مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – نوفمبر 2023م

 

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفهرست

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري.. 1

العلامة كليمندس الإسكندري.. 1

الآب هو علة الابن.. 1

العلامة أوريجينوس الإسكندري.. 5

الابن يأخذ من الآب ما هو عليه. 5

الآب هو بداية الابن.. 6

الابن يأخذ كيانه من الآب بلا بداية أو زمان. 7

الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس… 8

الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث.. 9

ق. ديونيسيوس الإسكندري.. 11

الابن والروح القدس متحدان في الآب الرأس… 11

إكرام الابن للآب كرأس له. 12

الآب هو مصدر الابن.. 13

الآب هو نبع الابن.. 14

العلامة ديديموس الضرير. 16

خروج الابن والروح القدس من الآب.. 16

ق. أثناسيوس الرسولي.. 17

الآب هو أصل الابن ووالده. 17

الله الآب هو الينبوع الأزلي لحكمته الذاتية. 18

الآب هو البدء والينبوع.. 18

ق. كيرلس الإسكندري.. 20

الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث.. 20

الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية. 21

الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية. 21

الآب هو أصل الكلمة الخالق.. 22

الآب هو الجذر والينبوع للابن.. 23

الآب هو البداية الأزلية للكلمة. 23

الآب هو بداية الابن.. 24

الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعي منه. 24

الخلاصة. 27

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري

سوف نستعرض في هذا البحث الموجز الإشارات إلى مونارخية الآب في تعليم وكتابات آباء كنيسة الإسكندرية في حقبة ما قبل نيقية وحقبة نيقية وما بعد نيقية، وذلك من أجل الوقوف على أفضل تصور حول مفهوم المونارخية في الثالوث، وهل كان يؤمن آباء الإسكندرية بمونارخية الآب أم بمونارخية الثالوث، كما يدَّعي بعض الباحثين في العصر الحديث؟

العلامة كليمندس الإسكندري

الآب هو علة الابن

يشير العلامة كليمندس الإسكندريّ إلى العلاقة العلية والسببية بين الآب والابن، فلا يسبق الابن الآب كالتالي:

”وكل سبب يُدرَك كسبب بالعقل، ينشغل بشيءٍ ما، ويُدرِك صلته بشيءٍ ما. أي أن البعض يُؤثِّر، كما السيف في القطع. ولبعض الموضوعات، كتلك التي لها استعداد، كما النار في الخشب، لأنها لن تحرق الصُلب. والسبب يخص الأشياء التي لها علاقة بشيءٍ ما. لأنه يُدرَك بعلاقته بشيءٍ آخر، حتى أننا نستخدم أذهاننا في الاثنين، لكي نتصوّر السبب كسبب. نفس العلاقة نجدها في الخالق، والصانع، والآب. فالشيء ليس سببًا لذاته، ولا المرء أبًا لنفسه. لأن الأول سيصير الثاني. الآن، السبب يعمل ويُؤثِّر. فالمنتج بالسبب هو مفعول ومُتأثر. ولكن نفس الشيء عندما يُؤخَذ في حد ذاته لا يمكن أن يكون فعلاً ومُتأثرًا، ولا يمكن أن يكون ابنًا وأبًا. وإلا يسبق السبب ما قام به، كأن [يسبق] القطع السيف. ونفس الشيء لا يمكن أن يسبق في نفس اللحظة، كما للمادة كسبب، وفي نفس الوقت أيضًا، تكون بعد ولاحقة لأثر السبب. والآن تختلف الكينونة عن الصيرورة، كما السبب عن الأثر، والآب عن الابن. لأن نفس الشيء لا يمكن أن ’يكون‘ وأن ’يصير‘ في نفس اللحظة. وبالتالي، هو ليس سببًا لنفسه. فالأشياء ليست أسبابًا لبعضها البعض، ولكنها أسبابٌ لكلٌّ من الأخرى“.[1]

ويستطرد العلامة كليمندس الإسكندريّ في نفس السياق مؤكدًا على أن الآب هو العلة الأبعد وأبو الكون، وهو الأقدم والأكثر خيرية للجميع كالتالي:

”إذًا، هدفنا هو إثبات أن الغنوسيّ وحده قديس وتقي، ويعبد الإله الحقيقيّ بطريقةٍ جديرةٍ به. وأن هذه العبادة المقدَّمة لله، يتبعها حب [الله] وحب من الله [له]. […] يكثرث بالفلسفة الأكثر قدمًا، وبالنبوة الأولى. ومن بين الأفكار المعقولة، [يكترث] بما هو أقدم في أصله، وبالمبدأ الأول الذي بلا زمن أو نشأةٍ، [الذي] هو بادئ الوجود – الابن – الذي منه يتعيَّن أن نتعلَّم العلة الأبعد، أبُ الكون، الأقدم والأكثر خيرية للجميع، غير القابل للتعبير عنه بكلامٍ، ولكن يُبجَّل بالتبجيل والصمت، والعجب المقدَّس، ويُبجَّل بأقصى درجة. ويُعلَن عنه بواسطة الرب، بقدر ما يكون أولئك الذين تعلَّموا قادرين على الإدراك والفهم، مِن أولئك الذين أختارهم الربّ للمعرفة، ’الذين صارت لهم الحواس مُدرَّبةً‘، كما يقول الرسول“.[2]

يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ أن الآب هو العلة الأولى لجميع الأشياء التي تتمُّ بواسطة الابن قائلاً:

”وبشكلٍ عامٍ، كل الفوائد الخاصة بالحياة، في أقصى تعقل لها، تنبع من سلطان الله، الذي هو الآب للجميع، وتتمُّ بالابن، الذي هو أيضًا، بسبب كُونه ’مخلِّص جميع الناس ولا سيما المؤمنين‘، كما يقول الرسول (1تي 4: 10)، أقرب إلى العلة الأولى، أي إلى الربّ [الآب]“.[3]

ويشير العلامة كليمندس إلى أن الآب هو علة كل شيء جيد، وأنه ملك الكل، وأن الابن هو الثاني، وكل شيء به كان بحسب إرادة الآب، والروح القدس هو الثالث، وكل شيء به كان وفقًا لإرادة الآب قائلاً:

”حتى أنه عندما يقول: ’حول ملك الكل، كل شيء يوجد، وبسببه كل شيء. وهو علة كل الأشياء الجيدة. وحول الثاني الأشياء الثانية في الترتيب، وحو الثالث الثالثة‘. فإنني لا أفهم شيئًا آخر سوى أن المقصود هو الثالوث القدوس، لأن الثاني هو الابن الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب، والثالث الروح القدس، الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب“.[4]

العلامة أوريجينوس الإسكندري

الابن يأخذ من الآب ما هو عليه

يشير العلامة أوريجينوس في إشارة إلى مونارخية الآب، أن الابن الوحيد المولود من الآب، يأخذ منه ما هو عليه، دونما أي بدء زمنيًا كان أم تعليليًا كالتالي:

”لهذا، نعلم أن الله هو أبدًا أب لابنه الوحيد المولود منه، والآخذ عنه ما هو عليه، دونما أيّ بدء، زمنيًا كان أم تعليليًا، مما يقدر العقل وحده أن يتمثله في ذاته ويُمحِّصه في فهمه المجرَّد، إلى حدّ ما، وفي تفكيره“.[5]

ويؤكد العلامة أوريجينوس على المفهوم السابق في موضع آخر، حيث يشير إلى أن الابن يستمد من الآب كل ما هو عليه، إذ لم يكن هناك وقت لم يكن الابن في الآب، داحضًا بذلك المزاعم الآريوسية بأن هناك وقت كان فيه الآب بدون الابن كالتالي:

”وهو [الابن] – كما يقول الكتاب – بخار قوة الله الأولى وغير المولودة، يستمد منه كل ما هو عليه، إذ لم يكن حينٌ لم يكن فيه“.[6]

الآب هو بداية الابن

يوضح العلامة أوريجينوس أن الابن هو بخار قوة الله، وإنه كان هكذا على الدوام، ولم يكن للابن بدءًا آخر سوى الله الآب نفسه كالتالي:

”يُبيِّن هذا أن بخار قوة الله هذا كان دائمًا ولم يكن له بدء ما خلا الله نفسه. إذ لا يليق، في سائر الأحوال، أن يكون قد حظى بابتداءٍ آخر له سوى الله نفسه، الذي يستمد منه الكيان والولادة“.[7]

ويشير العلامة أوريجينوس في موضع آخر إلى أن الآب هو بداية الابن في الأزلية، وذلك في سياق تفسيره لآية (يو 1: 1) ”في البدء كان الكلمة…“ قائلاً:

”يمكن للمرء أن يفترض بالاستناد على نقطة أن الله نفسه هو بداية كافة الأشياء، أن الآب هو بداية الابن. وهكذا إن الفساد هو بداية أعمال السخط، فبكلمةٍ واحدةٍ، [الله] هو بمثابة البداية لكل ما هو موجودٌ. هذا الرأي مدعوم من قبلنا (في القول المقدَّس) ’في البدء كان الكلمة‘. ففي لفظة (الكلمة) يمكن للمرء أن يرى الابن، ولأن (الابن) كان في الآب، فمن هنا يمكن بالمثل أن يُقال أنه، أي الابن، كان أيضًا في البدء [الآب]“.[8]

ويؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو بداية الابن، والابن بدوره هو بداية كل الذين خُلِقوا بحسب صورة الله كالتالي:

”بالإضافة إلى هذه المعاني، فهناك ما نتحدَّث فيه عن البدء أو البداية بحسب الشكل [الهيئة]. ومن هنا (نقول) أنه لئن كان (المسيح) بكر كل مخلوق أو كائن يُمثِّل صورة الإله غير المنظور. هكذا فإن الآب يُعدّ كبدايته. وبنفس الطريقة، فإن المسيح هو مبدأ هؤلاء الذين خُلِقوا بحسب صورة الله. لأنه إذَا كان البشر (قد خُلِقوا) بحسب الصورة، أمَّا الصورة فهي بحسب الآب، ففي الحالة الأولى، فإن الآب هو مبدأ المسيح، وعلى الجانب الآخر، فإن المسيح هو بمثابة الأصل أو الابتداء بالنسبة للبشر، هؤلاء الذين خُلِقوا ليس بحسب ما هو عليه، بل بحسب الصورة“.[9]

الابن يأخذ كيانه من الآب بلا بداية أو زمان

يرى العلامة أوريجينوس أن كيان الالن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ وبلا بداية، بل من الله نفسه كالتالي:

”فالحكمة أزلية وضياء أزليته في آنٍ واحدٍ. إن نفهم جيدًا هذا يغدُ جليًا أن كيان الابن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ ودونما بدء، بل من الله ذاته“.[10]

الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس

يشير العلامة أوريجينوس إلى أن الآب هو الجودة في مبدئه، التي منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء، لذا يلائمه والحق يُقال أن الابن يُدعَى صورة جودته، إذ ليس في الابن جودة أخرى سوى الجودة التي عند الآب كالتالي:

فالآب هو، بلا مراء، الجودة في مبدئه؛ منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء. لذا يلائم والحق يُقال أن يُدعَى صورة جودته؛ إذ ليس في الابن من جودة أخرى غير الجودة التي عند الآب. […] وقد دُعِيَ بصوابٍ صورته، لأنه لا ينحدر من سوى هذه الجودة التي هي المبدأ، حتى لا تُرى في الابن جودةٌ غير تلك التي عند الآب، ولا جودة مغايرة أو مختلفة. […] بل يجب وضع الجودة في الآب في مبدئها، كما قُلنا أعلاه. فالابن المولود منه، أو الروح القدس الذي منه ينبثق، يستنسخان في ذاتهما بلا أدنى ريبٍ طبيعة هذه الجودة المكنونة في المصدر، الذي منه يُولد الابن وينبثق الروح القدس“.[11]

الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث

يؤكد العلامة أوريجينوس على أنه لا يوجد أقل أو أكثر في الثالوث، مادام هناك مصدر ألوهية وحيد هو الآب يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس كالتالي:

”وفي سائر الأحوال، ما من أكثر أو أقل في الثالوث، ما دام مصدر ألوهيةٍ وحيدٌ يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس، على حسب ما كُتِبَ في المزمور: بكلمة الرب صُنِعَت السماوات، وبروح فيه كل جنودها (مز 32: 6). أجل، إنها عملية رئيسية من قِبل الله الآب، علاوةً على تلك التي يمنح بموجبها الكائنات جميعًا أن توجد، على وفق طبيعة كل منها“.[12]

ويشير العلامة أوريجينوس أيضًا إلى أن الآب هو نبع الألوهة للابن والروح القدس قائلاً:

”والله دُعِيَ محبة، والمسيح لُقِّبَ بأنه ’ابن المحبة‘، وبالتالي، إذَا وجدنا ’روح المحبة‘، و ’ابن المحبة‘ و ’إله المحبة‘، فمن المؤكَّد أنه يجب أن نفهم أن الابن والروح القدس كليهما ينبعان من نبعٍ واحدٍ لألوهة الآب“.[13]

ق. ديونيسيوس الإسكندري

الابن والروح القدس متحدان في الآب الرأس

يشير ق. ديونيسيوس الإسكندري إلى مونارخية الآب أو وحدة الرأس في الآب، حيث يؤكد على أن الكلمة الإلهي مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومستقر فيه، وهكذا فإن الثالوث القدوس متجمع معًا ومتَّحِد في واحد، أي أنهم مُتَّحِدون في الرأس الذي هو الله الآب ضابط الكل كالتالي:

”لأنه لا محالة إن الكلمة الإلهيّ مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومُستقر فيه، وهكذا، فإن الثالوث القدوس مُتجمِع ومُتَّحِد في واحد، كما قيل، إنهم متحدون في هذا الرأس، الذي هو الله [الآب] ضابط الكل“.[14]

ويستطرد ق. ديونيسيوس مؤكدًا على مونارخية الآب في نفس الرسالة، حيث يرفض فصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاث ألوهيات، ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة في الثالوث، ويؤكد على تمايُّز الأقانيم الثلاثة في الثالوث القدوس، ضد السابيليين القائلين بأقنوم واحد في الثالوث القدوس. وهكذا ينسب ق. ديونيسيوس لقب ”ضابط الكل“ لله الآب أبو ربنا يسوع المسيح، ويُشدِّد على أننا ينبغي أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، وبيسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس. ويشير إلى أن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ”أنا والآب واحدٌ“ (يو 10: 30)، وكذلك ”أنا في الآب والآب فيَّ“ (يو 14: 10)، مُميِّزًا بين أقنوم الآب وأقنوم الابن. وفي النهاية، يُؤكِّد على ضرورة حفظ الثالوث الإلهيّ ووحدة المصدر أو المونارخية في الآب دون انتقاص كالتالي:

”فلا ينبغي إذًا أن نفصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاثة ألوهيات، ولا ينبغي أن كرامة الرب وعظمته الفائقة تُنتقص الوصف ’مصنوع‘، لكن لا بد أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، ويسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس، وبأن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30)، وكذلك ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وهكذا يكون من البيَّن أن الثالوث الإلهيّ، ووحدة المصدر، يكونان محفوظين دون انتقاص“.[15]

إكرام الابن للآب كرأس له

يشير ق. ديونيسيوس في إشارة واضحة إلى مونارخية الآب في الثالوث القدوس، حيث يؤكد على وحدة مشيئة الآب والابن في تدبير الآلام الخلاصية، وهكذا يُكرِّم الابن الآب كرأسٍ له قائلاً:

قطعًا ويقينًا إن إرادة الابن ليست شيئًا آخر غير إرادة الآب، لأنَّ مَن يريد ما يريده الآب تكون له نفس مشيئة الآب. هذا بشكلٍ هندسيّ، لذلك فعندما يقول: ’لا إرادتي بل إرادتك‘، فليس معناها أنه يرغب أن تنزاح عنه الكأس، بل إنه يشير إلى أن إرادة الآب هي في أن يتألم، وهكذا يُكرِّم الآب كرأسٍ άρχήν، لأنه إذَا لقَّب الآباء إرادة شخص بأنها مُجرَّد رأي [أو علامة رمزية أو شكلية]، وإنْ كانت مثل هذه الإرادة ترتبط بما هو خفيّ وله غاية كامنة، فكيف يقول البعض إن الربَّ الذي هو فوق كل هذه الأشياء له إرادة شكلية؟ إن هذا واردٌ فقط إذَا كان لدينا خلَّل في الفكر“.[16]

الآب هو مصدر الابن

يشير ق. ديونيسيوس إلى ولادة الابن من الآب غير المبتدئ، مؤكدًا على أن الابن كنسلٍ ليس بلا مصدر، لأن مصدره هو الله الآب نفسه غير المولود قائلاً:

”السؤال الأول: أيهما [أصح] هل الابن ولد نفسه أم وُلِدَ من الآب؟ الإجابة: الابن وُلِدَ من الآب، وليس هو الذي وَلَدَ نفسه. […] السؤال الثالث، أنت تقول: غير مبتدئ من غير مبتدئ [أي ليس له بدء]؟ الإجابة: [الابن] هو كنسلٍ ليس بلا مصدر، ولكن الآب غير مبتدئ، لأنه غير مولود“.[17]

الآب هو نبع الابن

يستخدم ق. ديونيسيوس مثل النبع والنهر لتشبيه الولادة الأزلية للابن من الآب، مشبهًا الآب بالنبع الحقيقيّ والابن هو النهر المتدفق من هذا النبع كالتالي:

”لأنه لا يمكن أن يُدعَى النبع نهرًا ولا النهر نبعًا، لكنهما يظلان حقيقتين، وأن هذا النبع هو الآب بالحقيقة، بينما النهر هو الماء المتدفِق من النبع. […] لقد قيل بعاليه أن الله هو علة كل الأشياء الصالحة، لكن الابن دُعِيَ النهر الذي يتدفق منه [أي من الله]، لأن الكلمة هي لفظة العقل، أو باللغة البشرية، هي منبعثة بواسطة الفم من العقل. لكن الفكر الذي يُنطَق باللسان هو متمايز عن الكلمة الموجودة في العقل. لأن هذه الأخيرة بعدما تلفظ الأولى، تبقى كما كانت عليه مِن قبل، لكن الفكر قد أُرسِلَ وانتشر في كل مكانٍ من حوله، وهكذا كل منهما يكون في الآخر، رغم أن الواحد ينبع من الآخر، وهم واحدٌ رغم أنهما اثنان. وبنفس الطريقة، نقول إن الآب والابن هما واحدٌ، وأحدهما يكون في الآخر“.[18]

ويستطرد ق. ديونيسيوس في نفس السياق مؤكدًا على أن العقل هو آب [أقنوم] الكلمة الموجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر، هكذا الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ كان له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه كالتالي:

”وبالمثل لأن العقل هو آب الكلمة، موجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر. وبنفس الطريقة، فإن الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه“.[19]

العلامة ديديموس الضرير

خروج الابن والروح القدس من الآب

يُوضِّح العلامة ديديموس أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج الابن أو المخلِّص نفسه من الله، ويشير إلى أن الروح القدس يُقال عنه أنه ’ينبثق من عند الآب‘ (يو 15: 26)، وذلك وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة، أي المصدرية. وبالرغم من أن المسيح قال إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه خاصية الانبثاق عند حديثه عن علاقته بالآب، لأن خاصية الانبثاق هي خاصة بالروح القدس فقط كالتالي:

”فعلينا أن ندرك أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج المخلِّص نفسه من الله، وهو ما شهد له [المخلِّص] بقوله: ’لأني خرجت من قِبَل الله وأتيت‘ (يو 8: 42) […] وهكذا فعلينا أن نؤمن بالإقرارات التالية التي استخدمت كلمات لا يُنطق بها وهي مُدرَكة بالإيمان وحده عن أن المخلِّص ’خرج من عند الآب‘ (يو 8: 42)، و ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26)، والآب نفسه الذي قال: ’الروح الذي يخرج مني‘ (إش 57: 16 سبعينية). وبالحقيقة قد قيل حسنًا بالنص: ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26). وكان من الممكن أن يقول: ’من الله‘، أو ’من الربّ‘، أو ’من ضابط الكل‘، ولكنه لم يستعمل أيًا من هذه. بل عوضًا قال: ’من الآب‘، وهذا مردَّه لا لأن الآب مختلف عن الله ضابط الكل – فإن مجرَّد التفكير في هذا يُعدّ جرمًا – بل بالحري أن روح الحق يُقال عنه ’ينبثق من الآب‘ (يو 15: 26)، وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة. وبالرغم من أن المسيح قال في مواقفٍ عديدةٍ إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه المزيَّة [أي الخاصية الأقنومية] التي ناقشناها لتونا [أي الانبثاق]، عند حديثه عن علاقته بالآب، بل عندما يتحدَّث عنها يقول: ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وفي موضع آخر: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30). والقارئ الحصيف سيجد في الإنجيل فقرات أخرى عديدة مُشابهة لهذه“.[20]

ق. أثناسيوس الرسولي

الآب هو أصل الابن ووالده

يشير ق. أثناسيوس إلى أن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخ، ولا يوجد أصل سابق عليهما في الوجود كالتالي:

”فالآب والابن لم يُولَدا من أصل سابق عليهما في الوجود، حتى يمكن اعتبارهما أخوين، ولكن الآب هو أصل الابن وهو والده. والآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخٍ“.[21]

الله الآب هو الينبوع الأزلي لحكمته الذاتية

يرى ق. أثناسيوس أن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، أي أقنوم الكلمة أو الابن، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة تكون الحكمة أزليةً أيضًا كالتالي:

”أمَّا الحقيقة فتشهد بأن الله هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة يجب أن تكون الحكمة أزليةً أيضًا، لأنه من خلال هذه الحكمة خُلِقَت كل الأشياء“.[22]

الآب هو البدء والينبوع

يصف ق. أثناسيوس الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس، مُميِّزًا بينه وبين أقنومي الكلمة والروح القدس كالتالي:

”وهكذا يُكرَز بإلهٍ واحدٍ في الكنيسة: ’الذي على الكل وبالكل وفي الكل‘ (أف 4: 6). ’على الكل‘ أي كأب وكبدءٍ وكينبوع، و ’بالكل‘ أي بالكلمة، و ’في الكل‘ أي في الروح القدس. هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام، بل بالحق والوجود الفعليّ“.[23]

ويصف ق. أثناسيوس أقنوم الآب أيضًا بأنه ينبوع ونور وأب، ولا يمكن أن يكون الينبوع جافًا بدون ماء، ولا أب بدون ابن، ولا نور بدون شعاع كالتالي:

”إذَا كان الله ينبوعًا ونورًا وأبًا، فليس من الجائز القول بأن الينبوع جافٌ، أو أن النور بلا شعاع، أو أن الله بلا كلمة، لئلا يكون الله غير حكيم، وغير عاقل، وبلا شعاع. وإذًا، فحيث إن الآب أزليّ، فبالضرورة يكون الابن أيضًا أزليًا، لأن كل ما هو للآب فهو بلا شك للابن أيضًا“.[24]

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

ق. كيرلس الإسكندري

الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندريّ عن أن الآب هو المصدر أو الينبوع في الثالوث، وأن أقنوم الكلمة فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده قائلاً:

”أمَّا بالنسبة للابن فالبدء ليس بدءًا زمنيًا ولا جغرافيًا، فهو أزليّ وأقدم من كل الدهور، ولم يُولد من الآب في الزمان، لأنه كان مع الآب، مثل الماء في الينبوع، أو كما قال هو ’خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم‘ (يو 16: 28). فإذَا اعتبرنا الآب المصدر أو الينبوع، فإن الكلمة كان فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده. […] هل من اعتراض على أن الابن في الآب مثل الماء في الينبوع، أو أن الآب هو الينبوع؟ إنَّ كلمة ’ينبوع‘ تعني هنا المعية. لأن الابن في الآب وهو من الآب، ليس كمَّن يأتي من الخارج في الزمن، بل هو من ذات جوهر الآب“.[25]

الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية

يشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الآب هو بدء الابن، والبدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية قائلاً:

”ولذلك وصف القديسون الله الآب أنه هو ’بدء‘ الابن، وكانوا يقصدون من ذلك أنه مع الآب. […] وحقًا سوف يأتي مع الآب لأنه في الآب، وهو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية، وهي التي تجعل الآب هو البدء بالنسبة للابن من ناحية المعية لأن الابن من الآب“.[26]

الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية

ويوضح ق. كيرلس الإسكندري أن الآب هو البدء άρχή بمعنى القوة والسيادة على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة المدعوة للوجود بإرداة اللاهوت كالتالي:

”والإنجيليّ المبارك – على ما يبدو لي – يُسمِّي الآب البدء άρχή أي القوة والسيادة التي على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة التي هي كائنة ومدعوة للوجود بسبب إرادة اللاهوت. في هذا البدء άρχή الذي هو فوق الكل وعلى الكل ’كان الكلمة‘، ليس مع الطبائع المخلوقة التي تحت قدمي البدء، وإنما عاليًا عنها جميعًا، لأنه ’في البدء‘ أي من ذات الطبيعة والكائن دائمًا مع الآب، وله طبيعة الذي ولده كمكانٍ أزليّ قبل الكل. لذلك هو مولودٌ حرٌ من الآب الحر، ومنه ومعه له السيادة άρχή على الكلّ“.[27]

ويشير ق. كيرلس أيضًا إلى أن الآب هو البدء للابن، موضحًا مفهوم ’في البدء‘ أن البدء ليس أي شيء آخر سوى الآب ذاته قائلاً:

”يبدو الإنجيليّ الطوباويّ، وكأنه يُفسِّر لنا بوضوحٍ تامٍ مفهوم ’البدء‘، فيقول ليس البدء شيئًا آخر إلا الآب ذاته، الذي منه أشرق الكلمة المحيي، مثل النور من الشمس، والذي يُدرَك على أنه شيء آخر غير الشمس، لكنه ليس خارجًا عن جوهر ذاك الذي بعثه. فبدء الابن إذن هو الآب“.[28]

الآب هو أصل الكلمة الخالق

يقول ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس الرسوليّ، أن الآب هو أصل الكلمة الخالق، وأنه كائن طبيعيًا في الابن كالتالي:

”لأن الابن هو قوة أقنوم الآب الخاصة به وبجوهره. وأيضًا عندما يعمل الابن، يعمل الآب أيضًا، فالآب أصل الكلمة الخالق، وهو كائن طبيعيًا في الابن مثل النار في الحرارة الصادرة منها“.[29]

الآب هو الجذر والينبوع للابن

يؤكد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده، أي ابنه الوحيد، وهكذا كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي يصدر منه الابن كالتالي:

”لأن الآب يعمل بواسطة الابن. لأن كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي منه يصدر الابن، إذ أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده“.[30]

الآب هو البداية الأزلية للكلمة

يُفرِّق ق. كيرلس بين البداية الأزلية للكلمة في الآب خارج حدود الزمان والمكان، وبين البداية الزمنية للمخلوقات كالتالي:

”وحين حدَّد الكتاب أن الكلمة هو بداية المخلوقات، يقول: ’في البدء خلق‘، بينما عن كلمة الله ’في البدء كان الكلمة‘. بالنسبة للمخلوقات، البداية هي الزمن، بينما بالنسبة لكلمة الله، الكائن منذ الأزل، فإن البداية άρχή هي فقط أباه الأزليّ، الذي ليس له بداية، طالما أنه كائن معه أزليًا“.[31]

الآب هو بداية الابن

يفسر ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس[32] وق. باسيليوس الكبير، أن الآب أعظم من الابن، لأن الابن كمساوٍ للآب في الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، اتَّخذ الآب الذي بلا بداية كبدايةٍ له لأنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه كالتالي:

”إذًا، الابن مساوٍ للآب من جهة الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، لكنه يقول عن الآب إنه أعظم؛ لأنه أتَّخذ الآب الذي بلا بداية فقط بسبب أنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه“.[33]

الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعي منه

يرد ق. كيرلس على إدعاء الآريوسيين الهراطقة بأن الآب هو علة وجود الابن المخلوق، مؤكدًا على أن الآب هو علة وجود الابن كوالدٍ بحسب الطبيعة، وليس كخالق قائلاً:

”بأية طريقة، يا محاربي المسيح، تزعمون أن الآب صار علة وجود الابن؟ حسنًا. إذَا كُنتم تظنون أنه مخلوق، فإنه عندئذٍ يكون مخلوقًا وليس ابنًا، محاربين بوضوحٍ الآب الذي يقول للذي ولده: ’ولدتك من بطني قبل يوسيفوروس [كوكب الصبح]“ (مز 109: 3 سبعينية). أمَّا لو اعترفتم بأنه – حقًا – هو الابن وآمنتم بأنه هكذا يكون، عندئذٍ يتحتم عليكم ألا تقولوا إن الآب علة الابن كخالق، بل كوالدٍ بحسب الطبيعة. ولن يعيقكم عن ذلك شيءٌ؛ لأن الذي يأتي من آخر بحسب الطبيعة، يتحتم أن يكون من نفس جوهره، حتى لو كان ذاك هو علة وجوده“.[34]

ويستطرد ق. كيرلس في شرح كيف أن الآب هو علة وجود الابن، إلا أن الابن من نفس جوهر الآب، مولود منه أزليًا خارج حدود الزمان والمكان، وهو كائن معه أبديًا كالتالي:

”إنْ لم يكن الابن شبيهًا بالآب بحسب الجوهر، ولا مساويًا للآب في الجوهر، باعتبار أن الآب لا يأتي من علةٍ ما، بينما الآب هو علة الابن، فما الذي يمنع أن نقول أيضًا إن قايين لم يكن مساويًا لأبيه في الجوهر؟ لأن آدم لم يُولَد من أحد؛ لأنه كان الإنسان الأول، وفي ذات الوقت كان آدم هو علة قايين، إذ صار قايين منه. وبما أن هذا الافتراض كاذب (لأن قايين كان من نفس جوهر آدم)، فيكون الابن أيضًا – على أية حال – من نفس جوهر الآب، حتى لو كان الآب بالنسبة له علة وجوده، طالما أتى [وُلِدَ] منه أزليًا، وهو كائن معه أبديًا“.[35]

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاصة

نستخلص من هذا البحث تعليم الآباء الإسكندريين بدءًا من العلامة كليمندس الإسكندري وصولاً إلى ق. كيرلس الإسكندريّ بمونارخية الآب، وهكذا يتفق التعليم الإسكندريّ مع التعليم الكبادوكيّ بمونارخية الآب.

حيث يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ في سياق تعليمه عن مونارخية الآب أن الآب هو علة الابن. ويتبعه تلميذه العلامة أوريجينوس الإسكندريّ في نفس الأمر، حيث يرى أن الابن يأخذ من الآب ما هو عليه، وأن الآب هو بداية الابن، وهكذا يأخذ الابن كيانه من الآب بلا بداية أو زمان. كما يؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس، وأن الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث.

وهكذا يتبع العلامة أوريجينوس تلميذه ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، الذي يؤكد على اتحاد الابن والروح القدس في الآب الرأس، ويشير ق. ديونيسيوس إلى إكرام الابن للآب كرأسٍ له. ويرى أن الآب هو مصدر الابن، وأن الآب نبع الابن. ويشدد العلامة ديديموس الضرير، أحد تلاميذ العلامة أوريجينوس، على خروج أو صدور الابن والروح القدس من الآب.

ويتبع ق. أثناسيوس الرسوليّ التقليد الإسكندريّ السابق عليه، والذي يؤكد على مونارخية الآب. يقول ق. أثناسيوس بأن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ويصف الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس.

ويتبعه في ذلك ق. كيرلس الإسكندريّ الذي يؤكد على أن الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث، وأن الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية. ويرى ق. كيرلس أن الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية، ويقول، مثلما قال ق. أثناسيوس، بأن الآب هو أصل الكلمة الخالق. ويؤكد ق. كيرلس في نفس السياق أيضًا على أن الآب هو الجذر والينبوع للابن، وأن الآب هو البداية الأزلية لأقنوم الكلمة. ويقول، كما قال العلامة أوريجينوس من قبله، إن الآب هو بداية الابن. ويقول، مثلما قال الآباء الإسكندريين والكبادوكيين من قبله، إن الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعيّ منه.

[1] كليمندس الإسكندري (علامة)، المتفرقات (نسخة إليكترونية)، ترجمة: الأب الدكتور بولا ساويروس، (القاهرة، موقع الكنوز القبطية)، 8: 9: 18-20، ص 1429، 1430.

[2] المرجع السابق، 7: 1: 4، 5، ص 1210، 1211.

[3] المرجع السابق، 6: 17: 36، ص 1192.

[4] المرجع السابق، 5: 14: 28، 29، ص 945، 946.

[5] أوريجينوس (علامة)، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002)، 1: 2: 2، ص 85.

[6] المرجع السابق، 1: 2: 9، ص 94، 95.

[7] المرجع السابق، ص 95.

[8] أوريجينوس (علامة)، تفسير إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الراهب مكاري البهنساوي، تحت إشراف: الأنبا اسطفانوس أسقف ببا والفشن، (القاهرة، 2020)، ص 122، 123.

[9] المرجع السابق، ص 125-128.

[10] أوريجينوس (علامة)، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002)، 1: 2: 11، ص 99.

[11] المرجع السابق، 1: 2: 13، ص 100.

[12] المرجع السابق، 1: 3: 7، ص 113.

[13] أوريجينوس (علامة)، تفسير الرسالة إلى رومية ج1، ترجمة: د. عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2020)، 4: 9: 12، ص 312.

[14] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الرسالة الثانية عن الثالوث ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة وضد السابيليين، ص 167.

[15] المرجع السابق، ص 168، 169.

[16] المرجع السابق، تفسير إنجيل لوقا (لو 22: 42-48)، ص 211، 212.

[17] المرجع السابق، أسئلة وأجوبة، ص 237، 238.

[18] المرجع السابق، رسالة ق. ديونيسيوس الإسكندري إلى البابا ديونيسيوس الروماني، ص 289.

[19] المرجع السابق، ص 292، 293.

[20] ديديموس الضرير (علامة)، الروح القدس، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2015)، 4: 113-115، ص 73-75.

[21] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 5: 14، ص 61.

[22] المرجع السابق، 1: 6: 3، ص 70.

[23] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 28، ص 96.

[24] المرجع السابق، 2: 2، ص 113، 114.

[25] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 1: 1، ص 43.

[26] المرجع السابق، ص 44.

[27] المرجع السابق، ص 45.

[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 32: 121، ص 504.

[29] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 1: 1، ص 80.

[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 401.

[31] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 15: 50، ص 252.

[32] يفسر ق. أثناسيوس آية ”أبي أعظم مني“ كالتالي: ”لذلك، فإن الابن نفسه لم يقل ’أبي أعظم مني‘ حتى لا يظن أحدٌ أنه غريب عن طبيعة الآب، بل قال: ’أعظم مني‘، ليس من جهة الحجم ولا من جهة الزمن، بل بسبب ميلاده من أبيه ذاته، فإنه حتى عندما يُقال: ’أعظم مني‘، أَظهر مرةً أخرى أنه من ذاتية جوهره الذاتيّ“ (أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرين، القاهرة، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، 1: 13: 58، ص 140).

[33] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 11: 4، ص 137.

[34] المرجع السابق، مقالة 10: 10، ص 124.

[35] المرجع السابق، مقالة 10: 12، ص 125.

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ابريل 2024م

 

 

الفهرست

مقدمة. 1

الفصل الأول: شهادات الكتاب المقدس… 4

الفصل الثاني: شهادات آباء الكنيسة الجامعة. 10

ق. إيرينيؤس أسقف ليون. 11

حواء هي سبب الموت لنفسها 11

الشيطان هو جالب الموت على الإنسان. 11

الموت كان لصالح الإنسان. 12

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي. 12

الإنسان جنى الموت بالعصيان. 12

ظهور الموت بسبب حسد إبليس.. 13

ق. يوستينوس الشهيد 13

البشر جلبوا الموت على أنفسهم 13

ق. ميثوديوس الأوليمبي. 14

الله وضع نهاية للخطية بالموت.. 14

الإنسان هو علة موته وفنائه. 14

نوفاتيان الأفريقي. 15

عقوبات الله الشفائية. 15

ق. ديونيسيوس الإسكندري.. 15

لا يشأ الله موت الخاطئ على الإطلاق. 15

ق. أثناسيوس الرسولي. 16

الموت هو نتيجة التعدي.. 16

البشر هم علة فساد الموت.. 16

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس.. 17

جلب البشر الموت على أنفسهم 17

الموت لتلافي النتيجة المرعبة. 17

ق. هيلاري أسقف بواتييه. 18

لا يوجد موت في الله.. 18

ق. باسيليوس الكبير. 18

الله لا يميت أحد بل يحيي. 18

الإنسان أمات نفسه بنفسه. 19

سقوط الإنسان في الموت بالخطية. 19

الإنسان جلب الموت بإرادته. 19

لايوجد الموت مع الحياة في الله.. 20

ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي. 21

الموت في مصلحة الإنسان. 21

لا يريد الله موت الخاطئ. 21

ق. غريغوريوس النيسي. 22

الموت عقيم لم يغرسه الله.. 22

الشيطان هو مصدر الموت.. 22

الشر هو بداية الموت وليس الله.. 23

الله ليس خالق الموت.. 23

التعدي هو أم الموت.. 23

دخول الموت لمنع تأبيد الشر. 24

الإنسان أمات نفسه بنفسه. 24

ق. يوحنا ذهبي الفم. 25

الخطية سبب الموت وليس الله.. 25

الموت في صالح الإنسان. 26

الموت فائدة للإنسان. 26

الموت ليس شرًا بل خيرًا 28

ق. كيرلس الإسكندري.. 28

الخطية هي علة الموت وليس الله.. 28

الإرادة الإلهية تمقت إفناء المخلوقات.. 29

الخطأة هم قتلة أنفسهم 29

الموت في مصلحة الإنسان. 30

دخول الموت بحسد إبليس.. 30

ق. بروكلس رئيس أساقفة القسطنطينية. 31

الشيطان مسلمنا إلى الموت.. 31

قطف آدم الموت لنفسه. 31

ق. ساويروس الأنطاكي. 31

الموت نتيجة طبيعية للضعف الجسدي.. 31

سيادة الموت والهموم بعد السقوط. 32

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس.. 33

مار أغريس البنطي. 33

لا يشأ الله موت أحد 33

لا يوجد الموت والحياة في نفس الشخص والوقت.. 34

موت النفس هو الشر. 34

مار إسحاق السرياني. 34

لا يوجد الموت في الله.. 34

ق. مكاريوس الكبير. 35

موت الإنسان عن الله.. 35

الإنسان هو علة هلاكه وموته. 35

موت النفس بانفصالها عن الروح القدس.. 36

ق. يوحنا كاسيان. 36

الله ليس صانع الموت.. 36

الفصل الثالث: شهادة الليتورجية القبطية. 38

دخول الموت بحسد إبليس.. 38

الإنسان أختطف الموت لنفسه. 38

تأديبات الله المؤدية للحياة 39

لا يشأ الله موت الخاطئ بل توبته. 39

 

 

 

مقدمة

سوف نحاول في هذا البحث الموجز عزيزي القارئ الإجابة على تساؤلات في غاية الأهمية تمس قضية الموت، وهي: هل الله يُمِيت البشر؟ وهل الله يُعاقِب البشر بالموت؟ وهل الله يُهلِك البشر؟ وهل الله هو علة موت البشر؟ تساؤلات جد خطيرة تمس واقعنا المسيحيّ المعاصر. لقد خرج علينا البعض يدَّعون على الله زورًا وبهتانًا أن إله يميت! وإنه يقتل البشر! وإنه يُهلِك البشر! بل ويُقدِّمون صورًا مشوهةً على الألوهة مستغلين آيات الكتاب المقدَّس التي يأوِّلونها حسب أهوائهم وأفكارهم الضحلة والمشوَّهة عن الألوهة المنزَّهة عن الموت والهلاك والفناء. فالله كليّ الصلاح بسبب صلاحه جلب الإنسان من العدم إلى الوجود، فكيف يُرسِله بيديه مرةً أخرى إلى العدم؟ هل هذا معقول؟! هؤلاء يفعلون كما فعل الوثنيون قديمًا حيث كانوا ينسبون الموت إلى إله الموت وذلك في سياق تعدُّد الآلهة، وكأنهم لم يسمعوا عن الله معطي الحياة الذي أُظهِر بالكامل وأُعلِن عنه بالكامل في ابنه ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي خبَّر عن الله الذي لم يره أحدٌ قط. فالمسيح هو الإعلان الحقيقيّ والكامل عن الله الحيّ، لم يقل المسيح عن نفسه في الإنجيل أنا هو الموت، لم يقل عن نفسه أنا هو المهلِك، لم يقل أنه هو علة هلاك البشرية وسبب إماتها، بل قال عن نفسه أنا هو القيامة والحياة مَن آمن بي ولو مات فسيحيا، جئتُ لأُخلِّص العالم لا لأُدين العالم، هؤلاء لم يعرفوا المسيح القائم من بين الأموات بعد، هؤلاء لازالوا قابعين في حرفية الناموس والفريسية البغيضة التي طالما رفضها السيد المسيح، هؤلاء لازالوا في مرحلة البداوة الروحية، للأسف لازال هؤلاء يُفكِّرون بمنطقٍ همجيّ بربريّ عن الألوهة ناسبين إليها فعل الإماتة والإهلاك والإفناء للبشرية، هؤلاء أبناء الموت وليسوا أبناء الحياة. هؤلاء يُمثِّلون ردة إلى اليهودية والتهود، بل يُمثِّلون ردة إلى عصور ما قبل التاريخ البشريّ المتحضر، ينسبون للألوهة ما ليس فيها، ويُسقِطون أفكارهم المريضة والمشوَّشة عن الألوهة كلية الصلاح والرحمة والرأفة، معتقدين إنهم بذلك يعبدون الإله الحقيقيّ المميت المهلِك في نظرهم، بل يعتقدون إنهم يُقدِّمون خدمة لله بالدفاع عنه كمبيد وقتال للبشر، ونسوا أن إبليس الكذَّاب وأبو الكذَّاب هو الذي كان قتَّالاً للناس منذ البدء، إبليس مخترع الموت والخطية، الذى أغوى الإنسان وأسقطه في الخطية بإرادته، فصار الإنسان علة موته مشارِكًا في هلاكه وفنائه بسبب خضوعه لغواية إليس وتعديه وعصيانه لله، وإنفصاله الإراديّ عن مصدر حياته، أي الله، فصار هو نفسه علة موته وهلاكه، وليس الله جابله وخالقه ومانحه الحياة.

سوف نُحاوِل الإجابة على سؤال: هل الله يُمِيت البشر؟ وذلك من خلال شهادات الكتاب المقدَّس وشهادات آباء الكنيسة الجامعة المعلِّمين، وشهادة صلوات الليتورچية المقدَّسة.

أود التنويه إلى أن النصوص الكتابية والآبائية المذكورة في هذا البحث هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من الشهادات والنصوص الكتابية والآبائية والليتورچية التي تؤيد هدف البحث، وهو أن الله لا يميت البشر، بل هو المحيي ومانح وواهب الحياة والخلاص من الموت للبشرية جمعاء.

 

 

الفصل الأول: شهادات الكتاب المقدس

يدَّعي البعض عن جهل وبدون وعي أن الله يُنزِل الموت على البشر كعقوبة، وكأنَّ الله هو علة موت الإنسان. وهذا التعليم عارٍ تمامًا عن الصحة، بل وضد تعاليم الكتاب المقدس والتقليد الرسولي والآبائي كما سنرى. يُعدّ الموت في تعاليم الكتاب المقدس هو نتيجة التعدي والعصيان، وليس من الله، حيث قال الله للإنسان: ”وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ“ (تك 2: 17). ويذكر سليمان الحكيم أن الشرير يموت من خطيته وليس بإنزال الله الموت عليه قائلاً: ”الشِّرِّيرُ تَأْخُذُهُ آثَامُهُ وَبِحِبَالِ خَطِيَّتِهِ يُمْسَكُ. إِنَّهُ يَمُوتُ مِنْ عَدَمِ الأَدَبِ، وَبِفَرْطِ حُمْقِهِ يَتَهَوَّرُ“ (أم 5: 23). ويقول إرميا النبي أن الموت هو نتيجة ذنب الشخص نفسه كالتالي: ”بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ. كُلُّ إِنْسَانٍ يَأْكُلُ الْحِصْرِمَ تَضْرَسُ أَسْنَانُهُ“ (إر 31: 30).

ويتحدَّث سفر الحكمة أن الموت هو نتيجة أفعال البشر الشريرة، وليس من الله كما يدَّعي البعض عن جهل، حيث يقول التالي: ”لا تغاروا على الموت في ضلال حياتكم ولا تجلبوا عليكم الهلاك بأعمال أيديكم، اذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره“ (حك 1: 12، 13)، ويُؤكِّد سفر الحكمة أيضًا أن البشر هم مَن جلبوا الموت على أنفسهم بأيديهم وأقوالهم، وليس الله هو مَن أنزل الموت كالتالي: ”لكن المنافقين هم استدعوا الموت بأيديهم وأقوالهم ظنوه حليفًا لهم فاضمحلوا وإنما عاهدوه لأنهم أهل أن يكونوا من حزبه“ (حك 1: 16)، ويُؤكِّد سفر الحكمة أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، ولم يكن الله هو علة موت الإنسان كالتالي: ”فإن الله خلق الإنسان خالدًا وصنعه على صورة ذاته، لكن بحسد ابليس دخل الموت الى العالم“ (حك 2: 23، 24).

ويُؤكِّد حزقيال النبي أن النفس التي تخطئ هي التي تموت، وليس الله هو مَن يميتها قائلاً: ”اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ“ (حز 18: 4)، ويقول الله في سفر حزقيال أنه لا يسره موت الشرير، فكيف يكون الله هو علة موته كالتالي: ”هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ؟ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟“ (حز 18: 23). ويُؤكِّد يشوع بن سيراخ أن الموت دخل إلى العالم بخطية المرأة حواء، وليس من الله كالتالي: ”من المرأة ابتدأت الخطيئة وبسببها نموت نحن أجمعون“ (سي 25: 33). ويُؤكِّد سفر المكابين الثاني أن الله هو رب الحياة وليس رب الموت كالتالي: ”ودعا رب الحياة والروح أن يردهما عليه ثم فاضت نفسه“ (2 مك 14: 46).

ويُشدِّد المسيح له كل المجد أن الله هو إله أحياء وليس إله أموات قائلاً: ”لَيْسَ اللهُ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ“ (مت 22: 32). وهكذا يؤكد بولس الرسول أن الموت دخل إلى العالم بالخطية، وليس من الله قائلاً: ”مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ“ (رو 5: 12). ويُشدِّد بولس الرسول على أن أجرة أو ثمن الخطية هو الموت، وبالتالي، الموت نتيجة للخطية وليس من الله قائلاً: ”لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا“ (رو6: 23). وهذا ما يقوله مُعلِّمنا يعقوب الرسول أن الموت هو نتيجة عن الخطية، وليس نتيجة عن الله كما يدَّعي البعض عن جهل كالتالي: ”ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا“ (يع 1: 15). وهكذا نجد أن الكتاب المقدس بعهديه يؤكد على أن الخطية والشر هما علة الموت، وليس الله هو علة الموت. فالله لم يقل في الكتاب المقدس: ”أنا هو الموت“ حاشا! بل قال: ”أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ“ (يو 11: 25)، وقال أيضًا: ”أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ“ (يو 14: 6).

فالحياة هي صفة جوهرية من صفات الجوهر الإلهي منذ الأزل، فالله هو معطي الحياة وواهبها، وجابل الخليقة من العدم إلى الحياة، فكيف يميت الله الإنسان بعدما أحضره من العدم إلى الوجود والحياة؟! الحياة هي صفة من صفات أقانيم الثالوث القدوس ولا يوجد الموت كصفة من صفات الجوهر الإلهي، فكيف يميت الله البشر، أو يُنزِل الموت عليهم؟ هل الموت صفة أزلية في الله الثالوث يمارسها بين أقانيمه منذ الأزل كصفات المحبة، والقداسة، والحكمة، والبر، والحياة… إلخ؟ بالطبع، لا. بل الآب والابن هما مصدر الحياة ولهما الحياة في ذاتيهما وليس الموت أو الإماتة كما يدَّعي البعض عن جهل، حيث يقول يوحنا الرسول التالي: ”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ“ (يو 5: 26). وتُمارِس أقانيم الثالوث فعل الإحياء، وليس فعل الإماتة، كما يقول يوحنا الرسول: ”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ“ (يو 5: 21). والروح القدس هو روح الحياة وليس روح الموت. فأريد أن أسأل أولئك الذين يدَّعون بالباطل على الله أنه يميت البشر، كيف يميت الله خليقته التي جلبها من العدم إلى الوجود، ليرجعها مرةً أخرى من الوجود إلى العدم؟ فلماذا جلبها بالأساس من العدم إلى الوجود لكي يعيدها مرةً أخرى من الوجود إلى العدم؟ أليس هذا تناقض صارخ؟!

يُشِير الكتاب المقدَّس في إشارات عديدة إلى أن إبليس هو الذي كان قتالاً للناس منذ البدء، وليس الله هو الذي يعاقب البشر بالموت. حيث يؤكد الكتاب المقدس على أن الشر هو الذي يميت الشرير، وليس الله قائلاً: ”الشَّرُّ يُمِيتُ الشِّرِّيرَ، وَمُبْغِضُو الصِّدِّيقِ يُعَاقَبُونَ“ (مز 34: 21). وهكذا نرى في قصة طوبيا أن الشيطان هو الذي كان يقتل أزواج سارة، لذا نجد طوبيا يتحدث عن أن الشيطان هو الذي قتل أزواج سارة السبعة قائلاً: ”فأجاب طوبيا وقال: إني سمعت أنه قد عُقِدَ لها على سبعة أزواج فماتوا، وقد سمعت أيضًا أن الشيطان قتلهم“ (طو 6: 14). فالشيطان إذًا هو الذي يقتل البشر وليس الله.

يتحدَّث السيد المسيح له كل المجد عن أن الشيطان كان قتَّالاً للناس، ويميت البشر منذ البدء، وليس الله كالتالي: ”أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَق. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ“ (يو 8: 44). ويُؤكِّد بولس الرسول أن إبليس هو مَن له سلطان الموت، أيّ القدرة على إماتة البشر، وليس الله هو الذي يعاقب البشر بالموت كالتالي: ”فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ“ (عب 2: 14). ويُشبِّه بطرس الرسول إبليس خصم البشر بأنه كأسد زائر يلتمس مَن يبتلعه ويميته، وليس الله هو الذي يميت البشر كالتالي: ”اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ“ (1بط 5: 8). ويتحدَّث بولس الرسول عن تسليم الخاطئ إلى الشيطان لهلاك الجسد مؤكدًا على أن الموت والهلاك من الشيطان، وليسا عقوبةً من الله للبشر كالتالي: ”أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ، لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ“ (1كو 5: 5).

ولكن قد يتحجَّج البعض ويقول إن الكتاب يذكر عن الله أنه يحيي ويُمِيت كالتالي: ”الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ“ (1صم 2: 6)، فنرد أن الكتاب ذكر أيضًا أن الله هو خالق الظلمة وخالق الشر كالتالي: ”أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ، صَانِعُ السَّلاَمِ وَخَالِقُ الشَّرِّ“ (إش 45: 6، 7). فنتساءل هل الله هو خالق الظلمة والشرّ أيضًا مثلما يُمِيت؟ بالطبع لا، ولكن الكتاب المقدَّس كان يهتم بالإعلان عن وحدانية الألوهة في وسط الشعوب التي تُؤمِن بمذهب تعدُّد الآلهة، ويجعلون لكل شيء إله، إله للنور، وإله للظلام، وإله الخير، وإله الشرّ، وإله الموت… إلخ. وكانت هناك الشعوب التي تُؤمِن بمذهب ثنائية الألوهة كالزرادشتية والغنوسية والمانوية، حيث يرون أن هناك إلهان: إله الخير وإله الشرّ، النور والظلمة، الحياة والموت، وهكذا. لذا كان يُحارِب الكتاب المقدَّس هذه المذاهب المنحرِفة عن الألوهة بنسب كل الأشياء إلى الإله الواحد الوحيد، حتى لو كان الله ليس هو خالق الظلمة، أو الشر، أو الموت، بل الله صالحٌ وهو خالق النور والخير والحياة، وبالتالي، لا بد أن ننتبه إلى حديث الكتاب المقدَّس عن وحدانية الألوهة للتأكيد على وجود كل الأشياء في دائرة سيطرة الله وتدبيره وعنايته بالخليقة كلها، فلا يحدث شيء خارج سيطرة الله الواحد الوحيد.

 

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثاني: شهادات آباء الكنيسة الجامعة

سوف أستعرض في هذا الفصل من بحثنا تعاليم الآباء القديسين المعلِّمين في الكنيسة الجامعة التي تُؤكِّد على أن الله لم يخلق الموت، وليس هو علة الموت، بل الموت كان نتيجة عن الخطية، وأن الموت والإماتة ليسا لهما وجود في طبيعة الله، بل الله حيّ ويُحِيي الأشياء، كما يقول الكتاب: ”لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ“ (أع 17: 28).

كما يُؤكِّد آباء الكنيسة المعلِّمين على حقيقة مهمة جدًا، ألا وهي أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس وبخطية الإنسان، متبعين الكتاب المقدَّس في ذلك. ولم يكن الموت عقوبة من الله للبشر، بل يُؤكِّدون على أمر غريب جدًا، ألا وهو أن الموت كان لصالح الإنسان حتى لا يظلّ الإنسان يُمارِس الشرَّ والخطية إلى الأبد، وبالتالي، تأبيد الشرِّ والخطية واستمرارهما إلى الأبد. لأنه إذا كانت العقوبة القانونية في حالة العقوبات البشرية القضائية العادية مثل عقوبة السجن على سبيل المثال، تُعتبر سلبًا لحرية الشخص المعاقَب، وعقوبة الإعدام هي سلب لحياة الشخص المعاقَب، وبالتالي، تُعتبر العقوبة البشرية القانونية شرًا بالنسبة للشخص المعاقَب، وليس خيرًا أو في مصلحته. وهكذا، لو كانت العقوبة الإلهية – بحسب المنادين بالعقوبة القانونية الجزائية – هي عقوبة قانونية أو جزائية أو انتقامية من الله للبشرية، فسوف تكون العقوبة هي شرٌّ بالنسبة للكائن المعاقَب، وليست لصالحه، لأنها سوف تُؤدِي إلى هلاك الشخص المعاقَب وموته. بل يرى آباء الكنيسة على العكس من ذلك أن الموت الذي دخل إلى العالم بعد السقوط كان في مصلحة البشرية، وليس شرًا للإنسان، وبالتالي، لم يكن الموت عقوبةً قانونيةً من الله للبشرية، بل كان الموت في مصلحة البشرية من أجل الحفاظ عليها من البقاء في الشر والخطية إلى الأبد.

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

حواء هي سبب الموت لنفسها

يُشِير ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ، وأسقف ليون بفرنسا، إلى أن حواء غير المطيعة كانت هي سبب الموت لنفسها وللجنس البشريّ كله، وليس الله كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي كالتالي:

”وإذ صارت [حواء] غير مطيعة، كانت هي سبب الموت لنفسها وللجنس البشريّ كله، هكذا أيضًا، فإن مريم إذ كانت مخطوبةً لرجلٍ، ومع ذلك كانت عذراءً، وأذعنت بطاعةٍ، فصارت سبب الخلاص لنفسها ولكل الجنس البشريّ“.[1]

الشيطان هو جالب الموت على الإنسان

يرى ق. إيرينيؤس أن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه، بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت، لأنه بينما وعد بأنهم سيكونون آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت إليهم كالتالي:

”لأن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه، بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت. لأنه بينما وعد بأنهم ينبغي أن يكونوا آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت إليهم“.[2]

الموت كان لصالح الإنسان

يُؤكِّد ق. إيرينيؤس على أن الموت كان لصالح الإنسان، وليس عقوبة من الله للإنسان، حتى لا يستمر الإنسان خاطئًا إلى الأبد كالتالي:

”لذلك أيضًا، طرد الله الإنسان من الفردوس، ونقله بعيدًا عن شجرة الحياة، ليس لأنه يحسده على شجرة الحياة، كما يزعم البعض، بل لأنه أشفق عليه، ولم يرغب له أن يستمر خاطئًا إلى الأبد، ولا تكون الخطية، التي أحاطت به خالدةً، ولا يكون الشر غير مُتناهٍ، وعديم العلاج. ولكنه وضع حدًا لخطيئته بأن أدخل الموت، وهكذا أوقف الخطية، بأن وضع لها نهاية بانحلال الجسد، الذي يحدث في داخل الأرض، حتى أن الإنسان، إذ يكف عن الحياة في الخطية، ويموت عنها، ويبدأ أن يحيا لله“.[3]

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي

الإنسان جنى الموت بالعصيان

ينفي ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أن يكون الله هو علة موت الإنسان، بل الإنسان جنى بالعصيان الموت لنفسه، وبالتالي، الإنسان هو المسئول عن موته، وليس الله هو المسئول قائلاً:

”مرةً أخرى، لو خلقه الله فانيًا، كان سيبدو أن الله مسئول عن موته […] ولكن إنْ توجه [الإنسان] إلى أعمال الموت عاصيًا الله، صار مسئولاً عن موته […] لأنه كما بالعصيان جنى الإنسان الموت لنفسه، هكذا بالطاعة (رو 5: 18، 19) لمشيئة الله، يستطيع كل مَن أراد أن يحصل على الحياة الأبدية لنفسه“.[4]

ظهور الموت بسبب حسد إبليس

ويُؤكِّد ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أن بداية الموت ظهرت في العالم بسبب حسد إبليس، وليس أن الله أوقع الموت على البشر، وهكذا حرَّض إبليس قايين على قتل أخيه هابيل، فظهرت بداية الموت في العالم كالتالي:

”عندما رأى إبليس أن آدم وزوجته ليسا فقط أحياء، بل أنجبا ذريةً أيضًا، غُلِبَ من الحسد، لأنه لم يكن بالقوة الكافية ليميتهم. ولأنه رأى أن هابيل يُرضِي الله، فعمل على أخيه المُسمَّى قايين، وجعله يقتل أخاه. ومِن ثم ظهرت بداية الموت في هذا العالم، ليصل الجنس البشري بكامله إلى هذا اليوم“.[5]

ق. يوستينوس الشهيد

البشر جلبوا الموت على أنفسهم

يرى ق. يوستينوس الشهيد أن البشر هم الذين جلبوا الموت على أنفسهم مثل آدم وحواء بعصيانهم، وليس أن الله يجلب الموت على البشر كالتالي:

”ولكنني لا أنوي الخوض في هذه النقطة، بل أن أثبت أن الروح القدس يُوبِّخ الناس المخلوقين على صورة الله، متحررين من الألم والموت بشرط إطاعة وصاياه، وحُسِبوا مستحقين أن يُدعوا أبناء الله، ولكنهم مثل آدم وحواء جلبوا الموت على أنفسهم“.[6]

ق. ميثوديوس الأوليمبي

الله وضع نهاية للخطية بالموت

يُؤكِّد ق. ميثوديوس الأوليمبيّ على حقيقة أن الله وضع نهاية للخطية بالموت، وليس أن الموت عقوبة من الله للبشر كالتالي:

”والآن، كانت خيمتنا في الأول مُزوَّدةً بحالة سامية ثابتة؛ لكن تحوَّلت بواسطة التعدي، وانحنت إلى الأرض. ولكن الله وضع نهاية للخطية بالموت، خشية فناء الإنسان من أن يعيش خاطئًا، وتعيش الخطية فيه، فيكون مُعرضًا للعنة الأبدية“.[7]

الإنسان هو علة موته وفنائه

يُشِير ق. ميثوديوس إلى أن الإنسان قد وُضِعَ في مكان وسط بين الفساد وعدم الفساد، الموت وعدم الموت، ولكنه عندما أختار الفساد، فإنه أصبح فاسدًا وفانيًا كالتالي:

”والآن كون الإنسان بين الجانبين، لا يكون خيَّرًا أو شريرًا، لكنه وُضِعَ في مكانٍ وسط، بين الفساد وعدم الفساد. ميله إلى أحد الجانبين يكون باشتراك الطبيعة، التي وُضِعَت عليه. فعندما يميل إلى الفساد، يصبح فاسدًا وفانيًا؛ وعندما يميل إلى عدم الفساد، يصبح طاهرًا وخالدًا“.[8]

نوفاتيان الأفريقي

عقوبات الله الشفائية

يرى نوفاتيان الأفريقيّ – وهو أحد الآباء اللاتين – أن العقوبات الإلهية هي عقوبات شفائية، ولا تنبع في الله من رذيلة أو ضعف، بل لإرجاع البشر إلى المسار الصحيح كالتالي:

”كذلك حقيقة أن الله يغضب لا تنبع من أي رذيلة فيه. وإنما يتصرف هكذا لمنفعتنا. فهو رحيمٌ حتى عندما يُهدِّد، لأنه بهذه التهديدات يُرجِع البشر إلى المسار الصحيح. فالخوف أمرٌ ضروريّ لمَّن يفتقدون إلى الحافز إلى الحياة الصالحة، حتى أن الرافضين للعقل يتحرَّكون على الأقل بدافع الخوف. ولذلك، فكل هذه المواضع عن الغضب والكراهية وما شابه ذلك من جانب الله، قد أُعلِنَت، كما يتبيَّن من حقيقة الأمر، لشفائنا، وهي تنبع عن قصد مُتعمَّد، وليس من رذيلة أو من ضعف“.[9]

ق. ديونيسيوس الإسكندري

لا يشأ الله موت الخاطئ على الإطلاق

يُؤكِّد ق. ديونيسيوس الإسكندريّ أن الله لا يريد موت الخاطئ على الإطلاق، بل أن يتوب كالتالي:

”فهم يتشفعون لبعض الأخوة الساقطين، الذين جلبوا على أنفسهم اتهامات تقديم ذبائح للأوثان، يترقبون عودتهم وتوبتهم، ويقبلونها بكونها مقبولةً عند [الله] الذي لا يريد على الإطلاق موت الخاطئ، بل أن يتوب“.[10]

ق. أثناسيوس الرسولي

الموت هو نتيجة التعدي

يُؤكِّد ق. أثناسيوس الرسوليّ أن الموت هو نتيجة تعدي الإنسان للوصية، ولم يكن الموت من الله على الإنسان، حيث جلب البشر الموت على أنفسهم كالتالي:

”أمَّا إذَا تعدوا الوصية وارتدوا عن الخير، وصاروا أشرارًا، فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم حسب طبيعتهم“.[11]

البشر هم علة فساد الموت

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى أن البشر هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد الموت، وليس الله كما يدَّعي الجهلاء كالتالي:

”ولكن البشر حوَّلوا وجوههم عن الأمور الأبدية، وبمشورة الشيطان تحوَّلوا إلى أعمال الفساد الطبيعيّ، وصاروا هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد بالموت. لأنهم كانوا – كما ذكرت سابقًا – بالطبيعة فاسدين، لكنهم بنعمة اشتراكهم في الكلمة، كان يمكنهم أن يفلتوا من الفساد الطبيعيّ، لو أنهم بقوا صالحين“.[12]

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، وليس من الله كالتالي:

”وبسبب أن الكلمة سكن فيهم، فإن فسادهم الطبيعي لم يمسهم كما يقول سفر الحكمة: ’الله خلق الإنسان لعدم فساد، وجعله على صورة أزليته، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 23- 24)، وبعدما حدث هذا بدأ البشر يموتون“.[13]

جلب البشر الموت على أنفسهم

ويُكرِّر ق. أثناسيوس أيضًا أن البشر هم الذين جلبوا الموت والفساد على أنفسهم، ولم يُنزِل الله عليهم الموت قائلاً:

”فالبشر لم يقفوا عند حد مُعيَّن في خطاياهم، بل تمادوا في الشرِّ، حتى أنهم شيئًا فشيئًا تجاوزوا كل الحدود، وصار يخترعون الشرَّ حتى جلبوا على أنفسهم الموت والفساد“.[14]

الموت لتلافي النتيجة المرعبة

يُشِير ق. أثناسيوس الرسوليّ إلى أن الله أعلن حكم الموت بسبب التعدي، حتى لا تصير النتيجة مرعبة وغير لائقة، ألا وهي تأبيد الشر والخطية كالتالي:

”لأن الموت أيضًا، وكما قُلت سابقًا، صارت له سيادة شرعية علينا (بسبب التعدي)، ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، وكان من المستحيل التهرُّب من حكم الناموس، لأن الله هو الذي وضعه بسبب التعدي، فلو حدث هذا لأصبحت النتيجة مُرعِبة حقًا وغير لائقة في نفس الوقت“.[15]

ق. هيلاري أسقف بواتييه

لا يوجد موت في الله

يرى ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقَّب بـ ”أثناسيوس الغرب“ أن الله لا يوجد فيه موت البتة، بل هو غير المائت، فكيف يدَّعي البعض عن جهل وبدون علم أن الله يُمِيت البشر كالتالي:

”مرةً أخرى، إنْ كنتم تسمعون أنه ذاتيّ المنشأ، إلا أنه لا يوجد مثلٌ يكون فيه مُعطِي نعمة الحياة مطابقًا للحياة التي تُعطَى. إنْ كنتم تسمعون أنه غير مائتٍ، إذًا، فهناك شيءٌ لم ينبثق منه وليس له اتصال معه بطبيعته ذاتها؛ وفي الواقع، الموت ليس هو الشيء الوحيد الذي يدَّعي تعبير ’غير مائت‘ أنه بعيدٌ عن الله“.[16]

ق. باسيليوس الكبير

الله لا يميت أحد بل يحيي

يُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير أن الله لا يميت أحد ويُحِيي آخر، بل يُحِيي بالأشياء المائتة، ويشفي بالأمور المؤلمة كالتالي:

”إذًا، الله لا يُمِيت أحد، ويُحِيي آخر، ولكن هو يُحِيي بالأشياء التي تُمِيت، ويشفي بالأمور التي تجرح“.[17]

الإنسان أمات نفسه بنفسه

ويُوضِّح ق. باسيليوس الكبير أن الإنسان أمات نفسه بنفسه بخطيئته، وجلب وصنع الموت لنفسه، فالموت ليس له كيان في حد ذاته، بل هو انعدام الحياة كالتالي:

”إذًا، فهو الذي وقع في الخطية عن طريق اختياره السيء، ومات بسبب الخطية، ’لأن أجرة الخطية هي موت‘ (رو6: 23)، أي أن كل مَن يبتعد عن الحياة، يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه، وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور ’لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا ليس الله هو خالق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة“.[18]

سقوط الإنسان في الموت بالخطية

يُشِير ق. باسيليوس أيضًا إلى أن الإنسان سقط في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية، ولم يكن الله هو المنفِّذ لهذا الموت كالتالي:

”لقد كُنتُ حسنًا بالطبيعة وصالحًا، ولكنني ضعيف، لأني سقطت في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية“.[19]

الإنسان جلب الموت بإرادته

ويُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير نفس الأمر أيضًا أن الله لم يخلق الموت، بل جلب الإنسان الموت عليه بإرادته الشريرة، وهكذا لم يوقف الله الموت حتى لا يظل المرض أي الخطية إلى الأبد بلا نهاية كالتالي:

”لأن أجرة الخطيئة هي موت (رو 6: 23) أي كل مَن يبتعد عن الحياة، يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه، وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور: ’لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا ليس الله هو الذي خلق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة. لكن الله لم يُوقِف الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظلّ المرض بدون نهاية“.[20]

لايوجد الموت مع الحياة في الله

ويستنكر ق. باسيليوس الكبير أيضًا أن يكون الله هو علة الموت، ويرفض أن يجتمع في الله الشيء وضده، فلا يجتمع الموت والحياة معًا في الله، وبالتالي، يدحض إدعاءات الذين يقولون إن الله يُهلِك ويُمِيت البشر كالتالي:

”الواقع إنني أتعجب كيف أن هؤلاء القوم لا تتملكهم الرعدة لمجرَّد تفكيرهم وتصوُّرهم لمثل هذه التجاديف المنفَّرة. كما أنه من الخطأ روحيًا أن يُقَال إن الشرَّ استمده وجوده من الله، لأن الضد لا ينتج مما هو ضده. الحياة لا تلد موتًا، والنور لا ينبثق من الظلام، كما أن الصحة لا تنتج من المرض، إنما هذا يُعتبَر تغيير من حالة إلى عكسها […] ويجب التنويه على أن ما يصيب الإنسان من مرض وفقر وموت، لا يُعتبَر من الشرور. ذلك لأن بعض هذه الأمور التي تُصِيب الإنسان تتحوَّل لفائدته“.[21]

ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي

الموت في مصلحة الإنسان

يُؤكِّد ق. غريغوريوس النزينزيّ الملقَّب بـ ”اللاهوتيّ“ أن الموت كان في مصلحة الإنسان حتى لا يصير الشر خالدًا، فكيف يكون الموت عقوبةً جزائيةً إنتقاميةً من الله على البشرية، ويكون في مصلحة البشرية في نفس الوقت لكي يمنع تأبيد الشرِّ؟! حيث يقول النزينزيّ التالي:

”وأول نتيجة [لهذا السقوط] أن أدركه الخجل والخزي، واختفى عن الله، وربح [الإنسان الأول] الموت، وقطع الخطيئة، لئلا يصير الشر خالدًا، وهكذا يبيت العقاب إحسانًا بالبشر، لأني هكذا أؤمن بأن الله يُجازِي“.[22]

لا يريد الله موت الخاطئ

يُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ إلى أن الله لا يريد موت الخاطئ، بل أن يرجع ويحيا، فهو الذي أنارنا نحن الذين كنا في ظلمة الموت وظلاله كالتالي:

”هذا، إذًا، ما يُؤثِره الله، فله الحرية والقدرة والسجود. ومَن يدري إذَا كان الله الذي يحلُّ قيود المائتين، ويصعد من أبواب الموت، وهو الذي لا يريد موت الخاطئ إلى أن يرجع ويحيا، وهو الذي أنارنا نحن الذين كُنا في ظلمة الموت وظلاله؟ مَن يدري إذَا كان سيتعهد يومًا ويُدرِك برحمته هؤلاء الضالين ويرعاهم بعصا رعايته، جاعلاً إياهم تحت تأديب عصاه الحديدية؟“.[23]

ق. غريغوريوس النيسي

الموت عقيم لم يغرسه الله

يرى ق. غريغوريوس النيسيّ، مثله مثل جميع الآباء السابقين عليه، أن الموت لم يغرسه الله في الإنسان عندما كان في الفردوس، ولم يغرسه بالطبع بعدما خرج الإنسان من الفردوس، لأن الموت في حدّ ذاته عقيم، وليس له أصل أو جذر، ولم يطرأ تغيُّر على الله قبل وبعد سقوط الإنسان، بحيث قبل السقوط لم يكن يُمِيت الإنسان، ثم صار بعد السقوط، يُمِيت الله الإنسان كالتالي:

”والدرس الذي يجب أن نتعلَّمه هو أن الحياة هي المركز الأصليّ لكل عمل الله، ولم يغرس الله الموت، ولم يكن له جذر ولا مكان له في الفردوس، لأن الموت عقيمٌ، ولأن الحياة كانت هي مركز كل شيء خلقه الله، وللموت طبيعة، وهي توقف الحياة“.[24]

الشيطان هو مصدر الموت

وينفي ق. غريغوريوس النيسيّ أن يكون الله هو خالق الموت، بل الشيطان هو مصدر الموت، لأن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس كالتالي:

”لم يخلق الله الموت، وإنما أبو ومصدر الموت هو ملك الشر أيّ الشيطان، لأن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس“.[25]

الشر هو بداية الموت وليس الله

يُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ أن الشر هو بداية الموت وأساس الفساد، وليس الله كالتالي:

”فيما الشرّ هو مختلف الألوان، ويمثلُ أمامنا بحيث نحسبه شيئًا، ومع الخبرة يتبيَّن لنا شيئًا آخر. وإن معرفته، أي تقبله بالخبرة، هي بداية الموت وأساس الفساد“.[26]

الله ليس خالق الموت

ويُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الله لم يخلق الموت، بل ملك الشرّ، أي إبليس الذي حرم ذاته من الحياة، وصار هو أبو الموت، لأن الموت جاء إلى العالم بحسد إبليس كالتالي:

”لم يكن الله هو خالق الموت، بل ملك الشرّ، إبليس، الذي حرم ذاته من الحياة. صار أبًا للموت. لأن الموت جاء إلى العالم بحسد إبليس“.[27]

التعدي هو أم الموت

يُؤكِّد النيسيّ على أن التعدي بالآكل من شجرة معرفة الخير والشر هو أم الموت بالنسبة للبشر، وليس الله هو مُنزِله على البشرية كالتالي:

”وأصبحت هذه الأكلة أم الموت بالنسبة إلى البشر“.[28]

دخول الموت لمنع تأبيد الشر

يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ في نفس سياق الآباء السابقين إلى دخول الموت إلى العالم، حتى لا يظل الشر مُؤبَّدًا في البشر كالتالي:

”ولكن لأن كل جلد ينفصل عن الحيوان هو شيء ميت، أعتقد أن شافي شرّنا ببصيرته، قد كسا بعد ذلك البشر بهذه القوة نحو الموت، التي هي خاصية الطبيعة غير العاقلة، حتى لا يبقى الشرّ بعد ذلك في البشر إلى الأبد. لأن الأقمصة هي شيء يُوضَع خارجنا مُقدِّمةً خدمة مؤقتة لأجسادنا، وليست متأصلةً في طبيعة الإنسان“.[29]

ويُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ نفس الأمر في موضع آخر أنه لكي لا يستمر الشرّ الكامن فينا إلى الأبد، يتحلَّل الجسد مؤقتًا من خلال العناية العظمى للموت، فالموت هو تنقية من الشر كالتالي:

”الموت ليس أكثر من تنقية من الشرِّ […] كي لا يستمر الشرّ الكامن فينا إلى الأبد، يتحلَّل الجسد مؤقتًا من خلال العناية الأعظم للموت، وبإزالة الشرِّ على هذا المنوال، فإن الطبيعة الإنسانية يُعَاد تشكيلها لتقوم مرةً ثانيةً، فتنفصل عن الشرّ، وتعود إلى حياتها الأولى“.[30]

الإنسان أمات نفسه بنفسه

يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الإنسان بقبوله الحرّ لعرض الشرير، وضع نفسه أعلى من الله، الذي هو مصدر الحياة، ولذلك أدخل الإنسان برغبته أشياءً غير طبيعية وجديدة على نفسه كالتالي:

”الإنسان، بقبوله الحرّ لعرض الشرير، وضع نفسه أعلى من الله الذي هو أصل الحياة. ولهذا السبب، فإن الإنسان أدخل، وبرغبته، أشياءً غير طبيعية وجديدة على نفسه“.[31]

ق. يوحنا ذهبي الفم

الخطية سبب الموت وليس الله

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم، مثله مثل الآباء السابقين واللاحقين عليه، أن خطية الإنسان هي سبب الموت، وليس الله نفسه هو علة الموت كالتالي:

”لأن خطية الإنسان كانت هي سبب الموت، ولكن بعد أن أتى المسيح، أبطل الخطية، وحرَّرنا منها عن طريق المعمودية“.[32]

يتساءل ق. يوحنا ذهبي الفم عن سبب الموت، فيجيب بنفسه أن سبب الموت هو الخطية، وليس الله هو علة الموت، بل هو الذي قضى على الموت وجرَّده من كل أسلحته، وأنهى على كل مملكة الخطية قائلاً:

”إذًا، ما هو سبب الموت؟ سبب الموت هو الخطية، قال هذا لكي يُقدِّم الخطية كما لو كانت ملكًا، والموت مثل الجندي يخضع لأوامره، ويأخذ مؤونته منه. وبناءً على ذلك، فلو أن الخطية قدَّمت مؤونةً للموت، فمن الواضح جدًا أن البرَّ لاشى الخطية، والذي أتى بالنعمة لم يُجرِّد الموت فقط من أسلحته، بل وقضى عليه أيضًا وأنهى كل مملكة الخطية تمامًا“.[33]

وبالتالي، فمَّن يقول أن الله يُمِيت البشر فهو دون أن يدري يُساوِي بين الله والخطية، حاشا! ويجعل من الله علة الموت كما الخطية وحاشا أن يكون الله كذلك!

