تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

 

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ابريل 2024م

 

 

الفهرست

مقدمة. 1

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. كيرلس الإسكندري.. 4

خلاص الإنسان بالتأله. 4

مفهوم المصالحة. 6

الانجماع الكلي في المسيح ودحض البدلية العقابية. 6

مفهوم الغضب الإلهي. 13

مفهوم العداوة 22

مفهوم الذبيحة. 23

مفهوم الفدية. 24

مفهوم الدين. 31

دحض نظرية الإبدال العقابي. 33

دحض نظرية إيفاء العدل الإلهيّ. 34

مفهوم العقوبة الإلهية الشفائية. 35

الخلاص بالأسرار. 38

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم جون كالفن. 44

مفهوم نظرية البدلية العقابية. 44

مفهوم الترضية وإيفاء العدل الإلهي. 46

مفهوم الغضب والعقوبة. 47

مفهوم اللعنة. 48

حمل المسيح لإنتقام الله العادل. 48

مفهوم الذبيحة. 49

مفهوم التبرير بالدم 49

مفهوم العداوة والمصالحة. 49

مفهوم الثمن. 50

مفهوم التبرير القانوني. 51

البدلية والعقابية ودحض الإفخارستيا كذبيحة. 52

الفصل الثالث: البدلية العقابية في إقرارات الإيمان البروتستانتية. 55

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على نظرية البدلية العقابية في اللاهوت الغربي. 59

 

 

 

مقدمة

سوف نُحاوِل في هذا البحث المختصر دحض أوهام البعض بوجود بدلية عقابية في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، لاهوتيّ التأله والانجماع الكليّ في المسيح، وذلك من خلال عمل دراسة مقارنة بين تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ حول تدبير الخلاص، وبين تعليم چون كالفن حول البدلية العقابية والكفارة، حيث يُعتبر چون كالفن أحد أهم منظري البدلية العقابية، إنْ لم يكن الممثِّل الأساسيّ لنظرية البدلية العقابية في شرح الفداء والكفارة، والهدف من هذه الدراسة المقارنة هو توضيح ما هي البدلية العقابية؟ وما هي عناصر التعليم بالبدلية العقابية؟ وكيف أقول إن هذا الأب أو غيره من آباء الكنيسة لديهم تعليم بدلية عقابية في تعاليمهم.

لقد دأب البعض على ملء الدنيا صياحًا بأن هناك بدلية عقابية في فكر آباء الكنيسة الشرقية عامةً، وفي فكر ق. كيرلس الإسكندريّ خاصةً، ويبدو أنهم لا يعرفون ما هو مفهوم البدلية العقابية التي يدَّعونها زورًا وبهتانًا على آباء الكنيسة الشرقية الذين يؤمنون بالخلاص عن طريق التألُّه والانجماع الكليّ في المسيح، ضاربين عرض الحائط الدراسات اللاهوتية والآبائية الأكاديمية العديدة، التي تؤكد إنه لا يوجد ما يُسمَّى بـ ”البدلية العقابية“ كما شرحه رجال الإصلاح البروتستانتيّ، وأهمهم چون كالفن، في تعليم آباء الكنيسة الشرقية، وهذا إنْ دل يدل على جهل هؤلاء بهذه الدراسات الأكاديمية على أعلى مستوى لاهوتيّ أكاديميّ، بل يستخدمون بعض النصوص هنا وهناك من أجل إيهام البسطاء بإنه يوجد ما يُسمَّى بـ ”البدلية العقابية“ في تعليم آباء الشرق، ونسوا إنه الجيل القادم لن يقتنع بحججهم الواهية والضعيفة غير المثبَتة أكاديميًا ولاهوتيًا، بل هي مُجرَّد أوهام وخيالات وضلالات يوهمون بها أنفسهم لضلال أنفسهم وضلال الآخرين، وهي والعدم سواء.

أود التنويه إلى أن نصوص ق. كيرلس الإسكندريّ ونصوص چون كالفن هي بعض من كل، فهناك العديد من النصوص لكليهما التي تفي بغرض البحث، والذي هو نفي وجود تعليم البدلية العقابية في تعليم تدبير الخلاص للقديس كيرلس الإسكندريّ، وتوضيح المعنى الصحيح للبدلية العقابية في تعليم الكفارة والفداء عند چون كالفن، كمُمثِّل أساسيّ للتعليم الصحيح والدقيق عن البدلية العقابية في اللاهوت الغربيّ، والذي نقيس من خلاله هل يوجد تعليم بدلية عقابية في تعليم أيّ أب شرقيّ من عدمه، وليس كما يدّعي الجهلاء بتعليم البدلية العقابية وينسبونه زورًا وبهتانًا إلى آباء الكنيسة الشرقية عامةً والقديس كيرلس الإسكندريّ خاصةً.

 

 

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. كيرلس الإسكندري

سوف نستعرض في هذا الفصل تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، أحد أهم آباء الشرق المسيحيّ في عصره، مُمثِّلاً عن الفكر الآبائيّ اليونانيّ الشرقيّ عامةً، وعن الفكر الآبائيّ الإسكندريّ خاصةً، وسوف نعقد مقارنة بين مفاهيمه حول تدبير الخلاص، وبين مفاهيم چون كالفن أحد أهم منظري البدلية العقابية، والذي يُعتبر النسخة المكتمِلة والناضجة لنظرية البدلية العقابية في الغرب، وذلك لكي نعرف هل هناك تعليم ”بدلية عقابية“ في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ أم لا؟

خلاص الإنسان بالتأله

يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن الابن وحده يعطي ما يخص طبيعته ليصير خاصًا بالبشر جاعلاً ما يخصه مشتركًا وعامًا بين البشر، وهذا لا يمكن أن نجده في تقديم المسيح كبديل عقابيّ عن خطايانا، كالتالي:

”إذ حيث إنهم قَبِلوا الابن فقد نالوا السلطان أن يعدوا من أولاد الله، فالابن وحده هو الذي يُعطِي ما يخص طبيعته [اللاهوتية]، ليصير خاصًا بهم جاعلاً ما يخصه مشتركًا وعامًا بينهم لتكون هذه صورة طبيعة محبته للإنسان وللعالم. وليس هناك وسيلة أخرى غير هذه تجعلنا نحن الذين لبسنا ’صورة الترابيّ‘ نهرب من الفساد، إلا إذَا خُتِمنا بجمال ’الصورة السمائية‘ (1كو 15: 49) بدعوتنا إلى البنوة، لأننا عندما نشترك فيه بالروح القدس، نُختَم لنكون مثله ونرتفع إلى الصورة الأولى التي أخبرتنا الكتب المقدَّسة أننا خُلِقَنا عليها (تك 1: 27). وبذلك نكون قد استعادنا جمال طبيعتنا الأولى وخُلِقَنا من جديد لنكون على مثال الطبيعة الإلهية، ونصير مرتفعين عن الأمراض التي أصابتنا بسبب السقوط. إذًا، نحن نرتفع إلى كرامة أسمى من طبيعتنا بسبب المسيح لأننا سنكون أيضًا ’أبناء الله‘ ليس مثله تمامًا، بالنعمة وبالتشبُّه به“.[1]

يُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن المسيح أضأ علينا، لأنه جعلنا مثله، وهكذا قد غرس إنارته التي هي بواسطة روحه الخاص كصورة إلهية في قلوب الذين يؤمنون به لكي يُدعوا الآن مثله آلهةً وأبناء الله كالتالي:

”وقد أضأ علينا لأنه جعلنا مثله، فقد غرس إنارته التي هي بواسطة روحه الخاص كصورةٍ إلهيةٍ في قلوب الذين يؤمنون به لكي يُدعوا الآن مثله آلهةً وأبناء الله“.[2]

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على تألُّه ناسوت المسيح، الذي يُعد الوسيلة الوحيدة لتألُّه أجسادنا نحن أيضًا، وهذا التعليم لا يوجد في تعليم البدلية العقابية، ولا يمكن التوفيق بين تعليم البدلية العقابية وتعليم الخلاص بتأليه الإنسان من خلال تألُّه جسد المسيح الذي هو جسد البشرية كلها، وفيه تتألَّه البشرية كلها، حيث يقول التالي:

”تتقدَّم الطبيعة البشرية في الحكمة وفقًا للطريقة الآتية: الحكمة الذي هو كلمة الله اتخذ الطبيعة البشرية فتألَّهت، وهذا مُبرهَن من خلال أعمال الجسد، والنتائج العجيبة في أعين أولئك الذين يرون الهيكل [الجسد] الذي أخذه، جعلته يرتقي بالنسبة لهم. هكذا ارتقت الطبيعة البشرية في الحكمة مُتألهةً بواسطتها. لذلك أيضًا نحن بطريقة مماثلة للكلمة، الذي لأجلنا تأنس، نُدعَى أبناء الله وآلهةً. لقد تقدمت طبيعتنا في الحكمة مُنتقِلةً من الفساد إلى عدم الفساد، ومن الطبيعة البشرية إلى الألوهية بنعمة المسيح“.[3]

مفهوم المصالحة

ويرى ق. كيرلس، في سياق شرحه لمفهوم المصالحة بين الجميع مع الآب في المسيح، أن الابن نزل إلى مستوى العبودية دون أن يفقد ما يخصه كإله، بل مانحًا ذاته لنا لكي بفقره نصير أغنياءً، ونرتفع إلى فوق إلى شبهه، أي شبه صلاحه، ونصير آلهةً وأبناء الله بالإيمان، لأن الابن الذي هو الله بالطبيعة سكن فينا، وأحتوى الكل فيه، وهكذا صالح الكل في جسدٍ واحدٍ مع الآب كالتالي:

”أليس واضحًا للجميع أنه نزل إلى مستوى العبودية، دون أن يفقد ما يخصه كإلهٍ، بل مانحًا ذاته لنا لكي بفقره نصير أغنياء (أنظر 2كو 8: 9)، ونرتفع إلى فوق إلى شبهه، أي شبه صلاحه، ونصير آلهةً، وأبناء الله بالإيمان؟ وتمَّ ذلك لأن الذي هو بالطبيعة الابن، والذي هو الله، قد سكن فينا، ولذلك نصرخ بروحه: ’يا آبا الآب‘ (رو 8: 15). وسكن الكلمة في هيكلٍ واحدٍ أخذه منَّا ولأجلنا، وصار مثل الكل، لأنه أحتوى الكل فيه، واستطاع أن ’يصالح الكل في جسدٍ واحدٍ‘ مع الآب، كما يقول بولس (أف 2: 16-18)“.[4]

الانجماع الكلي في المسيح ودحض البدلية العقابية

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ نظرية الإبدال العقابيّ، التي يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي أنها موجودةٌ في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، حيث يُؤكِّد على فكرة وجودنا الكيانيّ في المسيح أثناء صلبه كالتالي:

”ونحن قد صُلِبَنا معه لما صُلِبَ جسده الذي كانت فيه كل طبيعتنا الكاملة“.[5]

وهذا ما يُؤكِّده أيضًا ق. كيرلس في موضع آخر داحضًا فكرة البديل العقابيّ، ومُؤكِّدًا على فكرة شركتنا مع المسيح بالطبيعة في عمله الخلاصي، قائلاً:

”ومن أجل منفعتنا يقول إن الكلمة سكن فينا، لكي يرفع الحجاب عن السرِّ العميق، لأننا نحن جميعًا في المسيح، والجماعة المشتركة في الطبيعة الإنسانية ارتفعت إلى شخصه، وهو ما جعله يُدعَى ’آدم الأخير‘ (١كو١٥: ٤٥) واهبًا بغنى للطبيعة الإنسانية المشتركة كل ما يخص الفرح والمجد“.[6]

ويدحض ق. كيرلس فكرة البديل العقابيّ مُؤكِّدًا على أن المتَّحِدين بالمسيح هم مصلوبون معه قائلاً:

”وبطريقةٍ أخرى، فإن المتَّحِدين بالمسيح هم أيضًا مصلوبون معه، فإنهم إذ يقبلون الموت عن سيرتهم القديمة في الجسد، فإنهم يُعاد تشكيلهم إلى حياة جديدة حسب الإنجيل“.[7]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على انتقال عملية الشفاء من المسيح إلينا نحن المشتركين معه في نفس الطبيعة البشرية كالتالي:

”وهكذا فإن الطبيعة الإنسانية في المسيح تنتقل إلى حالة أفضل وأكثر اقترابًا من الطبيعة الإلهية. وبهذه الطريقة – وليس بغيرها – فإن عملية الشفاء اجتازت منه إلينا نحن. لأن طبيعة الإنسان أُعِيدت إلى جدَّة الحياة، في المسيح نفسه أولاً -كباكورة، وفيه أيضًا قد حصلنا على الأمور التي تفوق الطبيعة. ولهذا السبب، فهو يُدعَى في الكتب المقدسة ’آدم الثاني‘ (1كو 15: 45)“.[8]

يُؤكِّد ق. كيرلس على اتحاد المسيح بكل الذين على الأرض في كل شيء ما عدا خطيتنا مشيرًا إلى فكرة وساطة المسيح بين البشرية والله كالتالي:

”ولن يستطيع أحد إطلاقًا أن يتَّحد بالله الآب إلا عن طريق وساطة المسيح. لأنه هو الوسيط بين الله والناس، فهو من خلال نفسه وفي نفسه يُوحِّد البشرية بالله. فحيث إنه مولودٌ من جوهر الله الآب، إذ هو الكلمة، والبهاء، والصورة ذاتها، فهو واحد مع الآب، لكونه في الآب كليةً، والآب كائنٌ فيه هو نفسه؛ أما من جهة صيرورته إنسانًا مثلنا، فهو يتَّحد بكل الذين على الأرض في كل شيء ما عدا خطيتنا، وهكذا فهو قد صار بمعنى كرابط بين ناحتين، إذ يحوي في ذاته كل ما يؤدي إلى الوحدة والصداقة“.[9]

ويُشِير ق. كيرلس إلى أن السبب الحقيقيّ والشامل لتجسُّد الابن الوحيد هو انجماع كل شيء في المسيح من أجل استرجاع كل الأشياء التي انحرفت إلى ما كانت عليه في البداية قائلاً:

”ونعرف أننا نحن أيضًا نكون فيه – بنفس الطريقة – وهو فينا. لقد قدَّم بولس الحكيم سببًا حقيقيًا وشاملاً لتجسُّد الابن الوحيد، عندما قال: ’إن الله الآب سُرّ أن يجمع كل شيء في المسيح‘ (أف 1: 10)، وكونه ’يجمع في واحد‘ في الاسم والشيء معًا، فهذا معناه استرجاع كل الأشياء التي انحرفت بعيدًا، وإعادتها إلى ما كانت عليه في البداية. ثم إذ يريد أن يضع أمامنا بجلاءٍ طرق ’جمع كل شيء‘ بالتفصيل قال مرةً: ’لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ، فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ، لِكَيْ يَتِمَّ حُكْمُ النَّامُوسِ فِينَا، نَحْنُ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ‘ (رو 8: 3، 4)؛ ويقول في مرة أخرى: ’فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولئِكَ الَّذِينَ­ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ ­ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ‘ (عب 2: 14، 15). وهكذا عندنا هنا طريقان ’لجمع الأشياء معًا‘ قدَّمها بولس الرسول لشرح تعليم تجسُّد الابن الوحيد بحسب لزوم الأمر. ولكن هناك طريقة أخرى تشمل الطرق المتعددة، قدَّمها لنا البشير يوحنا. فهو يكتب عن المسيح هكذا: ’إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ‘ (يو 1: 11-13). هكذا، أظن أنه يتضح تمامًا ويظهر جليًا للكل، أنه لهذه الأسباب خاصةً قد صار الابن الوحيد إنسانًا، الابن الوحيد الذي هو بالطبيعة إله ومن الله؛ بقصد أن ’يدين الخطية في الجسد‘، ولكي بموته يذبح الموت، ويجعلنا أولاد الله، مجددًا بالروح الذين على الأرض وناقلاً إياهم إلى كرامة فوق الطبيعة. لأني أعتقد أنه حسن جدًا أن يجمع كل الأشياء معًا في واحد، ويعيد الجنس البشري الذي كان قد عثر وسقط إلى الحالة الأولى“.[10]

وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس على أن الآب قرَّر أن يجمع طبيعة الإنسان معًا في المسيح ليردها مرةً أخرى إلى حالتها الأولى كالتالي:

”ولذلك فإن الله الآب قرَّر أن يجمع طبيعة الإنسان معًا في المسيح مرةً أخرى ليردها إلى حالتها الأولى، وأراد أن يتحقَّق هذا بالمسيح“.[11]

ويُشدِّد ق. كيرلس على وجودنا الحقيقيّ في المسيح بسبب مجيئه في الجسد، داحضًا بذلك أي كلام عن أننا جسد رمزيّ أو اعتباريّ، بل أننا جسد حقيقيّ للمسيح قائلاً:

”فالمخلِّص الذي هو الحياة بالطبيعة صار إنسانًا إذ لبس طبيعتنا، وذلك لكي يُحرِّر أولئك الذين هم تحت دينونة اللعنة القديمة، من الفساد والموت. لأنه هكذا قُهِرَت قوة الموت، وتلاشى سلطان الذي سيطر علينا. وحيث إن الطبيعة الإلهية خالية تمامًا من أيّ ميل نحو الخطية، فقد رفعنا ومجَّدنا بواسطة جسده الخاص. لأننا فيه يكون لنا جميعًا وجود حقيقيّ، بسبب مجيئه في الجسد“.[12]

ويُوضِّح ق. كيرلس أن موت المسيح على الصليب لم يكن نتيجة إلزام بشري أو نتيجة طغيان شخص آخر ضد إرادته، بل بدافع حبه الأصيل قدَّم نفسه لأجلنا ذبيحةً بلا لوم للآب، فلم تكن ذبيحة المسيح ترضيةً للآب، بل بدافع الحب منه للبشر كالتالي:

”يُدافِع البشير الحكيم جدًا بطريقةٍ نافعةٍ عن الآلام الخلاصية، ويبين أن الموت على الصليب لم يكن نتيجة إلزام بشريّ، ولم يعان المسيح الموت نتيجة طغيان شخص آخر ضد إرادته، بل بالحري قدَّم نفسه لأجلنا ذبيحةً بلا لوم لله الآب بدافع حبه الأصيل. فحيث إنه كان ينبغي أن يتألم لكي يُبطِل ما دخل من فساد وخطية وموت، فقد أعطى نفسه فديةً عن حياة الجميع“.[13]

يُشِير ق. كيرلس إلى أن الكل كان موجودًا في المسيح بصيرورته إنسانًا، وهكذا مات بالجسد لأجلنا ليقيم طبيعتنا كلها معه، وقَبِلَ الروح القدس في جسده لأجلنا لكي ما يُقدِّس طبيعتنا كلها كالتالي:

”وأيضًا إذ هو الحياة بالطبيعة، مات بالجسد لأجلنا، لكي يغلب الموت لأجلنا، ويُقِيم طبيعتنا كلها معه، لأن الكل كان فيه بصيرورته إنسانًا، وهكذا أيضًا قَبِلَ الروح القدس لأجلنا، لكي ما يُقدِّس طبيعتنا كلها. لأنه لم يأت لكي ينفع نفسه، بل لكي يصبح لنا جميعًا، الباب والبداية والطريق لكل الخيرات السمائية“.[14]

ويدحض ق. كيرلس نظرية البدلية العقابية مُشِيرًا إلى أن الآب أعطانا ابنه فداءً عنا، بحيث أن موت الكل حدث في المسيح، لأن الكل كان فيه كالتالي:

”لقد كنا مُستعبَدين لخطايا كثيرة، خاضعين للفساد والموت، فأعطانا الآب ابنه فداءً عنا. الواحد عن الكل؛ لأن الكل فيه، وهو فوق الكل. واحد مات عن الكل، لكي يحيا الكل فيه. لقد ابتلع الموت ’الحمل‘ الذي كان ذبيحة خطية للكل، ولكن الموت تقيأ الحمل ومعه كل الذين فيه. لأننا جميعًا في المسيح الذي بسببنا ولأجلنا مات وقام. لقد أبيدت الخطية، فكيف يبقى الموت الذي نتج عنها وبسببها، ألا يتلاشى هو أيضًا وينتهي إلى لا شيء. لقد مات الجذر، فكيف تعيش الأغصان أو تبقى؟ وكيف نموت نحن، بعد أن أُبِيدت الخطية؟ لذلك نُسرّ بذبيحة حمل الله، ونقول: ’أين شوكتك يا موت؟ أين غلبتك يا هاوية؟ (هو 13: 14؛ 1كو 15: 55)“.[15]

ويُؤكِّد ق. كيرلس أيضًا في موضع آخر عن الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح داحضًا بذلك نظرية البدلية العقابية قائلاً:

”ولا يوجد أدنى شك في أن جرائم عصيان آدم، قد وجدت حلاً بالمسيح؛ لأنه كما هو مكتوب ’صار لعنةً لأجلنا‘ (غلا 3: 13)، مُحرِّرًا الأرض من اللعنة القديمة. ونقول حقًا إن الكُل انجمع بواسطته إلى حالته الأولى التي أعطاها الله الآب. إذًا، ’إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا‘ (2كو 5: 17). لأنه هو آدم الثاني وبطاعته، أبعد عنا تهمة الإنسان الأول، أقصد العصيان بالتأكيد، الذي صار في بدايات الخليقة“.[16]

يُفرِّق ق. كيرلس الإسكندريّ بين الهرطوقيّ والأرثوذكسيّ بشكلٍ واضحٍ في مسألة أننا ككنيسة جسد المسيح الإفخارستي قائلاً:

”وحيث أن الهرطوقيّ في حماقته، يريد أن يُروِّج لآرائه الزائفة، ويقول: [إنَّ أيّ مُجادلة لن تجعل الذين يُحرِّفون معنى الكلمات التي أمامنا عن معناها السليم، ويَعتبرونها تُشِير إلى تجسُّد المسيح، لأننا لم نتَّحد به بالجسد، ولا الرسل يثبتون في جسد المسيح كأغصان، ولا هم كانوا مُرتبِطين به بهذا الشكل، بل عن طريق وحدة الفكر والإيمان الحقيقي]. والآن فلنُجاوِب على هذا الكلام باختصار، ونُبيِّن للهرطوقي أنه قد انحرف تمامًا، وهو لا يتبع الكتب المقدَّسة باستقامة. فكون أننا مُتَّحِدون روحيًا بالمسيح بما يتطابق مع المحبة الكاملة، فهذا لا يُنكِره بيان عقيدتنا بأيّ حال، فنحن نعترف أن المعترِض على صواب في قوله من هذه الجهة، ولكن أن يقول إنه لا توجد أي إشارة في المثل إلى اتحادنا بالمسيح بالجسد، فنحن سنُوضِّح أن كلامه هذا يتعارض تمامًا مع الكتب الموحَى بها، لأنه كيف يمكن أن يُجادِل أحد، أو هل يُمكِن لأيّ إنسان ذي فكر مستقيم أن يُنكِر أن المسيح هو الكرمة من ناحية جسده؟ ونحن لكوننا أغصان حسب الرمز [أي رمز الكرمة والأغصان]، فإننا ننال في أنفسنا الحياة النابعة منه، كما يقول بولس: ’لأننا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، فإننا نحن الكثيرين خبز واحد […] لأننا جميعًا نشترك في الخبز الواحد‘ (أنظر رو١٢: ٥؛ ١كو١٠: ١٧). ما هو سبب هذا وهل يستطيع أحد أن يُعطِينا تفسيرًا بدون الإشارة إلى قوة السر المبارك؟ ولماذا نحن نتناوله ونأخذه داخلنا؟ أليس لكي يجعل المسيح يحل فينا جسديًا أيضًا بالاشتراك في تناول جسده المقدَّس؟ أنه يجيب بصواب قائلاً نعم هو كذلك. لأن بولس يكتب هكذا: أن الأمم شركاء في الجسد، وشركاء المسيح في الميراث (أنظر أف٣: ٦). كيف يكونون أعضاء في الجسد؟ ذلك بسبب دخولهم [أي الأمم] ليشتركوا في الإفخارستيا المقدَّسة، وهكذا يصيرون جسدًا واحدًا معه مثل أيّ واحد من الرسل القديسين!“.[17]

مفهوم الغضب الإلهي

يُحدِّد ق. كيرلس الإسكندري ماهية الغضب الإلهيّ، حين يتحدَّث عن الحياة إنها الحياة الحقيقية في مجدٍ مع المسيح، أمَّا ”غضب الله“ فهو عذابات الأشرار، حيث يقول:

”لكن إنْ كان من الممكن إدراك أنَّ غير المؤمن سوف يُحرَم من الحياة في الجسد، لكنه بالتأكيد قد أضاف على الفور ’بل يمكث عليه الموت‘ لكن حيث إنه يُسمِّيه ’غضب الله‘، فمِن الجلي إنه يعقد مُقارنة بين عقاب الأشرار وتنعُّمات القديسين، وأيضًا يصف تلك الحالة بكلمة ’الحياة‘ التي هي الحياة الحقيقية في مجدٍ مع المسيح، أما عذابات الأشرار فيُسمِيها ’غضب الله‘، وكثيرًا ما سُمِيَ ذلك العقاب في الكتاب المقدَّس إنه ’غضب‘، وسوف أقتبس من شاهدين، بولس ويوحنا المعمدان: إذ يقول الأول للمهتدين بين الأمم ’وكنا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضًا‘ (أف2: 3)، ويقول الآخر للكتبة والفريسيين: ’يا أولاد الأفاعي، مَنْ أراكم أنْ تهربوا من الغضب الآتي؟‘ (مت3: 7)“.[18]

يستنكر ق. كيرلس فكرة وراثة الغضب الإلهيّ من الآباء للأبناء بسبب خطايا الآباء، حيث إنهم لو كانوا حكماء، ألا يكون لائقًا بهم بالأحرى أنْ يعتنقوا الرأي الذي يقول: أن الله الذي هو مصدر البر ومصدر قوانيننا الأخلاقية لا يُمكِن أنْ يفعل شيئًا مُخجلاً كهذا؛ لأنه حتى الناس يُعاقِبون العصاة بحسب القوانين، ولكنهم لا يُوقِعون هذه العقوبات على أولادهم، إلا لو كان هؤلاء الأولاد مُشترِكين مع آبائهم في الأفعال الشريرة. فذلك الذي وصف لنا قوانين كل عدل، كيف يُمكِن أنْ يُقَال عنه أنه يُوقِع عقوبات تُعتبر مُدانة عندنا بشدة (لأنها غير عادلة).[19]

ويُناقِش ق. كيرلس موضوع الانفعالات البشرية المنسوبة لله في الكتاب المقدَّس من الغضب والندم والسخط، ويُعلِّل ذلك بأن السبب الحقيقيّ الذي جعل الكتاب المقدَّس يُحدِّثنا عن الله بأقوال تخص الأعضاء الجسدية، هو ضعف عقلنا ولغتنا. بدون شك الأمور المتعلِقة بالله هي أبعد من أنْ تُوصَف. وبالتأكيد لا يُمكِننا أنْ نُدرِك الأمور الهامة عن الله، نحن الذين نحيا في أجساد مادية وسميكة، إلا فقط، إذا قَبِلنا أمثلة ونماذج تتناسب مع نوعية طبيعتنا. بمثل هذه الطريقة فقط، يكون لدينا المقدرة أنْ نرتفع نحو مفاهيم سامية عن الله.[20]

يتحدَّث ق. كيرلس عن إنذارات الله لأولئك الذين يُغضِبونه ويُسبِّبون له حزنًا، حيث يُعلِن الله لهم الأمور التي سوف تحدث لهم أحيانًا، ولكن بطرق ملائمة، على الأقل برسالة الملائكة إلى العقل البشريّ، وعندما يُعلِّم بها أولئك، يذوبون خوفًا من الحزن، ويصير هذا الإعلان بالنسبة لهم بمثابة إنذارٍ كبداية للغضب والعقاب الذي يُهدِّدهم. ولأنه يستريح في الأنبياء القديسين، ففي مرات كثيرة يُعلِن لهم، ليس فقط الأمور المحزِنة والأمور التي سوف يُضايقون بها شخصًا لتجعله يجلس ويبكي، لكن أيضًا يذكر لهم الأمور المفرِحة حقًا لرفاهية البعض، أمَّا الفُجَّار وأتباع المنجِّمين فيكشف لهم الأمور الشريرة التي سوف تحدث لهم.[21]

يُوضِّح ق. كيرلس إلى أن الله استخدم في العهد القديم تعبيرات بشرية عن ذاته بسبب تنازله من نحونا لأجل مساعدتنا وبسبب استعمال اللغة وعجزها كالتالي:

”ورغم أنك قد تقول إن الله قال في كتاب العهد القديم لليهود: ’أصوامكم وأعيادكم بغضتها نفسي‘ (أنظر إش 1: 13، 14 سبعينية)، وتعبيرات أخرى مشابهة، إلا أننا نقول إنه استعمل طريقتنا في الكلام، خاصةً بسبب تنازله من نحونا لأجل مساعدتنا، وبسبب استعمال اللغة وعجزها، فهو يتحدَّث عن طبيعته غير الجسدية على أن لها وجهًا، وعيونًا، وأعضاءً أخرى“.[22]

يُشِير ق. كيرلس إلى أننا ينبغي أن نوجه اللوم إلى فقر لغتنا البشرية التي لا تستطيع التعبير عن الحقائق الإلهية بطريقة مناسبة قائلاً:

”فلا ينبغي أن نعثر بسبب هذا، بل بالحري ينبغي أن نُوجِّه اللوم إلى فقر لغتنا البشرية، التي لا تستطيع أن تُعبِّر عن الحقائق الإلهية بطريقةٍ مناسبةٍ. فما هي اللغة التي تكفي أن تشرح طبيعة الله ومجده اللذين يفوقان كل تعبير“.[23]

ونرى ق. كيرلس يُؤكِّد على أن الله عديم الهوى أو خالي من الهوى απαθής أي الأهواء البشرية كالتالي:

”وبما أن الابن يُقارن بالآب من جهة الأعظم والأدنى، وهذه المقارنة تقع خارج الهوى، خاصةً وأن الله عديم الهوى απαθής، وبما أن الآب لا يتفوق على الابن، باعتبار أن الابن له نفس جوهر الآب، ولا يمكن للابن أن يعاني شيئًا أو يتأثر بشيءٍ، فالقول ’أعظم‘، إنما يُقال فقط من جهة بداية الابن الأزلية من الآب“.[24]

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ مثله مثل جميع آباء الشرق اليونانيّ، وبالخلاف عن اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ، ولاهوت العصر الوسيط، واللاهوت البروتستانتيّ، على أن الله هو هو دائمًا، لا يتحوَّل ولا يتغيَّر من حال إلى حال، وأن عدم التغيُّر في الله ليس صفة عرضية، بل يرجع إلى جوهر الله نفسه كالتالي:

”بينما الله فوق كل ذلك، والنفس الإنسانية عُرضة لتقلبات كثيرة من الصالح إلى الطالح، ومن الطالح إلى الصالح، ولكن الله هو هو دائمًا، صالح إلى الأبد، ولا يتحول ولا يتغير من حال إلى حال. وعدم تغيُّر الله ليس صفةً عرضيةً، بل يرجع إلى جوهره“.[25]

ويُشِير ق. كيرلس أيضًا إلى احتمال الله للبشر الذين يصبون جام غضبهم عليه، ليكون هو نفسه مثالاً للهدوء الكامل الخالي من الأهواء كالتالي:

”فقد أتى مُخلِّصنا مرةً إلى قرية السامريين بالقرب من اليهودية؛ فلم يقبلوه وثار التلاميذ بسبب هذا الأمر، وقالوا له: ’يارب أتريد أن نقول أن تنزل نار من السماء فتفنيهم‘ (لو 9: 52-56). فأنتهرهم المخلِّص ورفض أفكارهم. لأنه لم يأت كإله ليستخدم قوته الإلهية ضد أولئك الذين يصبون جام غضبهم عليه، بل بالحري ليُعلِّمنا أن نحتمل ونصبر في كل الضيقات، وليكون هو نفسه مثالاً للهدوء الكامل الخالي من الأهواء. لذلك قال أيضًا: ’تعلَّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب‘ (مت 11: 29)“.[26]

وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس على أن طبيعة الله هي طبيعة بسيطة، وحتى إن كانت أفعاله متنوعة، ولها إرادة بسيطة حكيمة، فما يعمله الله في غضبه هو نتيجة لطفه، وهكذا ينسجم غضب الله مع لطفه كالتالي:

”هل لمجرَّد أن قُلنا إن الطبيعة الإلهية طبيعة بسيطةٌ، يُنكِرون أن تكون أفعال الله متنوعةً. يجب عليهم أن يعرفوا أن هذه الطبيعة لها إرادة بسيطة حكيمة، وليس إرادات مُتعدِّدة، وذلك لأن الله يمكن أن يلوم الذين يمدحهم، ويُؤدِّب الذين يحبهم. والذي يعمله الله في غضبه هو نتيجة لطفه، وهكذا فغضب الله ينسجم مع لطفه. وأنا أريد أن أُضيف شيئًا آخر: إن اللاهوت طبيعة واحدة بسيطة، ولكنه أيضًا هو الحياة والقوة والحكمة والمجد“.[27]

يُشِير ق. كيرلس إلى أن الجوهر الإلهيّ غير خاضع للأهواء البشرية مثل الغضب، ويُوضِّح أن غضب الله يكون بالطريقة المعروفة لنفسه فقط وبطريقة طبيعية بالنسبة لذاته وحده، لأن طرقه لا يمكن النطق بها على الإطلاق كالتالي:

”حينما يريد الكتاب الإلهيّ أن يُعبِّر عن غضب الله ضد الخطط الشريرة من أي نوع، فهو يقتبس الكلمات من التعبيرات المستعمَلة بيننا، ويتحدَّث عن الغضب بعباراتٍ بشريةٍ؛ رغم أن الجوهر الإلهيّ غير خاضع لهذه الأهواء بأي طريقة يمكن مقارنتها بمشاعرنا، ولكنه يتحرك بالسخط بالدرجة المعروفة لنفسه فقط، وبطريقة طبيعية بالنسبة لذاته وحده، لأن طرقه لا يمكن النطق بها على الإطلاق. ولكن الكتاب الإلهيّ، كما قُلنا، يُسجِّل أشياء أعلى بكثير من قدرتنا البشرية“.[28]

ويعترض ق. كيرلس على انفعال بطرس الرسول على عبد رئيس الكهنة، مُؤكِّدًا على أن المسيح جاء ليعطينا تعليمًا أسمى من الناموس، ولكي يُصلِحنا ويُحوِّلنا إلى وداعة قلبه، وهكذا يلوم المسيح الانفعالات التي بحسب الناموس، والتي لا تتوافق مع الكمال اللائق بالفضيلة الحقيقية كالتالي:

”لذلك فإن انفعال بطرس كان مشروعًا بحسب القوانين القديمة؛ ولكن ربنا يسوع المسيح حينما جاء ليُعطِينا تعليمًا أسمى من الناموس، ولكي يُصلِحنا ويُحوِّلنا إلى وداعة قلبه، يلوم تلك الانفعالات التي بحسب الناموس، على أنها لا تتوافق مع الكمال اللائق بالفضيلة الحقيقية. لأن الفضيلة الكاملة لا تكون بمجازاة الفعل بمثله، بل بالحري تَظهر في الترفق الكامل“.[29]

ويُشِير ق. كيرلس إلى أن غضب الله لم يمنعه من أن يربي ويفيد البشرية بطرق متنوعة، وأنه بإضافة المتاعب والمشقات يكبح جماح أولئك الذين تم تضليلهم وينقلهم إلى ما يفيدهم كالتالي:

”لكن بالإضافة إلى هذا، لاحظ أن غضب إله الكل في هذه الحالة، لم يمنعه من أن يربي ويفيد بطرقٍ متنوعةٍ، وأنه بإضافة المتاعب والمشقات يكبح جماح أولئك الذين أُضِلوا وينقلهم إلى ما يُفِيدهم“.[30]

وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس على أن الله لا يريد أن يُعرَف بأنه يفكر في الشر، وأنه يمد غضبه حتى يشمل الجيل الرابع، لأنه كيف يكون طويل الأناة وكثير الرحمة، أو كيف يغفر المعاصي والخطايا، إن كان لا يستطيع أن يجعل العقوبة محصورة في الشخص المخطئ، فمن الحماقة تمامًا أن نفترض أن الله مع محبته ولطفه بالبشر، يخص نفسه بالغضب المستمر وغير المعقول. وهكذا يدحض ق. كيرلس أولئك القائلين بوراثة العقوبة من الآباء إلى أبنائهم حتى الجيل الرابع قائلاً:

”ولهذه الغاية فهو يُعلِن أن: ’الرب طويل الروح وكثير الإحسان، يغفر الذنب والسيئة‘ (عد 14: 18). ولذلك فهو لا يريد أن يُعرَف بأنه يفكر بالشر، وأنه يمد غضبه حتى يشمل الجيل الرابع. لأنه كيف يكون طويل وكثير الرحمة، أو كيف يغفر المعاصي والخطايا، إنْ كان لا يستطيع أن يجعل العقوبة محصورةً فقط في الشخص الذي أخطأ، بل يمدها إلى ما بعد الجيل الثالث، فيكون بذلك كنوع من الرعد الذي يصعق حتى البريء. إذًا، فإنه مما لا يُصدَق بالمرة ومن الحماقة التامة أن نفترض أن الله، مع محبته للبشر ولطفه، يخص نفسه بالغضب المستمر وغير المعقول“.[31]

يُوضِّح ق. كيرلس أن الله بطيء الغضب جدًا نحو آثام الذين يحزنونه بخطاياهم كالتالي:

”وإذ هو بطيء الغضب جدًا نحو آثام أولئك الذين يحزنونه بخطاياهم طبعًا، وإذ هو يفي بوعده للآباء القديسين، فإنه يصعد ليعلمهم ويضع أمامهم تعاليم الخلاص“.[32]

يُؤكِّد ق. كيرلس على أن اليهود بعدم إيمانهم أوقعوا أنفسهم تحت الغضب الإلهي، ولكن الرب كطبيب ماهر يُظهِر ضعفهم من ناحية، ومن ناحية أخرى، يكشف عن سببه، لكي لا يبقوا رازحين تحته، بل لكي يهدئوا غضب رب الجميع الذي حزن كثيرًا لأجلهم لأسباب عادلة كالتالي:

”لم يقل الرب فقط: ’لقد رأيتموني، ولستم تؤمنون‘، لكن كان من الضروري أن يُورِد ذكر السبب في عماهم، ليعرفوا أنهم قد وقعوا تحت الغضب الإلهي. لهذا، وكطبيبٍ ماهرٍ فإنه يُظهِر ضعفهم من جهة، ويكشف عن سببه من جهة أخرى، لا لكي إذا ما علموا بأمره يبقوا رازحين فيه، بل لكي يهدئوا غضب رب الجميع، الذي حزن لأجلهم كثيرًا لأسبابٍ عادلةٍ“.[33]

ويُشدِّد ق. كيرلس على أن الإنسان الذي يهمل وصايا الله الواجبة، ويصير أسيرًا للخطية، هو علة الغضب الإلهي، وليس الله هو المتسبب في ذلك، فهذا غير منطقي تمامًا، فالغضب الإلهي هو عدم شمول عطف الرب لنا، وهكذا لن يكون هناك عائق أمام الخطية يمنعها من تعذبينا بسبب ضعف طبيعتنا، مما يقود إلى سيادة الشر علينا كالتالي:

”بلاديوس: إذًا، هل عندما نُهمِل وصايا الله الواجبة، ونصير أسرى للخطية، نُلقِي اللوم على الله، ونشتكي من غضبه، وندَّعي أننا بسبب هذا الغضب أخطأنا؟ كيرلس: بالطبع، لا يمكن أن يكون الله هو المتسبِّب في هذا؛ وإلا كان ذلك غير منطقيّ. لكن عندما نقول: ’أنت سخطت إذ أخطأنا‘، نقصد أنه إذا لم يشملنا عطف الرب، فلن يكُن أمام الخطية أي عائق يمنعها من تعذيبنا، وذلك بسبب ضعف طبيعتنا، مما يقود إلى سيادة الشرِّ علينا“.[34]

يُشِير ق. كيرلس إلى أن غضب الله على العاصين ممزوجٌ بالوداعة، فلم يسمح ناموس الطبيعة – الذي وضعه الله للخلق واستمرار الحياة – بحدوث فساد ودمار شامل عام كالتالي:

”إذًا، لا يسمح ناموس الطبيعة بحدوث فساد ودمار شامل وعام، ولكنه يُعلِن إن الغضب على العاصين، إنما هو ممزوجٌ بالوداعة، وفي نفس الوقت يستخدم الحرف للمعرفة عن طريق الأمثلة والنماذج. فالكائنات لا تُسَاق تمامًا نحو العدم، يسودها فساد طائش، لكنها تبقى يتعاقب الواحد من خلال الآخر، والواحد سيخلُص من خلال الآخر قياسًا بالقرابة والجنس اللذان ينتسبان إليهما. هكذا أبعد الله الهلاك الشامل عن مخلوقاته، إذ مكتوب الآتي: ’فإنه خلق كل شيء لكي يكون، وإن خلائق العالم مفيدة وليس فيها سم مهلك، ولا مُلِك لمثوى الأموات على الأرض؛ لأن البر خالد‘ (حك 1: 14)“.[35]

يُوضِّح ق. كيرلس أن الله لا يمكن أن يكون ميَّالاً بأية نزعات غير عاقلة نحو أولئك الذين يرفضون محبته، داحضًا بذلك فكرة الغضب الإلهي الانتقامي والجزائي التي انتشرت في لاهوت العصر الوسيط والإصلاح قائلاً:

”لأن الله لا يمكن أن يوجد ميَّالاً بأية نزعات غير عاقلة نحو أولئك الذين يرفضون محبته، بل بالحري هو الفضيلة ذاتها في كل صورها، وبكل يقين قد تصرف في هذا الأمر تصرفًا حسنًا، وكانت عاطفته خالية من كل لوم“.[36]

مفهوم العداوة

يشرح ق. كيرلس الإسكندريّ مفهوم إبطال العداوة، وعلى عكس مفهوم البدلية العقابية أن الله الآب كان غاضبًا علينا وفي عداوة معنا بسبب الخطية التي أهانت كرامته، فقام الآب بمعاقبة الابن كبديل عقابيّ عنا لكي يتصالح معنا وتنتهي عداوته لنا، ولكن يرى ق. كيرلس أن الابن وحَّدنا بذاته مع الله الآب مبطِلاً العداوة كالتالي:

”صار [المسيح] لأجلنا الأساس والأمان ودعامة ثابتة، وحجر الأساس غير المتصدِع. […] لقد وحَّدنا بذاته مع الله الآب مُبطِلاً العداوة كما هو مكتوب (أف 2: 15-16). وقال حقًا لأبيه السماويّ عن كل الذين تبرَّروا بإيمانهم فيه: ’أيها الآب أنت فيَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا‘ (يو 17: 21)“.[37]

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ التعليم بوجود أية خصومة أو انفصال بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

”وقد أظهره الله الآب مُتجسِّدًا، ومنظورًا، وشبيهًا بنا للرسل القديسين، عندما صرخ قائلاً: ’هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت. له اسمعوا‘ (مت١٧: ٥) فهل انتبهت إذًا إلى أنه لم ’يقل هذا الجسد‘، بل ’هذا هو ابني‘، وذلك حتى لا نَعتبره مُجزَّئًا ومُنفصِلاً الواحد عن الآخر، بل هو – تدبيريًا – واحد بالاتحاد […] فالله الآب يشهد – بطريقةٍ فريدةٍ خاصةٍ – على أن المتجسِّد الذي أخذ شكل العبد هو ابنه الحقيقيّ، وكيف لا يكون؟“.[38]

مفهوم الذبيحة

يشرح ق. كيرلس الإسكندريّ مفهوم ذبيحة المسيح على الصليب، ويدحض في نفس الوقت مفهوم ذبيحة المسيح كبديل عقابيّ عن البشرية يقدم هذه الذبيحة ترضيةً لغضب الله الآب على البشرية الخاطئة، حيث يرى أن المسيح ذُبِحَ أمام الله الآب وبموافقته من أجل خلاص العالم، ولكن الآب لم يستعذب ويرضى بالألم الذي تعانيه الذبيحة لكي يهدئ من غضبه، كما تُصوِّره نظرية البدلية العقابية، بل كان يعرف أن آلام ابنه هي من أجل خلاص العالم كالتالي:

”هكذا يصير ذبحه أمام الربِّ، معطيًا بذلك إشارةً إلى موافقة الآب على أنه يجب أن يموت الابن، ولم يرفع نظره بينما كان يُذبَح. لكنه على أية حال، لا يستعذب الألم الذي تُعانِيه الذبيحة ويثني عليه، إلا أنه يعرف أن ألم عمانوئيل هو لأجل خلاص العالم. إذًا، فقد حمل المسيح خطايانا، وتألم لأجلنا محتملاً الذبح فوق الصليب الكريم“.[39]

ويشرح ق. كيرلس مفهوم الذبيحة في موضع آخر، حيث يرى أن المسيح أشرق في الكنيسة في العالم بطرقٍ كثيرةٍ، وهكذا قُدِّمت كذبيحةٍ مُقدَّسةٍ لله وفديةً وتعويضًا لأجل حياة الكل، لأنه كان واحدًا في الجوهر مع كل البشر، وهكذا لأن وحيد الجنس صار إنسانًا كواحدٍ منَّا قدَّم ذاته إلى الله كخميرةٍ واحدةٍ ممتازةٍ وبدايةٍ للطبيعة البشرية الجديدة، وهكذا تُقدَّم الذبيحة كل يوم باستمرار، لأن المسيح سيظهر بواسطتنا ولأجلنا مُقدِّمًا نفسه ذبيحةً بطريقةٍ سريةٍ في الخيمة المقدَّسة، وهو نفسه يكون تقدمتنا الأولى الممتازة لله الآب لكي ما نصير فيه ذبيحةً مُقدَّسةً ونموت عن العالم كالتالي:

”سأعرض لك الأمر بقدر المستطاع: عندما ظهرت الخيمة المقدَّسة الحقيقية، أي الكنيسة في العالم، وأشرق المسيح فيها بطرقٍ كثيرةٍ، قُدِّمَت فديةٌ وتعويضٌ لأجل حياة الكل كذبيحةٍ مُقدَّسةٍ إلى الله، الواحد في الجوهر مع كل البشر. أي بسبب أن وحيد الجنس صار إنسانًا كواحدٍ منَّا قدَّم ذاته إلى الله كخميرةٍ واحدةٍ ممتازةٍ، وبدايةٍ للطبيعة البشرية (الجديدة)، والذي تفوح منه القداسة الموجودة فيه من طبيعته وجوهره لأنه هو الله. […] التقدمة اليومية تشير إلى استمرارية ذبيحة المسيح كل يوم وعدم انقطاعها، والثمار تشير إلى الذين خلصوا بالإيمان. لأن السجود له لن ينقطع، ولا تقديم العطايا. سوف يظهر المسيح بواسطتنا ولأجلنا مُقدِّمًا نفسه بطريقةٍ سريةٍ في الخيمة المقدَّسة. وهو نفسه يكون تقدمتنا الأولى الممتازة. لأنه يُقدِّم ذاته ذبيحةً إلى أبيه، وليس بالتأكيد لأجل ذاته وفق التعليم المستقيم، لكن لأجلنا نحن الذين كنا تحت نير وثقل الخطية. ونحن نتشبه حقًا بذاك ونصير ذبيحةً مُقدِّسةً ونموت عن العالم (رو 6: 5)، لأنه الخطية ماتت فينا ونحيا لله حياة القداسة“.[40]

مفهوم الفدية

يُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى مفهوم الفدية، حيث يُعطِينا المخلِّص نحن البشر الحياة والنصرة على الفساد والموت بموته وقيامته. كما يرفض ق. كيرلس أيضًا تقديم المسيح الفدية لإبليس، ويُؤكِّد على تقديم الفدية لأجلنا، حيث قدَّم المسيح الفدية نفسه لأجل نفوسنا، وجسده لأجل أجسادنا كعطية ثمينة لأجلنا كالتالي:

”لقد أعطانا حقًا عطية ثمينة، جسده لأجل جسدنا ونفسه فديةً لأجل نفوسنا، ورغم ذلك قام إذ إنه كإله بطبيعته هو الحياة ذاتها“.[41]

ويُؤكِّد ق. كيرلس – مثلما أكَّد الآباء السابقين عليه – على تقديم المسيح جسده كفدية للموت عن حياة كل البشر قائلاً:

”لذا كان من الضروريّ أن يُقدِّم ابن الآب الحيّ جسده الخاص للموت كفديةٍ عن حياة كل البشر، لكي عن طريق جسده المتَّحِد بالكلمة يُمهِّد الطريق لأجسادنا المائتة حتى تستطيع أيضًا أن تنتصر على رباطات الموت“.[42]

ويشير ق. كيرلس في موضع آخر إلى أن الفدية كانت من أجل الجميع لإماتة الموت بموت المسيح، وإقامة طبيعة الإنسان الساقطة، حيث يقول التالي:

”(يقول الرب): إني أموت من أجل الجميع لكي أُحِيي بذاتي الجميع، وقد جعلت جسدي فديةً لأجل الجميع، لأن الموت سيموت بموتي، ومعي سوف تقوم ثانيةً طبيعة الإنسان الساقطة. لأنني لهذا صرت مثلك إنسانًا، أي من ذرية إبراهيم، حتى ’أُشبِه أخوتي في كل شيء‘ (أنظر عب 2: 17)“.[43]

ويتحدَّث ق. كيرلس عن الفدية في موضع آخر مشيرًا إلى القيمة العظيمة لموت الكلمة المتجسِّد، الذي لم يكن إنسانًا عاديًا، بل الله المتأنس كالتالي:

”نجد هذا الذي لم يعرف خطيةً، أقصد المسيح، قد تألم بكل ما يليق بالملعونين جراء قرارٍ ظالمٍ؛ حتى يُمكِن لهذا الذي هو جدير بالكل، أن يموت لأجل الجميع، لكي يحل جرائم عصيان الكل، ويشتري المسكونة بدمه. لأن إنسانًا عاديًا لا يُمكِنه أن يكون جديرًا بالجميع للجميع. لكن، بما أن الله هو الذي تأنس وتألم من جهة جسده، فالخليقة كلها تتضاءل مقابله، وبالتالي، يصل موت جسده إلى درجة أن يكون فديةً، إذ أن هذا الجسد هو جسد الكلمة، الكلمة المولود من الله الآب“.[44]

يُشِير ق. كيرلس إلى تقديم المسيح جسده كفدية لحياتنا جميعًا كالتالي:

”وعندما قدَّم جسده كفدية لحياتنا جميعًا“.[45]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على تقديم المسيح ذاته فديةً للجميع، للكبير والصغير، وللغني والفقير، ولليهودي والأممي كالتالي:

”لأنه هكذا خلَّص المسيح الكل باذلاً ذاته فديةً للصغير والكبير، للحكيم وغير الحكيم، وللغني والفقير، ولليهودي واليوناني“.[46]

وهذا ما يُوضِّحه ق. كيرلس أن المسيح قد أعطى جسده فديةً لأجلنا، لأنه لم يكن إنسانًا عاديًا، بل الإله المتجسِّد الأجدر من الجميع، لذلك كان دمه كافيًا لفداء العالم كله وتسديد الدَّين كالتالي:

”إذًا، فقد افتُدِينا، طالما أنه أعطى جسده لأجلنا فديةً، فإذا اعتقدنا أنه إنسان عادي، كيف يكون دمه كافيًا لحياة الكل؟ بينما لو اعتقدنا أنه هو الله بالجسد الأكثر جدارةً من الجميع، سيكون فداء كل العالم بدمه كافيًا للدَّين، وهذا صحيح جدًا“.[47]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على أن المسيح افتدانا من إبليس الذي كان يأسرنا، وليس الآب. فلم يتحدَّث ق. كيرلس أبدًا عن أننا كنا مأسورين عند الآب، وتوجب دفع الفدية لديه ليُطلِقنا من الأسر، بل يُؤكِّد ق. كيرلس مرارًا وتكرارًا – مثله مثل جميع الآباء – على أننا كنا مأسورين عند الشيطان قائلاً:

”ويُعلِن بالأثنين التالي: طالما أنه افتدانا ربنا يسوع المسيح من مصر وأشور أي من استبداد أولئك الذين أسرونا (وهؤلاء هم الأشرار والشياطين الدنسة)، نقلنا إلى أرض مليئة بالأشجار والثمار، أي الكنيسة“.[48]

ويُؤكِّد ق. كيرلس أيضًا أننا كنا مأسورين عند الشيطان وليس عند الآب قائلاً:

”وكانوا أسرى وفي قبضة الشيطان، وذلك لأنهم قاوموا الله، لأجل هذا رُفِضوا وفقدوا كل العناية السماوية“.[49]

ويُشِير ق. كيرلس إلى أن المسيح قام بأسر الشياطين – الذين كنا مأسورين عندهم، وليس عند الآب – باذلاً دمه لأجلنا لإبعاد الموت، وإبطال الهلاك، ومنح الحياة لنا كالتالي:

”نفس الأمر أيضًا، ربنا يسوع المسيح الذي انتصر على جميع الشياطين النجسين، وقام بأسرهم باذلاً دمه لأجلنا، هكذا أبعد الموت، وأبطل الهلاك، وجعلنا خاصته، إذ لا نحيا بعد حياتنا، بل حياته؛ لأنه لو لم يمت لأجلنا لما خلُصنا، ولو لم يُحسَب من بين الأموات، لما انهدمت حصون مملكة الموت“.[50]

ويُؤكِّد ق. كيرلس أيضًا على أن المسيح افتدانا من الموت ومن يدي الهاوية، إذ قدَّم ذاته فديةً للموت كالتالي:

”لأنه افتدانا من يدي الهاوية، أي من بطش الموت، وأن موت المسيح يُدرَك كطريقة للفداء. لأنه تعرض لأجلنا للموت فوق الصليب، وانتصر على الرؤساء والسلاطين مُسمِّرًا عليه الصك الذي علينا (أنظر كو ٢: ١٤، ١٥) […] يسوع المسيح الذي مات لأجلنا، أو الأفضل ’الذي بذل نفسه فديةً لأجل الجميع، الشهادة في أوقاتها الخاصة‘ (١تي ٢: ٦)، الأكثر استحقاقًا من الكل، بواسطته وبه صرنا أغنياء (أنظر ١كو ١: ٥)، لكي نرجع ثانيةً إلى عدم الفساد“.[51]

ويُوضِّح ق. كيرلس أن الآب نفسه هو الذي بذل وقدَّم ابنه كفدية وثمن لأجل خلاصنا كالتالي:

”وإنه حق وقد تم التيقن من الحقائق ذاتها أن الآب بذل ابنه لأجل خلاصنا. وبالتالي، كما يقول بولس: ’قد اشتُريتم بثمن فمجَّدوا الله‘ (١كو ٦: ٢٠)، فنحن لسنا ملكًا لذواتنا. ويقول أيضًا: وهو مات لأجل الجميع كي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام“.[52]

كما يُؤكِّد ق. كيرلس على دفع الفدية من أجل الإنسان لكي ما يحيا، لأن الله لم يُسرَّ بهلاك الإنسان مثلما يحدث مع الشياطين قائلاً:

”فلا يُسر بأن يحدث للإنسان كما يحدث للشياطين الدنسة التي هلكت (أنظر مت ٨: ٢٨- ٣٤)، فأمر بأن تُدفَع الفدية لأجله [أي للإنسان]، ونحن نعترف بأننا مديونون له بحياتنا. […] بينما الفدية الحقيقية المقدَّمة عن الجميع هي المسيح، الذي بواسطته انتصرنا على الموت، لأنه قدَّم ذاته لأجلنا“.[53]

لذلك، إن كان الآب هو مُقدِّم الابن وباذله لأجل خلاصنا، فكيف يكون الآب هو نفسه المُقدِّم للفدية والمُقدَّم إليه الفدية، هل الآب يقدم ابنه فديةً لنفسه؟ هل هذا معقول؟ لو لم يكن مفهوم تقديم الابن الفدية للآب له مفهوم آخر عند ق. كيرلس، غير مفهوم لاهوت العصر الوسيط، ومفهوم الإبدال العقابيّ البروتستانتيّ، الذي ينسبه البعض عن جهل ودون وعي خطاءً للأرثوذكسية ولتعاليم آباء الكنيسة الشرقيين عامةً، وق. كيرلس الإسكندري خاصةً. وهذا ما يُوضِّحه ق. كيرلس قائلاً:

”والمسيح قدَّم نفسه رائحة طيبة لله، لكي يُقدِّمنا نحن بواسطة نفسه وفي ذاته لله الآب، وهكذا يُلاشِي العداوة الناشئة من عصيان آدم، ويُبطِل الخطية التي استعبدتنا جميعًا، لأننا نحن الذين كنا نصرخ منذ زمن طويل قائلين: ’التفت إليَّ وارحمني‘ (مز ٢٥: ١٦)“.[54]

أخيرًا، نستنتج أن الفدية عند ق. كيرلس الإسكندري تمَّ تقديمها للموت من أجل تطويق الموت والقضاء عليه نهائيًا ليُقدِّم المسيح للآب الجنس البشريّ جنسًا مُقدَّسًا، وطاهرًا، وحيًا، فيه وبه. فالسمة الغالبة عند ق. كيرلس في موضوع الفدية هي أن الفدية هي موت المسيح للقضاء على الموت والفساد، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنها تسديد لعقوبة الموت من الآب على البشرية، فالابن لم يكن في موضع المعاقَب من الآب لأجل البشر. كما أن الموت هو نتيجة سقوط الإنسان وتعديه، وليس الله هو علة الموت، أو يميت البشر، لأن الله حياة وليس موت. فالموت ليس أحد صفات جوهر الثالوث القدوس منذ الأزل، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس وبالخطية. الله لا يميت أحدًا، ولا يُعاقِب أحدًا بالموت، فالله لا يسره موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، فهلاك الأحياء لا يسره كما نقرأ في الكتاب المقدَّس، ونصلي في الليتورچية، وفي الأجبية. فعل الإماتة لم يكن في الله منذ الأزل، ولم يُمارِس الله صفة الموت أو الإماتة بين أقانيمه الثلاثة منذ الأزل، فلم نر الآب يُمِيت الابن، والعكس صحيح، لم نر الابن يُمِيت الآب، وهكذا لم نر الروح القدس روح الحياة، يُمارِس فعل الإماتة مع الأقنومين الأخرين، فهذا تجديف على الله! حاشا! الله الثالوث هو الحياة ومصدر وينبوع الحياة، ولم يكن في أي وقت من الأوقات موت أو ينبوع ومصدر الموت. فلم يقل المسيح أبدًا في الإنجيل أنا هو الموت، ناسبًا صفة الموت أو الإماتة لنفسه، بل قال أنا هو القيامة والحياة، وأنا هو الطريق والحق والحياة. لذا ادعاء البعض عن جهل أن الله يُعاقِب البشر بالموت هو محض تجديف على الله!

مفهوم الدين

يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن الله خلَّصنا وسدَّد عنا ديوننا مجانًا بلا مُقابل بسبب إحسانه ومحبته، وذلك في سياق شرحه لشريعة تحرير العبيد وإيفاء الديون في السنة السابعة، فيما يُعرَف بـ ”شريعة سنة اليوبيل“. ونرى بوضوحٍ المنحى الشفائيّ الخلاصيّ عند ق. كيرلس، حيث يرى ق. كيرلس إنه غاية تدبير المخلِّص هي شركة الروح القدس، وشركة الطبيعة الإلهية أي التأله بالنعمة. وبالتالي نجد مفهوم ق. كيرلس عن الدَّين في سياق شرح تدبير خلاص الرب بعيد تمامًا عن مفهومه عند اللاهوت الغربيّ بشقيه المدرسيّ والبروتستانتيّ، كالتالي:

”وقد خلَّصنا مجانًا بنعمة الله من دون أن نُعطِي أيّ مُقابل لحياتنا واشترينا مجد الحرية، لكننا نلنا البر بسبب إحسان السيد ومحبته، وهذا ما عبَّر عنه في سفر التثنية قائلاً: ’فِي آخِرِ سَبْعِ سِنِينَ تَعْمَلُ إِبْرَاءً. وَهذَا هُوَ حُكْمُ الإِبْرَاءِ: يُبْرِئُ كُلُّ صَاحِبِ دَيْنٍ يَدَهُ مِمَّا أَقْرَضَ صَاحِبَهُ. لاَ يُطَالِبُ صَاحِبَهُ وَلاَ أَخَاهُ، لأَنَّهُ قَدْ نُودِيَ بِإِبْرَاءٍ لِلرَّبِّ. الأَجْنَبِيَّ تُطَالِبُ، وَأَمَّا مَا كَانَ لَكَ عِنْدَ أَخِيكَ فَتُبْرِئُهُ يَدُكَ مِنْهُ. إِلاَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيكَ فَقِيرٌ. لأَنَّ الرَّبَّ إِنَّمَا يُبَارِكُكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا لِتَمْتَلِكَهَا‘ (تث١٥: ١-٤). هل رأيت كيف تُشرِق الحقيقة من داخل الظلال؟ وبوضوحٍ تامٍ سوف يظهر تدبير المخلص لأجلنا؛ بمعنى أنه حرَّر الذين اقتربوا إليه من ديونهم بواسطة الإيمان، وصِرنا أخوةً بمشاركة الروح القدس. ولكي يصيروا شركاء الطبيعة الإلهية (أنظر ٢بط١: ٤)، حرَّرهم دون أن يدفعوا شيئًا. حقًا، لم يفرض عليهم عقابًا بسبب عصيانهم، مع أنهم مديونون بإعطاء جواب عن أعمالهم“.[55]

يُؤكِّد ق. كيرلس في سياق شرحه لتدبير الخلاص على وجودنا الكيانيّ في المسيح أثناء صلبه وهكذا معموديتنا في اسمه بسبب احتوائنا في المسيح، حيث يقول التالي:

”إذًا، بما أن المسيح لم يُوزَّع، بل الكل ملكه، والجميع خاصون به، وبما أنه صُلِبَ لأجلنا واعتمدنا في اسمه، فمن الواضح أننا احتُوِينا فيه، ولا ننتمي لإنسان مثلنا، بل إلى الله. بالتالي المسيح لنا هو الله“.[56]

ويشرح ق. كيرلس في موضع آخر مفهوم الدَّين، وعلى عكس نظرية البدلية العقابية في اللاهوت الغربيّ التي تقول بتسديد الابن لدَّين الخطية الذي كنا مديونين به لله الآب عن طريق معاقبته كبديل عقابيّ عنا، حيث يرى ق. كيرلس أننا سدَّدنا في شخص المسيح نفسه جزاء اتهامات إبليس لنا بسبب الخطية، وذلك بإبطال حكم الموت الذي كان نتيجة العصيان والتعدي كالتالي:

”لأن الخطية ملكت على كل مَن على الأرض، لذا انجذب كثيرون من الأحداث إلى الشرور كما هو مكتوب (تك 6: 5)، وقد أصرَّ الجميع تمامًا على تحقيق كل ما يريدونه، وهكذا وجدنا أنفسنا حتمًا محسوبين لحكم الموت. لأن حكم الموت كان نتيجة مخالفة الناموس الإلهيّ وعدم الطاعة للإرادة الإلهية. ولذا حزن الخالق على طبيعة الإنسان التي فسدت؛ وصار الوحيد الجنس إنسانًا، وجعل جسده يحتمل الموت لأجلنا، ذلك الذي تسلَّل إلينا بسبب الخطية؛ لكي بموته يُبطِل الخطية ويُوقِف اتهامات الشيطان نحونا، لأننا سدَّدنا في شخص المسيح نفسه جزاء اتهاماتنا بسبب الخطية؛ لأنه وفقًا لكلمات النبيّ: ’هو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين‘ (إش 53: 12؛ يو 1: 29). أو ألم نُشفَ بآلام ذاك؟“.[57]

يرى آباء الأرثوذكسية وق. كيرلس الإسكندريّ أن الدَّين هو دَّين الموت، وإيفاء الدَّين هو إبادة الموت، ورد الحياة للإنسان الذي أضاعها بالخطية، فجلب على نفسه حكم الموت. ولما كان الإنسان المخلوق من العدم ليس له الحياة في ذاته، بحيث يستطيع أن يغلب الموت، لذا اقتضت حكمة الله أن يجوز مَنْ كان هو الحياة بطبيعته الموت بجسده، ويقوم من الموت، فيرد الحياة للمائتين.

