تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

 

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ابريل 2024م

 

 

الفهرست

مقدمة. 1

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. كيرلس الإسكندري.. 4

خلاص الإنسان بالتأله. 4

مفهوم المصالحة. 6

الانجماع الكلي في المسيح ودحض البدلية العقابية. 6

مفهوم الغضب الإلهي. 13

مفهوم العداوة 22

مفهوم الذبيحة. 23

مفهوم الفدية. 24

مفهوم الدين. 31

دحض نظرية الإبدال العقابي. 33

دحض نظرية إيفاء العدل الإلهيّ. 34

مفهوم العقوبة الإلهية الشفائية. 35

الخلاص بالأسرار. 38

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم جون كالفن. 44

مفهوم نظرية البدلية العقابية. 44

مفهوم الترضية وإيفاء العدل الإلهي. 46

مفهوم الغضب والعقوبة. 47

مفهوم اللعنة. 48

حمل المسيح لإنتقام الله العادل. 48

مفهوم الذبيحة. 49

مفهوم التبرير بالدم 49

مفهوم العداوة والمصالحة. 49

مفهوم الثمن. 50

مفهوم التبرير القانوني. 51

البدلية والعقابية ودحض الإفخارستيا كذبيحة. 52

الفصل الثالث: البدلية العقابية في إقرارات الإيمان البروتستانتية. 55

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على نظرية البدلية العقابية في اللاهوت الغربي. 59

 

 

 

مقدمة

سوف نُحاوِل في هذا البحث المختصر دحض أوهام البعض بوجود بدلية عقابية في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، لاهوتيّ التأله والانجماع الكليّ في المسيح، وذلك من خلال عمل دراسة مقارنة بين تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ حول تدبير الخلاص، وبين تعليم چون كالفن حول البدلية العقابية والكفارة، حيث يُعتبر چون كالفن أحد أهم منظري البدلية العقابية، إنْ لم يكن الممثِّل الأساسيّ لنظرية البدلية العقابية في شرح الفداء والكفارة، والهدف من هذه الدراسة المقارنة هو توضيح ما هي البدلية العقابية؟ وما هي عناصر التعليم بالبدلية العقابية؟ وكيف أقول إن هذا الأب أو غيره من آباء الكنيسة لديهم تعليم بدلية عقابية في تعاليمهم.

لقد دأب البعض على ملء الدنيا صياحًا بأن هناك بدلية عقابية في فكر آباء الكنيسة الشرقية عامةً، وفي فكر ق. كيرلس الإسكندريّ خاصةً، ويبدو أنهم لا يعرفون ما هو مفهوم البدلية العقابية التي يدَّعونها زورًا وبهتانًا على آباء الكنيسة الشرقية الذين يؤمنون بالخلاص عن طريق التألُّه والانجماع الكليّ في المسيح، ضاربين عرض الحائط الدراسات اللاهوتية والآبائية الأكاديمية العديدة، التي تؤكد إنه لا يوجد ما يُسمَّى بـ ”البدلية العقابية“ كما شرحه رجال الإصلاح البروتستانتيّ، وأهمهم چون كالفن، في تعليم آباء الكنيسة الشرقية، وهذا إنْ دل يدل على جهل هؤلاء بهذه الدراسات الأكاديمية على أعلى مستوى لاهوتيّ أكاديميّ، بل يستخدمون بعض النصوص هنا وهناك من أجل إيهام البسطاء بإنه يوجد ما يُسمَّى بـ ”البدلية العقابية“ في تعليم آباء الشرق، ونسوا إنه الجيل القادم لن يقتنع بحججهم الواهية والضعيفة غير المثبَتة أكاديميًا ولاهوتيًا، بل هي مُجرَّد أوهام وخيالات وضلالات يوهمون بها أنفسهم لضلال أنفسهم وضلال الآخرين، وهي والعدم سواء.

أود التنويه إلى أن نصوص ق. كيرلس الإسكندريّ ونصوص چون كالفن هي بعض من كل، فهناك العديد من النصوص لكليهما التي تفي بغرض البحث، والذي هو نفي وجود تعليم البدلية العقابية في تعليم تدبير الخلاص للقديس كيرلس الإسكندريّ، وتوضيح المعنى الصحيح للبدلية العقابية في تعليم الكفارة والفداء عند چون كالفن، كمُمثِّل أساسيّ للتعليم الصحيح والدقيق عن البدلية العقابية في اللاهوت الغربيّ، والذي نقيس من خلاله هل يوجد تعليم بدلية عقابية في تعليم أيّ أب شرقيّ من عدمه، وليس كما يدّعي الجهلاء بتعليم البدلية العقابية وينسبونه زورًا وبهتانًا إلى آباء الكنيسة الشرقية عامةً والقديس كيرلس الإسكندريّ خاصةً.

 

 

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. كيرلس الإسكندري

سوف نستعرض في هذا الفصل تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، أحد أهم آباء الشرق المسيحيّ في عصره، مُمثِّلاً عن الفكر الآبائيّ اليونانيّ الشرقيّ عامةً، وعن الفكر الآبائيّ الإسكندريّ خاصةً، وسوف نعقد مقارنة بين مفاهيمه حول تدبير الخلاص، وبين مفاهيم چون كالفن أحد أهم منظري البدلية العقابية، والذي يُعتبر النسخة المكتمِلة والناضجة لنظرية البدلية العقابية في الغرب، وذلك لكي نعرف هل هناك تعليم ”بدلية عقابية“ في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ أم لا؟

خلاص الإنسان بالتأله

يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن الابن وحده يعطي ما يخص طبيعته ليصير خاصًا بالبشر جاعلاً ما يخصه مشتركًا وعامًا بين البشر، وهذا لا يمكن أن نجده في تقديم المسيح كبديل عقابيّ عن خطايانا، كالتالي:

”إذ حيث إنهم قَبِلوا الابن فقد نالوا السلطان أن يعدوا من أولاد الله، فالابن وحده هو الذي يُعطِي ما يخص طبيعته [اللاهوتية]، ليصير خاصًا بهم جاعلاً ما يخصه مشتركًا وعامًا بينهم لتكون هذه صورة طبيعة محبته للإنسان وللعالم. وليس هناك وسيلة أخرى غير هذه تجعلنا نحن الذين لبسنا ’صورة الترابيّ‘ نهرب من الفساد، إلا إذَا خُتِمنا بجمال ’الصورة السمائية‘ (1كو 15: 49) بدعوتنا إلى البنوة، لأننا عندما نشترك فيه بالروح القدس، نُختَم لنكون مثله ونرتفع إلى الصورة الأولى التي أخبرتنا الكتب المقدَّسة أننا خُلِقَنا عليها (تك 1: 27). وبذلك نكون قد استعادنا جمال طبيعتنا الأولى وخُلِقَنا من جديد لنكون على مثال الطبيعة الإلهية، ونصير مرتفعين عن الأمراض التي أصابتنا بسبب السقوط. إذًا، نحن نرتفع إلى كرامة أسمى من طبيعتنا بسبب المسيح لأننا سنكون أيضًا ’أبناء الله‘ ليس مثله تمامًا، بالنعمة وبالتشبُّه به“.[1]

يُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن المسيح أضأ علينا، لأنه جعلنا مثله، وهكذا قد غرس إنارته التي هي بواسطة روحه الخاص كصورة إلهية في قلوب الذين يؤمنون به لكي يُدعوا الآن مثله آلهةً وأبناء الله كالتالي:

”وقد أضأ علينا لأنه جعلنا مثله، فقد غرس إنارته التي هي بواسطة روحه الخاص كصورةٍ إلهيةٍ في قلوب الذين يؤمنون به لكي يُدعوا الآن مثله آلهةً وأبناء الله“.[2]

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على تألُّه ناسوت المسيح، الذي يُعد الوسيلة الوحيدة لتألُّه أجسادنا نحن أيضًا، وهذا التعليم لا يوجد في تعليم البدلية العقابية، ولا يمكن التوفيق بين تعليم البدلية العقابية وتعليم الخلاص بتأليه الإنسان من خلال تألُّه جسد المسيح الذي هو جسد البشرية كلها، وفيه تتألَّه البشرية كلها، حيث يقول التالي:

”تتقدَّم الطبيعة البشرية في الحكمة وفقًا للطريقة الآتية: الحكمة الذي هو كلمة الله اتخذ الطبيعة البشرية فتألَّهت، وهذا مُبرهَن من خلال أعمال الجسد، والنتائج العجيبة في أعين أولئك الذين يرون الهيكل [الجسد] الذي أخذه، جعلته يرتقي بالنسبة لهم. هكذا ارتقت الطبيعة البشرية في الحكمة مُتألهةً بواسطتها. لذلك أيضًا نحن بطريقة مماثلة للكلمة، الذي لأجلنا تأنس، نُدعَى أبناء الله وآلهةً. لقد تقدمت طبيعتنا في الحكمة مُنتقِلةً من الفساد إلى عدم الفساد، ومن الطبيعة البشرية إلى الألوهية بنعمة المسيح“.[3]

مفهوم المصالحة

ويرى ق. كيرلس، في سياق شرحه لمفهوم المصالحة بين الجميع مع الآب في المسيح، أن الابن نزل إلى مستوى العبودية دون أن يفقد ما يخصه كإله، بل مانحًا ذاته لنا لكي بفقره نصير أغنياءً، ونرتفع إلى فوق إلى شبهه، أي شبه صلاحه، ونصير آلهةً وأبناء الله بالإيمان، لأن الابن الذي هو الله بالطبيعة سكن فينا، وأحتوى الكل فيه، وهكذا صالح الكل في جسدٍ واحدٍ مع الآب كالتالي:

”أليس واضحًا للجميع أنه نزل إلى مستوى العبودية، دون أن يفقد ما يخصه كإلهٍ، بل مانحًا ذاته لنا لكي بفقره نصير أغنياء (أنظر 2كو 8: 9)، ونرتفع إلى فوق إلى شبهه، أي شبه صلاحه، ونصير آلهةً، وأبناء الله بالإيمان؟ وتمَّ ذلك لأن الذي هو بالطبيعة الابن، والذي هو الله، قد سكن فينا، ولذلك نصرخ بروحه: ’يا آبا الآب‘ (رو 8: 15). وسكن الكلمة في هيكلٍ واحدٍ أخذه منَّا ولأجلنا، وصار مثل الكل، لأنه أحتوى الكل فيه، واستطاع أن ’يصالح الكل في جسدٍ واحدٍ‘ مع الآب، كما يقول بولس (أف 2: 16-18)“.[4]

الانجماع الكلي في المسيح ودحض البدلية العقابية

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ نظرية الإبدال العقابيّ، التي يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي أنها موجودةٌ في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، حيث يُؤكِّد على فكرة وجودنا الكيانيّ في المسيح أثناء صلبه كالتالي:

”ونحن قد صُلِبَنا معه لما صُلِبَ جسده الذي كانت فيه كل طبيعتنا الكاملة“.[5]

وهذا ما يُؤكِّده أيضًا ق. كيرلس في موضع آخر داحضًا فكرة البديل العقابيّ، ومُؤكِّدًا على فكرة شركتنا مع المسيح بالطبيعة في عمله الخلاصي، قائلاً:

”ومن أجل منفعتنا يقول إن الكلمة سكن فينا، لكي يرفع الحجاب عن السرِّ العميق، لأننا نحن جميعًا في المسيح، والجماعة المشتركة في الطبيعة الإنسانية ارتفعت إلى شخصه، وهو ما جعله يُدعَى ’آدم الأخير‘ (١كو١٥: ٤٥) واهبًا بغنى للطبيعة الإنسانية المشتركة كل ما يخص الفرح والمجد“.[6]

ويدحض ق. كيرلس فكرة البديل العقابيّ مُؤكِّدًا على أن المتَّحِدين بالمسيح هم مصلوبون معه قائلاً:

”وبطريقةٍ أخرى، فإن المتَّحِدين بالمسيح هم أيضًا مصلوبون معه، فإنهم إذ يقبلون الموت عن سيرتهم القديمة في الجسد، فإنهم يُعاد تشكيلهم إلى حياة جديدة حسب الإنجيل“.[7]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على انتقال عملية الشفاء من المسيح إلينا نحن المشتركين معه في نفس الطبيعة البشرية كالتالي:

”وهكذا فإن الطبيعة الإنسانية في المسيح تنتقل إلى حالة أفضل وأكثر اقترابًا من الطبيعة الإلهية. وبهذه الطريقة – وليس بغيرها – فإن عملية الشفاء اجتازت منه إلينا نحن. لأن طبيعة الإنسان أُعِيدت إلى جدَّة الحياة، في المسيح نفسه أولاً -كباكورة، وفيه أيضًا قد حصلنا على الأمور التي تفوق الطبيعة. ولهذا السبب، فهو يُدعَى في الكتب المقدسة ’آدم الثاني‘ (1كو 15: 45)“.[8]

يُؤكِّد ق. كيرلس على اتحاد المسيح بكل الذين على الأرض في كل شيء ما عدا خطيتنا مشيرًا إلى فكرة وساطة المسيح بين البشرية والله كالتالي:

”ولن يستطيع أحد إطلاقًا أن يتَّحد بالله الآب إلا عن طريق وساطة المسيح. لأنه هو الوسيط بين الله والناس، فهو من خلال نفسه وفي نفسه يُوحِّد البشرية بالله. فحيث إنه مولودٌ من جوهر الله الآب، إذ هو الكلمة، والبهاء، والصورة ذاتها، فهو واحد مع الآب، لكونه في الآب كليةً، والآب كائنٌ فيه هو نفسه؛ أما من جهة صيرورته إنسانًا مثلنا، فهو يتَّحد بكل الذين على الأرض في كل شيء ما عدا خطيتنا، وهكذا فهو قد صار بمعنى كرابط بين ناحتين، إذ يحوي في ذاته كل ما يؤدي إلى الوحدة والصداقة“.[9]

ويُشِير ق. كيرلس إلى أن السبب الحقيقيّ والشامل لتجسُّد الابن الوحيد هو انجماع كل شيء في المسيح من أجل استرجاع كل الأشياء التي انحرفت إلى ما كانت عليه في البداية قائلاً:

”ونعرف أننا نحن أيضًا نكون فيه – بنفس الطريقة – وهو فينا. لقد قدَّم بولس الحكيم سببًا حقيقيًا وشاملاً لتجسُّد الابن الوحيد، عندما قال: ’إن الله الآب سُرّ أن يجمع كل شيء في المسيح‘ (أف 1: 10)، وكونه ’يجمع في واحد‘ في الاسم والشيء معًا، فهذا معناه استرجاع كل الأشياء التي انحرفت بعيدًا، وإعادتها إلى ما كانت عليه في البداية. ثم إذ يريد أن يضع أمامنا بجلاءٍ طرق ’جمع كل شيء‘ بالتفصيل قال مرةً: ’لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ، فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ، لِكَيْ يَتِمَّ حُكْمُ النَّامُوسِ فِينَا، نَحْنُ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ‘ (رو 8: 3، 4)؛ ويقول في مرة أخرى: ’فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ‘ (عب 2: 14، 15). وهكذا عندنا هنا طريقان ’لجمع الأشياء معًا‘ قدَّمها بولس الرسول لشرح تعليم تجسُّد الابن الوحيد بحسب لزوم الأمر. ولكن هناك طريقة أخرى تشمل الطرق المتعددة، قدَّمها لنا البشير يوحنا. فهو يكتب عن المسيح هكذا: ’إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ‘ (يو 1: 11-13). هكذا، أظن أنه يتضح تمامًا ويظهر جليًا للكل، أنه لهذه الأسباب خاصةً قد صار الابن الوحيد إنسانًا، الابن الوحيد الذي هو بالطبيعة إله ومن الله؛ بقصد أن ’يدين الخطية في الجسد‘، ولكي بموته يذبح الموت، ويجعلنا أولاد الله، مجددًا بالروح الذين على الأرض وناقلاً إياهم إلى كرامة فوق الطبيعة. لأني أعتقد أنه حسن جدًا أن يجمع كل الأشياء معًا في واحد، ويعيد الجنس البشري الذي كان قد عثر وسقط إلى الحالة الأولى“.[10]

وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس على أن الآب قرَّر أن يجمع طبيعة الإنسان معًا في المسيح ليردها مرةً أخرى إلى حالتها الأولى كالتالي:

”ولذلك فإن الله الآب قرَّر أن يجمع طبيعة الإنسان معًا في المسيح مرةً أخرى ليردها إلى حالتها الأولى، وأراد أن يتحقَّق هذا بالمسيح“.[11]

ويُشدِّد ق. كيرلس على وجودنا الحقيقيّ في المسيح بسبب مجيئه في الجسد، داحضًا بذلك أي كلام عن أننا جسد رمزيّ أو اعتباريّ، بل أننا جسد حقيقيّ للمسيح قائلاً:

”فالمخلِّص الذي هو الحياة بالطبيعة صار إنسانًا إذ لبس طبيعتنا، وذلك لكي يُحرِّر أولئك الذين هم تحت دينونة اللعنة القديمة، من الفساد والموت. لأنه هكذا قُهِرَت قوة الموت، وتلاشى سلطان الذي سيطر علينا. وحيث إن الطبيعة الإلهية خالية تمامًا من أيّ ميل نحو الخطية، فقد رفعنا ومجَّدنا بواسطة جسده الخاص. لأننا فيه يكون لنا جميعًا وجود حقيقيّ، بسبب مجيئه في الجسد“.[12]

ويُوضِّح ق. كيرلس أن موت المسيح على الصليب لم يكن نتيجة إلزام بشري أو نتيجة طغيان شخص آخر ضد إرادته، بل بدافع حبه الأصيل قدَّم نفسه لأجلنا ذبيحةً بلا لوم للآب، فلم تكن ذبيحة المسيح ترضيةً للآب، بل بدافع الحب منه للبشر كالتالي:

”يُدافِع البشير الحكيم جدًا بطريقةٍ نافعةٍ عن الآلام الخلاصية، ويبين أن الموت على الصليب لم يكن نتيجة إلزام بشريّ، ولم يعان المسيح الموت نتيجة طغيان شخص آخر ضد إرادته، بل بالحري قدَّم نفسه لأجلنا ذبيحةً بلا لوم لله الآب بدافع حبه الأصيل. فحيث إنه كان ينبغي أن يتألم لكي يُبطِل ما دخل من فساد وخطية وموت، فقد أعطى نفسه فديةً عن حياة الجميع“.[13]

يُشِير ق. كيرلس إلى أن الكل كان موجودًا في المسيح بصيرورته إنسانًا، وهكذا مات بالجسد لأجلنا ليقيم طبيعتنا كلها معه، وقَبِلَ الروح القدس في جسده لأجلنا لكي ما يُقدِّس طبيعتنا كلها كالتالي:

”وأيضًا إذ هو الحياة بالطبيعة، مات بالجسد لأجلنا، لكي يغلب الموت لأجلنا، ويُقِيم طبيعتنا كلها معه، لأن الكل كان فيه بصيرورته إنسانًا، وهكذا أيضًا قَبِلَ الروح القدس لأجلنا، لكي ما يُقدِّس طبيعتنا كلها. لأنه لم يأت لكي ينفع نفسه، بل لكي يصبح لنا جميعًا، الباب والبداية والطريق لكل الخيرات السمائية“.[14]

ويدحض ق. كيرلس نظرية البدلية العقابية مُشِيرًا إلى أن الآب أعطانا ابنه فداءً عنا، بحيث أن موت الكل حدث في المسيح، لأن الكل كان فيه كالتالي:

”لقد كنا مُستعبَدين لخطايا كثيرة، خاضعين للفساد والموت، فأعطانا الآب ابنه فداءً عنا. الواحد عن الكل؛ لأن الكل فيه، وهو فوق الكل. واحد مات عن الكل، لكي يحيا الكل فيه. لقد ابتلع الموت ’الحمل‘ الذي كان ذبيحة خطية للكل، ولكن الموت تقيأ الحمل ومعه كل الذين فيه. لأننا جميعًا في المسيح الذي بسببنا ولأجلنا مات وقام. لقد أبيدت الخطية، فكيف يبقى الموت الذي نتج عنها وبسببها، ألا يتلاشى هو أيضًا وينتهي إلى لا شيء. لقد مات الجذر، فكيف تعيش الأغصان أو تبقى؟ وكيف نموت نحن، بعد أن أُبِيدت الخطية؟ لذلك نُسرّ بذبيحة حمل الله، ونقول: ’أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟ (هو 13: 14؛ 1كو 15: 55)“.[15]

ويُؤكِّد ق. كيرلس أيضًا في موضع آخر عن الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح داحضًا بذلك نظرية البدلية العقابية قائلاً:

”ولا يوجد أدنى شك في أن جرائم عصيان آدم، قد وجدت حلاً بالمسيح؛ لأنه كما هو مكتوب ’صار لعنةً لأجلنا‘ (غلا 3: 13)، مُحرِّرًا الأرض من اللعنة القديمة. ونقول حقًا إن الكُل انجمع بواسطته إلى حالته الأولى التي أعطاها الله الآب. إذًا، ’إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا‘ (2كو 5: 17). لأنه هو آدم الثاني وبطاعته، أبعد عنا تهمة الإنسان الأول، أقصد العصيان بالتأكيد، الذي صار في بدايات الخليقة“.[16]

يُفرِّق ق. كيرلس الإسكندريّ بين الهرطوقيّ والأرثوذكسيّ بشكلٍ واضحٍ في مسألة أننا ككنيسة جسد المسيح الإفخارستي قائلاً:

”وحيث أن الهرطوقيّ في حماقته، يريد أن يُروِّج لآرائه الزائفة، ويقول: [إنَّ أيّ مُجادلة لن تجعل الذين يُحرِّفون معنى الكلمات التي أمامنا عن معناها السليم، ويَعتبرونها تُشِير إلى تجسُّد المسيح، لأننا لم نتَّحد به بالجسد، ولا الرسل يثبتون في جسد المسيح كأغصان، ولا هم كانوا مُرتبِطين به بهذا الشكل، بل عن طريق وحدة الفكر والإيمان الحقيقي]. والآن فلنُجاوِب على هذا الكلام باختصار، ونُبيِّن للهرطوقي أنه قد انحرف تمامًا، وهو لا يتبع الكتب المقدَّسة باستقامة. فكون أننا مُتَّحِدون روحيًا بالمسيح بما يتطابق مع المحبة الكاملة، فهذا لا يُنكِره بيان عقيدتنا بأيّ حال، فنحن نعترف أن المعترِض على صواب في قوله من هذه الجهة، ولكن أن يقول إنه لا توجد أي إشارة في المثل إلى اتحادنا بالمسيح بالجسد، فنحن سنُوضِّح أن كلامه هذا يتعارض تمامًا مع الكتب الموحَى بها، لأنه كيف يمكن أن يُجادِل أحد، أو هل يُمكِن لأيّ إنسان ذي فكر مستقيم أن يُنكِر أن المسيح هو الكرمة من ناحية جسده؟ ونحن لكوننا أغصان حسب الرمز [أي رمز الكرمة والأغصان]، فإننا ننال في أنفسنا الحياة النابعة منه، كما يقول بولس: ’لأننا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، فإننا نحن الكثيرين خبز واحد […] لأننا جميعًا نشترك في الخبز الواحد‘ (أنظر رو١٢: ٥؛ ١كو١٠: ١٧). ما هو سبب هذا وهل يستطيع أحد أن يُعطِينا تفسيرًا بدون الإشارة إلى قوة السر المبارك؟ ولماذا نحن نتناوله ونأخذه داخلنا؟ أليس لكي يجعل المسيح يحل فينا جسديًا أيضًا بالاشتراك في تناول جسده المقدَّس؟ أنه يجيب بصواب قائلاً نعم هو كذلك. لأن بولس يكتب هكذا: أن الأمم شركاء في الجسد، وشركاء المسيح في الميراث (أنظر أف٣: ٦). كيف يكونون أعضاء في الجسد؟ ذلك بسبب دخولهم [أي الأمم] ليشتركوا في الإفخارستيا المقدَّسة، وهكذا يصيرون جسدًا واحدًا معه مثل أيّ واحد من الرسل القديسين!“.[17]

مفهوم الغضب الإلهي

يُحدِّد ق. كيرلس الإسكندري ماهية الغضب الإلهيّ، حين يتحدَّث عن الحياة إنها الحياة الحقيقية في مجدٍ مع المسيح، أمَّا ”غضب الله“ فهو عذابات الأشرار، حيث يقول:

”لكن إنْ كان من الممكن إدراك أنَّ غير المؤمن سوف يُحرَم من الحياة في الجسد، لكنه بالتأكيد قد أضاف على الفور ’بل يمكث عليه الموت‘ لكن حيث إنه يُسمِّيه ’غضب الله‘، فمِن الجلي إنه يعقد مُقارنة بين عقاب الأشرار وتنعُّمات القديسين، وأيضًا يصف تلك الحالة بكلمة ’الحياة‘ التي هي الحياة الحقيقية في مجدٍ مع المسيح، أما عذابات الأشرار فيُسمِيها ’غضب الله‘، وكثيرًا ما سُمِيَ ذلك العقاب في الكتاب المقدَّس إنه ’غضب‘، وسوف أقتبس من شاهدين، بولس ويوحنا المعمدان: إذ يقول الأول للمهتدين بين الأمم ’وكنا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضًا‘ (أف2: 3)، ويقول الآخر للكتبة والفريسيين: ’يا أولاد الأفاعي، مَنْ أراكم أنْ تهربوا من الغضب الآتي؟‘ (مت3: 7)“.[18]

يستنكر ق. كيرلس فكرة وراثة الغضب الإلهيّ من الآباء للأبناء بسبب خطايا الآباء، حيث إنهم لو كانوا حكماء، ألا يكون لائقًا بهم بالأحرى أنْ يعتنقوا الرأي الذي يقول: أن الله الذي هو مصدر البر ومصدر قوانيننا الأخلاقية لا يُمكِن أنْ يفعل شيئًا مُخجلاً كهذا؛ لأنه حتى الناس يُعاقِبون العصاة بحسب القوانين، ولكنهم لا يُوقِعون هذه العقوبات على أولادهم، إلا لو كان هؤلاء الأولاد مُشترِكين مع آبائهم في الأفعال الشريرة. فذلك الذي وصف لنا قوانين كل عدل، كيف يُمكِن أنْ يُقَال عنه أنه يُوقِع عقوبات تُعتبر مُدانة عندنا بشدة (لأنها غير عادلة).[19]

ويُناقِش ق. كيرلس موضوع الانفعالات البشرية المنسوبة لله في الكتاب المقدَّس من الغضب والندم والسخط، ويُعلِّل ذلك بأن السبب الحقيقيّ الذي جعل الكتاب المقدَّس يُحدِّثنا عن الله بأقوال تخص الأعضاء الجسدية، هو ضعف عقلنا ولغتنا. بدون شك الأمور المتعلِقة بالله هي أبعد من أنْ تُوصَف. وبالتأكيد لا يُمكِننا أنْ نُدرِك الأمور الهامة عن الله، نحن الذين نحيا في أجساد مادية وسميكة، إلا فقط، إذا قَبِلنا أمثلة ونماذج تتناسب مع نوعية طبيعتنا. بمثل هذه الطريقة فقط، يكون لدينا المقدرة أنْ نرتفع نحو مفاهيم سامية عن الله.[20]

يتحدَّث ق. كيرلس عن إنذارات الله لأولئك الذين يُغضِبونه ويُسبِّبون له حزنًا، حيث يُعلِن الله لهم الأمور التي سوف تحدث لهم أحيانًا، ولكن بطرق ملائمة، على الأقل برسالة الملائكة إلى العقل البشريّ، وعندما يُعلِّم بها أولئك، يذوبون خوفًا من الحزن، ويصير هذا الإعلان بالنسبة لهم بمثابة إنذارٍ كبداية للغضب والعقاب الذي يُهدِّدهم. ولأنه يستريح في الأنبياء القديسين، ففي مرات كثيرة يُعلِن لهم، ليس فقط الأمور المحزِنة والأمور التي سوف يُضايقون بها شخصًا لتجعله يجلس ويبكي، لكن أيضًا يذكر لهم الأمور المفرِحة حقًا لرفاهية البعض، أمَّا الفُجَّار وأتباع المنجِّمين فيكشف لهم الأمور الشريرة التي سوف تحدث لهم.[21]

يُوضِّح ق. كيرلس إلى أن الله استخدم في العهد القديم تعبيرات بشرية عن ذاته بسبب تنازله من نحونا لأجل مساعدتنا وبسبب استعمال اللغة وعجزها كالتالي:

”ورغم أنك قد تقول إن الله قال في كتاب العهد القديم لليهود: ’أصوامكم وأعيادكم بغضتها نفسي‘ (أنظر إش 1: 13، 14 سبعينية)، وتعبيرات أخرى مشابهة، إلا أننا نقول إنه استعمل طريقتنا في الكلام، خاصةً بسبب تنازله من نحونا لأجل مساعدتنا، وبسبب استعمال اللغة وعجزها، فهو يتحدَّث عن طبيعته غير الجسدية على أن لها وجهًا، وعيونًا، وأعضاءً أخرى“.[22]

يُشِير ق. كيرلس إلى أننا ينبغي أن نوجه اللوم إلى فقر لغتنا البشرية التي لا تستطيع التعبير عن الحقائق الإلهية بطريقة مناسبة قائلاً:

”فلا ينبغي أن نعثر بسبب هذا، بل بالحري ينبغي أن نُوجِّه اللوم إلى فقر لغتنا البشرية، التي لا تستطيع أن تُعبِّر عن الحقائق الإلهية بطريقةٍ مناسبةٍ. فما هي اللغة التي تكفي أن تشرح طبيعة الله ومجده اللذين يفوقان كل تعبير“.[23]

ونرى ق. كيرلس يُؤكِّد على أن الله عديم الهوى أو خالي من الهوى απαθής أي الأهواء البشرية كالتالي:

”وبما أن الابن يُقارن بالآب من جهة الأعظم والأدنى، وهذه المقارنة تقع خارج الهوى، خاصةً وأن الله عديم الهوى απαθής، وبما أن الآب لا يتفوق على الابن، باعتبار أن الابن له نفس جوهر الآب، ولا يمكن للابن أن يعاني شيئًا أو يتأثر بشيءٍ، فالقول ’أعظم‘، إنما يُقال فقط من جهة بداية الابن الأزلية من الآب“.[24]

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ مثله مثل جميع آباء الشرق اليونانيّ، وبالخلاف عن اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ، ولاهوت العصر الوسيط، واللاهوت البروتستانتيّ، على أن الله هو هو دائمًا، لا يتحوَّل ولا يتغيَّر من حال إلى حال، وأن عدم التغيُّر في الله ليس صفة عرضية، بل يرجع إلى جوهر الله نفسه كالتالي:

”بينما الله فوق كل ذلك، والنفس الإنسانية عُرضة لتقلبات كثيرة من الصالح إلى الطالح، ومن الطالح إلى الصالح، ولكن الله هو هو دائمًا، صالح إلى الأبد، ولا يتحول ولا يتغير من حال إلى حال. وعدم تغيُّر الله ليس صفةً عرضيةً، بل يرجع إلى جوهره“.[25]

ويُشِير ق. كيرلس أيضًا إلى احتمال الله للبشر الذين يصبون جام غضبهم عليه، ليكون هو نفسه مثالاً للهدوء الكامل الخالي من الأهواء كالتالي:

”فقد أتى مُخلِّصنا مرةً إلى قرية السامريين بالقرب من اليهودية؛ فلم يقبلوه وثار التلاميذ بسبب هذا الأمر، وقالوا له: ’يارب أتريد أن نقول أن تنزل نار من السماء فتفنيهم‘ (لو 9: 52-56). فأنتهرهم المخلِّص ورفض أفكارهم. لأنه لم يأت كإله ليستخدم قوته الإلهية ضد أولئك الذين يصبون جام غضبهم عليه، بل بالحري ليُعلِّمنا أن نحتمل ونصبر في كل الضيقات، وليكون هو نفسه مثالاً للهدوء الكامل الخالي من الأهواء. لذلك قال أيضًا: ’تعلَّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب‘ (مت 11: 29)“.[26]

وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس على أن طبيعة الله هي طبيعة بسيطة، وحتى إن كانت أفعاله متنوعة، ولها إرادة بسيطة حكيمة، فما يعمله الله في غضبه هو نتيجة لطفه، وهكذا ينسجم غضب الله مع لطفه كالتالي:

”هل لمجرَّد أن قُلنا إن الطبيعة الإلهية طبيعة بسيطةٌ، يُنكِرون أن تكون أفعال الله متنوعةً. يجب عليهم أن يعرفوا أن هذه الطبيعة لها إرادة بسيطة حكيمة، وليس إرادات مُتعدِّدة، وذلك لأن الله يمكن أن يلوم الذين يمدحهم، ويُؤدِّب الذين يحبهم. والذي يعمله الله في غضبه هو نتيجة لطفه، وهكذا فغضب الله ينسجم مع لطفه. وأنا أريد أن أُضيف شيئًا آخر: إن اللاهوت طبيعة واحدة بسيطة، ولكنه أيضًا هو الحياة والقوة والحكمة والمجد“.[27]

يُشِير ق. كيرلس إلى أن الجوهر الإلهيّ غير خاضع للأهواء البشرية مثل الغضب، ويُوضِّح أن غضب الله يكون بالطريقة المعروفة لنفسه فقط وبطريقة طبيعية بالنسبة لذاته وحده، لأن طرقه لا يمكن النطق بها على الإطلاق كالتالي:

”حينما يريد الكتاب الإلهيّ أن يُعبِّر عن غضب الله ضد الخطط الشريرة من أي نوع، فهو يقتبس الكلمات من التعبيرات المستعمَلة بيننا، ويتحدَّث عن الغضب بعباراتٍ بشريةٍ؛ رغم أن الجوهر الإلهيّ غير خاضع لهذه الأهواء بأي طريقة يمكن مقارنتها بمشاعرنا، ولكنه يتحرك بالسخط بالدرجة المعروفة لنفسه فقط، وبطريقة طبيعية بالنسبة لذاته وحده، لأن طرقه لا يمكن النطق بها على الإطلاق. ولكن الكتاب الإلهيّ، كما قُلنا، يُسجِّل أشياء أعلى بكثير من قدرتنا البشرية“.[28]

ويعترض ق. كيرلس على انفعال بطرس الرسول على عبد رئيس الكهنة، مُؤكِّدًا على أن المسيح جاء ليعطينا تعليمًا أسمى من الناموس، ولكي يُصلِحنا ويُحوِّلنا إلى وداعة قلبه، وهكذا يلوم المسيح الانفعالات التي بحسب الناموس، والتي لا تتوافق مع الكمال اللائق بالفضيلة الحقيقية كالتالي:

”لذلك فإن انفعال بطرس كان مشروعًا بحسب القوانين القديمة؛ ولكن ربنا يسوع المسيح حينما جاء ليُعطِينا تعليمًا أسمى من الناموس، ولكي يُصلِحنا ويُحوِّلنا إلى وداعة قلبه، يلوم تلك الانفعالات التي بحسب الناموس، على أنها لا تتوافق مع الكمال اللائق بالفضيلة الحقيقية. لأن الفضيلة الكاملة لا تكون بمجازاة الفعل بمثله، بل بالحري تَظهر في الترفق الكامل“.[29]

ويُشِير ق. كيرلس إلى أن غضب الله لم يمنعه من أن يربي ويفيد البشرية بطرق متنوعة، وأنه بإضافة المتاعب والمشقات يكبح جماح أولئك الذين تم تضليلهم وينقلهم إلى ما يفيدهم كالتالي:

”لكن بالإضافة إلى هذا، لاحظ أن غضب إله الكل في هذه الحالة، لم يمنعه من أن يربي ويفيد بطرقٍ متنوعةٍ، وأنه بإضافة المتاعب والمشقات يكبح جماح أولئك الذين أُضِلوا وينقلهم إلى ما يُفِيدهم“.[30]

وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس على أن الله لا يريد أن يُعرَف بأنه يفكر في الشر، وأنه يمد غضبه حتى يشمل الجيل الرابع، لأنه كيف يكون طويل الأناة وكثير الرحمة، أو كيف يغفر المعاصي والخطايا، إن كان لا يستطيع أن يجعل العقوبة محصورة في الشخص المخطئ، فمن الحماقة تمامًا أن نفترض أن الله مع محبته ولطفه بالبشر، يخص نفسه بالغضب المستمر وغير المعقول. وهكذا يدحض ق. كيرلس أولئك القائلين بوراثة العقوبة من الآباء إلى أبنائهم حتى الجيل الرابع قائلاً:

”ولهذه الغاية فهو يُعلِن أن: ’الرب طويل الروح وكثير الإحسان، يغفر الذنب والسيئة‘ (عد 14: 18). ولذلك فهو لا يريد أن يُعرَف بأنه يفكر بالشر، وأنه يمد غضبه حتى يشمل الجيل الرابع. لأنه كيف يكون طويل وكثير الرحمة، أو كيف يغفر المعاصي والخطايا، إنْ كان لا يستطيع أن يجعل العقوبة محصورةً فقط في الشخص الذي أخطأ، بل يمدها إلى ما بعد الجيل الثالث، فيكون بذلك كنوع من الرعد الذي يصعق حتى البريء. إذًا، فإنه مما لا يُصدَق بالمرة ومن الحماقة التامة أن نفترض أن الله، مع محبته للبشر ولطفه، يخص نفسه بالغضب المستمر وغير المعقول“.[31]

يُوضِّح ق. كيرلس أن الله بطيء الغضب جدًا نحو آثام الذين يحزنونه بخطاياهم كالتالي:

”وإذ هو بطيء الغضب جدًا نحو آثام أولئك الذين يحزنونه بخطاياهم طبعًا، وإذ هو يفي بوعده للآباء القديسين، فإنه يصعد ليعلمهم ويضع أمامهم تعاليم الخلاص“.[32]

يُؤكِّد ق. كيرلس على أن اليهود بعدم إيمانهم أوقعوا أنفسهم تحت الغضب الإلهي، ولكن الرب كطبيب ماهر يُظهِر ضعفهم من ناحية، ومن ناحية أخرى، يكشف عن سببه، لكي لا يبقوا رازحين تحته، بل لكي يهدئوا غضب رب الجميع الذي حزن كثيرًا لأجلهم لأسباب عادلة كالتالي:

”لم يقل الرب فقط: ’لقد رأيتموني، ولستم تؤمنون‘، لكن كان من الضروري أن يُورِد ذكر السبب في عماهم، ليعرفوا أنهم قد وقعوا تحت الغضب الإلهي. لهذا، وكطبيبٍ ماهرٍ فإنه يُظهِر ضعفهم من جهة، ويكشف عن سببه من جهة أخرى، لا لكي إذا ما علموا بأمره يبقوا رازحين فيه، بل لكي يهدئوا غضب رب الجميع، الذي حزن لأجلهم كثيرًا لأسبابٍ عادلةٍ“.[33]

ويُشدِّد ق. كيرلس على أن الإنسان الذي يهمل وصايا الله الواجبة، ويصير أسيرًا للخطية، هو علة الغضب الإلهي، وليس الله هو المتسبب في ذلك، فهذا غير منطقي تمامًا، فالغضب الإلهي هو عدم شمول عطف الرب لنا، وهكذا لن يكون هناك عائق أمام الخطية يمنعها من تعذبينا بسبب ضعف طبيعتنا، مما يقود إلى سيادة الشر علينا كالتالي:

”بلاديوس: إذًا، هل عندما نُهمِل وصايا الله الواجبة، ونصير أسرى للخطية، نُلقِي اللوم على الله، ونشتكي من غضبه، وندَّعي أننا بسبب هذا الغضب أخطأنا؟ كيرلس: بالطبع، لا يمكن أن يكون الله هو المتسبِّب في هذا؛ وإلا كان ذلك غير منطقيّ. لكن عندما نقول: ’أنت سخطت إذ أخطأنا‘، نقصد أنه إذا لم يشملنا عطف الرب، فلن يكُن أمام الخطية أي عائق يمنعها من تعذيبنا، وذلك بسبب ضعف طبيعتنا، مما يقود إلى سيادة الشرِّ علينا“.[34]

يُشِير ق. كيرلس إلى أن غضب الله على العاصين ممزوجٌ بالوداعة، فلم يسمح ناموس الطبيعة – الذي وضعه الله للخلق واستمرار الحياة – بحدوث فساد ودمار شامل عام كالتالي:

”إذًا، لا يسمح ناموس الطبيعة بحدوث فساد ودمار شامل وعام، ولكنه يُعلِن إن الغضب على العاصين، إنما هو ممزوجٌ بالوداعة، وفي نفس الوقت يستخدم الحرف للمعرفة عن طريق الأمثلة والنماذج. فالكائنات لا تُسَاق تمامًا نحو العدم، يسودها فساد طائش، لكنها تبقى يتعاقب الواحد من خلال الآخر، والواحد سيخلُص من خلال الآخر قياسًا بالقرابة والجنس اللذان ينتسبان إليهما. هكذا أبعد الله الهلاك الشامل عن مخلوقاته، إذ مكتوب الآتي: ’فإنه خلق كل شيء لكي يكون، وإن خلائق العالم مفيدة وليس فيها سم مهلك، ولا مُلِك لمثوى الأموات على الأرض؛ لأن البر خالد‘ (حك 1: 14)“.[35]

يُوضِّح ق. كيرلس أن الله لا يمكن أن يكون ميَّالاً بأية نزعات غير عاقلة نحو أولئك الذين يرفضون محبته، داحضًا بذلك فكرة الغضب الإلهي الانتقامي والجزائي التي انتشرت في لاهوت العصر الوسيط والإصلاح قائلاً:

”لأن الله لا يمكن أن يوجد ميَّالاً بأية نزعات غير عاقلة نحو أولئك الذين يرفضون محبته، بل بالحري هو الفضيلة ذاتها في كل صورها، وبكل يقين قد تصرف في هذا الأمر تصرفًا حسنًا، وكانت عاطفته خالية من كل لوم“.[36]

مفهوم العداوة

يشرح ق. كيرلس الإسكندريّ مفهوم إبطال العداوة، وعلى عكس مفهوم البدلية العقابية أن الله الآب كان غاضبًا علينا وفي عداوة معنا بسبب الخطية التي أهانت كرامته، فقام الآب بمعاقبة الابن كبديل عقابيّ عنا لكي يتصالح معنا وتنتهي عداوته لنا، ولكن يرى ق. كيرلس أن الابن وحَّدنا بذاته مع الله الآب مبطِلاً العداوة كالتالي:

”صار [المسيح] لأجلنا الأساس والأمان ودعامة ثابتة، وحجر الأساس غير المتصدِع. […] لقد وحَّدنا بذاته مع الله الآب مُبطِلاً العداوة كما هو مكتوب (أف 2: 15-16). وقال حقًا لأبيه السماويّ عن كل الذين تبرَّروا بإيمانهم فيه: ’أيها الآب أنت فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا‘ (يو 17: 21)“.[37]

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ التعليم بوجود أية خصومة أو انفصال بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

”وقد أظهره الله الآب مُتجسِّدًا، ومنظورًا، وشبيهًا بنا للرسل القديسين، عندما صرخ قائلاً: ’هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا‘ (مت١٧: ٥) فهل انتبهت إذًا إلى أنه لم ’يقل هذا الجسد‘، بل ’هذا هو ابني‘، وذلك حتى لا نَعتبره مُجزَّئًا ومُنفصِلاً الواحد عن الآخر، بل هو – تدبيريًا – واحد بالاتحاد […] فالله الآب يشهد – بطريقةٍ فريدةٍ خاصةٍ – على أن المتجسِّد الذي أخذ شكل العبد هو ابنه الحقيقيّ، وكيف لا يكون؟“.[38]

مفهوم الذبيحة

يشرح ق. كيرلس الإسكندريّ مفهوم ذبيحة المسيح على الصليب، ويدحض في نفس الوقت مفهوم ذبيحة المسيح كبديل عقابيّ عن البشرية يقدم هذه الذبيحة ترضيةً لغضب الله الآب على البشرية الخاطئة، حيث يرى أن المسيح ذُبِحَ أمام الله الآب وبموافقته من أجل خلاص العالم، ولكن الآب لم يستعذب ويرضى بالألم الذي تعانيه الذبيحة لكي يهدئ من غضبه، كما تُصوِّره نظرية البدلية العقابية، بل كان يعرف أن آلام ابنه هي من أجل خلاص العالم كالتالي:

”هكذا يصير ذبحه أمام الربِّ، معطيًا بذلك إشارةً إلى موافقة الآب على أنه يجب أن يموت الابن، ولم يرفع نظره بينما كان يُذبَح. لكنه على أية حال، لا يستعذب الألم الذي تُعانِيه الذبيحة ويثني عليه، إلا أنه يعرف أن ألم عمانوئيل هو لأجل خلاص العالم. إذًا، فقد حمل المسيح خطايانا، وتألم لأجلنا محتملاً الذبح فوق الصليب الكريم“.[39]

ويشرح ق. كيرلس مفهوم الذبيحة في موضع آخر، حيث يرى أن المسيح أشرق في الكنيسة في العالم بطرقٍ كثيرةٍ، وهكذا قُدِّمت كذبيحةٍ مُقدَّسةٍ لله وفديةً وتعويضًا لأجل حياة الكل، لأنه كان واحدًا في الجوهر مع كل البشر، وهكذا لأن وحيد الجنس صار إنسانًا كواحدٍ منَّا قدَّم ذاته إلى الله كخميرةٍ واحدةٍ ممتازةٍ وبدايةٍ للطبيعة البشرية الجديدة، وهكذا تُقدَّم الذبيحة كل يوم باستمرار، لأن المسيح سيظهر بواسطتنا ولأجلنا مُقدِّمًا نفسه ذبيحةً بطريقةٍ سريةٍ في الخيمة المقدَّسة، وهو نفسه يكون تقدمتنا الأولى الممتازة لله الآب لكي ما نصير فيه ذبيحةً مُقدَّسةً ونموت عن العالم كالتالي:

”سأعرض لك الأمر بقدر المستطاع: عندما ظهرت الخيمة المقدَّسة الحقيقية، أي الكنيسة في العالم، وأشرق المسيح فيها بطرقٍ كثيرةٍ، قُدِّمَت فديةٌ وتعويضٌ لأجل حياة الكل كذبيحةٍ مُقدَّسةٍ إلى الله، الواحد في الجوهر مع كل البشر. أي بسبب أن وحيد الجنس صار إنسانًا كواحدٍ منَّا قدَّم ذاته إلى الله كخميرةٍ واحدةٍ ممتازةٍ، وبدايةٍ للطبيعة البشرية (الجديدة)، والذي تفوح منه القداسة الموجودة فيه من طبيعته وجوهره لأنه هو الله. […] التقدمة اليومية تشير إلى استمرارية ذبيحة المسيح كل يوم وعدم انقطاعها، والثمار تشير إلى الذين خلصوا بالإيمان. لأن السجود له لن ينقطع، ولا تقديم العطايا. سوف يظهر المسيح بواسطتنا ولأجلنا مُقدِّمًا نفسه بطريقةٍ سريةٍ في الخيمة المقدَّسة. وهو نفسه يكون تقدمتنا الأولى الممتازة. لأنه يُقدِّم ذاته ذبيحةً إلى أبيه، وليس بالتأكيد لأجل ذاته وفق التعليم المستقيم، لكن لأجلنا نحن الذين كنا تحت نير وثقل الخطية. ونحن نتشبه حقًا بذاك ونصير ذبيحةً مُقدِّسةً ونموت عن العالم (رو 6: 5)، لأنه الخطية ماتت فينا ونحيا لله حياة القداسة“.[40]

مفهوم الفدية

يُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى مفهوم الفدية، حيث يُعطِينا المخلِّص نحن البشر الحياة والنصرة على الفساد والموت بموته وقيامته. كما يرفض ق. كيرلس أيضًا تقديم المسيح الفدية لإبليس، ويُؤكِّد على تقديم الفدية لأجلنا، حيث قدَّم المسيح الفدية نفسه لأجل نفوسنا، وجسده لأجل أجسادنا كعطية ثمينة لأجلنا كالتالي:

”لقد أعطانا حقًا عطية ثمينة، جسده لأجل جسدنا ونفسه فديةً لأجل نفوسنا، ورغم ذلك قام إذ إنه كإله بطبيعته هو الحياة ذاتها“.[41]

ويُؤكِّد ق. كيرلس – مثلما أكَّد الآباء السابقين عليه – على تقديم المسيح جسده كفدية للموت عن حياة كل البشر قائلاً:

”لذا كان من الضروريّ أن يُقدِّم ابن الآب الحيّ جسده الخاص للموت كفديةٍ عن حياة كل البشر، لكي عن طريق جسده المتَّحِد بالكلمة يُمهِّد الطريق لأجسادنا المائتة حتى تستطيع أيضًا أن تنتصر على رباطات الموت“.[42]

ويشير ق. كيرلس في موضع آخر إلى أن الفدية كانت من أجل الجميع لإماتة الموت بموت المسيح، وإقامة طبيعة الإنسان الساقطة، حيث يقول التالي:

”(يقول الرب): إني أموت من أجل الجميع لكي أُحِيي بذاتي الجميع، وقد جعلت جسدي فديةً لأجل الجميع، لأن الموت سيموت بموتي، ومعي سوف تقوم ثانيةً طبيعة الإنسان الساقطة. لأنني لهذا صرت مثلك إنسانًا، أي من ذرية إبراهيم، حتى ’أُشبِه أخوتي في كل شيء‘ (أنظر عب 2: 17)“.[43]

ويتحدَّث ق. كيرلس عن الفدية في موضع آخر مشيرًا إلى القيمة العظيمة لموت الكلمة المتجسِّد، الذي لم يكن إنسانًا عاديًا، بل الله المتأنس كالتالي:

”نجد هذا الذي لم يعرف خطيةً، أقصد المسيح، قد تألم بكل ما يليق بالملعونين جراء قرارٍ ظالمٍ؛ حتى يُمكِن لهذا الذي هو جدير بالكل، أن يموت لأجل الجميع، لكي يحل جرائم عصيان الكل، ويشتري المسكونة بدمه. لأن إنسانًا عاديًا لا يُمكِنه أن يكون جديرًا بالجميع للجميع. لكن، بما أن الله هو الذي تأنس وتألم من جهة جسده، فالخليقة كلها تتضاءل مقابله، وبالتالي، يصل موت جسده إلى درجة أن يكون فديةً، إذ أن هذا الجسد هو جسد الكلمة، الكلمة المولود من الله الآب“.[44]

يُشِير ق. كيرلس إلى تقديم المسيح جسده كفدية لحياتنا جميعًا كالتالي:

”وعندما قدَّم جسده كفدية لحياتنا جميعًا“.[45]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على تقديم المسيح ذاته فديةً للجميع، للكبير والصغير، وللغني والفقير، ولليهودي والأممي كالتالي:

”لأنه هكذا خلَّص المسيح الكل باذلاً ذاته فديةً للصغير والكبير، للحكيم وغير الحكيم، وللغني والفقير، ولليهودي واليوناني“.[46]

وهذا ما يُوضِّحه ق. كيرلس أن المسيح قد أعطى جسده فديةً لأجلنا، لأنه لم يكن إنسانًا عاديًا، بل الإله المتجسِّد الأجدر من الجميع، لذلك كان دمه كافيًا لفداء العالم كله وتسديد الدَّين كالتالي:

”إذًا، فقد افتُدِينا، طالما أنه أعطى جسده لأجلنا فديةً، فإذا اعتقدنا أنه إنسان عادي، كيف يكون دمه كافيًا لحياة الكل؟ بينما لو اعتقدنا أنه هو الله بالجسد الأكثر جدارةً من الجميع، سيكون فداء كل العالم بدمه كافيًا للدَّين، وهذا صحيح جدًا“.[47]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على أن المسيح افتدانا من إبليس الذي كان يأسرنا، وليس الآب. فلم يتحدَّث ق. كيرلس أبدًا عن أننا كنا مأسورين عند الآب، وتوجب دفع الفدية لديه ليُطلِقنا من الأسر، بل يُؤكِّد ق. كيرلس مرارًا وتكرارًا – مثله مثل جميع الآباء – على أننا كنا مأسورين عند الشيطان قائلاً:

”ويُعلِن بالأثنين التالي: طالما أنه افتدانا ربنا يسوع المسيح من مصر وأشور أي من استبداد أولئك الذين أسرونا (وهؤلاء هم الأشرار والشياطين الدنسة)، نقلنا إلى أرض مليئة بالأشجار والثمار، أي الكنيسة“.[48]

ويُؤكِّد ق. كيرلس أيضًا أننا كنا مأسورين عند الشيطان وليس عند الآب قائلاً:

”وكانوا أسرى وفي قبضة الشيطان، وذلك لأنهم قاوموا الله، لأجل هذا رُفِضوا وفقدوا كل العناية السماوية“.[49]

ويُشِير ق. كيرلس إلى أن المسيح قام بأسر الشياطين – الذين كنا مأسورين عندهم، وليس عند الآب – باذلاً دمه لأجلنا لإبعاد الموت، وإبطال الهلاك، ومنح الحياة لنا كالتالي:

”نفس الأمر أيضًا، ربنا يسوع المسيح الذي انتصر على جميع الشياطين النجسين، وقام بأسرهم باذلاً دمه لأجلنا، هكذا أبعد الموت، وأبطل الهلاك، وجعلنا خاصته، إذ لا نحيا بعد حياتنا، بل حياته؛ لأنه لو لم يمت لأجلنا لما خلُصنا، ولو لم يُحسَب من بين الأموات، لما انهدمت حصون مملكة الموت“.[50]

ويُؤكِّد ق. كيرلس أيضًا على أن المسيح افتدانا من الموت ومن يدي الهاوية، إذ قدَّم ذاته فديةً للموت كالتالي:

”لأنه افتدانا من يدي الهاوية، أي من بطش الموت، وأن موت المسيح يُدرَك كطريقة للفداء. لأنه تعرض لأجلنا للموت فوق الصليب، وانتصر على الرؤساء والسلاطين مُسمِّرًا عليه الصك الذي علينا (أنظر كو ٢: ١٤، ١٥) […] يسوع المسيح الذي مات لأجلنا، أو الأفضل ’الذي بذل نفسه فديةً لأجل الجميع، الشهادة في أوقاتها الخاصة‘ (١تي ٢: ٦)، الأكثر استحقاقًا من الكل، بواسطته وبه صرنا أغنياء (أنظر ١كو ١: ٥)، لكي نرجع ثانيةً إلى عدم الفساد“.[51]

ويُوضِّح ق. كيرلس أن الآب نفسه هو الذي بذل وقدَّم ابنه كفدية وثمن لأجل خلاصنا كالتالي:

”وإنه حق وقد تم التيقن من الحقائق ذاتها أن الآب بذل ابنه لأجل خلاصنا. وبالتالي، كما يقول بولس: ’قد اشتُريتم بثمن فمجَّدوا الله‘ (١كو ٦: ٢٠)، فنحن لسنا ملكًا لذواتنا. ويقول أيضًا: وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام“.[52]

كما يُؤكِّد ق. كيرلس على دفع الفدية من أجل الإنسان لكي ما يحيا، لأن الله لم يُسرَّ بهلاك الإنسان مثلما يحدث مع الشياطين قائلاً:

”فلا يُسر بأن يحدث للإنسان كما يحدث للشياطين الدنسة التي هلكت (أنظر مت ٨: ٢٨- ٣٤)، فأمر بأن تُدفَع الفدية لأجله [أي للإنسان]، ونحن نعترف بأننا مديونون له بحياتنا. […] بينما الفدية الحقيقية المقدَّمة عن الجميع هي المسيح، الذي بواسطته انتصرنا على الموت، لأنه قدَّم ذاته لأجلنا“.[53]

لذلك، إن كان الآب هو مُقدِّم الابن وباذله لأجل خلاصنا، فكيف يكون الآب هو نفسه المُقدِّم للفدية والمُقدَّم إليه الفدية، هل الآب يقدم ابنه فديةً لنفسه؟ هل هذا معقول؟ لو لم يكن مفهوم تقديم الابن الفدية للآب له مفهوم آخر عند ق. كيرلس، غير مفهوم لاهوت العصر الوسيط، ومفهوم الإبدال العقابيّ البروتستانتيّ، الذي ينسبه البعض عن جهل ودون وعي خطاءً للأرثوذكسية ولتعاليم آباء الكنيسة الشرقيين عامةً، وق. كيرلس الإسكندري خاصةً. وهذا ما يُوضِّحه ق. كيرلس قائلاً:

”والمسيح قدَّم نفسه رائحة طيبة لله، لكي يُقدِّمنا نحن بواسطة نفسه وفي ذاته لله الآب، وهكذا يُلاشِي العداوة الناشئة من عصيان آدم، ويُبطِل الخطية التي استعبدتنا جميعًا، لأننا نحن الذين كنا نصرخ منذ زمن طويل قائلين: ’التفت إليَّ وارحمني‘ (مز ٢٥: ١٦)“.[54]

أخيرًا، نستنتج أن الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري تمَّ تقديمها للموت من أجل تطويق الموت والقضاء عليه نهائيًا ليُقدِّم المسيح للآب الجنس البشريّ جنسًا مُقدَّسًا، وطاهرًا، وحيًا، فيه وبه. فالسمة الغالبة عند ق. كيرلس في موضوع الفدية هي أن الفدية هي موت المسيح للقضاء على الموت والفساد، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنها تسديد لعقوبة الموت من الآب على البشرية، فالابن لم يكن في موضع المعاقَب من الآب لأجل البشر. كما أن الموت هو نتيجة سقوط الإنسان وتعديه، وليس الله هو علة الموت، أو يميت البشر، لأن الله حياة وليس موت. فالموت ليس أحد صفات جوهر الثالوث القدوس منذ الأزل، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس وبالخطية. الله لا يميت أحدًا، ولا يُعاقِب أحدًا بالموت، فالله لا يسره موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، فهلاك الأحياء لا يسره كما نقرأ في الكتاب المقدَّس، ونصلي في الليتورچية، وفي الأجبية. فعل الإماتة لم يكن في الله منذ الأزل، ولم يُمارِس الله صفة الموت أو الإماتة بين أقانيمه الثلاثة منذ الأزل، فلم نر الآب يُمِيت الابن، والعكس صحيح، لم نر الابن يُمِيت الآب، وهكذا لم نر الروح القدس روح الحياة، يُمارِس فعل الإماتة مع الأقنومين الأخرين، فهذا تجديف على الله! حاشا! الله الثالوث هو الحياة ومصدر وينبوع الحياة، ولم يكن في أي وقت من الأوقات موت أو ينبوع ومصدر الموت. فلم يقل المسيح أبدًا في الإنجيل أنا هو الموت، ناسبًا صفة الموت أو الإماتة لنفسه، بل قال أنا هو القيامة والحياة، وأنا هو الطريق والحق والحياة. لذا ادعاء البعض عن جهل أن الله يُعاقِب البشر بالموت هو محض تجديف على الله!

مفهوم الدين

يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن الله خلَّصنا وسدَّد عنا ديوننا مجانًا بلا مُقابل بسبب إحسانه ومحبته، وذلك في سياق شرحه لشريعة تحرير العبيد وإيفاء الديون في السنة السابعة، فيما يُعرَف بـ ”شريعة سنة اليوبيل“. ونرى بوضوحٍ المنحى الشفائيّ الخلاصيّ عند ق. كيرلس، حيث يرى ق. كيرلس إنه غاية تدبير المخلِّص هي شركة الروح القدس، وشركة الطبيعة الإلهية أي التأله بالنعمة. وبالتالي نجد مفهوم ق. كيرلس عن الدَّين في سياق شرح تدبير خلاص الرب بعيد تمامًا عن مفهومه عند اللاهوت الغربيّ بشقيه المدرسيّ والبروتستانتيّ، كالتالي:

”وقد خلَّصنا مجانًا بنعمة الله من دون أن نُعطِي أيّ مُقابل لحياتنا واشترينا مجد الحرية، لكننا نلنا البر بسبب إحسان السيد ومحبته، وهذا ما عبَّر عنه في سفر التثنية قائلاً: ’فِي آخِرِ سَبْعِ سِنِينَ تَعْمَلُ إِبْرَاءً. وَهذَا هُوَ حُكْمُ الإِبْرَاءِ: يُبْرِئُ كُلُّ صَاحِبِ دَيْنٍ يَدَهُ مِمَّا أَقْرَضَ صَاحِبَهُ. لاَ يُطَالِبُ صَاحِبَهُ وَلاَ أَخَاهُ، لأَنَّهُ قَدْ نُودِيَ بِإِبْرَاءٍ لِلرَّبِّ. الأَجْنَبِيَّ تُطَالِبُ، وَأَمَّا مَا كَانَ لَكَ عِنْدَ أَخِيكَ فَتُبْرِئُهُ يَدُكَ مِنْهُ. إِلاَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيكَ فَقِيرٌ. لأَنَّ الرَّبَّ إِنَّمَا يُبَارِكُكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا لِتَمْتَلِكَهَا‘ (تث١٥: ١-٤). هل رأيت كيف تُشرِق الحقيقة من داخل الظلال؟ وبوضوحٍ تامٍ سوف يظهر تدبير المخلص لأجلنا؛ بمعنى أنه حرَّر الذين اقتربوا إليه من ديونهم بواسطة الإيمان، وصِرنا أخوةً بمشاركة الروح القدس. ولكي يصيروا شركاء الطبيعة الإلهية (أنظر ٢بط١: ٤)، حرَّرهم دون أن يدفعوا شيئًا. حقًا، لم يفرض عليهم عقابًا بسبب عصيانهم، مع أنهم مديونون بإعطاء جواب عن أعمالهم“.[55]

يُؤكِّد ق. كيرلس في سياق شرحه لتدبير الخلاص على وجودنا الكيانيّ في المسيح أثناء صلبه وهكذا معموديتنا في اسمه بسبب احتوائنا في المسيح، حيث يقول التالي:

”إذًا، بما أن المسيح لم يُوزَّع، بل الكل ملكه، والجميع خاصون به، وبما أنه صُلِبَ لأجلنا واعتمدنا في اسمه، فمن الواضح أننا احتُوِينا فيه، ولا ننتمي لإنسان مثلنا، بل إلى الله. بالتالي المسيح لنا هو الله“.[56]

ويشرح ق. كيرلس في موضع آخر مفهوم الدَّين، وعلى عكس نظرية البدلية العقابية في اللاهوت الغربيّ التي تقول بتسديد الابن لدَّين الخطية الذي كنا مديونين به لله الآب عن طريق معاقبته كبديل عقابيّ عنا، حيث يرى ق. كيرلس أننا سدَّدنا في شخص المسيح نفسه جزاء اتهامات إبليس لنا بسبب الخطية، وذلك بإبطال حكم الموت الذي كان نتيجة العصيان والتعدي كالتالي:

”لأن الخطية ملكت على كل مَن على الأرض، لذا انجذب كثيرون من الأحداث إلى الشرور كما هو مكتوب (تك 6: 5)، وقد أصرَّ الجميع تمامًا على تحقيق كل ما يريدونه، وهكذا وجدنا أنفسنا حتمًا محسوبين لحكم الموت. لأن حكم الموت كان نتيجة مخالفة الناموس الإلهيّ وعدم الطاعة للإرادة الإلهية. ولذا حزن الخالق على طبيعة الإنسان التي فسدت؛ وصار الوحيد الجنس إنسانًا، وجعل جسده يحتمل الموت لأجلنا، ذلك الذي تسلَّل إلينا بسبب الخطية؛ لكي بموته يُبطِل الخطية ويُوقِف اتهامات الشيطان نحونا، لأننا سدَّدنا في شخص المسيح نفسه جزاء اتهاماتنا بسبب الخطية؛ لأنه وفقًا لكلمات النبيّ: ’هو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين‘ (إش 53: 12؛ يو 1: 29). أو ألم نُشفَ بآلام ذاك؟“.[57]

يرى آباء الأرثوذكسية وق. كيرلس الإسكندريّ أن الدَّين هو دَّين الموت، وإيفاء الدَّين هو إبادة الموت، ورد الحياة للإنسان الذي أضاعها بالخطية، فجلب على نفسه حكم الموت. ولما كان الإنسان المخلوق من العدم ليس له الحياة في ذاته، بحيث يستطيع أن يغلب الموت، لذا اقتضت حكمة الله أن يجوز مَنْ كان هو الحياة بطبيعته الموت بجسده، ويقوم من الموت، فيرد الحياة للمائتين.

دحض نظرية الإبدال العقابي

يدحض ق. كيرلس فكرة الإبدال العقابيّ بتقديم الابن كبديل عقابيّ عن البشرية الخاطئة لإرضاء كرامة الآب المهدرة التي أهانها البشر بالخطية، ولتهدئة وتسكين غضب الآب على البشرية الخاطئة، حيث ير ى ق. كيرلس أن الآب أعطانا ابنه فداءً عنَّا نحن الذين كنا مُستعبَدين لخطايا كثيرة، وخاضعين للفساد والموت كالتالي:

”لقد كنا مُستعبَدين لخطايا كثيرة، خاضعين للفساد والموت، فأعطانا الآب ابنه فداءً عنَّا. الواحد عن الكل، لأن الكل فيه، وهو فوق الكل. واحدٌ مات عن الكل، لكي يحيا الكل فيه. لقد ابتلع الموت ’الحمل‘ الذي كان ذبيحة خطية للكل، ولكن الموت تقيأ الحمل ومعه كل الذين فيه. لأننا جميعًا في المسيح الذي مات وقام بسببنا ولأجلنا. لقد أُبِيدت الخطية، فكيفى يبقى الموت الذي نتج عنها وبسببها، ألا يتلاشى هو أيضًا وينتهي إلى لا شيء. لقد مات الجذر، فكيف تعيش الأغصان أو تبقى؟ وكيف نموت نحن بعد أُبِيدت الخطية؟ لذلك، نُسرّ بذبيحة حمل الله، ونقول: ’أين شوكتك يا موت؟ أين فلبتك يا هاوية؟‘ (1كو 15: 55؛ هو 13: 14)“.[58]

دحض نظرية إيفاء العدل الإلهيّ

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ فكرة إيفاء العدل الإلهيّ والإبدال العقابيّ بتقديم بريء عوضًا عن آخرين خطاة كالتالي:

”لأنه حتى لو أن قانون العدالة اَعتبر أنه من العبث تمامًا معاقبة آخرون بدلاً من أولئك الذين أخطأوا بالفعل، فيجب، إذًا، أن يكون واضحًا للجميع أنه من المحتمل أن يسلم المرء بأنه لا يوجد شيء أكثر بؤسًا من أولئك الذين يعبدونهم كآلهة، إذا كانت القوانين ومُديِّري كل شيء غير قادرين على الحكم على نحو صحيح عند تكليفهم للقيام بذلك. من الواضح أنه لدينا مَن يحكم على كل شخص بشكلٍ صحيحٍ، وهم في الواقع الأفضل، لأنهم يحترمون العدل كما هو مناسبٌ، في حين أنهم يعتقدون أن مَن تثبُت مسئوليتهم عن الجرائم التي ارتكبوها، فهم مكرهون، ويلزم مُعاقبتهم بما يتناسب مع الأفعال السيئة التي أُدِينوا بسببها. حسنًا، يا سيدي العزيز، هذا بالضبط ما يعتقد شعراؤك وكُتَّابك البارزون أيضًا حول هذا الشأن، فاِسمع إلى ما يقوله أحد حكمائنا: ’حماقة الرجل تعوج طريقه، وعلى الرب يحنق قلبه‘ (أم 19: 3). وبالتالي، إذا كان المرء خاليًا من الحماقة، فلن يُفسِد طريقه، ولن يتهم الطبيعة الإلهية على الإطلاق بأنها تحثه على ما حرمته تلك الطبيعة نفسها“.[59]

ويربط ق. كيرلس بين العدل والصلاح والرأفة في حادثة شفاء الرب يسوع لمريض بركة بيت حسدا قائلاً:

”لذلك كان حكم المخلص عادلاً وصالحًا ولم يعوقه حتى يوم السبت عن أن يكون رؤوفًا عطوفًا على العليل، لكنه إذ هو الإله يعرف كيف يتمم هذا الأمر؛ لأن الطبيعة الإلهية هي نبع الصلاح، وهذا ما فعله حتى يوم السبت“.[60]

مفهوم العقوبة الإلهية الشفائية

ينتقد ق. كيرلس الإسكندريّ القدرية والجبرية وإنزال العقوبات من قِبل الله في سياق حديثه عن ادعاء الشعراء الوثنيين الذين ينسبون المتاعب والشرور والانفعالات لآلهتهم الوثنية، حيث يقول هوميروس في أشعاره إن الإله ”ذياس“ يتحدَّث مع آلهة أخرى عن زنى ”إيجيستوس“، وعن الجزاء الذي يستحقه. ويا للأسف، كيف يتهم البشر الزائلون الآلهة باتهامات ثقيلة، ويقولون إن الشرور تأتي من الآلهة، وهكذا فإن أولئك يتألمون بعصيانهم، وليس من القَدَرَ. فلأيّ سبب ينسب البعض للآلهة متاعبهم، ولا ينسبونها إلى أخطائهم التي تُسبِّب لهم النكبات؟ فإذا اختار المرء أنْ يعيش حياة مُستقِيمة، وتكون حياته مملوءة بالحكمة واللياقة، فإن عليه أن يسلك بثباتٍ مُتخطِيًا الصعاب، وذلك بناءً على قراره الصحيح والمشورة المستقيمة، ولا يترك نفسه أسيرةً للأعمال الشريرة. لأن في مقدورنا أن نرى الاتجاهين، أقصد الخير والشرير. والذين يُقدِّرون الطريق الصحيح سوف يصلون إلى جمال الفضيلة، أمَّا الذين يحبسون أنفسهم في الشر ويُفضِّلون الظلم، هؤلاء يُفسِدون الحياة نفسها، ويكونون هم سبب هلاكٍ لأنفسهم.[61]

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري أيضًا في سياق تفسيره لشريعة القتل في الناموس الموسويّ عن مفهوم العقوبة الإلهية الممزوجة بالمحبة، حيث إذَّا حدث وقتل شخص أحد عن غير عمد، فإنَّ الناموس يُحاكِمه بعقوبة الهروب المستمر، إذ يمزج الله هنا العقوبة بمحبته للبشر؛ حيث لا يجعل عقوبة الجريمة التي هي عن غير قصد، في نفس مستوى جرائم العمد، لذلك أمر الناموس أن تُحدَّد ثلاثة مدن اسماها ”مدن الملجأ“ لكي يلجأ إليها الذين يرتكبون أخطاءً غير مقصودة. ويعقد مقارنة بين تلك الشريعة وبين الخطاة الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مُخالِفين لله، كما يقول الكتاب: ”لأنَّ تصوُّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته“ (تك8: 21). فكمَّا ساد ناموس الشهوة الجسدية غير الملجَّمة على أعضاء الجسد، هكذا تُعاقَب نفس الإنسان التعيسة، بالهرب من العالم ومن الجسد في منفى، كما لو كان في مدينةٍ بعيدةٍ. وهذا يُشِير إلى أقسام الأرض السفلى، أيّ الهاوية التي تنزل إليها النفس بالموت، كما حدث قديمًا، وقضت النفوس أزمنةً هناك، ولكن عندما جاء رئيس الكهنة المسيح ومات من أجل الجميع، نزل إلى الجحيم، وفتح أبوابه، وحرَّر النفوس من القيود.[62]

ويرى ق. كيرلس أن العقوبة الإلهية هي النتيجة الفعلية لحماقة البشر، وليست نتيجة عن مشورة الله أو إرادته كالتالي:

”رغم كل ذلك، فإنه أكرمه بنفس درجة إكرامه للباقين، وغسل قدميه أيضًا، مبينًا دائمًا علامات محبته، ولم يعط فرصةً للعقاب إلا بعد أن يكون استنفذ كل محاولات الإصلاح. ويمكنك أن تلاحظ أن هذه الصفة أيضًا هي خاصة بالطبيعة الإلهية. لأنه رغم أن الله يعرف ما سيحدث، إلا أنه لا يُوقِع عقابه قبل الأوان على أي إنسان. بل بالحري، بعد أن يصبر على الخاطئ لأطول مدة لازمة، حينما يرى أنهم لا ينتفعون من صبره عليهم، بل بالحري يظلون مُستمِرين في طريقهم الشريرة التي اختاروها بأنفسهم، فحينئذٍ يُعاقِبهم، مُبينًا أن عقابه لهم هو النتيجة الفعلية لحماقتهم وانحرافهم، وليس ناتجًا عن مشورته أو إرادته، فحزقيال يقول مثلاً: ’حي أنا يقول السيد الرب، إني لا أسر بموت الشرير، بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا‘ (حز 33: 11)“.[63]

ويدحض ق. كيرلس تعليم القدرية والجبرية مؤكدًا على ضرورة توافر حرية الإرادة في النفس، لأنها لو حادت عن الحق وفي طياشة تعدت مشيئة مُعطِي الناموس، فيقع عقاب تعديها عليها، فالعقوبة هي نتيجة التعدي والعصيان كالتالي:

”لأن كلمة التعليم تتطلب أن تتوفر للنفس الإرادة الحرة والاختيار الحر لكي تسعى لطلب المكافآت العادلة لأعمالها الصالحة، وهي إنْ حادت عن الحق، وفي طياشة تَعدَّت مشيئة مُعطِي الناموس، يقع عليها عقاب تعديها وهذا أمر معقول جدًا“.[64]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على عدم وجود الأذى في طبيعة الله كليّ الصلاح كالتالي:

”الله لا يؤذي إذ ليس في طبيعته أذى“.[65]

الخلاص بالأسرار

لا يتفق تعليم الخلاص بالأسرار مع تعليم البدلية العقابية، كما سنرى ذلك في تعليم البدلية العقبية عند چون كالفن، المعبِّر الحقيقيّ والمثاليّ عن نظرية ”البدلية العقابية“. حيث يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أننا عندما ننال سر المعمودية نرتفع من رتبة العبودية إلى البنوة، وبالاشتراك الحقيقيّ في الابن، دُعِينا إلى أن نرتفع إلى كرامة الابن لأننا أخذنا الولادة الجديدة بالروح القدس، ودُعِينا أبناءً لأننا مولودون من الله كالتالي:

”أمَّا الذين بالإيمان بالمسيح يصلون إلى البنوة التي من الله، فإنهم لا يعتمدون لمَّن هو مخلوق، وإنما يعتمدون للثالوث القدوس نفسه، وبواسطة الكلمة كوسيط، الذي اتَّحد بما هو إنسانيّ أي بالجسد، وفي نفس الوقت هو واحدٌ مع الآب بلاهوته، فهذا يجعلنا نرتفع من رتبة العبودية إلى البنوة، وبالاشتراك الحقيقيّ في الابن، دُعِينا إلى أن نرتفع إلى كرامة الابن لأننا أخذنا الولادة الجديدة بالروح القدس، وبالإيمان دُعِينا أبناءً لأننا مولودون من الله. […] فكيف يُقَال عننا – نحن الذين نُولَد في المعمودية – بواسطته، إننا مولودون من الله؟ فإمَّا أن يكون الإنجيليّ كاذبًا، وهو ليس كذلك، وإمَّا أن يكون صادقًا وهو كذلك بالتأكيد، وبذلك يكون الروح القدس هو الله، ومن الله بالطبيعة ونصبح نحن مستحقين بالإيمان بالمسيح أن نكون شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4)، ومولودين من الله، ومدعوين آلهةً، وليس بفضل النعمة فقط وحدها نرتفع إلى المجد الذي فوق طبيعتنا، بل لأنه قد صار لنا الآن سُّكنى الله وإقامته فينا“.[66]

ولكن يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندري على أننا بالإفخارستيا ننال شركة الله بالشركة في جسده الخاص كالتالي:

”فإن المن الرمزيّ لم يعد بعد يخصنا، لأنه ليس بحرف موسى نقتات بعد، بل لنا الخبز الذي من السماء، أي المسيح، يقوتنا إلى حياة أبدية، بواسطة زاد الروح القدس، وكذلك بشركة جسده الخاص، الذي يسكب فينا شركة الله، ويمحو الموت الذي حلَّ بنا من اللعنة القديمة“.[67]

ويتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري عن شركة الطبيعة الإلهية من خلال الاشتراك في البركة أي الإفخارستيا، وهذا لا يتفق مع تعليم البدلية العقابية الحقيقيّ، وليس كما يدَّعي البعض عن عناد وجهل كالتالي:

”حتى إذا ما اشتركوا في البركة التي منه، يصيرون شركاء الطبيعة الإلهية، وبذلك يُستعادون إلى الحياة وعدم الفساد، وتُعاد خلقتهم إلى حالة طبيعتنا الأولى“.[68]

وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس أننا نتناول اللاهوت المتَّحِد بالناسوت، لأن الناسوت لا يمكن أن يهبنا الحياة الأبدية والخلود، وهذا لا يمكن أن يتفق وتعليم البدلية العقابية الذي يرى أن المسيح عُوقِب مرةً واحدةً عن خطايانا بدلاً عنا، وبالتالي، لا يمكن تقديمه على المذبح كبديل عقابيّ في سر الإفخارستيا مرات عديدة على آلاف المذابح على مر العصور كالتالي:

”بسبب الجهل المطبق، فإن بعض الذين كان المسيح المخلص يعلمهم، قد استاءوا من كلماته. إذ أنهم حين سمعوه يقول: الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم (يو ٦: ٥٣)، ظنوا أنهم مدعوون إلى سلوك بربري وحشي، وكأنهم مدعوون إلى الاشتراك في أكل لحم إنسان، وشرب دمه، وأنهم سيضطرون إلى عمل أمور تثير الذعر لمجرد سماعها. لأنهم لم يعرفوا جمال السر، ولا ذلك التدبير البديع جدًا الخاص به. إلى جانب ذلك، فإنهم قد ناقشوا هذا الأمر مع أنفسهم، كيف يمكن للجسد البشري أن يغرس فينا حياة أبدية، كيف يمكن لشيء من نفس طبيعتنا أن يهب خلودًا؟ وإذ يعرف المسيح أفكارهم لأن كل شيء عريان ومكشوف لعينيه (عب ٤: ١٣)، فإنه يشفيهم مرة أخرى […] حتى أنهم متى أدركوا معنى المناقشة، ينصتون إليه، لا كمن ينصت إلى مجرد إنسان عادي فقط، بل يعرفون أخيرًا أنه هو الله الكلمة في الجسد، ويؤمنون أن جسده أيضًا واهب الحياة“.[69]

ويُشِير ق. كيرلس إلى أن المسيح يعطي جسده المتَّحِد بلاهوته في سر الإفخارستيا، وهذا لا يتسق وتعليم البدلية العقابية الذي يدَّعيه البعض عن جهل وعناد إنه موجود في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ كالتالي:

”وعلينا إذًا، كما يقول المخلص، ألا نعمل للطعام البائد، الذي إذا ما مر إلى الأمعاء، والذي يجعل العقل ينتشي لبرهة وجيزة جدًا بأتفه الملذات، فإنه يتحول إلى نفاية، وسرعان ما يُقذَف خارج البطن مرة أخرى، لكن الطعام الروحي، الذي يسند قلب الإنسان (مز ١٠٤: ١٥)، يحفظ الإنسان إلى حياة أبدية، الذي وعد المسيح أيضًا أن يهبه لنا قائلاً: الذي يعطيكم ابن الإنسان، إذ إنه يتكلم عن جسده المتحد بلاهوته، وبذلك يكون قد ربط كل سر التدبير بالجسد، في ترتيبه الصحيح. لكنه في رأيي يلمح إلى الطعام السري الأكثر روحانيةً، الذي بواسطته نحيا فيه، مُقدَّسين نفسًا وجسدًا، لكننا سوف نراه يتكلم بعلانية أكثر فيما بعد. وعلينا أن نحفظ الحديث لوقته ومكانه المناسبين“.[70]

يُؤكِّد ق. كيرلس على أن طبيعة الجسد وحده لا تهب الحياة، بل باتحاد الكلمة بالجسد، فإنه يصير واهب للحياة بالكلية، وذلك في سياق تأكيده على أننا نتناول اللاهوت المتَّحِد بالناسوت، أي المسيح كله، في سر الإفخارستيا كالتالي:

”لكن حينما تمعنون النظر في سر التجسُّد، وتعرفون مَن هو ذاك الذي حلَّ في هذا الجسد، ستشعرون حتمًا أن الجسد يمكنه أن يهب الحياة، مع أن الجسد في حد ذاته لا يفيد شيئًا البتة إلا إذا أتهمتم الروح الإلهي نفسه – الذي في الجسد – أنه هو أيضًا لا يفيد شيئًا. لأنه إذ اتحد الجسد بالكلمة مُعطِي الحياة، فقد صار واهبًا للحياة كلية، مرتفعًا إلى قوة الطبيعة الأكثر علوًا، دون أن يجبر ذاك الذي لا يمكن إخضاعه بأي حال للتحول إلى طبيعة الجسد الخاصة، برغم أن طبيعة الجسد في حد ذاتها عاجزة عن أن تعطي حياة من ذاتها، ومع هذا فهي تقدر على فعل ذلك، حينما يصير لها الكلمة مُعطِي الحياة، وتكون مفعمة بفاعليته كلها. لأن هذا الجسد هو جسد ذاك الذي هو الحياة بالطبيعة، وليس جسد أي كائن أرضي الذي يُقال عنه حقًا: الجسد فلا يفيد شيئًا“.[71]

يتحدَّث ق. كيرلس أيضًا عن تناول الجسد الذي له في ذاته الكلمة (اللاهوت) الذي هو الحياة بالطبيعة، هذا التعليم يرفضه تعليم البدلية العقابية تمامًا، لأن المسيح مات مرةً واحدةً على الصليب بديلاً عقابيًا عن خطايانا، وبالتالي، لا يمكننا أن نذبحه ونُقدِّمه كبديل عقابيّ مرات ومرات على آلاف المذابح في آلاف القداسات على مر العصور كالتالي:

”لهذا فإن كل مَن يأكل من الجسد المقدَّس الذي للمسيح، فله حياة أبدية، لأن الجسد له في ذاته الكلمة الذي هو الحياة بالطبيعة. لهذا يقول: وأنا أقيمه في اليوم الأخير. وبدلاً من القول: جسدي سوف يقيمه، أي يقيم مَن يأكل هذا الجسد، قد وضع الضمير أنا في عبارة ’أنا أقيمه‘ لا كأنه هو آخر غير جسده الخاص، لأنه بعد الاتحاد لا يمكنه أبدًا أن ينقسم إلى ابنين. لهذا يقول أنا الذي صرت فيه من خلال جسدي الخاص نفسه، أي أنني سوف أقيم في اليوم الأخير، ذاك الذي يأكل جسدي، لأنه كان من المستحيل حقًا أن ذاك الذي هو الحياة بالطبيعة، ألا يقهر الفساد بشكلٍ أكيد، وألا يسود على الموت“.[72]

يُؤكِّد ق. كيرلس أننا بتناولنا للإفخارستيا نستقبل في داخلنا كلمة الآب الذي صار إنسانًا لأجلنا، هذا التعليم لا نجد له محل في تعليم البدلية العقابية، كما نادى به أصحابه، وخاصةً چون كالفن، كما سوف نستعرضه فيما يلي، والذي يحاول البعض دون وعي إلصاقه زورًا وبهتانًا بالقديس كيرلس الإسكندريّ كالتالي:

”لأن كل نعمة وكل موهبة تامة تأتي إلينا من الآب بالابن في الروح القدس. إذًا، فهذا العمل كان نموذجًا لنا لكي نستخدمه في الصلاة التي ينبغي أن تُقدَّم، كلما بدأنا أن نضع أمامه نعمة التقدمة السرية المحيية [أي الإفخارستيا]، وتبعًا لذلك فإننا اعتدنا أن نفعل هذا، لأننا إذ نُقدِّم أولاً تشكراتنا، مقدمين تسابيحنا لله الآب ومعه الابن والروح القدس، فإننا نقترب هكذا من الموائد المقدَّسة مؤمنين أننا ننال حياة وبركة، روحيًا وجسديًا، لأننا نستقبل في داخلنا كلمة الآب الذي صار إنسانًا لأجلنا، والذي هو الحياة ومُعطِي الحياة“.[73]

 

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم جون كالفن

سوف نستعرض في هذا الفصل تعليم الكفارة والفداء والبدلية العقابية في تعليم چون كالفن لعمل مقارنة بين تعليمه وتعليم ق. كيرلس الإسكندريّ عن تدبير الخلاص لنعرف هل هناك تعليم بدلية عقابية عند ق. كيرلس الإسكندريّ، كما يتوهم البعض، ويحاول إيهام الآخرين بذلك؟

مفهوم نظرية البدلية العقابية

سوف نستعرض مفهوم ”البدلية العقابية“ عند چون كالفن مُؤسِّس الكنيسة الكالفنية، وأحد أهم الدعائم التي ترتكز عليها الكنيسة المشيخية المصلِحة في شرحها لعقيدة الكفارة والفداء، ثم سوف نقوم بطرح الاعتراضات على نظرية ”البدلية العقابية“ في منظورها الغربيّ البروتستانتيّ في شرح عمل المسيح الخلاصيّ على الصليب.

يرى چون كالفن أن الخطأة واقعون تحت غضب الله ولعنته حتى يغفر ذنبهم. ولما كان الله قاضيًا بارًا، فهو لا يسمح بكسر شريعته بدون عقاب، بل هو على أهبة الاستعداد للمعاقبة.[74] ولأن الإنسان انفصل عن الله بسبب الخطية، وأصبح وارثًا للدينونة، وتحت لعنة الموت الأبدي، محرومًا من كل رجاء بالخلاص، بعيدًا عن كل بركة من الله، عبدًا للشيطان، أسيرًا تحت نير الخطيئة، مصيره النهائيّ هلاك مروع بدأ يعمل فيه منذ الآن؛ وبينما الإنسان في هذه الحال، شفع المسيح له كمحامٍ، واحتمل في جسده العقاب الذي كانت دينونة الله العادلة تُنذِر بإنزاله بكل الخطاة؛ وطهَّره بدمه من كل الشرور التي جعلته مكروهًا عند الله؛ وهكذا من خلال كفارة المسيح نال رضا الله الآب، وقُبِلَت ذبيحة المسيح المقدَّمة لأجله. وهدَّأ المسيح غضب الله بشفاعته التي بها حلَّ سلام الله على البشر.[75]

يُشِير چون كالفن إلى أنه بمعزل عن مسرة الله لا يقدر المسيح أن يستحق شيئًا. لكن استحقاقه جاء من كونه عُيَّن ليسترضي غضب الله من خلال ذبيحته، وليمحو تعدياتنا بطاعته. باختصار: بقدر ما كان استحقاق المسيح يعتمد على نعمة الله وحدها التي رسمت لنا طريقة الخلاص هذه، فهي تتعارض تمامًا مع كل البرّ البشريّ بقدر ما نعمة الله تتعارض.[76] وهذا يعني أننا نحن الذين ”بالطبيعة أبناء الغضب“ (أف 2: 3) ومُبعدين عنه بسبب الخطيئة، قد نلنا من خلال ذبيحة المسيح التبرير المجاني واسترضينا الله وسكَّنا غضبه.[77] فإنْ كانت نتيجة سفكه دمه هي عدم نسبة خطايانا إلينا، يكون أنه قد تمَّ إرضاء دينونة الله من خلال هذا الثمن.[78] فلو لم يصنع المسيح تكفيرًا عن خطايانا، لما كان قيل إنه أرضى الله عن طريق حمله العقاب الذي خضعنا له.[79] ويُعلِن الرسول بوضوحٍ أن المسيح قد دفع الثمن ليفدينا من عقاب الموت،[80] فالله [الآب] قدَّم ثمن الفداء في موت المسيح، ثم يدعونا إلى الالتجاء إلى دم المسيح، بحيث بعد أن نلنا البرَّ يمكننا أن نقف مطمئنين أمام عرش الله.[81]

مفهوم الترضية وإيفاء العدل الإلهي

يتحدَّث چون كالفن عن عمل المسيح في المصالحة بين الله والإنسان من خلال طاعة الله، وإرضاء عدالة دينونة الله، واحتماله قصاص الخطيئة، وتتجلى بذلك أوضح صور ”البدلية العقابية“ من تقديم جسد المسيح أي جسدنا ثمنًا لإرضاء دينونة الله، ودفع عقوبتنا في هذا الجسد، كالتالي:

”المطلب الثاني لمصالحتنا مع الله هو أن الإنسان الذي ضلَّ بعصيانه، مُطالَب بإصلاح الوضع عن طريق طاعته، وإرضائه عدالة دينونة الله، واحتماله قصاص الخطيئة. لهذا السبب، جاء ربنا كإنسان حقيقي وأخذ طبيعة آدم واسمه، ليأخذ مكان آدم في طاعة الآب، ويُقدِّم جسدنا ثمنًا لإرضاء دينونة الله العادلة، وليدفع في هذا الجسد ذاته العقوبة التي نستحقها نحن“.[82]

يُشِير چون كالفن إلى إرضاء المسيح لغضب الله الآب العادل من خلال تقديم جسده ذبيحةً لمحو ذنبنا كالتالي:

”إنَّ طبيعتنا المشتركة مع المسيح هي الضمان لشركتنا مع ابن الله، وهو إذ لبس طبيعتنا هزم الموت والخطيئة معًا جاعلاً من هذا الانتصار والغلبة ملكًا لنا، وقدَّم الجسد الذي نال منا، ذبيحةً لكي يمحو ذنبنا من خلال كفارته وإرضائه غضب الله العادل“.[83]

يُوضِّح چون كالفن أيضًا ملمح الغضب في ”البدلية العقابية“ وترضية غضب الله بكفارة المسيح قائلاً:

”فيسوع كوسيط طاهر وبلا عيب، يريد من خلال قداسته أن يُصالِحنا مع الله. لكن تمنعنا لعنة العدالة الإلهية من الاقتراب منه، والله بصفته قاضيًا، غاضب علينا. لهذا السبب، لابد من إدخال الكفارة لكي ينال المسيح ككاهن رضا الله من نحونا ويسترضي غضبه. لهذا السبب – بغرض أن يُتمِّم وظيفته – كان عليه أن يتقدَّم بذبيحة“.[84]

يستطرد كالفن أيضًا للحديث عن التبرير المجاني بذبيحة المسيح واسترضاءنا وتسكيننا لغضب الله من خلالها قائلاً:

”وهذا يعني أننا نحن الذين ’بالطبيعة أبناء الغضب‘ (أف٢: ٣) ومُبعَدين عنه بسبب الخطيئة، قد نلنا من خلال ذبيحة المسيح التبرير المجانيّ، واسترضينا الله وسكَّنا غضبه“.[85]

مفهوم الغضب والعقوبة

يستطرد چون كالفن أيضًا شارحًا ملمح العقوبة والغضب، وضرورة بحث الإنسان عن وسائل يسترضي بها غضب الله عليه، وأن الله لا يغفر الخطايا بدون عقاب، وأنه على استعداد دائم للمعاقبة كالتالي:

”لا أحد يغوص في أعماق ذاته، ويتأمل نفسه بجدية من دون أن يشعر بغضب الله عليه، وبأنه يُعادِي الله. ولهذا، يجب أن يسعى بجدية وراء طرق ووسائل يسترضي بها الله، وهذا يتطلب تكفيرًا عن الخطيئة. والضمانة المرجوة هي ضمانة غير عادية، فالخطأة واقعون تحت غضب الله ولعنته حتى يغفر ذنبهم. ولما كان الله قاضيًا عادلاً، فهو لا يسمح بكسر شريعته بدون عقاب، بل هو على أهبة الاستعداد للمعاقبة“.[86]

مفهوم اللعنة

يتحدَّث چون كالفن عن ملمح اللعنة في ”البدلية العقابية“، وكيف تم محو اللعنة بالتكفير عن الإثم من خلال ذبيحة جسد المسيح والتطهير بدمه كالتالي:

”فالبشر كانوا تحت اللعنة إلى الوقت الذي تم فيه التكفير عن إثمهم من خلال الذبيحة (غل٣: ١٠، ١٣) لقد كانوا غرباء عن الله إلى الوقت الذي تصالحوا فيه معه من خلال جسد المسيح (كو١: ٢١- ٢٢) […] فلو لم يكن مُعلنًا بوضوحٍ أن غضب الله وعقابه، والموت الأبديّ هو من نصيبنا، لكان مِن النادر أن نُدرِك كم حياتنا تعيسة بدون رحمة الله […] وبينما هو (الخاطئ) في هذه الحال، شفع المسيح له كمحامٍ، واحتمل في جسده العقاب، الذي كانت دينونة الله العادلة تُنذِر بإنزاله بكل الخطاة، وطهَّره بدمه من كل الشرور التي جعلته مكروهًا عند الله، وهكذا نال من خلال كفارة المسيح رضا الله الآب، وقُبِلت ذبيحة المسيح المقدَّمة لأجله. وهدَّأ المسيح غضب الله بشفاعته التي بها حلَّ سلام الله على البشر“.[87]