الموت في صالح الإنسان

ويرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الموت لم يكن عقوبةً، بل كان الموت في صالح الإنسان لمنع تأبيد الخطية والشر إلى الأبد، وبالتالي، كان الموت خيرًا للبشر وليس عقوبةً كالتالي:

”أننا لم نُضَار مطلقًا من أن الموت قد ملك على الجميع، بل إننا قد ربحنا، بكوننا قد صرنا فانيين، أولاً، لأنه لو كان لنا جسدًا غير قابل للموت، فإن ذلك سيكون دافع للاستمرار في ارتكاب الخطية، ثانيًا، لكي تكون لدينا دوافع غير محدودة في جهادنا لتحقيق التقوى. لأنه بالحقيقة عندما يكون الموت حاضرًا، وعندما ننتظره، فإنه يُقنِعنا أن نكون متواضعين، ومتعقلين، وبسطاء، وأن نتخلص من كُل شرّ. ومع هذا، فمن الأفضل أن نقول أولاً إننا ربحنا بالموت خيرات أخرى وفيرة، لأنه من هنا استُعلِنَت أكاليل الشهداء، ومكافآت الرسل. هكذا تبرَّر هابيل، وهكذا تبرَّر إبراهيم الذي قدَّم ابنه ذبيحةً، وهكذا أيضًا تبرَّر يوحنا الذي مات لأجل المسيح، وأيضًا الفتية الثلاثة، كما تبرَّر دانيال. لأنه لو أردنا البرَّ، فلن يستطيع الموت ولا الشيطان نفسه أن يُسبِّب لنا ضررًا أو أذى“.[34]

الموت فائدة للإنسان

ويُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على أن الموت كان لفائدة الإنسان في موضع آخر، حيث يرى أن كسر الوصية جلب الموت على الإنسان، وهكذا أصبح الإنسان عرضةً للفساد وخاضعًا في المستقبل لحاجات الجسد، فطرده الربُّ من الفردوس، ودبَّر الموت على نحوٍ مفيد لكي لا يبقى في الخطيئة إلى الأبد، إذَا ما أكل من شجرة الحياة التي تُقدِّم الحياة الأبدية، وهكذا منع الله بتدبيرٍ حسن تأبيد الشر والخطية، ويُؤكِّد ذهبيّ الفم أيضًا أن دافع الله الوحيد من هذا الإجراء كان حبه للإنسان، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنه عقوبة جزائية انتقامية من الله لكي يُهلِك ويُمِيت الإنسان الخاطئ، مُجدِّفين على الله وناسبين إليه إفناء وإماتة البشرية. بل يرى ذهبيّ الفم أيضًا أن الطرد من الجنة كان علامةً على الرعاية وليس الغضب من قِبَل الله، وهكذا كشف الله عن رعايته لنا في العقاب، فالعقاب من أجل التقويم والإصلاح والتعليم، وليس الهلاك والفناء كما يدَّعي الجهلاء بدون وعي كالتالي:

”وقدَّم أمثلة هناك هاتين الشجرتين، واحدةٌ للحياة والأخرى للموت (إذَا جاز التعبير)، بمعنى أن تذوقها وكسر الوصية جلب الموت عليه. لذلك، عندما أكل من هذه الشجرة أصبح عُرضةً للفساد وخاضعًا في المستقبل لحاجات الجسد، وكانت بداية دخول الخطيئة، وتمَّ تدبير الموت على نحوٍ مُفيد من قِبَل الربِّ، فلم يسمح بعد لآدم بالبقاء في الجنة لكنه أمره بمغادرتها، مُوضِّحًا لنا أن دافعه الوحيد للقيام بذلك هو حبه له. […] بعبارةٍ أخرى، بما أنه أظهر بأمثلةٍ كثيرةٍ الفجور من خلال الوصية التي أعطاه إياها بالفعل وأصبح عُرضةً للفساد، لئلا يمد يده إلى هذه الشجرة التي تهب حياة أبدية ويبقى في الخطيئة إلى الأبد. فإنه من الأفضل له أن يتمَّ طرده من هنا. وهكذا كان الطرد من الجنة علامةً على الرعاية وليس الغضب. كشف ربُّنا بذلك عن عنايته لنا في العقاب بما لا يقل عن منحه العطايا، وحتى عقابه في هذه الحالة من أجل التعليم“.[35]

الموت ليس شرًا بل خيرًا

يرى ق. يوحنا ذهبي الفم أن الموت ليس شرًا، ولكنه خيرٌ، فالموت هو تحرُّر من الهموم ومعونة للمعذَّبين، ويُوقِّفنا عن فعل الخطية، ويرى ذهبيّ الفم أن الموت هو نتيجة لخطايانا، وليس الله هو علته وفاعله كالتالي:

”لا يمكن أن يُعتبر الموت شرًا يا أخوتي، ولكنه خيرٌ. ولست أقول هذا من ذاتي، بل أيوب الصديق يُعلِنه بقوله: ’الموت راحةٌ للإنسان‘ (أي 3: 5). ويُعلِن بولس الرسول: ’الذي مات قد تبرأ من الخطية‘ (رو 6: 7). الموت تحرُّر من الهموم ومعونةٌ للمعذَّبين. الموت يُوقِّفنا عن فعل الخطية. أرأيت محبة السيد الربّ للبشر. لقد جعل العقاب الذي نتج عن خطايانا – أي الموت – خلاصًا. لأنه إنْ لم يوجد الموت، لمَّا كان لنا أن نتوقف عن فعل الشرِّ، وإنْ كنا لا ننتظر الديَّان الآتيّ، لمَّا ابتعدنا عن الفساد الذي لَحقَ بطبيعتنا نتيجة الخطية، وإنْ كنا لا ننتظر الدينونة، لمَّا أصبح لنا رجاء“.[36]

ق. كيرلس الإسكندري

الخطية هي علة الموت وليس الله

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على قبول آدم للموت كنتيجة للعصيان والخطية، لذا نستنتج أن الخطية والعصيان هما علة الموت، وليس الله كالتالي:

”وكما أن آدم قَبِلَ الموت كنتيجة للخطية والعصيان، أصبح التبرير بواسطة المسيح جرمًا بحسب جهل اليهود، هكذا، فإنه بألم الموت، كُلِّل المسيح بالكرامة والمجد بحسب كلمات بولس الطوباويّ (أنظر عب 2: 9؛ في 2: 9)“.[37]

الإرادة الإلهية تمقت إفناء المخلوقات

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندريّ عن أن الإرادة الإلهية تُمقِت إفناء المخلوقات، لأن الله خلق كل شيء للوجود، وليس للفناء كالتالي:

”لأنه يقول: ’الله خلق كل شيء ليكون موجودًا، وتكوين العالم خلاص، ولا توجد مملكة الجحيم على الأرض. بل جاء الموت إلى العالم من حسد الشيطان‘ (حك1: 14). فقد بدَّلت الإرادة الإلهية الموت، وأبطلت الفساد، وهي تُمقِت إفناء المخلوقات؛ لأن الله خلق كل شيء لكي يوجد كما هو مكتوب“.[38]

الخطأة هم قتلة أنفسهم

ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ بوضوحٍ في موضع آخر أن الخطاة هم قتلة أنفسهم، وليس الله يُعاقِبهم بالموت كما يدَّعي البعض عن جهل كالتالي:

”ليس أمرًا غير متوقع أن يُحسَب كل الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مُخالِفين لله كما يقول الكتاب: ’لأن تصوُّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته‘ (تك 8: 21)“.[39]

الموت في مصلحة الإنسان

ويرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن وجود الموت الجسديّ كان في مصلحة الإنسان حتى لا يصل الإنسان إلى مرحلة الدمار الكامل كالتالي:

”هكذا حُكِمَ على الإنسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرةً للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشرِّ، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشرِّ. فحسنًا، بطريقةٍ مفيدةٍ، وُجِدَ الموت الجسدي الذي لم يُؤدِ بالإنسان إلى الدمار الكامل“.[40]

دخول الموت بحسد إبليس

ويُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الموت دخل بواسطة الخطية، وأنها بعد ذلك تسبَّبت في الموت، فالله لم يخلق الموت، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس قائلاً:

”ولكن من الواضح أن الموت دخل بواسطة الخطية (رو 5: 12). […] لقد خلق الله كل شيء في عدم فساد، وهو لم يخلق الموت، بل ’دخل الموت بحسد إبليس‘ (حك 1: 13؛ 2: 24)“.[41]

ق. بروكلس رئيس أساقفة القسطنطينية

الشيطان مسلمنا إلى الموت

يُشِير ق. بروكلس، رئيس أساقفة القسطنطينية، وأحد أبطال مجمع أفسس المسكوني الثالث 431، إلى أننا بسبب الخطيئة سُلِّمَنا للشيطان، وبالشيطان سُلِّمَنا إلى الموت قائلاً:

”لأنه كما قال بولس: ’إذ الجميع أخطأوا‘ (رو 3: 23)؛ لأنه بسبب الخطيئة سُلِّمَنا للشيطان، وبالشيطان سُلِّمَنا للموت“.[42]

قطف آدم الموت لنفسه

يرى ق. بروكلس القسطنطينيّ أن آدم عندما مدَّ يده إلى الشجرة قطف الموت، بينما المسيح بسط يديه على الصليب وعانق العالم كالتالي:

”هذا [آدم] مدَّ يده إلى الشجرة وقطف الموت، ولكن هذا بسط يديه على الصليب وعانق العالم، وصرخ في الأناجيل قائلاً: ’وأنا إنْ ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع‘ (يو 12: 32)“.[43]

ق. ساويروس الأنطاكي

الموت نتيجة طبيعية للضعف الجسدي

يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على أن الموت هو بالفعل نتيجة طبيعية لضعف الجسد كالتالي:

”التعرض للموت هو بالفعل نتيجة طبيعية لضعف الجسد. ولكن كلمة الله القادر على كل شيء، والذي هو نفسه القدرة والحياة، قد وحَّد أقنوميًا معه هذا الجسد الضعيف المحيَي بنفسٍ عاقلةٍ. أمَّا أنه تألم في الجسد من أجلنا، فهذا تؤكده الكتب الإلهية“.[44]

سيادة الموت والهموم بعد السقوط

يُشِير ق. ساويروس الأنطاكيّ إلى أن الضيق والتعاسة وفساد الموت لم يحدث للإنسان إلا بعد تعديه الوصية والحكم عليه بالسقوط من الفردوس، رغم أن الله نفسه لم يصنع الموت، ولا يسر بهلاك الأحياء كالتالي:

”لأن ما قاله الحكيم: ’فإن الجسد الفاسد يُثقِّل النفس والخيمة الترابية عبء للعقل الكثير الهموم‘ (حك 9: 15). هذا لم يحدث إلا بعد تعدي الوصية، وبحدوثه حُكِمَ على الإنسان بالسقوط من الفردوس، وبالمضايقات وبالتعاسة وبالأحزان وبفساد الموت؛ فكان يسمع فعلاً: ’وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أُخِذت منها. لأنك تراب وإلى ترابٍ تعود‘ (تك 3: 18-19). لكن قبل أن يعصي وصية الله الذي كان يمتحن حريته، كان مُكرَّمًا بنعمة الخلود؛ لأن الذي قال: ’فإن الجسد الفاسد يُثقِّل النفس‘، قال قبل ذلك بقليل: ’لأن الله لم يصنع الموت ولا يُسرّ بهلاك الأحياء‘ (حك 1: 13). إن الهموم أيضًا قد سادت بسبب الخطية والشرِّ، ومكتوب فعلاً في سفر أيوب المملوء حكمةً: ’الشرير هو يتلوى كل أيامه وكل عدد السنين المعدودة للعاتي‘ (أي 15: 20)“.[45]

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس

يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، رغم أن الله خلق الإنسان لعدم الفساد، وجعله صورة ذاته الإلهية، لأن الإنسان الأول، آدم، قد خُدِعَ وأطاع وصية الوسوَّاس المملوءة حسدًا كالتالي:

”وأخصُّ بكلمتي سقوط الطبيعة البشرية الذي حدث بالحيلة، حينئذٍ أحزن وأئن، ’فإن الله خلق الإنسان لعدم الفساد وجعله صورة ذاته الإلهية، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 23-24)، لأن آدم، الإنسان الأول، قد خُدِعَ وأطاع وصية الوسوَّاس التي أملاها الحسد“.[46]

مار أغريس البنطي

لا يشأ الله موت أحد

يُؤكِّد مار أوغريس ”إيفاجريوس“ البنطيّ، أحد أهم آباء الرهبنة المصرية في عصره، على أن الله لا يشأ موت أحد، ليس لكونه لا يستطيع أن يخلق كائنًا أبديًا مثله لا يرتكب خطية، بل لأنه لا يوجد شيء يمكن أن يعمله ضد طبيعته، وهذا يؤكد على أن الله لا يُمِيت البشر كما يدَّعي البعض عن دون وعي قائلاً:

”هناك ثلاثة أشياء مستحيلة عند الله، أن تعجز إرداته، أو قدرته الخلاَّقة، أو قدرته الفاعلة. فهو لا يشأ موت أحد (2بط 3: 9)، ليس لكونه لا يستطيع أن يخلق كائنًا أبديًا مثله لا يرتكب خطيةً. لكن لا يوجد شيء يمكن أن يُعمَل ضد طبيعته“.[47]

لا يوجد الموت والحياة في نفس الشخص والوقت

ويُشدِّد مار أوغريس على استحالة وجود الحياة والموت في نفس الشخص وفي نفس الوقت، فما بالك الله الذي هو الحياة ومصدر كل حياة، كيف يدَّعي هؤلاء أن الله يُمِيت البشر ويُهلِكهم كالتالي:

”تمامًا كما أن الحياة والموت لا يمكن أن يوجدا معًا في نفس الشخص وفي نفس الوقت. هكذا أيضًا من المستحيل للمحبة أن توجد مع محبة المال“.[48]

موت النفس هو الشر

ويُشِير مار أوغريس إلى أن موت ومرض النفس هو الشر، وليس الله هو مُهلِكها وفانيها قائلاً: ”موت ومرض النفس هما شرٌ“.[49]

مار إسحاق السرياني

لا يوجد الموت في الله

يرى مار إسحاق السريانيّ، أحد أهم الآباء النساك الذي أثرت ميامره النسكية في العالم المسيحي كله بكافة طوائفه، أن الخطيئة وجهنم والموت لا يوجدوا إطلاقًا مع الله كونهم نتائج أو تأثيرات، وليسوا جواهر أو مواد في حد ذاتهم كالتالي:

”إن الخطيئة وجهنم والموت لا يوجدوا إطلاقًا مع الله كونهم نتائج [أو تأثيرات]، وليسوا جواهر أو مواد. فالخطيئة هي ثمرة الإرادة الحرة. كان هناك وقت لم توجد فيه الخطيئة، وسوف يأتي وفت حين لا تكون موجودةً أيضًا. جهنم هي ثمرة الخطيئة. وجهنم بدأت في وقتٍ مُعيَّنٍ من الزمن، إلا أن نهايتها غير معروفة. الموت، على كل حال، هو تدبير أو حكم صادر من حكمة الخالق. وهو سوف يملك إلى فترة قصيرة فقط على الطبيعة؛ ثم بعد ذلك سوف يُلغَى تمامًا. اسم الشيطان جاء من انحرافه الإراديّ عن الحق؛ وهو لا يشير إلى وجوده هكذا بصورةٍ طبيعيةٍ“.[50]

ق. مكاريوس الكبير

موت الإنسان عن الله

يرى ق. مكاريوس الكبير، أحد أهم آباء الرهبنة المصرية في عصره، أن آدم عند اقتنى نيات وأفكار شريرة، فإنه مات عن الله، وهكذا ندرك أن الموت هو نتيجة العصيان وفعل إراديّ خاص بالإنسان الذي يموت بخطيته ونياته وأفكاره الشريرة عن الله، فالإنسان أمات نفسه بنفسه عن الله بمعصيته كالتالي:

”هكذا كانت الضيعة – التي هي شخص آدم – ثمينةً قبل المعصية، ولكن لأنه اقتنى نياتٍ وأفكارًا شريرةً، مات عن الله. غير أنا لا نقول إنه قد فَنِيَ بالتمام وهلك ومات؛ فإنه مات عن الله ولكنه ما فتئ يحيا بطبيعته الخاصة“.[51]

الإنسان هو علة هلاكه وموته

يُشِير ق. مكاريوس الكبير إلى أن الإنسان هو علة هلاكه وموته إذَا أراد، لأن الله منحه إرادة حرة كما أن الله له إرادة حرة وما يريده يفعله كالتالي:

”لهذا، فإنك أنت على صورة الله وشبهه، لأنه كما أن لله إرادة حرة وما يريده يفعله – فإنْ كان يشاء، فبحسب سلطانه، يُرسِل الأبرار إلى جهنم والخطأة إلى الملكوت، ولكنه لا يختار هذا ولا يقبله لأن الربَّ هو الديَّان العادل – هكذا أنت أيضًا لك سلطانٌ على ذاتك، وحتى إلى الهلاك إنْ كنت تشاء. فأنت ذو طبيعة قابلة لتغيير مسارها، فإن أردت أن تُجدِّف أو سمًا وتقتل به أحدًا، فليس مَن يُقاوِمك أو يمنعك“.[52]

موت النفس بانفصالها عن الروح القدس

يرى ق. مكاريوس الكبير أن النفس الإنسانية تكون ميتة عن الملكوت وذلم بانفصالها عن الروح القدس، الروح الإلهيّ، كالتالي:

”هكذا بدون النفس السماوية، أي الروح الإلهيّ، تكون النفس ميتةً عن الملكوت، إذ لا قدرة لها على فعل شيءٍ مما لله بدون الروح القدس“.[53]

ق. يوحنا كاسيان

الله ليس صانع الموت

ينقل ق. يوحنا كاسيان شهادة الأب شيريمون، أحد آباء المصرية الكبار آنذاك، عن أن الهالكين يهلكون بغير إرادة الله، لأن الله ليس بصانع الموت، وليس كما يدَّعي الجهلاء أن الله يُمِيت البشر ويُهلِكهم كالتالي:

”وإذ الهالكون يهلكون بغير إرادة الله، لهذا يمكننا أن نقول بأن الله ليس بصانع الموت، وذلك كشهادة الكتاب المقدَّس القائل: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره‘ (حك 1: 13)“.[54]

 

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الثالث: شهادة الليتورجية القبطية

دخول الموت بحسد إبليس

تحتوي الليتورچية القبطية على العديد من الإشارات التي تنفي أن يكون الله علة موت الإنسان، أو يميت الإنسان كعقوبة له على الخطية، بل الله جبل الإنسان على غير فساد (موت)، بينما دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس. حيث يُصلِي الكاهن في صلاة الصلح في القداس الباسيليّ الآتي:

”يا الله العظيم الأبديّ الذي جبل الإنسان على غير فساد: والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس هدمته بالظهور المحيي الذي لابنك الوحيد الجنس ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح“.[55]

الإنسان أختطف الموت لنفسه

وهكذا يُصلِي الكاهن في القداس الغريغوريّ في صلاة ”قدوس“ مُؤكِّدًا على أن الإنسان هو الذي بإرادته خالف الوصية، وأختطف له قضية الموت، ولم يكن الله هو الذي عاقبه بالموت كالتالي:

”غرسٌ واحدٌ نهيتني أن آكل منه، فأكلتُ بإرادتي، وتركتُ عني ناموسك برأيي. وتكاسلت عن وصاياك. أنا اختطفتُ لي قضية الموت“.[56]

تأديبات الله المؤدية للحياة

ويُصلِي الكاهن أيضًا في طلبة ”أنت يا سيدي“ في القداس الغريغوريّ مُخاطبًا الله الذي حوَّل عقوبة الموت إلى خلاص، وليس هو الذي عاقب الإنسان بالموت، بل وأدَّب الله الإنسان بالتأديبات المؤدية للحياة، وليس إلى الموت كالتالي:

”أنت يا سيدي حوَّلت ليَّ العقوبة خلاصًا. كراعٍ صالحٍ سعيت في طلب الضال. كأبٍ حقيقيّ تعبت معي أنا الذي سقط. أدَّبتني بكل التأديبات المؤدية إلى الحياة. أنت الذي أرسلت لي الأنبياء من أجلي أنا المريض“.[57]

لا يشأ الله موت الخاطئ بل توبته

ويُصلِي الكاهن في صلاة المجمع بالقداس الغريغوريّ مُؤكِّدًا على أن الله لا يشأ موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، وليس أن الله يُمِيت الخاطئ كعقوبة له على خطيئته كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي قائلاً:

”لأنك أنت هو الله الرحوم الذي لا يشأ موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا. ردنا يا الله إلى خلاصك. وأصنع معنا كصلاحك“.[58]

 

 

نستنتج مما سبق، أن الله لا يُعاقِب البشر بالموت، بل الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، ونتيجة خطية الإنسان لصالح الإنسان وخيره، وذلك لإنقاذه من البقاء في الشر والخطية إلى الأبد. لأنه لو الموت له أصل إلهيّ في الله، لصار الموت سرمديًا أيّ أزليًا وأبديًا، وهذه هي الثنائية الغنوسية والمانوية، التي تجعل من الموت كيانًا مُوازيًا لله، طالما أن الله يُعاقِب البشر بالموت، فمعنى ذلك أن فعل الإماتة أو إنزال الموت كعقوبة له أصل أزليّ في الله، فيكون الموت أزليّ أبديّ، وبالتالي، معنى ذلك تأليه الموت والعدم، وهذه هي الهرطقة الغنوسية والمانوية عينها التي تجعل من الشر والموت والظلام إلهًا في مُقابل إله الخير والحياة والنور.

 

[1] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 3: 22: 4، ص 111.

[2] المرجع السابق، 3: 23: 1، ص 112.

[3] المرجع السابق، 3: 23: 6، ص 115، 116.

[4] ثيؤفيلوس الأنطاكي (قديس)، الرد على أتوليكوس، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2019)، 2: 27، ص 82.

[5] المرجع السابق، 2: 29، ص 84.

[6] يوستينوس الشهيد (قديس)، الحوار مع تريفون اليهودي، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2012)، الفصل 124، ص 299.

[7] ميثوديوس الأوليمبي (قديس)، وليمة العشر عذارى، ترجمة: الراهب القمص تيموثاوس المحرقي، (القاهرة، 2009)، حوار 9: 2، ص 201.

[8] المرجع السابق، حوار 3: 7، ص 118، 119.

[9] نوفاتيان، عن الثالوث، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: رسالتنا للنشر والتوزيع، 2022)، 5: 1، ص 37.

[10] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة وإعداد: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الخطاب إلى فابيوس أسقف أنطاكية : 3، ص 78.

[11] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 3: 4، ص 9.

[12] المرجع السابق، 5: 1، ص 13.

[13] المرجع السابق، 5: 2، ص 13.

[14] المرجع السابق، 5: 3، ص 13.

[15] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 6: 2، ص 15.

[16] هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، (البحر الأحمر: دير الأنبا أنطونيوس، 2017)، 2: 7، ص 242، 243.

[17] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2012)، ص 26.

[18] المرجع السابق، ص 34.

[19] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، عظة 5: 5 على مز 30، ص 171.

[20] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2012)، ص 34.

[21] باسيليوس الكبير (قديس)، أيام الخليقة الستة، ترجمة: القمص بيشوي الأنطوني، مراجعة: نيافة الأنبا بطرس الأسقف العام، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 1996)، عظة 2: 5، ص 29.

[22] غريغوريوس النزينزي (قديس)، عظات القيامة، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2015)، العظة الفصحية الثانية 45: 8، ص 25.

[23] غريغوريوس النزينزي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، 1994)، الخطاب الثاني ضد يوليانوس الجاحد، ص 87.

[24] Gregory of Nyssa, Commentary on the Song of Songs, Tans. by C. Mc Cambley, Intro. by Panagiotes Chresteu, (Hellenic College Press, 1987), Homily 12, p. 216. See also Gregory of Nyssa, Homilies on The Song of Songs, Trans. & Intro. by Richard A. Norris, (Atlanta: Society of Biblical Literature, 2012), Homily 12, p. 369.

[25] Gregory of Nyssa, on the inscriptions of the Psalms, Trans. by C. Mc Cambely, (Hellenic College Press, 1988), p. 139. See also Gregory of Nyssa, Treatise on The Inspections of The Psalms, Trans. & Intro. by Ronald E. Heine, (Oxford: Clarendon Press, 1995), 2: 271, p. 209.

[26] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 20، ص 109.

[27] Gregory of Nyssa, on the inscriptions of the Psalms, 16, PG 44: 601C.

[28] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 20، ص 109.

[29] غريغوريوس النيسي (قديس)، تعليم الموعوظين، ترجمة: د. چورچ فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2022)، 8: 4، ص 140.

[30] Gregory of Nyssa, Panegyric on Queen Pulcheria, PG 46: 876D-877A.

[31] Gregory of Nyssa, on Virginity, 12, PG 46: 372A.

[32] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة 42: 3، تعليق على (1كو 15: 65)، ص 426.

[33] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 4، ص 254.

[34] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 3، ص 252.

[35] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، التفسير الكبير لسفر التكوين ج2، ترجمة: القس بولا رأفت عزيز، (القاهرة، 2023)، عظة 18: 8-9، ص 109، 110.

[36] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، بين موت الخطية وموت الجسد (تأملات كتابية ومختارات آبائية)، ترجمة وإعداد: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2017)، عظة عن الصبر منسوبة للقديس يوحنا ذهبي الفم، ص 20.

[37] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 125.

[38] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة السادسة، ص 231.

[39] المرجع السابق، المقالة الثامنة، ص 339.

[40] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 114، 115.

[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 9)، ص 122، 123.

[42] بروكلس أسقف القسطنطينية (قديس)، بروكلس أسقف القسطنطينية (حياته – تعاليمه – عظاته)، ترجمة: مينا عياد فوزي يسى، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2022)، عظة 1: 7، ص 99.

[43] المرجع السابق، عظة 2: 7، ص 116.

[44] ساويروس الأنطاكي (قديس)، كيرلس محب الحق، ترجمة: الراهب القس غريغوريوس آفا مينا، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، ص 616.

[45] ساويروس الأنطاكي (قديس)، سيرة ومقالات القديس ساويروس الأنطاكي مج1، إعداد: المؤرخ يوسف حبيب، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2017)، مقالة عن الصوم، ص 202.

[46] المرجع السابق، مقالة بعنوان ”مَنهو أعظم في ملكوت السموات“، ص 296.

[47] أوغريس البنطي (مار)، مار أوغريس البنطي (من آباء الرهبنة الأولين)، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: الأنبا إيسيذوروس، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021)، الرسالة الكبرى إلى ميلانيا، ص 491، 492.

[48] المرجع السابق، براكتيكوس، الفصل 18، ص 137.

[49] المرجع السابق، كيفالايا غنوستيكا 1: 41، ص 174.

[50] اسحاق السرياني (مار)، الميامر النسكية، ترجمة: أنبا سارافيم أسقف الإسماعيلية، (وادي النطرون: دير السيدة العذراء البرموس، 2017)، ميمر 27، ص 297.

[51] مكاريوس الكبير (قديس)، العظات الخمسون، ترجمة: الراهب يونان المقاري، (وادي النطرون: دير القديس أبو مقار، 2019)، عظة 12: 1، 2، ص 254.

[52] المرجع السابق، عظة 15: 23، ص 298.

[53] المرجع السابق، عظة 30: 3، ص 460.

[54] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته – كتاباته – أفكاره)، (القاهرة: مطبعة الأنبا رويس، 1997)، مناظرة 13، ص 255.

[55] إيسيذوروس البراموسي (قمص)، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة: نيافة الأنبا متاوؤس أسقف دير السريان، (القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، 1994)، ص 142.

[56] المرجع السابق، ص 200.

[57] المرجع السابق، ص 201.

[58] المرجع السابق، ص 213.

 

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

ولادة المسيح بدون ألم من العذراء مريم – د. أنطون جرجس عبد المسيح

ولادة المسيح بدون ألم من العذراء مريم – د. أنطون جرجس عبد المسيح

ولادة المسيح بدون ألم من العذراء مريم – د. أنطون جرجس عبد المسيح

ولادة المسيح بدون ألم من العذراء مريم – د. أنطون جرجس عبد المسيح

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ديسمبر 2023م

 

 

الفهرست

ولادة العذراء مريم بدون ألم 1

أناشيد سليمان. 2

ق. إيرينيؤس أسقف ليون. 2

ق. كبريانوس أسقف قرطاجنة 3

ق. غريغوريوس العجائبي. 3

زينو من فيرونا 4

ق. أثناسيوس الرسولي. 4

مار أفرام السرياني. 5

ق. غريغوريوس النزينزي. 6

ق. غريغوريوس النيسي. 6

ق. كيرلس الإسكندري. 8

ق. بروكلس بطريرك القسطنطينية 9

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان. 10

أوغسطينوس أسقف هيبو 11

ق. بطرس كريسولوغوس.. 11

ق. ساويروس الأنطاكي. 12

يوحنا الدمشقي. 13

الليتورجية القبطية 15

الليتورجية الرومية 15

توما الأكويني. 17

جيوفاني بونافنتورا 18

كاتشيزم مجمع ترنت 1566م 18

الخلاصة 19

 

 

 

 

ولادة العذراء مريم بدون ألم

سوف نُناقِش في هذا البحث موضوع ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم ووجع الولادة، وذلك من خلال الإشارات الكتابية والآبائية إلى هذا التعليم الأرثوذكسيّ السليم. حيث يرى أغلب آباء الكنيسة المعلِّمين أن آلام الولادة والمخاض هي أحد نتائج سقوط أبوينا الأولين آدم وحواء، وبالخصوص أمنا حواء، حيث قال الله لأمنا حواء بعد السقوط: ”وقال للمرأة: تكثيرًا أكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلدين أولادًا“ (تك ٣: ١٦). فآلام الولادة بحسب رواية سفر التكوين هي أحد نتائج السقوط، وهكذا كان لابد لحواء الثانية أن تلد ابنها آدم الثاني بدون آلام الولادة أو المخاض، لأن المسيح محا نتائج السقوط في تدبير تجسُّده، وكان أحدها هو آلام الولادة أو المخاض. وهناك نبوة في سفر إشعياء تُشِير إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون آلام الولادة أو المخاض، حيث يقول إشعياء النبيّ التالي: ”قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا الطَّلْقُ وَلَدَتْ. قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهَا الْمَخَاضُ وَلَدَتْ ذَكَرًا“ (إش ٦٦: ٧).

لذا تُؤمن الكنيسة الأرثوذكسية وفقاً للكتاب المقدس، وما تسلَّمناه في التقليد المقدَّس وتعليم الآباء القديسين، وبشهادة الصلوات الليتورجية، أنّ ولادة العذراء للمسيح كانت ”ولادةً لا تُفَسَّر ولا يُنطَقُ بها“، أي أنها ولادة فائقة الطبيعة، كما كان أيضاً حَبَلُها بالمسيح فوق نواميس الطبيعة. كما يُلمِّح الإنجيليّ لوقا إلى الولادة المعجزية في (لو7:2) حيث من الغريب أنّ إمرأة تلد بآلام المخاض، التي تستنزف منها آلامًا وجهدًا وطاقةً كبيرة، ومن ساعتها تقوم هي بنفسها بلفِّ المولود بالأقمطة وتُضجِعه في المذود، إذ من المألوف، قديماً، أنه في تلك الساعة، تُحِيط نساء العائلة بسرير المرأة، وفي أغلب الأحيان تكون معهنّ القابلة ليساعدنها ويخدمنها.

أناشيد سليمان

نجد إشارة مُبكرة جدًا لولادة المسيح من العذراء بدون وجع الولادة في أناشيد سليمان كالتالي:

”قد وجِدت أحشاء العذراء مخصبة، فحبلت وولدت، وصارت أمًا مُكرَّمة، وحظيت بمراحم كثيرة ونالت نعمة مُعظَّمة. قد أتت الساعة فولدت ابنًا بغير وجيعة، وهذا أمرٌ غريبٌ، لا يحدث أبدًا بدون علة، ولم تحتج قابلةً، ولا طلبت أية معونة، لأنه منحها أن تُخرِج الحياة من حشا بتولية“.[1]

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

يستخدم ق. إيرينيؤس أسقف ليون بفرنسا، والملقَّب بـ ”أبو التقليد الكنسيّ“، نبوة (إش ٦٦: ٧) لكي يُؤكِّد على ولادة المسيح من العذراء مريم بدون آلام الولادة والمخاض قائلاً:

”ويُشِير النبيّ نفسه في مكانٍ آخر إلى الميلاد بقوله: ’قبل أن يأخذها الطلق ولدت، قبل أن يأتي عليها المخاض ولدت ذكرًا‘ (إش ٦٦: ٧). وبهذه الطريقة، فهو يُشِير إلى الولادة العجيبة الفائقة الوصف من العذراء“.[2]

ق. كبريانوس أسقف قرطاجنة

ويُشِير ق. كبريانوس أسقف قرطاچنة أيضًا إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم الولادة أو المخاض قائلاً:

إنها بقدرة الله استمرَّت عذراء وولدت بلا ألمٍ وبلا مُساعدة قابلة، وخَدَمَت بذاتها وِلادتها بكل ورَعٍ. لأنها كانت تُعانِق ثمرتها المحبوبة وتُقبِّلها وتُغذِّيها بكل ابتهاج وبلا وَجعٍ وبدون أدنى مُساعدة أجنبية“.[3]

ق. غريغوريوس العجائبي

يُؤكِّد ق. غريغوريوس العجائبيّ، أسقف قيصرية الجديدة بآسيا الصغرى (تركيا حاليًا)، على ولادة المسيح من العذراء بدون أوجاع الولادة قائلاً:

ولن تخاف بنات حواء من اللعنة القديمة، أو من أوجاع الولادة. لأن المسيح، فادي جنسنا، ومُخلِّص كُل البشرية، آدم الروحانيّ، الذي شفى جراحات الخليقة الترابية، جاء من أحشاءك المقدَّسة. مُباركةٌ أنت في النساء، ومُباركةٌ هي ثمرة بطنك، لأن الذي يحمل لنا كُل البركات ظهر كثمرة منك“.[4]

زينو من فيرونا

زينو Zeno من ڨيرونا Verona بشمال إيطاليا، هو لاهوتيّ لاتينيّ معروف من شمال إيطاليا، يتحدَّث عن ولادة المسيح من العذراء مريم بدون ألم الولادة قائلاً:

لم تلد مريم بألمٍ، بل بفرحٍ، لقد وُلِدَ الابن بدون أب، ولم يأت بالكامل من أمه [أي ناسوته فقط]، لأنه كان مدينًا لنفسه بحقيقة الحبل به، ومنح أمهِ حقيقة ولادته. لقد كانت أول مَن اندهش من أن مثل هذا الابن قد خرج منها، وما كانت لتُصدِق أنه وُلِدَ منها، لولا أنها ظلَّت عذراءً بعد الولادة، كما كانت غير فاسدةٍ بعد الحبل“.[5]

ق. أثناسيوس الرسولي

ويُلاحِظ ق. أثناسيوس الرسوليّ وهو يُفكِّر في كلام الإنجيل أنَّ العذراء النقية ولدت بلا واسطة أو مُساعدة القابلة، مُشِيرًا إلى ولادة المسيح من العذراء بدون أوجاع الولادة كالتالي:

”إنها بذاتها ولدت وبذاتها قمّطَت! إن هذا لا يتمّ لسائر النساء الاعتياديات إلاّ بطريقةٍ أخرى لأنهنَّ يلِدنَ بمساعدة غيرهنَّ. وغيرهنّ يُقمّطنَ لهنّ أطفالهنّ. ولم تكن الحال هكذا عند ولادة العذراء القديسة لطفلها، لأنها وهي تَلِده بلا أوجاع كانت هي القابلة لذاتها على الرغم من كونها لم تتعلّم صناعة التوليد من أحد. ولم تسمح لأحد أن يمسّ بيدين غير طاهرتين طفلها الفائق الطُهر والقداسة. فهي بذاتها خَدَمت المولود منها وبنفسها قمَّطته ووضعته في المذود“.[6]

مار أفرام السرياني

يُؤكِّد مار أفرام السريانيّ، في تفسير سفر التكوين المنسوب إليه، على ولادة العذراء بدون أوجاع الطَلْق، مثل باقي الأمهات اللواتي يَحبَلنَ بالجِماع، لأنّ حَبَلها كان بتوليّاً ومُعتَقاً من العقوبة التي أصابت حواء وجنسها بعد السقوط كالتالي:

”ولذلك، إنَّ سيدتنا والدة إلهنا، لمَّا كان حَبَلُها بغير لذَّةِ رَجُل، لم يكن طَلْقُها بالألم، فكان بها إنحِلالُ العقوبة المحكوم بها على الجنس“.[7]

ق. غريغوريوس النزينزي

يُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ، الملقَّب بـ ”اللاهوتيّ“، إلى حقيقة ولادة المسيح من العذراء مريم بدون آلام الولادة والمخاض، فيقول على لسان العذراء والدة الإله التالي:

”والدة الإله: […] أقول إنهم أخوته من ناحيتي أنا التاعِسة، لا من ناحية أبيه الذي هو كلمته المتجسِّد، الذي ولدته بدون رجل، بطريقةٍ أعجوبيةٍ، وبدون آلام الولادة“.[8]

ويُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ (اللاهوتيّ) إلى ولادة المسيح من العذراء مريم والدة الإله بدون آلام الولادة القاسية في موضع آخر قائلاً على لسان العذراء مريم والدة الإله التالي:

”والدة الإله: […] أنا وَلدته، وأنا أعلم كيف وضعته بدون أن أُمنَى بأوجاع الولادة القاسية، ولكني أرثي للذين استنزلوا الشقاء على رؤوسهم“.[9]

ق. غريغوريوس النيسي

يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى ولادة المسيح من العذراء مريم بدون ألم الولادة أو المخاض كالتالي:

”عندما صار الله معروفًا لنا في الجسد، فإنه لم يقبل أهواء الطبيعة البشرية، ولم تتألم العذراء مريم، ولم يتضاءل الروح القدس بأيّ شكل من الأشكال، ولم تبطل قوة العليّ بأيّ حالٍ من الأحوال. وهذا كُله كان لأن كُل شيء تمَّ بواسطة الروح القدس. وهكذا لم تضعف قوة العليّ، ووُلِدَ الطفل دون أن يلحق أيّ ضرر ببتولية أمه“.[10]

يستعرض ق. غريغوريوس النيسيّ نفس الأمر في موضع آخر مُشِيرًا إلى ولادة المسيح له كل المجد من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون آلام المخاض قائلاً:

”بالحقيقة هو وحده الذي في شخصه، اكتمل الناموس، لأنه قد حُبِلَ به بطريقة لا تُوصَف، ولا يُعبَّر عنها، وعَبَرَ من رحم العذراء المحصَّن، دون ألم، حافظًا لختم بتوليتها، بعد الولادة المعجزية“.[11]

ويُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى ولادة المسيح من العذراء مريم والدة الإله بدون ألم الولادة قائلاً:

”والكلام للعذراء الآن هو عكس الكلام الذي قيل لحواءٍ. فحواء أُدِينَت لأجل خطيتها بالألم والوجع في الولادة (تك 3: 16)، بينما في حالة العذراء، فقد طرد الفرح الحزن. بالنسبة لحواء سبقت الأحزان ألم الولادة، أمَّا في حالة العذراء، فإن الفرح يُبعِد الألم“.[12]

ق. كيرلس الإسكندري

ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على حقيقة البعد الخلاصيّ لولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون آلام الولادة، حيث كان لابد أن يرفع لعنة الولادة بالألم التي أصابت حواء القديمة بعد السقوط قائلاً:

”ويوجد سبب ثالث، لقد قيل للمرأة سابقًا من قِبَل الله: ’بالوجع تلدين أولادًا‘ (تك ٣: ١٦)، إذًا، ألم تكن الحاجة أكثر إلى القضاء على هذه اللعنة أيضًا؟ وإلا كيف يمكِننا أن نتفادى زواجًا مُدانًا؟ ولكن لأن المخلِّص هو مُحِب البشر، فإنه يرفع هذه اللعنة“.[13]

ويُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى نفس الحقيقة في موضع آخر، حيث يرى أن المسيح له كُل المجد احتمل أن يُولَد من امرأةٍ لأجلنا، لكي يُبطِل اللعنة التي حُكِمَ بها على المرأة الأولى، فقد قيل لها: ’بالوجع تلدين أولادًا‘ (تك ٣: ١٦)، وهكذا قوة اللعنة قد أُبطِلَت، ومع إبطال الموت، أُبطِلَت الأوجاع التي تحملتها الأمهات الأرضيات في الولادة قائلاً:

”اِفهم أن الابن الوحيد صار جسدًا، وأنه احتمل أن يُولَد من امرأة لأجلنا، لكي يُبطِل اللعنة التي حُكِمَ بها على المرأة الأولى، فقد قيل لها: ’بالوجع تلدين أولادًا‘ (تك ٣: ١٦)، فإنها كانت تلد للموت. ولذلك ذاقوا، أي أولاد المرأة، لدغة الموت. ولكن لأن امرأة قد ولدت في الجسد، عمانوئيل، الذي هو الحياة، فإن قوة اللعنة قد أُبطِلَت. ومع إبطال الموت، أُبطِلَت الأوجاع التي تحملتها الأمهات الأرضيات في الولادة“.[14]

ق. بروكلس بطريرك القسطنطينية

يُؤكِّد ق. بروكلس بطريرك القسطنطينية، وصديق ق. كيرلس الإسكندريّ، وأحد أبطال مجمع أفسس المسكونيّ 431م، والمدافِع القويّ عن لقب ”والدة الإله“ في وجه نسطوريوس مُنكِر هذا اللقب، إلى ولادة المسيح من رحم العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة أو المخاض كالتالي:

اليوم من دون اقتران خرج الطفل بلا ألم من الرحم، وكل الخليقة تُقدِّم عطاياها إلى الطفل الذي بلا أب“.[15]

ويُشِير ق. بروكلس بطريرك القسطنطينية في موضع آخر إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة أو المخاض قائلاً:

”أمٌ لأنها ولدت مَنْ أراد أن يُولَد. عبدةٌ مُعترِفةٌ بطبيعتها ومُنادِيةٌ بالنعمة. سحابةٌ لأنها حبلت بالروح القدس مَن ولدته بغير ألم“.[16]

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان

يرى ق. أمبروسيوس أسقف ميلان أن مريم هي أم المسيح، وهي من ثمَّ والدة الإله، وقد ولدت ولم تُعانِ ألمًا، ولم تعرف مخاضًا، بل لبثت عذراء قبل الولادة وبعدها.[17] حيث يقول ق. أمبروسيوس التالي:

”لقد سمعنا كلمة الحق، لقد سمعنا تدبير البشارة: دعونا نتعلَّم من السرِّ. فقد كانت مريم مخطوبةً، ولكنها عذراءً. إنها رمزٌ للكنيسة طاهرةً ومُتزوِجةً أيضًا. كعذراءٍ حبلت لأجلنا من الروح القدس، وكعذراءٍ ولدت لأجلنا بدون أيّ صوت ألم. وربما السبب وراء خطوبة القديسة مريم لرجلٍ، وامتلائها بثمرة البطن من آخر، لأن جميع الكنائس المنفردة مملوءةٌ من الروح والنعمة، وفي نفس الوقت مُرتبِطةٌ من الخارج بكاهنٍ بشريّ“.[18]

ويُؤكِّد ق. أمبروسيوس في موضعٍ آخر على ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم ووجع الولادة أو المخاض قائلاً:

لقد ولدت مريم بدون ألم، بل ولدت، وهكذا عَرِفَت أنها ولدت من نفسها الربَّ من أجل الخلاص“.[19]

أوغسطينوس أسقف هيبو

يُؤكِّد أوغسطينوس أيضًا على ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم ووجع الولادة في أحد عظاته على ”ميلاد المسيح“ قائلاً:

”في حبلكِ كُنتِ طاهرةً تمامًا، وفي ولادتكِ كُنتِ بلا ألم“.[20]

ق. بطرس كريسولوغوس

يُشِير ق. بطرس كريسولوغوس، أحد الآباء اللاتين في القرن الخامس، إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم قائلاً:

”حبلت كعذراءٍ، وولدت كعذراءٍ، وبقيت عذراءً. وهكذا يعرف جسدها قوة المعجزة، ولكنه لم يعرف الألم [أي أثناء الولادة]. تنال العفاف في الولادة، ولم تعرف شيئًا من الألم البدنيّ“.[21]

ق. ساويروس الأنطاكي

يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على التقليد المتسلسل بولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة مع شعور وإدراك العذراء للولادة، ويستخدم أيضًا نبوة (إش ٦٦: ٧) للتأكيد على الحقيقة السابقة قائلاً:

”لكننا نسمع عن مارا المذكور، أنه قال هذا أيضًا إن العذراء القديسة لم تشعر بالولادة، في مُعارضةٍ جليةٍ للروح القدس الأسفار التي قيلت بواسطته. فها إشعياء ذو الصوت العاليّ بين الأنبياء يُوضِّح أنه أتى من رباط البتولية، مثل أيّ شيء آخر، وأنه وُلِدَ بطريقةٍ غير مُدرَكةٍ دون نقضها من مريم والدة الإله. حيث يقول: ’قبل أن يأخذها الطلق ولدت. قبل أن يأتي عليها المخاض ولدت ذكرًا‘ (إش ٦٦: ٧). إن حقيقة أنها تجنبت [آلام المخاض]، تُوضِّح أن الميلاد قد حدث بشكلٍ مُدرَكٍ لمَّن ولدت وليس خيالاً. ويقول غريغوريوس اللاهوتيّ أيضًا في عظته عن القيامة عن ميلاد الطفل حينما وُلِدَ: ’لكنها صرخت أيضًا بدافع لا يُقاوم من روابط البتولية والأمومة بقوةٍ عظيمةٍ، حينما وُلد ذكرًا من النبية، كما يُعلِن إشعياء‘.[22] فكيف تكون حقيقة أنها صرخت من دافع لا يُقاوم، ولم يحلَّ رباط بتوليتها بدون إدراك، وبدون إدراك كبير منها وهي التي تلد؟ كما أن هذه الأشياء قد حدثت بطريقةٍ غير مُدرَكة، وفوق كل الأشياء. فإن الذي اشتهى أن يأتي بالحقيقة في كل صفاتنا، وأن يُجعَل مثلنا نحن أخوته، ولكن بدون خطية، وُلِدَ أيضًا في هيئة جسمية ميلادًا حقيقيًا وواضحًا، جاعلاً والدته مُدرِكةً لذلك، بدون أيّ ألم أو مُعاناة، لأن النبي يُصرِّح بأنها ولدت قبل أن تأتيها آلام الولادة، فكيف تتعرض لتجربة الآلام والمعاناة، وهي التي وضعت نهاية لولادة الأطفال بألم، وهذا بحقيقة أن الفرح قد وُلِدَ لكُل الجنس البشريّ؟“.[23]

ولادة المسيح بدون ألم من العذراء مريم – د. أنطون جرجس عبد المسيح

يوحنا الدمشقي

يُؤكِّد الأب يوحنا الدمشقيّ، من الجانب الخلقيدونيّ، على نفس التقليد المسلِّم من آباء الكنيسة المعلِّمين بولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون آلام الولادة والمخاض، مُستخدِمًا نفس نبوة (إش ٦٦: ٧). كما يرى أن العذراء رغم أنها نجت من آلام الطَلْق عند ولادتها المسيح، إلا أنها تألّمت لآلامه وصلبه كالتالي:

”وكما أنّ تلك (حواء) قد جُبِلَت من آدم بدون جماع، كذلك هي (مريم العذراء) قد حَبِلت بآدم الجديد، مولوداً بحسب الشريعة، ولما كان هو بلا أبٍ، كان ذلك بما يفوق طبيعة الولادة. وبما أنه أتمَّ الزمن المعتاد – كان قد أكمل الأشهر التسعة ووُلِدَ في بدء العاشر – فقد كان الحبل به بموجب الشريعة. وبما أن ذلك كان بلا وجع، فقد كان فوق عادة الطبيعة. فلأنه لم يسبق الولادة لذة، لذلك لم يتبعها وجع، على حسب قول النبيّ: قبل أن تتمخض ولدت، أيضًا قبل أن يأخذها الطلق وضعت ذكرًا […] ولكن تلك المغبوطة نفسها التي استحقت المواهب الفائقة الطبيعة، فإن الأوجاع التي نجت منها وهي تلد، قد احتملتها هي نفسها وقت الآلام. لأنّ انعطاف أمومتها كان يُشعِرها بتمزيق أحشائها “.[24]

يُشِير الأب يوحنا الدمشقيّ أيضًا، في العظة الثانية من عظاته الثلاثة عن ”رقاد والدة الإله“، إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم الولادة قائلاً:

”كيف يمكن للموت أن يختطف تلك المباركة حقًا، التي أنصتت إلى كلمة الله بكُل اتضاع، وامتلأت بالروح، وحملت عطية الآب بواسطة رئيس الملائكة، حملت بدون شهوة أو معونة رجل بأقنوم الكلمة الإلهيّ، الذي يملأ الكل، وولدت إياه بدون آلام الولادة، مُتَّحِدًا كليًا بالله؟ […] كان من اللائق أن يُحفَظ جسدها، الذي حفظ بتوليتها كما هي أثناء الولادة، من الفساد حتى بعد الموت. تلك التي أرضعت خالقها كطفلٍ رضيعٍ من ثديها، كان لها الحق أن تكون في المظال الإلهية […] كان يليق بتلك التي رأت ابنها يموت على الصليب، وقَبِلت في قلبها سيف الألم الذي لم تشعر به أثناء الولادة، أن تنظر إليه جالسًا بجوار الآب“.[25]

الليتورجية القبطية

نُصلِّي في الليتورجية القبطية، وخاصةً في التسبحة السنوية، ونقول في ثيؤطوكية يوم الأثنين، القطعة التاسعة، التالي: ”خلَّصت آدم من الغواية، وأعتقت حواء من طلقات الموت“. وهنا لا بد أن نُوضِّح أن الموت ليس له طلقات، بل الولادة هي التي لها طلقات، وتُؤكِّد الثيؤطوكية هنا على أن المسيح عتق حواء الأولى التي كانت تُنجِب بوجعٍ وطلقاتٍ أبناءً للموت، وذلك بولادته من العذراء القديسة مريم، حواء الثانية، بدون آلام وأوجاع وطلقات الولادة، فصارت تُنِجب أولادًا للحياة وليس للموت.

ونُصلِّي كذلك في التسبحة السنوية، وخاصةً في ثيؤطوكية يوم الخميس، القطعة الخامسة، ونقول: ”لأن الذي وُلِدَ إله بغير ألم مِن الآب. وُلِدَ أيضًا حسب الجسد بغير ألم مِن العذراء“. وهكذا تُؤكِّد هذه الثيؤطوكية على ولادة المسيح حسب الجسد من العذراء القديسة مريم بغير ألم ووجع الولادة.

الليتورجية الرومية

ونأتي الآن إلى شهادة بعض الصلوات الليتورجية التي تُصلِّيها كنيسة الروم الأرثوذكس الخلقيدونية، والتي تتضمن عُصارة التعليم اللاهوتيّ والعقائديّ عن ولادة المسيح له كل المجد من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون أوجاع الولادة. وهناك العديد من الشهادات الليتورجية حول هذه النقطة تحديداً، ولكننا سوف نُشِير إلى أهمّها وأكثرها شهرةً، لأنها مألوفة السماع عند المؤمنين كالتالي:

”لمّا أبصرت البريئة من اللّوم المسيح مرفوعًا على الخشبة بمشيئته، دَهشَت وصرخت باكيةً: إني لم أُعانِ مخاضاً في ولادتكَ يا إبني وإلهي، ولكني الآن أتوجّع من صلبكَ ظُلماً على أيدي الأثمة“.[26]

وهناك إشارة أخرى إلى ولادة المسيح من العذراء بدون أوجاع الولادة في كتاب التريوذي، من تقاريظ جناز المسيح، القسم الثاني كالتالي:

”في النساءِ وحدي قد وَلدتُكَ يا ابني بلا أوجاعٍ والآن أتحمَّلُ أوجاعاً لا تُطاقُ من جرّاء تألُّمِك“.[27]

وفي قانون السبت العظيم المقدَّس، في الأوذية التاسعة منه، التي هي من نظم القديس قوزما الأورشليميّ ناظم التسابيح (760م) تقول الطروبارية الأولى على لسان العذراء التالي:

”يا ابني الأزليّ، إني نجوت من الأوجاع في حين ولادتك الغريبة فتطوَّبت بما يفوق الطبيعة، والآن لمَّا أُشاهِدك يا إلهي ميتًا عادم النَسَمة أُطعنُ بحربةِ الحزن بمرارةٍ، لكن انهَض لكي أتعظَّم بك“.[28]

توما الأكويني

يُشِير توما الأكوينيّ، الملقَّب بـ ”المعلِّم الملائكيّ“ واللاهوتيّ اللاتينيّ الشهير في القرن الثالث عشر، إلى ولادة المسيح من العذراء بدون ألم الولادة قائلاً:

”آلام الولادة ناتجة عن فتح الرضيع للممر من الرحم. لقد قيل أعلاه (في الرد على الاعتراضات 28: 2)، أن المسيح خرج من رحم أمه المغلق، وبالتالي، دون أن يفتح الممر. ونتيجةً لذلك، لم يكن هناك ألم في تلك الولادة، كما لم يكن هناك أيّ فساد. بل على العكس من ذلك، كان هناك فرحٌ عظيمٌ، لأن الإله المتأنس ’وُلِدَ في العالم‘، بحسب (إش 35: 1، 2) ’تَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَالأَرْضُ الْيَابِسَةُ، وَيَبْتَهِجُ الْقَفْرُ وَيُزْهِرُ كَالنَّرْجِسِ. يُزْهِرُ إِزْهَارًا وَيَبْتَهِجُ ابْتِهَاجًا وَيُرَنِّمُ‘“.[29]

ويتحدَّث توما الأكوينيّ أيضًا عن أن العذراء حبلت بالمسيح بدون دنس الخطية، وبدون وصمة المعاشرة الجنسية، لذا فهي ولدته بدون ألم الولادة، وبدون أن تفقد بتوليتها قائلاً:

”ولأنها حبلت بالمسيح بدون دنس الخطية، وبدون وصمة المعاشرة الجنسية، لذا فهي ولدته بدون ألم، وبدون تعدي على كرامة بتوليتها، وبدون ضرَّر على براءة عذراويتها“.[30]

جيوفاني بونافنتورا

يُشِير چيوفاني بونافنتورا، الملقَّب بـ ”المعلِّم السيرافيميّ“ واللاهوتيّ اللاتينيّ الشهير، وأحد الآباء اللاتين في العصر الوسيط، إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة قائلاً:

”يا الله، إلهي: سأُمجدِّك في أمك. لأنها حبلت بك حبلاً بتوليًا، وولدتك بدون ألم“.[31]

كاتشيزم مجمع ترنت 1566م

يُشِير كاتشيزم مجمع ترنت الكاثوليكيّ عام 1566م إلى ولادة المسيح من العذراء القديسة مريم بدون ألم الولادة كالتالي:

”وُلِدَنا من حواء أبناءً للغضب. وقد استقبلنا يسوع المسيح من مريم […] قيل لحواء: ’بالوجع تلدين أولادًا‘. ولكن قد أستُثنِيت مريم من هذا الناموس، لأنها ولدت يسوع مُحافِظةً على عذراويتها […] ولم تشعر، كما قد قُلنا بالفعل، بأيّ إحساس الألم“.[32]

ولادة المسيح بدون ألم من العذراء مريم – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاصة

وهكذا نرى الإجماع الآبائيّ المعتبر والتسليم الكتابي والآبائي في الشرق والغرب على ولادة المسيح له المجد من العذراء القديسة مريم والدة الإله بدون آلام الولادة والمخاض، لكي يُزِيل هذه اللعنة التي أصابت الجنس البشريّ بعد السقوط، ورفعها عن البشرية عند ولادته من العذراء بدون آلام الولادة والمخاض.

ولأن الكلمة الإلهيّ، لم يُحبَلَ به في أحشاء البتول مريم بمشيئة رجل أو من زرعِ بشر، بل تمّ بمسرّة الآب وبقوة الروح القدس الذي حلَّ عليها وظلَّلها (لوقا 35:1)، وكان الحَبَل فوق الناموس الطبيعيّ، وولد المسيح منها بطريقةٍ خارقة للطبيعة، مما يعني أن مريم لم تختبر آلام المخاض مثل أيّ إمرأة حُبلى على وشك الولادة، وذلك لأنّ المسيح ثمرة بطنها البتوليّ، لم يَرِث فساد الطبيعة، كأيّ مولودٍ آخر، وكان ميلاده منها بمنأى عن وراثة فساد الطبيعة ونتيجة السقوط الآدميّ. ولهذا فإنّ مريم كانت مُستثنَاة من هذا القانون الساري على جميع الأمهات العاديّات، لأنّ حَبَلها وولادتها لم يكونا وفقاً للناموس الطبيعيّ للحَبَل والولادة مثل باقي البشر، الذين يُولَدون من أمهاتهم حاملين لطخة السقوط وفساد الطبيعة التي نرثها من آدم.

وهنا لا بدّ أن نُؤكِّد على العقيدة الأرثوذكسية، أنّ الله الكلمة اتَّخذَ منها طبيعة بشرية كاملة، ووُلِدَ منها ولادة حقيقية، وصار إنساناً كاملاً بالحقيقة، لا بالوهم أو بالخيال. ولكن في الوقت عينه كانت الولادة خارقة للطبيعة، لأنّ الذي ولدته مريم لم يكن مُجرَّد إنسان، بل كان الله الابن نفسه مُتجسِّداً منها.

[1] الآباء الرسوليون، أناشيد سليمان، ترجمة: أحد رهبان دير القديس أبو مقار، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2019)، نشيد 19، ص 478.

[2] إيرينيؤس (قديس)، برهان الكرازة الرسولية، ترجمة:د. نصحي عبد الشهيد ود. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٠٩)، الفصل ٥٤، ص ١٢١.

[3] حياة والدة الإله على الأرض وتاريخ بعض أيقوناتها العجائبية الشهيرة، ترجمة عن الروسية: الأرشمندريت توما ديبو معلوف، (لبنان: بيت ساحور، سيدات بئر السيدة العذراء للروم الأرثوذكس، 1992)، ص 68.

[4] غريغوريوس العجائبي (قديس)، عظتان عن البشارة بمجيء المسيح، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٨)، العظة الثانية، ص ٢٥.

[5] Zeno of Verona, Tractatus II, 12.2. Trans. by Hunter, 2007, p. 188-192.

[6] حياة والدة الإله على الأرض وتاريخ بعض أيقوناتها العجائبية الشهيرة، ترجمة عن الروسية: الأرشمندريت توما ديبو معلوف، (لبنان: بيت ساحور، سيدات بئر السيدة العذراء للروم الأرثوذكس، 1992)، ص 67.

[7] أفرام السرياني (قديس)، تفسير لسفر التكوين منسوب إلى مار أفرام السرياني في المخطوط الماروني هونت 112 في مكتبة أوكسفورد، مقدمة ونشر: الأب يوحنا تابت، (لبنان: جامعة الروح القدس – الكسليك، 1982)، القراءة السادسة، ص 51.

[8] غريغوريوس النزينزي (قديس)، رسائل لاهوتية وفصلان من مسرحية المسيح المتألم، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٠٠)، الفصل الأول من مسرحية المسيح المتألم، ص ٦٤.

[9] المرجع السابق، ص ٦١.

[10] Gregory of Nyssa (St.), Against Eunomius, Book ii, PG 45, 492.

[11] غريغوريوس النيسي (قديس)، والدة الإله وسمعان الشيخ لقاء بالروح، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة، ٢٠١٧)، ص ٢٧.

[12] غريغوريوس النيسي (قديس)، عظات آبائية على الميلاد والظهور الإلهي: عظة ميلاد المسيح، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، ص 136.

[13] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو ٢: ١-٣)، ص ١٧٥.

[14] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٢، ص ٣٨.

[15] بروكلس بطريرك القسطنطينية (قديس)، بروكلس أسقف القسطنطينية، ترجمة: مينا عياد يسري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2022)، عظة 4: 3، ص 146، 147.

[16] المرجع السابق، عظة 5: 3، ص 161.

[17] كيرلس سليم بسترس وآخرون (أب)، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2001)، ص 712.

[18] Ambrose of Milan (St.), Expositio in Lucam II. 7, on (Luke 1: 26-38).

[19] Ambrose of Milan (St.), Explanatio Psalmi 47, 11.

[20] Augustine of Hippo, Sermon 189 on Nativity of Christ.

[21] Peter Chrysologus (St.), Sermon 117: 1. See also Luigi Gambero, S. M., Mary and the Fathers of the Church: The Blessed Virgin Mary in Patristic Thought, Trans. by Thomas Buffer, (San Francisco: Ignatius Press, 1999), pp. 294, 295.

[22] Gregory of Nazianzus (St.), OR. XLV. 13.

[23] ساويروس الانطاكي (قديس)، رسائل القديس ساويروس الانطاكي، ترجمة: الراهب جرجس الأنطوني، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، ٢٠١٦)، رسالة رقم ٦٣ إلى أنطونينوس أسقف بيريا، ص ١٥١، ١٥٢.

[24] يوحنا الدمشقي (أب)، المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، ترجمة: الأرشمندريت أدريانوس شكور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ١٩٨٤)، ٤: ٨٧: ١٤، ص ٢٤٣، ٢٤٤.

[25] John Damascene, On Holy Images, Trans. by Mary H. Allies, (London: Thomas Baker, 1898), Second Homily on the Dormition of the Mother of God.

[26] كتاب المعزي، صليبيّة في سحر يوم الأربعاء، أسبوع اللحن الأول، ص 35.

[27] كتاب التريوذي، من تقاريظ جناز المسيح، القسم الثاني، ص 401.

[28] كتاب التريوذي، ص 409.

[29] Thomas Aquinas, Summa Theologiae iii, q. 35, a. 6.

[30] Ibid.

[31] Giovanni Bonaventura, Psalter of the BVM, 62.

[32] Robert I. Bradley, S. J. & Eugene Kevane, The Roman Catechism of the Council of Trent, The Creed Article iii, (St. Paul Eds., 1985), p. 49-50.

 

ولادة المسيح بدون ألم من العذراء مريم – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

 

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – نوفمبر 2023م

 

الفهرست

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس الكبير وأوغسطينوس… 1

عدمية الشر والخطية. 1

الخطية الجدية هي جرح الطبيعة البشرية. 4

الخطية هي مرض الروح. 5

الخطية الجدية هي اختطاف الموت بالخطية. 5

دحض تعليم القدرية والجبرية. 6

الخطية فعل إرادي وليس فعل موروث.. 7

الخطية الجدية هي الابتعاد الإرادي عن الله.. 8

الخطية والشر هما اغتراب عن الله.. 9

الخطية الجدية هي فقدان أغطية النعمة. 9

دحض تعليم الإرادة المستعبَدة للشر. 11

انتقال الموت من آدم إلى الجنس البشري.. 12

الخطية الجدية هي اغتراب عن الله.. 12

لا توجد خطية أصلية ضمن مفاعيل المعمودية. 13

الخطية الجدية هي فقدان الروح القدس.. 14

مرض الشهوة والخطية في النفس الإنسانية. 14

الخطية فعل إرادي.. 15

الخطية الجدية هي تشوه صورة الله في الإنسان. 16

استيطان مرض الخطية في النفوس الشريرة 18

براءة الأطفال من أي شر. 19

تصحيح مفهوم خاطئ عن الخطية الجدية. 19

النفس مخلوقة وليست مولودة 20

الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو. 21

وراثة وزر عقاب خطية آدم 21

وراثة عبء دَّين الخطية الأصلية. 21

تعليم القدرية والجبرية الأوغسطيني. 22

الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك بعد السقوط. 26

نحن بشر مجبولون بالشر. 30

استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر. 30

الشهوة الجنسية شرّ. 31

هلاك الأطفال غير المعمدين. 33

وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم 34

تعليم النفس المولودة الأوغسطيني. 36

اتهام أوغسطينوس لرافضي النفس المولودة بالبيلاجية. 37

وراثة الخطية الأصلية بواسطة النفس المولودة 38

خطية الطبيعة والإرادة المقيَّدة بالشر. 39

الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط. 40

تعليم القدرية وسبق التعيين المزدوج. 41

وراثة الخطية الأصلية جسديًا بالعلل البذرية الجسدية. 42

ماهية الخطية الأصلية. 43

الشرور الموروثة من آدم 44

استخدام الله للشر لمعاقبة الإنسان. 46

تناقض بين الكسمولوجي والأنثروبولوجي. 47

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5) 48

سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك. 50

الخلاصة. 53

 

 

 

 

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس الكبير وأوغسطينوس

سوف نبحث في هذا البحث مفهوم الخطية الجدية عند ق. باسيليوس الكبير رئيس أساقفة قيصرية الكبادوك بآسيا الصغرى، وواضع الليتورچية المسمَّى باسمه، والتي نصلي بها في كنيستنا إلى اليوم. وذلك لنرى هل يتفق تعليم ق. باسيليوس الكبير مع تعليم أوغسطينوس أسقف هيبو في الغرب اللاتينيّ عن الخطية الأصلية الموروثة من آدم إلى نسله من بعده.