دحض نظرية الإبدال العقابي

يدحض ق. كيرلس فكرة الإبدال العقابيّ بتقديم الابن كبديل عقابيّ عن البشرية الخاطئة لإرضاء كرامة الآب المهدرة التي أهانها البشر بالخطية، ولتهدئة وتسكين غضب الآب على البشرية الخاطئة، حيث ير ى ق. كيرلس أن الآب أعطانا ابنه فداءً عنَّا نحن الذين كنا مُستعبَدين لخطايا كثيرة، وخاضعين للفساد والموت كالتالي:

”لقد كنا مُستعبَدين لخطايا كثيرة، خاضعين للفساد والموت، فأعطانا الآب ابنه فداءً عنَّا. الواحد عن الكل، لأن الكل فيه، وهو فوق الكل. واحدٌ مات عن الكل، لكي يحيا الكل فيه. لقد ابتلع الموت ’الحمل‘ الذي كان ذبيحة خطية للكل، ولكن الموت تقيأ الحمل ومعه كل الذين فيه. لأننا جميعًا في المسيح الذي مات وقام بسببنا ولأجلنا. لقد أُبِيدت الخطية، فكيفى يبقى الموت الذي نتج عنها وبسببها، ألا يتلاشى هو أيضًا وينتهي إلى لا شيء. لقد مات الجذر، فكيف تعيش الأغصان أو تبقى؟ وكيف نموت نحن بعد أُبِيدت الخطية؟ لذلك، نُسرّ بذبيحة حمل الله، ونقول: ’أين شوكتك يا موت؟ أين فلبتك يا هاوية؟‘ (1كو 15: 55؛ هو 13: 14)“.[58]

دحض نظرية إيفاء العدل الإلهيّ

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ فكرة إيفاء العدل الإلهيّ والإبدال العقابيّ بتقديم بريء عوضًا عن آخرين خطاة كالتالي:

”لأنه حتى لو أن قانون العدالة اَعتبر أنه من العبث تمامًا معاقبة آخرون بدلاً من أولئك الذين أخطأوا بالفعل، فيجب، إذًا، أن يكون واضحًا للجميع أنه من المحتمل أن يسلم المرء بأنه لا يوجد شيء أكثر بؤسًا من أولئك الذين يعبدونهم كآلهة، إذا كانت القوانين ومُديِّري كل شيء غير قادرين على الحكم على نحو صحيح عند تكليفهم للقيام بذلك. من الواضح أنه لدينا مَن يحكم على كل شخص بشكلٍ صحيحٍ، وهم في الواقع الأفضل، لأنهم يحترمون العدل كما هو مناسبٌ، في حين أنهم يعتقدون أن مَن تثبُت مسئوليتهم عن الجرائم التي ارتكبوها، فهم مكرهون، ويلزم مُعاقبتهم بما يتناسب مع الأفعال السيئة التي أُدِينوا بسببها. حسنًا، يا سيدي العزيز، هذا بالضبط ما يعتقد شعراؤك وكُتَّابك البارزون أيضًا حول هذا الشأن، فاِسمع إلى ما يقوله أحد حكمائنا: ’حماقة الرجل تعوج طريقه، وعلى الرب يحنق قلبه‘ (أم 19: 3). وبالتالي، إذا كان المرء خاليًا من الحماقة، فلن يُفسِد طريقه، ولن يتهم الطبيعة الإلهية على الإطلاق بأنها تحثه على ما حرمته تلك الطبيعة نفسها“.[59]

ويربط ق. كيرلس بين العدل والصلاح والرأفة في حادثة شفاء الرب يسوع لمريض بركة بيت حسدا قائلاً:

”لذلك كان حكم المخلص عادلاً وصالحًا ولم يعوقه حتى يوم السبت عن أن يكون رؤوفًا عطوفًا على العليل، لكنه إذ هو الإله يعرف كيف يتمم هذا الأمر؛ لأن الطبيعة الإلهية هي نبع الصلاح، وهذا ما فعله حتى يوم السبت“.[60]

مفهوم العقوبة الإلهية الشفائية

ينتقد ق. كيرلس الإسكندريّ القدرية والجبرية وإنزال العقوبات من قِبل الله في سياق حديثه عن ادعاء الشعراء الوثنيين الذين ينسبون المتاعب والشرور والانفعالات لآلهتهم الوثنية، حيث يقول هوميروس في أشعاره إن الإله ”ذياس“ يتحدَّث مع آلهة أخرى عن زنى ”إيجيستوس“، وعن الجزاء الذي يستحقه. ويا للأسف، كيف يتهم البشر الزائلون الآلهة باتهامات ثقيلة، ويقولون إن الشرور تأتي من الآلهة، وهكذا فإن أولئك يتألمون بعصيانهم، وليس من القَدَرَ. فلأيّ سبب ينسب البعض للآلهة متاعبهم، ولا ينسبونها إلى أخطائهم التي تُسبِّب لهم النكبات؟ فإذا اختار المرء أنْ يعيش حياة مُستقِيمة، وتكون حياته مملوءة بالحكمة واللياقة، فإن عليه أن يسلك بثباتٍ مُتخطِيًا الصعاب، وذلك بناءً على قراره الصحيح والمشورة المستقيمة، ولا يترك نفسه أسيرةً للأعمال الشريرة. لأن في مقدورنا أن نرى الاتجاهين، أقصد الخير والشرير. والذين يُقدِّرون الطريق الصحيح سوف يصلون إلى جمال الفضيلة، أمَّا الذين يحبسون أنفسهم في الشر ويُفضِّلون الظلم، هؤلاء يُفسِدون الحياة نفسها، ويكونون هم سبب هلاكٍ لأنفسهم.[61]

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري أيضًا في سياق تفسيره لشريعة القتل في الناموس الموسويّ عن مفهوم العقوبة الإلهية الممزوجة بالمحبة، حيث إذَّا حدث وقتل شخص أحد عن غير عمد، فإنَّ الناموس يُحاكِمه بعقوبة الهروب المستمر، إذ يمزج الله هنا العقوبة بمحبته للبشر؛ حيث لا يجعل عقوبة الجريمة التي هي عن غير قصد، في نفس مستوى جرائم العمد، لذلك أمر الناموس أن تُحدَّد ثلاثة مدن اسماها ”مدن الملجأ“ لكي يلجأ إليها الذين يرتكبون أخطاءً غير مقصودة. ويعقد مقارنة بين تلك الشريعة وبين الخطاة الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مُخالِفين لله، كما يقول الكتاب: ”لأنَّ تصوُّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته“ (تك8: 21). فكمَّا ساد ناموس الشهوة الجسدية غير الملجَّمة على أعضاء الجسد، هكذا تُعاقَب نفس الإنسان التعيسة، بالهرب من العالم ومن الجسد في منفى، كما لو كان في مدينةٍ بعيدةٍ. وهذا يُشِير إلى أقسام الأرض السفلى، أيّ الهاوية التي تنزل إليها النفس بالموت، كما حدث قديمًا، وقضت النفوس أزمنةً هناك، ولكن عندما جاء رئيس الكهنة المسيح ومات من أجل الجميع، نزل إلى الجحيم، وفتح أبوابه، وحرَّر النفوس من القيود.[62]

ويرى ق. كيرلس أن العقوبة الإلهية هي النتيجة الفعلية لحماقة البشر، وليست نتيجة عن مشورة الله أو إرادته كالتالي:

”رغم كل ذلك، فإنه أكرمه بنفس درجة إكرامه للباقين، وغسل قدميه أيضًا، مبينًا دائمًا علامات محبته، ولم يعط فرصةً للعقاب إلا بعد أن يكون استنفذ كل محاولات الإصلاح. ويمكنك أن تلاحظ أن هذه الصفة أيضًا هي خاصة بالطبيعة الإلهية. لأنه رغم أن الله يعرف ما سيحدث، إلا أنه لا يُوقِع عقابه قبل الأوان على أي إنسان. بل بالحري، بعد أن يصبر على الخاطئ لأطول مدة لازمة، حينما يرى أنهم لا ينتفعون من صبره عليهم، بل بالحري يظلون مُستمِرين في طريقهم الشريرة التي اختاروها بأنفسهم، فحينئذٍ يُعاقِبهم، مُبينًا أن عقابه لهم هو النتيجة الفعلية لحماقتهم وانحرافهم، وليس ناتجًا عن مشورته أو إرادته، فحزقيال يقول مثلاً: ’حي أنا يقول السيد الرب، إني لا أسر بموت الشرير، بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا‘ (حز 33: 11)“.[63]

ويدحض ق. كيرلس تعليم القدرية والجبرية مؤكدًا على ضرورة توافر حرية الإرادة في النفس، لأنها لو حادت عن الحق وفي طياشة تعدت مشيئة مُعطِي الناموس، فيقع عقاب تعديها عليها، فالعقوبة هي نتيجة التعدي والعصيان كالتالي:

”لأن كلمة التعليم تتطلب أن تتوفر للنفس الإرادة الحرة والاختيار الحر لكي تسعى لطلب المكافآت العادلة لأعمالها الصالحة، وهي إنْ حادت عن الحق، وفي طياشة تَعدَّت مشيئة مُعطِي الناموس، يقع عليها عقاب تعديها وهذا أمر معقول جدًا“.[64]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على عدم وجود الأذى في طبيعة الله كليّ الصلاح كالتالي:

”الله لا يؤذي إذ ليس في طبيعته أذى“.[65]

الخلاص بالأسرار

لا يتفق تعليم الخلاص بالأسرار مع تعليم البدلية العقابية، كما سنرى ذلك في تعليم البدلية العقبية عند چون كالفن، المعبِّر الحقيقيّ والمثاليّ عن نظرية ”البدلية العقابية“. حيث يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أننا عندما ننال سر المعمودية نرتفع من رتبة العبودية إلى البنوة، وبالاشتراك الحقيقيّ في الابن، دُعِينا إلى أن نرتفع إلى كرامة الابن لأننا أخذنا الولادة الجديدة بالروح القدس، ودُعِينا أبناءً لأننا مولودون من الله كالتالي:

”أمَّا الذين بالإيمان بالمسيح يصلون إلى البنوة التي من الله، فإنهم لا يعتمدون لمَّن هو مخلوق، وإنما يعتمدون للثالوث القدوس نفسه، وبواسطة الكلمة كوسيط، الذي اتَّحد بما هو إنسانيّ أي بالجسد، وفي نفس الوقت هو واحدٌ مع الآب بلاهوته، فهذا يجعلنا نرتفع من رتبة العبودية إلى البنوة، وبالاشتراك الحقيقيّ في الابن، دُعِينا إلى أن نرتفع إلى كرامة الابن لأننا أخذنا الولادة الجديدة بالروح القدس، وبالإيمان دُعِينا أبناءً لأننا مولودون من الله. […] فكيف يُقَال عننا – نحن الذين نُولَد في المعمودية – بواسطته، إننا مولودون من الله؟ فإمَّا أن يكون الإنجيليّ كاذبًا، وهو ليس كذلك، وإمَّا أن يكون صادقًا وهو كذلك بالتأكيد، وبذلك يكون الروح القدس هو الله، ومن الله بالطبيعة ونصبح نحن مستحقين بالإيمان بالمسيح أن نكون شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4)، ومولودين من الله، ومدعوين آلهةً، وليس بفضل النعمة فقط وحدها نرتفع إلى المجد الذي فوق طبيعتنا، بل لأنه قد صار لنا الآن سُّكنى الله وإقامته فينا“.[66]

ولكن يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندري على أننا بالإفخارستيا ننال شركة الله بالشركة في جسده الخاص كالتالي:

”فإن المن الرمزيّ لم يعد بعد يخصنا، لأنه ليس بحرف موسى نقتات بعد، بل لنا الخبز الذي من السماء، أي المسيح، يقوتنا إلى حياة أبدية، بواسطة زاد الروح القدس، وكذلك بشركة جسده الخاص، الذي يسكب فينا شركة الله، ويمحو الموت الذي حلَّ بنا من اللعنة القديمة“.[67]

ويتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري عن شركة الطبيعة الإلهية من خلال الاشتراك في البركة أي الإفخارستيا، وهذا لا يتفق مع تعليم البدلية العقابية الحقيقيّ، وليس كما يدَّعي البعض عن عناد وجهل كالتالي:

”حتى إذا ما اشتركوا في البركة التي منه، يصيرون شركاء الطبيعة الإلهية، وبذلك يُستعادون إلى الحياة وعدم الفساد، وتُعاد خلقتهم إلى حالة طبيعتنا الأولى“.[68]

وهكذا يُؤكِّد ق. كيرلس أننا نتناول اللاهوت المتَّحِد بالناسوت، لأن الناسوت لا يمكن أن يهبنا الحياة الأبدية والخلود، وهذا لا يمكن أن يتفق وتعليم البدلية العقابية الذي يرى أن المسيح عُوقِب مرةً واحدةً عن خطايانا بدلاً عنا، وبالتالي، لا يمكن تقديمه على المذبح كبديل عقابيّ في سر الإفخارستيا مرات عديدة على آلاف المذابح على مر العصور كالتالي:

”بسبب الجهل المطبق، فإن بعض الذين كان المسيح المخلص يعلمهم، قد استاءوا من كلماته. إذ أنهم حين سمعوه يقول: الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم (يو ٦: ٥٣)، ظنوا أنهم مدعوون إلى سلوك بربري وحشي، وكأنهم مدعوون إلى الاشتراك في أكل لحم إنسان، وشرب دمه، وأنهم سيضطرون إلى عمل أمور تثير الذعر لمجرد سماعها. لأنهم لم يعرفوا جمال السر، ولا ذلك التدبير البديع جدًا الخاص به. إلى جانب ذلك، فإنهم قد ناقشوا هذا الأمر مع أنفسهم، كيف يمكن للجسد البشري أن يغرس فينا حياة أبدية، كيف يمكن لشيء من نفس طبيعتنا أن يهب خلودًا؟ وإذ يعرف المسيح أفكارهم لأن كل شيء عريان ومكشوف لعينيه (عب ٤: ١٣)، فإنه يشفيهم مرة أخرى […] حتى أنهم متى أدركوا معنى المناقشة، ينصتون إليه، لا كمن ينصت إلى مجرد إنسان عادي فقط، بل يعرفون أخيرًا أنه هو الله الكلمة في الجسد، ويؤمنون أن جسده أيضًا واهب الحياة“.[69]

ويُشِير ق. كيرلس إلى أن المسيح يعطي جسده المتَّحِد بلاهوته في سر الإفخارستيا، وهذا لا يتسق وتعليم البدلية العقابية الذي يدَّعيه البعض عن جهل وعناد إنه موجود في تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ كالتالي:

”وعلينا إذًا، كما يقول المخلص، ألا نعمل للطعام البائد، الذي إذا ما مر إلى الأمعاء، والذي يجعل العقل ينتشي لبرهة وجيزة جدًا بأتفه الملذات، فإنه يتحول إلى نفاية، وسرعان ما يُقذَف خارج البطن مرة أخرى، لكن الطعام الروحي، الذي يسند قلب الإنسان (مز ١٠٤: ١٥)، يحفظ الإنسان إلى حياة أبدية، الذي وعد المسيح أيضًا أن يهبه لنا قائلاً: الذي يعطيكم ابن الإنسان، إذ إنه يتكلم عن جسده المتحد بلاهوته، وبذلك يكون قد ربط كل سر التدبير بالجسد، في ترتيبه الصحيح. لكنه في رأيي يلمح إلى الطعام السري الأكثر روحانيةً، الذي بواسطته نحيا فيه، مُقدَّسين نفسًا وجسدًا، لكننا سوف نراه يتكلم بعلانية أكثر فيما بعد. وعلينا أن نحفظ الحديث لوقته ومكانه المناسبين“.[70]

يُؤكِّد ق. كيرلس على أن طبيعة الجسد وحده لا تهب الحياة، بل باتحاد الكلمة بالجسد، فإنه يصير واهب للحياة بالكلية، وذلك في سياق تأكيده على أننا نتناول اللاهوت المتَّحِد بالناسوت، أي المسيح كله، في سر الإفخارستيا كالتالي:

”لكن حينما تمعنون النظر في سر التجسُّد، وتعرفون مَن هو ذاك الذي حلَّ في هذا الجسد، ستشعرون حتمًا أن الجسد يمكنه أن يهب الحياة، مع أن الجسد في حد ذاته لا يفيد شيئًا البتة إلا إذا أتهمتم الروح الإلهي نفسه – الذي في الجسد – أنه هو أيضًا لا يفيد شيئًا. لأنه إذ اتحد الجسد بالكلمة مُعطِي الحياة، فقد صار واهبًا للحياة كلية، مرتفعًا إلى قوة الطبيعة الأكثر علوًا، دون أن يجبر ذاك الذي لا يمكن إخضاعه بأي حال للتحول إلى طبيعة الجسد الخاصة، برغم أن طبيعة الجسد في حد ذاتها عاجزة عن أن تعطي حياة من ذاتها، ومع هذا فهي تقدر على فعل ذلك، حينما يصير لها الكلمة مُعطِي الحياة، وتكون مفعمة بفاعليته كلها. لأن هذا الجسد هو جسد ذاك الذي هو الحياة بالطبيعة، وليس جسد أي كائن أرضي الذي يُقال عنه حقًا: الجسد فلا يفيد شيئًا“.[71]

يتحدَّث ق. كيرلس أيضًا عن تناول الجسد الذي له في ذاته الكلمة (اللاهوت) الذي هو الحياة بالطبيعة، هذا التعليم يرفضه تعليم البدلية العقابية تمامًا، لأن المسيح مات مرةً واحدةً على الصليب بديلاً عقابيًا عن خطايانا، وبالتالي، لا يمكننا أن نذبحه ونُقدِّمه كبديل عقابيّ مرات ومرات على آلاف المذابح في آلاف القداسات على مر العصور كالتالي:

”لهذا فإن كل مَن يأكل من الجسد المقدَّس الذي للمسيح، فله حياة أبدية، لأن الجسد له في ذاته الكلمة الذي هو الحياة بالطبيعة. لهذا يقول: وأنا أقيمه في اليوم الأخير. وبدلاً من القول: جسدي سوف يقيمه، أي يقيم مَن يأكل هذا الجسد، قد وضع الضمير أنا في عبارة ’أنا أقيمه‘ لا كأنه هو آخر غير جسده الخاص، لأنه بعد الاتحاد لا يمكنه أبدًا أن ينقسم إلى ابنين. لهذا يقول أنا الذي صرت فيه من خلال جسدي الخاص نفسه، أي أنني سوف أقيم في اليوم الأخير، ذاك الذي يأكل جسدي، لأنه كان من المستحيل حقًا أن ذاك الذي هو الحياة بالطبيعة، ألا يقهر الفساد بشكلٍ أكيد، وألا يسود على الموت“.[72]

يُؤكِّد ق. كيرلس أننا بتناولنا للإفخارستيا نستقبل في داخلنا كلمة الآب الذي صار إنسانًا لأجلنا، هذا التعليم لا نجد له محل في تعليم البدلية العقابية، كما نادى به أصحابه، وخاصةً چون كالفن، كما سوف نستعرضه فيما يلي، والذي يحاول البعض دون وعي إلصاقه زورًا وبهتانًا بالقديس كيرلس الإسكندريّ كالتالي:

”لأن كل نعمة وكل موهبة تامة تأتي إلينا من الآب بالابن في الروح القدس. إذًا، فهذا العمل كان نموذجًا لنا لكي نستخدمه في الصلاة التي ينبغي أن تُقدَّم، كلما بدأنا أن نضع أمامه نعمة التقدمة السرية المحيية [أي الإفخارستيا]، وتبعًا لذلك فإننا اعتدنا أن نفعل هذا، لأننا إذ نُقدِّم أولاً تشكراتنا، مقدمين تسابيحنا لله الآب ومعه الابن والروح القدس، فإننا نقترب هكذا من الموائد المقدَّسة مؤمنين أننا ننال حياة وبركة، روحيًا وجسديًا، لأننا نستقبل في داخلنا كلمة الآب الذي صار إنسانًا لأجلنا، والذي هو الحياة ومُعطِي الحياة“.[73]

 

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم جون كالفن

سوف نستعرض في هذا الفصل تعليم الكفارة والفداء والبدلية العقابية في تعليم چون كالفن لعمل مقارنة بين تعليمه وتعليم ق. كيرلس الإسكندريّ عن تدبير الخلاص لنعرف هل هناك تعليم بدلية عقابية عند ق. كيرلس الإسكندريّ، كما يتوهم البعض، ويحاول إيهام الآخرين بذلك؟

مفهوم نظرية البدلية العقابية

سوف نستعرض مفهوم ”البدلية العقابية“ عند چون كالفن مُؤسِّس الكنيسة الكالفنية، وأحد أهم الدعائم التي ترتكز عليها الكنيسة المشيخية المصلِحة في شرحها لعقيدة الكفارة والفداء، ثم سوف نقوم بطرح الاعتراضات على نظرية ”البدلية العقابية“ في منظورها الغربيّ البروتستانتيّ في شرح عمل المسيح الخلاصيّ على الصليب.

يرى چون كالفن أن الخطأة واقعون تحت غضب الله ولعنته حتى يغفر ذنبهم. ولما كان الله قاضيًا بارًا، فهو لا يسمح بكسر شريعته بدون عقاب، بل هو على أهبة الاستعداد للمعاقبة.[74] ولأن الإنسان انفصل عن الله بسبب الخطية، وأصبح وارثًا للدينونة، وتحت لعنة الموت الأبدي، محرومًا من كل رجاء بالخلاص، بعيدًا عن كل بركة من الله، عبدًا للشيطان، أسيرًا تحت نير الخطيئة، مصيره النهائيّ هلاك مروع بدأ يعمل فيه منذ الآن؛ وبينما الإنسان في هذه الحال، شفع المسيح له كمحامٍ، واحتمل في جسده العقاب الذي كانت دينونة الله العادلة تُنذِر بإنزاله بكل الخطاة؛ وطهَّره بدمه من كل الشرور التي جعلته مكروهًا عند الله؛ وهكذا من خلال كفارة المسيح نال رضا الله الآب، وقُبِلَت ذبيحة المسيح المقدَّمة لأجله. وهدَّأ المسيح غضب الله بشفاعته التي بها حلَّ سلام الله على البشر.[75]

يُشِير چون كالفن إلى أنه بمعزل عن مسرة الله لا يقدر المسيح أن يستحق شيئًا. لكن استحقاقه جاء من كونه عُيَّن ليسترضي غضب الله من خلال ذبيحته، وليمحو تعدياتنا بطاعته. باختصار: بقدر ما كان استحقاق المسيح يعتمد على نعمة الله وحدها التي رسمت لنا طريقة الخلاص هذه، فهي تتعارض تمامًا مع كل البرّ البشريّ بقدر ما نعمة الله تتعارض.[76] وهذا يعني أننا نحن الذين ”بالطبيعة أبناء الغضب“ (أف 2: 3) ومُبعدين عنه بسبب الخطيئة، قد نلنا من خلال ذبيحة المسيح التبرير المجاني واسترضينا الله وسكَّنا غضبه.[77] فإنْ كانت نتيجة سفكه دمه هي عدم نسبة خطايانا إلينا، يكون أنه قد تمَّ إرضاء دينونة الله من خلال هذا الثمن.[78] فلو لم يصنع المسيح تكفيرًا عن خطايانا، لما كان قيل إنه أرضى الله عن طريق حمله العقاب الذي خضعنا له.[79] ويُعلِن الرسول بوضوحٍ أن المسيح قد دفع الثمن ليفدينا من عقاب الموت،[80] فالله [الآب] قدَّم ثمن الفداء في موت المسيح، ثم يدعونا إلى الالتجاء إلى دم المسيح، بحيث بعد أن نلنا البرَّ يمكننا أن نقف مطمئنين أمام عرش الله.[81]

مفهوم الترضية وإيفاء العدل الإلهي

يتحدَّث چون كالفن عن عمل المسيح في المصالحة بين الله والإنسان من خلال طاعة الله، وإرضاء عدالة دينونة الله، واحتماله قصاص الخطيئة، وتتجلى بذلك أوضح صور ”البدلية العقابية“ من تقديم جسد المسيح أي جسدنا ثمنًا لإرضاء دينونة الله، ودفع عقوبتنا في هذا الجسد، كالتالي:

”المطلب الثاني لمصالحتنا مع الله هو أن الإنسان الذي ضلَّ بعصيانه، مُطالَب بإصلاح الوضع عن طريق طاعته، وإرضائه عدالة دينونة الله، واحتماله قصاص الخطيئة. لهذا السبب، جاء ربنا كإنسان حقيقي وأخذ طبيعة آدم واسمه، ليأخذ مكان آدم في طاعة الآب، ويُقدِّم جسدنا ثمنًا لإرضاء دينونة الله العادلة، وليدفع في هذا الجسد ذاته العقوبة التي نستحقها نحن“.[82]

يُشِير چون كالفن إلى إرضاء المسيح لغضب الله الآب العادل من خلال تقديم جسده ذبيحةً لمحو ذنبنا كالتالي:

”إنَّ طبيعتنا المشتركة مع المسيح هي الضمان لشركتنا مع ابن الله، وهو إذ لبس طبيعتنا هزم الموت والخطيئة معًا جاعلاً من هذا الانتصار والغلبة ملكًا لنا، وقدَّم الجسد الذي نال منا، ذبيحةً لكي يمحو ذنبنا من خلال كفارته وإرضائه غضب الله العادل“.[83]

يُوضِّح چون كالفن أيضًا ملمح الغضب في ”البدلية العقابية“ وترضية غضب الله بكفارة المسيح قائلاً:

”فيسوع كوسيط طاهر وبلا عيب، يريد من خلال قداسته أن يُصالِحنا مع الله. لكن تمنعنا لعنة العدالة الإلهية من الاقتراب منه، والله بصفته قاضيًا، غاضب علينا. لهذا السبب، لابد من إدخال الكفارة لكي ينال المسيح ككاهن رضا الله من نحونا ويسترضي غضبه. لهذا السبب – بغرض أن يُتمِّم وظيفته – كان عليه أن يتقدَّم بذبيحة“.[84]

يستطرد كالفن أيضًا للحديث عن التبرير المجاني بذبيحة المسيح واسترضاءنا وتسكيننا لغضب الله من خلالها قائلاً:

”وهذا يعني أننا نحن الذين ’بالطبيعة أبناء الغضب‘ (أف٢: ٣) ومُبعَدين عنه بسبب الخطيئة، قد نلنا من خلال ذبيحة المسيح التبرير المجانيّ، واسترضينا الله وسكَّنا غضبه“.[85]

مفهوم الغضب والعقوبة

يستطرد چون كالفن أيضًا شارحًا ملمح العقوبة والغضب، وضرورة بحث الإنسان عن وسائل يسترضي بها غضب الله عليه، وأن الله لا يغفر الخطايا بدون عقاب، وأنه على استعداد دائم للمعاقبة كالتالي:

”لا أحد يغوص في أعماق ذاته، ويتأمل نفسه بجدية من دون أن يشعر بغضب الله عليه، وبأنه يُعادِي الله. ولهذا، يجب أن يسعى بجدية وراء طرق ووسائل يسترضي بها الله، وهذا يتطلب تكفيرًا عن الخطيئة. والضمانة المرجوة هي ضمانة غير عادية، فالخطأة واقعون تحت غضب الله ولعنته حتى يغفر ذنبهم. ولما كان الله قاضيًا عادلاً، فهو لا يسمح بكسر شريعته بدون عقاب، بل هو على أهبة الاستعداد للمعاقبة“.[86]

مفهوم اللعنة

يتحدَّث چون كالفن عن ملمح اللعنة في ”البدلية العقابية“، وكيف تم محو اللعنة بالتكفير عن الإثم من خلال ذبيحة جسد المسيح والتطهير بدمه كالتالي:

”فالبشر كانوا تحت اللعنة إلى الوقت الذي تم فيه التكفير عن إثمهم من خلال الذبيحة (غل٣: ١٠، ١٣) لقد كانوا غرباء عن الله إلى الوقت الذي تصالحوا فيه معه من خلال جسد المسيح (كو١: ٢١- ٢٢) […] فلو لم يكن مُعلنًا بوضوحٍ أن غضب الله وعقابه، والموت الأبديّ هو من نصيبنا، لكان مِن النادر أن نُدرِك كم حياتنا تعيسة بدون رحمة الله […] وبينما هو (الخاطئ) في هذه الحال، شفع المسيح له كمحامٍ، واحتمل في جسده العقاب، الذي كانت دينونة الله العادلة تُنذِر بإنزاله بكل الخطاة، وطهَّره بدمه من كل الشرور التي جعلته مكروهًا عند الله، وهكذا نال من خلال كفارة المسيح رضا الله الآب، وقُبِلت ذبيحة المسيح المقدَّمة لأجله. وهدَّأ المسيح غضب الله بشفاعته التي بها حلَّ سلام الله على البشر“.[87]

حمل المسيح لإنتقام الله العادل

يتحدَّث چون كالفن في سياق فكرة ”المبادلة العقابية“ حيث تتمُّ المبادلة بين المسيح وبيننا ليحمل عنا انتقام الله العادل كالتالي:

”وهكذا تمت تبرئتنا: فالذنب الذي جعلنا مدينين للقصاص نُقِلَ إلى ابن الله (إش٥٣: ١٢)، ويجب أن نتذكر، فوق كل شيء، هذه المبادلة، لئلا نرتجف ونقلق كل حياتنا، كما لو أن انتقام الله العادل، الذي حمله ابن الله، مازال مُتسلِطًا فوق رؤوسنا“.[88]

مفهوم الذبيحة

ويُشِير چون كالفن إلى ذبيحة المسيح كذبيحة تكفيرية قدَّمها المسيح للآب في الموت، لكي يُدمِّر الآب قوة الخطية بنقل لعنة الخطيئة إلى جسد المسيح كالتالي:

”فقد دمَّر الآب قوة الخطيئة عندما نقل لعنة الخطيئة إلى جسد المسيح، من هنا معنى هذا القول: قُدِّمَ المسيح إلى الآب في الموت كذبيحة تكفيرية، بحيث إنه إذ أتمَّ التكفير من خلال ذبيحته، يُمكِننا أن نكف عن الخوف من دينونة الله“.[89]

مفهوم التبرير بالدم

يتحدَّث چون كالفن أيضًا عن التبرير بدم المسيح المسفوك لأجلنا ليغسلنا من فسادنا كالتالي:

”فنحن لا نقدر أن نؤمن بكل يقين أن المسيح هو فداؤنا، وفديتنا، والكفارة عنا، ما لم يكن قد قُدِّمَ كذبيحة […] ولذلك هناك إشارة إلى الدم في كل مرة يبحث الكتاب المقدَّس طريقة الفداء. لكن دم المسيح المسفوك لم يكن تكفيرًا فحسب، بل مغسلة أيضًا ليغسلنا من فسادنا“.[90]

مفهوم العداوة والمصالحة

ويتحدَّث چون كالفن عن طريقة مُصالحتنا مع الله الذي كان يُبغِضنا بسبب الخطية بطاعة المسيح، وتكفيره، وعقابه عنا لنوال استحقاقات فداء المسيح كالتالي:

”إنَّ المسيح بطاعته، نال لنا حقًا النعمة عن استحقاق مع أبيه. […] وأنا أُسلِّم جدلاً بأنه في حال صنع المسيح تكفيرًا لخطايانا، إذ هو دفع العقاب الذي علينا، إذ هو سكَّن غضب الله بطاعته – باختصار إذ هو كإنسان بار تألم لأجل الأشرار – فهو اكتسب الخلاص لنا من خلال بره الذي هو مُساوٍ لاستحقاقه. لكن كما يقول بولس: ’قد صُولِحنا مع الله بموت ابنه‘ (رو٥: ١٠- ١١). لكن لا تحصل المصالحة إلا حيث تسبقها الإساءة. فيكون المعنى كالتالي: الله الذي كان يُبغضِنا بسبب الخطيئة، رضى عنا من خلال موت ابنه، وصار مُؤيِّدًا لنا“.[91]

مفهوم الثمن

يُشِير چون كالفن إلى دم المسيح كثمن إرضاء دينونة الله، والتبرير بالدم، وتسكين غضب الله قائلاً:

”فإنْ كانت نتيجة سفكه دمه هي عدم نسبة خطايانا إلينا، يكون أنه قد تم إرضاء دينونة الله من خلال هذا الثمن […] وهذا يُظهِر بسهولة أن نعمة المسيح تضعف قيمتها كثيرًا ما لم تمنح ذبيحته القوة على التكفير، وتسكين الغضب، وإرضاء الله […] فلو لم يصنع المسيح تكفيرًا عن خطايانا، لما كان قيل إنه أرضى الله عن طريق حمله العقاب الذي خضعنا له“.[92]

ويتحدَّث چون كالفن عن مبدأ ”التعويض“ عن خطايانا بدفع الثمن لله أي دم المسيح كالتالي:

”فالله قدَّم ثمن الفداء في موت المسيح، ثم يدعونا إلى الالتجاء إلى دم المسيح [….] وهذه المقارنة لا تنطبق لو لم يكن هناك تعويض قد تمَّ عن خطايانا بهذا الثمن [….] ما لم يُوضَع عليه العقاب الذي نستحق، لهذا السبب، يُسمِي الرسول الفداء بدم المسيح ’غفران الخطايا‘ […] وقد أشار هناك إلى الجزاء أو التعويض الذي يعفينا من الذنب“.[93]

ويتحدَّث چون كالفن عن الثمن الذي دفعه المسيح بموته كدليل على إرضاء الله كالتالي:

”ولكي يأخذ عنا الدينونة، لم يكن كافيًا بالنسبة إليه أن يموت ميتة عادية، فلكي يدفع ثمن فدائنا كان لابد من اختيار نوع من الموت، يُمكِنه من خلاله أن يُحرِّرنا عن طريق أخذه عنا دينونتنا وحمله ذنبنا. […] لما كان في ذلك الموت دليل إرضاء لله“.[94]

مفهوم التبرير القانوني

يُقَال، بحسب چون كالفن، إنه مُبرَّر في عيني الله، مَن يحسبه الله في حكمه مُبرَّرًا، ومَن قُبِلَ من أجل بره هو. في الحقيقة، لأن الخطيئة رجس في عيني الله، لا يستطيع خاطئ أن يكون مرضيًا عنده ما دام يظل خاطئًا. وأينما كانت الخطيئة ظهر غضب الله ونقمته أيضًا. ويُحسَب مُبرَّرًا مَن لا يُعتبر في حالة خاطئ، بل في حالة إنسان بار، ولهذا السبب، يقف ثابتًا أمام كرسي دينونة الله فيما يسقط جميع الخطاة. فإذَا دُعِيَ إنسان بريء أمام كرسي قضاء قاضٍ مُنصِفٍ، حيث يُقضَى له على أساس براءته، يُقَال إنه ’مُبرَّر‘ أمام القاضي. وهكذا يقف مبرَّرًا أمام الله مَن قد تحرَّر من زمرة الخطاة فيشهد الله لبره ويُؤكِّده. وبالطريقة نفسها، مَن وُجِدت حياته في الطهارة والقداسة التي تستحق أن يُشهد لها بالبر أمام عرش الله، يُقَال إنه مُبرَّر بالأعمال، أو هو مَن بقداسة أفعاله يُرضِي قضاء الله. على العكس، إن مَن لا يفي مقاييس برّ الأعمال، فيتمسك بالبرِّ الذي في المسيح بالإيمان، فيلبسه، فهذا هو مَن لا يبدو في نظر الله كإنسان خاطئ، بل كإنسانٍ بار. فالتبرير هو ببساطة القبول الذي يستقبلنا به الله في رحاب نعمته كأبرار. وإنه يعود إلى محو الخطايا ببرِّ المسيح.[95]

البدلية والعقابية ودحض الإفخارستيا كذبيحة

يرى چون كالفن في سياق تعليم البدلية العقابية أن الإفخارستيا ليست ذبيحة، لأننا بذلك نذبح المسيح عدة مرات في كل مرة نُقدِّم فيها ذبيحة الإفخارستيا على المذابح في القداس، وهذه معضلة تواجه المنادين عن جهل بأن ق. كيرلس الإسكندريّ لديه تعليم البدلية العقابية، حيث يرفض تعليم البدلية العقابية في صورته الصحيحة، وليس كما يدَّعي هؤلاء عن جهل، فكرة تقديم الإفخارستيا كذبيحة لأن المسيح مات مرةً واحدة بديلاً عقابيًا عن الخطأة، وبالتالي لا يمكن تقديمة مرات عديدة على المذابح في القداسات كذبيحة، فلا يحتاج المرء سوى أن يؤمن بعمل المسيح الكفاريّ فقط على الصليب، وبالتالي لا يوجد ضرورة للأسرار في نظام البدلية العقابية، وهذا عكس ما يُعلِّم به ق. كيرلس الإسكندريّ، الذي يرى ضرورة الإفخارستيا كسر الاتحاد بين الله والإنسان من أجل التقديس ونوال الحياة الأبدية والتألُّه، وهذا إنْ دل يدل على جهل هؤلاء بمعنى تعليم البدلية العقابية ومخاطره على إنكار الأسرار الكنسية برمتها. حيث يقول چون كالفن التالي:

”فهكذا أيضًا أكَّد الرب بموته العهد الذي وهن لنا به مغفرة الخطايا والبرّ الأبديّ (عب 9: 15-17). فكل مَن يُغيِّر أو يضيف شيئًا جديدًا إلى وصية هذه التركة، يُنكِر موته ويُبطِل فاعليتها. وما القداس سوى وصية جديدة مختلفة تمام الاختلاف؟ لماذا؟ ألا تُعدَّ القداديس الفردية مغفرة جديدة للخطايا، وحصولاً جديدًا على البرّ، بحيث يوجد الآن العديد من العهود الجديدة بقدر عدد القداديس؟ لذلك، دع المسيح يأتي ثانيةً، وبموتٍ جديدٍ دعه يُصادِق على هذا العهد الجديد؛ أو بالحري بموتٍ متعدِّدٍ وبعهودٍ جديدةٍ لقداديس لا تُحصَى دعه يجيء. ألم أقل الحق في بداية الأمر، أن موت المسيح الفريد والحقيقيّ تمحوه القداديس؟ ماذا إنْ كان منطق القداس يقود مباشرةً إلى أن يُذبَح المسيح مرةً أخرى (بل مرات)، إنْ أمكن ذلك؟ لأنه حيث توجد وصية (يقول الرسول) يلزم بيان موت الموصِي (عب 9: 16). يعرض القداس وصية جديدة للمسيح؛ ومن ثمَّ، يقتضي موته. فضلاً عن ذلك، يلزم أن تُذبَح الذبيحة التي تُقدَّم. فإنْ كان المسيح يُذبَح كلما أُقيم قداس، فمن المحتم أنه يُذبَح بوحشيةٍ في ألف مكان في كل لحظة“.[96]

 

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثالث: البدلية العقابية في إقرارات الإيمان البروتستانتية

تجدر الإشارة إلى إقرارات الإيمان البروتستانتية التي توضح أيضًا مفهوم البدلية العقابية الذي شرحه چون كالفن، كما عرضناه سابقًا، وهذا لنرى أنه شتان بين تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ عن تدبير الخلاص بالتأله والانجماع الكليّ في المسيح، وبين نظرية الإبدال العقابيّ في اللاهوت الغربيّ البروتستانتيّ، الذي يحاول البعض إلصاقها عن جهل ودون وعي بتعليم ق. كيرلس الإسكندريّ.

يتحدَّث إقرار إيمان الكنيسة اللوثرية، المعروف بـ ”إقرار إيمان أوجسبرج 1531م“، في سياق نظرية البدلية العقابية، وذلك في المادة الثالثة، أن المسيح لم يمت كفارةً عن الخطية الأصلية فقط، بل كفارةً لكل الخطايا، وهو بذلك يُصالِحنا مع الآب.[97]

وتتجلى أقوى معاني البدلية العقابية في إقرار الإيمان البلچيكيّ 1561م، حيث يتحدَّث في المادة التاسعة عشر عن أن الله أظهر عدله ورحمته في المسيح، فأظهر عدله ضد ابنه عندما حمل خطايانا، وسكب رحمته علينا في محبته، إذ أعطانا ابنه حتى الموت لأجلنا لننال به الخلود والحياة الأبدية. ويستطرد في نفس السياق، وذلك في المادة العشرين، أن الله يُظهِر عدله ورحمته في المسيح، فيقول التالي: إن الله الذي هو رحوم تمامًا وعادل تمامًا أرسل ابنه ليأخذ الطبيعة التي اقتُرِفَت فيها عدم الطاعة ليُقدِّم إرضاءً عن عقاب الخطية بآلامه وموته، وبذلك أظهر عدله ضد ابنه، إذ وضع عليه خطايانا، وسكب رحمته وصلاحه علينا. فمات ابنه لأجلنا وقام لتبريرنا لننال به الخلود والحياة الأبدية.[98]

ويتحدَّث كاتشيزم هيدلبرج عام 1563م عن الفداء من السؤال الأول إلى السؤال الحادي والعشرين، فيُبرِز قوتين: العدل والرحمة. عدل الله يُعاقِب ورحمة الله التي تغفر. وهذه هي صورة الله التي نجدها في الفكر اللاهوتيّ في الكنيسة الكاثوليكية والكنائس البروتستانتة على السواء، وكأنَّ هناك تعارُّض في طبيعة الله. إن كلمة ”برّ“ التي جاءت في العهد القديم فُهِمَت بمعنى ”عدل“، أي إعطاء كل ذي حق حقه بالضبط، كصورة إلهة العدل التي يُصوِّرونها أمام المحاكم معصوبة العينين وتحمل كفتي ميزان! إلا أن برّ الله كما يُقدِّمه لنا الكتاب المقدَّس فيه جانب شخصيّ لا يخضع للمنطق البشريّ.[99]

ونعرض الإجابات على أسئلة الكاتشيزم، ليظهر مفهوم البدلية العقابية كالتالي:

”يستلزم الله تحقيق عدله، ولذلك يتوجب علينا أن نُسدِّد الثمن كاملاً، إمَّا بأنفسنا أو بواسطة آخر. […] لن يُعاقِب الله أي مخلوق آخر بسبب الخطية التي اقترفها الإنسان، وعلاوة على ذلك، لا يمكن لمجرَّد مخلوق أن يتحمَّل وطأة غضب الله الأبديّ على الخطية حتى يُخلِّص الآخرين منه. ما شكل الوسيط والمخلِّص إذًا الذي يجب أن نبحث عنه؟ يجب أن يكون إنسانًا حقًا وبارًا تمامًا، ومع ذلك، يجب أن يكون أقدر من جميع المخلوقات؛ أي يجب أن يكون أيضًا إلهًا حقًا. لماذا يجب أن يكون إنسانًا حقًا وأيضًا بارًا تمامًا؟ لأن عدل الله يتطلب أن نفس الطبيعة البشرية التي ارتكبت الخطية، ينبغي كذلك أن تُسدِّد ثمن الخطية؛ والشخص الذي هو نفسه خاطئ لا يستطيع أن يُسدِّد الثمن عن الآخرين. لماذا يجب أن يكون أيضًا في نفس الشخص إلهًا حقًا؟ لكي يقدر بقوة ألوهيته أن يتحمل بطبيعته البشرية وطأة غضب الله، وأن يحصل من أجلنا على البرّ والحياة ويستعيدهم لنا. مَنْ هو، إذًا، ذلك الوسيط الذي هو في شخصٍ واحدٍ إلهٌ حقًا وإنسانٌ بارٌ حقًا؟ إنه ربّنا يسوع المسيح الذي صار لنا حكمةً من الله وبرًا وقداسةً وفداءً“.[100]

ونرى ملمح ترضية العدل الإلهيّ بذبيحة الابن في إقرار إيمان وستمنسر 1646م، فيُشِير في المادة الثامنة إلى التالي:

”أن الربَّ يسوع بواسطة طاعته الكاملة، وذبيحة نفسه، الذي بروحٍ أزليّ، قدَّمها لله مرةً، وقد أرضى تمامًا عدل أبيه، واشترى ليس فقط المصالحة، بل ميراثًا في ملكوت السموات، لأجل كل الذين قد أعطاهم له الآب“.[101]

 

 

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على نظرية البدلية العقابية في اللاهوت الغربي

نستعرض الآن أهم الانتقادات والاعتراضات الموجَّهة لنظرية ”الإبدال العقابيّ“ في شرح عمل المسيح على الصليب كالتالي:

(1) نجد في ملمح الغضب في سياق ”الإبدال العقابيّ“، تحويل أقانيم الثالوث إلى الآب الساحق والابن المسحوق، أو إلى الآب الغاضب والابن المغضوب عليه، الذي يُسكِّن غضب الآب ويُهدئ من غضبه، وهذا يُعتبر فصل بين أقنومي الآب والابن في جوهر الثالوث الواحد، وهذه هي الهرطقة الآريوسية عينها.

(2) لا نجد أيّ دور لأقنوم الروح القدس في عملية الترضية، والتعويض، والعقوبة، ودفع الثمن. تلك الأمور التي قدَّمها الابن للآب، ولا وجود ولا حضور جلي لأقنوم الروح القدس في تلك الأمور، مما يؤدي إلى التقليل من شأن أقنومية الروح القدس، وهذه هي الهرطقة الأفنومية والمقدونية.

(3) إخضاع الله لقوانين وشروط مُلزِمة له في عملية قبول الثمن والتعويض، وضرورة قبول الترضية لأجلنا. وحاشا لله أن يخضع لمثل هذه القوانين والشروط. فالله غير المحدود، وخالق الكل، وواضع النواميس، كيف يمكن إخضاعه لقوانين ونواميس؟ حاشا.

(4) تقديم صور مُشوَّهة وثنية صنمية عن الله تُظهِره أنه إله غاضب على البشر، ويكرههم، ويبغضهم بسبب خطاياهم، رغم أنه لا توجد مثل هذه المشاعر والأهواء في جوهر الله، فهل الغضب صفة من صفات الجوهر الإلهي؟ وتُظهِر ”البدلية العقابية“ الله إنه يحتاج مَنْ يُهدئه ويُسكِّن غضبه، ويجعله يعود يحب البشر مرةً أخرى بعدما أبغضهم بسبب خطاياهم!

(5) كيف يمكن نقل جميع ذنوب البشر إلى جسد المسيح، بالرغم من أنه القدوس بلا خطية، وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، بل بالحري أتَّخذ المسيح جسدًا مائتًا لكي يهبه الحياة الأبدية بحياته، وموته، وقيامته، وصعوده، وجلوسه عن يمين الآب، وليس بمُجرَّد حمل الخطايا في جسده الطاهر من الخطية ليُعاقَب بها في جسده لأجلنا كما يتحدَّث منظرو ”البدلية العقابية“.

(6) تلغي ”البدلية العقابية“ مفاعيل الأسرار الكنسية الخلاصية كالمعمودية، والميرون، والتناول، لأنه بحسب ”البدلية العقابية“ تم إيفاء الدَّين ودفع الثمن بموت المسيح، فما الحاجة لأن نموت مرةً أخرى، ونُدفَن، ونقوم في المعمودية، بعدما مات المسيح عنا مرةً واحدةً. ولماذا نُمارِس القداسات ونُكرِّر ذبيحة وصلب وعقاب المسيح مرات ومرات على المذابح، طالما تمَّ العقاب والترضية والإيفاء على الصليب، فلا حاجة لمثل هذه الطقوس في سياق نظرية ”البدلية العقابية“ ومفاهيمها وشروحاتها. البدلية العقابية باختصار تدحض وتلغي أسرار الكنيسة.

(7) تُشرِّع، وتُكرِّس، وتُحرِّض ”البدلية العقابية“ على العنف، والتعذيب، والعقاب، والتشفي، وإرضاء الذات، فطالما الله يُعاقِب ابنه لأجل البشر، ويُنزِل جام غضبه على الابن لأجلنا، ويُنزِل العقاب عليه لأجلنا، فهذا خير مُرشِد ودليل لنا لتقليد الله ومحاكاته بإنزال العنف والعقاب والغضب على أبنائنا أيضًا. صور مُشوَّهة، ووثنية، وعنيفة، عن الله الصالح مُحِب البشر.

(8) تُؤدِي البدلية العقابية إلى صراع الصفات داخل الجوهر الإلهيّ الواحد، ما بين محبته ورحمته، وعدله وقصاصه من البشر الخطاة العصاة، وهكذا تُحدِث ”البدلية العقابية“ انقسام وانفصام داخل الجوهر الإلهيّ بين صفتي العدل والرحمة، وإلى تقسيم الله إلى إله غاضب وقاسي ومُنتقِم وكاره، وإله مُحِب وصالح ورحيم ورؤوف، وهذه هي الهرطقة الغنوصية والمانوية عينها. وهذا لا يليق بالله، وحاشا أن يوجد داخل الجوهر الإلهيّ. بل تجعل البدلية العقابية من الآب هو العدل، والابن هو الرحمة، والروح القدس هو التقديس، ويؤدي هذا إلى انقسام داخل جوهر الثالوث القدوس.

(9) تُركِّز نظرية البدلية العقابية على موت المسيح، ولا تُعطِي أية أهمية لقيمة وتأثير قيامة المسيح، وهذا يُمثِّل عدم اكتمال في إدراكنا لموت المسيح على الصليب. حيث تسلط البدلية العقابية الضوء على موت المسيح على الصليب كأكبر حدث للخلاص، وهكذا يطغى على كل شيء آخر، فكل شيء تحقَّق بموت المسيح فقط دون غيره.

(10) ترى نظرية البدلية العقابية أن المشكلة في الله ونظرة الله للإنسان، لأن الفداء صار علاجًا لإرضاء كرامة الله المهدرة، وليس علاجًا للإنسان، رغم أن المشكلة هي مشكلة الإنسان في الأساس، والله يُساعِده في حل هذه المشكلة. فترضية الله نفسه ومحو الإهانة والتعدي عليه بالخطية، وبالتالي رد الكرامة إليه، ينفي المحبة الإلهية والجود الإلهيّ، لأنه صارت غاية الكفارة والفداء هي إرضاء الله ورد كرامته المجروحة والمعتدَى عليها من قِبَل الإنسان.

(11) لو مات المسيح لإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، وإنْ كان قضاء الموت على آدم هو قضاء أبديّ، فينبغي أن يبقى المسيح إلى الأبد في قبضة الموت، وهذا لم يحدث، بل المسيح وطئ الموت بالموت، وقضى على سلطانه إلى الأبد.

(12) تأليه الخطية، حيث ينسب المنادين بنظرية البدلية العقابية صفة عدم المحدودية الحصرية والخاصة بالله إلى الخطية، ويقولون إن خطية الإنسان غير محدودة، ونسوا أن الله فقط غير المحدود، وهكذا يجعلون من الخطية إلهًا ثانيًا.

(13) ينبغي أن يدفع الابن للآب الثمن أو الدَّين في سياق نظرية البدلية العقابية وإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، على الرغم من أن الآب لا يحتاج لمَّن يدفع له شيئًا، لأن الآب والابن والروح القدس جوهر واحد وطبيعة واحدة ومشيئة واحدة. كما أن الابن هو فوق الكل وغير قابل للمقايضة بالخطأة بحسب نظرية الإبدال العقابيّ.

(14) إهمال الجانب القانونيّ في شرح الفداء والكفارة لأهمية الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح من أجل تجديد الطبيعة البشرية وتحريرها من سلطان الفساد والموت، وذلك باتحاد الحياة بالطبيعة البشرية لإبادة الفساد والموت، كل هذا يغيب عن نظرية البدلية العقابية والجانب القضائيّ في شرح الفداء.

(15) تُصوِّر البدلية العقابية الابن أعظم من الآب الغاضب، لأن الابن يحتمل ويصبر على ما لا يستطيع الآب احتماله والصبر عليه، وهكذا يصبح الابن أكثر هدوءًا وثباتًا وقوةً من الآب، لأن الابن استطاع بقوته أن يحلَّ مشكلة الموت والخطية والعقوبة، التي عجز الآب عن حلها، حاشا!

[1] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 12)، ص 128.

[2] المرجع السابق، تعليق على (يو 1: 9)، ص 106.

[3] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١١)، ٢٨: ١١، ص ٣٩٦.

[4] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 14)، ص 134.

[5] كيرلس الإسكندري (قديس)، مقتطفات من تعليقات على رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: القس بولا رأفت عزيز، (القاهرة، 2023)، تعليق على (رو 6: 6)، ص 46.

[6] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١: ٩، تعليق على (يو ١: ١٤)، ص 133.

[7] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 469.

[8] المرجع السابق، ص 75.

[9] المرجع السابق، ص 150.

[10] المرجع السابق، ص 212.

[11] المرجع السابق، ص 215.

[12] المرجع السابق، ص 321.

[13] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 557.

[14] المرجع السابق، ص 163.

[15] المرجع السابق، ص 153.

[16] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلاڨيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة 2، ص 161.

[17] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير انجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١٠: ٢، تعليق على (يو15: 1)، ص 259.

[18] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 2: 3: 4، ص 218، 219.

[19] المرجع السابق، 6: 1، تعليق على يو 9: 2، 3، ص 657، 658.

[20] كيرلس الإسكندري (قديس)، ضد الذين يتصورون أن لله هيئة بشرية، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، الفصل 1، ص 50.

[21] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، مقالة 6، ص 243، 244.

[22] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 76.

[23] المرجع السابق، ص 333.

[24] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، 11: 6، ص 138، 139.

[25] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الأول، ص 16.

[26] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 427.

[27] المرجع السابق، الحوار الثاني، ص 70.

[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 108.

[29] المرجع السابق، ص 428.

[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر هوشع، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، تعليق على (هو 2: 7)، ص 79.

[31] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 658.

[32] المرجع السابق، ص 459.

[33] المرجع السابق، ص 374.

[34] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة الأولى، ص 46، 47.

[35] المرجع السابق، المقالة العاشرة، ص 424.

[36] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص ِ533.

[37] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة الثالثة، ص 143.

[38] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول تأنس الابن الوحيد، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2012)، الفصل 8، ص 103.

[39] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة العاشرة، ص 414.

[40] المرجع السابق، ص 427، 428.

[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول تأنس الابن الوحيد، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2012)، الفصل 7، ص 77.

[42] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج ٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو ١٨: ٧- ٩)، ص ٤٢٥.

[43] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 4: 2، تعليق على (يو6: 51)، ص 403.

[44] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة التوضيحية الثانية، ص 209، 210.

[45] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ١٥٣، ص ٧٥٠.

[46] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر يونان، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، تعليق على (يون ٤: ١٠- ١١)، ص ٤٧.

[47] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، الرسالة التوضيحية الأولى، ص ١٦٢.

[48] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر زكريا، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الفصل ٧٣، تعليق على (زك ١٠: ١٠)، ص ١٥٢.

[49] المرجع السابق، الفصل ٢، تعليق على (زك ١: ١- ٢)، ص ١٨.

[50] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦٣.

[51] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير سفر هوشع، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، تعليق على (هو ١٣: ١٤)، ص ٣١٤، ٣١٥.

[52] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر الخروج، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، المقالة ٢، ص ١٦١، ١٦٢.

[53] المرجع السابق، ص ١٦٥، ١٦٦.

[54] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٣، ص ٤٦.

[55] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة السابعة، ص 288.

[56] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة التوضيحية الأولى، ص ١٠٨.

[57] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة الثالثة، ص 140، 141.

[58] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 29)، ص 153.

[59] كيرلس الإسكندري (قديس)، الرسائل الفصحية الخمسة الأولى، ترجمة: د. ميشيل بديع عبد الملك، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021)، الرسالة 5: 4، ص 125.

[60] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 287.

[61] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، مقالة 6، ص 254.

[62] المرجع السابق، مقالة 8، ص 339.

[63] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج 2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 99.

[64] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 396.

[65] المرجع السابق، ص 116.

[66] المرجع السابق، ص 130.

[67] المرجع السابق، 3: 6، تعليق على (يو6: 35)، ص 370.

[68] المرجع السابق، ص 374.

[69] المرجع السابق، ص 426، 427.

[70] المرجع السابق، ص 346.

[71] المرجع السابق، ص 427، 428.

[72] المرجع السابق، ص 413، 414.

[73] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ١٤٢، ص ٦٨٩، ٦٩٠.

[74] چون كالفن، أسس الإيمان المسيحي مج1، ترجمة مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2018)، 2: 16، ص 469.

[75] المرجع السابق، ص 469، 470.

[76] المرجع السابق، 2: 17، ص 491.

[77] المرجع السابق، ص 492.

[78] المرجع السابق، ص 492، 493.

[79] المرجع السابق، ص 493.

[80] المرجع السابق.

[81] المرجع السابق، ص 493، 494.

[82] المرجع السابق، ٢: ١٢: ٣، ص 436.

[83] المرجع السابق.

[84] المرجع السابق ٢: ١٥: ٦، ص 466.

[85] المرجع السابق ٢: ١٧: ٢، ص 492.

[86] المرجع السابق ٢: ١٦: ١، ص 468.

[87] المرجع السابق ٢: ١٦: ٢، ص 469.

[88] المرجع السابق ٢: ١٦: ٥، ص 473.

[89] المرجع السابق ٢: ١٦: ٦، ص 474.

[90] المرجع السابق.

[91] المرجع السابق ٢: ١٧: ٣، ص 492.

[92] المرجع السابق ٢: ١٧: ٤، ص 493.

[93] المرجع السابق ٢: ١٧: ٥، ص 494.

[94] المرجع السابق ٢: ١٦: ٥، ص 473.

[95] چون كالفن، أسس الدين المسيحي مج2، ترجمة مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2018)، 3: 11، ص 678.

[96] المرجع السابق، ص 1338، 1339.

[97] عبد المسيح اسطفانوس (دكتور)، قوانين الإيمان وإقرارته: دورها وتأثيرها في الكنيسة، (القاهرة: دار الثقافة، 2017)، ص 111.

[98] المرجع السابق، 138.

[99] المرجع السابق، ص 142، 143.

[100] دليل أسئلة وأجوبة هيدلبرج (نسخة إليكترونية)، (خدمات موقع ليجونير، 2021)، القسم الثاني، الأسئلة 12-18، ص 4. يمكن الرجوع إلى الموقع الإليكتروني

https://ar.ligonier.org

[101] إقرار إيمان وستمنستر (نسخة إليكترونية)، (فلوريدا: موقع خدمات الألفية الثالثة، 2016)، الفصل 8: 5، ص 32. يمكن الرجوع إلى الموقع الإليكتروني

http://arabic.thirdmill.org

 

تدبير الخلاص بين ق. كيرلس الإسكندري وجون كالفن – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ابريل 2024م

 

 

الفهرست

مقدمة. 1

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس الرسولي. 5

خلاص الإنسان بالتأله. 5

الخلاص بتألهنا عن طريق تأله ناسوت المسيح. 7

الخلاص بالأسرار والتأله. 8

الانجماع الكلي للبشرية في المسيح. 9

مفهوم العدالة الإلهية. 10

مفهوم الفدية. 10

مفهوم الدين. 12

مفهوم اللعنة. 14

مفهوم العداوة 15

دحض نظرية البدلية العقابية. 15

وجودنا الكياني في المسيح أثناء الخلاص… 16

مفهوم التبرير والتقديس.. 16

الخلاص بتأليه البشرية. 21

مفهوم التبرير بالدم 21

التقديس باتحاد الطبيعتين في المسيح. 22

دحض نظرية الإبدال العقابي. 23

مفهوم المصالحة. 24

إعادة خلق الطبيعة البشرية في المسيح. 25

الاتحاد بالآب في المسيح. 27

المبادلة الخلاصية الشفائية وليس العقابية. 28

مفهوم التقدمة. 30

مفهوم الذبيحة. 32

المبادلة الخلاصية وليس العقابية. 34

هدف التجسد هو إبادة الموت.. 35

تجديد الإنسان بنعمة الروح القدس.. 36

انجماع البشرية في المسيح. 36

موت المسيح هو موت جميع البشر. 37

تمجيد البشرية في المسيح. 39

جسد الكلمة هو جسدنا نحن. 41

انجماع البشرية في المسيح. 41

تقديس الأشياء بالروح القدس.. 42

تقديس جسدنا بجسد المسيح. 43

الخلاص بتأليه البشر. 44

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم أنسلم الكانتربري.. 46

الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته. 47

لا يوجد غفران بدون عقوبة. 47

مبدأ إيفاء العدل الإلهي. 48

توضيح نظرية الترضية لأنسلم 49

نقد نظرية الترضية لأنسلم 55

الفصل الثالث: الدراسات الحديثة حول تدبير الخلاص بين الشرق والغرب.. 58

نورمان راسل. 58

توماس تورانس.. 59

خالد أناطوليوس.. 63

جوهانس رولدانوس.. 64

لويس بيركهوف.. 64

ستيفن هولمز. 66

جون كيلي. 68

لورانس جرينستيد 69

هستنجس راشدال. 69

جوناثان هيل. 70

أليستر ماجراث.. 71

كاليستوس وير. 72

فلاديمير لوسكي. 73

جورج فلورفسكي. 74

فالتر كاسبر. 75

جوهانس كواستن. 76

كاثرين ساندرجير. 77

توماس ويناندي.. 78

جوستاف ألين. 78

المطران كيرلس بسترس وآخرون. 79

عبد المسيح اسطفانوس.. 80

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على البدلية العقابية في اللاهوت الغربي. 84

 

 

مقدمة

سوف نحاول في هذا البحث الموجز توضيح نقاط الاختلاف بين تعليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص، وبين تعليم أنسلم رئيس أساقفة كانتربري بانجلترا في القرن الحادي عشر عن الكفارة والفداء، وابتكاره لنظرية ”الترضية“ التي سادت العصر الوسيط في أوروبا، وتسلَّلت إلى كنائسنا في غفلة من الزمن، وذلك للرد على الذين يعتنقون فكرة وجود نظرية البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس الرسوليّ، لاهوتيّ التألُّه والانجماع الكليّ في المسيح، حيث يعتقدون أنهم عندما يجدون كلمات مثل: بدلاً عنا، عوضًا عنا، نيابةً عنا، فدية، ثمن، كفارة، دَّين، ذبيحة لعنة، حكم، وغيرها من المصطلحات القانونية، إنه يوجد بذلك تعليم بدلية عقابية عند ق. أثناسيوس، وهذا ضرب من الوهم والخيال.

فالدراس الحقيقيّ الموضوعيّ لتعاليم ق. أثناسيوس حول تدبير الخلاص، يجد أن تعاليمه الخلاصية تتمحور حول تأليه الطبيعة البشرية عن طريق اتحادها بأقنوم الكلمة في المسيح يسوع ربنا، وتبتعد كل البعد عن نظرية الترضية، أو مصالحة العدل مع الرحمة على الصليب، أو إيفاء العدل الإلهيّ، أو ترضية كرامة الله المهدرة بسبب خطية البشرية غير المحدودة، وغيرها من الأفكار في لاهوت العصر الوسيط التي أنتشرت في أوروبا لقرونٍ عديدةٍ، وسبَّبت العديد من المجادلات والمجامع لعلاج المشاكل الناجمة عن هذه التعاليم الخطيرة البعيدة كل البعد عن التعليم الآبائيّ الشرقيّ الأرثوذكسيّ، الذي يُمثِّله في هذا البحث، ق. أثناسيوس العظيم، مُعلِّم المسكونة.

سنحاول في هذا البحث الموجز استعراض أهم ملامح ومفاهيم تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس، ومقارنتها بنلامح ومفاهيم نظرية الترضية والبدلية العقابية في تعليم أنسلم الكانتربري لإبرارز نقاط الاختلاف الشديدة والواضحة بين التعليمين، وردًا على محاولات البعض عن جهل ودون دراسة وعلم ووعي بالدراسات الأكاديمية إلصاق تعليم البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس الرسوليّ.

أود التنويه إلى أن البعض يدَّعي أننا نُقدِّم تعليم غربيّ أكاديميّ غير أرثوذكسيّ، ويبدو أنهم نسوا أو تناسوا أو نغافلوا عن أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أكثر كنيسة استفادت من الإسهامات الغربية الأكاديمية الحديثة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: ترجمة كرنيليوس قاندياك البروتستانتية الغربية مع البستانيّ، وهي الترجمة المعتمدة حاليًا في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وهناك أيضًا مجلدات كتابات آباء ما قبل نيقية ونيقية وما بعد نيقية التي يتهافت الباحثين الأقباط وغيرهم من المترجمين حاليًا على ترجمتها والاقتباس منها بكل اريحية وثقة، وهي في الأساس منتج بروتستانتيّ غربيّ صرف، فالمحرِّر لهذه المجلدات هو فيليب شاف مؤرخ وأستاذ لاهوت بروتستانتيّ، وفريقه من المترجمين لمجموعة المجلدات والمحرِّرين المساعدين أغلبهم بروتستانت غير أرثوذكس، سأكتفي بهذين المثالين، رغم أن الأمثلة كثيرة جدًا، ولكن حتى لا أطيل على القارئ، سأكتفي بذلك. فالذي يُغفِل الإسهام الأكاديميّ الغربيّ غير الأرثوذكسيّ في العالم المسيحيّ، فهو إمَّا جاهل أو شعبويّ أو مُنافِق أو مُخادِع أو مُدلِّس أو ناكر الجميل والمعروف، وسامحوني في هذه الألفاظ، لأنه كم الخداع والتضليل والتدليس والتجهيل والتغييب وصل لدرجاتٍ غير مسبوقة، نصلي إلى الله أن يغير النفوس، وينير العيون والقلوب لمجد اسمه القدوس.

أود التنويه أيضًا إلى أن النصوص المذكورة في هذا البحث الموجز، سواء للقديس أثناسيوس الرسوليّ أو أنسلم الكانتربريّ، هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من النصوص الأخرى التي تخدم هدف البحث، كما ذكرنا أعلاه، ولكننا أكتفينا بهذه النصوص لتوضيح الفكرة والهدف من البحث للقارئ العزيز.

وأخيرًا، أصلي إلى الله أن يمون هذا البحث سبب بركة ونعمة في حياة الكثيرين، بصلوات وشفاعات القديسة العذراء مريم والدة الإله، وصلوات وشفاعات الآباء القديسين مُعلِّمي الكنيسة العظام الذين أثروا العالم بتعاليمهم الغنية والعميقة.

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس الرسولي

سوف نتتبع في هذ الفصل ملامح ومفاهيم تدبير الخلاص في تعليم القديس أثناسيوس، وذلك لمقارنتها بين تعليم أنسلم الكانتربريّ، وذلك لتوضيح نقاط الاختلاف الشديدة بين مفهوم ق. أثناسيوس للخلاص ومفهوم أنسلم للترضية والكفارة، الذي يؤمن به البعض في أيامنا هذه ويُدافِع عنه وكأنه تعليم آبائيّ أرثوذكسيّ سليم، رغم أنه تعليم معيب وغير أرثوذكسيّ تركه أصحابه وانتقدوه، ولكن يتشبث به الجهلاء في عصرنا هذا عن دون دراية ووعي ودراسة لتاريخ تطوُّر شرح العقيدة المسيحية عبر العصور.

خلاص الإنسان بالتأله

يقول ق. أثناسيوس عبارته التبادلية الشهيرة التي تُوضِّح عقيدة التألُّه بالنعمة، لكي يؤكد أن المسيح قد تجسَّد من أجل أن يؤلهنا، وبالتالي، الخلاص في فكر ق. أثناسيوس هو من خلال تأليه الإنسان كالتالي:

”ﻷن كلمة الله صار انسانًا لكي يُؤلِّهنا نحن“.[1]

ويتحدَّث ق. أثناسيوس أيضًا عن عقيدة التألُّه بالنعمة، وتألُّه ناسوت المسيح الذي صار طريقًا نحو تأليه أجسادنا أيضًا قائلاً:

”فإن اللوغوس لم يحط قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالحري فإن الجسد الذي لبسه قد تألَّه، بل وأكثر من ذلك فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجةٍ أكثر“.[2]

يشير ق. أثناسيوس إلى أننا بشركتنا في الروح القدس نصير شركاء الطبيعة الإلهية، وبالتالي يُثبِت عقيدة ألوهية الروح القدس مُستخدِمًا عقيدة التألُّه بالنعمة، حيث يرى أنه إذَا كان الروح القدس مخلوقًا، فكيف يُؤلِّهنا نحن البشر بالنعمة كالتالي:

”ولكن إنْ كُنا بالاشتراك في الروح نصير شركاء الطبيعة الالهية، فإنه يكون من الجنون أن نقول إن الروح من طبيعة المخلوقات، وليس من طبيعة الله، وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه يتألَّهون، وإنْ كان [الروح القدس] يُؤلِّه البشر فلا ينبغي أن يشك في أن طبيعته هي طبيعة إلهية“.[3]

وهكذا يُؤكِّد ق. أثناسيوس هنا أن مَنْ يُشكِّك في تأليه الروح القدس للبشر بالنعمة هو كمَّن يُشكِّك في ألوهية الروح القدس ويدعوه جنونًا.