حمل المسيح لإنتقام الله العادل

يتحدَّث چون كالفن في سياق فكرة ”المبادلة العقابية“ حيث تتمُّ المبادلة بين المسيح وبيننا ليحمل عنا انتقام الله العادل كالتالي:

”وهكذا تمت تبرئتنا: فالذنب الذي جعلنا مدينين للقصاص نُقِلَ إلى ابن الله (إش٥٣: ١٢)، ويجب أن نتذكر، فوق كل شيء، هذه المبادلة، لئلا نرتجف ونقلق كل حياتنا، كما لو أن انتقام الله العادل، الذي حمله ابن الله، مازال مُتسلِطًا فوق رؤوسنا“.[88]

مفهوم الذبيحة

ويُشِير چون كالفن إلى ذبيحة المسيح كذبيحة تكفيرية قدَّمها المسيح للآب في الموت، لكي يُدمِّر الآب قوة الخطية بنقل لعنة الخطيئة إلى جسد المسيح كالتالي:

”فقد دمَّر الآب قوة الخطيئة عندما نقل لعنة الخطيئة إلى جسد المسيح، من هنا معنى هذا القول: قُدِّمَ المسيح إلى الآب في الموت كذبيحة تكفيرية، بحيث إنه إذ أتمَّ التكفير من خلال ذبيحته، يُمكِننا أن نكف عن الخوف من دينونة الله“.[89]

مفهوم التبرير بالدم

يتحدَّث چون كالفن أيضًا عن التبرير بدم المسيح المسفوك لأجلنا ليغسلنا من فسادنا كالتالي:

”فنحن لا نقدر أن نؤمن بكل يقين أن المسيح هو فداؤنا، وفديتنا، والكفارة عنا، ما لم يكن قد قُدِّمَ كذبيحة […] ولذلك هناك إشارة إلى الدم في كل مرة يبحث الكتاب المقدَّس طريقة الفداء. لكن دم المسيح المسفوك لم يكن تكفيرًا فحسب، بل مغسلة أيضًا ليغسلنا من فسادنا“.[90]

مفهوم العداوة والمصالحة

ويتحدَّث چون كالفن عن طريقة مُصالحتنا مع الله الذي كان يُبغِضنا بسبب الخطية بطاعة المسيح، وتكفيره، وعقابه عنا لنوال استحقاقات فداء المسيح كالتالي:

”إنَّ المسيح بطاعته، نال لنا حقًا النعمة عن استحقاق مع أبيه. […] وأنا أُسلِّم جدلاً بأنه في حال صنع المسيح تكفيرًا لخطايانا، إذ هو دفع العقاب الذي علينا، إذ هو سكَّن غضب الله بطاعته – باختصار إذ هو كإنسان بار تألم لأجل الأشرار – فهو اكتسب الخلاص لنا من خلال بره الذي هو مُساوٍ لاستحقاقه. لكن كما يقول بولس: ’قد صُولِحنا مع الله بموت ابنه‘ (رو٥: ١٠- ١١). لكن لا تحصل المصالحة إلا حيث تسبقها الإساءة. فيكون المعنى كالتالي: الله الذي كان يُبغضِنا بسبب الخطيئة، رضى عنا من خلال موت ابنه، وصار مُؤيِّدًا لنا“.[91]

مفهوم الثمن

يُشِير چون كالفن إلى دم المسيح كثمن إرضاء دينونة الله، والتبرير بالدم، وتسكين غضب الله قائلاً:

”فإنْ كانت نتيجة سفكه دمه هي عدم نسبة خطايانا إلينا، يكون أنه قد تم إرضاء دينونة الله من خلال هذا الثمن […] وهذا يُظهِر بسهولة أن نعمة المسيح تضعف قيمتها كثيرًا ما لم تمنح ذبيحته القوة على التكفير، وتسكين الغضب، وإرضاء الله […] فلو لم يصنع المسيح تكفيرًا عن خطايانا، لما كان قيل إنه أرضى الله عن طريق حمله العقاب الذي خضعنا له“.[92]

ويتحدَّث چون كالفن عن مبدأ ”التعويض“ عن خطايانا بدفع الثمن لله أي دم المسيح كالتالي:

”فالله قدَّم ثمن الفداء في موت المسيح، ثم يدعونا إلى الالتجاء إلى دم المسيح [….] وهذه المقارنة لا تنطبق لو لم يكن هناك تعويض قد تمَّ عن خطايانا بهذا الثمن [….] ما لم يُوضَع عليه العقاب الذي نستحق، لهذا السبب، يُسمِي الرسول الفداء بدم المسيح ’غفران الخطايا‘ […] وقد أشار هناك إلى الجزاء أو التعويض الذي يعفينا من الذنب“.[93]

ويتحدَّث چون كالفن عن الثمن الذي دفعه المسيح بموته كدليل على إرضاء الله كالتالي:

”ولكي يأخذ عنا الدينونة، لم يكن كافيًا بالنسبة إليه أن يموت ميتة عادية، فلكي يدفع ثمن فدائنا كان لابد من اختيار نوع من الموت، يُمكِنه من خلاله أن يُحرِّرنا عن طريق أخذه عنا دينونتنا وحمله ذنبنا. […] لما كان في ذلك الموت دليل إرضاء لله“.[94]

مفهوم التبرير القانوني

يُقَال، بحسب چون كالفن، إنه مُبرَّر في عيني الله، مَن يحسبه الله في حكمه مُبرَّرًا، ومَن قُبِلَ من أجل بره هو. في الحقيقة، لأن الخطيئة رجس في عيني الله، لا يستطيع خاطئ أن يكون مرضيًا عنده ما دام يظل خاطئًا. وأينما كانت الخطيئة ظهر غضب الله ونقمته أيضًا. ويُحسَب مُبرَّرًا مَن لا يُعتبر في حالة خاطئ، بل في حالة إنسان بار، ولهذا السبب، يقف ثابتًا أمام كرسي دينونة الله فيما يسقط جميع الخطاة. فإذَا دُعِيَ إنسان بريء أمام كرسي قضاء قاضٍ مُنصِفٍ، حيث يُقضَى له على أساس براءته، يُقَال إنه ’مُبرَّر‘ أمام القاضي. وهكذا يقف مبرَّرًا أمام الله مَن قد تحرَّر من زمرة الخطاة فيشهد الله لبره ويُؤكِّده. وبالطريقة نفسها، مَن وُجِدت حياته في الطهارة والقداسة التي تستحق أن يُشهد لها بالبر أمام عرش الله، يُقَال إنه مُبرَّر بالأعمال، أو هو مَن بقداسة أفعاله يُرضِي قضاء الله. على العكس، إن مَن لا يفي مقاييس برّ الأعمال، فيتمسك بالبرِّ الذي في المسيح بالإيمان، فيلبسه، فهذا هو مَن لا يبدو في نظر الله كإنسان خاطئ، بل كإنسانٍ بار. فالتبرير هو ببساطة القبول الذي يستقبلنا به الله في رحاب نعمته كأبرار. وإنه يعود إلى محو الخطايا ببرِّ المسيح.[95]

البدلية والعقابية ودحض الإفخارستيا كذبيحة

يرى چون كالفن في سياق تعليم البدلية العقابية أن الإفخارستيا ليست ذبيحة، لأننا بذلك نذبح المسيح عدة مرات في كل مرة نُقدِّم فيها ذبيحة الإفخارستيا على المذابح في القداس، وهذه معضلة تواجه المنادين عن جهل بأن ق. كيرلس الإسكندريّ لديه تعليم البدلية العقابية، حيث يرفض تعليم البدلية العقابية في صورته الصحيحة، وليس كما يدَّعي هؤلاء عن جهل، فكرة تقديم الإفخارستيا كذبيحة لأن المسيح مات مرةً واحدة بديلاً عقابيًا عن الخطأة، وبالتالي لا يمكن تقديمة مرات عديدة على المذابح في القداسات كذبيحة، فلا يحتاج المرء سوى أن يؤمن بعمل المسيح الكفاريّ فقط على الصليب، وبالتالي لا يوجد ضرورة للأسرار في نظام البدلية العقابية، وهذا عكس ما يُعلِّم به ق. كيرلس الإسكندريّ، الذي يرى ضرورة الإفخارستيا كسر الاتحاد بين الله والإنسان من أجل التقديس ونوال الحياة الأبدية والتألُّه، وهذا إنْ دل يدل على جهل هؤلاء بمعنى تعليم البدلية العقابية ومخاطره على إنكار الأسرار الكنسية برمتها. حيث يقول چون كالفن التالي:

”فهكذا أيضًا أكَّد الرب بموته العهد الذي وهن لنا به مغفرة الخطايا والبرّ الأبديّ (عب 9: 15-17). فكل مَن يُغيِّر أو يضيف شيئًا جديدًا إلى وصية هذه التركة، يُنكِر موته ويُبطِل فاعليتها. وما القداس سوى وصية جديدة مختلفة تمام الاختلاف؟ لماذا؟ ألا تُعدَّ القداديس الفردية مغفرة جديدة للخطايا، وحصولاً جديدًا على البرّ، بحيث يوجد الآن العديد من العهود الجديدة بقدر عدد القداديس؟ لذلك، دع المسيح يأتي ثانيةً، وبموتٍ جديدٍ دعه يُصادِق على هذا العهد الجديد؛ أو بالحري بموتٍ متعدِّدٍ وبعهودٍ جديدةٍ لقداديس لا تُحصَى دعه يجيء. ألم أقل الحق في بداية الأمر، أن موت المسيح الفريد والحقيقيّ تمحوه القداديس؟ ماذا إنْ كان منطق القداس يقود مباشرةً إلى أن يُذبَح المسيح مرةً أخرى (بل مرات)، إنْ أمكن ذلك؟ لأنه حيث توجد وصية (يقول الرسول) يلزم بيان موت الموصِي (عب 9: 16). يعرض القداس وصية جديدة للمسيح؛ ومن ثمَّ، يقتضي موته. فضلاً عن ذلك، يلزم أن تُذبَح الذبيحة التي تُقدَّم. فإنْ كان المسيح يُذبَح كلما أُقيم قداس، فمن المحتم أنه يُذبَح بوحشيةٍ في ألف مكان في كل لحظة“.[96]

 

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثالث: البدلية العقابية في إقرارات الإيمان البروتستانتية

تجدر الإشارة إلى إقرارات الإيمان البروتستانتية التي توضح أيضًا مفهوم البدلية العقابية الذي شرحه چون كالفن، كما عرضناه سابقًا، وهذا لنرى أنه شتان بين تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ عن تدبير الخلاص بالتأله والانجماع الكليّ في المسيح، وبين نظرية الإبدال العقابيّ في اللاهوت الغربيّ البروتستانتيّ، الذي يحاول البعض إلصاقها عن جهل ودون وعي بتعليم ق. كيرلس الإسكندريّ.

يتحدَّث إقرار إيمان الكنيسة اللوثرية، المعروف بـ ”إقرار إيمان أوجسبرج 1531م“، في سياق نظرية البدلية العقابية، وذلك في المادة الثالثة، أن المسيح لم يمت كفارةً عن الخطية الأصلية فقط، بل كفارةً لكل الخطايا، وهو بذلك يُصالِحنا مع الآب.[97]

وتتجلى أقوى معاني البدلية العقابية في إقرار الإيمان البلچيكيّ 1561م، حيث يتحدَّث في المادة التاسعة عشر عن أن الله أظهر عدله ورحمته في المسيح، فأظهر عدله ضد ابنه عندما حمل خطايانا، وسكب رحمته علينا في محبته، إذ أعطانا ابنه حتى الموت لأجلنا لننال به الخلود والحياة الأبدية. ويستطرد في نفس السياق، وذلك في المادة العشرين، أن الله يُظهِر عدله ورحمته في المسيح، فيقول التالي: إن الله الذي هو رحوم تمامًا وعادل تمامًا أرسل ابنه ليأخذ الطبيعة التي اقتُرِفَت فيها عدم الطاعة ليُقدِّم إرضاءً عن عقاب الخطية بآلامه وموته، وبذلك أظهر عدله ضد ابنه، إذ وضع عليه خطايانا، وسكب رحمته وصلاحه علينا. فمات ابنه لأجلنا وقام لتبريرنا لننال به الخلود والحياة الأبدية.[98]

ويتحدَّث كاتشيزم هيدلبرج عام 1563م عن الفداء من السؤال الأول إلى السؤال الحادي والعشرين، فيُبرِز قوتين: العدل والرحمة. عدل الله يُعاقِب ورحمة الله التي تغفر. وهذه هي صورة الله التي نجدها في الفكر اللاهوتيّ في الكنيسة الكاثوليكية والكنائس البروتستانتة على السواء، وكأنَّ هناك تعارُّض في طبيعة الله. إن كلمة ”برّ“ التي جاءت في العهد القديم فُهِمَت بمعنى ”عدل“، أي إعطاء كل ذي حق حقه بالضبط، كصورة إلهة العدل التي يُصوِّرونها أمام المحاكم معصوبة العينين وتحمل كفتي ميزان! إلا أن برّ الله كما يُقدِّمه لنا الكتاب المقدَّس فيه جانب شخصيّ لا يخضع للمنطق البشريّ.[99]

ونعرض الإجابات على أسئلة الكاتشيزم، ليظهر مفهوم البدلية العقابية كالتالي:

”يستلزم الله تحقيق عدله، ولذلك يتوجب علينا أن نُسدِّد الثمن كاملاً، إمَّا بأنفسنا أو بواسطة آخر. […] لن يُعاقِب الله أي مخلوق آخر بسبب الخطية التي اقترفها الإنسان، وعلاوة على ذلك، لا يمكن لمجرَّد مخلوق أن يتحمَّل وطأة غضب الله الأبديّ على الخطية حتى يُخلِّص الآخرين منه. ما شكل الوسيط والمخلِّص إذًا الذي يجب أن نبحث عنه؟ يجب أن يكون إنسانًا حقًا وبارًا تمامًا، ومع ذلك، يجب أن يكون أقدر من جميع المخلوقات؛ أي يجب أن يكون أيضًا إلهًا حقًا. لماذا يجب أن يكون إنسانًا حقًا وأيضًا بارًا تمامًا؟ لأن عدل الله يتطلب أن نفس الطبيعة البشرية التي ارتكبت الخطية، ينبغي كذلك أن تُسدِّد ثمن الخطية؛ والشخص الذي هو نفسه خاطئ لا يستطيع أن يُسدِّد الثمن عن الآخرين. لماذا يجب أن يكون أيضًا في نفس الشخص إلهًا حقًا؟ لكي يقدر بقوة ألوهيته أن يتحمل بطبيعته البشرية وطأة غضب الله، وأن يحصل من أجلنا على البرّ والحياة ويستعيدهم لنا. مَنْ هو، إذًا، ذلك الوسيط الذي هو في شخصٍ واحدٍ إلهٌ حقًا وإنسانٌ بارٌ حقًا؟ إنه ربّنا يسوع المسيح الذي صار لنا حكمةً من الله وبرًا وقداسةً وفداءً“.[100]

ونرى ملمح ترضية العدل الإلهيّ بذبيحة الابن في إقرار إيمان وستمنسر 1646م، فيُشِير في المادة الثامنة إلى التالي:

”أن الربَّ يسوع بواسطة طاعته الكاملة، وذبيحة نفسه، الذي بروحٍ أزليّ، قدَّمها لله مرةً، وقد أرضى تمامًا عدل أبيه، واشترى ليس فقط المصالحة، بل ميراثًا في ملكوت السموات، لأجل كل الذين قد أعطاهم له الآب“.[101]

 

 

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على نظرية البدلية العقابية في اللاهوت الغربي

نستعرض الآن أهم الانتقادات والاعتراضات الموجَّهة لنظرية ”الإبدال العقابيّ“ في شرح عمل المسيح على الصليب كالتالي:

(1) نجد في ملمح الغضب في سياق ”الإبدال العقابيّ“، تحويل أقانيم الثالوث إلى الآب الساحق والابن المسحوق، أو إلى الآب الغاضب والابن المغضوب عليه، الذي يُسكِّن غضب الآب ويُهدئ من غضبه، وهذا يُعتبر فصل بين أقنومي الآب والابن في جوهر الثالوث الواحد، وهذه هي الهرطقة الآريوسية عينها.

(2) لا نجد أيّ دور لأقنوم الروح القدس في عملية الترضية، والتعويض، والعقوبة، ودفع الثمن. تلك الأمور التي قدَّمها الابن للآب، ولا وجود ولا حضور جلي لأقنوم الروح القدس في تلك الأمور، مما يؤدي إلى التقليل من شأن أقنومية الروح القدس، وهذه هي الهرطقة الأفنومية والمقدونية.

(3) إخضاع الله لقوانين وشروط مُلزِمة له في عملية قبول الثمن والتعويض، وضرورة قبول الترضية لأجلنا. وحاشا لله أن يخضع لمثل هذه القوانين والشروط. فالله غير المحدود، وخالق الكل، وواضع النواميس، كيف يمكن إخضاعه لقوانين ونواميس؟ حاشا.

(4) تقديم صور مُشوَّهة وثنية صنمية عن الله تُظهِره أنه إله غاضب على البشر، ويكرههم، ويبغضهم بسبب خطاياهم، رغم أنه لا توجد مثل هذه المشاعر والأهواء في جوهر الله، فهل الغضب صفة من صفات الجوهر الإلهي؟ وتُظهِر ”البدلية العقابية“ الله إنه يحتاج مَنْ يُهدئه ويُسكِّن غضبه، ويجعله يعود يحب البشر مرةً أخرى بعدما أبغضهم بسبب خطاياهم!

(5) كيف يمكن نقل جميع ذنوب البشر إلى جسد المسيح، بالرغم من أنه القدوس بلا خطية، وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، بل بالحري أتَّخذ المسيح جسدًا مائتًا لكي يهبه الحياة الأبدية بحياته، وموته، وقيامته، وصعوده، وجلوسه عن يمين الآب، وليس بمُجرَّد حمل الخطايا في جسده الطاهر من الخطية ليُعاقَب بها في جسده لأجلنا كما يتحدَّث منظرو ”البدلية العقابية“.

(6) تلغي ”البدلية العقابية“ مفاعيل الأسرار الكنسية الخلاصية كالمعمودية، والميرون، والتناول، لأنه بحسب ”البدلية العقابية“ تم إيفاء الدَّين ودفع الثمن بموت المسيح، فما الحاجة لأن نموت مرةً أخرى، ونُدفَن، ونقوم في المعمودية، بعدما مات المسيح عنا مرةً واحدةً. ولماذا نُمارِس القداسات ونُكرِّر ذبيحة وصلب وعقاب المسيح مرات ومرات على المذابح، طالما تمَّ العقاب والترضية والإيفاء على الصليب، فلا حاجة لمثل هذه الطقوس في سياق نظرية ”البدلية العقابية“ ومفاهيمها وشروحاتها. البدلية العقابية باختصار تدحض وتلغي أسرار الكنيسة.

(7) تُشرِّع، وتُكرِّس، وتُحرِّض ”البدلية العقابية“ على العنف، والتعذيب، والعقاب، والتشفي، وإرضاء الذات، فطالما الله يُعاقِب ابنه لأجل البشر، ويُنزِل جام غضبه على الابن لأجلنا، ويُنزِل العقاب عليه لأجلنا، فهذا خير مُرشِد ودليل لنا لتقليد الله ومحاكاته بإنزال العنف والعقاب والغضب على أبنائنا أيضًا. صور مُشوَّهة، ووثنية، وعنيفة، عن الله الصالح مُحِب البشر.

(8) تُؤدِي البدلية العقابية إلى صراع الصفات داخل الجوهر الإلهيّ الواحد، ما بين محبته ورحمته، وعدله وقصاصه من البشر الخطاة العصاة، وهكذا تُحدِث ”البدلية العقابية“ انقسام وانفصام داخل الجوهر الإلهيّ بين صفتي العدل والرحمة، وإلى تقسيم الله إلى إله غاضب وقاسي ومُنتقِم وكاره، وإله مُحِب وصالح ورحيم ورؤوف، وهذه هي الهرطقة الغنوصية والمانوية عينها. وهذا لا يليق بالله، وحاشا أن يوجد داخل الجوهر الإلهيّ. بل تجعل البدلية العقابية من الآب هو العدل، والابن هو الرحمة، والروح القدس هو التقديس، ويؤدي هذا إلى انقسام داخل جوهر الثالوث القدوس.

(9) تُركِّز نظرية البدلية العقابية على موت المسيح، ولا تُعطِي أية أهمية لقيمة وتأثير قيامة المسيح، وهذا يُمثِّل عدم اكتمال في إدراكنا لموت المسيح على الصليب. حيث تسلط البدلية العقابية الضوء على موت المسيح على الصليب كأكبر حدث للخلاص، وهكذا يطغى على كل شيء آخر، فكل شيء تحقَّق بموت المسيح فقط دون غيره.

(10) ترى نظرية البدلية العقابية أن المشكلة في الله ونظرة الله للإنسان، لأن الفداء صار علاجًا لإرضاء كرامة الله المهدرة، وليس علاجًا للإنسان، رغم أن المشكلة هي مشكلة الإنسان في الأساس، والله يُساعِده في حل هذه المشكلة. فترضية الله نفسه ومحو الإهانة والتعدي عليه بالخطية، وبالتالي رد الكرامة إليه، ينفي المحبة الإلهية والجود الإلهيّ، لأنه صارت غاية الكفارة والفداء هي إرضاء الله ورد كرامته المجروحة والمعتدَى عليها من قِبَل الإنسان.

(11) لو مات المسيح لإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، وإنْ كان قضاء الموت على آدم هو قضاء أبديّ، فينبغي أن يبقى المسيح إلى الأبد في قبضة الموت، وهذا لم يحدث، بل المسيح وطئ الموت بالموت، وقضى على سلطانه إلى الأبد.

(12) تأليه الخطية، حيث ينسب المنادين بنظرية البدلية العقابية صفة عدم المحدودية الحصرية والخاصة بالله إلى الخطية، ويقولون إن خطية الإنسان غير محدودة، ونسوا أن الله فقط غير المحدود، وهكذا يجعلون من الخطية إلهًا ثانيًا.

(13) ينبغي أن يدفع الابن للآب الثمن أو الدَّين في سياق نظرية البدلية العقابية وإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، على الرغم من أن الآب لا يحتاج لمَّن يدفع له شيئًا، لأن الآب والابن والروح القدس جوهر واحد وطبيعة واحدة ومشيئة واحدة. كما أن الابن هو فوق الكل وغير قابل للمقايضة بالخطأة بحسب نظرية الإبدال العقابيّ.

(14) إهمال الجانب القانونيّ في شرح الفداء والكفارة لأهمية الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح من أجل تجديد الطبيعة البشرية وتحريرها من سلطان الفساد والموت، وذلك باتحاد الحياة بالطبيعة البشرية لإبادة الفساد والموت، كل هذا يغيب عن نظرية البدلية العقابية والجانب القضائيّ في شرح الفداء.

(15) تُصوِّر البدلية العقابية الابن أعظم من الآب الغاضب، لأن الابن يحتمل ويصبر على ما لا يستطيع الآب احتماله والصبر عليه، وهكذا يصبح الابن أكثر هدوءًا وثباتًا وقوةً من الآب، لأن الابن استطاع بقوته أن يحلَّ مشكلة الموت والخطية والعقوبة، التي عجز الآب عن حلها، حاشا!

[1] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 12)، ص 128.

[2] المرجع السابق، تعليق على (يو 1: 9)، ص 106.

[3] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١١)، ٢٨: ١١، ص ٣٩٦.

[4] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 14)، ص 134.

[5] كيرلس الإسكندري (قديس)، مقتطفات من تعليقات على رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: القس بولا رأفت عزيز، (القاهرة، 2023)، تعليق على (رو 6: 6)، ص 46.

[6] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١: ٩، تعليق على (يو ١: ١٤)، ص 133.

[7] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 469.

[8] المرجع السابق، ص 75.

[9] المرجع السابق، ص 150.

[10] المرجع السابق، ص 212.

[11] المرجع السابق، ص 215.

[12] المرجع السابق، ص 321.

[13] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 557.

[14] المرجع السابق، ص 163.

[15] المرجع السابق، ص 153.

[16] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلاڨيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة 2، ص 161.

[17] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير انجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١٠: ٢، تعليق على (يو15: 1)، ص 259.

[18] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 2: 3: 4، ص 218، 219.

[19] المرجع السابق، 6: 1، تعليق على يو 9: 2، 3، ص 657، 658.

[20] كيرلس الإسكندري (قديس)، ضد الذين يتصورون أن لله هيئة بشرية، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، الفصل 1، ص 50.

[21] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، مقالة 6، ص 243، 244.

[22] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 76.

[23] المرجع السابق، ص 333.

[24] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، 11: 6، ص 138، 139.

[25] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الأول، ص 16.

[26] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 427.

[27] المرجع السابق، الحوار الثاني، ص 70.

[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 108.

[29] المرجع السابق، ص 428.

[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر هوشع، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، تعليق على (هو 2: 7)، ص 79.

[31] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 658.

[32] المرجع السابق، ص 459.

[33] المرجع السابق، ص 374.

[34] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة الأولى، ص 46، 47.

[35] المرجع السابق، المقالة العاشرة، ص 424.

[36] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص ِ533.

[37] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة الثالثة، ص 143.

[38] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول تأنس الابن الوحيد، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2012)، الفصل 8، ص 103.

[39] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة العاشرة، ص 414.

[40] المرجع السابق، ص 427، 428.

[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول تأنس الابن الوحيد، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2012)، الفصل 7، ص 77.

[42] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو ١٨: ٧- ٩)، ص ٤٢٥.

[43] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 4: 2، تعليق على (يو6: 51)، ص 403.

[44] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة التوضيحية الثانية، ص 209، 210.

[45] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ١٥٣، ص ٧٥٠.

[46] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر يونان، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، تعليق على (يون ٤: ١٠- ١١)، ص ٤٧.

[47] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، الرسالة التوضيحية الأولى، ص ١٦٢.

[48] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر زكريا، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٧٣، تعليق على (زك ١٠: ١٠)، ص ١٥٢.

[49] المرجع السابق، الفصل ٢، تعليق على (زك ١: ١- ٢)، ص ١٨.

[50] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦٣.

[51] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر هوشع، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، تعليق على (هو ١٣: ١٤)، ص ٣١٤، ٣١٥.

[52] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦١، ١٦٢.

[53] المرجع السابق، ص ١٦٥، ١٦٦.

[54] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٣، ص ٤٦.

[55] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة السابعة، ص 288.

[56] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة التوضيحية الأولى، ص ١٠٨.

[57] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة الثالثة، ص 140، 141.

[58] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 29)، ص 153.

[59] كيرلس الإسكندري (قديس)، الرسائل الفصحية الخمسة الأولى، ترجمة: د. ميشيل بديع عبد الملك، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021)، الرسالة 5: 4، ص 125.

[60] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 287.

[61] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، مقالة 6، ص 254.

[62] المرجع السابق، مقالة 8، ص 339.

[63] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 99.

[64] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 396.

[65] المرجع السابق، ص 116.

[66] المرجع السابق، ص 130.

[67] المرجع السابق، 3: 6، تعليق على (يو6: 35)، ص 370.

[68] المرجع السابق، ص 374.

[69] المرجع السابق، ص 426، 427.

[70] المرجع السابق، ص 346.

[71] المرجع السابق، ص 427، 428.

[72] المرجع السابق، ص 413، 414.

[73] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ١٤٢، ص ٦٨٩، ٦٩٠.

[74] چون كالفن، أسس الإيمان المسيحي مج1، ترجمة مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2018)، 2: 16، ص 469.

[75] المرجع السابق، ص 469، 470.

[76] المرجع السابق، 2: 17، ص 491.

[77] المرجع السابق، ص 492.

[78] المرجع السابق، ص 492، 493.

[79] المرجع السابق، ص 493.

[80] المرجع السابق.

[81] المرجع السابق، ص 493، 494.

[82] المرجع السابق، ٢: ١٢: ٣، ص 436.

[83] المرجع السابق.

[84] المرجع السابق ٢: ١٥: ٦، ص 466.

[85] المرجع السابق ٢: ١٧: ٢، ص 492.

[86] المرجع السابق ٢: ١٦: ١، ص 468.

[87] المرجع السابق ٢: ١٦: ٢، ص 469.

[88] المرجع السابق ٢: ١٦: ٥، ص 473.

[89] المرجع السابق ٢: ١٦: ٦، ص 474.

[90] المرجع السابق.

[91] المرجع السابق ٢: ١٧: ٣، ص 492.

[92] المرجع السابق ٢: ١٧: ٤، ص 493.

[93] المرجع السابق ٢: ١٧: ٥، ص 494.

[94] المرجع السابق ٢: ١٦: ٥، ص 473.

[95] چون كالفن، أسس الدين المسيحي مج2، ترجمة مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2018)، 3: 11، ص 678.

[96] المرجع السابق، ص 1338، 1339.

[97] عبد المسيح اسطفانوس (دكتور)، قوانين الإيمان وإقرارته: دورها وتأثيرها في الكنيسة، (القاهرة: دار الثقافة، 2017)، ص 111.

[98] المرجع السابق، 138.

[99] المرجع السابق، ص 142، 143.

[100] دليل أسئلة وأجوبة هيدلبرج (نسخة إليكترونية)، (خدمات موقع ليجونير، 2021)، القسم الثاني، الأسئلة 12-18، ص 4. يمكن الرجوع إلى الموقع الإليكتروني

https://ar.ligonier.org

[101] إقرار إيمان وستمنستر (نسخة إليكترونية)، (فلوريدا: موقع خدمات الألفية الثالثة، 2016)، الفصل 8: 5، ص 32. يمكن الرجوع إلى الموقع الإليكتروني

http://arabic.thirdmill.org

 

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ابريل 2024م

 

 

الفهرست

مقدمة. 1

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس الرسولي. 5

خلاص الإنسان بالتأله. 5

الخلاص بتألهنا عن طريق تأله ناسوت المسيح. 7

الخلاص بالأسرار والتأله. 8

الانجماع الكلي للبشرية في المسيح. 9

مفهوم العدالة الإلهية. 10

مفهوم الفدية. 10

مفهوم الدين. 12

مفهوم اللعنة. 14

مفهوم العداوة 15

دحض نظرية البدلية العقابية. 15

وجودنا الكياني في المسيح أثناء الخلاص… 16

مفهوم التبرير والتقديس.. 16

الخلاص بتأليه البشرية. 21

مفهوم التبرير بالدم 21

التقديس باتحاد الطبيعتين في المسيح. 22

دحض نظرية الإبدال العقابي. 23

مفهوم المصالحة. 24

إعادة خلق الطبيعة البشرية في المسيح. 25

الاتحاد بالآب في المسيح. 27

المبادلة الخلاصية الشفائية وليس العقابية. 28

مفهوم التقدمة. 30

مفهوم الذبيحة. 32

المبادلة الخلاصية وليس العقابية. 34

هدف التجسد هو إبادة الموت.. 35

تجديد الإنسان بنعمة الروح القدس.. 36

انجماع البشرية في المسيح. 36

موت المسيح هو موت جميع البشر. 37

تمجيد البشرية في المسيح. 39

جسد الكلمة هو جسدنا نحن. 41

انجماع البشرية في المسيح. 41

تقديس الأشياء بالروح القدس.. 42

تقديس جسدنا بجسد المسيح. 43

الخلاص بتأليه البشر. 44

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم أنسلم الكانتربري.. 46

الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته. 47

لا يوجد غفران بدون عقوبة. 47

مبدأ إيفاء العدل الإلهي. 48

توضيح نظرية الترضية لأنسلم 49

نقد نظرية الترضية لأنسلم 55

الفصل الثالث: الدراسات الحديثة حول تدبير الخلاص بين الشرق والغرب.. 58

نورمان راسل. 58

توماس تورانس.. 59

خالد أناطوليوس.. 63

جوهانس رولدانوس.. 64

لويس بيركهوف.. 64

ستيفن هولمز. 66

جون كيلي. 68

لورانس جرينستيد 69

هستنجس راشدال. 69

جوناثان هيل. 70

أليستر ماجراث.. 71

كاليستوس وير. 72

فلاديمير لوسكي. 73

جورج فلورفسكي. 74

فالتر كاسبر. 75

جوهانس كواستن. 76

كاثرين ساندرجير. 77

توماس ويناندي.. 78

جوستاف ألين. 78

المطران كيرلس بسترس وآخرون. 79

عبد المسيح اسطفانوس.. 80

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على البدلية العقابية في اللاهوت الغربي. 84

 

 

مقدمة

سوف نحاول في هذا البحث الموجز توضيح نقاط الاختلاف بين تعليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص، وبين تعليم أنسلم رئيس أساقفة كانتربري بانجلترا في القرن الحادي عشر عن الكفارة والفداء، وابتكاره لنظرية ”الترضية“ التي سادت العصر الوسيط في أوروبا، وتسلَّلت إلى كنائسنا في غفلة من الزمن، وذلك للرد على الذين يعتنقون فكرة وجود نظرية البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس الرسوليّ، لاهوتيّ التألُّه والانجماع الكليّ في المسيح، حيث يعتقدون أنهم عندما يجدون كلمات مثل: بدلاً عنا، عوضًا عنا، نيابةً عنا، فدية، ثمن، كفارة، دَّين، ذبيحة لعنة، حكم، وغيرها من المصطلحات القانونية، إنه يوجد بذلك تعليم بدلية عقابية عند ق. أثناسيوس، وهذا ضرب من الوهم والخيال.

فالدراس الحقيقيّ الموضوعيّ لتعاليم ق. أثناسيوس حول تدبير الخلاص، يجد أن تعاليمه الخلاصية تتمحور حول تأليه الطبيعة البشرية عن طريق اتحادها بأقنوم الكلمة في المسيح يسوع ربنا، وتبتعد كل البعد عن نظرية الترضية، أو مصالحة العدل مع الرحمة على الصليب، أو إيفاء العدل الإلهيّ، أو ترضية كرامة الله المهدرة بسبب خطية البشرية غير المحدودة، وغيرها من الأفكار في لاهوت العصر الوسيط التي أنتشرت في أوروبا لقرونٍ عديدةٍ، وسبَّبت العديد من المجادلات والمجامع لعلاج المشاكل الناجمة عن هذه التعاليم الخطيرة البعيدة كل البعد عن التعليم الآبائيّ الشرقيّ الأرثوذكسيّ، الذي يُمثِّله في هذا البحث، ق. أثناسيوس العظيم، مُعلِّم المسكونة.

سنحاول في هذا البحث الموجز استعراض أهم ملامح ومفاهيم تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس، ومقارنتها بنلامح ومفاهيم نظرية الترضية والبدلية العقابية في تعليم أنسلم الكانتربري لإبرارز نقاط الاختلاف الشديدة والواضحة بين التعليمين، وردًا على محاولات البعض عن جهل ودون دراسة وعلم ووعي بالدراسات الأكاديمية إلصاق تعليم البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس الرسوليّ.

أود التنويه إلى أن البعض يدَّعي أننا نُقدِّم تعليم غربيّ أكاديميّ غير أرثوذكسيّ، ويبدو أنهم نسوا أو تناسوا أو نغافلوا عن أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أكثر كنيسة استفادت من الإسهامات الغربية الأكاديمية الحديثة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: ترجمة كرنيليوس قاندياك البروتستانتية الغربية مع البستانيّ، وهي الترجمة المعتمدة حاليًا في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وهناك أيضًا مجلدات كتابات آباء ما قبل نيقية ونيقية وما بعد نيقية التي يتهافت الباحثين الأقباط وغيرهم من المترجمين حاليًا على ترجمتها والاقتباس منها بكل اريحية وثقة، وهي في الأساس منتج بروتستانتيّ غربيّ صرف، فالمحرِّر لهذه المجلدات هو فيليب شاف مؤرخ وأستاذ لاهوت بروتستانتيّ، وفريقه من المترجمين لمجموعة المجلدات والمحرِّرين المساعدين أغلبهم بروتستانت غير أرثوذكس، سأكتفي بهذين المثالين، رغم أن الأمثلة كثيرة جدًا، ولكن حتى لا أطيل على القارئ، سأكتفي بذلك. فالذي يُغفِل الإسهام الأكاديميّ الغربيّ غير الأرثوذكسيّ في العالم المسيحيّ، فهو إمَّا جاهل أو شعبويّ أو مُنافِق أو مُخادِع أو مُدلِّس أو ناكر الجميل والمعروف، وسامحوني في هذه الألفاظ، لأنه كم الخداع والتضليل والتدليس والتجهيل والتغييب وصل لدرجاتٍ غير مسبوقة، نصلي إلى الله أن يغير النفوس، وينير العيون والقلوب لمجد اسمه القدوس.

أود التنويه أيضًا إلى أن النصوص المذكورة في هذا البحث الموجز، سواء للقديس أثناسيوس الرسوليّ أو أنسلم الكانتربريّ، هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من النصوص الأخرى التي تخدم هدف البحث، كما ذكرنا أعلاه، ولكننا أكتفينا بهذه النصوص لتوضيح الفكرة والهدف من البحث للقارئ العزيز.

وأخيرًا، أصلي إلى الله أن يمون هذا البحث سبب بركة ونعمة في حياة الكثيرين، بصلوات وشفاعات القديسة العذراء مريم والدة الإله، وصلوات وشفاعات الآباء القديسين مُعلِّمي الكنيسة العظام الذين أثروا العالم بتعاليمهم الغنية والعميقة.

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس الرسولي

سوف نتتبع في هذ الفصل ملامح ومفاهيم تدبير الخلاص في تعليم القديس أثناسيوس، وذلك لمقارنتها بين تعليم أنسلم الكانتربريّ، وذلك لتوضيح نقاط الاختلاف الشديدة بين مفهوم ق. أثناسيوس للخلاص ومفهوم أنسلم للترضية والكفارة، الذي يؤمن به البعض في أيامنا هذه ويُدافِع عنه وكأنه تعليم آبائيّ أرثوذكسيّ سليم، رغم أنه تعليم معيب وغير أرثوذكسيّ تركه أصحابه وانتقدوه، ولكن يتشبث به الجهلاء في عصرنا هذا عن دون دراية ووعي ودراسة لتاريخ تطوُّر شرح العقيدة المسيحية عبر العصور.

خلاص الإنسان بالتأله

يقول ق. أثناسيوس عبارته التبادلية الشهيرة التي تُوضِّح عقيدة التألُّه بالنعمة، لكي يؤكد أن المسيح قد تجسَّد من أجل أن يؤلهنا، وبالتالي، الخلاص في فكر ق. أثناسيوس هو من خلال تأليه الإنسان كالتالي:

”ﻷن كلمة الله صار انسانًا لكي يُؤلِّهنا نحن“.[1]

ويتحدَّث ق. أثناسيوس أيضًا عن عقيدة التألُّه بالنعمة، وتألُّه ناسوت المسيح الذي صار طريقًا نحو تأليه أجسادنا أيضًا قائلاً:

”فإن اللوغوس لم يحط قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالحري فإن الجسد الذي لبسه قد تألَّه، بل وأكثر من ذلك فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجةٍ أكثر“.[2]

يشير ق. أثناسيوس إلى أننا بشركتنا في الروح القدس نصير شركاء الطبيعة الإلهية، وبالتالي يُثبِت عقيدة ألوهية الروح القدس مُستخدِمًا عقيدة التألُّه بالنعمة، حيث يرى أنه إذَا كان الروح القدس مخلوقًا، فكيف يُؤلِّهنا نحن البشر بالنعمة كالتالي:

”ولكن إنْ كُنا بالاشتراك في الروح نصير شركاء الطبيعة الالهية، فإنه يكون من الجنون أن نقول إن الروح من طبيعة المخلوقات، وليس من طبيعة الله، وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه يتألَّهون، وإنْ كان [الروح القدس] يُؤلِّه البشر فلا ينبغي أن يشك في أن طبيعته هي طبيعة إلهية“.[3]

وهكذا يُؤكِّد ق. أثناسيوس هنا أن مَنْ يُشكِّك في تأليه الروح القدس للبشر بالنعمة هو كمَّن يُشكِّك في ألوهية الروح القدس ويدعوه جنونًا.