عدمية الشر والخطية

يدحض ق. باسيليوس الكبير تعاليم الغنوسيين والمانويين القائلين بالوجود الحقيقيّ للشر والخطية في العالم، وأنهما يستمدان أصلهما من الله، حيث يرى ق. باسيليوس أن الشر لا يمكن أن يُقَال أنه يستمد وجوده من الله، لأن الضد لا ينتج ما هو ضده، فالحياة لا تلد موتًا، والنور لا ينبثق من الظلام، وهذا مانقوله بأن الله لا يمكن أن يُعاقِب بالموت، أو يميت أحد، فالله الحياة لا يلد موتًا البتة. ويشير ق. باسيليوس إلى أن الشر ليس كائنًا عاقلاً حيًا، بل هو حالة تكون فيها الروح مُخالِفةً للفضيلة، وهذا الحالة تنمو وتتطوَّر عند البعدين عن الخير كالتالي:

”كما أنه من الخطأ روحيًا أن يُقَال إن الشرّ استمد وجوده من الله لأن الضد لا ينتج مما هو ضده. فالحياة لا تلد موتًا، والنور لا ينبثق من الظلام، كما أن الصحة لا تنتج عن المرض، إنما هذا يُعتبر تغيير من حالة إلى عكسها. أمَّا في التكوين فكل كائن يخرج من مثيله. وإذَا كان الشر لم يستمد أصله من الله، ولم يخلقه الله، إذًا، فمن أين استمد طبيعته؟ بالطبع كلنا نتفق على أن الشر موجود، فكيف نُفسِّر هذا الأمر؟ الواقع أن الشر ليس كائنًا عاقلاً حيًا، وإنما هو حالة تكون فيها الروح مُخالِفةً للفضيلة، هذه الحالة تنمو وتتطوَّر لدى البعدين عن الخير“.[1]

ويستطرد ق. باسيليوس الكبير شارحًا أصل الشر والخطية، حيث يستنكر أن يتصوّر المرء وجود الطبيعة الشريرة من الأصل، بل يطالب كل شخص أن يعترف أنه هو نفسه صانع شروره. ويطلب ق. باسيليوس من الإنسان أن يعرف أن الشرّ مصدره هو سقطات الإنسان الإرادية، وهكذا لو لم تكن سقطات الإنسان إرادية، لمَّا كان تطبيق القانون مرعبًا للخطاة المدانون. وهنا يدحض ق. باسيليوس أي تعليم عن شر موروث، أو خطية أصلية موروثة تجعل الإنسان يخطئ دون إرادته، بل يؤكد ق. باسيليوس على أن الشر مصدره سقطات الإنسان الإرادية كالتالي:

”لا يجب، إذًا، أن يسعى الإنسان إلى خراب نفسه ويتصوّر وجود الطبيعة الشريرة من الأصل. بل يجب أن يعترف كل شخص منَّا أنه هو نفسه صانع شروره. […] الإنسان هو المتحكم في تصرفاته، ولذلك يجب ألا يبحث الإنسان عمَّا يبرِّر تصرفاته من أسباب خارجية، بل عليه أن يعرف أن الشرّ مصدره سقطات الإنسان الإرادية، ذلك أنه لو لم تكن سقطات الإنسان إرادية لمَّا كان تطبيق القانون مرعبًا للخطأة المدانون“.[2]

يُناقِش ق. باسيليوس ماهية الشرّ والخطية، فيُشبِّه خطية الإلحاد مثلاً إنها مرض نسيان الله، ويُشبِّه مَنْ يدَّعي أنَّ الله هو علة الشرور، بأنه لا يملك عقل ولا حكمة. الإنسان هو المتسبِّب في فعل الخطية أو رفضها، كما يشير إلى انخداع الخطاة بطعم لذة الخطية، الخطايا هي تلويث للنفس المخلوقة على صورة الله خالقنا، هناك شرور تتوقف علينا نحن مثل: القتل، والحسد، والانحلال الخلقيّ، والظلم… إلخ. الشر هو كل أمر مُتعِب كالمرض الجسديّ، والجروح، والعار، والفضيحة. الشرّ الحقيقيّ هو الخطية، وارتكابها يتوقف على إرادتنا، والخطية هي بالحق شرًا، ونستطيع بإرادتنا الابتعاد عن الشرّ أو فعل الشر كالتالي:

الشرّ الحقيقيّ فهو الخطية، وإرتكابها يتوقف على إرادتنا، وهي تُدعَى بالحق شرًا، وبإرادتنا نستطيع أن نبتعد عن الشرّ أو نفعل الشرّ“.[3]

ويؤكد ق. باسيليوس على أن الشر ليس له وجود خاص به؛ لأنَّ الشر ليس شيئًا موجودًا مثل أيّ كائن حي. الشر ليس له جوهر، الشر هو غياب الصلاح، كما أن العمى هو غياب الإبصار نتيجة تلف العينين، هكذا الشر ليس له وجود خاص به، لكنه يأتي بعد مرض النفس. لم يكن الشر غير مولود كما يُنادِي الغنوسيون جاعلين طبيعة الشر وطبيعة الصلاح على نفس المستوى. لا يأتي السوء من الصلاح، ولا الشر من الفضيلة، الشر غير مخلوق مع الصلاح في آنٍ واحدٍ، ولم تكن الأرواح المخلوقة مُمتزجةً بالشرور، عندما خلقها الله وآتى بها إلى الوجود، لأنه إنْ كانت الأجساد المادية ليس لها طبيعة شريرة بداخلها، فكم بالأولى الأرواح التي تتميَّز جدًا بالنقاوة والقداسة ليس لها وجود مُشترك مع الشر كالتالي:

”كذلك لا تظن أن الشر له وجود خاص به. لأن الشر ليس شيئًا موجودًا، مثلما نقول ذلك عن حيوان ما [كائن ما]. الشر ليس له جوهر، فالشر هو غياب الصلاح، كما أن العمى يحدث نتيجة تلف يصيب العينين، هكذا الشر ليس له وجود خاص، لكنه يأتي عندما تمرض النفس. والشر أيضًا ليس بغير مولودٍ كما ينادي الفجَّار [الغنوسيون وغيرهم] جاعلين هكذا طبيعة الصلاح وطبيعة الشر على نفس المستوى في التقدير. […] إذًا، الشر لم يُخلَق مع الصلاح في آنٍ واحدٍ. ولم تكن الأرواح المخلوقة ممتزجةً بالشرور عندما خلقها الله وأتى بها إلى الوجود. لأنه إذَا كانت الأجساد المادية لم تكن لها طبيعة شريرة بداخلها، فكم بالأولى الأرواح التي تتميَّز جدًا بالنقاوة والقداسة، لم تكن لها وجود مشترك مع الشر؟“.[4]

الخطية الجدية هي جرح الطبيعة البشرية

يُشبِّه ق. باسيليوس الكبير الخطية الجدية بأنها مثل جرح أصاب الطبيعة البشرية حينما خالف آدم أمر الربّ في مبادئ الخليقة، ويؤكد على أنه لا دواء يشفي الإنسان من الخطيئة سوى التوبة والعودة إلى الله. ويتفق تعليم ق. باسيليوس الكبير في هذا الصدد مع تعليم ق. أثناسيوس الرسوليّ، الذي أكَّد في كتابه ”تجسُّد الكلمة“[5] على أنه لو كانت مشكلة الإنسان الوحيدة هي الخطية، فالتوبة كانت كافية لمحو هذه الخطية، ولكن المشكلة الكبيرة هي توغل وتغلغُّل الفساد والموت في طبيعة الإنسان داخليًا، وصار بحاجة إلى تجديد طبيعته الفاسدة والمائتة من جديد عن طريق الكلمة خالقه، لكي تتَّحد به النعمة داخليًا، ولا ينال النعمة خارجيًا فقط. حيث يقول ق. باسيليوس الكبير التالي:

”فالصوم هو دواء النفس للتخلص من الخطيئة. إن الخطيئة هي الجرح الذي أصاب الطبيعة البشرية حين خالف آدم أمر الربّ في مبادئ الخليقة. ولا دواء يشفي الإنسان من الخطيئة إلا التوبة والعودة إلى الله. لكن يا ترى ما معنى التوبة دون صوم؟“.[6]

الخطية هي مرض الروح

يرى ق. باسيليوس أن الفضائل موجودة فينا بالطبيعة، والروح عنده مصاهرة للفضائل، ويشير ق. باسيليوس إلى أن كل رذيلة هي مرض للروح كما الفضيلة هي صحة. ويدحض بذلك ق. باسيليوس التعليم الأوغسطينيّ بالإرادة المقيَّدة والمستعبَدة للشر، والتعليم عن الفساد الكليّ والتام للطبيعة البشرية، فكل رذيلة هي مرض دخيل على الروح، وليس ذنب أو فعل موروث في الطبيعة البشرية، بل الأصل في الطبيعة البشرية هو الفضائل كالتالي:

الفضائل موجودة فينا أيضًا بالطبيعة، والروح عنده مصاهرة للفضائل ليس بالتعليم، بل بالطبيعة نفسها. لا نحتاج دروس لنكره المرض، لكن بأنفسنا نطرد ما ينتابنا، والروح لا يحتاج إلى مُعلِّم ليُعلِّمنا أن نتفادى الرذيلة. الآن، كل رذيلة هي مرض للروح كما الفضيلة فهي صحة. الذين قالوا أن الصحة هي نظام في إظهار الوظائف الطبيعية، قالوا حسن هذا التعريف، يمكن أن يُقَال بدون خوف لصحة الروح. إذًا، بدون درس، الروح تستطيع أن تعرف بنفسها ما يليق أو ما يطابق الطبيعة. إذًا، نرى أن الاعتدال في كل مكان يُمجَّد، والعدل مُكرَّم والشجاعة يُعجَب بها، والتعقُّل هو هدف الكل. الفضيلة هي الروح أكثر ما الصحة هي للجسد“.[7]

الخطية الجدية هي اختطاف الموت بالخطية

يرى ق. باسيليوس أن وطننا الأول كان السماء، ولكن عندما قاتل الشيطان الإنسان وأغراه بالعبودية التي تسبَّبت في طردنا من هذه المدينة، أختطف الإنسان الأول الموت الفوريّ له بالخطيئة، وهكذا بدأت الولادة الأولى لروح الشرّ كالتالي:

”وطننا الأول كان في هذه المدينة العظيمة، عندما قاتل الشيطان الإنسان وأغراه بالعبودية التي تسبَّبت في طردنا. في هذه المدينة سترى الأصل الأول للإنسان واختطافه الفوريّ بالموت عن طريق الخطيئة، سترى الولادة الأولى لروح الشرّ“.[8]

دحض تعليم القدرية والجبرية

يدحض ق. باسيليوس مذهب القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، الذي تبناه أوغسطينوس أسقف هيبو في الغرب اللاتينيّ، حيث يرى ق. باسيليوس أن أصل فضائلنا وشرورنا يكمن في داخلنا، وإنه ليس قدرنا الناتج عن ميلادنا، وهكذا يرفض الإرادة المقيَّدة بالشر بضرورة حتمية. لأنه لو صحَّ ذلك، فلا ذنب على السارق أو القاتل، إنما كُتِبَ هذا عليه ويستحيل عليه التراجع، لأنه مدفوع إلى الشر بضرورة حتمية كالتالي:

لو أن أصل فضائلنا وشرورنا لا يكمن في داخلنا، وإنما هو قدرنا الناتج عن ميلادنا، لماذا، إذًا، حدَّد لنا المشرِّعون ما يجب علينا أن نقوم به وما يجب تجنبه؟ وما الفائدة أن يُكرِّم القضاة الفضيلة ويعاقبون الرذيلة. الذنب ليس في السارق أو القاتل، إنما كُتِبَ عليه واستحال عليه أن يتراجع فقد دُفِعَ للشر بضرورة حتمية. […] ونحن المسيحيون، لن يكون لنا أمل، فالإنسان مُسيَّر ولا يتصرف بحرية، فهو لا يُكافأ لعدله أو يُعاقب على شره. فبالضرورة وتبعًا للقدر ليس هناك مكانًا للدينونة العادلة“.[9]

يدحض ق. باسيليوس تعاليم أوغسطينوس عن القدرية وسبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك، بالتأكيد على أنه لا يجب تنفيذ أمر الله بالإجبار، بل بالحرية التوَّاقة إلى فعل الخير واكتساب الفضائل. تتحقَّق الفضيلة بالإرادة الحرة لا بالإجبار، بينما تتوقف الإرادة الحرة على مدى استعدادنا الداخليّ، وهذا الاستعداد هو الحرية الداخلية. ثم يرد ق. باسيليوس على سؤال: لماذا لم يخلق طبيعتنا مُسيَّرة نحو الخير؟ فيقول إنَّ مَنْ يُفضِّل الطبيعة غير العاقلة (المسيَّرة) مُحتقرًا الطبيعة العاقلة (المخيَّرة) هو مَنْ يريد طبيعة غير ميَّالة للخطية.[10]

الخطية فعل إرادي وليس فعل موروث

يرد ق. باسيليوس على اعتراض رؤية وجود الشر وفعله الظاهر وانتشاره في العالم، بأنَّ المرض هو انحراف الأعضاء عن أداء وظيفتها الطبيعية، الله خلق الجسد وليس المرض، لقد خلق الله النفس، ولم يخلق الخطية، وبالتالي، وجود الشر بسبب قبول النفس للشر وابتعادها عن حالتها الطبيعية. لقد كان مكان النفس بجوار الله، وكان الخير بالنسبة لها هو الاتحاد بالله بالمحبة، ثم سقطت من هذا المكان، وعانت أمراض كثيرة. نفس الإنسان لها حرية إرادة لقبول أو رفض الشر بحسب خلقتها على صورة الله. نالت النفس الصلاح، وتعرف جيدًا الاستمتاع به، ولديها القدرة على الحفاظ على حياتها الطبيعية، طالما تظل في الاستمتاع بالروحيات، ولديها القدرة على رفض الصلاح. بينما تنحاز النفس إلى الجسد بسبب حب الملذات والشهوات، حيث تنفصل عن السماويات للالتصاق بمباهج العالم.[11]

يشير ق. باسيليوس إلى أن الخطية فعل إراديّ وليس فعل موروث، حيث تمتلك النفس بجملتها الإرادة الخاطئة، وتستعين بالجسد لعمل الشر، وذلك بانفصال النفس عن الروح القدس كالتالي:

”وكذلك النفس لا تُشطَر إلى شطرين، بل النفس بجملتها هي التي تملك الإرادة الخاطئة، وتستعين بالجسد لعمل الشر. ولكن الشَّطر إلى قسمين – كما ذكرت – هو الانفصال التام للنفس عن الروح القدس“.[12]

الخطية الجدية هي الابتعاد الإرادي عن الله

لقد كان آدم في السماء بالمفهوم الروحيّ وليس المكانيّ، شعر بشبعٍ زائفٍ من هذه الخيرات السمائية، وفضَّل مباهج العيون الجسدية عن الجمال الروحيّ، بدَّل الاستمتاع بالروحيات، فَضَّلَ ملء بطنه، فطُرِدَ خارج الفردوس، وخارج ذلك المحيط الطوباويّ، وصار شريرًا لا عن إجبار، بل عن عدم استنارة، ووقع في الخطية باختياره السيء، ومات بسبب الخطية. كل مَنْ يبتعد عن الله الذي هو الحياة، يقترب من الموت، وغياب الحياة هو الموت. هكذا صنع الإنسان الموت بابتعاده عن الله، الله ليس خالق الموت، بل نحن جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة، ولم يُوقِف الله الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظل المرض (الخطية) بلا نهاية كالتالي:

”لقد كان آدم في السماء بالمفهوم الروحيّ وليس المكانيّ، وفور أن دبَّت فيه الحياة، ونظر نحو السماء امتلأ فرحًا إذ نظر هذه الأشياء التي رآها. […] لكن بينما كان في حماية الله متمتعًا بخيراته، شعر بشبعٍ زائفٍ من هذه الخيرات السمائية، وفضَّل ما يبهج عينيه الجسدية على الجمال الروحيّ، وبدلاً من أن يستمتع بالأمور الروحية فضَّل أن يملأ بطنه، وللتو وجد نفسه خارج الفردوس، خارج تلك البيئة الطوباوية التي كانت محيطة به. وصار شريرًا ليس عن إجبار، ولكن عن عدم استنارة. إذًا، فهو الذي وقع في الخطية عن طريق اختياره السيء، ومات بسبب الخطية، ’لأن أجرة الخطيئة هي موت‘ (رو 6: 23)، أي كل مَن يبتعد عن الحياة يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور: ’لأنه هوذا البُعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا، ليس الله هو الذي خلق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة. لكن الله لم يُوقِف الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظلّ المرض بدون نهاية“.[13]

الخطية والشر هما اغتراب عن الله

يُفسِّر ق. باسيليوس علة وجود الشيطان بأنَّ استعداده الشخصيّ هو الذي جعله شريرًا، كان لديه حرية بمقدرته أنَّ يظل بالقرب من الله، أو يتغرب عن الله الصالح، اختيار الشيطان الحر هو الذي جعله يُلقِي بنفسه لأسفل؛ لأنَّ الشر هو الاغتراب والابتعاد عن الله الذي جعله مطرودًا. الشيطان شرير بإرادته، ولم يصر ضد الصلاح بطبيعته كالتالي:

”أيضًا على نفس المنوال: كيف صار الشيطان شريرًا؟ نفس الإجابة، كان الشيطان لديه حرية، كان بمقدرته أن يظلَّ بالقرب من الله، أو يتغرب عن الله الصالح. غبريال كان ملاكًا يقف دائمًا بالقرب من الله، والشيطان أيضًا كان ملاكًا، ولكنه سقط من رتبته. إرادة الملاك غبريال هي التي حفظته في السماء، أمَّا بالنسبة للشيطان، فإن اختياره الحر هو الذي ألقى به إلى أسفل. […] إذًا، الشرّ هو الاغتراب والابتعاد عن الله. بالتفاتة صغيرة من العين تجعلنا نكون تجاه الشمس أو تجاه ظل جسدنا. فالاستنارة والنور هما نصيب مَن نظر إلى فوق، أمَّا الظلام فهو مصير ذاك الذي يلتفت نحو الظلال. هكذا، فإن الشيطان صار شريرًا بإرادته، ولم يصر مُضادًا للصلاح بطبيعته“.[14]

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية هي فقدان أغطية النعمة

يشير ق. باسيليوس إلى أن أسباب سقوط الإنسان هي حسد إبليس الذي أوقعنا، وجعل عداوة الله داخلنا، وكانت النتائج هي: اعتياد فعل الشرور الذي ينشئ في النفس شرورًا أعظم حتى لو كان الضرر غير مُباشر، بالإضافة إلى التلذُّذ بمنظر العري والاهتمامات الجسدية الضارة. وفقدان أغطية النعمة بممارسة الرذيلة تحت تأثير إبليس، أي نعمة الله التي يلتحف بها الملائكة كالتالي:

”فالشيطان هذا الوعاء المملوء بالشر قد حسدنا من أجل المكانة التي منحها الله لنا. لم يطق أن نحيا في الفردوس بدون حزن. لذا خدع الإنسان بالدسائس والمكائد وانتهز فرصة اشتياق الإنسان لأنه يتشبه بالله، فخدعه وأظهر له بهجة الشجرة، ووعده بأنه إذَا أكل من ثمرتها سوف يصير مثل الله […] لم يُخلَق هذا الملاك [الشيطان] لكي يكون عدوًا لنا، ولكنه جراء الحسد انتهى إلى هذه الحالة صائرًا عدوًا لنا. وإذ رأى نفسه سقط من مكانة الملائكة، فلم يستطع أن يرى الإنسان الأرضيّ يرتفع مرتقيًا نحو رتبة الملائكة […] هكذا اعتياد فعل الشرور يُنشِئ في النفس شرورًا عظيمةً حتى لو كان الضرر لا يحدث بطريقةٍ مُباشرةٍ. […] لم ينتج عن الأكل من الشجرة المحرَّمة عصيان الوصية فقط، بل أيضًا معرفة العُري الجسديّ، لأنه مكتوب: ’فانفتحت أعينهما وعلِما أنهما عريانان‘ (تك 3: 7). كان ينبغي للإنسان ألا يعرف العُري الجسديّ حتى لا ينشغل عقل الإنسان بتعويض جسده المكشوف عن طريق صُنع الملابس، وأيضًا حتى لا يتلذّذ الإنسان بمنظر العُري، وعلى أية حال، فإن الاعتناء الزائد بالجسد يجعلنا ننفصل عن الله بدلاً من أن نتجه دائمًا نحوه. […] إذًا، لم يكن ينبغي للإنسان أن تكون له أغطية طبيعية ولا حتى صناعية، إذ كان مُعدًّا له نوعًا آخر من الأغطية إذَا مارس الفضيلة. هذه الأغطية التي كانت لا بد أن تغطي الإنسان بنعمة الله هي تلك التي يرتديها الملائكة، تلك الملابس المنيرة التي تفوق جمال الزهور، ولمعان وبهاء النجوم. لذا لم تُعطَ له الملابس مُباشرةً بعد خلقته، إذ كانت مُعدَّةً له كمكافأة له إذَا مارس الفضيلة، والحقيقة كان في يده أن يأخذها لكن للأسف بسبب تأثير الشيطان لم يستطع أن ينالها“.[15]

دحض تعليم الإرادة المستعبَدة للشر

يُؤكِّد ق. باسيليوس أنَّ الآب صالح والابن صالح، أمَّا الظلام، والموت، والضعف، تُنسَب إلى الشيطان رئيس هذا العالم والأرواح الشريرة وكل مَنْ يُعادِي قوة الطبيعة الإلهية، فالله ليس علة الموت ولا يعاقب بالموت كما يدَّعي البعض خطاءً. فلا تحمل هذه الأمور في جوهرها التضاد مع الصلاح؛ لأنه هكذا ترتد الإدانة إلى الله، بل هم وحدهم في حرية إرادتهم انجذبوا إلى الشر، لأنهم فقدوا الصلاح. وهكذا يدحض ق. باسيليوس تعليم أوغسطينوس عن الإرادة المقيَّدة بالشر بسب الخطية الأصلية الموروثة والمتأصلة في الطبيعة البشرية التي تجعل الإرادة البشرية مُجبَرة ومُستعبَدة لفعل الخطية كالتالي:

”نقول إنه نظرًا لأن الآب صالح، فإن الابن أيضًا صالح، ومن النور غير المولود، قد أشرق النور الأزليّ، ومن الحياة الحقة، قد أتى النبع المحيي، ومن القوة الذاتية ظهرت قوة الله، أمَّا الظلام، والموت، والضعف، فهي تُنسَب إلى رئيس هذا العالم، وإلى الأرواح الشريرة، وإلى كل ما يُعادِي قوة الطبيعة الإلهية. وهذا الأمور لا تحمل في جوهرها التضاد مع الصلاح، لأنه هكذا ترتد الإدانة على الخالق، بل هم وحدهم في حرية إرادتهم، لأنهم فقدوا الصلاح، وانجذبوا إلى الشر“.[16]

يدحض ق. باسيليوس التعليم الأوغسطينيّ بالإرادة المقيَّدة والمستعبَدة للشر، مؤكدًا على أن المخلوقات تتمتع بحرية إرادة الاتجاه نحو الخير أو الشر، وهكذا تنال القداسة كمكافأة للنمو الروحيّ كالتالي:

”لأن المخلوقات تنال القداسة كمجازاة للنمو الروحيّ، وتتميم كل ما هو مرضي وحسن أمام الله، وهي تتمتع بحرية الإرادة، فيمكنها أن تتحول تجاه هذا الأمر، أو تجاه غيره، نحو الخير، أو نحو الشر“.[17]

انتقال الموت من آدم إلى الجنس البشري

يشير ق. باسيليوس إلى انتقال الموت إلينا من آدم الأول الساقط لأنه فينا، ولأننا تناسلنا منه، وسوف تظل الإنسانية كذلك حتى نهاية الدهور، الكل يتناسل من آدم، لذلك قيل في آدم يموت الجميع، وظلَّ قانون الموت ساريًا علينا حتى مجيء المسيح آدم الثاني قائلاً:

فآدم الأول الذي سقط هو فينا؛ لأننا تناسلنا منه، وسوف تظلّ الإنسانية كذلك حتى نهاية الدهور، الكل يتناسل من آدم؛ ولذلك قيل في آدم يموت الجميع (1كو 15: 22). وفيه أيضًا مَلَكَ الموت (رو 5: 17)، وظلَّ قانون الموت ساريًا علينا إلى أن جاء المسيح. ولقد حفظ الله الأبكار من المهلِك، لكي يعلن ما سيأتي، وهو أننا نحن الذين وُهِبنا الحياة في المسيح، سوف نحيا ولن نموت في آدم“.[18]

الخطية الجدية هي اغتراب عن الله

ويُوضِّح ق. باسيليوس تدبير المخلِّص باسترجاع الإنسان من السقوط والعودة من الاغتراب بسبب المعصية إلى شركة مباشرة مع الله كالتالي:

تدبير إلهنا ومخلصنا الخاص بالإنسان هو استرجاع الإنسان من السقوط، والعودة من الاغتراب الذي حدث له بسبب المعصية إلى شركة مباشرة مع الله؛ لذلك السبب جاء المسيح، وحلَّ في الجسد، وعاش حسب المثال الذي نراه في الأناجيل، وتألم على الصليب، وقُبِرَ وقام؛ لكي يُخلِّص الإنسان عندما يتمثَّل بالمسيح، ويعود إلى رتبة البنوة القديمة“.[19]

لا توجد خطية أصلية ضمن مفاعيل المعمودية

يشير ق. باسيليوس إلى نهاية الحياة الأولى الساقطة بالمعمودية، وولادة الإنسان من جديد بدفن أجساد المعمَّدين في الماء، ودفن أعمال الإنسان العتيق، وتطهير النفس من دنس الخطايا التي تنمو داخل النفس بسبب انغماس العقل في اللذات الجسدية. المعمودية لها فاعلية مزدوجة وهي: القضاء على جسد الخطية والموت، والحياة بالروح التي تُثمِر القداسة كالتالي:

”ولذلك، نحن لا نتشبه باليهود الذين يغتسلون إذَا تدنسوا؛ لأننا نعترف بمعمودية واحدة للخلاص (1بط 3: 21؛ أف 4: 5). والمعمودية واحدة؛ لأن الموت عن العالم واحد، وأيضًا القيامة من الموت واحدة، وهو ما ترمز له المعمودية الواحدة. ولذلك السبب أعطانا الرب مُدبِّر حياتنا عهد المعمودية وجعله رمزًا للحياة والموت. فالمياه تُكمِّل صورة الموت، أمَّا الروح فهو يعطينا عربون الحياة. ومن هنا يمكننا أن نجيب بوضوحٍ على السؤال عن علاقة الماء بالروح (يو 3: 5)، فغاية المعمودية مزدوجة: أولاً، القضاء على جسد الخطية لكي لا يثمر للموت (رو 6: 6؛ 7: 5). ثانيًا، الحياة بالروح التي تثمر القداسة (رو 6: 22)“.[20]

وهذا ما يؤكد عليه ق. باسيليوس الكبير في موضع آخر، حيث يرى أن العماد هو فدية الأسرى، وتسديد الديون، وموت الخطيئة، وتجديد ولادة النفس، والرداء المتألق، والمركبة إلى السماء، وضمانة الملكوت، ونعمة التبني. ولم يذكر ضمن مفاعيل المعمودية أية إشارة إلى أن المعمودية هي لمغفرة خطية آدم الأصلية الموروثة كالتالي:

”العماد هو فدية الأسرى، وتسديد الديون، وموت الخطيئة، وتجديد ولادة النفس، والرداء المتألق، والمركبة إلى السماء، وضمانة الملكوت، ونعمة التبني“.[21]

الخطية الجدية هي فقدان الروح القدس

يشير ق. باسيليوس إلى إرادة الله في إعادة تجديد الإنسان ورد نعمة الروح القدس إليه التي حصل عليها بنفخة الله؛ ثم فقدها، ولذلك نفخ المسيح في وجوه تلاميذه ”اقبلوا الروح القدس […]“ (يو20: 22، 23). وهنا يؤكِّد ق. باسيليوس على سُكنى الروح القدس في الإنسان قبل السقوط وانفصاله عن الإنسان بعد السقوط، وإعادة المسيح له بعد ذلك بنفخته في التلاميذ كباكورة البشرية المخلَّصة، وهذا ما ذكره ق. كيرلس الإسكندريّ وأكَّد عليه كثيرًا كالتالي:

”لأنه لما أراد أن يُجدِّد الإنسان ويرد إليه النعمة التي كان قد حصل عليها من نفخة الله، والتي فقدها الإنسان، قال وهو ينفخ على وجه التلاميذ: ’اِقبلوا الروح القدس، مَن غفرتم له خطاياه تُغفَر له، ومَن أمسكتم عليه الغفران أُمسِكَ عنه‘ (يو 20: 22، 23)“.[22]

مرض الشهوة والخطية في النفس الإنسانية

يؤكِّد ق. باسيليوس أنَّ الخطية مرض، والرغبة في ارتكاب الخطايا تُنشِئ داخل النفس عادة راسخة، ومتى تأصَّلت وتجذَّرت شهوة النفس القديمة وممارسة الخطية، تصبح مع مرور الزمن غير قابلة للشفاء أصلاً، لأنَّ العادة تتحوَّل إلى طبيعة، لذا ينبغي الصلاة لعدم التلامس مع الخطية في المرحلة الثانية، وتجنب ارتكاب الخطايا مُباشرةً كالتالي:

”يجب أن نحترص من هذا، لأنه أن يضيع أحدٌ وقته من خلال الرغبة في ارتكاب الخطايا، فإنه ينشئ داخل النفس عادةً ما راسخةً. إن شهوة النفس القديمة، وممارسة الخطية التي تجذَّرت وتأصلت فيها، تصبح مع مرور الزمن غير قابلة للشفاء أصلاً، لأن العادة في الغالب تتحوّل إلى طبيعة. إذًا، فجديرٌ بنا أن نصلي لأجل ألا نتلامس مع الخطية في المحاولة الثانية، وأن نتجنب بشكلٍ مباشرٍ ارتكاب الخطية كجوعٍ ناتجٍ عن هجوم حية سامة“.[23]

الخطية فعل إرادي

يشرح ق. باسيليوس حالة الإنسان قبل وبعد السقوط، حيث كان الإنسان حسنًا وصالحًا بالطبيعة، ولكنه ضعيف؛ لأنه سقط في الموت بالخطية بخداع الحية رأس الخطية ورئيس الخطية كالتالي:

”لقد كُنتُ حسنًا بالطبيعة وصالحًا، ولكنني ضعيف، لأني سقطت في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية“.[24]

يُؤكِّد ق. باسيليوس على أنَّ الاضطراب النفسيّ هو تشوُّه وضعف نفسيّ ناتج عن الابتعاد عن الله كالتالي:

”وعندئذٍ يمكنها أن تتجاوز الاضطراب، والتخبط، والارتباك، تلك الأمور التي تُسبِّبها الشهوات. ولأن تحوُّل الله بوجهه عن النفس هو عكس إرادته، والاضطراب هو عكس الجمال والقوة، لذلك يكون الاضطراب هو تشويه وضعف للنفس ناتج عن الابتعاد عن الله“.[25]

يُشِير ق. باسيليوس إلى أنَّ الشر والخطية إراديين، حيث خلق الله قلوب البشر بسيطةً لحفظ صورتها الخاصة، ولكننا ربطناها بالشهوات الجسدية بعد ذلك، وجعلنا القلب مكانًا للشك، وحطَّمنا الصورة الإلهية والبساطة والوضوح والنية الخالصة. وهكذا يشير ق. باسيليوس إلى لزوم النعمة والأعمال للخلاص كالتالي:

”ومن المؤكَّد أنه ينظر لكل أحد عن قرب شديد، حتى أنه يرى أعماق القلوب التي خلقها دون أن تكون مُختلطةً بالشر. الله الخالق، خلق قلوب البشر بسيطةً لكي يحفظ صورتها الخاصة. ولكن نظرًا لأننا ربطناها بالشهوات الجسدية فيما بعد، لذلك قد جعلنا القلب موضع شك وارتياب، وكثير التشتُّت في أمورٍ متنوعةٍ وكثيرةٍ، بعدما حطَّمنا هذه الصورة الإلهية، والبساطة، والوضوح، والنية الخالصة“.[26]

ويؤكد ق. باسيليوس في نفس السياق على أن الفضية والشرّ هما فعلان إراديان، ولا يُدفَع الإنسان إليهما بالضرورة، داحضًا بذلك التعليم الأوغسطينيّ عن سبق التعيين المزدوج، والقدرية والجبرية الإلهية التي تدفع الإنسان إلى فعل سواء الفضيلة أو الشرّ كالتالي:

”لا يُتوَّج المائت ولا يتبرَّر إنسان لعجزه عن عمل الشرّ. على قدر استطاعتك تغلَّب على الخطيئة بالعقل. إن الفضيلة ترتكز على هذا: اجتنب الشر واعمل الخير (1بط 3: 1). عدم الشرّ، بحد ذاته، لا يستحق المكافأة ولا العقاب. إذَا امتنعت عن الخطيئة بسبب سنَّك، فهذه ثمرة ضعفك. إننا نُثنِي على أهل الفضيلة لاختيارهم الحر، ولا نُثنِي على مَن دُفِعوا إليها بحكم الضرورة“.[27]

الخطية الجدية هي تشوه صورة الله في الإنسان

يُؤكِّد ق. باسيليوس على ثبات الملائكة في الله بدون تغيير، ولكن الإنسان يتغيَّر بسبب تغيير جسديّ أو نفسيّ نظرًا لفساد طبيعة الإنسان الذي يُشبِه ذبول الزهور. وهذا هو تعريف الفساد الموجود في طبيعة الإنسان هو حالة التغيُّر والتبدُّل من حالة لأخرى، وهذا النوع من الفساد يختلف عن الفساد الأخلاقيّ أو الأدبيّ قائلاً:

”إذًا، فنحن الذين نتغيّر، وحقًا إننا المقصودون بكلمة التغيير الواردة في هذا المزمور. فالملائكة لا يخضعون للتغيير، ولا يوجد بينهم صبي، ولا شاب، ولا شيخ، بل يبقون في الحالة التي خُلِقوا بها منذ البداية، ووجودهم وكيانهم يظلّ صحيحًا وتامًا، وبلا تغيير. فنحن الذين يطرأ علينا تغيير جسديّ ونفسيّ، وبالنسبة للإنسان الداخليّ أيضًا، بأن نغيِّر الفكر مرارًا وتكرارًا وفقًا للظروف. […] أعتقد أن فساد طبيعة الإنسان يُوازي الذبول السريع للزهور“.[28]

يُوضِّح ق. باسيليوس نتائج السقوط كتشوُّه صورة الله في الإنسان، وسيادة الموت على آدم حتى بالناموس الموسويّ، وسُكنى الخطية في الإنسان التي تفقده ذاته، وتجعله يُشبِه الحيوانات قائلاً:

”إنه حقيقةً جنون بالغ، وخبث حيوانيّ. ألا يشعر الإنسان صورة خلقته الأولى، أي أنه خُلِقَ على صورة خالقه، ولا يريد أن يفهم الخطط التدبيرية العظمى للغاية التي وُضِعَت لأجله، ومن خلالها يعرف قيمة ذاته. ولكنه ينسى أنه لبس صورة الترابيّ، بعدما فقد صورة السماويّ (1كو 15: 49). […] والموت قد ملك من آدم حتى الناموس الموسويّ (رو 5: 14). […] فذاك قد نال الكرامة بدايةً من خلقته، ولكنه بسبب الخطية التي سكنت فيه، لم يشعر بذاته، هذا قد شُبِهَ بالحيوانات. وبعد ذلك، ولأنه أبعد نفسه عن كلمة الله، صار كمَّن لا عقل له، أي يُشبِه الحيوان، وبعدما اختطفه العدو كخروف لا راعي له، ووضعه في الجحيم، وسلَّمه إلى الموت لكي يرعاه“.[29]

يشير ق. باسيليوس إلى أنَّ طبيعة الإنسان طبيعة مُركَّبة تميل وتنحني بالخطية، وبالتالي، كان السقوط حتميّ بسبب الخطية كالتالي:

”إذًا، يبرهن هذا الكلام على أن طبيعة الإنسان التي هي طبيعة مُركَّبة، تميل وتنحني بالخطية، وعندئذٍ فإنها حتمًا ستنهار. ولكنها بعد أن يتمّ إصلاحها مرةً أخرى من قِبل الخالق، الذي خلقها منذ البدء، فإنها سوف تكتسب الطمأنية والحياة، والثبات، ولن تُعانِ من المكائد والمؤمرات التي تهدف إلى إسقاطها مرة أخرى. […] وهكذا كان السقوط بسبب الخطية حتميًا، ولكن عظيمةٌ هي القيامة بسبب ما حقَّقته من خلود“.[30]

استيطان مرض الخطية في النفوس الشريرة

يُشدِّد ق. باسيليوس أنَّ مرض الخطية مُستوطِن في نفوس الفجار والفسقة بسبب حياتهم الشريرة، كما خلق الله في داخل الإنسان ميزانه الخاص (ميزان تمييز الخير والشر) لمعرفة طبيعة الأمور كافة، هناك طبيعتان مُتضادتان فيما بينهما هما: الخير والشر، الحياة والموت، الفضيلة والرذيلة، وعلى الإنسان التمييز بينهما بحسب ميزانه المخلوق داخله كالتالي:

”إذًا، ما هذا الذي يقوله؟ إنَّ كل واحد منَّا، لديه في الخفاء ميزانًا ما، والذي صنعه الخالق في داخلنا، والذي فوقه من الممكن أن نعرف جيدًا طبيعة الأمور كافةً: ’قد جعلت قدامك الحياة والموت، الخير والشر‘ (تث 30: 15 سبعينية)، طبيعتان متضادتان فيما بينهما، فلتزن هذه الأمور، فوق ميزان نفسك، لتزن بدقةٍ، أيهما أكثر فائدةً بالنسبة لك، أن تُفضِّل اللذة الوقتية، ومن خلالها تذهب إلى الموت الأبديّ، أم بعدما تكون قد فضَّلت الجهاد في ممارسة الفضيلة، تستحدم هذه الفضيلة كنبع أو مصدر للتمتُّع الأبديّ“ .[31]

براءة الأطفال من أي شر

يشير ق. باسيليوس إلى براءة الأطفال واتضاعهم، بحيث ينبغي على المرء أن يتغيّر ويتحوّل ويصير مثل الطفل في براءته واتضاعه لكي يدخل الملكوت كالتالي:

”هكذا تستطيع أن تفهم هذه الكلمات. أي أنه تحوَّل، وصار طفلاً، وقَبِلَ ملكوت السموات مثل طفل (مت 18: 3) بنقاوة القلب. هكذا يقول: نزلت بنفسي إلى اتضاع الأطفال وبراءتهم، لأن ’الرب يحفظ الأطفال، لقد اتضعت فخلَّصني‘“.[32]

تصحيح مفهوم خاطئ عن الخطية الجدية

يشير ق. باسيليوس إلى أن آدم نقل الخطية إلى الجنس البشريّ بمخالفته الوصية، وهكذا نزيل نحن الخطية بواسطة إعطاء أخانا ما يحتاجه من طعام، يبدو من النص لأول وهلة أنه يشير إلى وراثة خطية آدم لنسله، ولكن عند استكمال النص، نجد أن ق. باسيليوس يعقد مقارنة بين الإنسان الأول الذي عرَّف البشر كيف يخطئون بتعديه الوصية بالأكل، وهكذا هم أيضًا بإرادتهم يخطئون كل واحد على حدة، وهكذا يمكن للإنسان أن يمحو هذه الخطية بإطعام أخيه الجائع، المعروف أن الخطية الأصلية الموروثة من آدم تُمحَى بالمعمودية بحسب المعتقد الأوغسطينيّ، وليس بإطعام الجائع. ولو سلَّمنا بذلك فالخطية الأصلية الموروثة من آدم يمكننا أن نمحوها بإطعام الجائع، وليس بالمعمودية بحسب المعتقد الأوغسطينيّ. فيبدو واضحًا أن النص لا علاقة له بوراثة الخطية الأصلية من آدم كما يتوهم البعض. كما أن وجه المقارنة بين آدم والإنسان الذي يُطعِم الجائع هو الأكل، فأحدهما بالأكل نقل الخطية، والثاني بالأكل، أي إطعام الجائع، يمحو الخطية. حيث يقول ق. باسيليوس التالي:

”لأنه هكذا كما أن آدم عندما أكل مخالفًا الوصية، نقل الخطية للجنس البشريّ، هكذا نحن نفعل العكس، نُزيل الخطية بواسطة إعطاء أخانا ما يحتاجه من طعام“.[33]

النفس مخلوقة وليست مولودة

يُفرِّق ق. باسيليوس الكبير بين الجسد المجبول والنفس المخلوقة، مُفرقًا بين فعلي ’جبل‘ و ’خلق‘ في نص سفر التكوين، في سياق شرحه لخلق الإنسان، مُؤكِّدًا على أن النفس مخلوقة وليست مولودة، وبالتالي، ليست حاملة لخطية آدم الأصلية الموروثة بسبب ولادتها من أبويها كالتالي:

”قال البعض إن الفعل ’جبل‘ قيل عن الجسم والفعل ’خلق‘ عن النفس. ربما لا تكون هذه الفكرة بعيدة عن الحقيقة. لأنه عندما قال الكتاب: ’فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه‘، استخدم الفعل ’خلق‘، وعندما تحدَّث الكتاب عن وجود الجسم استعمل الفعل ’جبل‘. فيُعلِّمنا داود المرتِّل الفرق بين خلق وجبل، عندما يقول: ’يداك خلقتاني وجبلتاني‘ (مز ١١٨: ٧٣؛ أي ١٠: ٨). لقد خلق الإنسان الداخلي [أي النفس] وشكَّل أو جبل الخارجي [أي الجسد]. فالتشكيل يتناسب مع التراب، والخلق يتناسب مع ما هو على حسب صورة الله، ومثلما شكَّل الجسد، خلق النفس“.[34]

 

الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو

سوف نبحث في هذا الجزء الاختلافات العميقة والكبيرة بين فكر ق. باسيليوس الكبير، كمُمثِّل عن اللاهوت الشرقيّ، فيما يتعلق بالخطية الجدية ونتائجها على الجنس البشريّ، وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو بشمال أفريقيا، كممثِّل عن اللاهوت الغربيّ، حول وراثة الخطية الأصلية ونتائجها على الجنس البشريّ، لنرى الاختلاف العميق والشديد بين النظرة الشرقية المتفائلة والنظرة الغربية التشاؤمية لمسألة العصيان والسقوط. وسوف يتضح لنا عمق الاختلاف الشديد بين المنظومة اللاهوتية الشرقية حول قضية الإنسان وسلوكه وعصيانه وسقوطه وآثار ذلك، وبين المنظومة اللاهوتية الغربية حول نفس الصدد.

وراثة وزر عقاب خطية آدم

يؤكد أوغسطينوس، على عكس تعليم ق. باسيليوس الكبير، بأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها كالتالي:

”لأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها“.[35]

وراثة عبء دَّين الخطية الأصلية

يشير أوغسطينوس إلى أننا نرث عبء دَّين خطية آدم، فالطفل ابن يوم حامل للخطيئة الأصلية، ونحن وصلتنا الخطيئة من الخطيئة الأولى، وهذا عكس ما علَّم به ق. باسيليوس الكبير، فلم يُعلِّم ق. باسيليوس بوراثة عبء دَّين خطية آدم وذنبه كالتالي:

”يخبر الكتاب أن ذاك التنين أغوى المرأة الأولى حواء فأعطاها مشورة موت، حين تسلل إلى قلبها الضعيف مثل حية، وأغواها بحيلةٍ ماكرةٍ؛ فكان ما كان مما نعرفه ويؤلمنا من جراء فعلتها وفعلتنا نحن أيضًا. والحال أن أبوينا هما أصل الجنس البشريّ كله: منهما انتقل الموت إلينا، ومنهما الخطيئة التي انتقل عبء دَّينها إلى الأبناء. يقول الكتاب: ’مَن يأتي بطاهرٍ من نجسٍ؟‘ (أي 14: 4). مَن طاهرٌ في عينيك، يا ربّ؟ لا أحد، ولا حتى طفلٌ ابن يومه. من الخطيئة الأولى، وصلتنا الخطيئة، ومن الحكم الأول بالموت وصلنا الموت وانتقل إلينا من جيلٍ إلى جيل. وتعرفون أيضًا ماذا قيل للمرأة، أو بالأحرى، للحية، عندما عاقب الله خطيئة الإنسان الأول: ’نسلها يسحق رأسك، وأنت ترصدين عقبه‘ (تك 3: 15)“.[36]

تعليم القدرية والجبرية الأوغسطيني

يقول أوغسطينوس في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية إن الإنسان عندما يتألم رغمًا عنه بإرادة الآخرين، فذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير. لأنه لو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة. وهذا التعليم لا نجد لأه أيّ أثر عند ق. باسيليوس الكبير ولا عند آباء الشرق، فهم لم يُعلِّموا أبدًا عن القدرية والحتمية الإلهية بهذا الشكل الأوغسطينيّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وهكذا حين نقول: من الضروري أن نريد بحريتنا، نقول حقيقة لا شك فيها، علمًا بأننا لا نُخضِع اختيارنا الحر إلى الضرورة التي تقضي على حريتنا. بل إرادتنا ملك لنا، وتعمل ما نعمل بإرادتنا، وما لا نعمل، لأننا نرفض عمله. وعندما يتألم إنسان، رغمًا عنه بإرادة الآخرين، وذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير، ولو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة“.[37]

يؤكِّد أوغسطينوس على أن الله هو العلة الأولى لجميع الأشياء سواء الصالحة أو السيئة، وذلك في إطار تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، ولكننا لا نجد هذا التعليم بالقدرية والجبرية عند ق. باسيليوس الكبير كممثِّل عن اللاهوت الشرقيّ الأرثوذكسيّ كالتالي:

”فأتساءل: هل هناك أية علة أخرى لكل هذه العلل والحقائق المرئية والمتغيرة سوى إرادة الله الخفية غير المتغيرة التي تستخدم كل هذا سواء الأنفس العاقلة السيئة والأجساد المائتة، وسواء هذه الأجساد التي تتنفس وتحيا بهذه الأنفس، أو الأجساد المجرَّدة من كل إحساس بواسطة هذه النفس المستقيمة كمقر لحكمته الإلهية“.[38]

يرى أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، أن الله يحرك جميع الأشياء من خلال الملائكة التي تنشر ذاتها في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً كالتالي:

”حيث إرادة الله ’الصانع ملائكته رياحًا وخدامه نارًا ملتهبةً‘ (مز 104: 4)، وحيث يملك الله وسط الأرواح المتحدة والمترابطة في سلام كامل، وتشترك في مشيئة واحدة بلهيب المحبة الروحية في موضع عالي مقدس وسريّ، أي في بيتها الخاص، أو في هيكلها الخاص، وتنشر ذاتها من هذا الموضع في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً وتدبيرًا، فتستخدم الجميع بحسب السعادة في غايتها الروحية الثابتة أولاً ثم في غايتها المادية، سواء في الروحيات أو في الماديات، سواء في الأنفس العاقلة أو غير العاقلة، سواء في الأنفس الصالحة بنعمة الله، أو الشريرة بإرادتها الخاصة، وكما أن الأجسام الأكثر طمعًا ودونيةً محكومة بالتدبير الحسن من البشر الأكثر مهارةً وقوةً، هكذا أيضًا كل الأجسام محكومة بالروح الحي، وبالروح الحي غير العاقل، وبالروح الحي العاقل، حيث يرتكب الروح الحي العاقل الضعفات والخطايا، أما الروح الحي العاقل البار والصالح فمحكوم من الله نفسه، حيث الخليقة العالمية الجامعة والشاملة محكومة من خالقها الذي ’منه وبه وفيه خُلِقَ الكل وتأسس‘، لذلك إرادة الله هي العلة الأولى والأسمى لجميع الظهورات والحركات المادية، فلا يوجد شيء مصنوع ظاهريًا أو حسيًا إلا بسلطان وبإذن من البلاط الملكيّ السريّ وغير المرئيّ والعقليّ للحاكم الأعلى بحسب العدل غير الموصوف للمكافأة والعقوبات وللنعمة والجزاء في الاتحاد اللامتناهي والصعب المنال للخليقة كلها“.[39]

يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليم القدرية والحتمية الإلهية، على أن طريق البر الذي تسير فيه حياتنا هو الطريق الذي هيأه الله لنا، وهو يجعل ما له كأنه طريقنا نحن، فهو يمنحنا ما يريده هو، وكل ما فينا هو من الله كالتالي:

الله يمنحنا ما يريده هو، فكل ما فينا هو من الله، أمَّا لو كانت فينا أمور لا يرضاها، وليست بحسب مشيئته، فينبغي ألا نرضى بها نحن أيضًا كما قال الإنجيل: ’ما نسيناك (يارب) ولا خُنا في عهدك، لم يرتد قلبنا إلى الوراء، ولا مالت خطواتنا عن طريقك‘ (مز 44: 18؛ إش 63: 17). فالطريق الذي تسير فيه حياتنا هو طريق البر الذي هيأه الله لنا، وهو ما يجعل ما له كأنه طريقنا نحن! فالمسيح هو الذي يعطينا امتياز الإيمان به، والرجاء بأنه سيُوصِّلنا إلى كمال البرّ“.[40]

يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والحتمية الإلهية، على أن جميع الأفعال التي يفعلها الملائكة سواء الأبرار أو الأشرار هي بسماح من الله كالتالي:

”وبالتالي، يكون اعتقاد خاطئ أن الملائكة الأشرار أو حتى الملائكة الأبرار هم خالقون، ولكنهم رغم ذلك يعرفون بذور الأشياء الأكثر غموضًا بالنسبة لنا بسبب دقة إدراكهم وجسدهم، وتنشرها سريًا بالتفاعلات المناسبة للعناصر، فتزيد فرص انتاج الأشياء وتسريع فرص نموها. ولكن لا يفعل الملائكة الأبرار هذه الأشياء إلا بسماح من الله، ولا يفعل الملائكة الأشرار هذه الأشياء بشكلٍ جائرٍ وظالمٍ، بل بسماح من الله لغاية صالحة. لأن شر الإنسان الشرير يجعل إرادته شريرة وفاسدة، ولكنه يستمد القوة لفعل ذلك بالعدل سواء لعقابه الخاص أو في حالات أخرى لمعاقبة الأشرار أو لمكافأة الأبرار“.[41]

ويرى أوغسطينوس أن المسيح هو مخلصنا وخالقنا، لذا فكما خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة على أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا، مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة، وهذا يتسق مع تعليمه عن القدرية والجبرية كالتالي:

”إن مخلِّصنا لا يقل في شيء عن خالقنا، فكما أنه خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة وشاملة!“.[42]

يتحدث أوغسطينوس أيضًا، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية الإلهية، عن أن كل الأعمال سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة وللبشر، أو لأيّ نوع من الحيوان، تكون بحسب سلطان الله المطلق كالتالي:

”وبالتالي، كما في الحالة الروحية نفسها، لا يعرف أحد ما في أذهاننا إلا الله، لذلك يستطيع البشر الكرازة بالإنجيل كوسيلة خارجية للصلاح فقط بإخلاصٍ، بل أيضًا للشر بعلةٍ (في 1: 18)، كذلك في خلق وإبداع الأشياء المنظورة يعمل الله في الداخل، أما الأعمال الخارجية سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة أو للبشر أو حتى لأيّ نوع من الحيوان، فتكون بحسب سلطان الله المطلق لتوزيع القدرات والرغبات المتعددة للأمور السعيدة، والتي قد علمها الله وخصَّصها بنفسه لطبيعة هذه الأشياء، حيث خلق الله كل الأشياء في داخلها بالمثل كما يحدث في الزراعة بالنسبة للتربة“.[43]

الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك بعد السقوط

يرى أوغسطينوس أن إرادة الإنسان بعد السقوط لم يكن في وسعها إلا أن تهلك، وذلك في إطار تعليمه عن الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. باسيليوس الكبير، بل يؤكد ق. باسيليوس على وجود حرية الإرادة وممارستها بعد السقوط كالتالي:

”بل هو يتحدَّث باستمرار كما لو كانت الطبيعة البشرية قادرة على شفاء نفسها بإرادتها الذاتية بدون الرب يسوع. في حين أن إرادتها تلك التي يتشدق بها لم يكن بوسعها إلا أن تهلك“.[44]

يتحدَّث أوغسطينوس عن أن الله جعل السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئة الإنسان، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، مشيرًا بذلك إلى الإرادة المقيَّدة بفعل الشر بعد السقوط كالتالي:

”إن الإنسان، لشدة تعاظم الإثم يستسهل السقوط في الخطيئة عن أن يتجنبها. ونظرًا لعدم وجود علاج فعَّال يناسبه، جعل الله السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئته، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، وكان من المفروض أن يكون جسده خاضعًا ومطيعًا له، ولكنه تهاون حينما كان جسده مطيعًا في البداية وهو يستخدمه فيما للرب، ولكنه هزأ بجسده وذلك بجره إلى العصيان. ونحن نُولَد الآن بجسد العصيان هذا، حيث يسكن ناموس الخطيئة في أعضائه ويُقاوِم ناموس ذهننا، فلا ينبغي علينا أن نتململ على الله، ولا أن نجادل مقاومين الحق الناصع، بل نطلب ونصلي ملتمسين مراحمه عوضًا عن العقوبة“.[45]

ويشير أوغسطينوس إلى الإرادة المقيَّدة بالشر، حيث يرى أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة. لأن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛ أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا. فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا. فعندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات كالتالي:

”لأنه ليس هو الذي يصنع الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فيه. لكن حل هذه المسألة يطرح مسألة أصعب؛ إذ كيف يعمل إنسان ما ليس يعمل؟ وهذا ما قاله الرسول: ’الشر الذي لا أريده إياه أعمل، ولست أنا الذي أعمله، بل الخطية الساكنة فيَّ‘. من هنا علينا أن نعرف أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة؟ إنْ لم نرضخ لها بإرادتنا، نخنقها في مهدها. وهذا ما يوصي به الرسول عندما يقول: ,لا تملك الخطيئة في جسدكم المائت، فتطيعون شهواته، ولا تجعلوا أعضاءكم سلاح إثم للخطيئة‘ (رو 6: 12، 13). إن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛ أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا. فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا، الذي سنتخلص منه نهائيًا عندما يصبح جسدنا غير مائت كما هي حال نفسنا. وعليه، فبما أننا نسير في طرق الربّ، فإننا لا نطيع شهوات الخطيئة؛ وبما أننا لسنا بلا خطيئة، فإننا نتحسس شهوات الخطيئة. لكننا عندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات. بهذا المعنى، ’صانعو الإثم‘، أي الذين يطيعون شهوات الخطيئة، ’لا يسيرون في طريق الربّ‘“.[46]

ويتحدَّث أوغسطينوس عن الإرادة المستعبَدة للشر والخطية، حيث يستنكر متسائلاً: كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرَّروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن إنْ كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مُستعبَد أيضًا، ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا قائلاً:

”إذًا، كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن ’حيث روح الرب هناك حرية‘ (كو3: 17). لذلك لو كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مستعبد أيضًا (2بط2: 19) ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا؟ أو هل يتحرَّرون لدرجة أنهم لا يختارون الله ربًا لهم الذي يقول لهم: ’بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا‘ (يو15: 5)، ’وإنْ حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا؟‘ (يو8: 36)“.[47]

ويرفض أوغسطينوس أن يظن الإنسان أنه قوي في ذاته، ولكن الله جعله ضعيفًا، لكي يقويه بقوته، بعد أن يكون قد فَقَدَ قوته، ولكننا نتساءل هنا: كيف يجعل الله الإنسان ضعيفًا ليُظهِر له قوته، هل يحتاج الله لمثل هذا الأمر ليُظهِر قوته للإنسان بأن يضعفه أولاً ثم يُظهِر له قوته؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:

كُنت تريد أن تكون قويًا في ذاتك، فجعلك الله ضعيفًا، لكي يقويك بقوته، بعد أن تكون قد فقدت القوة التي تنبع منك“.[48]

نحن بشر مجبولون بالشر

يرى أوغسطينوس أننا البشر مجبلون بالشر، وهذا لم يعلم به ق. باسيليوس الكبير، ولا أي أب من أب الشرق بأننا مجبلون بالشر، كما لو كان الشر طبيعة نُجبَل عليها وهكذا لسنا في ذاتنا بشيء، بل كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله كالتالي:

”إنه يُعرِّفنا بنعمة الله؛ ويُعرِّفنا أننا لسنا في ذاتنا بشيءٍ؛ ويُعرِّفنا أن كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله، وما نحن في ذاتنا إلا بشرٌ مجبولون بالشرّ“.[49]

استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر

ويرى أوغسطينوس أن الله هو الذي يشأ فعل الأشياء حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم أو بأمرهم أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. باسيليوس الكبير كالتالي:

”لأنه كيف تفعل الملائكة هذه الأشياء، أو بالحري كيف يفعل الله هذه الأشياء بواسطة ملائكته. وإلى أيّ مدى يشأ فعلها حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم، أو بأمرهم، أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق“.[50]

ويشير أوغسطينوس صراحةً إلى أن الله يستخدم الشر كأداة عقابية لإصلاح الإنسان، وهذا ما لانجده عند ق. باسيليوس الكبير الذي يؤكد على صلاح الله الدائم، وأن الشر والخطية مجرَّد مرض أو وهم أو اختراع أصاب البشرية الساقطة كالتالي:

”حقًا إن كثيرين انصلح حالهم بالعقاب، ولكن ليست نتيجة العقاب هي خير على طول الخط. فمراحم الله العجيبة قد تستعمل الشرور التي تصيب الإنسان لإصلاح حاله على أي وجه“.[51]

الشهوة الجنسية شرّ

يرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرًا، حيث يشير أوغسطينوس إلى أن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكل في إنجاب الأولاد، بعكس تعليم ق. باسيليوس الكبير كالتالي:

”لأن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكَّل في إنجاب الأولاد“.[52]

يرى أوغسطينوس أن المسيح وُلِدَ من العذراء بدون زواج، أي بدون شهوة الجسد التي تحرِّكها الخطية الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر كالتالي:

”ولكن رأى الله إنه من الأنسب والأفضل كلا الأمرين معًا؛ أي أن يتخذ له إنسانًا يهزم به عدو الجنس البشريّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا من عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح وليس بالجسد، بالإيمان وليس بالشهوة (لو 1: 26-32). وفعل هذا بدون تدخل شهوة الجسد التي تحركها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان – بدون شهوة تمامًا – لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول، أصل الجنس الوحيد، بدون خطية أيضًا“.[53]

ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية هي شهوة شريرة، بالرغم من الاستعمال اللائق بالزواج، وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء مريم، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت قائلاً:

”لذلك، رغم الاستعمال اللائق بعفة وطهارة الزواج للشهوة المادية التي في أعضائنا، ولكنها عُرضة للدوافع اللاإرادية، التي تبين بها أنها كانت لا تقدر مطلقًا على الوجود في الفردوس قبل الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فإنها لا تقدر أحيانًا على مقاومة تلك الرغبة. ولكننا نشعر بها الآن كذلك في مقابل ناموس الذهن، لأنه مما لا شك فيه أن رغبة الانجاب تعمل فينا، وتحثنا على العلاقة الجنسية التي يخضع لها البشر ويشبعونها بفعل الخطية، وإنْ كانوا لا يريدون فعلها، فتصير مُقيَّدة بفعل الرفض: ومَن يشك بأن هذين الأمرين كانا غريبين عن الفردوس حتى قبل الخطية؟ لأن العفة لا تفعل أيّ شيء باطل، ولا تعاني السعادة من أيّ اضطراب أيضًا. وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت“.[54]

وبالرغم من أن أوغسطينوس يرى أن الزواج شيء شريف وشرعي، إلا أنه يسعى إلى مكان وحدوي وسري بسبب الخجل الذي يُعتبر بمثابة عقاب كالتالي:

”ماذا أقول؟ المجامعة الزوجية تهدف بحسب ترتيبات القانون المدنيّ إلى إنجاب الأولاد؛ وهي بالرغم من أنها شريفة وشرعية، ألا تسعى إلى اتخاذ مكان وحدويّ وسريّ؟ […] العملية شرعية تتخفى عن نور النهار وتطلب نظر الروح؛ بطبيعتها شرعية، ولكن الخجل تابع لها بمثابة عقاب“.[55]

هلاك الأطفال غير المعمدين

يرفض أوغسطينوس دخول الأطفال غير المعمَّدين إلى الملكوت، معتبرًا إياهم مذنبين لأنهم وارثون ذنب آدم، بعكس اللاهوت الشرقيّ الأرثوذكسيّ، الذي يرى أنهم سوف يدخلون الملكوت، لأنهم أبرياء وخاليون من أي نوع من الخطية قائلاً:

”في حالة ولادة طفل في أوضاع لا يُسمَح له فيها بنوال معمودية المسيح، ثم مات طفلاً بدون حميم الميلاد الجديد، فأنظروا بماذا يفتي صاحبكم (بيلاجيوس)، في مثل هذه الحالة، إنه يعطيه حلاً، فاتحًا له ملكوت السماوات، ومؤكدًا أن لا دينونة عليه، هذا على الرغم من دينونة الله له. على أية حال إن الرسول بولس لا يعطي حلاً لمثل هذا الطفل، حيث قال: ’بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع‘ (رو 5: 12)، فهذا الاستذناب الوحيد فقط يسري على الكل بما فيهم ذلك الطفل، ولذلك لا يُسمَح له بالدخول إلى ملكوت السماوات ليس لأنه غير مسيحي فقط، بل وحتى لأنه غير قادر أن يكون مسيحيًا“.[56]

يرى أوغسطينوس أيضًا أن الأطفال يُحسَبون من بين الخطاة منذ المولد، لأنهم يحملون الخطيئة الأصلية، وهذا عكس ما يقوله آباء الشرق عامةً،حيث يرون أننا نُولَد مائتين من المائت، ولا نُولَد خاطئين من الخاطئ كالتالي:

وبين الخطاة يُحسَب الأطفال، من حيث أنهم يحملون الخطيئة الأصلية؛ وبالتالي، فإن الجميع بحاجة إلى نعمة الله“.[57]

يُؤكِّد أوغسطينوس على عدم دُخُول الأطفالِ الذين يموتون قبْل المعمُوديّة لِلملكُوت بِسبب وِراثة الخطيّة الأصليّة، حيْث يُخاطِب القِديس جِيروم قائِلاً:

”أسأل أيْن تُصاب النّفس بِالخطيئة الّتي بِنتيجتِها تسقُط في الهلاك الّذي لا يُعفى مِنه طِفل يموت بِدون نوال نِعمة المسيح بِالعِماد؟ لِأنّك لست مِن أولئِك الّذين ينطِقون بِأشياء جديدة، ويَذهبون إلى حدّ القوْل بِأنّه ليْس مِن خطيئة أصليّة يُعفَى مِنها الطِّفل بِالعِماد“.[58]

وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم

يرى أوغسطينوس أن الأطفال هم شركاء آدم في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، وهذا عكس ما علَّم به ق. باسيليوس الكبير تمامًا. ويشير أوغسطينوس أيضًا إلى اتصال الأطفال بالخطيئة الأصلية لآدم لكونهم أبناء آدم وشركائه في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، أي يُعلِّم أوغسطينوس بوراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، هذا التعليم المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. باسيليوس الكبير. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”فإذَا كان علينا أن نفهم من عبارة ’جميع منافقي الأرض متعدون‘ أنها تشمل الأطفال أنفسهم بسبب اتصالهم بالخطيئة الأصلية – وهذا حق – اتضح لنا أنهم، لكونهم أبناء آدم، فإنهم شركاء له في خطيئته الأولى بتعديه الوصية التي أُعطيت له في الفردوس. وعليه، فإن جميع الخطأة في الأرض، بلا استثناء، يُعتبرون، بحقٍ، متعدون“.[59]

ويؤكد أوغسطينوس أيضًا على وراثة الأطفال الرضع ذنب خطيئة آدم في حديثه مع ق. چيروم، وتعليم وراثة الذنب هو تعليم مرفوض تمامًا من ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق كالتالي:

”ولهذا أتساءل كيف يمكن للروح، حتى لو روح رضيع اختطفه الموت، أن تحمل الذنب الذي يستوجب الدينونة، ما لم تنقذه نعمة المسيح بسر المعمودية، الذي يُقدَّم حتى للرضع؟ أعلم أنك لست ممن تلفظوا مؤخرًا بآراء وبدع عبثية، زاعمين أنه لا يوجد ذنب موروث من آدم والذي يُمحَى بالمعمودية في حالة الأطفال. […] ولهذا ليس من غير المناسب طرح عليك السؤال: كيف تحمل الروح، حتى لو روح رضيع، الذنب الذي يجب الخلاص منه خلال سر النعمة المسيحية“.[60]

ويؤكد أوغسطينوس على وراثة ذنب آدم، على العكس من تعليم ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق الرافض لوراثة ذنب خطية آدم، قائلاً:

”لأن الخطأ لا يكون على الولد الذي يقضي الله حكمه عليه؛ لأن ليس هو الذي يخالف عهد الله بل أولياؤه الذين يهملون ختانته؛ وعليه يجب الاعتراف بأن الأولاد أنفسهم مجرمون، لا بسبب الاستعمال الشخصيّ لحياتهم، بل بحسب الأصل المشترك للجنس البشريّ، لأنهم جميعهم خطئوا بمخالفتهم لعهد الله في شخص الإنسان الأول الذي به قد خطئوا؛ […] فكيف يمكن التوفيق بين ذاك الكلام وكلام المزمور: حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘ (مز 118/119)، إنْ لم يكن كلّ مرتبط بخطيئةٍ ما مخالفًا لشريعةٍ ما؟ وعليه فإنْ يكن الأطفال أنفسهم كما يُعلِّم الإيمان الحقيقيّ مولودين تحت نير الخطيئة، لا خطيئتهم الشخصية، بل الخطيئة الأصلية، ولهذا نعترف بأن نعمة مغفرة الخطايا ضرورية لهم، فلا شك أنهم كسواهم قد خالفوا الشريعة المعطاة في الفردوس بالقدر عينه، وقد تحقَّقت كلمات الكتاب المقدَّس القائل: ’حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘، ’وحيث لا يكون ناموس لا يكون تعدّ‘. وعلى هذا النحو، فإن الختان، بصفته علامة التجدُّد نرى بحقٍ أن وصمة الخطيئة الأصلية التي هي تعدٍّ على العهد الأول تُشوِّه ولادة الطفل إنْ لم تُخلِّص منها الولادة الجديدة. […] ومع ذلك، فإن الشجب للولد غير المختون البريء من كل إهمال تجاه نفسه قد يكون ظالمًا لو لم يكن أسيرًا للخطيئة الأصلية“.[61]

تعليم النفس المولودة الأوغسطيني

يُعلِّم أوغسطينوس، على العكس من تعليم النفس المخلوقة لآباء الشرق وق. باسيليوس الكبير، بأن النفس مثل أجسادنا تتوالد وتأتي إلينا من أبوينا، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من آباء الشرق، حيث يرون أن النفس الإنسانية هي مخلوقة على صورة الله، والله هو جابلها وخالق، الله هو أبو الأرواح، وهو الذي يرسل نفس جديدة بالخلق المباشر لكل إنسان مولود في الحياة، ويحرم ويرفض آباء الشرق التعليم عن النفس المولودة، ويَعتبرونه أنه يجعل من النفس كيان ماديّ يُورَّث مثله مثل الأجساد، وبالتالي، تكون صورة الله صورة مادية بحسب هذا الرأي، وأَعتبروا أن ذلك هو التعليم عن هرطقة أنسنة اللاهوت أو تجسيم اللاهوت أو الأنثروبومورفيزم Anthropomorphism المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. باسيليوس الكبير. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”ولكن بينما نعترف أن جسد الإنسان من صُنع الله، في الوقت ذاته لا ننكر أن الأجساد تتوالد. لذلك عندما يُبرهَن على أن أرواحنا نتاج بذار روحية [يقصد نظرية العلل البذرية]، وهي كأجسادنا تأتي إلينا من أبوينا، إلا أنها مازالت أرواحًا من صُنع الله، فهدم هذا البرهان لا يصح أن يكون على أساس الحدس البشريّ، بل يجب دحضه بشهادة نصوص من الكتاب المقدَّس. يوجد فعلاً الكثير من النصوص الإلهية القانونية يمكن الاستشهاد بها لكي نثبت أن الله هو خالق الأرواح. ولكن نستخدم هذه الآيات ضد مَن ينكرون أن أرواحنا ليست من صُنع الله؛ وليس ضد مَن يقولون إن أرواحنا تتكوَّن بفعلٍ إلهيّ، لكن من الوالدين. لكي تدحض هذا الفكر يجب أن تستشهد بنصوص صريحة تنادي بغير ذلك، وإنْ وجدت، فعرفني بها لأني بحثت بشغفٍ عنها ولم أستطع الوصول إليها“.[62]

اتهام أوغسطينوس لرافضي النفس المولودة بالبيلاجية

ويتهم أوغسطينوس الذي لا يؤمن بالنفس المولودة بالسقوط في الهرطقة البيلاجية، ألعله يتهم آباء الشرق ومنهم ق. باسيليوس الكبير بالهرطقة البيلاجية بسبب تعليمهم بالنفس المخلوقة ورفضهم للنفس المولودة؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وفي تناول المشكلة الثانية أريدك أن تكون متأنيًا ويقظًا. فربما من خلال رفضك لتوالد الأرواح تقع دون أن تدري في بدعة بيلاجيوس. الجميع يعرفون أن الأجساد تتوالد من جيل إلى جيل؛ فنكون على صواب أيضًا إن قولنا إن كل الأرواح – ليس فقط آدم وحواء – يخلقها الله، ومن الواضح أن تأكيد توالدها ليس إنكارًا لخلقتها من الله. فمن خلال هذه النظرة، الله يخلق الأرواح بالطريقة نفسها التي يخلق بها الأجساد؛ أي بطريقة غير مباشرة وبالتوالد. وإدانة هذا الرأي تتطلب حوارًا جديدًا“.[63]

وراثة الخطية الأصلية بواسطة النفس المولودة

يرى أوغسطينوس، على العكس من آباء الشرق جميعًا وق. باسيليوس الكبير بالخصوص، أنه لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض. فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذلك ينبغي أن ينال الأطفال الرضع الولادة الجديدة في المعمودية. يرى آباء الشرق وق. باسيليوس الكبير أن نفوس الأطفال ليست شريرة ولا تُولَد نفوس الأطفال خاطئةً، بل هم بلا خطية، وهم أبرار وطاهرين في أذهانهم وأرواحهم وفكرهم، وعندما يموت الأطفال الرضع غير المعمدين، بحسب آباء الشرق وليس أوغسطينوس والغرب، فإنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا، لأن الملكوت هو لهم كما قال آباء الشرق، فلم يقل أي أب من آباء الشرق بأن الأطفال الذين يموتون قبل المعمودية، يذهبون إلى الجحيم، كما قال أغسطينوس والغرب من بعده، بل يقولون بأنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا لينالوا نصيبهم من السعادة. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وأيضًا لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض (أي 14: 5). فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذا فمِن المهم جدًا حتى للأطفال الرضع أن يُولَدوا ولادة جديدة في المسيح بنعمة التجديد [المعمودية]. […] تحمل سؤالي أنا أيضًا في المقابل: هل يمكن أن ترث الروح البشرية الخطية الأصلية من دون أن تتوالد هي نفسها من هذا الجد [آدم]؟ فإذَا لم نرد أنا أو أنت أن نقع في هرطقة بيلاجيوس المقيتة، يجب علينا أن نؤمن بأن كل الأرواح البشرية ورثت الخطيئة الأصلية من آدم. وإنْ لم تستطع الإجابة على سؤالي، أرجوك أن تعفيني أنا أيضًا من الإجابة على سؤالك. […] وعندما حثَّني على بذل الجهد والعناء أكثر في القضاء على هذه الهرطقة المميتة، أشار إلى خطأ بيلاجيوس، الشيء الذي أتوسل بشدة إليك يا أخي أن تتجنبه بمنتهى الحرص. يجب أثناء التأمل والنقاش في مسألة أصل الأرواح ألا تدع مجالاً لهذه الهرطقة مطلقًا سواء هي أو استنتاجاتها الشريرة؛ لأنه لا توجد روح بشرية إلا روح الوسيط بين الله والناس [يسوع المسيح] لم ترث الخطية الأصلية من آدم. الخطية الأصلية الملتصقة بالروح منذ ولادتها، ولا توجد وسيلة للتخلص منها سوى بالولادة الجديدة [المعمودية]“.[64]

خطية الطبيعة والإرادة المقيَّدة بالشر

ويرى أوغسطينوس أن طبيعتنا البشرية أصبحت خاطئة، لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، فيرى هنا أن الخطية تنتقل من خلال جسد المعصية الأول إلى أجسادنا نحن البشر، ويشدد على الإرادة المقيَّدة بالشر، حيث لا تستطيع طبيعتنا البشرية الوارثة لطبيعة جسد المعصية الأول أن تتمم ناموس الله من تلقاء نفسها، ولا تستطيع أن تكمل في البر. لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق كالتالي:

”إن طبيعتنا البشرية أصبحت مريضة وخاطئة؛ لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، الذي لا يقدر من تلقاء نفسه أن يتمِّم ناموس الله، ولا يستطيع أن يكمل في البر“.[65]

ويرى أوغسطينوس أن جميع قدرات الطبيعة البشرية الطبيعية من ذكاء وأحاسيس صارت معتمة وضعيفة تمامًا بسبب التيار الكاسح الناتج من وراثة الخطيئة الأصلية التي أرتكبها آدم بمحض إرادته الحرة، فأصبحت الطبيعة البشرية بسبب الخطية الأصلية الموروثة مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل. لا نجد هذا التعليم الغريب عند ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق كالتالي:

”حقًا مازال بلا شك في الطبيعة البشرية قدرات صالحة باقية منذ تكوينها كالحياة والأحاسيس والذكاء…إلخ. كل هذه كانت من الله العلي، مُكوِّنها وجابلها. ولكن تيارًا جارفًا اكتسح هذه الطبيعة، فعتم وأضعف كل تلك القدرات الطبيعية، حتى أنها في حاجة إلى الاستنارة والشفاء من ذلك التيار الكاسح، الذي لم يكن مصدره الله طبعًا، لأن الخالق منزَّه عن أي خطأ. ولكنها كانت خطيئة الإنسان الأصلية التي أرتكبها بمحض إرادته الحرة. وبناءً عليه، أصبحت الطبيعة البشرية مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل“.[66]

الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط

يؤكد أوغسطينوس على الفساد الكلي للطبيعة البشرية المقيَّدة بفعل الشر وارتكاب المزيد من الخطايا، وهذا عكس ما رأيناه عند ق. باسيليوس الكبير الذي شدَّد على الفساد الجزئيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وأكَّد على بقاء عمل حرية الإرادة في الإنسان حتى بعد السقوط كالتالي:

”وردنا هو: إن الخاطئ هو الإنسان مرتكب الخطيئة، ولكن الفساد الذي في الإنسان الذي به تُرتكَب الخطيئة صار ثابتًا في طبيعتنا البشرية، وهو نبع دائم لتصرفاتنا الخاطئة. هذا العطب الغائر في الطبيعة الإنسانية هو المحتاج إلى الشفاء، وكلما تأخر هذا الشفاء كلما استشرى العطب الفساد وارتكب خطايا أكثر بسبب ما يُحدِثه الفساد من ضعف وعمى حتى إن الإنسان لا يرى ولا يقوى على عمل البر الواجب عليه“.[67]

تعليم القدرية وسبق التعيين المزدوج

يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![68] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![69]

ويستكمل أوغسطينوس في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[70]

يشير أوغسطينوس إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.

يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[71] ويستكمل أوغسطينوس بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[72]

وراثة الخطية الأصلية جسديًا بالعلل البذرية الجسدية

يُوضِّح أوغسطينوس أننا كنا في صُلب آدم عندما أخطأ وأننا خرجنا مِن بذرة آدم المشوَّهة بالخطيئة، وأنه نقل إلينا فساده وعقابه، وهنا يستخدم أوغسطينوس نظرية العلل البذرية الرواقية عن الخلق، ليُفسِّر بها كيفية انتقال خطية آدم منه إلى بنيه، وهذا التعليم لا نجده عند ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”ولكن الإنسان قد أخطأ بحريته، فعُوقِبَ بعدلٍ، وانتقل إلى ذريته فساده والعقاب، لأننا جميعنا كنا فيه عندما كان وحده يُمثِّلنا جميعًا. لقد سقط في الخطيئة بواسطة المرأة التي أُؤخِذَت مِن جنبه قبل الخطيئة […] بيد أنَّ البذرةَ التي كَاَن عَلينا أن نخرج منها قد شوَّهتها الخطيئة، وحَمَلت أثقال الموت بحُكمٍ عادلٍ، جَعَلت الإِنسان مولود الإنسان في الحَالَة عينها“.[73]

ماهية الخطية الأصلية

يتحدَّث أوغسطينوس عن الخطية الأصلية ونتائج السقوط مؤكِّدًا على تعرُّض الإنسان لنوعين من الموت، وهما: موت النفس وهو الفجور بسبب الخطيئة الأصلية (تعدي الوصية)، وانفصالها الإراديّ عن الله بالخطية، وموت الجسد وهو القابلية للفساد نتيجة انفصال النفس عن الجسد لا إراديًا بسبب عقوبة الخطيئة الأصلية.[74] ويتحدَّث عن وصول البشر إلى الحالة البائسة للطبيعة الناشئة عن الخطيئة الأولى، وأنهم برفضهم خلاص المسيح لهم سيُطرَحون إلى الموت الثاني الأخير (الأبديّ) مع إبليس؛ لأنهم فضَّلوا الشيطان على المسيح.[75] لقد صرنا غير ثابتين في الأبديات، لأنَّ فساد الخطية يجذبنا لأسفل، وصرنا تحت قبضة الفساد بمحبة الزمنيات المغروسة فينا، كما لو كان فساد الخطية مغروس بالطبيعة من جذر الموت. يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا إنه بعدما أسقط الشيطان الإنسان في الخطية، تم إبعاد رؤية الحقائق الأزلية عن رأس الإنسان، فصار الرأس يتغذى على المحرَّمات، وهكذا صارا أبوينا مُجرَّدين من استنارة الحقيقة، وانفتحت عينا ضميريهما للنظر في عريهما وخزيهما.[76] كما يتحدَّث عن شهوة الإنسان الفاسدة للتألُّه بالطبيعة ومُشابهة الله، وصولاً إلى مُشابهة البهائم، والعري من حلتهما الأولى، ونالا بالموت الأقمصة الجلدية، وهكذا أفتقد الإنسان الفخر الحقيقيّ المتمثل في صورة وشبه الله، لأنه كلما أحب الإنسان ذاته أكثر ابتعد عن الله. أسقط الإنسان نفسه في شهوة اختبار قوته، فنزل إلى مرتبة متوسطة بين الملائكة والبهائم، وهكذا عندما أراد أن يصير كالله، دفع ذاته إلى العدم، وسقط في منزلته المتوسطة. صار بالعقوبة إلى المنزلة الأدنى أي الأمور البهيمية.[77]

يشرح أوغسطينوس ماهية الخطية إنها القبول بالاستمتاع الشرير بالأمور المدرَكة بالحواس الجسدية، ودفع الإحساس الحيوانيّ لغاية الذهن التي تستخدم القوة الحيوية للعقل في الزمنيات والجسديات، لتنفيذ وظائفه بباعث إمتاع ذاته كما لو كان خير خاص بذاته، وليس خير عام ثابت ومشترك وصالح، وهكذا قبلت حواء الإغراء بالآكل من الشجرة المحرَّمة.[78]

ثم يتحدَّث أوغسطينوس عن سماح الله بتسليم الجنس البشريّ إلى سلطان إبليس بالعدل الإلهيّ بشكل ما، وعبور خطيئة الإنسان الأول إلى كل الجنسين أصلاً، وفي ولادتهما عن طريق التناسل والزواج، وهكذا قيَّد إبليس نسلهما جميعًا.[79] لقد صار البشر جميعًا تحت سلطان إبليس أصلاً، أي بالطبيعة الفاسدة بالخطية صاروا أبناء الغضب، كما قال بولس الرسول، سمح الله بعدلٍ بتسليم الإنسان إلى سلطان إبليس. لم يفصل الله الإنسان عن سيادة سلطانه وصلاحه، عندما سمح أن يكون في سلطان إبليس، لأنَّ إبليس نفسه تحت سلطان الله، حيث لا تحيا الشياطين بدون الله، الذي يحيي كل شيء، وهكذا أخضع ارتكاب الخطايا الإنسان إلى سلطان إبليس بسبب غضب الله العادل. ولكن هذا يتعارض مع ما قاله الآباء اليونانيون عن تسليم الإنسان نفسه إراديًا بالعصيان إلى الشيطان، وليس لله دخل في ذلك! وهكذا بحسب تعليم أوغسطينوس استخدم الله الشر والشيطان كأداة عقابية للإنسان.[80]

الشرور الموروثة من آدم

ويُوضِّح أوغسطينوس أننا مُقيَّدين بخطية وموت آدم الإنسان الأول كشرور موروثة؛ لأنَّ إبليس من أجل الواحد قيَّد جميع المولودين من شهوته (الجنسية) المادية الفاسدة.[81] ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس على مفهوم وراثة الخطية الأصلية بتقييد آدم لجنسه البشريّ بخطيته، لذلك رأي الله إنه من الأفضل أن يتخذ له إنسان يهزم به عدو الجنس البشرىّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا مِن عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح لا بالجسد، بالإيمان لا بالشهوة. وفعل هذا بدون تدخُّل شهوة الجسد التي تُحرِّكها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدَّسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان -بدون شهوة تمامًا- لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول؛ أصل الجنس الوحيد بدون خطية أيضًا، لأنَّ ذاك المولود كان بدون الطبيعة الفاسدة بمرض الخطية وكان العلاج الوحيد لكل فساد.[82]

ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس هنا على انتقال الخطية الأصلية بالشهوة الجنسية من الآباء للأبناء، وأنَّ الله بتجسُّده من العذراء بدون شهوة، قد أوقف هذه السلسلة من توارُّث وانتقال الخطية، وصار أصلاً جديدًا للبشرية المنتصِرة على إبليس في شخصه بهذا الحبل المقدَّس. وإنْ كان أوغسطينوس يُؤكِّد أيضًا على طهارة الزواج والاستخدام السليم لهذه الشهوة المادية الكائنة في أعضائنا، ولكنها للأسف تحت الضغوط اللاإرادية للشهوة، لم تكن قادرة على البقاء في الفردوس حتى قبل السقوط في الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فلا تقدر أحيانًا على مُقاومة تلك الرغبة.[83] كما يُشِير أوغسطينوس إلى غلبة المسيح آدم الثاني على قاهر آدم الأول المقيِّد للجنس البشريّ؛ مُحرِّرًا الجنس البشريّ من الذنب البشريّ.[84] وهكذا يؤكِّد أوغسطينوس هنا على وراثة الذنب البشريّ التي رفضها الآباء اليونانيون؛ لأنَّ الذنب البشريَّ هو فعل إراديُّ يُحاسَب عليه فاعله إراديًا فقط، وليس نسله.

يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![85] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![86] نتساءل هنا أين هو دور الإنسان إنْ كان الله يأمر وينفذ أمره في الإنسان؟! ويستكمل في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[87] يشير إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.