يدحض ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية ويشير إلى أن الكلمة صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته، وهكذا نقل المسيح في نفسه جنسنا نحن البشر الضالين لكي نصبح نسلاً مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية، ولم يقل مات بديلاً عقابيًا عن البشر، بل نقل البشر في نفسه لكي يتألهوا بمشاركة طبيعته الإلهية، مما يؤكد على أن مفهوم الخلاص عند ق. أثناسيوس هو من خلال تأليه الإنسان كالتالي:

”لأنه قد صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته. وقد صار جسدًا من امرأةٍ ووُلِدَ من عذراء كي ينقل إلى نفسه جنسنا نحن البشر الذين ضلَّلنا، ولكي نصبح بذلك جنسًا مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4) كما كتب بطرس المطوَّب“.[4]

ويرى ق. أثناسيوس أن كل الأشياء التي تألم بها جسد الكلمة البشريّ كان الكلمة الذي سكن الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع أن نشترك نحن البشر في لاهو الكلمة، لا يوجد مكان هنا للبدلية العقابية، بل اشتراك البشرية المتَّحِدة بالكلمة في لاهوته، لا يوجد مكان هنا لإنزال عقوبة الموت على الكلمة الذي سكن الجسد، بل توجد شركة للبشرية في لاهوت الكلمة كالتالي:

”لأن تلك الأشياء التي كان يتألم منها جسد الكلمة البشريّ، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة“.[5]

الخلاص بتألهنا عن طريق تأله ناسوت المسيح

يُؤكِّد ق. أثناسيوس الرسوليّ على تألُّه ناسوت المسيح كوسيلة لتألُّه أجسادنا، ويُؤكِّد أيضًا على تبادل الخواص أو الصفات أو الأسماء في المسيح كالتالي:

”بل كُتِبَت هذه العبارة عنه بسببنا ولأجلنا. لأنه كما مات المسيح ثم رُفِعَ كإنسان، فبالمثل قيل عنه إنه أخذ كإنسان ما كان له دائمًا كإله، وذلك لكي تصل إلينا عطية مثل هذه النعمة، فإن اللوغوس لم يحط من قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالأحرى فإن الجسد الذي لبسه قد تألَّه، بل وأكثر من ذلك، فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجة أكثر“.[6]

ويُكرِّر ق. أثناسيوس نفس الحديث عن تألُّه ناسوت المسيح في موضع آخر كالتالي:

”لأنه حينما صار إنسانًا، لم يكف عن أن يكون الله، ولا بسبب كونه الله يتجنب ما هو خاص بالإنسان، حاشا بل بالحري، إذ هو الله فقد أخذ الجسد لنفسه، وبوجوده في الجسد، فإنه يُؤلِّه الجسد“.[7]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس أيضًا على تألُّه ناسوت المسيح كوسيلة لخلاصنا عن طريق تألُّه أجسادنا باتحادنا به قائلاً:

”وعندئذٍ لم يقل ’والابن‘ كما سبق وقال إنسانيًا، بل قال: ’ليس لكم أن تعرفوا‘، لأن الجسد عندئذٍ كان قد قام وخلع عنه الموت وتألَّه، ولم يعد يليق به أن يجيب بحسب الجسد عندما كان مُنطلقًا إلى السماوات، بل أن يُعلِّم بطريقةٍ إلهيةٍ“.[8]

الخلاص بالأسرار والتأله

يشير ق. أثناسيوس إلى تقديسنا وتأليهنا بتناولنا من جسد الكلمة نفسه وليس بتناول مُجرَّد جسد لإنسانٍ ما، حيث أننا ننال التألُّه بالنعمة من خلال الاتحاد السريّ بجسد الكلمة ذاته في الإفخارستيا، وبالتالي تُعتبر الأسرار الكنسية ضروريةً في نوال نعمة التألُّه والحياة الأبدية كالتالي:

”ولكن ’الكلمة صار جسدًا‘ (يو 1: 14) مرةً واحدةً في ملء الزمان ليزيل الخطية، ووُلِدَ من العذراء مريم إنسانًا مثلنا، كما قال لليهود: ’تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق‘ (يو 8: 40)، لذا نحن نتألَّه بتناولنا جسد الكلمة نفسه، وليس باشتراكنا في جسد إنسانٍ ما“.[9]

الانجماع الكلي للبشرية في المسيح

يتحدَّث ق. أثناسيوس عن وجودنا الكيانيّ في المسيح عند موته، ويتحدَّث عن موت الجميع في المسيح مُؤكِّدًا على وحدة الجنس البشريّ في المسيح آدم الجديد قائلاً:

”لكي إذَا كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطِل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفِذَ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر“.[10]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على وحدة البشرية في شخص المسيح، لارتباطنا به في جسده، وصعودنا معه إلى السماء في جسده، وهكذا يصير لنا شركة الحياة الأبدية، لأننا لم نعد بشرًا عاديين، بل صرنا في اللوغوس لوغسيين كالتالي:

”ولكن ارتباطنا بالكلمة الذي من السماء، فأننا نُحمَل إلى السموات بواسطته، لذلك بطريقةٍ مماثلةٍ قد نقل إلى نفسه أوجاع الجسد الأخرى لكي يكون لنا شركة في الحياة الأبدية، ليس كبشر فيما بعد، بل أيضًا لأننا قد صرنا خاصين بالكلمة [أي لوغسيون]“.[11]

مفهوم العدالة الإلهية

يربط ق. أثناسيوس الرسوليّ بين العدل والقداسة في الله، فالله هو عادلٌ وقدوسٌ بطبيعته قائلاً:

”ولكنه لكونه إله وكلمة الآب، فهو قاضٍ عادلٍ ومُحِب للفضيلة، وبالأحرى هو مانح الفضيلة. إذًا، فهو عادلٌ وقدوسٌ بطبيعته. فلهذا يُقَال إنه يحب البر ويبغض الإثم (إش 61: 8). وهذا يُعادِل القول القائل إنه يحب الصالحين ويُعِينهم“.[12]

مفهوم الفدية

نجد مفهوم ومجاز الفدية الخاص بالحروب والأسر عند ق. أثناسيوس، حيث يشير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح الفدية للموت من أجل خلاص كل الخليقة، وذلك من خلال مجيئه في الجسد كالتالي:

”فإن مجيء المخلِّص مُتجسِّدًا، قد صار فديةً للموت وخلاصًا لكل الخليقة“.[13]

ويتحدَّث ق. أثناسيوس في موضع آخر عن تقديم المسيح الفدية للموت من أجل خلاص الكل قائلاً:

”وبموته صار الخلاص للجميع، وتمَّ الفداء لكل الخليقة. هذا هو ’حياة‘ الكل، الذي سلَّم جسده للموت كحَمَل فدية لأجل خلاص الكل، ولو لم يؤمن اليهود بذلك“.[14]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على تقديم المسيح الفدية للموت عن حياة الجميع كالتالي:

”ولأن كلمة الله هو فوق الجميع، فقد كان لائقًا أن يُقدِّم هيكله الخاص وأداته البشرية فديةً عن حياة الجميع مُوفِيًا دَّين الجميع بموته. وهكذا باتَّخاذه جسدًا مماثلاً لجسد جميع البشر وباتحاده بهم، فإن ابن الله عديم الفساد ألبس الجميع عدم الفساد بوعد القيامة من الأموات. ولم يعدّ الفساد الفعلي بالموت له أي سلطان على البشر بسبب الكلمة الذي جاء وسكن بينهم بواسطة جسده“.[15]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح جسده للموت وإقامته ثانيةً كالتالي:

”ولهذا السبب أيضًا فإنه لم يُتمِّم ذبيحته عن الكل بمُجرَّد مجيئه مُباشرةً، بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانيةً“.[16]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن الدَّين المستحق على الجميع هو دَّين الموت، وبالتالي أسلَّم المسيح هيكله للموت من أجل إيفاء دَّين الموت كالتالي:

”ولمَّا كان من الواجب وفاء الدَّين المستحق على الجميع، إذ – كما بيَّنا سابقًا – كان الجميع مستحقين الموت، فلأجل هذا الغرض، جاء المسيح بيننا. وبعدما قدَّم براهينًا كثيرةً على ألوهيته بواسطة أعماله في الجسد، فإنه قدَّم ذبيحته عن الجميع، فأسلَّم هيكله للموت عوضًا عن الجميع“.[17]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس أيضًا على أن موت الرب هو الفدية عن الجميع من أجل نقض حائط السياج المتوسط كالتالي:

”وإضافة إلى ذلك، إنْ كان موت الرب هو فديةٌ عن الجميع وبواسطة موته هذا ’نقض حائط السياج المتوسط‘، وصارت الدعوة لجميع الأمم“.[18]

يتحدَّث ق. أثناسيوس عن تقديم المسيح الفدية للآب، ولكن ليس بمعنى الإبدال العقابيّ، بل من أجل تطهيرنا من الخطايا بدم نفسه، وبإقامتنا من بين الأموات كالتالي:

”وعندما أراد الآب أن تُقدَّم الفدية لأجل الجميع، وأن تُعطَى النعمة الكل، عندئذٍ مثلما أرتدى هارون الجبة؛ أخذ الكلمة جسدًا من الأرض مُتَّخِذًا له من مريم الجسد كما من أرض بكر حتى إذ يكون له – كرئيس كهنة – شيء يُقدِّمه، فهو يُقدِّم ذاته للآب، ويُطهِّرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه، ويُقِيمنا من بين الأموات“.[19]

مفهوم الدين

يستخدم ق. أثناسيوس مجاز ”الدَّين“ التجاريّ في سياق سوتيرلوچيّ [خلاصيّ]، حيث يفهم ”الدَّين“ على أنه دَّين الموت الذي كان الجميع مدينًا به لله مانح وواهب الحياة للجميع، فالإنسان بخطيته جلب الموت على نفسه، وبدَّد هبة الحياة التي أعطاها الله له، فصار مدينًا لله بحياته التي بدَّدها بموته، فكان ينبغي أن يُوفِي أحدٌ هذا الدَّين بأن يعيد الحياة المفقودة من الإنسان مرةً أخرى بموته ليُسدِّد دَّين الموت، ويهب الحياة للإنسان الذي فقد حياته بإرادته بالخطية والموت. وهنا لم يطلب الله مقابل الدَّين، بل ساعد الله نفسه الإنسان بتجسُّده ليعيد ما فَقَدَه الإنسان من حياة بموته ليهب له الحياة، كالتالي:

”وهكذا تمَّ في جسد المسيح فعلان مُتناقِضان في نفس الوقت: الأول، هو أن موت الجميع قد تمَّ في جسد الربِّ على الصليب، والثاني، هو أن الموت والفساد قد أُبِيدا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به، فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتمَّ الموت نيابةً عن الجميع لكي يُوفِي الدَّين المستحق على الجميع“.[20]

يُوضِّح ق. أثناسيوس مفهوم الدَّين أيضًا، حيث يرى إنه في جسد المسيح تمَّ فعلان متناقضان في نفس الوقت، هما: موت الجميع في جسد الرب، داحضًا بذلك نظرية الإبدال العقابيّ، فطالما أن موت الجميع تمَّ في جسد الربِّ، فأين الإبدال العقابيّ الذي يفصل بيننا نحن المؤمنون وبين جسد المسيح المقدَّم على عود الصليب كترضيةٍ نيابيةٍ عن البشرية المعاقَبة للآب، كما يدحض أيضًا نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين جسد المسيح الذي أخذه من العذراء، وبين جسد المسيح في الإفخارستيا، وبين جسد المسيح السري أي الكنيسة، والتي تهدم عمل المسيح الخلاصيّ من أساسه، بفصلنا نحن المؤمنون عن جسد المسيح السريّ. لذا يُؤكِّد ق. أثناسيوس على الانجماع الكليّ في المسيح أثناء عمله الخلاصيّ بموت الجميع فيه على الصليب كالتالي:

”وهكذا تمَّ في جسد المسيح فعلان متناقضان في نفس الوقت: الأول هو أن موت الجميع قد تمَّ في جسد الربِّ على الصليب، والثاني هو أن الموت والفساد قد أُبيدَا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به. فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتمَّ الموت نيابةً عن الجميع لكي يُوفِي الدَّين المستحق على الجميع“.[21]

مفهوم اللعنة

ويرى ق. أثناسيوس أن المسيح أبطل اللعنة وهو كائنٌ فينا أي في بشريتنا كالتالي:

”إذ أن لعنة الخطية قد أُبطِلَت بسبب ذاك الذي هو كائنٌ فينا، والذي قد صار لعنةً لأجلنا“.[22]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على نقطة خطيرة جدًا يُنكِرها البعض في عصرنا الحالي وهي أن موت المسيح كان موتنا جميعًا، وقيامته وتمجيده وصعوده للسماء كان هو قيامتنا وتمجيدنا وصعودنا، لأننا في المسيح نفسه أيضًا كالتالي:

”لأجل هذا السبب يُقَال إنه إنسان مُجِّدَ أيضًا نيابةً عنا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدَنا مجدًا عاليًا، مُقَامين من بين الأموات وصاعدين إلى السموات، حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا“.[23]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس في عبارة خطيرة جدًا على عدم اندهاش القوات السمائية عندما ترانا نحن المؤمنين بالمسيح أي كنيسته المتَّحِدين به داخلين إلى مناطقهم السمائية قائلاً:

”لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا – المتَّحِدين معه في نفس الجسد – داخلين إلى مناطقهم السمائية“.[24]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على وحدتنا في جسد المسيح التي صِرنا بها هيكلاً لله، وصِرنا أبناءً لله يُعبَد الرب فينا كالتالي:

”أنه ليس اللوغوس بسبب كُونه لوغوس هو الذي حصل على مثل هذه النعمة، بل نحن لأنه بسبب علاقتنا بجسده فقد صرنا نحن أيضًا هيكل الله – وتبعًا لذلك قد جُعِلَنا أبناء الله، وذلك حتى يُعبَد الرب فينا أيضًا، والذين يُبصِروننا يُعلِنون – كما قال الرسول: ’إنَّ الله بالحقيقة فيكم‘“.[25]

مفهوم العداوة

أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية هو الادعاء بأنه كانت هناك خصومة بين الآب والبشرية المتمثلة في ناسوت المسيح المتألم على الصليب. هذا الرأي يصوِّر اللاهوت بأنه قد كان في خصومة مع ناسوت المسيح في المسيح الواحد، طالما الآب كان في خصومة مع ناسوت المسيح الذي اتَّحد به لاهوت الكلمة في التجسُّد. وهذا للأسف أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية. يرفض ق. أثناسيوس ترك الآب للناسوت، أو وجود خصومة بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

”لذلك لا يمكن أن يُترَك الرب من الآب، وهو كائنٌ دائمًا في الآب قبل أن يتكلَّم وأثناء نطقه بهذه الصرخة“.[26]

دحض نظرية البدلية العقابية

يدحض ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية التي تُميِّز اللاهوت الغربيّ، حيث يرى ق. أثناسيوس أن موت المسيح هو موت جميع البشر كالتالي:

”حيث أن الجميع ماتوا بواسطته، هكذا قد تمَّ الحكم إذ أن الجميع ماتوا في المسيح. وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحرارًا من الخطية ومن اللعنة الناتجة عنها، ويبقى الجميع على الدوام قائمين من الأموات، ولابسين عدم موت وعدم فساد“.[27]

وجودنا الكياني في المسيح أثناء الخلاص

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على وحدتنا ووجودنا في المسيح بسبب سُّكنى الروح القدس فينا الذي يُوحِّدنا معه، وهكذا نصير في الله ويصير الله فينا كالتالي:

”لذلك فبسبب نعمة الروح الذي أُعطِي لنا نصير نحن فيه وهو فينا، وحيث إن روح الله فينا، لذلك فبواسطة سُّكناه فينا وبحسب حصولنا على الروح، نُحسَب أننا في الله، وهكذا يكون الله فينا“.[28]

مفهوم التبرير والتقديس

يُوضِّح ق. أثناسيوس كيفية تقديس وتبرير وتمجيد الجميع في المسيح لله الآب، فاللوغوس نفسه لا يحتاج إلى التقديس أو التبرير أو التمجيد، لأنه هو ذاته القداسة والبرّ ومصدر كل برّ وقداسة، بل اللوغوس بتقديس ذاته، فإنه يُقدِّسنا ويُمجِّدنا ويُبرِّرنا جميعًا فيه، وبالتالي، يدحض ق. أثناسيوس أي تبرير أو تقديس بالمعنى القضائيّ والقانونيّ سوف نراه فيما بعد في اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ سواء المبكر أو المدرسيّ أو البروتستانتيّ كالتالي:

”وكما أنه وهو الذي يُقدِّس الجميع، يقول أيضًا إنه يُقدِّس نفسه للآب من أجلنا – ليس بالطبع لكي يكون اللوغوس مُقدَّسًا – بل لكي بتقديس ذاته يُقدِّسنا جميعًا في ذاته. وهكذا بنفس المعنى ينبغي أن نفهم ما يُقَال الآن أنه ’تمجَّد‘. ليس لكي يُمجَّد هو نفسه [أي اللوغوس] – إذ أنه هو الأعلى – بل لكي هو ذاته ’يصير برًا‘ من أجلنا، أمَّا نحن فلكي نتمجَّد ونُرفَع فيه ولندخل إلى أبواب السماء، التي قد فتحها هو ذاته من أجلنا […] فإنْ كان الابن هو البرّ، إذًا، فهو لم يرتفع بذاته كما لو كان في حاجة إلى الرفعة، بل نحن الذين ارتفعنا وتمجَّدنا بسبب البرّ الذي هو المسيح نفسه“.[29]

يستطرد ق. أثناسيوس في شرح مفهوم التبرير والتقديس من وجهة نظر شفائية وتجددية بحتة، حيث يُشِير ق. أثناسيوس إلى أن مسحة الرب يسوع بالروح القدس كانت من أجلنا ليبني فينا سُّكنى الروح وألفته تمامًا مثلما وهبنا الرفعة والقيامة، لذا يُقدِّس المسيح ذاته، ليس لأنه مُحتاجٌ إلى التقديس في ذاته، بل نحن الذين نتقدَّس فيه كالتالي:

”فهو كإنسان يُقَال عنه إنه يُمسَح بالروح، وذلك حتى يبني فينا نحن البشر سُّكنى الروح وألفته تمامًا مثلما وهبنا الرفعة والقيامة. وهذا ما عناه هو نفسه عندما أكَّد الرب عن نفسه في الإنجيل بحسب يوحنا: ’كما أرسلتني إلى العالم، أرسلتهم أنا إلى العالم، ولأجلهم أُقدِّس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضًا مُقدَّسين في الحق‘ (يو 17: 18-19). وقد أوضَّح بقوله هذا إنه ليس هو المقدَّس بل المقدِّس. لأنه لم يُقدَّس من آخر، بل هو يُقدِّس ذاته. حتى نتقدَّس نحن في الحق. وهذا الذي يُقدِّس ذاته؛ إنما هو رب التقديس. كيف، إذًا، حدث هذا؟ وماذا يريد أن يقول بهذا سوى إنه: ’كوني أنا كلمة الآب، فأنا نفسي أُعطِي ذاتي الروح حينما أصير إنسانًا. وأنا الصائر إنسانًا أُقدِّس نفسي (في الآب) لكي يتقدَّس الجميع فيَّ. وأنا الذي هو الحق. لأن ’كلامك هو حق‘ (يو 17: 17)“.[30]

ويُفسِّر ق. أثناسيوس، في سياق مفهومه عن التبرير والتقديس من خلال الاتحاد بالمسيح، سبب نزول الروح القدس في هيئة حمامة على المسيح في نهر الأردن، وهل كان المسيح محتاجًا للتقديس والمسحة من الروح القدس، بالرغم من أنه الإله مانح وواهب القداسة؟ ولكن يدحض ق. أثناسيوس بدعة التبني لبولس الساموساطيّ – الذي أدَّعى حلول أو سُّكنى الروح القدس في المسيح كما كان يحلّ ويملأ الأنبياء في العهد القديم – مشيرًا إلى أن نزول الروح عليه في الأردن كان نزولاً علينا نحن بسبب أنه لَبِسَ جسدنا من أجل تقديسنا من جديد واشتراكنا في مسحته كالتالي:

”إذًا، فإنْ كان يُقدِّس ذاته من أجلنا، وهو يفعل هذا لأنه قد صار إنسانًا، فمن الواضح جدًا أن نزول الروح عليه في الأردن، إنما كان نزولاً علينا نحن بسبب لبسه جسدنا. وهذا لم يصر من أجل ترقية اللوغوس، بل من أجل تقديسنا من جديد، ولكي نشترك في مسحته، ولكي يُقَال عنا: ’أمَّا تعلمون أنكم هيكل الله، روح الله يسكن فيكم؟‘ (1كو 3: 16). فحينما أغتسل الرب في الأردن كإنسان، كنا نحن الذين نغتسل فيه وبواسطته. وحينما أقتبل الروح، كنا نحن الذين صرنا مُقتبلين للروح بواسطته. ولهذا السبب، فهو ليس كهارون، أو داود، أو الباقين – قد مُسِحَ بالزيت هكذا – بل بطريقةٍ مغايرةٍ لجميع الذين هم شركاؤه – أي ’بزيت الابتهاج‘ – الذي فُسِّرَ أنه يعني الروح – قائلاً بالنبي: ’روح السيد الرب عليَّ، لأن الرب مسحني‘ (إش 61: 1). كما قال الرسول أيضًا: ’كيف مسحه الله بالروح القدس‘ (أع 10: 38). متى قيلت عنه هذه الأشياء – إلا عندما صار في الجسد وأعتمد في الأردن، ’ونزل عليه الروح‘؟ (مت 3: 16). وحقًا يقول الرب لتلاميذه إن ’الروح سيأخذ مما ليَّ‘ (يو 14: 16). و ’أنا أُرسِله‘ (يو 16: 7). و ’اقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22). إلا أنه في الواقع هذا الذي يُعطِي للآخرين ككلمة وبهاء الآب، يُقَال الآن إنه يتقدَّس، وهذا من حيث إنه قد صار إنسانًا، والذي يتقدَّس هو جسده ذاته“.[31]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن التبرير والتقديس يحدث في الإنسان من خلال تبرير وتقديس جسد الكلمة الذي هو جسد جميع البشر، فيدحض بذلك أية فرصة للإشارة إلى التبرير والتقديس القانوني بمعاقبة الآب للابن المتجسِّد بديلاً عن البشرية كالتالي:

”أمَّا وإنْ كان هو الله، ويكون ’عرش ملكه أبديّ‘، فإلى أي مدى يمكن أن يرتقي الله؟ أو ماذا ينقص هذا الذي هو جالس على عرش الآب؟ وكما قال الرب نفسه، إنْ كان الروح هو روحه والروح أخذ منه، وهو نفسه أرسل الروح (يو 16: 14، 16: 7)، إذًا، فلا يكون اللوغوس باعتباره اللوغوس والحكمة هو الذي يُمسَح من الروح، الذي يُعطِيه هو ذاته، بل الجسد الذي قد اتَّخذه، هو الذي يُمسَح فيه ومنه، وذلك لكي يصير التقديس الصائر إلى الرب كإنسان، يصير (هذا التقديس) إلى جميع البشر به. لأنه يقول: ’إن الروح لا يتكلم من نفسه‘ (يو 16: 13)، بل اللوغوس هو الذي يعطي هذا (الروح) للمستحقين. فإن هذا يُشبِه ما سبق من قول، لأنه كما كتب الرسول: ’الذي إذ كان في صورة الله، لم يُحسَب خلسةً أن يكون معادلاً لله‘ لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبدٍ، صائرًا في شبه الناس‘ (في 2: 6، 7). وبالمثل يُرنِّم داود للرب إنه إله وملك أبدي، مُرسَل إلينا ومُتَّخِذًا جسدنا الذي هو مائت؛ لأن هذا هو المقصود في المزمور بالقول: ’كل ثيابك مر وعود وسليخة‘ (مز 45: 8) […] إذًا، مثلما كان قبل تأنُّسه – إذ أنه كان اللوغوس، فإنه منح الروح للقديسين باعتباره خاصًا به – وهكذا عندما صار إنسانًا، فإنه قدَّس الجميع بالروح، وقال لتلاميذه: ’اقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22)“.[32]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس إنه في تدبير الإخلاء والتواضع أقام الابن الجسد وشيَّده إذ هو ربه وخالقه، وكإله قدَّسه، ولذلك صار كلمة الله إنسانًا لأجل تقديس الجسد كالتالي:

”حينما يتحدَّث عن التواضع لكي نعرف على الفور رفعته وجلاله الذي من الآب. ولذلك قال: وموسى كان خادمًا أما المسيح فهو ابن. كان الأول ’أمينًا في بيته‘، أما الثاني فكان ’على بيته‘ (عب 3: 5، 6)، لأنه هو الذي أقامه وشيَّده إذ هو ربه وخالقه، وكإله قدَّسه. ولما كان موسى إنسانًا بالطبيعة. فإنه قد صار أمينًا بسبب إيمانه بالله الذي تحدث إليه عن طريق الكلمة، أما الكلمة فلم يكن في الجسد كأحد المخلوقات، ولم يكن كمخلوق قي مخلوق، بل هو كإله في الجسد، كخالق ومشيِّد وسط ما خُلِقَ بواسطته. وإن كان البشر قد لبسوا جسدًا، فلكي يكون لهم وجود وكيان. أما كلمة الله فقد صار إنسانًا لأجل تقديس الجسد، وبينما هو رب فقد وُجِدَ في هيئة عبد، لأن كل الخليقة التي وُجِدَت بالكلمة، وخُلِقَت به هي عبدة له“.[33]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى أن الرب قد جعل من الابن إنسانًا لكي يكون بذلك ربًا على الكل ويُقدِّس الكل بواسطة المسحة، فالتقديس والتبرير صارا بالتجسُّد والاتحاد بين الله والإنسان في المسيح، وليس عن طريق تحمل الابن العقوبة بدلاً عن البشر الخطأة أمام الله الآب، كما جاء في لاهوت العصر الوسيط، بل الكلمة باتخاذ الجسد، قد حرَّر كل البشرية، وصار في هيئة عبد لكي يقدس الجميع بالروح القدس الذي مسح جسد الرب في تجسُّده لأجلنا كالتالي:

”وهذا مُشابِه للقول إن الرب إذ قد جعل منه إنسانًا -لأنه أمر يخص الإنسان أن يكون مصنوعًا- فهو لم يجعله إنسانًا فقط، بل جعله هكذا لأنه يكون ربًا على الجميع، ويُقدِّس الكل بواسطة المسحة. لأنه وإن كان الكلمة وهو في صورة الله، اتخذ صورة عبد، إلا أن اتخاذه للجسد، لم يجعل الكلمة وهو رب الطبيعة أن يكون عبدًا، بل بالأحرى، فإن الكلمة بهذا الحدث [اتخاذ الجسد]، قد حرَّر كل البشرية. فإن الكلمة نفسه وهو بالطبيعة الرب الكلمة، قد جُعِلَ إنسانًا، ومن خلال صورة العبد، صار رب الجميع ومسيحًا، أي لكي يُقدِّس الجميع بالروح“.[34]

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاص بتأليه البشرية

ويربط ق. أثناسيوس كما ربط كثيرًا بين التقديس وتأليه البشرية فيه، فغاية التجسُّد وفداء البشرية هو تقديس وتأليه البشرية في المسيح كالتالي:

”ولكن إن كان الكلمة قد جاء بيننا لكي يفدي جنس البشر، وإن كان الكلمة قد صار جسدًا لكي يُقدِّس البشر ويُؤلِّههم. وهو لهذه الغاية قد جاء فعلاً. فلمَّن لا يكون واضحًا عندئذٍ أن ما يقول الرب إنه أخذه، حينما صار جسدًا، فهو لم يأخذه لأجل نفسه، لكن لأجل الجسد، لأن العطايا المعطَاة بواسطته من الآب تخص الجسد، ولقد كان مُتَّحِدًا بهذا الجسد، عندما نطق بهذه الأمور“.[35]

مفهوم التبرير بالدم

يُوضِّح ق. أثناسيوس نقطة تبرير الجسد بدم المسيح، ولكن المفاجأة ليس كما شرح أنسلم، أو اللاهوتيون المدرسيون، أو مارتن لوثر أو فيليب ميلانكتون، أو چون كالفن، أو غيرهم من لاهوتي الإصلاح، بل يربط ق. أثناسيوس التبرير بالدم بإحياء الجسد المخلوق الذي أماته الإنسان الأول بسبب تعديه، وليس لأنه بسفك دم المسيح قد تم تسكين وتهدئة غضب الآب على البشرية الخاطئة كما جاء في نظرية البدلية العقابية التي تبناها اللاهوت الغربي في شرح الكفارة والفداء، وهكذا يدحض ق. أثناسيوس فكرة التبرير بالدم بسفك دم بريء من أجل الآثمة؛ والذي لا يُعتبر عدلاً هنا على الأرض، فبالأولى لا يكون عدلاً في السماء أو لإيفاء العدل الإلهي. الدم هو رمز الحياة أي حياة الإنسان، لذلك سفك المسيح دمه أي حياته لكي بموته يبطل عز الموت، وليس لكي يرى الآب السماوي الدم المسفوك والمهرق أمامه فيصفح عن الخليقة العاصية كالتالي:

”لأنه حيث إن الطريق الأول الذي كان من خلال آدم، قد ضاع، وانحرفنا إلى الموت بدل الفردوس، وسمعنا القول: ’إنك من التراب وإلى التراب تعود‘ (تك 3: 19)، لذا فإن كلمة الله المحب للبشر، لبس – بمشيئة الآب – الجسد المخلوق لكي يُحِيي بدم نفسه هذا الجسد الذي أماته الإنسان الأول بسبب تعديه، كما قال الرسول: ’وكرَّس لنا طريقًا حيًا حديثًا بالحجاب أي جسده‘ (عب 10: 20). وهو ما أشار إليه في موضع آخر، حين قال: ’إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدًا‘ (2كو 5: 17)“.[36]

التقديس باتحاد الطبيعتين في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديس الجسد البشري أو الطبيعة البشرية باتحادها بالطبيعة الإلهية في المسيح، مؤكدًا على أن التبرير والتقديس للطبيعة البشرية قد تمَّ عن طريق الاتحاد بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح كالتالي:

”وهذا هو الأمر العجيب، أنه بينما كان يتصرف كإنسان، كان ككلمة الله يحيي كل الأشياء، وكابنٍ كان كائنًا مع أبيه. ولذلك عندما ولدته العذراء لم يعتريه أيّ تغيير (من جهة طبيعته الإلهية)، ولا تدنس بحلوله في الجسد، بل بالعكس فهو قد قدَّس الجسد أيضًا“.[37]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على تقديس الكلمة للجسد من خلال اتحاده بهذا الجسد، وليس بإنزال العقوبة على الجسد لكي يتبرَّر ويتقدَّس، بل بمُجرَّد اتحاد الكلمة بالجسد قدَّس طبيعة الجسد فيه، ويمنح هذا التقديس للمؤمنين من خلال اتحادهم به، ولكنه لم يشترك في خواص هذا الجسد، بل استخدمه كأداة لتقديس الجسد قائلاً:

”لأنه كما أنه كائنٌ في الخليقة، ومع ذلك لا يشترك في طبيعتها بأي حال، بل بالحري، فإن كل المخلوقات قَبِلت قوةً منه، هكذا أيضًا عندما اتَّخذ الجسد كأداةٍ له، فإنه لم يشترك في خواص الجسد، بل بالحري، فإنه قدَّس الجسد“.[38]

دحض نظرية الإبدال العقابي

يهدم ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية تمامًا عندما يشير إلى عمل المسيح في فداء البشرية من خلال نزع الخطية من الجسد، لا بتسديد عقوبة الخطية بديلاً عن البشرية لله الآب، بل باتحاد اللوغوس بالجسد، فينزع عنه الخطية مُقدسًا ومُطهرًا إياه من كل دينونة الخطية، ويعيد خلقة الإنسان فيه بحسب الروح لا بحسب الجسد، وليس كما في نظرية الإبدال العقابي بتسديد عقوبة الخطية في الجسد كالتالي:

”وبحسب هذا فإن الخدمة من خلاله قد صارت أفضل، إذ أيضًا ’لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه في ما كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية، دان الخطية في الجسد‘ (رو 8: 3)، نازعًا الخطيئة من الجسد، الذي كان أسيرًا لها على الدوام لدرجة أنه لم يستوعب الفكر الإلهي. وإذ جعل الجسد قادرًا على تقبل اللوغوس، فإنه خلقنا حتى ’لا نسلك بعد بحسب الجسد، بل بحسب الروح‘. ونقول ونكرز نحن ’لسنا في الجسد، بل في الروح‘ (رو 8: 9)، وأن ابن الله جاء ’إلى العالم لا لكي يدين العالم‘، بل لكي يفدي الجميع، ’ويخلص به العالم‘ (يو 3: 17). لأنه في السابق كان الناموس يدين العالم كمسئول، أما الآن فإن اللوغوس أخذ الدينونة على نفسه، وبتألمه لأجل الجميع بالجسد، وهب الخلاص للجميع. هذا ما رآه يوحنا فصاح قائلاً: ’لأن الناموس بموسى أُعطِيَ، أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا‘ (يو 1: 17). فالنعمة أفضل من الناموس، والحقيقة أفضل من الظل“.[39]

مفهوم المصالحة

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى عمل المسيح الخلاصي لأجلنا، لأنه أرتدى جسدنا المخلوق ليعيد خلقة الجسد فيه ويبطل الموت ويدين الخطية في الخطية ويُقِيم الجميع من الأموات، ويؤكد ق. أثناسيوس على أن الكلمة يمنح كل هذه المفاعيل إلى المتَّحِدين معه في جسده، الذين هم فيه وهو فيهم، وبالتالي ينفي ق. أثناسيوس أية إشارة إلى نظرية الإبدال العقابيّ بتسديد عقوبة الخطية نيابةً عن البشرية لإيفاء العدل الإلهي، بل على العكس، يُؤكِّد على أننا نحن المتَّحِدون به نصير فيه خليقةً جديدةً معتوقةً من الخطية واللعنة التي بدَّدها باتحاده بالجسد، وليس بتسديد العقوبة على الصليب كما في لاهوت العصر الوسيط ولاهوت الإصلاح، وهكذا يربط بين محو الخطية واللعنة من الجسد وتجديد الطبيعة البشرية فيه عن طريق الاتحاد به في جسده كالتالي:

”وإنْ كان لم يُخلَق لأجل ذاته، بل لأجلنا، فلا يكون هو نفسه مخلوقًا، بل يقول هذا لأنه أرتدى جسدنا. وهذا المفهوم هو ما تعنيه الكتب المقدَّسة. وهذا هو ما نتعلَّمه من الرسول؛ لأنه يقول في رسالته إلى أهل أفسس: ’ونقض حائط السياج المتوسط (أي العداوة). مُبطِلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا، صانعًا سلامًا‘ (أف 2: 14، 15). فلو أن الاثنين خُلِقَا في نفسه ووُجِدَا في جسده، فمن الطبيعي أنه كان يلبس الاثنين في نفسه، فإنه يكون كما لو كان هو نفسه الذي يُخلَق. لأن الذين يخلقهم يتحدون به، ويكون هو فيهم كما يكونون هم فيه. هكذا إذًا فما دام قد خُلِقَ الاثنان فيه، فيكون من الملائم تمامًا أن يقول: ’الرب خلقني‘. فلأنه يأخذ على عاتقه ضعفاتنا، يُقال عنه إنه يضعفُ رغم أنه هو لا يضعفُ؛ لأنه قوة الله، وقد صار خطيةً لعنةً من أجلنا، بالرغم من أنه غير خاطئ، ولكنه يُقال هذا ؛ لأنه حمل خطايانا ولعنتنا. وهكذا إذ قد خُلِقَنا فيه، فيُقال أيضًا: ’خلقني من أجل الأعمال‘، رغم أنه غير مخلوق“.[40]

إعادة خلق الطبيعة البشرية في المسيح

ويُفسِّر ق. أثناسيوس كيفية إبطال سلطان الخطية على الجسد من خلال إعادة خلقة الطبيعة البشرية في المسيح، فيُقال عنه أنه مخلوق رغم أننا نحن المخلوقون فيه من جديد باتحادنا بجسده، وهكذا يطرد المسيح الخطية من الجسد بسكناه فيه، وليس بتسديد عقوبة الخطية عن الجنس البشري أمام الله الآب، بل بسكناه في الجسد من أجل تقديسه وتطهيره من كل خطية كالتالي:

”وبحسب فكر أولئك يُعتبر جوهر الكلمة مخلوقًا بسبب قوله ’الرب خلقني‘، وبالتالي، لكونه مخلوقًا، فهو لم يُخلَق من أجلنا، وإنْ لم يكن قد خُلِقَ من أجلنا، فنحن لم نُخلَق به، وإن لم نُخلَق به، فلن يكون هو لنا في داخلنا، بل سيكون من خارجنا، كما لو كنا نقبل منه التعليم مثلما نقبله من مُعلِّمٍ. ولو كان الأمر كذلك معنا، لما فقدت الخطية سلطانها على الجسد، بل لظلت مُلتصِقةً به وليست بعيدةً عنه. غير أن الرسول يعارض تعليم هؤلاء بإعلانه لأهل أفسس قبل ما سبق أن اقتبسنا بقليلٍ قائلاً: ’لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع‘. فإن كنا قد خُلِقَنا في المسيح، فلا يكون هو الذي خلقنا، بل نحن الذين خُلِقَنا بواسطته. لذا فالقول ’خلق‘ هو من أجلنا نحن وبسبب احتياجنا. فإن الكلمة رغم أنه خالق، احتمل أيضًا لقب المخلوقين. ولم يكن هذا لقبه الخاص. إذ إنه هو الكلمة، ولكن اللقب ’خلق‘ هو خاص بنا نحن المخلوقين بواسطته. وأيضًا كما أن الآب كائن دائمًا، فإن كلمته كائن دائمًا أيضًا، ولأنه كائن دائمًا، فهو يقول: ’وكنتُ أنا موضع بهجته، فرحًا في حضرته كل يوم‘ (أم 30: 8)، وأيضًا ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 10: 14). هكذا فإنه حينما صار إنسانًا تابعًا لجنسنا البشري مثلنا، قال: ’الرب خلقني‘ لكي يستطيع أن يطرد الخطية بعيدًا عن الجسد بسُكناه فيه، ولكي نحصل نحن على فكر حر“.[41]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن المسيح هو أخونا وبكرنا؛ لأنه لبس جسدًا مشابهًا لأجسادنا، وكان أول جسد خلصه وحرَّره الكلمة هو جسده، وهكذا إذ قد صرنا مُتَّحِدين بجسد الكلمة، خلُصنا على مثال جسده، وصار بهذا الجسد قائدنا إلى السماء، نحن الذين قد متنا قبل موت الكلمة في الجسد بعد مخالفة آدم، فيدحض ق. أثناسيوس بذلك أي معنى لنظرية البديل العقابيّ على الصليب، طالما أن جسده قد تم تخليصه وتحريره باتحاده بالكلمة نفسه في لحظة التجسُّد كالتالي:

”ولهذا من الصواب أن يُدعَى أيضًا ’أخانا‘ و ’بكرنا‘. لأنه بما أن البشر قد هلكوا بسبب مخالفة آدم، فإن جسده كان أول ما تمَّ تخليصه وتحريره، إذ أن هذا الجسد هو جسد الكلمة نفسه. وهكذا إذ قد صرنا متحدين بجسده، قد خلُصنا على مثال جسده، وبهذا الجسد صار الرب قائدنا إلى ملكوت السماوات وإلى أبيه؛ لأنه يقول: ’أنا هو الطريق‘ (يو 14: 6). و ’أنا هو الباب‘ (يو 10: 7). ويجب على الجميع ’أن يدخلوا بي‘. من أجل ذلك، يُدعَى ’بكر من بين الأموات‘، لا لأنه مات أولاً -إذ أننا قد متنا قبله- بل لأنه قد أخذ على عاتقه أن يموت لأجلنا، وقد أبطل هذا الموت، فإنه هو الأول الذي قام كإنسان، إذ قد أقام جسد لأجلنا. وتبعًا لذلك، حيث إن الجسد قد اُقِيم، هكذا نحن أيضًا ننال القيامة من بين الأموات منه وبسببه“.[42]

الاتحاد بالآب في المسيح

يرى ق. أثناسيوس أن المسيح يُكمِّل في الروح القدس كل معرفتنا عن الله، ويُتمِّم فيه كمالنا الخاص بنا، ويُوحِّدنا بالروح القدس مع شخصه ومن خلاله مع الآب، أي مع الثالوث القدوس كالتالي:

”ولكي يُكمِّل فيه كل معرفتنا عن الله [أي كل التعليم عن الله]، ويُتمِّم كمالنا الخاص، والذي به وحَّدنا مع شخصه ومن خلاله مع الآب“.[43]

يُوضِّح ق. أثناسيوس أن قداستنا مُستمدة من الآب بالابن في الروح القدس، وذلك لأن الروح القدس هو القوة الحيوية والعطية التي تُقدِّسنا ونستنير بها كالتالي:

”وأن نُفكِّر بطريقةٍ مشروعةٍ، وأن نُؤمِن بقداسةٍ واحدةٍ مُستمَدة من الآب بالابن في الروح القدس. لأنه كما أن الابن هو وليدٌ وحيدٌ، هكذا أيضًا الروح إذ هو مُعطَى ومُرسَل من الابن، هو نفسه واحد وليس كثيرين، وليس واحدًا من كثيرين، بل هو نفسه وحيد. إذًا، كما أن الابن – الكلمة الحيّ – هو واحدٌ، هكذا فإن القوة الحيوية والعطية التي بها يُقدِّس ويضيء، ينبغي أن تكون واحدة وكاملة وتامة، وهي التي يُقال عنها إنها تنبثق من الآب، لأنها من الكلمة – الذي يُعترَف أنه من الآب – وهي التي تشرق وتُرسَل وتُعطَى“.[44]

المبادلة الخلاصية الشفائية وليس العقابية

ويرى ق. أثناسيوس أن المسيح كطبيب ومخلص بعدما خلق الإنسان، واستدعت الضرورة علاج ما هو موجود، عندئذٍ جاء المسيح الطبيب الشافي لكي يشفي الخلائق الموجودة مُستخدِمًا جسده كأداةٍ بشريةٍ في إتمام ذلك، أي إتمام المبادلة الخلاصية وليس العقابية للموت بالحياة وللفساد بعدم الفساد عن طريق اتحاده بالكلمة الذي هو الحياة في ذاته كالتالي:

”ونجيب على اعتراضهم هذا بجوابٍ معقولٍ قائلين إنه في البدء لم يكن شيء موجودًا بالمرة. فكل ما كان مطلوبًا هو مجرد ’نطق‘ مع إرادة إلهية لإتمام الخلق. ولكن بعد أن خُلِقَ الإنسان (وصار موجودًا)، واستدعت الضرورة علاج ما هو موجود، وليس ما هو غير موجود، عندئذٍ كان من الطبيعي أن يظهر الطبيب والمخلِّص فيما هو موجود لكي يشفي الخلائق الموجودة. لهذا السبب قد صار إنسانًا، واستخدم جسده أداةً بشريةً […] ثم ينبغي أن يُعرَف هذا أيضًا، أن الفساد الذي جرى لم يكن خارج الجسد، بل كان ملتصقًا به، وكان الأمر يحتاج إلى أن تلتصق به الحياة بدلاً من الفساد حتى كما صار الموت في الجسد، تصير الحياة في داخل الجسد أيضًا“.[45]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على البعد الشفائيّ للخلاص في موضع آخر، حيث يتحدَّث عن سيادة الموت على الجنس البشري من آدم إلى موسى، ولعنة الأرض، وفتح الجحيم، وغلق الفردوس، وإهانة السماء، لذلك دفع الله محب البشر الإنسان المصنوع على صورته إلى الكلمة نفسه، لكي يعالج الإنسان كطبيب من لدغة الحية، وكان ذلك باتخاذه جسدًا من أجل استعادة الإنسان بالكامل كالتالي:

”لأنه حينما أخطأ الإنسان وسقط، وصارت كل الأشياء بسقطته في ارتباكٍ: حين ساد الموت من آدم إلى موسى (رو 5: 14)، ولُعِنَت الأرض، وفُتِحَ الجحيم، وأُغلِقَ الفردوس، وأُهِينت السماء، وأخيرًا، فسد الإنسان وتوحش (مز 49: 12)، وكان إبليس يسخر منا؛ فحينئذ قال الله مُحِب البشر الذي لم يُرد هلاك الإنسان المصنوع حسب الصورة: ’مَن أُرسِل؟ ومَن يذهب؟‘ (إش 6: 8). ولكن بعدئذٍ ذاك القائل: ’اذهب أنت‘ (إش 6: 9)، هو الذي دفع الإنسان إليه، لكي يستطيع الكلمة نفسه أن يصير جسدًا، وهكذا استعاد هذا الجسد بالكامل من خلال اتخاذ الجسد. لقد كان طبيبًا بالنسبة للإنسان الذي قد دُفِعَ إليه ليعالج لدغة الحية، وحياةً ليرفع مَن كان مائتًا، ونورًا ليضيء الظلمة؛ ولأنه كان الكلمة ليجدد الطبيعة العاقلة. لقد دُفِعت إليه كل الأشياء منذ ذلك الحين، وعندما صار إنسانًا، تمَّ ضبط وتكميل كل الأشياء في الحال. وهكذا نالت الأرض بركةً بدلاً من اللعنة، وفُتِحَ الفردوس للص، وانحسر الجحيم، وتفتحت القبور، وأُقِيم الموتى، وفُتِحَت أبواب السماء في انتظار ذلك ’الآتي من أدوم‘ (مز 24: 7؛ إش 63: 1)“.[46]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى شفاء ضعفات وأوجاع الجسد البشريّ من خلال حمل الكلمة لضعفات الجسد، لأنه اتَّخذ جسدًا وصارت ضعفات الجسد خاصة بجسده، وخدم الجسد أعمال اللاهوت المتَّحِد به، وبالتالي، يتمُّ افتدائنا نحن البشر من أوجاعنا ونمتلئ ببرّ الكلمة كالتالي:

”والكلمة حمل ضعفات الجسد، كما لو كانت له، لأن الجسد كان جسده، والجسد خدم أعمال اللاهوت، لأن اللاهوت كان في الجسد، ولأن الجسد كان جسد الله. وحسنًا قال النبي: ’حملها‘ (إش 53: 4)، ولم يقل إنه ’شفى ضعفاتنا‘، لئلا تكون هذه الضعفات خارج جسده، وهو يشفيها فقط – كما كان يفعل دائمًا – فيترك البشر بذلك خاضعين للموت، ولكنه حمل ضعفاتنا، وحمل هو نفسه خطايانا، لكي يتضح أنه قد صار إنسانًا لأجلنا، وأن الجسد الذي حمل الضعفات هو جسده الخاص، وبينما هو نفسه لم يصبه ضرر أبدًا، ’حمل خطايانا في جسده على الخشبة‘، كما قال بطرس (1بط 2: 24)، فإننا نحن البشر قد افتُدِينا من أوجاعنا وامتلأنا ببر الكلمة“.[47]

مفهوم التقدمة

يتحدَّث ق. أثناسيوس في سياق دفاعه عن ألوهية الابن عن مفهوم تقدمة الابن الجنس البشريّ للآب كجنسٍ طاهرٍ، وكاملٍ، ومُقدَّسٍ قائلاً:

”من أجل هذا أيضًا، فإنه إذ قد صار إنسانًا، فقد أظهر جهل البشر في نفسه، أولاً، لكي يُظهِر أن له جسدًا بشريًا حقًا، وثانيًا، لكي -عندما يكون له في جسده جهل البشر، يُقدِّم للآب جنسًا بشريًا مُفتدَى من بين الجميع، وطاهرًا، وكاملاً، ومُقدَّسًا […] فبالأولى جدًا كلمة الله كلي القداسة، خالق الشمس وربها، لا يتدنس بمجيئه في الجسد، بل بالعكس، فلكونه عديم الفساد، فقد أحيا الجسد المائت وطهَّره، فهو الذي كُتِبَ عنه: ’الذي لم يفعل خطيةً، ولا وُجِدَ في فمه مكر‘ (1بط 2: 22؛ إش 53: 9)“.[48]

ويربط ق. أثناسيوس بين مفهوم التألُّه أو شركة الطبيعة الإلهية وبين التقديس في إطار عرضه لمفهوم التقدمة أيضًا، حيث يتحدَّث عن انتقال الجنس البشريّ الضال إلى المسيح من خلال تجسده من العذراء لكي نصبح فيه جنسًا مُقدَّسًا ونصير شركاء الطبيعة الإلهية؛ فقد صار ابن الله إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته كالتالي:

”وإنْ كان الله قد أرسل ابنه مولودًا من امرأة، فإن هذا الأمر لا يسبب لنا عارًا، بل على العكس مجدًا ونعمةً عظمى. لأنه قد صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته، وقد صار (جسدًا) من امرأة، وُلِدَ من عذراء كي ينقل إلى نفسه جنسنا (نحن البشر) الذين ضللنا، ولكي نصبح بذلك جنسًا مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4) كما كتب بطرس المطوَّب. وما ’كان الناموس عاجزًا عنه إذ أنه كان (الناموس) ضعيفًا بواسطة الجسد، فإن الله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد‘ (رو 8: 3)“.[49]

وهكذا أخذ كلمة الله جسدًا ليُحرِّر به كل الأشياء ويُقرِّب العالم إلى الآب ويصنع سلامًا لكل المخلوقات سواء السماوية أو الأرضية كالتالي:

”لأن إيمان الكنيسة الجامعة يُقرّ بأن كلمة الله هو خالق كل الأشياء ومبدعها، ونحن نعرف أنه ’في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله‘ (يو 1: 1). فإننا نعبد ذلك الذي صار هو نفسه أيضًا إنسانًا لأجل خلاصنا، لا كما لو كان هذا الذي صار جسدًا هو مُساوٍ للجسد بالمثل، بل (نعبده) كسيد آخذًا صورة عبد، كصانع وخالق، صائرًا في مخلوق أي (الجسد) لكي بعد أن يُحرِّر به كل الأشياء، يُقرِّب العالم إلى الآب، ويصنع سلامًا لكل المخلوقات، سواء التي في السماوات أو التي على الأرض“.[50]

مفهوم الذبيحة

يشير ق. أثناسيوس إلى أن عمل الفداء لم يكن من أجل خلاص اللاهوت نفسه، بل من أجل خلاصنا نحن نسل إبراهيم، فالمسيح لم يقدم ذاته ذبيحةً لأجل نفسه ليفتدي نفسه، بل يفتدي الآخرين من الخطايا، وهنا يرفض ق. أثناسيوس فكرة احتياج اللاهوت إلى ذبيحة لأجل نفسه وعن نفسه، بل قدَّم الابن جسده لأجلنا نحن، ولم يكن تقديم الذبيحة ليفتدي نفسه كالتالي:

”فلو كان الكلمة حقًا من نفس جوهر الجسد حسبما تقولون، فأية حاجة كانت هناك لكي يقيم الكلمة بيننا، لكي يلبس ما هو من نفس جوهره الخاص، أو أن يتحوَّل عن طبيعته الذاتية فيصير جسدًا؟ لأن اللاهوت لم يخطئ في شيء وهو يفتدي خطايا الآخرين، حتى يصير جسدًا ويُقدِّم ذاته لأجل نفسه ويفتدى نفسه. لكن حاشا له أن يكون هكذا. لأنه كما قال الرسول جاء لمساعدة نسل إبراهيم، ومن ثم كان ينبغي أن ’يشبه أخوته في كل شيء‘ (عب 2: 16، 17)، ويتَّخذ جسدًا مشابهًا لنا. ولهذا السبب أيضًا، كانت مريم في الحقيقة مفترضةً من قبل ليأخذ الكلمة منها (جسدًا) خاصًا به ويُقدِّمه لأجلنا“.[51]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن الكلمة بعدما اتَّخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، نحن الخاضعين للموت والفساد، بذل جسده للموت عن الجميع وقدَّمه للموت وللآب من أجل محبته للبشر، وليس ترضيةً للآب الغاضب على البشرية، بل إبطالاً لناموس الموت والفناء عن البشر، وهكذا يدحض ق. أثناسيوس أية فكرة عن الإبدال العقابيّ للابن عنَّا، أو إنزال الآب عقوبة البشر على الابن المتجسِّد، بل الابن مِن فرط محبته للبشرية بذل ذاته لأجلهم، إذ قد مات الجميع في المسيح، فأين الإبدال العقابي إذا كان الجميع قد مات في المسيح؟ فالهدف من الخلاص هو إبادة الموت من البشر كما تبيد النار القش؛ لذا يقول التالي:

”وهكذا إذ اتَّخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدَّمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطِل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفِذَ في جسد الربِّ، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر المماثلة لجسد الربِّ. ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يُعِيدهم إلى عدم فساد، ويُحِييهم من الموت بالجسد الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تبيد النار القش“.[52]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على تقديم الكلمة جسده للموت كتقدمة مُقدَّسة وذبيحة خالية من كل عيب قائلاً:

”لذلك قدَّم للموت ذلك الجسد الذي اتَّخذه لنفسه كتقدمةٍ مُقدَّسةٍ وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمةٍ مناسبةٍ، فإنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه البشر“.[53]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على تقديم جسده للموت وإقامته ثانيةً وبالتالي، تمَّم بتأنُّسه هذا عمليتي المحبة، وهما: إبادة الموت من داخلنا وتجديدنا ثانيةً، وإعلان إنه كلمة الآب بأعماله في الجسد كالتالي:

”ولهذا السبب أيضًا، فإنه لم يُتمِّم ذبيحته عن الكل بمُجرَّد مجيئه مُباشرةً، بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانيةً. لأنه لو فعل ذلك لجعل ذاته غير ظاهر، ولكنه صيَّر نفسه ظاهرًا جدًا بتلك الأعمال التي عملها وهو في الجسد، والمعجزات التي أظهرها، وبذلك صار معروفًا أنه ليس بعد مُجرَّد إنسان فقط، بل أنه هو الله الكلمة. لأن المخلِّص تمَّم بتأنسه عمليتي المحبة: أولاً، أنه أباد الموت من داخلنا وجدَّدنا ثانيةً. ثانيًا، إنه إذ هو غير ظاهر ولا منظور، فقد أعلن عن نفسه، وعرَّف ذاته بأعماله في الجسد، بأنه كلمة الآب، ومُدبِّر وملك الكون“.[54]

المبادلة الخلاصية وليس العقابية

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على المبادلة الخلاصية وليس الإبدال العقابيّ، حيث أخذ الكلمة الذي لنا وأعطانا الذي له، أخذ كل الأشياء التي كان يتألم منها في جسده وينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة، وهكذا يُلبِسنا ما له أي عدم الموت وعدم الفساد كالتالي:

”لأن تلك الأشياء التي كان يتألم بها جسد الكلمة البشري، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة. ومن الغريب أن الكلمة نفسه كان متألمًا وغير متألم، فمن ناحية، كان [الكلمة] يتألم لأن جسده هو الذي كان يتألم، وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكلمة يتألم، لأن الكلمة – إذ هو إله بالطبيعة – فهو لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير الجسدي موجودًا في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوي فيه الكلمة غير المتألم؛ الذي كان يبيد العلل التي قَبِلَها في جسده. وكان يصنع هذا، وهكذا كان يصير، كي بعد أن يأخذ ما لنا [أي الجسد] ويُقدِّمه كذبيحةٍ، يقضي على العلل والضعفات كلها. وهكذا يُلبِسنا ما له، وهذا ما يجعل الرسول يقول: ’لأن هذا الفاسد لا بد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت‘ (1كو 15: 53)“.[55]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى المبادلة الخلاصية في سياق تدبير الخلاص، حيث اتَّحد الكلمة بالجسد البشريّ المائت، وحوَّله من جسد مائت إلى جسد غير مائت، ومن جسد حيواني نفسانيّ إلى جسد روحانيّ، ومن جسد ترابيّ إلى جسد سماويّ كالتالي:

”ولم يأت الكلمة من مريم لكي يرتقي هو، بل لكي يفدي الجنس البشريّ. فكيف، إذًا، يُفكِّرون أن الجسد وهو الذي افتداه الكلمة وأحياه، يقوم بإضافة شيءٍ ما من ناحية اللاهوت إلى الكلمة الذي أحياه؟ بل بالعكس، فإن الجسد البشريّ ذاته هو الذي حدثت له زيادة كبيرة، بسبب شركة الكلمة معه واتحاده به، لأنه [الجسد] صار غير مائت بعد أن كان مائتًا، ورغم أن الجسد كان حيوانيًا (نفسانيًا)، فقد صار روحانيًا، ورغم أنه من تراب الأرض، فقد اجتاز الأبواب السماوية“.[56]

هدف التجسد هو إبادة الموت

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن الهدف من اتخاذ الكلمة جسدًا قابلاً للموت هو إبادة الموت فيه وتجديد خلقة البشر الذين خُلِقوا على صورته كالتالي:

”ولهذا فقد كان من اللائق أن يأخذ جسدًا قابلاً للموت حتى يمكن أن يبيد فيه الموت، ويُجدِّد خلقة البشر الذي خُلِقوا على صورته. إذًا، فلم يكن كفئًا لسد هذه الحاجة سوى صورة الآب“.[57]

تجديد الإنسان بنعمة الروح القدس

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تجديد الرب لكل الأشياء بنعمة الروح القدس، وهكذا يجدد الله أرواحنا البشرية بروحه القدوس كالتالي:

”فمتى كان هذا إلا عندما جاء الرب وجدَّد كل الأشياء بنعمته؟ هوذا إذًا أيضًا في هذا القول، يتبيَّن لنا الاختلاف بين الأرواح. فروحنا هي التي تجدَّدت، ولكن الله يقول إن ذلك الروح الذي به تجدَّدت أرواحنا هو روحه، كما يقول المرنِّم في المزمور المئة والثالث: ’تنزع روحها فتموت وإلى ترابها تعود. تُرسِل روحك فتخلق وتُجدِّد وجه الأرض‘ (مز 103: 29، 30). وإذا كنا نتجدَّد بروح الله، فإن الروح الذي يُقَال عنه الآن إنه خُلِقَ لا يشير إلى الروح القدس، بل إلى روحنا“.[58]

انجماع البشرية في المسيح

يُؤكِّد ق. أثناسيوس أن كل ما كُتِبَ عن المخلِّص فيما يخص طبيعته الجسدية، يمكن تطبيقه على كل جنس البشرية، وذلك لأنه أخذنا جسدنا وأظهر ضعف البشرية، فهو يُؤكِّد بذلك على الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح، بحيث أن كل ما يُقَال عن المسيح من جهة ناسوته، فإنه يُقَال عن البشرية كلها، فهو يدحض بذلك نظرية البديل العقابيّ أو نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين أجسادنا وجسد المسيح، وهكذا تقول باختلاف أجسادنا عن جسد المسيح، وأننا كجسد المسيح مُجرَّد جسدًا اعتباريًا رمزيًا وليس أننا ككنيسة جسدًا حقيقيًا للمسيح يسوع ربّنا كالتالي:

”لأن كل ما كُتِبَ عن المخلِّص فيما يخص طبيعته الجسدية، يمكن تطبيقه على كل جنس البشرية، لأنه أخذ جسدنا، وأظهر فيه ضعف البشرية“.[59]

موت المسيح هو موت جميع البشر

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على حقيقة أن موت الرب هو موت جميع البشر وليس موته الخاص، وذلك لإبادة الموت في الجسد، ويدحض بذلك نظرية البدلية العقابية، التي ترى أن المسيح مات كبديل عقابيّ في ذاته، وأن عقوبة الموت وقعت على المسيح من قِبَل الآب كنائب عن البشرية، رغم أن ق. أثناسيوس يؤكد على أن موت المسيح كان موت البشر كلهم، وليس فردًا واحدًا نائبًا عن البشرية كلها، وكأنَّ المسيح كان منفصلاً عن البشرية وقت موته، بل كانت كل البشرية منجمعةً في شخص المسيح، وهذا ما لم يفهمه المنادون بنظرية البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس عن جهل ودون علم كالتالي:

”وفضلاً عن ذلك، فإن المخلِّص لم يأت لكي يُتمِّم موته هو، بل موت البشر، لذلك لم يضع جسده ليموت بموتٍ خاصٍ به إذ إنه هو الحياة وليس فيه موت، بل قَبِلَ في الجسد ذلك الموت الذي أتاه من البشر لكي يبيد ذلك الموت تمامًا عندما يلتقي به في جسده“.[60]

ويدحض ق. أثناسيوس مرةً أخرى نظرية الإبدال العقابيّ التي كانت منتشرة في لاهوت العصر الوسيط، وامتدت إلى اللاهوت البروتستانتيّ، حيث ترى موت المسيح إنه عقوبة أنزلها الآب على الابن نيابةً عن البشر لإيفاء العدل الإلهي حقه، وهذا ما يدحضه ق. أثناسيوس مُشِيرًا إلى أن الكلمة كان يحملنا نحن جميع البشر في جسده الخاص كالتالي:

”فلم يكن الكلمة نفسه هو المحتاج لانفتاح الأبواب، إذ هو رب الكل – فلم تكن مخلوقاته مغلقة في وجهه هو الذي خلقها – بل نحن الذين كنا في احتياج إلى ذلك، أي إلى انفتاح الأبواب، نحن الذين حملنا في جسده الخاص. لأنه كما قدَّم جسده للموت عن الجميع، هكذا بنفس هذا الجسد أيضًا، أعدَّ الطريق للصعود إلى السماوات“.[61]

يشير ق. أثناسيوس إلى أن جسد الربِّ هو جسد مشترك لنا جميعًا، الذي أحتمل فيه الإهانات بإرادته من أجلنا، داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة والبديل العقابيّ اللتين تفصلان البشرية عن جسد المسيح وعمله الخلاصي للبشرية جمعاء، ولأسف هذا الفصل هو فصل نسطوريّ بحت، حيث يرى نسطوريوس انفصال اللاهوت عن الناسوت في المسيح، وبالتالي انفصال البشرية عن الاتحاد بالله في المسيح، لذا يقول ق. أثناسيوس التالي:

”أمَّا الشمس فإذ لم تحتمل تلك الإهانات المثيرة التي وقعت على جسد الربِّ المشترك لنا جميعًا، والتي احتملها هو نفسه من أجلنا بإرادته. فإنها استدارت وحجبت أشعتها، وجعلت ذلك اليوم بلا شمس“.[62]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على الموت الكليّ للبشرية في المسيح داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة والبديل العقابيّ اللتين تفصلان البشرية عن جسد المسيح، كما يشير إلى أننا في المسيح نفسه قد تمَّ تمجيدنا مُقَامين من بين الأموات وصاعدين إلى السماوات كالتالي:

”وبما أن الكلمة هو صورة الآب، وهو غير مائت، قد أتَّخذ صورة عبد، وكإنسان عانى الموت بجسده من أجلنا. لكي بذلك يبذل نفسه للآب بالموت من أجلنا، لأجل هذا السبب يُقَال عنه إنه كإنسان مُجِّد أيضًا نيابةً عنَّا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدَنا مجدًا عاليًا، مُقَامين من بين الأموات، وصاعدين إلى السماوات ’حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا‘ (عب 6: 20)، ’لأن المسيح لم يدخل إلى أقداسٍ مصنوعةٍ بيدٍ أشباه الحقيقية، بل إلى السماء عينها، ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا‘ (عب 9: 24). فإن كان المسيح قد دخل الآن إلى السماء عينها لأجلنا، رغم أنه من قبل هذا الحدث، كان هو دائمًا الرب وخالق السماوات، فتبعًا لذلك تكون هذه الرفعة الحالية قد كُتِبَت أيضًا من أجلنا نحن“.[63]

تمجيد البشرية في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى اتحاد البشرية بنفس الجسد مع المسيح مما يؤدي إلى تمجيدنا العالي في المسيح، فلا تندهش القوات السمائية حينما ترانا نحن البشر المتحدين مع المسيح في نفس الجسد ونحن ندخل إلى مناطقهم السمائية بالمجد والبهاء في المسيح كالتالي:

”لأن مجد الله الآب هو أن يوجد الإنسان الذي كان قد خُلِقَ ثم هلك، وهو أن يحيا الذي مات، وهو أن يصير الإنسان هيكل الله. ولأن القوات السمائية من ملائكة ورؤساء ملائكة كانت تعبده دائمًا، فإنهم الآن أيضًا يسجدون للرب باسم يسوع، فهذه النعمة وهذا التمجيد العالي إنما هو لنا، وإنه بالرغم من أنه صار إنسانًا وهو ابن الله فإنه يُعبَد. لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا – المتَّحِدين معه في نفس الجسد – داخلين إلى مناطقهم السمائية، وهذا قطعًا -لم يكن ممكنًا أن يحدث بأية طريقة أخرى، اللهم إلا إذا كان هذا الذي كان موجودًا في صورة الله، قد اتَّخذ لنفسه صورة العبد، وأذل ذاته راضيًا بأن يصل جسده حتى إلى الموت“.[64]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح في سياق حديثه عن مسحة البشرية بالروح القدس في شخصه، واعتماد البشرية في شخصه، وتمجيد البشرية في شخصه، وفي الأخير تقديس البشرية في شخصه كالتالي:

”أمَّا البشر – الذين يأخذون البداية منه وبسببه – فهؤلاء هم الذين يرتقون. لأنه حينما يُقَال بحسب الوجهة البشرية إنه الآن يُمسَح -نكون نحن الذين نُمسَح في شخصه، حيث إنه حينما اعتمد، نكون نحن الذين نعتمد في شخصه، ويُوضِّح المخلِّص بالأحرى كل هذه الأمور، حينما يقول للآب: ’وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا، كما أننا نحن واحد‘ (يو 17: 22). وتبعًا لذلك، فإنه كان يطلب المجد أيضًا من أجلنا. وبسببنا أيضًا استخدم كلمة ’أخذ‘ وكلمة ’أعطى‘ وكلمة ’مُجِّدَ مجدًا عاليًا‘. وذلك لكي نأخذ نحن أيضًا ولكي يُعطِي لنا، ولكي نُمجَّد نحن فيه مجدًا عاليًا. وذلك كما يُقدِّس ذاته من أجلنا، لكي نتقدَّس نحن في شخصه“.[65]

يُشِير ق. أثناسيوس إلى اشتراك المخلوقات في الابن المولود لا بسبب طبيعتها الذاتية، بل بسبب مشاركتها للابن في الروح القدس، داحضًا بذلك أية إشارة إلى نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين المخلوقات والابن خالقها كالتالي:

”أمَّا المخلوقات فلأنها مخلوقةٌ، فمن المستحيل أن يُقَال عنها إنها مولودةٌ، إلا فيما بعد، أي بعد خلقتها، حينما تشترك في الابن المولود. وفي هذه الحالة، يقولون عنها أيضًا إنها قد وُلِدَت ليس بسبب طبيعتها الذاتية، بل بسبب مشاركتها للابن في الروح“.[66]

جسد الكلمة هو جسدنا نحن

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن جسد الكلمة هو جسدنا نحن؛ الذي اتخذه عندما صار إنسانًا، داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة التي تقول بأننا نحن المؤمنون أي الكنيسة، مُجرَّد جسد اعتباريّ رمزيّ، وليس جسدًا حقيقيًا للربِّ يسوع المسيح كالتالي:

”وواضح أن بيت الحكمة هو جسدنا، الذي عندما اتَّخذه الكلمة، صار إنسانًا. وقال عنه يوحنا بحقٍ: ’الكلمة صار جسدًا‘ (يو 1: 14)“.[67]

انجماع البشرية في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى الانجماع الكليّ للبشرية في جسد المسيح من أجل بقاء جسدنا غير مائت وغير فاسد، وهكذا نصل به إلى الإنسان الكامل في المسيح قائلاً:

”إذًا، فالرب عندما ’أُسِّس‘، لم يكن هذا هو بداية وجوده لأنه قبل التأسيس كان هو الكلمة، لكن عندما لبس جسدنا الذي أخذه كقطعة من جسد مريم، عندئذٍ يقول: ’أسَّسني‘، كما لو كان يقول: ’لكوني الكلمة فقد ألبسني جسدًا ترابيًا‘. لأنه هكذا تأسَّس من أجلنا؛ آخذًا ما يخصنا على عاتقه. لكي باتحادنا معه في الجسد، وارتباطنا به بسبب مشابهة الجسد، نبقى غير مائتين وغير قابلين للفساد، ونصل به إلى إنسان كامل (أف 4: 13)“.[68]

ويدحض ق. أثناسيوس نظريتي البديل العقابيّ والأجساد الثلاثة من خلال تأكيده على أننا محمولون في الابن، لأن الكلمة جاء ليحلَّ فينا، وهكذا صرنا جميعًا باشتراكنا فيه جسدًا واحدًا؛ لأننا نحصل على الرب الواحد في أنفسنا، وهكذا نصير كاملين بكمال جسد المسيح الذي نكون معه جسدًا واحدًا كالتالي:

”إذًا، فالكلمة هو في الواقع وبالحقيقة واحدٌ مع الآب في الجوهر. أمَّا نحن فقد أُعطِيَ لنا أن نتشبه بهذه الطبيعة [أي الطبيعة الإلهية]، كما سبق أن قيل لأنه أضاف مُباشرةً: ’أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد‘ (يو 17: 23). ولذا فالربّ هنا يطلب لأجلنا شيئًا أعظم وأكمل. لأنه واضح أن الكلمة قد جاء لكي يكون فينا؛ لأنه قد لبس جسدنا. وبقوله: ’وأنت أيها الآب فيَّ‘، فهو يعني ’لأني أنا كلمتك‘، وحيث إنك أنت فيَّ بسبب كوني كلمتك، وأنا فيهم بسبب الجسد، ومنك يتحقَّق خلاص البشر فيَّ، لذلك أسأل أن يصيروا هم واحدًا بسبب الجسد الذي فيَّ، وبحسب كماله لكي يصيروا هم أيضًا كاملين؛ إذ يكون لهم وحدة مع الجسد، ولأنهم قد صاروا واحدًا في هذا الجسد، فإنهم كما لو كانوا محمولين فيَّ، يصيرون جميعًا جسدًا واحدًا، وروحًا واحدًا؛ لأننا جميعًا باشتراكنا فيه، نصير جسدًا واحدًا، لأننا نحصل على الربِّ الواحد في أنفسنا“.[69]

تقديس الأشياء بالروح القدس

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديس وتمجيد كل الأشياء أي المخلوقات بالمشاركة في الروح القدس الذي يُقدِّس ويُمجِّد كل الأشياء التي تشترك معه كالتالي:

”فإن كل هذه الأشياء الأخرى [أي المخلوقات] قد تكوَّنت وتقدَّست وتمجَّدت بالمشاركة أيضًا. إذًا، فهناك حاجة ملحة أن تقولوا لنا، مَنْ هو الذي يُشارِكه (الابن)، ما دامت كل الأشياء الأخرى لها شركة في الروح (القدس)، أما هو -فبحسب قولكم- لمَّن يستطيع أن يكون (الابن) مُشارِكًا؟ هل للروح؟ بل كما قال هو ذاته حقًا بالأحرى إن الروح نفسه يأخذ من الابن (يو 16: 14)، ومن غير المعقول القول بأن هذا (الابن) يُقدَّس من ذلك (الروح)، ولا يتبقى بعد ذلك بالضرورة إلا أن نقول إن الآب هو الذي يُشارِكه الابن“.[70]

تقديس جسدنا بجسد المسيح

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن اللوغوس واهب الروح القدس نفسه، قد مُسِحَ لأجلنا بالروح القدس في الجسد، لكي ما نمتلك هذا التقديس بشركة ومسحة الروح القدس في أجسادنا نحن، وهكذا لم يشر ق. أثناسيوس إلى تقديس البشرية بإزالة العقوبة عن البشرية كما في نظرية البدلية العقابية التي انتشرت في لاهوت العصر الوسيط وفي اللاهوت البروتستانتيّ، بل باتحاد اللوغوس بالجسد ومسحة الروح القدس لجسده من أجلنا؛ فصرنا من خلال ذلك مُقدَّسين في المسيح كالتالي:

”هكذا يُرِينا داود أيضًا أنه ليست هناك طريقة أخرى لكي نُشارِك الروح، ونتقدَّس لو لم يقل اللوغوس ذاته، واهب الروح، بأنه هو ذاته مُسِحَ بالروح من أجلنا، ولهذا السبب طبعًا أخذنا الروح، إذ إنه هو الذي قيل فيه إنه قد مُسِحَ بالجسد. حيث إن جسده الخاص هو الذي تقدَّس أولاً، وإذ قيل عنه كإنسان إن جسده قد اتَّخذ هذا الروح، فلأجل هذا، فنحن نمتلك نتيجة ذلك نعمة الروح، آخذين إياها ’من ملئه‘ (يو1: 16)“.[71]

الخلاص بتأليه البشر

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على ترقي ورفعة الأشياء التي يعوزها الترقي والرفعة في المسيح، لأن الابن في تجسُّده جعل البشر أبناءً للآب وقام بتأليه البشر في تأنسه كالتالي:

”لذلك فإنْ كان للابن ذلك المجد حتى قبل خِلقة العالم، وكان هو رب المجد وهو العلي، ونزل من السماء، وهو معبود على الدوام، فينتج من ذلك أنه لم يترق بنزوله، بل بالأحرى هو نفسه الذي رقى الأشياء التي يعوزها الترقي، وإنْ كان قد نزل من أجل ترقيتها، لذلك فإنه لم يحصل على اسم ابن وإله كمكافأة، بل بالأحرى فإنه هو نفسه جعلنا أبناء للآب وألَّه البشر بكونه صار إنسانًا“.[72]

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم أنسلم الكانتربري

سوف نستعرض في هذا الفصل تعليم الكفارة والفداء عند أنسلم رئيس أساقفة كانتربريّ بإنجلترا، وذلك لمقارنة تعاليمه بتعاليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص، لنرى الاختلاف الكبير بن تعليم ق. أثناسيوس عن التعليم الغربي بالترضية وإيفاء العدل الإلهيّ، والإبدال العقابيّ.

