أن يتحول الإنجيل إلى شيء يمكن أو يجب اختزاله بما يتناسب مع أعراف الثقافة الغربية. ولكنه شيء يمكن لما فيه من حق وملاءمة للحياة أن يصل للثقافة بأكثر فاعلية عن طريق الاستخدام الحكيم للتشبيهات أو القيم أو القصص المنتقاة من الثقافة بدقة، مع الأخذ في الاعتبار ان الإنجيل لا يماثل أيًّا منها تمام المماثلة، فيمكننا أن نستخدم عبارات مثل: “إنه يشبه… قليلاً.” ولكن علينا في النهاية أن ندرك أن الإنجيل يتجاوز ويغَير أي فكرة ثقافية وكل الأفكار الثقافية التي قد نستخدمها كقنوات لتوصيله. فهي قنوات وأدوات لتوصيل الإنجيل، ولكنها ليست الإنجيل نفسه.

ثانيًا، قد تخلق الدفاعيات الانطباع بأن كل المطلوب هو إظهار منطقية الإيمان. وهذا هو أحد الأسباب التي تستدعي تأكيد أهمية الكرازة. ويمكننا هنا استخدام تشبيه من كتابات “مارتن لوثر” Martin Luther حيث يَعتبر الإيمان مثل دخول مركب وعبور البحر للوصول إلى جزيرة. فالدفاعيات يمكنها أن تساهم في إثبات أن تصديق وجود مركب أمر منطقي، ومن المحتمل أن السفر به آمن، وأن هناك جزيرة خلف الأفق. ولكن مازال عليك أن تدخل المركب وتبحر إلى الجزيرة. إن الإيمان يعني التكريس لله لا مجرد الاعتقاد فيه. وأكرر أن هذه الصعوبة يمكن تفاديها إن أدركنا أن الدفاعيات والكرازة شريكان أساسيان ومترابطان في الإرسالية المسيحية للعالم.

خطوة للأمام:

لقد تناولنا في هذا الفصل الافتتاحي بعض الموضوعات الأساسية في الدفاعيات المسيحية: كيف نوصل الإيمان المسيحي للثقافة المعاصرة؟ وكما سنري في نقاط متنوعة عبر هذا الكتاب، أنه من أفضل السبل لأداء هذه المهمة أن نتأكد أننا فهمنا الإيمان المسيحي بالفعل وأننا نُقدّر جاذبيته الفكرية والعلاقاتية والجمالية والخيالية والأخلاقية. فالإيمان المسيحي يحتوي على الكثير الذي يجب تقديره.

إلا أنه يجب علينا أيضًا أن نمعن التفكير في المحيط الثقافي الذي نعلن فيه الإنجيل ونشرحه ونُظهر جماله. فالناس لا يعيشون في فراغ ثقافي، بل يعيشون في وضع محدد وغالبًا ما يتشربون ولو بعض أفكاره وقيمه. وفي الفصل التالي سنتناول الدور الذي تلعبه الثقافة في الدفاعيات.

 


 


 

للمزيد من الاطلاع:

Craig, William Lane. Reasonable Faith: Christion Truth and Apologetics, 3rd. Wheaton: Crossway, 2008.

Kreeft, Peter, and Ronald K. Tacelli. Handbook of Catholic Apologetics: Reasoned Answers to Questions of Faith. San Francisco: Ignatius Press, 2009.

Markos, Louis. Apologetics for the Twenty-First Century. Wheaton: Crossway, 2010.

Peters, James R. The Logic of the Heart: Augustine, Pascal, and the Rationality of Faith. Grand Rapids: Baker Academic, 2009.

Sire, James W. A Little Primer on Humble Apologetics. Downers Grove, IL: InterVarsity, 2006.

Sproul, R. C. Defending Your Faith: An Introduction to Apologetics. Wheaton: Crossway, 2003.

Stackhouse, John G. Humble Apologetics: Defending the Faith Today: Oxford: Oxford University Press, 2002.

Taylor, James E. Introducing Apologetics: Cultivating Christion commitment. Grand Rapids: Baker Academic, 2006.

[1] كلمة apologetics في الإنجليزية مشتقة من كلمة apology التي تعني “اعتذار”. (المترجمة)

[2] The great Swiss theologian Emil Brunner (1889-1966) argued that the gospel rightly caused a “scandal” to modern people on account of doctrines that challenged contemporary myths about human nature and destiny—such as the doctrine of original sin. See Emil Brunner, The Scandal of Christianity (Philadelphia: Westminster Press, 1946).

[3] C. S. Lewis, “Christian Apologetics,” C. S. Lewis: Essay Collection (London: Harper-Collins, 2000), 153, 155.

[4]  زرار “ضبط” في مجموعة أوامر محاذاة النص عبى شريط الأدوات في برنامج Microsoft Office Word يُترجَم في الإنجليزية إلى justify وهي نفس الكلمة التي تعني “يبرر” المستخدمة في رو1:5. (المترجمة)

[5] David Bosch, Transforming Mission: Paradigm Shifts in the Theology of Mission (Maryknoll, NY: Orbis Books, 1991), 11.

[6] For useful reflections, see John G. Stackhouse, Humble Apologetics: Defending the Faith Today (Oxford: Oxford University Press, 2002), 131-205.

[7] Blaise Pascal, Pensées (Mineola, NY: Dover Publications, 2003), 52.

[8] الكلمة الإنجليزية secular وتعني ما لا يتخذ من الدين مرجعية، ولكنه ليس بالضرورة ضدًا له. (المترجمة)

Exit mobile version