استخدام الله للشر لمعاقبة الإنسان

يشير أوغسطينوس إلى أنَّ هناك بعض الخطايا بمثابة عقوبة لخطايا أخرى يسمح بها الله باعتبارهم أوان للغضب! مثل تقسية الله لقلب فرعون.[88] ولكن هذا التعليم ضد صلاح الله. وهكذا يُورِد أوغسطينوس مثال ابن جيرا البنيامينيّ الذي سب داود، ويُؤكِّد أنَّ الله لم يأمره بسب داود بوصية، وإلا كان مستحقًا المديح؛ لأنه أطاعه، بل الله مال بإرادة ذلك الإنسان التي انحطت بضلاله لكي يرتكب هذه الخطية، وكان ذلك بأحكام الله السرية وعدله. يستخدم الله حتى قلوب الأشرار لمدح الصالحين وإعانتهم.[89] يذكر أوغسطينوس استخدام الله يهوذا لخيانة المسيح، واستخدامه اليهود في صلبه لبركة الأمم المؤمنة، واستخدامه لأشر عدو – الشيطان نفسه – لكن بأفضل وسيلة لامتحان إيمان الصالحين وورعهم لا لنفسه. استخدم الله إبليس لإتمام مشورته الصالحة.[90] يستخدم الله شر الأشرار للخير دون إعفائهم من مسئوليتهم عن شرهم. كل شيء شرير تم بإرادة الإنسان واختياره، ولكن السبب كان من قِبل الرب، يعمل الله في القلوب البشرية ليُغيِّر إرادتهم لما يريده، سواء للخير بحسب رحمته، أو للشر بحسب استحقاقاتهم، ويحدث هذا بعدله الواضح أحيانًا، والخفي أحيان أخرى.[91] كما يؤكِّد على وراثة الذنب والشر المرفوضة من الآباء اليونانيين، حيث يدعو إلى النظر إلى الحالة الأولى التي يشترك فيها جميع الأطفال الصغار بالطبع، الذين يرثون الشر من آدم.[92] يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا أنَّ الله سيجازي كل واحد حسب عمله الشر بشرٍ، لأنه عادل، والشر بالخير؛ لأنه صالح، والخير بالخير؛ لأنه صالح وعادل.[93]

يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[94] ويستكمل بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[95]

يناقش أوغسطينوس ماهية الغضب الإلهيّ، وإنه لا توجد فيه شهوة البتة، بل الغضب الإلهيّ هو تعبير عن الانتقام، ولا يعني اضطراب النفس بالشهوة. يا لها من نظرة مأساوية جدًا لله![96]

تناقض بين الكسمولوجي والأنثروبولوجي

ولكن يعترف أوغسطينوس بأنَّ الخطية ليست مادة ولا كيان لها، بل اسمها ينطوي على مُجرَّد فعل يتسم بِالخطأ، ولكن على الرغم من اعترافه بعدمية الشرّ في الكسمولوچي، إلا أنه يؤكد على كينونة الشر في شرحه الأنثروبولوچيّ لوراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. حيث يقول التالي:

”كيْف أَمكن لِهَذا الفساد أن يحدُث بِالخطيئة، عِلمًا بِأنّ الخطيئة ليْست مَادة وَلَا كيانًا؟ فلنُوضِّح المسألة بِمثل آخَر قد يقرب المعنى: هل عدم أكل الطعام مادّة وكيان؟ بِالطّبع لا، لِأنّ الطّعام في حدّ ذاته هو المادّة والكيان، فعدم الأكل إذًا ليْس مادّة ما، ولكِنّ اِستِمرار العُزوف عَن الطّعام بِصورة حادّة يُحدِث سوء التغذية، وذبولاً في البدن، وتدهورًا في الصِّحّة، ووهنًا في القوة، والضعف الشديد ثم الإعياء فالاِنهيار، هذا لو أستطاع الإنْسَان الاِستِمرار على قيْد الحيَاة، وحتى لو حاوَل بعْد هذا استعادة صِحّتِه باستعمال الأطعمة التي عزفَ عَن تناولها، فقد يتأذى وتزدَاد حَالتُه سوءًا، لأنَّ جهازه الهضميَّ قد اعترته الأمراض والفساد، هكَذا بِنفس الطريقة: حقًا إن الخطيئة ليْست كيانًا ولا هي وجود، ولكن الله هو الكيان الواجِب الوُجود، وحِينمَا عزفَ الإنسان عَن الله بِالعِصيان زمنًا طويلاً، دب الفساد في طبعه البشريّ، حتى أنه لم يعد قادرًا أنْ يبتهج بإلهه مِن شدة الضعف“.[97]

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5)

يعتمد أوغسطينوس على آية (مز٥١: ٥) ”هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي“ كدليل كتابي على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب مفهومه، حيث يُفسِّر الآية على عكس تفسير آباء الشرق لنفس الآية كالتالي:

”يجيب داود باسم الجنس البشري، وهو يتفحص القيود التي تُكبِّل جميع الناس، ويتأمل كيف يتفشى الموت، ويُلاحِظ أصل الخطيئة، ويصرخ: ’هأَنَذَا بِالآثْامِ حُبِلَ بِي‘. هل بالآثام حُبِلَ بداود؟ هل بالإثم حُبِلَ بابن يسى البار وامرأته؟ (راجع ١مل١٦: ١٨). فلمَ يقول إنه حُبِلَ به بالإثم؟ لأن الإثم ورثناه من آدم. وما الخضوع للموت إلا ثمرة الإثم. لا يأتي أحد إلى العالم إلا حاملاً عقابه، أي وهو يُجرجِر الخطيئة التي تستحق العقاب. يقول الكتاب في سفر أيوب: ’ليس من بار أمامك؟ حتى ولا طفل على الأرض ابن يومه‘ (أي١٤: ٥ سبعينية). ونحن نعرف أن الخطايا تُمحَى بمعمودية المسيح، وأن معمودية المسيح لها القدرة على محو الخطايا. وإذَّا كان الأطفال يُولَدون أبرارًا، فلماذا تحملهم أمهاتهم مُسرعات إلى الكنيسة عندما يمرضون؟ فما الذي تمحوه تلك المعمودية الغافرة؟ أرى ذاك البريء يبكي ولا أراه يغضب. فما الذي يمحوه العماد؟ أيّ قيد تحله تلك النعمة؟ تحل قيد الخطية الموروثة. لو كان للطفل أن يتكلم لنطق، ولو كان له معرفة داود لأجاب: لماذا لا ترون فيَّ إلا الطفل؟ لماذا لا ترون في الحقيقة أني لم أرتكب أيّ خطيئة؟ ’إني بالآثام حُبِلَ بي، وبالإثم اغتذيت في بطن أمي‘. ولم يكن رابط الإثم هذا موجودًا في المسيح المولود من العذراء التي حبلت به من الروح القدس. لا يسعنا أن نقول إنه بالإثم حُبِلَ به، ولا يسعنا أن نقول إن أمه غذَّته بالإثم في أحشائها، تلك التي قال لها الملاك: ’الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تُظلِّلك‘ (لو١: ٣٥). فإذَّا كان البشر يُحبَل بهم بالآثام، ويغتذون بالآثام في الحشا الوالدي، فهذا لا يعني أن اتحاد الزوجين خطيئة، بل لأن الذي يحدث إنما هو فعل جسد يحمل عقاب الخطيئة، والحال، فإن عقاب الجسد الموت، والموت مُقِيم فيه على الدوام. ولهذا لا يقول الرسول إن الجسد مائت، بل إنه ميت: ’في الحقيقة، الجسد ميت بسبب الخطيئة، أما الروح فحي بفعل البر‘ (رو٨: ١٠). فكيف بجسدٍ حُبِلَ به بالإثم، والزرع في جسدٍ قضت عليه الخطيئة بالموت، أن يُولَد مُتحررًا من قيود الخطيئة؟ لا إثم في ثمرة الاتحاد الزوجي العفيف. إلا أن أصل الخطيئة يجلب القصاص المستحق. ليس الزوج غير مائت لأنه زوج، وليس مائتًا إلا بسبب الخطيئة. والرب نفسه خضع للموت، لكن ليس بسبب الخطيئة. ارتضى أن يحمل قصاصنا، فحلنا من خطيئتنا. عدل، إذًا، أن يموت الجميع في آدم، وأن يحيا الجميع في المسيح (١كو١٥: ٢٢). يقول ق. بولس: ’دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا جاز الموت على جميع الناس بواحدٍ، خطئوا كلهم فيه‘ (رو٥: ١٢). إنه حكم بلا استئناف، يقول الرسول: جميعهم خطئوا في آدم. بينما وُلِدَ واحد بلا خطيئة، لأنه لم يُولَد من آدم“.[98]

سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك

يعتقد أوغسطينوس بأن إرادة الإنسان بعد السقوط مُقيَّدة تمامًا بالشر بسبب وراثة الخطية الأصلية، وبناءً على ذلك، يعتقد بأن الله يُعيِّن ويختار سواء الأشرار أو الأبرار منذ الأزل، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من ق. باسيليوس الكبير وآباء الشرق عمومًا. حيث يقول التالي:

”أليس ما يدعو إلى التصديق أن عدد القديسين المعيَّن لملء المدينة الطوباوية يصل إلى ما هو عليه اليوم، حتى ولو لم يخطئ إنسان فتختار نعمة الله، التي تلقي شبكتها في بحر هذا العالم عددًا ضخمًا من الخطأة المولودين والمنجبين؟“.[99]

يرى أوغسطينوس أن هناك مَن خلقهم الله وسبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك، ولكنه شاء ذلك، ولا يمكن لعقلنا أن يبحث في هذ الأمر لأنه يستحيل علينا استيعابه كالتالي:

لقد خلق الله مَن سبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك. حدث ذلك لأنه قد شاءه. أمَّا لماذا شاءه، فليس لعقلنا أن يبحث فيه، لأنه يستحيل علينا أن نستوعبه“.[100]

ويستطرد أوغسطينوس في نفس السياق مؤكدًا على أن هناك آنية هُيئت للكرامة ولكنها ليست بارةً في حد ذاتها، بل هيئت هكذا برحمة الله، وهناك آنية أخرى صُنِعَت للهوان والدينونة كالتالي:

”حيث إنه في آدم الأول وقعت الدينونة على كتلة الجنس البشريّ بأسره، لم تكن تلك الآنية التي هُيئت للكرامة بارةً في حد ذاتها […] بل هُيئت هكذا برحمة الله، أما غيرها فقد صُنِعَ للهوان (رو 9: 21)، ولا يخضع للاستجواب، بل للدينونة“.[101]

ويؤكد أوغسطينوس على ضرورة التعليم والوعظ بالاختيار المسبق للخلاص والهلاك، ويستنكر موقف القائلين بأنه حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب كالتالي:

”إذًا، إذَا فعل الرسل ومَن خلفهم من مُعلِّمي الكنيسة هذين الشيئين – التعامل مع الاختيار الإلهيّ بالوقار، والحفاظ على المؤمنين تحت نظام حياة التقوى والاستقامة – لماذا يظن هؤلاء من أبناء زماننا أنهم، على الرغم من أنهم مُقيَّدون بقوة الحق الذي لا يُقهَر، من الصواب أن يقولوا: ’حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب؟‘ لا ريب وبكل يقين، ينبغي أن يُوعَظ به حتى ’يسمع مَن له أذنان للسمع‘ (مت 11: 15). ولكن مَن له هاتان الأذنان، إنْ لم يكن قد تقبلهما ممَّن وعد بهما؟ فمِن المؤكَّد أن مَن لا يتقبل يمكنه أن يرفض، بينما مَن يتقبل فله أن يأخذ ويشرب، وله أن يشرب ويحيا. فإذَا وجب أن يُنادَى بالتقوى لكي يُعبَد الله بالحق، […] فهكذا أيضًا ينبغي أن يُوعَظ بالتعيين المسبق […] لكي يتفاخر مَن له أذنان للسمع بنعمة الله، لا بذاته، بل بالله“.[102]

 

 

الخلاصة

نستخلص النقاط التالية من هذا البحث المقارن بين فكر ق. باسيليوس الكبير كمُمثِّل عن اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو كمُمثِّل عن اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ حول الخطية الجدية ونتائجها:

يرى ق. باسيليوس الكبير أن الشر هو فعل إرادي مرتبط بالإرادة، وليس فعل طبيعي موروث بالطبيعة من آدم. يرفض ق. باسيليوس تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيَّدة والمستعبَدة للشر والخطية، بل يؤكد على وجود وممارسة حرية الإرادة حتى بعد السقوط. يرفض ق. باسيليوس رفضًا تامًا مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطينيّ، فهو يرى أن الخطية مرض دخيل على الطبيعة البشرية، مرتبط ظهورها بوجود إرادة حرة عاقلة مُريدة. يدحض ق. باسيليوس تعليم الفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وينادي بالفساد الجزئيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط.

يشير ق. باسيليوس الكبير إلى مفهوم الخطية الجدية باعتبارها فقدان أغطية النعمة بممارسة الخطيئة تحت تأثير الشيطان. ولا يذكر ق. باسيليوس ضمن مفاعيل المعمودية أية إشارة إلى أن المعمودية هي لمغفرة خطية آدم الأصلية الموروثة. كما يُؤكِّد ق. باسيليوس على أنَّ الخطية مرض، والرغبة في ارتكاب الخطايا تُنشِئ داخل النفس عادة راسخة، ومتى تأصَّلت وتجذَّرت شهوة النفس القديمة وممارسة الخطية، تصبح مع مرور الزمن غير قابلة للشفاء أصلاً، لأنَّ العادة تتحوَّل إلى طبيعة. يُوضِّح ق. باسيليوس نتائج السقوط كتشوُّه صورة الله في الإنسان، وسيادة الموت على آدم حتى بالناموس الموسويّ، وسُكنى الخطية في الإنسان التي تفقده ذاته، وتجعله يُشبِه الحيوانات.

يرى ق. باسيليوس الكبير أن الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس، الذي كان متحدًا بالإنسان في بداية خلقه بنفحة الحياة التي نفخها فيه الله. وهكذا صارت الطبيعة البشرية فاقدة ومُجرَّدة من الروح القدس الذي فارقها تدريجيًا بعد السقوط. وهكذا يُشدِّد ق. باسيليوس على أن الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث، ويرى اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية.

يُعلِّم ق. باسيليوس الكبير بأن النفس الإنسانية هي نفس مخلوقة خلقًا مُباشرًا من الله الذي يغرسها في الجسد المجبول من التراب، وأنها غير حاملة للخطية الأصلية من آدم بالتناسل. يشدد ق. باسيليوس مثله مثل جميع آباء الشرق على براءة الأطفال من أي خطية سواء خطية أصلية موروثة أو خطية فعلية.

نأتي إلى مفهوم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي يؤمن أننا نرث وزر عقاب خطية آدم، ونرث أيضًا عبء دَّين الخطية الأصلية. ويعلِّم أوغسطينوس تعليم غريب عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية لجميع أفعال المخلوقات. كما يرى أوغسطينوس أن الإرادة البشرية مُقيَّدة ومُستعبَدة تمامًا للشر والهلاك بعد السقوط، بحيث أنه حتى عندما يريد الإنسان أن يصنع خيرًا تغليه خطيته الكامنة والساكنة في أعضائه رغمًا عنه، فيرى نفسه يفعل الشر حتى لو أراد فعل الخير. ويشير أوغسطينوس إلى أن نحن كبشر مجبولون بالشر بسبب خطيئة آدم الموروثة. ويناقش أوغسطينوس استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر. ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرّ، وأنها تلد أولادًا حاملين لخطية آدم في الزواج. يشدد أوغسطينوس في أكثر من موضع بالخلاف مع آباء الشرق على هلاك الأطفال غير المعمَّدين، لأنهم دنسين وحاملين لخطية آدم الموروثة.

ويشير أوغسطينوس في هذا الإطار إلى وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، ويلجأ إلى التعليم عن النفس المولودة بالتناسل من آدم وحواء لنسلهما من بعدهما. وهكذا يتهم أوغسطينوس الرافضين لتعليم النفس المولودة بالهرطقة البيلاجية، لأنه يرى أن التعليم عن وراثة الخطية الأصلية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتعليم عن النفس المولودة الحاملة لخطية آدم الموروثة من جيل إلى جيل. ويشير إلى مفهوم ”خطية الطبيعة“ غير الأرثوذكسيّ، حيث يصف الطبيعة البشرية بأنها صارت مذنبةً ومحرمةً وخاطئةً في شخص آدم بعد السقوط. ويشدد أوغسطينوس على الفساد الكليّ والتام للطبيعة البشرية بعد السقوط في شخص آدم. ويستعين أوغسطينوس بالنظرية الرواقية عن العلل البذرية الروحية والجسدية المادية لدعم وراثة الخطية الأصلية جسديًا من خلالها. وينادي أوغسطينوس بالشرور الموروثة من آدم وكأن الشر صار له كيان أو جوهر يُورَّث من جيل إلى جيل، بل ويستخدم الله الشر من أجل معاقبة الإنسان. فعلى الرغم من أنه يقول بعدمية الشر في إطاره تعليمه الكسمولوچي تفاديًا للاتهام بالهرطقة الغنوسية والمانوية، إلا أنه أنزلق فيهما أثناء تعليمه الأنثروبولوجي عن وراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. يعطي أوغسطينوس تفسيرًا مخالفًا لآية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5) يدعم به تعليمه عن وراثة الخطية الأصلية وانتقالها من آدم وحواء لأولادهما عن طريق التزواج والتناسل. ويستنكر أوغسطينوس موقف الرافضين للتعليم والوعظ بسبق الاختيار أو التعيين المزدوج للخلاص والهلاك من قِبل الله للبشر، ويشدد على ضرورة الوعظ والتعليم به في الكنيسة.

 

 

 

[1] باسيليوس الكبير (قديس)، أيام الخليقة الستة، ترجمة: القمص بيشوي الأنطوني، مراجعة: الأنبا بطرس الأسقف العام، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 1996)، عظة 2: 4، ص 28، 29.

[2] المرجع السابق، عظة 2: 5، ص 29.

[3] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2012)، ص 28.

[4] المرجع السابق، ص 30، 31.

[5] حيث يقول ق. أثناسيوس في هذا الصدد التالي: ”أو ما الذي كان يجب على الله أن يعمله؟ أ يطلب من البشر التوبة عن تعدياتهم؟ ويمكن أن يرى المرء أن هذا يليق بالله ويقول: كما أن البشر صاروا إلى الفساد بسبب التعدي، فإنهم بسبب التوبة يمكن أن يعودوا إلى عدم الفساد والخلود. ولكن التوبة تعجز عن حفظ أمانة الله لأنه لن يكون الله صادقًا إنْ لم يظل الإنسان في قبضة الموت، لأنه تعدى فحُكِمَ عليه بالموت كقول الله الصادق. ولا تقدر التوبة أن تُغيِّر طبيعة الإنسان، بل كل ما تستطيعه هو أن تمنعهم عن أعمال الخطية. فلو كان تعدي الإنسان مُجرَّد عمل خاطئ ولم يتبعه فساد، لكانت التوبة كافية. أمَّا الآن بعد أن حدث التعدي، فقد تورَّط البشر في ذلك الفساد الذي كان هو طبيعتهم ونُزِعَت منهم نعمة مماثلة صورة الله، فما هي الخطوة التي يحتاجها الأمر بعد ذلك؟ أو مَن ذا الذي يستطيع أن يُعِيد للإنسان تلك النعمة ويرده إلى حالته الأولى إلا كلمة الله الذي خلق في البدء كل شيء من العدم؟ لأنه كان هو وحده القادر أن يأتي بالفاسد إلى عدم الفساد، وأيضًا أن يصون صدق الآب من جهة الجميع. وحيث إنه هو كلمة الآب ويفوق الكل، كان هو وحده القادر أن يعيد خلق كل شيء، وأن يتألم عوض الجميع، وأن يكون شفيعًا عن الكل لدى الآب“. (تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 7: 2-5، ص 18، 19).

[6] الياس كويتر المخلصي (أب)، القديس باسيليوس الكبير (حياته – أبحاث عنه – مواعظه)، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1989)، عظة 9 عن الصوم، ص 288.

[7] باسيليوس الكبير (قديس)، أيام الخليقة الستة، ترجمة: القمص بيشوي الأنطوني، مراجعة: الأنبا بطرس الأسقف العام، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 1996)، عظة 9: 4، ص 101.

[8] المرجع السابق، عظة 6: 1، ص 64.

[9] المرجع السابق، عظة 6: 7، ص 71.

[10] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2012)، ص 34، 35.

[11] المرجع السابق، ص 32، 33.

[12] باسيليوس الكبير (قديس)، الروح القدس، ترجمة: د. چورچ حبيب بباوي، (القاهرة: جذور للنشر، 2014)، 16: 40، ص 119، 120.

[13] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2012)، ص 33، 34.

[14] المرجع السابق، ص 36.

[15] المرجع السابق، ص 37-40.

[16] باسيليوس الكبير (قديس)، ضد أفنوميوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، مقالة 2: 27، ص 182.

[17] المرجع السابق، مقالة 3: 2، ص 212.

[18] باسيليوس الكبير (قديس)، الروح القدس، ترجمة: د. چورچ حبيب بباوي، (القاهرة: جذور للنشر، 2014)، 14: 31، ص 106.

[19] المرجع السابق، 15: 35، ص 110.

[20] المرجع السابق، ص 111.

[21] الياس كويتر المخلصي (أب)، القديس باسيليوس الكبير (حياته – أبحاث عنه – مواعظه)، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1989)، عظة 6 بعنوان ”تحريض على العماد المقدس“، ص 274.

[22] باسيليوس الكبير (قديس)، الروح القدس، ترجمة: د. چورچ حبيب بباوي، (القاهرة: جذور للنشر، 2014)، 16: 39، ص 118.

[23] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، ص 66.

[24] المرجع السابق، ص 171.

[25] المرجع السابق، ص 173.

[26] المرجع السابق، ص 205.

[27] الياس كويتر المخلصي (أب)، القديس باسيليوس الكبير (حياته – أبحاث عنه – مواعظه)، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1989)، عظة 6 بعنوان ”تحريض على العماد المقدس“، ص 275.

[28] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج2، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021)، ص 22، 23.

[29] المرجع السابق، ص 110-112.

[30] المرجع السابق، ص 144، 145.

[31] المرجع السابق، ص 150، 151.

[32] المرجع السابق، ص 168.

[33] باسيليوس الكبير (قديس)، لماذا القحط والجفاف، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2013)، ص 46.

[34] باسيليوس الكبير (قديس)، خلقة الإنسان، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، ٢٠١٤)، عظة ٢: ٣، ص ٣٤، ٣٥.

[35] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز 122، ص 551.

[36] المرجع السابق، العظة في مز 103: 6، ص 98، 99.

[37] أوغسطينوس، مدينة الله مج1، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: ١٠، ص 237.

[38] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 3: 3: 7، ص 218.

[39] المرجع السابق، 3: 4: 9، ص 220.

[40] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 36، ص 50.

[41] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2022)، 3: 8: 13، ص 226.

[42] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 49، ص 68.

[43] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2022)، 3: 8: 14، ص 226.

[44] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 25، ص 38.

[45] المرجع السابق، الفصل 28، ص 41.

[46] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز118: 1، ص 328.

[47] On the Spirit and the Letter xxx. 52 (MPL 44. 234).

[48] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج2، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2014)، العظة في مز 45: 13، ص 234.

[49] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج3، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2015)، العظة الأولى في مز 70: 2، ص 284.

[50] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 3: 10: 21، ص 233.

[51] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 27، ص 40.

[52] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 12: 5: 5، ص 484.

[53] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[54] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547، 548.

[55] أوغسطينوس، مدينة الله مج2، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 14: 18، ص 195، 196.

[56] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 9، ص 17، 18.

[57] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز 118، ص 448.

[58] أوغسطينوس، الرسائل المتبادلة بين هيرونيموس وأوغسطينوس، ترجمة: سعد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2011)، رسالة 166: 6، ص116.

[59] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في 118: 5، ص 453.

[60] چيروم (قديس)، خطابات ق. چيروم ج5، ترجمة: القمص يوحنا عطا، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2023)، خطاب 131 من أوغسطينوس إلى چيروم، 3: 6، ص 323.

[61] أوغسطينوس، مدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 16: 27، ص 329، 330.

[62] چيروم (قديس)، خطابات ق. چيروم ج5، ترجمة: القمص يوحنا عطا، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2023)، الخطاب من أوغسطينوس إلى أوبتاتوس 144: 5، ص 430.

[63] المرجع السابق، 144: 7، ص 432.

[64] المرجع السابق، خطاب 144: 9، 10، ص 434-436.

[65] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 2، ص 9.

[66] المرجع السابق، الفصل 3، ص 11، 12.

[67] المرجع السابق، الفصل 34، ص 48.

[68] أوغسطينوس، النعمة والإرادة الحرة، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1969)، ص54.

[69] المرجع السابق، ص 56.

[70] المرجع السابق، ص 60.

[71] أوغسطينوس، مدينة الله مج1 (الكتب 1- 10)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: 9، ص 235.

[72] المرجع السابق، ص 236.

[73] أوغسطينوس، مدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 13: 14، ص 126.

[74] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 4: 3: 5، ص 250. ومدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 13: 23، ص143، 144.

[75] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 4: 13: 18، ص 271.

[76] المرجع السابق، 4: 18: 24، ص 279.

[77] المرجع السابق، 12: 11: 16، ص 495.

[78] المرجع السابق، 12: 12: 17، ص 496.

[79] المرجع السابق، 13: 12: 16، ص 532.

[80] المرجع السابق، ص 533.

[81] المرجع السابق، 13: 16: 21، ص 543، 544.

[82] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[83] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[84] المرجع السابق، ص 548.

[85] أوغسطينوس، النعمة والإرادة الحرة، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1969)، ص54.

[86] المرجع السابق، ص 56.

[87] المرجع السابق، ص 60.

[88] المرجع السابق، ص 69.

[89] المرجع السابق، ص 70.

[90] المرجع السابق، ص 71.

[91] المرجع السابق، ص 73.

[92] Augustine, On Grace and Free Choice & others, Edit. & Trans. by Peter King, (Cambridge University Press, New York: 2010), 23: 45, P. 183.

[93] Ibid, P.184.

[94] أوغسطينوس، مدينة الله مج1 (الكتب 1- 10)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: 9، ص 235.

[95] المرجع السابق، ص 236.

[96] المرجع السابق، 9: 5، ص 427.

[97] المرجع السابق، ص32-33.

[98] أوغسطينوس، عظات على المزامير ج2، ترجمة: سعد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2014)، عظة في المزمور 50: 10، ص 362، 363.

[99] أوغسطينوس، مدينة الله مج2، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، ١٤: ٢٣، ص 201.

[100] Letter clxxxvi. 7. 23 (PL 33. 824).

[101] Letter clxxxvi. 7. 22; 6. 18 (PL 33. 823).

[102] On the Gift of Perseverance xiv. 37; xiv. 38; xiv. 40 (PL 45. 1016-1018).

الخطية الجدية بين ق. باسيليوس وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

التأله والانجماع الكلي في تعليم القديس يوحنا ذهبي الفم- د. أنطون جرجس عبد المسيح

التأله والانجماع الكلي في تعليم القديس يوحنا ذهبي الفم- د. أنطون جرجس عبد المسيح

التأله والانجماع الكلي في تعليم القديس يوحنا ذهبي الفم- د. أنطون جرجس عبد المسيح

التأله والانجماع الكلي في تعليم القديس يوحنا ذهبي الفم- د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – نوفمبر 2023م

 

الفهرست

التأله والانجماع الكلي في تعليم ق. يوحنا ذهبي الفم. 1

التأله بالتبني لله الآب.. 1

تأليه الإنسان هو غاية تأنس الابن الوحيد. 3

التمييز بين التأله بالطبيعة والتأله بالنعمة. 4

تجديد الطبيعة البشرية هو غاية الخلاص… 5

خلاص المسيح الشفائي وليس القانوني.. 6

الانجماع الكلي في المسيح.. 6

الله لا يريد أن يعاقبنا 10

الانجماع الكلي وذبيحة المسيح على الصليب… 11

الخلاصة. 13

 

 

التأله والانجماع الكلي في تعليم ق. يوحنا ذهبي الفم

سوف نستعرض في هذا البحث الموجز الإشارت إلى عقيدة التأله والانجماع الكلي في المسيح في تعليم ق. يوحنا ذهبي الفم، أحد أهم الآباء اليونانيين الشرقيين، وذلك لتوضيح الفرق الكبير والعميق في تعليم ق. يوحنا ذهبي الفم عن تعاليم اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ واللاهوت البروتستانتي الكالڨينيّ الذي يسود عليه السمة الشرعية القانونية والقضائية العقابية. وذلك يختلف تمامًا عن السمة الخلاصية الشفائية والتربوية والإصلاحية والتجديدية التي تسود اللاهوت الآبائي الشرقيّ اليونانيّ، الذي يحاول البعض عن جهل ودون وعي إلصاق الفكر القضائي القانوني الغربي به.

التأله بالتبني لله الآب

يستخدم ق. يوحنا ذهبي الفم الصيغة التبادلية التي استخدمها من قبله ق. إيرينيؤس وق. أثناسيوس الرسوليّ، ليؤكدوا على أن هدف التجسُّد هو تأليه البشر ونوالهم التبني لله الآب، وليس كما يدَّعي أتباع البدلية العقابية الأنسلمية الكالڨينية لكي يوفي العدل الإلهيّ حقه، ويسترضي الله الآب، ويهدئ من غضبه ويسكنه، وغيرها من الصور المشوهة الوثنية والصنمية التي ينسبوها لله باطلاً. فيقول ذهبي الفم التالي:

”إن الإنجيلي قال: ’والكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا‘، وإذ قد أعلن أن الذين قبلوه وُلِدوا من الله، وصاروا أولادًا لله، فهو أقام العلة والسبب لهذا الشرف الذي لا يُنطَق به. إن السبب هو ’إن الكلمة صار جسدًا‘، والسيد أخذ شكل العبد وصار ابن الإنسان، مع أنه هو الابن الحقيقيّ لله [الآب]؛ لكي يجعل أبناء البشر أولادًا لله. وبالحق إذَا خلطنا العالي مع الوضيع، فهذا الأمر لا يُسبِّب أي نقصان لكرامة العالي، بل يرتفع بالوضيع من حالته المنحطة. بناءً على ذلك، فهذا الأمر حقيقيّ أيضًا في حالة المسيح. إنه بهذا النزول لم يحط أبدًا من قدر طبيعته [الإلهية]، بل رفعنا نحن الذين كُنَّا في حالة ظلمة وخزي إلى مجدٍ لا يُنطَق به“.[1]

ويستخدم ق. يوحنا ذهبي الفم آية (مز 82: 6): ”أنا قلت أنكم آلهةٌ وبنو العلي كلكم“ كإشارة إلى تأليه الإنسان ويربطها بالتبني لله الآب، ويُفرِّق بين التبني لله في العهد القديم والتبني في العهد الجديد قائلاً:

”فمن أين سنبدأ؟ هل تريدون أن نبدأ من التبني ذاته؟ فما هو الفرق بين تبني العهد القديم وتبني العهد الجديد؟ ذاك كان يحمل الاسم كشيءٍ فخريّ، بينما الاسم يُحمَل هنا كأمر حقيقيّ [واقعيّ]. وعن الأول يقول الكتاب: ’أنا قلت أنكم آلهةٌ وبنو العلي كلكم‘ (مز 82: 6). لكن عن الثاني يقول: ’الذين وُلِدوا من الله‘ (يو 1: 13). كيف وبأي طريقة؟ ’بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس‘ (تي 3: 5). وأيضًا فبعد أن دُعوا الذين في العهد القديم أولادًا، فإنهم لا يزالون يحتفظون بروح العبودية، لكن ولو أنهم باقون عبيدًا، لكنهم قد تشرفوا – بالرغم من ذلك – بهذه التسمية. ولكن نحن الأحرار أخذنا الشرف ليس فقط بالاسم بل بالفعل. وهذا قد أوضَّحه بولس بقوله: ’إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف، بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ: يا آبا الآب‘ (رو 8: 15). وإذ قد وُلِدنا من فوق – وإنْ جاز القول – أُعيد تشكيلنا، فإننا بهذه الطريقة دُعِينا أبناءً“.[2]

تأليه الإنسان هو غاية تأنس الابن الوحيد

ويدحض ق. يوحنا ذهبي الفم إنكار الهراطقة لألوهية الابن الوحيد مستخدمًا عقيدة التأله، حيث يتعجب كيف لا يكون إلهًا حقيقيًا، ذاك الذي يجعلنا آلهةً وأبناءً لله الآب، وهكذا يربط أيضًا بين التبني لله الآب وبين عقيدة التأله كغاية لتأنسه. ويدحض ق. يوحنا ذهبي الفم مُنكري عقيدة تأليه الإنسان في العصر الحديث بنفس الحجة التي استخدمها ق. أثناسيوس الرسوليّ مع الآريوسيين والمنحرفين الهراطقة في دفاعه عن ألوهية الكلمة والروح القدس، وهي حجة تأليه الإنسان بواسطة اتحاد الكلمة الإلهيّ بطبيعتنا البشرية وسكنى الروح القدس فينا أقنوميًا كالتالي:

”لعلني أتساءل: ومَن هو ليس إنسانًا حقيقيًا، فماذا نُسمِّيه؟ بالطبع، لن نُسمِّيه إنسانًا. وهكذا لو أن الابن ليس إلهًا حقيقيًا، فكيف يكون إلهًا؟ علاوة على ذلك، كيف يجعلنا هو آلهةً وأبناءً، إنْ كان هو ليس إلهًا حقيقيًا؟ لكن أنا قد ناقشت هذه الأمور بتفصيلٍ أكثر في موضع آخر، لذلك فلنكمل الحديث مع النص الذي يلي ذلك“.[3]

التمييز بين التأله بالطبيعة والتأله بالنعمة

يُميِّز ق. يوحنا ذهبي الفم بين مفهوم التأله بالطبيعة الخاص بالله وحده، وبين مفهوم التأله بنعمة التبني لله الآب والاتحاد بالله الخاص بالبشر، وبالتالي، يدحض ذهبيّ الفم حجة مُنكري عقيدة تأليه الإنسان بالنعمة في العصر الحديث، الذين يخلطون بين تأله الله بالطبيعة وتأليه الإنسان بالنعمة والاتحاد بالله والتبني لله الآب قائلاً:

”’في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وأنتم فيَّ وأنا فيكم‘ (يو 14: 20). لذلك فالجزء الذي يشير إلى الآب من هذا القول يؤكد على جوهره، بينما ما قاله من جهة الرسل يشير إلى اتحادهم مع الله والمعونة التي حصلوا عليها منه. سوف تسألني: من فضلك كيف يُعقَل هذا؟ وأنا بدوري أسألك: فكيف أن العكس معقول؟ لأن الفرق بين المسيح وتلاميذه عظيم ولا نهائيّ. وأيضًا لو أن نفس الكلمات استُخدِمَت لكليهما فلا تتعجب من هذا. لأن الكتاب اعتاد مرارًا كثيرة استخدام نفس الكلمات لكُلٌّ من الله والبشر. ولو أنه ليس بنفس المعنى. مثلما دُعِيَنا آلهةً وأبناءً لله (يو 10: 34؛ غلا 3: 26)، فلو أن التعبير استُخدِمَ من جهتنا ومن جهة الله، لكن ليس له نفس الفاعلية لكليهما. علاوة على ذلك، فالابن دُعِيَ صورة الله ومجده، ونحن أيضًا دُعِيَنا هكذا، لكن هناك فرق عظيم، وأيضًا ’أنتم للمسيح والمسيح لله‘ (1كو 3: 23)“.[4]

تجديد الطبيعة البشرية هو غاية الخلاص

يشير ق. يوحنا ذهبي الفم إلى أن غاية الخلاص هي تجديد طبيعتنا الطبيعة البشرية الساقطة، ويشبه المسيح بالمهندس المعماري الماهر الذي يُجدِّد بيتًا آيل للسقوط بفعل الزمن قائلاً:

وكمثل المهندس المعماريّ الماهر الذي يُجدِّد بيتًا آل إلى السقوط بفعل الزمن، كذلك هو أيضًا [المسيح] جدَّد طبيعتنا البشرية. وكمثل مهندس معماريّ عضَّد الأجزاء التي انكسرت وربط سويًا الأجزاء المنفصِلة والمفكَّكة، وأقام ثانيةً ما قد سقط تمامًا. لكن ماذا يمكن للإنسان أن يقول عن إعادة تشكيل النفس وصياغتها من جديد، الأمر الذي هو أهم بكثير من إعادة تشكيل الجسد؟ إن صحة أجسادنا هو أمرٌ عظيمٌ، لكن أعظم منها هي صحة نفوسنا، وبالحق هي أكثر عظمةً بقدر ما أن النفس أكثر سموًا من الجسد. […] ومع ذلك، فهو ينجح حتى في ذلك، وكل نوع من الشرور قد تمَّ طرده. وكما حوَّل الأجساد التي شُفِيت ليس فقط إلى الصحة، بل حتى إلى أعلى مستوى للصحة الجيدة، كذلك هو ليس فقط قد انتزع من النفوس أسوأ الشرور، بل أيضًا صعد بها إلى أعلى قمم الفضيلة“.[5]

خلاص المسيح الشفائي وليس القانوني

يوضح ق. يوحنا ذهبي الفم أن الطبيب والأدوية مُعدَّة للجميع وفي متناول كل إنسان، ولكن الشفاء يتوقف على إرادة الذين يختارون الاستفادة منه، فالذي يستخدم العلاج كما ينبغي، ينال الشفاء كالتالي:

فكُلٌّ من الطبيب والأدوية مُعدَّة للجميع وفي متناول كل إنسان. لكن الشفاء ليس بنفس الدرجة في كل مرة، بل يتوقف على إرادة أولئك الذين يختارون الاستفادة منه أو عدم الاستفادة منه. لذلك فالذي يستخدم العلاج كما ينبغي له، ينال الشفاء. لكم مَن لا يستخدمه لجرحه، فإنه يُسبِّب تزايد تلوث الجرح، وبذلك يجعل نفسه عُرضة لأسوأ النهايات. لذلك بينما نحن نستشفي ليتنا لا نتذمر، بل بالأحرى نبتهج حتى لو كانت طريقة التعليم تُسبِّب ألمًا مرًّا، لأنها ستنتج لنا فيما بعد أشهى الثمار. لذلك ليتنا نعمل كل شيء لهذه الغاية، حتى إذَا تطهَّرنا من الجروح التي طبعتها أسنان الخطية في نفوسنا، ننطلق على الطريق المؤدي إلى تلك الحياة الأبدية“.[6]

الانجماع الكلي في المسيح

يشير ق. يوحنا ذهبي الفم إلى أن الله في تواضعه أخذ جسدنا لنفسه في مقابل كبرياء وغطرسة اليهود المعتدين بأنفسهم، مؤكدًا على تعليم الانجماع الكلي لبشريتنا في المسيح كالتالي:

”لأن التصرف الأول نابع من التنازل وعذره ضعف الذين يتعلَّمون، أو بالأحرى السبب لهذا كامنٌ في حث السامعين على التأمل في تواضعه وأخذه جسدنا لنفسه، وأن يُعلِّم سامعيه ألا يقولوا عن أنفسهم شيئًا ما عظيمًا“.[7]

ويؤكد ذهبي الفم على الانجماع الكليّ للبشرية في جسد المسيح الواحد، وأنه جمَّع كل البشر من جميع أرجاء المسكونة كأعضاء في جسده الواحد، فلا يوجد أي شيء يعادل هذا الانجماع، حيث يكون المسيح رأس الكل كالتالي:

إنه جعلهم جسدًا واحدًا، أي أن الذي يقيم في روما يَعتبر مَن يقيم في الهند عضوًا له في الجسد الواحد. أيّ شيء يمكنه أن يعادل هذا التجمع والمسيح هو رأس الكل؟“.[8]

ويوضح ق. يوحنا ذهبي الفم كيف أن المسيح هو الوسيط بيننا وبين الله الآب، لأنه هو الباكورة الحية، وحيث أنه حيّ، فنحن أحياء، لأن الله أحيانا مع المسيح، لأنه عندما مات وقام الرأس أقامنا معه، وحينما يجلس الرأس في السماويات يُجلِس الجسد معه في السماويات. وبالتالي، يشدد ق. يوحنا ذهبي الفم على تعليم الانجماع الكلي للبشرية في المسيح، ويدحض بذلك التعليم النظريات الغربية عن البديل العقابيّ وتهدئة غضب الآب بمعاقبة الابن بديلاً عن البشرية الخاطئة، التي أهانت الله بالخطية والشرور، وكأن المشكلة هي كرامة الله التي أهدرها الإنسان، وليس أن المشكلة هي هلاك الإنسان الضعيف الساقط واندفاعه نحو الفناء والعدمية بانفصاله الإراديّ عن الله. لا يؤمن لاهوتيّ أرثوذكسي شرقي بالبدلية العقابية، ويؤمن في نفس الوقت بالانجماع الكليّ للبشرية في المسيح وقت آلامه وموته وقيامته وصعوده وجلوسه عن يمين الآب، لا يتفق ولا يتقابل الأمران معًا أبدًا، ولا يتوهم أحد أن يستطيع التوفيق بين نقيضين لا يمكنهما أن يتقابلا في نقطة مشتركة، إما بدلية عقابية أو انجماع كلي وتأليه للإنسان في المسيح كالتالي:

”المسيح هنا أيضًا وسيط، وبناءً على ذلك، فالأمر يستحق منَّا الإيمان. لأنه إذَا كان الباكورة حيّ، فنحن أحياء، أي أن الله أحيانا مع المسيح. أ رأيت كيف أن كل شيء قد قيل عن المسيح المتجسِّد؟ أ رأيت عظمة قدرته نحونا نحن المؤمنين، فإنه قد أحب الأموات أبناء الغضب. أ رأيت مدى عظمة رجاء دعوته؟ أ رأيت غنى مجد ميراثه؟ فمن حيث أنه أقامنا معه، فهذا معروفٌ، وأيضًا ’أجلسنا معه في السماويات في يسوع المسيح‘، لكن كيف يكون هذا أمرًا مؤكدًا؟ تمامًا مثلما أنه ’أقامنا معه‘. لأنه حتى قيامة المسيح، لم يكن أحد قد قام على الإطلاق، إلا فقط حين قام الرأس، فأقامنا معه، […] وهكذا أجلسنا معه، فحينما جلس الرأس جلس الجسد معه. […] ولأنه قد تكلَّم عن الأمور المختصة بالمسيح، والتي تبدو وكأنَّ لا علاقة لنا بها، فقد يقول أحد: وماذا يهمنا نحن إنْ كان المسيح قد قام؟ لذلك أظهر أن ما يختص بالمسيح، يخصنا نحن أيضًا، لأن المسيح مُتَّحِد بنا، إذ قال: ’ونحن أمواتًا بالخطايا أقامنا معه، وأجلسنا معه في السماويات‘. فكما سبق وذكرت، إن المسيح هو رأس الجسد، وإنه يريد لنا النعمة الغنية، وهذا سيبرهن عليه في الدهور الآتية“.[9]

ويشير ق. يوحنا ذهبي الفم إلى انجماع كل البشرية من الأمم، والرسل، والأنبياء، والمسيح معًا في جسدٍ واحدٍ مُظهرًا الاتحاد الذي حصل بيننا وبينه، وأننا جميعًا مبنين في بناءٍ واحدٍ على أساس الرسل والأنبياء والمسيح هو حجر الزاوية كالتالي:

لاحظ كيف أنه يجمع دومًا الأمم، والرسل، والأنبياء، والمسيح معًا، فمن ناحية، قد صرنا جسدًا واحدًا، ومن ناحية أخرى، قد صرنا مبنيين. وفضلاً عن ذلك، فإنه يُظهِر الاتحاد الذي حصل فيما بيننا ويقول: ’مبنيين على أساس الرسل والأنبياء‘، أي أن الأساس هو الرسل والأنبياء. وهو هنا يضع الرسل أولاً، وإنْ كانوا قد أتوا بحسب الترتيب الزمنيّ بعد الأنبياء، فقد أراد أن يبني بهذا أساس وأصل واحد للجميع، وأن يكون الجميع بناءً واحدًا. […] ويقول بعد ذلك إن الذي فيه كل البناء هو المسيح. لأنه هو حجر الزاوية يضبط ويمسك الحوائط والأساسات. لاحظ كيف أنه يربط الجميع معًا، إن الرسول بولس يجعل المسيح تارةً يحفظ ويدعم البناء من فوق، حتى يمسك ويضبط كل الجسد، وتارىً أخرى، يجعله يدعم البناء من أسفل، بأن يكون هو هذا البناء، ويوضِّح ذلك بقوله: ’لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا‘. لقد جمع الجدارين معًا، ووحَّدهما بنفسه، كما خلق البناء كله فيه. ويقول أيضًا إنه ’بكر كل خليقة‘ (كو 1: 15)، أي أنه يسند كل شيء“.[10]

الله لا يريد أن يعاقبنا

يشير ق. يوحنا ذهبي الفم إلى أن الله لا يريد أن يتركنا أو يعاقبنا، وأنه حتى عندما يعاقبنا العقوبة الشفائية التأديبية، فإنه يعاقبنا كارهًا وعن غير رغبة منه، فالله لا يسرّ بموت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا كالتالي:

”في الحقيقة نحن عندما نُترَك من الله، نُسلَّم إلى إبليس، وعندما نُسلَّم له نُبتلى بنتائج مميتة لا تُعدَّ. والكتاب المقدَّس من أجل يخيف سامعيه قال: ’إنه قسي‘، و ’إنه أسلَّمهم‘. وكشهادة على أنه هو نفسه ليس فقط لا يتخلى عنَّا، بل أيضًا لا يتركنا ما لم نرد نحن هذا، اسمع لِمَّا قاله: ’ألم تفصل آثامكم بيني وبينكم‘ (إش 59: 2)، وأيضًا ’هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). وصرَّح هوشع أيضًا: ’لأنك نسيت شريعة إلهك، أنسى أنا أيضًا بنيك‘ (هو 4: 6). وهو نفسه أعلن في الإنجيل: ’كم مرة أردت أن أجمع أولادك ولم تريدوا‘ (لو 13: 14). ويقول إشعياء أيضًا في موضع آخر: ’لماذا جئت وليس إنسان، ناديت وليس مجيب‘ (إش 50: 2). إنه قال هذه الأشياء ليُظهِر أننا نحن الذين نبدأ عملية الابتعاد، ونصير بذلك مسئولين عن هلاكنا. لأن الله ليس فقط لا يريد أن يتركنا أو يعاقبنا، بل حتى عندما يعاقبنا، فهو يعاقبنا كارهًا وعلى غير رغبة منه. وهو في الواقع يقول: ’إني لا أُسرّ بموت الخاطئ، بل بأن يرجع ويحيا‘ (حز 18: 32). بل إن المسيح بكى على خراب أورشليم كما نبكي نحن في حالة موت أصدقائنا. لذلك حيث إننا نعرف هذه الأمور، فلنبذل كل جهد كيلا ننفصل عن الله، بل على العكس، ليتنا نجتهد في العناية بنفوسنا وخلاصها، وبإظهار الحب لبعضنا البعض“.[11]

الانجماع الكلي وذبيحة المسيح على الصليب

يشرح ق. يوحنا ذهبي الفم مفهوم ذبيحة المسيح على الصليب، بعيدًا عن نظريات البديل العقابيّ التي سادت العصر الوسيط، وتسود على اللاهوت البروتستانتيّ الكالڨينيّ. حيث يشرح ق. يوحنا ذهبي الفم مفهوم ذبيحته على الصليب بأنها تكريس البشرية لله الآب وتقديمها له بارةً ونقيةً ومُقدَّسةً، لأنه هو رأس البشرية المفتداة فيه، وهكذا ستُذبَح البشرية مع المسيح كذبيحة لله على الصليب. كما أننا عندما نُقدِّم ذواتنا كذبيحة للاستشهاد، فهذه الذبيحة هي امتداد لذبيحة المسيح على الصليب، فنحن نُذبَح من أجل المسيح، كما ذُبِحَ هو أولاً لأجلنا على الصليب قائلاً:

”ما معنى ’أقدِّس أنا ذاتي‘؟ أي ’أقدِّم لك ذبيحة‘. والآن فإن كل الذبائح تُدعَى مُقدَّسةً، أي أنها تُقدِّسنا، والأشياء التي كُرِّسَت لله تُدعَى بطريقةٍ خاصةٍ مُقدَّسةٍ. وحيث إن التقديس منذ القديم قد سبق تمثيله بالحمل، والآن لم يكن مُجرَّد حمل رمزيّ، بل هو الحمل الحقيقيّ. لذلك قال: ’ليكونوا هم أيضًا مُقدَّسين في الحق‘ (يو 17: 19). أقول هذا لأني كرَّستهم لك وقدَّمتهم لك. لقد قال ذلك إما بسبب أن رأسهم [المسيح] سيصير ذبيحةً، أو بسبب أنهم هم سيُذبَحون كذبيحة لله. لأن الكتاب يقول: ’قدَّموا أعضاءكم ذبيحةً حيةً مُقدَّسةً‘ (رو 12: 1)، و ’حُسِبنا مثل غنم للذبح‘ (مز 44: 22)، وهكذا بدون موت كان يجعلهم ذبيحةً وقربانًا. في الواقع واضح تمامًا من الكلمات التي تلت قوله: ’أُقدِّس أنا ذاتي‘، إنه كان يشير بطريقةٍ غير مباشرة إلى ذبحه“.[12]

 

 

الخلاصة

نستخلص من البحث السابق أن ق. يوحنا ذهبي الفم لا يؤمن بنظريات العصر الوسيط من ترضية ودفع الثمن وإيفاء العدل الإلهي، أو يؤمن بنظريات البدلية العقابية وتهدئة وتسكين الغضب الإلهي بمعاقبة الابن بديلاً عن البشرية الخاطئة. بل نراه يؤكد على أن تأليه الإنسان هو غاية التجسُّد والخلاص. كما يشدد ذهبيّ الفم على تعليم الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح، وأننا نحن البشر جميعًا كنا في المسيح منجمعين فيه، عندما كرَّسنا وقدَّسنا في ذاته وقدَّمنا لله الآب ذبيحةً وقربانًا نقيًا مُقدَّسًا. وبما أنه هو الوسيط بين الله والإنسان، فإنه مات بباكورة بشريتنا وأقامها وأحياها في ذاته، وقد أجلس باكورة بشريتنا في السماء، ونحن كبشر جسد المسيح الواحد سوف نجلس مع رأسنا الجالس عن يمين أبيه، أي المسيح.

[1] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 11، ص 107.

[2] المرجع السابق، عظة 14، ص 134.

[3] يوحنا ذهبي الفم (قديس، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج3، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 80، ص 128.

[4] المرجع السابق، عظة 75، ص 65، 66.

[5] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 12، ص 115.

[6] المرجع السابق، عظة 14، ص 140.

[7] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج2، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 63، ص 198.

[8] المرجع السابق، عظة 65، ص 212.

[9] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 4: 2، ص 78، 79.

[10] المرجع السابق، عظة 6: 1، 2، ص 100، 101.

[11] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج2، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 68، ص 245.

[12] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج3، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 82، ص 144، 145.

 

التأله والانجماع الكلي في تعليم القديس يوحنا ذهبي الفم- د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ابريل 2024م

 

 

الفهرست

مقدمة. 1

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس الرسولي. 5

خلاص الإنسان بالتأله. 5

الخلاص بتألهنا عن طريق تأله ناسوت المسيح. 7

الخلاص بالأسرار والتأله. 8

الانجماع الكلي للبشرية في المسيح. 9

مفهوم العدالة الإلهية. 10

مفهوم الفدية. 10

مفهوم الدين. 12

مفهوم اللعنة. 14

مفهوم العداوة 15

دحض نظرية البدلية العقابية. 15

وجودنا الكياني في المسيح أثناء الخلاص… 16

مفهوم التبرير والتقديس.. 16

الخلاص بتأليه البشرية. 21

مفهوم التبرير بالدم 21

التقديس باتحاد الطبيعتين في المسيح. 22

دحض نظرية الإبدال العقابي. 23

مفهوم المصالحة. 24

إعادة خلق الطبيعة البشرية في المسيح. 25

الاتحاد بالآب في المسيح. 27

المبادلة الخلاصية الشفائية وليس العقابية. 28

مفهوم التقدمة. 30

مفهوم الذبيحة. 32

المبادلة الخلاصية وليس العقابية. 34

هدف التجسد هو إبادة الموت.. 35

تجديد الإنسان بنعمة الروح القدس.. 36

انجماع البشرية في المسيح. 36

موت المسيح هو موت جميع البشر. 37

تمجيد البشرية في المسيح. 39

جسد الكلمة هو جسدنا نحن. 41

انجماع البشرية في المسيح. 41

تقديس الأشياء بالروح القدس.. 42

تقديس جسدنا بجسد المسيح. 43

الخلاص بتأليه البشر. 44

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم أنسلم الكانتربري.. 46

الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته. 47

لا يوجد غفران بدون عقوبة. 47

مبدأ إيفاء العدل الإلهي. 48

توضيح نظرية الترضية لأنسلم 49

نقد نظرية الترضية لأنسلم 55

الفصل الثالث: الدراسات الحديثة حول تدبير الخلاص بين الشرق والغرب.. 58

نورمان راسل. 58

توماس تورانس.. 59

خالد أناطوليوس.. 63

جوهانس رولدانوس.. 64

لويس بيركهوف.. 64

ستيفن هولمز. 66

جون كيلي. 68

لورانس جرينستيد 69

هستنجس راشدال. 69

جوناثان هيل. 70

أليستر ماجراث.. 71

كاليستوس وير. 72

فلاديمير لوسكي. 73

جورج فلورفسكي. 74

فالتر كاسبر. 75

جوهانس كواستن. 76

كاثرين ساندرجير. 77

توماس ويناندي.. 78

جوستاف ألين. 78

المطران كيرلس بسترس وآخرون. 79

عبد المسيح اسطفانوس.. 80

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على البدلية العقابية في اللاهوت الغربي. 84

 

 

مقدمة

سوف نحاول في هذا البحث الموجز توضيح نقاط الاختلاف بين تعليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص، وبين تعليم أنسلم رئيس أساقفة كانتربري بانجلترا في القرن الحادي عشر عن الكفارة والفداء، وابتكاره لنظرية ”الترضية“ التي سادت العصر الوسيط في أوروبا، وتسلَّلت إلى كنائسنا في غفلة من الزمن، وذلك للرد على الذين يعتنقون فكرة وجود نظرية البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس الرسوليّ، لاهوتيّ التألُّه والانجماع الكليّ في المسيح، حيث يعتقدون أنهم عندما يجدون كلمات مثل: بدلاً عنا، عوضًا عنا، نيابةً عنا، فدية، ثمن، كفارة، دَّين، ذبيحة لعنة، حكم، وغيرها من المصطلحات القانونية، إنه يوجد بذلك تعليم بدلية عقابية عند ق. أثناسيوس، وهذا ضرب من الوهم والخيال.

فالدراس الحقيقيّ الموضوعيّ لتعاليم ق. أثناسيوس حول تدبير الخلاص، يجد أن تعاليمه الخلاصية تتمحور حول تأليه الطبيعة البشرية عن طريق اتحادها بأقنوم الكلمة في المسيح يسوع ربنا، وتبتعد كل البعد عن نظرية الترضية، أو مصالحة العدل مع الرحمة على الصليب، أو إيفاء العدل الإلهيّ، أو ترضية كرامة الله المهدرة بسبب خطية البشرية غير المحدودة، وغيرها من الأفكار في لاهوت العصر الوسيط التي أنتشرت في أوروبا لقرونٍ عديدةٍ، وسبَّبت العديد من المجادلات والمجامع لعلاج المشاكل الناجمة عن هذه التعاليم الخطيرة البعيدة كل البعد عن التعليم الآبائيّ الشرقيّ الأرثوذكسيّ، الذي يُمثِّله في هذا البحث، ق. أثناسيوس العظيم، مُعلِّم المسكونة.

سنحاول في هذا البحث الموجز استعراض أهم ملامح ومفاهيم تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس، ومقارنتها بنلامح ومفاهيم نظرية الترضية والبدلية العقابية في تعليم أنسلم الكانتربري لإبرارز نقاط الاختلاف الشديدة والواضحة بين التعليمين، وردًا على محاولات البعض عن جهل ودون دراسة وعلم ووعي بالدراسات الأكاديمية إلصاق تعليم البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس الرسوليّ.

أود التنويه إلى أن البعض يدَّعي أننا نُقدِّم تعليم غربيّ أكاديميّ غير أرثوذكسيّ، ويبدو أنهم نسوا أو تناسوا أو نغافلوا عن أن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أكثر كنيسة استفادت من الإسهامات الغربية الأكاديمية الحديثة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: ترجمة كرنيليوس قاندياك البروتستانتية الغربية مع البستانيّ، وهي الترجمة المعتمدة حاليًا في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وهناك أيضًا مجلدات كتابات آباء ما قبل نيقية ونيقية وما بعد نيقية التي يتهافت الباحثين الأقباط وغيرهم من المترجمين حاليًا على ترجمتها والاقتباس منها بكل اريحية وثقة، وهي في الأساس منتج بروتستانتيّ غربيّ صرف، فالمحرِّر لهذه المجلدات هو فيليب شاف مؤرخ وأستاذ لاهوت بروتستانتيّ، وفريقه من المترجمين لمجموعة المجلدات والمحرِّرين المساعدين أغلبهم بروتستانت غير أرثوذكس، سأكتفي بهذين المثالين، رغم أن الأمثلة كثيرة جدًا، ولكن حتى لا أطيل على القارئ، سأكتفي بذلك. فالذي يُغفِل الإسهام الأكاديميّ الغربيّ غير الأرثوذكسيّ في العالم المسيحيّ، فهو إمَّا جاهل أو شعبويّ أو مُنافِق أو مُخادِع أو مُدلِّس أو ناكر الجميل والمعروف، وسامحوني في هذه الألفاظ، لأنه كم الخداع والتضليل والتدليس والتجهيل والتغييب وصل لدرجاتٍ غير مسبوقة، نصلي إلى الله أن يغير النفوس، وينير العيون والقلوب لمجد اسمه القدوس.

أود التنويه أيضًا إلى أن النصوص المذكورة في هذا البحث الموجز، سواء للقديس أثناسيوس الرسوليّ أو أنسلم الكانتربريّ، هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من النصوص الأخرى التي تخدم هدف البحث، كما ذكرنا أعلاه، ولكننا أكتفينا بهذه النصوص لتوضيح الفكرة والهدف من البحث للقارئ العزيز.

وأخيرًا، أصلي إلى الله أن يمون هذا البحث سبب بركة ونعمة في حياة الكثيرين، بصلوات وشفاعات القديسة العذراء مريم والدة الإله، وصلوات وشفاعات الآباء القديسين مُعلِّمي الكنيسة العظام الذين أثروا العالم بتعاليمهم الغنية والعميقة.

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الأول: تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس الرسولي

سوف نتتبع في هذ الفصل ملامح ومفاهيم تدبير الخلاص في تعليم القديس أثناسيوس، وذلك لمقارنتها بين تعليم أنسلم الكانتربريّ، وذلك لتوضيح نقاط الاختلاف الشديدة بين مفهوم ق. أثناسيوس للخلاص ومفهوم أنسلم للترضية والكفارة، الذي يؤمن به البعض في أيامنا هذه ويُدافِع عنه وكأنه تعليم آبائيّ أرثوذكسيّ سليم، رغم أنه تعليم معيب وغير أرثوذكسيّ تركه أصحابه وانتقدوه، ولكن يتشبث به الجهلاء في عصرنا هذا عن دون دراية ووعي ودراسة لتاريخ تطوُّر شرح العقيدة المسيحية عبر العصور.

خلاص الإنسان بالتأله

يقول ق. أثناسيوس عبارته التبادلية الشهيرة التي تُوضِّح عقيدة التألُّه بالنعمة، لكي يؤكد أن المسيح قد تجسَّد من أجل أن يؤلهنا، وبالتالي، الخلاص في فكر ق. أثناسيوس هو من خلال تأليه الإنسان كالتالي:

”ﻷن كلمة الله صار انسانًا لكي يُؤلِّهنا نحن“.[1]

ويتحدَّث ق. أثناسيوس أيضًا عن عقيدة التألُّه بالنعمة، وتألُّه ناسوت المسيح الذي صار طريقًا نحو تأليه أجسادنا أيضًا قائلاً:

”فإن اللوغوس لم يحط قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالحري فإن الجسد الذي لبسه قد تألَّه، بل وأكثر من ذلك فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجةٍ أكثر“.[2]

يشير ق. أثناسيوس إلى أننا بشركتنا في الروح القدس نصير شركاء الطبيعة الإلهية، وبالتالي يُثبِت عقيدة ألوهية الروح القدس مُستخدِمًا عقيدة التألُّه بالنعمة، حيث يرى أنه إذَا كان الروح القدس مخلوقًا، فكيف يُؤلِّهنا نحن البشر بالنعمة كالتالي:

”ولكن إنْ كُنا بالاشتراك في الروح نصير شركاء الطبيعة الالهية، فإنه يكون من الجنون أن نقول إن الروح من طبيعة المخلوقات، وليس من طبيعة الله، وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه يتألَّهون، وإنْ كان [الروح القدس] يُؤلِّه البشر فلا ينبغي أن يشك في أن طبيعته هي طبيعة إلهية“.[3]

وهكذا يُؤكِّد ق. أثناسيوس هنا أن مَنْ يُشكِّك في تأليه الروح القدس للبشر بالنعمة هو كمَّن يُشكِّك في ألوهية الروح القدس ويدعوه جنونًا.

يدحض ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية ويشير إلى أن الكلمة صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته، وهكذا نقل المسيح في نفسه جنسنا نحن البشر الضالين لكي نصبح نسلاً مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية، ولم يقل مات بديلاً عقابيًا عن البشر، بل نقل البشر في نفسه لكي يتألهوا بمشاركة طبيعته الإلهية، مما يؤكد على أن مفهوم الخلاص عند ق. أثناسيوس هو من خلال تأليه الإنسان كالتالي:

”لأنه قد صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته. وقد صار جسدًا من امرأةٍ ووُلِدَ من عذراء كي ينقل إلى نفسه جنسنا نحن البشر الذين ضلَّلنا، ولكي نصبح بذلك جنسًا مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4) كما كتب بطرس المطوَّب“.[4]

ويرى ق. أثناسيوس أن كل الأشياء التي تألم بها جسد الكلمة البشريّ كان الكلمة الذي سكن الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع أن نشترك نحن البشر في لاهو الكلمة، لا يوجد مكان هنا للبدلية العقابية، بل اشتراك البشرية المتَّحِدة بالكلمة في لاهوته، لا يوجد مكان هنا لإنزال عقوبة الموت على الكلمة الذي سكن الجسد، بل توجد شركة للبشرية في لاهوت الكلمة كالتالي:

”لأن تلك الأشياء التي كان يتألم منها جسد الكلمة البشريّ، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة“.[5]

الخلاص بتألهنا عن طريق تأله ناسوت المسيح

يُؤكِّد ق. أثناسيوس الرسوليّ على تألُّه ناسوت المسيح كوسيلة لتألُّه أجسادنا، ويُؤكِّد أيضًا على تبادل الخواص أو الصفات أو الأسماء في المسيح كالتالي:

”بل كُتِبَت هذه العبارة عنه بسببنا ولأجلنا. لأنه كما مات المسيح ثم رُفِعَ كإنسان، فبالمثل قيل عنه إنه أخذ كإنسان ما كان له دائمًا كإله، وذلك لكي تصل إلينا عطية مثل هذه النعمة، فإن اللوغوس لم يحط من قدره باتخاذه جسدًا حتى يسعى للحصول على نعمة أيضًا، بل بالأحرى فإن الجسد الذي لبسه قد تألَّه، بل وأكثر من ذلك، فقد أنعم بهذه النعمة على جنس البشر بدرجة أكثر“.[6]

ويُكرِّر ق. أثناسيوس نفس الحديث عن تألُّه ناسوت المسيح في موضع آخر كالتالي:

”لأنه حينما صار إنسانًا، لم يكف عن أن يكون الله، ولا بسبب كونه الله يتجنب ما هو خاص بالإنسان، حاشا بل بالحري، إذ هو الله فقد أخذ الجسد لنفسه، وبوجوده في الجسد، فإنه يُؤلِّه الجسد“.[7]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس أيضًا على تألُّه ناسوت المسيح كوسيلة لخلاصنا عن طريق تألُّه أجسادنا باتحادنا به قائلاً:

”وعندئذٍ لم يقل ’والابن‘ كما سبق وقال إنسانيًا، بل قال: ’ليس لكم أن تعرفوا‘، لأن الجسد عندئذٍ كان قد قام وخلع عنه الموت وتألَّه، ولم يعد يليق به أن يجيب بحسب الجسد عندما كان مُنطلقًا إلى السماوات، بل أن يُعلِّم بطريقةٍ إلهيةٍ“.[8]

الخلاص بالأسرار والتأله

يشير ق. أثناسيوس إلى تقديسنا وتأليهنا بتناولنا من جسد الكلمة نفسه وليس بتناول مُجرَّد جسد لإنسانٍ ما، حيث أننا ننال التألُّه بالنعمة من خلال الاتحاد السريّ بجسد الكلمة ذاته في الإفخارستيا، وبالتالي تُعتبر الأسرار الكنسية ضروريةً في نوال نعمة التألُّه والحياة الأبدية كالتالي:

”ولكن ’الكلمة صار جسدًا‘ (يو 1: 14) مرةً واحدةً في ملء الزمان ليزيل الخطية، ووُلِدَ من العذراء مريم إنسانًا مثلنا، كما قال لليهود: ’تطلبون أن تقتلوني وأنا إنسان قد كلمكم بالحق‘ (يو 8: 40)، لذا نحن نتألَّه بتناولنا جسد الكلمة نفسه، وليس باشتراكنا في جسد إنسانٍ ما“.[9]

الانجماع الكلي للبشرية في المسيح

يتحدَّث ق. أثناسيوس عن وجودنا الكيانيّ في المسيح عند موته، ويتحدَّث عن موت الجميع في المسيح مُؤكِّدًا على وحدة الجنس البشريّ في المسيح آدم الجديد قائلاً:

”لكي إذَا كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطِل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفِذَ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر“.[10]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على وحدة البشرية في شخص المسيح، لارتباطنا به في جسده، وصعودنا معه إلى السماء في جسده، وهكذا يصير لنا شركة الحياة الأبدية، لأننا لم نعد بشرًا عاديين، بل صرنا في اللوغوس لوغسيين كالتالي:

”ولكن ارتباطنا بالكلمة الذي من السماء، فأننا نُحمَل إلى السموات بواسطته، لذلك بطريقةٍ مماثلةٍ قد نقل إلى نفسه أوجاع الجسد الأخرى لكي يكون لنا شركة في الحياة الأبدية، ليس كبشر فيما بعد، بل أيضًا لأننا قد صرنا خاصين بالكلمة [أي لوغسيون]“.[11]

مفهوم العدالة الإلهية

يربط ق. أثناسيوس الرسوليّ بين العدل والقداسة في الله، فالله هو عادلٌ وقدوسٌ بطبيعته قائلاً:

”ولكنه لكونه إله وكلمة الآب، فهو قاضٍ عادلٍ ومُحِب للفضيلة، وبالأحرى هو مانح الفضيلة. إذًا، فهو عادلٌ وقدوسٌ بطبيعته. فلهذا يُقَال إنه يحب البر ويبغض الإثم (إش 61: 8). وهذا يُعادِل القول القائل إنه يحب الصالحين ويُعِينهم“.[12]

مفهوم الفدية

نجد مفهوم ومجاز الفدية الخاص بالحروب والأسر عند ق. أثناسيوس، حيث يشير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح الفدية للموت من أجل خلاص كل الخليقة، وذلك من خلال مجيئه في الجسد كالتالي:

”فإن مجيء المخلِّص مُتجسِّدًا، قد صار فديةً للموت وخلاصًا لكل الخليقة“.[13]

ويتحدَّث ق. أثناسيوس في موضع آخر عن تقديم المسيح الفدية للموت من أجل خلاص الكل قائلاً:

”وبموته صار الخلاص للجميع، وتمَّ الفداء لكل الخليقة. هذا هو ’حياة‘ الكل، الذي سلَّم جسده للموت كحَمَل فدية لأجل خلاص الكل، ولو لم يؤمن اليهود بذلك“.[14]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على تقديم المسيح الفدية للموت عن حياة الجميع كالتالي:

”ولأن كلمة الله هو فوق الجميع، فقد كان لائقًا أن يُقدِّم هيكله الخاص وأداته البشرية فديةً عن حياة الجميع مُوفِيًا دَّين الجميع بموته. وهكذا باتَّخاذه جسدًا مماثلاً لجسد جميع البشر وباتحاده بهم، فإن ابن الله عديم الفساد ألبس الجميع عدم الفساد بوعد القيامة من الأموات. ولم يعدّ الفساد الفعلي بالموت له أي سلطان على البشر بسبب الكلمة الذي جاء وسكن بينهم بواسطة جسده“.[15]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديم المسيح جسده للموت وإقامته ثانيةً كالتالي:

”ولهذا السبب أيضًا فإنه لم يُتمِّم ذبيحته عن الكل بمُجرَّد مجيئه مُباشرةً، بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانيةً“.[16]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن الدَّين المستحق على الجميع هو دَّين الموت، وبالتالي أسلَّم المسيح هيكله للموت من أجل إيفاء دَّين الموت كالتالي:

”ولمَّا كان من الواجب وفاء الدَّين المستحق على الجميع، إذ – كما بيَّنا سابقًا – كان الجميع مستحقين الموت، فلأجل هذا الغرض، جاء المسيح بيننا. وبعدما قدَّم براهينًا كثيرةً على ألوهيته بواسطة أعماله في الجسد، فإنه قدَّم ذبيحته عن الجميع، فأسلَّم هيكله للموت عوضًا عن الجميع“.[17]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس أيضًا على أن موت الرب هو الفدية عن الجميع من أجل نقض حائط السياج المتوسط كالتالي:

”وإضافة إلى ذلك، إنْ كان موت الرب هو فديةٌ عن الجميع وبواسطة موته هذا ’نقض حائط السياج المتوسط‘، وصارت الدعوة لجميع الأمم“.[18]

يتحدَّث ق. أثناسيوس عن تقديم المسيح الفدية للآب، ولكن ليس بمعنى الإبدال العقابيّ، بل من أجل تطهيرنا من الخطايا بدم نفسه، وبإقامتنا من بين الأموات كالتالي:

”وعندما أراد الآب أن تُقدَّم الفدية لأجل الجميع، وأن تُعطَى النعمة الكل، عندئذٍ مثلما أرتدى هارون الجبة؛ أخذ الكلمة جسدًا من الأرض مُتَّخِذًا له من مريم الجسد كما من أرض بكر حتى إذ يكون له – كرئيس كهنة – شيء يُقدِّمه، فهو يُقدِّم ذاته للآب، ويُطهِّرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه، ويُقِيمنا من بين الأموات“.[19]

مفهوم الدين

يستخدم ق. أثناسيوس مجاز ”الدَّين“ التجاريّ في سياق سوتيرلوچيّ [خلاصيّ]، حيث يفهم ”الدَّين“ على أنه دَّين الموت الذي كان الجميع مدينًا به لله مانح وواهب الحياة للجميع، فالإنسان بخطيته جلب الموت على نفسه، وبدَّد هبة الحياة التي أعطاها الله له، فصار مدينًا لله بحياته التي بدَّدها بموته، فكان ينبغي أن يُوفِي أحدٌ هذا الدَّين بأن يعيد الحياة المفقودة من الإنسان مرةً أخرى بموته ليُسدِّد دَّين الموت، ويهب الحياة للإنسان الذي فقد حياته بإرادته بالخطية والموت. وهنا لم يطلب الله مقابل الدَّين، بل ساعد الله نفسه الإنسان بتجسُّده ليعيد ما فَقَدَه الإنسان من حياة بموته ليهب له الحياة، كالتالي:

”وهكذا تمَّ في جسد المسيح فعلان مُتناقِضان في نفس الوقت: الأول، هو أن موت الجميع قد تمَّ في جسد الربِّ على الصليب، والثاني، هو أن الموت والفساد قد أُبِيدا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به، فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتمَّ الموت نيابةً عن الجميع لكي يُوفِي الدَّين المستحق على الجميع“.[20]

يُوضِّح ق. أثناسيوس مفهوم الدَّين أيضًا، حيث يرى إنه في جسد المسيح تمَّ فعلان متناقضان في نفس الوقت، هما: موت الجميع في جسد الرب، داحضًا بذلك نظرية الإبدال العقابيّ، فطالما أن موت الجميع تمَّ في جسد الربِّ، فأين الإبدال العقابيّ الذي يفصل بيننا نحن المؤمنون وبين جسد المسيح المقدَّم على عود الصليب كترضيةٍ نيابيةٍ عن البشرية المعاقَبة للآب، كما يدحض أيضًا نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين جسد المسيح الذي أخذه من العذراء، وبين جسد المسيح في الإفخارستيا، وبين جسد المسيح السري أي الكنيسة، والتي تهدم عمل المسيح الخلاصيّ من أساسه، بفصلنا نحن المؤمنون عن جسد المسيح السريّ. لذا يُؤكِّد ق. أثناسيوس على الانجماع الكليّ في المسيح أثناء عمله الخلاصيّ بموت الجميع فيه على الصليب كالتالي:

”وهكذا تمَّ في جسد المسيح فعلان متناقضان في نفس الوقت: الأول هو أن موت الجميع قد تمَّ في جسد الربِّ على الصليب، والثاني هو أن الموت والفساد قد أُبيدَا من الجسد بفضل اتحاد الكلمة به. فلقد كان الموت حتميًا، وكان لا بد أن يتمَّ الموت نيابةً عن الجميع لكي يُوفِي الدَّين المستحق على الجميع“.[21]

مفهوم اللعنة

ويرى ق. أثناسيوس أن المسيح أبطل اللعنة وهو كائنٌ فينا أي في بشريتنا كالتالي:

”إذ أن لعنة الخطية قد أُبطِلَت بسبب ذاك الذي هو كائنٌ فينا، والذي قد صار لعنةً لأجلنا“.[22]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على نقطة خطيرة جدًا يُنكِرها البعض في عصرنا الحالي وهي أن موت المسيح كان موتنا جميعًا، وقيامته وتمجيده وصعوده للسماء كان هو قيامتنا وتمجيدنا وصعودنا، لأننا في المسيح نفسه أيضًا كالتالي:

”لأجل هذا السبب يُقَال إنه إنسان مُجِّدَ أيضًا نيابةً عنا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدَنا مجدًا عاليًا، مُقَامين من بين الأموات وصاعدين إلى السموات، حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا“.[23]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس في عبارة خطيرة جدًا على عدم اندهاش القوات السمائية عندما ترانا نحن المؤمنين بالمسيح أي كنيسته المتَّحِدين به داخلين إلى مناطقهم السمائية قائلاً:

”لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا – المتَّحِدين معه في نفس الجسد – داخلين إلى مناطقهم السمائية“.[24]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على وحدتنا في جسد المسيح التي صِرنا بها هيكلاً لله، وصِرنا أبناءً لله يُعبَد الرب فينا كالتالي:

”أنه ليس اللوغوس بسبب كُونه لوغوس هو الذي حصل على مثل هذه النعمة، بل نحن لأنه بسبب علاقتنا بجسده فقد صرنا نحن أيضًا هيكل الله – وتبعًا لذلك قد جُعِلَنا أبناء الله، وذلك حتى يُعبَد الرب فينا أيضًا، والذين يُبصِروننا يُعلِنون – كما قال الرسول: ’إنَّ الله بالحقيقة فيكم‘“.[25]

مفهوم العداوة

أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية هو الادعاء بأنه كانت هناك خصومة بين الآب والبشرية المتمثلة في ناسوت المسيح المتألم على الصليب. هذا الرأي يصوِّر اللاهوت بأنه قد كان في خصومة مع ناسوت المسيح في المسيح الواحد، طالما الآب كان في خصومة مع ناسوت المسيح الذي اتَّحد به لاهوت الكلمة في التجسُّد. وهذا للأسف أحد نتائج التعليم بالبدلية العقابية. يرفض ق. أثناسيوس ترك الآب للناسوت، أو وجود خصومة بين الآب وناسوت المسيح قائلاً:

”لذلك لا يمكن أن يُترَك الرب من الآب، وهو كائنٌ دائمًا في الآب قبل أن يتكلَّم وأثناء نطقه بهذه الصرخة“.[26]

دحض نظرية البدلية العقابية

يدحض ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية التي تُميِّز اللاهوت الغربيّ، حيث يرى ق. أثناسيوس أن موت المسيح هو موت جميع البشر كالتالي:

”حيث أن الجميع ماتوا بواسطته، هكذا قد تمَّ الحكم إذ أن الجميع ماتوا في المسيح. وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحرارًا من الخطية ومن اللعنة الناتجة عنها، ويبقى الجميع على الدوام قائمين من الأموات، ولابسين عدم موت وعدم فساد“.[27]

وجودنا الكياني في المسيح أثناء الخلاص

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على وحدتنا ووجودنا في المسيح بسبب سُّكنى الروح القدس فينا الذي يُوحِّدنا معه، وهكذا نصير في الله ويصير الله فينا كالتالي:

”لذلك فبسبب نعمة الروح الذي أُعطِي لنا نصير نحن فيه وهو فينا، وحيث إن روح الله فينا، لذلك فبواسطة سُّكناه فينا وبحسب حصولنا على الروح، نُحسَب أننا في الله، وهكذا يكون الله فينا“.[28]

مفهوم التبرير والتقديس

يُوضِّح ق. أثناسيوس كيفية تقديس وتبرير وتمجيد الجميع في المسيح لله الآب، فاللوغوس نفسه لا يحتاج إلى التقديس أو التبرير أو التمجيد، لأنه هو ذاته القداسة والبرّ ومصدر كل برّ وقداسة، بل اللوغوس بتقديس ذاته، فإنه يُقدِّسنا ويُمجِّدنا ويُبرِّرنا جميعًا فيه، وبالتالي، يدحض ق. أثناسيوس أي تبرير أو تقديس بالمعنى القضائيّ والقانونيّ سوف نراه فيما بعد في اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ سواء المبكر أو المدرسيّ أو البروتستانتيّ كالتالي:

”وكما أنه وهو الذي يُقدِّس الجميع، يقول أيضًا إنه يُقدِّس نفسه للآب من أجلنا – ليس بالطبع لكي يكون اللوغوس مُقدَّسًا – بل لكي بتقديس ذاته يُقدِّسنا جميعًا في ذاته. وهكذا بنفس المعنى ينبغي أن نفهم ما يُقَال الآن أنه ’تمجَّد‘. ليس لكي يُمجَّد هو نفسه [أي اللوغوس] – إذ أنه هو الأعلى – بل لكي هو ذاته ’يصير برًا‘ من أجلنا، أمَّا نحن فلكي نتمجَّد ونُرفَع فيه ولندخل إلى أبواب السماء، التي قد فتحها هو ذاته من أجلنا […] فإنْ كان الابن هو البرّ، إذًا، فهو لم يرتفع بذاته كما لو كان في حاجة إلى الرفعة، بل نحن الذين ارتفعنا وتمجَّدنا بسبب البرّ الذي هو المسيح نفسه“.[29]

يستطرد ق. أثناسيوس في شرح مفهوم التبرير والتقديس من وجهة نظر شفائية وتجددية بحتة، حيث يُشِير ق. أثناسيوس إلى أن مسحة الرب يسوع بالروح القدس كانت من أجلنا ليبني فينا سُّكنى الروح وألفته تمامًا مثلما وهبنا الرفعة والقيامة، لذا يُقدِّس المسيح ذاته، ليس لأنه مُحتاجٌ إلى التقديس في ذاته، بل نحن الذين نتقدَّس فيه كالتالي:

”فهو كإنسان يُقَال عنه إنه يُمسَح بالروح، وذلك حتى يبني فينا نحن البشر سُّكنى الروح وألفته تمامًا مثلما وهبنا الرفعة والقيامة. وهذا ما عناه هو نفسه عندما أكَّد الرب عن نفسه في الإنجيل بحسب يوحنا: ’كما أرسلتني إلى العالم، أرسلتهم أنا إلى العالم، ولأجلهم أُقدِّس أنا ذاتي ليكونوا هم أيضًا مُقدَّسين في الحق‘ (يو 17: 18-19). وقد أوضَّح بقوله هذا إنه ليس هو المقدَّس بل المقدِّس. لأنه لم يُقدَّس من آخر، بل هو يُقدِّس ذاته. حتى نتقدَّس نحن في الحق. وهذا الذي يُقدِّس ذاته؛ إنما هو رب التقديس. كيف، إذًا، حدث هذا؟ وماذا يريد أن يقول بهذا سوى إنه: ’كوني أنا كلمة الآب، فأنا نفسي أُعطِي ذاتي الروح حينما أصير إنسانًا. وأنا الصائر إنسانًا أُقدِّس نفسي (في الآب) لكي يتقدَّس الجميع فيَّ. وأنا الذي هو الحق. لأن ’كلامك هو حق‘ (يو 17: 17)“.[30]

ويُفسِّر ق. أثناسيوس، في سياق مفهومه عن التبرير والتقديس من خلال الاتحاد بالمسيح، سبب نزول الروح القدس في هيئة حمامة على المسيح في نهر الأردن، وهل كان المسيح محتاجًا للتقديس والمسحة من الروح القدس، بالرغم من أنه الإله مانح وواهب القداسة؟ ولكن يدحض ق. أثناسيوس بدعة التبني لبولس الساموساطيّ – الذي أدَّعى حلول أو سُّكنى الروح القدس في المسيح كما كان يحلّ ويملأ الأنبياء في العهد القديم – مشيرًا إلى أن نزول الروح عليه في الأردن كان نزولاً علينا نحن بسبب أنه لَبِسَ جسدنا من أجل تقديسنا من جديد واشتراكنا في مسحته كالتالي:

”إذًا، فإنْ كان يُقدِّس ذاته من أجلنا، وهو يفعل هذا لأنه قد صار إنسانًا، فمن الواضح جدًا أن نزول الروح عليه في الأردن، إنما كان نزولاً علينا نحن بسبب لبسه جسدنا. وهذا لم يصر من أجل ترقية اللوغوس، بل من أجل تقديسنا من جديد، ولكي نشترك في مسحته، ولكي يُقَال عنا: ’أمَّا تعلمون أنكم هيكل الله، روح الله يسكن فيكم؟‘ (1كو 3: 16). فحينما أغتسل الرب في الأردن كإنسان، كنا نحن الذين نغتسل فيه وبواسطته. وحينما أقتبل الروح، كنا نحن الذين صرنا مُقتبلين للروح بواسطته. ولهذا السبب، فهو ليس كهارون، أو داود، أو الباقين – قد مُسِحَ بالزيت هكذا – بل بطريقةٍ مغايرةٍ لجميع الذين هم شركاؤه – أي ’بزيت الابتهاج‘ – الذي فُسِّرَ أنه يعني الروح – قائلاً بالنبي: ’روح السيد الرب عليَّ، لأن الرب مسحني‘ (إش 61: 1). كما قال الرسول أيضًا: ’كيف مسحه الله بالروح القدس‘ (أع 10: 38). متى قيلت عنه هذه الأشياء – إلا عندما صار في الجسد وأعتمد في الأردن، ’ونزل عليه الروح‘؟ (مت 3: 16). وحقًا يقول الرب لتلاميذه إن ’الروح سيأخذ مما ليَّ‘ (يو 14: 16). و ’أنا أُرسِله‘ (يو 16: 7). و ’اقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22). إلا أنه في الواقع هذا الذي يُعطِي للآخرين ككلمة وبهاء الآب، يُقَال الآن إنه يتقدَّس، وهذا من حيث إنه قد صار إنسانًا، والذي يتقدَّس هو جسده ذاته“.[31]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن التبرير والتقديس يحدث في الإنسان من خلال تبرير وتقديس جسد الكلمة الذي هو جسد جميع البشر، فيدحض بذلك أية فرصة للإشارة إلى التبرير والتقديس القانوني بمعاقبة الآب للابن المتجسِّد بديلاً عن البشرية كالتالي:

”أمَّا وإنْ كان هو الله، ويكون ’عرش ملكه أبديّ‘، فإلى أي مدى يمكن أن يرتقي الله؟ أو ماذا ينقص هذا الذي هو جالس على عرش الآب؟ وكما قال الرب نفسه، إنْ كان الروح هو روحه والروح أخذ منه، وهو نفسه أرسل الروح (يو 16: 14، 16: 7)، إذًا، فلا يكون اللوغوس باعتباره اللوغوس والحكمة هو الذي يُمسَح من الروح، الذي يُعطِيه هو ذاته، بل الجسد الذي قد اتَّخذه، هو الذي يُمسَح فيه ومنه، وذلك لكي يصير التقديس الصائر إلى الرب كإنسان، يصير (هذا التقديس) إلى جميع البشر به. لأنه يقول: ’إن الروح لا يتكلم من نفسه‘ (يو 16: 13)، بل اللوغوس هو الذي يعطي هذا (الروح) للمستحقين. فإن هذا يُشبِه ما سبق من قول، لأنه كما كتب الرسول: ’الذي إذ كان في صورة الله، لم يُحسَب خلسةً أن يكون معادلاً لله‘ لكنه أخلى نفسه، آخذًا صورة عبدٍ، صائرًا في شبه الناس‘ (في 2: 6، 7). وبالمثل يُرنِّم داود للرب إنه إله وملك أبدي، مُرسَل إلينا ومُتَّخِذًا جسدنا الذي هو مائت؛ لأن هذا هو المقصود في المزمور بالقول: ’كل ثيابك مر وعود وسليخة‘ (مز 45: 8) […] إذًا، مثلما كان قبل تأنُّسه – إذ أنه كان اللوغوس، فإنه منح الروح للقديسين باعتباره خاصًا به – وهكذا عندما صار إنسانًا، فإنه قدَّس الجميع بالروح، وقال لتلاميذه: ’اقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22)“.[32]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس إنه في تدبير الإخلاء والتواضع أقام الابن الجسد وشيَّده إذ هو ربه وخالقه، وكإله قدَّسه، ولذلك صار كلمة الله إنسانًا لأجل تقديس الجسد كالتالي:

”حينما يتحدَّث عن التواضع لكي نعرف على الفور رفعته وجلاله الذي من الآب. ولذلك قال: وموسى كان خادمًا أما المسيح فهو ابن. كان الأول ’أمينًا في بيته‘، أما الثاني فكان ’على بيته‘ (عب 3: 5، 6)، لأنه هو الذي أقامه وشيَّده إذ هو ربه وخالقه، وكإله قدَّسه. ولما كان موسى إنسانًا بالطبيعة. فإنه قد صار أمينًا بسبب إيمانه بالله الذي تحدث إليه عن طريق الكلمة، أما الكلمة فلم يكن في الجسد كأحد المخلوقات، ولم يكن كمخلوق قي مخلوق، بل هو كإله في الجسد، كخالق ومشيِّد وسط ما خُلِقَ بواسطته. وإن كان البشر قد لبسوا جسدًا، فلكي يكون لهم وجود وكيان. أما كلمة الله فقد صار إنسانًا لأجل تقديس الجسد، وبينما هو رب فقد وُجِدَ في هيئة عبد، لأن كل الخليقة التي وُجِدَت بالكلمة، وخُلِقَت به هي عبدة له“.[33]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى أن الرب قد جعل من الابن إنسانًا لكي يكون بذلك ربًا على الكل ويُقدِّس الكل بواسطة المسحة، فالتقديس والتبرير صارا بالتجسُّد والاتحاد بين الله والإنسان في المسيح، وليس عن طريق تحمل الابن العقوبة بدلاً عن البشر الخطأة أمام الله الآب، كما جاء في لاهوت العصر الوسيط، بل الكلمة باتخاذ الجسد، قد حرَّر كل البشرية، وصار في هيئة عبد لكي يقدس الجميع بالروح القدس الذي مسح جسد الرب في تجسُّده لأجلنا كالتالي:

”وهذا مُشابِه للقول إن الرب إذ قد جعل منه إنسانًا -لأنه أمر يخص الإنسان أن يكون مصنوعًا- فهو لم يجعله إنسانًا فقط، بل جعله هكذا لأنه يكون ربًا على الجميع، ويُقدِّس الكل بواسطة المسحة. لأنه وإن كان الكلمة وهو في صورة الله، اتخذ صورة عبد، إلا أن اتخاذه للجسد، لم يجعل الكلمة وهو رب الطبيعة أن يكون عبدًا، بل بالأحرى، فإن الكلمة بهذا الحدث [اتخاذ الجسد]، قد حرَّر كل البشرية. فإن الكلمة نفسه وهو بالطبيعة الرب الكلمة، قد جُعِلَ إنسانًا، ومن خلال صورة العبد، صار رب الجميع ومسيحًا، أي لكي يُقدِّس الجميع بالروح“.[34]

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاص بتأليه البشرية

ويربط ق. أثناسيوس كما ربط كثيرًا بين التقديس وتأليه البشرية فيه، فغاية التجسُّد وفداء البشرية هو تقديس وتأليه البشرية في المسيح كالتالي:

”ولكن إن كان الكلمة قد جاء بيننا لكي يفدي جنس البشر، وإن كان الكلمة قد صار جسدًا لكي يُقدِّس البشر ويُؤلِّههم. وهو لهذه الغاية قد جاء فعلاً. فلمَّن لا يكون واضحًا عندئذٍ أن ما يقول الرب إنه أخذه، حينما صار جسدًا، فهو لم يأخذه لأجل نفسه، لكن لأجل الجسد، لأن العطايا المعطَاة بواسطته من الآب تخص الجسد، ولقد كان مُتَّحِدًا بهذا الجسد، عندما نطق بهذه الأمور“.[35]

مفهوم التبرير بالدم

يُوضِّح ق. أثناسيوس نقطة تبرير الجسد بدم المسيح، ولكن المفاجأة ليس كما شرح أنسلم، أو اللاهوتيون المدرسيون، أو مارتن لوثر أو فيليب ميلانكتون، أو چون كالفن، أو غيرهم من لاهوتي الإصلاح، بل يربط ق. أثناسيوس التبرير بالدم بإحياء الجسد المخلوق الذي أماته الإنسان الأول بسبب تعديه، وليس لأنه بسفك دم المسيح قد تم تسكين وتهدئة غضب الآب على البشرية الخاطئة كما جاء في نظرية البدلية العقابية التي تبناها اللاهوت الغربي في شرح الكفارة والفداء، وهكذا يدحض ق. أثناسيوس فكرة التبرير بالدم بسفك دم بريء من أجل الآثمة؛ والذي لا يُعتبر عدلاً هنا على الأرض، فبالأولى لا يكون عدلاً في السماء أو لإيفاء العدل الإلهي. الدم هو رمز الحياة أي حياة الإنسان، لذلك سفك المسيح دمه أي حياته لكي بموته يبطل عز الموت، وليس لكي يرى الآب السماوي الدم المسفوك والمهرق أمامه فيصفح عن الخليقة العاصية كالتالي:

”لأنه حيث إن الطريق الأول الذي كان من خلال آدم، قد ضاع، وانحرفنا إلى الموت بدل الفردوس، وسمعنا القول: ’إنك من التراب وإلى التراب تعود‘ (تك 3: 19)، لذا فإن كلمة الله المحب للبشر، لبس – بمشيئة الآب – الجسد المخلوق لكي يُحِيي بدم نفسه هذا الجسد الذي أماته الإنسان الأول بسبب تعديه، كما قال الرسول: ’وكرَّس لنا طريقًا حيًا حديثًا بالحجاب أي جسده‘ (عب 10: 20). وهو ما أشار إليه في موضع آخر، حين قال: ’إن كان أحد في المسيح، فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدًا‘ (2كو 5: 17)“.[36]

التقديس باتحاد الطبيعتين في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديس الجسد البشري أو الطبيعة البشرية باتحادها بالطبيعة الإلهية في المسيح، مؤكدًا على أن التبرير والتقديس للطبيعة البشرية قد تمَّ عن طريق الاتحاد بين الطبيعتين الإلهية والإنسانية في المسيح كالتالي:

”وهذا هو الأمر العجيب، أنه بينما كان يتصرف كإنسان، كان ككلمة الله يحيي كل الأشياء، وكابنٍ كان كائنًا مع أبيه. ولذلك عندما ولدته العذراء لم يعتريه أيّ تغيير (من جهة طبيعته الإلهية)، ولا تدنس بحلوله في الجسد، بل بالعكس فهو قد قدَّس الجسد أيضًا“.[37]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على تقديس الكلمة للجسد من خلال اتحاده بهذا الجسد، وليس بإنزال العقوبة على الجسد لكي يتبرَّر ويتقدَّس، بل بمُجرَّد اتحاد الكلمة بالجسد قدَّس طبيعة الجسد فيه، ويمنح هذا التقديس للمؤمنين من خلال اتحادهم به، ولكنه لم يشترك في خواص هذا الجسد، بل استخدمه كأداة لتقديس الجسد قائلاً:

”لأنه كما أنه كائنٌ في الخليقة، ومع ذلك لا يشترك في طبيعتها بأي حال، بل بالحري، فإن كل المخلوقات قَبِلت قوةً منه، هكذا أيضًا عندما اتَّخذ الجسد كأداةٍ له، فإنه لم يشترك في خواص الجسد، بل بالحري، فإنه قدَّس الجسد“.[38]

دحض نظرية الإبدال العقابي

يهدم ق. أثناسيوس نظرية البدلية العقابية تمامًا عندما يشير إلى عمل المسيح في فداء البشرية من خلال نزع الخطية من الجسد، لا بتسديد عقوبة الخطية بديلاً عن البشرية لله الآب، بل باتحاد اللوغوس بالجسد، فينزع عنه الخطية مُقدسًا ومُطهرًا إياه من كل دينونة الخطية، ويعيد خلقة الإنسان فيه بحسب الروح لا بحسب الجسد، وليس كما في نظرية الإبدال العقابي بتسديد عقوبة الخطية في الجسد كالتالي:

”وبحسب هذا فإن الخدمة من خلاله قد صارت أفضل، إذ أيضًا ’لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه في ما كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية، دان الخطية في الجسد‘ (رو 8: 3)، نازعًا الخطيئة من الجسد، الذي كان أسيرًا لها على الدوام لدرجة أنه لم يستوعب الفكر الإلهي. وإذ جعل الجسد قادرًا على تقبل اللوغوس، فإنه خلقنا حتى ’لا نسلك بعد بحسب الجسد، بل بحسب الروح‘. ونقول ونكرز نحن ’لسنا في الجسد، بل في الروح‘ (رو 8: 9)، وأن ابن الله جاء ’إلى العالم لا لكي يدين العالم‘، بل لكي يفدي الجميع، ’ويخلص به العالم‘ (يو 3: 17). لأنه في السابق كان الناموس يدين العالم كمسئول، أما الآن فإن اللوغوس أخذ الدينونة على نفسه، وبتألمه لأجل الجميع بالجسد، وهب الخلاص للجميع. هذا ما رآه يوحنا فصاح قائلاً: ’لأن الناموس بموسى أُعطِيَ، أما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا‘ (يو 1: 17). فالنعمة أفضل من الناموس، والحقيقة أفضل من الظل“.[39]

مفهوم المصالحة

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى عمل المسيح الخلاصي لأجلنا، لأنه أرتدى جسدنا المخلوق ليعيد خلقة الجسد فيه ويبطل الموت ويدين الخطية في الخطية ويُقِيم الجميع من الأموات، ويؤكد ق. أثناسيوس على أن الكلمة يمنح كل هذه المفاعيل إلى المتَّحِدين معه في جسده، الذين هم فيه وهو فيهم، وبالتالي ينفي ق. أثناسيوس أية إشارة إلى نظرية الإبدال العقابيّ بتسديد عقوبة الخطية نيابةً عن البشرية لإيفاء العدل الإلهي، بل على العكس، يُؤكِّد على أننا نحن المتَّحِدون به نصير فيه خليقةً جديدةً معتوقةً من الخطية واللعنة التي بدَّدها باتحاده بالجسد، وليس بتسديد العقوبة على الصليب كما في لاهوت العصر الوسيط ولاهوت الإصلاح، وهكذا يربط بين محو الخطية واللعنة من الجسد وتجديد الطبيعة البشرية فيه عن طريق الاتحاد به في جسده كالتالي:

”وإنْ كان لم يُخلَق لأجل ذاته، بل لأجلنا، فلا يكون هو نفسه مخلوقًا، بل يقول هذا لأنه أرتدى جسدنا. وهذا المفهوم هو ما تعنيه الكتب المقدَّسة. وهذا هو ما نتعلَّمه من الرسول؛ لأنه يقول في رسالته إلى أهل أفسس: ’ونقض حائط السياج المتوسط (أي العداوة). مُبطِلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنسانًا واحدًا جديدًا، صانعًا سلامًا‘ (أف 2: 14، 15). فلو أن الاثنين خُلِقَا في نفسه ووُجِدَا في جسده، فمن الطبيعي أنه كان يلبس الاثنين في نفسه، فإنه يكون كما لو كان هو نفسه الذي يُخلَق. لأن الذين يخلقهم يتحدون به، ويكون هو فيهم كما يكونون هم فيه. هكذا إذًا فما دام قد خُلِقَ الاثنان فيه، فيكون من الملائم تمامًا أن يقول: ’الرب خلقني‘. فلأنه يأخذ على عاتقه ضعفاتنا، يُقال عنه إنه يضعفُ رغم أنه هو لا يضعفُ؛ لأنه قوة الله، وقد صار خطيةً لعنةً من أجلنا، بالرغم من أنه غير خاطئ، ولكنه يُقال هذا ؛ لأنه حمل خطايانا ولعنتنا. وهكذا إذ قد خُلِقَنا فيه، فيُقال أيضًا: ’خلقني من أجل الأعمال‘، رغم أنه غير مخلوق“.[40]

إعادة خلق الطبيعة البشرية في المسيح

ويُفسِّر ق. أثناسيوس كيفية إبطال سلطان الخطية على الجسد من خلال إعادة خلقة الطبيعة البشرية في المسيح، فيُقال عنه أنه مخلوق رغم أننا نحن المخلوقون فيه من جديد باتحادنا بجسده، وهكذا يطرد المسيح الخطية من الجسد بسكناه فيه، وليس بتسديد عقوبة الخطية عن الجنس البشري أمام الله الآب، بل بسكناه في الجسد من أجل تقديسه وتطهيره من كل خطية كالتالي:

”وبحسب فكر أولئك يُعتبر جوهر الكلمة مخلوقًا بسبب قوله ’الرب خلقني‘، وبالتالي، لكونه مخلوقًا، فهو لم يُخلَق من أجلنا، وإنْ لم يكن قد خُلِقَ من أجلنا، فنحن لم نُخلَق به، وإن لم نُخلَق به، فلن يكون هو لنا في داخلنا، بل سيكون من خارجنا، كما لو كنا نقبل منه التعليم مثلما نقبله من مُعلِّمٍ. ولو كان الأمر كذلك معنا، لما فقدت الخطية سلطانها على الجسد، بل لظلت مُلتصِقةً به وليست بعيدةً عنه. غير أن الرسول يعارض تعليم هؤلاء بإعلانه لأهل أفسس قبل ما سبق أن اقتبسنا بقليلٍ قائلاً: ’لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع‘. فإن كنا قد خُلِقَنا في المسيح، فلا يكون هو الذي خلقنا، بل نحن الذين خُلِقَنا بواسطته. لذا فالقول ’خلق‘ هو من أجلنا نحن وبسبب احتياجنا. فإن الكلمة رغم أنه خالق، احتمل أيضًا لقب المخلوقين. ولم يكن هذا لقبه الخاص. إذ إنه هو الكلمة، ولكن اللقب ’خلق‘ هو خاص بنا نحن المخلوقين بواسطته. وأيضًا كما أن الآب كائن دائمًا، فإن كلمته كائن دائمًا أيضًا، ولأنه كائن دائمًا، فهو يقول: ’وكنتُ أنا موضع بهجته، فرحًا في حضرته كل يوم‘ (أم 30: 8)، وأيضًا ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 10: 14). هكذا فإنه حينما صار إنسانًا تابعًا لجنسنا البشري مثلنا، قال: ’الرب خلقني‘ لكي يستطيع أن يطرد الخطية بعيدًا عن الجسد بسُكناه فيه، ولكي نحصل نحن على فكر حر“.[41]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن المسيح هو أخونا وبكرنا؛ لأنه لبس جسدًا مشابهًا لأجسادنا، وكان أول جسد خلصه وحرَّره الكلمة هو جسده، وهكذا إذ قد صرنا مُتَّحِدين بجسد الكلمة، خلُصنا على مثال جسده، وصار بهذا الجسد قائدنا إلى السماء، نحن الذين قد متنا قبل موت الكلمة في الجسد بعد مخالفة آدم، فيدحض ق. أثناسيوس بذلك أي معنى لنظرية البديل العقابيّ على الصليب، طالما أن جسده قد تم تخليصه وتحريره باتحاده بالكلمة نفسه في لحظة التجسُّد كالتالي:

”ولهذا من الصواب أن يُدعَى أيضًا ’أخانا‘ و ’بكرنا‘. لأنه بما أن البشر قد هلكوا بسبب مخالفة آدم، فإن جسده كان أول ما تمَّ تخليصه وتحريره، إذ أن هذا الجسد هو جسد الكلمة نفسه. وهكذا إذ قد صرنا متحدين بجسده، قد خلُصنا على مثال جسده، وبهذا الجسد صار الرب قائدنا إلى ملكوت السماوات وإلى أبيه؛ لأنه يقول: ’أنا هو الطريق‘ (يو 14: 6). و ’أنا هو الباب‘ (يو 10: 7). ويجب على الجميع ’أن يدخلوا بي‘. من أجل ذلك، يُدعَى ’بكر من بين الأموات‘، لا لأنه مات أولاً -إذ أننا قد متنا قبله- بل لأنه قد أخذ على عاتقه أن يموت لأجلنا، وقد أبطل هذا الموت، فإنه هو الأول الذي قام كإنسان، إذ قد أقام جسد لأجلنا. وتبعًا لذلك، حيث إن الجسد قد اُقِيم، هكذا نحن أيضًا ننال القيامة من بين الأموات منه وبسببه“.[42]

الاتحاد بالآب في المسيح

يرى ق. أثناسيوس أن المسيح يُكمِّل في الروح القدس كل معرفتنا عن الله، ويُتمِّم فيه كمالنا الخاص بنا، ويُوحِّدنا بالروح القدس مع شخصه ومن خلاله مع الآب، أي مع الثالوث القدوس كالتالي:

”ولكي يُكمِّل فيه كل معرفتنا عن الله [أي كل التعليم عن الله]، ويُتمِّم كمالنا الخاص، والذي به وحَّدنا مع شخصه ومن خلاله مع الآب“.[43]

يُوضِّح ق. أثناسيوس أن قداستنا مُستمدة من الآب بالابن في الروح القدس، وذلك لأن الروح القدس هو القوة الحيوية والعطية التي تُقدِّسنا ونستنير بها كالتالي:

”وأن نُفكِّر بطريقةٍ مشروعةٍ، وأن نُؤمِن بقداسةٍ واحدةٍ مُستمَدة من الآب بالابن في الروح القدس. لأنه كما أن الابن هو وليدٌ وحيدٌ، هكذا أيضًا الروح إذ هو مُعطَى ومُرسَل من الابن، هو نفسه واحد وليس كثيرين، وليس واحدًا من كثيرين، بل هو نفسه وحيد. إذًا، كما أن الابن – الكلمة الحيّ – هو واحدٌ، هكذا فإن القوة الحيوية والعطية التي بها يُقدِّس ويضيء، ينبغي أن تكون واحدة وكاملة وتامة، وهي التي يُقال عنها إنها تنبثق من الآب، لأنها من الكلمة – الذي يُعترَف أنه من الآب – وهي التي تشرق وتُرسَل وتُعطَى“.[44]

المبادلة الخلاصية الشفائية وليس العقابية

ويرى ق. أثناسيوس أن المسيح كطبيب ومخلص بعدما خلق الإنسان، واستدعت الضرورة علاج ما هو موجود، عندئذٍ جاء المسيح الطبيب الشافي لكي يشفي الخلائق الموجودة مُستخدِمًا جسده كأداةٍ بشريةٍ في إتمام ذلك، أي إتمام المبادلة الخلاصية وليس العقابية للموت بالحياة وللفساد بعدم الفساد عن طريق اتحاده بالكلمة الذي هو الحياة في ذاته كالتالي:

”ونجيب على اعتراضهم هذا بجوابٍ معقولٍ قائلين إنه في البدء لم يكن شيء موجودًا بالمرة. فكل ما كان مطلوبًا هو مجرد ’نطق‘ مع إرادة إلهية لإتمام الخلق. ولكن بعد أن خُلِقَ الإنسان (وصار موجودًا)، واستدعت الضرورة علاج ما هو موجود، وليس ما هو غير موجود، عندئذٍ كان من الطبيعي أن يظهر الطبيب والمخلِّص فيما هو موجود لكي يشفي الخلائق الموجودة. لهذا السبب قد صار إنسانًا، واستخدم جسده أداةً بشريةً […] ثم ينبغي أن يُعرَف هذا أيضًا، أن الفساد الذي جرى لم يكن خارج الجسد، بل كان ملتصقًا به، وكان الأمر يحتاج إلى أن تلتصق به الحياة بدلاً من الفساد حتى كما صار الموت في الجسد، تصير الحياة في داخل الجسد أيضًا“.[45]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على البعد الشفائيّ للخلاص في موضع آخر، حيث يتحدَّث عن سيادة الموت على الجنس البشري من آدم إلى موسى، ولعنة الأرض، وفتح الجحيم، وغلق الفردوس، وإهانة السماء، لذلك دفع الله محب البشر الإنسان المصنوع على صورته إلى الكلمة نفسه، لكي يعالج الإنسان كطبيب من لدغة الحية، وكان ذلك باتخاذه جسدًا من أجل استعادة الإنسان بالكامل كالتالي:

”لأنه حينما أخطأ الإنسان وسقط، وصارت كل الأشياء بسقطته في ارتباكٍ: حين ساد الموت من آدم إلى موسى (رو 5: 14)، ولُعِنَت الأرض، وفُتِحَ الجحيم، وأُغلِقَ الفردوس، وأُهِينت السماء، وأخيرًا، فسد الإنسان وتوحش (مز 49: 12)، وكان إبليس يسخر منا؛ فحينئذ قال الله مُحِب البشر الذي لم يُرد هلاك الإنسان المصنوع حسب الصورة: ’مَن أُرسِل؟ ومَن يذهب؟‘ (إش 6: 8). ولكن بعدئذٍ ذاك القائل: ’اذهب أنت‘ (إش 6: 9)، هو الذي دفع الإنسان إليه، لكي يستطيع الكلمة نفسه أن يصير جسدًا، وهكذا استعاد هذا الجسد بالكامل من خلال اتخاذ الجسد. لقد كان طبيبًا بالنسبة للإنسان الذي قد دُفِعَ إليه ليعالج لدغة الحية، وحياةً ليرفع مَن كان مائتًا، ونورًا ليضيء الظلمة؛ ولأنه كان الكلمة ليجدد الطبيعة العاقلة. لقد دُفِعت إليه كل الأشياء منذ ذلك الحين، وعندما صار إنسانًا، تمَّ ضبط وتكميل كل الأشياء في الحال. وهكذا نالت الأرض بركةً بدلاً من اللعنة، وفُتِحَ الفردوس للص، وانحسر الجحيم، وتفتحت القبور، وأُقِيم الموتى، وفُتِحَت أبواب السماء في انتظار ذلك ’الآتي من أدوم‘ (مز 24: 7؛ إش 63: 1)“.[46]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى شفاء ضعفات وأوجاع الجسد البشريّ من خلال حمل الكلمة لضعفات الجسد، لأنه اتَّخذ جسدًا وصارت ضعفات الجسد خاصة بجسده، وخدم الجسد أعمال اللاهوت المتَّحِد به، وبالتالي، يتمُّ افتدائنا نحن البشر من أوجاعنا ونمتلئ ببرّ الكلمة كالتالي:

”والكلمة حمل ضعفات الجسد، كما لو كانت له، لأن الجسد كان جسده، والجسد خدم أعمال اللاهوت، لأن اللاهوت كان في الجسد، ولأن الجسد كان جسد الله. وحسنًا قال النبي: ’حملها‘ (إش 53: 4)، ولم يقل إنه ’شفى ضعفاتنا‘، لئلا تكون هذه الضعفات خارج جسده، وهو يشفيها فقط – كما كان يفعل دائمًا – فيترك البشر بذلك خاضعين للموت، ولكنه حمل ضعفاتنا، وحمل هو نفسه خطايانا، لكي يتضح أنه قد صار إنسانًا لأجلنا، وأن الجسد الذي حمل الضعفات هو جسده الخاص، وبينما هو نفسه لم يصبه ضرر أبدًا، ’حمل خطايانا في جسده على الخشبة‘، كما قال بطرس (1بط 2: 24)، فإننا نحن البشر قد افتُدِينا من أوجاعنا وامتلأنا ببر الكلمة“.[47]

مفهوم التقدمة

يتحدَّث ق. أثناسيوس في سياق دفاعه عن ألوهية الابن عن مفهوم تقدمة الابن الجنس البشريّ للآب كجنسٍ طاهرٍ، وكاملٍ، ومُقدَّسٍ قائلاً:

”من أجل هذا أيضًا، فإنه إذ قد صار إنسانًا، فقد أظهر جهل البشر في نفسه، أولاً، لكي يُظهِر أن له جسدًا بشريًا حقًا، وثانيًا، لكي -عندما يكون له في جسده جهل البشر، يُقدِّم للآب جنسًا بشريًا مُفتدَى من بين الجميع، وطاهرًا، وكاملاً، ومُقدَّسًا […] فبالأولى جدًا كلمة الله كلي القداسة، خالق الشمس وربها، لا يتدنس بمجيئه في الجسد، بل بالعكس، فلكونه عديم الفساد، فقد أحيا الجسد المائت وطهَّره، فهو الذي كُتِبَ عنه: ’الذي لم يفعل خطيةً، ولا وُجِدَ في فمه مكر‘ (1بط 2: 22؛ إش 53: 9)“.[48]

ويربط ق. أثناسيوس بين مفهوم التألُّه أو شركة الطبيعة الإلهية وبين التقديس في إطار عرضه لمفهوم التقدمة أيضًا، حيث يتحدَّث عن انتقال الجنس البشريّ الضال إلى المسيح من خلال تجسده من العذراء لكي نصبح فيه جنسًا مُقدَّسًا ونصير شركاء الطبيعة الإلهية؛ فقد صار ابن الله إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته كالتالي:

”وإنْ كان الله قد أرسل ابنه مولودًا من امرأة، فإن هذا الأمر لا يسبب لنا عارًا، بل على العكس مجدًا ونعمةً عظمى. لأنه قد صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته، وقد صار (جسدًا) من امرأة، وُلِدَ من عذراء كي ينقل إلى نفسه جنسنا (نحن البشر) الذين ضللنا، ولكي نصبح بذلك جنسًا مُقدَّسًا، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط 1: 4) كما كتب بطرس المطوَّب. وما ’كان الناموس عاجزًا عنه إذ أنه كان (الناموس) ضعيفًا بواسطة الجسد، فإن الله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد‘ (رو 8: 3)“.[49]

وهكذا أخذ كلمة الله جسدًا ليُحرِّر به كل الأشياء ويُقرِّب العالم إلى الآب ويصنع سلامًا لكل المخلوقات سواء السماوية أو الأرضية كالتالي:

”لأن إيمان الكنيسة الجامعة يُقرّ بأن كلمة الله هو خالق كل الأشياء ومبدعها، ونحن نعرف أنه ’في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله‘ (يو 1: 1). فإننا نعبد ذلك الذي صار هو نفسه أيضًا إنسانًا لأجل خلاصنا، لا كما لو كان هذا الذي صار جسدًا هو مُساوٍ للجسد بالمثل، بل (نعبده) كسيد آخذًا صورة عبد، كصانع وخالق، صائرًا في مخلوق أي (الجسد) لكي بعد أن يُحرِّر به كل الأشياء، يُقرِّب العالم إلى الآب، ويصنع سلامًا لكل المخلوقات، سواء التي في السماوات أو التي على الأرض“.[50]

مفهوم الذبيحة

يشير ق. أثناسيوس إلى أن عمل الفداء لم يكن من أجل خلاص اللاهوت نفسه، بل من أجل خلاصنا نحن نسل إبراهيم، فالمسيح لم يقدم ذاته ذبيحةً لأجل نفسه ليفتدي نفسه، بل يفتدي الآخرين من الخطايا، وهنا يرفض ق. أثناسيوس فكرة احتياج اللاهوت إلى ذبيحة لأجل نفسه وعن نفسه، بل قدَّم الابن جسده لأجلنا نحن، ولم يكن تقديم الذبيحة ليفتدي نفسه كالتالي:

”فلو كان الكلمة حقًا من نفس جوهر الجسد حسبما تقولون، فأية حاجة كانت هناك لكي يقيم الكلمة بيننا، لكي يلبس ما هو من نفس جوهره الخاص، أو أن يتحوَّل عن طبيعته الذاتية فيصير جسدًا؟ لأن اللاهوت لم يخطئ في شيء وهو يفتدي خطايا الآخرين، حتى يصير جسدًا ويُقدِّم ذاته لأجل نفسه ويفتدى نفسه. لكن حاشا له أن يكون هكذا. لأنه كما قال الرسول جاء لمساعدة نسل إبراهيم، ومن ثم كان ينبغي أن ’يشبه أخوته في كل شيء‘ (عب 2: 16، 17)، ويتَّخذ جسدًا مشابهًا لنا. ولهذا السبب أيضًا، كانت مريم في الحقيقة مفترضةً من قبل ليأخذ الكلمة منها (جسدًا) خاصًا به ويُقدِّمه لأجلنا“.[51]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن الكلمة بعدما اتَّخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، نحن الخاضعين للموت والفساد، بذل جسده للموت عن الجميع وقدَّمه للموت وللآب من أجل محبته للبشر، وليس ترضيةً للآب الغاضب على البشرية، بل إبطالاً لناموس الموت والفناء عن البشر، وهكذا يدحض ق. أثناسيوس أية فكرة عن الإبدال العقابيّ للابن عنَّا، أو إنزال الآب عقوبة البشر على الابن المتجسِّد، بل الابن مِن فرط محبته للبشرية بذل ذاته لأجلهم، إذ قد مات الجميع في المسيح، فأين الإبدال العقابي إذا كان الجميع قد مات في المسيح؟ فالهدف من الخلاص هو إبادة الموت من البشر كما تبيد النار القش؛ لذا يقول التالي:

”وهكذا إذ اتَّخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدَّمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطِل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفِذَ في جسد الربِّ، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر المماثلة لجسد الربِّ. ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يُعِيدهم إلى عدم فساد، ويُحِييهم من الموت بالجسد الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تبيد النار القش“.[52]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على تقديم الكلمة جسده للموت كتقدمة مُقدَّسة وذبيحة خالية من كل عيب قائلاً:

”لذلك قدَّم للموت ذلك الجسد الذي اتَّخذه لنفسه كتقدمةٍ مُقدَّسةٍ وذبيحة خالية من كل عيب. وببذله لهذا الجسد كتقدمةٍ مناسبةٍ، فإنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه البشر“.[53]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على تقديم جسده للموت وإقامته ثانيةً وبالتالي، تمَّم بتأنُّسه هذا عمليتي المحبة، وهما: إبادة الموت من داخلنا وتجديدنا ثانيةً، وإعلان إنه كلمة الآب بأعماله في الجسد كالتالي:

”ولهذا السبب أيضًا، فإنه لم يُتمِّم ذبيحته عن الكل بمُجرَّد مجيئه مُباشرةً، بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانيةً. لأنه لو فعل ذلك لجعل ذاته غير ظاهر، ولكنه صيَّر نفسه ظاهرًا جدًا بتلك الأعمال التي عملها وهو في الجسد، والمعجزات التي أظهرها، وبذلك صار معروفًا أنه ليس بعد مُجرَّد إنسان فقط، بل أنه هو الله الكلمة. لأن المخلِّص تمَّم بتأنسه عمليتي المحبة: أولاً، أنه أباد الموت من داخلنا وجدَّدنا ثانيةً. ثانيًا، إنه إذ هو غير ظاهر ولا منظور، فقد أعلن عن نفسه، وعرَّف ذاته بأعماله في الجسد، بأنه كلمة الآب، ومُدبِّر وملك الكون“.[54]

المبادلة الخلاصية وليس العقابية

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على المبادلة الخلاصية وليس الإبدال العقابيّ، حيث أخذ الكلمة الذي لنا وأعطانا الذي له، أخذ كل الأشياء التي كان يتألم منها في جسده وينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة، وهكذا يُلبِسنا ما له أي عدم الموت وعدم الفساد كالتالي:

”لأن تلك الأشياء التي كان يتألم بها جسد الكلمة البشري، كان الكلمة الذي سكن في الجسد ينسبها لنفسه، لكي نستطيع نحن أن نشترك في لاهوت الكلمة. ومن الغريب أن الكلمة نفسه كان متألمًا وغير متألم، فمن ناحية، كان [الكلمة] يتألم لأن جسده هو الذي كان يتألم، وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى، لم يكن الكلمة يتألم، لأن الكلمة – إذ هو إله بالطبيعة – فهو لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير الجسدي موجودًا في الجسد الذي يتألم، وكان الجسد يحوي فيه الكلمة غير المتألم؛ الذي كان يبيد العلل التي قَبِلَها في جسده. وكان يصنع هذا، وهكذا كان يصير، كي بعد أن يأخذ ما لنا [أي الجسد] ويُقدِّمه كذبيحةٍ، يقضي على العلل والضعفات كلها. وهكذا يُلبِسنا ما له، وهذا ما يجعل الرسول يقول: ’لأن هذا الفاسد لا بد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت‘ (1كو 15: 53)“.[55]

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى المبادلة الخلاصية في سياق تدبير الخلاص، حيث اتَّحد الكلمة بالجسد البشريّ المائت، وحوَّله من جسد مائت إلى جسد غير مائت، ومن جسد حيواني نفسانيّ إلى جسد روحانيّ، ومن جسد ترابيّ إلى جسد سماويّ كالتالي:

”ولم يأت الكلمة من مريم لكي يرتقي هو، بل لكي يفدي الجنس البشريّ. فكيف، إذًا، يُفكِّرون أن الجسد وهو الذي افتداه الكلمة وأحياه، يقوم بإضافة شيءٍ ما من ناحية اللاهوت إلى الكلمة الذي أحياه؟ بل بالعكس، فإن الجسد البشريّ ذاته هو الذي حدثت له زيادة كبيرة، بسبب شركة الكلمة معه واتحاده به، لأنه [الجسد] صار غير مائت بعد أن كان مائتًا، ورغم أن الجسد كان حيوانيًا (نفسانيًا)، فقد صار روحانيًا، ورغم أنه من تراب الأرض، فقد اجتاز الأبواب السماوية“.[56]

هدف التجسد هو إبادة الموت

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن الهدف من اتخاذ الكلمة جسدًا قابلاً للموت هو إبادة الموت فيه وتجديد خلقة البشر الذين خُلِقوا على صورته كالتالي:

”ولهذا فقد كان من اللائق أن يأخذ جسدًا قابلاً للموت حتى يمكن أن يبيد فيه الموت، ويُجدِّد خلقة البشر الذي خُلِقوا على صورته. إذًا، فلم يكن كفئًا لسد هذه الحاجة سوى صورة الآب“.[57]

تجديد الإنسان بنعمة الروح القدس

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تجديد الرب لكل الأشياء بنعمة الروح القدس، وهكذا يجدد الله أرواحنا البشرية بروحه القدوس كالتالي:

”فمتى كان هذا إلا عندما جاء الرب وجدَّد كل الأشياء بنعمته؟ هوذا إذًا أيضًا في هذا القول، يتبيَّن لنا الاختلاف بين الأرواح. فروحنا هي التي تجدَّدت، ولكن الله يقول إن ذلك الروح الذي به تجدَّدت أرواحنا هو روحه، كما يقول المرنِّم في المزمور المئة والثالث: ’تنزع روحها فتموت وإلى ترابها تعود. تُرسِل روحك فتخلق وتُجدِّد وجه الأرض‘ (مز 103: 29، 30). وإذا كنا نتجدَّد بروح الله، فإن الروح الذي يُقَال عنه الآن إنه خُلِقَ لا يشير إلى الروح القدس، بل إلى روحنا“.[58]

انجماع البشرية في المسيح

يُؤكِّد ق. أثناسيوس أن كل ما كُتِبَ عن المخلِّص فيما يخص طبيعته الجسدية، يمكن تطبيقه على كل جنس البشرية، وذلك لأنه أخذنا جسدنا وأظهر ضعف البشرية، فهو يُؤكِّد بذلك على الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح، بحيث أن كل ما يُقَال عن المسيح من جهة ناسوته، فإنه يُقَال عن البشرية كلها، فهو يدحض بذلك نظرية البديل العقابيّ أو نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين أجسادنا وجسد المسيح، وهكذا تقول باختلاف أجسادنا عن جسد المسيح، وأننا كجسد المسيح مُجرَّد جسدًا اعتباريًا رمزيًا وليس أننا ككنيسة جسدًا حقيقيًا للمسيح يسوع ربّنا كالتالي:

”لأن كل ما كُتِبَ عن المخلِّص فيما يخص طبيعته الجسدية، يمكن تطبيقه على كل جنس البشرية، لأنه أخذ جسدنا، وأظهر فيه ضعف البشرية“.[59]

موت المسيح هو موت جميع البشر

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على حقيقة أن موت الرب هو موت جميع البشر وليس موته الخاص، وذلك لإبادة الموت في الجسد، ويدحض بذلك نظرية البدلية العقابية، التي ترى أن المسيح مات كبديل عقابيّ في ذاته، وأن عقوبة الموت وقعت على المسيح من قِبَل الآب كنائب عن البشرية، رغم أن ق. أثناسيوس يؤكد على أن موت المسيح كان موت البشر كلهم، وليس فردًا واحدًا نائبًا عن البشرية كلها، وكأنَّ المسيح كان منفصلاً عن البشرية وقت موته، بل كانت كل البشرية منجمعةً في شخص المسيح، وهذا ما لم يفهمه المنادون بنظرية البدلية العقابية في تعليم ق. أثناسيوس عن جهل ودون علم كالتالي:

”وفضلاً عن ذلك، فإن المخلِّص لم يأت لكي يُتمِّم موته هو، بل موت البشر، لذلك لم يضع جسده ليموت بموتٍ خاصٍ به إذ إنه هو الحياة وليس فيه موت، بل قَبِلَ في الجسد ذلك الموت الذي أتاه من البشر لكي يبيد ذلك الموت تمامًا عندما يلتقي به في جسده“.[60]

ويدحض ق. أثناسيوس مرةً أخرى نظرية الإبدال العقابيّ التي كانت منتشرة في لاهوت العصر الوسيط، وامتدت إلى اللاهوت البروتستانتيّ، حيث ترى موت المسيح إنه عقوبة أنزلها الآب على الابن نيابةً عن البشر لإيفاء العدل الإلهي حقه، وهذا ما يدحضه ق. أثناسيوس مُشِيرًا إلى أن الكلمة كان يحملنا نحن جميع البشر في جسده الخاص كالتالي:

”فلم يكن الكلمة نفسه هو المحتاج لانفتاح الأبواب، إذ هو رب الكل – فلم تكن مخلوقاته مغلقة في وجهه هو الذي خلقها – بل نحن الذين كنا في احتياج إلى ذلك، أي إلى انفتاح الأبواب، نحن الذين حملنا في جسده الخاص. لأنه كما قدَّم جسده للموت عن الجميع، هكذا بنفس هذا الجسد أيضًا، أعدَّ الطريق للصعود إلى السماوات“.[61]

يشير ق. أثناسيوس إلى أن جسد الربِّ هو جسد مشترك لنا جميعًا، الذي أحتمل فيه الإهانات بإرادته من أجلنا، داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة والبديل العقابيّ اللتين تفصلان البشرية عن جسد المسيح وعمله الخلاصي للبشرية جمعاء، ولأسف هذا الفصل هو فصل نسطوريّ بحت، حيث يرى نسطوريوس انفصال اللاهوت عن الناسوت في المسيح، وبالتالي انفصال البشرية عن الاتحاد بالله في المسيح، لذا يقول ق. أثناسيوس التالي:

”أمَّا الشمس فإذ لم تحتمل تلك الإهانات المثيرة التي وقعت على جسد الربِّ المشترك لنا جميعًا، والتي احتملها هو نفسه من أجلنا بإرادته. فإنها استدارت وحجبت أشعتها، وجعلت ذلك اليوم بلا شمس“.[62]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس أيضًا على الموت الكليّ للبشرية في المسيح داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة والبديل العقابيّ اللتين تفصلان البشرية عن جسد المسيح، كما يشير إلى أننا في المسيح نفسه قد تمَّ تمجيدنا مُقَامين من بين الأموات وصاعدين إلى السماوات كالتالي:

”وبما أن الكلمة هو صورة الآب، وهو غير مائت، قد أتَّخذ صورة عبد، وكإنسان عانى الموت بجسده من أجلنا. لكي بذلك يبذل نفسه للآب بالموت من أجلنا، لأجل هذا السبب يُقَال عنه إنه كإنسان مُجِّد أيضًا نيابةً عنَّا ومن أجلنا، لكي كما بموته قد متنا جميعًا في المسيح، وعلى نفس المنوال أيضًا، فإننا في المسيح نفسه أيضًا قد مُجِّدَنا مجدًا عاليًا، مُقَامين من بين الأموات، وصاعدين إلى السماوات ’حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا‘ (عب 6: 20)، ’لأن المسيح لم يدخل إلى أقداسٍ مصنوعةٍ بيدٍ أشباه الحقيقية، بل إلى السماء عينها، ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا‘ (عب 9: 24). فإن كان المسيح قد دخل الآن إلى السماء عينها لأجلنا، رغم أنه من قبل هذا الحدث، كان هو دائمًا الرب وخالق السماوات، فتبعًا لذلك تكون هذه الرفعة الحالية قد كُتِبَت أيضًا من أجلنا نحن“.[63]

تمجيد البشرية في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى اتحاد البشرية بنفس الجسد مع المسيح مما يؤدي إلى تمجيدنا العالي في المسيح، فلا تندهش القوات السمائية حينما ترانا نحن البشر المتحدين مع المسيح في نفس الجسد ونحن ندخل إلى مناطقهم السمائية بالمجد والبهاء في المسيح كالتالي:

”لأن مجد الله الآب هو أن يوجد الإنسان الذي كان قد خُلِقَ ثم هلك، وهو أن يحيا الذي مات، وهو أن يصير الإنسان هيكل الله. ولأن القوات السمائية من ملائكة ورؤساء ملائكة كانت تعبده دائمًا، فإنهم الآن أيضًا يسجدون للرب باسم يسوع، فهذه النعمة وهذا التمجيد العالي إنما هو لنا، وإنه بالرغم من أنه صار إنسانًا وهو ابن الله فإنه يُعبَد. لذلك لن تُدهَش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا – المتَّحِدين معه في نفس الجسد – داخلين إلى مناطقهم السمائية، وهذا قطعًا -لم يكن ممكنًا أن يحدث بأية طريقة أخرى، اللهم إلا إذا كان هذا الذي كان موجودًا في صورة الله، قد اتَّخذ لنفسه صورة العبد، وأذل ذاته راضيًا بأن يصل جسده حتى إلى الموت“.[64]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح في سياق حديثه عن مسحة البشرية بالروح القدس في شخصه، واعتماد البشرية في شخصه، وتمجيد البشرية في شخصه، وفي الأخير تقديس البشرية في شخصه كالتالي:

”أمَّا البشر – الذين يأخذون البداية منه وبسببه – فهؤلاء هم الذين يرتقون. لأنه حينما يُقَال بحسب الوجهة البشرية إنه الآن يُمسَح -نكون نحن الذين نُمسَح في شخصه، حيث إنه حينما اعتمد، نكون نحن الذين نعتمد في شخصه، ويُوضِّح المخلِّص بالأحرى كل هذه الأمور، حينما يقول للآب: ’وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا، كما أننا نحن واحد‘ (يو 17: 22). وتبعًا لذلك، فإنه كان يطلب المجد أيضًا من أجلنا. وبسببنا أيضًا استخدم كلمة ’أخذ‘ وكلمة ’أعطى‘ وكلمة ’مُجِّدَ مجدًا عاليًا‘. وذلك لكي نأخذ نحن أيضًا ولكي يُعطِي لنا، ولكي نُمجَّد نحن فيه مجدًا عاليًا. وذلك كما يُقدِّس ذاته من أجلنا، لكي نتقدَّس نحن في شخصه“.[65]

يُشِير ق. أثناسيوس إلى اشتراك المخلوقات في الابن المولود لا بسبب طبيعتها الذاتية، بل بسبب مشاركتها للابن في الروح القدس، داحضًا بذلك أية إشارة إلى نظرية الأجساد الثلاثة التي تفصل بين المخلوقات والابن خالقها كالتالي:

”أمَّا المخلوقات فلأنها مخلوقةٌ، فمن المستحيل أن يُقَال عنها إنها مولودةٌ، إلا فيما بعد، أي بعد خلقتها، حينما تشترك في الابن المولود. وفي هذه الحالة، يقولون عنها أيضًا إنها قد وُلِدَت ليس بسبب طبيعتها الذاتية، بل بسبب مشاركتها للابن في الروح“.[66]

جسد الكلمة هو جسدنا نحن

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن جسد الكلمة هو جسدنا نحن؛ الذي اتخذه عندما صار إنسانًا، داحضًا بذلك نظرية الأجساد الثلاثة التي تقول بأننا نحن المؤمنون أي الكنيسة، مُجرَّد جسد اعتباريّ رمزيّ، وليس جسدًا حقيقيًا للربِّ يسوع المسيح كالتالي:

”وواضح أن بيت الحكمة هو جسدنا، الذي عندما اتَّخذه الكلمة، صار إنسانًا. وقال عنه يوحنا بحقٍ: ’الكلمة صار جسدًا‘ (يو 1: 14)“.[67]

انجماع البشرية في المسيح

يُشِير ق. أثناسيوس إلى الانجماع الكليّ للبشرية في جسد المسيح من أجل بقاء جسدنا غير مائت وغير فاسد، وهكذا نصل به إلى الإنسان الكامل في المسيح قائلاً:

”إذًا، فالرب عندما ’أُسِّس‘، لم يكن هذا هو بداية وجوده لأنه قبل التأسيس كان هو الكلمة، لكن عندما لبس جسدنا الذي أخذه كقطعة من جسد مريم، عندئذٍ يقول: ’أسَّسني‘، كما لو كان يقول: ’لكوني الكلمة فقد ألبسني جسدًا ترابيًا‘. لأنه هكذا تأسَّس من أجلنا؛ آخذًا ما يخصنا على عاتقه. لكي باتحادنا معه في الجسد، وارتباطنا به بسبب مشابهة الجسد، نبقى غير مائتين وغير قابلين للفساد، ونصل به إلى إنسان كامل (أف 4: 13)“.[68]

ويدحض ق. أثناسيوس نظريتي البديل العقابيّ والأجساد الثلاثة من خلال تأكيده على أننا محمولون في الابن، لأن الكلمة جاء ليحلَّ فينا، وهكذا صرنا جميعًا باشتراكنا فيه جسدًا واحدًا؛ لأننا نحصل على الرب الواحد في أنفسنا، وهكذا نصير كاملين بكمال جسد المسيح الذي نكون معه جسدًا واحدًا كالتالي:

”إذًا، فالكلمة هو في الواقع وبالحقيقة واحدٌ مع الآب في الجوهر. أمَّا نحن فقد أُعطِيَ لنا أن نتشبه بهذه الطبيعة [أي الطبيعة الإلهية]، كما سبق أن قيل لأنه أضاف مُباشرةً: ’أنا فيهم وأنت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد‘ (يو 17: 23). ولذا فالربّ هنا يطلب لأجلنا شيئًا أعظم وأكمل. لأنه واضح أن الكلمة قد جاء لكي يكون فينا؛ لأنه قد لبس جسدنا. وبقوله: ’وأنت أيها الآب فيَّ‘، فهو يعني ’لأني أنا كلمتك‘، وحيث إنك أنت فيَّ بسبب كوني كلمتك، وأنا فيهم بسبب الجسد، ومنك يتحقَّق خلاص البشر فيَّ، لذلك أسأل أن يصيروا هم واحدًا بسبب الجسد الذي فيَّ، وبحسب كماله لكي يصيروا هم أيضًا كاملين؛ إذ يكون لهم وحدة مع الجسد، ولأنهم قد صاروا واحدًا في هذا الجسد، فإنهم كما لو كانوا محمولين فيَّ، يصيرون جميعًا جسدًا واحدًا، وروحًا واحدًا؛ لأننا جميعًا باشتراكنا فيه، نصير جسدًا واحدًا، لأننا نحصل على الربِّ الواحد في أنفسنا“.[69]

تقديس الأشياء بالروح القدس

يُشِير ق. أثناسيوس إلى تقديس وتمجيد كل الأشياء أي المخلوقات بالمشاركة في الروح القدس الذي يُقدِّس ويُمجِّد كل الأشياء التي تشترك معه كالتالي:

”فإن كل هذه الأشياء الأخرى [أي المخلوقات] قد تكوَّنت وتقدَّست وتمجَّدت بالمشاركة أيضًا. إذًا، فهناك حاجة ملحة أن تقولوا لنا، مَنْ هو الذي يُشارِكه (الابن)، ما دامت كل الأشياء الأخرى لها شركة في الروح (القدس)، أما هو -فبحسب قولكم- لمَّن يستطيع أن يكون (الابن) مُشارِكًا؟ هل للروح؟ بل كما قال هو ذاته حقًا بالأحرى إن الروح نفسه يأخذ من الابن (يو 16: 14)، ومن غير المعقول القول بأن هذا (الابن) يُقدَّس من ذلك (الروح)، ولا يتبقى بعد ذلك بالضرورة إلا أن نقول إن الآب هو الذي يُشارِكه الابن“.[70]

تقديس جسدنا بجسد المسيح

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن اللوغوس واهب الروح القدس نفسه، قد مُسِحَ لأجلنا بالروح القدس في الجسد، لكي ما نمتلك هذا التقديس بشركة ومسحة الروح القدس في أجسادنا نحن، وهكذا لم يشر ق. أثناسيوس إلى تقديس البشرية بإزالة العقوبة عن البشرية كما في نظرية البدلية العقابية التي انتشرت في لاهوت العصر الوسيط وفي اللاهوت البروتستانتيّ، بل باتحاد اللوغوس بالجسد ومسحة الروح القدس لجسده من أجلنا؛ فصرنا من خلال ذلك مُقدَّسين في المسيح كالتالي:

”هكذا يُرِينا داود أيضًا أنه ليست هناك طريقة أخرى لكي نُشارِك الروح، ونتقدَّس لو لم يقل اللوغوس ذاته، واهب الروح، بأنه هو ذاته مُسِحَ بالروح من أجلنا، ولهذا السبب طبعًا أخذنا الروح، إذ إنه هو الذي قيل فيه إنه قد مُسِحَ بالجسد. حيث إن جسده الخاص هو الذي تقدَّس أولاً، وإذ قيل عنه كإنسان إن جسده قد اتَّخذ هذا الروح، فلأجل هذا، فنحن نمتلك نتيجة ذلك نعمة الروح، آخذين إياها ’من ملئه‘ (يو1: 16)“.[71]

الخلاص بتأليه البشر

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على ترقي ورفعة الأشياء التي يعوزها الترقي والرفعة في المسيح، لأن الابن في تجسُّده جعل البشر أبناءً للآب وقام بتأليه البشر في تأنسه كالتالي:

”لذلك فإنْ كان للابن ذلك المجد حتى قبل خِلقة العالم، وكان هو رب المجد وهو العلي، ونزل من السماء، وهو معبود على الدوام، فينتج من ذلك أنه لم يترق بنزوله، بل بالأحرى هو نفسه الذي رقى الأشياء التي يعوزها الترقي، وإنْ كان قد نزل من أجل ترقيتها، لذلك فإنه لم يحصل على اسم ابن وإله كمكافأة، بل بالأحرى فإنه هو نفسه جعلنا أبناء للآب وألَّه البشر بكونه صار إنسانًا“.[72]

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الثاني: الكفارة والفداء في تعليم أنسلم الكانتربري

سوف نستعرض في هذا الفصل تعليم الكفارة والفداء عند أنسلم رئيس أساقفة كانتربريّ بإنجلترا، وذلك لمقارنة تعاليمه بتعاليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص، لنرى الاختلاف الكبير بن تعليم ق. أثناسيوس عن التعليم الغربي بالترضية وإيفاء العدل الإلهيّ، والإبدال العقابيّ.

يُسمَّى أنسلم أبا المدرسيين الذين درَّسوا في جامعات العصور الوسطى. وكان أنسلم رئيس أساقفة كانتربري في القرن الثاني عشر. وكان واقعيًا. حيث يفترض الواقعيون أن الأفكار والآراء لها وجود في الواقع، بينما أعتقد الأسميون بأن الأفكار أو الأفكار العامة بين جميع البشر هي مُجرَّد أفكار ليس لها أيّ وجود سوى في الفكر. فهم يرون أن الأشياء التي لها أهمية هي الموضوعات الفردية في العالم الماديّ فقط.[73] وإذ كان أنسلم يقف على حافة نهضة القرن الثاني عشر اللاهوتية، قدَّم إسهامات حاسمة في مجالين من مجالات الدراسة، وهما: البراهين على وجود الله، والتفسير العقلانيّ لموت المسيح على الصليب.[74] وخلال إحدى الفترات التي قضاها أنسلم في العمل في إيطاليا، بعيدًا عن إنجلترا، كتب ذلك المؤلَّف الذي ربما يُعدُّ أهم مؤلفاته، بعنوان Cur Deus homo ”لماذا صار الله إنسانًا“. سعى أنسلم في هذا المؤلَّف إلى تقديم إثبات عقلانيّ لضرورة أن يصير الله إنسانًا، بالإضافة إلى تحليل للفوائد التي تعود على البشرية نتيجة تجسُّد ابن الله وطاعته. ومرةً أخرى، يُظهِر هذا المؤلَّف خصائص تنتمي إلى السكولائية في أفضل صورها، ومنها الاحتكام إلى العقل، وحشد الحجج المنطقيّ، واستكشاف معاني الأفكار الضمنية ونتائجها وتطبيقاتها، هذا الاستكشاف الذي لا يلين، بالإضافة إلى القناعة الأساسية بأن الإنجيل المسيحيّ في لبه هو إنجيل عقلانيّ، يمكن إثبات كونه عقلانيًا.[75]

الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته

للحديث عن مفهوم ”الترضية“ و ”البدلية العقابية“ عند أنسلم الكانتربريّ، ينبغي علينا أولاً الحديث عن مفهوم أنسلم عن الخطية كإهانة لله وسلب لكرامته، والذي نتج عنه مبدأ الترضية، والتعويض، وإيفاء العدل الإلهيّ، والإبدال العقابيّ. حيث يتحدَّث أنسلم عن ماهية الخطية كإهانة لله، وسلب لحقه في الإكرام، وحط من قدره قائلاً:

”فمَّنْ لا يؤدي واجب الإكرام هذا لله، يكون قد سلب الله حقه، وحطَّ من كرامته […] وكذلك مَنْ حطَّ من كرامة صاحبه، فلا يكفي أن يرد له الإكرام الواجب، ينبغي عليه أيضًا التعويض الكافي عن طريق ترضيته عن الإهانة. ومن الملاحظ في هذا الشأن أن المغتصِب الذي يرد المال المغتصَب، ينبغي عليه أن يُعطِي شيئًا، لم يُطالِب به، لو لم يعتد على غيره في ماله. وبالتالي، ينبغي على كل مَنْ يفعل الخطية أن يرد لله الإكرام الواجب الذي سلبه. وهذا هو الإيفاء المطلوب من الخاطئ لله“.[76]

لا يوجد غفران بدون عقوبة

يتحدَّث أنسلم عن عدم غفران الله للخطية من دون عقاب في موضع آخر قائلاً:

”لا يليق بالله أن يغفر خطية من دون عقاب عليها“.[77]

مبدأ إيفاء العدل الإلهي

يشرح أنسلم الكانتربريّ مبدأ إيفاء العدل الإلهيّ حقه، ورد كرامة الله المهانة من البشر بسبب الخطية، واسترداد الله لكرامته المهانة بفرض العقوبة على الخطأة قائلاً:

”لا يوجد شيء ينبغي الحفاظ عليه عند الله أكثر من كرامة مقامه. […] ثم يتساءل: أنسلم: هل يبدو لك إذَا سمح الله بحدوث هذا النهب، ولم يسترد الشيء المنهوب، ولم يُعاقِب الناهب، أنه بذلك يُحافِظ على كرامته العالية المحافِظة الحقيقية التي لا يشوبها أيّ شيء. بوزو Boso: لا أستطيع قول ذلك. أنسلم: بناءً على ذلك، ينبغي أن يسترد الكرامة المهَانة، أو يفرض العقاب، وإلا لن يسير كل من العدالة والقوة الإلهية في مسارهما، ولا يمكن تصوُّر ذلك على الإطلاق“.[78]

ثم يشرح أنسلم بمثالٍ كيفية إيفاء المسيح للقصاص الإلهيّ العادل عوضًا عن البشر المجرمين في حق الله الآب كالتالي:

”حيث كان من الصعب لأحد غيره أن يجد منفذًا من حكم القصاص. وكان ابنه الأمين والصادق هذا له مكانة عظيمة عند ذلك الأب، وهو يحب كثيرًا أولئك الأولاد المجرِمين، فأراد بما له من القدرة أن يُصالِح كل الذين يثقون بمشورته مع الأب بعمل خدمة مُرضِية جدًا، لديه واجب أن يعملها في يوم مُحدَّد بحسب مشيئة الأب […] وحيث كان من الصعب على الذين يريدون الخلاص أن يحضروا جميعًا حينما أكمل المسيح ذلك الفداء، كانت قوته موته فعَّالة بهذا القدر، حتى أن غير الموجودين في الزمان والمكان، يُمكِنهم استنتاج ذلك“.[79]

توضيح نظرية الترضية لأنسلم

انصب تركيز أنسلم بالكامل على برِّ الله. فالله يفتدي البشر على نحوٍ متسق تمامًا مع صفة بره. وقد كانت أطروحة أنسلم بعنوان Cur Deus homo ”لماذا صار الله إنسانًا“ عبارة عن تناول بارع لمسألة إمكانية فداء البشر، في هيئة حوار ثنائيّ. وفي سياق تحليله، أثبت – مع أن مدى نجاحه في هذا يُعدُّ مثار جدل – كلا من ضرورة التجسُّد، والطاقة الخلاصية الكامنة في موت يسوع المسيح وقيامته من بين الأموات. وقد كانت حجته مُعقَّدة، ويمكن تلخيصها على النحو التالي:

  • خلق الله البشر في حالة من البر الأصليّ كي يقتادهم إلى حالة من النعيم الأبديّ.
  • كانت هذه الحالة من النعيم الأبديّ مشروطةً بطاعة الإنسان لله. لكن، بسبب الخطية، صار البشر عاجزين عن تتميم شرط الطاعة اللازم توافره، الأمر الذي يبدو كما لو أنه أحبط قصد الله من خلق البشر من الأساس.
  • وإذ من المستحيل أن تُحبَط مقاصد الله، لا بد من وجود وسيلة يمكن بها علاج هذا الوضع. لكن، لا يمكن علاج الوضع، إلا إذَا قُدِّمَت ترضيةً عن الخطايا. بعبارةٍ أخرى، كان ينبغي فعل شيء، يمكن من خلاله محو الإساءة التي تسبَّبت فيها خطايا البشر وتطهيرها.
  • لكن ما مِن وسيلة يمكن بها للبشر أن يُقدِّموا هذه الترضية اللازمة. فالبشر يفتقرون إلى الموارد اللازمة. لكن في المقابل، لدى الله الموارد اللازمة لتقديم الترضية المطلوبة.
  • ومن ثمَّ، كان من شأن ”الله-الإنسان“ أن تكون لديه القدرة بصفته الله، وأن يكون عليه الإلزام بصفته إنسانًا، بأن يسدّ الترضية المطلوبة. ومن ثمَّ، حدث التجسُّد حتى يمكن تقديم الترضية المطلوبة، وفداء البشر.

تستلزم بعض النقاط السابقة تعليقًا. أولاً، حُسِبَت الخطية هنا إساءةً في حق الله. ويبدو أن حجم هذه الإساءة متناسب طرديًا مع مكانة الطرف المساء إليه. رأى العديد من الباحثين والدارسين أن هذا يوحي بتأثُّر أنسلم الشديد بالمبادئ الإقطاعية التي كانت سائدةً في أيامه، وأنه ربما اَعتبر الله مُعادِلاً لشخصية ”السيد الإقطاعيّ“ أو ”البارون“.

ثانيًا، أُثِيرَ جدلٌ لا بأس به حول أصول فكرة ”الترضية“ Satisfaction. فربما كانت هذه الفكرة مُستمَدة من القوانين الألمانية في تلك الفترة، والتي كانت تنص على وجوب محو الإساءة أو تطهيرها عن طريق دفع ثمن ملائم. لكن، يعتقد غالبية الباحثين والدارسين أن أنسلم احتكم في هذا بشكلٍ مباشرٍ إلى نظام التوبة الذي كان متبعًا في الكنيسة. فقد كان الخاطئ الذي يلتمس التوبة يُطالَب بالاعتراف بكل خطاياه. وعند نطق الكاهن بالحلِّ أو الصفح، كان يطلب من التائب أن يفعل شيئًا (مثل الذهاب في رحلةٍ إلى الأراضي المقدَّسة، أو القيام بعملٍ خيريّ) باعتباره ”ترضيةً“ – أي وسيلةٌ علنيةٌ للتعبير عن الامتنان لأجل الصفح. ومن المحتمَل أن يكون أنسلم قد استقى فكرته من هذا المصدر.

لكن، على الرغم من الصعوبات الواضحة التي صاحبت منهجية أنسلم، أحرز من خلالها تقدُّمٌ مهمٌ. فإن إصرار أنسلم على كون الله مُلزمًا كليةً وتمامًا بالتصرف طوال عملية فداء البشر وفقًا لمبادئ العدل والبرِّ، هو أمر مثَّل مقاطعةً حاسمةً لمنهجية ”كريستور فيكتور“ (المسيح الغالب)، تلك المنهجية المشكوك في إتباعها المبادئ الأخلاقية السليمة. وبتبني الكُتَّاب اللاحقين منهجية أنسلم، استطاعوا وضعها فوق أساس أكثر ثباتًا، وذلك عن طريق ترسيخها في مبادئ القانون العامة.[80]

ويرى الأب الكاثوليكيّ فالتر كاسبر أن أنسلم ينطلق في نظريته عن التكفير أو الترضية من ”نظام الكون“. هذا النظام الشامل المعقول تُعكِره الخطيئة. والإنسان مُسلَّم هكذا إلى الجنون. وهذا الفساد يستدعي التعويض الذي سيكون التكفير. ولو كان الله نفسه يمنح التكفير بمحض الرحمة، لما أرضى ذلك العدل.[81] فلا بد إذًا من القول: ”إمَّا التكفير وإمَّا العقاب“ (أنسلم، لماذا تجسَّد الله، 1: 15). يجب أن يقتضي الله تكفيرًا وتعويضًا. ولكن مقتضى الله هذا يُحبِطه الإنسان. فالخطيئة هي ضد الله اللا متناهي، ولذلك فهي نفسها لا متناهية.[82] ويشرح أنسلم منطقه هذا باستناده خصوصًا إلى مفهوم ”شرف الله“. فقد خُلِقَ الإنسان ليُطِيع الله ويخدمه، ويستسلم له. وقد حاد عن هذه الغاية بالخطيئة. ولكن كلما كان المهَان عظيمًا، عظُمَت أيضًا الإهانة. وشرف الله لا مُتناهٍ، فدَّين الإنسان كذلك لا مُتناهٍ. والتكفير اللا متناهيّ ضروريّ. ولكن الإنسان المتناهيّ غير قادر على القيام به.

وينتج من ذلك أن الإنسان مُلزَم بالتكفير، ولكن الله وحده قادرٌ على القيام به. والتكفير الذي يُعِيد ”نظام الكون“ و ”شرف الله“ لا يمكن تحقيقه إلا بمَّن هو في الوقت عينه إلهٌ وإنسانٌ، أي الإنسان الإله. والسؤال: ”لماذا صار الله إنسانًا“؟ يجد هكذا الجواب عنه. ولكن هذا لا يقول بعد لماذا كان على الله أن يصعد على الصليب ليفتدينا. ويُضِيف أنسلم أيضًا أن حياة يسوع في الطاعة لا تكفي للفداء، إذ إن الإنسان مُلزَم من قبل بتلك الطاعة بالخلق. فالتكفير لا يمكن أن يتحقَّق إلا بشيءٍ لا يُلزِم من قِبَل يسوع بكونه إنسانًا. ولا يمكن يكون سوى موته، إذ إن يسوع لمَّا كان بلا خطيئة فهو غير خاضع لمصير الموت. وبما أن يسوع نفسه لم يكن بحاجة إلى هذا التكفير، فالله قادرٌ على أن يجعله موضوع استحقاق لجميع الآخرين. والعجز في ميزانية جميع الآخرين يُسدِّده فيض ما هو عند المسيح. فيسوع أعاد إذًا بموته الطوعيّ التوازن لـ ”نظام الكون“ وحقَّق التكفير عن الجميع.

لا يمكن أن تُفهَم نظرية أنسلم جيدًا إلا إذَا وُضِعَت في إطار الإقطاع الچرمانيّ، في بداية العصر الوسيط. وهذا يرتكز على علاقة الأمانة التي تربط السيد بمَّن هو تحت يده، وهذا يُقطِعه السيد أرضًا مع حمايته التي تجعل له نصيبًا في السلطة العامة. ويتقبَّل السيد منه الوعد بأن يتبعه ويخدمه. والاعتراف بجميل السيد هو إذًا أساس النظام، والسلام، والحرية، والحقّ. وشرف السيد ليس شرفه الخاص، بل هو موقعه الاجتماعيّ الذي يجعله ضامنًا للسلام العام. وكل نيل من هذا الشرف يتضمَّن هدم الحقّ والسلام، وخسارة الحرية، والفوضى. وبطلب هذا الشرف لا يُنظَر إلى الإرضاء الشخصيّ للسيد، بل إلى إعادة النظام الجماعيّ. ويُميِّز أنسلم بالطريقة نفسها شرف الله ”في ما يعود إليه“ وشرف الله ”في ما يعود إلى الخليقة نفسها“. ففي الأمر الأول لا يمكن زيادة أيّ شيء عليه أو إنقاص أيّ شيء منه. أمَّا إذَا كان الإنسان لم يعدّ يعترف بشرف الله، فينهار ”نظام العدالة“ في العالم.

إن انتهاك شرف الله لا ينال إذًا من الله نفسه، بل من الإنسان والنظام وجمال العالم. وليس شرف الله الشخصيّ الذي يُطلَب رده إلى نصابه، بل العالم المشوَّش والمخلَّع، هذا العالم الذي لا يسوده النظام إلا ما دام يحترم شرف الله. وليس الموضوع هنا التعويض عن شرف إله غيور، ولا شأن نظام قانونيّ مُجرَّد، أو ميزانية يجب أن تُوازن. الموضوع هو الاعتراف بشرف الله وإعادته في سبيل الحرية والسلام والنظام، ولأجل أن يُعَاد إلى العالم معناه.[83]

يحاول أنسلم إثبات حتمية حدوث التجسُّد من خلال العقل بدلاً من التقليد والكتاب المقدَّس. وكانت خطة بحسب الظاهر هو أن يُثبِت لليهود والمسلمين تلك العقيدة مُقدَّمةً في صورة حوار ثنائيّ، والمتحاوران هما أنسلم نفسه وتلميذًا له يُدعَى بوزو Boso.

يبدأ أنسلم بالمشكلة التي يحلها التجسُّد: مشكلة الخطيئة.[84] ويُعرِّف الخطيئة على أنها عصيان لله. وأيّ إخفاق في التسليم الكامل لإرادة الله يجعلنا في حالة خطيئة أمامه. وللأسف، هذا ما حدث، فليس هناك ما يمكننا القيام به لتصحيح الوضع، كما يقول أنسلم:

”إن أيّ شخص لا يعطي الاحترام الواجب لله، فكأنه يسرق من الله ما ينتمي إليه، وهذه خطيئةٌ. وما هو أكثر من ذلك، طالما أنه لا يُسدِّد ما سرقه من الله، فإنه سيظلُّ مُذنِبًا. وليس كافيًا أن نرد ما سرقه، لأن هذا الشخص أهان الله، وعليه أن يُعيد شيئًا أكثر مما أخذ“.[85]

وقد أقتبس أنسلم هذه الأفكار مُباشرةً من مجتمع العصور الوسطى. فالناس الذين خضعوا للنظام الإقطاعيّ في العصور الوسطى دانوا بالولاء للسيد، وكان عليهم أن يطيعوه، وإنْ لم يفعلوا ذلك فهذه إهانةٌ كبيرةٌ له، وكأنهم سرقوا كرامته وشرفه. وإنْ لم يرد السارق ما أخذه، بل وزيادة، نظرًا لأنه قد تسبَّب في الإهانة، فسوف يُعاقَب. أمَّا في حالة الخطيئة، فيتوجَّه أنسلم لنقطة أننا لا نستطيع أن نُعوِّض الله. فلكي نفعل ذلك، علينا أن نعطيه شيئًا لا ندين به له. لكننا ندين لله بكل شيء، إذ أننا موجودون فقط لأنه خلقنا، وحتى لو لم نكن قد أخطأنا سنكون أيضًا مدينين له بولائنا الكامل وكل شيء نمتلكه. ويسأل أنسلم بوزو السؤال الحاسم:

”أنسلم: ما الذي ستُقدِّمه لله من أجل خطاياك؟ بوزو: إذَا كنتُ أنا مدينٌ له بنفسي وبكل شيء حتى وإنْ لم أفعل خطيئةً، ثم بعد أن أخطأت، لم يعدّ لديَّ شيء لأُقدِّمه. أنسلم: ماذا سيحدث لك؟ وكيف يمكنك أن تخلُص؟ بوزو: إذَا أنا فكَّرت فيما قلته لي. لا أستطيع أن أجد أيّ طريق للخلاص“.[86]

وما هو أسوأ قادمٌ. إن عصيان الله هو أسوأ شيء يمكن أن يحدث. هي جريمةٌ شرها لا نهائيّ. لذا، فلكي نُعوِّض الله عن حقه من الاحترام الواجب، علينا أن نُقدِّم شيئًا ثمينًا يفوق هذه الخطيئة اللا نهائية، وكيف يمكننا فعل ذلك؟ المشكلة هي هنا بما أن الطرف المذنب، أي البشرية يجب أن تُرضِي الله، وهذا ما تعجز عن فعله. في الواقع، أن الله وحده مَن يمكنه فعل ذلك. وهنا يكون الاستنتاج واضح:

”أنسلم: إذًا، فالله وحده هو القادر على أن يُقدِّم هذه الترضية. بوزو: هذا ما يتبع ذلك. أنسلم: لكن ليس من أحد سوى البشر يلزمهم فعل هذا، وإلا لن يكون البشر قد قدَّموا هذه الترضية. بوزو: ليس هناك عدل أكثر من هذا. أنسلم: […] حتى إذَا لم يكن أحدٌ سوى الله الذي يمكنه القيام بهذه الترضية، وليس مَن يمكنه غير الإنسان الذي يلزم عليه القيام بها، لذلك يجب أن يكون هناك إله-إنسان لكي يقوم بذلك. بوزو: تبارك الله!“.[87]

ولتنفيذ هذه الخطة يجب أن يكون الله-الإنسان إلهًا كاملاً وإنسانًا كاملاً. وعليه أن يُقدِّم تقدمةً غاليةً لا نهائيةً. ولأنه هو الله، فإن موته له قيمة لا نهائية. لذا، يسمح هذا الله-الإنسان لنفسه أن يموت مُقدِّمًا موته كتعويض عن الإهانة التي لحقت به بسبب البشرية. وهذا يكفي ويزيد لتعويض ما سُلِبَ، ويمكن للبشرية الخاطئة أن تنال الغفران.