يُسمَّى أنسلم أبا المدرسيين الذين درَّسوا في جامعات العصور الوسطى. وكان أنسلم رئيس أساقفة كانتربري في القرن الثاني عشر. وكان واقعيًا. حيث يفترض الواقعيون أن الأفكار والآراء لها وجود في الواقع، بينما أعتقد الأسميون بأن الأفكار أو الأفكار العامة بين جميع البشر هي مُجرَّد أفكار ليس لها أيّ وجود سوى في الفكر. فهم يرون أن الأشياء التي لها أهمية هي الموضوعات الفردية في العالم الماديّ فقط.[73] وإذ كان أنسلم يقف على حافة نهضة القرن الثاني عشر اللاهوتية، قدَّم إسهامات حاسمة في مجالين من مجالات الدراسة، وهما: البراهين على وجود الله، والتفسير العقلانيّ لموت المسيح على الصليب.[74] وخلال إحدى الفترات التي قضاها أنسلم في العمل في إيطاليا، بعيدًا عن إنجلترا، كتب ذلك المؤلَّف الذي ربما يُعدُّ أهم مؤلفاته، بعنوان Cur Deus homo ”لماذا صار الله إنسانًا“. سعى أنسلم في هذا المؤلَّف إلى تقديم إثبات عقلانيّ لضرورة أن يصير الله إنسانًا، بالإضافة إلى تحليل للفوائد التي تعود على البشرية نتيجة تجسُّد ابن الله وطاعته. ومرةً أخرى، يُظهِر هذا المؤلَّف خصائص تنتمي إلى السكولائية في أفضل صورها، ومنها الاحتكام إلى العقل، وحشد الحجج المنطقيّ، واستكشاف معاني الأفكار الضمنية ونتائجها وتطبيقاتها، هذا الاستكشاف الذي لا يلين، بالإضافة إلى القناعة الأساسية بأن الإنجيل المسيحيّ في لبه هو إنجيل عقلانيّ، يمكن إثبات كونه عقلانيًا.[75]

الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته

للحديث عن مفهوم ”الترضية“ و ”البدلية العقابية“ عند أنسلم الكانتربريّ، ينبغي علينا أولاً الحديث عن مفهوم أنسلم عن الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته، والذي نتج عنه مبدأ الترضية، والتعويض، وإيفاء العدل الإلهيّ، والإبدال العقابيّ. حيث يتحدَّث أنسلم عن ماهية الخطية كإهانة لله، وسلب لحقه في الإكرام، وحط من قدره قائلاً:

”فمَّنْ لا يؤدي واجب الإكرام هذا لله، يكون قد سلب الله حقه، وحطَّ من كرامته […] وكذلك مَنْ حطَّ من كرامة صاحبه، فلا يكفي أن يرد له الإكرام الواجب، ينبغي عليه أيضًا التعويض الكافي عن طريق ترضيته عن الإهانة. ومن الملاحظ في هذا الشأن أن المغتصِب الذي يرد المال المغتصَب، ينبغي عليه أن يُعطِي شيئًا، لم يُطالِب به، لو لم يعتد على غيره في ماله. وبالتالي، ينبغي على كل مَنْ يفعل الخطية أن يرد لله الإكرام الواجب الذي سلبه. وهذا هو الإيفاء المطلوب من الخاطئ لله“.[76]

لا يوجد غفران بدون عقوبة

يتحدَّث أنسلم عن عدم غفران الله للخطية من دون عقاب في موضع آخر قائلاً:

”لا يليق بالله أن يغفر خطية من دون عقاب عليها“.[77]

مبدأ إيفاء العدل الإلهي

يشرح أنسلم الكانتربريّ مبدأ إيفاء العدل الإلهيّ حقه، ورد كرامة الله المهانة من البشر بسبب الخطية، واسترداد الله لكرامته المهانة بفرض العقوبة على الخطأة قائلاً:

”لا يوجد شيء ينبغي الحفاظ عليه عند الله أكثر من كرامة مقامه. […] ثم يتساءل: أنسلم: هل يبدو لك إذَا سمح الله بحدوث هذا النهب، ولم يسترد الشيء المنهوب، ولم يُعاقِب الناهب، أنه بذلك يُحافِظ على كرامته العالية المحافِظة الحقيقية التي لا يشوبها أيّ شيء. بوزو Boso: لا أستطيع قول ذلك. أنسلم: بناءً على ذلك، ينبغي أن يسترد الكرامة المهَانة، أو يفرض العقاب، وإلا لن يسير كل من العدالة والقوة الإلهية في مسارهما، ولا يمكن تصوُّر ذلك على الإطلاق“.[78]

ثم يشرح أنسلم بمثالٍ كيفية إيفاء المسيح للقصاص الإلهيّ العادل عوضًا عن البشر المجرمين في حق الله الآب كالتالي:

”حيث كان من الصعب لأحد غيره أن يجد منفذًا من حكم القصاص. وكان ابنه الأمين والصادق هذا له مكانة عظيمة عند ذلك الأب، وهو يحب كثيرًا أولئك الأولاد المجرِمين، فأراد بما له من القدرة أن يُصالِح كل الذين يثقون بمشورته مع الأب بعمل خدمة مُرضِية جدًا، لديه واجب أن يعملها في يوم مُحدَّد بحسب مشيئة الأب […] وحيث كان من الصعب على الذين يريدون الخلاص أن يحضروا جميعًا حينما أكمل المسيح ذلك الفداء، كانت قوته موته فعَّالة بهذا القدر، حتى أن غير الموجودين في الزمان والمكان، يُمكِنهم استنتاج ذلك“.[79]

توضيح نظرية الترضية لأنسلم

انصب تركيز أنسلم بالكامل على برِّ الله. فالله يفتدي البشر على نحوٍ متسق تمامًا مع صفة بره. وقد كانت أطروحة أنسلم بعنوان Cur Deus homo ”لماذا صار الله إنسانًا“ عبارة عن تناول بارع لمسألة إمكانية فداء البشر، في هيئة حوار ثنائيّ. وفي سياق تحليله، أثبت – مع أن مدى نجاحه في هذا يُعدُّ مثار جدل – كلا من ضرورة التجسُّد، والطاقة الخلاصية الكامنة في موت يسوع المسيح وقيامته من بين الأموات. وقد كانت حجته مُعقَّدة، ويمكن تلخيصها على النحو التالي:

  • خلق الله البشر في حالة من البر الأصليّ كي يقتادهم إلى حالة من النعيم الأبديّ.
  • كانت هذه الحالة من النعيم الأبديّ مشروطةً بطاعة الإنسان لله. لكن، بسبب الخطية، صار البشر عاجزين عن تتميم شرط الطاعة اللازم توافره، الأمر الذي يبدو كما لو أنه أحبط قصد الله من خلق البشر من الأساس.
  • وإذ من المستحيل أن تُحبَط مقاصد الله، لا بد من وجود وسيلة يمكن بها علاج هذا الوضع. لكن، لا يمكن علاج الوضع، إلا إذَا قُدِّمَت ترضيةً عن الخطايا. بعبارةٍ أخرى، كان ينبغي فعل شيء، يمكن من خلاله محو الإساءة التي تسبَّبت فيها خطايا البشر وتطهيرها.
  • لكن ما مِن وسيلة يمكن بها للبشر أن يُقدِّموا هذه الترضية اللازمة. فالبشر يفتقرون إلى الموارد اللازمة. لكن في المقابل، لدى الله الموارد اللازمة لتقديم الترضية المطلوبة.
  • ومن ثمَّ، كان من شأن ”الله-الإنسان“ أن تكون لديه القدرة بصفته الله، وأن يكون عليه الإلزام بصفته إنسانًا، بأن يسدّ الترضية المطلوبة. ومن ثمَّ، حدث التجسُّد حتى يمكن تقديم الترضية المطلوبة، وفداء البشر.

تستلزم بعض النقاط السابقة تعليقًا. أولاً، حُسِبَت الخطية هنا إساءةً في حق الله. ويبدو أن حجم هذه الإساءة متناسب طرديًا مع مكانة الطرف المساء إليه. رأى العديد من الباحثين والدارسين أن هذا يوحي بتأثُّر أنسلم الشديد بالمبادئ الإقطاعية التي كانت سائدةً في أيامه، وأنه ربما اَعتبر الله مُعادِلاً لشخصية ”السيد الإقطاعيّ“ أو ”البارون“.

ثانيًا، أُثِيرَ جدلٌ لا بأس به حول أصول فكرة ”الترضية“ Satisfaction. فربما كانت هذه الفكرة مُستمَدة من القوانين الألمانية في تلك الفترة، والتي كانت تنص على وجوب محو الإساءة أو تطهيرها عن طريق دفع ثمن ملائم. لكن، يعتقد غالبية الباحثين والدارسين أن أنسلم احتكم في هذا بشكلٍ مباشرٍ إلى نظام التوبة الذي كان متبعًا في الكنيسة. فقد كان الخاطئ الذي يلتمس التوبة يُطالَب بالاعتراف بكل خطاياه. وعند نطق الكاهن بالحلِّ أو الصفح، كان يطلب من التائب أن يفعل شيئًا (مثل الذهاب في رحلةٍ إلى الأراضي المقدَّسة، أو القيام بعملٍ خيريّ) باعتباره ”ترضيةً“ – أي وسيلةٌ علنيةٌ للتعبير عن الامتنان لأجل الصفح. ومن المحتمَل أن يكون أنسلم قد استقى فكرته من هذا المصدر.

لكن، على الرغم من الصعوبات الواضحة التي صاحبت منهجية أنسلم، أحرز من خلالها تقدُّمٌ مهمٌ. فإن إصرار أنسلم على كون الله مُلزمًا كليةً وتمامًا بالتصرف طوال عملية فداء البشر وفقًا لمبادئ العدل والبرِّ، هو أمر مثَّل مقاطعةً حاسمةً لمنهجية ”كريستور فيكتور“ (المسيح الغالب)، تلك المنهجية المشكوك في إتباعها المبادئ الأخلاقية السليمة. وبتبني الكُتَّاب اللاحقين منهجية أنسلم، استطاعوا وضعها فوق أساس أكثر ثباتًا، وذلك عن طريق ترسيخها في مبادئ القانون العامة.[80]

ويرى الأب الكاثوليكيّ فالتر كاسبر أن أنسلم ينطلق في نظريته عن التكفير أو الترضية من ”نظام الكون“. هذا النظام الشامل المعقول تُعكِره الخطيئة. والإنسان مُسلَّم هكذا إلى الجنون. وهذا الفساد يستدعي التعويض الذي سيكون التكفير. ولو كان الله نفسه يمنح التكفير بمحض الرحمة، لما أرضى ذلك العدل.[81] فلا بد إذًا من القول: ”إمَّا التكفير وإمَّا العقاب“ (أنسلم، لماذا تجسَّد الله، 1: 15). يجب أن يقتضي الله تكفيرًا وتعويضًا. ولكن مقتضى الله هذا يُحبِطه الإنسان. فالخطيئة هي ضد الله اللا متناهي، ولذلك فهي نفسها لا متناهية.[82] ويشرح أنسلم منطقه هذا باستناده خصوصًا إلى مفهوم ”شرف الله“. فقد خُلِقَ الإنسان ليُطِيع الله ويخدمه، ويستسلم له. وقد حاد عن هذه الغاية بالخطيئة. ولكن كلما كان المهَان عظيمًا، عظُمَت أيضًا الإهانة. وشرف الله لا مُتناهٍ، فدَّين الإنسان كذلك لا مُتناهٍ. والتكفير اللا متناهيّ ضروريّ. ولكن الإنسان المتناهيّ غير قادر على القيام به.

وينتج من ذلك أن الإنسان مُلزَم بالتكفير، ولكن الله وحده قادرٌ على القيام به. والتكفير الذي يُعِيد ”نظام الكون“ و ”شرف الله“ لا يمكن تحقيقه إلا بمَّن هو في الوقت عينه إلهٌ وإنسانٌ، أي الإنسان الإله. والسؤال: ”لماذا صار الله إنسانًا“؟ يجد هكذا الجواب عنه. ولكن هذا لا يقول بعد لماذا كان على الله أن يصعد على الصليب ليفتدينا. ويُضِيف أنسلم أيضًا أن حياة يسوع في الطاعة لا تكفي للفداء، إذ إن الإنسان مُلزَم من قبل بتلك الطاعة بالخلق. فالتكفير لا يمكن أن يتحقَّق إلا بشيءٍ لا يُلزِم من قِبَل يسوع بكونه إنسانًا. ولا يمكن يكون سوى موته، إذ إن يسوع لمَّا كان بلا خطيئة فهو غير خاضع لمصير الموت. وبما أن يسوع نفسه لم يكن بحاجة إلى هذا التكفير، فالله قادرٌ على أن يجعله موضوع استحقاق لجميع الآخرين. والعجز في ميزانية جميع الآخرين يُسدِّده فيض ما هو عند المسيح. فيسوع أعاد إذًا بموته الطوعيّ التوازن لـ ”نظام الكون“ وحقَّق التكفير عن الجميع.

لا يمكن أن تُفهَم نظرية أنسلم جيدًا إلا إذَا وُضِعَت في إطار الإقطاع الچرمانيّ، في بداية العصر الوسيط. وهذا يرتكز على علاقة الأمانة التي تربط السيد بمَّن هو تحت يده، وهذا يُقطِعه السيد أرضًا مع حمايته التي تجعل له نصيبًا في السلطة العامة. ويتقبَّل السيد منه الوعد بأن يتبعه ويخدمه. والاعتراف بجميل السيد هو إذًا أساس النظام، والسلام، والحرية، والحقّ. وشرف السيد ليس شرفه الخاص، بل هو موقعه الاجتماعيّ الذي يجعله ضامنًا للسلام العام. وكل نيل من هذا الشرف يتضمَّن هدم الحقّ والسلام، وخسارة الحرية، والفوضى. وبطلب هذا الشرف لا يُنظَر إلى الإرضاء الشخصيّ للسيد، بل إلى إعادة النظام الجماعيّ. ويُميِّز أنسلم بالطريقة نفسها شرف الله ”في ما يعود إليه“ وشرف الله ”في ما يعود إلى الخليقة نفسها“. ففي الأمر الأول لا يمكن زيادة أيّ شيء عليه أو إنقاص أيّ شيء منه. أمَّا إذَا كان الإنسان لم يعدّ يعترف بشرف الله، فينهار ”نظام العدالة“ في العالم.

إن انتهاك شرف الله لا ينال إذًا من الله نفسه، بل من الإنسان والنظام وجمال العالم. وليس شرف الله الشخصيّ الذي يُطلَب رده إلى نصابه، بل العالم المشوَّش والمخلَّع، هذا العالم الذي لا يسوده النظام إلا ما دام يحترم شرف الله. وليس الموضوع هنا التعويض عن شرف إله غيور، ولا شأن نظام قانونيّ مُجرَّد، أو ميزانية يجب أن تُوازن. الموضوع هو الاعتراف بشرف الله وإعادته في سبيل الحرية والسلام والنظام، ولأجل أن يُعَاد إلى العالم معناه.[83]

يحاول أنسلم إثبات حتمية حدوث التجسُّد من خلال العقل بدلاً من التقليد والكتاب المقدَّس. وكانت خطة بحسب الظاهر هو أن يُثبِت لليهود والمسلمين تلك العقيدة مُقدَّمةً في صورة حوار ثنائيّ، والمتحاوران هما أنسلم نفسه وتلميذًا له يُدعَى بوزو Boso.

يبدأ أنسلم بالمشكلة التي يحلها التجسُّد: مشكلة الخطيئة.[84] ويُعرِّف الخطيئة على أنها عصيان لله. وأيّ إخفاق في التسليم الكامل لإرادة الله يجعلنا في حالة خطيئة أمامه. وللأسف، هذا ما حدث، فليس هناك ما يمكننا القيام به لتصحيح الوضع، كما يقول أنسلم:

”إن أيّ شخص لا يعطي الاحترام الواجب لله، فكأنه يسرق من الله ما ينتمي إليه، وهذه خطيئةٌ. وما هو أكثر من ذلك، طالما أنه لا يُسدِّد ما سرقه من الله، فإنه سيظلُّ مُذنِبًا. وليس كافيًا أن نرد ما سرقه، لأن هذا الشخص أهان الله، وعليه أن يُعيد شيئًا أكثر مما أخذ“.[85]

وقد أقتبس أنسلم هذه الأفكار مُباشرةً من مجتمع العصور الوسطى. فالناس الذين خضعوا للنظام الإقطاعيّ في العصور الوسطى دانوا بالولاء للسيد، وكان عليهم أن يطيعوه، وإنْ لم يفعلوا ذلك فهذه إهانةٌ كبيرةٌ له، وكأنهم سرقوا كرامته وشرفه. وإنْ لم يرد السارق ما أخذه، بل وزيادة، نظرًا لأنه قد تسبَّب في الإهانة، فسوف يُعاقَب. أمَّا في حالة الخطيئة، فيتوجَّه أنسلم لنقطة أننا لا نستطيع أن نُعوِّض الله. فلكي نفعل ذلك، علينا أن نعطيه شيئًا لا ندين به له. لكننا ندين لله بكل شيء، إذ أننا موجودون فقط لأنه خلقنا، وحتى لو لم نكن قد أخطأنا سنكون أيضًا مدينين له بولائنا الكامل وكل شيء نمتلكه. ويسأل أنسلم بوزو السؤال الحاسم:

”أنسلم: ما الذي ستُقدِّمه لله من أجل خطاياك؟ بوزو: إذَا كنتُ أنا مدينٌ له بنفسي وبكل شيء حتى وإنْ لم أفعل خطيئةً، ثم بعد أن أخطأت، لم يعدّ لديَّ شيء لأُقدِّمه. أنسلم: ماذا سيحدث لك؟ وكيف يمكنك أن تخلُص؟ بوزو: إذَا أنا فكَّرت فيما قلته لي. لا أستطيع أن أجد أيّ طريق للخلاص“.[86]

وما هو أسوأ قادمٌ. إن عصيان الله هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث. هي جريمةٌ شرها لا نهائيّ. لذا، فلكي نُعوِّض الله عن حقه من الاحترام الواجب، علينا أن نُقدِّم شيئًا ثمينًا يفوق هذه الخطيئة اللا نهائية، وكيف يمكننا فعل ذلك؟ المشكلة هي هنا بما أن الطرف المذنب، أي البشرية يجب أن تُرضِي الله، وهذا ما تعجز عن فعله. في الواقع، أن الله وحده مَن يمكنه فعل ذلك. وهنا يكون الاستنتاج واضح:

”أنسلم: إذًا، فالله وحده هو القادر على أن يُقدِّم هذه الترضية. بوزو: هذا ما يتبع ذلك. أنسلم: لكن ليس من أحد سوى البشر يلزمهم فعل هذا، وإلا لن يكون البشر قد قدَّموا هذه الترضية. بوزو: ليس هناك عدل أكثر من هذا. أنسلم: […] حتى إذَا لم يكن أحدٌ سوى الله الذي يمكنه القيام بهذه الترضية، وليس مَن يمكنه غير الإنسان الذي يلزم عليه القيام بها، لذلك يجب أن يكون هناك إله-إنسان لكي يقوم بذلك. بوزو: تبارك الله!“.[87]

ولتنفيذ هذه الخطة يجب أن يكون الله-الإنسان إلهًا كاملاً وإنسانًا كاملاً. وعليه أن يُقدِّم تقدمةً غاليةً لا نهائيةً. ولأنه هو الله، فإن موته له قيمة لا نهائية. لذا، يسمح هذا الله-الإنسان لنفسه أن يموت مُقدِّمًا موته كتعويض عن الإهانة التي لحقت به بسبب البشرية. وهذا يكفي ويزيد لتعويض ما سُلِبَ، ويمكن للبشرية الخاطئة أن تنال الغفران.

نقد نظرية الترضية لأنسلم

إن تعليم أنسلم هو تقرير موضوعيّ عن الخلاص. فهو يرى الخطيئة على أنها دَّينٌ كونيّ، سدَّده الله لنفسه. وتقف البشرية الخاطئة موقف المراقِب لهذه المبادلة بطريقةٍ سلبيةٍ بدون أن تُشارِك فيها [وهذا عكس تعليم الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح عند ق. أثناسيوس وآباء الشرق اليونانيّ]. ولا يتحدَّث هذا التعليم عن تغيُّر العلاقة مع الله، ولا الطريقة التي يمكن من خلالها للبشرية الخاطئة أن تتغيَّر إلى حياةٍ أفضل. بالطبع هذه الأمور مهمةٌ لأنسلم، ولكنها لا تلعب دورًا في فكره اللاهوتيّ عن الخلاص بالمعنى الدقيق للكلمة. فبالنسبة له، يُشبِه البشر مجرمون هربوا من حكم الإعدام. وأيّ تغيير لاحق في القلب والحياة الأفضل التي يمكن أن يتمتَّع بها الإنسان تأتي كرد فعل للخلاص، وليست جزءًا من الخلاص ذاته، وهذا يتعارض بشدةٍ مع تعاليم أبيلارد في وقتٍ لاحقٍ، وكذلك مع تأكيدات أوغسطينوس السابقة له.

إن مفهوم أنسلم القانونيّ للخلاص سيكون مُؤثِّرًا جدًا، وسيكون السبب الجذري لتعاليم كلٍّ من لوثر وكالفن عن الكفارة، والذي من خلالهما تأسَّست الحكمة المنزلة للبروتستانتية عمومًا.[88]

 

 

 

الفصل الثالث: الدراسات الحديثة حول تدبير الخلاص بين الشرق والغرب

سوف نستعرض في هذا الفصل أهم الدراسات الحديثة للأساتذة والباحثين اللاهوتيين حول الاختلافات بين الشرق والغرب في مفهوم تدبير الخلاص، للتأكيد على أن البدلية العقابية تعليم غير موجود في فكر آباء الشرق عامةً، وفي فكر ق. أثناسيوس خاصةً.

نورمان راسل

يشرح البروفيسور نورمان راسل،[89] أستاذ اللاهوت والآبائيات في جامعة أوكسفورد، تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس، وكيف يربط ق. أثناسيوس بين الخلاص وتأليه الإنسان، حيث يرى أن الخلاص هو عن طريق تأليه الإنسان، وليس عن طريق البدلية العقابية كالتالي:

”إن استخدم أثناسيوس لأول مرة لمصطلح θεοποιέω في الإطار المسيحيّ اللاهوتيّ كان في منطوقه المعروف لـ ’الصيغة التبادلية‘ الذي ورد في كتاب ’تجسد الكلمة‘، فصل 54: ’لقد صار [الله] إنسانًا كي نصير مُؤلَّهين‘. وقد أُشِيرَ منذ أكثر من قرن مضى إلى اعتماده في هذا الصدد على إيرينيؤس. إن عبارة أثناسيوس هي إعادة صياغة بلغةٍ أكثر تقنيةً من لغة إيرينيؤس الذي قال: ’هو صار على ما نحن عليه لكي يجعلنا على ما هو في نفسه‘. (ضد الهرطقات، برهان الكرازة الرسولية، الفصل 5). على مثال إيرينيؤس، فإن أثناسيوس يرى الخلاص كعملية تصحيح لمسار الإنسانية الساقطة نحو الله. ففي فكره، هناك تناقضٌ بين الله غير المخلوق والخليقة التي أحضرها من العدم إلى الوجود. وبالتالي، فإن سقوط الإنسانية هو انجذاب نحو الطبيعة المخلوقة المائلة للعودة نحو العدم. لقد قام التجسُّد بعكس اتجاه الانجذاب [من العدم نحو الله]. بينما هو في الوقت نفسه ’قريبٌ‘ كونه واحدًا منَّا، فإن الإنسانية الآن مُنجذِبة نحو الاتجاه المعاكس، أي نحو غير المخلوق. ويستمر أثناسيوس على هذا النهج في التفسير مُوضِّحًا: ’إنه أعلن ذاته بواسطة الجسد لكي يصير من الممكن لنا أن نُكوِّن فكرة عن الآب غير المنظور، واحتمل الإهانات من البشر لكي نرث نحن عدم الفساد‘. إن ثمار تألُّه البشرية التي تُمثِّلنا والتي اتَّخذها الكلمة هي معرفة الله والانحلال من الفساد“.[90]

توماس تورانس

يستعرض البروفيسور توماس تورانس،[91] أستاذ العقائد المسيحية في جامعة أدنبرج Edinburgh باسكتلندا، جوانب عقيدة الفداء في الكتاب المقدَّس والتقليد الآبائيّ، مؤكدًا على عدم وجود بدلية عقابية في تعليم الآباء الشرقيين، ويشير إلى اختلاف مفاهيم تدبير الخلاص بين الشرق والغرب كالتالي:

”علاقة نظريات الكفارة بجوانب الفداء الثلاثة في العهد القديم: لقد مالت النظريات التاريخية إلى أن تقع في ثلاث مجموعات أساسية، معروفة في العموم كالتالي: نظرية التأثير الأخلاقي، ونظرية الفدية ransom،[92] ونظرية البدلية العقابية penal substitution.[93] هذا التمييز، يجعله أكثر وضوحًا التاريخ الذي يتفق بمعيار حقيقي مُعيَّن مع الجوانب الأساسية الثلاثة في المفهوم الكتابيّ للفداء، ولكن ليس بشكلٍ كاملٍ: فعلى سبيل المثال، يتم إغفال الجانب التعبديّ للفداء، ولكن الأهم من الكل هو حقيقة فقدان الروابط البينية عندما ننظر إلى الكفارة بهذه الطريقة، وبالتالي، الأجزاء الثلاثة التي تنقسم الكفارة إليها هي أكثر ضيقًا وفقرًا من الجوانب الأساسية الثلاثة أو خطوط الفداء padah أي الفدية، و kipper أي الكفارة، و goel أي الفادي. لذا دعونا نفحص هذه الجوانب في ضوء النظريات التاريخية. (1) الجانب الدراميّ [التمثيليّ] للكفارة: لقد مال إلى أن يقع في نظرية ’الفدية للشيطان‘، أو على أحسن تقدير مفهوم المسيح المنتصر Christus Victor. غالبًا هذه النظرية هي نظرية آبائية وفي العصر الوسيط المبكر، بل ولها مثيلاتها الحديثة في الدوائر اللوثرية والأنجلو-كاثوليكية، ولكن ليس كثيرًا جدًا في الأرثوذكسية اليونانية أو اللاهوت الروماني الكاثوليكي. لذا عندما يضيق الجانب الدرامي [التمثيلي] للكفارة بهذه الطريقة، فيكون لديه نزعة مميَّزة نحو الثنائية dualism، ويستدعي هذا ’تجريد الصفات الميثولوچية‘ Demythologisation. فمن الجدير بالملاحظة إنه في حين يتحدَّث المؤرِّخون في كثير من الأحيان عن ذلك بأنه آبائي وعصر وسيط، ولكنه يوجد فقط بالحقيقة الفعلية في جزء بسيط من الفكر الآبائي، أي في الأوريجانية، وفي مواضع مُعيَّنة من الفكر الرهبانيّ، حيث سادت الثنائية. ولم يُنادِ به أيّ من الآباء العظام (فيما عدا غريغوريوس النيسي)، ونجده أيضًا مرةً أخرى في أزمنة العصر الوسيط، في الفكر الشعبيّ والرهبانيّ، ولكنه غير واضح تمامًا عند اللاهوتيين – حيث قضى عليه عمليًا أنسلم وبرنارد من كليرڨو. (2) الجانب التعبديّ – القضائيّ للكفارة: لقد مال هذا إلى أن يقع في مفهومين هما: (أ) المفهوم التعبديّ للكفارة دون عنصر التبرير، موجود غالبًا في النصوص والسياقات الليتورچية. حيث مال إلى المضي قُدمًا في الفكر الغربيّ غالبًا بالارتباط مع ذبيحة القداس، دون العلاقة الكافية بالمسيح نفسه في عمله الخلاصيّ. ولكن يتم المبالغة في ذلك بأيّ حال من الأحوال عند اللاهوتيين العظام. فعلى سبيل المثال، العشرون سؤالاً التي خصَّصها توما الأكويني للإفخارستيا، يوجد سؤال واحد فقط منها مُخصَّص لمفهوم الذبيحة الإفخارستية. كما يوجد مفهوم أفضل كثيرًا في صلوات وتأملات أنسلم. (ب) المفهوم العقابيّ دون الجانب الكهنوتيّ – مفهوم الترضية في الكفارة. هذا المفهوم مُستمَد في الغرب غالبًا من الفكر الأساسيّ لترتليان – ولديه نزعة مُميَّزة نحو الناحية القضائية، مع مفهوم بسيط للخلاص من الناموس، ومفهوم للخلاص ’بمعزل عن الناموس‘. حيث يدين تطوُّر مفاهيم العقوبة والترضية في الكفارة بالكثير إلى اللغة اللاتينية والمفاهيم الأكثر تأثرًا باللاتينية، كما يُمكِننا أن نرى عندما نُقارِن التطوُّر الغربيّ لهذه المفاهيم، سواء في الفكر الرومانيّ أو البروتستانتيّ، مع إيضاح جوانب العقوبة والترضية في فكر كيرلس الإسكندريّ على وجه الخصوص. لقد كان مفهوم البدلية العقابية مع الفهم الضيق للتبرير، هو الذي أصبح سائدًا في القرون المعروفة بالأرثوذكسية البروتستانتية، وفيما يُعرَف اليوم بالبروتستانتية الإنجيلية. (3) الجانب الأنطولوچيّ [الوجوديّ] للكفارة: لقد مال هذا مجددًا إلى أن يقع في مفهومين هما: (أ) المفهوم التجسُّدي incarnational، حيث يكون العنصر الخلاصيّ من خلال المعرفة والاتحاد المستيكيّ [السرائريّ] بالمسيح. وهذا واضح مبكرًا جدًا عند الآباء اليونانيين، على سبيل المثال، عند كليمندس الإسكندريّ، وسابقًا جدًا عند أغناطيوس الأنطاكيّ – ولكنه يختلف في الرسالة إلى ديوجنيتوس. لقد أصبح أحد الخطوط الأساسية للتطور في جميع أنحاء التقليد المستيكيّ [الصوفيّ]، حيث يتم التركيز أكثر في بعض الأحيان على الاتحاد بالله من خلال المعاينة السرية، وأحيانًا على الاتحاد بالله من خلال التجسُّد. (ب) المفهوم الذاتيّ للكفارة، حيث يكون التأثير الأخلاقي لذبيحة المسيح، أو معرفة ماذا فعل الله لأجلنا في محبته هو العنصر الخلاصيّ – على سبيل المثال عند أبيلارد، أو عند سوسينوس Socinus. ولكن يمتلك هذا تطورًا عميقًا ومؤثرًا في الليتورچية، على سبيل المثال، في صلاة مريم أسفل الصليب Stabat Mater – قارن هنا صلاة مريم لهايدن Haydan، والقوة الهائلة للتأمل في جراحات يسوع“.[94]

وهكذا نُدرِك من هذا القول لهذا العلامة اللاهوتيّ الكبير وأستاذ العقائد المسيحية أن مفهوم البدلية العقابية هو مفهوم غربيّ نشأ بالأساس من فكر ترتليان، وتطوَّر في الغرب في اللاهوت الكاثوليكيّ والبروتستانتيّ حتى وصل إلى ما هو عليه في يومنا هذا.

يُحاوِل البروفيسور توماس تورانس التفريق بين جانب الإبدال العقابي للكفارة كما جاء في العهد الجديد من وجهة نظره، وبين فكر الإبدال العقابي كما تطوَّر في الغرب اللاتيني، أو الروماني، أو البروتستانتي، ولكنه يؤكِّد على أن العهد الجديد لم يستخدم لفظة ’يُعاقِب‘ عن العلاقة بين الآب والابن، حيث يقول التالي:

”لهذا السبب، يتحدَّث العهد الجديد عن جانب الإبدال العقابي للكفارة، ليس في أقسام قضائية [شرعية] مُنفصِلة كالتي قد تطوَّرت في الغرب اللاتينيّ، أو الرومانيّ، أو البروتستانتيّ، بل من ناحية حميمية العلاقة بين الآب والابن، حيث يُخضِع الابن ذاته لحكم الآب، وتستجيب له مسرة الآب الصالحة – أنظر هنا الأهمية الكبيرة لچون مكليود كامبل J. Mcleod Campbell وكتابه العظيم ’طبيعة الكفارة‘، حيث يُحذِّرنا بحقٍ من التفكير في الكفارة بتعبيراتٍ عقابيةٍ محضةٍ، لأننا لا نستطيع التفكير في المسيح المعاقَب من الآب بدلاً عنا، فلا يستخدم العهد الجديد في أيّ موضع كلمة Kolazo أي يُعاقِب، عن العلاقة بين الآب والابن“.[95]

ويرى البروفيسور توماس تورانس أن الفداء عند ق. أثناسيوس يحدث في حياة الابن المتجسِّد التوسطية وفي شخصه، يحدث خلاصنا في علاقات الوسيط الداخلية، وليس ببساطةٍ في علاقة المسيح الخارجية بالخطأة، وهذا ينفي عن أثناسيوس فكرة الإبدال العقابيّ، الذي يحاول البعض عن جهل أن ينسبها إليه كالتالي:

”يحدث [الفداء] في حياة الابن المتجسِّد التوسطية وفي شخصه، فكما أنه [أثناسيوس] أعتقد أن اللوغوس هو داخل كيان الله، كذلك أعتقد أن خلاصنا يحدث في علاقات الوسيط الداخلية، وليس ببساطةٍ في علاقة المسيح الخارجية مع الخطأة“.[96]

خالد أناطوليوس

يرى البروفيسور خالد أناطوليوس،[97] أستاذ اللاهوت في جامعة نوتردام والمتخصِّص في تعليم ق. أثناسيوس، أن خلاصنا وتألُّهنا، بحسب ق. أثناسيوس، يتأسَّس بالكامل على أن حالتنا الإنسانية قد انتسبت إلى الكلمة، لأن ذلك في الأساس هو الذي يجعل كياننا مفعمًا بالكلمة كالتالي:

”إن خلاصنا وتألُّهنا يتأسَّس بالكامل على أساس أن حالتنا الإنسانية قد انتسبت للكلمة، لأن ذلك في الأساس هو ما يجعل كياننا مُفعَمًا بالكلمة“.[98]

جوهانس رولدانوس

يرى الباحث الكبير چوهانس رولدانوس أن مفهوم أثناسيوس عن الخلاص يتوقف على وحدة جسد المسيح البشريّ مع جسدنا، وكذلك على وحدة طبيعته الإلهية مع الطبيعة الإلهية للآب قائلاً:

”إن مفهومه عن الخلاص يتوقف على إتمامه لوحدة جسد المسيح البشريّ مع جسدنا، وكذلك على وحدة طبيعته الإلهية مع الطبيعة الإلهية الخاصة بالآب“.[99]

لويس بيركهوف

يتحدَّث البروفيسور المعروف لويس بيركهوف[100] عن الاختلاف بين اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ واللاهوت الغربيّ اللاتينيّ في عقيدة الكفارة وعمل المسيح على الصليب، حيث يقول التالي:

”في اللاهوت الآبائيّ اللاتينيّ: على الرغم من أن تعليم عمل المسيح في اللاهوت الآبائيّ اللاتينيّ لديه نقاط عديدة مُشتركة مع تعليم اللاهوت اليونانيّ المبكر، ولكن حتى في هذه الفترة المبكرة، تبدأ اختلافات مُهمة في الظهور. حيث يبدأ النوع اللاتينيّ المختلِف من اللاهوت مع ترتليان. حيث يتبنى إلى حد ما نظرية إيرينيؤس الانجماع الكلي، ولكنه يتصوَّر التجسُّد على أنه يُؤثِّر على الجنس البشريّ بالأساس من خلال الإرشاد والمثال. ولكن تتراجع هذه الفكرة كلها بشكلٍ أو بآخر إلى الخلفية. حيث يُركِّز كثير جدًا أكثر من إيرينيؤس على الأهمية المحورية لموت المسيح على الصليب، مُعتبرًا إياه نقطة الذروة والنهاية الحقيقية لإرسالية المسيح. لا يُمكِن القول بأنه ذهب بعيدًا عن إيرينيؤس في الصياغة المحدَّدة لعقيدة موت المسيح. ولكن تقع أهميته الحقيقية في حقيقة أنه أدخل استعمال مصطلحات قانونية عديدة إلى اللاهوت، مثل: ’ذنب‘، و ’ترضية‘، و ’استحقاق‘، وما إلى ذلك، التي تمَّ توجيهها لتلعب دورًا كبيرًا في التطوُّر اللاهوتي لعقيدة عمل المسيح. ومع ذلك، يجدر ملاحظة أنه مازال لم يُطبِّق تلك المصطلحات على عمل المسيح الكفاريّ، بل على التوبة والأعمال الصالحة التي ينبغي أن تتبع الخطايا المرتكَبة بعد المعمودية. كما وضع الأساس لتطوُّر عقيدة التوبة في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية“.[101]

يستطرد البروفيسور لويس بيركهوف في نفس السياق مُتحدِّثًا عن عقيدة الكفارة عند أوغسطينوس أبو اللاهوت اللاتينيّ، مُوضِّحًا الاختلاف بين اللاهوت اليونانيّ واللاهوت الأوغسطينيّ بشأن عقيدة الكفارة والفداء، حيث يقول التالي:

”نشعر بشكلٍ طبيعيّ بالميل إلى اعتبار أن أوغسطينوس – الأب الكنسيّ الأعظم في الغرب – قد أضاف بشكلٍ كبيرٍ، سواء على المستويين الجوهريّ والشكليّ، إلى عقيدة عمل المسيح. ولكن ليست تلك هي القضية، بل تقع إنجازاته في موضع آخر. حيث يُقدِّم آراءً متنوعةً، جامعًا في ذاته التطور السابق. كما توجد فكرة تألُّه الطبيعة البشرية بالتجسُّد، ولكن بطريقة أخلاقية فقط، ويوجد أيضًا مفهوم أن الشيطان لديه حق على الإنسان، ولكن تم استكماله، عن طريق فكرة أن حق الشيطان تم إبطاله بموت المسيح. ولكن فيما يُعتبر بأنه خط تفكيره الأساسي، يُعتبَر أوغسطينوس بعيدًا جدًا عن اللاهوت اليونانيّ. حيث كل من افتراضاته واستنتاجاته مُختلفة. فالأفكار الرئيسة هي أفكار الخطية الأصلية، والتبرير بالنعمة، والمصالحة بذبيحة المسيح. حيث يفرض النوع الغربي الجديد من الفكر نفسه، ونجد أنفسنا ندور في دائرة الأفكار البولسية. حيث يتم النظر إلى الإنسان على أنه موضوع الغضب الإلهيّ، وذبيحة المسيح كتهدئة لهذا الغضب، وكمُصالحة للإنسان مع الله. لم يُطوِّر أوغسطينوس هذه الأفكار إلى نظام كامل، حيث تقع أقواله بعيدًا بقليل عن نظرية أنسلم المترابطة تمامًا عن الكفارة. حيث لم يُميِّز بصورةٍ حادةٍ بين الجانب القضائيّ والتجديديّ للفداء“.[102]

ويتَّضح من هنا اتفاق رأي البروفيسور لويس بيركهوف مع غيره من أساتذة العقائد المسيحية أن عقيدة الكفارة والفداء بجانبها القانونيّ والقضائيّ في اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ تختلف تمام الاختلاف عن الجانب الشفائيّ والتأليهيّ في اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ.

ستيفن هولمز

يُقرِّر البروفيسور ستيفنز هولمز[103]Stephens R. Holmes  المحاضر الكبير للاهوت النظامي في جامعة ق. أندراوس باسكتلندا حقيقة واضحة أثناء تأصيله لعقيدة ”البدلية العقابية“ من الكتاب المقدَّس، والأدب المسيحيّ الآبائيّ في مختلف العصور المسيحية، وهي أن ”البدلية العقابية“ ليست فكرة أصيلة في اللاهوت الأرثوذكسيّ الشرقيّ، بل هي فكرة بروتستانتية بامتياز نشأت مع رجالات حركة الإصلاح، وبالأخص عند جون كالفن، حيث يقول التالي:

”أقترح علاوة على تلك الاقتراحات الكثيرة من أجل ايجاد تعليم واضح عن البدلية العقابية في أحداث الكتاب المقدَّس عن طريق اتخاذ صورة تُقرَأ بصورةٍ أكثر طبيعيةً وبشكلٍ مُختلفٍ، وترجمتها إلى أشكال وأنواع البدلية العقابية وصورتها، وهذا الاتجاه مرئي أيضًا في أغلب المحاولات من أجل ايجاد البدلية العقابية عند آباء الكنيسة، حيث هناك فقرات عرضية تنشر بالطبع المجاز القانونيّ، ولكن لا يوجد وعي أن هذا تعليم مُتطوِّر عن الكنيسة الأولى، ولا يوجد دليل على أنه علامة مُميَّزة مفترضة للأرثوذكسية. ويستمر هذا الموقف خلال فترة العصر الوسيط، وأول تفسير مُتكامِل ومُتطوِّر بالفعل للبدلية العقابية أستطيع ايجاده في التاريخ هو في كتاب ’الأسس‘ لكالفن (١٥٣٦- ١٥٥٩م). لقد طوَّر لوثر بالطبع أفكار مُشابِهة قبل عقدين من الزمن، وتوجد بلا شك إرهاصات مُهمة بين كُتَّاب العصور الوسطى في القرن ١٥، ولكن يُقدِّم كالفن تعليم البدلية العقابية بشكلٍ مُفصَّلٍ وناضجٍ. لقد تحدَّث الكُتَّاب الأوائل عن أمور قد تُفهَم بمُصطلحات البدلية العقابية، ولكنهم لم يُعلِّموا أبدًا بالفكرة بشكلٍ مُباشرٍ“.[104]

وهكذا يتَّضح لنا في الأخير اختلاف المفاهيم حول تدبير الخلاص بين اللاهوت الغربيّ مُمثَّلاً في اللاهوت المدرسيّ في العصر الوسيط، ومن بعده اللاهوت البروتستانتيّ، وبين اللاهوت الشرقيّ مُمثَّلاً في آباء الكنيسة الذين يرونا في تدبير الخلاص مبادلة خلاصية شفائية، وليست مبادلة عقابية، والذين يؤكِّدون على وجودنا الكياني في المسيح أثناء تدبيره الخلاصي، وإنه ليس مُجرَّد مثال على فضيلة البذل والحب، وكأنه مُنفصِل عنا، بل نحن ندخل ونتَّحد معه في عمق السر الإلهيّ العجيب الذي صنعه لأجلنا. لم يكن المسيح مُجرَّد ترضية أو إيفاء لدَّين خطية آدم وخطايانا كما يُعلِّم البعض في أيامنا، بل هو مُتَّحِد بنا وبطبيعتنا ليُؤلِّهنا ويُؤلِّه طبيعتنا فيه، ويستبدل الموت بالحياة، والظلمة بالنور، والغلبة بالنصرة، واللعنة بالبركة، والضعف بالقوة.

جون كيلي

يتحدَّث البروفيسور چون كيلي،[105] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، عن تعليم ق. أثناسيوس الخلاصي قائلاً:

”لم يشفنا المسيح فقط، بل حمل العبء الثقيل لضعفنا وخطايانا. المظهر الخارجيّ للتعليم هو أحد تعليم البدلية، ولكن ما يُحاوِل أثناسيوس إبرازه، لم يكن أكثر من أن ذبيحة واحدة كانت بديلة عن الأخرى، حيث ’استُنفِذَ موت الجميع في جسد الرب‘ (تجسد الكلمة، ٢٠). بمعنى آخر، إنه بسبب الاتحاد بين جسده وجسدنا، كان موته وانتصاره بالأساس لنا (أي موتنا وانتصارنا). تمامًا كما ورثنا الموت من خلال ارتباطنا بآدم الأول، هكذا نهزم الموت ونرث الحياة من خلال ارتباطنا بـ ’الإنسان من السماء‘ (ضد الآريوسيين ١: ٤٤: ٢، ٦١؛ ٢: ٦٧)“.[106]

وهذه هي البدلية التي يقصدها أثناسيوس مُبادلة الموت بالحياة، والفساد بعدم الفساد، والظلمة بالنور، والخطية بالقداسة… إلخ.

لورانس جرينستيد

يُقارِن البروفيسور لورانس جرينستيد،[107] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، بين تعليم أثناسيوس السوتيريولوجيّ (الخلاصيّ) وتعليم البدلية العقابية، مُؤكِّدًا على أن ق. أثناسيوس لم يقل في أيّ موضع أن موت المسيح كان بمثابة معاناة عقابية، كالتالي:

”لا يوجد مُبرِّر للادعاء بأن أثناسيوس هو أصل وبادرة النظريات العقابية اللاحقة. لا توجد إشارة إنه يَعتبر الموت في أيّ موضع أنه بمثابة مُعاناة عقابية، وقليلاً ما يَعتبر أن موت المسيح بمثابة عقابًا نيابيًا. لم يستخدم بالفعل عبارات ’تألم نيابةً عن الكل‘ و ’الموت نيابةً عن الكل‘ ولكن ينبغي تفسير تلك العبارات بحسب فهمه القوي لوحدة الجنس البشريّ في الكلمة المتجسِّد ’بالنظر إلى موت الجميع فيه‘“.[108]

هستنجس راشدال

يشرح البروفيسور هستنجس راشدال،[109] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، تعليم القديس أثناسيوس الخلاصيّ ويُقارِن بينه وبين تعليم ”البدلية العقابية“ في اللاهوت الغربيّ، حيث يرفض وجود تعليم بدلية عقابية في تعليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص كالتالي:

”هذا هو التعليم المحدَّد عن الذبيحة النيابية، ولكنه مع ذلك، لم يكن بكلماتٍ واضحةٍ تعليم العقاب النيابيّ. يبدو أن الفكرة هي كالتالي، إنه بموت هذه الذبيحة، تمَّ إيفاء دَّين الموت – الذي جلبته خطية آدم – واستُوفِي في حالة الجميع الذين يشتركون في ذلك الناسوت، الذي اتَّحد الكلمة به في حالة الجسد الواحد. حيث يبدو واضحًا أكثر من عند إيرينيؤس، أن موت المسيح لا يُمثِّل مُجرَّد مُعادِل، بل مُساوِي حقًا لموت الجميع (تجسد الكلمة ٢٠: ٤، ٥): مات الجميع بالفعل حرفيًا في موت الواحد. بالرغم من ذلك، لم يكن التركيز على فعل الذبيحة المتعلِق بالماضي، بل على آثار التجديد التابعة، والتابعة من القيامة أكثر من الموت. […] هذا هو خط التفكير الذي قابلناه بالفعل عند إيرينيؤس، ولكنه أكثر تطوُّرًا وتنظيمًا بكثير عند أثناسيوس. يُحاوِل [أثناسيوس] توضيح أن قابلية الفساد ليست عقوبة جزائية تعسفية فرضها الله، بل نتيجة طبيعية وحتمية للخطية“.[110]

جوناثان هيل

يتحدَّث چوناثان هيل،[111] الباحث الكبير في تاريخ العقيدة المسيحية من جامعة أوكسفورد، عن تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس، وأنه مثل ق. إيرينيؤس، يرى أننا خلُصنا باتحاد الله والإنسان في المسيح، الأمر الذي رفع البشرية إلى مستوى الألوهية، أي أن الخلاص عند ق. أثناسيوس هو عن طريق تأليه الإنسان كالتالي:

”على أيّ حال، فالابن يجب أن يكون الله. ولو لم يكن فما كان بمقدوره أن يُخلِّصنا. ويؤمن أثناسيوس، مثل ق. إيرينيؤس من قبله، بأننا خلُصنا باتحاد الله والإنسان في المسيح، الأمر الذي رفع البشرية كلها إلى مستوى الألوهية. وبحسب نظرته، فإن إنكار ألوهية المسيح هو إنكار لأساس الخلاص كله“.[112]

أليستر ماجراث

يتحدَّث البروفيسور أليستر ماجراث،[113] أستاذ اللاهوت التاريخيّ في جامعة أوكسفورد، عن أن الفداء بحسب المدرسة الإسكندرية معناه هو الاشتراك في حياة الله، أو أن يصير المرء إلهيًا، وهي الفكرة التي وُصِفَت قديمًا بمفردات التأليه كالتالي:

”كانت المدرسة الإسكندرية، التي يُعدُّ أثناسيوس واحدًا من ممثليها، سوتيريولوچية في طبيعة منظورها وفي توجهها. فإن يسوع المسيح هو فادي البشرية، حيث كان الفداء [redemption] بحسب هذه المدرسة معناه: ’الاشتراك في حياة الله‘، أو ’أن يصير المرء إلهيًا‘، وهي الفكرة التي وُصِفَت قديمًا بمفردات التأليه. وتُعبِّر الكريستولوچيا عمَّا توحي به ضمنًا هذه الفكرة السوتيريولوچية [الخلاصية]. يمكن تلخيص مسار حجة الكريستولوچيا الإسكندرية على النحو التاليّ: لتأليه الطبيعة البشرية، ينبغي أن تتَّحد هذه الطبيعة بالطبيعة الإلهية. فينبغي أن يصير الله مُتَّحِدًا بالطبيعة البشرية بحيث تأخذ الأخيرة إمكانية الاشتراك في حياة الله. وقال الإسكندريون إن هذا هو بالتحديد ما حدث في تجسُّد ابن الله في يسوع المسيح ومن خلاله. فقد اتَّخذ الأقنوم الثاني في الثالوث طبيعةً بشريةً، وبهذا، ضمن تأليه هذه الطبيعة. صار الله إنسانًا حتى يصير البشر إلهيين“.[114]

كاليستوس وير

يشرح المطران الأرثوذكسيّ كاليستوس وير،[115] أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعتي كامبريدچ وأوكسفورد، الفرق بين نظرة الشرق لتدبير الخلاص باعتباره انتصار ظافر على قوة الشر وبين نظرة الغرب منذ عهد أنسلم الكانتربريّ إلى الصليب بتعابير قانونية وجزائية، وباعتبار عملية الصلب عملاً استعطافيًا للإرضاء أو الإبدال من أجل تهدئة غضب الآب الخالق كالتالي:

”فحينما تتطلع الأرثوذكسية إلى المسيح الظافر قبل كل شيء، يتطلع غرب العصر الوسيط والعصر الذي عقبه إلى المسيح الضحية أولاً. وبينما تُفسِّر الأرثوذكسية فعل الصلب على أنه بالدرجة الأولى انتصارٌ ظافرٌ على قوة الشر، يميل الغرب، وبنوعٍ خاصٍ منذ عهد أنسلموس رئيس أساقفة كانتربري (حوالي عام 1033- 1109) إلى التفكير في أمر الصليب بتعابير قانونية وجزائية، أو باعتبار عملية الصلب عملاً استعطافيًا للإرضاء أو الإبدال من أجل تهدئة غضب الآب الخالق“.[116]

ويتحدَّث المطران كاليستوس وير عن أن هدف الحياة المسيحية هو تأليه الإنسان، وذلك في تعليم القديسين أثناسيوس وباسيليوس الكبير، حيث أن مفهوم فداء الإنسان وخلاصه في الأرثوذكسية معناه تأليه الإنسان قائلاً:

”وقد صوَّر ق. باسيليوس الكبير الإنسان على أنه مخلوقٌ أُمِرَ بأن يصبح إلهًا، أمَّا أثناسيوس فقال بأن الله صار إنسانًا لكي يصبح الإنسان إلهًا. ’في ملكوتي، يقول المسيح، سأكون الله وأنتم آلهةٌ معي‘. ذلك هو، وفقًا لتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية، الهدف النهائيّ الذي يجب أن يتطلع إليه كل مسيحيّ: أن يصبح إلهًا، أي أن يبلغ التأليه. ففي مفهوم الأرثوذكسية، فداء الإنسان وخلاصه يعنيان تأليهه“.[117]

فلاديمير لوسكي

يشرح اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ المعروف فلاديمير لوسكي[118] تدبير الخلاص بحسب ق. أثناسيوس، حيث يرى أن جسد المسيح الذي يتَّحد المسيحيون به في المعمودية، هو بحسب ق. أثاسيوس جذر قيامتنا وخلاصنا، فنحن ككنيسة في المسيح جسد واحد، يجري فيه دم المسيح ليُطهِّرنا من كل خطيئة، ولقد اتَّخذ الكلمة جسدًا لنستطيع أن ننال الروح القدس، لأن حضور الروح القدس فينا هو شرط تألُّهنا كالتالي:

”أمَّا جسد المسيح، الذي به يتَّحد المسيحيون بالمعمودية، فيصير، بحسب القديس أثناسيوس، ’جذر قيامتنا وخلاصنا‘ [Oratio III contra Arianos, 13, PG, t. 25, 393-396]. الكنيسة شيءٌ أكبر من الفردوس الأرضيّ؛ فحالة المسيحيين أفضل من حالة البشر الأولين. ففي الكنيسة لا يعود يُحتمَل فقدان الشركة مع الله نهائيًا، وذلك كوننا محتوين في جسدٍ واحدٍ، يجري فيه دم المسيح الذي ’يُطهِّرنا من كل خطيئة ومن كل غضن. فقد اتَّخذ الكلمة جسدًا لنستطيع أن ننال الروح القدس‘ [S. Athanase, De incarnatione et contra Arianos, 8, PG, t, 26, 996C]. حضور الروح القدس هذا فينا شرط تألُّهنا، لا يمكن أن يضيع“.[119]

جورج فلورفسكي

يرى الأب الأرثوذكسيّ چورچ فلورفسكي،[120] أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعات هرفارد وبرنستون الأمريكية، والعميد السابق لمعهد القديس سرجيوس بفرنسا، والعميد السابق أيضًا لمعهد القديس فلاديمير بأمريكا، أن مغزى الخلاص والفداء في اللاهوت المسيحيّ المبكر هو الاتحاد الحميم بين الله والإنسان في المسيح، ويؤكد على أن هذا كان الخط الرئيسيّ عند ق. أثناسيوس وق. غريغوريوس النزينزيّ اللاهوتيّ كالتالي:

”كانت الرسالة المسيحية ومنذ البداء فعلاً هي رسالة الخلاص، وبحسب ربنا فقد عرفناه وبالأساس بصفته المخلِّص، الذي افتدى شعبه من عبودية وأسر الخطية والفساد. إن عمق حقيقة سر التجسُّد الإلهيّ فعلاً قد تمَّ تفسيره وعلى الدوام في اللاهوت المسيحيّ المبكر عن منظور الفداء، فقد كانت المفاهيم الخاطئة عن شخص المسيح والتي كان على الكنيسة الأولى مواجهتها ومقاومتها ونقدها ودحضها هي تلك التي كانت تفعل ذلك وبالتمام حين كانت تُقلِّل من واقعية وحقيقة الفداء البشريّ. وقد تمَّ الافتراض عمومًا أن منتهى ومغزى الخلاص هو أن الاتحاد الحميم بين الله والإنسان قد تمَّت استعادته، واستقر المقام على أن الإنسان المفتدَى لا بد أن ينتمي بنفسه إلى كلا الجانبين، أي أن يكون من جهة إلهيًا وفي آنٍ إنسانيًا، وإلا ما كانت قد تأصلت وتأسَّست تلك الشركة المشروخة أو المسكورة بين الله والإنسان. ذلك كان الخط الرئيسيّ للفكر اللاهوتيّ العقلانيّ عند القديس أثناسيوس في صراعه مع الآريوسيين، والقديس غريغوريوس النزينزيّ في دحضه للأبولينارية، وللعديد من كُتَّاب آخرين في القرنين الرابع والخامس“.[121]

فالتر كاسبر

يشرح الأسقف الكاثوليكيّ الشهير فالتر كاسبر[122] تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس، حيث يرى أن اهتمام أثناسيوس الأساسيّ في الدفاع عن ألوهية الكلمة كان اهتمام خلاصيّ وليس نظريّ، لذا يرى ق. أثناسيوس ضرورة ألوهية يسوع المسيح وفهمها في الإطار العام للتعليم الخلاصيّ في الكنيسة القديمة الذي يرى الفداء كتأليه للإنسان، فالإنسا ن المخلوق على صورة الله لا يستطيع الحصول على كيانه الحقيقيّ بدون المشاركة في حياة الله، وبالتالي التماثُّل مع الله، ولكن بما أن صورة الله قد أفسدتها الخطيئة، فلا بد من أن يصبح الله إنسانًا لكي نتألَّه نحن، ونبلغ من جديد إلى معرفة الله غير المنظور كالتالي:

”لم تكن هذه التأكيدات متأتية أولاً من اهتمام نظريّ، بل من اهتمام خلاصيّ، كان أثناسيوس يُبرِزه دائمًا: إذَا لم يكن المسيح إلهًا فلسنا نحن مُفتَدين، لأن الله الذي لا يموت وحده يستطيع أن يُحرِّرنا من عبودية الموت، ويجعلنا مُشاركين في ملء الحياة. فعقيدة ألوهية يسوع المسيح الصحيحة يجب أن تُفهَم في الإطار العام للتعليم الخلاصيّ في الكنيسة القديمة مع فكرتها عن الفداء كتأليه للإنسان. إن الإنسان المخلوق على صورة الله لا يستطيع الحصول على كيانه الحقيقيّ والصحيح إلا بالمشاركة في حياة الله، ومن ثمَّ، بالتماثُّل مع الله. ولكن بما أن صورة الله قد أفسدتها الخطيئة، فلا بد من أن يصبح الله إنسانًا لكي نتألَّه نحن، ونبلغ من جديد إلى معرفة الله غير المنظور. ولا علاقة لعقيدة الفداء هذه الطبيعية (في شأن الكيان) بمفهوم طبيعيّ فيزيولوچيّ، بل حتى سحريّ للخلاص، كما ادُّعِيَ ذلك مرارًا. إنها ترتكز في الحقيقة على الفكرة اليونانية عن البايدييا، أي تربية الإنسان، بسعيه لكي يُشبِه هيئة المثال الإلهيّ الأول المنظور في الصورة ويُشارِك فيها“.[123]

جوهانس كواستن

يشرح العلامة الآبائيّ الكاثوليكيّ الكبير چوهانس كواستن[124] تعليم الخلاص عند ق. أثناسيوس، حيث يرى أن أساس ق. أثناسيوس في دافعه عن ألوهية اللوغوس هو أساس خلاصيّ، ويرى أن تأليه الإنسان هو غاية الخلاص في دفاع ق. أثناسيوس عن ألوهية الكلمة كالتالي:

”إن أساس ما كان يُدافِع عنه ق. أثناسيوس فيما يخص اللوغوس هو عقيدة الفداء. والعبارات التالية تُعبِّر عن التعليم اللاهوتيّ للقديس أثناسيوس: ’لقد صار [كلمة الله] إنسانًا لكي يُؤلِّهنا، وقد أظهر نفسه في جسدٍ لكي نحصل على معرفة الآب غير المنظور، واحتمل إهانة البشر لكي نرث نحن عند الموت‘ (تجسد الكلمة، فصل 54). […] لذلك يستدل ق. أثناسيوس على ضرورة تجسُّد الكلمة وموته من مشيئة الله لفداء البشر. فلم يكن ممكنًا أن نحصل على الفداء إذَا لم يكن الله نفسه قد صار إنسانًا، وإذَا لم يكن المسيح هو الله. ولذا، فإن اللوغوس باتّخاذه الطبيعة البشرية، قد ألّه البشر. وقد غلب الموت ليس من أجل نفسه بل من أجلنا كلنا. […] ولو لم يكن المسيح إلهًا بالطبيعة، ولكن بالمشاركة (كما يقول الهراطقة)، فإنه لم يكن بمقدوره أبدًا إعادة تشكيل الإنسان على صورة الله. لأن الذي لا يملك شيئًا إلا الذي استعاره من آخر فلا يمكن أن يمنحه لآخرين“.[125]

كاثرين ساندرجير

تُسجِّل البروفيسور كاثرين ساندرچير[126]Katherine Sanderegger  ، أستاذ اللاهوت في جامعة يال الإمريكية، اعتراض البعض على مفهوم أنسلم عن إيفاء الدَّين وذبيحة الترضية بأنه مفهوم نسطوريّ على نحوٍ خطير، مما يُؤكِّد على ما قلناه قبلاً من اختلاف مفهوم اللاهوت الغربيّ للدَّين عن اللاهوت الشرقيّ، كالتالي:

”علاوة على ذلك، سردية أنسلم عن ’إيفاء الدَّين‘ و ’ذبيحة الترضية‘ تبدو للبعض نسطورية بشكلٍ خطيرٍ، كما لو كان يمكن تقديم ناسوت المسيح كعملٍ مُستقِلٍ للموت البريء، بمعزل عن الاتحاد الأقنوميّ الملازِم للألوهة. بالإضافة إلى ذلك، تبدو مُعالجة أنسلم المدرسية المبكرة لفكرة اللا محدودية، سواء في تقدير الخطية، وفي قيمة الاستحقاق الشخصيّ للمسيح بالنسبة لانتقاداته ذات العقلية الفلسفية غير قوية وغير مُقنِعة“.[127]

توماس ويناندي

لذا يُؤكِّد البروفيسور توماس ويناندي[128] Thomas G. Weinandy على أن مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس هو دَّين الموت كما ذكرنا سابقًا، ولقد قام المسيح بإيفاء دَّين الموت بموته عن الجميع ليهبهم حياة القيامة عديمة الفساد كالتالي:

”السبب في أن الكلمة المتجسِّد يضمن للبشر حياة القيامة عديمة الفساد هو أنه يُقدِّم ’إلى الموت، الجسد الذي قد أخذه هو نفسه كتقدمةٍ وذبيحةٍ بلا عيب، لأنه أبعد للتو الموت عن جميع نظرائه بتقديم النظير. وبما أنه فوق الجميع، وَفَىَ كلمة الله بالطبيعة عن طريق تقديم هيكله وأداته الجسدية الدَّين بموته من أجل حياة الجميع‘ (تجسد الكلمة ٩: ١-٢؛ ٢٠: ٢، ٥-٦). لأن الكلمة، وقد اتَّخذ طبيعتنا عينها، يُقدِّم حياته البشرية النقية والطاهرة كذبيحةٍ بدلاً عنا ولأجلنا، فينقض ويوفي دَّين الموت الذي جلبته أنا وهكذا أقرَّته الخطية. وبالتالي، نعي هنا بوضوحٍ مركزية الصليب داخل سوتيريولوچية [التعليم الخلاصيّ] أثناسيوس“.[129]

جوستاف ألين

يرى البروفيسور چوستاف ألين[130] أن مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس هو دَّين الموت كالتالي:

”نفس الشيء هو حقيقيّ عن مجاز الدَّين، الذي يُوازِيه مجاز الفدية، ولكنها أقل استخدامًا للغاية. حيث يتحدَّث أثناسيوس عن كلمة الله بأنه عن طريق تقديم جسده ’مُوفيًا الدَّين عن الجميع بموته‘، وإنه بذلك الموت تمَّ ’إيفائه‘، كما يربط أيضًا هذه الفكرة مع فكرة الذبيحة، ويقول إن ’الكلمة اتَّخذ الجسد الذي أخذه قربانًا، كذبيحة غير دنسة بالموت، وهكذا أزال الموت من جميع أخوته بذبيحته النيابية‘ (تجسُّد الكلمة، فصل ٩). وبالتالي يُعد الدَّين مدفوعًا في المقام الأول للموت“.[131]

المطران كيرلس بسترس وآخرون

يرى المطران كيرلس سليم بسترس[132] وآخرون، في سياق شرحه لكتاب ”تجسد الكلمة“ للقديس أثناسيوس، أن هدف التجسُّد عند ق. أثناسيوس هو أن يعيد معرفة الله ويُبطِل الخطيئة ويُؤلِّه الإنسان، ويُوحِّده بالله بموهبة الروح القدس ويمنحه الخلود، فالتجسُّد يهدف إلى الفداء، وإعادة الإنسان إلى أصله، فالإنسان مخلوق على صورة الله كالتالي:

”لا نجد في هذا الكتاب أية إشارة إلى الآريوسية. فهو يرجع إلى سنة 318، وكان لأثناسيوس من العمر 23 سنة، ولم يكن بعد أمين سرّ أسقفه ألكسندروس. يتضمن الكتاب قسمين: القسم الأول هو دفاعٌ عن المسيحية بإزاء الوثنيين؛ يُثبِت فيه الكاتب صحة التوحيد الإلهيّ وبطلان عبادة الأصنام وتعدُّد الألهة. والقسم الثاني يُوضِّح الإيمان بالتجسُّد والهدف منه: فقد تجسَّد كلمة الله ليُعيد معرفة الله ويُبطِل الخطيئة، ويُؤلِّه الإنسان ويُوحِّده بالله بموهبة الروح القدس، ويمنحه الخلود. فالتجسُّد يهدف إلى الفداء. يتجسَّد الكلمة ليعيد الإنسان إلى أصله، فالإنسان مخلوقٌ على صورة الله“.[133]

ويتحدَّث المطران كيرلس بسترس وآخرون عن أن الفكرة الرئيسية في لاهوت الآباء اليونانيين عامةً ولاهوت ق. أثناسيوس خاصةً، هو أن كلمة الله تجسَّد لكي يُؤلِّه الإنسان، فالتجسُّد يهدف إلى الفداء والتألُّه، وهنا يربط بين الفداء والتألُّه في التعليم الخلاصيّ للقديس أثناسيوس كالتالي:

”إن لاهوته يُلخَّص في الجملة التالية التي تُعبِّر أيضًا عن الفكرة الرئيسية في لاهوت الآباء اليونانيين: ’تجسَّد كلمة الله ليُؤلِّه الإنسان‘ (ضد الآريوسيين 1: 39). فالتجسُّد يهدف إلى الفداء والتألُّه، وإذَا كان كلمة الله مخلوقًا، فكيف يمكنه أن يُؤلِّه الإنسان؟“.[134]

عبد المسيح اسطفانوس

يتحدَّث القس الدكتور عبد المسيح اسطفانوس[135] عن أن تأليه الإنسان هو محور تعليم الخلاص عند ق. أثناسيوس قائلاً:

”وجدير بالذكر أن أثناسيوس كان قد كتب كتابه ’تجسُّد الكلمة‘ قبل ظهور آريوس وتعاليمه، ولذلك لا نجد فيه مناقشة لآراء آريوس والرد عليها. كان اهتمام أثناسيوس بصفةٍ أساسيةٍ بموضوع الخلاص. ولذلك وجد أن الخلاص لو لم ينبع من الله نفسه لا يكون خلاصًا كاملاً، ولذلك اهتم كثيرًا بألوهية الابن ، واَعتبر أن التجسُّد أمرٌ أساسيّ تمامًا ليتحقَّق الخلاص. وكان هذا ما دفعه لمقاومة تعاليم آريوس. ومن المهم أن نتذكَّر أن اهتمام أغناطيوس وإيرينيؤس بموضوع الخلاص كما رأينا من قبل دفعهما إلى التنبير على ألوهية الربِّ يسوع، ولذلك فقد كانت هنالك خلفية لاهوتية وفكرية هامة موجودةٌ في الكنيسة قبل أثناسيوس. لم يكن اهتمام أثناسيوس أن يكون المسيح هو الله بمعنى أنه هو الله بشخصه، ولكنه أهتم بأن يُوضِّح أن المسيح والله جوهرٌ واحدٌ. ويُنبِّر أثناسيوس على الطبيعة الإنسانية الكاملة للمسيح والطبيعة الإلهية الكاملة ليتحقَّق الخلاص للإنسان. ويقول في هذا الشأن: ’ما كان يمكن للإنسان أن يأتي إلى حضرة الله ما لم يكن ذاك الذي تجسَّد هو بالطبيعة وحقيقةً اللوغوس الصادر منه. كما أنه ما كان يمكن أن نتحرَّر من الخطية ومن اللعنة ما لم يكن الجسد الذي اتَّخذه الكلمة جسدًا إنسانيًا حقيقيًا. إذ لا يمكن أن تكون هنالك شركةٌ بيننا وبين غريب عنَّا. ولذلك، فما كان يمكن للإنسان أن يتألَّه ما لم يكن الكلمة بالطبيعة من الآب وينتمي إليه فعلاً وحقيقةً‘ (ضد الآريوسيين 2: 70). فالآب هو الآب فعلاً لأنه أبو الابن. والابن لا يكون ابنًا سوى لأنه ابن الآب. فالآب والابن أزليان خالدان. ولذلك، فتجسُّد الكلمة [اللوغوس] يمنحنا الخلود. وهذا يُوضِّح لنا أن حديث أثناسيوس عن ’تألُّه‘ الإنسان كان يُقصَد به غالبًا تحقيق الخلود بالمشاركة في الطبيعة الإلهية“.[136]

ويستطرد الدكتور القس عبد المسيح اسطفانوس في التأكيد على أن الخلاص بتأليه الإنسان هو الفكر السائد في تعليم الآباء اليونانيين قائلاً:

”ومن المهم أن نُلاحِظ أن الفكر السائد عند الآباء اليونانيين هو أن الكلمة صار جسدًا لا ليُقدِّم مثالاً لمَّا يجب أن تكون عليه الإنسانية، ولا ليفي الدَّين الذي على الإنسان لله. ولكن لكي يغلب قوات الشرِّ التي أسرتنا، ولكي يفتح في نفس الوقت الطريق لنبلغ الطبيعة الإلهية [ثيؤسيس]. ومن المهم أن نُلاحِظ أن ’التألُّه‘ في فكر الكنيسة الشرقية لم يعن أبدًا أن البشر يتخطون الحدود الإنسانية. فحتى غريغوريوس النزينزيّ الذي كان يحلو له استخدام فكرة ’التألُّه‘، لم يكن يقصد بذلك أن الإنسان يصبح إلهًا مثل اللوغوس [ابن الله]، إلا أنه يبدو أنه كان يؤمن أن الهدف النهائيّ للخلاص والتجسُّد هو أن يصل المؤمنون إلى ’إنسانية‘ الرب يسوع“.[137]

 

 

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على البدلية العقابية في اللاهوت الغربي

نستعرض الآن أهم الانتقادات والاعتراضات الموجَّهة لنظرية ”الإبدال العقابيّ“ في شرح عمل المسيح على الصليب كالتالي:

(1) نجد في ملمح الغضب في سياق ”الإبدال العقابيّ“، تحويل أقانيم الثالوث إلى الآب الساحق والابن المسحوق، أو إلى الآب الغاضب والابن المغضوب عليه، الذي يُسكِّن غضب الآب ويُهدئ من غضبه، وهذا يُعتبر فصل بين أقنومي الآب والابن في جوهر الثالوث الواحد، وهذه هي الهرطقة الآريوسية عينها.

