ترسيخ مجمع خلقيدونية ومحاولة إعادة الوحدة ج1

ترسيخ مجمع خلقيدونية ومحاولة إعادة الوحدة ج1

ترسيخ مجمع خلقيدونية ومحاولة إعادة الوحدة ج1

الجزء الثاني: ترسيخ مجمع خلقيدونية ومحاولة إعادة الوحدة ج2

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

كان هناك في القسطنطينية ـ كما في المدن الكبيرة الأخرى بالإمبراطورية ـ حزبين ميدانيين، حزب ’الزُرق‘ (Blues) وحزب ’الخُضر‘ (Greens)، وكان حزب ’الزُرق‘ بكامله يؤيد الموقف الخلقيدوني، أما حزب ’الخُضر‘ فكان بصورة أو بأخرى يتعاطف مع الموقف غير الخلقيدوني. وكان وجود هذين الحزبين في العاصمة إنما يدل على أنه حتى ذلك الوقت لم يكن هناك قبول كامل لمجمع خلقيدونية من الكنيسة كلها. وقد ناضل كل حزب من الاثنين في سبيل وجهة نظره بحماس كبير كلما حانت له الظروف لذلك.

ففي أثناء فترة حكم الإمبراطور أناستاسيوس قام حزب ’الزرق‘ بشغب ضد الإمبراطور ولكنه نجح في التعامل مع الموقف. أما في فترة حكم الإمبراطور جوستنيان فقد اشترك حزب ’الخضر‘ في ثورة ضد الإمبراطور عام 532م، وكان الإمبراطور ينوي أن يتحاشاهم ولكن الإمبراطورة أشارت عليه باتخاذ إجراءات حاسمة ضد المتمردين لكي يخمد تلك الثورة.

ومات الإمبراطور أناستاسيوس في ليل يوم 8 يوليو عام 518م[1] عن عمر يصل إلى 88 سنة. ولم يكن أناستاسيوس قد دبر أي ترتيب لتعيين خليفة بعده، ومع ذلك أُعلن في اليوم التالي لوفاته تنصيب يوستين الأول (Justin I) إمبراطوراً للبلاد. ويرى رونسيمان (Runciman) أن “الخداع الماكر غير الشريف أصعد على العرش ضابط جاهل، هو يوستين الأول”.[2]

وبهذا الاختيار أصبح لحزب ’الزرق‘ اليد العليا في الدولة، كما ابتدأ عصر جديد في التاريخ البيزنطي ظهر فيه ما يُسمى بكنيسة الدولة أو الكنيسة الرسمية (state Church) في الإمبراطورية ـ تمشياً مع الخطة التي كان قد وضعها كل من ماركيان و بولخريا في مجمع خلقيدونية ـ وصار تعريف الإيمان الخلقيدوني هو ميثاقها الأرثوذكسي العظيم (magna carta).

ومن الجدير بالذكر أن السلالة الحاكمة الجديدة قامت بتبني هذه الخطوات ليس من قبيل إدراكها لخطأ الاعتراضات الكنسية على مجمع خلقيدونية عام 451م، ولكن من قبيل الضرورة التي رأوها في سبيل تعزيز طموحاتهم السياسية.

وكان جوستينيان، المخطط الرئيسي للأسرة الحاكمة الجديدة، متلهف لأن يعيد الغرب ـ الذي كان قد أصبح تحت حكم القوطيين (Goths) والوندال (Vandals) ـ مرة ثانية إلى الإمبراطورية، ومن أجل تحقيق هذا الهدف كان جوستينيان يحتاج إلى تأييد البابا الروماني الذي كان تمسكه المتشدد بخلقيدونية عاملاً حاسماً في تحديد سياسة جوستينيان الكنسية.

ولم تكن لدى العائلة السابقة (عائلة ليو) ـ التي وصلت إلى السلطة بعد موت ماركيان ـ مثل تلك الطموحات، ومن ثم كان أعضاؤها مستعدين لرفض مجمع خلقيدونية وتوحيد الجزء الشرقي من الإمبراطورية. ومنذ عام 533م، بدأ جوستينيان في مخططه لإخضاع الغرب،[3] واستغرق تحقيق هذا الهدف أكثر من عشرين عاماً من الزمن، حيث دخل في حرب من أكثر الحروب خراباً تحت قيادة القائد بليساريوس (Belisarius) ومن بعده القائد نارسس (Narses).

وفي عام 554م استطاع جوستينيان أن يعيد كل من إيطاليا ودالماتيا (Dalmatia) وصقلية (Sicily) إلى داخل حدود الإمبراطورية، ولكن هذا الأمر لم يتم إلا على حساب حياة الملايين من البشر، وكم لا يُحصى من الذهب، بالإضافة إلى معاهدة مخزية مع فارس (Persia) تم فيها التعهد بدفع مبلغ هائل من المال في صورة جزية سنوية.

وحتى بعد كل هذا التبديد الإجرامي للبشر وللموارد، ما لبث الجزء الغربي من الإمبراطورية ـ والذي شعر جوستينيان بالرضا بعد ضمه إلى أراضي الإمبراطورية ـ أن انفصل في غضون عامين بعد موت الإمبراطور، ولم يذرف أحد دمعة واحدة على كل ما فُقد.

2. الإمبراطور يوستين الأول:

لقد كانت هناك في الحقيقة مجموعة من الأمور لها آثارها السلبية على الشئون الكنسية في الشرق.

أولاً، تنصيب الإمبراطور يوستين الأول بمساندة حزب ’الزرق‘.[4]

ثانياً، ولع ابن أخته ـ الذي كان يوجِّه خاله منذ البداية ـ بفكرة إعادة بناء إمبراطورية قسطنطين العظيم.

ثالثاً، لم يكن يوجد لأي أحد من رجال الكنيسة ـ بما في ذلك بابا روما والبطريرك ساويروس الأنطاكي ـ رؤية عامة للكنيسة (ككل) بخلاف رؤيته الخاصة المحدودة.

وقد ظهر الإمبراطور العجوز ـ بتحريض من الجانب الخلقيدوني[5] ـ كمؤيد لا يلين لمجمع خلقيدونية وطومس ليو، وتبنى إجراءات قاسية وصارمة من أجل تقوية الخلقيدونيين في كل مكان في الشرق ومن أجل قمع الحركة غير الخلقيدونية. ولكنه استبعد مصر من هذه الإجراءات لأنها كانت تعتبر مخزن القمح الخاص بالعاصمة، لذلك هرب الكثير من قادة الكيان المعارض لمجمع خلقيدونية إلى هذه المنطقة.

ويذكر (Chronicon Anonymum) قائمة بأسماء أربعة وخمسين أسقفاً من كيليكية وكبادوكيا وسوريا وآسيا كان عليهم إما أن يتعرضوا للنفي أو أن يتخفوا ويختبئوا.[6] وبحسب مصدر يوحنا أسقف أفسس، يقدِّم ميخائيل السرياني نفس قائمة الأساقفة ويضيف عليها أسماء عدد كبير من قادة الرهبان،[7] وقد تعرض معظم هؤلاء الرجال لتجارب شديدة وماتوا في أرض غريبة.

وكان من بين أولئك الرجال بولس أسقف الرها (Edessa) الذي غيَّر موقفه بعد فترة وجيزة وانضم للجانب الخلقيدوني، وأصبح مضطهداً قاســياً للمــعارضين لمجمع خلقيدونية. وقـد قدَّم كل من (Chronicon Anonymum) وميخائيل السرياني بياناً تفصيلياً عن نشاط ذلك الرجل.

ويُذكر عن بولس هذا أنه قد دعا الشاعر السرياني العظيم يعقوب السروجي لمناقشته من أجل تغيير موقفه الكنسي، ولكن الرجل صلى إلى الله لكي لا يدعه يرى بولس بعد أن انضم إلى الجانب الخلقيدوني، فمات يعقوب السروجي بعد ذلك بيومين فقط.[8] وأدت جهود بولس أسقف الرها في فرض مجمع خلقيدونية على الرهبان والراهبات والشعب في منطقته إلى حدوث حالة من الاضطراب والمعاناة، ولكنهم على الرغم من ذلك ظلوا على رفضهم لقبول المجمع.[9]

وحيث إن الإمبراطور يوستين لم يتدخل في شئون المؤسسة الدينية بمصر، فقد صار بطريرك الإسكندرية مطلق الحرية في التمسك بعقيدته غير الخلقيدونية، بل استطاع حتى أن يوفر ملاذاً لكثير من القادة الذين فروا من مناطق أخرى في الشرق. وكان البطريرك أثناسيوس* هو الذي خلف البابا بطرس مُنجوس على كرسي الإسكندرية، وجاء بعده البطاركة يوحنا الأول ويوحنا الثاني وديسقوروس الثاني.

وحين تقلد الإمبراطور يوستين الأول السلطة، كان البطريرك تيموثاؤس الثالث الذي خلف البابا ديسقوروس الثاني عام 517م هو الذي يجلس على كرسي الإسكندرية. أما في القسطنطينية فقد صار يوحنا بطريركاً بعد البطريرك تيموثاؤس قبل أن يصبح يوستين إمبراطوراً، وكان يوحنا قد وقَّع وثيقة يدين فيها مجمع خلقيدونية،[10] بل وقام كما يذكر هور (Hore) باضطهاد الجانب الخلقيدوني.[11]

ولكن يبدو أن يوحنا رجع عن توجهه وأذعن للجانب الخلقيدوني بعد تغير الإمبراطور ـ كما فعل أناتوليوس عام 450م ـ وحصل على لقب ’البطريرك المسكوني‘.[12] وهكذا أصبحت كل الأمور تحت السيطرة، لذلك وجَّه الإمبراطور اهتمامه إلى تسوية الخلاف والمصالحة مع روما.

ولم يكن ذلك بالأمر العسير لأن الإمبراطور كان مستعداً لعمل أي شيء من أجل تحقيق هذا الهدف، وفي 28 مارس عام 519م تمت إعادة العلاقات على أساس وضع مهين للغاية طالب به البابا هورميسداس (Hormisdas) وهو أن يتم حذف أسماء البطاركة أكاكيوس وفرافيتا وإفميوس وتيموثاؤس وكذلك الأباطرة زينو وأناستاسيوس من الدبتيخا. وكان على البطريرك يوحنا أن يوافق على هذا الطلب ولكنه مات في عام 520م، وخلفه البطريرك إبيفانيوس (Epiphanius) الذي جلس على كرسي القسطنطينية حتى عام 535م وكان مؤيداً للمجمع الخلقيدوني.

وكان جلوس الإمبراطور يوستين الأول على العرش قد أثر على البطريرك ساويروس الأنطاكي بصورة سلبية، ففي خلال الأسبوع الأول الذي تلا هذا الحدث جرت أمور كثيرة في القسطنطينية حيث قامت زوجة يوستين الإمبراطورة لوبوسينا (Lupucina) بإبلاغ البطريرك يوحنا أنه إذا لم يقبل الأربعة مجامع فإنها لن تذهب إلى الكنيسة ولن تقبل الشركة من يديه،[13] كما صار للرهبان المؤيدين لخلقيدونية الحرية في تنظيم حركة معارضة ضد البطريرك ساويروس.

وبحلول يوم الأحد التالي لتولي يوستين السلطة كان يوحنا قد أعلن إذعانه للجانب الخلقيدوني، وتم عقد مجمع مكاني يوم 20 يوليو (عام 518م) بحضور 43 أو 44 أسقفاً وقرروا عزل البطريرك ساويروس،[14] رغم أن اختصاص المجمع وأهليته كانا في الحقيقة أقل من أن يتخذ قراراً مثل هذا ضد بطريرك أنطاكيا. وأعلنت أورشليم على الفور وبطريقة هادئة قبول المجامع الأربعة، وكذلك فعل إبيفانيوس أسقف صور نفس الأمر في يوم 16 سبتمبر.

وقيل أن الإمبراطور نفسه قد أمر بالقبض على البطريرك ساويروس وقطع لسانه،[15] فسافر البطريرك ساويروس إلى الإسكندرية حتى لا يعطي الفرصة للإمبراطور للاستمتاع بقتله، ووصل إلى هناك يوم 29 سبتمبر. وقضى البطريرك ساويروس بقية حياته في مصر، باستثناء الفترة الوجيزة التي زار فيها القسطنطينية استجابة للطلب المتكرر من الإمبراطور جوستينيان في منتصف الثلاثينات من القرن السادس.

وطوال هذا الوقت استمر البابا سايروس يدافع عن الموقف اللاهوتي للكيان غير الخلقيدوني ككل، كما ظل على اتصال بكنيسته في سوريا من خلال الخطابات وزيارات الأصدقاء المؤتمنين.

وقامت السلطات بتعيين شخص آخر ليحل محل البطريرك ساويروس (بعد عزله) هو بولس الملقب بـ ’اليهودي‘ (Paul the Jew)، الذي كان موظفاً مدنياً في القسطنطينية. وقام بولس هذا باضطهاد الموالين للبابا ساويروس في سوريا بقسوة استحق معها اللقب الذي أُطلق عليه. ورغم أن الإجراءات التي تبناها قد تبدو ضرورية بالنسبة لشعبية البطريرك ساويروس في تلك المنطقة، إلا إن الإمبراطور نفسه شعر أن بولس قد تصرف بأكثر مما ينبغي فأُجبر على الاستقالة في عام 521م.

وجاء بعده إفراسيوس (Euphrasius) الذي جلس على الكرسي حتى عام 526م ثم مات في حادثة زلزال.[16] وتم تعيين الكونت إفرايم (Ephraim) خلفاً لإفراسيوس، وشغل المنصب حتى عام 545م، وقد فعل إفرايم كل ما في وسعه ليوطد ويرسخ مجمع خلقيدونية في منطقة سوريا.

3. اضطراب في المعسكر غير الخلقيدوني:

وبينما كان الإمبراطور يوستين يطبق سياسته الدينية الرامية إلى فرض مجمع خلقيدونية بالقوة في كل مكان في الشرق، نشأ خلاف في الجانب غير الخلقيدوني بين البطريرك ساويروس ويوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘ (Halicarnassus).[17]

(أ) يوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘ (Halicarnassus):

كان يوليان واحداً من الأساقفة الذين تم إبعادهم عن كراسيهم في فترة حكم الإمبراطور يوستين الأول بسبب معارضته لمجمع خلقيدونية. وكان ليوليان بعض النفوذ وسط الفريق الذي ينتمي إليه بسبب تقدمه في العمر، وقد قام بتأليف كتاب عن شخص المسيح وأرسله إلى البطريرك الأنطاكي في منفاه مع خطاب منه،[18] حيث كان متأكداً من قبول البطريرك ساويروس للأفكار الواردة في هذا الكتاب.

وأشار يوليان في هذا الخطاب إلى أنه استناداً إلى ثلاث فقرات من كتابات البابا كيرلس، فإن بعض الناس يؤمنون بأن جسد ربنا كان قابلاً للفساد (corruptible[19] فعلى سبيل المثال كتب ق. كيرلس إلى سكسينسوس (Succensus) أسقف ديوقيصرية يقول: “فالجسد بعد القيامة كان هو نفس الجسد الذي تحمل الآلام، على الرغم من أنه لم يعد بعد له نفس الضعفات البشرية وغير قابل للفساد”.

وفي رسالته إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس أشار ق. كيرلس إلى نفس الأمر بقوله: “إنها أعجوبة ومعجزة أن الجسد الذي هو قابل للفساد بحسب الطبيعة، قام ثانية بغير فساد”، ومرة أخرى ذكر ق. كيرلس في كتابه السابع والستين عن العذراء ’والدة الإله‘: “إن جسد ربنا لم يكن بأي حال من الأحوال خاضعاً للخطية التي تخص الفساد، ولكنه كان قابلاً للموت والدفن الحقيقي، وهو قد أبطله فيه (أي أبطل الموت في جسده)”.

وقد أكد يوليان أن جسد ربنا كان غير قابل للفساد سواء قبل القيامة أو بعدها، وحيث إن الفقرات المأخوذة عن البابا كيرلس تتعارض مع هذه الفكرة فقد اعتبر أن ذلك بسبب ’خطأ في النساخة‘. وحاول يوليان أن يبين في كتابه أن جسد المسيح كان على الدوام غير قابل للفساد (incorruptible)، وقد قام بإرسال نسخة من الكتاب إلى البطريرك ساويروس ليحظى بموافقته.

وتأخر البطريرك ساويروس في رده على الكتاب لكي لا يُظهر صديقه وزميله كهرطوقي، ولكنه عاد وخشي أن يتولد انطباع بأن أفكار يوليان هي انعكاس لتعليم الكنيسة[20] ـ الذي كان ساويروس يهتم بالحفاظ عليه ـ ولذلك كتب ساويروس رده[21] بعد بعض الوقت وأظهر أن أفكار يوليان غير مقبولة لديه، وأن أناساً آخرين في القسطنطينية كانت لديهم أفكاراً مماثلة وقد قام هو نفسه بدحضها. ولم يعجب يوليان برد البطريرك ساويروس فكتب خطاباً ثانياً،[22] وقام بنشر كتابه، مما اضطر ساويروس إلى القيام بتفنيده.

واليوليانية ـ مثل الأوطيخية ـ تعبر عن نزعة ما في العبادة المسيحية الصوفية، حيث تكمن الفكرة التي وراء كلتيهما في التأكيد على ألوهة المسيح، ليس من خلال تجاهل إنسانيته ـ وهو المفهوم الخاطئ الشائع عن تلك البدعتين ـ ولكن من خلال رؤية نوع من الاختلاف في إنسانية المسيح الحقيقية والكاملة عن إنسانيتنا.