يدحض ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية ويشير إلى أن الكلمة صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته، وهكذا نقل المسيح في نفسه جنسنا نحن البشر الضالين لكي نصبح نسلاً مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية، ولم يقل مات بديلاً عقابيًا عن البشر، بل نقل البشر في نفسه لكي يتألهوا بمشاركة طبيعته الإلهية، مما يؤكد على أن مفهوم الخلاص عند ق. أثناسيوس هو من خلال تأليه الإنسان كالتالي:

”لأنه قد صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته. وقد صار جسدًا من امرأةٍ ووُلِدَ من عذراء كي ينقل إلى نفسه جنسنا نحن البشر الذين ضلَّلنا، ولكي نصبح بذلك جنسًا مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4) كما كتب بطرس المطوَّب“.[4]

ويرى ق. أثناسيوس أن كل الأشياء التي تألم بها جسد الكلمة البشريّ كان الكلمة الذي سكن الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع أن نشترك نحن البشر في لاهو الكلمة، لا يوجد مكان هنا للبدلية العقابية، بل اشتراك البشرية المتَّحِدة بالكلمة في لاهوته، لا يوجد مكان هنا لإنزال عقوبة الموت على الكلمة الذي سكن الجسد، بل توجد شركة للبشرية في لاهوت الكلمة كالتالي:

”لأن تلك الأشياء التي كان يتألم منها جسد الكلمة البشريّ، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة“.[5]

الخلاص بتألهنا عن طريق تأله ناسوت المسيح

يُؤكِّد ق. أثناسيوس الرسوليّ على تألُّه ناسوت المسيح كوسيلة لتألُّه أجسادنا، ويُؤكِّد أيضًا على تبادل الخواص أو الصفات أو الأسماء في المسيح كالتالي:

”بل كُتِبَت هذه العبارة عنه بسببنا ولأجلنا. لأنه كما مات المسيح ثم رُفِعَ كإنسان، فبالمثل قيل عنه إنه أخذ كإنسان ما كان له دائمًا كإله، وذلك لكي تصل إلينا عطية مثل هذه النعمة، فإن اللوغوس لم يحط من قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالأحرى فإن الجسد الذي لبسه قد تألَّه، بل وأكثر من ذلك، فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجة أكثر“.[6]

ويُكرِّر ق. أثناسيوس نفس الحديث عن تألُّه ناسوت المسيح في موضع آخر كالتالي:

”لأنه حينما صار إنسانًا، لم يكف عن أن يكون الله، ولا بسبب كونه الله يتجنب ما هو خاص بالإنسان، حاشا بل بالحري، إذ هو الله فقد أخذ الجسد لنفسه، وبوجوده في الجسد، فإنه يُؤلِّه الجسد“.[7]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس أيضًا على تألُّه ناسوت المسيح كوسيلة لخلاصنا عن طريق تألُّه أجسادنا باتحادنا به قائلاً:

”وعندئذٍ لم يقل ’والابن‘ كما سبق وقال إنسانيًا، بل قال: ’ليس لكم أن تعرفوا‘، لأن الجسد عندئذٍ كان قد قام وخلع عنه الموت وتألَّه، ولم يعد يليق به أن يجيب بحسب الجسد عندما كان مُنطلقًا إلى السماوات، بل أن يُعلِّم بطريقةٍ إلهيةٍ“.[8]

الخلاص بالأسرار والتأله

يشير ق. أثناسيوس إلى تقديسنا وتأليهنا بتناولنا من جسد الكلمة نفسه وليس بتناول مُجرَّد جسد لإنسانٍ ما، حيث أننا ننال التألُّه بالنعمة من خلال الاتحاد السريّ بجسد الكلمة ذاته في الإفخارستيا، وبالتالي تُعتبر الأسرار الكنسية ضروريةً في نوال نعمة التألُّه والحياة الأبدية كالتالي:

”ولكن ’الكلمة صار جسدًا‘ (يو 1: 14) مرةً واحدةً في ملء الزمان ليزيل الخطية، ووُلِدَ من العذراء مريم إنسانًا مثلنا، كما قال لليهود: ’تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق‘ (يو 8: 40)، لذا نحن نتألَّه بتناولنا جسد الكلمة نفسه، وليس باشتراكنا في جسد إنسانٍ ما“.[9]

الانجماع الكلي للبشرية في المسيح

يتحدَّث ق. أثناسيوس عن وجودنا الكيانيّ في المسيح عند موته، ويتحدَّث عن موت الجميع في المسيح مُؤكِّدًا على وحدة الجنس البشريّ في المسيح آدم الجديد قائلاً:

”لكي إذَا كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطِل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفِذَ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر“.[10]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على وحدة البشرية في شخص المسيح، لارتباطنا به في جسده، وصعودنا معه إلى السماء في جسده، وهكذا يصير لنا شركة الحياة الأبدية، لأننا لم نعد بشرًا عاديين، بل صرنا في اللوغوس لوغسيين كالتالي:

”ولكن ارتباطنا بالكلمة الذي من السماء، فأننا نُحمَل إلى السموات بواسطته، لذلك بطريقةٍ مماثلةٍ قد نقل إلى نفسه أوجاع الجسد الأخرى لكي يكون لنا شركة في الحياة الأبدية، ليس كبشر فيما بعد، بل أيضًا لأننا قد صرنا خاصين بالكلمة [أي لوغسيون]“.[11]

مفهوم العدالة الإلهية

يربط ق. أثناسيوس الرسوليّ بين العدل والقداسة في الله، فالله هو عادلٌ وقدوسٌ بطبيعته قائلاً:

”ولكنه لكونه إله وكلمة الآب، فهو قاضٍ عادلٍ ومُحِب للفضيلة، وبالأحرى هو مانح الفضيلة. إذًا، فهو عادلٌ وقدوسٌ بطبيعته. فلهذا يُقَال إنه يحب البر ويبغض الإثم (إش 61: 8). وهذا يُعادِل القول القائل إنه يحب الصالحين ويُعِينهم“.[12]

مفهوم الفدية

نجد مفهوم ومجاز الفدية الخاص بالحروب والأسر عند ق. أثناسيوس، حيث يشير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح الفدية للموت من أجل خلاص كل الخليقة، وذلك من خلال مجيئه في الجسد كالتالي:

”فإن مجيء المخلِّص مُتجسِّدًا، قد صار فديةً للموت وخلاصًا لكل الخليقة“.[13]

ويتحدَّث ق. أثناسيوس في موضع آخر عن تقديم المسيح الفدية للموت من أجل خلاص الكل قائلاً:

”وبموته صار الخلاص للجميع، وتمَّ الفداء لكل الخليقة. هذا هو ’حياة‘ الكل، الذي سلَّم جسده للموت كحَمَل فدية لأجل خلاص الكل، ولو لم يؤمن اليهود بذلك“.[14]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على تقديم المسيح الفدية للموت عن حياة الجميع كالتالي:

”ولأن كلمة الله هو فوق الجميع، فقد كان لائقًا أن يُقدِّم هيكله الخاص وأداته البشرية فديةً عن حياة الجميع مُوفِيًا دَّين الجميع بموته. وهكذا باتَّخاذه جسدًا مماثلاً لجسد جميع البشر وباتحاده بهم، فإن ابن الله عديم الفساد ألبس الجميع عدم الفساد بوعد القيامة من الأموات. ولم يعدّ الفساد الفعلي بالموت له أي سلطان على البشر بسبب الكلمة الذي جاء وسكن بينهم بواسطة جسده“.[15]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح جسده للموت وإقامته ثانيةً كالتالي:

”ولهذا السبب أيضًا فإنه لم يُتمِّم ذبيحته عن الكل بمُجرَّد مجيئه مُباشرةً، بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانيةً“.[16]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن الدَّين المستحق على الجميع هو دَّين الموت، وبالتالي أسلَّم المسيح هيكله للموت من أجل إيفاء دَّين الموت كالتالي:

”ولمَّا كان من الواجب وفاء الدَّين المستحق على الجميع، إذ – كما بيَّنا سابقًا – كان الجميع مستحقين الموت، فلأجل هذا الغرض، جاء المسيح بيننا. وبعدما قدَّم براهينًا كثيرةً على ألوهيته بواسطة أعماله في الجسد، فإنه قدَّم ذبيحته عن الجميع، فأسلَّم هيكله للموت عوضًا عن الجميع“.[17]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس أيضًا على أن موت الرب هو الفدية عن الجميع من أجل نقض حائط السياج المتوسط كالتالي:

”وإضافة إلى ذلك، إنْ كان موت الرب هو فديةٌ عن الجميع وبواسطة موته هذا ’نقض حائط السياج المتوسط‘، وصارت الدعوة لجميع الأمم“.[18]

يتحدَّث ق. أثناسيوس عن تقديم المسيح الفدية للآب، ولكن ليس بمعنى الإبدال العقابيّ، بل من أجل تطهيرنا من الخطايا بدم نفسه، وبإقامتنا من بين الأموات كالتالي:

”وعندما أراد الآب أن تُقدَّم الفدية لأجل الجميع، وأن تُعطَى النعمة الكل، عندئذٍ مثلما أرتدى هارون الجبة؛ أخذ الكلمة جسدًا من الأرض مُتَّخِذًا له من مريم الجسد كما من أرض بكر حتى إذ يكون له – كرئيس كهنة – شيء يُقدِّمه، فهو يُقدِّم ذاته للآب، ويُطهِّرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه، ويُقِيمنا من بين الأموات“.[19]

مفهوم الدين

يستخدم ق. أثناسيوس مجاز ”الدَّين“ التجاريّ في سياق سوتيرلوچيّ [خلاصيّ]، حيث يفهم ”الدَّين“ على أنه دَّين الموت الذي كان الجميع مدينًا به لله مانح وواهب الحياة للجميع، فالإنسان بخطيته جلب الموت على نفسه، وبدَّد هبة الحياة التي أعطاها الله له، فصار مدينًا لله بحياته التي بدَّدها بموته، فكان ينبغي أن يُوفِي أحدٌ هذا الدَّين بأن يعيد الحياة المفقودة من الإنسان مرةً أخرى بموته ليُسدِّد دَّين الموت، ويهب الحياة للإنسان الذي فقد حياته بإرادته بالخطية والموت. وهنا لم يطلب الله مقابل الدَّين، بل ساعد الله نفسه الإنسان بتجسُّده ليعيد ما فَقَدَه الإنسان من حياة بموته ليهب له الحياة، كالتالي:

”وهكذا تمَّ في جسد المسيح فعلان مُتناقِضان في نفس الوقت: الأول، هو أن موت الجميع قد تمَّ في جسد الربِّ على الصليب، والثاني، هو أن الموت والفساد قد أُبِيدا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به، فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتمَّ الموت نيابةً عن الجميع لكي يُوفِي الدَّين المستحق على الجميع“.[20]

يُوضِّح ق. أثناسيوس مفهوم الدَّين أيضًا، حيث يرى إنه في جسد المسيح تمَّ فعلان متناقضان في نفس الوقت، هما: موت الجميع في جسد الرب، داحضًا بذلك نظرية الإبدال العقابيّ، فطالما أن موت الجميع تمَّ في جسد الربِّ، فأين الإبدال العقابيّ الذي يفصل بيننا نحن المؤمنون وبين جسد المسيح المقدَّم على عود الصليب كترضيةٍ نيابيةٍ عن البشرية المعاقَبة للآب، كما يدحض أيضًا نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين جسد المسيح الذي أخذه من العذراء، وبين جسد المسيح في الإفخارستيا، وبين جسد المسيح السري أي الكنيسة، والتي تهدم عمل المسيح الخلاصيّ من أساسه، بفصلنا نحن المؤمنون عن جسد المسيح السريّ. لذا يُؤكِّد ق. أثناسيوس على الانجماع الكليّ في المسيح أثناء عمله الخلاصيّ بموت الجميع فيه على الصليب كالتالي:

”وهكذا تمَّ في جسد المسيح فعلان متناقضان في نفس الوقت: الأول هو أن موت الجميع قد تمَّ في جسد الربِّ على الصليب، والثاني هو أن الموت والفساد قد أُبيدَا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به. فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتمَّ الموت نيابةً عن الجميع لكي يُوفِي الدَّين المستحق على الجميع“.[21]

مفهوم اللعنة

ويرى ق. أثناسيوس أن المسيح أبطل اللعنة وهو كائنٌ فينا أي في بشريتنا كالتالي:

”إذ أن لعنة الخطية قد أُبطِلَت بسبب ذاك الذي هو كائنٌ فينا، والذي قد صار لعنةً لأجلنا“.[22]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على نقطة خطيرة جدًا يُنكِرها البعض في عصرنا الحالي وهي أن موت المسيح كان موتنا جميعًا، وقيامته وتمجيده وصعوده للسماء كان هو قيامتنا وتمجيدنا وصعودنا، لأننا في المسيح نفسه أيضًا كالتالي:

”لأجل هذا السبب يُقَال إنه إنسان مُجِّدَ أيضًا نيابةً عنا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدَنا مجدًا عاليًا، مُقَامين من بين الأموات وصاعدين إلى السموات، حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا“.[23]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس في عبارة خطيرة جدًا على عدم اندهاش القوات السمائية عندما ترانا نحن المؤمنين بالمسيح أي كنيسته المتَّحِدين به داخلين إلى مناطقهم السمائية قائلاً:

”لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا – المتَّحِدين معه في نفس الجسد – داخلين إلى مناطقهم السمائية“.[24]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على وحدتنا في جسد المسيح التي صِرنا بها هيكلاً لله، وصِرنا أبناءً لله يُعبَد الرب فينا كالتالي:

”أنه ليس اللوغوس بسبب كُونه لوغوس هو الذي حصل على مثل هذه النعمة، بل نحن لأنه بسبب علاقتنا بجسده فقد صرنا نحن أيضًا هيكل الله – وتبعًا لذلك قد جُعِلَنا أبناء الله، وذلك حتى يُعبَد الرب فينا أيضًا، والذين يُبصِروننا يُعلِنون – كما قال الرسول: ’إنَّ الله بالحقيقة فيكم‘“.[25]

مفهوم العداوة

أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية هو الادعاء بأنه كانت هناك خصومة بين الآب والبشرية المتمثلة في ناسوت المسيح المتألم على الصليب. هذا الرأي يصوِّر اللاهوت بأنه قد كان في خصومة مع ناسوت المسيح في المسيح الواحد، طالما الآب كان في خصومة مع ناسوت المسيح الذي اتَّحد به لاهوت الكلمة في التجسُّد. وهذا للأسف أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية. يرفض ق. أثناسيوس ترك الآب للناسوت، أو وجود خصومة بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

”لذلك لا يمكن أن يُترَك الرب من الآب، وهو كائنٌ دائمًا في الآب قبل أن يتكلَّم وأثناء نطقه بهذه الصرخة“.[26]

دحض نظرية البدلية العقابية

يدحض ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية التي تُميِّز اللاهوت الغربيّ، حيث يرى ق. أثناسيوس أن موت المسيح هو موت جميع البشر كالتالي:

”حيث أن الجميع ماتوا بواسطته، هكذا قد تمَّ الحكم إذ أن الجميع ماتوا في المسيح. وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحرارًا من الخطية ومن اللعنة الناتجة عنها، ويبقى الجميع على الدوام قائمين من الأموات، ولابسين عدم موت وعدم فساد“.[27]

وجودنا الكياني في المسيح أثناء الخلاص

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على وحدتنا ووجودنا في المسيح بسبب سُّكنى الروح القدس فينا الذي يُوحِّدنا معه، وهكذا نصير في الله ويصير الله فينا كالتالي:

”لذلك فبسبب نعمة الروح الذي أُعطِي لنا نصير نحن فيه وهو فينا، وحيث إن روح الله فينا، لذلك فبواسطة سُّكناه فينا وبحسب حصولنا على الروح، نُحسَب أننا في الله، وهكذا يكون الله فينا“.[28]

مفهوم التبرير والتقديس

يُوضِّح ق. أثناسيوس كيفية تقديس وتبرير وتمجيد الجميع في المسيح لله الآب، فاللوغوس نفسه لا يحتاج إلى التقديس أو التبرير أو التمجيد، لأنه هو ذاته القداسة والبرّ ومصدر كل برّ وقداسة، بل اللوغوس بتقديس ذاته، فإنه يُقدِّسنا ويُمجِّدنا ويُبرِّرنا جميعًا فيه، وبالتالي، يدحض ق. أثناسيوس أي تبرير أو تقديس بالمعنى القضائيّ والقانونيّ سوف نراه فيما بعد في اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ سواء المبكر أو المدرسيّ أو البروتستانتيّ كالتالي:

”وكما أنه وهو الذي يُقدِّس الجميع، يقول أيضًا إنه يُقدِّس نفسه للآب من أجلنا – ليس بالطبع لكي يكون اللوغوس مُقدَّسًا – بل لكي بتقديس ذاته يُقدِّسنا جميعًا في ذاته. وهكذا بنفس المعنى ينبغي أن نفهم ما يُقَال الآن أنه ’تمجَّد‘. ليس لكي يُمجَّد هو نفسه [أي اللوغوس] – إذ أنه هو الأعلى – بل لكي هو ذاته ’يصير برًا‘ من أجلنا، أمَّا نحن فلكي نتمجَّد ونُرفَع فيه ولندخل إلى أبواب السماء، التي قد فتحها هو ذاته من أجلنا […] فإنْ كان الابن هو البرّ، إذًا، فهو لم يرتفع بذاته كما لو كان في حاجة إلى الرفعة، بل نحن الذين ارتفعنا وتمجَّدنا بسبب البرّ الذي هو المسيح نفسه“.[29]

يستطرد ق. أثناسيوس في شرح مفهوم التبرير والتقديس من وجهة نظر شفائية وتجددية بحتة، حيث يُشِير ق. أثناسيوس إلى أن مسحة الرب يسوع بالروح القدس كانت من أجلنا ليبني فينا سُّكنى الروح وألفته تمامًا مثلما وهبنا الرفعة والقيامة، لذا يُقدِّس المسيح ذاته، ليس لأنه مُحتاجٌ إلى التقديس في ذاته، بل نحن الذين نتقدَّس فيه كالتالي:

”فهو كإنسان يُقَال عنه إنه يُمسَح بالروح، وذلك حتى يبني فينا نحن البشر سُّكنى الروح وألفته تمامًا مثلما وهبنا الرفعة والقيامة. وهذا ما عناه هو نفسه عندما أكَّد الرب عن نفسه في الإنجيل بحسب يوحنا: ’كما أرسلتني إلى العالم، أرسلتهم أنا إلى العالم، ولأجلهم أُقدِّس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضًا مُقدَّسين في الحق‘ (يو 17: 18-19). وقد أوضَّح بقوله هذا إنه ليس هو المقدَّس بل المقدِّس. لأنه لم يُقدَّس من آخر، بل هو يُقدِّس ذاته. حتى نتقدَّس نحن في الحق. وهذا الذي يُقدِّس ذاته؛ إنما هو رب التقديس. كيف، إذًا، حدث هذا؟ وماذا يريد أن يقول بهذا سوى إنه: ’كوني أنا كلمة الآب، فأنا نفسي أُعطِي ذاتي الروح حينما أصير إنسانًا. وأنا الصائر إنسانًا أُقدِّس نفسي (في الآب) لكي يتقدَّس الجميع فيَّ. وأنا الذي هو الحق. لأن ’كلامك هو حق‘ (يو 17: 17)“.[30]

ويُفسِّر ق. أثناسيوس، في سياق مفهومه عن التبرير والتقديس من خلال الاتحاد بالمسيح، سبب نزول الروح القدس في هيئة حمامة على المسيح في نهر الأردن، وهل كان المسيح محتاجًا للتقديس والمسحة من الروح القدس، بالرغم من أنه الإله مانح وواهب القداسة؟ ولكن يدحض ق. أثناسيوس بدعة التبني لبولس الساموساطيّ – الذي أدَّعى حلول أو سُّكنى الروح القدس في المسيح كما كان يحلّ ويملأ الأنبياء في العهد القديم – مشيرًا إلى أن نزول الروح عليه في الأردن كان نزولاً علينا نحن بسبب أنه لَبِسَ جسدنا من أجل تقديسنا من جديد واشتراكنا في مسحته كالتالي:

”إذًا، فإنْ كان يُقدِّس ذاته من أجلنا، وهو يفعل هذا لأنه قد صار إنسانًا، فمن الواضح جدًا أن نزول الروح عليه في الأردن، إنما كان نزولاً علينا نحن بسبب لبسه جسدنا. وهذا لم يصر من أجل ترقية اللوغوس، بل من أجل تقديسنا من جديد، ولكي نشترك في مسحته، ولكي يُقَال عنا: ’أمَّا تعلمون أنكم هيكل الله، روح الله يسكن فيكم؟‘ (1كو 3: 16). فحينما أغتسل الرب في الأردن كإنسان، كنا نحن الذين نغتسل فيه وبواسطته. وحينما أقتبل الروح، كنا نحن الذين صرنا مُقتبلين للروح بواسطته. ولهذا السبب، فهو ليس كهارون، أو داود، أو الباقين – قد مُسِحَ بالزيت هكذا – بل بطريقةٍ مغايرةٍ لجميع الذين هم شركاؤه – أي ’بزيت الابتهاج‘ – الذي فُسِّرَ أنه يعني الروح – قائلاً بالنبي: ’روح السيد الرب عليَّ، لأن الرب مسحني‘ (إش 61: 1). كما قال الرسول أيضًا: ’كيف مسحه الله بالروح القدس‘ (أع 10: 38). متى قيلت عنه هذه الأشياء – إلا عندما صار في الجسد وأعتمد في الأردن، ’ونزل عليه الروح‘؟ (مت 3: 16). وحقًا يقول الرب لتلاميذه إن ’الروح سيأخذ مما ليَّ‘ (يو 14: 16). و ’أنا أُرسِله‘ (يو 16: 7). و ’اقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22). إلا أنه في الواقع هذا الذي يُعطِي للآخرين ككلمة وبهاء الآب، يُقَال الآن إنه يتقدَّس، وهذا من حيث إنه قد صار إنسانًا، والذي يتقدَّس هو جسده ذاته“.[31]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن التبرير والتقديس يحدث في الإنسان من خلال تبرير وتقديس جسد الكلمة الذي هو جسد جميع البشر، فيدحض بذلك أية فرصة للإشارة إلى التبرير والتقديس القانوني بمعاقبة الآب للابن المتجسِّد بديلاً عن البشرية كالتالي:

”أمَّا وإنْ كان هو الله، ويكون ’عرش ملكه أبديّ‘، فإلى أي مدى يمكن أن يرتقي الله؟ أو ماذا ينقص هذا الذي هو جالس على عرش الآب؟ وكما قال الرب نفسه، إنْ كان الروح هو روحه والروح أخذ منه، وهو نفسه أرسل الروح (يو 16: 14، 16: 7)، إذًا، فلا يكون اللوغوس باعتباره اللوغوس والحكمة هو الذي يُمسَح من الروح، الذي يُعطِيه هو ذاته، بل الجسد الذي قد اتَّخذه، هو الذي يُمسَح فيه ومنه، وذلك لكي يصير التقديس الصائر إلى الرب كإنسان، يصير (هذا التقديس) إلى جميع البشر به. لأنه يقول: ’إن الروح لا يتكلم من نفسه‘ (يو 16: 13)، بل اللوغوس هو الذي يعطي هذا (الروح) للمستحقين. فإن هذا يُشبِه ما سبق من قول، لأنه كما كتب الرسول: ’الذي إذ كان في صورة الله، لم يُحسَب خلسةً أن يكون معادلاً لله‘ لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبدٍ، صائرًا في شبه الناس‘ (في 2: 6، 7). وبالمثل يُرنِّم داود للرب إنه إله وملك أبدي، مُرسَل إلينا ومُتَّخِذًا جسدنا الذي هو مائت؛ لأن هذا هو المقصود في المزمور بالقول: ’كل ثيابك مر وعود وسليخة‘ (مز 45: 8) […] إذًا، مثلما كان قبل تأنُّسه – إذ أنه كان اللوغوس، فإنه منح الروح للقديسين باعتباره خاصًا به – وهكذا عندما صار إنسانًا، فإنه قدَّس الجميع بالروح، وقال لتلاميذه: ’اقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22)“.[32]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس إنه في تدبير الإخلاء والتواضع أقام الابن الجسد وشيَّده إذ هو ربه وخالقه، وكإله قدَّسه، ولذلك صار كلمة الله إنسانًا لأجل تقديس الجسد كالتالي:

”حينما يتحدَّث عن التواضع لكي نعرف على الفور رفعته وجلاله الذي من الآب. ولذلك قال: وموسى كان خادمًا أما المسيح فهو ابن. كان الأول ’أمينًا في بيته‘، أما الثاني فكان ’على بيته‘ (عب 3: 5، 6)، لأنه هو الذي أقامه وشيَّده إذ هو ربه وخالقه، وكإله قدَّسه. ولما كان موسى إنسانًا بالطبيعة. فإنه قد صار أمينًا بسبب إيمانه بالله الذي تحدث إليه عن طريق الكلمة، أما الكلمة فلم يكن في الجسد كأحد المخلوقات، ولم يكن كمخلوق قي مخلوق، بل هو كإله في الجسد، كخالق ومشيِّد وسط ما خُلِقَ بواسطته. وإن كان البشر قد لبسوا جسدًا، فلكي يكون لهم وجود وكيان. أما كلمة الله فقد صار إنسانًا لأجل تقديس الجسد، وبينما هو رب فقد وُجِدَ في هيئة عبد، لأن كل الخليقة التي وُجِدَت بالكلمة، وخُلِقَت به هي عبدة له“.[33]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى أن الرب قد جعل من الابن إنسانًا لكي يكون بذلك ربًا على الكل ويُقدِّس الكل بواسطة المسحة، فالتقديس والتبرير صارا بالتجسُّد والاتحاد بين الله والإنسان في المسيح، وليس عن طريق تحمل الابن العقوبة بدلاً عن البشر الخطأة أمام الله الآب، كما جاء في لاهوت العصر الوسيط، بل الكلمة باتخاذ الجسد، قد حرَّر كل البشرية، وصار في هيئة عبد لكي يقدس الجميع بالروح القدس الذي مسح جسد الرب في تجسُّده لأجلنا كالتالي:

”وهذا مُشابِه للقول إن الرب إذ قد جعل منه إنسانًا -لأنه أمر يخص الإنسان أن يكون مصنوعًا- فهو لم يجعله إنسانًا فقط، بل جعله هكذا لأنه يكون ربًا على الجميع، ويُقدِّس الكل بواسطة المسحة. لأنه وإن كان الكلمة وهو في صورة الله، اتخذ صورة عبد، إلا أن اتخاذه للجسد، لم يجعل الكلمة وهو رب الطبيعة أن يكون عبدًا، بل بالأحرى، فإن الكلمة بهذا الحدث [اتخاذ الجسد]، قد حرَّر كل البشرية. فإن الكلمة نفسه وهو بالطبيعة الرب الكلمة، قد جُعِلَ إنسانًا، ومن خلال صورة العبد، صار رب الجميع ومسيحًا، أي لكي يُقدِّس الجميع بالروح“.[34]

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاص بتأليه البشرية

ويربط ق. أثناسيوس كما ربط كثيرًا بين التقديس وتأليه البشرية فيه، فغاية التجسُّد وفداء البشرية هو تقديس وتأليه البشرية في المسيح كالتالي:

”ولكن إن كان الكلمة قد جاء بيننا لكي يفدي جنس البشر، وإن كان الكلمة قد صار جسدًا لكي يُقدِّس البشر ويُؤلِّههم. وهو لهذه الغاية قد جاء فعلاً. فلمَّن لا يكون واضحًا عندئذٍ أن ما يقول الرب إنه أخذه، حينما صار جسدًا، فهو لم يأخذه لأجل نفسه، لكن لأجل الجسد، لأن العطايا المعطَاة بواسطته من الآب تخص الجسد، ولقد كان مُتَّحِدًا بهذا الجسد، عندما نطق بهذه الأمور“.[35]

مفهوم التبرير بالدم

يُوضِّح ق. أثناسيوس نقطة تبرير الجسد بدم المسيح، ولكن المفاجأة ليس كما شرح أنسلم، أو اللاهوتيون المدرسيون، أو مارتن لوثر أو فيليب ميلانكتون، أو چون كالفن، أو غيرهم من لاهوتي الإصلاح، بل يربط ق. أثناسيوس التبرير بالدم بإحياء الجسد المخلوق الذي أماته الإنسان الأول بسبب تعديه، وليس لأنه بسفك دم المسيح قد تم تسكين وتهدئة غضب الآب على البشرية الخاطئة كما جاء في نظرية البدلية العقابية التي تبناها اللاهوت الغربي في شرح الكفارة والفداء، وهكذا يدحض ق. أثناسيوس فكرة التبرير بالدم بسفك دم بريء من أجل الآثمة؛ والذي لا يُعتبر عدلاً هنا على الأرض، فبالأولى لا يكون عدلاً في السماء أو لإيفاء العدل الإلهي. الدم هو رمز الحياة أي حياة الإنسان، لذلك سفك المسيح دمه أي حياته لكي بموته يبطل عز الموت، وليس لكي يرى الآب السماوي الدم المسفوك والمهرق أمامه فيصفح عن الخليقة العاصية كالتالي:

”لأنه حيث إن الطريق الأول الذي كان من خلال آدم، قد ضاع، وانحرفنا إلى الموت بدل الفردوس، وسمعنا القول: ’إنك من التراب وإلى التراب تعود‘ (تك 3: 19)، لذا فإن كلمة الله المحب للبشر، لبس – بمشيئة الآب – الجسد المخلوق لكي يُحِيي بدم نفسه هذا الجسد الذي أماته الإنسان الأول بسبب تعديه، كما قال الرسول: ’وكرَّس لنا طريقًا حيًا حديثًا بالحجاب أي جسده‘ (عب 10: 20). وهو ما أشار إليه في موضع آخر، حين قال: ’إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدًا‘ (2كو 5: 17)“.[36]

التقديس باتحاد الطبيعتين في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديس الجسد البشري أو الطبيعة البشرية باتحادها بالطبيعة الإلهية في المسيح، مؤكدًا على أن التبرير والتقديس للطبيعة البشرية قد تمَّ عن طريق الاتحاد بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح كالتالي:

”وهذا هو الأمر العجيب، أنه بينما كان يتصرف كإنسان، كان ككلمة الله يحيي كل الأشياء، وكابنٍ كان كائنًا مع أبيه. ولذلك عندما ولدته العذراء لم يعتريه أيّ تغيير (من جهة طبيعته الإلهية)، ولا تدنس بحلوله في الجسد، بل بالعكس فهو قد قدَّس الجسد أيضًا“.[37]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على تقديس الكلمة للجسد من خلال اتحاده بهذا الجسد، وليس بإنزال العقوبة على الجسد لكي يتبرَّر ويتقدَّس، بل بمُجرَّد اتحاد الكلمة بالجسد قدَّس طبيعة الجسد فيه، ويمنح هذا التقديس للمؤمنين من خلال اتحادهم به، ولكنه لم يشترك في خواص هذا الجسد، بل استخدمه كأداة لتقديس الجسد قائلاً:

”لأنه كما أنه كائنٌ في الخليقة، ومع ذلك لا يشترك في طبيعتها بأي حال، بل بالحري، فإن كل المخلوقات قَبِلت قوةً منه، هكذا أيضًا عندما اتَّخذ الجسد كأداةٍ له، فإنه لم يشترك في خواص الجسد، بل بالحري، فإنه قدَّس الجسد“.[38]

دحض نظرية الإبدال العقابي

يهدم ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية تمامًا عندما يشير إلى عمل المسيح في فداء البشرية من خلال نزع الخطية من الجسد، لا بتسديد عقوبة الخطية بديلاً عن البشرية لله الآب، بل باتحاد اللوغوس بالجسد، فينزع عنه الخطية مُقدسًا ومُطهرًا إياه من كل دينونة الخطية، ويعيد خلقة الإنسان فيه بحسب الروح لا بحسب الجسد، وليس كما في نظرية الإبدال العقابي بتسديد عقوبة الخطية في الجسد كالتالي:

”وبحسب هذا فإن الخدمة من خلاله قد صارت أفضل، إذ أيضًا ’لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه في ما كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية، دان الخطية في الجسد‘ (رو 8: 3)، نازعًا الخطيئة من الجسد، الذي كان أسيرًا لها على الدوام لدرجة أنه لم يستوعب الفكر الإلهي. وإذ جعل الجسد قادرًا على تقبل اللوغوس، فإنه خلقنا حتى ’لا نسلك بعد بحسب الجسد، بل بحسب الروح‘. ونقول ونكرز نحن ’لسنا في الجسد، بل في الروح‘ (رو 8: 9)، وأن ابن الله جاء ’إلى العالم لا لكي يدين العالم‘، بل لكي يفدي الجميع، ’ويخلص به العالم‘ (يو 3: 17). لأنه في السابق كان الناموس يدين العالم كمسئول، أما الآن فإن اللوغوس أخذ الدينونة على نفسه، وبتألمه لأجل الجميع بالجسد، وهب الخلاص للجميع. هذا ما رآه يوحنا فصاح قائلاً: ’لأن الناموس بموسى أُعطِيَ، أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا‘ (يو 1: 17). فالنعمة أفضل من الناموس، والحقيقة أفضل من الظل“.[39]

مفهوم المصالحة

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى عمل المسيح الخلاصي لأجلنا، لأنه أرتدى جسدنا المخلوق ليعيد خلقة الجسد فيه ويبطل الموت ويدين الخطية في الخطية ويُقِيم الجميع من الأموات، ويؤكد ق. أثناسيوس على أن الكلمة يمنح كل هذه المفاعيل إلى المتَّحِدين معه في جسده، الذين هم فيه وهو فيهم، وبالتالي ينفي ق. أثناسيوس أية إشارة إلى نظرية الإبدال العقابيّ بتسديد عقوبة الخطية نيابةً عن البشرية لإيفاء العدل الإلهي، بل على العكس، يُؤكِّد على أننا نحن المتَّحِدون به نصير فيه خليقةً جديدةً معتوقةً من الخطية واللعنة التي بدَّدها باتحاده بالجسد، وليس بتسديد العقوبة على الصليب كما في لاهوت العصر الوسيط ولاهوت الإصلاح، وهكذا يربط بين محو الخطية واللعنة من الجسد وتجديد الطبيعة البشرية فيه عن طريق الاتحاد به في جسده كالتالي:

”وإنْ كان لم يُخلَق لأجل ذاته، بل لأجلنا، فلا يكون هو نفسه مخلوقًا، بل يقول هذا لأنه أرتدى جسدنا. وهذا المفهوم هو ما تعنيه الكتب المقدَّسة. وهذا هو ما نتعلَّمه من الرسول؛ لأنه يقول في رسالته إلى أهل أفسس: ’ونقض حائط السياج المتوسط (أي العداوة). مُبطِلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا، صانعًا سلامًا‘ (أف 2: 14، 15). فلو أن الاثنين خُلِقَا في نفسه ووُجِدَا في جسده، فمن الطبيعي أنه كان يلبس الاثنين في نفسه، فإنه يكون كما لو كان هو نفسه الذي يُخلَق. لأن الذين يخلقهم يتحدون به، ويكون هو فيهم كما يكونون هم فيه. هكذا إذًا فما دام قد خُلِقَ الاثنان فيه، فيكون من الملائم تمامًا أن يقول: ’الرب خلقني‘. فلأنه يأخذ على عاتقه ضعفاتنا، يُقال عنه إنه يضعفُ رغم أنه هو لا يضعفُ؛ لأنه قوة الله، وقد صار خطيةً لعنةً من أجلنا، بالرغم من أنه غير خاطئ، ولكنه يُقال هذا ؛ لأنه حمل خطايانا ولعنتنا. وهكذا إذ قد خُلِقَنا فيه، فيُقال أيضًا: ’خلقني من أجل الأعمال‘، رغم أنه غير مخلوق“.[40]

إعادة خلق الطبيعة البشرية في المسيح

ويُفسِّر ق. أثناسيوس كيفية إبطال سلطان الخطية على الجسد من خلال إعادة خلقة الطبيعة البشرية في المسيح، فيُقال عنه أنه مخلوق رغم أننا نحن المخلوقون فيه من جديد باتحادنا بجسده، وهكذا يطرد المسيح الخطية من الجسد بسكناه فيه، وليس بتسديد عقوبة الخطية عن الجنس البشري أمام الله الآب، بل بسكناه في الجسد من أجل تقديسه وتطهيره من كل خطية كالتالي:

”وبحسب فكر أولئك يُعتبر جوهر الكلمة مخلوقًا بسبب قوله ’الرب خلقني‘، وبالتالي، لكونه مخلوقًا، فهو لم يُخلَق من أجلنا، وإنْ لم يكن قد خُلِقَ من أجلنا، فنحن لم نُخلَق به، وإن لم نُخلَق به، فلن يكون هو لنا في داخلنا، بل سيكون من خارجنا، كما لو كنا نقبل منه التعليم مثلما نقبله من مُعلِّمٍ. ولو كان الأمر كذلك معنا، لما فقدت الخطية سلطانها على الجسد، بل لظلت مُلتصِقةً به وليست بعيدةً عنه. غير أن الرسول يعارض تعليم هؤلاء بإعلانه لأهل أفسس قبل ما سبق أن اقتبسنا بقليلٍ قائلاً: ’لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع‘. فإن كنا قد خُلِقَنا في المسيح، فلا يكون هو الذي خلقنا، بل نحن الذين خُلِقَنا بواسطته. لذا فالقول ’خلق‘ هو من أجلنا نحن وبسبب احتياجنا. فإن الكلمة رغم أنه خالق، احتمل أيضًا لقب المخلوقين. ولم يكن هذا لقبه الخاص. إذ إنه هو الكلمة، ولكن اللقب ’خلق‘ هو خاص بنا نحن المخلوقين بواسطته. وأيضًا كما أن الآب كائن دائمًا، فإن كلمته كائن دائمًا أيضًا، ولأنه كائن دائمًا، فهو يقول: ’وكنتُ أنا موضع بهجته، فرحًا في حضرته كل يوم‘ (أم 30: 8)، وأيضًا ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 10: 14). هكذا فإنه حينما صار إنسانًا تابعًا لجنسنا البشري مثلنا، قال: ’الرب خلقني‘ لكي يستطيع أن يطرد الخطية بعيدًا عن الجسد بسُكناه فيه، ولكي نحصل نحن على فكر حر“.[41]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن المسيح هو أخونا وبكرنا؛ لأنه لبس جسدًا مشابهًا لأجسادنا، وكان أول جسد خلصه وحرَّره الكلمة هو جسده، وهكذا إذ قد صرنا مُتَّحِدين بجسد الكلمة، خلُصنا على مثال جسده، وصار بهذا الجسد قائدنا إلى السماء، نحن الذين قد متنا قبل موت الكلمة في الجسد بعد مخالفة آدم، فيدحض ق. أثناسيوس بذلك أي معنى لنظرية البديل العقابيّ على الصليب، طالما أن جسده قد تم تخليصه وتحريره باتحاده بالكلمة نفسه في لحظة التجسُّد كالتالي:

”ولهذا من الصواب أن يُدعَى أيضًا ’أخانا‘ و ’بكرنا‘. لأنه بما أن البشر قد هلكوا بسبب مخالفة آدم، فإن جسده كان أول ما تمَّ تخليصه وتحريره، إذ أن هذا الجسد هو جسد الكلمة نفسه. وهكذا إذ قد صرنا متحدين بجسده، قد خلُصنا على مثال جسده، وبهذا الجسد صار الرب قائدنا إلى ملكوت السماوات وإلى أبيه؛ لأنه يقول: ’أنا هو الطريق‘ (يو 14: 6). و ’أنا هو الباب‘ (يو 10: 7). ويجب على الجميع ’أن يدخلوا بي‘. من أجل ذلك، يُدعَى ’بكر من بين الأموات‘، لا لأنه مات أولاً -إذ أننا قد متنا قبله- بل لأنه قد أخذ على عاتقه أن يموت لأجلنا، وقد أبطل هذا الموت، فإنه هو الأول الذي قام كإنسان، إذ قد أقام جسد لأجلنا. وتبعًا لذلك، حيث إن الجسد قد اُقِيم، هكذا نحن أيضًا ننال القيامة من بين الأموات منه وبسببه“.[42]

الاتحاد بالآب في المسيح

يرى ق. أثناسيوس أن المسيح يُكمِّل في الروح القدس كل معرفتنا عن الله، ويُتمِّم فيه كمالنا الخاص بنا، ويُوحِّدنا بالروح القدس مع شخصه ومن خلاله مع الآب، أي مع الثالوث القدوس كالتالي:

”ولكي يُكمِّل فيه كل معرفتنا عن الله [أي كل التعليم عن الله]، ويُتمِّم كمالنا الخاص، والذي به وحَّدنا مع شخصه ومن خلاله مع الآب“.[43]

يُوضِّح ق. أثناسيوس أن قداستنا مُستمدة من الآب بالابن في الروح القدس، وذلك لأن الروح القدس هو القوة الحيوية والعطية التي تُقدِّسنا ونستنير بها كالتالي:

”وأن نُفكِّر بطريقةٍ مشروعةٍ، وأن نُؤمِن بقداسةٍ واحدةٍ مُستمَدة من الآب بالابن في الروح القدس. لأنه كما أن الابن هو وليدٌ وحيدٌ، هكذا أيضًا الروح إذ هو مُعطَى ومُرسَل من الابن، هو نفسه واحد وليس كثيرين، وليس واحدًا من كثيرين، بل هو نفسه وحيد. إذًا، كما أن الابن – الكلمة الحيّ – هو واحدٌ، هكذا فإن القوة الحيوية والعطية التي بها يُقدِّس ويضيء، ينبغي أن تكون واحدة وكاملة وتامة، وهي التي يُقال عنها إنها تنبثق من الآب، لأنها من الكلمة – الذي يُعترَف أنه من الآب – وهي التي تشرق وتُرسَل وتُعطَى“.[44]

المبادلة الخلاصية الشفائية وليس العقابية

ويرى ق. أثناسيوس أن المسيح كطبيب ومخلص بعدما خلق الإنسان، واستدعت الضرورة علاج ما هو موجود، عندئذٍ جاء المسيح الطبيب الشافي لكي يشفي الخلائق الموجودة مُستخدِمًا جسده كأداةٍ بشريةٍ في إتمام ذلك، أي إتمام المبادلة الخلاصية وليس العقابية للموت بالحياة وللفساد بعدم الفساد عن طريق اتحاده بالكلمة الذي هو الحياة في ذاته كالتالي:

”ونجيب على اعتراضهم هذا بجوابٍ معقولٍ قائلين إنه في البدء لم يكن شيء موجودًا بالمرة. فكل ما كان مطلوبًا هو مجرد ’نطق‘ مع إرادة إلهية لإتمام الخلق. ولكن بعد أن خُلِقَ الإنسان (وصار موجودًا)، واستدعت الضرورة علاج ما هو موجود، وليس ما هو غير موجود، عندئذٍ كان من الطبيعي أن يظهر الطبيب والمخلِّص فيما هو موجود لكي يشفي الخلائق الموجودة. لهذا السبب قد صار إنسانًا، واستخدم جسده أداةً بشريةً […] ثم ينبغي أن يُعرَف هذا أيضًا، أن الفساد الذي جرى لم يكن خارج الجسد، بل كان ملتصقًا به، وكان الأمر يحتاج إلى أن تلتصق به الحياة بدلاً من الفساد حتى كما صار الموت في الجسد، تصير الحياة في داخل الجسد أيضًا“.[45]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على البعد الشفائيّ للخلاص في موضع آخر، حيث يتحدَّث عن سيادة الموت على الجنس البشري من آدم إلى موسى، ولعنة الأرض، وفتح الجحيم، وغلق الفردوس، وإهانة السماء، لذلك دفع الله محب البشر الإنسان المصنوع على صورته إلى الكلمة نفسه، لكي يعالج الإنسان كطبيب من لدغة الحية، وكان ذلك باتخاذه جسدًا من أجل استعادة الإنسان بالكامل كالتالي:

”لأنه حينما أخطأ الإنسان وسقط، وصارت كل الأشياء بسقطته في ارتباكٍ: حين ساد الموت من آدم إلى موسى (رو 5: 14)، ولُعِنَت الأرض، وفُتِحَ الجحيم، وأُغلِقَ الفردوس، وأُهِينت السماء، وأخيرًا، فسد الإنسان وتوحش (مز 49: 12)، وكان إبليس يسخر منا؛ فحينئذ قال الله مُحِب البشر الذي لم يُرد هلاك الإنسان المصنوع حسب الصورة: ’مَن أُرسِل؟ ومَن يذهب؟‘ (إش 6: 8). ولكن بعدئذٍ ذاك القائل: ’اذهب أنت‘ (إش 6: 9)، هو الذي دفع الإنسان إليه، لكي يستطيع الكلمة نفسه أن يصير جسدًا، وهكذا استعاد هذا الجسد بالكامل من خلال اتخاذ الجسد. لقد كان طبيبًا بالنسبة للإنسان الذي قد دُفِعَ إليه ليعالج لدغة الحية، وحياةً ليرفع مَن كان مائتًا، ونورًا ليضيء الظلمة؛ ولأنه كان الكلمة ليجدد الطبيعة العاقلة. لقد دُفِعت إليه كل الأشياء منذ ذلك الحين، وعندما صار إنسانًا، تمَّ ضبط وتكميل كل الأشياء في الحال. وهكذا نالت الأرض بركةً بدلاً من اللعنة، وفُتِحَ الفردوس للص، وانحسر الجحيم، وتفتحت القبور، وأُقِيم الموتى، وفُتِحَت أبواب السماء في انتظار ذلك ’الآتي من أدوم‘ (مز 24: 7؛ إش 63: 1)“.[46]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى شفاء ضعفات وأوجاع الجسد البشريّ من خلال حمل الكلمة لضعفات الجسد، لأنه اتَّخذ جسدًا وصارت ضعفات الجسد خاصة بجسده، وخدم الجسد أعمال اللاهوت المتَّحِد به، وبالتالي، يتمُّ افتدائنا نحن البشر من أوجاعنا ونمتلئ ببرّ الكلمة كالتالي:

”والكلمة حمل ضعفات الجسد، كما لو كانت له، لأن الجسد كان جسده، والجسد خدم أعمال اللاهوت، لأن اللاهوت كان في الجسد، ولأن الجسد كان جسد الله. وحسنًا قال النبي: ’حملها‘ (إش 53: 4)، ولم يقل إنه ’شفى ضعفاتنا‘، لئلا تكون هذه الضعفات خارج جسده، وهو يشفيها فقط – كما كان يفعل دائمًا – فيترك البشر بذلك خاضعين للموت، ولكنه حمل ضعفاتنا، وحمل هو نفسه خطايانا، لكي يتضح أنه قد صار إنسانًا لأجلنا، وأن الجسد الذي حمل الضعفات هو جسده الخاص، وبينما هو نفسه لم يصبه ضرر أبدًا، ’حمل خطايانا في جسده على الخشبة‘، كما قال بطرس (1بط 2: 24)، فإننا نحن البشر قد افتُدِينا من أوجاعنا وامتلأنا ببر الكلمة“.[47]

مفهوم التقدمة

يتحدَّث ق. أثناسيوس في سياق دفاعه عن ألوهية الابن عن مفهوم تقدمة الابن الجنس البشريّ للآب كجنسٍ طاهرٍ، وكاملٍ، ومُقدَّسٍ قائلاً:

”من أجل هذا أيضًا، فإنه إذ قد صار إنسانًا، فقد أظهر جهل البشر في نفسه، أولاً، لكي يُظهِر أن له جسدًا بشريًا حقًا، وثانيًا، لكي -عندما يكون له في جسده جهل البشر، يُقدِّم للآب جنسًا بشريًا مُفتدَى من بين الجميع، وطاهرًا، وكاملاً، ومُقدَّسًا […] فبالأولى جدًا كلمة الله كلي القداسة، خالق الشمس وربها، لا يتدنس بمجيئه في الجسد، بل بالعكس، فلكونه عديم الفساد، فقد أحيا الجسد المائت وطهَّره، فهو الذي كُتِبَ عنه: ’الذي لم يفعل خطيةً، ولا وُجِدَ في فمه مكر‘ (1بط 2: 22؛ إش 53: 9)“.[48]

ويربط ق. أثناسيوس بين مفهوم التألُّه أو شركة الطبيعة الإلهية وبين التقديس في إطار عرضه لمفهوم التقدمة أيضًا، حيث يتحدَّث عن انتقال الجنس البشريّ الضال إلى المسيح من خلال تجسده من العذراء لكي نصبح فيه جنسًا مُقدَّسًا ونصير شركاء الطبيعة الإلهية؛ فقد صار ابن الله إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته كالتالي:

”وإنْ كان الله قد أرسل ابنه مولودًا من امرأة، فإن هذا الأمر لا يسبب لنا عارًا، بل على العكس مجدًا ونعمةً عظمى. لأنه قد صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته، وقد صار (جسدًا) من امرأة، وُلِدَ من عذراء كي ينقل إلى نفسه جنسنا (نحن البشر) الذين ضللنا، ولكي نصبح بذلك جنسًا مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4) كما كتب بطرس المطوَّب. وما ’كان الناموس عاجزًا عنه إذ أنه كان (الناموس) ضعيفًا بواسطة الجسد، فإن الله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد‘ (رو 8: 3)“.[49]

وهكذا أخذ كلمة الله جسدًا ليُحرِّر به كل الأشياء ويُقرِّب العالم إلى الآب ويصنع سلامًا لكل المخلوقات سواء السماوية أو الأرضية كالتالي:

”لأن إيمان الكنيسة الجامعة يُقرّ بأن كلمة الله هو خالق كل الأشياء ومبدعها، ونحن نعرف أنه ’في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله‘ (يو 1: 1). فإننا نعبد ذلك الذي صار هو نفسه أيضًا إنسانًا لأجل خلاصنا، لا كما لو كان هذا الذي صار جسدًا هو مُساوٍ للجسد بالمثل، بل (نعبده) كسيد آخذًا صورة عبد، كصانع وخالق، صائرًا في مخلوق أي (الجسد) لكي بعد أن يُحرِّر به كل الأشياء، يُقرِّب العالم إلى الآب، ويصنع سلامًا لكل المخلوقات، سواء التي في السماوات أو التي على الأرض“.[50]

مفهوم الذبيحة

يشير ق. أثناسيوس إلى أن عمل الفداء لم يكن من أجل خلاص اللاهوت نفسه، بل من أجل خلاصنا نحن نسل إبراهيم، فالمسيح لم يقدم ذاته ذبيحةً لأجل نفسه ليفتدي نفسه، بل يفتدي الآخرين من الخطايا، وهنا يرفض ق. أثناسيوس فكرة احتياج اللاهوت إلى ذبيحة لأجل نفسه وعن نفسه، بل قدَّم الابن جسده لأجلنا نحن، ولم يكن تقديم الذبيحة ليفتدي نفسه كالتالي:

”فلو كان الكلمة حقًا من نفس جوهر الجسد حسبما تقولون، فأية حاجة كانت هناك لكي يقيم الكلمة بيننا، لكي يلبس ما هو من نفس جوهره الخاص، أو أن يتحوَّل عن طبيعته الذاتية فيصير جسدًا؟ لأن اللاهوت لم يخطئ في شيء وهو يفتدي خطايا الآخرين، حتى يصير جسدًا ويُقدِّم ذاته لأجل نفسه ويفتدى نفسه. لكن حاشا له أن يكون هكذا. لأنه كما قال الرسول جاء لمساعدة نسل إبراهيم، ومن ثم كان ينبغي أن ’يشبه أخوته في كل شيء‘ (عب 2: 16، 17)، ويتَّخذ جسدًا مشابهًا لنا. ولهذا السبب أيضًا، كانت مريم في الحقيقة مفترضةً من قبل ليأخذ الكلمة منها (جسدًا) خاصًا به ويُقدِّمه لأجلنا“.[51]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن الكلمة بعدما اتَّخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، نحن الخاضعين للموت والفساد، بذل جسده للموت عن الجميع وقدَّمه للموت وللآب من أجل محبته للبشر، وليس ترضيةً للآب الغاضب على البشرية، بل إبطالاً لناموس الموت والفناء عن البشر، وهكذا يدحض ق. أثناسيوس أية فكرة عن الإبدال العقابيّ للابن عنَّا، أو إنزال الآب عقوبة البشر على الابن المتجسِّد، بل الابن مِن فرط محبته للبشرية بذل ذاته لأجلهم، إذ قد مات الجميع في المسيح، فأين الإبدال العقابي إذا كان الجميع قد مات في المسيح؟ فالهدف من الخلاص هو إبادة الموت من البشر كما تبيد النار القش؛ لذا يقول التالي:

”وهكذا إذ اتَّخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدَّمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطِل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفِذَ في جسد الربِّ، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر المماثلة لجسد الربِّ. ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يُعِيدهم إلى عدم فساد، ويُحِييهم من الموت بالجسد الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تبيد النار القش“.[52]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على تقديم الكلمة جسده للموت كتقدمة مُقدَّسة وذبيحة خالية من كل عيب قائلاً:

”لذلك قدَّم للموت ذلك الجسد الذي اتَّخذه لنفسه كتقدمةٍ مُقدَّسةٍ وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمةٍ مناسبةٍ، فإنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه البشر“.[53]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على تقديم جسده للموت وإقامته ثانيةً وبالتالي، تمَّم بتأنُّسه هذا عمليتي المحبة، وهما: إبادة الموت من داخلنا وتجديدنا ثانيةً، وإعلان إنه كلمة الآب بأعماله في الجسد كالتالي:

”ولهذا السبب أيضًا، فإنه لم يُتمِّم ذبيحته عن الكل بمُجرَّد مجيئه مُباشرةً، بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانيةً. لأنه لو فعل ذلك لجعل ذاته غير ظاهر، ولكنه صيَّر نفسه ظاهرًا جدًا بتلك الأعمال التي عملها وهو في الجسد، والمعجزات التي أظهرها، وبذلك صار معروفًا أنه ليس بعد مُجرَّد إنسان فقط، بل أنه هو الله الكلمة. لأن المخلِّص تمَّم بتأنسه عمليتي المحبة: أولاً، أنه أباد الموت من داخلنا وجدَّدنا ثانيةً. ثانيًا، إنه إذ هو غير ظاهر ولا منظور، فقد أعلن عن نفسه، وعرَّف ذاته بأعماله في الجسد، بأنه كلمة الآب، ومُدبِّر وملك الكون“.[54]

المبادلة الخلاصية وليس العقابية

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على المبادلة الخلاصية وليس الإبدال العقابيّ، حيث أخذ الكلمة الذي لنا وأعطانا الذي له، أخذ كل الأشياء التي كان يتألم منها في جسده وينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة، وهكذا يُلبِسنا ما له أي عدم الموت وعدم الفساد كالتالي:

”لأن تلك الأشياء التي كان يتألم بها جسد الكلمة البشري، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة. ومن الغريب أن الكلمة نفسه كان متألمًا وغير متألم، فمن ناحية، كان [الكلمة] يتألم لأن جسده هو الذي كان يتألم، وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكلمة يتألم، لأن الكلمة – إذ هو إله بالطبيعة – فهو لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير الجسدي موجودًا في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوي فيه الكلمة غير المتألم؛ الذي كان يبيد العلل التي قَبِلَها في جسده. وكان يصنع هذا، وهكذا كان يصير، كي بعد أن يأخذ ما لنا [أي الجسد] ويُقدِّمه كذبيحةٍ، يقضي على العلل والضعفات كلها. وهكذا يُلبِسنا ما له، وهذا ما يجعل الرسول يقول: ’لأن هذا الفاسد لا بد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت‘ (1كو 15: 53)“.[55]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى المبادلة الخلاصية في سياق تدبير الخلاص، حيث اتَّحد الكلمة بالجسد البشريّ المائت، وحوَّله من جسد مائت إلى جسد غير مائت، ومن جسد حيواني نفسانيّ إلى جسد روحانيّ، ومن جسد ترابيّ إلى جسد سماويّ كالتالي:

”ولم يأت الكلمة من مريم لكي يرتقي هو، بل لكي يفدي الجنس البشريّ. فكيف، إذًا، يُفكِّرون أن الجسد وهو الذي افتداه الكلمة وأحياه، يقوم بإضافة شيءٍ ما من ناحية اللاهوت إلى الكلمة الذي أحياه؟ بل بالعكس، فإن الجسد البشريّ ذاته هو الذي حدثت له زيادة كبيرة، بسبب شركة الكلمة معه واتحاده به، لأنه [الجسد] صار غير مائت بعد أن كان مائتًا، ورغم أن الجسد كان حيوانيًا (نفسانيًا)، فقد صار روحانيًا، ورغم أنه من تراب الأرض، فقد اجتاز الأبواب السماوية“.[56]

هدف التجسد هو إبادة الموت

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن الهدف من اتخاذ الكلمة جسدًا قابلاً للموت هو إبادة الموت فيه وتجديد خلقة البشر الذين خُلِقوا على صورته كالتالي:

”ولهذا فقد كان من اللائق أن يأخذ جسدًا قابلاً للموت حتى يمكن أن يبيد فيه الموت، ويُجدِّد خلقة البشر الذي خُلِقوا على صورته. إذًا، فلم يكن كفئًا لسد هذه الحاجة سوى صورة الآب“.[57]

تجديد الإنسان بنعمة الروح القدس

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تجديد الرب لكل الأشياء بنعمة الروح القدس، وهكذا يجدد الله أرواحنا البشرية بروحه القدوس كالتالي:

”فمتى كان هذا إلا عندما جاء الرب وجدَّد كل الأشياء بنعمته؟ هوذا إذًا أيضًا في هذا القول، يتبيَّن لنا الاختلاف بين الأرواح. فروحنا هي التي تجدَّدت، ولكن الله يقول إن ذلك الروح الذي به تجدَّدت أرواحنا هو روحه، كما يقول المرنِّم في المزمور المئة والثالث: ’تنزع روحها فتموت وإلى ترابها تعود. تُرسِل روحك فتخلق وتُجدِّد وجه الأرض‘ (مز 103: 29، 30). وإذا كنا نتجدَّد بروح الله، فإن الروح الذي يُقَال عنه الآن إنه خُلِقَ لا يشير إلى الروح القدس، بل إلى روحنا“.[58]

انجماع البشرية في المسيح

يُؤكِّد ق. أثناسيوس أن كل ما كُتِبَ عن المخلِّص فيما يخص طبيعته الجسدية، يمكن تطبيقه على كل جنس البشرية، وذلك لأنه أخذنا جسدنا وأظهر ضعف البشرية، فهو يُؤكِّد بذلك على الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح، بحيث أن كل ما يُقَال عن المسيح من جهة ناسوته، فإنه يُقَال عن البشرية كلها، فهو يدحض بذلك نظرية البديل العقابيّ أو نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين أجسادنا وجسد المسيح، وهكذا تقول باختلاف أجسادنا عن جسد المسيح، وأننا كجسد المسيح مُجرَّد جسدًا اعتباريًا رمزيًا وليس أننا ككنيسة جسدًا حقيقيًا للمسيح يسوع ربّنا كالتالي:

”لأن كل ما كُتِبَ عن المخلِّص فيما يخص طبيعته الجسدية، يمكن تطبيقه على كل جنس البشرية، لأنه أخذ جسدنا، وأظهر فيه ضعف البشرية“.[59]

موت المسيح هو موت جميع البشر

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على حقيقة أن موت الرب هو موت جميع البشر وليس موته الخاص، وذلك لإبادة الموت في الجسد، ويدحض بذلك نظرية البدلية العقابية، التي ترى أن المسيح مات كبديل عقابيّ في ذاته، وأن عقوبة الموت وقعت على المسيح من قِبَل الآب كنائب عن البشرية، رغم أن ق. أثناسيوس يؤكد على أن موت المسيح كان موت البشر كلهم، وليس فردًا واحدًا نائبًا عن البشرية كلها، وكأنَّ المسيح كان منفصلاً عن البشرية وقت موته، بل كانت كل البشرية منجمعةً في شخص المسيح، وهذا ما لم يفهمه المنادون بنظرية البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس عن جهل ودون علم كالتالي:

”وفضلاً عن ذلك، فإن المخلِّص لم يأت لكي يُتمِّم موته هو، بل موت البشر، لذلك لم يضع جسده ليموت بموتٍ خاصٍ به إذ إنه هو الحياة وليس فيه موت، بل قَبِلَ في الجسد ذلك الموت الذي أتاه من البشر لكي يبيد ذلك الموت تمامًا عندما يلتقي به في جسده“.[60]

ويدحض ق. أثناسيوس مرةً أخرى نظرية الإبدال العقابيّ التي كانت منتشرة في لاهوت العصر الوسيط، وامتدت إلى اللاهوت البروتستانتيّ، حيث ترى موت المسيح إنه عقوبة أنزلها الآب على الابن نيابةً عن البشر لإيفاء العدل الإلهي حقه، وهذا ما يدحضه ق. أثناسيوس مُشِيرًا إلى أن الكلمة كان يحملنا نحن جميع البشر في جسده الخاص كالتالي:

”فلم يكن الكلمة نفسه هو المحتاج لانفتاح الأبواب، إذ هو رب الكل – فلم تكن مخلوقاته مغلقة في وجهه هو الذي خلقها – بل نحن الذين كنا في احتياج إلى ذلك، أي إلى انفتاح الأبواب، نحن الذين حملنا في جسده الخاص. لأنه كما قدَّم جسده للموت عن الجميع، هكذا بنفس هذا الجسد أيضًا، أعدَّ الطريق للصعود إلى السماوات“.[61]

يشير ق. أثناسيوس إلى أن جسد الربِّ هو جسد مشترك لنا جميعًا، الذي أحتمل فيه الإهانات بإرادته من أجلنا، داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة والبديل العقابيّ اللتين تفصلان البشرية عن جسد المسيح وعمله الخلاصي للبشرية جمعاء، ولأسف هذا الفصل هو فصل نسطوريّ بحت، حيث يرى نسطوريوس انفصال اللاهوت عن الناسوت في المسيح، وبالتالي انفصال البشرية عن الاتحاد بالله في المسيح، لذا يقول ق. أثناسيوس التالي:

”أمَّا الشمس فإذ لم تحتمل تلك الإهانات المثيرة التي وقعت على جسد الربِّ المشترك لنا جميعًا، والتي احتملها هو نفسه من أجلنا بإرادته. فإنها استدارت وحجبت أشعتها، وجعلت ذلك اليوم بلا شمس“.[62]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على الموت الكليّ للبشرية في المسيح داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة والبديل العقابيّ اللتين تفصلان البشرية عن جسد المسيح، كما يشير إلى أننا في المسيح نفسه قد تمَّ تمجيدنا مُقَامين من بين الأموات وصاعدين إلى السماوات كالتالي:

”وبما أن الكلمة هو صورة الآب، وهو غير مائت، قد أتَّخذ صورة عبد، وكإنسان عانى الموت بجسده من أجلنا. لكي بذلك يبذل نفسه للآب بالموت من أجلنا، لأجل هذا السبب يُقَال عنه إنه كإنسان مُجِّد أيضًا نيابةً عنَّا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدَنا مجدًا عاليًا، مُقَامين من بين الأموات، وصاعدين إلى السماوات ’حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا‘ (عب 6: 20)، ’لأن المسيح لم يدخل إلى أقداسٍ مصنوعةٍ بيدٍ أشباه الحقيقية، بل إلى السماء عينها، ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا‘ (عب 9: 24). فإن كان المسيح قد دخل الآن إلى السماء عينها لأجلنا، رغم أنه من قبل هذا الحدث، كان هو دائمًا الرب وخالق السماوات، فتبعًا لذلك تكون هذه الرفعة الحالية قد كُتِبَت أيضًا من أجلنا نحن“.[63]

تمجيد البشرية في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى اتحاد البشرية بنفس الجسد مع المسيح مما يؤدي إلى تمجيدنا العالي في المسيح، فلا تندهش القوات السمائية حينما ترانا نحن البشر المتحدين مع المسيح في نفس الجسد ونحن ندخل إلى مناطقهم السمائية بالمجد والبهاء في المسيح كالتالي:

”لأن مجد الله الآب هو أن يوجد الإنسان الذي كان قد خُلِقَ ثم هلك، وهو أن يحيا الذي مات، وهو أن يصير الإنسان هيكل الله. ولأن القوات السمائية من ملائكة ورؤساء ملائكة كانت تعبده دائمًا، فإنهم الآن أيضًا يسجدون للرب باسم يسوع، فهذه النعمة وهذا التمجيد العالي إنما هو لنا، وإنه بالرغم من أنه صار إنسانًا وهو ابن الله فإنه يُعبَد. لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا – المتَّحِدين معه في نفس الجسد – داخلين إلى مناطقهم السمائية، وهذا قطعًا -لم يكن ممكنًا أن يحدث بأية طريقة أخرى، اللهم إلا إذا كان هذا الذي كان موجودًا في صورة الله، قد اتَّخذ لنفسه صورة العبد، وأذل ذاته راضيًا بأن يصل جسده حتى إلى الموت“.[64]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح في سياق حديثه عن مسحة البشرية بالروح القدس في شخصه، واعتماد البشرية في شخصه، وتمجيد البشرية في شخصه، وفي الأخير تقديس البشرية في شخصه كالتالي:

”أمَّا البشر – الذين يأخذون البداية منه وبسببه – فهؤلاء هم الذين يرتقون. لأنه حينما يُقَال بحسب الوجهة البشرية إنه الآن يُمسَح -نكون نحن الذين نُمسَح في شخصه، حيث إنه حينما اعتمد، نكون نحن الذين نعتمد في شخصه، ويُوضِّح المخلِّص بالأحرى كل هذه الأمور، حينما يقول للآب: ’وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا، كما أننا نحن واحد‘ (يو 17: 22). وتبعًا لذلك، فإنه كان يطلب المجد أيضًا من أجلنا. وبسببنا أيضًا استخدم كلمة ’أخذ‘ وكلمة ’أعطى‘ وكلمة ’مُجِّدَ مجدًا عاليًا‘. وذلك لكي نأخذ نحن أيضًا ولكي يُعطِي لنا، ولكي نُمجَّد نحن فيه مجدًا عاليًا. وذلك كما يُقدِّس ذاته من أجلنا، لكي نتقدَّس نحن في شخصه“.[65]

يُشِير ق. أثناسيوس إلى اشتراك المخلوقات في الابن المولود لا بسبب طبيعتها الذاتية، بل بسبب مشاركتها للابن في الروح القدس، داحضًا بذلك أية إشارة إلى نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين المخلوقات والابن خالقها كالتالي:

”أمَّا المخلوقات فلأنها مخلوقةٌ، فمن المستحيل أن يُقَال عنها إنها مولودةٌ، إلا فيما بعد، أي بعد خلقتها، حينما تشترك في الابن المولود. وفي هذه الحالة، يقولون عنها أيضًا إنها قد وُلِدَت ليس بسبب طبيعتها الذاتية، بل بسبب مشاركتها للابن في الروح“.[66]

جسد الكلمة هو جسدنا نحن

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن جسد الكلمة هو جسدنا نحن؛ الذي اتخذه عندما صار إنسانًا، داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة التي تقول بأننا نحن المؤمنون أي الكنيسة، مُجرَّد جسد اعتباريّ رمزيّ، وليس جسدًا حقيقيًا للربِّ يسوع المسيح كالتالي:

”وواضح أن بيت الحكمة هو جسدنا، الذي عندما اتَّخذه الكلمة، صار إنسانًا. وقال عنه يوحنا بحقٍ: ’الكلمة صار جسدًا‘ (يو 1: 14)“.[67]

انجماع البشرية في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى الانجماع الكليّ للبشرية في جسد المسيح من أجل بقاء جسدنا غير مائت وغير فاسد، وهكذا نصل به إلى الإنسان الكامل في المسيح قائلاً:

”إذًا، فالرب عندما ’أُسِّس‘، لم يكن هذا هو بداية وجوده لأنه قبل التأسيس كان هو الكلمة، لكن عندما لبس جسدنا الذي أخذه كقطعة من جسد مريم، عندئذٍ يقول: ’أسَّسني‘، كما لو كان يقول: ’لكوني الكلمة فقد ألبسني جسدًا ترابيًا‘. لأنه هكذا تأسَّس من أجلنا؛ آخذًا ما يخصنا على عاتقه. لكي باتحادنا معه في الجسد، وارتباطنا به بسبب مشابهة الجسد، نبقى غير مائتين وغير قابلين للفساد، ونصل به إلى إنسان كامل (أف 4: 13)“.[68]

ويدحض ق. أثناسيوس نظريتي البديل العقابيّ والأجساد الثلاثة من خلال تأكيده على أننا محمولون في الابن، لأن الكلمة جاء ليحلَّ فينا، وهكذا صرنا جميعًا باشتراكنا فيه جسدًا واحدًا؛ لأننا نحصل على الرب الواحد في أنفسنا، وهكذا نصير كاملين بكمال جسد المسيح الذي نكون معه جسدًا واحدًا كالتالي:

”إذًا، فالكلمة هو في الواقع وبالحقيقة واحدٌ مع الآب في الجوهر. أمَّا نحن فقد أُعطِيَ لنا أن نتشبه بهذه الطبيعة [أي الطبيعة الإلهية]، كما سبق أن قيل لأنه أضاف مُباشرةً: ’أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد‘ (يو 17: 23). ولذا فالربّ هنا يطلب لأجلنا شيئًا أعظم وأكمل. لأنه واضح أن الكلمة قد جاء لكي يكون فينا؛ لأنه قد لبس جسدنا. وبقوله: ’وأنت أيها الآب فيَّ‘، فهو يعني ’لأني أنا كلمتك‘، وحيث إنك أنت فيَّ بسبب كوني كلمتك، وأنا فيهم بسبب الجسد، ومنك يتحقَّق خلاص البشر فيَّ، لذلك أسأل أن يصيروا هم واحدًا بسبب الجسد الذي فيَّ، وبحسب كماله لكي يصيروا هم أيضًا كاملين؛ إذ يكون لهم وحدة مع الجسد، ولأنهم قد صاروا واحدًا في هذا الجسد، فإنهم كما لو كانوا محمولين فيَّ، يصيرون جميعًا جسدًا واحدًا، وروحًا واحدًا؛ لأننا جميعًا باشتراكنا فيه، نصير جسدًا واحدًا، لأننا نحصل على الربِّ الواحد في أنفسنا“.[69]

تقديس الأشياء بالروح القدس

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديس وتمجيد كل الأشياء أي المخلوقات بالمشاركة في الروح القدس الذي يُقدِّس ويُمجِّد كل الأشياء التي تشترك معه كالتالي:

”فإن كل هذه الأشياء الأخرى [أي المخلوقات] قد تكوَّنت وتقدَّست وتمجَّدت بالمشاركة أيضًا. إذًا، فهناك حاجة ملحة أن تقولوا لنا، مَنْ هو الذي يُشارِكه (الابن)، ما دامت كل الأشياء الأخرى لها شركة في الروح (القدس)، أما هو -فبحسب قولكم- لمَّن يستطيع أن يكون (الابن) مُشارِكًا؟ هل للروح؟ بل كما قال هو ذاته حقًا بالأحرى إن الروح نفسه يأخذ من الابن (يو 16: 14)، ومن غير المعقول القول بأن هذا (الابن) يُقدَّس من ذلك (الروح)، ولا يتبقى بعد ذلك بالضرورة إلا أن نقول إن الآب هو الذي يُشارِكه الابن“.[70]

تقديس جسدنا بجسد المسيح

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن اللوغوس واهب الروح القدس نفسه، قد مُسِحَ لأجلنا بالروح القدس في الجسد، لكي ما نمتلك هذا التقديس بشركة ومسحة الروح القدس في أجسادنا نحن، وهكذا لم يشر ق. أثناسيوس إلى تقديس البشرية بإزالة العقوبة عن البشرية كما في نظرية البدلية العقابية التي انتشرت في لاهوت العصر الوسيط وفي اللاهوت البروتستانتيّ، بل باتحاد اللوغوس بالجسد ومسحة الروح القدس لجسده من أجلنا؛ فصرنا من خلال ذلك مُقدَّسين في المسيح كالتالي:

”هكذا يُرِينا داود أيضًا أنه ليست هناك طريقة أخرى لكي نُشارِك الروح، ونتقدَّس لو لم يقل اللوغوس ذاته، واهب الروح، بأنه هو ذاته مُسِحَ بالروح من أجلنا، ولهذا السبب طبعًا أخذنا الروح، إذ إنه هو الذي قيل فيه إنه قد مُسِحَ بالجسد. حيث إن جسده الخاص هو الذي تقدَّس أولاً، وإذ قيل عنه كإنسان إن جسده قد اتَّخذ هذا الروح، فلأجل هذا، فنحن نمتلك نتيجة ذلك نعمة الروح، آخذين إياها ’من ملئه‘ (يو1: 16)“.[71]

الخلاص بتأليه البشر

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على ترقي ورفعة الأشياء التي يعوزها الترقي والرفعة في المسيح، لأن الابن في تجسُّده جعل البشر أبناءً للآب وقام بتأليه البشر في تأنسه كالتالي:

”لذلك فإنْ كان للابن ذلك المجد حتى قبل خِلقة العالم، وكان هو رب المجد وهو العلي، ونزل من السماء، وهو معبود على الدوام، فينتج من ذلك أنه لم يترق بنزوله، بل بالأحرى هو نفسه الذي رقى الأشياء التي يعوزها الترقي، وإنْ كان قد نزل من أجل ترقيتها، لذلك فإنه لم يحصل على اسم ابن وإله كمكافأة، بل بالأحرى فإنه هو نفسه جعلنا أبناء للآب وألَّه البشر بكونه صار إنسانًا“.[72]

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم أنسلم الكانتربري

سوف نستعرض في هذا الفصل تعليم الكفارة والفداء عند أنسلم رئيس أساقفة كانتربريّ بإنجلترا، وذلك لمقارنة تعاليمه بتعاليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص، لنرى الاختلاف الكبير بن تعليم ق. أثناسيوس عن التعليم الغربي بالترضية وإيفاء العدل الإلهيّ، والإبدال العقابيّ.

يُسمَّى أنسلم أبا المدرسيين الذين درَّسوا في جامعات العصور الوسطى. وكان أنسلم رئيس أساقفة كانتربري في القرن الثاني عشر. وكان واقعيًا. حيث يفترض الواقعيون أن الأفكار والآراء لها وجود في الواقع، بينما أعتقد الأسميون بأن الأفكار أو الأفكار العامة بين جميع البشر هي مُجرَّد أفكار ليس لها أيّ وجود سوى في الفكر. فهم يرون أن الأشياء التي لها أهمية هي الموضوعات الفردية في العالم الماديّ فقط.[73] وإذ كان أنسلم يقف على حافة نهضة القرن الثاني عشر اللاهوتية، قدَّم إسهامات حاسمة في مجالين من مجالات الدراسة، وهما: البراهين على وجود الله، والتفسير العقلانيّ لموت المسيح على الصليب.[74] وخلال إحدى الفترات التي قضاها أنسلم في العمل في إيطاليا، بعيدًا عن إنجلترا، كتب ذلك المؤلَّف الذي ربما يُعدُّ أهم مؤلفاته، بعنوان Cur Deus homo ”لماذا صار الله إنسانًا“. سعى أنسلم في هذا المؤلَّف إلى تقديم إثبات عقلانيّ لضرورة أن يصير الله إنسانًا، بالإضافة إلى تحليل للفوائد التي تعود على البشرية نتيجة تجسُّد ابن الله وطاعته. ومرةً أخرى، يُظهِر هذا المؤلَّف خصائص تنتمي إلى السكولائية في أفضل صورها، ومنها الاحتكام إلى العقل، وحشد الحجج المنطقيّ، واستكشاف معاني الأفكار الضمنية ونتائجها وتطبيقاتها، هذا الاستكشاف الذي لا يلين، بالإضافة إلى القناعة الأساسية بأن الإنجيل المسيحيّ في لبه هو إنجيل عقلانيّ، يمكن إثبات كونه عقلانيًا.[75]

الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته

للحديث عن مفهوم ”الترضية“ و ”البدلية العقابية“ عند أنسلم الكانتربريّ، ينبغي علينا أولاً الحديث عن مفهوم أنسلم عن الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته، والذي نتج عنه مبدأ الترضية، والتعويض، وإيفاء العدل الإلهيّ، والإبدال العقابيّ. حيث يتحدَّث أنسلم عن ماهية الخطية كإهانة لله، وسلب لحقه في الإكرام، وحط من قدره قائلاً:

”فمَّنْ لا يؤدي واجب الإكرام هذا لله، يكون قد سلب الله حقه، وحطَّ من كرامته […] وكذلك مَنْ حطَّ من كرامة صاحبه، فلا يكفي أن يرد له الإكرام الواجب، ينبغي عليه أيضًا التعويض الكافي عن طريق ترضيته عن الإهانة. ومن الملاحظ في هذا الشأن أن المغتصِب الذي يرد المال المغتصَب، ينبغي عليه أن يُعطِي شيئًا، لم يُطالِب به، لو لم يعتد على غيره في ماله. وبالتالي، ينبغي على كل مَنْ يفعل الخطية أن يرد لله الإكرام الواجب الذي سلبه. وهذا هو الإيفاء المطلوب من الخاطئ لله“.[76]

لا يوجد غفران بدون عقوبة

يتحدَّث أنسلم عن عدم غفران الله للخطية من دون عقاب في موضع آخر قائلاً:

”لا يليق بالله أن يغفر خطية من دون عقاب عليها“.[77]

مبدأ إيفاء العدل الإلهي

يشرح أنسلم الكانتربريّ مبدأ إيفاء العدل الإلهيّ حقه، ورد كرامة الله المهانة من البشر بسبب الخطية، واسترداد الله لكرامته المهانة بفرض العقوبة على الخطأة قائلاً:

”لا يوجد شيء ينبغي الحفاظ عليه عند الله أكثر من كرامة مقامه. […] ثم يتساءل: أنسلم: هل يبدو لك إذَا سمح الله بحدوث هذا النهب، ولم يسترد الشيء المنهوب، ولم يُعاقِب الناهب، أنه بذلك يُحافِظ على كرامته العالية المحافِظة الحقيقية التي لا يشوبها أيّ شيء. بوزو Boso: لا أستطيع قول ذلك. أنسلم: بناءً على ذلك، ينبغي أن يسترد الكرامة المهَانة، أو يفرض العقاب، وإلا لن يسير كل من العدالة والقوة الإلهية في مسارهما، ولا يمكن تصوُّر ذلك على الإطلاق“.[78]

ثم يشرح أنسلم بمثالٍ كيفية إيفاء المسيح للقصاص الإلهيّ العادل عوضًا عن البشر المجرمين في حق الله الآب كالتالي:

”حيث كان من الصعب لأحد غيره أن يجد منفذًا من حكم القصاص. وكان ابنه الأمين والصادق هذا له مكانة عظيمة عند ذلك الأب، وهو يحب كثيرًا أولئك الأولاد المجرِمين، فأراد بما له من القدرة أن يُصالِح كل الذين يثقون بمشورته مع الأب بعمل خدمة مُرضِية جدًا، لديه واجب أن يعملها في يوم مُحدَّد بحسب مشيئة الأب […] وحيث كان من الصعب على الذين يريدون الخلاص أن يحضروا جميعًا حينما أكمل المسيح ذلك الفداء، كانت قوته موته فعَّالة بهذا القدر، حتى أن غير الموجودين في الزمان والمكان، يُمكِنهم استنتاج ذلك“.[79]

توضيح نظرية الترضية لأنسلم

انصب تركيز أنسلم بالكامل على برِّ الله. فالله يفتدي البشر على نحوٍ متسق تمامًا مع صفة بره. وقد كانت أطروحة أنسلم بعنوان Cur Deus homo ”لماذا صار الله إنسانًا“ عبارة عن تناول بارع لمسألة إمكانية فداء البشر، في هيئة حوار ثنائيّ. وفي سياق تحليله، أثبت – مع أن مدى نجاحه في هذا يُعدُّ مثار جدل – كلا من ضرورة التجسُّد، والطاقة الخلاصية الكامنة في موت يسوع المسيح وقيامته من بين الأموات. وقد كانت حجته مُعقَّدة، ويمكن تلخيصها على النحو التالي:

  • خلق الله البشر في حالة من البر الأصليّ كي يقتادهم إلى حالة من النعيم الأبديّ.
  • كانت هذه الحالة من النعيم الأبديّ مشروطةً بطاعة الإنسان لله. لكن، بسبب الخطية، صار البشر عاجزين عن تتميم شرط الطاعة اللازم توافره، الأمر الذي يبدو كما لو أنه أحبط قصد الله من خلق البشر من الأساس.
  • وإذ من المستحيل أن تُحبَط مقاصد الله، لا بد من وجود وسيلة يمكن بها علاج هذا الوضع. لكن، لا يمكن علاج الوضع، إلا إذَا قُدِّمَت ترضيةً عن الخطايا. بعبارةٍ أخرى، كان ينبغي فعل شيء، يمكن من خلاله محو الإساءة التي تسبَّبت فيها خطايا البشر وتطهيرها.
  • لكن ما مِن وسيلة يمكن بها للبشر أن يُقدِّموا هذه الترضية اللازمة. فالبشر يفتقرون إلى الموارد اللازمة. لكن في المقابل، لدى الله الموارد اللازمة لتقديم الترضية المطلوبة.
  • ومن ثمَّ، كان من شأن ”الله-الإنسان“ أن تكون لديه القدرة بصفته الله، وأن يكون عليه الإلزام بصفته إنسانًا، بأن يسدّ الترضية المطلوبة. ومن ثمَّ، حدث التجسُّد حتى يمكن تقديم الترضية المطلوبة، وفداء البشر.

تستلزم بعض النقاط السابقة تعليقًا. أولاً، حُسِبَت الخطية هنا إساءةً في حق الله. ويبدو أن حجم هذه الإساءة متناسب طرديًا مع مكانة الطرف المساء إليه. رأى العديد من الباحثين والدارسين أن هذا يوحي بتأثُّر أنسلم الشديد بالمبادئ الإقطاعية التي كانت سائدةً في أيامه، وأنه ربما اَعتبر الله مُعادِلاً لشخصية ”السيد الإقطاعيّ“ أو ”البارون“.

ثانيًا، أُثِيرَ جدلٌ لا بأس به حول أصول فكرة ”الترضية“ Satisfaction. فربما كانت هذه الفكرة مُستمَدة من القوانين الألمانية في تلك الفترة، والتي كانت تنص على وجوب محو الإساءة أو تطهيرها عن طريق دفع ثمن ملائم. لكن، يعتقد غالبية الباحثين والدارسين أن أنسلم احتكم في هذا بشكلٍ مباشرٍ إلى نظام التوبة الذي كان متبعًا في الكنيسة. فقد كان الخاطئ الذي يلتمس التوبة يُطالَب بالاعتراف بكل خطاياه. وعند نطق الكاهن بالحلِّ أو الصفح، كان يطلب من التائب أن يفعل شيئًا (مثل الذهاب في رحلةٍ إلى الأراضي المقدَّسة، أو القيام بعملٍ خيريّ) باعتباره ”ترضيةً“ – أي وسيلةٌ علنيةٌ للتعبير عن الامتنان لأجل الصفح. ومن المحتمَل أن يكون أنسلم قد استقى فكرته من هذا المصدر.

لكن، على الرغم من الصعوبات الواضحة التي صاحبت منهجية أنسلم، أحرز من خلالها تقدُّمٌ مهمٌ. فإن إصرار أنسلم على كون الله مُلزمًا كليةً وتمامًا بالتصرف طوال عملية فداء البشر وفقًا لمبادئ العدل والبرِّ، هو أمر مثَّل مقاطعةً حاسمةً لمنهجية ”كريستور فيكتور“ (المسيح الغالب)، تلك المنهجية المشكوك في إتباعها المبادئ الأخلاقية السليمة. وبتبني الكُتَّاب اللاحقين منهجية أنسلم، استطاعوا وضعها فوق أساس أكثر ثباتًا، وذلك عن طريق ترسيخها في مبادئ القانون العامة.[80]

ويرى الأب الكاثوليكيّ فالتر كاسبر أن أنسلم ينطلق في نظريته عن التكفير أو الترضية من ”نظام الكون“. هذا النظام الشامل المعقول تُعكِره الخطيئة. والإنسان مُسلَّم هكذا إلى الجنون. وهذا الفساد يستدعي التعويض الذي سيكون التكفير. ولو كان الله نفسه يمنح التكفير بمحض الرحمة، لما أرضى ذلك العدل.[81] فلا بد إذًا من القول: ”إمَّا التكفير وإمَّا العقاب“ (أنسلم، لماذا تجسَّد الله، 1: 15). يجب أن يقتضي الله تكفيرًا وتعويضًا. ولكن مقتضى الله هذا يُحبِطه الإنسان. فالخطيئة هي ضد الله اللا متناهي، ولذلك فهي نفسها لا متناهية.[82] ويشرح أنسلم منطقه هذا باستناده خصوصًا إلى مفهوم ”شرف الله“. فقد خُلِقَ الإنسان ليُطِيع الله ويخدمه، ويستسلم له. وقد حاد عن هذه الغاية بالخطيئة. ولكن كلما كان المهَان عظيمًا، عظُمَت أيضًا الإهانة. وشرف الله لا مُتناهٍ، فدَّين الإنسان كذلك لا مُتناهٍ. والتكفير اللا متناهيّ ضروريّ. ولكن الإنسان المتناهيّ غير قادر على القيام به.

وينتج من ذلك أن الإنسان مُلزَم بالتكفير، ولكن الله وحده قادرٌ على القيام به. والتكفير الذي يُعِيد ”نظام الكون“ و ”شرف الله“ لا يمكن تحقيقه إلا بمَّن هو في الوقت عينه إلهٌ وإنسانٌ، أي الإنسان الإله. والسؤال: ”لماذا صار الله إنسانًا“؟ يجد هكذا الجواب عنه. ولكن هذا لا يقول بعد لماذا كان على الله أن يصعد على الصليب ليفتدينا. ويُضِيف أنسلم أيضًا أن حياة يسوع في الطاعة لا تكفي للفداء، إذ إن الإنسان مُلزَم من قبل بتلك الطاعة بالخلق. فالتكفير لا يمكن أن يتحقَّق إلا بشيءٍ لا يُلزِم من قِبَل يسوع بكونه إنسانًا. ولا يمكن يكون سوى موته، إذ إن يسوع لمَّا كان بلا خطيئة فهو غير خاضع لمصير الموت. وبما أن يسوع نفسه لم يكن بحاجة إلى هذا التكفير، فالله قادرٌ على أن يجعله موضوع استحقاق لجميع الآخرين. والعجز في ميزانية جميع الآخرين يُسدِّده فيض ما هو عند المسيح. فيسوع أعاد إذًا بموته الطوعيّ التوازن لـ ”نظام الكون“ وحقَّق التكفير عن الجميع.

لا يمكن أن تُفهَم نظرية أنسلم جيدًا إلا إذَا وُضِعَت في إطار الإقطاع الچرمانيّ، في بداية العصر الوسيط. وهذا يرتكز على علاقة الأمانة التي تربط السيد بمَّن هو تحت يده، وهذا يُقطِعه السيد أرضًا مع حمايته التي تجعل له نصيبًا في السلطة العامة. ويتقبَّل السيد منه الوعد بأن يتبعه ويخدمه. والاعتراف بجميل السيد هو إذًا أساس النظام، والسلام، والحرية، والحقّ. وشرف السيد ليس شرفه الخاص، بل هو موقعه الاجتماعيّ الذي يجعله ضامنًا للسلام العام. وكل نيل من هذا الشرف يتضمَّن هدم الحقّ والسلام، وخسارة الحرية، والفوضى. وبطلب هذا الشرف لا يُنظَر إلى الإرضاء الشخصيّ للسيد، بل إلى إعادة النظام الجماعيّ. ويُميِّز أنسلم بالطريقة نفسها شرف الله ”في ما يعود إليه“ وشرف الله ”في ما يعود إلى الخليقة نفسها“. ففي الأمر الأول لا يمكن زيادة أيّ شيء عليه أو إنقاص أيّ شيء منه. أمَّا إذَا كان الإنسان لم يعدّ يعترف بشرف الله، فينهار ”نظام العدالة“ في العالم.

إن انتهاك شرف الله لا ينال إذًا من الله نفسه، بل من الإنسان والنظام وجمال العالم. وليس شرف الله الشخصيّ الذي يُطلَب رده إلى نصابه، بل العالم المشوَّش والمخلَّع، هذا العالم الذي لا يسوده النظام إلا ما دام يحترم شرف الله. وليس الموضوع هنا التعويض عن شرف إله غيور، ولا شأن نظام قانونيّ مُجرَّد، أو ميزانية يجب أن تُوازن. الموضوع هو الاعتراف بشرف الله وإعادته في سبيل الحرية والسلام والنظام، ولأجل أن يُعَاد إلى العالم معناه.[83]

يحاول أنسلم إثبات حتمية حدوث التجسُّد من خلال العقل بدلاً من التقليد والكتاب المقدَّس. وكانت خطة بحسب الظاهر هو أن يُثبِت لليهود والمسلمين تلك العقيدة مُقدَّمةً في صورة حوار ثنائيّ، والمتحاوران هما أنسلم نفسه وتلميذًا له يُدعَى بوزو Boso.

يبدأ أنسلم بالمشكلة التي يحلها التجسُّد: مشكلة الخطيئة.[84] ويُعرِّف الخطيئة على أنها عصيان لله. وأيّ إخفاق في التسليم الكامل لإرادة الله يجعلنا في حالة خطيئة أمامه. وللأسف، هذا ما حدث، فليس هناك ما يمكننا القيام به لتصحيح الوضع، كما يقول أنسلم:

”إن أيّ شخص لا يعطي الاحترام الواجب لله، فكأنه يسرق من الله ما ينتمي إليه، وهذه خطيئةٌ. وما هو أكثر من ذلك، طالما أنه لا يُسدِّد ما سرقه من الله، فإنه سيظلُّ مُذنِبًا. وليس كافيًا أن نرد ما سرقه، لأن هذا الشخص أهان الله، وعليه أن يُعيد شيئًا أكثر مما أخذ“.[85]

وقد أقتبس أنسلم هذه الأفكار مُباشرةً من مجتمع العصور الوسطى. فالناس الذين خضعوا للنظام الإقطاعيّ في العصور الوسطى دانوا بالولاء للسيد، وكان عليهم أن يطيعوه، وإنْ لم يفعلوا ذلك فهذه إهانةٌ كبيرةٌ له، وكأنهم سرقوا كرامته وشرفه. وإنْ لم يرد السارق ما أخذه، بل وزيادة، نظرًا لأنه قد تسبَّب في الإهانة، فسوف يُعاقَب. أمَّا في حالة الخطيئة، فيتوجَّه أنسلم لنقطة أننا لا نستطيع أن نُعوِّض الله. فلكي نفعل ذلك، علينا أن نعطيه شيئًا لا ندين به له. لكننا ندين لله بكل شيء، إذ أننا موجودون فقط لأنه خلقنا، وحتى لو لم نكن قد أخطأنا سنكون أيضًا مدينين له بولائنا الكامل وكل شيء نمتلكه. ويسأل أنسلم بوزو السؤال الحاسم:

”أنسلم: ما الذي ستُقدِّمه لله من أجل خطاياك؟ بوزو: إذَا كنتُ أنا مدينٌ له بنفسي وبكل شيء حتى وإنْ لم أفعل خطيئةً، ثم بعد أن أخطأت، لم يعدّ لديَّ شيء لأُقدِّمه. أنسلم: ماذا سيحدث لك؟ وكيف يمكنك أن تخلُص؟ بوزو: إذَا أنا فكَّرت فيما قلته لي. لا أستطيع أن أجد أيّ طريق للخلاص“.[86]

وما هو أسوأ قادمٌ. إن عصيان الله هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث. هي جريمةٌ شرها لا نهائيّ. لذا، فلكي نُعوِّض الله عن حقه من الاحترام الواجب، علينا أن نُقدِّم شيئًا ثمينًا يفوق هذه الخطيئة اللا نهائية، وكيف يمكننا فعل ذلك؟ المشكلة هي هنا بما أن الطرف المذنب، أي البشرية يجب أن تُرضِي الله، وهذا ما تعجز عن فعله. في الواقع، أن الله وحده مَن يمكنه فعل ذلك. وهنا يكون الاستنتاج واضح:

”أنسلم: إذًا، فالله وحده هو القادر على أن يُقدِّم هذه الترضية. بوزو: هذا ما يتبع ذلك. أنسلم: لكن ليس من أحد سوى البشر يلزمهم فعل هذا، وإلا لن يكون البشر قد قدَّموا هذه الترضية. بوزو: ليس هناك عدل أكثر من هذا. أنسلم: […] حتى إذَا لم يكن أحدٌ سوى الله الذي يمكنه القيام بهذه الترضية، وليس مَن يمكنه غير الإنسان الذي يلزم عليه القيام بها، لذلك يجب أن يكون هناك إله-إنسان لكي يقوم بذلك. بوزو: تبارك الله!“.[87]

ولتنفيذ هذه الخطة يجب أن يكون الله-الإنسان إلهًا كاملاً وإنسانًا كاملاً. وعليه أن يُقدِّم تقدمةً غاليةً لا نهائيةً. ولأنه هو الله، فإن موته له قيمة لا نهائية. لذا، يسمح هذا الله-الإنسان لنفسه أن يموت مُقدِّمًا موته كتعويض عن الإهانة التي لحقت به بسبب البشرية. وهذا يكفي ويزيد لتعويض ما سُلِبَ، ويمكن للبشرية الخاطئة أن تنال الغفران.

نقد نظرية الترضية لأنسلم

إن تعليم أنسلم هو تقرير موضوعيّ عن الخلاص. فهو يرى الخطيئة على أنها دَّينٌ كونيّ، سدَّده الله لنفسه. وتقف البشرية الخاطئة موقف المراقِب لهذه المبادلة بطريقةٍ سلبيةٍ بدون أن تُشارِك فيها [وهذا عكس تعليم الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح عند ق. أثناسيوس وآباء الشرق اليونانيّ]. ولا يتحدَّث هذا التعليم عن تغيُّر العلاقة مع الله، ولا الطريقة التي يمكن من خلالها للبشرية الخاطئة أن تتغيَّر إلى حياةٍ أفضل. بالطبع هذه الأمور مهمةٌ لأنسلم، ولكنها لا تلعب دورًا في فكره اللاهوتيّ عن الخلاص بالمعنى الدقيق للكلمة. فبالنسبة له، يُشبِه البشر مجرمون هربوا من حكم الإعدام. وأيّ تغيير لاحق في القلب والحياة الأفضل التي يمكن أن يتمتَّع بها الإنسان تأتي كرد فعل للخلاص، وليست جزءًا من الخلاص ذاته، وهذا يتعارض بشدةٍ مع تعاليم أبيلارد في وقتٍ لاحقٍ، وكذلك مع تأكيدات أوغسطينوس السابقة له.

إن مفهوم أنسلم القانونيّ للخلاص سيكون مُؤثِّرًا جدًا، وسيكون السبب الجذري لتعاليم كلٍّ من لوثر وكالفن عن الكفارة، والذي من خلالهما تأسَّست الحكمة المنزلة للبروتستانتية عمومًا.[88]

 

 

 

الفصل الثالث: الدراسات الحديثة حول تدبير الخلاص بين الشرق والغرب

سوف نستعرض في هذا الفصل أهم الدراسات الحديثة للأساتذة والباحثين اللاهوتيين حول الاختلافات بين الشرق والغرب في مفهوم تدبير الخلاص، للتأكيد على أن البدلية العقابية تعليم غير موجود في فكر آباء الشرق عامةً، وفي فكر ق. أثناسيوس خاصةً.