نقد نظرية الترضية لأنسلم

إن تعليم أنسلم هو تقرير موضوعيّ عن الخلاص. فهو يرى الخطيئة على أنها دَّينٌ كونيّ، سدَّده الله لنفسه. وتقف البشرية الخاطئة موقف المراقِب لهذه المبادلة بطريقةٍ سلبيةٍ بدون أن تُشارِك فيها [وهذا عكس تعليم الانجماع الكليّ للبشرية في المسيح عند ق. أثناسيوس وآباء الشرق اليونانيّ]. ولا يتحدَّث هذا التعليم عن تغيُّر العلاقة مع الله، ولا الطريقة التي يمكن من خلالها للبشرية الخاطئة أن تتغيَّر إلى حياةٍ أفضل. بالطبع هذه الأمور مهمةٌ لأنسلم، ولكنها لا تلعب دورًا في فكره اللاهوتيّ عن الخلاص بالمعنى الدقيق للكلمة. فبالنسبة له، يُشبِه البشر مجرمون هربوا من حكم الإعدام. وأيّ تغيير لاحق في القلب والحياة الأفضل التي يمكن أن يتمتَّع بها الإنسان تأتي كرد فعل للخلاص، وليست جزءًا من الخلاص ذاته، وهذا يتعارض بشدةٍ مع تعاليم أبيلارد في وقتٍ لاحقٍ، وكذلك مع تأكيدات أوغسطينوس السابقة له.

إن مفهوم أنسلم القانونيّ للخلاص سيكون مُؤثِّرًا جدًا، وسيكون السبب الجذري لتعاليم كلٍّ من لوثر وكالفن عن الكفارة، والذي من خلالهما تأسَّست الحكمة المنزلة للبروتستانتية عمومًا.[88]

 

 

 

الفصل الثالث: الدراسات الحديثة حول تدبير الخلاص بين الشرق والغرب

سوف نستعرض في هذا الفصل أهم الدراسات الحديثة للأساتذة والباحثين اللاهوتيين حول الاختلافات بين الشرق والغرب في مفهوم تدبير الخلاص، للتأكيد على أن البدلية العقابية تعليم غير موجود في فكر آباء الشرق عامةً، وفي فكر ق. أثناسيوس خاصةً.

نورمان راسل

يشرح البروفيسور نورمان راسل،[89] أستاذ اللاهوت والآبائيات في جامعة أوكسفورد، تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس، وكيف يربط ق. أثناسيوس بين الخلاص وتأليه الإنسان، حيث يرى أن الخلاص هو عن طريق تأليه الإنسان، وليس عن طريق البدلية العقابية كالتالي:

”إن استخدم أثناسيوس لأول مرة لمصطلح θεοποιέω في الإطار المسيحيّ اللاهوتيّ كان في منطوقه المعروف لـ ’الصيغة التبادلية‘ الذي ورد في كتاب ’تجسد الكلمة‘، فصل 54: ’لقد صار [الله] إنسانًا كي نصير مُؤلَّهين‘. وقد أُشِيرَ منذ أكثر من قرن مضى إلى اعتماده في هذا الصدد على إيرينيؤس. إن عبارة أثناسيوس هي إعادة صياغة بلغةٍ أكثر تقنيةً من لغة إيرينيؤس الذي قال: ’هو صار على ما نحن عليه لكي يجعلنا على ما هو في نفسه‘. (ضد الهرطقات، برهان الكرازة الرسولية، الفصل 5). على مثال إيرينيؤس، فإن أثناسيوس يرى الخلاص كعملية تصحيح لمسار الإنسانية الساقطة نحو الله. ففي فكره، هناك تناقضٌ بين الله غير المخلوق والخليقة التي أحضرها من العدم إلى الوجود. وبالتالي، فإن سقوط الإنسانية هو انجذاب نحو الطبيعة المخلوقة المائلة للعودة نحو العدم. لقد قام التجسُّد بعكس اتجاه الانجذاب [من العدم نحو الله]. بينما هو في الوقت نفسه ’قريبٌ‘ كونه واحدًا منَّا، فإن الإنسانية الآن مُنجذِبة نحو الاتجاه المعاكس، أي نحو غير المخلوق. ويستمر أثناسيوس على هذا النهج في التفسير مُوضِّحًا: ’إنه أعلن ذاته بواسطة الجسد لكي يصير من الممكن لنا أن نُكوِّن فكرة عن الآب غير المنظور، واحتمل الإهانات من البشر لكي نرث نحن عدم الفساد‘. إن ثمار تألُّه البشرية التي تُمثِّلنا والتي اتَّخذها الكلمة هي معرفة الله والانحلال من الفساد“.[90]

توماس تورانس

يستعرض البروفيسور توماس تورانس،[91] أستاذ العقائد المسيحية في جامعة أدنبرج Edinburgh باسكتلندا، جوانب عقيدة الفداء في الكتاب المقدَّس والتقليد الآبائيّ، مؤكدًا على عدم وجود بدلية عقابية في تعليم الآباء الشرقيين، ويشير إلى اختلاف مفاهيم تدبير الخلاص بين الشرق والغرب كالتالي:

”علاقة نظريات الكفارة بجوانب الفداء الثلاثة في العهد القديم: لقد مالت النظريات التاريخية إلى أن تقع في ثلاث مجموعات أساسية، معروفة في العموم كالتالي: نظرية التأثير الأخلاقي، ونظرية الفدية ransom،[92] ونظرية البدلية العقابية penal substitution.[93] هذا التمييز، يجعله أكثر وضوحًا التاريخ الذي يتفق بمعيار حقيقي مُعيَّن مع الجوانب الأساسية الثلاثة في المفهوم الكتابيّ للفداء، ولكن ليس بشكلٍ كاملٍ: فعلى سبيل المثال، يتم إغفال الجانب التعبديّ للفداء، ولكن الأهم من الكل هو حقيقة فقدان الروابط البينية عندما ننظر إلى الكفارة بهذه الطريقة، وبالتالي، الأجزاء الثلاثة التي تنقسم الكفارة إليها هي أكثر ضيقًا وفقرًا من الجوانب الأساسية الثلاثة أو خطوط الفداء padah أي الفدية، و kipper أي الكفارة، و goel أي الفادي. لذا دعونا نفحص هذه الجوانب في ضوء النظريات التاريخية. (1) الجانب الدراميّ [التمثيليّ] للكفارة: لقد مال إلى أن يقع في نظرية ’الفدية للشيطان‘، أو على أحسن تقدير مفهوم المسيح المنتصر Christus Victor. غالبًا هذه النظرية هي نظرية آبائية وفي العصر الوسيط المبكر، بل ولها مثيلاتها الحديثة في الدوائر اللوثرية والأنجلو-كاثوليكية، ولكن ليس كثيرًا جدًا في الأرثوذكسية اليونانية أو اللاهوت الروماني الكاثوليكي. لذا عندما يضيق الجانب الدرامي [التمثيلي] للكفارة بهذه الطريقة، فيكون لديه نزعة مميَّزة نحو الثنائية dualism، ويستدعي هذا ’تجريد الصفات الميثولوچية‘ Demythologisation. فمن الجدير بالملاحظة إنه في حين يتحدَّث المؤرِّخون في كثير من الأحيان عن ذلك بأنه آبائي وعصر وسيط، ولكنه يوجد فقط بالحقيقة الفعلية في جزء بسيط من الفكر الآبائي، أي في الأوريجانية، وفي مواضع مُعيَّنة من الفكر الرهبانيّ، حيث سادت الثنائية. ولم يُنادِ به أيّ من الآباء العظام (فيما عدا غريغوريوس النيسي)، ونجده أيضًا مرةً أخرى في أزمنة العصر الوسيط، في الفكر الشعبيّ والرهبانيّ، ولكنه غير واضح تمامًا عند اللاهوتيين – حيث قضى عليه عمليًا أنسلم وبرنارد من كليرڨو. (2) الجانب التعبديّ – القضائيّ للكفارة: لقد مال هذا إلى أن يقع في مفهومين هما: (أ) المفهوم التعبديّ للكفارة دون عنصر التبرير، موجود غالبًا في النصوص والسياقات الليتورچية. حيث مال إلى المضي قُدمًا في الفكر الغربيّ غالبًا بالارتباط مع ذبيحة القداس، دون العلاقة الكافية بالمسيح نفسه في عمله الخلاصيّ. ولكن يتم المبالغة في ذلك بأيّ حال من الأحوال عند اللاهوتيين العظام. فعلى سبيل المثال، العشرون سؤالاً التي خصَّصها توما الأكويني للإفخارستيا، يوجد سؤال واحد فقط منها مُخصَّص لمفهوم الذبيحة الإفخارستية. كما يوجد مفهوم أفضل كثيرًا في صلوات وتأملات أنسلم. (ب) المفهوم العقابيّ دون الجانب الكهنوتيّ – مفهوم الترضية في الكفارة. هذا المفهوم مُستمَد في الغرب غالبًا من الفكر الأساسيّ لترتليان – ولديه نزعة مُميَّزة نحو الناحية القضائية، مع مفهوم بسيط للخلاص من الناموس، ومفهوم للخلاص ’بمعزل عن الناموس‘. حيث يدين تطوُّر مفاهيم العقوبة والترضية في الكفارة بالكثير إلى اللغة اللاتينية والمفاهيم الأكثر تأثرًا باللاتينية، كما يُمكِننا أن نرى عندما نُقارِن التطوُّر الغربيّ لهذه المفاهيم، سواء في الفكر الرومانيّ أو البروتستانتيّ، مع إيضاح جوانب العقوبة والترضية في فكر كيرلس الإسكندريّ على وجه الخصوص. لقد كان مفهوم البدلية العقابية مع الفهم الضيق للتبرير، هو الذي أصبح سائدًا في القرون المعروفة بالأرثوذكسية البروتستانتية، وفيما يُعرَف اليوم بالبروتستانتية الإنجيلية. (3) الجانب الأنطولوچيّ [الوجوديّ] للكفارة: لقد مال هذا مجددًا إلى أن يقع في مفهومين هما: (أ) المفهوم التجسُّدي incarnational، حيث يكون العنصر الخلاصيّ من خلال المعرفة والاتحاد المستيكيّ [السرائريّ] بالمسيح. وهذا واضح مبكرًا جدًا عند الآباء اليونانيين، على سبيل المثال، عند كليمندس الإسكندريّ، وسابقًا جدًا عند أغناطيوس الأنطاكيّ – ولكنه يختلف في الرسالة إلى ديوجنيتوس. لقد أصبح أحد الخطوط الأساسية للتطور في جميع أنحاء التقليد المستيكيّ [الصوفيّ]، حيث يتم التركيز أكثر في بعض الأحيان على الاتحاد بالله من خلال المعاينة السرية، وأحيانًا على الاتحاد بالله من خلال التجسُّد. (ب) المفهوم الذاتيّ للكفارة، حيث يكون التأثير الأخلاقي لذبيحة المسيح، أو معرفة ماذا فعل الله لأجلنا في محبته هو العنصر الخلاصيّ – على سبيل المثال عند أبيلارد، أو عند سوسينوس Socinus. ولكن يمتلك هذا تطورًا عميقًا ومؤثرًا في الليتورچية، على سبيل المثال، في صلاة مريم أسفل الصليب Stabat Mater – قارن هنا صلاة مريم لهايدن Haydan، والقوة الهائلة للتأمل في جراحات يسوع“.[94]

وهكذا نُدرِك من هذا القول لهذا العلامة اللاهوتيّ الكبير وأستاذ العقائد المسيحية أن مفهوم البدلية العقابية هو مفهوم غربيّ نشأ بالأساس من فكر ترتليان، وتطوَّر في الغرب في اللاهوت الكاثوليكيّ والبروتستانتيّ حتى وصل إلى ما هو عليه في يومنا هذا.

يُحاوِل البروفيسور توماس تورانس التفريق بين جانب الإبدال العقابي للكفارة كما جاء في العهد الجديد من وجهة نظره، وبين فكر الإبدال العقابي كما تطوَّر في الغرب اللاتيني، أو الروماني، أو البروتستانتي، ولكنه يؤكِّد على أن العهد الجديد لم يستخدم لفظة ’يُعاقِب‘ عن العلاقة بين الآب والابن، حيث يقول التالي:

”لهذا السبب، يتحدَّث العهد الجديد عن جانب الإبدال العقابي للكفارة، ليس في أقسام قضائية [شرعية] مُنفصِلة كالتي قد تطوَّرت في الغرب اللاتينيّ، أو الرومانيّ، أو البروتستانتيّ، بل من ناحية حميمية العلاقة بين الآب والابن، حيث يُخضِع الابن ذاته لحكم الآب، وتستجيب له مسرة الآب الصالحة – أنظر هنا الأهمية الكبيرة لچون مكليود كامبل J. Mcleod Campbell وكتابه العظيم ’طبيعة الكفارة‘، حيث يُحذِّرنا بحقٍ من التفكير في الكفارة بتعبيراتٍ عقابيةٍ محضةٍ، لأننا لا نستطيع التفكير في المسيح المعاقَب من الآب بدلاً عنا، فلا يستخدم العهد الجديد في أيّ موضع كلمة Kolazo أي يُعاقِب، عن العلاقة بين الآب والابن“.[95]

ويرى البروفيسور توماس تورانس أن الفداء عند ق. أثناسيوس يحدث في حياة الابن المتجسِّد التوسطية وفي شخصه، يحدث خلاصنا في علاقات الوسيط الداخلية، وليس ببساطةٍ في علاقة المسيح الخارجية بالخطأة، وهذا ينفي عن أثناسيوس فكرة الإبدال العقابيّ، الذي يحاول البعض عن جهل أن ينسبها إليه كالتالي:

”يحدث [الفداء] في حياة الابن المتجسِّد التوسطية وفي شخصه، فكما أنه [أثناسيوس] أعتقد أن اللوغوس هو داخل كيان الله، كذلك أعتقد أن خلاصنا يحدث في علاقات الوسيط الداخلية، وليس ببساطةٍ في علاقة المسيح الخارجية مع الخطأة“.[96]

خالد أناطوليوس

يرى البروفيسور خالد أناطوليوس،[97] أستاذ اللاهوت في جامعة نوتردام والمتخصِّص في تعليم ق. أثناسيوس، أن خلاصنا وتألُّهنا، بحسب ق. أثناسيوس، يتأسَّس بالكامل على أن حالتنا الإنسانية قد انتسبت إلى الكلمة، لأن ذلك في الأساس هو الذي يجعل كياننا مفعمًا بالكلمة كالتالي:

”إن خلاصنا وتألُّهنا يتأسَّس بالكامل على أساس أن حالتنا الإنسانية قد انتسبت للكلمة، لأن ذلك في الأساس هو ما يجعل كياننا مُفعَمًا بالكلمة“.[98]

جوهانس رولدانوس

يرى الباحث الكبير چوهانس رولدانوس أن مفهوم أثناسيوس عن الخلاص يتوقف على وحدة جسد المسيح البشريّ مع جسدنا، وكذلك على وحدة طبيعته الإلهية مع الطبيعة الإلهية للآب قائلاً:

”إن مفهومه عن الخلاص يتوقف على إتمامه لوحدة جسد المسيح البشريّ مع جسدنا، وكذلك على وحدة طبيعته الإلهية مع الطبيعة الإلهية الخاصة بالآب“.[99]

لويس بيركهوف

يتحدَّث البروفيسور المعروف لويس بيركهوف[100] عن الاختلاف بين اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ واللاهوت الغربيّ اللاتينيّ في عقيدة الكفارة وعمل المسيح على الصليب، حيث يقول التالي:

”في اللاهوت الآبائيّ اللاتينيّ: على الرغم من أن تعليم عمل المسيح في اللاهوت الآبائيّ اللاتينيّ لديه نقاط عديدة مُشتركة مع تعليم اللاهوت اليونانيّ المبكر، ولكن حتى في هذه الفترة المبكرة، تبدأ اختلافات مُهمة في الظهور. حيث يبدأ النوع اللاتينيّ المختلِف من اللاهوت مع ترتليان. حيث يتبنى إلى حد ما نظرية إيرينيؤس الانجماع الكلي، ولكنه يتصوَّر التجسُّد على أنه يُؤثِّر على الجنس البشريّ بالأساس من خلال الإرشاد والمثال. ولكن تتراجع هذه الفكرة كلها بشكلٍ أو بآخر إلى الخلفية. حيث يُركِّز كثير جدًا أكثر من إيرينيؤس على الأهمية المحورية لموت المسيح على الصليب، مُعتبرًا إياه نقطة الذروة والنهاية الحقيقية لإرسالية المسيح. لا يُمكِن القول بأنه ذهب بعيدًا عن إيرينيؤس في الصياغة المحدَّدة لعقيدة موت المسيح. ولكن تقع أهميته الحقيقية في حقيقة أنه أدخل استعمال مصطلحات قانونية عديدة إلى اللاهوت، مثل: ’ذنب‘، و ’ترضية‘، و ’استحقاق‘، وما إلى ذلك، التي تمَّ توجيهها لتلعب دورًا كبيرًا في التطوُّر اللاهوتي لعقيدة عمل المسيح. ومع ذلك، يجدر ملاحظة أنه مازال لم يُطبِّق تلك المصطلحات على عمل المسيح الكفاريّ، بل على التوبة والأعمال الصالحة التي ينبغي أن تتبع الخطايا المرتكَبة بعد المعمودية. كما وضع الأساس لتطوُّر عقيدة التوبة في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية“.[101]

يستطرد البروفيسور لويس بيركهوف في نفس السياق مُتحدِّثًا عن عقيدة الكفارة عند أوغسطينوس أبو اللاهوت اللاتينيّ، مُوضِّحًا الاختلاف بين اللاهوت اليونانيّ واللاهوت الأوغسطينيّ بشأن عقيدة الكفارة والفداء، حيث يقول التالي:

”نشعر بشكلٍ طبيعيّ بالميل إلى اعتبار أن أوغسطينوس – الأب الكنسيّ الأعظم في الغرب – قد أضاف بشكلٍ كبيرٍ، سواء على المستويين الجوهريّ والشكليّ، إلى عقيدة عمل المسيح. ولكن ليست تلك هي القضية، بل تقع إنجازاته في موضع آخر. حيث يُقدِّم آراءً متنوعةً، جامعًا في ذاته التطور السابق. كما توجد فكرة تألُّه الطبيعة البشرية بالتجسُّد، ولكن بطريقة أخلاقية فقط، ويوجد أيضًا مفهوم أن الشيطان لديه حق على الإنسان، ولكن تم استكماله، عن طريق فكرة أن حق الشيطان تم إبطاله بموت المسيح. ولكن فيما يُعتبر بأنه خط تفكيره الأساسي، يُعتبَر أوغسطينوس بعيدًا جدًا عن اللاهوت اليونانيّ. حيث كل من افتراضاته واستنتاجاته مُختلفة. فالأفكار الرئيسة هي أفكار الخطية الأصلية، والتبرير بالنعمة، والمصالحة بذبيحة المسيح. حيث يفرض النوع الغربي الجديد من الفكر نفسه، ونجد أنفسنا ندور في دائرة الأفكار البولسية. حيث يتم النظر إلى الإنسان على أنه موضوع الغضب الإلهيّ، وذبيحة المسيح كتهدئة لهذا الغضب، وكمُصالحة للإنسان مع الله. لم يُطوِّر أوغسطينوس هذه الأفكار إلى نظام كامل، حيث تقع أقواله بعيدًا بقليل عن نظرية أنسلم المترابطة تمامًا عن الكفارة. حيث لم يُميِّز بصورةٍ حادةٍ بين الجانب القضائيّ والتجديديّ للفداء“.[102]

ويتَّضح من هنا اتفاق رأي البروفيسور لويس بيركهوف مع غيره من أساتذة العقائد المسيحية أن عقيدة الكفارة والفداء بجانبها القانونيّ والقضائيّ في اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ تختلف تمام الاختلاف عن الجانب الشفائيّ والتأليهيّ في اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ.

ستيفن هولمز

يُقرِّر البروفيسور ستيفنز هولمز[103]Stephens R. Holmes  المحاضر الكبير للاهوت النظامي في جامعة ق. أندراوس باسكتلندا حقيقة واضحة أثناء تأصيله لعقيدة ”البدلية العقابية“ من الكتاب المقدَّس، والأدب المسيحيّ الآبائيّ في مختلف العصور المسيحية، وهي أن ”البدلية العقابية“ ليست فكرة أصيلة في اللاهوت الأرثوذكسيّ الشرقيّ، بل هي فكرة بروتستانتية بامتياز نشأت مع رجالات حركة الإصلاح، وبالأخص عند جون كالفن، حيث يقول التالي:

”أقترح علاوة على تلك الاقتراحات الكثيرة من أجل ايجاد تعليم واضح عن البدلية العقابية في أحداث الكتاب المقدَّس عن طريق اتخاذ صورة تُقرَأ بصورةٍ أكثر طبيعيةً وبشكلٍ مُختلفٍ، وترجمتها إلى أشكال وأنواع البدلية العقابية وصورتها، وهذا الاتجاه مرئي أيضًا في أغلب المحاولات من أجل ايجاد البدلية العقابية عند آباء الكنيسة، حيث هناك فقرات عرضية تنشر بالطبع المجاز القانونيّ، ولكن لا يوجد وعي أن هذا تعليم مُتطوِّر عن الكنيسة الأولى، ولا يوجد دليل على أنه علامة مُميَّزة مفترضة للأرثوذكسية. ويستمر هذا الموقف خلال فترة العصر الوسيط، وأول تفسير مُتكامِل ومُتطوِّر بالفعل للبدلية العقابية أستطيع ايجاده في التاريخ هو في كتاب ’الأسس‘ لكالفن (١٥٣٦- ١٥٥٩م). لقد طوَّر لوثر بالطبع أفكار مُشابِهة قبل عقدين من الزمن، وتوجد بلا شك إرهاصات مُهمة بين كُتَّاب العصور الوسطى في القرن ١٥، ولكن يُقدِّم كالفن تعليم البدلية العقابية بشكلٍ مُفصَّلٍ وناضجٍ. لقد تحدَّث الكُتَّاب الأوائل عن أمور قد تُفهَم بمُصطلحات البدلية العقابية، ولكنهم لم يُعلِّموا أبدًا بالفكرة بشكلٍ مُباشرٍ“.[104]

وهكذا يتَّضح لنا في الأخير اختلاف المفاهيم حول تدبير الخلاص بين اللاهوت الغربيّ مُمثَّلاً في اللاهوت المدرسيّ في العصر الوسيط، ومن بعده اللاهوت البروتستانتيّ، وبين اللاهوت الشرقيّ مُمثَّلاً في آباء الكنيسة الذين يرونا في تدبير الخلاص مبادلة خلاصية شفائية، وليست مبادلة عقابية، والذين يؤكِّدون على وجودنا الكياني في المسيح أثناء تدبيره الخلاصي، وإنه ليس مُجرَّد مثال على فضيلة البذل والحب، وكأنه مُنفصِل عنا، بل نحن ندخل ونتَّحد معه في عمق السر الإلهيّ العجيب الذي صنعه لأجلنا. لم يكن المسيح مُجرَّد ترضية أو إيفاء لدَّين خطية آدم وخطايانا كما يُعلِّم البعض في أيامنا، بل هو مُتَّحِد بنا وبطبيعتنا ليُؤلِّهنا ويُؤلِّه طبيعتنا فيه، ويستبدل الموت بالحياة، والظلمة بالنور، والغلبة بالنصرة، واللعنة بالبركة، والضعف بالقوة.

جون كيلي

يتحدَّث البروفيسور چون كيلي،[105] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، عن تعليم ق. أثناسيوس الخلاصي قائلاً:

”لم يشفنا المسيح فقط، بل حمل العبء الثقيل لضعفنا وخطايانا. المظهر الخارجيّ للتعليم هو أحد تعليم البدلية، ولكن ما يُحاوِل أثناسيوس إبرازه، لم يكن أكثر من أن ذبيحة واحدة كانت بديلة عن الأخرى، حيث ’استُنفِذَ موت الجميع في جسد الرب‘ (تجسد الكلمة، ٢٠). بمعنى آخر، إنه بسبب الاتحاد بين جسده وجسدنا، كان موته وانتصاره بالأساس لنا (أي موتنا وانتصارنا). تمامًا كما ورثنا الموت من خلال ارتباطنا بآدم الأول، هكذا نهزم الموت ونرث الحياة من خلال ارتباطنا بـ ’الإنسان من السماء‘ (ضد الآريوسيين ١: ٤٤: ٢، ٦١؛ ٢: ٦٧)“.[106]

وهذه هي البدلية التي يقصدها أثناسيوس مُبادلة الموت بالحياة، والفساد بعدم الفساد، والظلمة بالنور، والخطية بالقداسة… إلخ.

لورانس جرينستيد

يُقارِن البروفيسور لورانس جرينستيد،[107] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، بين تعليم أثناسيوس السوتيريولوجيّ (الخلاصيّ) وتعليم البدلية العقابية، مُؤكِّدًا على أن ق. أثناسيوس لم يقل في أيّ موضع أن موت المسيح كان بمثابة معاناة عقابية، كالتالي:

”لا يوجد مُبرِّر للادعاء بأن أثناسيوس هو أصل وبادرة النظريات العقابية اللاحقة. لا توجد إشارة إنه يَعتبر الموت في أيّ موضع أنه بمثابة مُعاناة عقابية، وقليلاً ما يَعتبر أن موت المسيح بمثابة عقابًا نيابيًا. لم يستخدم بالفعل عبارات ’تألم نيابةً عن الكل‘ و ’الموت نيابةً عن الكل‘ ولكن ينبغي تفسير تلك العبارات بحسب فهمه القوي لوحدة الجنس البشريّ في الكلمة المتجسِّد ’بالنظر إلى موت الجميع فيه‘“.[108]

هستنجس راشدال

يشرح البروفيسور هستنجس راشدال،[109] أستاذ تاريخ العقيدة في جامعة أوكسفورد، تعليم القديس أثناسيوس الخلاصيّ ويُقارِن بينه وبين تعليم ”البدلية العقابية“ في اللاهوت الغربيّ، حيث يرفض وجود تعليم بدلية عقابية في تعليم ق. أثناسيوس عن تدبير الخلاص كالتالي:

”هذا هو التعليم المحدَّد عن الذبيحة النيابية، ولكنه مع ذلك، لم يكن بكلماتٍ واضحةٍ تعليم العقاب النيابيّ. يبدو أن الفكرة هي كالتالي، إنه بموت هذه الذبيحة، تمَّ إيفاء دَّين الموت – الذي جلبته خطية آدم – واستُوفِي في حالة الجميع الذين يشتركون في ذلك الناسوت، الذي اتَّحد الكلمة به في حالة الجسد الواحد. حيث يبدو واضحًا أكثر من عند إيرينيؤس، أن موت المسيح لا يُمثِّل مُجرَّد مُعادِل، بل مُساوِي حقًا لموت الجميع (تجسد الكلمة ٢٠: ٤، ٥): مات الجميع بالفعل حرفيًا في موت الواحد. بالرغم من ذلك، لم يكن التركيز على فعل الذبيحة المتعلِق بالماضي، بل على آثار التجديد التابعة، والتابعة من القيامة أكثر من الموت. […] هذا هو خط التفكير الذي قابلناه بالفعل عند إيرينيؤس، ولكنه أكثر تطوُّرًا وتنظيمًا بكثير عند أثناسيوس. يُحاوِل [أثناسيوس] توضيح أن قابلية الفساد ليست عقوبة جزائية تعسفية فرضها الله، بل نتيجة طبيعية وحتمية للخطية“.[110]

جوناثان هيل

يتحدَّث چوناثان هيل،[111] الباحث الكبير في تاريخ العقيدة المسيحية من جامعة أوكسفورد، عن تدبير الخلاص في تعليم ق. أثناسيوس، وأنه مثل ق. إيرينيؤس، يرى أننا خلُصنا باتحاد الله والإنسان في المسيح، الأمر الذي رفع البشرية إلى مستوى الألوهية، أي أن الخلاص عند ق. أثناسيوس هو عن طريق تأليه الإنسان كالتالي:

”على أيّ حال، فالابن يجب أن يكون الله. ولو لم يكن فما كان بمقدوره أن يُخلِّصنا. ويؤمن أثناسيوس، مثل ق. إيرينيؤس من قبله، بأننا خلُصنا باتحاد الله والإنسان في المسيح، الأمر الذي رفع البشرية كلها إلى مستوى الألوهية. وبحسب نظرته، فإن إنكار ألوهية المسيح هو إنكار لأساس الخلاص كله“.[112]

أليستر ماجراث

يتحدَّث البروفيسور أليستر ماجراث،[113] أستاذ اللاهوت التاريخيّ في جامعة أوكسفورد، عن أن الفداء بحسب المدرسة الإسكندرية معناه هو الاشتراك في حياة الله، أو أن يصير المرء إلهيًا، وهي الفكرة التي وُصِفَت قديمًا بمفردات التأليه كالتالي:

”كانت المدرسة الإسكندرية، التي يُعدُّ أثناسيوس واحدًا من ممثليها، سوتيريولوچية في طبيعة منظورها وفي توجهها. فإن يسوع المسيح هو فادي البشرية، حيث كان الفداء [redemption] بحسب هذه المدرسة معناه: ’الاشتراك في حياة الله‘، أو ’أن يصير المرء إلهيًا‘، وهي الفكرة التي وُصِفَت قديمًا بمفردات التأليه. وتُعبِّر الكريستولوچيا عمَّا توحي به ضمنًا هذه الفكرة السوتيريولوچية [الخلاصية]. يمكن تلخيص مسار حجة الكريستولوچيا الإسكندرية على النحو التاليّ: لتأليه الطبيعة البشرية، ينبغي أن تتَّحد هذه الطبيعة بالطبيعة الإلهية. فينبغي أن يصير الله مُتَّحِدًا بالطبيعة البشرية بحيث تأخذ الأخيرة إمكانية الاشتراك في حياة الله. وقال الإسكندريون إن هذا هو بالتحديد ما حدث في تجسُّد ابن الله في يسوع المسيح ومن خلاله. فقد اتَّخذ الأقنوم الثاني في الثالوث طبيعةً بشريةً، وبهذا، ضمن تأليه هذه الطبيعة. صار الله إنسانًا حتى يصير البشر إلهيين“.[114]

كاليستوس وير

يشرح المطران الأرثوذكسيّ كاليستوس وير،[115] أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعتي كامبريدچ وأوكسفورد، الفرق بين نظرة الشرق لتدبير الخلاص باعتباره انتصار ظافر على قوة الشر وبين نظرة الغرب منذ عهد أنسلم الكانتربريّ إلى الصليب بتعابير قانونية وجزائية، وباعتبار عملية الصلب عملاً استعطافيًا للإرضاء أو الإبدال من أجل تهدئة غضب الآب الخالق كالتالي:

”فحينما تتطلع الأرثوذكسية إلى المسيح الظافر قبل كل شيء، يتطلع غرب العصر الوسيط والعصر الذي عقبه إلى المسيح الضحية أولاً. وبينما تُفسِّر الأرثوذكسية فعل الصلب على أنه بالدرجة الأولى انتصارٌ ظافرٌ على قوة الشر، يميل الغرب، وبنوعٍ خاصٍ منذ عهد أنسلموس رئيس أساقفة كانتربري (حوالي عام 1033- 1109) إلى التفكير في أمر الصليب بتعابير قانونية وجزائية، أو باعتبار عملية الصلب عملاً استعطافيًا للإرضاء أو الإبدال من أجل تهدئة غضب الآب الخالق“.[116]

ويتحدَّث المطران كاليستوس وير عن أن هدف الحياة المسيحية هو تأليه الإنسان، وذلك في تعليم القديسين أثناسيوس وباسيليوس الكبير، حيث أن مفهوم فداء الإنسان وخلاصه في الأرثوذكسية معناه تأليه الإنسان قائلاً:

”وقد صوَّر ق. باسيليوس الكبير الإنسان على أنه مخلوقٌ أُمِرَ بأن يصبح إلهًا، أمَّا أثناسيوس فقال بأن الله صار إنسانًا لكي يصبح الإنسان إلهًا. ’في ملكوتي، يقول المسيح، سأكون الله وأنتم آلهةٌ معي‘. ذلك هو، وفقًا لتعاليم الكنيسة الأرثوذكسية، الهدف النهائيّ الذي يجب أن يتطلع إليه كل مسيحيّ: أن يصبح إلهًا، أي أن يبلغ التأليه. ففي مفهوم الأرثوذكسية، فداء الإنسان وخلاصه يعنيان تأليهه“.[117]

فلاديمير لوسكي

يشرح اللاهوتيّ الأرثوذكسيّ المعروف فلاديمير لوسكي[118] تدبير الخلاص بحسب ق. أثناسيوس، حيث يرى أن جسد المسيح الذي يتَّحد المسيحيون به في المعمودية، هو بحسب ق. أثاسيوس جذر قيامتنا وخلاصنا، فنحن ككنيسة في المسيح جسد واحد، يجري فيه دم المسيح ليُطهِّرنا من كل خطيئة، ولقد اتَّخذ الكلمة جسدًا لنستطيع أن ننال الروح القدس، لأن حضور الروح القدس فينا هو شرط تألُّهنا كالتالي:

”أمَّا جسد المسيح، الذي به يتَّحد المسيحيون بالمعمودية، فيصير، بحسب القديس أثناسيوس، ’جذر قيامتنا وخلاصنا‘ [Oratio III contra Arianos, 13, PG, t. 25, 393-396]. الكنيسة شيءٌ أكبر من الفردوس الأرضيّ؛ فحالة المسيحيين أفضل من حالة البشر الأولين. ففي الكنيسة لا يعود يُحتمَل فقدان الشركة مع الله نهائيًا، وذلك كوننا محتوين في جسدٍ واحدٍ، يجري فيه دم المسيح الذي ’يُطهِّرنا من كل خطيئة ومن كل غضن. فقد اتَّخذ الكلمة جسدًا لنستطيع أن ننال الروح القدس‘ [S. Athanase, De incarnatione et contra Arianos, 8, PG, t, 26, 996C]. حضور الروح القدس هذا فينا شرط تألُّهنا، لا يمكن أن يضيع“.[119]

جورج فلورفسكي

يرى الأب الأرثوذكسيّ چورچ فلورفسكي،[120] أستاذ اللاهوت الأرثوذكسيّ في جامعات هرفارد وبرنستون الأمريكية، والعميد السابق لمعهد القديس سرجيوس بفرنسا، والعميد السابق أيضًا لمعهد القديس فلاديمير بأمريكا، أن مغزى الخلاص والفداء في اللاهوت المسيحيّ المبكر هو الاتحاد الحميم بين الله والإنسان في المسيح، ويؤكد على أن هذا كان الخط الرئيسيّ عند ق. أثناسيوس وق. غريغوريوس النزينزيّ اللاهوتيّ كالتالي:

”كانت الرسالة المسيحية ومنذ البداء فعلاً هي رسالة الخلاص، وبحسب ربنا فقد عرفناه وبالأساس بصفته المخلِّص، الذي افتدى شعبه من عبودية وأسر الخطية والفساد. إن عمق حقيقة سر التجسُّد الإلهيّ فعلاً قد تمَّ تفسيره وعلى الدوام في اللاهوت المسيحيّ المبكر عن منظور الفداء، فقد كانت المفاهيم الخاطئة عن شخص المسيح والتي كان على الكنيسة الأولى مواجهتها ومقاومتها ونقدها ودحضها هي تلك التي كانت تفعل ذلك وبالتمام حين كانت تُقلِّل من واقعية وحقيقة الفداء البشريّ. وقد تمَّ الافتراض عمومًا أن منتهى ومغزى الخلاص هو أن الاتحاد الحميم بين الله والإنسان قد تمَّت استعادته، واستقر المقام على أن الإنسان المفتدَى لا بد أن ينتمي بنفسه إلى كلا الجانبين، أي أن يكون من جهة إلهيًا وفي آنٍ إنسانيًا، وإلا ما كانت قد تأصلت وتأسَّست تلك الشركة المشروخة أو المسكورة بين الله والإنسان. ذلك كان الخط الرئيسيّ للفكر اللاهوتيّ العقلانيّ عند القديس أثناسيوس في صراعه مع الآريوسيين، والقديس غريغوريوس النزينزيّ في دحضه للأبولينارية، وللعديد من كُتَّاب آخرين في القرنين الرابع والخامس“.[121]

فالتر كاسبر

يشرح الأسقف الكاثوليكيّ الشهير فالتر كاسبر[122] تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس، حيث يرى أن اهتمام أثناسيوس الأساسيّ في الدفاع عن ألوهية الكلمة كان اهتمام خلاصيّ وليس نظريّ، لذا يرى ق. أثناسيوس ضرورة ألوهية يسوع المسيح وفهمها في الإطار العام للتعليم الخلاصيّ في الكنيسة القديمة الذي يرى الفداء كتأليه للإنسان، فالإنسا ن المخلوق على صورة الله لا يستطيع الحصول على كيانه الحقيقيّ بدون المشاركة في حياة الله، وبالتالي التماثُّل مع الله، ولكن بما أن صورة الله قد أفسدتها الخطيئة، فلا بد من أن يصبح الله إنسانًا لكي نتألَّه نحن، ونبلغ من جديد إلى معرفة الله غير المنظور كالتالي:

”لم تكن هذه التأكيدات متأتية أولاً من اهتمام نظريّ، بل من اهتمام خلاصيّ، كان أثناسيوس يُبرِزه دائمًا: إذَا لم يكن المسيح إلهًا فلسنا نحن مُفتَدين، لأن الله الذي لا يموت وحده يستطيع أن يُحرِّرنا من عبودية الموت، ويجعلنا مُشاركين في ملء الحياة. فعقيدة ألوهية يسوع المسيح الصحيحة يجب أن تُفهَم في الإطار العام للتعليم الخلاصيّ في الكنيسة القديمة مع فكرتها عن الفداء كتأليه للإنسان. إن الإنسان المخلوق على صورة الله لا يستطيع الحصول على كيانه الحقيقيّ والصحيح إلا بالمشاركة في حياة الله، ومن ثمَّ، بالتماثُّل مع الله. ولكن بما أن صورة الله قد أفسدتها الخطيئة، فلا بد من أن يصبح الله إنسانًا لكي نتألَّه نحن، ونبلغ من جديد إلى معرفة الله غير المنظور. ولا علاقة لعقيدة الفداء هذه الطبيعية (في شأن الكيان) بمفهوم طبيعيّ فيزيولوچيّ، بل حتى سحريّ للخلاص، كما ادُّعِيَ ذلك مرارًا. إنها ترتكز في الحقيقة على الفكرة اليونانية عن البايدييا، أي تربية الإنسان، بسعيه لكي يُشبِه هيئة المثال الإلهيّ الأول المنظور في الصورة ويُشارِك فيها“.[123]

جوهانس كواستن

يشرح العلامة الآبائيّ الكاثوليكيّ الكبير چوهانس كواستن[124] تعليم الخلاص عند ق. أثناسيوس، حيث يرى أن أساس ق. أثناسيوس في دافعه عن ألوهية اللوغوس هو أساس خلاصيّ، ويرى أن تأليه الإنسان هو غاية الخلاص في دفاع ق. أثناسيوس عن ألوهية الكلمة كالتالي:

”إن أساس ما كان يُدافِع عنه ق. أثناسيوس فيما يخص اللوغوس هو عقيدة الفداء. والعبارات التالية تُعبِّر عن التعليم اللاهوتيّ للقديس أثناسيوس: ’لقد صار [كلمة الله] إنسانًا لكي يُؤلِّهنا، وقد أظهر نفسه في جسدٍ لكي نحصل على معرفة الآب غير المنظور، واحتمل إهانة البشر لكي نرث نحن عند الموت‘ (تجسد الكلمة، فصل 54). […] لذلك يستدل ق. أثناسيوس على ضرورة تجسُّد الكلمة وموته من مشيئة الله لفداء البشر. فلم يكن ممكنًا أن نحصل على الفداء إذَا لم يكن الله نفسه قد صار إنسانًا، وإذَا لم يكن المسيح هو الله. ولذا، فإن اللوغوس باتّخاذه الطبيعة البشرية، قد ألّه البشر. وقد غلب الموت ليس من أجل نفسه بل من أجلنا كلنا. […] ولو لم يكن المسيح إلهًا بالطبيعة، ولكن بالمشاركة (كما يقول الهراطقة)، فإنه لم يكن بمقدوره أبدًا إعادة تشكيل الإنسان على صورة الله. لأن الذي لا يملك شيئًا إلا الذي استعاره من آخر فلا يمكن أن يمنحه لآخرين“.[125]

كاثرين ساندرجير

تُسجِّل البروفيسور كاثرين ساندرچير[126]Katherine Sanderegger  ، أستاذ اللاهوت في جامعة يال الإمريكية، اعتراض البعض على مفهوم أنسلم عن إيفاء الدَّين وذبيحة الترضية بأنه مفهوم نسطوريّ على نحوٍ خطير، مما يُؤكِّد على ما قلناه قبلاً من اختلاف مفهوم اللاهوت الغربيّ للدَّين عن اللاهوت الشرقيّ، كالتالي:

”علاوة على ذلك، سردية أنسلم عن ’إيفاء الدَّين‘ و ’ذبيحة الترضية‘ تبدو للبعض نسطورية بشكلٍ خطيرٍ، كما لو كان يمكن تقديم ناسوت المسيح كعملٍ مُستقِلٍ للموت البريء، بمعزل عن الاتحاد الأقنوميّ الملازِم للألوهة. بالإضافة إلى ذلك، تبدو مُعالجة أنسلم المدرسية المبكرة لفكرة اللا محدودية، سواء في تقدير الخطية، وفي قيمة الاستحقاق الشخصيّ للمسيح بالنسبة لانتقاداته ذات العقلية الفلسفية غير قوية وغير مُقنِعة“.[127]

توماس ويناندي

لذا يُؤكِّد البروفيسور توماس ويناندي[128] Thomas G. Weinandy على أن مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس هو دَّين الموت كما ذكرنا سابقًا، ولقد قام المسيح بإيفاء دَّين الموت بموته عن الجميع ليهبهم حياة القيامة عديمة الفساد كالتالي:

”السبب في أن الكلمة المتجسِّد يضمن للبشر حياة القيامة عديمة الفساد هو أنه يُقدِّم ’إلى الموت، الجسد الذي قد أخذه هو نفسه كتقدمةٍ وذبيحةٍ بلا عيب، لأنه أبعد للتو الموت عن جميع نظرائه بتقديم النظير. وبما أنه فوق الجميع، وَفَىَ كلمة الله بالطبيعة عن طريق تقديم هيكله وأداته الجسدية الدَّين بموته من أجل حياة الجميع‘ (تجسد الكلمة ٩: ١-٢؛ ٢٠: ٢، ٥-٦). لأن الكلمة، وقد اتَّخذ طبيعتنا عينها، يُقدِّم حياته البشرية النقية والطاهرة كذبيحةٍ بدلاً عنا ولأجلنا، فينقض ويوفي دَّين الموت الذي جلبته أنا وهكذا أقرَّته الخطية. وبالتالي، نعي هنا بوضوحٍ مركزية الصليب داخل سوتيريولوچية [التعليم الخلاصيّ] أثناسيوس“.[129]

جوستاف ألين

يرى البروفيسور چوستاف ألين[130] أن مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس هو دَّين الموت كالتالي:

”نفس الشيء هو حقيقيّ عن مجاز الدَّين، الذي يُوازِيه مجاز الفدية، ولكنها أقل استخدامًا للغاية. حيث يتحدَّث أثناسيوس عن كلمة الله بأنه عن طريق تقديم جسده ’مُوفيًا الدَّين عن الجميع بموته‘، وإنه بذلك الموت تمَّ ’إيفائه‘، كما يربط أيضًا هذه الفكرة مع فكرة الذبيحة، ويقول إن ’الكلمة اتَّخذ الجسد الذي أخذه قربانًا، كذبيحة غير دنسة بالموت، وهكذا أزال الموت من جميع أخوته بذبيحته النيابية‘ (تجسُّد الكلمة، فصل ٩). وبالتالي يُعد الدَّين مدفوعًا في المقام الأول للموت“.[131]

المطران كيرلس بسترس وآخرون

يرى المطران كيرلس سليم بسترس[132] وآخرون، في سياق شرحه لكتاب ”تجسد الكلمة“ للقديس أثناسيوس، أن هدف التجسُّد عند ق. أثناسيوس هو أن يعيد معرفة الله ويُبطِل الخطيئة ويُؤلِّه الإنسان، ويُوحِّده بالله بموهبة الروح القدس ويمنحه الخلود، فالتجسُّد يهدف إلى الفداء، وإعادة الإنسان إلى أصله، فالإنسان مخلوق على صورة الله كالتالي:

”لا نجد في هذا الكتاب أية إشارة إلى الآريوسية. فهو يرجع إلى سنة 318، وكان لأثناسيوس من العمر 23 سنة، ولم يكن بعد أمين سرّ أسقفه ألكسندروس. يتضمن الكتاب قسمين: القسم الأول هو دفاعٌ عن المسيحية بإزاء الوثنيين؛ يُثبِت فيه الكاتب صحة التوحيد الإلهيّ وبطلان عبادة الأصنام وتعدُّد الألهة. والقسم الثاني يُوضِّح الإيمان بالتجسُّد والهدف منه: فقد تجسَّد كلمة الله ليُعيد معرفة الله ويُبطِل الخطيئة، ويُؤلِّه الإنسان ويُوحِّده بالله بموهبة الروح القدس، ويمنحه الخلود. فالتجسُّد يهدف إلى الفداء. يتجسَّد الكلمة ليعيد الإنسان إلى أصله، فالإنسان مخلوقٌ على صورة الله“.[133]

ويتحدَّث المطران كيرلس بسترس وآخرون عن أن الفكرة الرئيسية في لاهوت الآباء اليونانيين عامةً ولاهوت ق. أثناسيوس خاصةً، هو أن كلمة الله تجسَّد لكي يُؤلِّه الإنسان، فالتجسُّد يهدف إلى الفداء والتألُّه، وهنا يربط بين الفداء والتألُّه في التعليم الخلاصيّ للقديس أثناسيوس كالتالي:

”إن لاهوته يُلخَّص في الجملة التالية التي تُعبِّر أيضًا عن الفكرة الرئيسية في لاهوت الآباء اليونانيين: ’تجسَّد كلمة الله ليُؤلِّه الإنسان‘ (ضد الآريوسيين 1: 39). فالتجسُّد يهدف إلى الفداء والتألُّه، وإذَا كان كلمة الله مخلوقًا، فكيف يمكنه أن يُؤلِّه الإنسان؟“.[134]

عبد المسيح اسطفانوس

يتحدَّث القس الدكتور عبد المسيح اسطفانوس[135] عن أن تأليه الإنسان هو محور تعليم الخلاص عند ق. أثناسيوس قائلاً:

”وجدير بالذكر أن أثناسيوس كان قد كتب كتابه ’تجسُّد الكلمة‘ قبل ظهور آريوس وتعاليمه، ولذلك لا نجد فيه مناقشة لآراء آريوس والرد عليها. كان اهتمام أثناسيوس بصفةٍ أساسيةٍ بموضوع الخلاص. ولذلك وجد أن الخلاص لو لم ينبع من الله نفسه لا يكون خلاصًا كاملاً، ولذلك اهتم كثيرًا بألوهية الابن ، واَعتبر أن التجسُّد أمرٌ أساسيّ تمامًا ليتحقَّق الخلاص. وكان هذا ما دفعه لمقاومة تعاليم آريوس. ومن المهم أن نتذكَّر أن اهتمام أغناطيوس وإيرينيؤس بموضوع الخلاص كما رأينا من قبل دفعهما إلى التنبير على ألوهية الربِّ يسوع، ولذلك فقد كانت هنالك خلفية لاهوتية وفكرية هامة موجودةٌ في الكنيسة قبل أثناسيوس. لم يكن اهتمام أثناسيوس أن يكون المسيح هو الله بمعنى أنه هو الله بشخصه، ولكنه أهتم بأن يُوضِّح أن المسيح والله جوهرٌ واحدٌ. ويُنبِّر أثناسيوس على الطبيعة الإنسانية الكاملة للمسيح والطبيعة الإلهية الكاملة ليتحقَّق الخلاص للإنسان. ويقول في هذا الشأن: ’ما كان يمكن للإنسان أن يأتي إلى حضرة الله ما لم يكن ذاك الذي تجسَّد هو بالطبيعة وحقيقةً اللوغوس الصادر منه. كما أنه ما كان يمكن أن نتحرَّر من الخطية ومن اللعنة ما لم يكن الجسد الذي اتَّخذه الكلمة جسدًا إنسانيًا حقيقيًا. إذ لا يمكن أن تكون هنالك شركةٌ بيننا وبين غريب عنَّا. ولذلك، فما كان يمكن للإنسان أن يتألَّه ما لم يكن الكلمة بالطبيعة من الآب وينتمي إليه فعلاً وحقيقةً‘ (ضد الآريوسيين 2: 70). فالآب هو الآب فعلاً لأنه أبو الابن. والابن لا يكون ابنًا سوى لأنه ابن الآب. فالآب والابن أزليان خالدان. ولذلك، فتجسُّد الكلمة [اللوغوس] يمنحنا الخلود. وهذا يُوضِّح لنا أن حديث أثناسيوس عن ’تألُّه‘ الإنسان كان يُقصَد به غالبًا تحقيق الخلود بالمشاركة في الطبيعة الإلهية“.[136]

ويستطرد الدكتور القس عبد المسيح اسطفانوس في التأكيد على أن الخلاص بتأليه الإنسان هو الفكر السائد في تعليم الآباء اليونانيين قائلاً:

”ومن المهم أن نُلاحِظ أن الفكر السائد عند الآباء اليونانيين هو أن الكلمة صار جسدًا لا ليُقدِّم مثالاً لمَّا يجب أن تكون عليه الإنسانية، ولا ليفي الدَّين الذي على الإنسان لله. ولكن لكي يغلب قوات الشرِّ التي أسرتنا، ولكي يفتح في نفس الوقت الطريق لنبلغ الطبيعة الإلهية [ثيؤسيس]. ومن المهم أن نُلاحِظ أن ’التألُّه‘ في فكر الكنيسة الشرقية لم يعن أبدًا أن البشر يتخطون الحدود الإنسانية. فحتى غريغوريوس النزينزيّ الذي كان يحلو له استخدام فكرة ’التألُّه‘، لم يكن يقصد بذلك أن الإنسان يصبح إلهًا مثل اللوغوس [ابن الله]، إلا أنه يبدو أنه كان يؤمن أن الهدف النهائيّ للخلاص والتجسُّد هو أن يصل المؤمنون إلى ’إنسانية‘ الرب يسوع“.[137]

 

 

الفصل الرابع: أهم الاعتراضات على البدلية العقابية في اللاهوت الغربي

نستعرض الآن أهم الانتقادات والاعتراضات الموجَّهة لنظرية ”الإبدال العقابيّ“ في شرح عمل المسيح على الصليب كالتالي:

(1) نجد في ملمح الغضب في سياق ”الإبدال العقابيّ“، تحويل أقانيم الثالوث إلى الآب الساحق والابن المسحوق، أو إلى الآب الغاضب والابن المغضوب عليه، الذي يُسكِّن غضب الآب ويُهدئ من غضبه، وهذا يُعتبر فصل بين أقنومي الآب والابن في جوهر الثالوث الواحد، وهذه هي الهرطقة الآريوسية عينها.

(2) لا نجد أيّ دور لأقنوم الروح القدس في عملية الترضية، والتعويض، والعقوبة، ودفع الثمن. تلك الأمور التي قدَّمها الابن للآب، ولا وجود ولا حضور جلي لأقنوم الروح القدس في تلك الأمور، مما يؤدي إلى التقليل من شأن أقنومية الروح القدس، وهذه هي الهرطقة الأفنومية والمقدونية.

(3) إخضاع الله لقوانين وشروط مُلزِمة له في عملية قبول الثمن والتعويض، وضرورة قبول الترضية لأجلنا. وحاشا لله أن يخضع لمثل هذه القوانين والشروط. فالله غير المحدود، وخالق الكل، وواضع النواميس، كيف يمكن إخضاعه لقوانين ونواميس؟ حاشا.

(4) تقديم صور مُشوَّهة وثنية صنمية عن الله تُظهِره أنه إله غاضب على البشر، ويكرههم، ويبغضهم بسبب خطاياهم، رغم أنه لا توجد مثل هذه المشاعر والأهواء في جوهر الله، فهل الغضب صفة من صفات الجوهر الإلهي؟ وتُظهِر ”البدلية العقابية“ الله إنه يحتاج مَنْ يُهدئه ويُسكِّن غضبه، ويجعله يعود يحب البشر مرةً أخرى بعدما أبغضهم بسبب خطاياهم!

(5) كيف يمكن نقل جميع ذنوب البشر إلى جسد المسيح، بالرغم من أنه القدوس بلا خطية، وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية وحدها، بل بالحري أتَّخذ المسيح جسدًا مائتًا لكي يهبه الحياة الأبدية بحياته، وموته، وقيامته، وصعوده، وجلوسه عن يمين الآب، وليس بمُجرَّد حمل الخطايا في جسده الطاهر من الخطية ليُعاقَب بها في جسده لأجلنا كما يتحدَّث منظرو ”البدلية العقابية“.

(6) تلغي ”البدلية العقابية“ مفاعيل الأسرار الكنسية الخلاصية كالمعمودية، والميرون، والتناول، لأنه بحسب ”البدلية العقابية“ تم إيفاء الدَّين ودفع الثمن بموت المسيح، فما الحاجة لأن نموت مرةً أخرى، ونُدفَن، ونقوم في المعمودية، بعدما مات المسيح عنا مرةً واحدةً. ولماذا نُمارِس القداسات ونُكرِّر ذبيحة وصلب وعقاب المسيح مرات ومرات على المذابح، طالما تمَّ العقاب والترضية والإيفاء على الصليب، فلا حاجة لمثل هذه الطقوس في سياق نظرية ”البدلية العقابية“ ومفاهيمها وشروحاتها. البدلية العقابية باختصار تدحض وتلغي أسرار الكنيسة.

(7) تُشرِّع، وتُكرِّس، وتُحرِّض ”البدلية العقابية“ على العنف، والتعذيب، والعقاب، والتشفي، وإرضاء الذات، فطالما الله يُعاقِب ابنه لأجل البشر، ويُنزِل جام غضبه على الابن لأجلنا، ويُنزِل العقاب عليه لأجلنا، فهذا خير مُرشِد ودليل لنا لتقليد الله ومحاكاته بإنزال العنف والعقاب والغضب على أبنائنا أيضًا. صور مُشوَّهة، ووثنية، وعنيفة، عن الله الصالح مُحِب البشر.

(8) تُؤدِي البدلية العقابية إلى صراع الصفات داخل الجوهر الإلهيّ الواحد، ما بين محبته ورحمته، وعدله وقصاصه من البشر الخطاة العصاة، وهكذا تُحدِث ”البدلية العقابية“ انقسام وانفصام داخل الجوهر الإلهيّ بين صفتي العدل والرحمة، وإلى تقسيم الله إلى إله غاضب وقاسي ومُنتقِم وكاره، وإله مُحِب وصالح ورحيم ورؤوف، وهذه هي الهرطقة الغنوصية والمانوية عينها. وهذا لا يليق بالله، وحاشا أن يوجد داخل الجوهر الإلهيّ. بل تجعل البدلية العقابية من الآب هو العدل، والابن هو الرحمة، والروح القدس هو التقديس، ويؤدي هذا إلى انقسام داخل جوهر الثالوث القدوس.

(9) تُركِّز نظرية البدلية العقابية على موت المسيح، ولا تُعطِي أية أهمية لقيمة وتأثير قيامة المسيح، وهذا يُمثِّل عدم اكتمال في إدراكنا لموت المسيح على الصليب. حيث تسلط البدلية العقابية الضوء على موت المسيح على الصليب كأكبر حدث للخلاص، وهكذا يطغى على كل شيء آخر، فكل شيء تحقَّق بموت المسيح فقط دون غيره.

(10) ترى نظرية البدلية العقابية أن المشكلة في الله ونظرة الله للإنسان، لأن الفداء صار علاجًا لإرضاء كرامة الله المهدرة، وليس علاجًا للإنسان، رغم أن المشكلة هي مشكلة الإنسان في الأساس، والله يُساعِده في حل هذه المشكلة. فترضية الله نفسه ومحو الإهانة والتعدي عليه بالخطية، وبالتالي رد الكرامة إليه، ينفي المحبة الإلهية والجود الإلهيّ، لأنه صارت غاية الكفارة والفداء هي إرضاء الله ورد كرامته المجروحة والمعتدَى عليها من قِبَل الإنسان.

(11) لو مات المسيح لإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، وإنْ كان قضاء الموت على آدم هو قضاء أبديّ، فينبغي أن يبقى المسيح إلى الأبد في قبضة الموت، وهذا لم يحدث، بل المسيح وطئ الموت بالموت، وقضى على سلطانه إلى الأبد.

(12) تأليه الخطية، حيث ينسب المنادين بنظرية البدلية العقابية صفة عدم المحدودية الحصرية والخاصة بالله إلى الخطية، ويقولون إن خطية الإنسان غير محدودة، ونسوا أن الله فقط غير المحدود، وهكذا يجعلون من الخطية إلهًا ثانيًا.

(13) ينبغي أن يدفع الابن للآب الثمن أو الدَّين في سياق نظرية البدلية العقابية وإيفاء مطالب العدل الإلهيّ، على الرغم من أن الآب لا يحتاج لمَّن يدفع له شيئًا، لأن الآب والابن والروح القدس جوهر واحد وطبيعة واحدة ومشيئة واحدة. كما أن الابن هو فوق الكل وغير قابل للمقايضة بالخطأة بحسب نظرية الإبدال العقابيّ.

(14) إهمال الجانب القانونيّ في شرح الفداء والكفارة لأهمية الاتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح من أجل تجديد الطبيعة البشرية وتحريرها من سلطان الفساد والموت، وذلك باتحاد الحياة بالطبيعة البشرية لإبادة الفساد والموت، كل هذا يغيب عن نظرية البدلية العقابية والجانب القضائيّ في شرح الفداء.

(15) تُصوِّر البدلية العقابية الابن أعظم من الآب الغاضب، لأن الابن يحتمل ويصبر على ما لا يستطيع الآب احتماله والصبر عليه، وهكذا يصبح الابن أكثر هدوءًا وثباتًا وقوةً من الآب، لأن الابن استطاع بقوته أن يحلَّ مشكلة الموت والخطية والعقوبة، التي عجز الآب عن حلها، حاشا!

 

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

[1] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 54: 3، ص 159.

[2] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 11: 42، ص 111.

[3] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون الأسقف، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 24، ص 87.

[4] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أدلفيوس : 4، ص 27.

[5] المرجع السابق، الرسالة إلى أبكتيتوس : 6، ص 41.

[6] أثناسيوس (قديس)، المقالات ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، ١: ١١: ٤٢، ص ١١٠، ١١١.

[7] المرجع السابق، ٣: ٢٧: ٣٨، ص ٣٤٣، ٣٤٤.

[8] المرجع السابق، ٣: ٢٨: ٤٨، ص ٣٥٨.

[9] Athanasius (St.), Select Works and Letters (Letter to Maximus the Philosopher), NPNF, Ser-II, Vol. IV, Trans. by A. T. Robertson, Edit. by P. Schaff & H. Wace, (New York: Christian Literature Co., 1892), p. 578-579.

[10] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 8: 4، ص 22.

[11] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[12] المرجع السابق، 1: 12: 52، ص 128.

[13] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل ق. أثناسيوس، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. صموئيل كامل، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، الرسالة إلى أدلفيوس المعترف، الفصل ٦، ص ٢٩.

[14] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 37: 7، ص 106.

[15] المرجع السابق، 9: 2، ص 24.

[16] المرجع السابق، 16: 4، ص 46.

[17] المرجع السابق، 20: 2، ص 57.

[18] المرجع السابق، 25: 3، ص 71.

[19] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ١: ١١: ٤١، ص 109.

[20] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2008)، ٢٠: ٥، ص 58.

[21] المرجع السابق، 20: 5، ص 58.

[22] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٣: ٣٣، ص 336.

[23] المرجع السابق، ١: ٤١، ص 109.

[24] المرجع السابق، ١: ٤٢، ص 111.

[25] المرجع السابق، ١: ٤٣، ص 112.

[26] المرجع السابق، ٣: ٢٩: ٥٦، ص 369.

[27] المرجع السابق، ٢: ٦٩، ص 260.

[28] المرجع السابق، ٣: ٢٣، ص 322.

[29] المرجع السابق، 1: 41، ص 109، 110.

[30] المرجع السابق، 1: 46، ص 118.

[31] المرجع السابق، 1: 47، ص 118، 119.

[32] المرجع السابق، 1: 47، 48، ص 120، 121.

[33] المرجع السابق، 2: 14: 10، ص 168.

[34] المرجع السابق، 2: 15: 14، ص 174، 175.

[35] المرجع السابق، 3: 27: 39، ص 345.

[36] المرجع السابق، 2: 21: 65، ص 254.

[37] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 17: 5-7، ص 49، 50.

[38] المرجع السابق، 43: 6، ص 126.

[39] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 13: 60، ص 143، 144.

[40] المرجع السابق، 2: 20: 55، ص 240، 241.

[41] المرجع السابق، 2: 20: 56، ص 241، 242.

[42] المرجع السابق، 2: 21: 61، ص 249.

[43] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس (الرسالة الأولى إلى سرابيون الأسقف)، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 6، ص 44، 45.

[44] المرجع السابق، 1: 20، ص 78، 79.

[45] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 44: 2، 4، ص 128، 129.

[46] Athanasius (St.), Select Works and Letters (on Luke 10: 22), NPNF, Ser-II, Vol. IV, Trans. by A. T. Robertson, Edit. by P. Schaff & H. Wace, (New York: Christian Literature Co., 1892), p. 87-90.

[47] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 3: 26: 31، ص 333، 334.

[48] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى سرابيون، الفصل 9، ص 19.

[49] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أدلفيوس، الفصل 4، ص 27.

[50] المرجع السابق، الفصل 8، ص 31، 32.

[51] المرجع السابق، الرسالة إلى أبكتيتوس، الفصل 4، 5، ص 39.

[52] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 8: 4، ص 22.

[53] المرجع السابق، 9: 1، ص 23، 24.

[54] المرجع السابق، 16: 4، 5، ص 46، 47.

[55] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أبكتيتوس، الفصل 6، ص 41، 42.

[56] المرجع السابق، الفصل 9، ص 45.

[57] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 13: 9، ص 38، 39.

[58] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس إلى سرابيون الأسقف، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الرسالة الأولى إلى سرابيون، 1: 9، ص 52، 53.

[59] أثناسيوس (قديس)، الدفاع عن الهروب، ترجمة: ريمون يوسف، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 2011)، ص 32.

[60] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 22: 3، ص 64، 65.

[61] المرجع السابق، 25: 6، ص 73.

[62] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 2: 7، ص 45.

[63] المرجع السابق، 1: 11: 41، ص 109.

[64] المرجع السابق، 1: 11: 42، ص 111.

[65] المرجع السابق، 1: 12: 48، ص 122.

[66] المرجع السابق، 1: 13: 56، ص 136.

[67] المرجع السابق، 2: 19: 44، ص 224.

[68] المرجع السابق، 2: 22: 74، ص 269.

[69] المرجع السابق، 3: 25: 21، ص 319، 320.

[70] المرجع السابق، 1: 5: 15، ص 63.

[71] المرجع السابق، 1: 12: 50، ص 125، 126.

[72] المرجع السابق، 1: 11: 38، ص 105.

[73] مايكل باركر (قس، دكتور)، نظرة عامة على تاريخ المسيحية، ترجمة: ماريانا كتكوت، (القاهرة: دار الثقافة، 2019)، 183، 184.

[74] أليستر أي ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 162.

[75] المرجع السابق، ص 163.

[76] أنسلم الكانتربري (رئيس أساقفة)، لماذا تجسد الكلمة، ترجمة: القس إبراهيم سعيد، (القاهرة: دار الثقافة، 2021)، 1: 10، ص 35.

[77] المرجع السابق، 1: 11، ص 36.

[78] المرجع السابق، 1: 12، ص 39.

[79] المرجع السابق، 2: 15، ص 98.

[80] أليستر أي ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 192-194.

[81] نجد هنا تجسيد الصراع بين العدل والرحمة في جوهر الله.

[82] هذا هو تأليه الخطية، حيث وصف الخطية بالخطية غير المحدودة، وهو الشرح المعيب الذي يتبناه البعض في أيامنا هذه ويدافع عنه كما لو كان الأرثوذكسية، وهو في الحقيق شرح أنسلم الكانتربريّ في العصر الوسيط.

[83] فالتر كاسبر، يسوع المسيح، ترجمة: المطران يوحنا منصور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000)، ص 359- 361.

[84] للأسف هذا هو لاهوت المنادين بالبدلية العقابية في عصرنا، حيث يبدأون، مثل أنسلم ولاهوت العصر الوسيط،  بشرح تدبير الخلاص من مشكلة الخطيئة، ولا يبدأون من صلاح الله ومحبته للبشرية كدافع له من أجل التجسُّد والاتحاد بالبشرية، فهم يرون أن الخطية هي الدافع الأساسيّ والوحيد لتجسُّد الكلمة، وهذا عكس تعليم تدبير الخلاص عند الآباء اليونانيين الشرقيين، الذين يبدأون من صلاح الله ومحبته للبشرية ورغبته في الاتحاد بها.

[85] Anselm of Canterbury, Cur Deus Homo, 1: 2.

[86] Ibid, 1: 20.

[87] Ibid, 2: 6.

[88] چوناثان هيل، تاريخ الفكر المسيحي، ترجمة: سليم إسكندر ومايكل رأفت، (القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2012)، ص 144-147.

[89] لاهوتي أرثوذكسيّ، حرصنا أن نورد رأيه لأنه يشرح تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة علمية، وذلك للتأكيد على أنه لا يوجد شيء اسمه بدلية عقابية في التعليم الخلاصيّ للقديس أثناسيوس.

[90] نورمان راسل، عقيدة التأله في التقليد الآبائي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (القاهرة: مركز إبيفانيا للنشر والتوزيع، 2019)، ص 225.

[91] بروفيسور بروتستانتي مشيخيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بتجرُّد وحيادية وموضوعية بعيدًا عن انتماءاته الطائفية.

[92] يرتبط هذا المفهوم مع مفهوم المسيح المنتصر، حيث رأت نظرية الفدية موت المسيح كفدية مدفوعة لتحرير البشرية. حيث دُفِعَت، في عيون أوريجينوس، والعديد من الآباء اللاتين، الفدية للشيطان الذي أسر البشرية بسبب الخطية.

[93] النظرية هي أن المسيح قاسى العقوبة في موته من أجل كسرنا للناموس، ومات كبديل بدلاً عنا (العقابية، تتضمن العقوبة، أو العقاب القانوني، من الكلمة اللاتينية poena، عقاب، جزاء، بدلية).

[94] Thomas F. Torrance, Atonement, Edit. by Robert T. Walker, (USA: IVP Academics press, 2009), p. 56-58.

[95] Ibid, p. 72.

[96] Thomas F. Torrance, Divine Meaning: Studies in Patristic Hermeneutics, (Edinburgh: T&T Clark, 1995), p. 193.

[97] لاهوتي كاثوليكي ينتمي لكنيسة الروم الكاثوليك، يشرح بكل حيادية وأمانة مفهوم تدبير الخلاص عند ق. أثناسيوس.

[98] Khaled Anatolios, The soteriological significance of Christ’s humanity in St. Athanasius, (New York: St. Vladimir’s theological quarterly, vol. 40, 1996), pp. 265-286.

[99] J. Roldanus, Le Christ et l’homme dans la theologie d’Athanase d’Alexandrie, (Leiden: Brill, 1968), p. 164.

[100] بروفيسور بروتستاني كالفيني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بكل حيادية وأمانة علمية لاهوتية حتى لو عكس معتقدات طائفته.

[101] Louis Berkhof, The History of the Christian Doctrines, (Michigan, 1949), the doctrine of the atonement or the work of Christ, p. 125-129.

[102] Ibid.

[103] بروفيسور بروتستانتيّ مشيخيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بحيادية تامة موضوع الكفارة والفداء، حتى لو عكس معتقدات طائفته.

[104] R. S. Holmes, T & T Clark Companion to Atonement, Edit. by Andrews J. Johnson, (BLOOMSBURY: T & T CLARK, 2017), p. 306, 307.

[105] بروفيسور بروتستانتيّ مشيخي يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بكل أمانة وحيادية وموضوعية تدبير الخلاص والفداء بعيدًا عن الانتماءات والمعتقدات العقائدية لطائفته.

[106] J. N. D., Kelly, Early Christian doctrines, (London: Adam & Charles Black, 1968), 4th edit., p. 380.

[107] بروفيسور بروتستانتي إنجليكانيّ يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص والفداء بكل حيادية وأمانة علمية وأكاديمية بعيدًا عن معتقداته الطائفية.

[108] L. W. Grensted, A short History of The Doctrine of Atonement, (London & New York: Manchester University Press, 1920), p. 380.

[109] بروفيسور بروتستانتي إنجليكاني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح تدبير الخلاص بكل أمانة وحيادية وموضوعية بعيدًا عن انتماءاته الطائفية والعقائدية.

[110] Hastings Rashdall, The Idea of Atonement in Christian Theology, (London: MACMILLAN & CO., 1919), Lect. 4, p. 296.

[111] باحث لاهوتيّ بروتستانتي يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يشرح بكل أمانة وتجرُّد تدبير الخلاص والفداء حتى لو كان يُخالِف انتماءاته العقائدية.

[112] چوناثان هيل، تاريخ الفكر المسيحي، ترجمة: سليم إسكندر ومايكل رأفت، (القاهرة: مكتبة دار الكلمة للنشر والتوزيع، 2012)، ص 71.

[113] بروفيسور بروتستانتي إنجليكاني يؤمن بالبدلية العقابية، ولكنه يعرض بكل أمانة وحيادية وتجرُّد تدبير الخلاص والفداء حتى لو كان يتعارض مع انتماءاته العقائدية.

[114] أليستر أي. ماجراث، اللاهوت التاريخي، ترجمة: مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2022)، ص 82، 83.

[115] مطران روميّ أرثوذكسيّ، تحول من البروتستانية إلى الأرثوذكسية، لا يؤمن بالبدلية العقابية، ولكننا حرصنا على تسجيل شهادته في موضوع تدبير الخلاص، لكي نضع أمام القارئ العزيز رؤية كاملة وشاملة وموضوعية ومحايدة من كافة الطوائف المسيحية، لكي يتأكَّد أن هدف البحث هو موضع إجماع أكاديميّ عالميّ من كافة الطوائف، حيث يؤكدون جميعًا أنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم آباء الشرق عامةً، وق. أثناسيوس خاصةً.

[116] كاليستوس وير (مطران)، الكنيسة الأرثوذكسية إيمان وعقيدة، (منشورات النور، ١٩٨٢)، ص 50.

[117] المرجع السابق، ص 53.

[118] باحث روميّ أرثوذكسيّ، لا يؤمن بالبدلية العقابية، حرصنا على أن نعرض رأيه لنوضح إجماع الطوائف المسيحية سواء أرثوذكسية وكاثوليكية أو بروتستانية على أنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم ق. أثناسيوس.

[119] فلاديمير لوسكي، بحث في اللاهوت الصوفي لكنيسة الشرق، ترجمة: نقولا أبو مراد، مراجعة: رهبنة دير القديس جاورجيوس – دير الحرف، (لبنان: منشورات النور، 2000)، ص 149، 150.

[120] لاهوتي روميّ أرثوذكسيّ أكاديميّ معروف، لا يؤمن بالبدلية العقابية، حرصنا أن نأتي برأيه لنؤكد على الإجماع الأكاديميّ بأنه لا يوجد شيء اسمه ”بدلية عقابية“ في تعليم آباء الشرق عامةً، وق. أثناسيوس خاصةً.

[121] چورچ فلورفسكي (أب)، التجسد والفداء (موضوعات لاهوتية)، ترجمة: د. جرجس كامل يوسف، (القاهرة: دار جذور للنشر والتوزيع، 2016)، المقالة اللاهوتية التاسعة، ص 103، 104.

[122] لاهوتي وكادرينال كاثوليكيّ شهير، ورئيس لجنة السعي نحو الوحدة المسيحية، وهو كاردينال على مدينة روتنبرج بألمانيا، ولقد حرصنا على أن نعرض رأيه لأنه يشرح تدبير الخلاص بحسب ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة بعيدًا عن معتقداته وانتماءاته الطائفية.

[123] فالتر كاسبر، يسوع المسيح، ترجمة: المطران يوحنا منصور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2000)، ص 294.

[124] عالم آبائيات كاثوليكي وأستاذ الأدب الكلاسيكي القديم، وهو يؤمن بنظريات الترضية والإبدال العقابي، ولكنه عندما يشرح تعليم ق. أثناسيوس يشرح التعليم بكل أمانة وحيادية وتجرُّد من انتماءاته ونزعاته الطائفية.

[125] چوهانس كواستن، علم الآبائيات ”باترولوچيا“، مج3، ترجمة: الراهب غريغوريوس البرموسي ود. نادر مدحت، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2021)، ص 92-94.

[126] لاهوتية بروتستانية إنجليكانية تؤمن بالبدلية العقابية، ولكنها تنتقد نظرية أنسلم عن الترضية وإيفاء الدَّين بكل أمانة علمية وحيادية، حتى لو كان ذلك عكس قناعاتها الطائفية واللاهوتية.

[127] Katherine Sanderegger, T&T Clark Companion to Atonement (Anselmanian Atonement), Edit. by Adam J. Johnson, (London & New York: Bloomsbury, 2017), p. 177.

[128] لاهوتي كاثوليكي، نورد رأيه الأكاديمي المحايد حول مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس.

[129] Thomas G. Weinandy, T&T Clark Companion to Atonement (Athanasius’s Incarnational Soteriology), Edit. by Adam J. Johnson, (London & New York: Bloomsbury, 2017), p. 142.

[130] لاهوتي بروتستانتي لوثري، يؤمن بالبدلية العقابية، وهو أسقف سترنجراس بالسويد، حرصنا على أن نأتي برأيه المحايد حول مفهوم الدَّين عند ق. أثناسيوس.

[131] Gustaf Aulén, Christus Victor: An Historical Study of The Three Main Types of The Idea of Atonement, Trans. by A. G. Hebert, (London: S. P. C. K, 1975), p. 56.

[132] مطران روم كاثوليك يؤمن بالمعتقدات الكاثوليكية حول الكفارة والفداء، ولكنه عندما يشرح تدبير الخلاص في لاهوت ق. أثناسيوس، يشرحه بأمانة وتجرُّد وحيادية.

[133] كيرلس سليم بسترس وآخرون، تاريخ الفكر المسيحي عند آباء الكنيسة، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2001)، ص 461.

[134] المرجع السابق، ص 466.

[135] قس بروتستانتي مشيخي، يؤمن بالبدلية العقابية، كان أستاذ اللاهوت في الكلية الإنجيلية بالقاهرة، ورئيس السنودس الإنجيلي مرتين، ولكنه رغم انتماءاته الطائفية والعقائدية، إلا أنه يشرح تدبير الخلاص كما جاء في تعليم ق. أثناسيوس بكل حيادية وأمانة لاهوتية وأكاديمية بعيدًا عن معتقداته الطائفية.

[136] عبد المسيح اسطفانوس (قس، دكتور)، تاريخ الفكر المسيحي في القرون الأولى، (القاهرة، 2012)، ص 173، 174.

[137] المرجع السابق، ص 203.

تدبير الخلاص بين ق. أثناسيوس وأنسلم الكانتربري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

أوريجانوس وحرية الإرادة والحتمية السوتيريولوجية – د. عادل زكري

أوريجانوس وحرية الإرادة والحتمية السوتيريولوجية – د. عادل زكري

أوريجانوس وحرية الإرادة والحتمية السوتيريولوجية – د. عادل زكري

أوريجانوس وحرية الإرادة والحتمية السوتيريولوجية – د. عادل زكري

 

تحميل الكتاب PDF

المنظور الخلاصي عند القديس أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة – القس مينا القمص إسحق – موريس وهيب

المنظور الخلاصي عند القديس أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة[1] – القس مينا القمص إسحق – موريس وهيب

ترجمة: القس مينا القمص إسحق سعدÅ

الإكليريكي موريس وهيبÅÅ

المنظور الخلاصي عند القديس أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة – القس مينا القمص إسحق – موريس وهيب

 

لتحميل البحث بصيغة PDF

‌أ. تمهيد

في كثير من الأحيان يُفسر التجسد بطريقة ترى أن حالة إخلاء المسيح كافية لتتميم الخلاص. في حين أن قوله المعروف جيدًا: “إنه [أي الابن] أصبح إنسانًا حتى يُمكننا أن نصير آلهة” قد يوحي بهذا بسهولة، فإن العمل ككل يحتوي على نسيج غني يدرك الخلاص الذي يتحقق فقط من خلال التدبير الخلاصي بأكمله- أي، تجسده بجانب جميع أعمال الخلاص أثناء وجوده على الأرض بما في ذلك موته على الصليب وقيامته غير الفاسدة. في محاولة لتقديم رؤية القديس أثناسيوس المتعددة الأوجه للخلاص، نأمل في هذا المقال تقديم مساهمة في الفهم الحديث للخلاص في اللاهوت النظامي الذي يميل إلى عزل الأحداث المختلفة.