فإنسانية المسيح بحسب مفهومهم تختلف عنا نحن البشر في كونها اتحدت منذ اللحظة الأولى لنشأتها في رحم العذراء بالله الابن بغير انفصال ولا انقسام، ولذلك فينبغي أن تكون تلك الإنسانية التي اتحدت بالله القدوس هي الآخرى مقدسة (ومختلفة عنا). وكان أوطيخا قد حاول أن يؤكد أنه بسبب أن المسيح هو الله، وبرغم أنه كإنسان وُلد من أم إنسانية، فلا يمكن أن نتكلم عنه بكونه واحد معنا في الجوهر (consubstantial with us).[23]

أما يوليان فقد رأى أن الفرق بين المسيح كإنسان وبيننا (نحن البشر) هو في عدم اتصال المسيح الجذري بالسقوط (والفساد) الخاص ببشريتنا، وهذا ما جعل تعليمه جذاباً في تقدير كثير من الناس في كلا الجانبين.

ومثلما حدث مع أبوليناريوس في القرن الرابع، استطاع يوليان في القرن السادس أن يحظى بتأييد الكثيرين لوجهة نظره، ويحفظ لنا ميخائيل السرياني قصة انضمام بروكوبيوس (Procopius) أسقف أفسس إلى الفريق اليولياني في حوالي منتصف القرن السادس.

وعلى الرغم من أن يوليان نفسه لم يكن يريد أن يقيم أساقفة آخرين بدون حضور أسقفين معه ليكتمل النصاب القانوني اللازم، فقد اضطره أنصاره أن يقيم خلفاً له وهو على فراش الموت بوضع يده على أحد الأشخاص، وقام هذا الشخص برسامة عشرة أساقفة وأرسلهم إلى الأجزاء المختلفة من الشرق لنشر تعليم يوليان.[24] ومن الجدير بالذكر أن الإمبراطور جوستينيان نفسه قد تبنى الفكر اليولياني وآمن به قرب نهاية حياته.[25]

ونجح أتباع يوليان في نشر أفكارهم في أرمينيا بل واستطاعوا أن يكسبوا تأييد الكنيسة هناك إلى جانبهم. ولم تكن الكنيسة في أرمينيا ضالعة في الخلاف الدائر بين المؤيدين والمعارضين لمجمع خلقيدونية، فمنذ أوائل القرن السادس قررت كنيسة أرمينيا في مجمع دوين (Dwin) أن تتبرأ من مجمع خلقيدونية وطومس ليو، ويذكر ساركيسيان[26] (Sarkissian) أنه قد تكرر اتخاذ نفس هذا القرار في المجامع اللاحقة للكنيسة.

ولكن كان للموالين للفكر اليولياني أثرهم على كنيسة أرمينيا،[27] وعلى الرغم من ذلك لدينا سجل لمجمع عُقد في أرمينيا عام 726م أوقف هذا التوجه، وقد حضر ذلك المجمع ستة من الأساقفة السريان، وكبير أساقفة أرمينيا مع واحد وعشرين من الأساقفة المساعدين وقادة رجال الكنيسة، واتخذ المجمع قراراً  بالابتعاد عن الانحياز للتعليم اليولياني، واعتبار البطريرك ساويروس وبقية الآخرين معه قديسين في الكنيسة.

[28] وكانت هناك أيضاً كنيسة يوليانية في سوريا، وكان لتلك الكنيسة في نهاية القرن الثامن رئيس يُدعى جبرائيل، وكان يريد إعادة الوحدة بين كنيسته والكيان الكنسي السرياني. وفي أيام البطريرك كرياكوس (792م – 817م) عُقد مجمع للكنيسة السريانية عام 798م لمناقشة أمر تلك الوحدة، وعلى الرغم من أن البطريرك كان يرغب في تقديم كل التسهيلات الممكنة، إلاّ أن بعض الأساقفة السريان لم يكونوا بهذا التساهل مما أدى في النهاية إلى فشل ذلك الأمر.[29]

(ب) خلاف في الإسكندرية:

وكان للجدال اليولياني أثره السلبي على الكنيسة في مصر، فقد استطاع يوليان أن يضم مجموعة من الانفصاليين وعدد كبير من الناس والرهبان في القطر المصري إلى وجهة نظره، وعندما رقد البابا تيموثاؤس الثالث* في 7 فبراير عام 535م، استطاع الموالون ليوليان أن يقيموا مرشحهم قيانوس (Gaianus) بطريركاً في 10 فبراير، غير أن الفريق الذي كان في جانب البطريرك ساويروس قام بسيامة ثيؤدوسيوس# خلفاً لتيموثاؤس الثالث.

واستطاع قيانوس أن يشغل الكرسي حتى 24 مايو إلى أن تم طرده بأوامر من الإمبراطور جوستينيان، وقُبض عليه وسط اضطراب من مؤيديه، وراح في هذه الفوضى ـ كما يذكر ميخائيل ـ  ثلاثة آلاف نفس من المصريين. وفي أثناء تولي قيانوس لمقاليد الأمور كانت هناك قوة عسكرية إمبراطورية تقوم بحراسة البطريرك ثيؤدوسيوس، وبعد طرد قيانوس أُعيد البابا ثيؤدوسيوس إلى الكرسي مرة أخرى.

ولم يمر شهر بعد ذلك حتى كان البابا ثيؤدوسيوس قد عقد مجمعاً أعلن فيه أن مجمع نيقية ومجمع أفسس وحروم البابا كيرلس الإثني عشر كانت بإلهام إلهي، وأن مرسوم الإتحاد ’الهينوتيكون‘ هو وثيقة تهدف إلى استبعاد مجمع خلقيدونية وطومس ليو من الكنيسة.[30] وقد أرسل المجمع خطاباً إلى البطريرك ساويروس معبراً عن اتفاقه معه، فرد البطريرك ساويروس في 25 يوليو موافقاً على الموقف الذي تبناه المجمع ومؤيداً للبابا ثيؤدوسيوس في مساندته له ضد يوليان.

وكان الإمبراطور جوستينيان يأمل في أن يرد البابا ثيؤدوسيوس على حمايته له بقبوله لمجمع خلقيدونية، وعندما لم يتحقق هذا الأمر، طلب الإمبراطور من البابا ثيؤدوسيوس وأساقفته أن يسافروا إلى القسطنطينية، فذهبوا بالفعل في ديسمبر عام 536م، ولكن في نفس الوقت قام البطريرك بوضع الأساس الذي يضمن الاستمرار القوي للتقليد غير الخلقيدوني في مصر من خلال رسامة الأساقفة وترتيب الكنيسة بشتى الطرق.

وقضى البابا ثيؤدوسيوس في العاصمة حوالي سنة، وأدى رفضه التام لقبول مجمع خلقيدونية لأن يأمر جوستينيان بأن يؤخذ البطريرك إلى ثراكي (Thrace) ويُسجن في حصن (Derkos). ولم يبقى البابا ثيؤدوسيوس هناك طويلاً حيث أحضرته الإمبراطورة مرة أخرى إلى العاصمة وعاش مع أعوانه تحت الحراسة في قصر هورميسداس (Hormisdas).

[1] Vasiliev, Justin the First, op. cit., pp. 68f.

[2] Steven Runciman, Byzantine Civilization, Edward Arnold, 1959, p. 35.

[3] يشرح روبرت براوننج (Robert Browning) في دراسته المتميزة عن جوستنيان وثيؤدورا (Justinian and Theodora) كيف قام جوستينيان يشن حروبه. انظر:

(Weidenfeld and Nicolson, 1971)

[4] تعد معالجة فاسيليف لانتخاب يوستين (مرجع سابق صفحة 68 وما يليها) هي محاولة للدفاع عن هذه الحادثة، ولكنه أقر بأن الانتخاب كان يجب أن يتم بعناية كبيرة.

[5] Frend, op. cit., p. 234.

[6] C. S. C. O., vol. 104 (Syriac), pp. 17-19.

[7] Michael le Syrien, vol. IV (Syriac), pp. 266-270.

[8] C. S. C. O., vol. 104, ibid., p. 26.

[9] Chronicon Anonymum, op. cit., p. 27.

* البابا الثامن والعشرون في عداد بطاركة الإسكندرية

[10] Vasiliev, Justin the First, op. cit., p. 76.

[11] Hore, op. cit., p. 280.

[12] استُخدم هذا اللقب في التماس المجمع المكاني في يوليو عام 518م.

[13] Chronicon Anonymum, op. cit., pp. 16f.

[14] Frend, op. cit., p. 234.

[15] Zacharia, op. cit., II, pp. 62 and 63.

ويذكر هذا المؤرخ أن فيتاليان (Vitalian) الإبن الروحي لفلافيان بطريرك أنطاكيا كان لديه حقد كبير نحو البطريرك ساويروس، وأنه هو الذي حرَّض يوستين لإصدار مثل هذه الأوامر.

[16] Zacharia, op. cit., II, p. 83.

[17] هاليكارنيسوس (Halicarnassus) هي مدينة في (Caria) إحدى المقاطعات الساحلية في الجنوب الغربي لأسيا الصغرى.

[18] للإطلاع على الخطاب انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 102-103)

[19] إن كلمة ’قابل للفساد‘ محملة بالمعاني. والتعليم بأنه بعد القبر قام جسد ربنا ثانية من الأموات بدون أن يعاني فساداً، هي ما أشار إليه العهد الجديد (انظر أعمال الرسل 2: 27؛ 13: 35)، وكان هذا هو التعليم المقبول في الكنيسة. ومع ذلك لم تكن هذه هي الفكرة المقصودة هنا. للرجوع إلى التعليم المشار إليها هنا انظر صفحة  وما يليها.

[20] لقد تمت إدانة المذهب اليولياني (اليوليانية) رسمياً من قبل جميع الكنائس الشرقية المعارضة لخلقيدونية، ولذا لا يمكن ضمه ضمن تلك الكنائس بصفته منتمياً لها.

[21] للإطلاع على الخطاب انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 103-104)

[22] للإطلاع على هذا الخطاب مع رد البطريرك ساويروس انظر: (المرجع السابق صفحة 104-112).

[23] انظر صفحة .

[24] Michael le Syrien, op. cit., pp. 319f.

[25] انظر صفحة .

[26] Sarkissian, op. cit., p. 215.

[27] See T. Nersoyan, op. cit., and Sarkissian, ibid.

[28] لقد أورد ميخائيل السرياني المؤرخ عرض كامل عن هذا المجمع بالإضافة إلى الحروم العشرة التي وافق عليها. انظر (مرجع سابق صفحة 457-461).

[29] Michael le Syrien, ibid., p. 485.

* البابا الثاني والثلاثون في عداد بطاركة الإسكندرية

# البابا الثالث والثلاثون في عداد بطاركة الإسكندرية

[30] Frend, op. cit., p. 270.

يعلق فرند هنا بأن المجمع المكاني الذي عقده ثيؤدوسيوس لم يذكر مجمع أفسس الثاني مع مجمعي نيقية وأفسس الأول. ويمكن أن ينطبق نفس هذا التعليق على تقريباً كل قرار عقائدي أو عبارة وضعها الجانب غير الخلقيدوني. وكانت وجهة نظرهم هي أن مجمع عام 449م لم يفعل غير أنه كرر نفس موقف مجمع 431م، ولهذا لا يتعين أن يتم ذكره بشكل خاص.

ترسيخ مجمع خلقيدونية ومحاولة إعادة الوحدة ج1

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

الجزء الأول: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثاني: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج2

4. المعارضة تنتظم:

لقد فشل مرسوم الاتحاد في تحقيق هدفه في مصر، حيث كان هناك إصرار على أنه لكي تتم إعادة الوحدة داخل الكنيسة فلابد للجانب الخلقيدوني أن يدين مجمع عام 451م، وطومس ليو بتعبيرات قاطعة. وكما سنرى فيما بعد أثناء حكم الإمبراطور أناستاسيوس (Anastasius)، فإن مرسوم الاتحاد نفسه لم يكن كافياً ليحمي مكدونيوس (Macedonius) بطريرك القسطنطينية ولا فلافيان بطريرك أنطاكيا من العزل، لأن مرسوم الاتحاد كان يُفسر في ذلك الوقت على أنه يحوي ضمنياً إدانة لمجمع خلقيدونية، فعندما لم يفطن هذان القائدان إلى ذلك الاستنتاج، كان لابد أن يُطردا من كرسييهما.

وعلاوة على ذلك لم تكن روما تريد أن تواجه الموقف الفعلي، بل مضت في طريقها تعلن أن مجمع خلقيدونية حدث تمّ ولا يمكن تغييره (fait accompli)، بل وكانت تتبرأ من كل المعارضين للمجمع معتبرة إياهم هراطقة.

وانقسم المجتمع المسيحي الواحد إلى كيانين قويين، ولم يقر أي منهما بأن الكنيسة الواحدة أصبحت توجد في معسكرين متباعدين، بل كان كل منهما يعتبر نفسه هو الكنيسة الواحدة وينظر إلى الآخر كهرطوقي. وفي هذه اللحظة كان الكيان غير الخلقيدوني بالتحديد يعاني من معوقـــات خطيرة، لأنه في الزمن الذي كانت تسود فيه فكرة كنيسة الدولة أو الكنيسة الرسمية (state Church) باعتبارها النموذج المقبول للمجتمع، كان الكيان غير الخلقيدوني يفتقر إلى السند الإمبراطوري.

وكان مجمع خلقيدونية ـ كما رأينا ـ هو الوسيلة التي استخدمتها السلطة الإمبراطورية في ذلك الوقت لكي تحقق فكرة الكنيسة الرسمية للإمبراطورية، ولهذا كان على المنتقدين للمجمع أن يسيروا في الأمر بدون الاعتراف بهذا النظام الكنسي الذي توطد. وفي الحقيقة كان على الفريق غير الخلقيدوني في الكنيسة أن يعيش فقط حالة الكيان الديني المحظور على غرار ما كانت تعيشه المسيحية كلها قبل إيمان قسطنطين في الربع الأول من القرن الرابع، وحتى حينما كانوا ينجحون في رسامة مرشحهم على الكرسي البطريركي كانت السلطة تتدخل وتقوم بعزله.

ورغم أن منشور باسيليسكوس كان قد غيَّر تلك الحالة إلاّ إنه لم يدم لفترة طويلة، كما أن مرسوم الاتحاد ’هينوتيكون‘ لم يقدم حقوقاً قانونية للكيان غير الخلقيدوني المضطهد، ولكنه وفر لهم سنداً ليعيشوا داخل الإمبراطورية بعيداً عن قبول مجمع عام 451م، ولعل الذين رحبوا بهذه الوثيقة كانوا يفكرون في هذا الأمر (المدني) أيضاً بجانب الفكر اللاهوتي الذي تضمَّنته، وعلى أية حال فإن تلك الوثيقة قد أعطتهم مساحة للتنفس كانوا في أمس الحاجة إليها، وقد تلا ذلك فترة كانت في صالحهم بدأت عام 491م بعد حكم الإمبراطور زينو.

 

(أ) فترة حكم الإمبراطور أناستاسيوس:

مات الإمبراطور زينو في أبريل عام 491م، وكان خلفه الإمبراطور أناستاسيوس من أهل (Dyrrhachium) في مقاطعة (New Epirus)، وكان يخدم كحارس باب (Silentiary)[1] في فترة حكم الإمبراطور زينو.

وكان أناستاسيوس عمره ستون سنة وقد تزوج من أريادن أرملة الإمبراطور زينو. وكان يتمتع بشخصية تقية وقد اتبع نفس السياسة الدينية لسلفه وحاول أن يوحد الجانبين في الكنيسة على أساس ’مرسوم الاتحاد‘. ويذكر إفاجريوس أن إفميوس بطريرك القسطنطينية لم يوافق على الاشتراك في مراسم تتويج أناستاسيوس إلاّ عندما أخذ منه وعداً يقضي بأنه لن يقوم بإدخال إي “ابتكار في كنيسة الله المقدسة”.[2]

وقد أظهرت فترة حكم أناستاسيوس مواطن القوة والضعف لدى كل جانب من الجانبين. وعلى الرغم من أن الإمبراطور جعل أساس سياسته الدينية هو مرسوم الاتحاد، إلاّ أنه كان من الممكن التحرك يميناً أو يساراً بالنسبة لمجمع خلقيدونية، وتسبب الصدام المحتدم بين الجانبين في إحالة مرسوم الاتحاد إلى الأرشيف ولم يتمكن من رؤية النور إلى أن فارق الإمبراطور أناستاسيوس الحياة في عام 518م.

وفي الحقيقة لم يحنث أناستاسيوس ـ كما يظن فاسيليف (Vasiliev) ـ بالوعد الذي أعطاه لبطريرك القسطنطينية إفميوس، لأنه حين تمسك بمرسوم الاتحاد ـ الذي اعتبره الأساس الشرعي للوحدة بين الجانبين ـ كان يرى أنه وثيقة ذات صفة قانونية داخل الإمبراطورية، وكان الإمبراطور زينو وليس أناستاسيوس ـ كما رأينا ـ هو الذي أصدر ذلك المرسوم باتفاق كامل مع بطريرك القسطنطينية.

وعلى الرغم من ذلك، فإنه مع مرور الوقت تحرك الإمبراطور تجاه اليسار واقترب إلى الموقف غير الخلقيدوني أكثر من أي حاكم آخر في الإمبراطورية البيزنطية مما أثار حفيظة الجانب الخلقيدوني المتشدد بصورة كبيرة. وهكذا مهدت فترة حكم أناستاسيوس الطريق نحو الانفصال الكامل والدائم بين الجانبين المتنازعين في الكنيسة.