نورمان راسل

يشرح البروفيسور نورمان راسل،[89] أستاذ اللاهوت والآبائيات في جامعة أوكسفورد، تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس، وكيف يربط ق. أثناسيوس بين الخلاص وتأليه الإنسان، حيث يرى أن الخلاص هو عن طريق تأليه الإنسان، وليس عن طريق البدلية العقابية كالتالي:

”إن استخدم أثناسيوس لأول مرة لمصطلح θεοποιέω في الإطار المسيحيّ اللاهوتيّ كان في منطوقه المعروف لـ ’الصيغة التبادلية‘ الذي ورد في كتاب ’تجسد الكلمة‘، فصل 54: ’لقد صار [الله] إنسانًا كي نصير مُؤلَّهين‘. وقد أُشِيرَ منذ أكثر من قرن مضى إلى اعتماده في هذا الصدد على إيرينيؤس. إن عبارة أثناسيوس هي إعادة صياغة بلغةٍ أكثر تقنيةً من لغة إيرينيؤس الذي قال: ’هو صار على ما نحن عليه لكي يجعلنا على ما هو في نفسه‘. (ضد الهرطقات، برهان الكرازة الرسولية، الفصل 5). على مثال إيرينيؤس، فإن أثناسيوس يرى الخلاص كعملية تصحيح لمسار الإنسانية الساقطة نحو الله. ففي فكره، هناك تناقضٌ بين الله غير المخلوق والخليقة التي أحضرها من العدم إلى الوجود. وبالتالي، فإن سقوط الإنسانية هو انجذاب نحو الطبيعة المخلوقة المائلة للعودة نحو العدم. لقد قام التجسُّد بعكس اتجاه الانجذاب [من العدم نحو الله]. بينما هو في الوقت نفسه ’قريبٌ‘ كونه واحدًا منَّا، فإن الإنسانية الآن مُنجذِبة نحو الاتجاه المعاكس، أي نحو غير المخلوق. ويستمر أثناسيوس على هذا النهج في التفسير مُوضِّحًا: ’إنه أعلن ذاته بواسطة الجسد لكي يصير من الممكن لنا أن نُكوِّن فكرة عن الآب غير المنظور، واحتمل الإهانات من البشر لكي نرث نحن عدم الفساد‘. إن ثمار تألُّه البشرية التي تُمثِّلنا والتي اتَّخذها الكلمة هي معرفة الله والانحلال من الفساد“.[90]

توماس تورانس

يستعرض البروفيسور توماس تورانس،[91] أستاذ العقائد المسيحية في جامعة أدنبرج Edinburgh باسكتلندا، جوانب عقيدة الفداء في الكتاب المقدَّس والتقليد الآبائيّ، مؤكدًا على عدم وجود بدلية عقابية في تعليم الآباء الشرقيين، ويشير إلى اختلاف مفاهيم تدبير الخلاص بين الشرق والغرب كالتالي:

”علاقة نظريات الكفارة بجوانب الفداء الثلاثة في العهد القديم: لقد مالت النظريات التاريخية إلى أن تقع في ثلاث مجموعات أساسية، معروفة في العموم كالتالي: نظرية التأثير الأخلاقي، ونظرية الفدية ransom،[92] ونظرية البدلية العقابية penal substitution.[93] هذا التمييز، يجعله أكثر وضوحًا التاريخ الذي يتفق بمعيار حقيقي مُعيَّن مع الجوانب الأساسية الثلاثة في المفهوم الكتابيّ للفداء، ولكن ليس بشكلٍ كاملٍ: فعلى سبيل المثال، يتم إغفال الجانب التعبديّ للفداء، ولكن الأهم من الكل هو حقيقة فقدان الروابط البينية عندما ننظر إلى الكفارة بهذه الطريقة، وبالتالي، الأجزاء الثلاثة التي تنقسم الكفارة إليها هي أكثر ضيقًا وفقرًا من الجوانب الأساسية الثلاثة أو خطوط الفداء padah أي الفدية، و kipper أي الكفارة، و goel أي الفادي. لذا دعونا نفحص هذه الجوانب في ضوء النظريات التاريخية. (1) الجانب الدراميّ [التمثيليّ] للكفارة: لقد مال إلى أن يقع في نظرية ’الفدية للشيطان‘، أو على أحسن تقدير مفهوم المسيح المنتصر Christus Victor. غالبًا هذه النظرية هي نظرية آبائية وفي العصر الوسيط المبكر، بل ولها مثيلاتها الحديثة في الدوائر اللوثرية والأنجلو-كاثوليكية، ولكن ليس كثيرًا جدًا في الأرثوذكسية اليونانية أو اللاهوت الروماني الكاثوليكي. لذا عندما يضيق الجانب الدرامي [التمثيلي] للكفارة بهذه الطريقة، فيكون لديه نزعة مميَّزة نحو الثنائية dualism، ويستدعي هذا ’تجريد الصفات الميثولوچية‘ Demythologisation. فمن الجدير بالملاحظة إنه في حين يتحدَّث المؤرِّخون في كثير من الأحيان عن ذلك بأنه آبائي وعصر وسيط، ولكنه يوجد فقط بالحقيقة الفعلية في جزء بسيط من الفكر الآبائي، أي في الأوريجانية، وفي مواضع مُعيَّنة من الفكر الرهبانيّ، حيث سادت الثنائية. ولم يُنادِ به أيّ من الآباء العظام (فيما عدا غريغوريوس النيسي)، ونجده أيضًا مرةً أخرى في أزمنة العصر الوسيط، في الفكر الشعبيّ والرهبانيّ، ولكنه غير واضح تمامًا عند اللاهوتيين – حيث قضى عليه عمليًا أنسلم وبرنارد من كليرڨو. (2) الجانب التعبديّ – القضائيّ للكفارة: لقد مال هذا إلى أن يقع في مفهومين هما: (أ) المفهوم التعبديّ للكفارة دون عنصر التبرير، موجود غالبًا في النصوص والسياقات الليتورچية. حيث مال إلى المضي قُدمًا في الفكر الغربيّ غالبًا بالارتباط مع ذبيحة القداس، دون العلاقة الكافية بالمسيح نفسه في عمله الخلاصيّ. ولكن يتم المبالغة في ذلك بأيّ حال من الأحوال عند اللاهوتيين العظام. فعلى سبيل المثال، العشرون سؤالاً التي خصَّصها توما الأكويني للإفخارستيا، يوجد سؤال واحد فقط منها مُخصَّص لمفهوم الذبيحة الإفخارستية. كما يوجد مفهوم أفضل كثيرًا في صلوات وتأملات أنسلم. (ب) المفهوم العقابيّ دون الجانب الكهنوتيّ – مفهوم الترضية في الكفارة. هذا المفهوم مُستمَد في الغرب غالبًا من الفكر الأساسيّ لترتليان – ولديه نزعة مُميَّزة نحو الناحية القضائية، مع مفهوم بسيط للخلاص من الناموس، ومفهوم للخلاص ’بمعزل عن الناموس‘. حيث يدين تطوُّر مفاهيم العقوبة والترضية في الكفارة بالكثير إلى اللغة اللاتينية والمفاهيم الأكثر تأثرًا باللاتينية، كما يُمكِننا أن نرى عندما نُقارِن التطوُّر الغربيّ لهذه المفاهيم، سواء في الفكر الرومانيّ أو البروتستانتيّ، مع إيضاح جوانب العقوبة والترضية في فكر كيرلس الإسكندريّ على وجه الخصوص. لقد كان مفهوم البدلية العقابية مع الفهم الضيق للتبرير، هو الذي أصبح سائدًا في القرون المعروفة بالأرثوذكسية البروتستانتية، وفيما يُعرَف اليوم بالبروتستانتية الإنجيلية. (3) الجانب الأنطولوچيّ [الوجوديّ] للكفارة: لقد مال هذا مجددًا إلى أن يقع في مفهومين هما: (أ) المفهوم التجسُّدي incarnational، حيث يكون العنصر الخلاصيّ من خلال المعرفة والاتحاد المستيكيّ [السرائريّ] بالمسيح. وهذا واضح مبكرًا جدًا عند الآباء اليونانيين، على سبيل المثال، عند كليمندس الإسكندريّ، وسابقًا جدًا عند أغناطيوس الأنطاكيّ – ولكنه يختلف في الرسالة إلى ديوجنيتوس. لقد أصبح أحد الخطوط الأساسية للتطور في جميع أنحاء التقليد المستيكيّ [الصوفيّ]، حيث يتم التركيز أكثر في بعض الأحيان على الاتحاد بالله من خلال المعاينة السرية، وأحيانًا على الاتحاد بالله من خلال التجسُّد. (ب) المفهوم الذاتيّ للكفارة، حيث يكون التأثير الأخلاقي لذبيحة المسيح، أو معرفة ماذا فعل الله لأجلنا في محبته هو العنصر الخلاصيّ – على سبيل المثال عند أبيلارد، أو عند سوسينوس Socinus. ولكن يمتلك هذا تطورًا عميقًا ومؤثرًا في الليتورچية، على سبيل المثال، في صلاة مريم أسفل الصليب Stabat Mater – قارن هنا صلاة مريم لهايدن Haydan، والقوة الهائلة للتأمل في جراحات يسوع“.[94]

وهكذا نُدرِك من هذا القول لهذا العلامة اللاهوتيّ الكبير وأستاذ العقائد المسيحية أن مفهوم البدلية العقابية هو مفهوم غربيّ نشأ بالأساس من فكر ترتليان، وتطوَّر في الغرب في اللاهوت الكاثوليكيّ والبروتستانتيّ حتى وصل إلى ما هو عليه في يومنا هذا.

يُحاوِل البروفيسور توماس تورانس التفريق بين جانب الإبدال العقابي للكفارة كما جاء في العهد الجديد من وجهة نظره، وبين فكر الإبدال العقابي كما تطوَّر في الغرب اللاتيني، أو الروماني، أو البروتستانتي، ولكنه يؤكِّد على أن العهد الجديد لم يستخدم لفظة ’يُعاقِب‘ عن العلاقة بين الآب والابن، حيث يقول التالي:

”لهذا السبب، يتحدَّث العهد الجديد عن جانب الإبدال العقابي للكفارة، ليس في أقسام قضائية [شرعية] مُنفصِلة كالتي قد تطوَّرت في الغرب اللاتينيّ، أو الرومانيّ، أو البروتستانتيّ، بل من ناحية حميمية العلاقة بين الآب والابن، حيث يُخضِع الابن ذاته لحكم الآب، وتستجيب له مسرة الآب الصالحة – أنظر هنا الأهمية الكبيرة لچون مكليود كامبل J. Mcleod Campbell وكتابه العظيم ’طبيعة الكفارة‘، حيث يُحذِّرنا بحقٍ من التفكير في الكفارة بتعبيراتٍ عقابيةٍ محضةٍ، لأننا لا نستطيع التفكير في المسيح المعاقَب من الآب بدلاً عنا، فلا يستخدم العهد الجديد في أيّ موضع كلمة Kolazo أي يُعاقِب، عن العلاقة بين الآب والابن“.[95]

ويرى البروفيسور توماس تورانس أن الفداء عند ق. أثناسيوس يحدث في حياة الابن المتجسِّد التوسطية وفي شخصه، يحدث خلاصنا في علاقات الوسيط الداخلية، وليس ببساطةٍ في علاقة المسيح الخارجية بالخطأة، وهذا ينفي عن أثناسيوس فكرة الإبدال العقابيّ، الذي يحاول البعض عن جهل أن ينسبها إليه كالتالي:

”يحدث [الفداء] في حياة الابن المتجسِّد التوسطية وفي شخصه، فكما أنه [أثناسيوس] أعتقد أن اللوغوس هو داخل كيان الله، كذلك أعتقد أن خلاصنا يحدث في علاقات الوسيط الداخلية، وليس ببساطةٍ في علاقة المسيح الخارجية مع الخطأة“.[96]

خالد أناطوليوس

يرى البروفيسور خالد أناطوليوس،[97] أستاذ اللاهوت في جامعة نوتردام والمتخصِّص في تعليم ق. أثناسيوس، أن خلاصنا وتألُّهنا، بحسب ق. أثناسيوس، يتأسَّس بالكامل على أن حالتنا الإنسانية قد انتسبت إلى الكلمة، لأن ذلك في الأساس هو الذي يجعل كياننا مفعمًا بالكلمة كالتالي:

”إن خلاصنا وتألُّهنا يتأسَّس بالكامل على أساس أن حالتنا الإنسانية قد انتسبت للكلمة، لأن ذلك في الأساس هو ما يجعل كياننا مُفعَمًا بالكلمة“.[98]

جوهانس رولدانوس

يرى الباحث الكبير چوهانس رولدانوس أن مفهوم أثناسيوس عن الخلاص يتوقف على وحدة جسد المسيح البشريّ مع جسدنا، وكذلك على وحدة طبيعته الإلهية مع الطبيعة الإلهية للآب قائلاً:

”إن مفهومه عن الخلاص يتوقف على إتمامه لوحدة جسد المسيح البشريّ مع جسدنا، وكذلك على وحدة طبيعته الإلهية مع الطبيعة الإلهية الخاصة بالآب“.[99]

لويس بيركهوف

يتحدَّث البروفيسور المعروف لويس بيركهوف[100] عن الاختلاف بين اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ واللاهوت الغربيّ اللاتينيّ في عقيدة الكفارة وعمل المسيح على الصليب، حيث يقول التالي:

”في اللاهوت الآبائيّ اللاتينيّ: على الرغم من أن تعليم عمل المسيح في اللاهوت الآبائيّ اللاتينيّ لديه نقاط عديدة مُشتركة مع تعليم اللاهوت اليونانيّ المبكر، ولكن حتى في هذه الفترة المبكرة، تبدأ اختلافات مُهمة في الظهور. حيث يبدأ النوع اللاتينيّ المختلِف من اللاهوت مع ترتليان. حيث يتبنى إلى حد ما نظرية إيرينيؤس الانجماع الكلي، ولكنه يتصوَّر التجسُّد على أنه يُؤثِّر على الجنس البشريّ بالأساس من خلال الإرشاد والمثال. ولكن تتراجع هذه الفكرة كلها بشكلٍ أو بآخر إلى الخلفية. حيث يُركِّز كثير جدًا أكثر من إيرينيؤس على الأهمية المحورية لموت المسيح على الصليب، مُعتبرًا إياه نقطة الذروة والنهاية الحقيقية لإرسالية المسيح. لا يُمكِن القول بأنه ذهب بعيدًا عن إيرينيؤس في الصياغة المحدَّدة لعقيدة موت المسيح. ولكن تقع أهميته الحقيقية في حقيقة أنه أدخل استعمال مصطلحات قانونية عديدة إلى اللاهوت، مثل: ’ذنب‘، و ’ترضية‘، و ’استحقاق‘، وما إلى ذلك، التي تمَّ توجيهها لتلعب دورًا كبيرًا في التطوُّر اللاهوتي لعقيدة عمل المسيح. ومع ذلك، يجدر ملاحظة أنه مازال لم يُطبِّق تلك المصطلحات على عمل المسيح الكفاريّ، بل على التوبة والأعمال الصالحة التي ينبغي أن تتبع الخطايا المرتكَبة بعد المعمودية. كما وضع الأساس لتطوُّر عقيدة التوبة في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية“.[101]

يستطرد البروفيسور لويس بيركهوف في نفس السياق مُتحدِّثًا عن عقيدة الكفارة عند أوغسطينوس أبو اللاهوت اللاتينيّ، مُوضِّحًا الاختلاف بين اللاهوت اليونانيّ واللاهوت الأوغسطينيّ بشأن عقيدة الكفارة والفداء، حيث يقول التالي:

”نشعر بشكلٍ طبيعيّ بالميل إلى اعتبار أن أوغسطينوس – الأب الكنسيّ الأعظم في الغرب – قد أضاف بشكلٍ كبيرٍ، سواء على المستويين الجوهريّ والشكليّ، إلى عقيدة عمل المسيح. ولكن ليست تلك هي القضية، بل تقع إنجازاته في موضع آخر. حيث يُقدِّم آراءً متنوعةً، جامعًا في ذاته التطور السابق. كما توجد فكرة تألُّه الطبيعة البشرية بالتجسُّد، ولكن بطريقة أخلاقية فقط، ويوجد أيضًا مفهوم أن الشيطان لديه حق على الإنسان، ولكن تم استكماله، عن طريق فكرة أن حق الشيطان تم إبطاله بموت المسيح. ولكن فيما يُعتبر بأنه خط تفكيره الأساسي، يُعتبَر أوغسطينوس بعيدًا جدًا عن اللاهوت اليونانيّ. حيث كل من افتراضاته واستنتاجاته مُختلفة. فالأفكار الرئيسة هي أفكار الخطية الأصلية، والتبرير بالنعمة، والمصالحة بذبيحة المسيح. حيث يفرض النوع الغربي الجديد من الفكر نفسه، ونجد أنفسنا ندور في دائرة الأفكار البولسية. حيث يتم النظر إلى الإنسان على أنه موضوع الغضب الإلهيّ، وذبيحة المسيح كتهدئة لهذا الغضب، وكمُصالحة للإنسان مع الله. لم يُطوِّر أوغسطينوس هذه الأفكار إلى نظام كامل، حيث تقع أقواله بعيدًا بقليل عن نظرية أنسلم المترابطة تمامًا عن الكفارة. حيث لم يُميِّز بصورةٍ حادةٍ بين الجانب القضائيّ والتجديديّ للفداء“.[102]

ويتَّضح من هنا اتفاق رأي البروفيسور لويس بيركهوف مع غيره من أساتذة العقائد المسيحية أن عقيدة الكفارة والفداء بجانبها القانونيّ والقضائيّ في اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ تختلف تمام الاختلاف عن الجانب الشفائيّ والتأليهيّ في اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ.

ستيفن هولمز

يُقرِّر البروفيسور ستيفنز هولمز[103]Stephens R. Holmes  المحاضر الكبير للاهوت النظامي في جامعة ق. أندراوس باسكتلندا حقيقة واضحة أثناء تأصيله لعقيدة ”البدلية العقابية“ من الكتاب المقدَّس، والأدب المسيحيّ الآبائيّ في مختلف العصور المسيحية، وهي أن ”البدلية العقابية“ ليست فكرة أصيلة في اللاهوت الأرثوذكسيّ الشرقيّ، بل هي فكرة بروتستانتية بامتياز نشأت مع رجالات حركة الإصلاح، وبالأخص عند جون كالفن، حيث يقول التالي:

”أقترح علاوة على تلك الاقتراحات الكثيرة من أجل ايجاد تعليم واضح عن البدلية العقابية في أحداث الكتاب المقدَّس عن طريق اتخاذ صورة تُقرَأ بصورةٍ أكثر طبيعيةً وبشكلٍ مُختلفٍ، وترجمتها إلى أشكال وأنواع البدلية العقابية وصورتها، وهذا الاتجاه مرئي أيضًا في أغلب المحاولات من أجل ايجاد البدلية العقابية عند آباء الكنيسة، حيث هناك فقرات عرضية تنشر بالطبع المجاز القانونيّ، ولكن لا يوجد وعي أن هذا تعليم مُتطوِّر عن الكنيسة الأولى، ولا يوجد دليل على أنه علامة مُميَّزة مفترضة للأرثوذكسية. ويستمر هذا الموقف خلال فترة العصر الوسيط، وأول تفسير مُتكامِل ومُتطوِّر بالفعل للبدلية العقابية أستطيع ايجاده في التاريخ هو في كتاب ’الأسس‘ لكالفن (١٥٣٦- ١٥٥٩م). لقد طوَّر لوثر بالطبع أفكار مُشابِهة قبل عقدين من الزمن، وتوجد بلا شك إرهاصات مُهمة بين كُتَّاب العصور الوسطى في القرن ١٥، ولكن يُقدِّم كالفن تعليم البدلية العقابية بشكلٍ مُفصَّلٍ وناضجٍ. لقد تحدَّث الكُتَّاب الأوائل عن أمور قد تُفهَم بمُصطلحات البدلية العقابية، ولكنهم لم يُعلِّموا أبدًا بالفكرة بشكلٍ مُباشرٍ“.[104]

وهكذا يتَّضح لنا في الأخير اختلاف المفاهيم حول تدبير الخلاص بين اللاهوت الغربيّ مُمثَّلاً في اللاهوت المدرسيّ في العصر الوسيط، ومن بعده اللاهوت البروتستانتيّ، وبين اللاهوت الشرقيّ مُمثَّلاً في آباء الكنيسة الذين يرونا في تدبير الخلاص مبادلة خلاصية شفائية، وليست مبادلة عقابية، والذين يؤكِّدون على وجودنا الكياني في المسيح أثناء تدبيره الخلاصي، وإنه ليس مُجرَّد مثال على فضيلة البذل والحب، وكأنه مُنفصِل عنا، بل نحن ندخل ونتَّحد معه في عمق السر الإلهيّ العجيب الذي صنعه لأجلنا. لم يكن المسيح مُجرَّد ترضية أو إيفاء لدَّين خطية آدم وخطايانا كما يُعلِّم البعض في أيامنا، بل هو مُتَّحِد بنا وبطبيعتنا ليُؤلِّهنا ويُؤلِّه طبيعتنا فيه، ويستبدل الموت بالحياة، والظلمة بالنور، والغلبة بالنصرة، واللعنة بالبركة، والضعف بالقوة.

جون كيلي

يتحدَّث البروفيسور چون كيلي،[105] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، عن تعليم ق. أثناسيوس الخلاصي قائلاً:

”لم يشفنا المسيح فقط، بل حمل العبء الثقيل لضعفنا وخطايانا. المظهر الخارجيّ للتعليم هو أحد تعليم البدلية، ولكن ما يُحاوِل أثناسيوس إبرازه، لم يكن أكثر من أن ذبيحة واحدة كانت بديلة عن الأخرى، حيث ’استُنفِذَ موت الجميع في جسد الرب‘ (تجسد الكلمة، ٢٠). بمعنى آخر، إنه بسبب الاتحاد بين جسده وجسدنا، كان موته وانتصاره بالأساس لنا (أي موتنا وانتصارنا). تمامًا كما ورثنا الموت من خلال ارتباطنا بآدم الأول، هكذا نهزم الموت ونرث الحياة من خلال ارتباطنا بـ ’الإنسان من السماء‘ (ضد الآريوسيين ١: ٤٤: ٢، ٦١؛ ٢: ٦٧)“.[106]

وهذه هي البدلية التي يقصدها أثناسيوس مُبادلة الموت بالحياة، والفساد بعدم الفساد، والظلمة بالنور، والخطية بالقداسة… إلخ.

لورانس جرينستيد

يُقارِن البروفيسور لورانس جرينستيد،[107] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، بين تعليم أثناسيوس السوتيريولوجيّ (الخلاصيّ) وتعليم البدلية العقابية، مُؤكِّدًا على أن ق. أثناسيوس لم يقل في أيّ موضع أن موت المسيح كان بمثابة معاناة عقابية، كالتالي:

”لا يوجد مُبرِّر للادعاء بأن أثناسيوس هو أصل وبادرة النظريات العقابية اللاحقة. لا توجد إشارة إنه يَعتبر الموت في أيّ موضع أنه بمثابة مُعاناة عقابية، وقليلاً ما يَعتبر أن موت المسيح بمثابة عقابًا نيابيًا. لم يستخدم بالفعل عبارات ’تألم نيابةً عن الكل‘ و ’الموت نيابةً عن الكل‘ ولكن ينبغي تفسير تلك العبارات بحسب فهمه القوي لوحدة الجنس البشريّ في الكلمة المتجسِّد ’بالنظر إلى موت الجميع فيه‘“.[108]

هستنجس راشدال

يشرح البروفيسور هستنجس راشدال،[109] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، تعليم القديس أثناسيوس الخلاصيّ ويُقارِن بينه وبين تعليم ”البدلية العقابية“ في اللاهوت الغربيّ، حيث يرفض وجود تعليم بدلية عقابية في تعليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص كالتالي:

”هذا هو التعليم المحدَّد عن الذبيحة النيابية، ولكنه مع ذلك، لم يكن بكلماتٍ واضحةٍ تعليم العقاب النيابيّ. يبدو أن الفكرة هي كالتالي، إنه بموت هذه الذبيحة، تمَّ إيفاء دَّين الموت – الذي جلبته خطية آدم – واستُوفِي في حالة الجميع الذين يشتركون في ذلك الناسوت، الذي اتَّحد الكلمة به في حالة الجسد الواحد. حيث يبدو واضحًا أكثر من عند إيرينيؤس، أن موت المسيح لا يُمثِّل مُجرَّد مُعادِل، بل مُساوِي حقًا لموت الجميع (تجسد الكلمة ٢٠: ٤، ٥): مات الجميع بالفعل حرفيًا في موت الواحد. بالرغم من ذلك، لم يكن التركيز على فعل الذبيحة المتعلِق بالماضي، بل على آثار التجديد التابعة، والتابعة من القيامة أكثر من الموت. […] هذا هو خط التفكير الذي قابلناه بالفعل عند إيرينيؤس، ولكنه أكثر تطوُّرًا وتنظيمًا بكثير عند أثناسيوس. يُحاوِل [أثناسيوس] توضيح أن قابلية الفساد ليست عقوبة جزائية تعسفية فرضها الله، بل نتيجة طبيعية وحتمية للخطية“.[110]

جوناثان هيل

يتحدَّث چوناثان هيل،[111] الباحث الكبير في تاريخ العقيدة المسيحية من جامعة أوكسفورد، عن تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس، وأنه مثل ق. إيرينيؤس، يرى أننا خلُصنا باتحاد الله والإنسان في المسيح، الأمر الذي رفع البشرية إلى مستوى الألوهية، أي أن الخلاص عند ق. أثناسيوس هو عن طريق تأليه الإنسان كالتالي:

”على أيّ حال، فالابن يجب أن يكون الله. ولو لم يكن فما كان بمقدوره أن يُخلِّصنا. ويؤمن أثناسيوس، مثل ق. إيرينيؤس من قبله، بأننا خلُصنا باتحاد الله والإنسان في المسيح، الأمر الذي رفع البشرية كلها إلى مستوى الألوهية. وبحسب نظرته، فإن إنكار ألوهية المسيح هو إنكار لأساس الخلاص كله“.[112]

أليستر ماجراث

يتحدَّث البروفيسور أليستر ماجراث،[113] أستاذ اللاهوت التاريخيّ في جامعة أوكسفورد، عن أن الفداء بحسب المدرسة الإسكندرية معناه هو الاشتراك في حياة الله، أو أن يصير المرء إلهيًا، وهي الفكرة التي وُصِفَت قديمًا بمفردات التأليه كالتالي:

”كانت المدرسة الإسكندرية، التي يُعدُّ أثناسيوس واحدًا من ممثليها، سوتيريولوچية في طبيعة منظورها وفي توجهها. فإن يسوع المسيح هو فادي البشرية، حيث كان الفداء [redemption] بحسب هذه المدرسة معناه: ’الاشتراك في حياة الله‘، أو ’أن يصير المرء إلهيًا‘، وهي الفكرة التي وُصِفَت قديمًا بمفردات التأليه. وتُعبِّر الكريستولوچيا عمَّا توحي به ضمنًا هذه الفكرة السوتيريولوچية [الخلاصية]. يمكن تلخيص مسار حجة الكريستولوچيا الإسكندرية على النحو التاليّ: لتأليه الطبيعة البشرية، ينبغي أن تتَّحد هذه الطبيعة بالطبيعة الإلهية. فينبغي أن يصير الله مُتَّحِدًا بالطبيعة البشرية بحيث تأخذ الأخيرة إمكانية الاشتراك في حياة الله. وقال الإسكندريون إن هذا هو بالتحديد ما حدث في تجسُّد ابن الله في يسوع المسيح ومن خلاله. فقد اتَّخذ الأقنوم الثاني في الثالوث طبيعةً بشريةً، وبهذا، ضمن تأليه هذه الطبيعة. صار الله إنسانًا حتى يصير البشر إلهيين“.[114]

كاليستوس وير

يشرح المطران الأرثوذكسيّ كاليستوس وير،[115] أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعتي كامبريدچ وأوكسفورد، الفرق بين نظرة الشرق لتدبير الخلاص باعتباره انتصار ظافر على قوة الشر وبين نظرة الغرب منذ عهد أنسلم الكانتربريّ إلى الصليب بتعابير قانونية وجزائية، وباعتبار عملية الصلب عملاً استعطافيًا للإرضاء أو الإبدال من أجل تهدئة غضب الآب الخالق كالتالي:

”فحينما تتطلع الأرثوذكسية إلى المسيح الظافر قبل كل شيء، يتطلع غرب العصر الوسيط والعصر الذي عقبه إلى المسيح الضحية أولاً. وبينما تُفسِّر الأرثوذكسية فعل الصلب على أنه بالدرجة الأولى انتصارٌ ظافرٌ على قوة الشر، يميل الغرب، وبنوعٍ خاصٍ منذ عهد أنسلموس رئيس أساقفة كانتربري (حوالي عام 1033- 1109) إلى التفكير في أمر الصليب بتعابير قانونية وجزائية، أو باعتبار عملية الصلب عملاً استعطافيًا للإرضاء أو الإبدال من أجل تهدئة غضب الآب الخالق“.[116]

ويتحدَّث المطران كاليستوس وير عن أن هدف الحياة المسيحية هو تأليه الإنسان، وذلك في تعليم القديسين أثناسيوس وباسيليوس الكبير، حيث أن مفهوم فداء الإنسان وخلاصه في الأرثوذكسية معناه تأليه الإنسان قائلاً:

”وقد صوَّر ق. باسيليوس الكبير الإنسان على أنه مخلوقٌ أُمِرَ بأن يصبح إلهًا، أمَّا أثناسيوس فقال بأن الله صار إنسانًا لكي يصبح الإنسان إلهًا. ’في ملكوتي، يقول المسيح، سأكون الله وأنتم آلهةٌ معي‘. ذلك هو، وفقًا لتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية، الهدف النهائيّ الذي يجب أن يتطلع إليه كل مسيحيّ: أن يصبح إلهًا، أي أن يبلغ التأليه. ففي مفهوم الأرثوذكسية، فداء الإنسان وخلاصه يعنيان تأليهه“.[117]

فلاديمير لوسكي

يشرح اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ المعروف فلاديمير لوسكي[118] تدبير الخلاص بحسب ق. أثناسيوس، حيث يرى أن جسد المسيح الذي يتَّحد المسيحيون به في المعمودية، هو بحسب ق. أثاسيوس جذر قيامتنا وخلاصنا، فنحن ككنيسة في المسيح جسد واحد، يجري فيه دم المسيح ليُطهِّرنا من كل خطيئة، ولقد اتَّخذ الكلمة جسدًا لنستطيع أن ننال الروح القدس، لأن حضور الروح القدس فينا هو شرط تألُّهنا كالتالي:

”أمَّا جسد المسيح، الذي به يتَّحد المسيحيون بالمعمودية، فيصير، بحسب القديس أثناسيوس، ’جذر قيامتنا وخلاصنا‘ [Oratio III contra Arianos, 13, PG, t. 25, 393-396]. الكنيسة شيءٌ أكبر من الفردوس الأرضيّ؛ فحالة المسيحيين أفضل من حالة البشر الأولين. ففي الكنيسة لا يعود يُحتمَل فقدان الشركة مع الله نهائيًا، وذلك كوننا محتوين في جسدٍ واحدٍ، يجري فيه دم المسيح الذي ’يُطهِّرنا من كل خطيئة ومن كل غضن. فقد اتَّخذ الكلمة جسدًا لنستطيع أن ننال الروح القدس‘ [S. Athanase, De incarnatione et contra Arianos, 8, PG, t, 26, 996C]. حضور الروح القدس هذا فينا شرط تألُّهنا، لا يمكن أن يضيع“.[119]

جورج فلورفسكي

يرى الأب الأرثوذكسيّ چورچ فلورفسكي،[120] أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعات هرفارد وبرنستون الأمريكية، والعميد السابق لمعهد القديس سرجيوس بفرنسا، والعميد السابق أيضًا لمعهد القديس فلاديمير بأمريكا، أن مغزى الخلاص والفداء في اللاهوت المسيحيّ المبكر هو الاتحاد الحميم بين الله والإنسان في المسيح، ويؤكد على أن هذا كان الخط الرئيسيّ عند ق. أثناسيوس وق. غريغوريوس النزينزيّ اللاهوتيّ كالتالي:

”كانت الرسالة المسيحية ومنذ البداء فعلاً هي رسالة الخلاص، وبحسب ربنا فقد عرفناه وبالأساس بصفته المخلِّص، الذي افتدى شعبه من عبودية وأسر الخطية والفساد. إن عمق حقيقة سر التجسُّد الإلهيّ فعلاً قد تمَّ تفسيره وعلى الدوام في اللاهوت المسيحيّ المبكر عن منظور الفداء، فقد كانت المفاهيم الخاطئة عن شخص المسيح والتي كان على الكنيسة الأولى مواجهتها ومقاومتها ونقدها ودحضها هي تلك التي كانت تفعل ذلك وبالتمام حين كانت تُقلِّل من واقعية وحقيقة الفداء البشريّ. وقد تمَّ الافتراض عمومًا أن منتهى ومغزى الخلاص هو أن الاتحاد الحميم بين الله والإنسان قد تمَّت استعادته، واستقر المقام على أن الإنسان المفتدَى لا بد أن ينتمي بنفسه إلى كلا الجانبين، أي أن يكون من جهة إلهيًا وفي آنٍ إنسانيًا، وإلا ما كانت قد تأصلت وتأسَّست تلك الشركة المشروخة أو المسكورة بين الله والإنسان. ذلك كان الخط الرئيسيّ للفكر اللاهوتيّ العقلانيّ عند القديس أثناسيوس في صراعه مع الآريوسيين، والقديس غريغوريوس النزينزيّ في دحضه للأبولينارية، وللعديد من كُتَّاب آخرين في القرنين الرابع والخامس“.[121]

فالتر كاسبر

يشرح الأسقف الكاثوليكيّ الشهير فالتر كاسبر[122] تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس، حيث يرى أن اهتمام أثناسيوس الأساسيّ في الدفاع عن ألوهية الكلمة كان اهتمام خلاصيّ وليس نظريّ، لذا يرى ق. أثناسيوس ضرورة ألوهية يسوع المسيح وفهمها في الإطار العام للتعليم الخلاصيّ في الكنيسة القديمة الذي يرى الفداء كتأليه للإنسان، فالإنسا ن المخلوق على صورة الله لا يستطيع الحصول على كيانه الحقيقيّ بدون المشاركة في حياة الله، وبالتالي التماثُّل مع الله، ولكن بما أن صورة الله قد أفسدتها الخطيئة، فلا بد من أن يصبح الله إنسانًا لكي نتألَّه نحن، ونبلغ من جديد إلى معرفة الله غير المنظور كالتالي:

”لم تكن هذه التأكيدات متأتية أولاً من اهتمام نظريّ، بل من اهتمام خلاصيّ، كان أثناسيوس يُبرِزه دائمًا: إذَا لم يكن المسيح إلهًا فلسنا نحن مُفتَدين، لأن الله الذي لا يموت وحده يستطيع أن يُحرِّرنا من عبودية الموت، ويجعلنا مُشاركين في ملء الحياة. فعقيدة ألوهية يسوع المسيح الصحيحة يجب أن تُفهَم في الإطار العام للتعليم الخلاصيّ في الكنيسة القديمة مع فكرتها عن الفداء كتأليه للإنسان. إن الإنسان المخلوق على صورة الله لا يستطيع الحصول على كيانه الحقيقيّ والصحيح إلا بالمشاركة في حياة الله، ومن ثمَّ، بالتماثُّل مع الله. ولكن بما أن صورة الله قد أفسدتها الخطيئة، فلا بد من أن يصبح الله إنسانًا لكي نتألَّه نحن، ونبلغ من جديد إلى معرفة الله غير المنظور. ولا علاقة لعقيدة الفداء هذه الطبيعية (في شأن الكيان) بمفهوم طبيعيّ فيزيولوچيّ، بل حتى سحريّ للخلاص، كما ادُّعِيَ ذلك مرارًا. إنها ترتكز في الحقيقة على الفكرة اليونانية عن البايدييا، أي تربية الإنسان، بسعيه لكي يُشبِه هيئة المثال الإلهيّ الأول المنظور في الصورة ويُشارِك فيها“.[123]

جوهانس كواستن

يشرح العلامة الآبائيّ الكاثوليكيّ الكبير چوهانس كواستن[124] تعليم الخلاص عند ق. أثناسيوس، حيث يرى أن أساس ق. أثناسيوس في دافعه عن ألوهية اللوغوس هو أساس خلاصيّ، ويرى أن تأليه الإنسان هو غاية الخلاص في دفاع ق. أثناسيوس عن ألوهية الكلمة كالتالي:

”إن أساس ما كان يُدافِع عنه ق. أثناسيوس فيما يخص اللوغوس هو عقيدة الفداء. والعبارات التالية تُعبِّر عن التعليم اللاهوتيّ للقديس أثناسيوس: ’لقد صار [كلمة الله] إنسانًا لكي يُؤلِّهنا، وقد أظهر نفسه في جسدٍ لكي نحصل على معرفة الآب غير المنظور، واحتمل إهانة البشر لكي نرث نحن عند الموت‘ (تجسد الكلمة، فصل 54). […] لذلك يستدل ق. أثناسيوس على ضرورة تجسُّد الكلمة وموته من مشيئة الله لفداء البشر. فلم يكن ممكنًا أن نحصل على الفداء إذَا لم يكن الله نفسه قد صار إنسانًا، وإذَا لم يكن المسيح هو الله. ولذا، فإن اللوغوس باتّخاذه الطبيعة البشرية، قد ألّه البشر. وقد غلب الموت ليس من أجل نفسه بل من أجلنا كلنا. […] ولو لم يكن المسيح إلهًا بالطبيعة، ولكن بالمشاركة (كما يقول الهراطقة)، فإنه لم يكن بمقدوره أبدًا إعادة تشكيل الإنسان على صورة الله. لأن الذي لا يملك شيئًا إلا الذي استعاره من آخر فلا يمكن أن يمنحه لآخرين“.[125]

كاثرين ساندرجير

تُسجِّل البروفيسور كاثرين ساندرچير[126]Katherine Sanderegger  ، أستاذ اللاهوت في جامعة يال الإمريكية، اعتراض البعض على مفهوم أنسلم عن إيفاء الدَّين وذبيحة الترضية بأنه مفهوم نسطوريّ على نحوٍ خطير، مما يُؤكِّد على ما قلناه قبلاً من اختلاف مفهوم اللاهوت الغربيّ للدَّين عن اللاهوت الشرقيّ، كالتالي:

”علاوة على ذلك، سردية أنسلم عن ’إيفاء الدَّين‘ و ’ذبيحة الترضية‘ تبدو للبعض نسطورية بشكلٍ خطيرٍ، كما لو كان يمكن تقديم ناسوت المسيح كعملٍ مُستقِلٍ للموت البريء، بمعزل عن الاتحاد الأقنوميّ الملازِم للألوهة. بالإضافة إلى ذلك، تبدو مُعالجة أنسلم المدرسية المبكرة لفكرة اللا محدودية، سواء في تقدير الخطية، وفي قيمة الاستحقاق الشخصيّ للمسيح بالنسبة لانتقاداته ذات العقلية الفلسفية غير قوية وغير مُقنِعة“.[127]

توماس ويناندي

لذا يُؤكِّد البروفيسور توماس ويناندي[128] Thomas G. Weinandy على أن مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس هو دَّين الموت كما ذكرنا سابقًا، ولقد قام المسيح بإيفاء دَّين الموت بموته عن الجميع ليهبهم حياة القيامة عديمة الفساد كالتالي:

”السبب في أن الكلمة المتجسِّد يضمن للبشر حياة القيامة عديمة الفساد هو أنه يُقدِّم ’إلى الموت، الجسد الذي قد أخذه هو نفسه كتقدمةٍ وذبيحةٍ بلا عيب، لأنه أبعد للتو الموت عن جميع نظرائه بتقديم النظير. وبما أنه فوق الجميع، وَفَىَ كلمة الله بالطبيعة عن طريق تقديم هيكله وأداته الجسدية الدَّين بموته من أجل حياة الجميع‘ (تجسد الكلمة ٩: ١-٢؛ ٢٠: ٢، ٥-٦). لأن الكلمة، وقد اتَّخذ طبيعتنا عينها، يُقدِّم حياته البشرية النقية والطاهرة كذبيحةٍ بدلاً عنا ولأجلنا، فينقض ويوفي دَّين الموت الذي جلبته أنا وهكذا أقرَّته الخطية. وبالتالي، نعي هنا بوضوحٍ مركزية الصليب داخل سوتيريولوچية [التعليم الخلاصيّ] أثناسيوس“.[129]

جوستاف ألين

يرى البروفيسور چوستاف ألين[130] أن مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس هو دَّين الموت كالتالي:

”نفس الشيء هو حقيقيّ عن مجاز الدَّين، الذي يُوازِيه مجاز الفدية، ولكنها أقل استخدامًا للغاية. حيث يتحدَّث أثناسيوس عن كلمة الله بأنه عن طريق تقديم جسده ’مُوفيًا الدَّين عن الجميع بموته‘، وإنه بذلك الموت تمَّ ’إيفائه‘، كما يربط أيضًا هذه الفكرة مع فكرة الذبيحة، ويقول إن ’الكلمة اتَّخذ الجسد الذي أخذه قربانًا، كذبيحة غير دنسة بالموت، وهكذا أزال الموت من جميع أخوته بذبيحته النيابية‘ (تجسُّد الكلمة، فصل ٩). وبالتالي يُعد الدَّين مدفوعًا في المقام الأول للموت“.[131]

المطران كيرلس بسترس وآخرون

يرى المطران كيرلس سليم بسترس[132] وآخرون، في سياق شرحه لكتاب ”تجسد الكلمة“ للقديس أثناسيوس، أن هدف التجسُّد عند ق. أثناسيوس هو أن يعيد معرفة الله ويُبطِل الخطيئة ويُؤلِّه الإنسان، ويُوحِّده بالله بموهبة الروح القدس ويمنحه الخلود، فالتجسُّد يهدف إلى الفداء، وإعادة الإنسان إلى أصله، فالإنسان مخلوق على صورة الله كالتالي:

”لا نجد في هذا الكتاب أية إشارة إلى الآريوسية. فهو يرجع إلى سنة 318، وكان لأثناسيوس من العمر 23 سنة، ولم يكن بعد أمين سرّ أسقفه ألكسندروس. يتضمن الكتاب قسمين: القسم الأول هو دفاعٌ عن المسيحية بإزاء الوثنيين؛ يُثبِت فيه الكاتب صحة التوحيد الإلهيّ وبطلان عبادة الأصنام وتعدُّد الألهة. والقسم الثاني يُوضِّح الإيمان بالتجسُّد والهدف منه: فقد تجسَّد كلمة الله ليُعيد معرفة الله ويُبطِل الخطيئة، ويُؤلِّه الإنسان ويُوحِّده بالله بموهبة الروح القدس، ويمنحه الخلود. فالتجسُّد يهدف إلى الفداء. يتجسَّد الكلمة ليعيد الإنسان إلى أصله، فالإنسان مخلوقٌ على صورة الله“.[133]

ويتحدَّث المطران كيرلس بسترس وآخرون عن أن الفكرة الرئيسية في لاهوت الآباء اليونانيين عامةً ولاهوت ق. أثناسيوس خاصةً، هو أن كلمة الله تجسَّد لكي يُؤلِّه الإنسان، فالتجسُّد يهدف إلى الفداء والتألُّه، وهنا يربط بين الفداء والتألُّه في التعليم الخلاصيّ للقديس أثناسيوس كالتالي:

”إن لاهوته يُلخَّص في الجملة التالية التي تُعبِّر أيضًا عن الفكرة الرئيسية في لاهوت الآباء اليونانيين: ’تجسَّد كلمة الله ليُؤلِّه الإنسان‘ (ضد الآريوسيين 1: 39). فالتجسُّد يهدف إلى الفداء والتألُّه، وإذَا كان كلمة الله مخلوقًا، فكيف يمكنه أن يُؤلِّه الإنسان؟“.[134]

عبد المسيح اسطفانوس

يتحدَّث القس الدكتور عبد المسيح اسطفانوس[135] عن أن تأليه الإنسان هو محور تعليم الخلاص عند ق. أثناسيوس قائلاً:

”وجدير بالذكر أن أثناسيوس كان قد كتب كتابه ’تجسُّد الكلمة‘ قبل ظهور آريوس وتعاليمه، ولذلك لا نجد فيه مناقشة لآراء آريوس والرد عليها. كان اهتمام أثناسيوس بصفةٍ أساسيةٍ بموضوع الخلاص. ولذلك وجد أن الخلاص لو لم ينبع من الله نفسه لا يكون خلاصًا كاملاً، ولذلك اهتم كثيرًا بألوهية الابن ، واَعتبر أن التجسُّد أمرٌ أساسيّ تمامًا ليتحقَّق الخلاص. وكان هذا ما دفعه لمقاومة تعاليم آريوس. ومن المهم أن نتذكَّر أن اهتمام أغناطيوس وإيرينيؤس بموضوع الخلاص كما رأينا من قبل دفعهما إلى التنبير على ألوهية الربِّ يسوع، ولذلك فقد كانت هنالك خلفية لاهوتية وفكرية هامة موجودةٌ في الكنيسة قبل أثناسيوس. لم يكن اهتمام أثناسيوس أن يكون المسيح هو الله بمعنى أنه هو الله بشخصه، ولكنه أهتم بأن يُوضِّح أن المسيح والله جوهرٌ واحدٌ. ويُنبِّر أثناسيوس على الطبيعة الإنسانية الكاملة للمسيح والطبيعة الإلهية الكاملة ليتحقَّق الخلاص للإنسان. ويقول في هذا الشأن: ’ما كان يمكن للإنسان أن يأتي إلى حضرة الله ما لم يكن ذاك الذي تجسَّد هو بالطبيعة وحقيقةً اللوغوس الصادر منه. كما أنه ما كان يمكن أن نتحرَّر من الخطية ومن اللعنة ما لم يكن الجسد الذي اتَّخذه الكلمة جسدًا إنسانيًا حقيقيًا. إذ لا يمكن أن تكون هنالك شركةٌ بيننا وبين غريب عنَّا. ولذلك، فما كان يمكن للإنسان أن يتألَّه ما لم يكن الكلمة بالطبيعة من الآب وينتمي إليه فعلاً وحقيقةً‘ (ضد الآريوسيين 2: 70). فالآب هو الآب فعلاً لأنه أبو الابن. والابن لا يكون ابنًا سوى لأنه ابن الآب. فالآب والابن أزليان خالدان. ولذلك، فتجسُّد الكلمة [اللوغوس] يمنحنا الخلود. وهذا يُوضِّح لنا أن حديث أثناسيوس عن ’تألُّه‘ الإنسان كان يُقصَد به غالبًا تحقيق الخلود بالمشاركة في الطبيعة الإلهية“.[136]

ويستطرد الدكتور القس عبد المسيح اسطفانوس في التأكيد على أن الخلاص بتأليه الإنسان هو الفكر السائد في تعليم الآباء اليونانيين قائلاً:

”ومن المهم أن نُلاحِظ أن الفكر السائد عند الآباء اليونانيين هو أن الكلمة صار جسدًا لا ليُقدِّم مثالاً لمَّا يجب أن تكون عليه الإنسانية، ولا ليفي الدَّين الذي على الإنسان لله. ولكن لكي يغلب قوات الشرِّ التي أسرتنا، ولكي يفتح في نفس الوقت الطريق لنبلغ الطبيعة الإلهية [ثيؤسيس]. ومن المهم أن نُلاحِظ أن ’التألُّه‘ في فكر الكنيسة الشرقية لم يعن أبدًا أن البشر يتخطون الحدود الإنسانية. فحتى غريغوريوس النزينزيّ الذي كان يحلو له استخدام فكرة ’التألُّه‘، لم يكن يقصد بذلك أن الإنسان يصبح إلهًا مثل اللوغوس [ابن الله]، إلا أنه يبدو أنه كان يؤمن أن الهدف النهائيّ للخلاص والتجسُّد هو أن يصل المؤمنون إلى ’إنسانية‘ الرب يسوع“.[137]

 

 

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على البدلية العقابية في اللاهوت الغربي

نستعرض الآن أهم الانتقادات والاعتراضات الموجَّهة لنظرية ”الإبدال العقابيّ“ في شرح عمل المسيح على الصليب كالتالي:

(1) نجد في ملمح الغضب في سياق ”الإبدال العقابيّ“، تحويل أقانيم الثالوث إلى الآب الساحق والابن المسحوق، أو إلى الآب الغاضب والابن المغضوب عليه، الذي يُسكِّن غضب الآب ويُهدئ من غضبه، وهذا يُعتبر فصل بين أقنومي الآب والابن في جوهر الثالوث الواحد، وهذه هي الهرطقة الآريوسية عينها.