في تاريخ اللاهوت المسيحي، يمكن للمرء أن يكتشف اختلافًا كبير في فهم الخلاص، ولكن ليس بالضرورة أن يكون متعارضًا. في حين أن الفهم الغربي للخلاص هو الموت الذبائحي والفدائي للمسيح[2]– بصرف النظر عن تنوع النماذج ضمن هذا الإطار التأويلي المُعبر عنه في بعض الأحيان في مصطلحات “البدلية العقابية”[3] أو “الكفارة”[4] على سبيل المثال لا الحصر[5]– يُزعم أن الشرق يميل لربط الخطاب الخلاصي بحدث تجسد المسيح مما يجعل من الممكن تأليه الإنسان[6].

وهكذا، عندما يُنظر إليه من داخل مثل هذه المصطلحات الجدلية المتعارضة، فإن أولئك الذين يؤيدون النهج السابق، على سبيل المثال، يسارعون إلى الإشارة إلى أن ربط الخلاص فقط مع حدث التجسد دون الإشارة إلى موت المسيح يمكن أن يؤدي بسهولة إلى فهم عملية الخلاص بطريقة ميكانيكية مما يؤدي إلى ما وصفه أورمرود Ormerod بأنه “نوع من deus ex machina، النتيجة التلقائية للتجسد نفسه”[7].

ومع ذلك، فإن قصور كلا النهجين هو أن الأحداث المختلفة لحياة المسيح تكون معزولة النتائج في التماسك الداخلي لتدبير المسيح الخلاصي بأكمله– والتي لا تتضمن فقط موته على الصليب مع ولادته غير القابلة للفساد فحسب، بل أيضا تجسده، وبشارته الأرضية بالكامل- يتم تجاهلها إن لم يتم إهمالها كليًا. لا يوجد اليوم سوى القليل من الدراسات المعنية بتقديم عرض شامل أو موحد للخلاص، وهو ما يمثل علاقة متأصلة وعلاقة متبادلة بين تدبير المسيح الخلاصي بأكمله. وحجة هذا المقال هو طرح أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة، والذي له أهمية خاصة في هذا الصدد من حيث أنه يقدم رؤيا متعددة الأبعاد عن الخلاص بقوة وفاعلية، مما يفتح آفاقًا جديدة لرؤية أكثر شمولية ووضوح للخلاص في اللاهوت النظامي اليوم، في الواقع أنه يتميز بشمولية جذرية غير متوقعة[8].

 

‌ب. التأكيد الخلاصي لكتاب تجسد الكلمة

لطالما عُرف القديس أثناسيوس الكبير[9] كأحد أعظم المفكرين المسيحيين في الكنيسة الأولى. إن تأثيره الممتد عبر العصور واضح من حقيقة أن التراث الأثناسيوسي لا يزال ينعكس في الدراسات حتى يومنا هذا[10]. إن دوره في تشكيل هوية الإيمان النيقاوي والدخول في موجة جديدة وحاسمة من التأمل في التعاليم الأساسية للأسرار المسيحية هو على وجه العموم لا شك فيه من خلال الدراسات الحديثة بغض النظر عن تقييم شخصيته التي تقدم في ضوء مناسب أو غير مناسب[11].

فيما يتعلق بمساهمته اللاهوتية، أشار غوين Gwynn إلى أنه “لا يمكن لتاريخ العقيدة المسيحية أن يتغافل عن اسم أثناسيوس الإسكندري […] فقد نما تأثيره العقائدي مع تقدم الزمن ووضع الأسس للاهوتيين من الأجيال اللاحقة”[12]. بالإضافة إلى عنصرها التكويني للعقيدة المسيحية، فإن كتابات ق. أثناسيوس ككل تركز بشكل خلاصي، وتهتم في المقام الأول بإظهار الآثار الوجودية والخلاصية للرسالة المسيحية.

وبشكل أكثر تحديدًا، يمكن القول إن القديس أثناسيوس صاغ معظم كتاباته اللاهوتية، إن لم يكن جميعها، بطريقة تهتم بدرجة أكبر بتعزيز المغزى الخلاصي لحدث المسيح. ويظهر هذا بشكل خاص في واحد من أعماله الرئيسة المبكرة، وهو تجسد الكلمة[13]، والذي يتم دعمه اليوم باعتباره عملًا كلاسيكيًا من الأدب المسيحي، حيث تظهر الموضوعات الخلاصية أكثر وضوحًا من أي مكان آخر. وفي هذا الصدد، أشار بيترسن Pettersen إلى أن “اهتمامه الرئيس [أي القديس أثناسيوس] هو خلاص الله الكامل للبشرية الذي تم تأمينه من خلال التجسد”[14].

في الواقع، هذا التأويل الخلاصي على وجه التحديد هو الذي يجسد بشكل أفضل القصد العام للمقال ومناسبة العمل بالإضافة إلى خطوط تفاصيل النص. وبالفعل في الفصل الافتتاحي، يُوضح هذا بشكل صريح بواسطة القديس أثناسيوس حيث يرتبط التجسد ارتباطًا مباشرًا بالخلاص: “بسبب صلاح أبيه ومحبته للبشر، ظهر لنا في جسد بشري لأجل خلاصنا” (διά την ημών σωτηρίαν, έν άνθρωπίνω σώματι πεφανέρωται)[15].

ومن منظور عام، يتجه العمل نحو إظهار كيف أمكن خلاص الإنسان والعالم المخلوق من خلال الحياة المتجسدة لابن الله الوحيد. وفقًا لذلك، فإن الموضوع الرئيس الذي يسود النص بأكمله هو مركزية حياة الكلمة المتجسد على الأرض باعتبارها الذروة والتي لم تكشف فقط عن القوة الخلاصية للكلمة غير القابل للفساد، بل مكنت العالم أيضًا من قبول الحياة الإلهية والمشاركة فيها. ومن ثم يُفهم الكتاب على أفضل وجه عندما يُرى من إمكانية الخلاص التي يولدها التجسد- وفي الواقع، حياة المسيح كلها- بواسطة سد الفجوة الوجودية بين العوالم المخلوقة وغير المخلوقة[16].

إن الاهتمام الخلاصي الشامل الذي يقوم عليه النص بأكمله يتم تلخيصه بشكل مشهور بعبارة: “لقد صار إنسانًا لكي يؤلهنا” (αυτός γαρ ένηθρώπησεν, ινα ημεις θεοποιηθώμεν)[17]. في حين أن هذا قد يشير للوهلة الأولى إلى كفاية التجسد وحده للخلاص، فإن القراءة المتأنية للكتاب ككل لا تسمح بمثل هذا التفسير. في التفكير مليًا في فهم القديس لمصطلح “التجسد” (ένανθρώπησις)، على سبيل المثال، لاحظ Behr بقوة، أنه كان يجب فهمه من منظور أوسع لا يشمل فقط الحمل والولادة لابن الله من مريم، ولكن أيضًا آلامه على الصليب. ومما لا شك فيه أن هذا له آثار مهمة على لاهوت الخلاص اليوم لأنه يرتفع فوق المناقشات الحديثة في هذه العقيدة التي تميل إلى الرغبة في تمييز لحظات معينة من حياة المسيح- سواء الحبل به وولادته أو آلامه وصلبه أو قيامته- على أنها محددة حصريًا للخلاص.

ومع ذلك، من المثير للاهتمام أن Behr يبدو أنه يركز تركيزًا كبيرًا على تلك الفقرات التي تتعامل مع الصليب، مما يعطي الانطباع بأن الرؤية الأثناسيوسية الخلاصية مرتبطة حصريًا وفقط بالصليب[18]. هذا جدال هذا المقال في أن رؤية ق. أثناسيوس هي رؤية أكثر شمولية. في حين يمكن للمرء أن يقدر التركيز على فقرات الصليب عند Behr -وبالتحديد الرغبة في إثبات أهميتها خاصة ضد بهارناك Harnak وهانسون Hanson وغيرهم اللذين اتهموا القديس بجعل الخلاص عملية ميكانيكية دون أي حاجة لعمل المسيح الخلاصي على الصليب- إلا أن الرؤية الإثناسيوسية للخلاص تمتد إلى حياة المسيح وخدمته بأكملها حيث يجب النظر إلى الأحداث المختلفة من حياة المسيح من منظور سردي واحد موحد[19]. يتجه اهتمامنا الآن إلى بعض الفقرات المحددة التي تقدم رؤية متكاملة للخلاص.

 

‌ج. علم الخلاص وعلاقته بالتدبير الكامل لحياة المسيح

في الفصل الأول من كتاب تجسد الكلمة، نرى أن التجسد والصليب– وبالطبع حياة المسيح كلها- مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، وبالتالي لهما القدر نفسه من الأهمية للخلاص:

تعال- أيها الطوباوي، يا محبًا للمسيح بالحقيقة- لنتتبع الإيمان الحقيقي ونتحدث عن كل ما يتعلق بتأنس الكلمة ونبين كل ما يختص بظهوره الإلهي بيننا، ذلك الذي يسخر منه اليهود ويهزأ به اليونانيون، أما نحن فنسجد له رغم ضعفه الظاهري وذلك حتى تتقوى وتزداد تقواك به (أي بالكلمة). فكلما ازداد الاستهزاء من غير المؤمنين، بالكلمة، يُعطي هو شهادة أعظم عن ألوهيته، وكل ما يظْن البشر أنه مستحيل، فإن الله يثبت أنه ممكن، وكل ما يسخر منه البشر، كأمر غير لائق، هذا يجعله بصلاحه لائقًا. وكل ما يهزأون به- وهم يدعون الحكمة- على أنه أعمال بشرية فهذا كله يُظهره بقوته أنه أعمال إلهية. وهكذا، فمن ناحية يُحطم عن طريق الصليب- الذي يُظن أنه ضعف- كل ضلالات عبادة الأوثان، ومن ناحية أخرى يُقنع بطريقة خفية أولئك الهازئين وغير المؤمنين، حتى يدركوا ألوهيته وسلطانه[20].

تُقدم رؤية القديس الخلاصية هنا بقدر كبير من الوضوح والترابط والشمولية: لم يتم تحقيق الخلاص فقط من خلال الحمل والولادة لابن الله من قبل مريم، بل شمل حياة المسيح بأكملها، أي “ظهوره الإلهي” والذي بلغت ذروته بالصليب والقيامة[21]. يدمج القديس أثناسيوس حياة المسيح وعمله كله في خطته الخلاصية، وبذلك يقدمها في أوسع نطاق لها. بدأ التجسد عملية الخلاص من خلال منح البشرية “تقوى” متنامية بيسوع المسيح.

على الجانب الآخر، عمل الصليب على إقناع أولئك الذين لم يؤمنوا بأهمية التجسد. في موضع آخر من الكتاب، أشار القديس أثناسيوس إلى أنه من خلال التجسد عُرف الله وبذلك فتح الطريق نحو المعرفة الإلهية، بينما في موته، دمر المسيح الموت والفساد، تحت التأثير الذي يدور حوله العالم وبالتالي مكنه من الشركة في حياة الله[22]. وبغض النظر عن العواقب الخلاصية المختلفة التي تم التأكيد عليها، فإن المغزى واضح: كان القديس أثناسيوس أكثر اهتمامًا بدمج جميع جوانب حياة المسيح في رؤيته للخلاص.

وبالتالي، يمكن القول إن أعمال المسيح الخلاصية المتميزة، سواء كانت تجسده أو ظهوره الإلهي أو موته الكفاري على الصليب، شكلت وحدة موحدة، بحيث يكون من الأصح أن نتحدث ليس من حيث الأفعال المختلفة أو المتباينة- ناهيك عن عزل عمل واحد- ولكن من حيث التعبيرات المختلفة لعمل واحد متكامل للخلاص.

وما زلنا في الفصل الأول من الكتاب، ويمكن أيضًا إثبات أن الفهم الاختزالي الذي يريد تحديد أهمية الصليب وحده- أو بالنسبة لهذه المسألة التجسد- للخلاص لا يمكن الدفاع عنه. اعتبر القديس أثناسيوس التجسد والصليب معًا على وجه التحديد ليُبين أنهما لا يمكن فصلهما. يقدم النص قيد الفحص حدث التجسد استنادًا إلى الصور الكتابية التي وضحها القديس بولس بشكل خاص بالإشارة إلى الصليب. إذ بالإشارة إلى التجسد كحدث “يسخر منه اليهود ويهزأ به اليونانيون”، أراد القديس أثناسيوس عمدًا أن يربط التجسد بالصليب بهذه الطريقة مؤكدًا عدم انفصالهما عن الخلاص. وعلاوة على ذلك، فإن استخدام القديس أثناسيوس لمصطلح “يُحطم” (ευτέλεια) مرتين في مثل هذا المقاربة، أولًا بالإشارة إلى التجسد وثانيًا إلى الصليب، يجعل الارتباط والتوافق بين الحدثين أكثر وضوحًا.

لقد كان هذا التجاور بين أحداث التجسد والصليب على التوالي هو الذي جعل كل شيءأكثر تأكيدًا باستخدام المصطلح الوصفي نفسه- أي كلمة “يُحطم”- الذي قاد Behr بشكل صحيح إلى استنتاج أن مصطلح “التجسد” لا “يشير ببساطة إلى ولادة يسوع من مريم […] بل بالأحرى […] إلى ولادته عندما يُنظر إليه من منظور الصليب، ومن ثم يُصف فيه”[23]. وفقًا لـ Behr، كان الصليب هو الذي ألقى الضوء على الآثار الخلاصية الكاملة للتجسد، وأعطى معنى لها. وبعبارة أخرى، فإن الخلاص، وفقًا لرؤية ق. أثناسيوس، هو الأفضل تقديرًا عندما يُرى التجسد والصليب معًا.

هذا مفسر أكثر في مكان آخر في الكتاب حيث شدد القديس أثناسيوس على أهمية خدمة المسيح الأرضية من حيث تقديم الشهادة لألوهيته وتأكيدها، وبالتالي لا غنى عنها للخلاص. في الفصل 18، يُذكر القديس أثناسيوس، على سبيل المثال، قُراءه بأن المسيح “طهر البرص، جعل العرج يمشون، والصم يسمعون، والعمي يبصرون […] من أجل أن يرى أي شخص ألوهيته”[24] (την θεότητα θεωρείν). الفكرة نفسها المتعلقة بأهمية خدمة المسيح الأرضية قد تم التعبير عنها في عدة فصول من قبل:

ولهذا السبب أيضًا فإنه لم يتمم ذبيحته عن الكل بمجرد مجيئه مباشرة، بتقديم جسده للموت ثم إقامته ثانية. لأنه لو فعل ذلك لجعل ذاته غير ظاهر، ولكنه صير نفسه ظاهرًا جدًا بتلك الأعمال التي عملها وهو في الجسد والمعجزات التي أظهرها، وبذلك صار معروفًا أنه ليس بعد مجرد إنسان فقط بل أنه هو الله الكلمة[25].

وفقا للقديس أثناسيوس، لو كان ابن الله قد صُلب فور تجسده، فإن هذا لم يكن ليعطي الفرصة للعالم المخلوق أن يميز تدريجيًا الصفات الإلهية للمسيح المتجسد. وبالتالي، فقد كان الأفضل أن يصبح إنسانًا ويبقى كذلك ليتمم كل الإشارات المتوقعة من المسيا كما هو مُبين في أسفار العهد القديم، كي يمكن للعالم أن يتعرف على ألوهية يسوع وبالتالي يكون منفتحًا للخلاص.

بعد التأكيد على رؤية ق. أثناسيوس للخلاص على أنه يحتوي على نسيج غني يدرك الخلاص من منظور تدبير المسيح الخلاصي بأكمله، فإن هذا لا يعني التقليل من أهمية الصليب. بالفعل في هذا الفصل التمهيدي قيد الفحص، أُظهر الصليب على أنه مهم للغاية لأنه أظهر ألوهية المسيح بطريقة أكثر مثالية. ووفقًا للقديس، كلما ازدادت مهانة الأحداث المتعلقة بحياة المسيح، كلما اتضحت مفارقة تمييز مجد المسيح وألوهيته- المجد والإلوهية اللذين كانا له منذ الأزل مع الآب. لذلك، من هذا المنظور، أصبح الصليب هو أكمل عمل للخلاص لأنه كان بالتأكيد الحدث الأكثر إهانة لخدمة المسيح الأرضية.

وهكذا، بينما كان الصليب مهمًا جدًا للخلاص، وفقًا لفهم ق. أثناسيوس، إلا انه مع ذلك كان يجب رؤيته في التدبير الخلاصي بأكمله. ومن هذا المنطلق، يجب التعامل مع وصف ق. أثناسيوس لذبيحة المسيح على الصليب بأنها مهينة “على ما يبدو”- مرة أخرى، وصف يستخدم مرتين مع للإشارة إلى التجسد والصليب. بعيدًا عن الفهم بأي طريقة دوسيتية[26]، فإن هذين الحدثين على وجه الخصوص يوصفان بأنهما مهينان فقط في الظاهر بسبب أهميتهما الخلاصية الكامنة وراء المظهر الخارجي لهذه الأحداث. في مكان آخر يؤكد الكتاب بعبارات لا لبس فيها على حقيقة التجسد والصليب. وهكذا، على سبيل المثال، كتب القديس أثناسيوس في الفصل الثامن:

فقد أخذ لنفسه جسدًا لا يختلف عن جسدنا. لأنه لم يقصد أن يتجسد أو أن يظهر فقط، وإلا لو أنه أراد مجرد الظهور لأمكنه أن يتمم ظهوره الإلهي بطريقة أخرى اسمى وأفضل[27].

وفقًا لذلك، بينما كانت هذه في الواقع مهينة حقًا على المستوى الظاهري، فعلى المستوى اللاهوتي الأكثر عمقًا، كانت هذه الأحداث تحديدًا هي التي خُلص العالم من خلالها حيث أظهر المسيح أنه ليس سوى الابن الحقيقي وكلمة الآب. وبهذه الطريقة، لوصف القديس أثناسيوس التجسد والصليب بأنه “مهين ظاهريًا”، أراد أن يقدر قراءه الأهمية الخلاصية لهذه الأحداث معًا. وبالتالي، فإن الرؤية الخلاصية الأثناسيوسية قد اشتملت بشكل عام على حياة المسيح بأكملها: فهم تجسده بشكل صحيح من منظور الصليب، وحياته الأرضية جنبًا إلى جنب مع ذبيحته على الصليب كعلامات حقيقية لـ “ألوهيته وسلطانه”.

 

‌د. رواية خلاصية غير منتهية

إن النموذج الذي وضعه القديس أثناسيوس في الفصل الافتتاحي– أي الخلاص الذي تم بواسطة التدبير الكامل لحياة المسيح على الأرض- تكرر في جميع أنحاء الكتاب. وهكذا، وفي أعقاب قوله المعروف عن التجسد وفتح إمكانية الشركة في الحياة الإلهية لله، جادل القديس أثناسيوس بأن عمل المسيح الخلاصي وآثاره تميزت في الواقع بمثل هذه الوفرة إذ كان من المستحيل تعدادها:

[…] وأظهر نفسـه في جسد لكي نحصل على معرفة الآب غير المنظور، واحتمل إهانة البشر لكي نرث نحن عدم الموت […] وباختصار فإن الأعمال التي حققها المخلص بتأنسه عظيمة جدًا في نوعها وكثيرة في عددها، حتى أنه إذا أراد أحد أن يحصيها فإنه يصير مثل الذين يتفرسون في عرض البحر ويريدون أن يحصوا أمواجه[28].

مرة أخرى، فإن النقطة التي تم التشديد عليها هنا هي أهمية حياة المسيح بأكملها للخلاص. يتم شرح السبب الكامل والأساس المنطقي لخدمة المسيح المتجسد الأرضية من حيث توفير فرصة للعالم المخلوق لتحقيق المعرفة أو “فكرة” عن الآب وبهذه الطريقة “يرث عدم الموت (الفساد)”. ومع ذلك في هذه العملية، بعيدًا عن عزل أحداث معينة، ذهب القديس أثناسيوس إلى أبعد من ذلك مشيرًا إلى أن عمل المسيح الخلاصي كان بعيدًا جدًا وموسعًا بحيث لا يمكن تحديده بحدث واحد فقط لأن ما تم التأكيد عليه هو عمل المسيح “ككل”[29]. مرة أخرى، يشير هذا إلى أهمية دمج كل أحداث وأعمال خدمة المسيح على الأرض في الخلاص لأن كل ما فعله المسيح، هو من أجل خلاص العالم المخلوق. في فصل سابق، أوضح القديس سبب استحالة تحديد أعمال المسيح الخلاصية:

لأنه وهو الكائن الكلي القدرة وبارئ كل شيء، أعد الجسد في العذراء ليكون هيكلاً له وجعله جسده الخاص متخذًا إياه أداة ليسكن فيه ويُظهر ذاته به. […] فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفذ في جسد الرب[30].

يمكن بسهولة تفويت أهمية إبطال الفساد الذي يتم تحقيقه (πληρωθείσης) في “جسد الرب” لأنه يُقال فقط بشكل عابر وليس مطورًا على نطاق واسع. ومع ذلك، يمكن القول إنه يأخذ رؤيته الخلاصية الشاملة إلى مستوى آخر غير متوقع تمامًا، باختصار، ليس كل ما فعله المسيح خلال خدمته الأرضية كان مهمًا للخلاص، ولكن في الحقيقة كل ما استمر في عمله في “جسده الرباني”. في حين أن عبارة “الجسد الرباني” يمكن أن تكون مفتوحة لتفسيرات مختلفة- تحليل لا يهمنا هنا- أحد تلك التفسيرات الذي لا يمكن استبعادها بالكامل هو أنه إشارة إلى الكنيسة.

والنقطة التي يتم طرحها هنا ببساطة- وهي فكرة لا تنتقص من الجدل العام- هي أن مثل هذا الإطار الكنسي لن يتعارض مع الرواية الخلاصية للقديس أثناسيوس؛ بل على العكس، فإنه يكمل رؤية القديس للخلاص. بناءً على ذلك، إذا تم قبوله، يمكن تفسير معنى النص على أنه يعني أن عمل المسيح الخلاصي لم ينته بخدمته الأرضية ولكنه يستمر حتى يومنا هذا داخل الكنيسة، التي هي جسده. إن مثل هذا الفهم من شأنه أن يوضح إشارة القديس أثناسيوس إلى المدى الواسع لعمل المسيح الخلاصي، وسيكون ببساطة متوافقًا مع الاستخدام البولسي لصور “الجسد” باعتباره مرجعًا للكنيسة.

حتى لو رُفضت مثل هذه القراءة الكنسية لصالح قراءة أكثر حرفية- أي أن العبارة تعني ببساطة، الجسد الذي ينتمي إلى الرب- فهذا لا يؤثر على الاستنتاجات المقترحة هنا، أي أن عمل المسيح الخلاصي لا يزال مستمر على مر العصور. في هذا، كان من الممكن أن يُنظر إلى القديس أثناسيوس على أنه قد عبر عن رؤية شاملة ومستفيضة بشكل ملحوظ للخلاص، وهي رؤية لا يمكن حساب أفعالها التأسيسية لأنها لا تزال تتحقق حتى يومنا هذا.

بصرف النظر عن مثل هذا التفسير لهذه الفقرة، فإن عمل المسيح الذي لا يزال يتم تنفيذه يؤكد بالفعل الأعمال الخلاصية التي لا تنتهي والتي حققها المسيح- أو الأصح، التي حققها المسيح على مر العصور داخل الكنيسة- مما يوضح مدى رؤيته الشاملة للخلاص. وبالتالي، بعيدًا عن التركيز على عمل واحد في وقتٍ ما، طرح القديس أثناسيوس بشكل رائع رؤية للخلاص تجاوزت الزمن من خلال تضمين عمل المسيح في الماضي والحاضر والمستقبل.

 

‌ه. ملاحظات ختامية

استكشف المقال الرؤية الأثناسيوسية للخلاص، وبذلك أظهر السمة المميزة الشاملة. وبالفعل، في جميع أجزاء النص، تبين أن المرء كان قادرًا على الشعور بنص فرعي عميق، أي أنه كان على وجه التحديد قوة الشمول الراديكالية التي أصبحت معيارًا لخلاصه. على عكس المفاهيم الحديثة التي تميل إلى تحديد اللحظات المنعزلة في حياة المسيح باعتبارها حاسمة للخلاص، وبالنسبة إلى القديس أثناسيوس، فقد تبين أن الخلاص قد تحقق من خلال تدبير المسيح الخلاصي بأكمله- بما في ذلك كل ما فعله من خلال جسده الرباني، وأيضًا كل ما يستمر فعله في جسده الرباني، “الكنيسة”.

من خلال كونه إنسانًا، يعيش في العالم، يتألم ويموت، كان المسيح قادرًا على تدمير الموت بالموت ومن خلال قيامة جسده لاستعادة عدم الفساد وإعطاء العالم المخلوق عبر الزمن الفرصة داخل السياق الكنسي للمشاركة في حياة الله. لذلك، فإن رؤيته الشاملة للخلاص تقدم للمؤمنين اليوم “الحياة في المسيح”، وتمكنهم من العيش كمسيح، وأن يحبوا كمسيح، ويخدموا كمسيح وأن يكونوا واحدًا مع المسيح.

المنظور الخلاصي عند القديس أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة – القس مينا القمص إسحق – موريس وهيب

 

[1] هذه الترجمة لمقال:

Philip Kariatlis, Soteriological Insights in St Athanasius’ On the Incarnation, Phronema, vol. 28 (2), 2013, p. 21-34.

Å كاهن كنيسة مار مينا السراروة، بأبراشية جرجا، وخريج كلية الآداب جامعة سوهاج قسم ترجمة لعام 2013م، وخريج الكلية الإكليريكية بالأنبا رويس القسم النهاري دفعة 2017م، بتقدير عام امتياز، وطالب ماجستير بالكلية الإكليريكية بالأنبا رويس.

ÅÅ خريج كلية التجارة جامعة القاهرة لعام 2012م، خريج الكلية الإكليريكية بالأنبا رويس القسم النهاري دفعة 2017م، بتقدير عام امتياز، وطالب ماجستير بالكلية الإكليريكية بالأنبا رويس، ومُعيد بقسم اللاهوت بالكلية، ومدرس بمعهد الأنبا أثناسيوس بمطرانية ببا والفشن وسمسطا، ومحاضر وخادم بمدرسة تيرانس بالإسكندرية.

[2] الدلالة على هذا التعريف هو عنوان العمل الهام التالي في علم الخلاص بواسطة

John McIntyre, The Shape of Soteriology: Studies in the Doctrine of the Death of Christ (Edinburgh: T&T Clark, 1992). Cf. also Paul S. Fiddes, ‘Salvation,’ in The Oxford Handbook of Systematic Theology, ed. John Webster, Kathryn Tanner and lain Torrance (Oxford: Oxford University press, 2007), 178:

“[…] ربما كان أهم ميزة في الفهم المسيحي للخلاص هو”الكفارة”. […] وللمؤمنين المسيحيين تحدث الكفارة بسبب موت يسوع في الإعدام الروماني بعد ظهر يوم الجمعة […] إنهم يرون أن الصليب ليس مجرد إفشاء للعملية، بل كنقطة حاسمة للخلاص، والتي ينبع منها كل شيء”.

[3] في فصل حول البدلية العقابية، عرفه شرينر Schreiner على النحو التالي: “أُعرف البدلية العقابية على النحو التالي: الأب، بسبب حبه للبشر، أرسل ابنه (الذي قدم نفسه طواعية وبسرور) لإرضاء عدالة الله، ليأخذ المسيح مكان الخطاة. إن العقوبة والجزاء التي كنا نستحقه قد وُضع على يسوع المسيح عوضًا عنا، وهكذا في الصليب تتجسد قداسة الله ومحبته على حد سواء”.

Thomas R. Schreiner, ‘Penal Substitution View,’ in The Nature of the Atonement, ed. James Beilby and Paul R. Eddy (Downers Grove, IL: InterVarsify Press, 2006), 68.

[4] في عرضه للفهم المسيحي للخلاص، لاحظ فيديس Fiddes: “شيء ما في الله يتتطلب الإرضاء قبل أن يدخل الحب الغافر حيز التنفيذ: يقترح أنسيلم أن يكون هذا كرامة الله، وكالفن يؤكد أنه شريعة الله أيضًا. ولأن البشر مخالفين مذنبين، فمن المفترض أنه يجب دفع الدين للعدالة قبل أن يتم العفو عنه”

  1. Fiddes, ‘Salvation’, 179.

[5] هذان النموذجان ليسا شاملين بأي حال من الأحوال. على سبيل المثال، حدد مكلنتيري McIntyre في عمله على الأقل 11 نموذجًا من هذه النماذج: بعضها يشمل: الفدية، الفداء، التضحية، الاسترضاء، الكفارة، البدلية، المصالحة، العقاب، الرضا، التحرر.

Cf. j. McIntyre, The Shape of Soteriology, 29-52.

[6] الأعمال الأدبية هنا هائلة. تشمل بعض الأعمال الكلاسيكية كما يلي:

Norman Russell, Fellow Workers with God: Orthodox Thinking on Theosis, Foundations Series (Crestwood, NY: St Vladimir’s Seminary Press, 2009) and by the same author, The Doctrine of Deification in the Greek Patristic Tradition (Oxford: Oxford University Press, 2004), Georgios Patronos, The Deification ofthe Human Person [in Greek] (Athens: Domos, 1995), Panayiotis Nellas, Deification in Christ: Orthodox Perspectives on the Nature ofthe Human Person, trans. Nor- man Russell (Crestwood, NY: St Vladimir’s Seminary Press, 1987), Georgios Mantzaridis, The Deification of Man, trans. Liadain Sherrard (Crestwood, NY: St Vladimir’s Seminary Press, 1984) and Jules Gross, The Divinization of the Christian according to the Greek Fathers, trans. Paul Onica (Anaheim, California: A&c Press, 2002). Stephen Finían and Vladimir Kharlamov (eds.), Theosis: Deification in Christian Theology (Eugene, Oregen: Pickwick Publica- tions, 2006) and Vladimir Kharlamov (ed.), Theosis: Deification in Christian Theology, vol. 2 (Eugene, Oregen: Pickwick Publications, 2011).

يجب الإشارة إلى أنه على الرغم من أن فكرة التأله كانت مألوفة أكثر في التقليد الأرثوذكسي الشرقي، فمن المرحب به أن نرى مكانتها المتزايدة في اللاهوت الغربي، وتشمل بعض الأعمال الحديثة ما يلي:

Michael j. Christensen and Jeffery A. Wittung (eds.), Partakers of the Divine Nature: The History and Development of Deification in the Christian Traditions (Grand Rapids, Ml: Baker Aeademic, 2007).

أيضًا، المقالات التوضيحية التالية تخون القبول المتزايد للمصطلح في علم الخلاص الغربي:

Myk Habets, “‘Reformed Theosis?” A Response to Gannon Murphy,’ Theology Today 65 (2009): 489-498؛ Bemie A. Voon De Walle, “How High of a Christian Life?” A. B. Simpson and the Classie Doetrine of Theosis,’ Wesleyan Theologies! Journal 43.2 (2008): 136 153, and s. T. Kimbrough, ‘Theosis in the Writings of Charles Wesley,’ Vladimir’s Theological Quarterly 52.2 (2008): 199-212.

[7] Neil Ormerod, Creation, Grace and Redemption, Theology in Global Perspee- tive Series (Maryknoll, New York: Orbis Books, 2007), 94.

كما سيظهر في هذا المقال، تكلم القديس أثناسيوس عن الخلاص ليس فقط في سياق التجسد؛ وهكذا، فإن الاتهام الموجهة إليه بأن رؤيته للخلاص آلية أو تلقائية لا تصمد. كانت هذه التهم الموجهة أولًا ضد القديس أثناسيوس في أوائل القرن التاسع عشر من قبل أدولف فون هارناك Adolf von Harnak – واستمر عليها آخرون، على سبيل المثال هانسون Hanson- الذين اعتقدوا أن الإطار الأثناسيوسي للخلاص لم يكن بحاجة إلى موت المسيح الكفاري.

Cf. Adolf von Hamack, History of Dogma, vol. 3 (New York: Dover, 1961), 165.

[8] يجب أن يُذكر منذ البداية أنه لا يزال يتعين إجراء المزيد من الدراسة لفحص الطريقة التي تعمل بها “لحظات” مختلفة من حياة المسيح معًا كوحدة متكاملة عند القديس أثناسيوس في تجسد الكلمة.

[9] هذه هي الطريقة التي يشار بها إليها في التقليد الليتورجي الأرثوذكسي الشرقي الذي يُحتفل به مع إسكندري عظيم آخر، وهو القديس كيرلس الإسكندري في 18 يناير.

[10] Beyond the classic work on St Athanasius by Khaled Anatolios, Athanasius: The Coherence of his Thought (Eondon: Routledge, 1998), some more reeent works inelude: Thomas Weinandy, Athanasius: A Theological Introduction (Hampshire: Ashgate, 2007), Peter j. Eeithart, Athanasius, Eoundations of Theological Exegesis and Christian spirituality (Grand Rapids, Miehigan: Baker Aeademie, 2011) and Darid Gwynn, Athanasius of Alexandria: Bishop, Theologian, Ascetic, Father, Christian Theology in Context (Oxford: Oxford University ?ress, 2012).

[11] For a brief yet insightihl summary ofthe seholarship dealing with St Athanasius’ character, see D. w. H. Arnold, The Early Episcopal Career of Athanasius of Alexandria (Notre Dame: University of Notre Dame Press, 1991), 9-22.

[12] D. Gwynn, Athanasius of Alexandria, 55.

أيضًا ملاحظة بير Behr: “كتاب تجسد الكلمة، على وجه الخصوص، كان له تأثير كبير على اللاهوت لاحقًا. ويمكن وصفه تقريبًا بأنه تعريف محدد لعلم اللاهوت النيقاوي، وبالتأكيد كما فهمه التقليد البيزنطي المتأخر”.

John Behr, The Nicene Faith, part 1, Formation of Christian Theology, vol. 2 (Crestwood, NY; St Vladimir’s Seminary Press, 2004), 168-9.

[13] هناك الكثير من الجدل حول التاريخ الدقيق الذي كتب فيه كتاب تجسد الكلمة. في حين أنه كان من المتفق عليه في السابق أن الرسالة كتبت في أوائل عام 320م، أي قبل ترقيته للأسقفية، هناك اجماع متزايد اليوم على تأريخ الرسالة في منتصف الثلاثينات من القرن الرابع. للحصول على نظرة عامة عن الكتاب، انظر

Khaled Anatolios, Athanasius: The Coherence of his Thought (New York: Routeledge, 1998), 9-27.

غير أن تأريخ هذه الرسالة لا يؤثر على الحجة المقدمة في هذا المقال.

[14] Alvyn Fettersen, Athanasius (Fondon: G. Chapman, 1995), 109.

[15] On the Incarnation, 1 (PG 25, 97C). Unless otherwise stated the English translation o f the original text of On the Incarnation is that of John Behr from St Athanasius, On the Incarnation (Yonkers, New York: St V ladim ir’s Seminary Fress, 2011).

[16] تسلط بنية الكتاب الضوء على غرضه الخلاصي: بعد فصلين تمهيديين، نجد قسمين شاملين حول الآثار الخلاصية للتجسد (الفصل 3-10، 11-19). عندها فقط يوجه القديس انتباه قرائه إلى عمليتين خلاصيتين محددتين هما: آلام المسيح وذبيحته على الصليب (20-26)، تليها قيامته (26-32). يتبع ذلك قسمين كبيرين وهما دفاعان يدعمان عقلانية خطة المسيح الخلاصية الموجهة تحديدًا إلى اليهود (33-40) والأمم (4-55) على التوالي.

[17] On the Incarnation, 54 (PG 25, 192B).

[18] j. Behr, The Nicene Faith, 184-207.

[19] كما ذُكر أعلاه، فإنه يقع خارج نطاق هذا المقال لدراسة منفصلة عن الحمل والولادة والحياة والموت وإعادة توجيه المسيح من أجل معرفة كيفية دمج هذه الأحداث في علم الخلاص الخاص به. سيشكل هذا أساسًا للدراسة المستقبلية.

[20] تجسد الكلمة 1: 1-2

[21] لهذا السبب، فإن تعليقات هانسون بأن عقيدة القديس أثناسيوس عن التجسد “تكاد تلغي عقيدة التكفير” لا تصمد.

 (R. F. c. Hanson, The Searchfor the Christian Doctrine of God (Edinburgh: T&T Clark, 1988, 450)

في الواقع، ذهب هانسون إلى أبعد من ذلك بالقول إن “عقيدة التجسد التي وضعها القديس أثناسيوس قد ابتلعت تقريبًا أي عقيدة للتكفير، وجعلها غير ضرورية”.

  1. Hanson, The Search, 450.

[22] تجسد الكلمة 8: 3-4 “لأنه وهو الكائن الكلي القدرة وبارئ كل شيء، أعد الجسد في العذراء ليكون هيكلاً له وجعله جسده الخاص متخذًا إياه أداة ليسكن فيه ويُظهر ذاته به. وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولاً: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفذ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب). ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد، الذي جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم كما تُبيد النار القش”.

[23] j. Behr, The Nicene Faith, 185.

[24] On the Incarnation, 18 (FG 25, 128C).

[25] تجسد الكلمة 16: 4

[26] الدوسيتية Docetism هي فرقة فلسفية مسيحية متأثرة بالغنوصية ظهرت في القرن الثاني للميلاد عارضتها الكنائس المسيحية بشدة واعتبرتها هرطقة لأنها تؤكد على أن ناسوت (جسد) يسوع ليس له وجود حقيقي لأن الجسد مادي والمادة ليس لها وجود فعلي حقيقي في اعتقادهم (المترجم).

[27] تجسد الكلمة 8: 2-3

[28] تجسد الكلمة 54: 3-4

[29] On the Incarnation, 54 (FG 25, 192C).

[30] تجسد الكلمة 8: 3-4

المنظور الخلاصي عند القديس أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة – القس مينا القمص إسحق – موريس وهيب

عقيدة آلام المسيح وموته

عقيدة آلام المسيح وموته

عقيدة آلام المسيح وموته

الرابي اسحاق ابربنائل – יצחק אברבנאל (1437-1508)

بالرغم من انه لم ينسب النبوة لشخص المسيح، إلا أنه قد صرح بأن الترجوم والربوات القدماء نسبوا نبوة اشعياء 53 للمسيح، ففي تفسيره لنبوة اشعياء قال:

[السؤال الأول هو أن نعرف لمن قيلت هذه النبوة (اش 53). لأن حكماء النصارى يفسرونها على ذاك الرجل الذي عُلَّق بأورشليم في نهاية البيت (الهيكل) الثاني والذي بحسب رأيهم هو ابن الله -يتبارك اسمه- .. وفي الحقيقة فإن يوناثان بن عزيئيل ترجمها على المسيح العتيد أن يأتي وهذا أيضاً هو رأي الحكماء -ليدُم ذكرهم للأبد- في كثير من مدراشيهم][11]

 

 

مدراش تنحوما (تولدوث – 14)

[مكتوب “من أنت أيها الجبل العظيم!؟ أمام زربابل تصير سهلاً” (زك 4: 7) هذا هو المسيح ابن داود. ولماذا يدعو اسمه “الجبل العظيم”؟ -لأنه أعظم من الآباء، لإنه قيل “هوذا يعقل عبدي، يتعالى ويرتقي ويتسامى جداً” (اش 52: 13) يتعالى فوق ابرَهام ويرتقي فوق موسى ويتسامى فوق يعقوب][12]

תנחומא תולדות פרק יד [מי אתה הר הגדול לפני זרובבל למישור זה משיח בן דוד ולמה נקרא שמו הר הגדול שהוא גדול מן האבות שנאמר (ישעיה נב) הנה ישכיל עבדי ירום ונשא וגבה מאד ירום מאברהם ונשא מיצחק וגבה מיעקב]

 

(هذه العبارة مُكررة في أماكن اخرى كثيرة من التقليد: مدراش تنحوما بوبر (تولدوث – 20)، في مدراش الأجادا للتكوين (45)، يلكوت شمعوني لأشعياء (52: 476)، يلكوت شمعوني لزكريا (4: 571)[13]

 

 

مدراش كونن (2: 4)

هذا المدراش يعرض حواراً مُتخيلاً ما بين ايليا (المُمهِد) والمسيح (بن يوسف)، فيقول:

[وقال له: ستحمل الضيقات والدينونة من الحاني (الله) والتي عنَّاك بها عن خطايا إسرائيل وهكذا مكتوب “وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا” (اش 53: 5)، حتى الزمن الذي فيه تأتى النهاية] [14]

 

 

مدراش يلكوت شمعوني للمزامير (2: 620)

وهو من أهم المصادر بغض النظر عن كونه جُمِع في العصور الوسطى، لأنه يضم حوالي 50 مصدر قديم لكتابات اليهود المعاصرين لزمن المسيح وربما أقدم من تلك الفترة

[“وأنا مسحت ملكي” (مز 2: 6) .. لثلاثة أجزاء تُقسَّم الضيقات، واحدة لداود والآباء، وواحدة لجيلنا، وواحدة للملك المسيح، هذا هو المكتوب “مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا” (اش 53: 5)][15]

تجد نفس هذا التفسير في (مدراش المزامير –سونسينو- (16: 4))، يلكوت شمعوني للمزامير (16: 667)، أيضاً في مدراش صموئيل (19) [16]

 

التلمود البابلي (سنهدرين – 98 بـ)

[ما اسمه (المسيح)؟…. الربوات قالوا اسمه “المُعلِم الأبرص” كما قيل “لكن أحزاننا حملها واوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً” (اش 53: 4)][17]

بالرغم من أن الربوات هنا قد فسروا الضربة في الآية بأنها ضربة برص، لكنهم بشكل واضح نسبوا النبوة للمسيح.

 

 

التلمود البابلي (سنهدرين – 93 بـ)

[المسيح فيه مكتوب “ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب” (اش 11: 2) ومكتوب “ولذته تكون في مخافة الرب” (اش 11: 3أ)، قال الرابي الكسندري من هذا نتعلم انه حمّله بصفات حميدة وآلام كحجر الرحى][18]

 

 

بسيكتا ربتي (36) [آلام المسيح، قبول الآلام طواعية، الخلاص الشامل للأموات والأحياء وعبر كل العصور]

[سيبدأ القدوس ُمباركٌ أن يخبره (بما سيحدث معه) فيقول: هذه (النفوس) المخفية التي معك[19] خطاياهم ستحنيك تحت نير الحديد وستجعلك كعجل برزت عيناه (من المعاناة)، وسيخنقون روحك بنير، وبخطاياهم التي لهم سيلتصق لسانك بسقف فمك، هل ترتضي بهذا؟ – قال المسيح امام القدوس مُباركٌ هو:

أهذه المعاناة ستكون لسنوات كثيرة؟ – قال له القدوس مُباركٌ هو: بحياتك وبحياة رأسي، إسبوعاً واحداً (من السنين) قد حكمت عليك، (لكن) لو أن نفسك قد حزنت (بسبب هذا) فإني سأفنيهم الآن، قال (المسيح) أمامه: يا سيد العالمين، بفرح نفسي وبسعادة قلبي أنا أقبل عليَّ تلك المعاناة، لأجل أن لا يفنى واحداً من إسرائيل، وليس فقط الأحياء سيُخلَصون في أيامي، ولكن حتى هؤلاء المخفيين في التراب، وليس الأموات وحدهم سيُخلَّصون في أيامي ولكن أيضاً الاموات الذين ماتوا من أيام آدم الاول وحتى الآن.

وليس هؤلاء فقط سيُخلَّصون في ايامي، ولكن حتى الذين نزلوا (بالإجهاض) سيُخلَّصون في أيامي، وليس هؤلاء فقط سيُخلَّصون في ايامي ولكن كل الذين صعدوا في حُسبانك أن تخلقهم ولم يُخلقوا (بعد).

بهذا أنا أرتضي، وهذا أنا أقبل علىَّ. وفي تلك الساعة سيعدّ القدوس مُباركٌ هو (للمسيح) الأربع حيوانات الذين سيحملون عرش المجد الذي للمسيح[20] … في الإسبوع الذي يأتي فيه ابن داود (المسيح) سيجلبون (جيل المسيح) جسور الحديد ويضعوها على رقبته حتى تنحني قامته، فيصرخ ويبكي ويرفع صوته لأعلى قائلاً أمامه: يا سيد العالم، كم تكون قوتي (لتحتمل)؟، كم هي روحي (لتحتمل)؟ وكم هي نفسي (لتستمر)؟ وكم تكون اعضائي (لتحتمل)؟ ألست أنا من لحم ودم؟

عن تلك الساعة فإن داود قد بكى وقال: “يبست مثل شقفة قوتي” (مز 22: 15)، في هذه الساعة سيقول له القدوس مُباركٌ هو: إفرايم، مسيح برّي، أنت بالفعل قد قبلت عليك هذه (الآلام) منذ الأيام الستة الأولى (أيام الخلق)، الآن الآمك ستكون كآلامي][21]

تجد نفس هذا التفسير في [يلكوت شمعوني لأشعياء (60: 499)]

 

 

بسيكتا ربتي (37) [آلام المسيح، قبول الآلام طواعية]

[تعلمنا أن آباء العالم سيقومون في نيسان وسيقولون له (للمسيح): إفرايم، المسيح برَّنا، بالرغم من اننا آبائك، (لكنك) أنت أعظم[22] مننا، لأنك حملت خطايا ابنائنا ومرَّت عليك مآسي قاسية لم تمر على الأولين ولا الآخرين، صرت ضحكةً واستهزاءاً بين أمم العالم في سبيل اسرائيل، جلست في الظلمة والظلام وعيناك لم ترى نوراً، لصق جلدك بعظامك وجسدك يبس كخشبة (مراثي 4: 8)، وعيناك أظلمّت من الصوم، وقوتك يبست كالفخار، كل هذا بسبب خطايا ابنائنا ولرغبتك في أن يتمتع ابنائنا بهذا الصلاح الذي أعده القدوس مُباركٌ هو لإسرائيل.

أليس لأجل الضيق المتزايد الذي ستحتمله عنهم وحبسك في السجن، لن يرتاح ذهنك (منهم)؟ – سيقول لهم: يا آباء العالم كل ما فعلته لم افعله إلا في سبيلكم وفي سبيل ابنائكم ولمجدكم ولمجد ابنائكم حتى يتمتعوا بهذا الصلاح الذي أعده القدوس مُباركٌ هو لإسرائيل، قالوا له اباء العالم: إفرايم، مسيح برّنا فليستريح ذهنك لأنك أرحت ذهن قانيك وذهننا][23]

تجد نفس هذا التفسير في [يلكوت شمعوني لأشعياء (60: 499)]

 

 

الرابي مناحم عزريا من فانو (الايطالية) وعاش في القرن 16

[هوذا المسيح ليُكفِر عن اثنيهم (ادم وداود) سيضع نفسه ذبيحة إثم كالمكتوب بجانب هذا في تفسير “هوذا يعقل عبدي”، ذبيحة الإثم في حساب الحروف تساوي عبارة مناحم بن عميئيل[24] الذي فيه كُتِب (اش 53: 10) “يرى نسلا تطول ايامه ومسرة الرب بيده تنجح”][25]

 

 

الزوهر (2: 212 أ)

آلام نفسية [في الساعة التي يخبرون فيها المسيح عن معاناة إسرائيل في سبيهم وعن الأشرار الذين فيهم والذين لا يريدون أن يعرفوا سيدهم (الله)، سيرفع صوته ويبكي لأجل الأشرار الذين فيهم، كما كُتِب “وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا” (اشعياء 53: 5)..][26]

 

آلام جسدية:

[في جنة عدن يوُجد هيكل واحد، يُدعى هيكل ابناء المرض، ثم يدخل المسيح هذا الهيكل، ويدعو كل الأمراض والأوجاع والضيقات التي لإسرائيل لكى تُوضع عليه، كلهم يقعون عليه. ولولا أنه يحملهم عن إسرائيل ويضعهم على نفسه، لا يوجد إنسان قادراً أن يحمل ضيقات إسرائيل التي هي من اجل عصيانهم للتوراة. وهذا هو الذي كُتب عنه “لكن أحزاننا حملها واوجاعنا تحملها” (اشعياء 53: 4)][27]

 

آلام بدلية وكفارية:

[عندما كان إسرائيل في الارض المقدسة، فإنه بعباداتهم وقربانهم الذي يعملونه، نزعوا عنهم كل الأمراض الشريرة والمعاناة من العالم. (أما) الآن المسيح سينزعهم من ابناء العالم (بأن يحملها هو عنهم) حتى يخرج الانسان من هذا العالم ويقبل لدينونته][28]

 

 

مدراش رباه لراعوث (5: 6)

[تفسير آخر قيل عن الملك المسيح، “تقدمي إلى هنا” أي إقتربي للملكوت (مملكة المسيح)، “وأكلت من الخبز” هذا هو الخبز الملوكي، “إغمسي لقمتك في الخل” هي المعاناة كما قيل “وهو مجروح لأجل معاصينا” (اشعياء 53: 5)، “فجلست بجانب الحصَّادين” لأنه عتيد أن يؤخذ منه المُلك لوقت[29] كما قيل “وأجمع كل الأمم على أورشليم للمُحاربة، فتؤخذ المدينة ..” (زك 14: 2). “فناولها فريكاً” هي (المملكة) العتيدة أن ترجِع له (للمسيح) كما قيل  “ويضرب الأرض بقضيب فمه” (اش 11: 4)][30]

تجد نفس هذا التفسير في [يلكوت شمعوني- راعوث 2: 603]

 

 

في كتاب (محزور ليوم كيبور) وفيه صلوات تراثية ليوم عيد الكفارة

[فنينا في بؤسنا الى الآن، صخرتنا لم يجئ إلينا، رحلَّ عنَّا مسيح برَّنا، نرتجف وليس لنا من يبررنا، آثامنا ومعاصينا سيحمل، وهو “مجروح لأجل معاصينا” (اش 53: 5)، سيحمل على الكتف خطايانا، غفراناً سنجد لآثامنا، “وبحبره شُفينا” (اش 53: 5)..] [31]

ملحوظة: النص العبري لهذا الجزء من الصلاة هو في صورة سجعية.

 

موسى ابن ميمون (משה בן מימון) ومشهور بإسم الرمبام (הרמבם)[32]، في رسالته لليمن (אגרת תימן)

[لكن بخصوص ظهوره (المسيح)، معرفةً لا يُعرف عن ظهوره قبل أن يحدث ولا أن يُقال عليه أنه ابن فلان أومن العائلة الفلانية، لكن يقوم رجلاً ليس معروفاً من قبل ظهوره، المعجزات والعجائب التي يروها على يده فقط هي الدليل على صدق دعوته وعلى هذا قال القدوس مُباركٌ كما أخبرنا بخصوص هذا “هوذا الرجل “الغصن” اسمه ومن مكانه ينبت” (زك 6: 12) وقال اشعياء كمثل هذا بأنه سيظهر بدون أن يُعرف له أب أو أم أو عائلة “نبت قدامه كفرخ وكعرق من ارض يابسة” (اش 53: 2) …

لكن الحدث المُميز له هو أن في ساعة ظهوره سيرتعب ملوك الأرض من سماعهم عنه ويخافوا وترتاع ممالكهم، ويتآمروا كيف يقفون ضده في حرب أو في تمرد ولن يستطيعوا أن يطعنوه أو يتحدوه ولن يستطيعوا أن يضادوه، سيرتاعون من المعجزات التي سيروها على يديه وسيضعون أياديهم على أفواههم كما قال اشعياء عن هذا الوقت الذي فيه سيسمع الملوك له حيث قال: “من أجله يسد ملوك أفواههم لأنهم قد أبصروا ما لم يخبروا به وما لم يسمعوه فهموه ” (اش 52: 15)][33]

 

 

– الرابي موسى الشيخ (משה אלשיך)[34]

 [“هوذا..” (اش 52: 13)، الربوات -ليدوم ذكرهم للأبد- بفمٍ واحد أيدوا وقبلوا أنه على الملك المسيح يتكلم (النبي)، ومن بعدهم -ليدوم ذكرهم للأبد- فنحن نتمسك (بهذا الرأي)][35]

 

مدراش (لكح توف)[36] لسفر العدد (24)

[من أيام أجاج ملك عماليق بدأ مُلك اسرائيل، “ويتسامى (ירום) .. وترتفع (תנשא) مملكته” (عد 24: 7) في أيام المسيح كما قيل “هوذا عبدي يعقل يتعالى (נשׂא) ويرتقي ويتسامى جداً” (اش 52: 13)][37]

 

هرز هامبورج (הרץ הומברג)[38]، في كتابه هاقوريم (הכורם) في تفسير اش 53

[في نسب (اشعياء 53) على الملك المسيح نقول: أنه سيأتي في آخر الأيام في الوقت الذي يشاء فيه الرب أن يفدي شعبه من وسط أمم الأرض.. ولن يؤمنوا بكلامه الذي يخبرهم به فيأثمون ويتمردوا عليه ويقول له كل المُعيّرين والمجدفين والمُضطهدين: هي (أي آلامه) من عند الله، فهو مضروب من الله بسبب خطيئة نفسه (اش 53: 4)، هم لا يعلمون في البداية أن كل ما عاناه بسبب إثمهم قد حمله هو، لأن الرب اختار أن يجعله كذبيحة إثم (اش 53: 10)، كتيس الانطلاق (لا 16: 20-22) ليحمل كل آثام بيت اسرائيل (اش 53: 11)][39]

 

– الرابي سعديا ابن دنان (סעדיה אבן דנאן)[40]، هاجم الرابي يوسف ابن كاسبي وقال:

[والرابي يوسف بن كاسبي قد امتلأ قلبه قائلاً أن دارسي (تلك النبوة) فسروها على الملك المسيح – ليأت سريعاً في أيامنا- قد جعلوا المُضللين يطبقونها على يشوع!، فليسامحه الرب على هذا لأنه لم يتكلم بالصواب لأن ربواتنا حكماء التلمود -ليدوم ذكرهم للأبد- بقوة النبوة قد تكلموا كلامهم وهم آخذين بأيديهم مبادئ التفسير.. (قالوا أنها) تتكلم وترمز للملك المسيح][41]

 

 

– في سفر الجلجاليم (גלגולים)

سفر الجلجاليم ارجع (اشعياء 52: 13) إلى الملك المسيح ويقول عنه:

[“عبدي يعقل، يتعالى ويرتقي” ويقول الحكماء -ليدوم ذِكرهم للأبد- : سيتعالى (المسيح) عن آبرَهم جداً، وعن آدم الأول][42]

 

عقيدة آلام المسيح وموته

المسيحية في الكتب اليهودية – العقائد المسيحية في التراث اليهودي (متجدد)

المسيحية في الكتب اليهودية – العقائد المسيحية في التراث اليهودي (متجدد)

المسيحية في الكتب اليهودية – العقائد المسيحية في التراث اليهودي (متجدد)

 

دراسة وجمع وترجمة: صفحة المسيح في التراث اليهودي على الفيسبوك

كثيرا ما يظن بعض غير الدارسين وغير المتخصصين أن العقائد المسيحية جاءت فجأة للتاريخ عندما جاء المسيح بحسب الجسد أو عندما بدأ رسله الأطهار في البشارة للعالم أجمع، وهذا مناف تمام للحقيقة، حيث أن غالبية رسل المسيح له المجد كانوا من اليهود، بل أن الجيل الأول كان به عددا كبيرا من اليهود ينتظرون المسيا ويعرفون من يكون هو ويعرفون العقائد التي يعتقد بها اليهود في الأساس، ولهذا عندما أكمل وتمم وأوضح المسيح رموز هذه العقائد عندما تجسد، فإنهم لم وجودا المسيا محقق عقائدهم الذين تكلم عنها الرابوات قديما، فأصبحوا مسيحيين.

فالمسيحية ليست عقيدة إبتدأت من وقت تجسد المسيح، بل من وقع وجود الإنسان الأول آدم ثم عبر قرون طويلة من رعاية الله لشعبه إسرائيل وإعطائهم النبوات والرموز والوعود، ولهذا فالمسيحية هي كمال العقائد اليهودية الصحيحة، وهي تصحيح لبعض آراء الرابيين اليهود الخاطئة.

نقدم لكم في هذا الموضوع المتجدد، عددا من العقائد المسيحية الرئيسية، وأصولها في التقليد والكتابات اليهودية وكتابات الحاخاميم اليهود القدامى، راجين من الله القدير أن ينفع ويفيد كل باحث ولتكن هذه المعلومات للبركة دائمًا.

أولا: عقيدة توارث الطبيعة الفاسدة بعد السقوط

 

بركي رابي اليعزر (13)

[عندما أكل آدم من ثمر الشجرة رأى نفسه عاريا وانفتحت عيناه وصُرَّت أسنانه، فقال لها (لحواء): ما هذا الذي أعطيتني لآكل؟ لأن عينيا انفتحت وأسناني قد صُرَّت. مثلما صُرَّت اسناني هكذا تُصَّر أسنان كل الأجيال][1]

 

مدراش رباه للتثنية (9: 8)

[قال الرابي ليفي: بماذا يشبه (هذا) الأمر؟ – يشبه امرأة أخطأت فحُبِست في السجن وولدت هناك ابناً. كبر الطفل، (وعندما) مرّ الملك أمام السجن فبدأ هذا الطفل يبكي (قائلاً): يا سيدي الملك، لماذا انا محبوس في السجن؟ فقال له الملك: بسبب خطية أمك أنت موضوعاً ههنا. قال موسى: يا سيد العالم هناك 36 خطية إن تعدى انساناً على واحدةً منهم فهذا يستوجب أن يموت. فهل تعديت (أنا) على واحدةً منهم!؟ فلماذا تحكم عليَّ بالموت؟ – قال له: أنت ستموت بسبب خطية آدم (الانسان) الأول والذي جلب الموت للعالم][2]

 

الزوهار (1: 113 بـ)

[بكى الرابي شمعون وقال: الويل للعالم الذي أُمسِك بعد هذا، لأنه من هذا اليوم الذي فيه اغرت الحية الشريرة آدم، تسلطت (الحية) على آدم وعلى بني العالم. هي (الحية) قامت لتقاوم العالم، والعالم لا يستطيع أن يخرج من مزلتها حتى يأتي الملك المسيح. ويُقيم القدوس المبارك النائمين في التراب كما هو مكتوب “يبلع الموت إلى الأبد” (اش 25: 8) ومكتوب “أزيل.. الروح النجس من الأرض” (زك 13: 2)، و(لكن) إلى هذا الحين، هي (الحية) قائمة لتسحق أرواح كل بني البشر][3] (ترجمة بتصرف)

 

 

في طقس عيد الكفارة تقدم المرأة الحُبلى ذبيحتان. واحدة عن نفسها وواحدة عن جنينها

كيتسور شولحان عروخ

[من المُعتاد أن تُصنع ذبائح الكفارة في مساء يوم الكفارة في هزيع الصبح. لأنه حينئذ تتعاظم الرحمة. يأخذون ديكاً ليس مخصياً للذكر، وفرخة للأنثى، وللمرأة الحُبلى ديكاً وفرخة][4]

 

 

تسلط تصور الشر على الإنسان منذ ولادته (وراثة الطبيعة الفاسدة – الموت)

تسلط تصور الشر في التلمود البابلي (سنهدرين – 91 بـ)

[قال انطونينوس للرابي: منذ متى يتسلط تصور الشر على الانسان؟ من ساعة تكوينه أم من ساعة خروجه (من الرحم)؟ – قال له: منذ تكوينه، قال له: لو كان الأمر كذلك لقاوم وهو في بطن أمه وخرج، إنما (يتسلط عليه) من ساعة خروجه. قال رابي أن هذا هو الأمر الذي علمني إياه أنطونينوس ويعضده المقرآ[5] كما قيل “فعند الباب خطية رابضة” (تك 4: 7)][6]

تجد نفس هذا التفسير في مدراش رباه للتكوين (34: 10)

 

تسلط‎ تصور الشر في التلمود الأورشليمي (برخوث – 27 بـ)

[مكتوب “لأن تصور قلب الانسان شرير منذ حداثته -מנעריו-” (تك 8: 21)، قال الرابي يودن: مكتوب (מנעריו) أي من ساعة أن يتحرك (נער) ويخرج الى العالم][7]

 

تسلط ت‎صور الشر في آفوث درابي ناثان (16)

[بخصوص تصور الشر.. من بطن الأم (تكون) في الانسان، تكبر وتكون معه][8]

 

تسلط تصور الشر في تفسير راشي (تك 8: 21)

[“منذ حداثته מנעריו” (تك 8: 21)، مكتوب (מנעריו) أي منذ أن يتحرك ليخرج من بطن أمه يُوضع فيه تصور الشر][9]

* رداك أيد نفس هذا التفسير

 

تصور الشر لا ينتهي إلا بمجئ المسيح – مدراش رباه للخروج (46: 4)

[قال اسرائيل: يا سيد العالم، أنت كتبت عنا “هوذا كالطين بيد الفخاري أنتم هكذا بيدي يا بيت اسرائيل” (ار 18: 6) بالرغم من أننا خطائين ومُغيظين أمامك لا تبتعد عنا لأننا كالطين وأنت مصورنا. تعال وانظر، لو أن الفخاري صنع وعاءاً ويضع فيه صُرة فعندما يخرجه من الآتون لو وضع فيه انسان سائلاً فإنه سيُسكب من مكان الصُرة ويضيع السائل الذي فيه ..كذلك قال اسرائيل أمام القدوس مُباركٌ هو: يا سيد العالم لقد خلقت بنا تصور الشر منذ حداثتنا كما قيل “لأن تصور قلب الانسان شرير منذ حداثته -מנעריו-” (تك 8: 21) وهذا يجعلنا نخطأ أمامك ولم تنزع عنا (من يدفعنا لـ) الخطية، فرجاءاً انزعها عنا حتى بذلك نقدر أن نصنع مشيئتك، فقال لهم: إني أفعل ذلك في العالم الآتي (عصر المسيح) كما قيل “في ذلك اليوم يقول الرب أجمع الظالعة وأضم المطرودة والتي أضررت -הרעתי- بها” (مي 4: 6) ما هي “הרעתי”؟ – هي تصور الشر كما قيل “لأن تصور قلب الانسان شرير -רע- منذ حداثته” (تك 8: 21)][10]

 

 

ثانيا: عقيدة آلام المسيح وموته

المسيحية في الكتب اليهودية – العقائد المسيحية في التراث اليهودي

الرابي اسحاق ابربنائل – יצחק אברבנאל (1437-1508)

بالرغم من انه لم ينسب النبوة لشخص المسيح، إلا أنه قد صرح بأن الترجوم والربوات القدماء نسبوا نبوة اشعياء 53 للمسيح، ففي تفسيره لنبوة اشعياء قال:

[السؤال الأول هو أن نعرف لمن قيلت هذه النبوة (اش 53). لأن حكماء النصارى يفسرونها على ذاك الرجل الذي عُلَّق بأورشليم في نهاية البيت (الهيكل) الثاني والذي بحسب رأيهم هو ابن الله -يتبارك اسمه- .. وفي الحقيقة فإن يوناثان بن عزيئيل ترجمها على المسيح العتيد أن يأتي وهذا أيضاً هو رأي الحكماء -ليدُم ذكرهم للأبد- في كثير من مدراشيهم][11]

 

 

مدراش تنحوما (تولدوث – 14)

[مكتوب “من أنت أيها الجبل العظيم!؟ أمام زربابل تصير سهلاً” (زك 4: 7) هذا هو المسيح ابن داود. ولماذا يدعو اسمه “الجبل العظيم”؟ -لأنه أعظم من الآباء، لإنه قيل “هوذا يعقل عبدي، يتعالى ويرتقي ويتسامى جداً” (اش 52: 13) يتعالى فوق ابرَهام ويرتقي فوق موسى ويتسامى فوق يعقوب][12]

(هذه العبارة مُكررة في أماكن اخرى كثيرة من التقليد: مدراش تنحوما بوبر (تولدوث – 20)، في مدراش الأجادا للتكوين (45)، يلكوت شمعوني لأشعياء (52: 476)، يلكوت شمعوني لزكريا (4: 571)[13]

 

 

مدراش كونن (2: 4)

هذا المدراش يعرض حواراً مُتخيلاً ما بين ايليا (المُمهِد) والمسيح (بن يوسف)، فيقول:

[وقال له: ستحمل الضيقات والدينونة من الحاني (الله) والتي عنَّاك بها عن خطايا إسرائيل وهكذا مكتوب “وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا” (اش 53: 5)، حتى الزمن الذي فيه تأتى النهاية] [14]

 

 

مدراش يلكوت شمعوني للمزامير (2: 620)

وهو من أهم المصادر بغض النظر عن كونه جُمِع في العصور الوسطى، لأنه يضم حوالي 50 مصدر قديم لكتابات اليهود المعاصرين لزمن المسيح وربما أقدم من تلك الفترة

[“وأنا مسحت ملكي” (مز 2: 6) .. لثلاثة أجزاء تُقسَّم الضيقات، واحدة لداود والآباء، وواحدة لجيلنا، وواحدة للملك المسيح، هذا هو المكتوب “مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا” (اش 53: 5)][15]

تجد نفس هذا التفسير في (مدراش المزامير –سونسينو- (16: 4))، يلكوت شمعوني للمزامير (16: 667)، أيضاً في مدراش صموئيل (19) [16]

 

التلمود البابلي (سنهدرين – 98 بـ)

[ما اسمه (المسيح)؟…. الربوات قالوا اسمه “المُعلِم الأبرص” كما قيل “لكن أحزاننا حملها واوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً” (اش 53: 4)][17]

بالرغم من أن الربوات هنا قد فسروا الضربة في الآية بأنها ضربة برص، لكنهم بشكل واضح نسبوا النبوة للمسيح.

 

 

التلمود البابلي (سنهدرين – 93 بـ)

[المسيح فيه مكتوب “ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب” (اش 11: 2) ومكتوب “ولذته تكون في مخافة الرب” (اش 11: 3أ)، قال الرابي الكسندري من هذا نتعلم انه حمّله بصفات حميدة وآلام كحجر الرحى][18]

 

 

بسيكتا ربتي (36) [آلام المسيح، قبول الآلام طواعية، الخلاص الشامل للأموات والأحياء وعبر كل العصور]

[سيبدأ القدوس ُمباركٌ أن يخبره (بما سيحدث معه) فيقول: هذه (النفوس) المخفية التي معك[19] خطاياهم ستحنيك تحت نير الحديد وستجعلك كعجل برزت عيناه (من المعاناة)، وسيخنقون روحك بنير، وبخطاياهم التي لهم سيلتصق لسانك بسقف فمك، هل ترتضي بهذا؟ – قال المسيح امام القدوس مُباركٌ هو: أهذه المعاناة ستكون لسنوات كثيرة؟

– قال له القدوس مُباركٌ هو: بحياتك وبحياة رأسي، إسبوعاً واحداً (من السنين) قد حكمت عليك، (لكن) لو أن نفسك قد حزنت (بسبب هذا) فإني سأفنيهم الآن، قال (المسيح) أمامه: يا سيد العالمين، بفرح نفسي وبسعادة قلبي أنا أقبل عليَّ تلك المعاناة، لأجل أن لا يفنى واحداً من إسرائيل، وليس فقط الأحياء سيُخلَصون في أيامي، ولكن حتى هؤلاء المخفيين في التراب، وليس الأموات وحدهم سيُخلَّصون في أيامي ولكن أيضاً الاموات الذين ماتوا من أيام آدم الاول وحتى الآن. وليس هؤلاء فقط سيُخلَّصون في ايامي، ولكن حتى الذين نزلوا (بالإجهاض) سيُخلَّصون في أيامي، وليس هؤلاء فقط سيُخلَّصون في ايامي ولكن كل الذين صعدوا في حُسبانك أن تخلقهم ولم يُخلقوا (بعد).

بهذا أنا أرتضي، وهذا أنا أقبل علىَّ. وفي تلك الساعة سيعدّ القدوس مُباركٌ هو (للمسيح) الأربع حيوانات الذين سيحملون عرش المجد الذي للمسيح[20] … في الإسبوع الذي يأتي فيه ابن داود (المسيح) سيجلبون (جيل المسيح) جسور الحديد ويضعوها على رقبته حتى تنحني قامته، فيصرخ ويبكي ويرفع صوته لأعلى قائلاً أمامه: يا سيد العالم، كم تكون قوتي (لتحتمل)؟، كم هي روحي (لتحتمل)؟ وكم هي نفسي (لتستمر)؟ وكم تكون اعضائي (لتحتمل)؟ ألست أنا من لحم ودم؟، عن تلك الساعة فإن داود قد بكى وقال: “يبست مثل شقفة قوتي” (مز 22: 15)، في هذه الساعة سيقول له القدوس مُباركٌ هو: إفرايم، مسيح برّي، أنت بالفعل قد قبلت عليك هذه (الآلام) منذ الأيام الستة الأولى (أيام الخلق)، الآن الآمك ستكون كآلامي][21]

تجد نفس هذا التفسير في [يلكوت شمعوني لأشعياء (60: 499)]

 

 

بسيكتا ربتي (37) [آلام المسيح، قبول الآلام طواعية]

[تعلمنا أن آباء العالم سيقومون في نيسان وسيقولون له (للمسيح): إفرايم، المسيح برَّنا، بالرغم من اننا آبائك، (لكنك) أنت أعظم[22] مننا، لأنك حملت خطايا ابنائنا ومرَّت عليك مآسي قاسية لم تمر على الأولين ولا الآخرين، صرت ضحكةً واستهزاءاً بين أمم العالم في سبيل اسرائيل، جلست في الظلمة والظلام وعيناك لم ترى نوراً، لصق جلدك بعظامك وجسدك يبس كخشبة (مراثي 4: 8)، وعيناك أظلمّت من الصوم، وقوتك يبست كالفخار، كل هذا بسبب خطايا ابنائنا ولرغبتك في أن يتمتع ابنائنا بهذا الصلاح الذي أعده القدوس مُباركٌ هو لإسرائيل. أليس لأجل الضيق المتزايد الذي ستحتمله عنهم وحبسك في السجن، لن يرتاح ذهنك (منهم)؟ – سيقول لهم: يا آباء العالم كل ما فعلته لم افعله إلا في سبيلكم وفي سبيل ابنائكم ولمجدكم ولمجد ابنائكم حتى يتمتعوا بهذا الصلاح الذي أعده القدوس مُباركٌ هو لإسرائيل، قالوا له اباء العالم: إفرايم، مسيح برّنا فليستريح ذهنك لأنك أرحت ذهن قانيك وذهننا][23]

تجد نفس هذا التفسير في [يلكوت شمعوني لأشعياء (60: 499)]

 

 

الرابي مناحم عزريا من فانو (الايطالية) وعاش في القرن 16

[هوذا المسيح ليُكفِر عن اثنيهم (ادم وداود) سيضع نفسه ذبيحة إثم كالمكتوب بجانب هذا في تفسير “هوذا يعقل عبدي”، ذبيحة الإثم في حساب الحروف تساوي عبارة مناحم بن عميئيل[24] الذي فيه كُتِب (اش 53: 10) “يرى نسلا تطول ايامه ومسرة الرب بيده تنجح”][25]

 

 

الزوهر (2: 212 أ)

آلام نفسية [في الساعة التي يخبرون فيها المسيح عن معاناة إسرائيل في سبيهم وعن الأشرار الذين فيهم والذين لا يريدون أن يعرفوا سيدهم (الله)، سيرفع صوته ويبكي لأجل الأشرار الذين فيهم، كما كُتِب “وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا” (اشعياء 53: 5)..][26]

 

آلام جسدية:

[في جنة عدن يوُجد هيكل واحد، يُدعى هيكل ابناء المرض، ثم يدخل المسيح هذا الهيكل، ويدعو كل الأمراض والأوجاع والضيقات التي لإسرائيل لكى تُوضع عليه، كلهم يقعون عليه. ولولا أنه يحملهم عن إسرائيل ويضعهم على نفسه، لا يوجد إنسان قادراً أن يحمل ضيقات إسرائيل التي هي من اجل عصيانهم للتوراة. وهذا هو الذي كُتب عنه “لكن أحزاننا حملها واوجاعنا تحملها” (اشعياء 53: 4)][27]

 

آلام بدلية وكفارية:

[عندما كان إسرائيل في الارض المقدسة، فإنه بعباداتهم وقربانهم الذي يعملونه، نزعوا عنهم كل الأمراض الشريرة والمعاناة من العالم. (أما) الآن المسيح سينزعهم من ابناء العالم (بأن يحملها هو عنهم) حتى يخرج الانسان من هذا العالم ويقبل لدينونته][28]

 

مدراش رباه لراعوث (5: 6)

[تفسير آخر قيل عن الملك المسيح، “تقدمي إلى هنا” أي إقتربي للملكوت (مملكة المسيح)، “وأكلت من الخبز” هذا هو الخبز الملوكي، “إغمسي لقمتك في الخل” هي المعاناة كما قيل “وهو مجروح لأجل معاصينا” (اشعياء 53: 5)، “فجلست بجانب الحصَّادين” لأنه عتيد أن يؤخذ منه المُلك لوقت[29] كما قيل “وأجمع كل الأمم على أورشليم للمُحاربة، فتؤخذ المدينة ..” (زك 14: 2). “فناولها فريكاً” هي (المملكة) العتيدة أن ترجِع له (للمسيح) كما قيل  “ويضرب الأرض بقضيب فمه” (اش 11: 4)][30]

تجد نفس هذا التفسير في [يلكوت شمعوني- راعوث 2: 603]

 

 

في كتاب (محزور ليوم كيبور) وفيه صلوات تراثية ليوم عيد الكفارة

[فنينا في بؤسنا الى الآن، صخرتنا لم يجئ إلينا، رحلَّ عنَّا مسيح برَّنا، نرتجف وليس لنا من يبررنا، آثامنا ومعاصينا سيحمل، وهو “مجروح لأجل معاصينا” (اش 53: 5)، سيحمل على الكتف خطايانا، غفراناً سنجد لآثامنا، “وبحبره شُفينا” (اش 53: 5)..] [31]

ملحوظة: النص العبري لهذا الجزء من الصلاة هو في صورة سجعية.