وكانت المجتمعات الرهبانية وقادتها في الشرق في ذلك الوقت لها تأثير كبير على الشئون الكنسية على كافة المستويات. وقد لاحظنا بالفعل الدور الذي لعبوه في فلسطين في الفترة الأولى من الخلاف. كما أن ساباس (Sabas) ـ الذي عينه البطريرك الأورشليمي سالوستيوس (486م – 494م) رئيساً لرهبان فلسطين عام 494م ـ قد نجح بالتعاون مع البطريرك إيلياس (494م – 516م) في قيادة الغالبية العظمى في فلسطين نحو تأييد الجانب الخلقيدوني.

ولكن كان هناك في جنوب غرب فلسطين مجتمعات رهبانية في غزة (Gaza) تعارض مجمع خلقيدونية، وكان يقود هؤلاء الرهبان في وقت حكم أناستاسيوس رجل يدعى رومانوس (Romanus). وكذلك في القسطنطينية التي كانت تتمتع بكل المجد الإمبراطوري وبوجود مقر البطريرك ـ الذي يعتبر مجازاً هو القائد الروحي للشرق المسيحي ـ كانت هناك أيضاً مؤسسات رهبانية ذات ثقل كبير، ومن أشهر قادة هؤلاء الرهبان دانيال العمودي[3] تلميذ سمعان العمودي[4] الذي جاء ذكره عند الحديث عن مقاومة باسيليسكوس عام 476م.

وكان دانيال هذا قد نقل مقر إقامته من سوريا إلى العاصمة، وبسبب شهرته البارزة كان له أتباع كثيرون. وبجانب هذا كان يوجد أيضاً في القسطنطينية جماعة رهبانية أكثر أهمية من جهة السياسة الكنسية وهم جماعة عديمي النوم (Sleepless) الذين انضموا إلى أتباع ستوديوس (Studius)، وكان ستوديوس هذا راهباً أرستقراطياً جاء من روما إلى القسطنطينية عام 463م، وأسس في العاصمة ديراً له توجه خلقيدوني شديد، وكان يحتفظ بعلاقات قوية جداً مع روما.

 

(ب) المواقف تزداد تشدداً:

ويذكر زكريا المؤرخ أنه عندما أصبح إفميوس بطريركاً على القسطنطينية في عام 490م، رأى الخطاب الذي كان البابا بطرس مُنجوس قد أرسله إلى فرافيتا[5] يدين فيه مجمع خلقيدونية. وخطط إفميوس لحرم البابا بطرس بسبب ’عدم أرثوذكسيته‘، ولكن موت البابا السريع أفقده الفرصة.

وحينما جاء البابا أثناسيوس خلفاً للبابا بطرس، كتب إلى إفميوس نفسه يعلن رفضه لمجمع خلقيدونية، وقد أعطى هذا الفرصة لإفميوس ليرتب لإدانة الرجل. وحين علم البابا أثناسيوس من نائبه في العاصمة بهذه النية، انضم إلى سالوستيوس بطريرك أورشليم وفاتحا الإمبراطور أناستاسيوس بغرض إقصاء إفميوس عن كرسيه.[6]

وبالفعل تم عزل إفميوس بتهمة الخيانة وجاء بعده مكدونيوس ابن أخي جناديوس البطريرك السابق لأكاكيوس. ومع أن مكدونيوس كان خلقيدوني المعتقد، غير أنه لم يجد صعوبة في التوقيع على مرسوم الاتحاد، واستمر على كرسيه حتى عام 511م.

وعلى الرغم من أن الأمور كانت تسير في البداية على ما يُرام بين الإمبراطور وبطريرك القسطنطينية، إلاّ أنهما اختلفا معاً بعد ذلك. ويخبرنا زكريا عن مكدونيوس أنه كان يحتفل بذكرى نسطوريوس سنوياً، وأنه كوَّن فريقاً معارضاً للإمبراطور بالتعاون مع أحد السادة وبعض الرهبان وسعى لاتهام الإمبراطور بالهرطقة، كما أنه جمع كتاباً يتكون من فقرات مقتبسة من كتابات كل من ديودور، وثيؤدور ونسطوريوس، وثيؤدوريت وآخرين.[7]

وقد قابل الإمبراطور أناستاسيوس هذا التحرك برباطة جأش ودعا إلى اجتماع ضم مجلس الشيوخ والنبلاء ورجال الكنيسة والرهبان، وأعلن أمامهم إيمانه وطلب منهم أن يحرقوه حياً إذا وجدوا أنه غير أرثوذكسي، ولكن المجمع أقر بأرثوذكسيته وأعلن أن مكدونيوس مذنب ولذلك تم عزله في عام 511م.

ومن المؤكد أن الشقاق الذي حدث بين الإمبراطور أناستاسيوس والبطريرك مكدونيوس كان قد بدأ في أواخر العقد الأول من القرن السادس، ففي عام 508م وصل إلى القسطنطينية فريق من ثلاثمائة راهب من الجماعات الرهبانية في غزة يقودهم الراهب ساويروس وكانوا من المعارضين لمجمع خلقيدونية، وكانت هذه الجماعة قد حضرت إلى العاصمة لكي تطلب حماية الإمبراطور للرهبان الذين ينتمون إلى نفس موقفهم الديني في فلسطين من الضغط المستمر الذي يمارسه ضدهم الرهبان الخلقيدونيون من أجل القضاء عليهم.

واستطاع ساويروس الرجل العالم، لا أن يدافع عن هذه القضية فقط، وإنما أن يحل محل مكدونيوس كمستشار للإمبراطور في الشئون الكنسية. وكان ساويروس مقاوماً عنيداً لمجمع خلقيدونية، وكان هدفه بالطبع هو أن يبذل قصارى جهده لأن يجعل الموقف غير الخلقيدوني هو الإيمان الرسمي للكنيسة.

وقد حاول ساويروس خلال الثلاث سنوات التي قضاها في العاصمة أن يُدخل تسبحة الثلاثة تقديسات بصورتها المطولة ـ التي كان يعارضها مكدونيوس ـ في كنائس المدينة، ولكن لا الإمبراطور ولا ساويروس كان لديه الصبر الكافي ليدرك المفهوم المختلف الذي أُخذت به هذه التسبحة منذ البداية في كل من أنطاكيا والقسطنطينية.

وحدث موقف آخر كان من شأنه أن يزيد من شهرة ساويروس ويضعف الثقة في مكدونيوس، ففي ذلك الوقت كان الجانب الخلقيدوني قد بدأ نشاطه الأدبي للدفاع عن المجمع، وكان أول أعمالهم في هذا الاتجاه هو كتاب يحتوي على 244 اقتباساً من كتابات البابا كيرلس السكندري، لكي يثبتوا به أن مجمع خلقيدونية لم يقدِّم في مواجهته لخطر الأوطيخية إلا شرحاً لتعاليم البابا كيرلس، وبالتالي لا يكون هناك أي سند للذين يعارضون المجمع بحجة أنه غير متواصل مع مجمع أفسس عام 431م أو مع تعاليم البابا كيرلس.

وقد لقي هذا الكتاب ترحيباً كبيراً من الجانب الخلقيدوني في العاصمة، بينما وقع المعارضون لهم ـ بما فيهم الإمبراطور نفسه ـ في حالة من الارتباك. وهنا وضع ساويروس مؤلفه الشهير “محب الحق” (philalathes) ليدحض دعاوى ذلك الكتاب.

ولم يكن من الممكن أن يظل مكدونيوس محتفظاً بموقعه وهو مبتعد عن الإمبراطور بهذا الشكل. ويذكر يوحنا[8] كاتب سيرة حياة ساويروس أن الإمبراطور سأل مكدونيوس بإيعاز من ساويروس عن إن كان يؤمن أن الذي تجسد وصار إنساناً بلا تغيير قد وُلد من مريم، وأن تلك التي ولدته هي ثيؤطوكس أي ’والدة الإله‘.[9]

والسؤال هنا يدور حول مناقضة مكدونيوس للإيمان الذي حافظ عليه مجمع أفسس عام 431م والذي تبنى مصطلح ثيؤطوكس في الإشارة إلى العذراء مريم، وقيل أن مكدونيوس قد رفض الاعتراف بهذا الأمر. وعلى أية حال فكما يذكر فرند[10] تم عزل مكدونيوس بواسطة مجمع في 7 أغسطس عام 511م، وخلفه البطريرك تيموثاؤس الذي جلس على الكرسي حتى أبريل عام 518م.

وكان سقوط مكدونيوس وبعده بعام فلافيان أسقف أنطاكيا قد أظهر أنه لا يمكن للقادة الخلقيدونيين أن يبقوا في مأمن بمجرد التوقيع على مرسوم الاتحاد ’هينوتيكون‘، ويمكن مقارنة ذلك الوضع بالعلاقة التي كانت بين أكاكيوس وبطرس مُنجوس. وهكذا لم يبقى أمام الجانبين (الخلقيدوني وغير الخلقيدوني) إلا طريقاً واحداً فقط ألا وهو الانفصال في هدوء إلى أن يوحدهم الله مرة ثانية، ولكن حتى هذا الأمر لم يكن مقبولاً لأي منهما وقررا أن يظلا متحاربين بمشاعر البغض بدلاً من إظهار الحب.

وتم إدخال تسبحة الثلاثة تقديسات بصورتها المعدلة إلى القسطنطينية في يوم 7 نوفمبر عام 512م بواسطة البطريرك تيموثاؤس الذي خلف مكدونيوس، فقامت جماعة الرهبان عديمي النوم (Sleepless) بتهييج الشعب وصارت المدينة في اضطراب عظيم.[11]

وحيث إن العامة كانوا يرون أن الوزير ماريانوس (Marianus) هو المحرض للإمبراطور أناستاسيوس لإجازة هذا التصرف غير الأرثوذكسي (أي الإضافة التي تمت على التسبحة)، فقد ظلوا يبحثون عنه، ولما لم يجدوه في المنزل قاموا بنهب المنزل وإحراقه. وكان هناك راهب سرياني يقيم في ذلك المكان فأمسكوه وأعدموه بدون محاكمة.

وسار الجمع إلى مضمار سباق الخيول (Hippodrome) وهم يصيحون نريد ’إمبراطوراً آخراً‘، وعندما وجد أناستاسيوس أن هذه الفوضى لن تخمد خرج إليهم في المدرج بلا تاج على رأسه وسأل الناس أن يختاروا إمبراطوراً آخراً، وبالفعل نجحت هذه الوسيلة وتوسل إليه الجميع أن يضع ثانية الشارة الإمبراطورية. واستمر استخدام تلك الإضافة في تسبحة الثلاثة تقديسات لبعض الوقت في القسطنطينية فقط، ثم تم التخلي عنها بعد ذلك، رغم أن الفكر اللاهوتي الذي ورائها قد تم قبوله فيما بعد كتأكيد أساسي على الأرثوذكسية.[12]

ولاقت السياسة الدينية لأناستاسيوس الترحيب في مصر وسوريا وفي كل مكان آخر في الشرق كان الجانب غير الخلقيدوني يسعى فيه لمقاومة مجمع عام 451م. ولكن هذه السياسة أدت أيضاً إلى حدوث صراع وعنف وبالأخص في أنطاكيا وسوريا. وكانت الأجزاء الشمالية والشرقية من سوريا (سوريا 1) تنتمي بشدة للجانب غير الخلقيدوني، بينما تعتبر المناطق الساحلية والأجزاء الغربية (سوريا 2) بصورة أو بأخرى ذات ميول خلقيدونية.

أما أنطاكيا المدينة الثالثة في الأهمية في الإمبراطورية الرومانية الشرقية ـ بعد القسطنطينية والإسكندرية ـ فقد كانت منقسمة في انتمائها بين الجانبين. وحينما مات بطرس القصَّار في عام 488م جلس مكانه بالاديوس (Palladius)، ومن بعده جاء فلافيان[13] الذي كان مثل مكدونيوس بطريرك القسطنطينية متعصباً للجانب الخلقيدوني ولكنه قام بالتوقيع على مرسوم الاتحاد. ورغم أن فلافيان كان يحظى بتأييد قوي في مناطق ’سوريا 2‘ وكذلك في فلسطين من خلال إيلياس بطريرك أورشليم (494م – 516م)، إلاّ أنه كان يواجه مقاومة عنيفة من مناطق ’سوريا 1‘.

وكان الرجل الذي يقود المقاومة ضد مجمع خلقيدونية في مناطق ’سوريا 1‘ هو مار فيلوكسينوس (Philoxenos) أسقف منبج (Mabbogh or Hierapolis) عاصمة افراتسيا (Euphratesia) في الشمال الشرقي من سوريا. وكان مار فيلوكسينوس لاهوتي سرياني يتمتع بشيء من المقدرة والقيادة، وقد تمت رسامته بواسطة بطرس القصَّار في عام 485م، وكان ذو موقف متشدد ضد النسطورية وضد الخلقيدونية، ولذلك كان معارضاً لفلافيان (أسقف أنطاكيا) لنفس السبب عينه. وكان لمار فيلوكسينوس بعض الاتصالات مع الإمبراطور زينو ومن المرجح أنه زار القسطنطينية في عام 484م.[14]

وفي فترة حكم الإمبراطور أناستاسيوس تواجد مار فيلوكسينوس أيضاً في العاصمة عام 507م، وصارت له معرفة شخصية بالإمبراطور. وفي الوقت الذي كان فيه ساويروس في القسطنطينية (508م – 511م) يعمل من أجل إزاحة مكدونيوس عن كرسيه، كان فيلوكسينوس في سوريا يمارس نشاطه ضد مجمع خلقيدونية.

وبعد عزل مكدونيوس عن كرسي القسطنطينية، عاد ساويروس عام 511م إلى فلسطين، وفي عام 512م تم عقد مجمع[15] في صيدا (Sidon) ـ وهي مدينة ساحلية في فينيقيا (Phoenicia) جنوبي بيروت ـ بأمر من الإمبراطور أناستاسيوس الذي كان قد تبنى بالفعل ـ بناءً على مشورة ساويروس ـ موقفاً مؤداه أن إيمان الكنيسة يجب أن يكون على أساس مرسوم الاتحاد من جهة، وعلى أساس رفض صيغة “في طبيعتين”، ورفض طومس ليو وكل كتابات لاهوتيي أنطاكيا ـ أمثال ديودور الطرسوسي ـ من الجهة الأخرى.

ومن هنا استطاع مار فيلوكسينوس أن يعتمد على التأييد الإمبراطوري في خطته للتشكيك في مجمع خلقيدونية، ولذا رتب مار فيلوكسينوس في مجمع صيدا ـ الذي ترأسه فلافيان بحكم كونه بطريرك أنطاكيا ـ مع جموع الرهبان في مناطق ’سوريا 1‘ أن يقدم الراهب كوزماس (Cosmas) الذي من دير قنشرين (Kennesrin) التماساً  يطالب فيه[16] بإسقاط (أو إلغاء) مجمع خلقيدونية اعتماداً على مجموعة من الحجج المؤيدة باقتباسات من كتابات الآباء.

وكان يساند فلافيان في هذا المجمع إيلياس بطريرك أورشليم وعديد من الأساقفة من مناطق ’سوريا 2‘ ومن فلسطين، ولذلك كان رد المجمع على الالتماس هو الإقرار بضرورة إدانة كتابات اللاهوتيين الأنطاكيين أمثال ديودور وكتابات الذين اعترضوا على حروم البابا كيرلس الإثني عشر، ولكن بدون التخلي عن مجمع خلقيدونية. ومن هنا كان مجمع صيدا يعتبر بالفعل نكسة لفيلوكسينوس، ولكنه مع ذلك استطاع أن يجعل الرهبان مستعدين للمضي قدماً معه في خطته، ولذلك ذهب مار فيلوكسينوس لمقابلة الإمبراطور وأعطاه تقريراً عن مجمع صيدا مبيناً فيه أن فلافيان بطريرك أنطاكيا هو بالفعل هرطوقي.

وهنا وبناءً على أوامر من الإمبراطور تم عقد مجمع في لاودكية (Laodicea) في منطقة (Isauria) التي كانت تنتمي بشدة للجانب غير الخلقيدوني،[17] وتقرر فيه عزل فلافيان. وعاد مار فيلوكسينوس مع الرهبان إلى أنطاكيا وهو أكثر قوة، وتولى طرد فلافيان من كرسيه وسط مظاهر العنف، وتم نفي فلافيان إلى بترا (Petra) في الصحراء العربية.

واُختير ساويروس ليجلس على الكرسي الأنطاكي، ونال هذه الكرامة يوم 6 نوفمبر عام 512م، وقام برسامته اثنا عشر أسقفاً سريانياً.[18] وهنا أصبح من الممكن للرجلين اللذين يجلسان على كرسي القسطنطينية وكرسي الإسكندرية أن يتفقا في الإيمان مع البطريرك ساويروس الأنطاكي.

 

(ج) ملخص أعمال البطريرك ساويروس الأنطاكي:

كان البطريرك ساويروس شخصية بارزة وشديدة الأهمية، ولد في عائلة مسيحية في مدينة سوزوبوليس (Sozopolis in Pisidia) في أسيا الصغرى حوالي عام 465م، وكان حفيداً للأسقف ساويروس الذي شارك في مجمع أفسس عام 431م.[19] وقد صار البطريرك ساويروس الأنطاكي نفسه واحداً من قادة الكنيسة العظام أمثال أثناسيوس بطريرك الإسكندرية وباسيليوس أسقف قيصرية.