(2) لا نجد أيّ دور لأقنوم الروح القدس في عملية الترضية، والتعويض، والعقوبة، ودفع الثمن. تلك الأمور التي قدَّمها الابن للآب، ولا وجود ولا حضور جلي لأقنوم الروح القدس في تلك الأمور، مما يؤدي إلى التقليل من شأن أقنومية الروح القدس، وهذه هي الهرطقة الأفنومية والمقدونية.

(3) إخضاع الله لقوانين وشروط مُلزِمة له في عملية قبول الثمن والتعويض، وضرورة قبول الترضية لأجلنا. وحاشا لله أن يخضع لمثل هذه القوانين والشروط. فالله غير المحدود، وخالق الكل، وواضع النواميس، كيف يمكن إخضاعه لقوانين ونواميس؟ حاشا.

(4) تقديم صور مُشوَّهة وثنية صنمية عن الله تُظهِره أنه إله غاضب على البشر، ويكرههم، ويبغضهم بسبب خطاياهم، رغم أنه لا توجد مثل هذه المشاعر والأهواء في جوهر الله، فهل الغضب صفة من صفات الجوهر الإلهي؟ وتُظهِر ”البدلية العقابية“ الله إنه يحتاج مَنْ يُهدئه ويُسكِّن غضبه، ويجعله يعود يحب البشر مرةً أخرى بعدما أبغضهم بسبب خطاياهم!

(5) كيف يمكن نقل جميع ذنوب البشر إلى جسد المسيح، بالرغم من أنه القدوس بلا خطية، وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، بل بالحري أتَّخذ المسيح جسدًا مائتًا لكي يهبه الحياة الأبدية بحياته، وموته، وقيامته، وصعوده، وجلوسه عن يمين الآب، وليس بمُجرَّد حمل الخطايا في جسده الطاهر من الخطية ليُعاقَب بها في جسده لأجلنا كما يتحدَّث منظرو ”البدلية العقابية“.

(6) تلغي ”البدلية العقابية“ مفاعيل الأسرار الكنسية الخلاصية كالمعمودية، والميرون، والتناول، لأنه بحسب ”البدلية العقابية“ تم إيفاء الدَّين ودفع الثمن بموت المسيح، فما الحاجة لأن نموت مرةً أخرى، ونُدفَن، ونقوم في المعمودية، بعدما مات المسيح عنا مرةً واحدةً. ولماذا نُمارِس القداسات ونُكرِّر ذبيحة وصلب وعقاب المسيح مرات ومرات على المذابح، طالما تمَّ العقاب والترضية والإيفاء على الصليب، فلا حاجة لمثل هذه الطقوس في سياق نظرية ”البدلية العقابية“ ومفاهيمها وشروحاتها. البدلية العقابية باختصار تدحض وتلغي أسرار الكنيسة.

(7) تُشرِّع، وتُكرِّس، وتُحرِّض ”البدلية العقابية“ على العنف، والتعذيب، والعقاب، والتشفي، وإرضاء الذات، فطالما الله يُعاقِب ابنه لأجل البشر، ويُنزِل جام غضبه على الابن لأجلنا، ويُنزِل العقاب عليه لأجلنا، فهذا خير مُرشِد ودليل لنا لتقليد الله ومحاكاته بإنزال العنف والعقاب والغضب على أبنائنا أيضًا. صور مُشوَّهة، ووثنية، وعنيفة، عن الله الصالح مُحِب البشر.

(8) تُؤدِي البدلية العقابية إلى صراع الصفات داخل الجوهر الإلهيّ الواحد، ما بين محبته ورحمته، وعدله وقصاصه من البشر الخطاة العصاة، وهكذا تُحدِث ”البدلية العقابية“ انقسام وانفصام داخل الجوهر الإلهيّ بين صفتي العدل والرحمة، وإلى تقسيم الله إلى إله غاضب وقاسي ومُنتقِم وكاره، وإله مُحِب وصالح ورحيم ورؤوف، وهذه هي الهرطقة الغنوصية والمانوية عينها. وهذا لا يليق بالله، وحاشا أن يوجد داخل الجوهر الإلهيّ. بل تجعل البدلية العقابية من الآب هو العدل، والابن هو الرحمة، والروح القدس هو التقديس، ويؤدي هذا إلى انقسام داخل جوهر الثالوث القدوس.

(9) تُركِّز نظرية البدلية العقابية على موت المسيح، ولا تُعطِي أية أهمية لقيمة وتأثير قيامة المسيح، وهذا يُمثِّل عدم اكتمال في إدراكنا لموت المسيح على الصليب. حيث تسلط البدلية العقابية الضوء على موت المسيح على الصليب كأكبر حدث للخلاص، وهكذا يطغى على كل شيء آخر، فكل شيء تحقَّق بموت المسيح فقط دون غيره.

(10) ترى نظرية البدلية العقابية أن المشكلة في الله ونظرة الله للإنسان، لأن الفداء صار علاجًا لإرضاء كرامة الله المهدرة، وليس علاجًا للإنسان، رغم أن المشكلة هي مشكلة الإنسان في الأساس، والله يُساعِده في حل هذه المشكلة. فترضية الله نفسه ومحو الإهانة والتعدي عليه بالخطية، وبالتالي رد الكرامة إليه، ينفي المحبة الإلهية والجود الإلهيّ، لأنه صارت غاية الكفارة والفداء هي إرضاء الله ورد كرامته المجروحة والمعتدَى عليها من قِبَل الإنسان.

(11) لو مات المسيح لإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، وإنْ كان قضاء الموت على آدم هو قضاء أبديّ، فينبغي أن يبقى المسيح إلى الأبد في قبضة الموت، وهذا لم يحدث، بل المسيح وطئ الموت بالموت، وقضى على سلطانه إلى الأبد.

(12) تأليه الخطية، حيث ينسب المنادين بنظرية البدلية العقابية صفة عدم المحدودية الحصرية والخاصة بالله إلى الخطية، ويقولون إن خطية الإنسان غير محدودة، ونسوا أن الله فقط غير المحدود، وهكذا يجعلون من الخطية إلهًا ثانيًا.

(13) ينبغي أن يدفع الابن للآب الثمن أو الدَّين في سياق نظرية البدلية العقابية وإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، على الرغم من أن الآب لا يحتاج لمَّن يدفع له شيئًا، لأن الآب والابن والروح القدس جوهر واحد وطبيعة واحدة ومشيئة واحدة. كما أن الابن هو فوق الكل وغير قابل للمقايضة بالخطأة بحسب نظرية الإبدال العقابيّ.

(14) إهمال الجانب القانونيّ في شرح الفداء والكفارة لأهمية الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح من أجل تجديد الطبيعة البشرية وتحريرها من سلطان الفساد والموت، وذلك باتحاد الحياة بالطبيعة البشرية لإبادة الفساد والموت، كل هذا يغيب عن نظرية البدلية العقابية والجانب القضائيّ في شرح الفداء.

(15) تُصوِّر البدلية العقابية الابن أعظم من الآب الغاضب، لأن الابن يحتمل ويصبر على ما لا يستطيع الآب احتماله والصبر عليه، وهكذا يصبح الابن أكثر هدوءًا وثباتًا وقوةً من الآب، لأن الابن استطاع بقوته أن يحلَّ مشكلة الموت والخطية والعقوبة، التي عجز الآب عن حلها، حاشا!

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

[1] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 54: 3، ص 159.

[2] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 11: 42، ص 111.

[3] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون الأسقف، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 24، ص 87.

[4] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أدلفيوس : 4، ص 27.

[5] المرجع السابق، الرسالة إلى أبكتيتوس : 6، ص 41.

[6] أثناسيوس (قديس)، المقالات ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، ١: ١١: ٤٢، ص ١١٠، ١١١.

[7] المرجع السابق، ٣: ٢٧: ٣٨، ص ٣٤٣، ٣٤٤.

[8] المرجع السابق، ٣: ٢٨: ٤٨، ص ٣٥٨.

[9] Athanasius (St.), Select Works and Letters (Letter to Maximus the Philosopher), NPNF, Ser-II, Vol. IV, Trans. by A. T. Robertson, Edit. by P. Schaff & H. Wace, (New York: Christian Literature Co., 1892), p. 578-579.

[10] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 8: 4، ص 22.

[11] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[12] المرجع السابق، 1: 12: 52، ص 128.

[13] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل ق. أثناسيوس، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. صموئيل كامل، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الرسالة إلى أدلفيوس المعترف، الفصل ٦، ص ٢٩.

[14] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 37: 7، ص 106.

[15] المرجع السابق، 9: 2، ص 24.

[16] المرجع السابق، 16: 4، ص 46.

[17] المرجع السابق، 20: 2، ص 57.

[18] المرجع السابق، 25: 3، ص 71.

[19] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ١: ١١: ٤١، ص 109.

[20] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2008)، ٢٠: ٥، ص 58.

[21] المرجع السابق، 20: 5، ص 58.

[22] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[23] المرجع السابق، ١: ٤١، ص 109.

[24] المرجع السابق، ١: ٤٢، ص 111.

[25] المرجع السابق، ١: ٤٣، ص 112.

[26] المرجع السابق، ٣: ٢٩: ٥٦، ص 369.

[27] المرجع السابق، ٢: ٦٩، ص 260.

[28] المرجع السابق، ٣: ٢٣، ص 322.

[29] المرجع السابق، 1: 41، ص 109، 110.

[30] المرجع السابق، 1: 46، ص 118.

[31] المرجع السابق، 1: 47، ص 118، 119.

[32] المرجع السابق، 1: 47، 48، ص 120، 121.

[33] المرجع السابق، 2: 14: 10، ص 168.

[34] المرجع السابق، 2: 15: 14، ص 174، 175.

[35] المرجع السابق، 3: 27: 39، ص 345.

[36] المرجع السابق، 2: 21: 65، ص 254.

[37] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 17: 5-7، ص 49، 50.

[38] المرجع السابق، 43: 6، ص 126.

[39] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 13: 60، ص 143، 144.

[40] المرجع السابق، 2: 20: 55، ص 240، 241.

[41] المرجع السابق، 2: 20: 56، ص 241، 242.

[42] المرجع السابق، 2: 21: 61، ص 249.

[43] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس (الرسالة الأولى إلى سرابيون الأسقف)، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 6، ص 44، 45.

[44] المرجع السابق، 1: 20، ص 78، 79.

[45] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 44: 2، 4، ص 128، 129.

[46] Athanasius (St.), Select Works and Letters (on Luke 10: 22), NPNF, Ser-II, Vol. IV, Trans. by A. T. Robertson, Edit. by P. Schaff & H. Wace, (New York: Christian Literature Co., 1892), p. 87-90.

[47] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 3: 26: 31، ص 333، 334.

[48] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى سرابيون، الفصل 9، ص 19.

[49] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أدلفيوس، الفصل 4، ص 27.

[50] المرجع السابق، الفصل 8، ص 31، 32.

[51] المرجع السابق، الرسالة إلى أبكتيتوس، الفصل 4، 5، ص 39.

[52] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 8: 4، ص 22.

[53] المرجع السابق، 9: 1، ص 23، 24.

[54] المرجع السابق، 16: 4، 5، ص 46، 47.

[55] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أبكتيتوس، الفصل 6، ص 41، 42.

[56] المرجع السابق، الفصل 9، ص 45.

[57] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 13: 9، ص 38، 39.

[58] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون الأسقف، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الرسالة الأولى إلى سرابيون، 1: 9، ص 52، 53.

[59] أثناسيوس (قديس)، الدفاع عن الهروب، ترجمة: ريمون يوسف، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2011)، ص 32.

[60] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 22: 3، ص 64، 65.

[61] المرجع السابق، 25: 6، ص 73.

[62] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 2: 7، ص 45.

[63] المرجع السابق، 1: 11: 41، ص 109.

[64] المرجع السابق، 1: 11: 42، ص 111.

[65] المرجع السابق، 1: 12: 48، ص 122.

[66] المرجع السابق، 1: 13: 56، ص 136.

[67] المرجع السابق، 2: 19: 44، ص 224.

[68] المرجع السابق، 2: 22: 74، ص 269.

[69] المرجع السابق، 3: 25: 21، ص 319، 320.

[70] المرجع السابق، 1: 5: 15، ص 63.

[71] المرجع السابق، 1: 12: 50، ص 125، 126.

[72] المرجع السابق، 1: 11: 38، ص 105.

[73] مايكل باركر (قس، دكتور)، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، (القاهرة: دار الثقافة، 2019)، 183، 184.

[74] أليستر أي ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 162.

[75] المرجع السابق، ص 163.

[76] أنسلم الكانتربري (رئيس أساقفة)، لماذا تجسد الكلمة، ترجمة: القس إبراهيم سعيد، (القاهرة: دار الثقافة، 2021)، 1: 10، ص 35.

[77] المرجع السابق، 1: 11، ص 36.

[78] المرجع السابق، 1: 12، ص 39.

[79] المرجع السابق، 2: 15، ص 98.

[80] أليستر أي ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 192-194.

[81] نجد هنا تجسيد الصراع بين العدل والرحمة في جوهر الله.

[82] هذا هو تأليه الخطية، حيث وصف الخطية بالخطية غير المحدودة، وهو الشرح المعيب الذي يتبناه البعض في أيامنا هذه ويدافع عنه كما لو كان الأرثوذكسية، وهو في الحقيق شرح أنسلم الكانتربريّ في العصر الوسيط.

[83] فالتر كاسبر، يسوع المسيح، ترجمة: المطران يوحنا منصور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000)، ص 359- 361.

[84] للأسف هذا هو لاهوت المنادين بالبدلية العقابية في عصرنا، حيث يبدأون، مثل أنسلم ولاهوت العصر الوسيط،  بشرح تدبير الخلاص من مشكلة الخطيئة، ولا يبدأون من صلاح الله ومحبته للبشرية كدافع له من أجل التجسُّد والاتحاد بالبشرية، فهم يرون أن الخطية هي الدافع الأساسيّ والوحيد لتجسُّد الكلمة، وهذا عكس تعليم تدبير الخلاص عند الآباء اليونانيين الشرقيين، الذين يبدأون من صلاح الله ومحبته للبشرية ورغبته في الاتحاد بها.

[85] Anselm of Canterbury, Cur Deus Homo, 1: 2.

[86] Ibid, 1: 20.

[87] Ibid, 2: 6.

[88] چوناثان هيل، تاريخ الفكر المسيحي، ترجمة: سليم إسكندر ومايكل رأفت، (القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2012)، ص 144-147.

[89] لاهوتي أرثوذكسيّ، حرصنا أن نورد رأيه لأنه يشرح تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة علمية، وذلك للتأكيد على أنه لا يوجد شيء اسمه بدلية عقابية في التعليم الخلاصيّ للقديس أثناسيوس.

[90] نورمان راسل، عقيدة التأله في التقليد الآبائي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: مركز إبيفانيا للنشر والتوزيع، 2019)، ص 225.

[91] بروفيسور بروتستانتي مشيخيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بتجرُّد وحيادية وموضوعية بعيدًا عن انتماءاته الطائفية.

[92] يرتبط هذا المفهوم مع مفهوم المسيح المنتصر، حيث رأت نظرية الفدية موت المسيح كفدية مدفوعة لتحرير البشرية. حيث دُفِعَت، في عيون أوريجينوس، والعديد من الآباء اللاتين، الفدية للشيطان الذي أسر البشرية بسبب الخطية.

[93] النظرية هي أن المسيح قاسى العقوبة في موته من أجل كسرنا للناموس، ومات كبديل بدلاً عنا (العقابية، تتضمن العقوبة، أو العقاب القانوني، من الكلمة اللاتينية poena، عقاب، جزاء، بدلية).

[94] Thomas F. Torrance, Atonement, Edit. by Robert T. Walker, (USA: IVP Academics press, 2009), p. 56-58.

[95] Ibid, p. 72.

[96] Thomas F. Torrance, Divine Meaning: Studies in Patristic Hermeneutics, (Edinburgh: T&T Clark, 1995), p. 193.

[97] لاهوتي كاثوليكي ينتمي لكنيسة الروم الكاثوليك، يشرح بكل حيادية وأمانة مفهوم تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس.

[98] Khaled Anatolios, The soteriological significance of Christ’s humanity in St. Athanasius, (New York: St. Vladimir’s theological quarterly, vol. 40, 1996), pp. 265-286.

[99] J. Roldanus, Le Christ et l’homme dans la theologie d’Athanase d’Alexandrie, (Leiden: Brill, 1968), p. 164.

[100] بروفيسور بروتستاني كالفيني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بكل حيادية وأمانة علمية لاهوتية حتى لو عكس معتقدات طائفته.

[101] Louis Berkhof, The History of the Christian Doctrines, (Michigan, 1949), the doctrine of the atonement or the work of Christ, p. 125-129.

[102] Ibid.

[103] بروفيسور بروتستانتيّ مشيخيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بحيادية تامة موضوع الكفارة والفداء، حتى لو عكس معتقدات طائفته.

[104] R. S. Holmes, T & T Clark Companion to Atonement, Edit. by Andrews J. Johnson, (BLOOMSBURY: T & T CLARK, 2017), p. 306, 307.

[105] بروفيسور بروتستانتيّ مشيخي يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بكل أمانة وحيادية وموضوعية تدبير الخلاص والفداء بعيدًا عن الانتماءات والمعتقدات العقائدية لطائفته.

[106] J. N. D., Kelly, Early Christian doctrines, (London: Adam & Charles Black, 1968), 4th edit., p. 380.

[107] بروفيسور بروتستانتي إنجليكانيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص والفداء بكل حيادية وأمانة علمية وأكاديمية بعيدًا عن معتقداته الطائفية.

[108] L. W. Grensted, A short History of The Doctrine of Atonement, (London & New York: Manchester University Press, 1920), p. 380.

[109] بروفيسور بروتستانتي إنجليكاني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بكل أمانة وحيادية وموضوعية بعيدًا عن انتماءاته الطائفية والعقائدية.

[110] Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in Christian Theology, (London: MACMILLAN & CO., 1919), Lect. 4, p. 296.

[111] باحث لاهوتيّ بروتستانتي يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بكل أمانة وتجرُّد تدبير الخلاص والفداء حتى لو كان يُخالِف انتماءاته العقائدية.

[112] چوناثان هيل، تاريخ الفكر المسيحي، ترجمة: سليم إسكندر ومايكل رأفت، (القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2012)، ص 71.

[113] بروفيسور بروتستانتي إنجليكاني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يعرض بكل أمانة وحيادية وتجرُّد تدبير الخلاص والفداء حتى لو كان يتعارض مع انتماءاته العقائدية.

[114] أليستر أي. ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 82، 83.

[115] مطران روميّ أرثوذكسيّ، تحول من البروتستانية إلى الأرثوذكسية، لا يؤمن بالبدلية العقابية، ولكننا حرصنا على تسجيل شهادته في موضوع تدبير الخلاص، لكي نضع أمام القارئ العزيز رؤية كاملة وشاملة وموضوعية ومحايدة من كافة الطوائف المسيحية، لكي يتأكَّد أن هدف البحث هو موضع إجماع أكاديميّ عالميّ من كافة الطوائف، حيث يؤكدون جميعًا أنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم آباء الشرق عامةً، وق. أثناسيوس خاصةً.

[116] كاليستوس وير (مطران)، الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعقيدة، (منشورات النور، ١٩٨٢)، ص 50.

[117] المرجع السابق، ص 53.

[118] باحث روميّ أرثوذكسيّ، لا يؤمن بالبدلية العقابية، حرصنا على أن نعرض رأيه لنوضح إجماع الطوائف المسيحية سواء أرثوذكسية وكاثوليكية أو بروتستانية على أنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم ق. أثناسيوس.

[119] فلاديمير لوسكي، بحث في اللاهوت الصوفي لكنيسة الشرق، ترجمة: نقولا أبو مراد، مراجعة: رهبنة دير القديس جاورجيوس – دير الحرف، (لبنان: منشورات النور، 2000)، ص 149، 150.

[120] لاهوتي روميّ أرثوذكسيّ أكاديميّ معروف، لا يؤمن بالبدلية العقابية، حرصنا أن نأتي برأيه لنؤكد على الإجماع الأكاديميّ بأنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم آباء الشرق عامةً، وق. أثناسيوس خاصةً.

[121] چورچ فلورفسكي (أب)، التجسد والفداء (موضوعات لاهوتية)، ترجمة: د. جرجس كامل يوسف، (القاهرة: دار جذور للنشر والتوزيع، 2016)، المقالة اللاهوتية التاسعة، ص 103، 104.

[122] لاهوتي وكادرينال كاثوليكيّ شهير، ورئيس لجنة السعي نحو الوحدة المسيحية، وهو كاردينال على مدينة روتنبرج بألمانيا، ولقد حرصنا على أن نعرض رأيه لأنه يشرح تدبير الخلاص بحسب ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة بعيدًا عن معتقداته وانتماءاته الطائفية.

[123] فالتر كاسبر، يسوع المسيح، ترجمة: المطران يوحنا منصور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000)، ص 294.

[124] عالم آبائيات كاثوليكي وأستاذ الأدب الكلاسيكي القديم، وهو يؤمن بنظريات الترضية والإبدال العقابي، ولكنه عندما يشرح تعليم ق. أثناسيوس يشرح التعليم بكل أمانة وحيادية وتجرُّد من انتماءاته ونزعاته الطائفية.

[125] چوهانس كواستن، علم الآبائيات ”باترولوچيا“، مج3، ترجمة: الراهب غريغوريوس البرموسي ود. نادر مدحت، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2021)، ص 92-94.

[126] لاهوتية بروتستانية إنجليكانية تؤمن بالبدلية العقابية، ولكنها تنتقد نظرية أنسلم عن الترضية وإيفاء الدَّين بكل أمانة علمية وحيادية، حتى لو كان ذلك عكس قناعاتها الطائفية واللاهوتية.

[127] Katherine Sanderegger, T&T Clark Companion to Atonement (Anselmanian Atonement), Edit. by Adam J. Johnson, (London & New York: Bloomsbury, 2017), p. 177.

[128] لاهوتي كاثوليكي، نورد رأيه الأكاديمي المحايد حول مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس.

[129] Thomas G. Weinandy, T&T Clark Companion to Atonement (Athanasius’s Incarnational Soteriology), Edit. by Adam J. Johnson, (London & New York: Bloomsbury, 2017), p. 142.

[130] لاهوتي بروتستانتي لوثري، يؤمن بالبدلية العقابية، وهو أسقف سترنجراس بالسويد، حرصنا على أن نأتي برأيه المحايد حول مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس.

[131] Gustaf Aulén, Christus Victor: An Historical Study of The Three Main Types of The Idea of Atonement, Trans. by A. G. Hebert, (London: S. P. C. K, 1975), p. 56.

[132] مطران روم كاثوليك يؤمن بالمعتقدات الكاثوليكية حول الكفارة والفداء، ولكنه عندما يشرح تدبير الخلاص في لاهوت ق. أثناسيوس، يشرحه بأمانة وتجرُّد وحيادية.

[133] كيرلس سليم بسترس وآخرون، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2001)، ص 461.

[134] المرجع السابق، ص 466.

[135] قس بروتستانتي مشيخي، يؤمن بالبدلية العقابية، كان أستاذ اللاهوت في الكلية الإنجيلية بالقاهرة، ورئيس السنودس الإنجيلي مرتين، ولكنه رغم انتماءاته الطائفية والعقائدية، إلا أنه يشرح تدبير الخلاص كما جاء في تعليم ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة لاهوتية وأكاديمية بعيدًا عن معتقداته الطائفية.

[136] عبد المسيح اسطفانوس (قس، دكتور)، تاريخ الفكر المسيحي في القرون الأولى، (القاهرة، 2012)، ص 173، 174.

[137] المرجع السابق، ص 203.

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

طبيعة ناسوت المسيح في تعليم الإنجيل والتقليد – د. أنطون جرجس عبد المسيح

طبيعة ناسوت المسيح في تعليم الإنجيل والتقليد – د. أنطون جرجس عبد المسيح

طبيعة ناسوت المسيح في تعليم الإنجيل والتقليد – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

طبيعة ناسوت المسيح في تعليم الإنجيل والتقليد

(دراسة كتابية وآبائية)

 

ملخص البحث

هو استعراض لطبيعة ناسوت المسيح الذي اتحد به أقنوميًا في سر التجسد الإلهي، واستعراض لأهم الإشارات الكتابية، والآبائية، والتفسيرية، التي تتناول موضوع طبيعة ناسوت المسيح الذي اتخذه في تجسده من أجل إتمام تدبير خلاص البشرية. وسوف يتعرض البحث للفرق بين مفهومي الفساد سواء الطبيعي أو الأخلاقي، وكيف كان ناسوت المسيح قابلاً للفساد الطبيعي وليس الفساد الأخلاقي، حيث لم يوجد في المسيح شر البتة بسبب الاتحاد الأقنومي بين لاهوت المسيح وناسوته. كما سوف تتم مناقشة هرطقة من أخطر الهرطقات ضد ناسوت المسيح وهي الهرطقة اليوليانية نسبةً إلى صاحبها يوليان أسقف هاليكارنيسوس بآسيا الصغرى، الذي أدَّعى بأن ناسوت المسيح قبل وبعد القيامة كان غير قابل للفساد الطبيعي، وهكذا سقط في الهرطقة الدوسيتية أو الخيالية، التي تقول بأن ناسوت المسيح كان مُجرَّد خيال وليس ناسوتًا حقيقيًا مثل جميع البشر.

المقدمة

يُعد هذا البحث دراسة موسعة في طبيعة ناسوت المسيح وخصائصه من خلال تعاليم الكتاب المقدس، وتعاليم آباء الكنيسة الجامعة المعتبرين أعمدة ومعلمي الكنيسة على مر العصور والأجيال. كما سوف نتناول في البحث الفرق بين مفهوم الفساد الطبيعي والفساد الأخلاقي أو فساد الخطية، وكيف يخلط البعض بين هذين النوعين من الفساد، حيث يرفض البعض وجود الفساد الطبيعي في ناسوت المسيح، حيث يخلطون عن عدم دراية بين نوعي الفساد. حيث قد أكد الآباء على قابلية ناسوت المسيح للفساد الطبيعي والموت، ولكن لم يكن هناك فساد أخلاقي أو فساد الخطية في ناسوت المسيح، لأن ”المسيح شابهنا في كل شيء ما خلا الخطية فقط“، كما أكدت الأناجيل، وأكدت جميع كتابات آباء الكنيسة الجامعة. كما سوف نتعرض لهرطقة من أخطر الهرطقات التي قامت ضد حقيقة ناسوت المسيح، وهي الهرطقة اليوليانية التي كان يتزعمها يوليان أسقف هاليكارنيسوس بآسيا الصغرى في زمن حكم الإمبراطور جوستنيان، ولقد تصدى البطريرك ساويروس الأنطاكي لهذه الهرطقة الخطيرة ضد حقيقة ناسوت الرب، وتعتبر كتاباته ضد الهرطقة اليوليانية خير مثال على الحجة القوية في مقاومة الآراء والهرطقات الغريبة التي تجتاح الكنيسة من وقت لآخر. حيث قام معلمنا القديس ساويروس الأنطاكي بعرض الهرطقة اليوليانية وجميع حججها، وقام بالتصدي لها على أسس كتابية، وآبائية، وليتورجية قوية.

منهجية البحث وإطاره النظري

منهجية البحث هي منهجية تحليلية استقصائية واستدلالية من خلال التحليل والاستدلال بعدة مراجع مختلفة، حيث سوف أستعرض في هذا البحث الهرطقة اليوليانية وادعاءاتها ضد حقيقة ناسوت المسيح، ثم سوف أستعرض النصوص الكتابية التي تقاوم هذه الهرطقة الخطيرة، موضحًا خصائص وطبيعة ناسوت الرب يسوع الذي اتخذه أثناء حياته على الأرض، والذي صعد به إلى السماء، وجلس به عن يمين الآب في المجد. ثم سوف أستعرض النصوص الآبائية التي توضح طبيعة وخصائص وماهية ناسوت المسيح، وترد في نفس الوقت على الهرطقة اليوليانية الخطيرة التي تقوض حقيقة ناسوت الرب، والتداعيات الخطيرة لهذه الهرطقة على تدبير الخلاص. ثم سوف أستعرض آراء الباحثين والدارسين الذين تعرضوا وتناولوا موضوع طبيعة وماهية ناسوت المسيح، وتناولوا الهرطقة اليوليانية بالتحليل والنقد.

إشكالية البحث

  1. هناك مشكلة أساسية في عدم دراية البعض بطبيعة وماهية الناسوت الذي أخذه المسيح أثناء تدبير الخلاص.
  2. هناك مشكلة أساسية ضد حقيقة ناسوت المسيح قد أثرتها الهرطقة اليوليانية، والتي لها تداعيات خطيرة على تدبير الخلاص، حيث تشكك هذه الهرطقة في قابلية جسد المسيح للموت، وهكذا تقوض حقيقة ناسوت الرب، مما له أثر خطير على تدبير الخلاص برمته.
  3. هناك مشكلة أساسية أيضًا في فهم وتفسير المصطلحات الكتابية والآبائية حول الفرق بين الفساد الطبيعي أي التغير، والتحول، والآكل والشرب، والمشاعر البشرية الطبيعية، والقابلية للموت، وبين الفساد الأخلاقي أو فساد الخطية أي الفساد الناتج عن ممارسة الخطية أو الخطأ الأخلاقي.
  4. هناك مشكلة أساسية حول مهاجمة البعض لفكرة قابلية ناسوت المسيح للفساد الطبيعي، أو الأهواء البشرية غير الملومة كالألم والاضطراب والكأبة والجوع والعطش والموت، حيث يخلط البعض بين مفهوم هذا الفساد الطبيعي الموجود بالطبيعة في جسد المسيح، وذكرته الأناجيل، وذكره وأكد عليه آباء الكنيسة الجامعة في كتاباتهم على مر العصور.

فروض وتساؤلات البحث

  1. ما هي طبيعة وخصائص ناسوت المسيح الذي اتخذه أثناء تدبير الخلاص؟
  2. ما هو الفرق بين الفساد الطبيعي والفساد الأخلاقي؟ وأي نوع من الفساد كان موجود في ناسوت المسيح من هذين النوعين؟
  3. ما هي الهرطقة اليوليانية التي تعرضت لحقيقة ناسوت المسيح، وأنكرت حقيقة هوية ناسوت المسيح؟
  4. ما هي الحجج الكتابية والآبائية في الرد على الهرطقة اليوليانية؟

أهداف البحث

  1. دراسة وتحليل ماهية وخصائص ناسوت المسيح من خلال النصوص الكتابية، والآبائية.
  2. محاولة توضيح الفرق بين الفساد الطبيعي والفساد الأخلاقي أو فساد الخطية.
  3. دراسة وتحليل الهرطقة اليوليانية وتداعياتها الخطيرة على تدبير خلاص المسيح.
  4. استعرض أهم الحجج الكتابية والآبائية في الرد على الهرطقة اليوليانية التي تقوض حقيقة ناسوت المسيح، وتعد أحد صور الهرطقة الدوسيتية (الخيالية).

أهمية البحث

يُعتبر البحث دراسة كتابية، وآبائية، ولاهوتية استقصائية شاملة لنصوص الكتاب المقدس، والنصوص الآبائية التي تتناول بصورة واضحة طبيعة وماهية وحقيقة ناسوت الرب يسوع المسيح. كما يناقش البحث هرطقة من أخطر الهرطقات التي قامت ضد حقيقة ناسوت المسيح ألا وهي الهرطقة اليوليانية من خلال النصوص الكتابية والآبائية. كما يحاول البحث التمييز الواضح بين نوعي الفساد سواء الطبيعي أو الأخلاقي من خلال نصوص الكتاب المقدس ونصوص كتابات آباء الكنيسة الجامعة.

مصطلحات وتحديدات البحث

اليوليانية

هي هرطقة ظهرت في الجانب اللا خلقيدوني أثناء حكم الإمبراطور جوستنيان في القرن السادس، وصاحبها هو يوليان أسقف هاليكارنيسوس بآسيا الصغرى، أو يوليان الخيال أو الدوسيتي كما كان يسميه معلمنا ساويروس الأنطاكي، وتعليم الهرطقة هو أن جسد المسيح لم يكن قابلاً للفساد الطبيعي سواء قبل أو بعد القيامة، بل سمح المسيح في تجسده بالأهواء والمشاعر والأحاسيس البشرية كالجوع والعطش والألم والموت. واليوليانية مثلها مثل الأوطاخية تعبر عن نزعة ما في العبادة المسيحية الصوفية، حيث تكمن الفكرة من وراء الهرطقة اليوليانية في التأكيد على ألوهية المسيح، ليس من خلال تجاهل إنسانيته، بل من خلال رؤية نوع من الاختلاف في ناسوت المسيح الحقيقي والكامل عن ناسوتنا.

الفساد الطبيعي

هو نوع من الفساد المقصود به التغير أو التحول في الكائن الحي، ويشمل مفهوم الفساد الطبيعي الأهواء البشرية غير الملومة أو المشاعر والأحاسيس البشرية الطبيعية مثل: الاضطراب، والكأبة، والحزن، والجوع، والشرب، والألم، والموت.

الفساد الأخلاقي

هو نوع من الفساد المقصود به الفساد الناتج عن ممارسة الخطية أو الخطأ الأخلاقي.

إجراءات البحث

سوف نستعرض الآيات الكتابية التي تناولت ماهية وخصائص ناسوت المسيح، وأكدت على كمال وحقيقة ناسوت المسيح مثله مثل ناسوتنا بالتمام، حيث شابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها.

تذكر نصوص الكتاب المقدس خصائص ناسوت المسيح كالتالي:

  1. ناسوت المسيح متحول ومتغير ينمو ويكبر في الحكمة والقامة والنعمة كقول الكتاب: ”وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ، عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ“ (لو2: 52).
  2. ناسوت المسيح خاضع للألم والقتل والموت كقول المسيح نفسه: ”إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ يَتَأَلَّمُ كَثِيرًا، وَيُرْفَضُ مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ، وَيُقْتَلُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومُ“ (لو9: 22).
  3. ناسوت المسيح خاضع للاضطراب، والانزعاج، والبكاء، والحزن، والكآبة، وجميع المشاعر البشرية الطبيعية كقول الكتاب: ”فَلَمَّا رَآهَا يَسُوعُ تَبْكِي، وَالْيَهُودُ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهَا يَبْكُونَ، انْزَعَجَ بِالرُّوحِ وَاضْطَرَبَ“ (يو11: 33)، كما يقول الكتاب أيضًا عن حزن واكتئاب المسيح: ” ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَابْنَيْ زَبْدِي، وَابْتَدَأَ يَحْزَنُ وَيَكْتَئِبُ. فَقَالَ لَهُمْ: ’نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي‘“ (مت26: 37، 38).
  4. ناسوت المسيح يشتهي آكل الفصح مع التلاميذ كقول المسيح لتلاميذه في العشاء الأخير: ”وَقَالَ لَهُمْ: ’شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ، لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: ’إِنِّي لاَ آكُلُ مِنْهُ بَعْدُ حَتَّى يُكْمَلَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ‘“ (لو22: 15).
  5. ناسوت المسيح كان ينام كقول الكتاب: ”وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ نَامَ. فَنَزَلَ نَوْءُ رِيحٍ فِي الْبُحَيْرَةِ، وَكَانُوا يَمْتَلِئُونَ مَاءً وَصَارُوا فِي خَطَرٍ“ (لو8: 23).
  6. ناسوت المسيح يتعب ويحتاج إلى الراحة كقول الكتاب: ”وَكَانَتْ هُنَاكَ بِئْرُ يَعْقُوبَ. فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، جَلَسَ هكَذَا عَلَى الْبِئْرِ، وَكَانَ نَحْوَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ“ (لو4: 6).
  7. ناسوت المسيح يجوع ويعطش كقول الكتاب: ”وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنْ إِبْلِيسَ. وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَلَمَّا تَمَّتْ جَاعَ أَخِيرًا“ (لو4: 2)، وقال المسيح على الصليب: ”بَعْدَ هذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ: ’أَنَا عَطْشَانُ‘“ (يو19: 28).
  8. ناسوت المسيح قابل للألم والموت كقول الكتاب: ”فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا، الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ، لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللهِ، مُمَاتًا فِي الْجَسَدِ وَلكِنْ مُحْيىً فِي الرُّوحِ“ (1بط3: 18).
  9. ناسوت المسيح شابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها كقول الكتاب: ”مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا ِللهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ. لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ“ (عب2: 17، 18)، ويقول الكتاب أيضًا: ”فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ. لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ“ (عب4: 14، 15).

وهكذا يتضح من خلال النصوص الكتابية السابقة حقيقة وكمال ناسوت المسيح تمامًا مثل أجسادنا نحن البشر، وهذا هام جدًا من أجل تدبير الخلاص، لأنه لو لم يكن ناسوت المسيح ناسوتًا حقيقيًا وكاملاً، فلم يخلص المسيح هذا الناسوت البشري الطبيعي، وبالتالي لم يخلص البشرية، وهكذا يكون عمل المسيح الخلاصي ليس لها أية قيمة بالنسبة للبشر، لو لم يكن ناسوت المسيح ناسوتًا حقيقيًا كاملاً وطبيعيًا خاضعًا لجميع المشاعر والأحاسيس والاحتياجات البشرية الطبيعية غير الملومة كالجوع، والعطش، والاضطراب، والاكتئاب، والحزن، والبكاء، والانزعاج، والتعب، والنوم، والراحة، والتألم، والموت.

ثم سوف نستعرض الآن لمحة عن هرطقة يوليان أسقف هاليكارنيسوس بآسيا الصغرى بخصوص طبيعة ناسوت المسيح التي حاربها معلمنا ق. ساويروس الأنطاكي.

الهرطقة اليوليانية

هي هرطقة يوليان أسقف هاليكارنيسوس وهي مدينة في كاريا إحدى المقاطعات الساحلية في الجنوب الغربي لآسيا الصغرى. حيث كان يوليان أحد الأساقفة الذين تم إبعادهم عن كراسيهم في فترة حكم الإمبراطور جوستنيان الأول بسبب معارضته لمجمع خلقيدونية 451م. وكان ليوليان بعض النفوذ وسط الفريق الذي ينتمي إليه بسبب تقدمه في العمر، وقد قام بتأليف كتاب عن شخص المسيح، وأرسله إلى البطريرك ساويروس الأنطاكي في منفاه مع خطاب منه،[1] حيث كان متأكدًا من قبول البطريرك ساويروس للأفكار الواردة في هذا الكتاب.

وأشار يوليان في هذا الخطاب إلى أنه استنادًا إلى ثلاث فقرات من كتابات ق. كيرلس السكندري، إن بعض الناس يؤمنون بأن جسد ربنا كان قابلاً للفساد، فعلى سبيل المثال كتب ق. كيرلس إلى سوكينسوس أسقف ديو قيصرية يقول:

”فالجسد بعد القيامة كان هو نفس الجسد الذي تحمل الآلام، على الرغم من أنه لم يعد بعد له نفس الضعفات البشرية وغير قابل للفساد“.

وأشار ق. كيرلس أيضًا في رسالته إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير إلى نفس الأمر بقوله:

”إنها أعجوبة ومعجزة أن الجسد الذي هو قابل للفساد بحسب الطبيعة، قام ثانيةً بغير فساد“.[2]

وتحدث ق. كيرلس مجددًا في كتابه 67 عن العذراء والدة الإله عن الفرق بين الفساد الطبيعي الذي كان في جسد المخلص، وفساد الخطية الذي لم يكن في جسد المخلص كالتالي:

”إن جسد ربنا لم يكن بأي حال من الأحوال خاضعًا للخطية التي تخص الفساد، ولكنه كان قابلاً للموت والدفن الحقيقي، وهو قد أبطله فيه (أي أبطل الموت في جسده)“.

ولكن أكد يوليان أن جسد ربنا كان غير قابل للفساد سواء قبل القيامة أو بعدها، وهذا ما يقوله معلمنا البطريرك ساويرس الأنطاكي في رده على هرطقة يوليان أسقف هاليكارنيسوس الذي نادى بأن جسد المسيح كان غير قابل للفساد أبدًا قبل القيامة، بل بدا كذلك، حيث يقتبس ق. ساويروس من عند يوليان الفقرة التالية:

”وهو لم يكن قابلاً للفساد قبل القيامة، ولكنه بدا فقط كأنه قابل للفساد، وبعد القيامة أظهر ذاته فقط بكونه بالحقيقة غير قابل للفساد“.[3]

وحيث أن الفقرات المأخوذة عن البابا كيرلس تتعارض مع فكر يوليان، فقد أعتبر يوليان أن ذلك بسبب ”خطأ في النساخة“. وحاول يوليان في كتابه إثبات أن جسد المسيح كان على الدوام غير قابل للفساد، وقد قام بإرسال نسخة من الكتاب إلى البطريرك ساويروس الأنطاكي ليحظى بموافقته.

وتأخر البطريرك ساويروس في رده على الكتاب كي لا يُظهِر صديقه وزميله كهرطوقي، ولكنه عاد وخشى أن يتولد انطباع أن أفكار يوليان هي انعكاس لتعليم الكنيسة -الذي كان ساويروس يهتم بالحفاظ عليه- ولذلك كتب ساويروس رده بعد بعض الوقت، وأظهر أن أفكار يوليان غير مقبولة عنده، وأن أناسًا آخرين كانوا في القسطنطينية كانت لديهم أفكار مماثلة وقد قام هو نفسه بدحضها. ولم يعجب يوليان برد البطريرك ساويروس، فكتب خطابًا ثانيًا، وقام بنشر كتابه، مما أضطر ساويروس إلى القيام بتفنيد هذا الكتاب.

اليوليانية مثلها مثل الأوطاخية تعبر عن نزعة ما في العبادة المسيحية الصوفية، حيث تكمن الفكرة وراء اليوليانية والأوطاخية في التأكيد على ألوهية المسيح، ليس من خلال تجاهل ناسوته -وهو المفهوم الخاطئ الشائع عن تلك الهرطقتين- ولكن من خلال رؤية نوع من الاختلاف في إنسانية المسيح الحقيقية والكاملة عن إنسانيتنا. فإنسانية المسيح بحسب مفهوم اليوليانية والأوطاخية مختلفة عنا نحن البشر في كونها اتحدت منذ اللحظة الأولى لنشأتها في رحم والعذراء بالله الابن بغير انفصال ولا انقسام، ولذلك ينبغي أن تكون هذه الإنسانية التي اتحدت بالله القدوس هي الأخرى مقدسة ومختلفة عنا. وكان أوطاخي قد حاول التأكيد على أنه بسبب أن المسيح هو الله، وبرغم من أنه كإنسان وُلد من أم إنسانية، فلا يمكن أن نتكلم عنه بكونه واحدًا معنا في الجوهر. أما يوليان فقد رأى أن الفرق بين المسيح كإنسان وبيننا (نحن البشر) هو في عدم اتصال المسيح الجذري بالفساد والسقوط الخاص بطبيعتنا، وهذا ما جعل تعليمه جذابًا في تقدير كثير من الناس في كلا الجانبين.

سوف نستعرض الآن آراء آباء الكنيسة حول طبيعة ناسوت المسيح وخصائصه كالتالي:

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

نتوقف عند. ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي الذي يؤكد على أن الكلمة صار إنسانًا قابلاً للألم، حيث يقول:

”حسب الوقت المعين من الآب، إذ إنه صار إنسانًا قابلاً للألم“.[4]

ويقول ق. إيرينيؤس أيضًا في موضع آخر مؤكدًا على خضوع الرب يسوع للآلام والموت كالتالي:

”وفي كل موضع حينما يشير إلى آلام ربنا، وإلى طبيعته البشرية وخضوعه للموت، هو يستعمل اسم المسيح“.[5]

ويدحض ق. إيرينيؤس اعتقاد خطير سائد وهو اعتقاد عامة الناس بعدم خضوع المسيح للآلام، حيث يقول التالي:

”وقال (الرب) أنه ينبغي أن يتألم كثيرًا، ويُصلب، ثم وبخ بطرس، عندما تخيل أنه المسيح حسب فكر عامة الناس، الذين يظنون أن المسيح يجب أن يكون مبغضًا لفكرة خضوعه للآلام“.[6]

وبالتالي يؤكد ق. إيرينيؤس هنا على خضوع المسيح التدبيري للآلام والموت وليس الاضطراري كما يدَّعي البعض من أجل خلاصنا من هذه الآلام ومن هذا الموت.

ق. أثناسيوس الرسولي

ثم نجد ق. أثناسيوس الرسولي في نفس السياق يتحدث عن قابلية ناسوت المسيح للفساد الطبيعي والموت كالتالي:

”إذًا، كان ينبغي على هؤلاء عندما يسمعون أنا والآب واحد، أن يروا فيه وحدة الألوهية وجوهر الآب ذاته، وأيضًا عندما يسمعون أنه بكى وما يماثلها، أن يقولوا أن هذه الأمور هي خاصة بالجسد، وبنوع خاص لأن هذه الأمور لها أساس معقول من كل جهة، أي أن الكلمات الأولى كُتبت عنه بكونه هو الله، والأخرى كُتبت عنه كإنسان، لأن خصائص الجسد لا يمكن أن تصير لمَّن هو بلا جسد، لو لم يكن قد أخذ جسدًا قابلاً للفساد والموت، لأن مريم القديسة التي أخذ منها جسده كانت قابلة للموت، لذلك فمن الضروري حينما كان في الجسد أن يعاني، وأن يبكي، وأن يتعب، فهذه الأمور التي تخص الجسد، تُنسَب إليه مع الجسد“.[7]

بينما يتحدث ق. أثناسيوس عن ضعفات الجسد التي كانت موجودة في جسد المسيح في إطار تناوله لموضوع طبيعة ناسوت المسيح كالتالي:

”لأن اللاهوت كان في الجسد، ولأن الجسد كان جسد الله، وحسنًا قال النبي: ’حملها‘، ولم يقل إنه ’شفى‘ ضعفاتنا، لئلا إذ تكون هذه الضعفات خارج جسده هو، وهو يشفيها فقط، كما يفعل دائمًا، فإنه يترك البشر خاضعين للموت، ولكنه حمل ضعفاتنا، وحمل هو نفسه خطايانا، لكي يتضح أنه قد صار إنسانًا لأجلنا، وأن الجسد الذي حمل الضعفات هو جسده الخاص، وبينما هو نفسه (اللاهوت) لم يصبه ضرر أبدًا“.[8]

كما يتحدث ق. أثناسيوس عن آلام جسد المسيح في إطار حديثه عن طبيعة ناسوت المسيح كالتالي:

”نقول إن الجسد كان جسده، هكذا أيضًا نقول إن آلام الجسد كانت خاصة به أي بالكلمة، رغم أنها لم تمسه بحسب لاهوته […] فبالضرورة، إذًا، أن تُنسب آلام الجسد أيضًا للذي له هذا الجسد، والذي تُنسب له هذه الآلام مثل: المحاكمة، والجلد، والعطش، والصلب، والموت، وضعفات الجسد الأخرى، فلا بد أن تُنسب له بالأحرى النصرة والنعمة“.[9]

ويتحدث ق. أثناسيوس أيضًا في نفس السياق عن ضعفات ناسوت المسيح المنسوبة للكلمة كالتالي:

”لو أن الضعفات الخاصة بالجسد لم تُنسب للكلمة، لما كان الإنسان قد تحرر منها تمامًا، وحتى لو أنها كانت قد توقفت لفترة قليلة كما قلت سابقًا، لظلت الخطية، وظل الفساد باقيان في الإنسان، كما كان الحال قبل التجسد“.[10]

كما يقول ق. أثناسيوس الرسولي أن جسد المسيح جسد مخلوق متغير ويتعجب من الأبوليناريين الهراطقة الذين يجعلون ناسوت المسيح غير متغير وغير مخلوق كالتالي:

”فكيف تسمّون الناسوت الذي تغير من الموت إلى الحياة غير مخلوق؟ وكيف تفترضون العكس، عندما تسمّون غير المخلوق بالمتغير؟ لأنكم عندما تسمون جوهر الكلمة غير المخلوق بالمتغير فأنتم تجدفون على ألوهية الكلمة. وعندما تصفون الجسد المتغير المكون من عظام ودماء، ونفس إنسانية، أي كل مكونات أجسادنا، والذي صار ظاهرًا ومحسوسًا مثل أجسادنا، عندما تصفون كل هذا بأنه غير مخلوق، تسقطون سقوطًا شنيعًا في خطأين: أولهما أنكم تفترضون أن الآلام التي احتملها هي مجرد خيال، وهذا تجديف المانويين، أو أنكم تعتبرون أن اللاهوت له طبيعة ظاهرة محسوسة، رغم أنه جوهر غير مخلوق، وبالتالي فهو غير ظاهر وغير محسوس، وهذا التصور الأخير يضعكم مع الذين يتصورون أن الله كائن على شكل بشري جسداني، فما هو اختلافكم عن هؤلاء ما دام لكم نفس الاعتقاد؟“.[11]

ويؤكد ق. أثناسيوس على اتحاد لاهوت الكلمة بجسد طبيعي كالتالي:

”فقد أراد أن يكون له جسد طبيعي يتحد بلاهوته، وهكذا تم الموت، ومات الجسد موتًا طبيعيًا في الوقت الذي كان الكلمة فيه يمسكه بإرادته لكي يقدم جسده بسلطانه الذاتي (يو١٠: ١٨)، فتألم طبيعيًا ومات طبيعيًا عوضًا عنا، ولكنه قام لأجلنا إلهيًا“.[12]

ويؤكد ق. أثناسيوس على حقيقة مهمة جدًا أن آلام المسيح كانت داخلية وليست خارجية فقط كما يدَّعي الهراطقة، حيث يقول التالي:

”فكيف تألم وحزن وصلى كما هو مكتوب ’اضطرب بالروح‘ (يو١٤: ٢١) هذه أفعال لا تمت لجسد بلا عقل، ولا تمت إلى اللاهوت غير المتألم، وإنما إلى نفس عاقلة لها شعور، وتتألم وتضطرب وتحزن وتحس بالآلام فكريًا“.[13]

ق. باسيليوس الكبير

ننتقل الآن إلى ق. باسيليوس الكبير حيث يعالج في رسالته إلى أهل مدينة سوزبوليس موضوع طبيعة ناسوت المسيح، حيث يفرق بين نوعين من الأهواء وهما: الأهواء الطبيعية والأهواء الشريرة، ويتحدث عن خضوع ناسوت المسيح للأهواء الطبيعية للتأكيد على تأنسه، وعدم خضوعه للأهواء الشريرة كالتالي:

”لذلك يبدو أن الرب قد قَبِل الأهواء الطبيعية ليؤكد على أن تأنسه حقيقي، وليس بطريقة خيالية، أما الأهواء التي من الشرور، وتلك التي تدنس نقاء حياتنا، فقد رفضها لأنها لا تليق بطبيعته الإلهية الطاهرة، ولهذا السبب، قد قيل أنه قد صار في شبه جسد الخطية“.[14]

ق. غريغوريوس اللاهوتي

وهكذا نجد ق. غريغوريوس اللاهوتي في نفس السياق يؤكد على أن المسيح أخذ كل ما هو قابل للفساد ليهبنا الأسمى كالتالي:

”وكما تشبه المسيح بنا، فلنتشبه نحن أيضًا به، صار إنسانًا لكي يؤلهنا، قَبِلَ كل ما هو قابل للفساد حتى يهبنا الأسمى، صار فقيرًا حتى نغتني نحن بفقره، أخذ شكل العبد كي نسترد حريتنا، اتضع كي يرفعنا. جاز التجربة كي نغلب به، أُهين ليمجدنا، مات ليخلصنا، صعد إلى السماء ليجذبنا إلى نفسه، نحن الذين سقطنا في وهدة الخطية“.[15]

يؤكد ق. غريغوريوس النزينزي على اتخاذ الكلمة جسدًا قابلاً للألم ومحدودًا كالتالي:

”الله وابن الله الوحيد الأزلي، في غير اختلاط بجسد ولا بما يتعلق بالجسد، والذي هو في الأخير إنسانًا أيضًا، أتخذه لخلاصنا، قابل الألم في الجسد، وغير قابل الألم في الألوهة، محدود في الجسد، وغير محدود في الروح“.[16]

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا أن المسيح:

”أحتاج إلى روح للقضاء على الروح، التي لم تخطئ في آدم فحسب، بل حملت أعراض الشر الأولى، على حد قول الأطباء بالنسبة إلى الأمراض“.[17]

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا في تفسير آية الخضوع التالي:

”وهكذا فحين أكون أنا غير خاضع وعاصيًا بنكراني الله وبأهوائي، يكون المسيح أيضًا غير خاضع فيَّ، ولكن ’متى أُخضع له كل شيء‘ -وسيخضع له بمعرفة الله والتحول- سيقوم هو بالخضوع النهائي فيقدمني لله لينًا بالخلاص“.[18]

ق. غريغوريوس النيسي

يقول ق. غريغوريوس النيسي في نفس السياق أن الجسد المتغير والخاضع للعواطف والأهواء قد تحول إلى عدم التغير باتحاده بالله غير المتغير كالتالي:

”ولكن ما هو قابل للتغيير وخاضع للعواطف والأهواء قد تحول إلى عدم التغير أو التأثر باشتراكه في غير المتغير“.[19]

ويقول ق. غريغوريوس النيسي أيضًا أن الرب أخذ طبيعتنا الخاطئة ليشفيها كالتالي:

”ولكن قول الرسول يشهد بأن الرب قد جُعل خطيةً لأجلنا، وهو الذي لم يعرف خطية (٢كو٥: ٢١)، وذلك عندما أخذ طبيعتنا الخاطئة“.[20]

ويقول ق. غريغوريوس النيسي أيضًا في رده على أبوليناريوس أن جوهر الألوهية الثابت غير القابل للتغيير قد جاء ليكون في طبيعتنا المتغيرة ليشفي قابليتنا نحو الفساد كالتالي:

”من خلال كل شاهد من هذه الشواهد نتعلَّم أن الألوهية، التي جوهرها ثابت وغير قابل للتغيير دائمًا، قد جاءت لتكون في طبيعتنا المتغيرة، وهكذا بثباتها وعدم تغيرها، تشفي قابليتنا للتغير نحو الفساد“.[21]

كما يستخدم ق. غريغوريوس النيسي تعبير الامتزاج لوصف الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح، كما يؤكد على أن اللاهوت نزل في جسد بشري قابل للفساد، يقصد بالتأكيد الفساد الطبيعي أي الأهواء البشرية غير الملومة كالجوع والعطش والألم والقابلية للموت كالتالي:

”فإن الذي أنار الطبيعة المظلمة وأرسل شعاع ألوهيته على مركبنا، أعني النفس والجسد، أشرك العنصر البشري كله في نوره الذاتي وحوله بهذا الامتزاج إلى ما هو عليه، وكما أن الألوهية لم تفسد بنزولها في جسد قابل للفساد، كذلك لم تتغير بشفائها ما هو متغير في نفسنا“.[22]

كما يؤكد ق. غريغوريوس النيسي على أن المسيح قد صار محويًا داخل طبيعة الجسد القابلة للفساد الطبيعي لكي يشفيها من هذا الفساد كالتالي:

”’أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا شَكْلَ عَبْدٍ‘ (في 2: 7). فماذا يكون شكل العبد هذا؟ فلا بد أنه الجسد؛ لأننا لم نستلم أية عقيدة أخرى من الآباء سوى تلك العقيدة. وهكذا ينادي مَنْ قال إن الابن أخذ ’شكل العبد‘ (وهذا الشكل هو الجسد) بأنه في شكله الإلهيِّ شيئًا، بينما شكل العبد الذي أخذه شيئًا آخر في طبيعته. وتُثبِت كلمة ’أخلى‘ أيضًا بوضوحٍ أنَّ ما رأيناه لم يكن موجودًا على الدوام: فهو مساوي لله في ملء لاهوته، ولا يمكن الاقتراب منه، ولا يمكن الوصول إليه، ولا يمكن احتوائه داخل حدود حقارتنا البشرية؛ ولكنه صار محويًا داخل طبيعة الجسد القابلة للفساد، عندما -على حد قول بولس الرسول- ’أَخْلَى‘ ذاته من مجد لاهوته الفائق الوصف، وأنقصه إلى مستوى حدودنا. فماذا كان هو، كان عظيمًا، وكاملاً، ولا يمكن إدراكه؛ ولكن ماذا ”أخذ“، فيمكن قياسه بنفس مقياس طبيعتنا“.[23]

ق. يوحنا ذهبي الفم

نستكمل حول طبيعة ناسوت المسيح في تعاليم آباء الكنيسة الجامعة بصفة عامة، وعند ق. يوحنا ذهبي الفم بصفة خاصة.

حيث يتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن طبيعة جسد المسيح إنه بالرغم من أنه خال من الخطية، ولكنه لم يكن بدون ضرورات طبيعية كالتالي:

”إن جسد المسيح كان بالتأكيد خالٍ تمامًا من الخطية، لكنه لم يكن بدون ضرورات طبيعية، وإلا ما كان له جسد حقيقي“.[24]

ويستطرد ق. يوحنا أيضًا قائلاً عن الضعف في طبيعة المسيح البشرية التالي:

”إن هذا كان ضعفًا من جهة طبيعته البشرية“.[25]

ويستطرد ق. يوحنا قائلاً في نفس السياق التالي:

”هذه الكلمات تُظهر بمنتهى القوة أنه كان له طبيعته البشرية، التي لا ترغب في أن تعاني الموت، بل كانت متعلقة بالحياة الحاضرة، وقد برهنت على أنه كان له مشاعر بشرية، وكما أن حقيقة أنه جاع أو نام، لم يكونا شيئين يُمسكان عليه، كذلك حقيقة أنه خاف الانفصال عن هذه الحياة الحاضرة (بالموت) لا ينبغي أن تُمسك عليه أيضًا“.[26]

كما يفرق ق. يوحنا بين الفساد الطبيعي وهو القابلية للموت الذي يتعرض له الإنسان العادي وفساد الخطية الذي يتعرض له الإنسان الشرير كالتالي:

”هكذا يختلف الواحد عن الآخر، تمامًا بمقدار هذا، بأن الميت يتعرض فعلاً لذلك الفساد الآتي من الطبيعة فقط، أما هذا الإنسان فإنه يتعرض لذلك الفساد معًا بالإضافة إلى أنه يسبب أيضًا ذلك التعفن الذي هو من الإفراط، مبتكرًا كل يوم دواعٍ للفساد لا تُحصى“.[27]

ويقول ق. يوحنا في موضع آخر أن المسيح أخذ أجسادًا كانت ناقصة وعادمة من شيء ما ليجعلها تامة وكاملة، وهكذا أكمل الناموس الذي كان ناقصًا كالتالي:

”هذا هو ما أود قوله، المسيح أخذ أجسادًا كانت ناقصة، لأنها كانت معدومة من شيء ما، وجعلها تامة وكاملة، بنفس الطريقة، هو أخذ الناموس الذي كان ناقصًا وقوَّمه، وشكَّله، وجعله في حالة أكثر كمالاً“.[28]

ق. كيرلس الإسكندري

ثم ننتقل إلى حديث ق. كيرلس عمود الدين عن الآلام البشرية غير الملومة التي كانت في ناسوت المسيح كالتالي:

”لذلك فقد قيل عنه أنه جاع، وأنه تعب من السفر، واحتمل النوم والاضطراب والحزن، وآلام بشرية أخرى لا لوم فيها“.[29]

كما يتحدث ق. كيرلس عمود الدين في رسالته إلى الامبراطور التقي ثيؤدوسيوس عن طبيعة ناسوت المسيح الذي كان قابلاً للفساد الطبيعي وليس الفساد الأخلاقي (أو فساد الخطية) كالتالي:

”لكنه أمر مذهل، ولا يوجد أحد على الإطلاق لا يُذهل منه، أن الجسد الذي هو قابل للفساد بالطبيعة، ينبغي أن يعود للحياة، لأنه يخص الكلمة غير القابل للفساد، وكذلك النفس التي حصلت على تركيب مثل هذا معه واتحاد، قد نزلت إلى الجحيم مستخدمةً القوة والسلطة التي تُنسب لله، وظهرت للأنفس الموجودة هناك“.[30]

حيث يتحدث ق. كيرلس هنا عن جسد المسيح القابل للفساد بالطبيعة الذي كان يحتاج العودة للحياة، وهنا يقصد قابلية الجسد الطبيعية للموت. وأكد ق. كيرلس أن هذا الجسد القابل للفساد بالطبيعة يخص الكلمة غير القابل للفساد.