 

موسى ابن ميمون (משה בן מימון) ومشهور بإسم الرمبام (הרמבם)[32]، في رسالته لليمن (אגרת תימן)

[لكن بخصوص ظهوره (المسيح)، معرفةً لا يُعرف عن ظهوره قبل أن يحدث ولا أن يُقال عليه أنه ابن فلان أومن العائلة الفلانية، لكن يقوم رجلاً ليس معروفاً من قبل ظهوره، المعجزات والعجائب التي يروها على يده فقط هي الدليل على صدق دعوته وعلى هذا قال القدوس مُباركٌ كما أخبرنا بخصوص هذا “هوذا الرجل “الغصن” اسمه ومن مكانه ينبت” (زك 6: 12) وقال اشعياء كمثل هذا بأنه سيظهر بدون أن يُعرف له أب أو أم أو عائلة “نبت قدامه كفرخ وكعرق من ارض يابسة” (اش 53: 2) …

لكن الحدث المُميز له هو أن في ساعة ظهوره سيرتعب ملوك الأرض من سماعهم عنه ويخافوا وترتاع ممالكهم، ويتآمروا كيف يقفون ضده في حرب أو في تمرد ولن يستطيعوا أن يطعنوه أو يتحدوه ولن يستطيعوا أن يضادوه، سيرتاعون من المعجزات التي سيروها على يديه وسيضعون أياديهم على أفواههم كما قال اشعياء عن هذا الوقت الذي فيه سيسمع الملوك له حيث قال: “من أجله يسد ملوك أفواههم لأنهم قد أبصروا ما لم يخبروا به وما لم يسمعوه فهموه ” (اش 52: 15)][33]

 

 

– الرابي موسى الشيخ (משה אלשיך)[34]

 [“هوذا..” (اش 52: 13)، الربوات -ليدوم ذكرهم للأبد- بفمٍ واحد أيدوا وقبلوا أنه على الملك المسيح يتكلم (النبي)، ومن بعدهم -ليدوم ذكرهم للأبد- فنحن نتمسك (بهذا الرأي)][35]

 

مدراش (لكح توف)[36] لسفر العدد (24)

[من أيام أجاج ملك عماليق بدأ مُلك اسرائيل، “ويتسامى (ירום) .. وترتفع (תנשא) مملكته” (عد 24: 7) في أيام المسيح كما قيل “هوذا عبدي يعقل يتعالى (נשׂא) ويرتقي ويتسامى جداً” (اش 52: 13)][37]

 

هرز هامبورج (הרץ הומברג)[38]، في كتابه هاقوريم (הכורם) في تفسير اش 53

[في نسب (اشعياء 53) على الملك المسيح نقول: أنه سيأتي في آخر الأيام في الوقت الذي يشاء فيه الرب أن يفدي شعبه من وسط أمم الأرض.. ولن يؤمنوا بكلامه الذي يخبرهم به فيأثمون ويتمردوا عليه ويقول له كل المُعيّرين والمجدفين والمُضطهدين: هي (أي آلامه) من عند الله، فهو مضروب من الله بسبب خطيئة نفسه (اش 53: 4)، هم لا يعلمون في البداية أن كل ما عاناه بسبب إثمهم قد حمله هو، لأن الرب اختار أن يجعله كذبيحة إثم (اش 53: 10)، كتيس الانطلاق (لا 16: 20-22) ليحمل كل آثام بيت اسرائيل (اش 53: 11)][39]

 

– الرابي سعديا ابن دنان (סעדיה אבן דנאן)[40]، هاجم الرابي يوسف ابن كاسبي وقال:

[والرابي يوسف بن كاسبي قد امتلأ قلبه قائلاً أن دارسي (تلك النبوة) فسروها على الملك المسيح – ليأت سريعاً في أيامنا- قد جعلوا المُضللين يطبقونها على يشوع!، فليسامحه الرب على هذا لأنه لم يتكلم بالصواب لأن ربواتنا حكماء التلمود -ليدوم ذكرهم للأبد- بقوة النبوة قد تكلموا كلامهم وهم آخذين بأيديهم مبادئ التفسير.. (قالوا أنها) تتكلم وترمز للملك المسيح][41]

 

 

– في سفر الجلجاليم (גלגולים)

سفر الجلجاليم ارجع (اشعياء 52: 13) إلى الملك المسيح ويقول عنه:

[“عبدي يعقل، يتعالى ويرتقي” ويقول الحكماء -ليدوم ذِكرهم للأبد- : سيتعالى (المسيح) عن آبرَهم جداً، وعن آدم الأول][42]

 

 

 

ثالثا: موت البار/المسيح يصنع كفارة

 

مدراش رباه للخروج (35: 4)

– ورد في المدراش حوار فلكلوري ما بين موسى النبي والله. فيه يرى موسى النبي بروح النبوة أنه سيأتي وقت لن توجد فيه خيمة الاجتماع أو الهيكل وبالتالي لن تُقدم الذبائح ولا القرابين فكيف تُغفَر خطايا إسرائيل آنذاك؟

[قال موسى أمام القدوس المبارك: ألن يأتي وقت لا يكون لهم (أي لإسرائيل) المسكن (أي خيمة الاجتماع) أو المقدس (أي الهيكل)، فماذا سيحدث لهم؟، قال القدوس مُباركٌ هو (الله) انا سآخذ باراً واحداً منهم وأجعله نائباً عنهم، وأكفر أنا عنهم عن كل خطاياهم، ولهذا مكتوب “وقتل كل مشتهيات العين” (مراثي 2: 4)][43]

 

– ربما يقول أحد أن النص هنا يتكلم عن النيابة بشكل عام (أن يكون البار نائباً عن الجميع) دون الموت لهذا البار. وللرد على هذا الإدعاء نذهب الى التلمود البابلي (موعد كتن – 28 أ)

[موت الأبرار يصنع كفارة][44]

 

– يقول الرابي يوسف البو[45] في كتاب المبادئ تعليقاً على نص التلمود

[وأحياناً تحل على البار شرور من أجل جميع الأمة، ليس من أجل عقابه وإنما لكي يكفرعن كل الأمة، وهذا لأن الرب المُبارك يُسرُّ بقيام العالم[46]، ويعلم أن البار سيقبل الآلام بترحاب ولن يتزمر على ما ناله من القدوس مُباركٌ هو. لهذا فالقدوس مُباركٌ هو يجلب الآلام على البار فيكفر عن الشر المُقدر أن يأتى على كل الأمة، وبهذا تكون كفارة عليهم. وهذا ما عناه ربواتنا -ليدوم ذكرهم- بقولهم “موت الأبرار يصنع كفارة”][47]

 

– نفس الفكرة موجودة بالزوهر اليهودي ولكن بتطبيق أوحد على المسيح

المسيح سيحمل وحده آلام وتأديبات اسرائيل على نفسه وليس غيره من يستطيع ان يفعل هذا 

الزوهر (2: 212 بـ)

آلام جسدية [في جنة عدن يوُجد هيكل واحد، يُدعى هيكل ابناء المرض، ثم يدخل المسيح هذا الهيكل، ويدعو كل الأمراض والأوجاع والضيقات التي لإسرائيل لكى تُوضع عليه، كلهم يقعون عليه. ولولا أنه يحملهم عن إسرائيل ويضعهم على نفسه، لا يوجد إنسان قادراً أن يحمل ضيقات إسرائيل التي هي من اجل عصيانهم للتوراة. وهذا هو الذي كُتب عنه “لكن أحزاننا حملها واوجاعنا تحملها” (اش 53: 4)][48]

 

– المغفرة كانت بالقرابين والذبائح أما بعد دمار الهيكل فأصبحت بالمسيح فقط الذي سيحمل الضيقات عنهم

آلام بدلية وكفارية [عندما كان إسرائيل في الارض المقدسة، فإنه بعباداتهم وقربانهم الذي يعموله، نزعوا عنهم كل الأمراض الشريرة والمعاناة من العالم. (أما) الآن المسيح سينزعهم من ابناء العالم (بأن يحملها هو عنهم) حتى يخرج الانسان من هذا العالم ويقبل لدينونته][49]

 

المسيحية في الكتب اليهودية – العقائد المسيحية في التراث اليهودي

رابعا: ألوهية المسيح

 

1- اسم المسيح “يهوه برنا”

أحد اهم الأسماء والتي تشير إلى لاهوت المسيح. فاسم “يهوه” هو اسم الرب الذي أعلنه الله لموسى النبي (خر 3: 15) وهذا الاسم خاص بالله ويخشاه اليهود ويتفادوا نطقه الى اليوم عملا بالوصية (خر 20: 7، تث 5: 11)، اسم الرب يهوه هو خاص بالله وليس لأي انسان مهما بلغت قيمته هذا أعلنه الوحي على لسان اشعياء النبي (42: 8)

 

مدراش رباه للمراثي (1: 51)

[ما هو إسم الملك المسيح؟ – رابي آبا ابن كهنا قال: اسمه “الرب” (يهوه-יהוה) كما قيل “وهذا هو إسمه الذي يدعونه به: الرب برنا (يهوه صدقينو – יהוה צדקנו)” (ار 23: 6)، قول آخر للرابي ليڤي: طوبى لمدينة إسمها كإسم ملكها، وإسم ملكها كإسم إلهها، طوبى لمدينة إسمها كإسم ملكها لأنه قيل “واسم المدينة من ذلك اليوم: الرب هناك (يهوه شمه – יהוה שמה)” (حز 48: 35)، وإسم ملكها كإسم إلهها لأنه قيل “وهذا هو إسمه الذي يدعونه به: الرب برنا (يهوه صدقينو – יהוה צדקנו)” ” (ار 23: 6)][50]

 

مدراش المزامير –سونسينو- (21: 2)

[ودعا (الرب) الملك المسيح بإسمه، كما قيل “وهذا هو اسمه الذي يدعونه به: الرب برَّنا (يهوه صدقينو – יהוה צדקנו)” (ار 23: 6)، ودُعيت أورشليم بإسمه كما قيل “واسم المدينة من ذلك اليوم: الرب هناك (يهوه شمه – יהוה שמה)” (حز 48: 35). قال الرابي ليڤي: طوبى لمدينة إسمها كإسم ملكها، وإسم ملكها كإسم إلهها، كما قيل المكتوب “ويقف ويرعى بقوة الرب” (مي 5: 4)، في تلك الساعة (يتم المكتوب) “بقوتك يفرح الملك” (مز 21: 1)][51]

 

 

2- أزلية المسيح

 

بسيكتا ربتي (33: 1) (ولادة المسيح قبل الخلق)

[“انا انا هو معزيكم” (اش 51: 12) هذا (يُرى) في ضوء المكتوب “انت الذي اريتنا ضيقات كثيرة ورديئة تعود فتحيينا ومن اعماق الارض تعود فتُصعدنا” (مز 71: 20) انت تجد أنه منذ بداية خلق العالم وُلِد الملك المسيح، فهو صعد في الحُسبان (الإلهي) حتى قبل ان يُخلق العالم، كذلك هو “ויֵצֵא قضيب من جذع يسى” (اش 11: 1) لم يُقال: يخرج ויֵצֵא (مستقبل) وإنما خرج וְיָצָא (ماضي)، كذلك أنت تجد مكتوباً في خلق العالم (أي تكوين 1) أنه مذكور عن العبودية للممالك وعن خلاص الملك المسيح … ومن أين أنت تقول أنه منذ بداية خلق العالم وُجِدَّ الملك المسيح ؟، “وروح الله يرف”(تك 1:2) هذا هو الملك المسيح وكذلك قيل “ويحل عليه روح الرب” (اش 11: 2)، ومتى يرف؟ “على وجه المياة” (تك 1:2) عندما تصبوا كالماء قلوبكم امام وجه الرب (فأنه حينئذ) “انا انا هو معزيكم” (اشعياء 51: 12)][52]

 

سفر أخنوخ الفصل 62 (يرجع الى 105-64 قبل الميلاد)

[7 لأنه منذ البداية، ابن الانسان مخفي، و(الله) العليّ ابقاه في محضر قوته وسيُظهِره للمختارين][53]

 

ترجوم يوناثان للأنبياء (مزامير 72: 17)

[يكون اسمه (المسيح) الى الدهر، ومن قبل[54]  أن تكون الشمس هو مدعو باسمه، ويتبارك بتزكيته كل الشعوب ويطوبونه[55]][56]

 

ترجوم يوناثان للأنبياء (ميخا 5: 1)

[وأنتِ يا بيت لحم افراتة، كنتي صغيرة على أن تُعدّي بين ألوف بيت يهوذا، فمنكِ أمامي يقوم المسيح ليصنع سلطاناً على اسرائيل، الذي اسمه مدعو منذ القديم منذ أيام الأزل][57]

 

ترجوم يوناثان للأنبياء (زكريا 4: 7)

[ماذا تساوي أنتِ (أيها) المملكة الغبية[58]  قدام زربابل؟، ألستِ كالسهل[59]!؟، لأنه يُظهِر مسيحه المدعو اسمه منذ القدم فيتسلط بكل الممالك][60]

 

مدراش المزامير -سونسينو- (90: 12)

[سبعة اشياء سبقت العالم بألفي عام، التوراة، وعرش المجد، وجنة عدن، والجهنم، والتوبة، والبيت المقدس المتعالي (السماوي)، واسم المسيح.. واسم المسيح محفور على حجر كريم على جسم المذبح][61]

 

بركي درابي اليعزر (3)

[سبعة اشياء خُلِقت قبل خلقة العالم وهم: التوراة، والجهنم، وجنة عدن، وعرش المجد، والبيت المقدس، والتوبة، واسم المسيح… اسم المسيح من أين؟ -إذ يقال “.. قدام الشمس يمتد (ינון) اسمه” (مز 72: 17) ومكتوب بمكان اخر “اما انت يا بيت لحم افراتة وانت صغيرة ان تكوني بين الوف يهوذا.. ومخارجه منذ القديم “(مي 5: 2) منذ القديم حتى قبل خلقة العالم][62]

 

التلمود البابلي (ندريم – 39 بـ)

[سبعة اشياء خُلِقت قبل خلقة العالم وهم: التوراة والتوبة، جنة عدن والجهنم، عرش المجد والبيت المقدس واسم المسيح… اسم المسيح لأنه مكتوب: “يكون اسمه إلى الدهر، قدام الشمس يمتد (ינין) اسمه” (مز 72: 17)][63]

 

 

3- المسيح يلبس لباس الله من تاج ولباس الملك

 

مدراش رباه للخروج (8: 1)

[ملكاً من لحم ودم لم يلبس التاج الذي له (الله)، والقدوس مُباركٌ هو (الله) عتيد ان يُلبِس التاج الذي له للملك المسيح، -وما هو التاج الذي للقدوس المبارك هو (الله) -ذهب إبريز كما قيل (نش 5: 10)”رأسه ذهب إبريز قصصه مسترسلة حالكة كالغراب”، ومكتوب (مز 21: 3) “..وضعت على رأسه تاجاً من الابريز”][64]

 

مدراش المزامير (21: 2)

[ملكاً من لحم ودم لم يلبس التاج الذي له (الله)، والقدوس مُباركٌ هو سيُعطي (التاج الذي له) للملك المسيح، لأنه قيل “..وضعت على رأسه تاجاً من الابريز” (مزامير 21: 3). ملكاً من لحم ودم لم يلبس الأرجوان الذي له (الله)، –  وما هو (الأرجوان الذي له)؟ – الجلال والبهاء، وفي الملك المسيح مكتوب “..جلال وبهاء تضع عليه” (مزامير 21: 5)][65]

 

مدراش رباه للعدد (15: 13)

[وللملك المسيح يلبس لباسه (الذي لله) لأنه قيل (مزامير 21: 5) “..جلال وبهاء تضع عليه”]

 

مدراش رباه للعدد (14: 3)

[اللباس الذي للقدوس المبارك هو (الله) جلال وبهاء لأنه قيل (مزامير 104: 1) “..جلال وبهاء (הוד והדר) لبست” واعطاه للمسيح كما قيل (مزامير 21: 5) “..جلال وبهاء (הוד והדר) تضع عليه”][66]

* نفس الجلال والمجد الذي حل في التابوت مدراش العدد 14: 22

 

مدراش رباه للعدد (15: 13)

[وللملك المسيح يلبس لباسه (الذي لله) لأنه قيل (مزامير 21: 5) “..جلال وبهاء تضع عليه”][67]

 

 

4- المسيح أعلى قامة من الناس والملائكة

مدراش تنحوما (تولدوث – 14)[68]

[“ترنيمة المصاعد‎، ‎ارفع عينيّ الى الجبال من حيث يأتي عوني‎” (مز 121: 1)، هذا هو المكتوب “من أنت أيها الجبل العظيم !؟ أمام زربابل تصير سهلاً ” (زك 4: 7) هذا هو المسيح بن داود -ولماذا ندعو اسمه “الجبل العظيم”؟ – لأنه أعظم من الآباء، لأنه قيل “هوذا يعقل عبدي، يتعالى ويرتقي ويتسامى جداً” (اش 52: 13)، يتعالى عن ابراهام ويرتقي عن اسحاق ويتسامى عن يعقوب،  يتعالى عن ابراهام الذي قيل فيه “رفعت يدي الى الرب” (تك 14: 22)، ويرتقي عن موسى الذي قيل فيه “..تقول لي احمله في حضنك كما يحمل المربي الرضيع” (عد 11: 12) ويسمو عن ملائكة الشرط كما قيل (عنها) “أما أطرها فعالية ومخيفة واطرها ملآنة عيوناً” (حز 1: 18)، لهذا قيل “من أنت أيها الجبل العظيم، -وممن هو يخرج؟ – من زربابل –ولماذا دُعيَّ اسمه زربابل –لأنه وُلِد ببابل. –ومن هو؟ – من داود][69]

هذا التفسير الربواتي مُكرر أكثر من خمس مرات في التراث القديم [مدراش تنحوما بوبر (تولدوث – 20)، مدراش الأجادا للتكوين (45)، يلكوت شمعوني (زكريا 4: 571)، يلكوت شمعوني (اشعياء 52: 476)]

 

سفر الجلجاليم (גלגולים)

سفر الجلجاليم ارجع (اشعياء 52: 13) إلى الملك المسيح ويقول عنه:

[“عبدي يعقل، يتعالى ويرتقي” ويقول الحكماء -ليدوم ذِكرهم للأبد- : سيتعالى (المسيح) عن آبرَهم جداً، وعن آدم الأول][70]

 

 

خامسا: عقيدة كلمة الله

 

المسيحية في الكتب اليهودية – العقائد المسيحية في التراث اليهودي

ترجوم يوناثان للأنبياء

الشاهد الأول (يشوع 1: 9)

ترجمة فاندايك            : أما أمرتك. تشدد وتشجّع. لا ترهب ولا ترتعب لان الرب الهك معك حيثما تذهب.

النص الماسوري          : הֲל֤וֹא צִוִּיתִ֙יךָ֙ חֲזַ֣ק וֶאֱמָ֔ץ אַֽל־תַּעֲרֹ֖ץ וְאַל־תֵּחָ֑ת כִּ֤י עִמְּךָ֙ יְהוָ֣ה אֱלֹהֶ֔יךָ בְּכֹ֖ל אֲשֶׁ֥ר תֵּלֵֽךְ׃  פ

نص الترجوم               : הְלָא פַקֵידְתָך תְקַף וְעֵילַם לָא תִדחַל וְלָא תִתְבַר אְרֵי בְסַעְדָך מֵימְרָא דַיְיָ אְלָהָך בְכָל אְתַר דִתהָך׃

ترجمة الترجوم            : أما أمرتك. تشدد وتشجّع. لا تخاف ولا تنكسر لان كلمة الرب إلهك في عونك. معك حيثما تذهب

 

الشاهد الثاني (يشوع 1: 17)

ترجمة فاندايك            : حسب كل ما سمعنا لموسى نسمع لك. انما الرب الهك يكون معك كما كان مع موسى.

النص الماسوري         : כְּכֹ֤ל אֲשֶׁר־שָׁמַ֨עְנוּ֙ אֶל־מֹשֶׁ֔ה כֵּ֖ן נִשְׁמַ֣ע אֵלֶ֑יךָ רַ֠ק יִֽהְיֶ֞ה יְהוָ֤ה אֱלֹהֶ֨יךָ֙ עִמָּ֔ךְ כַּאֲשֶׁ֥ר הָיָ֖ה עִם־מֹשֶֽׁה׃

نص الترجوم              : כְכָל דְקַבֵילנָא מִן מֹשַה כֵן נְקַבֵיל מִינָך לְחֹוד יְהֵי מֵימְרָא דַיְיָ אְלָהָך בְסַעְדָך כְמָא דַהְוָה בְסַעְדֵיה דְמֹשַה׃

ترجمة الترجوم            : كل ما قبلناه من موسى هكذا نقبله منك، ايضا لتكن كلمة الرب إلهك في عونك كما كانت في عون موسى.

 

الشاهد الثالث (يشوع 2: 12)

ترجمة فاندايك            : فالآن احلفا لي بالرب واعطياني علامة امانة. لاني قد عملت معكما معروفا. بان تعملا انتما ايضا مع بيت ابي معروفا.

النص الماسوري         : וְעַתָּ֗ה הִשָּֽׁבְעוּ־נָ֥א לִי֙ בַּֽיהוָ֔ה כִּי־עָשִׂ֥יתִי עִמָּכֶ֖ם חָ֑סֶד וַעֲשִׂיתֶ֨ם גַּם־אַתֶּ֜ם עִם־בֵּ֤ית אָבִי֙ חֶ֔סֶד וּנְתַתֶּ֥ם לִ֖י אֹ֥ות אֱמֶֽת׃

نص الترجوم              : וּכעַן קַיִימוּ כְעַן לִי בְמֵימְרָא דַיְיָ אְרֵי עְבַדִית עִמְכֹון טֵיבוּ וְתַעבְדוּן אַף אַתוּן עִם בֵית אַבָא טֵיבוּ וְתִתְנוּן לִי אָת דִקשֹוט׃

ترجمة الترجوم            : والآن احلفا لي حالاً بكلمة الرب انى عملت معكم معروفاً وانكم تعملون أيضاً مع بيت أبي معروفاً وتعطوني علامة أمانة.

 

ترجوم أونكيلوس للتوراة

الشاهد الرابع (تكوين 3: 8)

ترجمة فاندايك            : وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ

النص الماسوري         : וַֽיִּשְׁמְע֞וּ אֶת־ק֨וֹל יְהוָ֧ה אֱלֹהִ֛ים מִתְהַלֵּ֥ךְ בַּגָּ֖ן לְר֣וּחַ הַיּ֑וֹם וַיִּתְחַבֵּ֨א הָֽאָדָ֜ם וְאִשְׁתּ֗וֹ מִפְּנֵי֙ יְהוָ֣ה אֱלֹהִ֔ים בְּת֖וֹךְ עֵ֥ץ הַגָּֽן׃

نص الترجوم              : וּשמַעוּ יָת קָל מֵימְרָא דַיוי אֲלֹהִים מְהַלֵיך בְגִינְתָא לִמנָח יֹומָא וְאִיטְמַר אָדָם וְאִיתְתֵיה מִן קֳדָם יוי אֲלֹהִים בְגֹו אִילָן גִינְתָא׃

ترجمة الترجوم            : وسمعا صوت كلمة الرب الاله ماشيا في الجنة في (وقت) راحة اليوم، فاختبأ آدم وامرأته من أمام الرب الاله بداخل شجرة الجنة.

 

الشاهد الخامس (تكوين 15: 6)

ترجمة فاندايك            : فآمن بالرب فحسبه له برا.

النص الماسوري         : וְהֶאֱמִ֖ן בַּֽיהוָ֑ה וַיַּחְשְׁבֶ֥הָ לֹּ֖ו צְדָקָֽה׃

نص الترجوم              : וְהֵימֵין בְמֵימְרָא דַיוי וְחַשבַה לֵיה לְזָכוּ׃

ترجمة الترجوم            : فآمن بكلمة الرب فحسبه له لتزكيته

 

الشاهد السادس (تكوين 21: 23)

ترجمة فاندايك            : فالآن احلف لي بالله ههنا انك لا تغدر بي ولا بنسلي وذريّتي. كالمعروف الذي صنعت اليك تصنع اليّ والى الارض التي تغربت فيها.

النص الماسوري         : וְעַתָּה הִשָּׁבְעָה לִּי בֵאלֹהִים הֵנָּה אִם־תִּשְׁקֹר לִי וּלְנִינִי וּלְנֶכְדִּי כַּחֶסֶד אֲשֶׁר־עָשִׂיתִי עִמְּךָ תַּעֲשֶׂה עִמָּדִי וְעִם־הָאָרֶץ אֲשֶׁר־גַּרְתָּה בָּהּ׃

نص الترجوم              : וּכעַן קַיָים לִי בְמֵימְרָא דַיוי הָכָא דְלָא תְשַקַר בִי וּבִברִי וּבבַר בְרִי כְטֵיבוּתָא דַעֲבַדִית עִמָך תַעֲבֵיד עִמִי וְעִם ארעא דְאִתֹותבַת בַה׃

ترجمة الترجوم            : والآن احلف لي بكلمة الرب أنه لن تغدر بي ولا بابني ولا بابن ابني، كالمعروف الذي فعلت معك تفعل معي ومع الارض التي سكنت فيها

 

 

الشاهد السابع (تكوين 24: 3)

ترجمة فاندايك            : فاستحلفك بالرب اله السماء واله الارض ان لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين انا ساكن بينهم.

النص الماسوري         : וְאַשְׁבִּ֣יעֲךָ֔ בַּֽיהוָה֙ אֱלֹהֵ֣י הַשָּׁמַ֔יִם וֵֽאלֹהֵ֖י הָאָ֑רֶץ אֲשֶׁ֨ר לֹֽא־תִקַּ֤ח אִשָּׁה֙ לִבְנִ֔י מִבְּנוֹת֙ הַֽכְּנַעֲנִ֔י אֲשֶׁ֥ר אָנֹכִ֖י יוֹשֵׁ֥ב בְּקִרְבּֽוֹ׃

نص الترجوم              : וַאֲקַיֵים עֲלָך בְמֵימְרָא דַיוי אֲלָהָא דִשמַיָא וַאֲלָהָא דְאַרעָא דְלָא תִסַב אִתְתָא לִברִי מִבְנָת כְנַעֲנָאָה דַאֲנָא יָתֵיב בֵינֵיהֹון׃

ترجمة الترجوم            : فاستحلفك بكلمة الرب اله السماء واله الارض ان لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين انا ساكن بينهم

 

الشاهد الثامن (تكوين 26: 28)

ترجمة فاندايك            : فقالوا اننا قد رأينا ان الرب كان معك. فقلنا ليكن بيننا حلف بيننا وبينك ونقطع معك عهدا

النص الماسوري         : וַיֹּאמְר֗וּ רָאֹ֣ו רָאִינוּ֮ כִּֽי־הָיָ֣ה יְהוָ֣ה׀ עִמָּךְ֒ וַנֹּ֗אמֶר תְּהִ֨י נָ֥א אָלָ֛ה בֵּינֹותֵ֖ינוּ בֵּינֵ֣ינוּ וּבֵינֶ֑ךָ וְנִכְרְתָ֥ה בְרִ֖ית עִמָּֽךְ׃

نص الترجوم              : וַאֲמַרוּ מִחזָא חֲזֵינָא אֲרֵי הֲוָה מֵימְרָא דַיוי בְסַעֲדָך וַאֲמַרנָא תִתקַייַם כְעַן מֹומָתָא דַהוָת בֵין אֲבָהָתַנָא בֵינַנָא וּבֵינָך וְנִגזַר קְיָם עִמָך׃

ترجمة الترجوم            : فقالوا رؤيةً رأينا ان كلمة الرب في عونك. فليُقام (أو يتحقق) الحلف الذي كان بين آبائنا الآن بيننا وبينك ونقطع عهدا معك

 

الشاهد التاسع (تكوين 28: 20)

ترجمة فاندايك            : ونذر يعقوب نذرا قائلا: «إن كان الله معي، وحفظني في هذا الطريق الذي أنا سائر فيه، وأعطاني خبزا لآكل وثيابا لألبس،

النص الماسوري         : וַיִּדַּ֥ר יַעֲקֹ֖ב נֶ֣דֶר לֵאמֹ֑ר אִם־יִהְיֶ֨ה אֱלֹהִ֜ים עִמָּדִ֗י וּשְׁמָרַ֙נִי֙ בַּדֶּ֤רֶךְ הַזֶּה֙ אֲשֶׁ֣ר אָנֹכִ֣י הוֹלֵ֔ךְ וְנָֽתַן־לִ֥י לֶ֛חֶם לֶאֱכֹ֖ל וּבֶ֥גֶד לִלְבֹּֽשׁ׃

نص الترجوم              : וְקַיֵים יעקב קִיָם לְמֵימַר עִם יְהֵי מֵימְרָא דַיוי בְסַעֲדִי וְיִטְרִינַנִי בְאֹורחָא הָדָא דַאֲנָא אָזֵיל וְיִתֵן לִי לְחֵים לְמֵיכַל וּכסוּ לְמִלבַש׃

ترجمة الترجوم            : 

 

الشاهد العاشر (تكوين 39: 2-3)

ترجمة فاندايك            : 2 وكان الرب مع يوسف فكان رجلا ناجحا. وكان في بيت سيده المصري 3 ورأى سيده ان الرب معه وان كل ما يصنع كان الرب ينحجه بيده.

النص الماسوري         : וַיְהִ֤י יְהוָה֙ אֶת־יֹוסֵ֔ף וַיְהִ֖י אִ֣ישׁ מַצְלִ֑יחַ וַיְהִ֕י בְּבֵ֥ית אֲדֹנָ֖יו הַמִּצְרִֽי׃ וַיַּ֣רְא אֲדֹנָ֔יו כִּ֥י יְהוָ֖ה אִתֹּ֑ו וְכֹל֙ אֲשֶׁר־ה֣וּא עֹשֶׂ֔ה יְהוָ֖ה מַצְלִ֥יחַ בְּיָדֹֽו׃

نص الترجوم              : וַהֲוָה מֵימְרָא דַיוי בְסַעֲדֵיה דְיֹוסֵף וַהֲוָה גְבַר מַצלַח וַהֲוָה בְבֵית רִבֹונֵיה מִצרָאָה׃ וַחזָא רִבֹונֵיה אֲרֵי הוה מֵימְרָא דַיוי בְסַעֲדֵיה וְכֹל דְהוּא עֲבֵיד יוי מַצלַח בִידֵיה׃

ترجمة الترجوم            : وكان كلمة الرب في عون يوسف فكان رجلا ناجحا وكان في بيت سيده المصري ورأى سيده ان كلمة الرب في عونه وان كل ما يصنع، انجحه الرب بيده.

 

الشاهد الحادي عشر (أستير 1: 12) ترجوم أستير الأول

نص الترجوم              : וסריבת מלכתא ושתי למיעל בגזירת מימרא דייי ומלכא דאיתפקדת ביד רבניא ורגז מלכא לחדא וחימתיה רתחת ביה[71]

ترجمة الترجوم            : فأبت الملكة وشتي ان تأتي حسب أمر كلمة الرب والملك والذي صدر بيد القادة، فاغتاظ الملك جدا واشتعل غضبه فيه

 

الشاهد الثاني عشر (أستير 8: 10) ترجوم أستير الأول

نص الترجوم         : 10 וכתב בשום מימרא דיי ובשום מימרא דמלכא אחשורוש ואיסתתם בעזקת סיטומא דמלכא ושלח פיטקין בידא דרהטונין רהטי סוסואן ורכבי רכשא ערטוליני רמכין דאיתנטלו טחוליהון ואיקדרו פיסת כף רגליהון[72]

ترجمة الترجوم        : فكتب باسم كلمة الرب وباسم كلمة الملك احشويروش وختم بخاتم ختم الملك وارسل رسائل بايدي السعاة، سعاة الخيل وركاب الجياد المجردة والبغال منزوعة الطحال، فنُحتت بطون كفوف ارجلهم

 

 

الشاهد الثالث عشر (أيوب 1: 21) ترجوم أيوب

نص الترجوم              : 21     ואמר ערטלאי נפקית מכריסא דאמי וערטלאי איתוב תמן לבית קבורתא מימרא דייי יהב ומימרא דייי ובית דיניה נסב יהא שמא דייי מברך׃[73]

ترجمة الترجوم            : وقال عريانا خرجت من بطن امي وعريانا اعود الى هناك الى بيت قبري. كلمة الرب أعطى، كلمة الرب وبيت الدينونة أخذ، فليكن اسم الرب مباركاً

 

الشاهد الرابع عشر (أيوب 2: 9) ترجوم أيوب

نص الترجوم              : 9     ואמרת ליה דינה אתתיה עד כדון את מתוקף בשלימותך בריך מימרא דייי ומית[74]

ترجمة الترجوم            : فقالت له دينه امرأته: حتى الآن انت متمسك بكمالك! بارك كلمة الرب ومت

 

الشاهد الخامس عشر (تكوين 9: 16) ترجوم نيوفيتي

ترجمة فاندايك            : فمتى كانت القوس في السحاب أبصرها لأذكر ميثاقا ابديا بين الله وبين كل نفس حيّة في كل جسد على الارض.

النص الماسوري         : וְהָיְתָ֥ה הַקֶּ֖שֶׁת בֶּֽעָנָ֑ן וּרְאִיתִ֗יהָ לִזְכֹּר֙ בְּרִ֣ית עֹולָ֔ם בֵּ֣ין אֱלֹהִ֔ים וּבֵין֙ כָּל־נֶ֣פֶשׁ חַיָּ֔ה בְּכָל־בָּשָׂ֖ר אֲשֶׁ֥ר עַל־הָאָֽרֶץ׃

نص الترجوم             : ותהוי קשתא בעננא ואחמי יתה למדכרה קיים עלם בין מימרא דייי ובין כל נפש חיתה בכל בשרא די על ארעא׃[75]

ترجمة الترجوم            : فمتى كانت القوس في السحاب فابصرها لاذكر عهدا ابديا بين كلمة الرب وبين كل نفس حيّة في كل جسد على الأرض.

 

 

قدرة المسيح المعجزية على الطبيعة

 

وجد ضمن مخطوطات قمران (البحر الميت/صحراء يهودا) نص دعي بالرؤيا المسيحانيه (Messianic Apocalypse) [Q521 Frag. 2 ii]

 

لان فيه قد دون جماعة قمران تقليد يظهر الأعمال التي خصصت فقط للمسيح المنتظر:

01 [لأن السـ]ـموات والأرض سيسمعون لمسيحه

02 [وكل مـ]ـا فيهم لن يحيد عن وصايا (الـ)ـقديسين

03 فتشجعوا (يا) طالبي السيد² بخدمته

 

1 [כי הש]מים והארץ ישמעו למשיחו

2 [וכל א]שר בם לוא יסוג ממצות קדושים

3 התאמצו מבקשי אדני בעבדתו

 

قدرة المسيح المعجزية على الطبيعة

 

 

سادسا: ظهور الرب وتجليه

 

1- فكرة النزول مشروعة وهي بسبب ارادة الله لخلاصنا

 مدراش رباه للخروج (12: 3)

[قال داود ان القدوس مُباركٌ هو قد قرر “السماوات سماوات للرب، أما الأرض فأعطاها لبني آدم” (مز 135: 6) هذا يُمثل بملك قرر ان لا ينزل أهل روما الى سوريا وأهل سوريا لا يصعدون الى روما، فعندما خلق القدوس مُباركٌ هو العالم قرر وقال “السماوات سماوات للرب، أما الأرض فأعطاها لبني آدم” لكن عندما همّ ان يعطي التوراة (الشريعة) أبطل قراره الأول وقال: فليصعد اللذين بالأسفل ولينزل اللذين بالأعلى، وأنا سأبدأ (تنفيذ القرار) لهذا قيل “ونزل الرب على جبل سيناء” (خر 19: 20)، ومكتوب “وقال لموسى: اصعد الى الرب” (خر 24: 1)، لهذا “كل ما شاء الرب صنع في السماوات وفي الأرض” (مز 135: 6)][76]

 

 

2- كل ما فعله الرب من معجزات في البرية سيتكرر في صهيون في آخر الأيام.

فكما ظهر الرب لهم بالتدريج (عليقة ثم عمود نار وسحاب ثم ظهر بمجده العظيم أخيراً على الجبل، هكذا الرب سيظهر لاسرائيل ولكن بالتدريج (من جهة المجد) لأنه لو ظهر لهم مرة واحدة سيموتون. وفي النهاية سيروه رؤى العين.

 

مدراش تنحوما للتثنية (1)

[كل المعجزات التي صنعها (الرب) لإسرائيل في البرية، هكذا سيصنعها لهم في صهيون (آخر الأيام)..

في البرية ” الأرض ارتعدت، السموات أيضاً قطرت ” (مز 68: 8)، وفي صهيون ” فأزلزل السموات والأرض ” (حج 2: 6). في البرية “وكان الرب يسير أمامهم ” (خر 13: 21)، وفي صهيون ” لأن الرب سائر أمامكم ” (اش 52: 12)، في البرية ” لأن الرب يرجع ليفرح لك ” (تث 30: 9)، وفي صهيون “فأبتهج بأورشليم وافرح بشعبي ” (اش 65: 19). “تفرح البرية والأرض اليابسة ” (اش 35: 1) -ماذا رأى اشعياء ليقول هكذا؟ -عندما تعدى اسرائيل (وصايا) التوراة، قام هوشع وقال: “وأجعلها كقفر وأصيرها كأرض يابسة ” (هو 2: 3) ولهذا قال اشعياء “تفرح البرية والأرض اليابسة “..

تفسير آخر “تفرح البرية والأرض اليابسة ” (اش 35: 1) – لماذا كُتِب هكذا؟ – لتعليمك أنه في ساعة أن أظهر القدوس مًباركٌ هو شكينته على اسرائيل لم يظهر لهم (هذا) في مرة واحدة. لأنهم لن يستطيعوا أن يقفوا في هذا الحُسن مرة واحدة، لأنه لو اظهر لهم حُسنه مرة واحدة سيموتوا جميعهم. انظر ما هو مكتوب “ومنذ الأزل لم يسمعوا ولم يصغوا لم ترى عين إلهاً غيرك يصنع لمن ينتظره” (اش 64: 4). اذهب وتعلم من يوسف، في ساعة أن عُرِف من أخوته بعد كماً من السنين. قال لهم: “أنا يوسف” (تك 45: 3) ماتوا جميعهم إذ لم يستطيعوا أن يجيبوه (تك 45: 3). فكم وكم بالأحرى (القدوس مُباركٌ هو عندما سيظهر). –فماذا سيفعل القدوس مُباركٌ هو؟ – سيظهر لهم رويداً رويداً.

في البداية من رمال البرية، كما قيل “تفرح البرية والأرض اليابسة ” (اش 35: 1 أ). وبعدها “يبتهج القفر ويزهر كالنرجس”(1 بـ) وبعدها “يزهر إزهاراً” (2 أ) وبعدها “يُدفع إليه مجد لبنان” (2 بـ) وبعدها “هم يرون مجد الرب بهاء إلهنا” (2 جـ). لهذا قال داود: “إذ بنى الرب صهيون، يُرى بمجده” (مز 102: 16)، ويُقال “لأنهم يُبصرون عيناً لعين عند رجوع الرب الى صهيون” (اش 52: 8) ويُقال “ويُقال في هذا اليوم: هوذا هذا إلهنا انتظرناه فخلصنا” (اش 25: 9)][77]

 

 

3- الرب سينزل وسيتجلى آخر الايام

مدراش رباه لراعوث (5: 6)

[قال الرابي اسحاق بن مريون: في النهاية فإن القدوس مُباركٌ هو سيتجلى لهم وسيُنزل المنَّ لهم. –من أين؟ – “.. فليس تحت الشمس جديد” (جا 1: 9)][78]

تجد نفس هذا التفسير في مدراش رباه للعدد (11: 2)، مدراش رباه لراعوث (5: 6)

 

سابعا: موت المسيح

 

نبوة زكريا 12: 10-12

التلمود البابلي (سوكه – 52 أ)

 [“.. وتنوح الأرض عشائر عشائر..” (زك 12: 12).. لماذا سينوحون؟، انقسم (الرأي) في هذا الرابي دوسا والربوات، أحدهم قال على المسيح بن يوسف والذي سيُقتل، وأحدهم قال على تصورات الشر والتي ستُقتل تماماً، بخصوص الأمر على المسيح بن يوسف والذي سيُقتل فإنه مكتوب “وينظرون إليَّ الذي طعنوه وينوحون عليه كنائح على وحيد له” (زك 12: 10)، أما بخصوص الأمر على تصورات الشر والتي ستُقتل أهذه مناسبة للنوح؟ أليست مُناسبة للفرح؟ فلماذا سيبكون؟][79]

تجد نفس هذا التفسير في التلمود الأورشليمي (سوكه – 23 بـ)

 

 

التلمود البابلي (سوكه – 52 أ) [عن قيامة المسيح من الموت]

[علَّم ربواتنا أن المسيح بن دواد – المُزمع أن يظهر سريعاً في أيامنا- سيقول له القدوس مُباركٌ هو: اسألني[80] أمراً فأعطيك، لأنه قيل “أني أخبر من جهة قضاء.. انا اليوم ولدتك، اسألني فأعطيك الأمم ميراثك”(مزمور 2: 7-8)، فعندما يرى المسيح ابن يوسف مقتولاً سيقول امامه: يا سيد العالم انا لن اسألك شيئا إلا حياة، سيقول له: “حياةً” حتى قبل ان تقولها، فقد تنبأ عليك داود أبيك كما قيل “حياة سألك فأعطيته” (مزمور 21: 4)][81]

 

 

الرابي موسى الشيخ (משה אלשיך) في تفسير (زكريا 12: 10)

[“وينظروا اليَّ” يعلق (اسرائيل) اعينهم اليَّ (المقصود الله) بتوبة كاملة عند رؤيتهم “الذي طعنوه” هو المسيح ابن يوسف، ربواتنا يتبارك ذكرهم (قالوا) انه سيقبل على نفسه كل آثام إسرائيل، ثم يُقتل بعدها في المعركة ليصنع كفارة فيبدو وكأن إسرائيل طعنه لأنه بسبب خطاياهم هو مات، ولذلك، لكي يُحتسب لهم ككفارة كاملة سيصنعوا توبة وينظروا اليه يتبارك (اسمه) قائلين: ليس بغيره غفراناً وهم ينوحون على الذي مات لاجل خطاياهم، وهذا هو “وينظروا إليَّ الذي –את طعنوه..” اقرأ (את) كمعنى (עם إذ سيكون مع –עם الذين طعنوه مُتضجعا أمامهم، ولكي تُتمم الكفارة بموته فيجب عليهم أن يبكوا وينوحوا عليه ولهذا (قيل) “وينوحون عليه كنائح على وحيد له..”][82]

 

 

الزوهر (3: 203 بـ)

[.. ولأجل أنها تلة سُفلية (الملكوت) ليس فيها حياة، سيموت المسيح هذا (المسيح بن يوسف) ويُقتل ويظل ميتاً حتى تتلقى تلك التلة حياةً من تلك التلةً العلوية، فيقوم (من الموت)][83]

 

راشي

[“كنائح على وحيد له” كالرجل النائح على ابن وحيد له، والربوات فسروها على المسيح بن يوسف والذي يُقتل..][84]

 

ابن عزرا

[“وينظرون إليَّ ” ثم تنظر كل الأمم إليَّ ليروا ماذا سأفعل لهؤلاء الذين طعنوا المسيح بن يوسف][85]

 

 

في الحقيقة هذا الأمر هو من ثوابت الايمان حتى ان الربوات يتأملون في نصوص كتابية اخرى بحثا عن رموز لهذا الحدث.

سفتي كوهين للتكوين للرابي شبتاي كوهين (عالم في التلمود والهلاخا في القرن السابع عشر)

[“فارص- פרץ” في حساب الحروب هو (مساوي) “المسيح”. والذي يصنع اقتحامات (פרצות) لعابدي الأوثان، ولماذا قيل “وأما يوسف فأُنزل” (تك 39: 1) رمزاً للمسيح بن يوسف والذي سيُقتل][86]

 

الرابي إدراشيم[87] اليهودي الذي آمن بالمسيح يسوع في تعليقه على (زكريا 12: 10)

[هي تعود على المسيح بن يوسف في التلمود وكذلك الآية 12][88]

 

 

 

[1] פרקי דרבי אליעזר – פרק יג [כיון שאכל אדם מפירות האילן ראה את עצמו ערום ונפקחו עיניו וקהו שיניו, אמ’ לה מהו שהאכלתני שעיני נפקחו וקהו שיני עלי, כשם שקהו שיני כן יקהו שיני כל הדורות]

[2] מדרש רבה דברים פרשה ט פסקה ח [א”ר לוי למה הדבר דומה לאשה עוברה שנחבשה בבית האסורין ילדה שם בן גדל אותו הילד עבר המלך לפני בית האסורים התחיל אותו הילד לצווח אדוני המלך למה אני חבוש בבית האסורים א”ל המלך בחטייא של אמך את נתון כאן כך אמר משה רבש”ע ל”ו כריתות הן שאם יעבור אדם על אחד מהן חייב מיתה שמא עברתי על אחת מהן למה אתה גוזר עלי מיתה א”ל בחטייא של אדם הראשון אתה מת שהביא מיתה לעולם]

[3] [בכה רבי שמעון ואמר, ווי לעלמא דאתמשך בתר דא דהא מן ההוא יומא דההוא חויא בישא דאתפתה ביה אדם, שליט על אדם, ושליט על בני עלמא, איהו קאים למסטי עלמא, ועלמא לא יכיל לנפקא מעונשיה עד דייתי מלכא משיחא, ויוקים קב”ה לדמיכי עפרא, דכתיב (ישעיה כה ח) בלע המות לנצח וגו’, וכתיב (זכריה יג ב) ואת רוח הטומאה אעביר מן הארץ, ואיהו קאים על עלמא דא למיטל נשמתין דכל בני נשא]

[4] ספר קצור שו”ע – סימן קלא – דיני ערב יום כפור: [נוהגין לעשות כפרות בערב יום כפורים באשמרת הבקר, שאז הרחמים גוברין. לוקחין תרנגול שאינו מסרס, לזכר, ותרנגלת לנקבה. ולאשה מעברת, תרנגול ותרנגלת]

[5] أي النصوص المقدسة.

[6] תלמוד בבלי מסכת סנהדרין דף צא/ב [אמר לו אנטונינוס לרבי מאימתי יצר הרע שולט באדם משעת יצירה או משעת יציאה אמר לו משעת יצירה אמר לו אם כן בועט במעי אמו ויוצא אלא משעת יציאה אמר רבי דבר זה למדני אנטונינוס ומקרא מסייעו שנאמר לפתח חטאת רובץ]

[7] תלמוד ירושלמי מסכת ברכות דף כז/ב [כתיב כי יצר לב האדם רע מנעוריו א”ר יודן מנעריו כתיב משעה שהוא ננער ויוצא לעולם]

[8] אבות דרבי נתן פרק ששה עשר [יצר הרע כיצד.. ממעי אמו של אדם היה גדל ובא עמו]

[9] רש”י על בראשית פרק ח פסוק כא [מנעריו – מנעריו כתיב משננער לצאת ממעי אמו נתן בו יצר הרע]

[10] מדרש רבה שמות פרשה מו פסקה ד [אמרו ישראל רבון העולם אתה הכתבת לנו (ירמיה יח) הנה כחומר ביד היוצר כן אתם בידי בית ישראל לכך אע”פ שאנו חוטאים ומכעיסים לפניך אל תסתלק מעלינו למה שאנחנו החומר ואתה יוצרנו בא וראה היוצר הזה אם יעשה חבית ויניח בה צרור כיון שיוצאה מן הכבשן אם יתן אדם בה משקה מנטפת היא ממקום הצרור ומאבדת את המשקה שבתוכה .. כך אמרו ישראל לפני הקב”ה רבון העולם בראת בנו יצר הרע מנעורינו שנאמר (בראשית ח) כי יצר לב האדם רע מנעוריו והוא גורם לחטוא לפניך ואין אתה מסלק ממנו את החטייא אלא בבקשה ממך העבירהו ממנו כדי שנהא עושים רצונך אמר להם כך אני עושה לע”ל שנאמר (מיכה ד) ביום ההוא נאם ה’ אוספה הצולעה והנדחה אקבצה ואשר הרעותי מהו אשר הרעותי זה יצר הרע שנאמר כי יצר לב האדם רע מנעוריו]

[11] פירושו של דון יצחק אברבנאל לנביא ישעיהו [השאלה הראשונה היא לדעת על מי נאמרה הנבואה הזאת. כי הנה חכמי הנוצרים פירשוה על אותו האיש שתלו בירושלים בסוף בית שני שהיה לדעתם בן האלוה ית’ שנתגשם בבטן העלמה כמו שמפורסם בדבריהם. ואמנם יונתן בן עוזיאל תרגמה על משיח העתיד לבוא וזהו גם כן דעת חכמים ז”ל בהרבה ממדרשותיהם]

[12] מדרש תנחומא תולדות פרק יד [מי אתה הר הגדול לפני זרובבל למישור זה משיח בן דוד ולמה נקרא שמו הר הגדול שהוא גדול מן האבות שנאמר (ישעיה נב) הנה ישכיל עבדי ירום ונשא וגבה מאד ירום מאברהם ונשא מיצחק וגבה מיעקב]

[13] תנחומא בובר תולדות פרק כ، מדרש אגדת בראשית פרק מה، ילקוט שמעוני ישעיהו – פרק נב – רמז תעו، ילקוט שמעוני זכריה – פרק ד – רמז תקעא

[14] מדרש כונן (ב: ד) [וא״ל סבול יסורין ודין מרך שמייסרך על חטאת ישראל, וכן כתוב והוא מחולל מפשעינו מדוכא מעונותינו, עד זמן שיבא הקץ]

[15] ילקוט שמעוני תהלים – פרק ב – המשך רמז תרכ [ואני נסכתי מלכי .. לשלשה חלקים נתחלקו היסורין אחד לדוד ולאבות ואחד לדורנו ואחד למלך המשיח, הדא הוא דכתיב והוא מחולל מפשעינו מדוכא מעונותינו וגו’]

[16] ילקוט שמעוני ישעיהו – פרק נג – המשך רמז תעו، מדרש שמואל פרשה יט

[17] תלמוד בבלי מסכת סנהדרין דף צח/ב [מה שמו .. ורבנן אמרי חיוורא דבי רבי שמו שנאמר אכן חליינו הוא נשא ומכאובינו סבלם ואנחנו חשבנוהו נגוע מוכה אלהים ומעוה]

[18] תלמוד בבלי מסכת סנהדרין דף צג/ב [משיח דכתיב ונחה עליו רוח ה’ רוח חכמה ובינה רוח עצה וגבורה רוח דעת ויראת ה’ וגו’ וכתיב והריחו ביראת ה’ אמר רבי אלכסנדרי מלמד שהטעינו מצות ויסורין כריחיים]

[19] المقصود هو أرواح الجيل الذي فيه سيأتي المسيح.

[20] بحسب التقليد فإن المسيح سيُعطى عرشاً أرضياً مُشابهاً لعرش الرب السماوي كما ذُكِر في نبوة حزقيال (حز 1).

[21] פסיקתא רבתי פרשה לו [התחיל הקב”ה מתנה עמו ואומר הללו שגנוזים הם אצלך עונותיהם עתידים להכניסך בעול ברזל ועושים אותך (כעול) [כעגל] הזה שכהו עיניו ומשנקים את רוחך בעול ובעונותיהם של אילו עתיד לשונך לידבק בחיכך רצונך בכך אמר משיח לפני הקדוש ברוך הוא שמא אותו צער שנים רבות הם אמר לו הקדוש ברוך הוא חייך וחיי ראשי שבוע (את) [אחת] שגזרתי עליך אם נפשך עציבה אני טורדן מעכשיו אמר לפניו רבון העולמים בגילת נפשי ובשמחת לבי אני מקבל עלי על מנת שלא יאבד אחד מישראל ולא חיים בלבד (יושיע) [יושעו] בימי [אלא אף אותם שגנוזים בעפר ולא מתים בלבד יושעו בימי אלא אף אותם מתים שמתו מימות אדם הראשון עד עכשיו] ולא אילו בלבד אלא אף נפלים [יושעו בימי]

ולא אילו בלבד יושעו בימי אלא (למי) [כל מי] שעלתה על דעתך להבראות ולא נבראו (בהם) בכך אני רוצה בכך אני מקבל עלי באותה שעה מונה לו הקב”ה ארבע חיות שנושאות את כסאו של הכבוד של משיח… [אמרו] שבוע שבן דוד בא בה מביאים קורות של ברזל ונותנים לו על צוארו עד שנכפפה קומתו (והיה) [והוא] צועק ובוכה ועולה קולו למרום אמר לפניו רבונו של עולם כמה יהא כוחי וכמה יהא רוחי וכמה יהא נשמתי וכמה יהיו איבריי לא בשר ודם אני על אותה השעה היה דוד בוכה ואומר יבש כחרס כחי [וגו’] (תהלים כ”ב ט”ז) באותה השעה אמר לו הקדוש ברוך הוא אפרים משיח צדקי כבר קיבלת עליך מששת ימי בראשית עכשיו יהא צער שלך כצער שלי]

[22] جاءت في يلكوت شمعوني [טוב] وتُترجم [أصلح] أو [أفضل]

[23] פסיקתא רבתי פרשה לז [מלמד שעתידים אבות העולם לעמוד בניסן ואומרים לו אפרים משיח צדקנו אע”פ שאנו אבותיך אתה גדול ממנו מפני שסבלת עונות בנינו ועברו עליך מדות קשות שלא עברו על הראשונים ועל האחרונים והיית שחוק ולעג באומות העולם בשביל ישראל וישבת בחושך ואפילה ועיניך לא ראו אור וצפד עורך על עצמך וגופך יבש היה כעץ ועיניך (חסכי) [חשכו] מצום וכחך יבש כחרס כל אילו מפני עונות בנינו רצונך יהנו בנינו מטובה זו שהשפיע הקב”ה לישראל שמא בשביל צער שנצטערת עליהם ביותר (וחשיך) [וחבשוך] בבית האסורים אין דעתך נוחה מהם אומר להם אבות העולם כל מה שעשיתי לא עשיתי אלא בשבילכם ובשביל בניכם ולכבודכם ולכבוד בניכם שיהנו מטובה זו שהשפיע הקדוש ברוך הוא להם לישראל (אמרו) [אומרים] לו אבות העולם אפרים משיח צדקנו תנוח דעתך שהנחת דעת קונך ודעתינו]

[24] ملحوظة: مناحم بن عميئيل هي أحد الأسماء التي أطلقها اليهود على المسيح المنتظر وذُكِرت في عديد من كتب التراث، ومعنى الاسم هو “المُعزي بن معي الله”

(ذبيحة اثم) (אשם) = 1+ 300 + 40 = 341

(مناحم بن عميئيل) (מנחם בן עמיאל) = 40 + 50 +8 + 40 + 2 + 50 + 70 + 40 + 10 + 1 + 30 = 341

[25] עשרה מאמרות מאמר חקור דין חלק ב פרק ז [הנה משיח לכפרת שניהם ישים אשם נפשו כדכתיב גביה להדיא בפרשת הנה ישכיל עבדי אשם בגימטריא מנח”ם ב”ן עמיא”ל מה כתיב בתריה יראה זרע יאריך ימים וחפץ ה’ בידו יצליח]

[26] זוהר חלק ב דף ריב/א [בשעתא דאמרין ליה למשיחא צערא דישראל בגלותהון, ואינון חייביא די בהון, דלא מסתכלי למנדע למאריהון, ארים קלא ובכי על אינון חייבין דבהו, הדא הוא דכתיב (שם נג ה) והוא מחולל מפשעינו מדוכא מעונותינו]

[27] זוהר חלק ב דף ריב/א [בגנתא דעדן אית היכלא חדא דאקרי היכלא דבני מרעין, כדין משיח עאל בההוא היכלא, וקארי לכל מרעין וכל כאבין, כל יסוריהון דישראל, דייתון עליה, וכלהו אתיין עליה, ואלמלא דאיהו אקיל מעלייהו דישראל ונטיל עליה, לא הוי בר נש דיכיל למסבל יסוריהון דישראל על עונשי דאורייתא, הדא הוא דכתיב (שם) אכן חליינו הוא נשא]

[28] זוהר חלק ב דף ריב/א [..וכד הוו ישראל בארעא קדישא, באינון פולחנין וקרבנין דהוו עבדי, הוו מסלקין כל אינון מרעין ויסורין מעלמא, השתא משיח מסלק לון מבני עלמא עד דנפיק בר נש מהאי עלמא, ומקבל עונשיה ]

[29] جاءت حرفياً (لساعة – לשעה)

[30] מדרש רבה רות פרשה ה פסקה ו [ד”א מדבר במלך המשיח גשי הלום קרובי למלכות ואכלת מן הלחם זה לחמה של מלכות וטבלת פתך בחומץ אלו היסורין שנאמר (ישעיה נ”ג) והוא מחולל מפשעינו ותשב מצד הקוצרים שעתידה מלכותו ליצד ממנו לשעה שנאמר (זכריה י”ד) ואספתי את כל הגוים אל ירושלם למלחמה ונלכדה העיר ויצבט לה קלי שהיא עתידה לחזור לו שנאמר (ישעיה י”א) והכה ארץ בשבט פיו]

[31] מחזור יוֹם כפור – תפלת מוסף – חזרת הש”ץ [צֻמַּתְנוּ בְּבִצְעֵנוּ עַד עַתָּה. צוּרֵנוּ עָלֵינוּ לֹא גַעְתָּה: פִּנָּה מֶנּוּ מְשִׁיחַ צִדְקֵנוּ. פֻּלַּצְנוּ וְאֵין מִי לְצַדְּקֵנוּ: עֲוֹנוֹתֵינוּ וְעֹל פְּשָׁעֵינוּ. עוֹמֵס וְהוּא מְחוֹלָל מִפְּשָׁעֵינוּ: סוֹבֵל עַל שֶׁכֶם חַטֹּאתֵינוּ. סְלִיחָה מְצֹא לַעֲוֹנוֹתֵינוּ: נִרְפָּא לָנוּ בְּחַבּוּרָתוֹ]

[32] اسمه بالكامل هو (ابو عمران موسى بن ميمون بن عبد الله القرطبي) وكتاباته معروفة بـ الميمونيات وهو عاصر القرن الحادي عشر الميلادي ((1135-1204.

[33] אגרות הרמב”ם – אגרת תימן [אבל איכות עמידתו דע שלא תדע עמידתו קודם היותה עד שיאמר עליו שהוא בן פלוני וממשפחה פלונית אבל יעמד איש שלא נודע קודם הראותו והאותות והמופתים שיראו על ידו הן הן הראיות על אמתת יחוסו שכן אמר הקב”ה כשספר לנו עניין זה הנה איש צמח שמו ומתחתיו יצמח ואמר ישעיהו כמו כן כשיראה מבלי שיודע לו אב ואם ומשפחה ויעל כיונק לפניו וכשרש וגומר (ישעיה נ”ג ב’) …

אבל המדה המיוחדת לו היא בשעה שיגלה יבהלו כל מלכי ארץ משמעו ויפחדו ותבהל מלכותם ויתנכלו איך לעמוד כנגדו בחרב או בזולתה כלומר שלא יוכלו לטעון ולערער עליו ולא יוכלו להכחישו אלא יבהלו מן המופתים שיראו על ידו וישימו ידם לפיהם שכן אמר ישעיהו בעת שספר שישמעו המלכים לו אמר (שם נ”ב ט”ו) עליו יקפצו מלכים פיהם]

[34] تلميذ يوسف كارو مؤلف شولحان عروخ (שׁוּלחָן עָרוּך)، القرن السادس عشر (1508-1593)

[35] אלשיך- מראות הצובאות לישעיהו נ”ב [הנה ר’ז’ל פה אחד קיימו וקיבלו כי על מלך המשיח ידבר ואחריהם ז”ל נמשוך]

[36] للرابي طوبيا بن اليعازر (טוביה בן אליעזר) وكان مفسراً للتلمود في القرن الحادي عشر.

[37] מדרש לקח טוב – במדבר פרק כד [מימי אגג מלך עמלק התחילה מלכותן של ישראל. ותנשא מלכותו. לימות המשיח שנא’ (ישעיה נט) הנה ישכיל עבדי ירום]

[38] القرن التاسع عشر (1749 – 1841)

[39] ملحوظة: النص كله من غير شواهد، تم وضع الشواهد للتسهيل على القارئ: הכורם – ביאור על תנ”ך לרבי הרץ הומברג [העיקר ש(ישעיהו נ”ג) על מלך המשיח נאמר שיבוא באחרית הימים לעת רצות ה’ לפדות את עמו מקרב גויי הארצות.. ולא יאמינו לדבריו שיגיד בהם הוא ויפשעו וימרדו בו ויאמרו כל החרופים והגדופים הרדיפות מאת אלהים הם לו הוא מוכה אלהים בעבור חטאת עצמו הם לא ידעו בתחלה שכל מה שסובל בעבור פשעם הוא נושא כי השם בחר בו לשום כקרבן אשם כשעיר המשתלח לשאת את כל עונות בית ישראל]

[40] النصف الثاني من القرن الخامس عشر

[41] פירוש רבי סעדיה אבן דנן מגרנדה, לפי כתב יד אוקספורד [ור’ יוסף בן כספי מלאו לבו לומר כי הדורשים זאת הפרשה על המלך המשיח שיב”ב גרמו לתועים לפתור אותה על ישו והשם יכפר בעדו כי לא דבר נכונה כי רבותי’ חכמי התלמוד ז”ל מכוח הנבואה ידברו דבריהם וקבלה יש בידם בעיקרי הפירושים… מדבר ורומז למלך המשיח]

[42] [הנה ישכיל עבדי ירום ונשא וגו’, ואמרו חז”ל ירום מאברהם מאוד מאד’ה’ר]

[43] מדרש רבה שמות פרשה לה פסקה ד [אמר משה לפני הקב”ה והלא עתידים הם שלא יהיה להם לא משכן ולא מקדש ומה תהא עליהם אמר הקב”ה אני נוטל מהם צדיק אחד וממשכנו בעדם ומכפר אני עליהם על כל עונותיהם וכה”א (איכה ב) ויהרוג כל מחמדי עין]

[44] תלמוד בבלי מסכת מועד קטן דף כח/א [מיתתן של צדיקים מכפרת]

[45] (يوسف البو-יוסף אלבו) هو رابي يهودي جليل عاش في اسبانيا في القرن الخامس عشر (1380-1444م)

[46] أي بعدم فناء العالم.

[47] [ופעם יחולו על הצדיק רעות בעבור כללות האומה לא על צד העונש אבל כדי לכפר על כלל האומה. וזה שלהיות השם יתברך חפץ בקיום העולם, ויודע שהצדיק יקבל הייסורין בסבר פנים יפות ולא יקרא תגר על מידותיו של הקב”ה, לפיכך מביא הקב”ה ייסורין על הצדיק, כופר הרע הנגזר לבוא על כלל האומה, כדי שיהיה כפרה עליה, וזהו שאמרו רבותינו ז”ל: מיתתן של צדיקים מכפרת]

[48] זוהר חלק ב דף ריב/א [בגנתא דעדן אית היכלא חדא דאקרי היכלא דבני מרעין, כדין משיח עאל בההוא היכלא, וקארי לכל מרעין וכל כאבין, כל יסוריהון דישראל, דייתון עליה, וכלהו אתיין עליה, ואלמלא דאיהו אקיל מעלייהו דישראל ונטיל עליה, לא הוי בר נש דיכיל למסבל יסוריהון דישראל על עונשי דאורייתא, הדא הוא דכתיב (שם) אכן חליינו הוא נשא]

[49] זוהר חלק ב דף ריב/א [..וכד הוו ישראל בארעא קדישא, באינון פולחנין וקרבנין דהוו עבדי, הוו מסלקין כל אינון מרעין ויסורין מעלמא, השתא משיח מסלק לון מבני עלמא עד דנפיק בר נש מהאי עלמא, ומקבל עונשיה ]

[50] מדרש רבה איכה פרשה א פסקה נא [מה שמו של מלך המשיח ר’ אבא בר כהנא אמר ה’ שמו שנאמר (ירמיה כ”ג) וזה שמו אשר יקראו ה’ צדקנו דא”ר לוי טבא למדינתא דשמה כשם מלכה ושם מלכה כשם אלהיה טבא למדינתא דשמה כשם מלכה דכתיב (יחזקאל מ”ח) ושם העיר מיום ה’ שמה ושם מלכה כשם אלהיה שנא’ וזה שמו אשר יקראו ה’ צדקנו]

[51] מדרש תהלים מזמור כא [וקורא למלך המשיח בשמו, שנאמר וזה שמו אשר יקראו ה’ צדקנו (ירמיה כג ו). וירושלים נקרא בשמו, שנאמר ושם העיר מיום ה’ שמה (יחזקאל מח לה). אמר ר’ לוי טב למדינתא דשמה כשם מלכא, ושם מלכא כשם אלהיה, זהו שאמר הכתוב ועמד ורעה (בשם) [בעוז] ה’ (מיכה ה ג), באותה שעה ה’ בעזך ישמח מלך]

[52] פסיקתא רבתי פרשה לג [אנכי (ה’ אלהיך) [אנכי הוא מנחמכם] זש”ה אשר הראיתני צרות רבות ורעות [תשוב תחייני ומתהומות הארץ תשוב תעלני] (תהלים ע”א כ’) אתה מוצא מתחילת ברייתו של עולם נולד מלך המשיח שעלה במחשבת עד שלא נברא העולם כן הוא [אומר] ויצא חוטר מגזע ישי (ישעיה י”א א’) אינו אומר (כן) כאן ויצא אלא [ויצא] היך אתה מוצא כתב בבריאת עולם שהוא מזכיר שיעבודם של מלכיות ושל גואל מלך המשיח … ומניין אתה אומר שמתחילת ברייתו של עולם היה מלך המשיח ורוח אלהים מרחפת זה מלך המשיח וכן הוא אומר ונחה עליו רוח ה’ (ישעיה י”א ב’) ואימתי מרחפת על פני המים כשתשפכו כמים לבבכם נכח פני ה’ אנכי אנכי הוא מנחמכם]

[53]  [כי בראשונה נעלם היה בן האדם ויצפנהו העליון לפני הילו ויגלה אותו אל הבחירים]               

[54] كلمة (لبني – לפני) قد تُترجم مكانياً (قدام – أمام) كما جاءت في (تك 6: 11) أو قد تُترجم زمانياً بمعنى (قبل) كما جاءت في (ملا 4: 5) وعلى المعنى الأخير أجمع الحُزال فقالوا أن اسم المسيح مدعو من قبل تكوين العالم.

[55] جاءت [וימרון טב ליה] وتُترجم حرفياً [ويقولون حسناً له].

[56] תרגום יונתן על תהילים פרק עב פסוק יז [יהי שמיה מדכר לעלם וקדם מהוי שמשא מזמן הוה שמיה ויתברכון בזכותיה כל עמיא וימרון טב ליה]

[57] תרגום יונתן על מיכה פרק ה פסוק א [ואת בית לחם אפרתה כזעיר הויתא לאתמנאה באלפיא דבית יהודה מנך קדמי יפוק משיחא למהוי עביד שולטן על ישראל די שמיה אמיר מלקדמין מיומי עלמא]

[58] في الاضافات التي اضافها اليهود لنص الترجوم نرى مكتوب ان المملكة الغبية هي المملكة الرومانية .

[59] أي منخفضاً في القيمة والقامة.

[60] תרגום יונתן על זכריה פרק ד פסוק ז [מה את חשיבא מלכותא טפשתא קדם זרבבל הלא כמשרא ויגלי ית משיחיה דאמיר שמיה מלקדמין וישלוט בכל מלכותא]

[61] מדרש תהלים (בובר) מזמור צ [שבעה דברים קדמו לעולם אלפיים שנה, התורה, וכסא כבוד, וגן עדן, וגיהנם, ותשובה, והבית המקדש של מעלה, ושם משיח.. ושם משיח חקוק על אבן יקרה על גבי המזבח]

[62] פרקי דרבי אליעזר – פרק ג [ז’ דברים נבראו קודם שנברא העולם ואלו הן התורה וגיהנם וג”ע וכסא הכבוד וביהמ”ק והתשובה ושמו של משיח.. שמו של משיח מנין שנ’ יהי שמו לעולם לפני שמש ינון שמו ינון עד שלא נברא העולם וכתיב אחר אומ’ ואתה בית לחם אפרת מקדם עד שלא נברא העולם]

[63] תלמוד בבלי מסכת נדרים דף לט/ב [שבעה דברים נבראו קודם שנברא העולם אלו הן תורה ותשובה גן עדן וגיהנם כסא הכבוד ובית המקדש ושמו של משיח.. שמו של משיח דכתיב יהי שמו לעולם וגו’]

[64] מדרש רבה שמות פרשה ח פסקה א [מלך בו”ד אין לובשין עטרה שלו והקב”ה עתיד להלביש עטרה שלו למלך המשיח ומהו עטרה של הקב”ה כתם פז שנאמר (שיר ה) ראשו כתם פז קווצותיו תלתלים שחורות כעורב וכתיב (תהלים כא) תשת לראשו עטרת פז]

[65] מדרש תהלים מזמור כא [מלך בשר ודם, אין לובשין עטרה שלו. והקב”ה נתנה (עטרה שלו) למלך המשיח, שנאמר (תהלים כא, ד) תשית לראשו עטרת פז. מלך בשר ודם, אין לובשין פורפורייא שלו. ומהו, הוד והדר. ובמלך המשיח כתיב, (שם, ו) הוד והדר תשוה עליו]

[66] מדרש רבה במדבר פרשה יד פסקה ג [לבושו של הקב”ה הוד והדר שנא’ (תהלים קד) הוד והדר לבשת ונתנו למשיח שנא’ (שם כא) הוד והדר תשוה עליו]

[67] מדרש רבה במדבר פרשה טו פסקה יג [ולמלך המשיח ילבוש[67] לבושו שנא’ (תהלים כא) הוד והדר תשוה]

[68] تجد نفس هذا التفسير في [مدراش تنحوما بوبر (تولدوث – 20)، مدراش الأجادا للتكوين (45)، يلكوت شمعوني (زكريا 4: 571)، يلكوت شمعوني (اشعياء 52: 476)]

[69] מדרש תנחומא תולדות פרק יד [שיר למעלות אשא עיני אל ההרים וגו’ (תהלים קכא) זשה”כ (זכריה ד) מי אתה הר הגדול לפני זרובבל למישור זה משיח בן דוד ולמה נקרא שמו הר הגדול שהוא גדול מן האבות שנאמר (ישעיה נב) הנה ישכיל עבדי ירום ונשא וגבה מאד ירום מאברהם ונשא מיצחק וגבה מיעקב ירום מאברהם שנאמר (בראשית יד) הרמותי יד אל ה’ ונשא ממשה שאמר (במדבר יא) כי תאמר אלי שאהו בחיקך וגבה ממלאכי השרת שנאמר (יחזקאל א) וגבותם מלאות עינים לכך נאמר מי אתה הר הגדול וממי הוא יוצא מזרובבל ולמה נקרא שמו זרובבל מפני שנולד בבבל ומי הוא מדוד]

[70] [הנה ישכיל עבדי ירום ונשא וגו’, ואמרו חז”ל ירום מאברהם מאוד מאד’ה’ר]

[71] Comprehensive Aramaic Lexicon (2005) First Targum to Esther; Targum Rishon to Esther. Hebrew Union College, p. Es 1:12.

[72] Comprehensive Aramaic Lexicon (2005) First Targum to Esther; Targum Rishon to Esther. Hebrew Union College, p. Es 8:10.

[73]Comprehensive Aramaic Lexicon (2005) Targum Job. Hebrew Union College, p. Job 1:21.

[74]Comprehensive Aramaic Lexicon (2005) Targum Job. Hebrew Union College, p. Job 2:9.

[75]Comprehensive Aramaic Lexicon (2005) Targum Neofiti to the Pentateuch. Hebrew Union College, p. Ge 9:16.

[76] מדרש רבה שמות פרשה יב פסקה ג [אמר דוד אע”פ שגזר הקב”ה (שם קטו) השמים שמים לה’ והארץ נתן לבני אדם משל למה”ד למלך שגזר ואמר בני רומי לא ירדו לסוריא ובני סוריא לא יעלו לרומי כך כשברא הקב”ה את העולם גזר ואמר השמים שמים לה’ והארץ נתן לבני אדם כשבקש ליתן התורה בטל גזירה ראשונה ואמר התחתונים יעלו לעליונים והעליונים ירדו לתחתונים ואני המתחיל שנאמר (שמות יט) וירד ה’ על הר סיני וכתיב (שם כד) ואל משה אמר עלה אל ה’ הרי כל אשר חפץ ה’ עשה בשמים ובארץ וגוِ

[77] מדרש תנחומא דברים פרק א [שכל הנסים שעשה לישראל במדבר כך עתיד לעשות להם בציון ..במדבר ארץ רעשה אף שמים נטפו (תהלים סח) ובציון אני מרעיש את השמים ואת הארץ (חגי ב) במדבר וה’ הולך לפניהם יומם (שמות יב) ובציון כי הולך לפניכם ה’ ומאספכם וגו’ (ישעיה נב) במדבר כי ישוב ה’ לשוש עליך (דברים ל) ובציון וגלתי בירושלים וששתי בעמי (ישעיה סה) ישושום מדבר וציה (שם לה) מה ראה ישעיה לומר כך אלא לפי שכשעברו ישראל את התורה עמד הושע ואמר ושמתיה כמדבר ושתיה כארץ ציה (הושע ב) לפיכך אמר ישעיה ישושום מדבר וציה …

דבר אחר ישושום מדבר וציה מפני מה כתיב כך ללמדך שבשעה שהקב”ה מגלה שכינתו על ישראל אינו נגלה עליהם כאחת מפני שאינן יכולין לעמוד באותה טובה בפעם אחת שאם יגלה להם טובתו כאחת ימותו כלם ראה מה כתיב (שם סד) ומעולם לא שמעו לא האזינו עין לא ראתה אלהים זולתך יעשה למחכה לו צא ולמד מיוסף בשעה שנתודע לאחיו לאחר כמה שנים אמר להם אני יוסף אחיכם מתו כלם ולא יכלו לענות אותו וגו’ הקב”ה עאכ”ו אלא מה הקב”ה עושה מתגלה להם קמעא קמעא

בתחילה משיש את המדבר שנאמר ישושום מדבר וציה ואח”כ תגל ערבה ותפרח כחבצלת ואחרי כן פרוח תפרח ואחרי כן כבוד הלבנון נתן לה ואח”כ המה יראו כבוד ה’ הדר אלהינו לפיכך אמר דוד (תהלים קב) כי בנה ה’ ציון נראה בכבודו ואומר (ישעיה נב) כי עין בעין יראו בשוב ה’ ציון ואומר (שם כה) ואמר ביום ההוא הנה אלהינו זה קוינו לו ויושיענו וגו’]

[78] מדרש רבה רות פרשה ה פסקה ו [א”ר יצחק בר מריון בסוף הקב”ה נגלה עליהם ומוריד להן מן ואין כל חדש תחת השמש

[79] תלמוד בבלי מסכת סוכה דף נב/א [הספידא מאי עבידתיה פליגי בה רבי דוסא ורבנן חד אמר על משיח בן יוסף שנהרג וחד אמר על בשלמא למאן דאמר על משיח בן יוסף שנהרג היינו דכתיב והביטו אלי את אשר דקרו וספדו עליו כמספד על היחיד אלא למאן דאמר על יצר הרע שנהרג האי הספידא בעי למעבד שמחה בעי למעבד אמאי בכו]

[80] حرفياً جاءت (اسأل) والمعنى هنا هو السؤال طلباً لشيء.

[81] תלמוד בבלי מסכת סוכה דף נב/א [תנו רבנן משיח בן דוד שעתיד להגלות במהרה בימינו אומר לו הקב”ה שאל ממני דבר ואתן לך שנאמר (תהילים ב) אספרה אל חוק וגו’ אני היום ילדתיך שאל ממני ואתנה גוים נחלתך וכיון שראה משיח בן יוסף שנהרג אומר לפניו רבש”ע איני מבקש ממך אלא חיים אומר לו חיים עד שלא אמרת כבר התנבא עליך דוד אביך שנאמר (תהילים כא) חיים שאל ממך נתתה לו]

[82] אלשיך- מראות הצובאות לזכריה י”ב [והביטו אלי – שיתלו עיניהם אלי בתשובה שלמה, בראותם אשר דקרו הוא משיח בן יוסף. שאבותינו זכרם לברכה [אמרו] שיקבל על עצמו כל אשמות ישראל, ויהרג אז במלחמה לכפר בעד, באופן שיחשב כאילו ישראל דקרו אותו כי בחטאם מת. ועל כן, למען יחשב להם לכפרה שלמה, יעשו תשובה והביטו אליו יתברך, באמור כי אין זולתו למחול כמתאבלים על אשר מת בעונם וזהו והביטו אליו את וכו [קוראים ‘את’ כ- ‘עם’] שהוא עם אשר דקרו המוטל לפניהם ולמען תגמר הכפרה במיתתו צריך יבכו ויספדו עליו, על כן’ וספדו עליו כמספד על היחיד והמר’ וכו’]

[83] זוהר חלק ג דף רג/ב [ובגין דאיהו גבעה תתאה דלית בה חיין, ימות משיח דא ויתקטל, ויהא מית, עד דתלקוט חיין גבעה דא, מההיא גבעה עלאה, ויקום]

[84] רש”י זכריה פרק יב פסוק י [כאשר יספוד איש על בן יחידו ורבותינו דרשוהו על משיח בן יוסף שנהרג..]

[85] אבן עזרא על זכריה פרק יב פסוק י [והביטו אלי אז יביטו כל הגוים אלי לראות מה אעשה לאלה אשר דקרו משיח בן יוסף]

[86] שפתי כהן על בראשית פרק מ פסוק טו [פרץ גימטריא זה משיח, שעושה פרצות בעכו”ם, וסמיך ליה ויוסף הורד, רמז על משיח בן יוסף שעתיד ליהרג]

[87] اسمه الفريد إدراشيم (7مارس 1825- 16مارس 1889)

[88] Edersheim, The Life and Times of Jesus the Messiah, [one volume edition], p.737

المسيحية في الكتب اليهودية – العقائد المسيحية في التراث اليهودي

Exit mobile version