وكان البطريرك ساويروس مثل ق. باسيليوس أو ق. غريغوريوس النزينزي، قد نشأ في عائلة ثرية ونال أفضل تعليم مدني موجود في عصره قبل التحاقه بخدمة الكنيسة، وبدلاً من سلك القانون الذي كان قد خطط أن يمتهنه، اجتذبته الحياة الرهبانية في فلسطين، وقاده التأثر ببطرس الأيبيري إلى الاندماج في المعسكر غير الخلقيدوني.

والتحق ساويروس بدير بطرس في مايوما (Maiuma) قبل أن يُنشئ تجمعاً رهبانياً خاصاً به، حيث صار ضليعاً في الأسفار المسيحية المقدسة وكتابات الآباء.

          وبينما كان ساويروس يعيش بين الجماعات الرهبانية الفلسطينية، تولى مواجهة المعارضة مع راهب نوبي[20] يُدعى نيفاليوس (Nephalius). وهذا الراهب كان في الأصل مؤيداً للحركة غير الخلقيدونية إلى درجة أنه تنازع مع البابا بطرس مُنجوس بسبب محاولة الأخير الإتحاد مع أكاكيوس، ولكن نيفاليوس ترك الجانب غير الخلقيدوني وانضم إلى الكيان الخلقيدوني في فلسطين، وكتب كتاباً للدفاع عن مجمع خلقيدونية.

فأخذ ساويروس على عاتقه مهمة تفنيد[21] ما جاء في هذا الكتاب، إلا أن نيفاليوس مضى في إثارة المجتمع الرهباني والموظفين المدنيين في فلسطين ضد الجانب غير الخلقيدوني، حتى أن ذهاب ساويروس إلى القسطنطينية مع ثلاثمائة راهب عام 508م كان من أجل كسب التأييد الإمبراطوري في مواجهة هذا الموقف الذي سببه نيفاليوس. وكان ساويروس في ذلك الوقت قد أصبح ذائع الصيت، حتى أنه منذ عام 507م أو 508م كان الإمبراطور أناستاسيوس يحاول إقناعه بقبول رتبة البطريركية.[22]

وكبطريرك أنطاكيا كرَّس ساويروس نفسه لرعاية قطيعه بحماسة لافتة للنظر وبتفانٍ واضح. وتُظهر العظات التي ألقاها،[23] والرسائل العقائدية التي كتبها إلى عدد كبير من الناس،[24] بجانب التسابيح التي وضعها،[25] أنه كان رجلاً يتمتع بتقوى إنجيلية وإيمان صادق أصيل. وكتب البطريرك ساويروس الأنطاكي بالإضافة إلى كتاب “محب الحق” (philalathes[26] مؤلفاً ضخماً في ثلاثة كتب (Contra Impium Grammaticum)[27] يدحض فيه ما جاء في كتاب يوحنا النحوي (John the grammarian) أسقف قيصرية الذي كان قد ألفه للدفاع عن مجمع خلقيدونية وللرد على المعارضين له.

وقدَّم هذا البحث الذي وضعه البطريرك ساويروس تعليماً خريستولوجياً عن المسيح على أساس كتابات آباء الكنيسة، ومن المحتمل أن يكون البطريرك ساويروس قد أكمل هذا العمل في أوائل العشرينات من القرن السادس. وبعد ذلك بعدة سنوات كتب ساويروس كتاباً آخراً للرد على يوليان أسقف هاليكارنيسوس (Julian of Halicarnassus).[28] ومن المسلم به أن البطريرك ساويروس كان ثابتاً في انتقاده للنسطورية ومجمع خلقيدونية من ناحية، وللأوطيخية وبقية الهرطقات من الناحية الأخرى، ولذلك كان يحتفظ بموقف لاهوتي يستحق الانتباه من أي دارس للتاريخ أو العقيدة في الكنيسة الشرقية.

وقد عاش البطريرك ساويروس في وقت كانت فيه الكنيسة منقسمة، وبالتالي كان لابد لكل رجال الكنيسة أن ينتموا لأحد الفريقين، واختار البطريرك ساويروس أن يكون ضمن الفريق الذي تنصل من مجمع خلقيدونية، وقدَّم لهذا الفريق فكراً لاهوتياً يرتكز على أساس مجمع نيقية 325م، والقسطنطينية 381م، وأفسس 431م، وعلى أساس آباء الكنيسة الذين كانوا يتمسكون بهذا التقليد.

وكان على البطريرك ساويروس أن يواجه معارضة شديدة بسبب الموقف الذي يتبناه، فعلى الرغم من أن الإمبراطور أناستاسيوس كان يؤيده، إلاّ أن روما استنكرته واعتبرته موقفاً هرطوقياً، هذا بالإضافة إلى أنه كان هناك أيضاً رجال في الشرق يتخذون روما مرشداً لهم (وبالتالي كان لهم نفس توجه روما). وأدى ذلك إلى توتر العلاقة بين الإمبراطور وبابا روما، وتأزم الموقف بصورة أكبر بسبب ثورة فيتاليان (Vitalian) التي اندلعت بعد شهور قليلة من رسامة البطريرك ساويروس.

ويذكر فرند[29] أن هذه الحادثة (الثورة) كانت متصلة بعزل فلافيان بطريرك أنطاكيا، فقد كان فيتاليان ضابط جرماني وقائد للقوات في (Thrace) وكان ابناً روحياً لفلافيان. ونظم فيتاليان جيشاً من البربر وحدد مطالبه في إعادة تسبحة الثلاثة تقديسات إلى وضعها الأصلي القديم وإرجاع كل من مكدونيوس وفلافيان إلى كرسييهما.

وحينما رأى الإمبراطور أناستاسيوس أن فيتاليان استطاع أن يحقق نصراً في (Acra) على البحر الأسود في صيف عام 514م، وأن روما تحاول أن تتشدد في معارضته، كتب رسالتين إلى هورميسداس (Hormisdas) بابا روما بهدف إنهاء الشقاق بينهما، ولكن الشروط التي وضعتها روما لم تكن مقبولة لدى الإمبراطور مما جعله يتوقف عن هذه المحاولات.

وفي نفس الوقت استطاع الإمبراطور أناستاسيوس أن يصد محاولة فيتاليان للاستيلاء على القسطنطينية في عام 516م،[30] ومن الجدير بالذكر أن الإمبراطور أناستاسيوس ظل متمسكاً بموقفه الخاص حتى وفاته عام 518م.

وفي هذه الأثناء كان البطريرك ساويروس ومار فيلوكسينوس يحاولان توحيد القوى ضد خلقيدونية، فبأوامر من الإمبراطور قاما بعقد مجمع كبير في صور (Tyre)[31] عاصمة فينيقيا عام 514م حضره ممثلون عن الإسكندرية وأورشليم بالإضافة إلى أساقفة مقاطعات أنطاكيا (Antioch) وأباميا (Apamea) وإفراتسيا (Euphratesia) وأوسرون (Osroene) وميسوبوتاميا (Mesopotamia) والعربية (Arabia) وفينيقيا (Phoenicia).

واستطاع المجمع أن يعكس الموقف الذي حدث في مجمع صيدا، فقد أعلن أن مرسوم الاتحاد هو معياره اللاهوتي الذي يعترف به، ولكن مع ذلك لم يفهم المجمع هذه الوثيقة في ضوء قصدها الأصلي في تجميع الجانبين المتنازعين، وإنما بكونها صيغة تلغي مجمع خلقيدونية وطومس ليو.

وأمام هذا الموقف المعارض اضطر إيلياس بطريرك أورشليم أن يوقِّع بالموافقة، رغم أنه عارض الأمر بعد ذلك فتم عزله وتعيين البطريرك يوحنا مكانه. وأرسل مجمع صور رسائل تعبر عن الوحدة مع بطريرك القسطنطينية وبطريرك الإسكندرية، وهكذا تحققت الوحدة بين الكراسي الرئيسية الأربعة في الشرق* لفترة من الزمن. وتقريباً في غضون ذلك الوقت ماتت الإمبراطورة أريادن.[32]

 

[1] Vasiliev: History of the Byzantine Empire, op. cit., p. 109.

وكلمة (Silentiary) تعني الحاجب الذى يظل حارساً عند الأبواب أثناء إنعقاد إجتماعات المجلس الإمبراطوري أو إجتماعات الإمبراطور الأخرى.

[2] Evagrius III, 32, noted by Vasiliev: Justin the First, Dumbarton Oak Studies I, Harvard University Press. 1950, p. 79.

[3] لقب ’العمودي‘ يشير إلى ظاهرة رهبانية معروفة حين يعيش الراهب متوحداً في قلاية على رأس عمود يرتفع في بعض الأحيان بنحو أربعين قدم عن الأرض.

[4] هناك أيضاً سمعان ’العمودي‘ في التاريخ السرياني غير الخلقيدوني.

[5] خطاب البابا بطرس إلى فرافيتا موجود في (Zacharia, op. cit., II, pp. 11-14). وكان فرافيتا أيضاً قد أرسل خطاب إلى البابا بطرس (انظر نفس المرجع السابق صفحة 9-11).

[6] Zacharia, op. cit., II, pp. 19-20.

يقول زكريا أن البابا أثناسيوس وسالوستيوس كانا قد تبادلا خطابات تعبر عن الوحدة، ولذا لا يمكن اعتبارهما مشتركين في ’سلام غير طبيعي‘ كما يقول فرند. (مرجع سابق صفحة 200)

[7] للإطلاع على هذه القصة انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 39-48).

[8] للإطلاع على هذا العمل في نسخته السريانية مع ترجمة فرنسية انظر

(Patrologia Orientalis, Tome II, Fascicule 3, No. 8, ed. R. Graffin and F. Nau.)

[9] للإطلاع على هذه الفقرة انظر (المرجع السابق – النسخة السريانية – صفحة 236).

[10] Frend, op. cit., p. 218.

[11] Zacharia, op. cit., II, pp. 48-49.

[12] كان الرهبان (Scythian monks) في الجانب الخلقيدوني يؤكدون أن “واحداً من الثالوث القدوس قد تألم بالجسد”.

[13] يحدد فرند عهد فلافيان الثاني بأنه من عام 498م إلى عام 512م (مرجع سابق، صفحة 214) وهذا لا يتفق مع عرض زكريا المؤرخ الذي يقول أنه عندما نُصِّب أناستاسيوس إمبراطوراً يوم الأربعاء من أسبوع الآلام عام 491م، كان أساقفة الكراسي العظمى هم: إفميوس أسقف القسطنطينية، وفلافيان أسقف أنطاكية، وأثناسيوس أسقف الإسكندرية، وسالوستيوس أسقف أورشليم وفليكس أسقف روما الذي خلف سيمبليكيوس. (انظر زكريا مرجع سابق 2، صفحة 15).

[14] Zacharia, op. cit., II, pp. 50. 

[15] للإطلاع على وقائع مجمع صيدا انظر (المرجع السابق صفحة 50-51).

[16] للإطلاع على الالتماس انظر (المرجع السابق صفحة 52-54).

[17] Frend, op. cit., p. 219.

[18] للرجوع إلى أسماء هؤلاء الأساقفة انظر:

(Patrologia Orientalis, Tome II, op. cit., pp. 319, 320 and 321)

[19] هناك ثلاثة سير حياة لساويروس يمكن أن تجدها في: (P.O., vol. II and vol. IV)

[20] النوبة هي مملكة تقع في جنوب مصر، وقد قبلت المسيحية منذ حوالي القرن الرابع. للرجوع إلى إشارة عن نيفاليوس انظر صفحة .

[21] نُشر كتاب البطريرك ساويروس ضد نيفاليوس في:

Scriptores Syri: Series quarta – Tomus VII, by C. S. C. O., Louvain, 1949.

[22] للإطلاع على خطاب الإمبراطور أناستاسيوس انظر الوثيقة رقم 543 في

(Coleman-Norton, op. cit.)

[23] للإطلاع على عظات البطريرك ساويروس في الكاتدرائية انظر:

(P. O., vols. IV, VIII, XVI, XX, XXII, XXIII, XXV, XXVI, XXIX, XXXV & XXXVI)

[24] للإطلاع على رسائل البطريرك ساويروس انظر:

(P. O., vols. XII, and The Sixth Select Letters of Severus, ed. E. W. Brooks, London, 1902-4)

[25] للإطلاع على التسابيح التي كتبها البطريرك ساويروس انظر:

(P. O., Tome VI, Fas. 1, No. 26, and Tome VII, Fas. 5, No. 35)

[26] Séveré d’Antioche, Le Philaléthe, ed. Robert Hespel, C.S.C.O., vol. 133. Scriptores Syri 68, Louvain, 1952.

[27] Liber contra impium grammaticum, ed. J. Lebon, C.S.C.O., books 1 & 2. Syri 58, Louvain, 1952; book 3, pt. 1, Syri 45, Louvain, 1952; and pt. 2, Syri 50, Louvain, 1933.

[28] Séveré d’Antioche, Le Polémique Antijulianiste, C.S.C.O., vols. 244, 295 & 318. ed. Robert Hespel, Louvain, 1964.

[29] Frend, op. cit., p. 220; Zacharia, op. cit., II, pp. 62-63.

[30] Frend, op. cit., p. 231-33.

[31] Zacharia, op. cit., II, pp. 54-56.

* كانت هذه هي المرة الثانية التي تتحقق فيها الوحدة بين الكراسي الرئيسة الأربعة في الشرق (عام 512م)، حيث كانت المرة الأولى عندما وقَّع كل من أكاكيوس بطريرك القسطنطينية وبطرس مُنجوس بطريرك الإسكندرية وبطرس القصَّار بطريرك أنطاكيا ومارتيريوس بطريرك أورشليم على مرسوم الاتحاد وتبادلوا رسائل الوحدة والشركة بينهم (عام 484م).

[32] يذكر فرند في (Frend, op. cit., p. 233) أن أريادن ماتت في عام 515م، بينما يذكر زكريا أنها ماتت في عام 513م.

انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 57).

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج2

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج2

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج2

الجزء الأول: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثالث: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

3. المعارضة تكتسب قوة:

عندما مات الإمبراطور ليو الأول يوم 18 يناير عام 474م، كان لديه ابنتان هما أريادن (Ariadne) وليونتيا (Leontia). وكانت الابنة الكبرى أريادن قد تزوجت عام 468م من زينو الذي من (Isauria) والذي كان قائداً للجيش في الشرق منذ عام 466م أو 467م. وحينما أنجبا طفلاً أسمياه ليو (مثل جده)، وقد تم تنصيب هذا الطفل إمبراطوراً مساعداً أو شريكاً (co-emperor) لجده ليو الكبير. وعند وفاة الأخير، تم تعيين زينو إمبراطوراً مساعداً أو شريكاً (co-emperor) مع ابنه الصغير، ومات هذا الابن يوم 17 نوفمبر (عام 474م) وحينئذ صار زينو إمبراطوراً منفرداً بالسلطة.

وبعد قليل أدرك زينو أن له معارضين بين أقربائه وأهل بلدته، وكان من بين هؤلاء المعارضين باسيليسكوس أخو زوجة الإمبراطور المتوفي فيرينا (Verina)، الذي كان في وقت ما ضابطاً زميلاً لزينو. واستطاع باسيليسكوس بمساعدة أكاكيوس (Acacius) أسقف القسطنطينية والملكة الأم نفسها أن يستولي على رئاسة الإمبراطورية. وبعد أقل من عامين عاد زينو ليتغلب عليه ويستعيد وضعه الإمبراطوري مرة أخرى في نهاية أغسطس عام 476م.

 

(أ) باسيليسكوس ومنشوره العام:

كان يوم 9 يناير عام 475م، هو اليوم الذي تم فيه إعلان باسيليسكوس إمبراطوراً. وكان من أول الأعمال التي قام بها باسيليسكوس حين وصل إلى السلطة، أنه أرجع القادة غير الخلقيدونيين من النفي أمثال البابا تيموثاؤس إيلوروس، وبطرس القصَّار، وبولس أسقف أفسس وآخرين.

وكان السبب الذي دعا باسيليسكوس لتبني تلك الخطوة هو بالفعل محل تساؤل شغل تفكير المؤرخين، ولكننا في الحقيقة لدينا تفسير لذلك من خلال ما رواه زكريا[1] عن الواقعة، فقد ذكر أنه عند سماع خبر موت الإمبراطور ليو وتنصيب زينو مكانه، حضر وفد من الرهبان من مصر إلى العاصمة لكسب تعاطف الإمبراطور الجديد تجاه قضية غير الخلقيدونيين.

وعندما وصلوا إلى القسطنطينية وجدوا أن السلطة قد أصبحت في يد باسيليسكوس بدلاً من زينو، وأن ثيؤكتيتوس (Theoctitus) صار هو القائد العام، وكان أحد أولئك الرهبان هو ثيؤبامبيس (Theopampis) أخو ثيؤكتيتوس، فاستطاع هؤلاء الرجال بمشورة أكاكيوس (أسقف القسطنطينية) وتحت تأثير زينونيس[2] (Zenonis) زوجة باسيليسكوس أن يجعلوا الأخير يُقدِم على هذه الخطوة.

وبسبب صلة ثيؤكتيتوس بثيؤبامبيس خشي أكاكيوس أن يحاول الضابط الكبير أن يجعل أخيه يحل محله، ولذا ابتدأ يفتر حماسه في تأييده لباسيليكوس، وقد حاول أكاكيوس حتى أن يلغي زيارة البابا تيموثاؤس إيلوروس للعاصمة ولكنه لم ينجح في ذلك.

وأتى البابا تيموثاؤس إيلوروس إلى القسطنطينية واستقبله مالكو السفن السكندريون وشعب المدينة، وأثناء إقامته في العاصمة كضيف للإمبراطور وزوجته شجع البابا تيموثاؤس الإمبراطور باسيليسكوس ليصدر منشوراً عاماً يلغي فيه الابتكار والابتداع (في الإيمان) الذي حدث في خلقيدونية، ويدين طومس ليو.