يقول ق. كيرلس السكندري عن فساد جسد المسيح الطبيعي قبل القيامة، مع توضيح أن الفساد الطبيعي هو الموت، أي أن المسيح أخذ جسد قابل للموت التالي:

”هكذا إذًا، في ذلك اليوم، أي الوقت، حينما ستكونون أنتم أيضًا أحياء، لأني أنا حي، رغم إني صرت إنسانًا مثلكم، وأنا متشح بالجسد الذي هو معرض للفساد بحسب طبيعته الخاصة، يقول هو: ستعرفون بوضوح ‘أني أنا في الآب وأنتم فيَّ وأنا فيكم“.[31]

قول آخر للقديس كيرلس السكندري، حيث يؤكد على أن جسد المسيح قابل للفساد الطبيعي أي الموت:

”لأن قوة الموت وسلطانه قد قُهرت وطُردت من الجسد. ولو أن الجسد الذي مات لم يقم، فأي نوع من الموت هو الذي أُبطل وسُحق؟ وبأي طريقة أُبطلت قوة الفساد؟ لأنه بدون موت جسده وقيامته لا يمكن أن تتلاشى قوة الموت، لا بموت النفس ولا بموت ملاك، لأن قوة الموت كامنة في ذلك الجسد الذي هو فاسد بالطبيعة، كما أن قوة القيامة خاصة بهذا الجسد وبالجسد وحده. الذي بواسطة موته وقيامته انتهى سلطان رئيس هذا العالم“.[32]

قول آخر للقديس كيرلس عمود الدين يؤكد على فساد جسد المسيح الطبيعي قبل القيامة، حيث يقول التالي:

”وأعتقد أننا ينبغي أن نفحص أيضًا السؤال التالي: توما لمس جنب المخلص، ووجد الجروح التي أحدثها رمح الجندي، ورأى آثار المسامير وقد يسأل أحدهم، كيف كانت علامات الفساد ظاهرة في جسد عديم الفساد؟ لأن بقاء الثقوب في اليدين والجنب، وعلامات الجروح والفتحات التي سببتها المسامير الحديدية، هي برهان على فساد الجسد، رغم أن الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن جسد المسيح قد تغير إلى حالة عدم الفساد مما يقتضي أن تختفي بالضرورة كل نتائج الفساد مع اختفاء الفساد نفسه. لأن أي إنسان أعرج هل سيكون أعرجًا في القيامة؟ ومَن فقد البصر في هذه الحياة، هل سيكون أعمى في القيامة؟ فكيف إذًا -قد يسأل أحدهم- نكون قد تحررنا من نير الفساد إن كانت نتائجه لا تزال باقية وتسود على أعضائنا؟ وأعتقد أنه من الضروري أن نجيب على هذا السؤال، ونقول هذا بسبب الصعوبات التي توجد في هذا المقطع: وقبل أي شيء فإننا نوافق تمامًا على الاعتقاد أنه في القيامة، لن يكون فينا جروح أو آثار عارضة للفساد، بل كما يقول بولس الحكيم عن جسد قيامتنا هذا: ’يُزرع في هوان ويُقام في مجد. يُزرع في ضعف ويُقام في قوة‘. وماذا يمكن أن نتوقع في قيامة هذا الجسد بقوة ومجد، إن لم يتضمن اضمحلال كل صفات الضعف والهوان والفساد والأمراض، وعودة الجسد إلى نقاوته الأصلية؟ لأن الجسد البشري لم يُخلق للموت والفساد“.[33]

وهكذا يتحدث ق. كيرلس في موضع آخر عن فساد جسد المسيح الطبيعي كالتالي:

”لم يكن ممكنًا بطريقة أخرى، إبادة سيادة الموت، إلا فقط بقوة الابن الوحيد الذي صار إنسانًا. لذلك صار مثلنا، وجعل الجسد الذي كان تحت الفساد جسدًا خاصًا به وفق النواميس الطبيعية، حتى أنه ولأنه هو بذاته الحياة (لأنه وُلِد من حياة الآب)، أنبت فيه (أي في الجسد البشري)، صلاحه الخاص به، أي الحياة“.[34]

وهكذا نستنتج من أقوال آباء الكنيسة العظام أن ناسوت المسيح كان خاضعًا للأهواء الطبيعية غير الشريرة، وخاضع للضعفات والآلام البشرية الطبيعية البريئة وغير الملومة، كما سنرى أن معلمنا ساويروس الأنطاكي قد علَّم بذلك في رده على هرطقة يوليان أسقف هاليكارنيسوس.

ق. ساويروس الأنطاكي

يرد ق. ساويروس الأنطاكي على هرطقة يوليان أسقف هاليكارنيسوس قائلاً:

”لو أنه كان غير قابل للفساد وغير قابل للألم، وغير مائت، فكيف تقول أنت أنه قد تألم؟ لقد كان يجب عندئذ أن يكون موت ربنا هو نوع من الخيال وغير حقيقي“.[35]

ثم يستطرد ق. ساويروس الأنطاكي في الرد على هرطقة يوليان قائلاً:

”لأنه أخذ جسدًا قابلاً للموت وقابلاً للفساد، والذي لهذا السبب كان قابلاً للتألم. ومن خلال الجسد جعل آلامه (أي آلام الجسد) خاصة به أيضًا. فبينما كان الجسد يتألم، صار يقينًا أن الكلمة ذاته يتألم، وعلى هذا النحو نحن نعترف أنه صُلب ومات. فعندما تحمل الجسد الآلام، لم يكن الكلمة بعيدًا هناك وحده“.[36]

ثم يقرر ق. ساويروس الأنطاكي حقيقة مهمة في التجسد قائلاً:

”فلو أن عمانوئيل أراد أن يتحد بجسد غير قابل للموت وغير قابل للألم ليخوض به المعركة لأجلنا، وإذا كان بالطبيعة هو الله الذي يملك عدم التألم وعدم الموت، فماذا كانت الحاجة عندئذ للتجسد؟ لذلك فقد وحد بنفسه جسدًا كان واحدًا معنا في الجوهر وتألم مثلنا، وكان عرضة للتألم وللموت ومات كمحارب منتصر“.[37]

كما يؤكد ق. ساويروس الأنطاكي على عدم معاناة ناسوت المسيح من فساد الخطية، مفرقًا بينه وبين الفساد الطبيعي الذي تحدث عنه ق. كيرلس في القول السابق في رسالته الأولى إلى سرجيوس النحوي كالتالي:

”هكذا أيضًا الناسوت الذي وحده كلمة الله بنفسه أقنوميًا، لم يعان من فساد الخطية، التي تُفسِد مثل فساد الدود والسوس، فإنه لم يكن ممكنًا أن يُداس من الخطية“.[38]

ثم يفرق ق. ساويرس مرةً أخرى بين الفساد الطبيعي أي قابلية الجسد للموت والفساد الأخلاقي أو فساد الخطية كالتالي:

”وبواسطة كل هذا تَبَيّن أن جسد المسيح غير قابل للفساد لإنه لم يَخْضَع مُطلقًا لفساد الخطية، أما بالنسبة لما ينتج عن الموت والدفن، فقد كان خاضِعًا لهما ولكنه أهلَكهُمَا في نفسه دونَ أن يتأثَّر بِهما، بسبب اتحاده بالكلمة الذي بطبيعته غير قابل للفساد، والألم، والموت“.[39]

مار غريغوريوس بن العبري

وهكذا يتحدث العلامة السرياني مار غريغوريوس بن العبري عن قابلية ناسوت المسيح للفساد الطبيعي كالتالي:

”يجب أن نَعلَم أن الفساد يُقَال بأنواع كثيرة في الكُتب المقدسة، بنوع الخَطِيّة والقصاص كما وَرَد: ’من يُفْسِدْ هيكل الله -أي الخَطِيّة- يُفْسِدَه الله بالعقاب‘. وبنوع انحلال العناصر كما وَرَد: ’أنت أيها الإله أنزِلهم إلى جُبْ الفساد‘. وبنوع الضَعْف كما جاء: ’ويُشَوّهون وجوههم ليُظهروا للناس أنهم صائمون‘. وبنوع الآلام التي تَطْرَأ على الجسد؛ الجوع والعطش والتعب والصُراخ والضربات. وبنوع الموت الذي هو انفصال النفس عن الجسد كما جاء: ’لم تَخَفْ أن تُفسِد مسيح الرب‘. والآباء الأوَّلون عندما يَدْعون جسد ربنا قابلاً للفساد قبل القيامة، فليس بالأنواع الثلاثة الأولى وحاشاهم من ذلك. لأنه لم يَفْعَل خَطِيّة، ولم يَسْقُط تحت طائلة العقاب، ولم تَنفَصِل أجزاء جسده في القبر، كما ورد في المزامير: ’لأنَّك لَمْ تَدَع صَفَيّك يرى فساداً‘. بل بالأنواع الثلاثة الأخيرة فقط، لأن سخنته ضعفت وجاع وعطش وتعب، وثُقِبَت يَدَاه ورِجلاه بالمسامير وطُعِنَ بالحربة وانفصلت نفسه عن جسده على الصليب، بينما لاهوته لَم ينفصل لا من نفسه ولا من جسده“.[40]

ونُلاحِظ هنا التوافق التام بين ما قاله العلامة السرياني ابن العبري وبين ما علَّم به مِلفان الكنسية السريانية الأعظم مار ساويرس الأنطاكي الذي شرح وعلَّم بنفس التعليم.

الأب يوحنا الدمشقي

كما يتحدث الأب يوحنا الدمشقي عن قابلية ناسوت المسيح للفساد الطبيعي قائلاً:

”لكلمة فساد معنيان إنها تعني هذه الانفعالات البشرية كلها: الجوع والعطش والتعب وثقب المسامير والموت أو انفصال النفس عن الجسد وما شاكلها. وبهذا المعنى نقول بأن جسد الرب كان قابل للبلى، لأن المسيح ارتضى أن يتقبلها كلها. ويعني البلى أيضًا انحلال الجسد بكامله إلى العناصر المركب هو منها وزواله وهذا هو بالأحرى ما يدعوه الكثيرون فسادًا. أما جسد الرب فلم تصبه هذه المحنة، على ما يقوله دواد النبي: ’لأنك لم تترك نفسي في الهاوية ولم تدع قدوسك يرى فسادًا‘ (مز ١٥: ١٠). إنه إذًا لكفر القول – على نحو يوليانوس وغايوس الغبيين- بأن جسد الرب منزه عن البلى بالمعنى الأول لهذه الكلمة وذلك قبل قيامته. لأنه لو كان منزهًا عن البلى، فهو ليس مساويًا لنا، بل إنما ظُن به كذلك، وإنه بالحقيقة لم يحدث له كما يقول الإنجيلي إنه حدث من جوع، وعطش، ومسامير، وطعنة جنبه، والموت. وإذا كان هذا بالظن، فإن سر تدبير خلاصنا وهم وخداع، وإنه صار إنسانًا بالظن، لا بالحقيقة. وقد نلنا الخلاص بالظن لا بالحقيقة. ولكن حاشا أن يكون ذلك. والذين يتشدقون بهذه الأقوال فليُحرموا من الخلاص!“.[41]

ويفرق يوحنا الدمشقي هنا بين نوعين من الفساد أحدهما تعرض له جسد الرب وهو الانفعالات البشرية كالحزن والاضطراب والجوع والعطش والألم والموت الجسدي، وهذا ما أكده عليه القديس ساويروس الأنطاكي في رده على هرطقة يوليان، أما النوع الآخر من الفساد أي تحلل الجسد البشري إلى تراب فذلك لم يتعرض له جسد الرب وكان غير قابل له بحسب تعليم آباء الكنيسة الجامعة، وبذلك لا يوجد تعارض بين آباء الكنيسة والقديس ساويروس الأنطاكي.

 

 

الفرق بين الفساد الطبيعي والفساد الأخلاقي

سأستعرض وجهة نظر ق. ساويروس الأنطاكي في رده على هرطقة يوليان أسقف هاليكارنيسوس بعدم قابلية جسد المسيح للفساد قبل القيامة، والذي أعتبره ق. ساويروس شكل من أشكال الهرطقة الخيالية (المانوية)، والدوسيتية، والأوطاخية (المونوفيزيتية)، والأبولينارية.

بحسب فلسفة أرسطو، الفساد φθορά لا يعني أي شيء إلا أنه شكل من أشكال التغيير άλλοίωσις، وبالتالي جميع الأجساد الطبيعية خاضعة للتغيير. وبحسب هذا المنطق، إن كان جسد المسيح جسدًا طبيعيًا مثل جسدنا -وليس مجرد ”جسدًا من السماء“ (هذه هي الهرطقة الأبولينارية)- فلا بد من أنه خاضع للتغيير والفساد.

بالرغم من عدم ذكر أرسطو بالاسم بشكل واضح، إلا أن ق. ساويروس ينطق بوضوح بنفس الافتراضات. حيث يوضح أن جميع المخلوقات خاضعون للتغيير من خلال حقيقة ”خلقتهم“ عينها. فالله وحده هو غير المخلوق، ولذلك هو وحده غير قابل للتغيير.

حيث يقتبس ق. ساويروس قول من تفسير ق. كيرلس على إنجيل يوحنا لكي يؤسس عليه بأن الناسوت بالتحديد هو ”عاقل ومائت“، وأن كل شيء مخلوق هو فاسد. وبالتالي يتتبع ق. ساويروس في سبيل التأكيد على تجسُد المسيح الحقيقي والكامل تلك الافتراضات إلى نتيجتها المنطقية: بأن جسد المسيح كان خاضعًا للتغيير، وبالتالي، كان فاسدًا.

ولم يكن ذلك الوضع كافيًا ومرضيًا بشكل فلسفي فقط، بل يبدو أيضًا وبحسب الصورة الإزائية للرب يسوع، بالإضافة إلى الفقرات الرئيسية من عند أكثر من أب لاهوتي معاصر للقديس ساويروس، والذين لم يكن سلطانهم محل اعتراض سواء من ساويروس أو يوليان.

استنتج ق. ساويروس -كدليل على فكرة تغير وتحول جسد المسيح عبر الزمن- من وصف لوقا البشير لنمو الفتى يسوع، كما شرحه كل من ق. يوحنا ذهبي الفم، وق. كيرلس، وأساقفة وآباء القرن الخامس الآخرين. وأشار ق. ساويروس إلى روايات متنوعة من الإنجيل -كدليل على فكرة أن جسد الرب يسوع كان قابلاً للفساد- عن جوع وعطش وتعب الرب يسوع، وبالطبع الآلام على الصليب- كما شرحها نفس الآباء اللاهوتيين.

كما عانى جسد الرب يسوع أيضًا -مثل جميع الأجساد الطبيعية الأخرى- من التجديد الطبيعي (تجديد الخلايا والأنسجة في الجسم) wear and tear، ولو لم تكن تلك هي المسألة بالتحديد -مُستحضرًا عبارة ق. يوحنا ذهبي الفم التي أستشهد بها ق. ساويروس بشكل متكرر- فلا كان جسدًا على الإطلاق.

دعَّم ق. ساويروس قضيته بمجموعة كبيرة من النصوص الحجية الآبائية، ولكنه كان مرتبطًا بشكل خاص بالأعمال التي استهدفت بشكل مميز الآباء الذين جادلوا حول ناسوتية المسيح الكاملة، مثل: أطروحة ق. أثناسيوس ضد أبوليناريوس أسقف لاودكية، ورسالتي ق. غريغوريوس النزينزي إلى كليدونيوس (ضد الأبولينارية أيضًا)، وعظة ق. يوحنا ذهبي الفم ضد المانويين والماركيونيين، واعتراف المعمودية ليوحنا الأورشليمي، الذي كان موجهًا بشكل مباشر لمواجهة شكل معاصر من أشكال الدوستية.

كما وجد ق. ساويروس أيضًا ركيزة مناسبة لفكرته عن التماثل القياسي لجسد الرب يسوع مع جسدنا في آية (عب٤: ١٥) ”لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ“. حيث فسر ق. ساويروس المقصود من هذه الآية أن الاستثناء الوحيد هو عصمته من الخطية، فالمسيح عانى من كل الضعفات الجسدية، التي يعاني منها جميع البشر.

وهكذا أسس ق. ساويرس رأيه بأن جسد المسيح قبل القيامة كان قابلاً للفساد على العديد من المصادر الكتابية والآبائية. كانت توجد، مع ذلك، جوانب أخرى داخل التقليد التي طرحت تحديات لرأيه. حيث استفاض في تلك التحديات وفرق بينها بتقديم ما يمكن أن يُسمى بـ ”الفروق التفسيرية“ في النصوص الصعبة.

أحد النصوص الكتابية التي بدت أنها تعارض رأي ق. ساويروس هو نص (أع٢: ١٤- ٤١)، وهو عبارة عن عظة بطرس الرسول في يوم الخمسين، حيث يقدم بطرس بالطبع في عظته دليلاً على قيامة المسيح من (مز١٦: ١٠) ”لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَادًا δίαφθορα“. حيث يبرهن بطرس هنا بما أن داود الكاتب التقليدي للمزمور معروف إنه قد مات ودُفن، فلابد أن هذه الآية تشير إلى شخص آخر-أي إلى الرب يسوع.

كما أكد يوليان في تفسير هذه الآية أن مقطع δία في أول الكلمة الحاسمة δίαφθορα يشير إلى أن معنى الكلمة كان ”القابلية للفساد“، أو الحالة التي تؤدي إلى الفساد φθορα، وليس بالحري الفساد نفسه. فإنْ كانت الآية تقول بأنه لم يكن هناك قابلية للفساد في الرب يسوع -فليس هناك حتى القابلية لـ، أو بداية للفساد- ويستخلص يوليان بأنه ينبغي ألا يكون هناك فسادًا فعليًا أو كاملاً في جسده.

بينما رفض ق. ساويروس هذه الحجة، ونادى بجهالة وتناقض يوليان في ”المصادر الخارجية“، وبأنه لم يعرف كيرلس، الذي كان بارعًا وماهرًا جدًا في المعرفة الداخلية والخارجية على قدم المساواة، وإن يوليان لم يفرق بين فساد طبيعي φθορά وفساد التحلل أو الفساد الأخلاقي δίαφθορα، بالرغم من ذلك، يستطرد ساويروس نفسه للإقرار بأن دراسته للاستعمال الكتابي لهاتين الكلمتين يشير بالفعل إلى وجود اختلاف بين التعبيرين، ولكنه ليس الاختلاف الذي يدَّعيه يوليان.

بل بالأحرى يربط، كما فعل يوليان، المقطع δία في أول كلمة δίαφθορα بفكرة مركبة نقلية (أي أن الحالة المؤدية إلى الفساد تناقض وتعارض الفساد نفسه)، حيث يقرأه ساويروس بشكل كامل كإشارة إلى فعل كامل. δίαφθορα بالنسبة لساويروس هي التمثيل والتجسيد التام والكامل لكلمة φθορά، حيث تشير الكلمة الأخيرة إلى الموت الجسدي بمعناه البسيط، أي انحلال جزئي المركب الجسدي، بينما على العكس، تشير كلمة δίαφθορα إلى الفناء الكامل والتام المصاحب للانفصال الكامل عن الله.

ويستطيع ق. ساويروس باستخدام هذا التفريق تفسير آية (أع٢) بشكل مختلف عن يوليان. حيث يفسر ساويروس كلمة δίαφθορα كشكل أكثر كمالاً للفساد φθορά، وبالتالي، لا يشير الاستثناء من الكلمة السابقة δίαφθορα إلى الاستثناء من الكلمة الأخيرة φθορά. حيث أن جسد الرب يسوع -أثناء الفترة القصيرة التي قضاها في القبر- لم يعان من δίαφθορα بمعنى الفناء التام والانفصال الكامل عن الله، بل بدأ بالفعل يعاني من φθορά بمعنى الانفصال الجسدي المعتاد.[42]

وهكذا يجمع آباء الكنيسة على أن ناسوت المسيح غير قابل للفساد أو التحلل، لأن ناسوت المسيح قد تأله باتحاده بلاهوته مصدر الحياة، فكيف للناسوت المتحد بمصدر الحياة أن يتحلل ويفسد كسائر البشر.

 

 

أفكار خاطئة عن ناسوت المسيح (نظرية الأجساد الثلاثة)

ثم ننتقل إلى ما يُعرف باسم نظرية الأجساد الثلاثة، وهي أن جسد المسيح له ثلاث استخدامات، أو دلالات، وهم جسد المسيح الذي أتحد الكلمة به، وجسد المسيح أي الكنيسة، وجسد المسيح أي الإفخارستيا، وسوف نرى أنه لم يقل أحد الآباء سواء شرقًا أو غربًا بهذه النظرية مطلقًا، بل للأسف مَن نادى بها هم الأفنوميون والنساطرة المهرطقين، سأستشهد بأقوال آباء الكنيسة الغربية اللاتينية أولاً من أجل دحض هذه النظرية، ثم سوف أستشهد بأقوال آباء الكنيسة الشرقية اليونانية.

ق. هيلاري أسقف بواتييه

ابدأ بالقديس هيلاري أسقف بواتييه الملقب بأثناسيوس الغرب، حيث يقول التالي داحضًا نظرية الأجساد الثلاثة مؤكدًا على وحدة الأجساد الثلاثة في المسيح:

”من ناحية أخرى، قد شهد هو نفسه عن كيف يكون اتحاده بالحقيقة فينا بهذه الطريقة: ’مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ‘ (يوحنا56:6). إذ لن يسكن فيه أحد سوى الذي يسكن فيه بنفسه، لأن الجسد الوحيد الذي قد أخذه لنفسه هو جسد هؤلاء الذين أخذوا جسده، لقد علّم بالفعل قبلاً عن سر تلك الوحدة الكاملة [الله! ليست وحدة اعتبارية رمزية، بل وحدة كاملة] […] هذا هو سبب حياتنا أننا لدينا المسيح يحيا في طبائعنا البشرية الجسدية بالجسد، وسوف نحيا به كما أنه يحيا بالآب“.[43]

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان

كما يتحدث ق. أمبروسيوس أسقف ميلان داحضًا نظرية الأجساد الثلاثة، مؤكدًا على وحدة الأجساد الثلاثة، مرددًا ما نصلي به في تسبيحتنا القبطية الأرثوذكسية قائلين: هو أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له، قائلاً:

”إذًا، فقد أخذ منا ما كان يجب أن يقدمه لنا، هكذا لكي يفيدنا مما يخصنا، وبعطيته الإلهية يقدم مما يخصه [أي لاهوته]، ما لم يكن خاصًا بنا، إذًا، بحسب طبيعتنا قدم ذاته، حتى بهذا يعمل عملاً أسمى من طبيعتنا. التقدمة هي مما يخصنا أما المكافأة فهي مما يخصه، وكثيرًا ما نجد فيه أيضًا أمور بحسب الطبيعة وأسمى من الطبيعة [البشرية]“.[44]

يستطرد ق. أمبروسيوس داحضًا نظرية الأجساد الثلاثة قائلاً بكل وضوح:

”إذًا، بما أن جسد الكل أيضًا في المسيح خضع للجروح [أيعقل هذا الكلام جسد الكل في المسيح! وليس جسدًا اعتباريًا رمزيًا]، كيف تقولون إن ذلك الجسد وتلك الألوهية لهما الطبيعة ذاتها؟“.[45]

ق. أوغسطينوس أسقف هيبو

ننتقل إلى ق. أوغسطينوس ولنا وقفة معه، لأن البعض يهاجم تعبير ”جسد المسيح السري“ معتقدين أنه تعبير حديث معاصر قاله أحد الآباء في العصر الحديث، ولكن المفاجأة الكبرى أنه تعبير أوغسطيني صرف تعلمه أوغسطينوس من قوانين تايكونيوس الدوناتي، واعتاد استخدامه كمفتاح لتفسير المزامير، للتأكيد على أن مبدأ الكنيسة هو جسد المسيح السري، حيث يقول التالي في تفسيره لسفر المزامير:

”هذه النبوة تنطبق على الشيطان وملائكته الذين يقاتلون، لا ضد جسد المسيح السري فحسب، بل ضد كل عضو من أعضائه، ’قصمت أسنان الأثمة‘، لكل منا أعداؤه الذين يلعنونه، فضلاً عن فاعلي الشر الذين يسعون إلى انتزاعنا من جسد يسوع المسيح، لكن للرب الخلاص“.[46]

كما يؤكد ق. أوغسطينوس على حقيقة وحدة الأجساد الثلاثة في المسيح، وعبور المسيح بجسده الكامل أي الكنيسة من الموت إلى الحياة، قائلاً:

”هكذا أيضًا عبر المسيح بجسده الكامل من الموت إلى القيامة وجسده هو الكنيسة (كو١: ٢٤)“.[47]

ويستطرد في نفس السياق، مؤكدًا على اتحاد مثال بشريته بنا لإزالة مخالفة فسادنا بشركة موتنا من أجل أن يمنحنا شركة الطبيعة الإلهية والتأله قائلاً:

”وبالتالي باتحاد مثال بشريته بنا، قد أزال مخالفة فسادنا، وبشركته لموتنا جعلنا شركاء طبيعته الإلهية“.[48]

ويستطرد أوغسطينوس شارحًا كيف يهب المسيح الرأس أعضاء جسده أي كنيسته ما يقبله هو ناسوتيًا من لاهوته المتحد به كالتالي:

”فإنه قَبِلَ بين الناس أيضًا كالرأس يعطي إلى أعضائه: وهو نفسه قد أعطى و قَبِلَ بين الناس وبدون شك كما في أعضائه الذين من أجلهم أي من أجل أعضائه صرخ من السماء قائلاً: شاول شاول لماذا تضطهدني؟ (أع٥: ٤)، والذين من أجلهم أي أعضائه يقول: بما أنكم فعلتموه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم (مت٢٥: ٤٠)، لذا قد أعطى المسيح نفسه من السماء [أي من لاهوته] وقَبِلَ على الأرض“.[49]

ثم يشرح أوغسطينوس كيفية الاتحاد بين المسيح وبيننا في الجسد الواحد مستخدمًا تعبيرات مثل: الانسجام، أو التوافق، أو التناغم، أو التآلف، أو الشركة، للتأكيد على وحدتنا الطبيعية في المسيح المغروسة فينا بصفة خاصة من خلال موته وقيامته بطبيعتنا البشرية كالتالي:

”بينما يواجه موته الواحد وقيامته الواحدة ازدواجية وثنائية موتنا وقيامتنا، لأنه بهذا الانسجام أو التوافق أو التناغم أو التآلف أو أي كلمة مناسبة أكثر يمكن التعبير بها، بحيث أن اتحاد الواحد بالأثنين له أهمية كبيرة جدًا في كل الاندماج والاتفاق أو بالحري شركة الخليقة، تمامًا مثلما يحدث لي وهو ما أقصده بدقة بالغة بالشركة التي يدعوها اليونانيون άρμονία أي الانسجام والتناغم، ومع ذلك فهذا ليس المكان لكي ما أستعرض قوة ذلك الانسجام والاتحاد بين الواحد والثنائي الموجود بصفة خاصة فينا والمغروس فينا بصورة طبيعية أيضًا (الذي لا يكون إلا بواسطة خالقنا)؟ الذي لا يفشل حتى الجاهل في إدراكه“.[50]

لذا أود التنويه إلى أنه لا يوجد أخطر من نظرية تقسيم جسد المسيح إلى ثلاث أجساد على العقيدة المسيحية وتدبير الخلاص الذي لمخلصنا الصالح يسوع المسيح، لذا وجب دحضها ومحاربتها بكل قوة من كل إنسان مسيحي أرثوذكسي حقيقي غيور على عقيدته وخلاصه الأبدي.

ثم نستكمل أيضًا دحض التعليم غير الأرثوذكسي بنظرية الأجساد الثلاثة، وادعاء البعض بأن جسد المسيح الذي أخذه من العذراء غير جسده أي الإفخارستيا، وغير جسده أي الكنيسة، واعتبار جسد المسيح السري أي الكنيسة هو مجرد جسد رمزي اعتباري. لقد استعرضنا في المقال السابق آراء آباء الكنيسة الغربية اللاتينية حول هذا الموضوع، ووجدنا أنهم يؤكدون على وحدة الأجساد الثلاثة وعدم فصلهم عن بعضهم البعض، وسوف نستعرض في هذا المقال أقول آباء الكنيسة اليونانية الشرقية حول نفس الموضوع، لنرى أنهم مثل آباء الكنيسة الغربية يدحضون التعليم بالأجساد الثلاثة. وأود التنويه أحبائي قبل البدء في استعراض أقوال وشروحات الآباء أن ما أعرضه من أقوال الآباء وشروحاتهم هو بعض من كل، وقليل من كثير، وعشرات بل مئات من الشروحات تؤكد على وحدة الأجساد الثلاثة في المسيح، لذا لزم التنبيه.

ق. أثناسيوس الرسولي

نبدأ بالقديس أثناسيوس الرسولي معلم الأرثوذكسية، يدحض التعليم بالأجساد الثلاثة، ويؤكد على وحدتهم في شخص المسيح، لارتباطنا ككنيسته أي جسده معه، وصعودنا بواسطته إلى السماء في جسده، وهكذا يصير لنا شركة الحياة الأبدية، لأننا لم نعد بشرًا عاديين، بل صرنا في اللوغوس لوغسيين كالتالي:

”ولكن ارتباطنا بالكلمة الذي من السماء، فأننا نُحمل إلى السموات بواسطته، لذلك بطريقة مماثلة قد نقل إلى نفسه أوجاع الجسد الأخرى لكي يكون لنا شركة في الحياة الأبدية، ليس كبشر فيما بعد، بل أيضًا لأننا قد صرنا خاصين بالكلمة [أي لوغسيون]“.[51]

ويؤكد ق. أثناسيوس على أن المسيح أبطل اللعنة وهو كائن فينا أي في بشريتنا كالتالي:

”إذ أن لعنة الخطية قد أُبطلت بسبب ذاك الذي هو كائن فينا، والذي قد صار لعنة لأجلنا“.[52]

ويشدد ق. أثناسيوس على نقطة خطيرة جدًا ينكرها البعض في عصرنا الحالي وهي أن موت المسيح كان موتنا جميعًا، وقيامته وتمجيده وصعوده للسماء كان هو قيامتنا وتمجيدنا وصعودنا، لأننا في المسيح نفسه أيضًا كالتالي:

”لأجل هذا السبب يُقال إنه إنسان مُجِّد أيضًا نيابة عنا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدنا مجدًا عاليًا، مقامين من بين الأموات وصاعدين إلى السموات، حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا“.[53]

ويؤكد ق. أثناسيوس في عبارة خطيرة جدًا على عدم اندهاش القوات السمائية عندما ترانا نحن المؤمنين بالمسيح أي كنيسته المتحدين به داخلين إلى مناطقهم السمائية كالتالي:

”لذلك لن تُدهش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا -المتحدين معه في نفس الجسد- داخلين إلى مناطقهم السمائية“.[54]

ويؤكد ق. أثناسيوس على وحدتنا في جسد المسيح التي صرنا بواسطتها هيكل الله، وصرنا أبناء لله يُعبد الرب فينا كالتالي:

”أنه ليس اللوغوس بسبب كونه لوغوس هو الذي حصل على مثل هذه النعمة، بل نحن لأنه بسبب علاقتنا بجسده فقد صرنا نحن أيضًا هيكل الله -وتبعًا لذلك قد جُعلنا أبناء الله، وذلك حتى يُعبد الرب فينا أيضًا [يا لها من كرامة عظيمة!]، والذين يبصروننا يعلنون- كما قال الرسول: أن الله بالحقيقة فيكم“.[55]

ثم يؤكد ق. أثناسيوس على أن موت المسيح هو موت جميع البشر كالتالي:

”حيث أن الجميع ماتوا بواسطته، هكذا قد تم الحكم (إذ أن الجميع ماتوا في المسيح). وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحرارًا من الخطية ومن اللعنة الناتجة عنها، ويبقى الجميع على الدوام قائمين من الأموات، ولابسين عدم موت وعدم فساد“.[56]

كما يؤكد ق. أثناسيوس على وحدتنا ووجودنا في المسيح بسبب سكنى الروح القدس فينا الذي يوحدنا معه، وهكذا نصير في الله ويصير الله فينا كالتالي:

لذلك فبسبب نعمة الروح الذي أُعطي لنا نصير نحن فيه وهو فينا، وحيث إن روح الله فينا، لذلك فبواسطة سكناه فينا وبحسب حصولنا على الروح، نُحسب أننا في الله، وهكذا يكون الله فينا“.[57]

ق. يوحنا ذهبي الفم

يؤكد ق. يوحنا ذهبي الفم على نفس كلام ق. أثناسيوس على وحدة الأجساد الثلاثة في المسيح، وأننا نصير جسد المسيح ليس بالرغبة فقط، بل في الواقع أيضًا كالتالي:

”إن دور التلميذ هو ألا يفحص بوقاحة في تعاليم معلمه، بل دوره أن يسمع ويؤمن وينتظر الوقت لذلك لكي ما نصير جسده ليس بالرغبة فقط، بل أيضًا على مستوى الواقع، فليتنا نصير متحدين بذلك الجسد، وهذا بالحق يتم بواسطة الطعام الذي أعطاه لنا كهبة (أي الإفخارستيا)، لأنه أراد أن يبرهن على الحب الذي له من نحونا. إذ لهذا السبب أشرك نفسه معنا، وأنزل جسده لمستوانا أي نصير واحدًا معه كاتحاد الجسد مع الرأس، وهذا بالحق هو سمة حبه العظيم“.[58]

ويتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن وحدة الأجساد الثلاثة في موضع آخر بتعبيرات خطيرة جدًا قد تفاجئ البعض في عصرنا الحديث، كامتزاج المسيح بنا في جسده ليس بالإيمان فقط، بل بجعلنا جسده الحقيقي، حيث يقول:

”فلم يكن كافيًا للسيد أن يصير إنسانًا ويُضرب ويُقتل، لكنه بمزج نفسه أيضًا بنا، لا بالإيمان فقط، بل بجعلنا أيضًا جسده بالفعل“.[59]

ويؤكد ق. يوحنا على نفس التعبير وهو امتزاجنا بالمسيح في جسد واحد في سر الإفخارستيا كالتالي:

”المائدة التي منها نقتات نحن، التي بها نمتزج ونصير جسدًا واحدًا ولحمًا واحدًا مع المسيح“.[60]

ويشدد ق. يوحنا على نفس مفهوم امتزاج المؤمنين بالمسيح في الأسرار قائلاً:

”فالسيد يمزج ذاته بكل واحد من المؤمنين في الأسرار، وهو يطعم بنفسه الذين ولدهم ولا يسلمهم لآخرين، مقنعًا إياكم بهذا مرة أخرى أنه اتخذ جسدكم“.[61]

ويُعرِّف ق. يوحنا مفهوم شركتنا في جسد المسيح في موضع آخر قائلاً:

”لقد قال: شركة جسد المسيح، ليؤكد على أن ما نتناوله حقًا هو جسد المسيح المحيي، فعندما قال: شركة جسد، فإنه أراد أن يقول شيئًا يعبر به عن أن الاتحاد يمضي في طريقه نحو ما هو أكثر، ولذلك أضاف: فإننا نحن الكثيرين خبز واحد وجسد واحد (١كو١٠: ١٧) ولماذا يقول شركة؟ يقول إن هذا الجسد ذاته هو نحن، لأنه ما هو الخبز؟ إنه جسد المسيح. وماذا يحدث للمؤمنين الذين يتناولون منه؟ يصيرون جسد المسيح، وليس أجسادًا كثيرة، بل جسدًا واحدًا“.[62]

وهكذا نجد التأكيد في شروحات القديسين أثناسيوس ويوحنا ذهبي الفم على وحدة الأجساد الثلاثة في المسيح، ودحضهم للتعليم غير الأرثوذكسي بالأجساد الثلاثة، وسأتابع في المقال القادم شروحات باقي الآباء الشرقيين في نفس الموضوع.

وهكذا يفرق ق. كيرلس الكبير بين الهرطوقي والأرثوذكسي بشكل واضح في مسألة أننا ككنيسة جسد المسيح الإفخارستي، قائلاً:

”وحيث أن الهرطوقي في حماقته، يريد أن يروج لآرائه الزائفة، ويقول: ’إن أي مجادلة لن تجعل الذين يحرفون معنى الكلمات التي أمامنا عن معناها السليم، ويعتبرونها تشير إلى تجسُد المسيح، لأننا لم نتحد به بالجسد، ولا الرسل يثبتون في جسد المسيح كأغصان، ولا هم كانوا مرتبطين به بهذا الشكل، بل عن طريق وحدة الفكر والإيمان الحقيقي‘. والآن فلنجاوب على هذا الكلام باختصار، ونبين للهرطوقي أنه قد انحرف تمامًا، وهو لا يتبع الكتب المقدسة باستقامة. فكون أننا متحدون روحيًا بالمسيح بما يتطابق مع المحبة الكاملة، فهذا لا ينكره بيان عقيدتنا بأي حال، فنحن نعترف أن المعترض على صواب في قوله من هذه الجهة، ولكن أن يقول إنه لا توجد أي إشارة في المثل إلى اتحادنا بالمسيح بالجسد، فنحن سنوضح أن كلامه هذا يتعارض تمامًا مع الكتب الموحى بها، لأنه كيف يمكن أن يجادل أحد، أو هل يمكن لأي إنسان ذي فكر مستقيم أن ينكر أن المسيح هو الكرمة من ناحية جسده؟ ونحن لكوننا أغصان حسب الرمز [أي رمز الكرمة والأغصان]، فإننا ننال في أنفسنا الحياة النابعة منه، كما يقول بولس: ’لأننا نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، فإننا نحن الكثيرين خبز واحد […] لأننا جميعًا نشترك في الخبز الواحد‘ (أنظر رو١٢: ٥، ١كو١٠: ١٧). ما هو سبب هذا وهل يستطيع أحد أن يعطينا تفسيرًا بدون الإشارة إلى قوة السر المبارك؟ ولماذا نحن نتناوله ونأخذه داخلنا؟ أليس لكي يجعل المسيح يحل فينا جسديًا [الله! أ لعلهم يفهمون!] أيضًا بالاشتراك في تناول جسده المقدس؟ أنه يجيب بصواب قائلاً نعم هو كذلك. لأن بولس يكتب هكذا: أن الأمم شركاء في الجسد، وشركاء المسيح في الميراث (أنظر أف٣: ٦). كيف يكونون أعضاء في الجسد؟ ذلك بسبب دخولهم [أي الأمم] ليشتركوا في الإفخارستيا المقدسة، وهكذا يصيرون جسدًا واحدًا معه مثل أي واحد من الرسل القديسين!“.[63]

وبالتالي لا يمكن أن يكون جسد المسيح كما يدَّعي البعض خطاءً جسدًا اعتباريًا، أو رمزيًا، أو روحيًا فقط، بل جسدًا حقيقيًا بشهادة جميع آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا.

 

هرطقات في طبيعة ناسوت المسيح

الهرطقة النسطورية

سندرس الهرطقة النسطورية من خلال كتاب نسطوريوس ”هيراقليدس“ الذي كتبه ردًا على ق. كيرلس الكبير أثناء نفيه بعد حرمانه في مجمع أفسس المسكوني 431م.

حيث يرفض نسطوريوس المهرطق بطريرك القسطنطينية المحروم عقيدة التأله بالنعمة التي نادى بها الكتاب المقدس بعهديه، ونادى بها آباء الكنيسة الجامعة. حيث يقول التالي:

”بخصوص ذلك: أولئك الذين يغيرون طبيعة الإنسان إلى الأوسيا (الجوهر) الإلهي جاعلين إضافة إلى الثالوث، سواء في الطبيعة، أو في البروسوبون. لذلك، إن كانت طبيعة الجسد التي قد تألهت تبقى في الأوسيا (الجوهر)، الذي قد تألهت فيه، فكيف لم يقبل الثالوث إضافةً في الأوسيا (الجوهر)، وفي البروسوبون؟ لأنه لا يوجد أي شيء من الطبيعة البشرية في الثالوث، لا في الآب، ولا في الابن، ولا في الروح القدس، بل يكون (الثالوث) وحده؟ لأنه ما لم يكن معه أزليًا، بل قد تمت إضافته إليه، فقد قَبِل إضافةً. ولكن كيف يمكن لإضافة أن تُصنع له، ولا تكون إضافةً؟ وهذه هي أيضًا قصة أخرى وخرافة مانوية. ولكن إن ذاك الذي قد أُضيف، لم يصر ما قد كان؟ ولم تتضرر طبيعة البشر من طبيعة اللاهوت كما بنارٍ، وإن كان بذلك لا يقبل الثالوث إضافةً، فلم يعد هذا تجسُدًا، بل إلغاء للتجسُد. لأن أي شيء يؤدي إلى إلغاء الطبيعة البشرية، وليس بالحفاظ عليها، لا يُسمى ’تجسُّدًا‘، بل يكون مثل شيء ما يوجد في علاقة مع ذاك الذي لا يوجد“.[64]

نرى بذلك رفض نسطوريوس لعقيدة التأله بالنعمة بحسب التقليد الرسولي والآبائي، لأنه يفهم خطاءً أن التجسُد هو عبارة عن إضافة للطبيعة البشرية إلى الثالوث، وهذا بالطبع ما لم يعلّم به آباء الكنيسة الجامعة بخصوص عقيدة التأله بالنعمة. كما نجد في عصرنا الحالي مَن يردد كلمات نسطوريوس المهرطق بدون دراية أو وعي رافضًا عقيدة التأله بالنعمة على اعتبار أنها شرك بالله وتعدد آلهة وإدخال للطبيعة البشرية في الثالوث. كما نعتها البعض بالآريوسية الجديدة، وهذا عارٍ تمامًا عن الصحة.

كما نجد نسطوريوس في كتابه ”هيراقليدس“ يدحض برهان سر شركة الإفخارستيا الذي استخدمه ق. كيرلس عندما قال له التالي:

”فإننا نقدّم الذبيحة غير الدموية في الكنائس، وهكذا نتقبل البركات السرية ونتقدس، ونصير مشركين في الجسد المقدس، والدم الكريم للمسيح مخلصنا جميعًا، ونحن نفعل هذا لا كأناس يتناولون جسدًا عاديًا، حاشا، ولا بالحقيقة جسد رجل متقدس متصل بالكلمة حسب اتحاد الكرامة، ولا كواحد قد حصل على حلول إلهي، بل باعتباره الجسد الخاص للكلمة نفسه المعطي الحياة حقًا“.[65]

فيحاول نسطوريوس المهرطق الرد على ق. كيرلس في كتابه ”هيراقليدس“ الذي كتبه على شكل محاورة بينه وبين شخص يُدعى صفرونيوس، وهذا أسلوب معروف للكتابة في ذلك الزمان، حيث يرد قائلاً:

”صفرونيوس: (استخدم هذه الكلمة) ضد أولئك الذين يعتقدون إنه لم يمت لأجلنا، بل كان في موته مثل جميع البشر، وإنه في كليهما حيًا وميتًا، كان مجرد إنسان عادي، وإنه لا يمتلك، أي شيء أكثر من (البشر العاديين)، لأنهم يجهلون إنه يكون ابن الله، وإن دمه هو دم الله، وليس دم ذلك الإنسان. نسطوريوس: هل تقول ذلك، بأن الجسد والدم هما أوسيا (جوهر) ابن الله، أم أن الجسد والدم هما جسد ودم الأوسيا (الجوهر) الإنساني، وقد صارا طبيعة اللاهوت؟ لأنه، كما تقول، الجسد ليس جسدًا، لأنه قد تحول بواسطته إلى أوسيا (جوهر) الله الكلمة بواسطة امتزاج واتحاد. وهذا هو ما يقصده الرسول الطوباوي، عندما سخر بشدة من أولئك الذين اعترفوا إنه جسده ودمه، وظنوا (إلى الآن) إنه دنس. صفرونيوس: لم يقل هذا ضد أولئك الذين بالتأكيد لا يعترفون بالجسد في الحقيقة، ولا ضد أولئك الذين يحولون أو يفسدون الأوسيا (الجوهر) كما بنارٍ، أو (مَن يظن) أوسيا (جوهر) الجسد دنسًا بواسطة الامتزاج، بل ضد أولئك الذين يعترفون بالجسد والدم، ويعتقدون (إلى الآن) إنه مشترك. نسطوريوس: كما يبدو لي، الرأي الذي تتشبث به لا ينسجم أكثر مع هؤلاء، بل مع أولئك الذين يحولون الأوسيا (الجوهر) إلى طبيعة الجسد والدم، من دون تفكير بأن أوسيا (جوهر) الجسد والدم لربنا هو مشترك، بل إنه جوهر الله الكلمة، وليس جوهر البشر“.[66]

ثم يستطرد نسطوريوس في نفس السياق معترضًا على أننا صيرنا جسد المسيح، مظهرًا أن الأرثوذكس بحديثهم عن الاشتراك في جسد الكلمة واقعين في تضارب من الآراء وارتباك، قائلاً:

”فقد تغيرنا أيضًا إلى جسده، ونحن نكون جسده، ولذلك نحن لسنا جسد ودم الإنسان، بل جسده الخاص. فالخبز حقًا واحد، ولذلك نحن جميعًا جسد واحد، لأننا جسد المسيح. ’وأما أنتم فجسد المسيح حقًا، وأعضاؤه أفرادًا‘ (١كو١٢: ٢٧) هل الخبز هو جسد المسيح بتغيير الأوسيا (الجوهر)؟ أم هل نكون نحن جسده بتغييرٍ؟ أم هل جسد ابن الله واحدًا مع الله الكلمة بالطبيعة؟ ولكن إن كنا واحد بالطبيعة، فلن يكون هناك فيما بعد أي خبز، ولا أي جسد أيضًا. أما بالنسبة لأولئك الذين يعتقدون أن جسد ابن الله كان دنسًا، فيقول الرسول عنهم: ’إنهم يدوسون ابن الله تحت الأقدام‘ (عب١٠: ٢٩) برفضه وبإنكاره، ضد أولئك الذين يعترفون بأن الجسد هو من طبيعتنا، والذين يعتبرونه دنسًا، بالرغم من أنهم يعترفون إنه قد أُعطي من أجل خلاصنا كلنا، لأنه كان نقيًا، وطاهرًا، ومحفوظًا من الخطايا، وأنه قَبِلَ الموت من أجل جميع خطايانا، وصار كما لو كان قربانًا لله. ولذلك إن كنا لسنا من واحد، فلا نُدعى بالطبيعة أخوته، ولا أبنائه، ولا نكون نحن فيما بعد خبزه وهيكله الجسدي، بل إن كانا هذان يخصان المسيح حقًا، فنحن جسده وواحد معه في الجوهر، لأننا بذلك نكون ذاك الذي يكون أوسيا (جوهر) جسده أيضًا. وتلك الأمور معروفة أيضًا من خلال كلام عقيدة أولئك الذين يتحولون الآن إلى هذا، والآن إلى ذلك، لأنهم لا يمتلكون الحق“.[67]

يبدو أن حجج نسطوريوس هي كالتالي: أيًا كان معنى الخبز الذي يصير جسد المسيح، فهو بذلك بنفس المعنى، الذي نصير فيه جسد المسيح بالشركة في السر (الإفخارستيا). بما أننا نستطيع أن نشترك فقط في الجسد البشري، حيث لابد أن جسد المسيح قد كان ويكون إنسانيًا. وفي رأي التهمة الشائعة الموجهة ضد النسطورية، فإنه يلغي ويدمر الدلالة والأهمية العالمية من تجسد المسيح لأجل جميع البشر. إن النسطورية تهتم فقط بإيجاد وسيلة للدفاع عن رأيها الخاص كوقاية فقط من هذه الدلالة والأهمية.

ثم نستعرض كيف يرى نسطوريوس آباء الكنيسة المنادين بالتأله بالنعمة بشكل عام، والقديس كيرلس عمود الدين بشكل خاص، حيث يقول التالي:

”يتميز هؤلاء بالفعل عن المانويين، لأنهم يعترفون حقًا بأن الجسد من طبيعتنا، وإنه لم يكن هيئة schêma الجسد، بل طبيعة الجسد. ولكن البعض من الآخرين الذين يكونون معهم (المشهورين)، لأنهم يعترفون بأن الجسد حقيقي، ولا ينتمي إلى الطبيعة البشرية، بل صار إلهيًا، ومن طبيعة اللاهوت. فإنهم يتميزون في ذلك، ويسعون بكل قدرتهم إليه. وأولئك الذين يظنون أنهم يخدمون الكنيسة معترفين بأن الجسد من طبيعتنا، ومن أوسيتنا (جوهرنا)، وبالتالي تمييزه معروف لجميع البشر. بشكل عام، فإنهم يتنازعون ويتصارعون مع الجميع: مع المانويين، بخصوص نقطة إنه كان يوجد أوسيا (جوهرًا) وأوسيا (جوهرًا) في الحقيقة، ومع الآخرين، إنه لم يكن من طبيعة الله، بل من طبيعة آبائنا، أما مع الكنيسة، فإنهم يحولون الجسد إلى أوسيا (جوهر) الله. وبالتالي، لأنهم لا يسمحون للجسد أن يظل في أوسياه (جوهره)، فإنهم يشبهون المانويين بتبديد أوسيا (جوهر) الجسد، ولكنهم يختلفون عنهم في أنهم يقولون إن الله كان بالتمام في هيولي hylê الجسد. ولكنهم بذلك يحولون فورًا (الجسد) إلى أوسيا (جوهر) الله الكلمة، ويأبون الاعتراف بأن الله كان مع الجسد البشري، ويقبلون بنفس الرأي والشعور، عندما يقصون أوسيا (جوهر) الجسد، كأنما لم يوجد، مصرين سواء على تأليه أوسيا (جوهر) الجسد – أو كما يمكن القول – على جعل أوسيا (جوهر) الله يصير متجسدًا في أوسيا (جوهر) جسد اللاهوت“.[68]

بالطبع هناك العديد من المغالطات في كلام نسطوريوس السالف الذكر، سنوضحها ونبين فسادها بحسب اللاهوت الأرثوذكسي بخصوص التأله بالنعمة، والخريستولوجي عامةً:

  1. يعترف نسطوريوس أن اللاهوت متحد بالناسوت باتحاد بروسوبوني، أي اتحاد في الهيئة فقط، وليس اتحادًا أقنوميًا كما قال آباء الكنيسة، فيشبه الأرثوذكس الذين يقولون بالاتحاد الأقنومي أنهم مانويون، لأنهم يمزجون ويخلطون الله بالمادة، وهذا بحسب فهمه الخاطئ للاهوت الأرثوذكسي، فلم يقل أحد من آباء الكنيسة باختلاط أو امتزاج الطبائع في المسيح الواحد.
  2. يرفض نسطوريوس فكرة أن يصير الجسد جسدًا إلهيًا، مستنكرًا ذلك، وهو بذلك خالف آباء الكنيسة، لأنه بالفعل في التجسد الإلهي، صار الجسد جسد الله الكلمة كما قال ق. أثناسيوس وغيره من الآباء الأرثوذكس.
  3. يظل نسطوريوس في جهله بسر المسيح كما اسماه ق. كيرلس، ويعتقد بأن القائلين بالتأله بالنعمة يحولون جوهر الجسد إلى جوهر الله، وهذا بعينه ما يقوله البعض في عصرنا الحالي، متهمين زورًا وبهتانًا المؤمنين بعقيدة التأله بالنعمة، أنهم يحولون طبيعة وجوهر الإنسان إلى طبيعة وجوهر الله.
  4. يقول نسطوريوس عبارة في منتهى الخطورة لينكر بها الاتحاد الأقنومي في المسيح، حيث يقول إن ”الله كان مع الجسد البشري“، وليس متحدًا به، كما يعتقد. لأنه ينكر الاتحاد الأقنومي الحادث في المسيح الواحد. بل يقول بمجرد مصاحبة الله لجسد بشري.
  5. يتهم نسطوريوس المصرين على عقيدة التأله بالنعمة، إنهم بذلك يفنون ويبددون جوهر الجسد في الاتحاد الأقنومي، وهو مخطئ في ذلك، لأنه مَنْ مِنْ آباء الكنيسة قال بذلك، فهذه هي الهرطقة الأوطاخية بعينها. التي ترفضها كنيستنا القبطية الأرثوذكسية بشدة.
  6. وأخيرًا، يستنكر نسطوريوس على الجانب الأرثوذكسي قولهم بأن الله يصير متجسدًا في جسد اللاهوت، أي يستنكر اتحاد الله بالجسد اتحادًا أقنوميًا حقيقيًا، وأن يُنسب الجسد إلى اللاهوت، ويصير جسد اللاهوت. يا له من تخريب وتدمير لسر المسيح!

وهكذا يتحدث الأب جون ماكجوين في كتابه الشهير ”كيرلس السكندري والجدل الخريستولوجي“ عن عقيدة التأله بالنعمة أنها السمة المميزة لمدرسة الإسكندرية اللاهوتية، وعقيدة تأله ناسوت المسيح هي سمة مميزة لمدرسة الإسكندرية، ويؤكد على أن نسطوريوس هو مَن لا يؤمن بتأله ناسوت المسيح، بل يرفض نسطوريوس عقيدة تأله ناسوت المسيح، حيث يقول الأب ماكجوين عن ذلك التالي: ”كان يقال في هذه المدرسة الفكرية (أي مدرسة الإسكندرية) عن المسيح الإلهي إنه إنسان حقيقي بقدر حقيقة لاهوته خاضع تقريبًا للمدى الكامل الخبرات الجسدية. بهذه الشروط، لا يمكن تعريف بشريته بأنها ناقصة في بعض معانيها (بلا عقل أو نفس، على سبيل المثال، كما عند أبوليناريوس)، لكن بالأحرى كلها موجودة، ولكنها تحولت جذريًا بقوة الألوهة الأعظم بما لا يُقاس، التي اتخذت الجسد لنفسها. عنصر أساسي في نظرية ‘التحول’ أي مفهوم تأله جسد الرب (وبالآثار المترتبة على ذلك يكون المؤمن كذلك) الذي تم تحقيقه في فعل التجسد. هذه هي الفكرة الأكثر ديناميكية للمدرسة السكندرية، والهدف الرئيس في اللغة التجسيدية. ولكن هذا بالنسبة إلى نسطور هو استنتاج يُرثى له من الاعتماد على نظرية ‘الامتصاص’. وحيث أنه يعارض الأخير (أي نظرية الامتصاص) بحزم وصرامة، لذلك يميل أن يحط من قدر السابق (أي تأله جسد الرب)“.[69]

ثم يستطرد الأب جون ماكجوين مؤكدًا على أن الموقف السكندري في مقابل الموقف النسطوري هو اعتقاد السكندريين بتأله جسد المسيح، حيث يقول التالي: ”العبارة التي تقول إن الجانبين اللذين في المسيح بقيا بشروط متساوية في جميع مراحل حياة المخلص، على أية حال، تم التنازع عليها بمرارة. فالموقف السكندري كان كذلك: إن اتخاذ البشرية بواسطة اللوغوس ألَّه deified الجسد منذ اللحظة التي تم فيها الحمل في رحم العذراء. منذ لحظة الولادة، تم رؤية المسيح بعين الإيمان كحقيقة واحدة. فالحديث عن جانبين أو طبيعتين دائمتين، بالنسبة إلى السكندريين، سوف يدمر بالكامل أي مفهوم للوحدة التي لا تتجزأ في المسيح، اللوغوس المتجسد“.[70]

كما يؤكد الأب ماكجوين على تشبث ق. كيرلس السكندري بعقيدة التأله بالنعمة كأحد القيم المركزية لإنجيل التجسد، بينما يرفض نسطوريوس ذلك تمامًا، ويرى في المسيح مجرد قائد، ومرشد للحياة الأخلاقية، ومثال أعلى ومعلم لنا، ومجرد داعية مصلح، حيث يقول التالي: ”لقد اعتبر (أي نسطوريوس) أي شكل من نظرية الامتصاص بأنه عاجز على الحفاظ على تمايز الجواهر، وإذا لم تصمد البشرية في المسيح بالكامل، فإن الحرية الأخلاقية للاتحاد سوف تتدمر، حيث أنه لا يرى كيف يفترض أي إنسان مشيئة بشرية حرة في يسوع، إذا كان مثل هذا الخليط غير المتكافئ قد حدث، مع امتصاص القدرة الهائلة للألوهة البشرية الهشة وغمرها في عملية ما للتأله يتم تصورها. هذا النهج الأخير كان ينتقده نسطور دائمًا، بينما بالنسبة لكيرلس وقف كأحد القيم والمنجزات المركزية لإنجيل التجسد. استبدال فكرة تأله البشرية، مساوٍ لخطورة اقتراح بعض التعديلات في أحد أو كلا الجوهرين، لذا أشار نسطور بدلاً من ذلك إلى الإرادة الحرة تمامًا ليسوع، الكاملة الطائعة لمشيئة الله (اللوغوس) ومتحدة بشكل وثيق معه كالعلامة البارزة والوسيلة التي للخلاص. قدم نسطور مثل هذه الرؤية ليسوع كقائد ومرشد للحياة الأخلاقية، وفي نفس الوقت مثالنا الأعظم ومعلمنا، لأنه بصفة عامة كان في الواقع داعية مصلح كما يتعلق هذا مبدئيًا بالمسيحية كتعليم أخلاقي. باختصار، بنبذ نسطور احتمالية اتحاد خريستولوجي مبني على مصطلحات أوسيا أو طبيعة، تحول بدلاً من ذلك إلى فكرة المشيئة والحب، والسيطرة الأخلاقية كمحل هندسي لنظريته الخريستولوجية“.[71]

نستنتج من هنا أن عقيدة التأله بالنعمة وتأله ناسوت المسيح هي عقائد راسخة في اللاهوت الأرثوذكسي عامةً، وفي اللاهوت السكندري خاصةً، وأنه على العكس من اللاهوت السكندري الأرثوذكسي الذي كان يمثله ق. كيرلس السكندري، رفض نسطوريوس عقيدتي التأله بالنعمة وتأله ناسوت المسيح، معتبرًا ذلك خلط أو امتزاج أو امتصاص للطبائع في المسيح، وهكذا رفض نسطوريوس تعبير الاتحاد الأقنومي في المسيح، وأعتبر المسيح مجرد مصلح ومرشد أخلاقي ينبغي اتباعه، وليس مخلصًا حقيقيًا للبشرية.

 

 

تأله ناسوت المسيح

يعلم آباء الكنيسة الأرثوذكسية الجامعة بتعليم غاية في الأهمية هو تأله ناسوت المسيح، حيث يرى الآباء أن تأله ناسوت المسيح هو الطريق لتأله أجسادنا نحن بالمسيح في الروح القدس.

ق. أثناسيوس الرسولي

فنجد القديس أثناسيوس الرسولي يؤكد على تأله ناسوت المسيح، ويؤكد أيضًا على تبادل الخواص والصفات في المسيح كالتالي:

”بل كُتبت هذه العبارة عنه بسببنا ولأجلنا. لأنه كما مات المسيح ثم رُفع كإنسان، فبالمثل قيل عنه إنه أخذ كإنسان ما كان له دائمًا كإله، وذلك لكي تصل إلينا عطية مثل هذه النعمة، فإن اللوغوس لم يحط من قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالأحرى فإن الجسد الذي لبسه قد تأله، بل وأكثر من ذلك، فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجة أكثر“.[72]

ويكرر ق. أثناسيوس نفس الحديث عن تأله ناسوت المسيح في موضع آخر كالتالي:

”لأنه حينما صار إنسانًا، لم يكف عن أن يكون الله، ولا بسبب كونه الله يتجنب ما هو خاص بالإنسان، حاشا بل بالحري، إذ هو الله فقد أخذ الجسد لنفسه، وبوجوده في الجسد، فإنه يؤله الجسد“.[73]

ويشدد ق. أثناسيوس أيضًا على تأله ناسوت المسيح في موضع آخر قائلاً:

”وعندئذ لم يقل ‘والابن’ كما سبق وقال إنسانيًا، بل قال: ’ليس لكم أن تعرفوا‘، لأن الجسد عندئذ كان قد قام وخلع عنه الموت وتأله، ولم يعد يليق به أن يجيب بحسب الجسد عندما كان منطلقًا إلى السماوات، بل أن يعلم بطريقة إلهية“.[74]

ق. غريغوريوس اللاهوتي

وهذا هو أيضًا ما يقوله ق. غريغوريوس اللاهوتي عن تأله ناسوت المسيح، حيث يقول في عظته الثيؤفانيا (الظهور الإلهي) أو عظة عيد الميلاد التالي:

”الله قد خرج مع الجسد الذي اتخذه، واحد من اثنين كانا مختلفين، الجسد والروح، حيث أحدهما كان يؤله، والآخر يتأله. فيا للخلط الجديد! يا للمزج العجيب! هو الذي هو، قد صار، والخالق خُلق، وغير المدرَك قد أُدرك بواسطة العقل كوسيط الذي هو في المنتصف بين اللاهوت وخشونة الجسد“.[75]

ويتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن تأله ناسوت المسيح نفسًا وجسدًا في مواجهة أبوليناريوس الذي أنكر وجود النفس الإنسانية العاقلة في المسيح كالتالي:

”إذا كان الأقل نبلاً قد اتُخِذَ ليتقدس إذ أنه (المسيح) اتخذ جسدًا، أفلا يُتخذ الأكثر نبلاً ليُقدس إذ أنه (المسيح) صار إنسانًا، إذ كان التراب [يقصد الجسد] أيها الحكماء قد خمّر الخمير فصار عجينًا جديدًا، أفلا يُخمِّر الصورة [الروح] فترقى إلى الامتزاج بالله، بعد أن تكون قد تألهت بالألوهة؟“.[76]

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي في خطبته اللاهوتية الأولى عن الابن في مواجهة الأفنوميين الآريوسيين منكري ألوهية المسيح متحدثًا عن تأله ناسوت المسيح، الذي فتح الطريق أمام تأله أجسادنا نحن أيضًا التالي:

”فالذي [أي الابن] هو الآن حقير في نظرك، كان قبلاً أرفع منك، الذي هو الآن إنسان، كان حينذاك غير مركب. وما كانه بقى عليه، وما لم يكنه صار إليه [أي الناسوت]. كان في البدء بلا علة – وهل يكون لله علة؟ – ثم وُلِدَ لعلة. وكانت العلة هي أن تخلُص، أنت المجدف عليه، ومحتقر الألوهة التي تحملت كثافتك، والإنسان الأرضي الذي اتحد بالجسد بواسطة روح، صار إلهًا عندما امتزج بالله، وصار واحدًا، يغلب فيه الأفضل والأرفع، وبذلك أصبحُ أنا إلهًا بقدر ما أصبح هو إنسانًا“.[77]

ق. غريغوريوس النيسي

وهذا هو أيضًا ما يؤكد عليه ق. غريغوريوس النيسي في مواجهة الهرطقة الأبولينارية، حيث شدد على تأله ناسوت المسيح، واكتسابه خواص الألوهية بعد التجسد التدبيري لله الكلمة، وهذا بالطبع ينعكس على أجساد البشر الذين خلصهم الله الكلمة بتجسده من الخطية واللعنة والضعف، ومنحهم التأله وخواص الألوهية من الحكمة، والقداسة، والقوة، وعدم التألم كالتالي:

”إننا نضع في الاعتبار قول الرسول: إنه صار خطيةً، ولعنةً لأجلنا، وإنه قد أخذ ضعفنا عليه بحسب كلام إشعياء النبي، ولم يترك الخطية، واللعنة، والضعف دون شفاء، بل قد ابتُلِع المائت من الحياة، ولقد امتزج كل شيء ضعيف ومائت في طبيعتنا مع الألوهية، وصار ما تكونه الألوهية“.[78]

ويكرر النيسي نفس الحديث عن تأله ناسوت المسيح في نفس الرسالة قائلاً:

”لأنه باكورة الطبيعة البشرية التي أخذها امتزجت بالألوهية كلية القدرة والقوة […] لكن بما أن كل هذه الخواص التي نراها مصاحبةً للمائت قد تحولت إلى خواص الألوهية، فلا يمكن إدراك أي تمييز بينهما، لأن أي شيء يمكن أن يراه الإنسان في الابن هو الألوهية، والحكمة، والقوة، والقداسة، وعدم التألم“.[79]

ويتحدث النيسي صراحةً عن تأله ناسوت المسيح قائلاً:

”هل هذا هو الكلمة الذي كان في البدء، وكان عند الله،  الذي صار جسدًا في الأيام الأخيرة بدافع الحب للبشرية بمشاركته في طبيعتنا الوضيعة، وهكذا مزَّج ذاته بالناسوت، وأخذ كل طبيعتنا في ذاته لكي ما يُؤلِّه الناسوت بامتزاجه بلاهوته مُقدِّسًا العجينة الكاملة لطبيعتنا البشرية بهذه الباكورة!“.[80]

ق. هيلاري أسقف بواتييه

وكذلك أيضًا يؤكد ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقب بأثناسيوس الغرب على تأله ناسوت المسيح، حيث يقول التالي:

”إذ يتلخص التجسد في هذا، أن كل ما للابن -أي ناسوته ولاهوته- قد سمح له الآب أن يستمر في وحدة طبيعته، ولم يحتفظ فقط بقدرات الطبيعة الإلهية، بل وأيضًا بتلك الطبيعة نفسها. فإن الهدف المطلوب هو أن يتأله الناسوت. لكن الناسوت المُتخذ لم يكن ممكنًا له بأية طريقة أن يبقى في وحدة الله، إلا إذا وصل إلى الوحدة مع اللاهوت“.[81]

ق. كيرلس الإسكندري

كما يؤكد ق. كيرلس الإسكندري الملقب بعمود الدين على تأله ناسوت المسيح، الذي يعد الوسيلة والطريقة لتأله أجسادنا نحن أيضًا، حيث يقول التالي:

”تتقدم الطبيعة البشرية في الحكمة وفقًا للطريقة الآتية: الحكمة الذي هو كلمة الله اتخذ الطبيعة البشرية فتألهت، وهذا مُبرهَن من خلال أعمال الجسد، والنتائج العجيبة في أعين أولئك الذين يرون الهيكل (الجسد) الذي أخذه، جعلته يرتقي بالنسبة لهم. هكذا ارتقت الطبيعة البشرية في الحكمة متألهةً بواسطتها. لذلك أيضًا نحن بطريقة مماثلة للكلمة، الذي لأجلنا تأنس، نُدعى أبناء الله وآلهةً. لقد تقدمت طبيعتنا في الحكمة منتقلةً من الفساد إلى عدم الفساد، ومن الطبيعة البشرية إلى الألوهية بنعمة المسيح“.[82]

ق. ساويروس الأنطاكي

ويشرح ق. ساويروس الأنطاكي مثله مثل باقي الآباء السابقين عليه أن تأله ناسوت المسيح معناه لمعان جسد المسيح بالمجد الخاص بالله مقتبسًا ومفسرًا قول ق. غريغوريوس اللاهوتي من عظة الثيؤفانيا أو عيد الميلاد الذي اقتبسناه أعلاه، حيث يقول في رسالته الثانية إلى سرجيوس النحوي التالي:

”ففي العظة (Lebon p. 116) على الظهور الإلهي يقول [ق غريغوريوس] ’الله خرج مع الجسد الذي اتخذه، واحد من اثنين كانا مختلفين، الجسد والروح، حيث أحدهما كان يؤله والآخر يتأله‘. لكن يُفهَم تعبير ‘يتأله’ ويقال لأن الجسد قد لمع بالمجد الخاص بالله، كما يقول الحكيم (كيرلس) وليس لأنه تغير إلى طبيعة اللاهوت“.[83]

ويتضح من هنا إجماع آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا على تأله ناسوت المسيح كوسيلة وكتهيئة لتأله أجسادنا نحن بالمسيح في الروح القدس، وليس كما ينكر النساطرة الجدد تأله ناسوت المسيح مدعين عن جهل بأنه تعليم نسطوري، بل قد ثبُت من نصوص الآباء شرقًا وغربًا أن تأله ناسوت المسيح هو عقيدة أرثوذكسية راسخة في الكنيسة الجامعة.