(2) لا نجد أيّ دور لأقنوم الروح القدس في عملية الترضية، والتعويض، والعقوبة، ودفع الثمن. تلك الأمور التي قدَّمها الابن للآب، ولا وجود ولا حضور جلي لأقنوم الروح القدس في تلك الأمور، مما يؤدي إلى التقليل من شأن أقنومية الروح القدس، وهذه هي الهرطقة الأفنومية والمقدونية.

(3) إخضاع الله لقوانين وشروط مُلزِمة له في عملية قبول الثمن والتعويض، وضرورة قبول الترضية لأجلنا. وحاشا لله أن يخضع لمثل هذه القوانين والشروط. فالله غير المحدود، وخالق الكل، وواضع النواميس، كيف يمكن إخضاعه لقوانين ونواميس؟ حاشا.

(4) تقديم صور مُشوَّهة وثنية صنمية عن الله تُظهِره أنه إله غاضب على البشر، ويكرههم، ويبغضهم بسبب خطاياهم، رغم أنه لا توجد مثل هذه المشاعر والأهواء في جوهر الله، فهل الغضب صفة من صفات الجوهر الإلهي؟ وتُظهِر ”البدلية العقابية“ الله إنه يحتاج مَنْ يُهدئه ويُسكِّن غضبه، ويجعله يعود يحب البشر مرةً أخرى بعدما أبغضهم بسبب خطاياهم!

(5) كيف يمكن نقل جميع ذنوب البشر إلى جسد المسيح، بالرغم من أنه القدوس بلا خطية، وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، بل بالحري أتَّخذ المسيح جسدًا مائتًا لكي يهبه الحياة الأبدية بحياته، وموته، وقيامته، وصعوده، وجلوسه عن يمين الآب، وليس بمُجرَّد حمل الخطايا في جسده الطاهر من الخطية ليُعاقَب بها في جسده لأجلنا كما يتحدَّث منظرو ”البدلية العقابية“.

(6) تلغي ”البدلية العقابية“ مفاعيل الأسرار الكنسية الخلاصية كالمعمودية، والميرون، والتناول، لأنه بحسب ”البدلية العقابية“ تم إيفاء الدَّين ودفع الثمن بموت المسيح، فما الحاجة لأن نموت مرةً أخرى، ونُدفَن، ونقوم في المعمودية، بعدما مات المسيح عنا مرةً واحدةً. ولماذا نُمارِس القداسات ونُكرِّر ذبيحة وصلب وعقاب المسيح مرات ومرات على المذابح، طالما تمَّ العقاب والترضية والإيفاء على الصليب، فلا حاجة لمثل هذه الطقوس في سياق نظرية ”البدلية العقابية“ ومفاهيمها وشروحاتها. البدلية العقابية باختصار تدحض وتلغي أسرار الكنيسة.

(7) تُشرِّع، وتُكرِّس، وتُحرِّض ”البدلية العقابية“ على العنف، والتعذيب، والعقاب، والتشفي، وإرضاء الذات، فطالما الله يُعاقِب ابنه لأجل البشر، ويُنزِل جام غضبه على الابن لأجلنا، ويُنزِل العقاب عليه لأجلنا، فهذا خير مُرشِد ودليل لنا لتقليد الله ومحاكاته بإنزال العنف والعقاب والغضب على أبنائنا أيضًا. صور مُشوَّهة، ووثنية، وعنيفة، عن الله الصالح مُحِب البشر.

(8) تُؤدِي البدلية العقابية إلى صراع الصفات داخل الجوهر الإلهيّ الواحد، ما بين محبته ورحمته، وعدله وقصاصه من البشر الخطاة العصاة، وهكذا تُحدِث ”البدلية العقابية“ انقسام وانفصام داخل الجوهر الإلهيّ بين صفتي العدل والرحمة، وإلى تقسيم الله إلى إله غاضب وقاسي ومُنتقِم وكاره، وإله مُحِب وصالح ورحيم ورؤوف، وهذه هي الهرطقة الغنوصية والمانوية عينها. وهذا لا يليق بالله، وحاشا أن يوجد داخل الجوهر الإلهيّ. بل تجعل البدلية العقابية من الآب هو العدل، والابن هو الرحمة، والروح القدس هو التقديس، ويؤدي هذا إلى انقسام داخل جوهر الثالوث القدوس.

(9) تُركِّز نظرية البدلية العقابية على موت المسيح، ولا تُعطِي أية أهمية لقيمة وتأثير قيامة المسيح، وهذا يُمثِّل عدم اكتمال في إدراكنا لموت المسيح على الصليب. حيث تسلط البدلية العقابية الضوء على موت المسيح على الصليب كأكبر حدث للخلاص، وهكذا يطغى على كل شيء آخر، فكل شيء تحقَّق بموت المسيح فقط دون غيره.

(10) ترى نظرية البدلية العقابية أن المشكلة في الله ونظرة الله للإنسان، لأن الفداء صار علاجًا لإرضاء كرامة الله المهدرة، وليس علاجًا للإنسان، رغم أن المشكلة هي مشكلة الإنسان في الأساس، والله يُساعِده في حل هذه المشكلة. فترضية الله نفسه ومحو الإهانة والتعدي عليه بالخطية، وبالتالي رد الكرامة إليه، ينفي المحبة الإلهية والجود الإلهيّ، لأنه صارت غاية الكفارة والفداء هي إرضاء الله ورد كرامته المجروحة والمعتدَى عليها من قِبَل الإنسان.

(11) لو مات المسيح لإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، وإنْ كان قضاء الموت على آدم هو قضاء أبديّ، فينبغي أن يبقى المسيح إلى الأبد في قبضة الموت، وهذا لم يحدث، بل المسيح وطئ الموت بالموت، وقضى على سلطانه إلى الأبد.

(12) تأليه الخطية، حيث ينسب المنادين بنظرية البدلية العقابية صفة عدم المحدودية الحصرية والخاصة بالله إلى الخطية، ويقولون إن خطية الإنسان غير محدودة، ونسوا أن الله فقط غير المحدود، وهكذا يجعلون من الخطية إلهًا ثانيًا.

(13) ينبغي أن يدفع الابن للآب الثمن أو الدَّين في سياق نظرية البدلية العقابية وإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، على الرغم من أن الآب لا يحتاج لمَّن يدفع له شيئًا، لأن الآب والابن والروح القدس جوهر واحد وطبيعة واحدة ومشيئة واحدة. كما أن الابن هو فوق الكل وغير قابل للمقايضة بالخطأة بحسب نظرية الإبدال العقابيّ.

(14) إهمال الجانب القانونيّ في شرح الفداء والكفارة لأهمية الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح من أجل تجديد الطبيعة البشرية وتحريرها من سلطان الفساد والموت، وذلك باتحاد الحياة بالطبيعة البشرية لإبادة الفساد والموت، كل هذا يغيب عن نظرية البدلية العقابية والجانب القضائيّ في شرح الفداء.

(15) تُصوِّر البدلية العقابية الابن أعظم من الآب الغاضب، لأن الابن يحتمل ويصبر على ما لا يستطيع الآب احتماله والصبر عليه، وهكذا يصبح الابن أكثر هدوءًا وثباتًا وقوةً من الآب، لأن الابن استطاع بقوته أن يحلَّ مشكلة الموت والخطية والعقوبة، التي عجز الآب عن حلها، حاشا!

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

[1] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 54: 3، ص 159.

[2] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 11: 42، ص 111.

[3] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون الأسقف، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 24، ص 87.

[4] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أدلفيوس : 4، ص 27.

[5] المرجع السابق، الرسالة إلى أبكتيتوس : 6، ص 41.

[6] أثناسيوس (قديس)، المقالات ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، ١: ١١: ٤٢، ص ١١٠، ١١١.

[7] المرجع السابق، ٣: ٢٧: ٣٨، ص ٣٤٣، ٣٤٤.

[8] المرجع السابق، ٣: ٢٨: ٤٨، ص ٣٥٨.

[9] Athanasius (St.), Select Works and Letters (Letter to Maximus the Philosopher), NPNF, Ser-II, Vol. IV, Trans. by A. T. Robertson, Edit. by P. Schaff & H. Wace, (New York: Christian Literature Co., 1892), p. 578-579.

[10] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 8: 4، ص 22.

[11] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[12] المرجع السابق، 1: 12: 52، ص 128.

[13] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل ق. أثناسيوس، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. صموئيل كامل، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الرسالة إلى أدلفيوس المعترف، الفصل ٦، ص ٢٩.

[14] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 37: 7، ص 106.

[15] المرجع السابق، 9: 2، ص 24.

[16] المرجع السابق، 16: 4، ص 46.

[17] المرجع السابق، 20: 2، ص 57.

[18] المرجع السابق، 25: 3، ص 71.

[19] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ١: ١١: ٤١، ص 109.

[20] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2008)، ٢٠: ٥، ص 58.

[21] المرجع السابق، 20: 5، ص 58.

[22] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[23] المرجع السابق، ١: ٤١، ص 109.

[24] المرجع السابق، ١: ٤٢، ص 111.

[25] المرجع السابق، ١: ٤٣، ص 112.

[26] المرجع السابق، ٣: ٢٩: ٥٦، ص 369.

[27] المرجع السابق، ٢: ٦٩، ص 260.

[28] المرجع السابق، ٣: ٢٣، ص 322.

[29] المرجع السابق، 1: 41، ص 109، 110.

[30] المرجع السابق، 1: 46، ص 118.

[31] المرجع السابق، 1: 47، ص 118، 119.

[32] المرجع السابق، 1: 47، 48، ص 120، 121.

[33] المرجع السابق، 2: 14: 10، ص 168.

[34] المرجع السابق، 2: 15: 14، ص 174، 175.

[35] المرجع السابق، 3: 27: 39، ص 345.

[36] المرجع السابق، 2: 21: 65، ص 254.

[37] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 17: 5-7، ص 49، 50.

[38] المرجع السابق، 43: 6، ص 126.

[39] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 13: 60، ص 143، 144.

[40] المرجع السابق، 2: 20: 55، ص 240، 241.

[41] المرجع السابق، 2: 20: 56، ص 241، 242.

[42] المرجع السابق، 2: 21: 61، ص 249.

[43] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس (الرسالة الأولى إلى سرابيون الأسقف)، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 6، ص 44، 45.

[44] المرجع السابق، 1: 20، ص 78، 79.

[45] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 44: 2، 4، ص 128، 129.

[46] Athanasius (St.), Select Works and Letters (on Luke 10: 22), NPNF, Ser-II, Vol. IV, Trans. by A. T. Robertson, Edit. by P. Schaff & H. Wace, (New York: Christian Literature Co., 1892), p. 87-90.

[47] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 3: 26: 31، ص 333، 334.

[48] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى سرابيون، الفصل 9، ص 19.

[49] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أدلفيوس، الفصل 4، ص 27.

[50] المرجع السابق، الفصل 8، ص 31، 32.

[51] المرجع السابق، الرسالة إلى أبكتيتوس، الفصل 4، 5، ص 39.

[52] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 8: 4، ص 22.

[53] المرجع السابق، 9: 1، ص 23، 24.

[54] المرجع السابق، 16: 4، 5، ص 46، 47.

[55] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أبكتيتوس، الفصل 6، ص 41، 42.

[56] المرجع السابق، الفصل 9، ص 45.

[57] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 13: 9، ص 38، 39.

[58] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون الأسقف، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الرسالة الأولى إلى سرابيون، 1: 9، ص 52، 53.

[59] أثناسيوس (قديس)، الدفاع عن الهروب، ترجمة: ريمون يوسف، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2011)، ص 32.

[60] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 22: 3، ص 64، 65.

[61] المرجع السابق، 25: 6، ص 73.

[62] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 2: 7، ص 45.

[63] المرجع السابق، 1: 11: 41، ص 109.

[64] المرجع السابق، 1: 11: 42، ص 111.

[65] المرجع السابق، 1: 12: 48، ص 122.

[66] المرجع السابق، 1: 13: 56، ص 136.

[67] المرجع السابق، 2: 19: 44، ص 224.

[68] المرجع السابق، 2: 22: 74، ص 269.

[69] المرجع السابق، 3: 25: 21، ص 319، 320.

[70] المرجع السابق، 1: 5: 15، ص 63.

[71] المرجع السابق، 1: 12: 50، ص 125، 126.

[72] المرجع السابق، 1: 11: 38، ص 105.

[73] مايكل باركر (قس، دكتور)، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، (القاهرة: دار الثقافة، 2019)، 183، 184.

[74] أليستر أي ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 162.

[75] المرجع السابق، ص 163.

[76] أنسلم الكانتربري (رئيس أساقفة)، لماذا تجسد الكلمة، ترجمة: القس إبراهيم سعيد، (القاهرة: دار الثقافة، 2021)، 1: 10، ص 35.

[77] المرجع السابق، 1: 11، ص 36.

[78] المرجع السابق، 1: 12، ص 39.

[79] المرجع السابق، 2: 15، ص 98.

[80] أليستر أي ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 192-194.

[81] نجد هنا تجسيد الصراع بين العدل والرحمة في جوهر الله.

[82] هذا هو تأليه الخطية، حيث وصف الخطية بالخطية غير المحدودة، وهو الشرح المعيب الذي يتبناه البعض في أيامنا هذه ويدافع عنه كما لو كان الأرثوذكسية، وهو في الحقيق شرح أنسلم الكانتربريّ في العصر الوسيط.

[83] فالتر كاسبر، يسوع المسيح، ترجمة: المطران يوحنا منصور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000)، ص 359- 361.

[84] للأسف هذا هو لاهوت المنادين بالبدلية العقابية في عصرنا، حيث يبدأون، مثل أنسلم ولاهوت العصر الوسيط،  بشرح تدبير الخلاص من مشكلة الخطيئة، ولا يبدأون من صلاح الله ومحبته للبشرية كدافع له من أجل التجسُّد والاتحاد بالبشرية، فهم يرون أن الخطية هي الدافع الأساسيّ والوحيد لتجسُّد الكلمة، وهذا عكس تعليم تدبير الخلاص عند الآباء اليونانيين الشرقيين، الذين يبدأون من صلاح الله ومحبته للبشرية ورغبته في الاتحاد بها.

[85] Anselm of Canterbury, Cur Deus Homo, 1: 2.

[86] Ibid, 1: 20.

[87] Ibid, 2: 6.

[88] چوناثان هيل، تاريخ الفكر المسيحي، ترجمة: سليم إسكندر ومايكل رأفت، (القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2012)، ص 144-147.

[89] لاهوتي أرثوذكسيّ، حرصنا أن نورد رأيه لأنه يشرح تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة علمية، وذلك للتأكيد على أنه لا يوجد شيء اسمه بدلية عقابية في التعليم الخلاصيّ للقديس أثناسيوس.

[90] نورمان راسل، عقيدة التأله في التقليد الآبائي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: مركز إبيفانيا للنشر والتوزيع، 2019)، ص 225.

[91] بروفيسور بروتستانتي مشيخيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بتجرُّد وحيادية وموضوعية بعيدًا عن انتماءاته الطائفية.

[92] يرتبط هذا المفهوم مع مفهوم المسيح المنتصر، حيث رأت نظرية الفدية موت المسيح كفدية مدفوعة لتحرير البشرية. حيث دُفِعَت، في عيون أوريجينوس، والعديد من الآباء اللاتين، الفدية للشيطان الذي أسر البشرية بسبب الخطية.

[93] النظرية هي أن المسيح قاسى العقوبة في موته من أجل كسرنا للناموس، ومات كبديل بدلاً عنا (العقابية، تتضمن العقوبة، أو العقاب القانوني، من الكلمة اللاتينية poena، عقاب، جزاء، بدلية).

[94] Thomas F. Torrance, Atonement, Edit. by Robert T. Walker, (USA: IVP Academics press, 2009), p. 56-58.

[95] Ibid, p. 72.

[96] Thomas F. Torrance, Divine Meaning: Studies in Patristic Hermeneutics, (Edinburgh: T&T Clark, 1995), p. 193.

[97] لاهوتي كاثوليكي ينتمي لكنيسة الروم الكاثوليك، يشرح بكل حيادية وأمانة مفهوم تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس.

[98] Khaled Anatolios, The soteriological significance of Christ’s humanity in St. Athanasius, (New York: St. Vladimir’s theological quarterly, vol. 40, 1996), pp. 265-286.

[99] J. Roldanus, Le Christ et l’homme dans la theologie d’Athanase d’Alexandrie, (Leiden: Brill, 1968), p. 164.

[100] بروفيسور بروتستاني كالفيني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بكل حيادية وأمانة علمية لاهوتية حتى لو عكس معتقدات طائفته.

[101] Louis Berkhof, The History of the Christian Doctrines, (Michigan, 1949), the doctrine of the atonement or the work of Christ, p. 125-129.

[102] Ibid.

[103] بروفيسور بروتستانتيّ مشيخيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بحيادية تامة موضوع الكفارة والفداء، حتى لو عكس معتقدات طائفته.

[104] R. S. Holmes, T & T Clark Companion to Atonement, Edit. by Andrews J. Johnson, (BLOOMSBURY: T & T CLARK, 2017), p. 306, 307.

[105] بروفيسور بروتستانتيّ مشيخي يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بكل أمانة وحيادية وموضوعية تدبير الخلاص والفداء بعيدًا عن الانتماءات والمعتقدات العقائدية لطائفته.

[106] J. N. D., Kelly, Early Christian doctrines, (London: Adam & Charles Black, 1968), 4th edit., p. 380.

[107] بروفيسور بروتستانتي إنجليكانيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص والفداء بكل حيادية وأمانة علمية وأكاديمية بعيدًا عن معتقداته الطائفية.

[108] L. W. Grensted, A short History of The Doctrine of Atonement, (London & New York: Manchester University Press, 1920), p. 380.

[109] بروفيسور بروتستانتي إنجليكاني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بكل أمانة وحيادية وموضوعية بعيدًا عن انتماءاته الطائفية والعقائدية.

[110] Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in Christian Theology, (London: MACMILLAN & CO., 1919), Lect. 4, p. 296.

[111] باحث لاهوتيّ بروتستانتي يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بكل أمانة وتجرُّد تدبير الخلاص والفداء حتى لو كان يُخالِف انتماءاته العقائدية.

[112] چوناثان هيل، تاريخ الفكر المسيحي، ترجمة: سليم إسكندر ومايكل رأفت، (القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2012)، ص 71.

[113] بروفيسور بروتستانتي إنجليكاني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يعرض بكل أمانة وحيادية وتجرُّد تدبير الخلاص والفداء حتى لو كان يتعارض مع انتماءاته العقائدية.

[114] أليستر أي. ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 82، 83.

[115] مطران روميّ أرثوذكسيّ، تحول من البروتستانية إلى الأرثوذكسية، لا يؤمن بالبدلية العقابية، ولكننا حرصنا على تسجيل شهادته في موضوع تدبير الخلاص، لكي نضع أمام القارئ العزيز رؤية كاملة وشاملة وموضوعية ومحايدة من كافة الطوائف المسيحية، لكي يتأكَّد أن هدف البحث هو موضع إجماع أكاديميّ عالميّ من كافة الطوائف، حيث يؤكدون جميعًا أنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم آباء الشرق عامةً، وق. أثناسيوس خاصةً.

[116] كاليستوس وير (مطران)، الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعقيدة، (منشورات النور، ١٩٨٢)، ص 50.

[117] المرجع السابق، ص 53.

[118] باحث روميّ أرثوذكسيّ، لا يؤمن بالبدلية العقابية، حرصنا على أن نعرض رأيه لنوضح إجماع الطوائف المسيحية سواء أرثوذكسية وكاثوليكية أو بروتستانية على أنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم ق. أثناسيوس.

[119] فلاديمير لوسكي، بحث في اللاهوت الصوفي لكنيسة الشرق، ترجمة: نقولا أبو مراد، مراجعة: رهبنة دير القديس جاورجيوس – دير الحرف، (لبنان: منشورات النور، 2000)، ص 149، 150.

[120] لاهوتي روميّ أرثوذكسيّ أكاديميّ معروف، لا يؤمن بالبدلية العقابية، حرصنا أن نأتي برأيه لنؤكد على الإجماع الأكاديميّ بأنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم آباء الشرق عامةً، وق. أثناسيوس خاصةً.

[121] چورچ فلورفسكي (أب)، التجسد والفداء (موضوعات لاهوتية)، ترجمة: د. جرجس كامل يوسف، (القاهرة: دار جذور للنشر والتوزيع، 2016)، المقالة اللاهوتية التاسعة، ص 103، 104.

[122] لاهوتي وكادرينال كاثوليكيّ شهير، ورئيس لجنة السعي نحو الوحدة المسيحية، وهو كاردينال على مدينة روتنبرج بألمانيا، ولقد حرصنا على أن نعرض رأيه لأنه يشرح تدبير الخلاص بحسب ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة بعيدًا عن معتقداته وانتماءاته الطائفية.

[123] فالتر كاسبر، يسوع المسيح، ترجمة: المطران يوحنا منصور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000)، ص 294.

[124] عالم آبائيات كاثوليكي وأستاذ الأدب الكلاسيكي القديم، وهو يؤمن بنظريات الترضية والإبدال العقابي، ولكنه عندما يشرح تعليم ق. أثناسيوس يشرح التعليم بكل أمانة وحيادية وتجرُّد من انتماءاته ونزعاته الطائفية.

[125] چوهانس كواستن، علم الآبائيات ”باترولوچيا“، مج3، ترجمة: الراهب غريغوريوس البرموسي ود. نادر مدحت، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2021)، ص 92-94.

[126] لاهوتية بروتستانية إنجليكانية تؤمن بالبدلية العقابية، ولكنها تنتقد نظرية أنسلم عن الترضية وإيفاء الدَّين بكل أمانة علمية وحيادية، حتى لو كان ذلك عكس قناعاتها الطائفية واللاهوتية.

[127] Katherine Sanderegger, T&T Clark Companion to Atonement (Anselmanian Atonement), Edit. by Adam J. Johnson, (London & New York: Bloomsbury, 2017), p. 177.

[128] لاهوتي كاثوليكي، نورد رأيه الأكاديمي المحايد حول مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس.

[129] Thomas G. Weinandy, T&T Clark Companion to Atonement (Athanasius’s Incarnational Soteriology), Edit. by Adam J. Johnson, (London & New York: Bloomsbury, 2017), p. 142.

[130] لاهوتي بروتستانتي لوثري، يؤمن بالبدلية العقابية، وهو أسقف سترنجراس بالسويد، حرصنا على أن نأتي برأيه المحايد حول مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس.

[131] Gustaf Aulén, Christus Victor: An Historical Study of The Three Main Types of The Idea of Atonement, Trans. by A. G. Hebert, (London: S. P. C. K, 1975), p. 56.

[132] مطران روم كاثوليك يؤمن بالمعتقدات الكاثوليكية حول الكفارة والفداء، ولكنه عندما يشرح تدبير الخلاص في لاهوت ق. أثناسيوس، يشرحه بأمانة وتجرُّد وحيادية.

[133] كيرلس سليم بسترس وآخرون، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2001)، ص 461.

[134] المرجع السابق، ص 466.

[135] قس بروتستانتي مشيخي، يؤمن بالبدلية العقابية، كان أستاذ اللاهوت في الكلية الإنجيلية بالقاهرة، ورئيس السنودس الإنجيلي مرتين، ولكنه رغم انتماءاته الطائفية والعقائدية، إلا أنه يشرح تدبير الخلاص كما جاء في تعليم ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة لاهوتية وأكاديمية بعيدًا عن معتقداته الطائفية.

[136] عبد المسيح اسطفانوس (قس، دكتور)، تاريخ الفكر المسيحي في القرون الأولى، (القاهرة، 2012)، ص 173، 174.

[137] المرجع السابق، ص 203.

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

كتاب الإفخارستيا عند البابا كيرلس السكندري – موريس تاوضروس PDF

كتاب الإفخارستيا عند البابا كيرلس السكندري – موريس تاوضروس PDF

كتاب الإفخارستيا عند البابا كيرلس السكندري – موريس تاوضروس PDF

كتاب الإفخارستيا عند البابا كيرلس السكندري – موريس تاوضروس PDF

تحميل الكتاب PDF

التقوى في الفكر الكنسي

التقوى في الفكر الكنسي

التقوى في الفكر الكنسي

الإيمان في الكنيسة الجامعة

التقوى (εσέβεια) كما نجدها واضحة في الفكر اللاهوتي النيقي، كانت تشير إلى الفهم الأرثوذكسي القويم “للحق” الذي في الإيمان والعبادة المسلَّمة من الرسل. ويتعين علينا أن نقتفي أثر التقوى من خلال العودة إلى الرسائل الرعوية في العهد الجديد، حيث كانت “التقوى” كلمة تدل نوعًا ما إلى ما كان يُشار إليه ب “الطريق” في سفر أعمال الرسل[1]، أي “طريق” الإيمان والعبادة الذي ميَّز الذين اتبعوا المسيح الذي من أجله كان لا بد لهم أن يتألموا.

وكانت السمة المميّزة للتقوى، أنها تجسيد للإيمان أو معرفة “لحق” الإنجيل، في تطابقٍ مع أسلوب الحياة والعبادة في خدمة الله بورع[2]. ومما كان له دلالة هامة، هذا التأكيد الشديد على العلاقة الثابتة (المتلازمة) والمتبادلة بين “التقوى” و”الإيمان” و”الحق”، أي التأكيد على “التعليم الذي هو حسب التقوى”[3]، أو على “التعليم الصحيح”[4] والذي جاء كرد فعل حاد لظهور تحريف للإنجيل على أساس خرافات وظنون عقلية[5].

فبينما اعتُبرت “التقوى” كمرادف “للإيمان” و”الحق”، اعتُبر عدم التقوى مرادفاً لعدم الإيمان والضلال، وكان هذا التباين هو الذي حدد الاسلوب والنمط لصراع الكنيسة مع الهراطقة على مدى الأربعة قرون الأولى.

ومن الواضح أن ما ذكره القديس بولس الرسول من علاقة بين “السر العظيم للتقوى” وبين التجسد، كان هو النص الكتابي الذي تحكَّم في فهم التقوى في الكنيسة الأولى. وكان الرسول يكتب لتيموثيئوس ليُعرِّفه كيف يجب أن يتصرف في بيت الله “الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته. وبالإجماع عظيم هو سر التقوى εσεβείας μυστήριον) (τό τς: الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى لملائكة، كُرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رُفع في المجد”[6].

فمن جانب نجد في هذا النص الكتابي، أن التقوى تُعَرَّف على أنها النفاذ إلى السر الداخلي للإيمان، وإلى الحقيقة الموضوعية “لإعلان الله لذاته” بالتجسد، في حين على الجانب الآخر نجد أيضًا في النص الحديث عن الكنيسة على أنها تؤيد “الحق” الإلهي وتتمسك به. وإذا عبَّرنا عن هذا المعنى بطريقة عكسية فإننا نقول إن “الحق” الإلهي المُعلن، هو مؤسس وراسخ في حياة البشر وفي المجتمع، بحسب ما يُكشَف ويُؤمَن به وبحسب ما يُعرَف ويُعلّم بوَاسطة الكنيسة، وذلك بأسلوب يدعو إلى التقوى ويقود إليها.

ولذلك (وبحسب هذا النص الكتابي) فإن السر العظيم الذي للتقوى والظاهر جليًّا في يسوع المسيح ونعمته الخلاصية، صار مجسَّدًا ومتضمَّنًا في الكنيسة كقرينها، وهو ما يتمشى مع ما أشار إليه القديس بولس على أنه السر العظيم من نحو المسيح وكنيسته التي هي جسده[7].

وعلى هذا فإن إعلان الله الخلاصي في يسوع المسيح، وقبول وفهم الرسل لهذا الإعلان بإيمان، قد ساهما معًا في تأسيس الكنيسة، حتى أنه وحسب قصد الله “التدبيري” صار “الحق”، كما استُعلن في يسوع، في متناول أيدي الناس من خلال تعليم ووعظ الرسل الخاص بالإنجيل، وبتواصل حي لتقليدهم “التقويّ” في الكنيسة عبر التاريخ.

“وديعة الإيمان” المسلَّمة هي “حياة التقوى حسب الإيمان” أو هي “الحياة حسب جوهر الإيمان أو حسب الحق” هذا بالتأكيد ما كانت تعنيه الرسائل الرعوية ب “وديعة الإيمان” (παραθήκη)، التي استؤمنت عليها الكنيسة لحفظها والدفاع عنها ونقلها في تقوى إلى الآخرين[8].

إن “الإيمان” الذي استؤمنت عليه الكنيسة، في معناه الأَوَّلي، هو الإيمان بيسوع المسيح واستعلانه لنا وعمله الخلاصي من أجلنا، هذا العمل الذي يفسِّر نفسه ويكشف عن نفسه داخل الكنيسة. غير أن “الإيمان” في معناه الثانوي يشير إلى المضمون الإنجيلي للرسالة الرسولية والتقليد، كما هو منقول إلينا من خلال كتاب العهد الجديد ومن خلال الاشتراك في “سر التقوى” في وسط الكنيسة، حيث يستمر المسيح في التعريف بذاته وفي عمله الخلاصي من خلال القوة المنيرة لروحه القدوس.

لذلك ففقط بالاعتماد على الشهادة الرسولية والتعليم الرسولي، وبالاعتماد على المعنى الثانوي الذي ذكرناه “لوديعة الإيمان” (أي الحياة حسب الإيمان)، والذي يعترف ويشير دائمًا إلى يسوع المسيح كرب ومخلِّص، تمكن البشر عبر التاريخ من فهم واقتناء الجوهر (المضمون) العقيدي للإيمان، وهو ما كانت تعنيه منذ البداية كلمة “الوديعة”. وعلى أية حال، فإن كل هذا يحدث فقط داخل التكامل البنياني بين “الحق” و”الإيمان” و”التقوى” في تقليد الكنيسة الحي بكونها جسد المسيح أو بكونها الشكل الأرضي-التاريخي لوجوده في العالم.

وإذا قمنا بمحاولة لتقدير علاقة وتأثير هذا التعليم الإنجيلي على الفكر اللاهوتي النيقي، فإن ذلك سوف يساعدنا على أن ندرك كيف استفادت الكنيسة الأولى منه في الفترة ما بين عصر الرسل ومجمع نيقية، وهو ما نراه منعكسًا على فكر كل من القديس إيرينيوس والعلاّمة أوريجينوس.

وديعة الإيمان في فكر القديس إيرينيوس

لقد كان لدى القديس إيرينيوس إحساس قوي بوجود “حق الإنجيل” (مجسمًا) داخل الأساس الرسولي للكنيسة، كما كان لديه أيضًا إحساس قوي بطبيعة بناء الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين والمنقول بواسطة التقليد الرسولي. وقد فهم تعبير “وديعة الإيمان” فهمًا عميقًا، فلم يكن يعتبرها مجرد مجموعة مقولات عقائدية، بل الحق الإنجيلي الموضوعي (المُعاش) الذي يعيد للكنيسة شبابها باستمرار من خلال قوة الروح القدس وهكذا تتجدد روابطها بالمصدر الخلاَّق لكيانها.

كما أن وديعة الإيمان تُشكِّل أيضًا حياة الكنيسة المتواصلة ورسالتها لتكون وفقًا لصورة المسيح ابن الله المتجسِّد وطبقًا لنموذج “الحق” الإلهي المجسَّد فيه[9]. ولذلك فكنيسة يسوع المسيح استلمت إيمانًا “واحدًا وثابتًا على الدَّوام”، لأنه مؤسس على حقيقة المسيح غير المتغيرة، وعلى إعلان الله فيه الذي أُعطي مرة واحدة وللكل[10].

إننا لا نستطيع على الإطلاق أن ندرك الله أو نصفه، لأن عظمته الفائقة وجلاله السامي يفوقان بما لا يُقاس قدرة البشر على معرفته ووصفه كما هو في طبيعته الذاتية. غير أن الله بغير انتهاك لسر جوهره الذاتي قد اختار أن يجعل نفسه معروفًا لنا، وذلك من خلال حركة حب وتنازل فائق اقترب بها إلينا من خلال ظهوره في الجسد في المسيح يسوع، وهكذا جعل نفسه في نطاق المعرفة البشرية[11].

وبهذا المعنى فإن يسوع المسيح يُمثِّل الطريق الموصل بين الله والإنسان، بين غير المرئي والمرئي، بين غير المُدرَك والمُدرَك، بين غير المحدود والمحدود. إذن ففي يسوع المسيح ومن خلال الاتحاد و”الشركة” معه في الحب، فإننا نستطيع أن نعرف الله بطريقة راسخة ومؤكدة، لأن هذه المعرفة تكون مثبتة ومستقرة في حقيقة الله الأزلي[12].

ولم يكن هذا الأمر ممكنًا بدون الدور الذي يقوم به روح الله، حيث في الرب يسوع المسيح ومن خلاله، “عوَّد” الله روحه القدوس أن يسكن في الطبيعة البشرية، وفي نفس الوقت هيأ الطبيعة البشرية لقبول الروح القدس، ومن خلال عطية الروح القدس نستطيع أن نشارك في علاقة المعرفة المتبادلة بين الآب والابن وبالتالي نشارك في معرفة الله وفقًا لما هو في ذاته[13].

وفي الشركة مع الله بالمسيح في الروح القدس، كما فهمها القديس إيرينيوس والتي صارت بالمصالحة وشفاء بشريتنا بواسطة اتحاده بجسدنا تأخذ الكنيسة بالضرورة دورًا هامًّا في تحقيقها، لأن الكنيسة هي التي ائتمنها الله على وديعة الإيمان، وقد أعطى روحه القدوس للكنيسة، وفي الكنيسة منحنا الله خدمة الإنجيل وجميع الوسائط الأخرى التي يعمل الروح من خلالها.

ولذلك استطاع القديس إيرينيوس أن يقول “حيثما توجد الكنيسة فهناك يوجد روح الله، وحيثما يوجد روح الله فهناك توجد الكنيسة وتوجد كل نعمة: لأن الروح هو الحق”[14]. وبينما أشار القديس إيرينيوس إلى الكنيسة على أنها مكان المعرفة الراسخة “للحق”، إلاّ أنه كان يؤكد على أن إعلان الله عن ذاته بواسطة المسيح وفي الروح القدس هو المصدر الحقيقي لمعرفتنا “للحق”[15]. وجاء تأكيده القاطع هذا واضحًا، عندما وبالإشارة إلى كلمة القديس بولس عن الكنيسة بكونها “عمود الحق وقاعدته”[16] تكلَّم بقصد عن “الإنجيل وروح الحياة” على أنه “عمود الكنيسة وقاعدتها”: (στύλος δέ κα στήριγμα κκλησίας, τ εγγέλιον κα πνεμα ζως)[17].

ومن ناحية أخرى، كان إيرينيوس يعتقد أنه فقط في إطار الإيمان الذي استؤمنت عليه الكنيسة والمتضمَّن في التقليد الرسولي، يمكن “للكلمة” الخاصة بالإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، أن تُفسَّر بأمانة بدون انحراف أو تجاوزات متجاسرة أو عديمة التقوى، وحينئذٍ يمكن للمسيح ذاته الكنز المخفي في هذه الكتب أن يُعرف معرفة حقيقية[18].

إن معرفة “الحق” الإلهي أو “الحق” الإنجيلي بالنسبة للقديس إيرينيوس لا تُعطى بشكل مجرد أو بشكل منفصل، ولكن تُعطى بشكل واقعي ملموس في داخل الكنيسة، حيث إن هذا “الحق” يجب أن يُفهم داخل إطار الإيمان المُسلَّم للكنيسة من خلال تعليم الرسل، وبالتالي يجب أن يُفهم فقط في الوحدة والعلاقة غير المنفصلة مع الإيمان والعبادة وحياة التقوى لكل من هم متَّحدون (متضمَّنون) في المسيح كأعضاء في جسده.

وقد اعتبر القديس إيرينيوس “الحق” المعلن في الكتب المقدسة على أنه تركيب عضوي أسماه “جسم الحق”، والذي تتمايز في داخله حقائق ومعتقدات متنوعة (كأعضاء هذا الجسم)، ولكنها تكوِّن “كلاًّ متماسكًا” (أي وحدة كاملة متماسكة) ولا يمكن لإحدى هذه الحقائق والمعتقدات أن تنفصل عن هذا الكل، بالضبط كما أنه لا يمكن لأطراف الجسد الحي أن تنفصل عن الجسد دون أن تسبب تدميرًا وتمزيقًا لوحدة هذا الجسد[19].

وبالرغم من ذلك فان المهمة الأساسية التي كلَّف القديس إيرينيوس نفسه بها، كانت إظهار وكشف النظام المتضمَّن في داخل “وديعة الإيمان” وتوضيح الترتيب الداخلي ل “جسم الحق والتوافق المتناغم بين أعضائه”، وذلك بما يتفق مع “قانون الحق” المسلَّم بالتقليد في المعمودية[20]، ليكون كل هذا مرشداً في تفسير الكتب المقدسة. ومن ثم يكون إيرينيوس قد قدَّم عرضًا واضحًا للكرازة الرسولية (kerygma) في مواجهة انحراف وضلال الهراطقة[21].*

وفي هذا الصدد، كان عمل القديس إيرينيوس يعكس بوضوح نشاط الكنيسة العام في القرنين الثاني والثالث في محاولتها لتوضيح المضمون العقيدي للإيمان في ضوء نظامها الخاص القائم على أسس موضوعية، حيث إنه في سياق هذه المحاولة ظهرت صيَغ محددة للإيمان وهي التي أخذت في وضعها النهائي شكل قوانين الإيمان الأولى[22].

ومن الطريقة التي تناول بها القديس إيرينيوس نفسه هذه الصيغ القانونية الأولية للإيمان، يتضح أنها لم تكن افتراضات عقائدية مرتبطة معًا من خلال نظام “منطقي استنتاجي” للتفكير، بل كانت تأكيدات إيمانية منظومة معًا بصورة فائقة لذاتها، بفضل أساسها المشترك في وديعة الإيمان الرسولي، وبالأحرى بفضل إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح، “الحق” الإلهي الواحد المتجسِّد والذي تنبع منه كل الحقائق الإنجيلية.

وبالتالي فإن هذه الصيغ القانونية للإيمان لم يكن الحق الذي فيها نابع منها، بل من ذلك “الحق” الأعلى الذي تشير هي إليه والذي فيه أيضًا تنحصر. وبينما تحدث القديس إيرينيوس عن تلك الصيغ (القانونية) على أنها مرتبطة ب “قانون الحق”، إلاّ أنه أوضح أن قانون الحق الفعلي أو المركز الذي يمكن الرجوع إليه هو “الحق” ذاته[23].

وكان يُنظر إلى هذه التأكيدات (الصيغ) الإيمانية، على أنها تملك قوة ضابطة في ذاتها بقدر صحة انتمائها لذلك “الحق” وبقدر خضوعها لسلطانه الأسمى؛ إذ إن كل معرفتنا عن الله (theology) هي فقط “معرفة جزئية” لأن هناك الكثير الذي يخص الله لا بد أن ندعه له بخشوع، بل إن مجرد التفكير في اقتحامه يعتبر من عدم التقوى[24]. وتكمن أهمية هذه الصيغ ليس في “نوع الكلمات الصحيحة” المستخدمة فيها، بل في إسهامها في إخضاع ذهن الكنيسة لما يستوجبه الحق الإلهي، وفى إرشادها للكنيسة في رسالتها لحماية “الإيمان الرسولي والإنجيلي”، والدفاع عن هذا الإيمان الذي ائتُمنت عليه، لتسلِّمه للآخرين وفقًا “لسر التقوى”.

معرفة الحق والتقوى في فكر أوريجينوس

هذا العرض لما أسهم به القديس إيرينيوس، في كشف البعد اللاهوتي ل “اعتراف الإيمان” الخاص بالكنيسة، يحتاج إلى تكملته بعرض آخر لبعضٍ من مساهمة أوريجينوس الواسعة النطاق في الفهم اللاهوتي والكتابي، والذي كان له أثره البالغ على الكنيسة وحتى مجمع نيقية.

لقد كان أوريجينوس عالِمًا فذًا ودارسًا إنجيليًّا لا يُضاهى في الكنيسة الأولى، ولكنه كان لاهوتيًّا صاحب فكر مُفرط في التأمل رغم إخلاصه ويشعر بضرورة نقل فكره إلى ما هو أبعد من المضمون الحرفي للأقوال الإنجيلية، أي إلى الحقائق الإلهية التي تدل عليها هذه الأقوال.

ورغم أنه كان يشارك القديس إيرينيوس الرأي بأن المرجع الذي يمكن الاستناد إليه في معرفتنا لله هو في النهاية “الحق” ذاته كما هو معلن في يسوع المسيح، وليس في أية صيَغٍ بشرية لمعرفتنا نحن “للحق”[25] إلاّ أنه وبخلاف القديس إيرينيوس عمل من خلال إطار ثنائي للفكر، وهو الفصل الأفلاطوني بين عالم الحسيّات (الأشياء المحسوسة) κόσμος) (ασθητς وعالم المدرَكات (الأشياء التي تُدرك بالعقل) κόσμος) (νοητς [26]، وكان لهذا المنهج الثنائي في التفكير، تداعيات بعيدة المدى لدى أوريجينوس إلى درجة قوله بأن: “الأشياء غير المرئية وغير المادية في السماء هي حقيقية، أما الأشياء المرئية والمادية على الأرض فهي نسخ من تلك الأشياء الحقيقية وليست هي حقيقية بذاتها”[27].

وقد أثرت وجهة النظر هذه بشدة في فهمه للكتب المقدسة، فرأى أنها وسائط وفرتها العناية الإلهية داخل عالم الحسيّات، والتي بواسطتها يُهيئ “اللوغوس” الإلهي اتصاله بالضعف البشرى ويغلف أسرار الإعلان الإلهي في صورة أشكال وأرقام يسهل فهمها، وهذا فقط حتى يمكنه من خلالها (الكتب المقدسة) أن يرفع العقول المؤمنة إلى مستوى أعلى حيث تستطيع فهم الحقائق الروحية أو الإلهية في العالم العقلاني (عالم الأمور الحقائق) البعيد عنهم[28].

ولقد اعتقد أوريجينوس أن المصطلحات البشرية الموجودة في الوحي الإلهي في الكتاب المقدس، تحكمها طبيعة (φύσει) “الحقائق” التي تدل عليها هذه المصطلحات، وأنها ليست مجرد متصلة بها فقط بصورة تقليدية (θέσει). ومن هنا فإن هذه المصطلحات ينبغي أن تُفهم من خلال القبول الإيماني لما تفرضه (καταληπτικός) تلك “الحقائق” على عقل المفسِّر، مما يعني أنه لا بد له من أن ينهمك في بحث دقيق للتأكد من أن هذا القبول الإيماني (لمعاني المصطلحات) يتفق بالفعل مع الحقيقة[29].

هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فقد أصرَّ أوريجينوس على أن التفسير الروحي للكتب المقدسة طبقًا للطبيعة الروحية لهذه “الحقائق”، لا بد وأن يَعبر في الفكر من مستوى أدنى للمعنى “المادي” أو الحرفي إلى مستوى أعلى للمعنى “الروحي” أو السري حيث تشرق الحقيقة بنورها العقلاني والشاهد لذاته[30]. إلاّ أن هذا (العبور) يحتاج إلى قدر كبير من التدريب الروحي للعقل علي البصيرة اللاهوتية (θεωρία) ونوع من الحس الإلهي (θεία ασθησις) يتناسب مع معرفة الله[31].

هذا الجمع بين البحث الدقيق والتدريب الروحي كان سمة مميزة جدًّا لأوريجينوس، رغم علمه بالمخاطر التي ينطوي عليها هذا الاتجاه، والذي قاده للفصل بين الإنجيل “الجسدي الحسي” وبين الإنجيل “الروحي الفكري”، أو بين ما يُسمى بالإنجيل “الزمني” وما يُسمى بالإنجيل “الأبدي”, والذي اعتقد أوريجينوس أنه يوازي الفرق بين مجيء المخلِّص في حالة “التواضع” عندما أخذ شكل العبد من أجلنا، وبين مجيء المسيح في المجد في المستقبل عندما ستفسح ظلال “الإنجيل الزمني” المجال للحقائق المطلقة التي “للإنجيل الأبدي”[32].

وينتج عن هذا، اعتبار المسيح الذي جاء في التاريخ على أنه هيئة مشروطة بفترة زمنية محددة، والذي فيها ينتقل “الحق” الأبدي إلى المخلوقات الساقطة، ولكن بمجرد أن تتم معرفة هذا “الحق” الأبدي، فإن ذلك الوسيط “التاريخي” سوف يكون وجوده نسبيًّا[33].

وكان هذا هو السبب وراء تأكيد أوريجينوس على أهمية “التفسير المجازي” وعلى غرس “الإحساس” الروحي نحو الله، والذي قد يساعد المؤمن على اختراق قشور وظلال الإعلان “التاريخي الزمني” والوصول إلى حقائق الله الأبدية “غير المرئية” والتي يمكن فهمها فقط بأسلوب بسيط ومباشر ولا يمكن التعبير عنها بكلمات بشرية[34].

هذا الامتداد التأملي للعقل الروحي، إلى ما وراء مجال المعرفة الذي يخضع لمعايير الحقيقة التي عملت بها العلوم والفلسفة اليونانية[35] كان بدون شك أمرًا خطيرًا، ولكن بالرغم من ذلك كان أوريجينوس منبهرًا به وبالأخص لأنه ارتبط برجال الله في العهد القديم مثل ملكي صادق رائد العبادة السماوية، أو موسى الذي تكلم مع الله وجهًا لوجه، أو حين ارتبط باختبار التلاميذ على جبل التجلي أو ما كتبه القديس بولس عن اختباراته المجيدة، والتي تشير جميعها إلى نوع من الرؤية السامية لله والتي من الممكن أن تكون مفتوحة أمام “البصيرة الصوفية التي تفوق التعبير”[36].

وثمة جانب آخر لاسلوب أوريجينوس ضمن لفكره اللاهوتي (θεολογεν) الحماية ضد التحول للفكر الأسطوري الخيالي (μυθολογεν)، كما وفَّر إطارًا معياريًّا للإيمان والعبادة يساعد على جعل “معرفة الله” كمركز للحياة وللتقليد الحي الذي “للكنيسة العظيمة”، وهذا (الجانب الآخر) هو الذي كان يفرض على أوريجينوس أن يعمل بالأسلوب الذي فيه يؤثر “البحث الدقيق” و”التدريب على التقوى” كل منهما على الآخر.