ولكن جهود البابا تيموثاؤس لضم البطريرك أكاكيوس في جانب هذا المنشور، من خلال ضمان توقيعه على تلك الوثيقة باءت بالفشل. وهكذا ومنذ البداية حُكم على منشور باسيليسكوس بالإخفاق وذلك على الرغم من أن البابا تيموثاؤس وأتباعه لم يروا هذه الحقيقة الواقعة في ذلك الوقت.

وكان الراهب العالم بولس[3] هو الذي كتب المنشور[4] لباسيليسكوس، وقد صدر ذلك المنشور في يوم 9 أبريل عام 475م موجهاً إلى “كل المدن والناس في أنحاء الإمبراطورية”، وكان صريحاً في رفضه لمجمع خلقيدونية. وأكد المنشور على أن قانون إيمان نيقية هو الذي ينبغي أن “يسود على الشعب الأرثوذكسي” في كل الكنائس بكونه الرمز الوحيد للإيمان، وهذا القانون تم التصديق عليه بواسطة مجمع القسطنطينية ومجمع أفسس.

كما ينبغي أن تُضم كذلك ـ إلى قانون نيقية ـ قرارات هذين المجمعين المتصلة بالروح القدس والمتصلة بشخص المسيح في مواجهة تعاليم نسطوريوس. وحيث إن طومس ليو ومجمع خلقيدونية قد أدخلا شيئاً مبتدعاً ومستحدثاً في الإيمان، فإن كليهما يجب أن يُحرم في كل مكان. كما يجب أن تُدان أيضاً وعلى نفس النحو، “هرطقة أولئك الذين لا يعترفون بأن الابن المولود الوحيد من الله، هو بالحقيقة صار جسداً واتخذ الطبيعة البشرية من الروح القدس ومن القديسة مريم والدة الإله الدائمة البتولية، بل يتكلمون بالأعاجيب ـ إما بكونه (أي جسد الكلمة) من السماء، أو بكونه فقط حسب الخيال والظاهر (أي غير حقيقي)”.

كما دعت الوثيقة كل الأساقفة ليوقعوا عليها كدليل على قبولهم لقانون نيقية حسب تفسير وتأكيد مجمعي عام 381م وعام 431م، وبذلك يجحدون ويرفضون مجمع خلقيدونية. وإذا تمسك أحد رغم ذلك بمجمع خلقيدونية سواء كان أسقفاً أو رجل كنسي فإنه يُعزل؛ وإذا كان راهباً أو رجلاً عامياً فإنه سيتعرض للنفي ومصادرة ممتلكاته. وبهذه الطريقة صار من الواجب الالتزام بالقانون الذي كان قد أعلنه ثيؤدوسيوس الثاني.

وفور إعلان هذا المنشور، كان على البابا تيموثاؤس إيلوروس أن يواجه معارضة الأوطيخيين في المدينة، لأنه كان هناك بالقسطنطينية كياناً قوياً من الرهبان والشعب يوقرون الراهب العجوز (أوطيخا) ويعتبرونه شخصية عامة. وقد أربك أولئك الكلمات الواردة في المنشور والتي تدين الرؤية الخيالية للمسيح، وحاولوا الوصول للبابا تيموثاؤس على أمل أن يشرح لهم وجهة نظره في مقابل دفاعهم.

ولأنهم لم يتوقعوا أن يكون البابا تيموثاؤس في جانبهم، أشاروا على الإمبراطورة زينونيس (Zenonis) بعزله مرة ثانية. وأشار ثيؤكتيتوس على البابا تيموثاؤس أن يترك العاصمة، فرحل عنها متوجهاً إلى الإسكندرية ولكنه عرج في طريقة إلى أفسس[5] ليشارك في مجمع هناك للأساقفة الشرقيين.

 وأيد مجمع الأساقفة المنعقد في أفسس تحت رئاسة البابا تيموثاؤس منشور باسيليسكوس، وأصدر بتحمس قراراً ضد حكم مجمع خلقيدونية الخاص بكرسي القسطنطينية. وعلى الرغم من أن هذا القرار الأخير قد أسعد البعض في الشرق في ذلك الوقت، إلاّ إنه لم يكن من الممكن قبوله في القسطنطينية، لأن قرارات مجمع خلقيدونية كانت قد أعطت لبطريرك العاصمة الحق في رسامة أساقفة لمقاطعات بُنطُس وأسيا و(Thrace) التي كانت تحت سلطة أفسس[6] فيما سبق.

وشعر المجمع المنعقد في أفسس بالرضا لما أنجزه، وقد وقَّع على المنشور كل من البابا تيموثاؤس إيلوروس، وبطرس القصَّار، وأناستاسيوس أسقف أورشليم، وبولس أسقف أفسس، بالإضافة إلى ـ كما يقول زكريا ـ سبعمائة من الرجال.[7] وأرسل الأساقفة رداً إلى باسيليسكوس يؤكدون فيه إيمان نيقية حسبما أيدته المجامع اللاحقة أعوام 381م و431م وعام 449م، ويحرمون فيه الهرطقة المقدونية والهرطقة النسطورية وهرطقة الذين يؤمنون بأن ربنا يسوع المسيح كان له جسداً ظاهرياً فقط وأنه (أي الجسد) قد أتى من السماء.[8]

وكان عمر هذا النجاح قصيراً، حيث إن أكاكيوس أسقف القسطنطينية الذي لم يوَّقع على المنشور ابتدأ في التغير من ناحية الإمبراطور باسيليسكوس على الرغم من تأييده له في بداية الأمر. وكان من الطبيعي أيضاً ألاَّ يستحسن أكاكيوس ما سعي البابا تيموثاؤس إليه من حرمان كرسي القسطنطينية من التميز الذي منحه له مجمع خلقيدونية، هذا بالإضافة إلى استيائه كذلك من إشاعة انعقاد مجمع في أورشليم لإقامة الراهب المصري ثيؤبامبيس بطريركاً على القسطنطينية بدلاً منه.[9]

وأمام هذه التهديدات أظهر أكاكيوس مقاومة عنيفة اعتمد فيها على مساندة الكيان الرهباني في القسطنطينية، حيث كانت هناك ـ كما سنرى فيما بعد ـ جماعة الرهبان عديمي النوم (Sleepless) الذين كانوا على استعداد للدفاع عن مجمع خلقيدونية بأي ثمن، كما كان يمكن لأكاكيوس أيضاً أن يعتمد على دانيال العمودي الذي لم يترك عموده أبداً ولا حتى من أجل رسامته كاهناً،[10] ولكن بسبب أن الكنيسة كانت تواجه خطر حقيقي، استجاب دانيال لدعوة البطريرك ونزل بالفعل عن عموده.[11]

وأُجبر باسيليسكوس على ترك منصبه وعاد زينو مرة أخرى، ولم تفِد باسيليسكوس محاولته الأخيرة لإنقاذ نفسه بإصدار منشور مضاد يلغي به المنشور الأول.

وجاء في ذلك المنشور:[12] إن الإيمان الرسولي والأرثوذوكسي الذي كان سائداً منذ البداية والذي استمر التمسك به حتى وقت حكمنا ينبغي أن يكون هو الأساس، ولذلك فإن المنشور الذي قد صدر قبل ذلك وكذلك الأفعال التي تمت تُعتبر كلها لاغية؛ ومن ثم فإننا نحرم نسطوريوس وأوطيخا وكل هرطقة أخرى، ولا ينبغي أن يكون هناك أي مجمع (آخر) حول هذا الموضوع؛ كما تعود المقاطعات التي مارست عليها القسطنطينية حق الرسامة إلى أكاكيوس.

وقام أساقفة أسيا بتقديم اعتذار إلى أكاكيوس ووقَّعوا على المنشور المضاد، كما كتب أساقفة الشرق إلى كالنديون (Calendion) أسقف أنطاكيا وانسحبوا من تأييد المنشور (الأول).

 

(ب) الإمبراطور زينو ومرسوم الإتحاد (Henotikon):

وبمجرد أن وصل الإمبراطور زينو إلى السلطة حتى أصدر أوامره بإبطال منشور باسيليسكوس، وقد كتب في ذلك:[13] أنه يتم إلغاء الأشياء التي صُنعت قبلنا ـ وبالتحديد أثناء الحكم الاستبدادي ـ ضد الكنائس، التي تحت رئاسة أكاكيوس وغيره، وضد حقوقهم وامتيازاتهم. وبالنسبة للقسطنطينية، “فإنه ينبغي أن يكون لها بصورة ثابتة وإلى الأبد المقام والامتياز فيما يخص اختيار الأساقفة، وكذلك الحق في الجلوس قبل الآخرين (في الترتيب)، وكافة الأشياء الأخرى التي من المسلم أنها كانت لها قبل تولينا السلطة أو أثناء حكمنا”.

وهكذا أعاد الإمبراطور زينو لمجمع خلقيدونية موقعه السيادي في الإمبراطورية في مواجهة الإجراءات التي تبناها باسيليسكوس في منشوره. والأمر الهام هنا ليس كون مجمع خلقيدونية يحفظ الأرثوذكسية أو يستبعد الهرطقة، ولكن كونه يضمن حقوقاً وامتيازات معينة للقسطنطينية.

وأمر الإمبراطور زينو كذلك أن يتم إرسال القادة غير الخلقيدونيين الذين أرجعهم باسيليسكوس إلى النفي مرة ثانية، ولكنه استثنى البابا تيموثاؤس إيلوروس من هذا القرار (بسبب تقدمه في العمر)، وبالفعل تنيح البابا بعد وقت قليل.

وكان البطريرك الخلقيدوني في الإسكندرية والذي يُسمى أيضاً باسم تيموثاؤس (سالوفاكيولاس) هو الآخر رجلاً عجوزاً جداً، وكان زينو يأمل أنه بموت أحد الرجلين يلتئم الشقاق الذي في كنيسة مصر من خلال الاعتراف بالشخص الذي سيبقى منهما بأنه البطريرك الأوحد للإسكندرية، ولكن الرسول الذي أبلغ الإمبراطور بنبأ موت البابا تيموثاؤس إيلوروس أبلغه أيضاً بتعيين خلفاً له وهو البابا بطرس مُنجوس.

وعندئذ أعلن زينو ـ مدفوعاً من غيظه بسبب فشل خطته ـ عن تهديده بعقوبة الموت للبابا بطرس، ولكن تيموثاؤس سالوفاكيولاس تدخل لدى الإمبراطور وجعله يتراجع ويكتفي فقط بنفي البابا بطرس. ولم يتم تنفيذ أي من الأمرين لأن البابا بطرس اعتزل في الأديرة المصرية وقضى أيامه متخفياً حتى تغيرت الأوضاع. وفي نفس الوقت تم الاعتراف بالرجل المسن  تيموثاؤس (الخلقيدوني) كبطريرك الإسكندرية من قبل السلطات، واستمر في منصبه هذا حتى وفاته في فبراير عام 482م، وقد شهد في أيامه الأخيرة سلسلة من “الاضطرابات والمذابح”.

ولم يكن الموقف مشجعاً في الأجزاء الأخرى من الشرق، ففي أورشليم مثلاً تولى البطريرك أناستاسيوس خلفاً لجوفينال عام 458م، وقد وقَّع على منشور باسيليسكوس وبقي مخلصاً له ـ على خلاف الكثيرين في الشرق ـ حتى وفاته في يوليو عام 478م. واستمر مارتيريوس (478م ـ 486م) الذي جاء بعد ذلك على نفس سياسة سلفه، وحاول أن يوحِّد الشعب في كل فلسطين من خلال بيان عن الإيمان قدَّمه في رسالته الدورية.

وقد أكد[14] في تلك الرسالة أن المسيح قدم لنا الوحدة ونحن ينبغي أن نحافظ عليها من خلال تمسكنا بقانون إيمان نيقية باعتباره الرمز الوحيد للإيمان؛ وهذا القانون تم التصديق عليه في مجمع القسطنطينية عام 381م، ومجمع أفسس عام 431م؛ ولا يجب الاعتراف بأية إضافة تمت عليه سواء في سرديكا (Sardica) أو أرمينوم (Ariminum) أو خلقيدونية.

وفي أنطاكيا وسوريا سارت الأمور في طريق شاق مسدود، فالبطريرك الأنطاكي بطرس القصَّار كان قد أُرسل إلى المنفى بأوامر من الإمبراطور زينو، ولهذا كان الجانب غير الخلقيدوني المسيطر على الكرسي يكتفي بخدمات يوحنا أسقف أباميا (Apamea). ولكن بعد سنتين تدخَّلت السلطات ونصَّبت ستيفن (Stephen) على كرسي أنطاكيا، وعُيِّن بعده أسقف آخر يُسمى ستيفن أيضاً وهو الذي قُتل عام 479م بإدخال مسامير في جسده.

وهنا تدخل أكاكيوس بطريرك القسطنطينية حيث صار واضحاً أنه من غير الممكن أن تتم رسامة بطريرك يقبل مجمع خلقيدونية في أنطاكيا، وقام أكاكيوس برسامة كالنديون (Calendion) على الكرسي السرياني. ولم يستطع كالنديون أن يحكم قبضته على الكرسي، ولكنه بحكم كونه قائداً للأقلية الخلقيدونية اشتُبه في تورطه في ثورة إيلّوس،[15] وعُزل في سبتمبر عام 484م.

وصارت المشكلة الدينية التي خلقها مجمع خلقيدونية في الشرق تحتاج إلى حل حاسم. وكانت الكراسي الرئيسة في الإسكندرية وأنطاكيا وأورشليم قد أصبحت متقاربة بدرجة أكبر، كما أن أكاكيوس أسقف القسطنطينية كذلك كان مستعداً للتعاون بشرط احترام الجميع للسلطة التي منحها مجمع خلقيدونية لكرسيه على الشرق، وبدون النظر إلى الاختلافات الدقيقة في تعريف الإيمان الخلقيدوني أو الصلة القوية للقسطنطينية مع روما. وجاءت الفرصة للسعي في هذا الاتجاه في عام 481م.

كان تيموثاؤس سالوفاكيولاس ـ كما ذكرنا ـ رجلاً مسناً، كما كان البابا بطرس مُنجوس مستمراً في الاختفاء، ولذلك قدَّم بعض الرهبان والنبلاء بالإسكندرية اقتراحاً إلى السلطات مفاده أنه يقوم الجانبان (الخلقيدوني وغير الخلقيدوني) بعد موت تيموثاؤس الخلقيدوني بالاعتراف بالبابا بطرس بطريركاً لكي تتحقق الوحدة في الكنيسة، وبالتالي لا تكون هناك حاجة لإقامة خلف لتيموثاؤس الخلقيدوني.

ولكن لم تلقى هذه الخطة قبولاً من الجانب الخلقيدوني، وقاموا بتقديم التماس إلى الإمبراطور ضد هذا التحرك،[16] وحمل هذا الالتماس إلى العاصمة راهب قس يُدعى يوحنا التلاوي (John Talaia) من دير ق. يوحنا المعمدان الذي ببيت الشهداء بالمدينة.

وكان يوحنا هذا يطمح في الكرسي السكندري، ولذلك حينما كان في العاصمة اتصل بالقائد الأيسوري (Isaurian) القوي إيلوس (Illus) صديق ثيؤغنوستُس (Theognostus) والي الإسكندرية الذي كان يمكنه التحكم في عملية اختيار البطريرك.

وكان إيلوس ـ كما رأينا ـ يخطط بالاتفاق مع ليونتيوس (Leontius) وإفبريبيوس (Euprepius) للثورة ضد زينو وقد تم اعتقاله مع كالنديون أسقف أنطاكيا في عام 484م، ثم انتهى الأمر بإعدامه. ولكن في عام 481م حين كان يوحنا التلاوي في القسطنطينية كان إيلوس مازال في السلطة، ولذلك حاول يوحنا أن ينال مؤازرته.

ومع ذلك عندما حضر يوحنا أمام الإمبراطور أنكر تماماً أن لديه أية نية لترشيح نفسه لكرسي البطريركية، وقام زينو بالموافقة على طلب السكندريين (الخلقيدونيين) وعاد يوحنا إلى ديره، وأخذ في عودته خطاباً من إيلوس إلى والي الإسكندرية. ومات تيموثاؤس سالوفاكيولاس بعد وقت قليل وقام الفريق الذي ينتمي إليه بتنصيب يوحنا التلاوي خلفاً له، ولكن الإمبراطور زينو رفض الاعتراف به وطرده بسبب حنثه باليمين وهكذا خلا الكرسي السكندري واحتاج إلى من يشغله.

وهنا قدَّم غالبية الشعب السكندري شكواهم إلى الإمبراطور طالبين منه أن يعيد البابا بطرس مُنجوس. وكان زينو مؤيداً للفكرة وعرض عليهم الهينوتيكون (Henotikon) أو مرسوم الإتحاد كأساس (أو شرط) لتبني وجهة نظرهم.

وقد أعد زينو تلك الوثيقة بالاتفاق مع أكاكيوس بطريرك القسطنطينية الذي كان قد نجح في مقاومة البابا تيموثاؤس أيلوروس وأحبط خطته غير الواقعية، وهو الآن يملي شروطه على خليفة البابا تيموثاؤس لكي ما يعترف به. وأصدر الإمبراطور زينو هذا المرسوم في 28 يوليو عام 482م موجهاً[17] إلى “أساقفة وشعب الإسكندرية، ومصر، وليبيا، والخمس مدن”.