[1] للاطلاع على هذا الخطاب أنظر تاريخ زكريا البليغ: 2.

[2] في سي صامويل (دكتور)، مجمع خلقيدونية -إعادة فحص (بحث تاريخي ولاهوتي)، ترجمة: د. عماد موريس، مراجعة: د. جوزيف موريس، (القاهرة: إصدار باناريون للتراث الآبائي، 2009)، ص239، 240.

[3] Sever of Antioch, La Polemique, Antijulianiste, II B, ed., Robert Hespel, C. S. C. O., I, p. 50.

[4] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية)، ٣: ١٨: ١.

[5] المرجع السابق، ٣: ١٨: ٣.

[6] المرجع السابق، 3: ١٨: ٤.

[7] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، مراجعة: د. جوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية)، 3: ٢٩: ٥٦.

[8] المرجع السابق، 3: ٢٦: ٣١.

[9] المرجع السابق، ٣: ٢٦: ٣٢.

[10] المرجع السابق، 3: ٢٦: ٣٣.

[11] أثناسيوس (قديس)، ضد أبوليناريوس (تجسد ربنا يسوع المسيح)، ترجمة: د. جورج حبيب بباوي، (القاهرة: دار جذور للنشر)، ١: ٣.

[12] المرجع السابق، 1: 6.

[13] المرجع السابق، ١: ١٥.

[14] Basil (St.), Letters: 3 vol., PG 32, 972 B, éd. Courtonne, Y. Paris: Les Belles Letters, 1996.

[15] غريغوريوس اللاهوتي (قديس)، العظة الفصحية الأولى، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، ٢٠١٥)، ١: ٥، ص ١٥.

[16] غريغوريوس النزينزي (قديس)، رسائل لاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية)، الرسالة الأولى إلى كليدونيوس، ١٠١ : ٣.

[17] المرجع السابق.

[18] غريغوريوس النزينزي (قديس)، الخطب 27- 31 اللاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان، منشورات المكتبة البولسية)، عظة ٣٠: ٥.

[19] غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية)، ٢: ٣٠.

[20] المرجع السابق، 2: 32.

[21] غريغوريوس النيسي (قديس)، ضد أبوليناريوس، ٧.

[22] غريغوريوس النيسي (قديس)، رسائل غريغوريوس النيسي (٣٣٥- ٣٩٤)، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٤)، الرسالة رقم ٣ إلى أوسطاثيا وأمبروسيا وبازليسا الفضليات، ص ٤٩.

[23] Gregory of Nyssa, Anti-Apollinarian Writings (The Fathers of the Church vol. 131), trans. by Robin Orton, (Washington: The Catholic University of America Press, 2015), p. 137.

[24] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وتفسير إنجيل يوحنا مج3، ترجمة: نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة)، عظة ٦٧.

[25] المرجع السابق.

[26] المرجع السابق.

[27] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، عظات على إنجيل متى ج2، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 1998)، عظة ٢٧: ٧، ص 46.

[28] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، مساو للآب في الجوهر، ترجمة: نشأت مرجان، (القاهرة: دار النشر الأسقفية، 2007)، عظة رقم 4، ص 81.

[29] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، مراجعة: د. جوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، الرسالة إلى سوكينسوس القيصري، ٤٥: ١٠، ص 186.

[30] PG 76. 1165 A (=Pusey edn., Vol. 7, p 68. 2-8).

[31] كيرلس السكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج ٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تفسير آية يو ١٤: ٢٠، ص ٢١١.

[32] المرجع السابق، تفسير آية (يو٢٠: ١٩-٢٠)، ص ٥٠١، ٥٠٢.

[33] المرجع السابق، تفسير آية (يو٢٠: ٢٦، ٢٧)، ص ٥١٤، ٥١٥.

[34] كيرلس السكندري (قديس)، المسيح واحد، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، ص ١٣٩.

[35] Sever d’ Antioch, La Polemique, Antijulianiste, II B, ed., Robert Hespel, C. S. C. O., I, p. 51.

[36] Ibid, p. 233.

[37] Ibid, 130.

[38] ايان ر. تورانس، الخريستولوجي بعد مجمع خلقيدونية (الرسائل بين القديس ساويروس الأنطاكي وسرجيوس النحوي)، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، مراجعة: د. سعيد حكيم، (البحر الأحمر: دير أنبا أنطونيوس)، رسالة ساويروس الأولى إلى سرجيوس النحوي، ص ٢٩٢.

[39] PO 8: 358 – Homélie LXVII Sur Marie Sainte Mère De Dieu.

[40] مار غريغوريوس بن العبري (علامة)، منارة الأقداس، باب ٦: ١: ٢، ص٣٥٣.

[41] يوحنا الدمشقي، المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، ترجمة: الأرشمندريت أدريانوس شكور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ١٩٨٤)، المقالة ٧٢: ٢٨، ص ٢٠٩.

[42] Yonatan Moss, Incorruptible Bodies, (California: University of California Press, 2016), p. 28- 31.

[43] هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير الأنبا أنطونيوس، مراجعة: د. سعيد حكيم، (البحر الأحمر: دير الأنبا أنطونيوس، 2017)، ٨: ١٦، ص 544.

[44] أمبروسيوس أسقف ميلان (قديس)، تجسد الرب، ترجمة: د. جورج عوض، مراجعة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، ٦: ٥٤، ص 77، 78.

[45] المرجع السابق، ٦: ٥٧، ص 80.

[46] أوغسطينوس (قديس)، العظات على المزامير ج1، ترجمة: عبد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2013)، عظة في مز ٣: ١٠، ص 26.

[47] أوغسطينوس (قديس)، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، تقديم: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، ٣: ١٠: ٢٠، ص 232، 233.

[48] المرجع السابق، ٤: ٢: ٤، ص 248.

[49] المرجع السابق، ١٥: ١٩: ٣٤، ص 646.

[50] المرجع السابق، ٤: ٢: ٤، ص 248.

[51] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، مراجعة: د. جوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[52] المرجع السابق.

[53] المرجع السابق، ١: ٤١، ص 109.

[54] المرجع السابق، ١: ٤٢، ص 111.

[55] المرجع السابق، ١: ٤٣، ص 112.

[56] المرجع السابق، ٢: ٦٩، ص 260.

[57] المرجع السابق، ٣: ٢٣، ص 322.

[58] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات على انجيل يوحنا ج1، ترجمة: راهب من برية شيهيت، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة ٤٥ على (يو٦: ٢٨- ٤٠)، ص 451.

[59] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، عظات على إنجيل متى ج4، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 2008)، عظة ٨٢: ٥، ص 142.

[60] المرجع السابق، ص 142، 143.

[61] المرجع السابق، ص 143.

[62] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس ج2، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة ٢٤: ٢، ص 96.

[63] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير انجيل يوحنا ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ١٠: ٢، تعليق على (يو 15: 1)، ص 259.

[64] Nestorius, The Bazaar of Heracleides, Trans by G. R. Driver & Leonard Hodgson, (Oxford: The Clarendon Press, 1925), 1: 34.

[65] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. موريس تاوضروس ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، الرسالة إلى نسطوريوس ١٧: ١٢، ص 77.

[66] Nestorius, The Bazaar of Heracleides, Trans by G. R. Driver & Leonard Hodgson, (Oxford: The Clarendon Press, 1925), 1: 38- 39.

[67] Ibid, 1: 41.

[68] Ibid, 1: 32.

[69] جون ماكجوين، كيرلس السكندري والجدل الخريستولوجي (تاريخه، ولاهوته، ونصوصه)، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: الحبر الجليل الانبا مقار، (القاهرة، ٢٠١٩)، ص ١٥٥، ١٥٦.

[70] المرجع السابق، ص ١٥٩.

[71] المرجع السابق، ص ١٩٣، ١٩٤.

[72] أثناسيوس (قديس)، المقالات ضد الآريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، ١: ١١: ٤٢، ص ١١٠، ١١١.

[73] المرجع السابق، ٣: ٢٧: ٣٨، ص ٣٤٣، ٣٤٤.

[74] المرجع السابق، ٣: ٢٨: ٤٨، ص ٣٥٨.

[75] Gregory of Nazianzus, Theophany, PG 36.325 B-C.

[76] غريغوريوس النزينزي (قديس)، رسائل لاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٠)، الرسالة الأولى إلى كليدونيوس، ص ٢٤.

[77] غريغوريوس النزينزي (قديس)، الخطب ٢٧-٣١ اللاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ١٩٩٣)، ٢٩: ١٩، ص ١٠٠.

[78] غريغوريوس النيسي (قديس)، الرسالة إلى البابا ثيؤفيلوس السكندري ٢٣ ضد الأبوليناريين، ترجمة: أنطون جرجس، (القاهرة: دورية مدرسة الإسكندرية رقم ٣١، ٢٠٢١)، ص ٥٢، ٥٣.

[79] المرجع السابق، ص ٥٤.

[80] Gregory of Nyssa, Anti-Apollinarian Writings (The Fathers of the Church vol. 131), trans. by Robin Orton, (Washington: The Catholic University of America Press, 2015), p. 125.

[81] هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير الانبا أنطونيوس، (مصر: دير الانبا أنطونيوس بالبحر الأحمر، ٢٠١٧)، ٩: ٣٨، ص٦٣١، ٦٣٢.

[82] كيرلس السكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١١)، ٢٨: ١١، ص ٣٩٦.

[83] ساويروس الأنطاكي (قديس)، الرسالة الثانية إلى سرجيوس النحوي، ترجمة: راهب من دير الانبا أنطونيوس، (مصر: دير الانبا أنطونيوس بالبحر الأحمر، ٢٠١٥)، ص ٣٢٣.

 

طبيعة ناسوت المسيح في تعليم الإنجيل والتقليد – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – المذيع المسلم يذيعها مدوية: أنا لا أعرف شيء

هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – المذيع المسلم يذيعها مدوية: أنا لا أعرف شيء

هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – المذيع المسلم يذيعها مدوية: أنا لا أعرف شيء

هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – الرد على محمود داود

بين يدينا اليوم فيديو لمحمود داود، يتكلم فيه عن أمور دقيقة جدا في اللاهوت، واللافت أن محمود داود وسط الأداء التمثيلي الهابط الذي يقدمه لا يدقق فيما يقرأ فلا يفهمه. فاليوم يتكلم محمود داود عن تغير الإله في المسيحية، كيف؟ تتلخص فكرة محمود ببساطة (حسبما يقول هو) أن الإله كان آب وابن وروح قدس في العهد القديم، ثم أصبح آب وابن وجسد الابن، وروح قدس.

ومن هنا فالإله قد طرأ عليه تغييرًا، فالجسد الذي اتخذه يسوع المسيح كجسده الخاص يعتبره محمود داود إضافة في ذات الله، وعليه، فالمسيحية تؤمن بتغير الإله. وبعيدًا عن السخرية المستحقة من كلامه، سنقوم بإيجاز الرد في البداية، ثم سنرد بتفصيل بعدها.

عرض محمود داود فكرته تصاعديًا، فبدأ بإثبات عقائد مسيحية معروفة مثل أن جسد المسيح مخلوق وأن قانون الإيمان في عبارته “مولود غير مخلوق” تخص اللاهوت وليس جسد المسيح. لذا فسنتجاوز على الأمور التي لم يخطئ فيها خطًأ كبيرًا لنركز فقط على فكرته الأساسية متغاضين عن صغائر الأخطاء التي ارتكبها.

 

الرد الموجز

نتفق معه أن جسد المسيح مخلوق، ونتفق معه أن اللاهوت غير مخلوق، وأننا نحن المسيحيون لا نعبد الجسد. لكن يعود ميمو (هكذا هو لقبه) ليؤكد على وحدة الناسوت واللاهوت ليؤكد أننا نعبد “اللاهوت” + “الناسوت”، وهذا أول خطأ بسيط يقع فيه، إذ أنه بعد التجسد لا يوجد “جسد” منفصل عن اللاهوت لكي يكون أو لا يكون هناك عبادة للجسد. فنحن نقول إن المسيح هو الله، وليس هذا بمعنى أن “الناسوت” هو الله باعتباره من طبيعة المسيح الواحدة بعد الإتحاد.

فهذا فهم لا فهم فيه. فعبارة “نسجد له مع جسده” مثلا، لا تعني أننا نسجد للاهوته ونسجد لناسوته، إذ أنه بعد التجسد أصبحت الطبيعتان طبيعة واحدة.

فخطأ محمود داود هنا هو أنه ربط بين الإتحاد والامتزاج والاختلاط بين الطبيعتين. فبعد التجسد اتحدت الطبيعة اللاهوتية بالطبيعة البشرية لكن لم تختلط أو تمتزج أي منهما مع الأخرى. بل ظل الجسد يقوم بأفعاله كجسد، حيث كان يأكل ويجوع ويعطش ويتعب وينام، وظل اللاهوت يقوم بأعماله كلاهوت، فعبارة “نسجد له مع جسده” تشير إلى أننا بسجودنا لا نفصل جسد المسيح عن لاهوته لأنهما في اتحاد دائم إلى الآن، ولكن أيضًا لا يعني هذا أننا نعبد الجسد كما قال الآباء الذي اقتبس محمود منهم ولم يفهم كلامهم.

الجزء الثاني في الفيديو الخاص به، يتعلق بتغير الله، حيث أنه يفترض أن طالما الله قد تجسد فقد تغير. فقد أضيف لله جسد، وبالتالي فقد تغير من حالة “عدم وجود جسد” إلى “وجود جسد” مع لاهوته. هذا العبث الفكري الذي يقدمه ذلك الشخص لا يمكن توصيفه إلا أنه عبث محض. فالتغير يكون إما بالتحول الجزئي أو التحول الكلي.

فالتحول الجزئي والكلي يكونا بأن طبيعة الله، أي اللاهوت، تغيرت بدرجة ما أو تحول تمامًا من حالة اللاهوت إلى حالة أخرى. وهذا لم يحدث، فلم تتغير طبيعة الله لا جزئيًا ولا كليًا. فاللاهوت لم يتحول إلى ناسوت، ولا اختلط اللاهوت بأي عنصر خارجي، مثل الناسوت أو خلافه.

فظل اللاهوت (الله) كما هو بالضبط كما كان قبل التجسد. فالتجسد هو اتخاذ جسد انساني بشري لكي يظهر به الله للبشر محدودي القدرات. فلكي نقول إن الله تغير بالتجسد، فعلينا أن نحدد ما الذي كان قبل التجسد ثم نبحث فيه هو نفسه هل اختلف عن سابقه أم لا. وبالطبع المسيحية لا تقل أن الناسوت قد غير في صفات او طباع اللاهوت ولا قد اختلط به ولا امتزج معه ولا حده فأصبح محدودا بالجسد ..إلخ. فما هو التحديث الذي طرأ على اللاهوت (الله)؟

يقول ميمو أن اللاهوت قد اتحد مع جسد، وهذا صحيح، لكنه يتناسى أن اللاهوت عندما اتحد مع الناسوت لم يتغير اللاهوت ولا اختلط ولا امتزج ولا تحول إلى ناسوت! فقط ظل نفس اللاهوت لاهوتا. وللعجب، فهذا قرأه نصًا ميمو ولم يفهمه، أو حاول أن يظهر أنه لم يفهمه كما يظهر من الفيديو.

 

الرد

عبادة الناسوت – هل يعبد المسيحيون الناسوت؟

اتفقنا مع محمود في أن ناسوت المسيح مخلوق، وأن لاهوته غير مخلوق بل مولود من الآب قبل كل الدهور. واتفقنا معه أن للمسيح طبيعة واحدة من طبيعتين هما الناسوت واللاهوت. لكن يبدأ الاختلاف عندما يساوي محمود بين عبارتي “المسيحيون يعبدون طبيعة الله الواحدة” وبين عبارة “المسيحيون يعبدون اللاهوت والناسوت”. فالعبارة الأولى صحيحة والعبارة الثانية خاطئة، أو لنقل أنها غير واضحة المعنى لقصد قائلها فيجب سؤاله عما يقصده بها أولا لكي نقر بصحتها من عدم صحتها.

لكن الفهم الذي يقدمه محمود في هذه العبارة هو الفهم الخاطئ لها. فمحمود يظن أننا نعبد اللاهوت، ونعبد الناسوت. وهذا خطأ لسببين: الأول: أن بعد الإتحاد لا نعود نتكلم عن الناسوت منفصلا. الثاني: أن المسيحيون لا يعبدون الناسوت (المخلوق).

فمثلاً، إن موت المسيح على الصليب كان بجسده المتحد بلاهوته، فعلى الرغم من اتحاد الطبيعتان إلا أننا لا نقول أبدا أن اللاهوت (الذي هو من الطبيعتين) قد مات، على الرغم من أنه متحدا مع الناسوت. فالفارق شاسع بين القول إن المسيح يعبدون المسيح لأن المسيح لاهوت متحد بناسوت، وأن نقول إن المسيحيون يعبدون الناسوت لأنه من طبيعتي المسيح المتحدتين.

فهناك فارق بين أن نقول باتحاد الطبيعتين، وأن نقول بتناقل صفات الطبيعتين بينهما، أو نقول بتغير إحدى هاتين الطبيعتين إلى الطبيعة الأخرى بحيث تقوم مقامها وتفعل أفعالها. فالمسيح عندما يخلق، يخلق بلاهوته وليس بناسوته، على الرغم من ان ناسوته متحدًا به، لكن فعل “الخلق” هو من أفعال اللاهوت. وهكذا كل أفعال الناسوت، فهي تنسب للناسوت المتحد للاهوت دون أن تؤثر أي من هذه الأفعال على اللاهوت.

فخطأ محمود داود هنا أنه لا يفرق بين لفظة الإتحاد، وألفاظ الاختلاط والامتزاج والاستحالة، فيعتبر أن طالما حدث اتحاد، فإن صفات كل طبيعة قد اختلطت مع صفات الطبيعة الأخرى وتبادلاً. وها خطأ. فعبارة “إننا نعبد اللاهوت مع الناسوت” يجب فهمها كالتالي: “إننا نعبد اللاهوت الذي هو متحد مع الناسوت” وليس “إننا نعبد اللاهوت والناسوت”.

 

المسيحيون مشركون لأنهم يعبدون أقنوم تجسد وأقنومين لم يتجسدا

مشكلة محمود داود أنه يظن في نفسه أنه يفهم عقيدة المسيحية بهذه الطريقة الصبيانية في القراءة! ولهذا يقع في مشاكل عقلية قبل أن تكون لاهوتية. هنا، نجد فكرة ميمو أن المسيحي هو شخص مشرك، لماذا؟ لأنه يعبد إثنين غير متجسدين وهما الآب والروح القدس، ويعبد الابن الذي هو متجسد! فهؤلاء ثلاثة وليس واحدًا!

المسيحيون لا يعبدون ثلاثة آلهة، بل إله واحد فقط، وهذا الإله الواحد هو ثلاثة أقانيم. وبما ان المسيحيون لا يعبدون الناسوت، فلا علاقة لكون المسيح متجسدًا أم لا، فقبل التجسد كان اللاهوت الواحد (الذي هو نفسه للآب والابن والروح القدس) وبعد التجسد أيضًا لم يتغير شيء، فقد بقيَّ اللاهوت الواحد (الذي هو نفسه للآب والإبن والروح القدس)، فالذي تغير هو الزمن وظهور الله لنا، فالله بعدما كان لاهوتًا لا يرى، أصبح لنا لاهوتيا مرئي بواسطة شخص المسيح.

لكن بقي الله (اللاهوت) كما هو تمامًا. وهنا يكمن خطأ محمود داود اللاهوتي أنه اعتقد ان الآب له لاهوت وحده منفصل، والروح القدس له لاهوت وحده منفصل، والابن له لاهوت وحده منفصل عن الآب والروح القدس، بل ومتجسدًا.

أي أن لاهوت الابن قد انفصل عن لاهوت الآب والروح القدس أو هو “جزء” من اللاهوت “الكلي”، وهذا الجزء من اللاهوت (المسمى “الابن”) قد اتحد بالناسوت. وهذا فهم مغلوط، لو عرضته على محمود نفسه سيرفض أن يقع هو نفسه في هذا الفهم الطفولي الساذج جدًا. فمحمود يعرف ان عقيدة المسيحيين لا تؤمن بأن هناك “جزء” في اللاهوت، وأن الآب له كل اللاهوت، والابن له كل اللاهوت والروح القدس له كل اللاهوت، وليس لأي منهم جزء من اللاهوت.

فعندما تجسد الابن، كلاهوت كامل كان معبودًا، بهذا اللاهوت الكامل الذي هو متحدا في كل وقت وغير وقت مع الآب والابن. وهذا كله منبني على خطأه الأول، أنه افترض أن هناك تغييرًا قد حدث للاهوت عندما تجسد، وقد رددنا على هذا الخطأ.

 

كيف نعبد المسيح وهو يدخل الحمام؟!

لا أعرف، هل أفاق محمود داود من نومه فوجد في رأسه هذه الأفكار البلهاء؟ ففكرة محمود داود هنا، أن المسيحي كيف يعبد إنسانًا كاملاً، وكأن محمود لم يكن يعرف هذا منذ سنوات طويلة! فدخول الحمام أو الأكل والشرب والنوم والتعب والبكاء.. إلخ، لهي من أفعال الجسد! وهذه الأفعال لا مشكلة فيها كلها إذا ما نُسبت لإنسان طبيعي حقيقي كامل مثل المسيح، فمشكلة محمود داود وكثير من المعترضين أمثاله، أن لديهم حول في عقولهم!

تجدهم ينسبون الأفعال البشرية التي لناسوت المسيح، للاهوت، ثم يقول لك: كيف “تعبد” (وهو الفعل الخاص باللاهوت) من كان يأكل ويشرب ويتعب وينام ويدخل الحمام؟ وفي نفس الوقت تجدهم ينسبون الأفعال اللاهوتية التي للاهوت المسيح، للناسوت، ثم يقول لك: كيف للجسد أن يغفر الخطايا؟ كيف لهذا الجسد أن يحد اللاهوت؟ كيف لهذا الجسد أن يكون هو الله! فلعن الله التغابي!

فالمسيح له طبيعة واحدة من طبيعتين، هما اللاهوت والناسوت، ولكل طبيعة منهما صفاتها، فمن صفات الناسوت الأكل والشرب ودخول الحمام والتعب والنوم والحزن والفرح .. إلخ، وليس في هذا عيب طالما أنهما من صفات الناسوت التي لكل شخص فينا. لكن العيب كل العيب في أن نختلق مشكلة من لا شيء ونقول إن هذه الأفعال منسوبة للاهوت الذي يعبده المسيحيون! فمن قال هذا!؟ نحن نعبد اللاهوت، وهذا اللاهوت متحدًا بالناسوت الذي له كل هذه الصفات من أكل وشرب ونوم وجوع وتعب وبكاء وفرح ..إلخ.

يزيد مقدار التغابي هنا، عندما يقول محمود أننا لدينا الآب والروح القدس وهما لا يأكلان ولا يدخلان الحمام! فنقول له: صدقني ولا الإبن كلاهوت يأكل ويشرب ويدخل الحمام! فما الجديد! فكل أقنوم كلاهوت لا يفعل هذه الأفعال ليست لأنها مشينة، بل لأنها ليست من صفات طبيعته اللاهوتية.

 

رد محمود داود على عبارة “المسيح يأكل بجسده”

لا أعرف، لماذا يقحم محمود داود نفسه في أمور لا يعرف كيف يقرأ فيها فضلا عن فهمها. ففكرة محمود داود هنا أنه يعترض على الرد الشهير من المسيحيين والذي يقولون فيه “أن المسيح كان يأكل وينام ويتعب وووو بجسده وليس بلاهوته” فيقول محمود داود أن هذا الرد لم يقدم جديد، فكأننا نقول أن محمود داود يأكل بيده وبيمشي بقدمه ويرى بعينه!

ولا أعرف صراحة، هل كان محمود في كامل قواه العقلية في هذا الفيديو أم أنه أصابه شيء. فمحمود داود يطابق هنا بين “جسده وأعضاءه” من جانب، ومن جانب آخر بين “لاهوت وناسوت المسيح”! فما علاقة هذا بذاك؟ إن هذا المثال يختلف تمامًا عن ذلك، بل لا علاقة له بطبيعة المسيح:

أولاً: أعضاء الجسد هي جزء من الجسد، فهي أيضًا جسد، لكن الناسوت ليس جزء من اللاهوت ولا الناسوت لاهوت، فلهذا تجسد الله في الأساس. فالله قد اتخذ ووحد لنفسه ناسوتًا كاملًا عاقلًا، وهذا الجسد هو ما يفعل أفعال الجسد.

ثانيًا: اليد والعين والقدم، هي أجزاء مخلوقة من الجسد المخلوق أيضًا. لكن اللاهوت ليس مخلوقًا بل أن الطبيعة الناسوتية مختلفة تمامًا عن الطبيعة اللاهوتية. بل أن الطبيعة اللاهوتية لا يماثلها ولا يقترب منها أي كائن آخر مخلوق مثل الملائكة حتى.

ثالثًا: الجسد يمكن تجزيئه وفصله وستبقى بعض الأعضاء تعمل بشكل صحيح، فالذي يفقد ذراعه يستطيع أن يسمع ويرى ويمشي، والذي يفقد رجله يستطيع أن يرى ويسمع ويمسك بالأشياء، وهكذا يمكن فصله، وهكذا إن أصاب بعض أعضاء الجسد بعض المشكلات الصحية. لكن، ناسوت المسيح لا يُفصل عن لاهوت المسيح بعد اتحاده ولا تجزئة الجسد عن اللاهوت حتى بالقطع المباشر.

رابعًا: الجسد نفسه يتكون من أعضاء متصلة بعضها ببعض، لكنها ليست متحدة جميعًا، فاليد غير متحدة مع القدم أو العين أو الأذنين مثلا. نعم الأعضاء متصلة بعضها ببعض لكنها ليست متحدة. بينما لاهوت وناسوت المسيح بينهما إتحاد، وهذا لأن اللاهوت غير محدود والناسوت محدود.

 

وهناك أسباب أخرى لن يفهمها محمود فسكتُ عن تقديمها. فالفكرة العامة له هنا أن المسيحي عندما يقول هذا يكون قد حدد العضو الذي فعل هذا! وفكر محمود هذا باطل تمامًا. فالمسيحي عندما يقول هذا يقصد أن يقول لك، أن المسيح بجسده هذا هو الذي يفعل هذه الأشياء وليس اللاهوت، على الرغم من اتحاد اللاهوت به، لكن لأن هذه الأفعال ليست من أفعال اللاهوت بل من أفعال الناسوت فالناسوت معني بها دون انفصال الناسوت نفسه عن اللاهوت.

ولهذا -يا ميمو- لن تجد مسيحي يقول لك أن اللاهوت قد مات، مع معرفتهم التامة أن هذا اللاهوت متحدا تماما مع الناسوت على الصليب. فالمعلومات الأولية التي يعرفها كل طفل مسيحي تقريبًا، يجهل أساسها محمود داود، ورغم ذلك يكابر بها ويطرح الأسئلة فيها. بئس الفكر! وهنا سؤال: ألم تسأل نفسك لماذا لم تسمع أو تقرأ لمسيحي واحد يقول أن اللاهوت أكل أو شرب أو مات؟! فهنا لا نخصص أفعال الجسد، بل ننسب أفعال الجسد له وافعال اللاهوت للاهوت. فليس الجسد “عضوًا” في المسيح كما أن قدمك عضو في جسدك.

 

المسيح كان طفلاً صغيرا فهل تعبدون هذا الطفل الصغير

بالطبع كل هذه الأسئلة ما هي إلا سؤال واحد بكلمات مختلفة، وكلها ناتجة عن خطأ واحد. فالمسيحيون لا يعبدون ناسوت الطفل الصغير ولا الرجل الكبير، لأنهم لا يعبدون هذا الناسوت الذي يطرأ عليه التغيير، بل اللاهوت الذي لا يتغير والذي هو متحدًا بهذا الناسوت، فاللاهوت لا يصغر ولا يكبر في تغير المراحل الزمنية لجسد المسيح.

فإن كانت حتى الروح البشرية المخلوقة للإنسان لا تكبر ولا تصغر مع نمو الإنسان، بل تظل هي نفسها روحه، فكم بالأكثر اللاهوت الذي له صفة عدم المحدودية وعدم التغير؟ حاول أن تتعلم أبجديات العقيدة المسيحية يا ميمو!

 

كيف تسجد لمن كان يسجد؟ الأفضل أن تسجد لمن كان يسجد له السيح!

فكرة محمود داود هنا هي أن المسيح كان يسجد للآب، فلماذا نحن نسجد للمسيح؟ الأفضل أننا نسجد للآب الذي كان يسجد له المسيح! والإجابة المباشرة لهذا السؤال الساذج: هذا فعلا ما نفعله! فنحن نسجد للآب فعلاً! فالسجود للاهوت الذي هو الآب والإبن والروح القدس. فسجودنا للمسيح ليس بإعتباره جسدًا، بل لأنه له ذلك اللاهوت الكامل الذي للآب وللروح القدس أيضًا. فالسجود للاهوت.

 

الإله قبل وبعد الميلاد

يقول ميمو أن الإله كان قبل الميلاد آب وإبن والروح القدس، بيما بعد الميلاد أصبح آب وإبن وجسد وروح قدس! الآن تأكد أن ميمو لم يكن في وعيه عندما سجل هذا الفيديو! فالإله في العهد القديم كان الآب والإبن والروح القدس، وفي العهد الجديد ظل هو نفسه ولم يتغير، فهو الآب والإبن والروح القدس! أما الناسوت فلم يغير في طبيعة اللاهوت شيء، فظل اللاهوت كما هو وظل اقنوم الإبن كما هو تمامًا، فالتغير لا ولم ولن يطرأ على اللاهوت.

فلكي يحدث تغيرا لابد ان يكون التغيير فيه، فهل يمكن أن يخبرنا هذا الشاب ما الذي تغير في اللاهوت (الله)؟ فلكي يحدث تغير لابد ان يحدث تغيير في ذات الله نفسه، وليس في الصورة التي نراه بها. فمحمود يقول أن الإله قد طرأ عليه التغيير بالإضافة، وهذا خاطيء، إذ لكي نصف الشيء بالتغيير لابد أن يتغير هو نفسه، وليس ظهوره لنا. فلا يوجد تغير بالإضافة، لأن اللاهوت لم يضف له شيء، بل ظل كما هو، لهذا نجد التعبير اللاهوتي الصحيحة أنه “إتحد”.

أما التغيير بالإضافة فيتخيله ميمو كما لو أنك لديك كوب من الماء فوضعت فيه سكر، وخلطتهما حتى ذاب السكر في الماء، وهذا لم يحدث. فلم يذب الجسد في اللاهوت، بل بقي الجسد جسدًا وبقي اللاهوت لاهوتا ولم يتغير ولم يُغيِّر أي منها الآخر ولا للآخر. فهذا الجسد لم يضف للثالوث القدوس. والسؤال الذي يوضح هذا الأمر بجلاء: ما هو الذي طرأ عليه التغيير؟ فقبل التجسد لم يكن هناك الناسوت، فلكي يحدث تغييرا بالتجسد، فلابد أن يحدث التغيير لما كان قبل التجسد، وهو اللاهوت، فهل يقول ميمو ان اللاهوت تغير؟

 

الجسد تلاشى؟!

لأوكد لك عزيزي القاريء أن محمود لم يكن في وعيه سأقتبس نصا من كلامه بالعامية المصرية وأرد عليه بالعامية المصرية أيضًا. يقول ميمو:

لو حضرتك هاتقول أن الإله الإبن قبل الميلاد، مازدش حاجة عليه بعد الميلاد اللي هو الجسد المخلوق اللي حضرتك بتعبده، أنت كدا هاتقع في هرطقة وهاتقع في كفر، لية؟ لأن اللي بيقول أن جسد المسيح ده تلاشى وتم ابتلاعه كده في لاهوت الابن، دي هرطقة لواحد أسمه أوطاخي، قال ان المسيح ده أخد جسد والجسد ده تلاشى وتم ابتلاعه في اللاهوت زي نقطة خل تحطها في محيط، دي هرطقة أسمها هرطقة أوطاخي

ثواني، هو مين اللي قال أن الجسد تلاشى وان اللاهوت ابتلعه؟ مين يابني ما تنطق!! هو يا اما يكون الجسد غير في اللاهوت يا ما يكون تم ابتلاعه؟ ماينفعش يكون ولا غيّر في اللاهوت ولا تم ابتلاعه في اللاهوت؟ انت كدا ماعندكش تفكير تاني يعني؟ ده آخرك في الفذلكة؟ لا يا ميمو، ولا الجسد غير في اللاهوت ولا الجسد بلعه اللاهوت! ويبتلعه ازاي أصلا وانا عمال أقول لك ان الأفعال البشرية عملها المسيح بجسده؟

جسده اللي هو تم ابتلاعه يعني؟!! انت بتحاول تحصر الموضوع في حلين، والحلين غلط والمسيحيين مش بيقولوا الكلام ده أصلا. لكنهم بيأكدوا على عدم الإختلاط ولا الإمتزاج ولا التغيير ولا الاستحالة (التحول من اللاهوت للناسوت او العكس)، يبقى ازاي تقول للناس دي انهم يختاروا بين التغير في ذات الله والأوطاخية؟! يعني انت بتفترض رد ماحدش بيقوله عشان مش عارف ترد على المسيحيين اللي بيقولوا ان الجسد ماغيرش في الله حاجة ولا ذاب في اللاهوت؟

وبعدها قرأ كلام البابا شنودة اللي بيقول فيه [كان أوطاخي (يوطيخوس) أب رهبنة ورئيس دير بالقسطنطينية. وكان ضد هرطقة نسطور. فمن شدة اهتمامه بوحدة الطبيعتين في المسيح -وقد فصلهما نسطور- وقع في بدعة أخرى. فقال إن الطبيعة البشرية ابتلعت وتلاشت في الطبيعة الإلهية، وكأنها نقطة خل في المحيط. وهو بهذا قد أنكر ناسوت المسيح]

وعلق ميمو قائلاً [يعني ماينفعش تيجي تقول لي بعد الميلاد هو هو نفس الإله الإبن قبل الميلاد هو هو يعني مازدش حاجة]

يابني أية علاقة الكلام اللي قريته بالكلام اللي قلته ده؟! إهدأ كدا واشرب جردل لمون وقل لي، أية علاقة أن أوطاخي بيقول أن الناسوت ذاب في اللاهوت بناس مش بتقول الكلام ده أصلا وبتأكد ان الناسوت ظل ناسوتا ولم يبتلعه اللاهوت بعد التجسد؟!! انت عايز تلزق لنا فكرتك وخلاص؟

الغريب والعجيب والمضحك والمبكي في آن معا، أن محمود يقول هذه الجملة المتناقضة ذاتيًا، التي يهدم أولها آخرها [هو هو آه، نفس الطبيعة أه، بس هنا زاد بعد الميلاد حاجة جديدة اللي هو الجسد]، ويمكن نختصر الجملة كالآتي [هو هو آه، نفس الطبيعة أه، …. زاد ….] فمحود داود يقنع عقله أن [هوّ هوّ نفس الطبيعة] = [زاد]! فإن كان زاد، فلن يكن هو نفس الطبيعة التي كان عليها قبل الميلاد! وإن كان هو هو بنفس الطبيعة، فلن يكون زاد! لكن لأن عقل محمود داود يمكن أن يفهم كل شيء بشكل خاطئ فيقبل المتناقضات بكل سهولة!

 

عندما يقتبس الأعمى دليلًا ينقض كلامه

اقتبس ميمو من كتاب البابا شنودة الصورة التالية، والتي يقول فيها البابا شنودة أنه لم يحدث تغيير، ووضح كلامه البابا بمثال. ورغم ذلك، قال محمود داود بعدها مباشرة أن هناك تغيير! فكل هذه الشواهد تؤكد أن محمود قد إعترى عقله سوء، فلنصلي له للشفاء لكي لا تطول حالته هذه فيتحفنا بمثل هذا المستوى من الأفكار.

محمود داود لا يفهم ما يقرأه.

 

مثال التيشرت

يقول محمود أن ربما يعترض شخص مسيحي ويشرح له ويقول: أنك يا محمود لم تتغير عندما تلبس تيشرت، فأنت كما أنت قبل وبعد ارتداء التيشرت! وبدلا من أن يرد محمود على هذا المثال، قال أن ليس هذا ما يتكلم فيه، فنعم محمود هو نفسه محمود قبل وبعد التيشرت، لكن محمود قبل أن يرتدي التيشرت كان عريانًا، وبعد أن إرتداه لم يصبح عريانًا، فهذا هو التغيير. ولكي لا أكرر نفس الكلام، سأعرض لمحمود قياسات على نفس هذا القياس:

  1. الله في الإسلام لم يكن قد خلق، ثم خلق. فهنا حدث تغيير. في ماذا؟ في عملية الخق. فقبل الخلق لم يكن قد مارس عملية الخلق، وبعد الخلق كان قد مارس عملية الخلق. فهنا يوجد تغيير.
  2. عندما تجلى الإله الإسلامي للجبل، حدث له تغيير، لماذا؟ لأنه قبل أن يتجلى لم يكن قد تجلى من قبل للجبل، وبعد ان تجلى فقد أصبح متجليًا للجبل لوقت ما.
  3. النص القرآني يقول “الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) الأنفال. ففي هذا النص نجد الظرف الزماني “الآن” ونجد أن هذا الظرف مرتبط بـ”علم” بمعنى “الآن …علم الله أن فيكم ضعف”، ولذلك خفف عليهم وأصبحت نسبة المسلمين إلى الأعداء هي 100 : 200، بعدما كانت النسبة قبل أن يعلم أن فيهم ضعف 20 : 200! فها هو نص صريح في الكلمات وصريح في النتيجة التي تغيرت بمجرد أن “علم” الإله أن فيهم ضعف فزاد العدد من 20 إلى 100 لمواجهة 200 إنسان، كنسبة.

يمكن أن نضرب أمثلة كثيرة على هذا المنوال، لأن المنطق المتبع خلف مثال ميمو خاطئ (رغم ان المثال الأخير صحيح). فإن التغير يلزمه تغيير، ويلزمه متغير من وإلى. فإن كان اللاهوت لم يتغير وبقي كما هو، فما الذي تغير فيه؟ وإن كان محمود عريانا ثم أصبح غير عريان، فهذا لا يغير في جسد ميمو شيء، فظل هو نفسه الجسد. وهكذا اللاهوت لم يتغير والفيديو الخاص بميمو كله قائم على التغيير في اللاهوت إذ أنه هو الإله. فالإنسان عندما يقود سيارته لا تتغير سيارته ولا يتغير الإنسان.

 

تطبيق المثال على المسيحية

يقول ميمو ما معناه [تعالوا نطبق المثال على العقيدة المسيحية، محمود لبس التي شرت وصارا واحدا، فهل كدا حصل تغيير؟ أه، لأن قبل كدا ماكنش فيه جزء من جسمه اللي هو قماش. لكن بعد كدا تم إضافة جزء جديد من جسم محمود اللي هو قماش. كذلك الإله، تم إضافة شيء جديد له، قبل الميلاد ماكنش عنده جسد مخلوق، وبعد الميلاد بقي عنده جسد مخلوق]

والتعليق هنا، هل يمثل الناسوت جزءًا من اللاهوت؟ بالطبع لا! ومحمود يعرف هذا! إذن فما الذي تغير في الإله (اللاهوت)؟ بل وهل التي شرت هو جزء من جسد محمود؟ بالطبع لا، فالتي شرت منفصل عن جسد محمود. وهكذا كل الأشياء ستجدها منفصلة عما يقصده المسيحيون بإتحاد اللاهوت بالناسوت ولا يوجد مثال يشرح هذا الإتحاد لأنه لا مثال للاهوت غير الموصوف وغير المدرك.  فاللاهوت أصلا كامل الكمال المطلق، فكيف يضاف للكمال؟

فإن أضيف إليه فهو لم يكن كاملاً بدليل الإضافة! فالتي شرت ليس متحدا بمحمود، بينما الناسوت متحدا باللاهوت، وهكذا القبعة وكل الأمثلة التي يمكن وصفها ليست هي اتحادا مثل اتحاد اللاهوت بالناسوت. فكيف يقارن هذا بذاك الشاب ميمو؟

 

التغيير ليس التحول من حالة لحالة

هنا يقول محمود ان التغيير ليس معناه التغير من حالة لحالة، بل قد يكون التغيير بالإضافة! وهذا الكلام صحيح من جانب وخاطيء من جانب، فنعم التغيير لا يستلزم التحول كليا من حالة لحالة أخرى، لكنه على الأقل، سيكون تغير جزئي في شيء معين. وهنا نسأل، ما الذي تغير ولو جزئيًا في الإله نفسه؟ فإنه عمليا عندما تجسد لم تتغير طبيعته ولم تتغير صفات طبيعته سواء بالنقص او بالزيادة.

ثم يضرب ميمو مثالا فيقول [زي ما أقول أنا غيرت لون العربية بتاعتي، أنا غيرت اللون ماغيرتش العربية كلها، لا، مجرد الصبغة بس]، وهذا المثال يدين محمود داود من عدة زوايا:

  1. فإنه بتغيير لون السيارة فقد حوَّلَ اللون القديم إلى لون جديد، فما عاد اللون القديم ظاهرًا أو موجودًا بل تمت إزالته كاملًا ووُضع لون جديد تمامًا بدلا منه، فما الذي تغير في طبيعة اللاهوت وزال وما الذي حل مكانه في طبيعة اللاهوت؟
  2. لون السيارة ليس متحدًا بالسيارة بالكيفية التي كانت بين لاهوت المسيح وناسوته. فما علاقة المثال بطبيعة المسيح؟
  3. لون السيارة الجديد والقديم، يمكن محوهما كليهما، لكن ناسوت المسيح لا يمكن فصله، بل لا يمكن الحديث عنه أنه منفصلا عن اللاهوت. فما هي علاقة المثال بطبيعة المسيح؟
  4. السيارة قبل اللون الجديد كانت بلون قديم، بينما لاهوت المسيح لم يكن قد إتحد بناسوت قبل اتحاده، فلهذا نجد أن الناسوت ليس من أصل اللاهوت ولا جزءًا منه، بينما لون السيارة هو جزء من السيارة ولا تكون السيارة إلا بلون، حتى إن كان لون المعدن الأصلي الذي تم صناعة الجسم الخارجي منه، فعلى الأغلب كان لونه هو اللون الرمادي.

 

المسيحيون يقولون وزينة الشباب يرد عليهم!!

يعرض هنا الشاب اللقطة ميمو كلام المسيحيين، ثم يحاول الرد عليه، فسنعرض كلامه ثم نرد عليه.

يقول ميمو، أنه ربما يأتي مسيحي ويقول إننا يا محمود نقول إن لاهوت المسيح اتحد بناسوته بلا تغيير. فيرد ميمو عليه ويقول: أنكم يا مسيحيين إنما تقولون هذا لأنه لا اللاهوت أصبح ناسوت ولا الناسوت أصبح لاهوت! بل كل طبيعة أصبحت محتفظة بالطبيعة التي عليها، أي أن الناسوت ظل ناسوتًا، واللاهوت ظل لاهوتًا، لكن نشأ ما بينهما علاقة اتحاد، لذلك حضرتك بتقول “بلا تغيير” أي: لا توجد طبيعة تغيرت للطبيعة الأخرى. فهذا معنى “بلا تغيير”.

إن محمود داود وهو بهذا المستوى الـصفري من المعرفة والمنطق، يظن في نفسه أنه يصحح للمسيحيين بل يعرفهم إيمانهم! هزُلت! فرحماك يا أريوس! فإنه الآن فقد خرِب مجال الهرطقات اللاهوتية إلى الحد الذي دعى ميمو لتعريف المسيحي عقيدته!

للرد نقول:

أولاً: إن هذا الشاب الذي لم يأت مثله، ميمو، قد عرض بنفسه الصورة السابقة من كتاب البابا شنودة والتي يصف فيها أحد أنواع التغيير المقصود وهو ألا تتغير خواص أي طبيعة من الطبيعتين، ولم تفقد أي طبيعة أي خاصية مما كانت لها قبل الإتحاد، ويقول نصًا: أنه لم يحدث تغيير في اللاهوت ولا في الناسوت بإتحادهما. ومع ذلك يقول ميمو بحدوث تغيير! عنزة ولو طارت! فميمو يستشهد بكتاب يشرح المقصود بالتغيير ثم يتعامى عما في الكتاب ثم ينفيه، ومع ذلك يثبت ميمو التغيير ولا يذكر تعريف هذا الكتاب للتغير المقصود!

ثانيًا: التغيير الذي شرحه ميمو هو نوع واحد من التغيير الذي يقصده المسيحيون، ألا وهو التحول، وهو من ضمن الذي لم يحدث ولكن ليس كل ما لم يحدث، فالتغيير بكل صفاته واشكاله وصوره ومفاهيمه لا تحدث في حق اللاهوت. فلا الناسوت واللاهوت تحول كل منهما إلى الآخر، أو إلى طبيعة أخرى، ولا تغيرت صفات طبيعة منهما إلى صفات أخرى، ولا زاد عليها صفات أخرى في الطبيعة نفسها ولا أُزيلت صفات من الطبيعة نفسها.

ثالثًا: المسيحيون يقولون حرفيًا “بلا اختلاط ولا امتزاج ولا استحالة ولا تغيير”، فالتحول الكامل من طبيعة إلى أخرى هو مما يقول به المسيحيون وليس هو كل ما يقصدونه من هذا التغيير، ولهذا نقول “استحالة ولا تغيير” وليس “استحالة” أو “تغيير” فقط.

فإعتراض محمود داود الكلي كما لو كان يقول: إن الإله تغير لأنه قبل الخلق لم يكن عنده خليقة وأما بعد الخلق فصار لديه خليقة، فهذا تغيير في طبيعة الإله. فبئس التفكير!

 

إلى ههنا أعاننا الرب ويعين..

رائحة المسيحيين الكريهة – هل للمسيحيين رائحة كريهة؟ الرد على احمد سبيع

صلب المسيح – إزاي بعد 600 سنة المسلمين يقولوا “شبه لهم”؟ – الجزء الأول

الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

هل الله يتغير؟ وهل يعبد المسيحيون الجسد؟ – المذيع المسلم يذيعها مدوية: أنا لا أعرف شيء

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

لتحميل الرد بصيغة PDF

خرج علينا محمود داود، وهو المذيع المسلم المولد والنشأة والذي نعرفه منذ أكثر من عشر سنوات كاملة كطارح للشبهات المضحكة أكثر من كونها علمية، بفيديو جديد يشرح فيه إيمانه بالمسيح من الكتاب المقدس، وابتدأ يقرأ في الكتاب المقدس نصوص مختارة مسبقًا وكان يقولها طوال فترة معرفتنا به، لكن هذه المرة وضع لها قالب درامي يحث المشاهد المسيحي على التشكك فيما يعتقد، هذا إن كان يشاهده مسيحي غيرنا، فبين الفينة والأخرى تجده يكرر عبارات مفادها التشكك وازدياد الحيرة لديه كلما قرأ في الكتاب المقدس لأن لم يجد أن الناس الذين عاصروا المسيح ولا تلاميذ المسيح ولا المسيح نفسه أعلن عن ألوهيته، سواء أكان قبل موته وقيامته أم بعدها.

فتجد هدف الفيديو واضح، فبدلا من أن يعرض شبهات هي عبارة عن أفكاره الخاصة وتفسيره الخاص كما عرضه كثيرا في السنوات السابقة وتم الرد عليه وصار باهتًا مرذولًا لا يسوى ثمن قراءته وإمضاء الوقت فيه، لا، هذه المرة أراد أن ينقل الكرة في ملعب المشاهد المسيحي نفسه.

كيف؟ عن طريق أنه يبدأ في عرض النصوص من ابتداءً من الطرف الأضعف تأثيرًا للأقوى تأثيرًا، فبدأ من الجموع التي عايشت رب المجد يسوع المسيح، وانتهى بالمسيح نفسه، وبدأ ينقل أقوالهم جميعًا واحدًا تلو الآخر، وبين كل قول أو مجموعة أقوال والأخرى، تجده يمرر إلى ذهن القارئ اللاواعي عبارات تحمل إرتيابه وازدياد الحيرة عنده كـ”باحث” والبحث منه براء، لأنه يعرف أن غالبية المسيحيين لا يقرأون الكتاب المقدس بشكل منتظم وفاحص بل ونقدي أيضًا، وربما يُفاجئون بهذه النصوص.

فأراد أن يجمع عنصر المفاجئة لديهم مع العنصر التشكيكي بإيمانهم، فكيف يكون المسيحي مسيحيًا إن إكتشف – فجأة في الفيديو- أن الجموع لم تطلق على المسيح أنه الله، ولا تلاميذه، ولا المسيح نفسه، بحسب ما اختاره محمود من النصوص وترتيبه الخاص الذي تجاهل فيه السياق والنصوص الأخرى مقتطعًا أغلب النصوص من سياقها تماما وكأنها “نزلت منجمة” أي “مفرقة” عن بعضها البعض وليست في سياق واحد كقصة لحدث.

بحسب السيناريو الذي رسمه في رأسه، أن هذا الأسلوب سيشكك المسيحي، فعامل المفاجئة بالمعلومات الجديدة التي لا يعرفها المسيحي بالإضافة إلى عامل السرد القصصي الذي يستخدمه محمود، مطعمًا بين الحين والآخر بعبارات مثل[1] “أنا استغربت جدا جدا في البداية”، “لقيت (وجدتُ) أن رأي التلاميذ كان أكثر غرابة من رأي الجموع”، “أنا ازدت غرابة فعلًا”، “فأنا حسيت أن في لغز”، “قلنا لأ، كدا في حاجة مش مظبوطة”، “أصابني التعجب”، “زاد استغرابي أكثر”، “زاد استغرابي أكثر وأكثر”.

وما يؤكد هذا الغرض الصبياني الخبيث أنه ومنذ الفيديو الأول الذي أصدره حديثًا يضع عناوينًا لها يسهل تفسيرها بأنه كان مسيحيًا ثم أسلم أو كان مسلمًا متشككًا ثم لم يعد بعد متشككًا في إيمانه، ووصل الأمر إلى انتقاده هو نفسه من قِبل المشاهدين المسلمين أنفسهم، مشمئزين من هذا الأسلوب الصبياني الذي يعتمد فيه على كتابة عناوين خادعة لإيهام المشاهد بشيء غير حقيقي ليشاهد الفيديو ويتم تشكيكه، أو: هكذا كان يظن.

ولكي يكون هذا الرد مختصرًا قدر الإمكان مع التركيز الشديد فقط في النصوص التي طرحها وبيان تهافتها وتفاهتها، سيكون الرد الرئيسي في جدول نعرض فيه النص الذي استخدمه مع كتابة ما يراه في هذا النص من دليل لصالحه، وعلى الجانب المقابل سنكتب الرد بالنصوص الدالة مع شرحها وكيف أنها ترد على فكرته نفسها. لكن قبل الشروع في هذا، فنود معالجة أمر متكرر نجده عند قطاع عريض ممن يطرحون الشبهات ضد العقيدة المسيحية وربما لا يعرف هذا الأمر أيضًا -وللأسف- بعض المسيحيين.

يعتقد كثير من الأخوة طارحو الشبهات وبعض المسيحيين معهم، أن المسيحية في خضم ايمانها بلاهوت (ألوهية) المسيح، أنها بذلك تنفي ناسوته (بشريته) وأنه كان إنسانًا كاملًا تمامًا مثلنا، أو يعتقد الفاهم منهم أن المسيحية يخيفها بشرية المسيح وأنها تحاول بشتى الطرق إخفاء كون المسيح إنسانًا لأن هذا -وفق ما يعتقدون خطًأ- يطعن في لاهوته، فتجد هؤلاء الأخوة يأتون إلينا نحن المسيحيين ويعرضون علينا نصوص تثبت ناسوت المسيح، معتقدين أنهم بهذه النصوص ينفون لاهوته! وقس على ذلك مسألة كون المسيح هو نبي ورسول وابن انسانة وابن الإنسان وجاء في صورة عبد.

وما لا يعرفه هؤلاء، أن المسيحية إنما تركز الآن -في الشرق- على لاهوت المسيح لأن هذا هو المختلف عليه مع من الثقافات المجاورة لنا، وهي الثقافة الإسلامية بطوائفها وفروعها الفكرية، ولا يُعد هذا إنكارًا للجوانب الأخرى في شخصية المسيح. فلأن المتفق عليه بيننا وبينهم أنه كان إنسانا ورسولا ونبيا وجاء في شكل العبد، فما الحاجة إذن للجدال حوله؟ فالجدال يتحتم فقط في النقاط غير المتفق عليها بين مؤيد ومعارض.

فعندما يأتي إلينا بعض الأخوة المسلمين ومعهم نصوصًا تثبت ناسوت المسيح، يحضر إلينا شعورًا كمن أتى إليه شخصًا وقال له: أنت تقول إن هذا الرجل هو أبيك، لكن على العكس، هو مهندس!، فيتخالط هنا شعور الدهشة بالصدمة بالابتسامة بالشفقة على حال هذا الشخص! فما التعارض اذن بين كون هذا الرجل أبيه وكونه أيضًا في ذات الوقت مهندسًا؟ أتنفي الصفة الواحدة الأخرى؟ أولا تجتمع الصفتان؟ بلى، وهذا يسير جدًا شرحه. فكون المسيح إنسانًا ورسولًا ونبيًا، لا ينفي كونه أيضًا -في ذات الوقت- هو الإله!

فلفظ إنسان يدل على الحالة التي كان عليها عندما كان متجسدًا، فكان متأنسًا، أي متخذًا لجسد ونفس وروح حقيقية مثل أي إنسان آخر. وكونه رسولاً فلأنه بتجسده إنما يوصل لنا لرسالة الله الآب الذي أرسله ليتمم عمل الفداء والخلاص. وكونه نبيًا فلأنه تنبأ وأخبرنا بأُمورِ مستقبلية حدثت وتحدث وستحدث في المستقبل، فالنبي هو من يتنبأ، أي يخبر بأمور يدعي حدوثها مستقبلًا. وكونه جاء في شكل العبد، هذا لأن جاء في شكل ضعف بشريتنا، أي في شكل الإنسان العبد. فكل هذا لا مشكلة فيه لأي مسيحي ولا علاقة عكسية بينه وبين لاهوته.

والكنيسة دافعت ربما عن ناسوت المسيح ربما أكثر ما تدافع عن لاهوته، ففي القرون الأولى للمسيحية كانت تتواجد بعض فئات المهرطقين والمبتدعين الذي نفوا عن يسوع الناسوت كله، واعتبروه مرة روحًا تهيم بيننا، ومرة آيونا ..إلخ، ومن هذه الفئات فئة الغنوصية وغيرها من الفئات التابعة لها والمنشقة عنها والتي تتبنى نفس المفهوم، فكان على الكنيسة بداية من الرسل أنفسهم أن تدافع عن ناسوت المسيح وسط فئات تعترف بلاهوته فعلًا.

لذا، فعندما ينقل إلينا محمود داود، هذه النصوص معتقدًا أنها تثبت لنا نحن المسيحين أن المسيح هو إنسانًا ونبيًا ورسولًا وجاء في شكل العبد، فنقول له: تمخضتُ فولدت فأرًا! فهذا كله نعرفه ونُعلمه في كنائسنا ومنازلنا! وهذا إنما يدل -مع أنه يدعي العلم والمعرفة والخبرة الطويلة في المسيحيات- على جهل متجذر ومتأصل في معلوماته عن العقيدة المسيحية، فلا هكذا يُرَد على براهين وأدلة لاهوت المسيح الساطعة.

ولنبدأ بدءًا حسنا..

 

أولًا: ما قاله الناس عن يسوع

 

النصوص التي استخدمها محمود مع شرح فهمه لها

Joh 4:19 قالت له المرأة: «يا سيد أرى أنك نبي!

Joh 6:14 فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: «إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم!»

Joh 7:40 فكثيرون من الجمع لما سمعوا هذا الكلام قالوا: «هذا بالحقيقة هو النبي».

Joh 9:17 قالوا أيضا للأعمى: «ماذا تقول أنت عنه من حيث إنه فتح عينيك؟» فقال: «إنه نبي».

Mat 21:11 فقالت الجموع: «هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل».

Luk 7:16 فأخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين: «قد قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه».

فهم محمود داود:

يفهم محمود داود من هذه النصوص أن الأشخاص الذين عاصروا يسوع المسيح بأنفسهم وكانوا شهود عيان له، أعطوه صفة النبوة وليس أكثر، فهو إذن مجرد نبي كما يؤمن محمود داود، وهذا وفقًا لهذه النصوص. ونود أن نلفت الانتباه هنا إلى أنه لم يعلق بأي تعليق سلبي على هذه النصوص، فنجد أنه لم يقل مثلاً أن رأي هؤلاء غير ملزم للمسيحية فالكتاب المقدس لا يستشهد به بل يذكره فقط ولا يقام عليه عقيدة …إلخ، فقط اقتبسها ليؤكد أن المسيح نبي.

النصوص المقابلة وشرح كيف ترد على فهمه الخاطئ للنصوص التي استخدمها

 

قبل إيراد نصوص مقابلة لفكرة محمود داود، وبعد أن بينَّا أننا لا نرفض أن المسيح نبي، بل نرفض أنه نبيٌ فقط، أود هنا أن أناقش فكرة مبدأية، وهي: ما هو الاحتمال الأقرب للناس أن يؤمنوا به عندما يجدوا إنسانًا يفعل هذه المعجزات العجيبة؟ أي: عندما يرى الناس إنسانًا يفعل هذه المعجزات العجيبة جدًا، فما الذي سيتبادر لأذهانهم أولاً عن هذا الإنسان الذي يفعل هذه المعجزات؟ والإجابة المنطقية الطبيعية هي أنه نبي، لماذا؟ شعب إسرائيل جاء إليهم أنبياء هذا عددهم، وأقام هؤلاء الأنبياء معجزات امامهم، ومثالهم هو موسى الذي فعل امامهم المعجزات العجيبة منذ وجودهم في أرض مصر حتى موته، فعندما يأتي إليهم شخص يفعل هذه المعجزات فمن الطبيعي أن يتبادر لأذهانهم أنه نبي.

لأن الصورة النمطية عن الذي يفعل المعجزات عندهم هم الأنبياء، فلا يستطيعون أن يقولوا على المسيح أنه “ملاك” لأن الصورة النمطية للملائكة عندهم ليست أنها تأكل وتشرب وتمشي ويعرفون ابن من هو وأنه يمشي معهم في الشوارع وينام ويقوم، فهو إذن ليس بملاك، وبالطب ليس هو الله الذي لا يروه ولا يرى ولا يمكن لإنسان أن يشطح بفكره أولاً فيفترض في بادئ الأمر أنه الإله، فهو لم ير الإله مسبقًا مع علمه أن الإله هو الذي يفعل المعجزات، لكن لأنه يفعلها بأنبيائه فكان التصور الأول الأقرب لأذهانهم أنه نبي، وهذا يتضح جدا من سياق النصوص لأن هذا اللفظ اقترن بعمل المسيح للمعجزات، فكان ردا على هذه المعجزات ان اعتقدوا بهذا الوصف “نبي”.

لكن، وكما سنرى، عندما تكلم المسيح وأفصح عن نفسه، أدرك الجموع أنه ليس بمجرد نبي بل هو الله الذي يفعل المعجزات بالأنبياء، وهذا الذي ستوضحه النصوص التالية. فهل سيؤمن محمود داود بما قاله الجموع في هذه النصوص، دون أن يشغب عليها مثلما آمن بأن تلك النصوص التي اقتبسها تدل على كونه نبي؟

Joh 10:33 أجابه اليهود: «لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلها»

18-Joh 5:17 فأجابهم يسوع: «أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل». 18 فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضا إن الله أبوه معادلا نفسه بالله.

Mat 28:9 وفيما هما منطلقتان لتخبرا تلاميذه إذا يسوع لاقاهما وقال: «سلام لكما». فتقدمتا وأمسكتا بقدميه وسجدتا له.

في هذه النصوص، نجد أن “رؤساء الكهنة” عندما سمعوا ما قاله المسيح عن نفسه، فشهدوا له أنه “يجعل نفسه إله”، وتعبير “تجعل نفسك” يدل على عدم إيمانهم به بل أنه يدعي هذا في كلامه، فإن كان محمود داود سيؤمن بأن المسيح هو نبي لأن بعض الناس قالت عنه كذلك (وهو كذلك فعلاً) فعليه أيضًا أن يكمل إيمانه بأن المسيح قد جعل نفسه إله، وأنه أيضًا عادل نفسه بالله. هكذا فعل في النصوص التي اختارها وعليه –إن كان صادقًا أمينًا مع نفسه أن يؤمن بنفس الإيمان الموجود في النصوص الأخرى، أم انه يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه الآخر؟ أما في النص الثالث، فإن المريمات قد سجدتا له، فهل يؤمن به أنه الله المتجسد ويسجد له كما آمنتا وسجدتا؟

ولا أرغب في الاطالة في هذه النقطة فالفكرة الرئيسية قد اتضحت. لكن، ما رأيكم أن نعرف رأي المسيح له المجد نفسه في الكلام الذي قاله الناس عنه؟

لنقرأ:

Mat 16:13-17 ولما جاء يسوع إلى نواحي قيصرية فيلبس سأل تلاميذه: «من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟» 14 فقالوا: «قوم يوحنا المعمدان وآخرون إيليا وآخرون إرميا أو واحد من الأنبياء». 15 قال لهم: «وأنتم من تقولون إني أنا؟» 16 فأجاب سمعان بطرس: «أنت هو المسيح ابن الله الحي». 17 فقال له يسوع: «طوبى لك يا سمعان بن يونا إن لحما ودما لم يعلن لك لكن أبي الذي في السماوات.

وهنا نسأل محمود داود أسئلة صريحة:

  • هل تؤمن بالمسيح أنه فقط نبي، أم تؤمن به بالإيمان الذي أعلنه الله الآب لبطرس والذي طوَّبه عليه المسيح وقال له “طوبى لك”؟
  • هل تؤمن بأن المسيح “إبن الله الحي” كما طوَّب المسيح بطرس موافقًا إياه فيما قاله؟

 

ثانيًا: ما قاله الرسل عن يسوع

 

النصوص التي استخدمها محمود مع شرح فهمه لها

 

Act 2:22 «أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضا تعلمون.

Luk 24:19 فقال لهما: «وما هي؟» فقالا: «المختصة بيسوع الناصري الذي كان إنسانا نبيا مقتدرا في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب.

Heb 2:7-9 وضعته قليلا عن الملائكة. بمجد وكرامة كللته، وأقمته على أعمال يديك. 8 أخضعت كل شيء تحت قدميه». لأنه إذ أخضع الكل له لم يترك شيئا غير خاضع له – على أننا الآن لسنا نرى الكل بعد مخضعا له. 9 ولكن الذي وضع قليلا عن الملائكة، يسوع، نراه مكللا بالمجد والكرامة، من أجل ألم الموت، لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد.

 

فهم محمود داود:

يحاول هنا محمود داود أن يقول إنه ليس فقط الناس من آمنت أنه مجرد نبي، بل أن تلاميذه ورسله أنفسهم آمنوا بذات الإيمان أنه مجرد نبي، وأن هذه المعجزات ما هي إلا ما صنعه الله بيده، وليس للمسيح فضل فيها.

النصوص المقابلة وشرح كيف ترد على فهمه الخاطئ للنصوص التي استخدمها

لست أعلم بالضبط كيف ومن أين أبدأ، فلم أعتقد قبل اليوم أنه يمكن لعاقل قارئ للكتاب المقدس أن يستشهد ضد ألوهية المسيح من كلام تلاميذ المسيح ورسله! فهذا وحده إما يطعن في سلامة عقله أو في قراءته للكتاب المقدس أو في انحيازه الأعمى حتى يفعل مِثل هذا الفعل. فدعونا ننظم ردنا في نقاط محددة:

أولًا: ذكرنا سابقًا مشكلة من مشكلات الذين يطرحون هذا النوع من الشبهات، حيث أنهم يفترضون أن النص الأول طالما قال “رجل” إذن، فهو ليس “الله” وليس أي وصف آخر غير رجل! وبالإضافة إلى شرحنا السابق عن عدم معقولية هذا التفكير وأنه تفكير تتبرأ منه حتى السطحية، إلا أننا نضيف هنا أمرًا آخرًا وهو: هل يرضون أن نطبق مبدأهم هذا ونقول إن يسوع “رجل” وليس “نبي” أو “رسول”؟!

فالنص لم يذكر سوى إنه “رجل”، فهذا بيان آخر لمدى سخف تفكيرهم بهذه الطريقة التي لا يردون التخلص منها لنرتقي في الحوار ولو قليلًا معهم، ففي كل مرة نحاورهم فيها نجد أنفسها في اضطرار أن نبدأ معهم بتعليمهم بدائيات البدائيات حتى يكون لكلامهم قيمة والتي بها نستطيع أن نناقشهم بحق، وهذا يتطلب جهد كبير.

ثانيًا: لم ينزل الكتاب المقدس منجمًا (أي مُقطعًا)، فالكتاب المقدس مكتوب بالأسلوب السردي، فلا يمكن أن تقتطع نص ثم تجري به مقتنعًا أنه وحده يمثل كل الحقيقة، فمع أننا نؤمن أن يسوع المسيح رجل (أي إنسان) وأنه نبيًا ورسولاً إلا أننا لا نؤمن أنه فقط هذه الأوصاف، بل هذه الأوصاف وأوصاف أخرى مذكورة في نصوص أخرى، ولأعطي مثال على مدى سوء الاقتطاع من النصوص، فسأقتبس نص من ذات السياق، وهو كلام القديس بطرس بعد حلول الروح القدس، فمحمود داود قد اقتبس النص 22، وسأقتبس أنا النصوص: 25-28:

Act 2:25 لأن داود يقول فيه: كنت أرى الرب أمامي في كل حين أنه عن يميني لكي لا أتزعزع. 26 لذلك سر قلبي وتهلل لساني. حتى جسدي أيضا سيسكن على رجاء. 27 لأنك لن تترك نفسي في الهاوية ولا تدع قدوسك يرى فسادا. 28 عرفتني سبل الحياة وستملأني سرورا مع وجهك.