وطبقًا لمفهوم “المعرفة العلمية” (πιστήμη) الذي قد ساد طويلاً في الإسكندرية، وهو أن المعرفة الصحيحة هي التي تكون وفقًا لطبيعة (κατά φύσιν) الشيء الذي تجري معرفته، فقد ركز أوريجينوس على تطوير طريقة لمعرفة الله تكون متمشية تمامًا مع طبيعة الله كما قد أعلنها لنا بنفسه، أي طريقة تتسم بالتقوى؛ فقد هيأ نفسه لتنمية التقوى الشخصية بالاعتماد على نعمة المسيح وقوة روحه القدوس، حتى يستطيع أن يعوِّد العقل على التقوى التي تلائم معرفة الله.

إذن فإن “معرفة الله” والتي في معناها الدقيق هي “معرفة الثالوث القدوس”، و “التقوى الإلهية التي تُحدد بواسطة يسوع المسيح ابن الله المتجسِّد، قد اعتبر أوريجينوس أن كلاًّ منهما متوقف على الآخر، وذلك في مجال (عملية) تعميق البحث اللاهوتي[37].

فكلما عُرف الله بحق وفقًا لطبيعته، زاد مستوى التقوى؛ وكلما زاد مستوى التقوى، زادت إمكانية معرفتنا لله بصورة تقوية تليق بطبيعة الله[38]. وعمومًا فإن “الهدف هو أن نقترب من “الحق” على قدر المستطاع وأن نشكِّل إيماننا طبقًا لقاعدة التقوى”[39]. وهكذا صارت “التقوى” و “قانون الحق” متكافئين عمليًّا.

ولقد كان أوريجينوس يفكر ويعمل في إطار احترامه البالغ للكتب المقدسة وإخلاصه “الكهنوتي” لكلمة الله وحق الله اللذين تنقلاهما لنا هذه الكتب[40]، والتي رأى أوريجينوس أنها يجب أن تُبحث على أنها من نتاج وحي الروح القدس، كما يجب أن تُفسَّر وفقًا “لسمتها الإلهية” بطريقة ورعة ووقور إدراكًا منا أن لها من عمق المعنى ما يفوق إدراك البشر مما لا يدع مجالاً للفهم المتسرع[41].

فالكتب المقدسة في صميم طبيعتها تستلزم الدراسة العميقة والتأمل والصلاة والجهد الشاق[42]، وهذا هو بالضبط ما أظهره أوريجينوس نفسه في إنتاجه الضخم من التفاسير الإنجيلية، التي تشهد شهادة رائعة على معالجته للنص بضمير حي في كل تفاصيله اللغوية والنحوية الدقيقة، كما تشهد أيضًا على بحثه الدؤوب لتوضيح الملابسات والخلفيات التاريخية التي قد تؤثر على المعنى، ولكنه سعى أيضًا لتوضيح مدى تأثير الإعلان الإلهي الكتابي بأكمله وكل تقليد الإيمان والفهم المسيحي في الكنيسة، مدى تأثير كل هذا على كل سفر وكل فقرة في الكتاب، وبذلك يمكن أن تُفهم الكتب المقدسة بقدر المستطاع خارجًا عن نفسها في ضوء القصد الإلهي الذي احتوته هي وأظهرته في ترابطها وتواصلها الداخلي[43].

وبما أن الكتب المقدسة هي نتيجة وحي الروح القدس بإرادة من الآب وبواسطة يسوع المسيح*، وبما أن “كلمة” الله الذي يتكلم في كل الكتب المقدسة قد تجسَّد في شخص يسوع المسيح، لذلك فإن يسوع المسيح ذاته هو الذي يشكِّل المحور الحاكم لكافة التفسيرات الصحيحة للكتاب المقدس.

وقد ذهب أوريجينوس إلى القول بأن تفسير الكتاب المقدس، وحتى الأناجيل، بهذه الطريقة أي من خلال وجود وحضور “فكر المسيح” يعني الحفاظ على “قانون كنيسة يسوع المسيح السماوية متمشيًا مع التعاقب الرسولي”[44]، فيسوع المسيح هو نفسه الذي أعطى للمسيحيين تعريفًا للتقوى الحقيقية[45] لأنه هو نفسه “سر التقوى العظيم الظاهر في الجسد” والذي في نفسه ومن خلال نفسه حقَّق التلاقي بين تنازل الله الكريم إلينا واقترابنا نحن إلى الله، أي بين كُلٍّ من إعلان الله عن ذاته لنا ومعرفتنا نحن لله وعبادتنا له[46].

إذن ففي كل بحث عن “الحق” ينبغي علينا أن نجاهد أكثر وأكثر لكي نحافظ بكل الطرق على موقف التقوى نحو الله ومسيحه[47]. ولكي نكون أمناء “لفكر المسيح” في كل تفسيرنا للكتب المقدسة “فإننا لا بد أن نحافظ على قانون التقوى”[48].

ومن المهم جدًا أن نلاحظ أنه بالنسبة لأوريجينوس، كانت “التقوى” تُعرَّف وتتحدد ليس فقط بكونها “بحسب يسوع المسيح” (κατ Іησον Хριστόν) بل أنها “من خلال يسوع المسيح نفسه” (δι Іησο Хριστ)، من جهة علاقته الفريدة بالآب كابن الله وأيضًا من جهة علاقته الفريدة بنا كرئيس كهنتنا الذي فيه ومن خلاله نعبد الآب[49].

وإذ هو بذبيحته يشفينا، ويطهرنا بقدرته الإلهية الذاتية، لذلك نحن نعبده كما نعبد الآب، لأنه هو والآب واحد. ولكن لأنه هو أيضًا في نفس الوقت واحد معنا كما هو واحد مع الآب، فنحن نصلي له “كوسيط لنا وكرئيس كهنة وكشفيع” طالبين منه أن يقدِّم رغباتنا وتوسلاتنا وتشفعاتنا التي نرفعها إليه إلى الآب، وهكذا فإننا نعبد الآب ونحن في اتحاد به ومن خلاله.

وكابن الله المتجسِّد وكرئيس كهنة، فإن يسوع المسيح قد عرَّف الجنس البشري الطريقة النقية لعبادة الله وهذه هي التقوى الحقيقية التي بها يثبت إيماننا وفهمنا في الله[50].

ومما لا شك فيه أن ما كتبه أوريجينوس عن عبادة الآب التي مركزها المسيح والتي يتوسط فيها المسيح، إنما يعكس الفكر السائد للكنيسة في إيمانها القائم على التقليد الحي، وفي خدمتها لأجل خلاص الجنس البشري: حيث كان الانبهار المصحوب بالتوقير في معرفة الله، والشكر والتسبيح لأجل أعمال الله الخلاصية في تجسد يسوع المسيح وموته وقيامته، وأيضًا التقوى في القول والفعل، كل هذه مُضفَّرة معًا وملتحمة بغير انفصال في عبادة الكنيسة كما يتضح ذلك في ليتورجية المعمودية والإفخارستيا[51].

وكان تقديس اسم الله، والتفكير فيه والتكلم عنه بصورة لائقة، وكذلك التوقير العميق لكشف الله لذاته كآب وابن وروح قدس هذه كلها كانت من العلامات الجوهرية “للفكر المسيحي” بل وكما اعتقد أوريجينوس “للفكر الكنسي”، وذلك نتيجة البصمة التي تركها الرسل عليه. لذلك فعندما شرع أوريجينوس في إعداد وطبع مؤلف عن المبادئ الأساسية للإيمان، بقصد زيادة الترتيب والتناغم في فهم العقيدة المسيحية، وضع أولاً “خطًّا محددًا وقاعدة واضحة”، وهى أن شرح الإيمان ينبغي أن يبقى داخل حدود تعليم الكنيسة المتفق عليه بالإجماع كما تسلَّمته من الرسل، وذلك في ضوء العقائد التي اعتبرها الرسل ضرورية للغاية.

ولكن بالنظر لاحتمال حدوث الخطأ والاختلاف في الرأي فيما بعد، شعر أوريجينوس أنه يتعين عليه المزيد من البحث في “دوافع وخلفيات الأقوال التي وعظ بها الرسل عن الإيمان بالمسيح” أملاً في تأسيس القاعدة الأولية للإيمان المسيحي، ومن ثم يحدد الارتباطات المنطقية “للحق” المعلَّن، وذلك لبناء كيان متماسك وثابت للعقيدة المسيحية[52].

وفي خلال مشروعه هذا والذي كان الأول من نوعه، سعى أوريجينوس لإدراك “الحق” الإلهي بكل ما أوتي به من إخلاص، وكان يحرص خاصةً بالنسبة “للنقاط الأكثر صعوبة” على أن يسترشد بقانون التقوى، أي قاعدة البر. وكان يسمح فقط باستخدام المفاهيم اللاهوتية التي يشعر أنها تليق بالله والمصوغة طبقًا لما يتطلبه ويحتِّمه كيان الله وطبيعته الفائقة الإدراك.

ونتيجة لشدة افتراضاته الفلسفية المسبقة، والتي لم يخضعها بصورة كافية للنقد وعلى الرغم من التزامه بما أعلنه الكتاب المقدس فإن فكر أوريجينوس التأملي تجاوز قاعدة التقوى في عدد من النقاط الحاسمة، مما أدى إلى اصطدام تعليمه مع فكر الكنيسة الجامعة.

ومع ذلك فإن أوريجينوس، بجمعه بين البحث العلمي لأسس الإيمان الموضوعية والإصرار على مراعاة مبدأ التقوى (εσέβεια / θεοσέβεια) في معرفة الثالوث القدوس، كان له تأثير بالغ على اللاهوتيين في نيقية وما بعد نيقية، حيث أصبح المبدأ الفعَّال فيما بينهم هو ما عُرف فيما بعد بقانون التقوى – قانون الإيمان (lex orandi – lex credendi)[53].

دور التقوى في حفظ الإيمان

وعبر تاريخ الكنيسة، قُدِّمت مرارًا وتكرارًا أفكار عن الله ناتجة عن تجاسر وعدم توقير، وقد رفضتها الكنيسة بصورة بديهية بسبب احترامها العميق لسر الله وجلاله، هذا الاحترام العميق الذي كان قد تأسس ونما داخل نسيج الإيمان بواسطة الصلاة والعبادة.

وكان هذا هو بالضبط ما حدث بسبب الهرطقة الأريوسية في فترة حرجة من تاريخ الكنيسة، حيث شككت هذه الهرطقة في وحدانية الثالوث القدوس بإصرارها على أن الابن مخلوق، وبالتالي فصله عن جوهر الآب وإدخال نوع من التضارب في الألوهية. وكان رد فعل الأساقفة بنيقية هو الفزع الشديد لتلك الإهانة التي إنما تنم عن “عدم التقوى” و”عدم الورع” (ασέβεια) الأريوسي، وهذا قد جعلهم يقدمون ضد تلك البدعة “مجادلات تتسم بالتقوى” (πόδειις εσεβείας)[54].

وقد أخبر القديس أثناسيوس أساقفة مصر بأنه عندما كان يدوِّن تعبيرات الأريوسيين المنحرفة والعديمة التقوى، كان يتعين عليه أن يطهر نفسه بالتفكير في عكس هذا الاتجاه تمامًا، وأن يتمسك “بذهن التقوى” (τν τς εσεβείας διάνοιαν)[55].

وبالإشارة إلى حقيقة أن مجمع نيقية اضطر إلى استخدام التعبير غير الكتابي (أي الذي لم يرد في الكتاب المقدس) “هوموأووسيوس” (μοούσιος) لشرح ما كان يعنيه الكتاب المقدس في حديثه عن المسيح (بكونه كابن) “ل الله” أو “من الله”، أوضح القديس أثناسيوس أنه لا يهم إذا استخدم المرء أو لم يستخدم تعبيرًا غير كتابي طالما أن له “ذهن تقوّي” (εσεβ τν διάνοιαν)، كما أوضح القديس أثناسيوس أيضاً حقيقة أن الآباء بنيقية كانوا بعيدين كل البعد عن التحدث عن المسيح بدون توقير، فهم تحدثوا عنه بوقار “وبذهن متسامٍ وتقوى تنم عن محبة للمسيح”

 (υψηλ διάνοια κα φιλόχριστος εσέβεια). [56]

وفي فترة لاحقة، عندما تجاسر بعض رجال الكنيسة من دعاة الأريوسية على القول بأن الروح القدس مخلوق، وتجرأوا على إخضاع العلاقات الداخلية للثالوث القدوس حيث “يبسط الشاروبيم أجنحتهم للتغطية” للفحص الوقح، قدَّم القديس أثناسيوس حججًا مضادة بنفس أسلوب نيقية (الورع)، وكان يفعل هذا بروح التقوى المتمركزة حول المسيح. فالتعليم الذي سبق أن سُلِّم يجب أن يُقبَل بخبر الإيمان، ويجب أن يُشرَح “بنمط فكري يتسم بالتقوى” (εσέβε λογισμ μετ ̉ ελαβείας)[57] وليس بمجادلات لغوية تفتقر للوقار.

وكان القديس أثناسيوس يصرُّ دائمًا على أن إطاعة الإيمان تؤدي إلى أسلوب شرعي في التفكير والتحدث عن الله، وذلك بفضل الاتزان الداخلي الذي يتولد نتيجة عبادة الله. ففي كل محاولة للفهم وإعطاء تعبير عن أسرار الإيمان، يكون المطلوب هو انضباط خشوعي وترتيب للعقل وصل إلى حالة الانسجام “بواسطة صلاة دائمة لله، ومعرفة تتسم بالتقوى، وتضرعات مقدمة ليس بشكل عرضي ولكن بتسليم كامل للقلب”.

هكذا يمكن أن يكون الدخول إلى الله، والذي فيه الإيمان والتقوى كل منهما يحكم الآخر في معرفتنا لله “لأن (كلمتي) الإيمان والتقوى مرتبطتان، وهما أختان: فمن يؤمن بالله لا ينفصل عن التقوى، ومَن يملك التقوى فهو حقًّا يؤمن”[58].

وقد لعب نفس مبدأ (lex orandi – lex credendi) أي “قانون التقوى قانون الإيمان” دورًا هامًّا في فكر القديس هيلاري، وكما قد رأينا فإن القديس هيلاري كانت تزعجه بالأكثر الطريقة التي استغل بها الهراطقة “المجال المفتوح” للإيمان لإقحام أفكارهم الخاصة الوقحة في معرفة الله، كما أقلقه أيضًا في الرد على الهراطقة الحاجة إلى فكر لاهوتي مستقيم (أرثوذكسي)، لصياغة اعترافات محددة أبعد من تصريحات الكتاب المقدس عن أمور هي في الأساس تفوق الوصف.

واعتقد القديس هيلاري أنه في هذه الظروف، ينبغي علينا أن نعتمد على ذلك النوع من الإدراك والفهم لله، المتضمَّن في الإيمان الذي يزداد بالعبادة، كما نعتمد على تلك العبادة التي يدخلنا فيها الله بنفسه؛ إذ إننا قد أُعطينا قدومًا إلى الآب من خلال الابن[59]. فإننا مهما حاولنا تطويع لغتنا لتعرب عن عظمة الله، فهي تبقى قاصرة بصورة لا حد لها في التعبير عن “ماهية الله” في كيانه وطبيعته السرمدية. ولكن رغم هذا فإن لغتنا يمكن توجيهها والتحكم فيها من جانبنا بواسطة أعمال العبادة الرئيسية التي يطلبها الله منا، من خلال إعلانه عن ذاته في الإنجيل.

وهكذا فإن القديس هيلاري عمل بمفهوم للإيمان مؤسس على التقوى الإنجيلية، وبمفهوم للتقوى التي تتسع بالإيمان بحقيقة الله التي لا تستنفذ. وفي هذا يقول القديس هيلاري: “ينبغي علينا أن نصدِّقه وندركه ونعبده وأن نسمح لأعمال العبادة هذه أن تكون الطرق الأساسية التي نتحدث بها عن الله”[60].

وبهذا الأسلوب لم يكن القديس هيلاري يعني أن نرتد في ذعر أمام جلال الله الفائق الإدراك، ونتراجع تمامًا إلى التوقير القلبي الصامت (فقط)، ولكن بالأحرى كان يعني أننا يجب أن نفكر في الله، فقط بالطريقة التي بها ندرك أنه يفوق بصورة لا نهائية إمكانيات الفكر والكلام البشرى؛ إذ يجب أن نجعل عبادتنا لله من خلال الابن والذي فيه ينكشف سر الآب غير المدرك هي التي تحكم كل ما نعترف به في الإيمان أو ما نعبِّر عنه في صياغات لاهوتية[61].

لأن الفكر اللاهوتي، كما سعى فيه القديس هيلاري نفسه، لا بد أن يمتزج ويتشابك مع الصلاة بصفة دائمة، حتى إنه في كل محاولاتنا للتعبير عن إيماننا واعترافنا بإله واحد الآب، ورب واحد يسوع المسيح حسب ما قد تعلمناه بالأنبياء والرسل فإن الله سوف يهبنا ما نريده من معنى في اللغة، ونور في الفهم، ووقار في التعبير والعرض، وإخلاص وأمانة للحق[62].

كيف تشكَّلت البصيرة اللاهوتية في الكنيسة في القرن الرابع؟

في كل ما سبق، كنا نفحص بعمق في الطريقة التي يجب بها البحث في جذور قانون الإيمان النيقي، في محاولة للعودة إلى ما كانت عليه الأمور عند التأسيس الرسولي للكنيسة، حين صار الإيمان الخلاصي بالله الآب والابن والروح القدس مصوغًا (مجسمًا) فيها مرة وإلى الأبد.

وأيضًا كنا نبحث في الطريقة التي بدأ فيها هذا الإيمان يكشف عن محتواه اللاهوتي وهو في طريقه للوصول إلى قانون نيقية، مسترشدًا بالأساس الإنجيلي للتقليد الرسولي العامل في حياة الكنيسة الجامعة في القرون الأولى وفي رسالتها وعبادتها حيث اتضح هذا الأساس في طريقة تفسير الكنيسة للكتب المقدسة وفي طريقة تعبيرها عن التعليم المسيحي.

ولقد وجدنا في هذه القرون تقليدًا متواصلاً يتميز بكون الإيمان والتقوى والفهم والعبادة مضفَّرة معًا بعمق، تحت التأثير الخلاَّق للقناعات الإنجيلية التي انطبعت في ذهن الكنيسة، في التزامها بإعلان الله عن ذاته بواسطة الابن المتجسِّد وفي الروح القدس. وهذه القناعات المصحوبة بتنسيق وترتيب للعقل مركزه المسيح، ظلت تتولد وتُغذَّى معًا داخل الحياة والشركة المتنامية للكنيسة من خلال التأمل المنتظم في الكتب المقدسة والمشاركة في العبادة الليتورجية.

وهذا هو الذي كوَّن القالب الذي تشكَّلت داخله البصيرة اللاهوتية والرأي الذي يتصف بالتقوى، واللذان ساهما في تحديد صياغة أكثر رسمية للمعتقدات في داخل حدود ما طالب به المسيح الكنيسة من طاعة وخدمة.

ومن هنا برز إطار فهم عام للحياة والتقوى، وإطار خاص تحددت فيه المعتقدات التي نشأت من المعمودية المقدسة ومن خلالها، و”المتضمَّن فيها كل جوهر الإيمان بالثالوث” على حد تعبير القديس أثناسيوس[63].

وفي إطار هذا الفهم وعمله المعياري، ومع الرجوع المستمر للإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، فإن فهم الكنيسة وصياغتها “للحق” الإنجيلي أخذ يتسع ويتعمق. ولذلك حدث في الكنيسة الجامعة في فترة ما قبل نيقية، تعمق متزايد داخل بناء مفاهيم الإيمان المسيحي، والذي بالرغم من أنه أخذ يتزايد في الفهم والدقة إلاّ أنه كان لا يزال في نطاق “المقدمات” لمعتقدات الكنيسة النهائية المتضمنة في وديعة الإيمان الرسولي.

تطابق “العقيدة الداخلية” و”العقيدة المعلَنة” في مجمع نيقية

ومن الجدير بالذكر أنه عندما بدأت تظهر صياغات صريحة للعقيدة نابعة من “كيان متكامل” للإيمان الرسولي، فإنها عادة ما كانت تحتوي على “عبارات عن “الكنيسة”، وهو ما نجده قد ترسَّخ نهائيًّا في الصورة الناضجة ل “قانون الرسل” و”قانون نيقية”[64]، وهذا يعبِّر عن حقيقة أنه عندما تبلورت القوانين الرسمية، فإنها ظلت مرتبطة بالتركيب الضمني الداخلي للإيمان و”المجسم” في الأساس الرسولي للكنيسة، وبالتالي كانت هذه القوانين ستصبح معيبة للغاية لو أنها جُردت من هذا الارتباط.

وهكذا فإن التكامل العميق بين العقيدة الداخلية (الحياة التقوية الداخلية التي بحسب جوهر الإيمان) والعقيدة الصريحة المعلنة (الصياغة المحددة للإيمان) لم يكن منسيًّا أبدًا، بل أن هذا التكامل قد تم تحويله إلى اعتراف كامل للإيمان الجامع.

ورغم أنه في مجمع نيقية نفسه لم تُدرج عبارة صريحة عن الكنيسة في قانون الإيمان، إلاّ أن إعطاء الشكل القانوني الواضح والمحدد للإيمان، كان معروفًا أنه اعتمد على ما كانت تؤمن به الكنيسة الجامعة على الدوام، وما عرفته بالبديهة أنه “حق”[65]. ومن خلال هذا النوع من الصياغة الرسمية، فإن كل جسم “الإيمان الداخلي” المضمر في التقليد الرسولي للكنيسة قد تم تدعيمه وإمداده بالشكل “النظامي” الذي وسّع في قوته الضابطة داخل حياة الكنيسة ورسالتها.

وكان هذا كله يعتمد على مبدأ “معرفة الحق بحسب التقوى”[66] الذي تضمَّنه ميراث الكنيسة، والإحساس الفطري بالله الذي انطبع في ذهن الكنيسة بواسطة الإعلان الإلهي؛ كما اعتمد أيضًا على بصيرة معطاة كعطية إلهية لإدراك العلاقات الفائقة في الله بكونه آب وابن وروح قدس، وهو الذي ينبغي له السجود والتعبد أكثر مما ينبغي التعبير عنه.

[1] أع 2:9؛ 9:19، 23؛ 4:22؛ 14:24، 22.

[2] 1تي 2:2؛ 16:3؛ 7:4، 8؛ 3:6، 5؛ 2تي 5:3؛ تي 1:1؛ 2بط 3:1، 6؛ 11:3.

[3] 1تي 3:6؛ تي 1:1؛ 2 تي 7:3.

[4] 1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2.

[5] 1تي 4:1؛ 7:4؛ 3:6-6؛ 2تي 4:4؛ تي 14:1؛ 2بط 16:1.

[6] 1تي 15:3-16؛ وعلى سبيل المثال: Hilary, De Trin., 11:9.

[7] أف 32:5.

[8] 1تي 20:6؛ 2تي 12:1؛ 2:2، 4؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 2تس 15:2؛ 6:3؛ غل 9:1؛ 2:2، 9؛ 1كو 23:11؛ 3:15؛ 2كو 3:11؛ رو 17:6؛ 1تي 6:4؛ عب 1:3؛ 14:4؛ 23:10.

62 Irenaeus, Adv. haer. (edit. By Harvey, 1897), 3. praef., 1-5, vol. 2, pp. 22ff; 3.38.1, pp. 131f; 4.40.2, p. 236. for this and what follows see, T.F. Torrance, ‘The Deposit of Faith’, Scottish Journal of Theology, 1983, vol. 36.1, pp. 1-28.

63 Irenaeus, Adv. haer., 1.3, vol. 1, p.94; 3.1-4, vol. 2, pp. 1ff; 3.11.1, p.47; 3.12.9, p.62; 4.4ff, pp. 234ff; 5.20, pp. 377ff.

64 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.4, vol. 1, pp. 282f; 2.39.1f, pp. 345f; 2.40-43, pp. 349-358; 3.38.1f, vol. 2, pp. 131f; 4.22.2, p. 178; 4.34.4, pp. 215-219.

65 Irenaeus, Adv. haer., 3.11f, vol. 2, pp. 43f; 3.17.6, p. 87f; 4.6, p.153; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.1, 4-6, pp. 212, 215f; 4.6.1, p. 291; 5.praef., 1-2, pp. 313ff; 5.27.2, pp. 398f.

66 Irenaeus, Adv. haer., 2.3.7, 1-4, vol. 1, pp. 342-344; 3.6.2, vol. 2, pp. 22f; 3.18.1, p. 92; 3.19.6, pp. 100f; 3.21.2, p. 107; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.5, 7, pp. 210, 218f.

67 Irenaeus, Adv. haer., 3.38, vol. 2, p. 132.

68 Irenaeus, Adv. haer., 3.38.1-2, vol. 2, pp. 131f; 4.53.1f, pp. 261ff; 5.20.1, pp. 378ff.

[16] اتي 15:3.

70 Irenaeus, Adv. haer., 3.11.11, vol. 2, p. 47.

71 Irenaeus, Adv. haer., 1. praef., vol. 1, pp. 1ff; 1.15, p. 67; 1.1.19-4.1, pp. 80-97; 2.7-9, pp. 271-274; 2.40-43, pp. 349-358; 3.1-5, vol. 2, pp.1-20; 3.38, pp. 131-3; 4.40-42.1, pp. 234-238; 4.53-54, pp. 261-264; 5. praef., pp. 313f; 5.20.1f, pp. 377ff.

72 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.15, vol. 1, pp. 66f; 1.18, pp. 80ff; 2.40-45, pp. 347-358.

73 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.14, vol. 1, p. 67; cf. 1.1.20, pp. 87ff; 1.3, pp. 93f; and Tertullian, De virg. vel., 1.

74 Irenaeus, Adv. haer., 1.19f, vol. 1, pp. 80-90; 2.37-43, pp. 342-358; 3.12.11, vol. 2, p. 65; 3.38, pp. 131f; Dem., 1-6.

* كان للهراطقة منهج مخالف لهذا المنهج في تفسير الكتاب المقدس. (المترجم)

75 Irenaeus, Adv. haer., 1.2, vol. 1, pp. 90f; 3.1f, 4, vol. 2, pp. 2ff, 25ff; 4.1, pp. 146ff; 4.53. 1, pp. 261f; 5.20.1, pp. 377f; Dem., 6.

76 Irenaeus, Adv. haer., 2.41, p. 349.

وهذه النقطة ذاتها كان القديس كليمندس السكندري قد طرحها عندما تكلم عن “النفاذ إلى الحق عن طريق أخذ قانون الحق من داخل الحق ذاته” – Strom, 7.16.

77 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.3f, vol. 1, pp. 282f; 2.41ff, pp. 349-358.

78 Origen, De prin., praef., 1.2, 6.

وكان أوريجينوس قد تكلم عن المسيح بكونه “الحق الذاتي” أو “الحق ذاته” انظر:

In Jn., 6.6; cf. 1.27; 2.4; and Con. Cel. 8.12.

79 See especially Origen, In Jn. 1.25-28 with 1.8.

80 Origen, In Cant. 2; Con. Cel., 7.31, 376.

81 Origen, In Jn. 1.7; In Matt., 10.1; In Deut., 1.21; In Jer., 18.6; Con. Cel., 4.71, etc.

82 Origen, Con. Cel., 1.2, 9f, 13, 24f, 42, 71; 3.23, 39, 42, 86; 4.2; 5.45; 6.27; 7.10; De prin., 4.3.16.

83 Origen, De prin., 1.1.1f; 1.3.3; 2.2.2; 2.4.4; 2.5.2; 2.7.2; 2.11.2ff; 3.5.1; 3.12.4; 4.2.1ff, 15. Origen sometimes distinguished between three meanings – cf. 4.2.4.

84 Origen, Con. Cel., 1.48; 6.23; 7.34; De prin., 1.1.9; 4.4.10; LXX Prov. 2.5.

85 Origen, In Jn., 1.8-10; 2.6; De prin., 3.6.8; 4.2.6; 4.3.13.

86 Cf. Origen, In Matt., 1.14. See also In Jn., 10.4, 18, 22; 20.3, 10, etc.

87 Origen, De prin., 4.3.15.

88 Origen, Con. Cel., 1.2; 8.32.

89 Origen, In Jn., 13.24; 32.25-29.

90 Cf. Origen, In Luc., 14.28.

91 Origen, Con. Cel., 3.8, 34, 60, 78; 5.33; 7.40, 49; 8.13, 75.

92 Origen, De prin., 1.5.4

93 Origen, In Jn., 1.3.

94 Origen, De prin., 4.1.1f; 4.2.2.

95 Origen, Ep. ad Greg., 3; Ep. ad Afr., 2-5.

96 Origen, Con. Cel., 7.11; De prin., praef.; 4.2.4, 7-9; 4.3.5.

* حيث إن كل ما يعمله الله يكون من الآب بالابن في الروح القدس. (المترجم)

97 Origen, De prin., 4.2.3; cf. praef. 1-2; In Jer., 3.22-4.

98 Origen, Con. Cel., 1.27; 3.60, 81; 5.33; 7.46; 8.20; De prin., 4.1.2, 5;

In Jn., 28. 23.

99 Origen, In Jn., 6.5f; De prin., 4.1.2, 5; Con. Cel., 2.4; 3. 34, 81; 5.4;

 8.13, 26, 59.

100 Origen, De prin., 3.1.17.

101 Origen, De prin., 1.5.4; 2.6.2; 3.1.17, 23; 3.5.3; 4.3.14; cf. Praef. 2;

 3.3.4; 4.2.2, 4; 4.3.15.

102 Origen, Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.46; 8.13; De or., 10.2; 13.1; 15.1-4.

103 Origen, In Jn., 1.33, 35; 2.34; Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.41, 46, 49; 8.12f, 26, 75; De prin., 1.3.4.

104 Origen, Con. Cel., 3.60; 5.4; 7.46; 8.57; 75; De or., 14-16, 20, 31; In Jn., 32.24; In Mat., 11.14. See also Origen“s Dialogue with Herakleides, SC, 67, ed. By J. Scherer, 1960, pp. 62, 64.

105 Origen, De prin., praef., 2, 3, 10; cf. 1.4.4; 4.4.5.

106 See Prosper of Aquitaine, De gratia Dei et libero voluntatis arbitrio, 8: legem credendi lex statuat supplicandi, MPL, 8, 209. Lex orandi-Lex credendi represents a telescoped form of Prosper of Aquitaine’s thought, found in the Ineffabilis Deus of Pius IX, and the Munificentissimus Deus of Pius XII, AAS, 1947, pp.540f.

107 Athanasius, De decr., 1-3; cf. Ep. Enc., 1 (ευ̉σέβεια α̉πό α̉σεβείας διώκεται)

وهنا تكلم القديس أثناسيوس عن التقوى التي تُضطهد بواسطة عدم التقوى

108 Athanasius, Ad episc. Aeg., 13; cf. 4, 9, 12.

109 Athanasius, De syn., 39.

110 Athanasius, Ad Ser., 1.17, 20; 4.4.

111 Athanasius, Ep., 11.9-11.

112 Hilary, De Trin., 5.18, 20.

113 Hilary, De Trin., 2.6f, 11.

114 Hilary, De Trin., 2.2, 5-8, 10-11.

115 Hilary, De Trin., 1.38.

116 Athanasius, Con. Ar., 4.21.

117 See the Der Balyzeh papyrus, cited by J.N.D. Kelly, Early Christian

 Creeds, 1950, p.89; or Epistola Apostolorum, ibid., p.82.

[65] ارجع إلى الحروم التي أُلحقت بقانون نيقية والتي ذُكرت باسم “الكنيسة الجامعة”.

[66] 1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2 وما بعدها.

التقوى في الفكر الكنسي

الإفخارستيا الكلمات التأسيسية لها – دياكون د. مجدى وهبه

الإفخارستيا الكلمات التأسيسية لها – دياكون د. مجدي وهبه

الإفخارستيا الكلمات التأسيسية لها – دياكون د. مجدى وهبه

الإفخارستيا الكلمات التأسيسية لها – دياكون د. مجدي وهبه

مقدمة :

إن رواية العشاء السرى المذكورة فى الأناجيل الثلاثة (مت26:26ـ29، مر22:14ـ25، لو17:22ـ20)، تغيب من الإنجيل الرابع للقديس يوحنا وربما يرجع ذلك إلى :

1 ـ أنه كتب إنجيله متأخرًا (فى نهاية القرن الأول الميلادى) وبالتالى اعتبر أن الإشارة لهذا الموضوع من جديد أمر زائد بعد أن أشار إليه الإنجيليون الثلاثة السابقون.

2 ـ لأن سر الشكر الإلهى قد سبق ودخل مبكرًا فى عمل الكنيسة الليتورجي وفى حياة المؤمنين وبالتالى صار معروفًا للجميع ومحفوظًا عن ظهر قلب.

أولاً : الأفعال المستخدمة ” أخذ “، ” بارك “، ” قسم “، ” أعطى “، المذكورة هنا فى رواية العشاء السرى هى نفسها أيضًا مذكورة فى رواية معجزة إشباع الجموع (أنظر مت19:14، مر41:6، لو16:9، يو11:6)، والتى اعتبرتها الكنيسة من البداية كنموذج ومثال لسر الشكر الإلهى. هذا يشرح بكلمات بسيطة كيف أنه يمكن للسيد المسيح أن يعطى جسده للمؤمنين على عدد لا حصر له من المذابح وفى نفس الوقت.

ثانيًا : من قول السيد ” خذوا كلوا هذا هو جسدى ـ خذوا اشربوا هذا هو دمى ” ..

يتضح لنا أن الإفخارستيا هى جسد حقيقى ودم حقيقى لربنا يسوع المسيح وليست رموزًا. أى أن الخبز الذى قدمه يسوع إلى تلاميذه، لا يرمز لجسده ولكن هو جسده، كذلك عصير الكرمة لا يرمز إلى دمه، بل هو دمه. وما يؤكد لنا هذا:

1 ـ أن اسم الإشارة ” هذا ” يعود على الخبز الذى فى يد الرب وكذلك فى حالة الكأس.

2 ـ أن الكلمة المترجمة ” هو ” فى الأصل اليونانى للأناجيل الثلاثة تأتى كفعل ” يكون ” أى عبارات السيد المسيح تُترجم هكذا : هذا يكون جسدى، هذا يكون دمى .

3 ـ استخدام الفعل ” يكون ” هنا لا يترك أى مجال للتفكير فى الرمزية للجسد والدم بالخبز والخمر .

4 ـ فى (1كو16:10) يؤكد الرسول بولس على أن الأكل من الخبز والشرب من الكأس فى سر الشكر الإلهى، هما شركة حقيقية فى جسد ودم المسيح.

5 ـ وفى (1كو27:11) يذكر أن من يتناول بدون استحقاق من سر الإفخارستيا هو مذنب أمام نفس جسد ودم المسيح وليس أمام شئ مماثل لهما.

6 ـ وفى (يو53:6) أشار السيد إلى أن من لا يأكل جسد ابن الإنسان ويشرب دمه وليس من شئ مماثل لهما لن تكون له حياة .

7 ـ فى العشاء السرى قال يسوع باللغة الآرامية ما ترجمته: “خذوا كلوا هذا يكون أنا“.

8 ـ يقول القديس كيرلس الكبير فى تفسيره لإنجيل لوقا الإصحاح (22) [ لا تشك فإن هذا حق، مادام يقول بنفسه وبوضوح : “ هذا يكون جسدى “، “ هذا يكون دمى” بل تقبل كلمة المخلص بإيمان إذ هو الحق الذى لا يمكن أن يكذب ] [1].

9 ـ فى الرشومات الأخيرة فى القداس الباسيلى يقول الكاهن [ جسد مقدس ودم كريم حقيقى ليسوع المسيح ابن إلهنا آمين، مقدس وكريم جسد ودم حقيقى ليسوع المسيح ابن إلهنا آمين، جسد ودم عمانوئيل إلهنا هذا هو بالحقيقة آمين ” . وفى كل مرة يرد الشعب آمين][2].

10 ـ وأخيرًا هذه الحقيقة الإيمانية يعبر عنها الفن القبطى، عندما يرسم فى أيقونة العشاء السرى ” سمكة ” حيث السمكة باللغة اليونانية (‘IcqÚj) ترمز للحروف الأولى للعبارة ” يسوع المسيح ابن الله مخلص “. أى أن هذا الذى يُقدَّم فى سر الشكر الإلهى هو نفسه يسوع المسيح ابن الله.

 

ولكن ما هى طبيعة الجسد المتحول إليه الخبز في الإفخارستيا ؟

الإفخارستيا هى جسد ربنا يسوع المسيح الذى تألم عن خطايانا، الذى أقامه الله الآب [3]. أى جسد المسيح المصلوب والمُمجد فى السماء. هذا ما رآه يوحنا فى السماء ” ورأيت فى وسط العرش والحيوانات الأربعة وفى وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح ” (رؤ6:5). وما يشدد عليه الأب الكاهن فى صلاة الاعتراف [ أؤمن أن هذا هو الجسد المحيي الذى أخذه ابنك الوحيد ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح من سيدتنا وملكتنا كلنا والدة الإله القديسة مريم وجعله واحدًا مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير . واعترف الاعتراف الحسن أمام بيلاطس البنطى . وأسلمه عنا على خشبة الصليب المقدسة بإرادته وحده عنا كلنا] [4].

ولكن حفظ الرب المادة المصنوع منها الخبز من أن تتحول عن شكلها الظاهر (كما تحول الماء خمرًا سابقًا بإرادته ـ أنظر يو1:2ـ11). إذ جعل التحول هنا ليس فى الشكل أو المظهر أو الطعم بل فى طبيعة المادة، أى أن الرب أعطى للخبز طبيعة جديدة وصفات جديدة لم تكن له أصلاً .

هذه الطبيعة الجديدة لا تخضع للتغيرات المادية ولا تدركها الحواس الجسدية، تمامًا مثل جسد المسيح الذى كان يعيش به على الأرض. فالمسيح الإله ظهر فى شكل وصورة جسد ترابى والحواس لم تستطع أن تدرك لاهوته. ولكن بالإيمان فقط أدرك بطرس حقيقته (أنظر مت16:16).

ثالثًا : بالتعبيرات ” هذا هو جسدى “، ” هذا هو دمى “، يعلن يسوع أن سر الشكر الإلهى هو ذبيحة. حيث إنه وفقًا للطقوس اليهودية، يحدد مصطلح الجسد (اللحم) والدم مكونات الذبيحة، فالذبيحة التى تُرفع إلى الله على المذبح بعد ذبحها، عبارة عن لحم ودم ” فتعمل محرقاتك … لا يؤكل منها شئ البتة.. واللحم والدم على مذبح الرب إلهك ” (تث27:12).

فصل عنصرى الذبيحة إلى جسد sèma أو لحم s£rx ودم A‡ma من قِبل السيد هو إمعانًا فى تحقيق فعلها ووجودها. فالجسد الذى كسره وأعطاه لتلاميذه هو جسد ذبيحة كفارية، يُبذل عنهم، ويستبدل لهم حياة بدل الموت، ” أنا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد والخبز الذى أُعطي هو جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم ” (يو51:6).

والدم الذى يقدمه لهم فى الكأس هو دم ذبيحة كفارية مسفوك عنهم لمغفرة الخطايا والتطهير والتقديس ” هذا هو دمى الذى للعهد الجديد الذى يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا ” (مت28:26) هذا الملمح الكفارى لذبيحة الإفخارستيا يعلنه الأب الكاهن فى الاعتراف الأخير عندما يقول [ يُعطى عنا خلاصًا وغفرانًا للخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه ] [5].

ويلاحظ أن كلمة ” الذى يُبذل عنكم ” (لو19:22) التى استخدمها الرب ليلة العشاء واصفًا بها جسده، كذلك كلمة ” الذى يُسفك ” (مت28:26) واصفًا بها دمه ـ هذه الكلمات جاءت فى الأصل اليونانى للعهد الجديد لا فى حالة المضارع (كما هو عليه فى الترجمة العربية) ولكن فى صيغة الحال ” مبذولاً ـ مسفوكًا “، والحال فى اللغة اليونانية لا يُستخدم أصلاً إلاّ للتعبير عن حالة مؤكدة الوقوع ليس لها زمن محدد. أى أن الرب هنا يصف الجسد أنه جسد مبذول كواقعة تأكيدية فى كل وقت، والدم أنه دم مسفوك كواقعة تأكيدية وأيضًا فى كل وقت.

هذا وكلمة ” كثيرين ” بحسب فكر إشعياء النبى فى نبوته عن ذبيحة المسيح ” هو حمل خطايا كثيرين وشفع فى المذنبين ” (إش12:53) وبحسب فكر المسيح والنصوص الإفخارستية هى الكثرة التى تحوى كل واحد.

أى أن الجسد المبذول والدم المسفوك هما عن شعوب العالم كلها، التى تحوى كل إنسان، فى كل الأجيال وإلى الأبد.

رابعًا : وأقول لكم ” إنى من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم جديدًا فى ملكوت أبى ” (مت29:26، مر25:14، لو18:22) “ لأنى أقول لكم إنى لا آكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله ” (لو16:22).

كلمات السيد هذه لا تأخذ معنى أسخاتولوجى (آخروى) غير محدد، ولكن بالتحديد معنى كنسى حيث ملكوت الله هنا يُفسر على أنه التحقيق للكنيسة. ففى داخل الكنيسة يرى المؤمن ويتذوق خيرات ملكوت الله الآتى. أو بكلام آخر يعيش المؤمنين داخل الكنيسة ملكوت الله الحاضر وفى نفس الوقت ينتظرون ملكوت الله الآتى .

وبالتالى فإن السيد المسيح بكلماته هذه يعنى أنه بعد أن يكمل عمل الفداء بالصلب والقيامة والصعود، تتحقق الكنيسة بإرسال الروح القدس على التلاميذ وإيمان الشعوب بشخصه، فهو كما كان حاضرًا مع التلاميذ فى هذه الإفخارستيا، سيكون أيضًا حاضرًا معهم ومع المؤمنين باسمه الذين صاروا خليقة جديدة فيه فى كل إفخارستيا تُقام فى الكنيسة ” إذًا إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدًا ” (2كو17:5) و” ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر (مت20:28).

خامسًا : أخيرًا فى وصية السيد ” .. هذا أصنعوه لذكرى ” (لو19:22) لا يطلب يسوع من تلاميذه فى كل مرة سوف يتممون فيها سر الشكر الإلهى أن يتذكروا فقط هذه الإفخارستيا التى يقيمها معهم الآن، ولكن يطلب أن يتذكروا أيضًا كل حضوره بينهم، أى تجسده، حياته، موته، قيامته، صعوده إلى السموات، ومجيئه الثانى .

هذا وكلمة الذكرى ” `H ¢n£mnhsij ” فى اللغة اليونانية لا تعنى مجرد التذكر الذهنى لأمر حدث فى الماضى، بل تحمل أيضًا إعادة تحقيقه فى معنى فعّال. إذن التذكر هنا يعنى تذكر المسيح المتجسد، المصلوب، القائم من الأموات، لا كحدث تم فى الماضى وانتهى، بل كحدث مُعاش وذلك بتقديم ذبيحه جسده ودمه الحقيقية. ويُضاف إلى ذلك أن الفعل ” اصنعوا ” (هو فعل أمر مستمر فى المبنى للمعلوم) يعنى أن إتمام سر الإفخارستيا يكون بصورة مستمرة، وأخيرًا نقول إنه كما طلب الرسول بولس من أهل كورنثوس كلما أكلوا من جسد الرب وشربوا من دمه أن يخبروا بموت الرب إلى أن يجيء (أنظر 1كو26:11). هكذا المؤمنين الآن باشتراكهم فى سر الشكر الإلهى، يبشرون بموت المسيح وينتظرون مجيئه الثانى المُمجد، عندما يرتلون من بعد الترديد لكلمات السر التأسيسية .

[ حقًا حقًا حقًا يارب بموتك نبشر، وبقيامتك المقدسة وصعودك إلى السموات نعترف، نسبحك، نباركك، نشكرك يارب، ونتضرع إليك يا إلهنا ] [6].

[1] PG72, 912.

2 الخولاجى المقدس، إعداد القمص إسيذوروس البراموسى، ص 184ـ185.

3 من رسالة الشهيد أغناطيوس الأنطاكى إلى الأزميريين ـ عن كتاب الآباء الرسوليين لمطران حلب إلياس معوض، ص 135 سنة 1970.

4 الخولاجى السابق ص 186.

5 الخولاجى السابق ص 186.

6 الخولاجى السابق، ص 158.

الإفخارستيا الكلمات التأسيسية لها – دياكون د. مجدي وهبه

كتاب الإفخارستيا عشاء الرب – الاب متى المسكين

كتاب الإفخارستيا عشاء الرب – الاب متى المسكين

 

كتاب الإفخارستيا عشاء الرب – الاب متى المسكين
 
كتاب ” الإفخارستيا عشاء الرب ” لقدس أبونا الروحي متى المسكين ..كتاب روحي ,لاهوتي ,تاريخي ..بحث متكامل حول سر الافخارستيا في 800 صفحة 
قيل لي من أبي الروحي أن من لم يقرأه لا يعرف بعد ما هو القداس ..
استمتعوا به 
صلوا لأجل الخدمة و الخدام 
 

كتاب الإفخارستيا عشاء الرب – الاب متى المسكين

 

الافخارستيا – الجزء الثاني الجذور الكتابية والابائية – القس بنيامين باسيلى

الافخارستيا – الجزء الثاني الجذور الكتابية والابائية – القس بنيامين باسيلى

 

الافخارستيا – الجزء الثاني الجذور الكتابية والابائية – القس بنيامين باسيل

 

 

للتحميل اضغط هنا 

 

الافخارستيا – الجزء الثاني الجذور الكتابية والابائية – القس بنيامين باسيلى

معنى الافخارستيا بحسب التقليد اليهودي Eucharist according to Jews

معنى الافخارستيا بحسب التقليد اليهودي

معنى الافخارستيا بحسب التقليد اليهودي

Eucharist according to Jews معنى الافخارستيا بحسب التقليد اليهودي

https://youtu.be/7DiCHxABy6A

معنى الافخارستيا بحسب التقليد اليهودي

معنى الافخارستيا

كما يشرحها معلم (راباي) يهودي مؤمن بالمسيح

Exit mobile version