وشرح المنشور الحالة الدينية في الشرق بهذه الكلمات المثيرة للمشاعر:

لأن ما حدث، أثناء كل سنين الحياة هذه، أن الزمن قد ترك جيلاً لا يُحصى يرحل عنا، ولذلك رحل البعض من الذين حُرموا من تجديد المعمودية، وآخرون بدون اشتراك في (سر) الشركة الإلهية، كما أن عشرات الألوف من الموتى قد أصيبوا بصورة طائشة لدرجة أن الأرض لم تكن وحدها هي التي تلوثت من كثرتهم ولكن الهواء نفسه أيضاً. فمن يستطيع ألا يصلي لكي تتبدل هذه الأشياء بأشياء أخرى صالحة؟

وقد أقرت هذه الوثيقة أن قانون إيمان نيقية هو الرمز الوحيد للإيمان الذي صدَّق عليه “الآباء المئة والخمسون، كما أقره الآباء القديسون الذين اجتمعوا في أفسس وعزلوا نسطوريوس عديم التقوى وكل خلفائه في المعتقد”.

“وبالنسبة لنسطوريوس هذا وكذلك أوطيخا، فنظراً لأنهما قد اعترفا بآراء مخالفة لما سبق وأُعلن، فإننا نحرمهما. ونقبل بالإضافة إلى ذلك الحروم الإثني عشر التي وضعها كيرلس”.

وواصل مرسوم الإتحاد كلامه بشكل إيجابي إذ يقول:

“ونعترف بأن ابن الله الوحيد، الذي وهو نفسه إله، صار متجسداً بالحقيقة (الذي هو) ربنا يسوع المسيح؛ وهو واحد في ذات الجوهر معنا فيما يخص الناسوت؛ وهو الذي نزل وصار متجسداً بالروح القدس ومن مريم العذراء والدة الإله (ثيؤطوكس)؛ هو ابن واحد وليس إثنين، لأننا نؤكد أن كلاً من العجائب، والآلام التي احتملها في جسده بإرادته، هي لابن الله الوحيد.

ونحن لا نقبل على الإطلاق أولئك الذين يجعلون (فيه) انقساماً أو اختلاطاً أو (يظنونه) خيالاً. لأن التجسد الحقيقي وغير الدنس لم يدخل أية إضافة على الابن، فالثالوث استمر في كونه ثالوثاً حتى بعد ما صار الله الكلمة الواحد من الثالوث متجسداً”.

وبعد مناشدة المرسوم لاستعادة وحدة الكنيسة على أساس ما جاء به من تأكيدات، أعلن الهينوتيكون حرماً على:

“كل من آمن أو يؤمن، الآن أو في أي وقت، سواء في خلقيدونية أو في أي مجمع، بأي إيمان آخر، وبالأخص (ما قدمه) نسطوريوس وأوطيخا ـ المذكورين سابقاً ـ وكذلك أولئك الذين يعتقدون مثلهم”.

ومن الجدير بالذكر أن مرسوم الإتحاد لم يدن مجمع خلقيدونية ولا طومس ليو، ولكنه قام بتوضيح الإيمان أولاً للذين ينتمون للجانب الخلقيدوني حيث ذكر لهم ما الذي لا يتضمنه المجمع، وثانياً للذين في الجانب الآخر (غير الخلقيدوني) حيث أدان الأفكار التي رأوها في الصيغة الإيمانية للمجمع. ومن هنا نستطيع القول أنه لو كان الدافع الوحيد للرجال في كلا الجانبين هو الحرص على استبعاد الهرطقة والحفاظ على الإيمان ـ وبدون الاهتمام بالمكانة الشخصية لكل منهما ـ لكانوا قد قبلوا مرسوم الاتحاد.

وقد كتب دوشيسين (Duchesne) عن الهينوتيكون هذه الكلمات: “لو تركنا جانباً الظروف التي وُضع فيها (هذا المرسوم)، فإن جوهر محتواه لا يمكن أن يثير أي اعتراض من جهة الأرثوذكسية”.[18]

وأُرسل مرسوم الإتحاد إلى الإسكندرية مع فراجميوس (Fragmius) الوالي الجديد على المدينة الذي حل محل ثيؤغنوستُس. وعندما وصل إلى الإسكندرية وجد أن يوحنا التلاوي قد رحل فأخذ يبحث عن البابا بطرس مُنجوس ليريه الهينوتيكون، وقيل للبابا أنه إذا قبل تلك الوثيقة ووافق على الشركة مع أساقفة الجانب الخلقيدوني الذين سيؤيدونها أيضاً، فسيُسمح له بالعودة للكرسي السكندري. ووافق البابا بطرس عليها، فتمت إعادته وطُرد يوحنا التلاوي بدون أي إبطاء.

 

(ج) اتحاد مؤقت بين الكراسي الكبرى:

وكان أول من وقع على مرسوم الاتحاد أكاكيوس بطريرك القسطنطينية وبطرس مُنجوس بطريرك الإسكندرية، وتبادلا بعد ذلك رسائل الشركة والوحدة فيما بينهما.[19] أما في أنطاكيا فكان هناك بطريرك لكل جانب من الإثنين، بطرس القصَّار وكالنديون، ورغم أن بطرس كان في المنفى إلاّ أن غير الخلقيدونيين كانوا هم المسيطرون على الكرسي الأنطاكي.

وكان كالنديون بطريركاً فقط على الأقلية الخلقيدونية التي في المدينة، ولأنه كان يعتبر نفسه وريث التقليد اللاهوتي لإفستاثيوس الذي نُفي عام 328 فقد قام بإعادة رفات الرجل إلى المدينة. وحاول كالنديون أن يرضي الأنطاكيين من خلال السماح باستخدام الثلاثة تقديسات (Trisagion) في صورتها المطوَّلة ولكن مع إضافة عبارة “أيها المسيح الملك”.

وكانت تسبحة الثلاثة تقديسات “قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الذي يموت، ارحمنا” قد أُدخلت إلى منطقة أنطاكيا منذ منتصف القرن الرابع تقريباً في مواجهة الجانب الأريوسي الذي كان مسيطراً على الكرسي الأنطاكي في ذلك الوقت، وفي أول أسقفية بطرس القصَّار قام بإضافة عبارة “يا من صلبت عنا” لهذه التسبحة، باعتبار أن ذلك هو اختبار الأرثوذكسية عند غير الخلقيدونيين في مواجهة النسطورية.*

وكانت هذه التسبحة تُستخدم في القسطنطينية في صورتها الأصلية (بدون الإضافة) وكانت تُفهم أنها تمجيد مُقدم للثالوث القدوس، وذلك بخلاف الوضع في منطقة أنطاكيا حيث كانت تُفهم بأنها تشير إلى الله الابن.[20]

لذلك فمن وجهة النظر الأولى (التي كانت سائدة في القسطنطينية)  يمكن الاعتراض على الإضافة التي قام بها بطرس القصَّار “يا من صلبت عنا” لأنها قد تعني أن الثالوث تألم على الصليب، ومن هنا كانت إضافة كالنديون لعبارة “أيها المسيح الملك” هي لتوضيح المعنى المقصود على الرغم من أنها قد لا تخدم هدف استبعاد النسطورية.

والمهم أن كالنديون نفسه رفض التوقيع على مرسوم الاتحاد، وبعد اتهامه بالضلوع في ثورة إيلوس تم استبعاده وأُعطي الكرسي إلى بطرس القصَّار في عام 484م، حيث قام بالتوقيع على الهينوتيكون وعقد مجمعاً تم فيه التصديق على مرسوم الاتحاد. وأرسل بطرس القصَّار رسالة الوحدة إلى البابا بطرس مُنجوس بطريرك الإسكندرية،[21] كما كتب مارتيريوس أسقف أورشليم أيضاً إلى بطرس مُنجوس معبراً عن الوحدة.[22]

وهنا صارت البطريركيات الشرقية الأربعة (الإسكندرية والقسطنطينية وأنطاكيا وأورشليم) في اتحاد، وانضم إليهم كثير من الأساقفة وقادة الشعب، ولكن روما لم تكن مشتركة في هذا التطور حيث كان موقف الكرسي الغربي في الحقيقة هو ما عبَّر عنه الوفد الروماني يوم 22 أكتوبر عام 451م وهو: إما أن يقبل الشرق وجهة نظر روما أو أن يدع روما تهتم بأمورها.[23]

واستمر الشقاق الذي حدث في ذلك الوقت بين روما والقسطنطينية لفترة امتدت حوالي خمسة وثلاثين عاماً، هذا بالإضافة إلى أن فيليكس الثالث (Felix III) بابا روما قام بعقد مجمع يوم 28 يوليو عام 484م حضره سبعة وعشرون أسقفاً وقام بحرم أكاكيوس[24] بطريرك القسطنطينية، فتحدى البطريرك هذه الإهانة واستمر في ما خطط له.

ولم يكن ممكناً لهذا الاتحاد أن يستمر طويلاً وذلك لسبب واحد هو أن كلاً من طرفي الخلاف لم يكن منفتحاً في مواجهة المسألة التي سببت الانشقاق، فمجمع خلقيدونية كان في الواقع قد خلق مشكلة خطيرة أثرت على وحدة الكنيسة وكانت هذه المشكلة تحتاج إلى حل. ويذكر زكريا أنه عندما أُرسل مرسوم الاتحاد إلى الإسكندرية اعترض عليه بعض المتحمسين لأنه لم يتعرض لمشكلة مجمع عام 451م، وعلى الرغم من أن البابا بطرس مُنجوس أستطاع أن يهدئهم في البداية إلاّ إنه لم يتمكن من الصمود طويلاً.

وكان هناك رجال في الإسكندرية من الجانب الخلقيدوني يؤيدون يوحنا التلاوي ضد البابا بطرس، وأولئك قد تحركوا في خطة لتدمير الوحدة من خلال الدفع بقس يدعى سيرس (Cyrus) كان في القديم مسانداً للبابا ديسقوروس ولكنه انضم إلى الجانب الخلقيدوني، حيث رأوا أن وجود الرجل بين الذين يتفاوضون في مسألة الوحدة (من الجانب الخلقيدوني) سيزعج غير الخلقيدونيين.[25] هذا بالإضافة إلى أن يوحنا التلاوي نفسه ذهب إلى روما لكسب تعاطف البابا سيمبليكيوس (Simplicius).

ومن هنا نرى أنه كان هناك انتقاد لمرسوم الاتحاد في الجانب غير الخلقيدوني منذ البداية، وكانت جماعة ’الذين بلا رأس‘* (Acephalists) هي التي تقوم بالتشجيع على ذلك. أما على الجانب الخلقيدوني، فكان هناك رجال في الشرق غير مستعدين للاعتراف بأن مجمع خلقيدونية كان يشوبه أي نقصان، ولا مستعدين كذلك للمجازفة بأن تتأثر علاقتهم مع روما.

وإذا رجعنا إلى الرؤية الكنسية التي حاول ممثلو الحكومة البيزنطية تثبيتها في مجمع خلقيدونية، فسنجد أنه كانت تتكون من ثلاثة أجزاء: أولاً اعتراف الإيمان، ثانياً سيادة كرسي القسطنطينية، وثالثاً الاتحاد مع روما بدون الاعتراف بمزاعم بابا روما (في السيادة العامة على الكنيسة كلها). ومن هنا كان أكاكيوس بطريرك القسطنطينية بموافقته على الهينوتيكون قد أظهر رغبته في تجاهل الجزء الثالث من الرؤية السابقة، وكذلك الأخذ بالجزء الأول بدون ضرورة الإصرار على نص ولغة المجمع.

ولم تجد هذه التداعيات استحساناً أو تأييداً من عدد كبير من الجانب الخلقيدوني في الشرق، وبالضبط كما أنه في أيام مجمع خلقيدونية ألتمس المعارضون للإسكندرية تأييد قادة روما، هكذا أيضاً هنا لجأ الرجال إلى روما لطلب المساعدة. ومات أكاكيوس عام 489م، وجاء بعده فرافيتا (Fravitta) الذي مات هو الآخر أيضاً بعد بضعة أشهر، وأُقيم بعد ذلك إفميوس (Euphemius) الخلقيدوني الصميم بطريركاً على القسطنطينية.

وكان إفميوس هذا يؤلمه الانفصال عن روما أكثر من الافتراق المحتمل عن جيرانه الشرقيين، ولذا تبادل المراسلات مع فيليكس الثالث (بابا روما) من أجل إعادة الوحدة بينهما، ولكن البابا طلب منه أن يحرم أكاكيوس كشرط لإزالة الخلاف بينهما، فتوقف الأمر وقتئذ عند ذلك الحد.

 

 

(د) اضطرابات في مصر:

عندما قام البابا بطرس مُنجوس بالتوقيع على مرسوم الاتحاد ودخل رسمياً في الشركة مع أكاكيوس بطريرك القسطنطينية عام 482م، عبَّر ثيؤدور أسقف أسنا[26] (Antinoe) وأسقفين آخرين من صعيد مصر وبعض رجال الكنيسة وكثير من الرهبان عن عدم موافقتهم لما فعله وخرجوا عن الشركة معه.

وفي الحقيقة كان البابا بطرس في رسائله إلى أكاكيوس، قد أقر بما أكده الأخير بأن مجمع خلقيدونية عام 451م لم يبتدع في الواقع أي شيء جديد على الإيمان،[27] ومن هنا رأى معارضوه أن قبوله لهذا الكلام بالإضافة إلى الوحدة التي دخل فيها مع بطريرك القسطنطينية إنما تمثل خيانة للإيمان من قبل البابا بطرس مُنجوس.

وجرت محاولات عديدة لتسوية الخلاف بين البابا بطرس ومعارضيه، منها أن بطرس الأيبيري (أسقف مايوما بفلسطين) جعل بطريرك الإسكندرية يدين مجمع خلقيدونية علانية ويوقِّع على أربعة من كتاباته الخاصة التي تحتوي على حرمان واضح للمجمع ولطومس ليو، ولكن ذلك لم يرضِ المعارضين للبابا بطرس مُنجوس. واتخذ البابا إجراءً يقضي بطرد الأسقف ثيؤدور من ديره، وأمام هذا قام الرهبان بانتداب نيفاليوس (Nephalius) ليعرض شكواهم أمام الإمبراطور.

واستجاب زينو وأرسل حارسه الخاص كوزماس (Cosmas) إلى الإسكندرية لإيجاد حل للمشكلة، وكان هناك جمهور يقدر بثلاثين ألفاً ومعهم عشرة أساقفة ـ كما يذكر زكريا المؤرخ ـ في استقبال مبعوث الإمبراطور، فقام كوزماس بمقابلة مائتين منهم مع البطريرك. وعندئذ أدان البابا بطرس مجمع خلقيدونية وطومس ليو علانية،[28] ولكن هذا أيضاً لم يرضِ معارضيه وتشاوروا فيما بينهم لإقامة بطريرك آخر بدلاً منه، ولكن الأسقف ثيؤدور أثناهم عن القيام بهذه الخطوة.

وعاد زينو وأرسل مبعوثاً آخر يسمى أرسانيوس (Arsanius) فأمر هذا بطرد الرهبان من أديرتهم، إلاّ أن الرهبان أرسلوا ممثلين عنهم إلى الإمبراطور واستطاعوا أن يقنعوه بعدم اتخاذ مواقف عنيفة من هذا النوع. وأُطلق على أولئك المعارضين للبابا بطرس اسم ’الذين بلا رأس‘* (Acephalists)، وقد استمروا في شكل جماعة تشبه إلى حد بعيد أتباع نوفاتيان في القرن السابع.

وعندما مات أكاكيوس في عام 489م، تراجعت جماعة ’الذين بلا رأس‘ بسبب انفصال الشركة التي كانت بين القسطنطينية والإسكندرية. وحينما مات البابا بطرس مُنجوس عام 490م، رفع خليفته البابا أثناسيوس# اسم البابا بطرس من الدبتيخا بهدف توحيد الجميع، ولكنه اضطر إلى إعادته في الليتورجيا استجابة لطلب الشعب.

 

(هـ) بعض التعليقات على الأحداث:

لقد أظهر الخلاف الذي نشأ في مصر طبيعة خطة البطريرك أكاكيوس بخصوص اتحاد الطرفين المتنازعين على أساس مرسوم الاتحاد ’هينوتيكون‘، فلم تكن لدى بطريرك القسطنطينية أية نية للتخلي عن مجمع خلقيدونية كما ظنت روما في ذلك الوقت، بل على العكس كان هدفه هو أن يوحد الجانبين بأن يجعل الجانب غير الخلقيدوني يقبل المجمع بطريقة ماكرة.

وقد اتضح هذا الأمر من خلال تعامله مع البابا بطرس مُنجوس، فكما رأينا أن الأساس الذي بُنيت عليه إعادة الاتحاد لم يتضمن ضرورة تأييد الجانب غير الخلقيدوني للمجمع، ولكن فقط التوقيع على مرسوم الاتحاد وحسب، أما أكاكيوس فقد ذهب إلى أبعد من هذا الاتفاق من خلال تبادله للخطابات مع البابا بطرس التي تعبِّر عن قبوله للمجمع.

ولذلك فالحقيقة هي أنه كما فعل أناتوليوس بالضبط حينما حاول أن يرسِّخ مجمع خلقيدونية في فترة حكم الإمبراطور ليو الأول، هكذا أيضاً سعى أكاكيوس ليحصل على تأييد ضمني للمجمع من البابا بطرس مُنجوس، وعلى الرغم من أن الأخير لم ينتبه إلى هذه الخطة، إلا أن الآخرون كانوا يرونها ويحاولون مقاومة هذا التحرك.

 

[1] Zacharia, op. cit., I, p. 209.

[2] زينونيس كانت مناصرة للفريق الذي ظل مخلصاً لذكرى أوطيخا.