هنا نجد القديس بطرس، هو نفسه بشحمه وبلحمه الذي قال أن يسوع “رجل” قال أيضًا أن داود قال هذا الكلام في المسيح، ووصفه هنا بأنه “الرب”، فهذا النص فيه دليلين حرفيين صريحين على أن بطرس بنفسه يؤمن بألوهية المسيح المطلقة، فالدليل الأول الذي يمكن أن يلاحظه أي شخص تقريبًا هو أن بطرس الرسول ينسب للمسيح وجودًا سابقًا على ميلاده بالجسد، فهو يقول أن داود قد قال هذا الكلام “فيه” أي في المسيح، فهذا يعني أن المسيح موجود قبل أن يوجد داود، وقبل أن يوجد إبراهيم[2].

أما الدليل الثاني فهو دليل لغوي، فكلمة “الرب” الموجودة في (أعمال الرسل 2: 25) هي في أصلها العبري هي “يهوه יהוה” وهو الاسم الخاص بالإله في العهد القديم، حيث جاء النص في سفر المزامير 16: 8-11:

8 שִׁוִּ֬יתִי יְהוָ֣ה לְנֶגְדִּ֣י תָמִ֑יד כִּ֥י מִֽ֝ימִינִ֗י בַּל־אֶמּֽוֹט׃

9 לָכֵ֤ן׀ שָׂמַ֣ח לִ֭בִּי וַיָּ֣גֶל כְּבוֹדִ֑י אַף־בְּ֝שָׂרִ֗י יִשְׁכֹּ֥ן לָבֶֽטַח׃

10 כִּ֤י׀ לֹא־תַעֲזֹ֣ב נַפְשִׁ֣י לִשְׁא֑וֹל לֹֽא־תִתֵּ֥ן חֲ֝סִידְךָ֗ לִרְא֥וֹת שָֽׁחַת׃

11 תּֽוֹדִיעֵנִי֮ אֹ֤רַח חַ֫יִּ֥ים שֹׂ֣בַע שְׂ֭מָחוֹת אֶת־פָּנֶ֑יךָ נְעִמ֖וֹת בִּימִינְךָ֣ נֶֽצַח׃

فهاتين الدلالتين، أي دلالة الوجود قبل الميلاد الجسدي للمسيح ودلالة الاسم تدلان بشكل حرفي صريح على استقرار عقيدة لاهوت المسيح في عقل بطرس، فهو لا يحتاج أن يشرح لهم كيف أن يسوع هو يهوه، بل يقولها في معرض كلامه عرضًا وهذا لا يحدث إلا إن كان المتكلم مستقر عنده هذه العقيدة جدا، تماما كما يتكلم أي إنسان بلهجته الأم، فهو لا يفكر كثيرا في مخارج الحروف ولا النطق، بل يتكلم فقط. وعلى كلٍ، فها هو بطرس الذي قال عن المسيح أنه “رجل” يقول إن داود خاطبه بـ”يهوه”، وهذا يدل مرة أخرى على ما أوردناه سابقًا من أن هؤلاء الذين يريدون نقد لاهوت المسيح عبر ناسوته مخطئون جدًا ولا يعرفون أبجديات العقيدة المسيحية حتى.

ليس هذا فحسب، فطالما أن محمود داود يحب القديس بطرس ويقتبس من كلامه، فهذه ليست المرة الوحيدة التي تكلم فيها القديس بطرس، فقد تكلم أيضًا في الأصحاح الثالث عن المسيح أيضًا وقال:

Act 3:14 ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار وطلبتم أن يوهب لكم رجل قاتل.

Act 3:15 ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات ونحن شهود لذلك.

فهنا نجد القديس بطرس قد أطلق على المسيح ثلاثة ألقاب، وهي أنه القدوس والبار ورئيس الحياة، فهل يرضى محمود داود بكلام القديس بطرس في الحالتين؟ أم أنه يريد كلامه في الأصحاح الثاني ويرفض كلامه في الأصحاح الثالث؟ أليس هو نفسه بطرس الذي قال عن المسيح أنه “رجل” قال عنه هو أيضًا أنه “رئيس الحياة”؟ فليؤمن محمود أن المسيح رجل، وأنه أيضًا رئيس الحياة.

ثالثًا: اقتبس محمود داود نص من انجيل القديس لوقا، وبالطبع يقصد به أن يسوع هو إنسانًا نبيًا، وهو ما يؤمن به محمود، وكالعادة يعتقد أنه طالما أثبت أن المسيح هو إنسان ونبي، فهو ليس إلا إنسان ونبي، وقد رددنا على هذا الفكر الطفولي. أما هنا فسنقتبس من ذات الكاتب، لوقا الرسول، ما كتبه في نفس السفر، أي إنجيل لوقا أيضًا، فنجد أن الملاك عندما بشر زكريا بميلاد يوحنا، قال له أنه يوحنا سيتقدم أمام الرب:

Luk 1:16 ويرد كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب إلههم.

Luk 1:17 ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء والعصاة إلى فكر الأبرار لكي يهيئ للرب شعبا مستعدا». وعندما وُلِد يوحنا، قال له أبوه زكريا نفس هذا الكلام:

Luk 1:76 وأنت أيها الصبي نبي العلي تدعى لأنك تتقدم أمام وجه الرب لتعد طرقه.

Luk 1:77 لتعطي شعبه معرفة الخلاص بمغفرة خطاياهم

وهنا، إن سألنا محمود داود عن كلمة “الرب” هنا فسيخبرنا أنها كلمة عادية تطلق على البشر العاديين وعلى الإله نفسه، فهي ليست محصورة للإله وحده فلا يمكن الاستشهاد بها لبيان الألوهية. وعلى الرغم من أن النص الأول نفسه يقول “الرب إلههم” فنحن سنضع دليل نصي آخر أن المقصود بكلمة “الرب” هنا هو يهوه نفسه، فنقرأ في الأصحاح الثالث:

Luk 3:2 في أيام رئيس الكهنة حنان وقيافا كانت كلمة الله على يوحنا بن زكريا في البرية

Luk 3:3 فجاء إلى جميع الكورة المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا

Luk 3:4 كما هو مكتوب في سفر إشعياء النبي: «صوت صارخ في البرية أعدوا طريق الرب اصنعوا سبله مستقيمة.

وإذا رجعنا للنص العبري لسفر أشعياء 40: 3 – 5 فسنجد أن كلمة الرب هي יְהוָ֑ה:

3 ק֣וֹל קוֹרֵ֔א בַּמִּדְבָּ֕ר פַּנּ֖וּ דֶּ֣רֶךְ יְהוָ֑ה יַשְּׁרוּ֙ בָּעֲרָבָ֔ה מְסִלָּ֖ה לֵאלֹהֵֽינוּ׃

4 כָּל־גֶּיא֙ יִנָּשֵׂ֔א וְכָל־הַ֥ר וְגִבְעָ֖ה יִשְׁפָּ֑לוּ וְהָיָ֤ה הֶֽעָקֹב֙ לְמִישׁ֔וֹר וְהָרְכָסִ֖ים לְבִקְעָֽה׃

5 וְנִגְלָ֖ה כְּב֣וֹד יְהוָ֑ה וְרָא֤וּ כָל־בָּשָׂר֙ יַחְדָּ֔ו כִּ֛י פִּ֥י יְהוָ֖ה דִּבֵּֽר׃  ס

فنجد هنا أن القديس لوقا الذي نقل كلام تلميذي عمواس، قال أيضًا أن المسيح هو “يهوه” إله إسرائيل.

رابعًا: قفز محمود داود إلى رسالة العبرانيين الأصحاح الثاني مباشرة، وأعطانا النص الذي اقتبسه، ورغم أن هذا النص لا مشكلة فيه لأي مسيحي إلا أن محمود قد أراد استخدامه ليقول إن ها هو المسيح ليس هو الله فقط، بل أنه أقل من مخلوقات الله، الملائكة، فكيف تدعون أيها المسيحيون أنه الإله؟ ها كتابكم يشهد عليكم ويقول إنه حتى أقل من الملائكة.

هذا ما أراده محمود وهذا ما لن يمر، فنحن نعرف أن المسيح عندما كان في تجسده كان أقل من الملائكة لأنه لبس جسدًا، والجسد له قيود كثيرة مثل الجوع والعطش والتعب والحزن، بينما الملائكة في طبيعتها لا تجوع ولا تعطش ولا تتعب ولا تحزن لأنها أرواح فقط، فالنص الكتابي هنا يقول إنه بتجسد المسيح قد وضع طبيعته اللاهوتية الفائدة في اتحاد مع طبيعة الإنسان الضعيفة جدا، فصار هو بهذه الطبيعة الإنسانية أقل من الملائكة.

هذا عن فِهم معنى النص، لكن السؤال هنا، لماذا قفز محمود داود إلى الأصحاح الثاني مباشرة؟ فمع أن النص كله جاء في سياق واحد لا يُفهم إلا بقراءة كامل النص، إلا أن محمود أراد اقتطاع النص من سياقه ليثبت به فكره عن المسيح، وليته حتى أثبت! لنستعرض النصوص:

Heb 1:1-14 الله، بعد ما كلم الآباء بالأنبياء قديما، بأنواع وطرق كثيرة، 2 كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه – الذي جعله وارثا لكل شيء، الذي به أيضا عمل العالمين. 3 الذي، وهو بهاء مجده، ورسم جوهره، وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته، بعد ما صنع بنفسه تطهيرا لخطايانا، جلس في يمين العظمة في الأعالي، 4 صائرا أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسما أفضل منهم. 5 لأنه لمن من الملائكة قال قط: «أنت ابني أنا اليوم ولدتك»؟ وأيضا: «أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا»؟ 6 وأيضا متى أدخل البكر إلى العالم يقول: «ولتسجد له كل ملائكة الله». 7 وعن الملائكة يقول: «الصانع ملائكته رياحا وخدامه لهيب نار». 8 وأما عن الابن: «كرسيك يا ألله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك. 9 أحببت البر وأبغضت الإثم. من أجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الابتهاج أكثر من شركائك». 10 و«أنت يا رب في البدء أسست الأرض، والسماوات هي عمل يديك. 11 هي تبيد ولكن أنت تبقى، وكلها كثوب تبلى، 12 وكرداء تطويها فتتغير. ولكن أنت أنت، وسنوك لن تفنى». 13 ثم لمن من الملائكة قال قط: «اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك؟» 14 أليس جميعهم أرواحا خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص!

في هذا النص نجد أكثر من وصف للمسيح، نكتفي منها بأن بالابن خلق العالمين، وأن الابن هو بهاء مجد الله الآب ورسم جوهره وهو أعظم من الملائكة وجميعها تسجد له، وأنه هو الله. فالنص يقول صراحة أن الابن أعظم من الملائكة، وأن كل الملائكة تسجد له، ويقول حرفيًا أن الابن هو الله، لكن لأن محمود يعرف كل هذا فأراد أن يبدأ اقتباسه من النص من الأصحاح الثاني.

وحيث أن محمود أراد أن يأتي بأقوال رسل المسيح عنه، فنحن نحب ان نساعده أكثر وأكثر فنعطيه مجموعة قليلة جدًا من أقوالهم عنه أمام عينيه:

إنجيل يوحنا 1: 1، 3، 18

Joh 1:1 في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله.

Joh 1:3 كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان.

Joh 1:18 الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر.

نبدأ باللاهوتي، يوحنا الحبيب، التلميذ الذي كان يسوع يحبه، فماذا وصف به الرب يسوع؟ قال عنه أنه كان “في البدء” أي في “الأزل” فالكلمة هنا تعني هذا المعنى، ووصفه بأنه هو الله، ثم وصفه بأن كل شيء به قد خُلق، فهو خالق كل شيء فالآب يخلق بالابن في الروح القدس كل شيء، حتى أن القديس يوحنا يقول “وبغيره لم يكن شيء”، فبغير أقنوم الإبن، الكلمة، لم يكن ليكون شيء مما كان، لكن بالطبع محمود داود لا يؤمن بهذا، فقط هو يؤمن أن المسيح هو أحد مخلوقات الله التي لم تكن لها وجود حقيقي قبل ميلاده العذري من المطوَّبة مريم العذراء القديسة، لكنه مادام ارتضى الاحتكام للكتاب المقدس عبر من كتبوه واستشهد بكلامهم في موضع، فانه قبل على نفسه المبدأ، وها هو المبدأ يرد عليه بأن المسيح هو الله وهو الخالق والذي بغيره لم يكن شيء من كل هذه الأشياء، فبحسب هذا النص، فإن محمود داود نفسه هو أحد مخلوقات المسيح، فليشكر المسيح إذن.

يختتم اللاهوتي القديس يوحنا مقدمته لإنجيله بهذا النص رقم 18، فبعدما افتتحه بشهادة حرفية صريحة عن لاهوت الابن واصفا إياه بانه “الله” اختتم أيضا هذه المقدمة بإعادة الوصف مرة أخرى أنه “الله” لكن أين؟ النص يقول “الابن الوحيد” لكن في أقدم وأفضل وأصح المخطوطات والترجمات القديمة واقتباسات الآباء القدماء من العهد الجديد لهذا النص، يقول النص: μονογενὴς θεὸς أي “الإله الوحيد”. فالقديس يوحنا مثلما بدأ بقوله “وكان الكلمة الله” أنهى بقول أيضًا “الإله الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر”. فهذه هي شهادة يوحنا اللاهوتي عن المسيح، فهل يؤمن بها محمود؟!

يوحنا 20: 28:

Joh 20:28 أجاب توما: «ربي وإلهي».

ومع توما المؤمن، الذي بمجرد أن رأى المسيح، قال له “ربي وإلهي”، ونلاحظ هنا أن توما كيهودي، لم يكن سهلا عليه أن يؤمن بأن المسيح هو الرب والإله إن لم يكن فعلا يعرف هذا ويؤمن من صميم قلبه وعقله بهذا، والمسيح قد صادق على كلامه وقال له “أنك رأيتني يا توما آمنت! طوبى للذين آمنوا ولم يروا” فالمسيح قد وصف كلام توما هذا بأنه “إيمان”، بل وأوضح له أنه طوبى لمن يؤمن بإيمان توما (ربي وإلهي) بدون ان يرى، فهل لابد لمحمود داود ان يرى لكي يؤمن؟!

 

متى 13: 34:

Mat 13:34  هذا كله كلم به يسوع الجموع بأمثال وبدون مثل لم يكن يكلمهم 35 لكي يتم ما قيل بالنبي: «سأفتح بأمثال فمي وأنطق بمكتومات منذ تأسيس العالم».

نجد هنا التلميذ الآخر، متَّى، يخبر عن إيمانه بالمسيح، أهو مجرد انسان أو مجرد نبي أو رسول؟ كلا، إنه هو يهوه إله بني إسرائيل، وهو بذلك يعلن ليس فقط عن وجوده الأزلي بل عن ألوهيته بنصٍ صريح. كيف؟ لقد إقتبس القديس متى من العهد القديم، من سفر المزامير 78: 2:

Psa 78:2 أفتح بمثل فمي. أذيع ألغازا منذ القدم.

فمتى الرسول هنا يقتبس ما قاله يهوه عن نفسه وينسبه للمسيح، فالمسيح كان يكلمهم بالأمثال وبغير مثل كان لا يكلمهم وهذا تصديقًا لكلامه سابقًا (بإعتباره يهوه) الذي قال فيه: أفتح فمي بمثل، أذيع ألغازًا منذ القدم. فها هو إيمان متى الرسول أيضًا، فهل يؤمن محمود داود؟!

 

سفر أعمال الرسل 10: 36 ؛ 20: 28:

Act 10:36 الكلمة التي أرسلها إلى بني إسرائيل يبشر بالسلام بيسوع المسيح. هذا هو رب الكل.

فهنا يتكلم الرسول بطرس (بعدما نقلنا شهادات كل من متى ويوحنا)، عن المسيح يسوع، ويسميه بـ”رب الكل”، ولا أجد تعليق بعد كلام القديس بطرس الواضح.

Act 20:28 احترزوا اذا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه.

وهنا نجد الرسول بولس، يحث الأساقفة أن يرعوا الرعية وأن يحترزوا لأنفسهم، فإن الروح القدس قد أقامهم في كنيسة الله التي إقتناها بدمه، فهل لله دم؟! بالتأكيد نعم لان المقصود هو “دم المسيح الذي سفكه على عود الصلييب” فإننا قد أشترانا المسيح له المجد بثمن (1كو 6: 20). فهنا نجد أن القديس بولس يدعو المسيح صراحة بأنه “الله” فهل يؤمن محمود أم أن ليس للعناد والكِبر حدود؟

رسالة رومية 10: 12-13:

Rom 10:12 لأنه لا فرق بين اليهودي واليوناني لأن ربا واحدا للجميع غنيا لجميع الذين يدعون به. 13 لأن كل من يدعو باسم الرب يخلص.

ربما يقرأ الكثير هذا النص غير مبالين بما يحويه، فالنص يحمل دليلًا صريحًا لألوهية المسيح، وأنه هو يهوه، كيف؟ فبعد أن صرح بولس الرسول بأنه لا فرق بين يهودي ويوناني لأن لهم ربا واحدًا، سيفهم المسيحي أن الرب المقصود هنا هو الله إلههم، وهذا صحيح، لكن سيرفض غير المسيحي هذا الفهم إن قال له المسيحي أن الرب المقصود هنا، والذي هو إله الجميع، هو المسيح، لان غير المسيحي لا يريد أن يكون المسيح هو الله، فإما أن يرفض غير المسيحي أن المقصود بكلمة الرب هنا هو المسيح، وهذا يناقضه حرفيًا السياق، لأن بولس الرسول قال قبلها [لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع] فلقب الرب هنا خصصه بولس الرسول للمسيح حصرًا، أو أنه سيقول أن الرب هنا المقصود بها المسيح، لكن هذه الربوبية لا تعطي دلالة الألوهية، فالمسيح لم ينفرد بهذا اللقب وحده، بل وُصِفَ به كثير من البشر (هكذا يقولون!)، وهنا سيكون الرد عليهم من النص التالي مباشرة، أي النص رقم 13، فهذا النص كما لا يظهر منه بحسب ترجمة فانديك أعلاه، هو اقتباس من العهد القديم من سفر يوئيل النبي 2: 32  [ويكون ان كل من يدعو باسم الرب ينجو. لأنه في جبل صهيون وفي اورشليم تكون نجاة. كما قال الرب. وبين الباقين من يدعوه الرب] وجاء هذا النص في أصله العبري:

וְהָיָ֗ה כֹּ֧ל אֲשֶׁר־יִקְרָ֛א בְּשֵׁ֥ם יְהוָ֖ה יִמָּלֵ֑ט כִּ֠י בְּהַר־צִיּ֨וֹן וּבִירוּשָׁלִַ֜ם תִּֽהְיֶ֣ה פְלֵיטָ֗ה כַּֽאֲשֶׁר֙ אָמַ֣ר יְהוָ֔ה וּבַ֨שְּׂרִידִ֔ים אֲשֶׁ֥ר יְהוָ֖ה קֹרֵֽא׃

فالنص المقتبس هنا يوضح أن القديس بولس لا يقصد هنا “أي رب” كما يقول غير المسيحيين، بل يقصد الرب الذي هو يهوه إله العهد القديم وإله إسرائيل. فهذا هو إيمان بولس الرسول، فهل يؤمن محمود؟!

 

رسالة يهوذا 5:

Jud 1:5 فأريد أن أذكركم، ولو علمتم هذا مرة، أن الرب بعدما خلص الشعب من أرض مصر، أهلك أيضا الذين لم يؤمنوا.

ونضيف للرسل السابقين، رسولًا آخرًا، وهو يهوذا أخا يعقوب، فبمجرد قراءة هذا النص لن يلحظ المسيحي دليلاً لألوهية المسيح، وإن سألنا غير المسيحي وقلنا له، من المقصود بكلمة “الرب” الذي يقول عنه النص أنه خلص شعب بني إسرائيل قديما من أرض مصر؟ سيقول سريعًا بغير تردد، أنه يهوه إله العهد القديم، فنسأله: وكيف عرفت أنه يهوه؟ سيقول لنا أنه هو الذي تذكره نصوص العهد القديم الخاصة بقصة خروج شعب بني إسرائيل من مصر، فنقول له بالصواب أجبت، وهنا نقدم لك المفاجئة، وهي أن كلمة “الرب” هنا في أقدم وأصح وأفضل المخطوطات والترجمات وأقوال الآباء هي “يسوع”! نعم، فالنص في أصله يقول إن يسوع هو من أخرج الشعب من أرض مصر! نعم، النصوص في العهد القديم تقول إن يهوه هو من فعل هذا، والنصوص في العهد الجديد تقول إن يسوع هو نفسه يهوه إله العهد القديم -باعتباره أقنوم الابن- وهو الذي خلص الشعب من أرض مصر، كما رأينا في الآيات السابقة للآباء الرسل، وكما سنرى أيضًا في النصوص التالية. فمرة أخرى، هذا هو كلام رسل المسيح، فهل يؤمن بها حقًا؟ أم أنها كان خطأ و”طيش” عندما أراد اقتباس قول القديس بطرس أن المسيح هو “رجل”!؟

 

كورنثوس الأولى 10: 4، 9:

1Co 10:4 وجميعهم شربوا شرابا واحدا روحيا – لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح.

مثل النص السابق تمامًا، وتأكيدًا أن المسيح هو يهوه إله العهد القديم، وأن من ذكرناهم لم يكونوا شذوذا عن القاعدة، بل أنهم هم القاعدة التي تؤكد أن يسوع هو إله العهد القديم باعتباره الابن، فهنا أيضًا نجد أن بولس الرسول يحكي لنا عن حدث من أحداث الخروج وتيه الشعب العبراني في الصحراء وحاجتهم للماء، ويقول إن الماء الروحي الذي كانوا يشربوه، شربوه لأن الصخرة الروحية التي هي في حقيقة الأمر “المسيح” الذي كان يتابعهم في سيرهم. فيهوه إله العهد القديم المذكور طولا وعرضًا في هذه القصة، كان المسيح كما قال الرسل أجمعين الذين ذكرنا كلامهم.

1Co 10:9 ولا نجرب المسيح كما جرب أيضا أناس منهم فأهلكتهم الحيات.

يكمل الرسول بولس كلامه، ليؤكد مفهومه أن المسيح هو يهوه، فيشير إلى تجربة شعب العبرانيين ليهوه الذين جربوه طوال فترة خروجهم من مصر وبعدها، ويوصي أهل كورنثوس ألا يجربوا المسيح كما جربه شعب العبرانيين قديما فأهلكتهم الحيات. فنجد القصة في سفر العدد والأصحاح الحادي والعشرين:

Num 21:5-6 وتكلم الشعب على الله وعلى موسى قائلين: «لماذا أصعدتمانا من مصر لنموت في البرية! لأنه لا خبز ولا ماء وقد كرهت أنفسنا الطعام السخيف». 6 فأرسل الرب على الشعب الحيات المحرقة فلدغت الشعب فمات قوم كثيرون من إسرائيل.

والنص في أصله العبري يقول:

5 וַיְדַבֵּ֣ר הָעָ֗ם בֵּֽאלֹהִים֮ וּבְמֹשֶׁה֒ לָמָ֤ה הֶֽעֱלִיתֻ֙נוּ֙ מִמִּצְרַ֔יִם לָמ֨וּת בַּמִּדְבָּ֑ר כִּ֣י אֵ֥ין לֶ֙חֶם֙ וְאֵ֣ין מַ֔יִם וְנַפְשֵׁ֣נוּ קָ֔צָה בַּלֶּ֖חֶם הַקְּלֹקֵֽל׃

6 וַיְשַׁלַּ֨ח יְהוָ֜ה בָּעָ֗ם אֵ֚ת הַנְּחָשִׁ֣ים הַשְּׂרָפִ֔ים וַֽיְנַשְּׁכ֖וּ אֶת־הָעָ֑ם וַיָּ֥מָת עַם־רָ֖ב מִיִּשְׂרָאֵֽל׃

فالنص يذكر حرفيًا، اسمي يهوه وألوهيم. فهل يؤمن محمود داود أم أن للتشغيب رأي آخر عنده؟

العبرانيين 1: 10- 12؛ 11: 24-26؛ 13: 8؛ 13: 21:

Heb 1:10 و«أنت يا رب في البدء أسست الأرض، والسماوات هي عمل يديك. 11 هي تبيد ولكن أنت تبقى، وكلها كثوب تبلى، 12 وكرداء تطويها فتتغير. ولكن أنت أنت، وسنوك لن تفنى».

عندما أراد القديس بولس مقارنة من هو المسيح بالنسبة للملائكة، وبعد ان عرض النصوص التي عرضناها سابقًا، ذكر هذا القول، وكثير لا ينتبه له كما يجب، فهذا القول ما هو إلا إقتباس من العهد القديم، من مزمور 102: 25 – 27. حيث يقول النص العربي:

Psa 102:25 من قدم أسست الأرض والسماوات هي عمل يديك. 26 هي تبيد وأنت تبقى وكلها كثوب تبلى كرداء تغيرهن فتتغير. 27 وأنت هو وسنوك لن تنتهي.

نعم، فالقديس بولس الرسول ينسب للمسيح ما قيل أصلاً في حق يهوه إله العهد القديم، ولما لا، إن كان يسوع المسيح هو يهوه إله العهد القديم باعتبار المسيح هو أقنوم الابن. فالنص في العهد القديم ينسب الديمومة إلى الأبد، وعدم التغير للرب يهوه، والنص في العهد الجديد ينسبه للمسيح، وليس هذا النص وحده من كشف هذا الإعلان عن المسيح، بل هناك آخر في نفس الرسالة 13: 8 [يسوع المسيح هو هو امسا واليوم والى الابد]، فهذا التعليم هو تعليم أصيل وأساسي في لاهوت العهد الجديد كله.

Heb 11:24 بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون، 25 مفضلا بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية، 26 حاسبا عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر، لأنه كان ينظر إلى المجازاة.

هنا نجد أيضًا صدى للعقيدة الراسخة المترسخة في أذهان وقلوب كل الرسل، ألا وهي أن يسوع لم يبدأ في الوجود منذ ولادته من العذراء مريم، بل ناسوته فقط، إنما لاهوته، كابن، فهو قائم بلا بداية ولا نهاية. فنجد هنا أن بولس الرسول ينسب لموسى النبي أنه لما كبر شاء أن يذل مع شعب يهوه على أن يتنعم في قصر فرعون، وفضَّلَ عار المسيح على غنى خزائن مصر، فهل كان المسيح موجودا لكي يُفَضل موسى عاره على كنوز وخزائن مصر؟ نعم، إنه سرمدي بلا بداية وبلا نهاية، لأنه هو يهوه الذي فضل موسى ان يذل مع شعبه حتى أخرجه من مصر.

كولوسي 2: 9:

Col 2:9 فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا.

ونبدأ بسؤال صريح: إن كان “كل ملء اللاهوت” في المسيح، فكيف لا يكون هو الله؟! وإن كان كل الملء فيه، فمن يكون له أي لاهوت آخر؟!

كولوسي 1: 16-19:

Col 1:16 فإنه فيه خلق الكل: ما في السماوات وما على الأرض، ما يرى وما لا يرى، سواء كان عروشا ام سيادات ام رياسات ام سلاطين. الكل به وله قد خلق. 17 الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل 18 وهو رأس الجسد: الكنيسة. الذي هو البداءة، بكر من الأموات، لكي يكون هو متقدما في كل شيء. 19 لأنه فيه سر ان يحل كل الملء،

هنا نجد شرحًا لما سبق، فإن كل المخلوقات، مخلوقة بالمسيح وفي المسيح وللمسيح، إذ أن المسيح هو الله الذي هو قبل كل شيء. إذن فهو ليس مثل أي شيء، لأنه خالق كل شيء وبغيره لم يكن شيئًا مما كان، ولما لا وهو فيه كل ملء اللاهوت؟

فيلبي 2: 6 -11:

Php 2:6 الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله. 7 لكنه أخلى نفسه، آخذا صورة عبد، صائرا في شبه الناس. 8 وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب. 9 لذلك رفعه الله أيضا، وأعطاه اسما فوق كل اسم 10 لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، 11 ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب.

لكن هذا الذي يقول عنه محمود داود انه مجرد إنسان ونبي ورسول، ليس هو كذلك، بل أنه معادلا لله الآب، فهذه هي طبيعته الأساسية والثابتة من الأبد وإلى الأزل، إنه الله. لكنه أخلى نفسه من كل مجد الألوهية وإرتضى بإرادته وحده أن يلبس جسد بشريتنا وضعفنا لكي يقوينا فيه ويفدينا. لك يعترف كل إنسان، ومنهم محمود، ان يسوع هو رب لمجد الله الآب، فلماذا لا يعترف محمود بهذا رغم انه يعرف هذه النصوص؟

رؤيا 1: 7

Rev 1:7 هوذا يأتي مع السحاب، وستنظره كل عين، والذين طعنوه، وينوح عليه جميع قبائل الأرض. نعم آمين.

ونختتم هذا النوع من النصوص بالنص الوارد في سفر الرؤيا 1: 7، فهذا النص هو في حقيقته تطبيقًا لنبوة من سفر زكريا 12: 10 عن المسيح:

Zec 12:10 وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات فينظرون إليّ الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره.

والكلام في سفر زكريا قائله هو يهوه إله إسرائيل، لكن هنا يقتبسه القديس يوحنا اللاهوتي عن المسيح نفسه، موضحًا بهذا أن المسيح في لاهوته هو يهوه.

ثالثًا: ما قاله المسيح عن نفسه

Joh 8:40 ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله. هذا لم يعمله إبراهيم.

Mat 13:57 فكانوا يعثرون به. وأما يسوع فقال لهم: «ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته».

Luk 13:33 بل ينبغي أن أسير اليوم وغدا وما يليه لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجا عن أورشليم.

Joh 5:30 أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا. كما أسمع أدين ودينونتي عادلة لأني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني.

Joh 12:49 لأني لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية: ماذا أقول وبماذا أتكلم.  50 وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية. فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم».

Joh 7:16 أجابهم يسوع: «تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني.

Joh 17:1 تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال: «أيها الآب قد أتت الساعة. مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضا 2 إذ أعطيته سلطانا على كل جسد ليعطي حياة أبدية لكل من أعطيته. 3 وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته.

كما جرت العادة، يركز هنا محمود داود على أن المسيح إنسان، نبي، لا يقدر أن يفعل من نفسه شيء، فهو ضعيف، يشهد بنفسه أن الآب فقط هو الإله الحقيقي وحده وليس المسيح، وأن أقوال ومعجزات المسيح ليست بقوته الشخصية بل بقوة الآب. وكما أوضحنا سابقًا فأن كون المسيح إنسانًا رسولاً نبيًا لا يضيره في شيء، بل أن الكنيسة تدافع عن كل هذه الألقاب بنفس دفاعها عن الألقاب الأخرى مثل لقب “إبن الله” ولقب “الله. لذا فالنصوص الثلاثة الأولى هي من صميم إيمان الكنيسة، وعليه، فهي لا تحتاج إلى رد لأنها عقيدتنا فعلًا في المسيح.

أما عن النصوص الأخرى فنتناولها بالترتيب:

Luk 13:33 بل ينبغي أن أسير اليوم وغدا وما يليه لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجا عن أورشليم.

Joh 5:30 أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا. كما أسمع أدين ودينونتي عادلة لأني لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الآب الذي أرسلني.

Joh 12:49 لأني لم أتكلم من نفسي لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية: ماذا أقول وبماذا أتكلم.  50 وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية. فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم».

Joh 7:16 أجابهم يسوع: «تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني.

يوجد هنا طريقتين متناقضتين لفهم النص، الأولى تعني أن المسيح ضعيف، لا يمكنه القيام بشيء، وأن كل هذا الذي يفعله إنما هو بقوة الآب وأنه مجرد أداة في يدي الآب يفعل بها ما يشاء، وهذه الطريقة هي التي يفهم منها محمود داود وآخرون النص، وهي الطريقة الخاطئة كما سنبين هذا بالأدلة النصية الصريحة. الطريقة الأخرى، وهي الطريقة الصحيحة، أن المسيح هنا يريد أن يقول لنا أنه غير منفصل عن الآب، فلا يوجد فعل من أفعاله يفعله بمعزل عن الآب، وذلك لأنه ليس بمعزل عن الآب، بل في وحدة جوهرية معه دائمًا وأبدًا. فإن كان المسيح في وحدة جوهرية مع الآب، فكيف يفعل “من نفسه” شيء؟ لا يوجد هنا “نفسه” ولا “نفس الآب” لأن الأقانيم الثلاثة متحدة، فكل الأفعال لا تكون من أقنوم واحد بانفصال عن إرادة الأقانيم الأخرى، بل أن كل فعل هو فعل جوهري يخرج من الثالوث القدوس.

بما أن محمود داود وغيره، يعبدون النص ويتشدقون به، فنلزمهم بما ألزموا أنفسهم به، ألا وهو النص الصريح وما يقوله بعيدا عن المعنى اللاهوتي للنص، وهذا فقط لنريهم كيف أن النصوص ترد على أفكارهم الخاطئة:

Joh 5:19  فقال يسوع لهم: «الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئا إلا ما ينظر الآب يعمل. لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك.

الملاحظ هنا أمران، الأول أن هذا النص هو في نفس ذات الأصحاح الذي إقتبس منه محمود داود النص الذي استشهد به، فهذا النص هو 19 والذي اقتبسه محمود هو 30، وهذا يوضح بجلاء كيف أن هؤلاء لا يقرأون بل يقصون من هنا كلمة ومن هناك نص ثم يطيرون إلينا ويقولون: ها كتابكم يقول! بل أنتم الذين تقولون.

أما الأمر الثاني وهو تطابق كلام المسيح في الجزء الأول من النص، ففي هذا النص يقول [لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئا إلا ما ينظر الآب يعمل] وفي النص رقم 30 الذي اقتبسه محمود يقول [أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا. كما أسمع أدين ودينونتي عادلة]، وهنا يمكن أن يفهم محمود هذا الكلام كما فهمه هو فعلا، لكن الرب يسوع المسيح لم يترك له حرية الفهم الخاطئ هنا، فقد أكمل على النص 19 وقال ما يناقض فكر محمود داود، حيث قال [لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك]، إذن، فالإبن يستطيع ويقدر أن يفعل أن عمل يقوم به الآب، وهذا من كلام المسيح نفسه حرفيًا. لاحظوا ان هذا الكلام مناقض تمامًا لفهم محمود من أن المسيح ضعيف ولا يقدر أن يفعل شيء، بينما قام المسيح بتصحيح هذا الفهم عبر ربط العبارتين بعضهما ببعض، فقال في شطرها الأول “لا أقدر من نفسي” ثم أضاف “لأن مهما عمل الآب هكذا أفعل أنا أيضًا”.

والآن نسأل محمود سؤالا صريحا بناء على تصريح المسيح هذا، إن كان المسيح مجرد إنسان ضعيف ونبي ورسول فقط، فكيف يكافئ قدرته بقدرة الله ويقول إن مهما يفعل الله فانا أستطيع فعله!؟ هل قالها نبي أو رسول سابقًا؟ هذا يعني أن الإبن قدير، فهل تعبد القدير؟

Joh 17:1 تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء وقال: «أيها الآب قد أتت الساعة. مجد ابنك ليمجدك ابنك أيضا 2 إذ أعطيته سلطانا على كل جسد ليعطي حياة أبدية لكل من أعطيته. 3 وهذه هي الحياة الأبدية: أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته.

مِثل النص السابق، يمكن فهم هذا النص بطريقتين متناقضتين، أحدهما الطريقة الخاطئة التي فَهم منها محمود هذا الكلام، وتعني أن المسيح ينفي عن نفسه الألوهية وينسبها للآب فقط. أما الطريقة الصحيحة هي فهم النص في سياقه، فالمسيح هنا يوَحِّد بينه وبين الآب (كما فعل كثيرا) ويقول إنه طالما نحن واحد، أي الآب والابن والروح القدس، فلا أحد غير هذا الجوهر هو الإله الحقيقي.

ولأن محمود وغيره يتشدقون بالنصوص، فنرد عليه من أكثر من وجه:

 

الوجه الأول: النصوص

أثبتنا كثيرًا أن رسل المسيح كانوا يعتبرونه يهوه، إله العهد القديم أي إله إسرائيل، فكيف يستقيم ان ينقلوا عن المسيح هذا النص بهذا المفهوم الذي فهمه محمود داود؟ أما كان من الأجدر أن يُخفوه؟ أو ألا يصرحوا بالنصوص الأخرى التي أتينا ببعض منها ولدينا الكثير؟ حسنا، من الذي نقل إلينا هذا النص؟ إنه يوحنا الحبيب (الذي أتينا بفكره سابقًا في شهادات الآباء الرسل عن المسيح). حسنا، دعونا نترك ليوحنا الحبيب هو نفسه تفسير هذا النص الذي نقله بنفسه، فهو الأجدر، إذًا، بإفهامنا ما كان يقصده المسيح.

1Jn 5:20 ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق. ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية.

ها هو القديس يوحنا مرة أخرى يؤكد كلامه، فبعد أن أكد ألوهية المسيح الصريحة في يوحنا 1: 1 (وكان الكلمة الله) ويوحنا 1: 3 (كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان) ويوحنا 1: 18 (الإله الوحيد الذي هو في حضن الآب)، هنا أيضًا يؤكد كلامه مرة أخرى، وهذا متوافق مع السياق في هذا الأصحاح، ومع السياق العام لأسلوب كتابة القديس يوحنا، فهو قد ابتدأ مقدمة إنجيله بهذه الشهادة الحرفية، وأنهى مقدمة إنجيله بهذه الشهادة الحرفية، وها هو ينهي رسالته الأولى بهذا الأسلوب عينه، أي بالرجوع إلى التصريح الحرفي لألوهية المسيح.

فها هو القديس يوحنا الذي ذكر النص الذي استخدمه محمود داود يعود ويفسره، فكيف يذكر يوحنا ان المسيح يقول للآب وحده أنه هو “الإله الحقيقي وحده”، حسبما يفهم محمود، ثم يعود فيذكر أن المسيح هو “الإله الحقيقي وحده” بل ويذكر أيضًا أنه الحياة الأبدية؟

 

الوجه الثاني: اللاهوت

لقد أخبر الرب يسوع المسيح أكثر من مرة بأنه هو والآب واحد، وقال “أنا والآب واحد” وهذه الوحدة إنما هي وحدة جوهر حسب النص اليوناني نفسه، وقال أيضًا أنه في الآب والآب فيه (يوحنا 14: 10، 11)، وان من رآه فقد رأى الآب (يوحنا 14: 9)، وأنه لابد أن يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب (يوحنا 5: 23)، وأن كل ما للآب فهو للابن (يوحنا 16: 15) وكل ما للابن فهو للآب (يوحنا 17: 10)، فلاحظوا أن كل هذه النصوص من إنجيل يوحنا فقط، وهو الإنجيل الذي يقتبس منه محمود هذا النص وحيدًا ليفسره بعيدا عن كل السياق المسرد في طول الإنجيل وعرضه. فالرب يسوع المسيح هنا كان يضع الثالوث القدوس في مقابل الآلهة الوثنية الأخرى وليس يضع نفسه في مواجهة تفريق مع الآب.

إلى هنا ينتهي الجانب الأقل غرابة وكوميدية في كلام محمود داود، وكأن هذا الجزء كان للتدريب على ما سيأتي من كلامه، مما يثير الشفقة على حاله أكثر مما يثير السخرية. فنبدأ معًا هذا الجزء.

في هذا الجزء سيترك محمود داود شهادات الناس والرسل والمسيح نفسه ويلجأ لأحداث حدثت في حياة المسيح، ويحاول أن يؤكد بها فكرته الأساسية، ألا وهي أن المسيح مجرد إنسان نبي ورسول، ليس إلا.

لوقا 2: 22 – لاويين 12: 12 – المسيح ينجس أمه

يقتبس محمود داود هذا النص:

Luk 2:22 ولما تمت أيام تطهيرها حسب شريعة موسى صعدوا به إلى أورشليم ليقدموه للرب.

ويقول، إن كان المسيح هو الله، فكيف يُنجِّس أمه؟ (نعم هو يفكر بهذا المستوى)، وللإجابة نقول، أن العذراء مريم كانت يهودية، ويوسف النجار كان يهودي، بل ان المسيح نفسه كان بحسب الميلاد يتبع اليهود، وتبعًا لكون مريم العذراء ويوسف من اليهود فهم ملتزمون بشريعة وناموس موسى حتى إن كانا في عدم احتياج لهذا التطهر. فالنص لا يقل أبدا أن المسيح نجس أمه أبدا، بل أن النص نفسه يذكر “حسب شريعة موسى”، أي وفقًا لهذه الشريعة، فالنص يعطي سببين لصعودهما إلى أورشليم، الأول في النص السابق لهذا النص وهو الاختتان، فكما في شريعة موسى فإنه يجب ان يختتن اليهود وهذه علامة بينهم وبين الله منذ العهد القديم. أما النص الثاني وهو النص التالي لهذا النص فيذكر السبب الآخر هو لكي يقدموا ذبيحة كما قيل في ناموس الرب زوج يمام أو فرخي حمام. فمحمود داود قال ما لم يأت في النص، ونسى أو تناسى ما أتى فعلا قبل هذا النص وبعده. وهناك حادثة أخرى تبين أن هذا هو أسلوب المسيح، فعندما ذهب ليعتمد من يوحنا، منعه يوحنا تواضعًا في بداية الأمر، وقال له أنه هو، أي يوحنا، المحتاج أن يعتمد منه فكيف يأتي المسيح إليه، وأن يوحنا ليس مستحقًا أن يحل سيور حذاء المسيح، فكيف يقبل أن يُعمد المسيح؟ لكن ماذا كان رد السيد المسيح؟ قال له ” هكذا يليق بنا ان نكمل كل بر”، وهذا يعني أن المسيح غير محتاج للعماد، لكن مادام هذا العماد يعتبر “عند اليهود” بر، فالمسيح أولى أن يتممه، لا لحاجته له، فهو القدوس الذي بلا خطية، بل لكيلا يكون لأحد مزية عليه حتى وإن كان المسيح تخطاها بما لا يقارن.

 

لوقا 6: 12 – لوقا 9: 18 – لوقا 22: 41، 45 – متى 14: 22-23 – متى 26: 39 – المسيح يصلي

 

Luk 6:12 وفي تلك الأيام خرج إلى الجبل ليصلي. وقضى الليل كله في الصلاة لله.

Luk 9:18 وفيما هو يصلي على انفراد كان التلاميذ معه. فسألهم: «من تقول الجموع إني أنا؟»

Luk 22:41 وانفصل عنهم نحو رمية حجر وجثا على ركبتيه وصلى

Luk 22:45 ثم قام من الصلاة وجاء إلى تلاميذه فوجدهم نياما من الحزن.

Mat 14:22 وللوقت ألزم يسوع تلاميذه أن يدخلوا السفينة ويسبقوه إلى العبر حتى يصرف الجموع.

Mat 14:23 وبعدما صرف الجموع صعد إلى الجبل منفردا ليصلي. ولما صار المساء كان هناك وحده.

Mat 26:39 ثم تقدم قليلا وخر على وجهه وكان يصلي قائلا: «يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت».

يقتبس محمود هذه النصوص ليؤكد أن المسيح ليس بإله، وكيف يكون إلهًا وهو يصلي؟ أيصلي لنفسه إذًا؟ بالتأكيد أنه يصلي لآخر، إنه يصلي للآب الإله الحقيقي، وليس هذا فقط بل أنه يسجد للآب. ثم يرد محمود داود على رد بعض المسيحيين أن المسيح إنما صلى لكي يعلمنا أن نصلي وليس لأنه يحتاج إلى الصلاة، فيرد محمود ويقول لهم ان كلامهم خاطئ لأن المسيح كان يصلي وحده، فكيف كان يريد أن يعلمكم الصلاة وهو كان يصلي وحده؟ اما كان واجبًا عليه أن يجمع الناس ليعلمهم الصلاة؟

بالطبع، هذا الكلام مثير للشفقة والسخرية والضحك، لكن لأجل الرد سنخصص كلامنا فقط للرد. في البداية، الخطأ هنا هو نفس الخطأ العام، وهو نسيان أن المسيح إنسان أيضًا، فكما قلت سابقًا، أننا ندافع عن لاهوت المسيح كما ندافع عن ناسوته، ولا نغفل أثناء دفاعنا عن اللاهوت، الجانب الناسوتي في المسيح، والعكس صحيح، لا نغفل أثناء دفاعنا عن الناسوت، الجانب اللاهوتي فيه. فكليهما نؤمن به وباتحادهما. فالمسيح لأنه أخذ جسد إنسان وصار مثلنا تحت الآلام، كان يجوع ويعطش ويتعب ويبكي ويحزن ويصلي ..إلخ، فهذه كلها صفاته البشرية والتي لا تتعارض مع كونه هو الله المتجسد، هي تتعارض لو كنا نقول أن المسيح هو لاهوت فقط بغير ناسوت، فهنا تكون المشكلة، لكنا لا نقول بهذا، بل أن للمسيح لاهوت وناسوت متحدين إتحاد حقيقي كامل. فكل هذه الصفات والأفعال البشرية هي صفاته كإنسان ولا تنقض صفاته الأخرى كإله فقد شابهنا في كل شيء إلا الخطية. هذا عن التأصيل اللاهوتي.

أما عن الرد على كلامه بشكل منطقي فنقول: ألم يلحظ محمود داود أنه يقرأ هذه النصوص اليوم؟! بمعنى: ألم يلحظ أنه يقرأ بنفسه أن المسيح انفرد عن الرسل وصلى وفعل كذا وكذا؟! فإن كان منفردًا فكيف يقرأ محمود هذا الكلام اليوم؟ إن المسيح فعلاً صلى لكي يعلمنا جميعًا، وليس ليعلم تلاميذه فقط، فمحمود داود متأثر بخلفيته الدينية فيفترض أن المسيح كان يسلمنا طريقة معينة وكلام معين وحركات معينة في الصلاة من طبقة صحابته إلى التابعين (الآباء الرسولين)، وهذا لا علاقة له بعقيدتنا أبدًا، فالروح القدس الذي أوحى بهذا الكلام جعل الرسل يكتبون هذا كله ونحن نتعلم الصلاة إلى اليوم.

مرقس 13: 32 – علم الساعة

ذات المشكلة السابقة تتكرر الآن، وهذه مشكلة عامة في غير المسيحيين وبخاصة ممن مثل محمود، فعندما تكلمهم عن الناسوت يحاولون نقض كلامك بالكلام عن اللاهوت، وعندما تكلمهم عن اللاهوت تجدهم يحاولون نقض كلامك بالكلام عن الناسوت. فمثلا، إن قلنا لهم أن المسيح يغفر الخطايا وموجود بلاهوته في كل مكان، تجدهم يردون عليك ويقولون: كيف تقولون عنه أنه هو الله، فهل الله يأكل ويجوع ويعطش ويحزن ..إلخ؟! وعندما تكلمهم عن الصفات البشرية للمسيح، فتجدهم يكلموك عن أنه بهذا ليس هو الله، فأكله يثبت أنه ليس الإله ..إلخ. وهذا النص يدور في فلك نفس هذا الأسلوب من الفِهم، فالرب يسوع المسيح بكونه هو الإله (اللاهوت) يعرف متى تكون الساعة، لأنه هو الديان نفسه، لكنه هنا يتكلم وفقا لطبيعته الناسوتية. فكيف لا يعرف المسيح الساعة وهو المذخر فيه كل كنوز الحكمة والعلم (كولوسي 2: 3)؟ ألم يقل المسيح أن كل ما للآب هو له (يوحنا 17: 10)، فإن كان للآب معرفة الساعة، فللابن أيضًا معرفة الساعة كلاهوت. ولا أريد الإطالة هنا أكثر من ذلك، فهذا النص تم إيضاحه كثيرًا جدًا من النصوص الأخرى ومن أقوال الآباء.

لكن الغريب ليس هو استخدام هذا النص، بل أن محمود افترض الرد الذي قلناه أعلاه ورد عليه مسبقًا، أو هكذا كان ينوي وحاول. فقال أن النص لا يمكن تفسيره أن المسيح كان يتكلم هنا بالنسبة إلى ناسوته، لماذا؟ لأن النص يذكر لفظ “الإبن” وهو اللفظ المستخدم في متى 28: 20 في صيغة التعميد [فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس]، إذن فمعنى هذا اللفظ هو “اللاهوت” فلا يمكن قبول هذا التفسير. وللرد على هذا الكلام نقول:

أولا: إن كنت تؤمن فعلًا بأن لفظ الإبن يعني اللاهوت، فما أكثر النصوص التي دعى فيها المسيح نفسه “الإبن” بل ودعاه بها الآب نفسه، والرسل أنفسهم، فإن كنت تقبل بمفهومهم هذا، فقد أثبت أن المسيح هو لاهوت أي أنه هو الله، وتكون بهذا قد رددت على نفسك بنفسك دون أن تدري وتكون قد هدمت كل ما قلته سابقًا. أما إن كنت لا تظن ان لفظ “الإبن” يعني اللاهوت والألوهية، فقد رددت على نفسك في هذا النص وأثبت لنفسك أن نقدك لهذا الرد الذي يقول أن المسيح هنا كان يتكلم وفقًا لناسوته وليس لاهوته، هو نقد غير صحيح لأنك نقضت ردك بنفسك أن اللفظ “الإبن” لا يعني اللاهوت.

ثانيًا: من المعروف لكل قاريء مدقق أن المسيح يتعمد إثبات وحدانية اللاهوت والناسوت عبر إستخدام هذا الأسلوب، فلقب “إبن الله” الذي يبدو للوهلة الأولى يدل على اللاهوت، ولقب “إبن الإنسان” الذي يبدو للوهلة الأولى يدل على الناسوت، يستخدمهما المسيح بشكل متعاكس. فيستخدم لقب “الإبن” أو “إبن الله” مع الأمور البشرية في طبيعته بينما يستخدم ولقب “إبن الإنسان” مع الأمور اللاهوتية في طبيعته. ولإيضاح هذا بالنصوص نورد التالي:

لقب “إبن الله”

Heb 6:6 وسقطوا، لا يمكن تجديدهم أيضا للتوبة، إذ هم يصلبون لأنفسهم ابن الله ثانية ويشهرونه.

لقب “إبن الانسان”

Mat 12:8  فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضا».

Mat 13:41  يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم

Mat 16:27  فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله.

Mat 24:30  وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء. وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض ويبصرون ابن الإنسان آتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير.

Mat 25:31 «ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده.

Mar 8:38 لأن من استحى بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ فإن ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين».

Joh 3:13 وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان.

Joh 6:62 فإن رأيتم ابن الإنسان صاعدا إلى حيث كان أولا!

فكما رأينا، فإن اللقبان يُستخدمان بغير الدلالة التي قد يراها البعض للوهلة الأولى. ليس هذا فحسب، بل أنه لاهوتيًا، لا يوجد فصل بين طبيعتي المسيح، فطالما المسيح هو اتحاد بينهما فيمكن أن يتكلم وفقًا لأي منهما دون انفصال.

Joh 20:17 قال لها يسوع: «لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم».

نفس الفكرة ونفس المبدأ وبالتالي سيكون نفس الرد. يظن محمود داود أن قول المسيح “إلهي” يعني أن المسيح مجرد عبد له إله مثلنا مثله إلا أن هذا مفهوم خاطئ، فكما أوضحنا أنه بسبب أن المسيح قد تجسد وأخذ جسد مثلنا تماما فصار إنسانا مثلنا تمامًا ما عدا الخطية فقط. وباتخاذه هذا الجسد صار له وعليه كل ما للجسد، فهو يصلي ويجوع ويعطش ويتعب ويحزن ويبكي وله إله بحسب الجسد.

فالمسيح ليس له جسد خيالي كما يؤمن الخياليون أو الغنوصيون، بل جسد حقيقي مثلنا تمامًا، فنحن نقول إنه أخذ ما لنا، أي جسدنا وضعفنا. لكن الملاحظ هنا في هذا النص، والذي نكرره كثيرا، أن المسيح لم يقل “أبينا” أو “إلهنا” مفرقًا بهذا بين طبيعة بنوته لله وطبيعة بنوتنا له، فالمسيح إبن للآب من حيث الجوهر والطبيعة، إبن وحيد الجنس لأبيه الآب، أما نحن فأبناء بنعمة التبني التي لا نستحقها.

وهكذا في مسألة ألوهية الآب له، فألوهية الآب للمسيح هي ألوهية وقتية غرضية، بحيث أن المسيح قد اتخذ جسدا وصار تحت الآلام مثلنا تمامًا لكن طبيعته الأولى هي طبيعة اللاهوت التي هي نفسها للآب، إنما طبيعتنا نحن هي طبيعة بشرية أصيلة، فنحن لا طبيعة أخرى سابقة لنا على طبيعتنا هذه الضعيفة، ومن هنا كان تفريق المسيح في المفهوم بين “أبي وإلهي”.

من الأخطاء التي وقع فيها محمود داود أيضًا، وهو خطأ يقع فيه كثير من المسيحيين أيضًا، لذا نعذره عليه، فمن يسقط في أبجديات المعرفة المسيحية لا نتوقع منه ألا يسقط في هذه، ولا سيما وأن ثقافته المسيحية قد أخذها من مصادر لا تعرف أي شيء عن المسيحية. هذا الخطأ يتمثل في أنه يقول أن المسيح لن يتصرف ولن يتكلم كإنسان بعد إنتهاء رسالته على الأرض ألا وهي الصليب، بحسب رأيه هو. فهو يعتقد أن كل الأحداث التي تلت مرحلة الصلب هي أحداث فعلها المسيح بلاهوته فقط وليس ناسوته، وهذا مفهوم خاطيء.

فالمسيح سيظل سيتعامل بطبيعته المتحدة حتى بعد صعودة، ألم يلحظ محمود أن المسيح بعدما قام من الموت، قام بجسده أيضًا؟ فقال لتلاميذه أن يجسوه ويلمسوه وأن يضع توما إصبعه في مكان الجراحات، وطلب منهم أن يعطوه ليأكل، ومكث معهم أيامًا كثيرة، قبل أن يصعد عنهم بجسده أيضًا، فهو للآن في السماء بجسده الممجد، إلى أن يأتي يوم القيامة ويشفع لنا بشفاعته الكفارية قدام الآب:

Heb 7:25 فمن ثم يقدر أن يخلص أيضا إلى التمام الذين يتقدمون به إلى الله، إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم.

Heb 9:24 لأن المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقية، بل إلى السماء عينها، ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا.

1Jn 2:1 يا أولادي، أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب، يسوع المسيح البار.

فهذا النص الذي استخدمه محمود داود، والنصان التاليين بهما نفس الخطأ اللاهوتي، والذي هو نتيجة عدم فهم اللاهوت المسيحي على الإطلاق منه:

Rev 3:12 من يغلب فسأجعله عمودا في هيكل إلهي، ولا يعود يخرج إلى خارج، وأكتب عليه اسم إلهي، واسم مدينة إلهي أورشليم الجديدة النازلة من السماء من عند إلهي، واسمي الجديد.

1Co 15:24-28 وبعد ذلك النهاية متى سلم الملك لله الآب متى أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة. 25 لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه. 26 آخر عدو يبطل هو الموت. 27 لأنه أخضع كل شيء تحت قدميه. ولكن حينما يقول «إن كل شيء قد أخضع» فواضح أنه غير الذي أخضع له الكل. 28 ومتى أخضع له الكل فحينئذ الابن نفسه أيضا سيخضع للذي أخضع له الكل كي يكون الله الكل في الكل.

فيحتج محمود من النص الأول بكلمة “إلهي” ويقول، ها المسيح الآن بلا ناسوت ومع ذلك يظل الآب إلهه، وهذا لأن محمود لا يتذكر أن المسيح إنما صعد بناسوته أيضًا إلى السماء وسيعطي به كفارة لأجل خطايانا. أما النص الأخير هنا، فيحتج محمود به على اعتبار أن المسيح نفسه سيخضع للآب، حتى في يوم القيامة، وهذا صحيح إذ أن المسيح مازال متحد لاهوته بناسوته ولم ينفصلا، فقد أخذ المسيح ناسوته خصيصًا لكي يموت به عنا ويفدينا ويقدمه للآب ذبيحة أبدية أمامه عن جميعنا، وهو بهذا الناسوت في يوم القيامة سيخضع للآب، ولكي نشرح لمحمود ما لن يفهمه إلا بالنصوص نعطي له نصوص حرفية تقول أن المسيح هو الذي يدين في هذا اليوم:

Mat 25:31 «ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده. 32 ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء 33 فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار. 34 ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم.

Mat 16:27 فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله.

2Co 5:10 لأنه لا بد أننا جميعا نظهر أمام كرسي المسيح، لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع، خيرا كان أم شرا.

إلى ههنا أعاننا الرب ويُعين…

[1] العبارات بالعامية المصرية، وما بين الأقواس () من كاتب الرد.

[2] يوحنا 8: 58

 

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه بالمسيح

ناسوت ولاهوت يسوع المسيح

ناسوت ولاهوت يسوع المسيح

ناسوت ولاهوت يسوع المسيح

ناسوت ولاهوت يسوع المسيح

ان الايمان المسيحي يحمل في نفسه دائما الدليل والبرهان لصحته، وهذا  الايمان يعلنه الروح القدس للنفس البشرية . ليس لانه ضد العقل بل لانه اسمى من العقل.وصلتنا  رسالة من صديق يسأل فيها  عن لاهوت المسيح وتجسده كابن الانسان ، ووجدنا انه من المهم  أن كتب ما قيل في هذا الصدد تعميما للفائدة

وصلتنا  رسالة   من صديق يسأل فيها  عن لاهوت المسيح وتجسده كابن الانسان ، ووجدنا انه من المهم  أن كتب ما قيل في هذا الصدد تعميما للفائدة. أود الاشارة الى ان الايمان المسيحي يحمل في نفسه دائما الدليل والبرهان لصحته، وهذا  الايمان يعلنه الروح القدس للنفس البشرية . ليس لانه ضد العقل بل لانه اسمى من العقل. مثلاً هب انك ذهبت بالزمن للخلف مائتي عام واخبرت احد الناس الذين يعيشون في تلك الحقبة من الزمن انه يمكنك الحديث والكلام مباشرة بالصوت والصورة مع شخص يبعد عنك الاف الكيلومترات فهل يصدقونك؟ كلا بل غرابة ان كانوا يتهمونك وانه صابك مس من الجنون. لماذا ؟ لانك تتحدث من عالم آخر عالم لا يفهمونه! هكذا نحن الان نتحدث عن عالم اللاهوت وهو عالم مختلف تماما عن عالمنا فليس هناك أي تشابه بين الأثنين . لذلك لابد ان تفرق بين شيئين هامين هما :

اولا الحقائق اللاهوتية اسمى من العقل :

اي ان العقل لا يستطيع ان يحكم اذا كان هذا صحيحا ام لا لأنه لم يدركه الى الان. اي ان هناك حقيقة جوهرية لم يستيطع العقل ان يصل الى تحليلها تحليل جيد. فهل تعلم مثلا ان رغم كل الاختراعات البشرية لكن تقريبا لا يفهم الانسان تسعون بالمائة من كل الاشياء التي من حوله حتى التي في جسده نفسه ؟  فانت لا تفهم كيف تعمل الجاذبية ولكنك مؤمن بها . ولا تفهم كيف تم اختراع التليفزيون ولكنك تستعمله .

ثانيا أمور الله لا يمكن قياسها بالمنطق البشري: 

لقد خلق الله ادم من التراب وايضا تفل المسيح في الطين وبه فتح عيني الاعمى. شق البحر امام شعبه وعبر بهم الامر الذي لم شرع فيه المصريون غرقوا. اجتاز مع الفتيه الثلاثة في اتون النار وامر بطرس ان يمشي فوق الماء واشبع الالاف بخمس خبزات وسمكتين.  انها قدرة الله وقوته التي لا يمكن وضعها تحت الميكرسكوب البشري لان امور الله تختلف عن معايير البشر. ورغم أن بعض امور الله قد تظهر لنا وكانها غير منطقية لكن طبقاً للمعايير الالهية فهي منطقية جداً!

اين الان روح ونفس الرب يسوع التي لازمته اثناء تجسده ؟

ان لاهوت المسيح لم ينفصل عن ناسوته سواء قبل موته على الصليب او بعد قيامته من الاموات . لانه لو كان هناك اي نوع من الانفصال . فان امر (التجسد ) لا يكون صحيحا . بل فقط يكون هناك نوع من انواع (الحلول) . اي ان كل ما حدث هو (حلول اقنوم الابن في جسم بشري وعند انتهاء المهمة رجع الاقنوم الالهي لوضعه وكذلك الجسم الانساني) . وهذا التعريف بجانب انه خاطئ الا انه ايضا خطير. لسبب بسيط . الم يحل الروح القدس على انبياء في العهد القديم ؟ بالتاكيد نعم .

الم يحل الروح القدس على الكنيسة في العهد الجديد ؟ بالتاكيد نعم . اذا لو آمنا ان ما حدث للمسيح كان مجرد حلول لكان لزاما علينا ان نؤمن ان كل شخص حل عليه اقنوم الروح القدس يكون الها هو الاخر! لكن الذي حدث للمسيح هو (تجسد) اي اتحاد تام وكامل بين لاهوت المسيح وناسوته بدرجة انك لا تفرق بينهما . مثل اتحاد النار بالحديد لدرجة انك ترى الحديد مشتعل ولكنك تبحث عن النار لا تعرف اين هو موضعها من الحديد. بل النار اتحدت بكل خلية في الحديد . هكذا التجسد. فمن الطبيعي ان لا يحدث اي انفصال للاثنين حتى بعد القيامة .

هل يعني ذلك أنه تم تأليه ناسوت المسيح  لانه موجود الان في السماء؟

بالتاكيد هذا كلام خاطئ. دعني اعطك تشبيهاً، هب انك حاضرا في جلسة لاحد الرؤساء وتتقدم لتحيته . فهل انت تعطي التحية لبدلة الرئيس ام للرئيس نفسه؟ هل تعطي التحية لجسم الرئيس ام لروحة أم لنفسه؟ إن كان الانسان لا يتجزأ هكذا الله! إن الناسوت الذي اتخذه المسيح كان موجودا في ترتيب الله ومشيئته منذ الازل وأن خطة الفداء والتكفير عن أثام الانسان وسقطته هي خطة الهية بترتيب ازلي! هذا ما تعلنه كلمة الله بكل وضوح:

اولا يخبرنا الكتاب المقدس عن المسيح الاتي :كولوسي-1-15: الذي هو صورة الله غير المنظور، بكر (رئيس) كل خليقة. فالكتاب المقدس يخبرنا ان المسيح هو (صورة الله) بمعنى انه هو الذي يعلن عن جوهر الله الذي لا يراه احد حتى الملائكة . اي ان الله عندما يرغب في اظهار نفسه لاحد من مخلوقاته يظهر في صورة (المسيح) لذلك تحدث الكتاب المقدس صراحة عن ذلك وقال : يوحنا-1-18: الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر.(اعلن) والكثير من الايات التي تتحدث عن ان الله يعلن نفسه في هذه الصورة .

ثانيا  وجود المسيح ازلي فهو موجود قبل ولادته واشار اليه الكتاب المقدس مرات عديدة كما تحدث هو بنفسه عن ازلية وجوده: تكوين-1-26: وقال الله: ((نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض)). تكوين-1-27: فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرا وأنثى خلقهم. مرتين يتحدث الله على انه خلق الانسان على صورته . اي ان هناك صورة لله خلق عليها الانسان.

وهذه الاشارات يقصد بها المسيح الذي هو صورة الله ورسم جوهره. ومن الشواهد السابقة نعرف ان صورة الله هو  (المسيح) . لذلك كثيرا ما نجد المسيح في الاناجيل يتحدث عن ازليته. يوحنا-8-58: قال لهم يسوع: ((الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن)).كما يصرح المسيح بكل وضوح قائلاً:يوحنا-17-5: وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ.هذا وتمتلئ صفحات العهد القديم والجديدة عن النبوات التي تحدثت عن ازلية المسيح وعن الوهيته .

ان المسيح بتجسده لم يضيف شيئا جديدا للاهوته، لان لاهوته كما شرحنا قائم هكذا منذ الازل وهو صورة الله التي أعلن نفسه بها وظهر بها للملائكة او سائر الخليقة أو البشر. بل وعندما خلق البشر خلقهم على نفس هذه الصورة وعندما يريد الله في اي وقت من الزمان ان يعلن نفسه للبشر من خلال الرب يسوع.  وتتعدد ظهورات الرب يسوع في العهد القديم للانبياء مرات عديدة ومتكررة بشكل واضح لا لبس فيه.

وفي الابدية حينما يرغب الله ان يعلن نفسه لنا سوف يظهر لنا في صورة ابنه المسيح. ولكن سيظهر في مجده وليس بتواضعه كما ظهر اثناء التجسد . اي بجسد قيامته وليس قبل القيامة. عندما طبعت احدى صور ابنتي رأيتها جميله جدا لذلك طبعت منها الكثير . هكذا فعل معنا الله . انت على صورة الله اي انك نسخة من المسيح . فهل تعلم كم يحبك لدرجة انه صنعك على شكل نفسه ؟ الصورة التي يحبها صور منها الكثير وانت احد هذه الصور فهل تعلم كم انت محبوب لديه؟

نلخص القول: ان روح ونفس المسيح الان في السماء.  لم يحدث اي اضافة او نقص في ذات المسيح بعد صعوده من الارض . فصورة المسيح هي تلك الصورة التي يعلن الله بها عن نفسه باستمرار سواء قبل الخلق البشري او بعده. يتصور البعض ان روح ونفس المسيح انسانية بشرية وقولنا ان المسيح في السماء الان بهما (بصفته روح ونفس بشرية) يعني أننا نشرك بالله لاننا جعلنا من البشر الهاً. وان قلنا انه لا وجود لهما الان تنتهي قصة الصليب والقيامة والتجسد .

مع أن هذا التسلسل يظهر وكانه منطقي لكنه في حقيقة الامر غير منطقي لانه يتحدث عن (حلول) وليس تجسد . وقد وضحنا الفرق بين الاثنين. ايضا يتحدث من منطلق (تأليه البشر) وهذا مرفوض لدينا . فالمسيح تجسد في صورة معروفة لدى الله منذ الازل وكان يعلن نفسه بها للملائكة قبل خلق البشر ثم خلق البشر على نفس الشكل وظهر لهم في العهد القديم بنفس الشكل وتجسد في نفس الشكل واخيرا عندما نذهب الى السماء سوف نرى الله من خلال المسيح (صورة الله – اعلان الله ) ولكن في مجده وليس في تواضعه .

اترك معك قول الوحي في رسالة فيلبي اصحاح 6:2-11الذي اذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة ان يكون معادلا لله لكنه اخلى نفسه اخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس.  واذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه واطاع حتى الموت موت الصليب.  لذلك رفعه الله ايضا واعطاه اسما فوق كل اسم لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الارض ومن تحت الارض ويعترف كل لسان ان يسوع المسيح هو رب لمجد الله الاب.

ونبوة اشعياء النبي عن المسيح قائلاً: (اشعياء 6:9) “لانه يولد لنا ولد ونعطى ابنا وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيبا مشيرا الها قديرا ابا ابديا رئيس السلام. “

اعداد خادم الرب/ اميل منصور

Exit mobile version