[3] Zacharia, op. cit., I, p. 211. 

[4] للإطلاع على منشور باسيليسكوس انظر:

(Evagrius, III, 4 in PG. LXXXVI, 2600-A – 2604-B)

وقد أورد زكريا جزءاً منه فقط (Zacharia, op. cit., I, pp. 211-213) وهذا المنشور هو الوثيقة رقم 542 في (Coleman-Norton, op. cit.).

 

[5] Zacharia, op. cit., I, pp. 215f.

[6] كانت المزاعم المتنافسة التي ذكرها في خلقيدونية كل من ستيفن وباسانيوس من أجل كرسي أفسس قد رُفضت لصالح يوحنا الذي لم يكن الشعب يقبله. وأقاموا بولس، ولكن السلطة الحكومية طردته، ثم أعاده باسيليسكوس مرة أخرى. وقد ساند هذا المجمع بولس الذي كان قد وقع على المنشور.

[7] Zacharia, op. cit., I, p. 213.

[8] للإطلاع على رد الأساقفة انظر: (المرجع السابق صفحة 213 – 215).

[9] المرجع السابق صفحة 219.

[10] Frend, op. cit., p. 172.

[11] Zacharia, op. cit., I, p. 219. 

[12] للإطلاع على المنشور المضاد انظر: (Coleman-Norton, op. cit., p. 918).

[13] المرجع السابق: الوثيقة رقم 526.

[14] للإطلاع على الرسالة الدورية انظر: (Zacharia, op. cit., I, pp. 221-223)

 

[15] انظر صفحة ، وصفحة .

[16] Zacharia, op. cit., I, pp. 222-23.

يذكر فرند أن الالتماس طلب أن يكون البطريرك سكندرياً وليس مرشحاً من طرف أكاكيوس (بطريرك القسطنطينية) مثلما حدث مع كالنديون أسقف أنطاكيا. (مرجع سابق صفحة 177) ولكن ملاحظة فرند لا تتفق مع التقرير الذي أورده زكريا.

[17] للإطلاع على مرسوم الهينوتيكون انظر:

(Zacharia, op. cit., I, pp. 227-231 and Evagrius, III, 14 in PG. LXXXVI, 2620-C – 2625-A)

كما أنه هو الوثيقة رقم 527 في (Coleman-Norton, op. cit.).

[18] Duchesne, op. cit., III, p. 349.

[19] للإطلاع على رسالة أكاكيوس إلى بطرس انظر: (Zach, op. cit., I, pp. 235-37). وللإطلاع رسالة بطرس إلى أكاكيوس انظر:

 (Evagrius, III, 17 in PG. LXXXVI, 2629-B – 2633-A)

* لأن وضع عبارة “يا من صُلبت عنا” مع الثلاثة تقديسات الموجهة للابن إنما تعني أن الابن الذي له التقديس هو نفسه الذي صُلب وتحمل الآلام. فالذي صنع المعجزات والذي تحمل الآلام هو نفس الابن الواحد والمسيح الواحد. وهذا التعليم الأرثوذكسي لا يقبله النساطرة.

[20] وقد ذكر البطريرك ساويروس هذه النقطة في عظته رقم 125.

(P.O. Tome XXIX Fasc. 1, ed. F. Graffin, Paris, 1960)

ومع إضافة بطرس القصَّار كانت الترنيمة تقول: “قدوس الله، قدوس القوي، قدوس الذي لا يموت، أنت يا من صُلبت عنا، ارحمنا”. وقد وضع كالنديون عبارة ’أيها المسيح الملك‘ بين ’الذي لا يموت‘ و’أنت يا من‘.

[21] Zacharia, op. cit., I, pp. 233-35.

[22] المرجع السابق صفحة 237-238.

[23] انظر صفحة .

[24] Frend, op. cit., p. 182.

[25] Zacharia, op. cit., I, pp. 231f.

* انظر صفحة

[26] Zacharia, op. cit., II, pp. 2-3.

يذكر فرند أنه طبقاً لميخائيل السرياني (المؤرخ)، تضم قائمة معارضي البابا بطرس كل من ثيؤدوروس أسقف أسنا وإثنين من القساوسة وإثنين من الشمامسة وإثنين من كبار رؤساء الرهبان. (مرجع سابق صفحة 180 رقم 4).

والواقع أن هذه النقطة لم يذكرها فقط ميخائيل السرياني الذي كتب في القرن الثاني عشر، ولكن ذكرها أيضاً زكريا في القرن السادس. هذا وقد أوضح الأخير أن قائمة معارضي البابا بطرس كانت تتضمن القسيسين يوليان ويوحنا السكندري، والشماسين إيلاد وسيرابيون، والأساقفة ثيؤدور أسقف أسنا ويوحنا وواحد آخر من مصر، ورئيس الرهبان أندراوس، وبولس الصوفي ورهبان آخرين معروفين.

[27] انظر خطاب البابا بطرس صفحة .

[28] Zacharia, op. cit., II, pp. 5.

* جاءت هذه التسمية بسبب عدم إعترافهم برئاسة البابا بطرس عليهم

# البابا الثامن والعشرون في عداد بطاركة الإسكندرية

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج2

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثاني: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج2

الجزء الثالث: ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج3

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

انفض مجمع خلقيدونية بعد جلسته الختامية في 1 نوفمبر عام 451م، وكان الإمبراطور والإمبراطورة راضيين بالفعل لأنه أخيراً وفي أيامهما توحدت الكنيسة بحق، كما أن قادة المجمع كذلك كانوا مسرورين بأنه قد تم قبول قرارات المجمع بالإجماع من قبل المشاركين فيه.

وفي الحقيقة بالرغم من وجود شكوى من أنه قد تم استخدام القوة لجمع التوقيعات في المجمع،[1] إلاّ أن البابا ديسقوروس والأساقفة المصريين الثلاثة عشر كانوا هم وحدهم الذين لم يوقِّعوا على طومس ليو ولا على تعريف الإيمان الخلقيدوني. وحيث إن البطريرك (ديسقوروس) قد تم عزله، بل وأدى إصراره على عدم التوقيع حتى النهاية إلى نفيه إلى غنغرا (Gangra[2] فإن توقيعه لم تكن له أية أهمية حقيقية.[3]

ولا نعرف بالضبط ماذا حدث للأساقفة المصريين، غير أن أربعة منهم قد أظهروا إذعانهم في النهاية، وعادوا إلى الإسكندرية لكي يرسموا خلفاً للبابا ديسقوروس. وهكذا انتهى مجمع خلقيدونية ـ وبخلاف أي مجمع كنسي في الماضي ـ بصورة تشير إلى الوحدة.

وصدَّق الإمبراطور على قوانين المجمع بمجموعة من المراسيم الملائمة، كما منح تلك القوانين الصبغة الشرعية القانونية في الإمبراطورية. وكان مركيان قد شرح بالفعل خطته في ذلك الاتجاه في يوم 25 أكتوبر بعد خطابه الموجه إلى المجمع.[4]

وبعد انتهاء المجمع قام بإصدار عدد من الأوامر التي تؤيد نفس المعنى،[5] بل إن نظرة سريعة إلى صيغة تلك المكاتبات تبين مدى تصميم الإمبراطور على ترسيخ (إقرار) مجمع خلقيدونية. وقد ذكر مركيان في خطابه إلى المجمع أن أي أحد سيعارض أو يخالف تعريف الإيمان الخاص بالمجمع سوف يُعاقب بصورة تتناسب مع وضعه ورتبته؛ فلو كان موظفاً في الحكومة سيفقد وظيفته، وإذا كان مواطناً عادياً سيتم طرده من المدينة؛ أما إذا كان من رجال الدين (الإكليروس) فسوف يفقد رتبته ويعرِّض نفسه لعقوبات أخرى إضافية.[6]

وتقريباً في كل الكتابات الأخرى التي تتعلق بالموضوع، زعم الإمبراطور أن مجمع خلقيدونية لم يفعل غير التصديق على إيمان الكنيسة طبقاً لقانون إيمان نيقية حسب تفسير مجمعي عام 381م وعام 431م، كما زعم كذلك بأن المعارضين لمجمع خلقيدونية لابد وأن يكونوا بالفعل هراطقة.

كما أكد مركيان أن المجمع “لم يبتكر على الإطلاق شيئاً جديداً عن الإيمان الرسولي، ولكنه في جميع النواحي … اتبع تعاليم أثناسيوس وثيؤفيلس، وكيرلس”، ولم يميِّز مركيان هنا بين تعاليم ’كيرلس الرسمية‘ وتعاليم ’كيرلس غير الرسمية‘ التي تضمنها كلام ممثلو الإمبراطور في مجمع عام 451م.[7]

وأصر مركيان على أن المجمع قد أدان أوطيخا لأنه اتبع أبوليناريوس: وقد سار ديسقوروس وراء أوطيخا؛ وكلاهما كان يُعلِّم بأفكار أبوليناريوس،[8] و”حيث إن أوطيخا وديسقوروس اتبعا فكر أبوليناريوس الدنس”،[9] لذلك أصدر الإمبراطور مرسوماً ـ مثلما فعل الأباطرة السابقون ـ بأن الأبوليناريين، وبالتحديد الأوطيخيين، لا يحق لهم أينما وجدوا أن ينفذوا وصية (ميت) أو أن يرثوا طبقاً لشروط وصية، كما أن أي شيء قد تُرك لهم من الآخرين سيتم مصادرته.

وكذلك عليهم ألاّ يقوموا برسامة أساقفة أو كهنة أو أي نوع من رجال الدين، فأساقفتهم ورجال دينهم سيكونون عرضة للطرد وممتلكاتهم ستكون عرضة للمصادرة.

ولن يُسمح لهم ببناء الكنائس أو الأديرة؛ ولا يحق لهم عقد مجامع أو اجتماعات بالنهار أو بالليل؛ كما لا يُسمح لهم بالاجتماع في أي منزل خاص “ليقيموا شعائرهم المهلكة”؛ وإذا فعلوا ذلك بموافقة صاحب البيت، فإن هذا المنزل أو المكان المملوك سيتم مصادرته. ويمتنع عليهم أن يكتبوا أي شيء ضد المجمع (خلقيدونية)؛ وإذا قاموا بذلك، فسيتعرضون للنفي المؤبد، كما أن كتبهم سيتم تدميرها.[10]

وسرعان ما بدأ عدم الاتفاق بين روما والقسطنطينية فور انتهاء المجمع، وعلى سبيل المثال رفض ليو بابا روما الاعتراف بالمجمع لبعض الوقت،[11] حيث لم يكن مقبولاً لديه القرار الخاص بكرسي القسطنطينية[12] والذي أقره المجمع في جلسته الختامية، وقد اعترض على القرار بتعبيرات واضحة.

وفي نفس الوقت، كانت مصر كلها بالإضافة إلى قطاع كبير في الشرق قد بدأوا في تنظيم صفوفهم ضد مجمع خلقيدونية بالرغم من الإجراءات الصارمة التي اتخذها الإمبراطور مركيان. وكما أن روما لم تكن تتوقع قبل انعقاد المجمع أن يكون هناك مثل هذا القرار المتعلق بالقسطنطينية، فهكذا أيضاً لم تتوقع السلطة الإمبراطورية نمو الحركة المعارضة للمجمع بهذا الشكل.

وعندما أصبحت هناك ضرورة لمواجهة التهديد الذي تتعرض له قوانين المجمع، أرسل مركيان نفسه رسائل إلى ليو يناشده فيها قبول المجمع (حتي تتجمع القوى في مواجهة ذلك التهديد).[13]

وهنا أدت الحاجة لإقرار سلطة المجمع ضد معارضيه إلى اقتراب روما والقسطنطينية معاً على الرغم من الخلافات القائمة بينهما،[14] وانتهى الأمر باتحاد القوتين اللتين سيطرتا على المجمع في وقت كانتا فيه على حافة الانفصال. واستمر الأمر على هذا الحال لأكثر من عقدين من الزمان، وكان على الحركة المعارضة لمجمع خلقيدونية أن توجِّه أعمالها ضد اتحاد القوتين معاً والذي كان بالفعل من العسير التغلب عليه في ذلك الوقت.

وينقسم تاريخ الحركة المعارضة لمجمع خلقيدونية إلى أربعة مراحل. المرحلة الأولى تشمل الفترة بين عام 451م وعام 475م والتي بدأت في خلالها المعارضات الأولية للمجمع تعبِّر عن نفسها في عدد من المناطق في الشرق، ولأنها لم تكن تحظى بالسند الإمبراطوري فقد تم إخمادها وتقليصها بالقوة في خلال أجيال قليلة لتصبح مجرد فرق لا يُعتد بها تقطن مناطق محددة يصعب الوصول إليها. والمرحلة الثانية تغطي الفترة بين عام 475م وعام 518م وهي المرحلة التي أعطت الحركة غير الخلقيدونية الوقت لكي تقوي نفسها.

وتلت تلك الفترة المرحلة الثالثة من عام 518م إلى عام 536م، وخلال هذه المرحلة أعاد الإمبراطور يوستين الأول في عام 518م عصر الاضطهاد ضد معارضي مجمع خلقيدونية. ولكن خلفه وابن أخيه جوستينيان ـ الذي نفَّذ في الحقيقة السياسة الدينية لعمه ـ رأى أنه يتعين أن تتم تسوية المسألة من خلال التفاوض.

وباءت خطته بالفشل وأصبحت الكنيسة في الإمبراطورية البيزنطية منقسمة إلى معسكرين منفصلين، وتواصلت الجهود لأجل توحيد الاثنين إلى أن تم الفتح العربي للشرق. وتمثل الفترة ما بين حكم جوستينيان والفتح العربي المرحلة الرابعة في تاريخ الحركة غير الخلقيدونية.

 

2. فترة المعارضة الأولية:

كتب أ. أ. فاسيليف (A. A. Vasiliev)[15] يقول: “إن الاضطرابات الدينية في أورشليم والإسكندرية وأنطاكيا والتي سببها الفرض القسري لقرارات المجمع (خلقيدونية)، اتخذت شكل الثورة الشعبية العنيفة، ولم تخمدها السلطة المدنية والعسكرية إلاّ بعد الكثير من إراقة الدماء”. وكان هناك بالفعل قطاع كبير في الشرق المسيحي يعارض مجمع خلقيدونية.

 

(أ) أورشليم وفلسطين:

كانت أورشليم هي المكان الذي ظهرت فيه أولى موجات ردود الفعل ضد مجمع خلقيدونية. وكان جوفينال أسقف أورشليم ـ وهو واحد من رؤساء مجمع أفسس الثاني عام 449م مع البابا ديسقوروس ـ من أشد المؤيديين للتقليد اللاهوتي السكندري. ولكنه كما رأينا أعلن إذعانه للجانب المنتصر في مجمع خلقيدونية أثناء الجلسة الأولى من المجمع، وعلى الرغم من ذلك عندما عاد جوفينال من خلقيدونية رفضت رعيته أن تقبله.

وكان جوفينال بالفعل شخص جدير بالانتباه، فقد تمت رسامته أسقفاً لأورشليم حوالي عام 422م خلفاً للأسقف برايليوس (Praylius)، وجلس على الكرسي حتى وفاته عام 458م. وإذ كان في أغلب الظن من أصل لاتيني كما ذكر هونيجمان (Honigman[16] فقد كان هدفه الأعظم في حياته أن يرفع كرسي أورشليم إلى رتبة البطريركية بل وأن تكون له السلطة على كرسي أنطاكيا الذي كان يُعتبر واحداً من الكراسي العظمى من خلال مجمع نيقية عام 325م.

وفي الحقيقة أغضبت ادعاءات جوفينال المتطرفة في ذلك الاتجاه كلاً من أسقف روما وكيرلس السكندري، ولكن كما رأينا في مجمعي أفسس الأول والثاني ـ وبسبب الظروف الخاصة التي أحاطت بهما ـ استطاع جوفينال أن يحتل الموقع الثاني بين وفود الحاضرين، كما أنه في مجمع خلقيدونية كان يجلس بعد البطريرك ديسقوروس السكندري.

وبعد أن غيَّر جوفينال موقفه استطاع أن يتبوأ مكانة عظيمة في مجمع خلقيدونية، وصار واحداً من الرجال الذين شكلوا اللجنة المجمعية التي كتبت اعتراف الإيمان. وفي النهاية، حقق جوفينال هدفه وحصل على لقب بطريرك لكرسي أورشليم، وقد أرضاه ذلك جداً لكن رعيته لم تكن على استعداد لأن تتبعه فيما قام به (في خلقيدونية).

ومن المؤكد أنه في شهر مايو أو أوائل يونيو، تلقى جوفينال الدعوة لحضور المجمع الذي كان ينوي الإمبراطور مركيان عقده. وقبل هذه المناسبة كان طومس ليو قد وصل تقريباً إلى كل مكان في الشرق، لذلك فلابد أن يكون جوفينال نفسه قد رأى هذه الوثيقة.

ولهذا فقبل أن يبدأ رحلته إلى المجمع، “وحيث إنه كان مقتنعاً بأن الطومس يحتوي على تعاليم هرطوقية تؤيد أفكار نسطوريوس، فقد دعا رجال الكنيسة وجمَع الرهبان والشعب وفضح أمامهم فساد هذا المعتقد (الذي في الطومس) وحرمه. كما أكد كثيراً على الإيمان الصحيح، وفرض عليهم جميعاً ألاّ يقبلوه في شركتهم إذا تغير عن موقفه في المجمع”.[17]

وبكون جوفينال واحداً من رؤساء مجمع عام 449م، والذي مارس فيه السلطة على نفس مستوى البطريرك ديسقوروس، فقد كانت تقع عليه مسئولية أدبية كرجل ـ إن لم يكن كمسيحي أو حتى كأسقف ـ في الضغط من أجل طرح القضية الحقيقية، لكي يقوم مجمع خلقيدونية بدراستها بتروٍ.

ولكن بدون أية محاولة في ذلك الاتجاه، وبمجرد أن وجد أن التحالف بين السلطة الإمبراطورية وأسقف روما قوياً بالفعل، وأنه من الممكن أن ينال هدفه (في لقب البطريركية) إذا وقف فقط في جانب القوى التي تسيطر على المجمع، حتى أعلن بهدوء إذعانه قبل نهاية الجلسة الأولى للمجمع.

وكان هناك رهبان من رعية جوفينال يراقبون ما حدث، لأنه حسب العرف المتبع في تلك الأيام كان يوجد رهبان من مناطق عديدة في الشرق قد وصلوا إلى خلقيدونية لمتابعة المجمع بصورة مباشرة. ومن بين هؤلاء الرهبان كان هناك رجال أتوا من فلسطين يترأسهم راهب يدعى ثيؤدوسيوس (Theodosius).

وفور معرفة هؤلاء الرجال بأن جوفينال قد غيَّر من مواقفه، حتى عادوا إلى بلدهم ونشروا الخبر إلى زملائهم الرهبان ورجال الكنيسة والشعب، وأعدوا الساحة لصدام عنيف. وعندما عاد جوفينال من خلقيدونية بعد ذلك بعدة أسابيع، قابله رهط من الرهبان ورجال الكنيسة وعامة الشعب، وذكَّروه بوعده قبل الرحيل إلى المجمع، وعرضوا عليه الاختيار ما بين شجب ورفض المجمع أو الانسحاب من الكرسي.

وقبل أن يعطيهم جوفينال جواباً أو يحاول حتى أن يدخل المدينة، اتخذ طريقه إلى القسطنطينية، وفي نفس الوقت عاد الرهبان ورجال الكنيسة إلى أورشليم ودعوا الشعب وأساقفتهم،[18] وقرروا أن يعينوا ثيؤدوسيوس رئيس أساقفة محل جوفينال.

وكان ثيؤدوسيوس راهباً ملتهباً ومناصراً للتقليد السكندري عن قناعة شديدة، وكان قد قاوم محاولات الأنطاكيين للتشكيك في مفهوم إيمان الآباء ـ بنفس الأسلوب الذي كان جوفينال نفسه يقوم به ـ وكان ثيؤدوسيوس قد ذهب إلى الإسكندرية في عام 447م،[19] ليثير الرأي العام ضد ثيؤدوريت أسقف قورش ودومنوس (Domnus) أسقف أنطاكيا.

وبعد رسامته (بدلاً من جوفينال) بدأ ثيؤدوسيوس في برنامج لتنظيم الحركة ضد مجمع خلقيدونية، وأقام أساقفة في جميع إيبارشيات فلسطين من الذين رشحهم الشعب، وكان يساند ثيؤدوسيوس في كل ذلك الإمبراطورة العجوز إفدوكيا (Eudocia) أرملة الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني، والتي كانت قد استقرت في فلسطين منذ عام 443م.

وفي هذا الوقت من ظهور الحركة ضد مجمع خلقيدونية، ارتكب المعارضــــون للمجمع ـ بسبب حماسهم الشديد ـ بعض الجرائم، ولذلك ذكر مركيان عنهم أنهم قــــاموا بقـــــتل سِفـــريان أسقف سكيثوبوليس (Severian of Scythopolis) والذين كانوا معه.[20]

وكان بطرس الأيبيري (Peter the Iberian) واحداً من الذين قام ثيؤدوسيوس (الأورشليمي) بسيامتهم، وهو رجل مقدر في البلاط الإمبراطوري في القسطنطينية، وكان قائداً هاماً للحركة غير الخلقيدونية حتى وفاته حوالي عام 488م. وكان بطرس هذا هو نفسه الأمير نابارنوجينز (Nabarnugins) أمير أيبريا ـ وهي مملكة صغيرة على الجانب الشرقي للبحر الأسود[21] ـ الذي أعطاه حاكم أيبيريا للإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني كرهينة وهو طفل صغير بعد.

وقد نشأ هذا الأمير في القصر الإمبراطوري حيث مكَّنته أخلاقه الودودة من أن ينال حب الإمبراطور والإمبراطورة حتى أنه بمرور الوقت عُيّن في سلاح الفرسان الإمبراطوري، ولكنه بعد فترة ترك منصبه واعتزل هو وأبيه الروحي يوحنا في حياة ناسكة في قفار فلسطين، ثم قام ببناء مؤسسة رهبانية في مرفأ مايوما (Maiuma) في غزة بجنوب غرب فلسطين.

وكان بطرس ضمن مجمع الرهبان والشعب الذين ذهبوا لمقابلة جوفينال لدى عودته من خلقيدونية، ومنذ ذلك الحين بذل بطرس كل ما في وسعه من أجل مساندة الحركة المعارضة لخلقيدونية، وقام ثيؤدوسيوس برسامته أسقفاً على مايوما في 7 أغسطس عام 452م، وقد استمر ديره وكذلك مقره مركزاً لتلك الحركة المعارضة في فلسطين.

وبُذلت جهود كبيرة لإعاقة تلك الثورة في فلسطين لتكون قصيرة العمر. ولم يشغل ثيؤدوسيوس (الأورشليمي) الكرسي سوى قرابة العشرين شهراً حتى منتصف عام 453م حيث عاد جوفينال إلى فلسطين ترافقه حامية عسكرية.

وكان الإمبراطور والإمبراطورة بالإضافة إلى البابا ليو قد كرَّسوا كل جهودهم ونفوذهم لقمع المعارضين لخلقيدونية، فكتب ماركيان من جانبه إلى مكاريوس ورهبان سيناء، وإلى رهبان فلسطين، كما كتب أيضاً خطاباً عاماً ضد الأوطيخيين والأبوليناريين،[22] كما أرسلت بولخريا أيضاً إلى رئيسة دير للراهبات في أورشليم،[23] أما البابا ليو فلم يكتب فقط إلى رهبان فلسطين وإلى إفدوكيا نفسها، بل استحث أيضاً الإمبراطور الغربي فالنتينيان الثالث ليقنع حماته لتتوقف عن مساندة الحركة غير الخلقيدونية.[24]

وفي كل تلك المراسلات كان يتم الدفاع عن مجمع خلقيدونية من جهةٍ بأنه امتداد للثلاثة مجامع الأولى، ومن الجهة الأخرى بشرح وجهة نظر غير الخلقيدونيين بطريقة لا تعبِّر عن موقفهم الفعلي. وعلى سبيل المثال أكد ماركيان بأن ثيؤدوسيوس (الأورشليمي) كان يحارب ضد الله مثل أبوليناريوس وفالنتينوس ونسطوريوس، وبأنه كان تابعاً لأوطيخا، وأنه ينبغي على الرهبان الذين يزعمون بأنهم لا يعترفون بأوطيخا أن يفصلوا أنفسهم عنه. وكانت بولخريا وبابا روما نفسه يكرران نفس هذه القصة ضد المعارضين لمجمع خلقيدونية.

ولم يكتفِ ماركيان بكتابة الخطابات وإصدار المراسيم، بل أعطى أوامره باعتقال ثيؤدوسيوس والأساقفة الذين قام برسامتهم، فقام جوفينال بعزل هؤلاء الرجال على الفور ولم يترك منهم غير بطرس الأيبيري بسبب مكانته لدى البلاط الإمبراطوري، ولكن بطرس لم يبقى متمتعاً بهذا الامتياز لمدة طويلة في فلسطين ، فقد رحل في الحقيقة إلى الإسكندرية وعاش في مصر.

كما قام الجيش أيضاً بمذبحة دموية فحاول ثيؤدوسيوس الهرب إلى مصر، ولكنه حين سمع بحدوث اضطرابات بين الرجال المعارضين للمجمع في أنطاكيا تحرك إلى هناك،[25] وعندما وصل إلى بوابة المدينة تعرف عليه أحد معارفه السابقين ووشى به لدى السلطات فتم القبض عليه وترحيله إلى القسطنطينية، وهناك وُضع في الحبس في غرفة بدير ديوس (Dius) كان يُخزن بها جير غير مطفأ. وبعد موت مركيان قام الإمبراطور ليو الأول بإطلاق سراحه، ولكنه مات بعد ذلك بأيام قليلة في (Sycae).*

وعلى الرغم من أن جوفينال كان في أمان بسبب وجود الحامية العسكرية، إلاّ إنه صار مكروهاً من غالبية الرهبان والشعب في فلسطين. ومع ذلك حاول جوفينال أن يهدئهم ويقنعهم بأن يقبلوا مجمع خلقيدونية، ولهذا عقد مجمعاً وأرسل رسائل إلى “القسوس ورؤساء الأديرة والرهبان في مقاطعة فلسطين”[26] يزعم فيها بأن مجمع خلقيدونية لم يقدم شيئاً خلاف التأكيد على إيمان نيقية، وأنه لا يوجد أساس واقعي لدى أي أحد ليقوم بمعارضة المجمع.

ولم تفلح كل هذه الجهود في أن تجعل رهبان أورشليم يقبلون جوفينال في شركتهم. وقد اجترأ واحد من هؤلاء الرهبان يُدعى سليمان أن يدخل إلي جوفينال بحجة أنه يطلب بركته، غير أنه كان يخفي حقيبة مملؤة بالرماد في داخل معطفه وقام بتفريغها على رأس البطريرك.[27]

كما أن جيرونتيوس (Gerontius) رئيس أديرة مِلانيا لم يرغب حتى في التحدث إلى جوفينال قائلاً “لا يسمح الله أن أكون مضطراً لأن أرى وجه الخائن يهوذا”. أما ستيفن رئيس شمامسة أورشليم فقد ترك الأكليروس في المدينة المقدسة وأنهى حياته كسائح جوال حتى لا يضطر لأن يشترك في شيء مع جوفينال.[28] ولكن مع كل هذا كان للبطريرك أيضاً مؤيدين في وسط المجتمع الرهباني تحت قيادة إفثيميوس (Euthymius).

ولم تستمر الإمبراطورة إفدوكيا في مساندتها للحركة المعارضة لمجمع خلقيدونية طويلاً، حيث أجبرتها ظروف خارجة عن إرادتها لأن تكون على وفاق مع البلاط البيزنطي، فقبلت شركة جوفينال في عام 456م، لأن الملك جيسِريك (Gaiseric) كان قد استولى على روما في عام 455م، مما أثر على سلامة ابنة إفدوكيا زوجة فالنتينيان الثالث وعلى سلامة أحفادها.

وفي الحقيقة كان فالنتينيان قد قُتل في ذلك الوقت، لذلك استغاثت إفدوكيا بالبلاط في القسطنطينية لمساعدتها، فأُخبرت أن ذلك مشروط بتحالفها مع جوفينال، واستجابت إفدوكيا بالفعل ولكن على الرغم من ذلك لم يتحقق أملها الذي كانت تسعى إليه بالكامل.[29]

وهكذا افتتحت فلسطين حركة المعارضة ضد مجمع خلقيدونية، ولكن حقيقة أن المجمع اعترف بأورشليم ككرسي بطريركي كان من الطبيعي أن يجعل الجالسين على الكرسي يميلون إلى تأييد ذلك المجمع.

كما كانت توجد أيضاً في تلك المنطقة مجتمعات رهبانية تضم رجالاً من أماكن مختلفة من العالم المسيحي، من بينهم راهباً يدعى إفثيميوس استطاع أن يجمع حوله بعض المؤيديين لخلقيدونية، ولكن بالرغم من هذا كان على فلسطين أن تنتظر حتى العقد الأخير من القرن الخامس لكي تصبح غالبية المجتمعات الرهبانية في المنطقة موافقة على مجمع عام 451م.

وبعد وفاة جوفينال عام 458م، جلس مكانه على التوالي البطاركة أناستاسيوس (Anastasius) ومارتيريوس (Martyrius) وسالوستيوس (Sallustius)، وهؤلاء الرجال كانوا يريدون أن يستمر السلام في المنطقة رغم عدم قبول مجمع خلقيدونية. ولكن في عام 494م قام سالوستيوس (486م – 494م) بتعيين ساباس (Sabas) رئيساً لأديرة فلسطين كلها، فصار الرجل ـ الذي له نفس توجه إفثيميوس ـ قائداً رهبانياً شهيراً. وفي نفس العام أيضاً تولى البطريرك إيلياس (Elias) (494م – 516م)[30] خلفاً لسالوستيوس وكان يتبنى موقفاً خلقيدونياً متشدداً.

وهنا بدأ الرجلان (ساباس وإيلياس) يعملان معاً من أجل إقرار مجمع خلقيدونية في فلسطين، وقد نجحا في ذلك جداً إلى درجة أنه ـ كما ذكر ميخائيل السرياني[31] ـ لم يوجد أي زعيم في أورشليم ساند التقليد غير الخلقيدوني منذ وقت إيلياس وإلى ما بعد الفتح العربي لفلسطين.

 

(ب) الإسكندرية ومصر:

كان هناك، كما ذكرنا، أربعة أساقفة ـ من بين مجموع الثلاثة عشر أسقفاً المصرين الذين حضروا مجمع خلقيدونية ـ قد أعلنوا إذعانهم للمجمع، وهؤلاء عندما رجعوا إلى مصر سلموا إلى والي الإسكندرية رسالة من الإمبراطور تأمر بتعيين خلفاً للبابا ديسقوروس. ووقع اختيار رجال الدولة ونبلاء المدينة على بروتيريوس (Proterius) كبير كهنة البابا ديسقوروس الذي كان قد كلفه بتدبير شئون المدينة أثناء تغيبه في مجمع خلقيدونية.

وقام الأربعة أساقفة برسامة بروتيريوس بطريركاً مكان البابا ديسقوروس، وقد تمت هذه السيامة وسط اضطراب عظيم،[32] بل وعلى الرغم من صلة بروتيريوس السابقة بالبابا ديسقوروس استلزم الأمر أن يكون باستمرار في حراسة الحامية العسكرية التي عينتها له الحكومة. وظل الرهبان وجموع الشعب مبتعدين تماماً عن الشركة مع بروتيريوس، واستمروا كلهم ينظرون إلى البابا ديسقوروس باعتباره وحده البطريرك الرسمي للكنيسة حتى مماته.

وقد كتب أ. هـ . هور[33] (A . H . Hore) عن ذلك: “عندما وصلت إلى أهل مصر أخبار عزل أسقفهم، لم يكن لغضبهم حدود، واجتمعوا على أمر واحد هو رفض الاعتراف بقرار المجمع، أو إذا كان قد حُرم أسقفهم فكلهم محرومون معه أيضاً؛ ولم يعترف الشعب طوال حياة ديسقوروس بأي أسقف آخر غيره”. وذكر فرند (Frend) أن بروتيريوس “كان معيناً من قبل الحكومة والنبلاء، وقد فصلت الغالبية العظمى من الكنيسة في مصر نفسها عنه باشمئزاز”.[34]

وعلى الرغم من ذلك حاول الإمبراطور مركيان أن يوحد الكنيسة في مصر مع بروتيريوس، فأرسل يوحنا عضو مجلس الشيوخ مندوباً إلى الإسكندرية ومعه رسالة تحوي دفاعاً قوياً عن مجمع خلقيدونية،[35] وتضمن هذا الدفاع الإشارة إلى إدانة المجمع لكل من أوطيخا وديسقوروس حيث اتُهم كلاهما بالأبولينارية، وأصر الإمبراطور في هذا الدفاع على أن مجمع عام 451م قد أكد على إيمان الآباء الثلاثمائة والثمانية عشر، هذا الإيمان الذي تعمَّد عليه الإمبراطور ويتمسك به بشدة.

ومضت الرسالة لتؤكد أن “ربنا ومخلصنا المسيح، الابن المولود الوحيد من الله، والواحد مع الآب في ذات الجوهر والأزلية، صار إنساناً من أجلنا ومن أجل خلاصنا، وولد من الروح القدس ومن مريم العذراء والدة الإله، وأنه في نفس الوقت إله حقيقي وإنسان حقيقي، وهو ليس واحد وآخر ولكن واحد ذاته غير منقسم ولا منفصل ولا متحول”، كما أوضح الإمبراطور أيضاً أن المجمع قد استبعد تماماً عقيدة ’الابنين‘ و ’الشخصين‘.

ولم تؤتِ هذه الرسالة بالنتيجة المرجوة، بل على العكس فقد تأثر مبعوث الإمبراطور بإخلاص المصريين للبابا ديسقوروس، وبدلاً من أن يحاول أن يقنعهم بالانضمام إلى بروتيريوس أخذ منهم التماساً يوضح وجهة نظرهم ليقدمها إلى الإمبراطور، الأمر الذي لم يسر به مركيان أبداً.

ورقد البابا ديسقوروس في منفاه يوم 4 سبتمبر عام 454م، بعد ما يزيد عن العام بقليل من موت بولخريا في يوليو سنة 453م. ورغم ذلك أرادت الرعية في مصر أن تقيم خلفاً له (مع أن بروتيريوس كان لا يزال موجوداً)، ولكن الإجراءات القوية التي تبناها مركيان ضد الحركة المعارضة لخلقيدونية في فلسطين وكذلك أوامره ومراسيمه التي كانت تحوي تهديدات شديدة جداً ضد أي واحد ينتقد مجمع خلقيدونية، كل ذلك أرجأ مسألة تعيين خليفة للبابا ديسقوروس، ولكن الشعب مع ذلك استمر في موقفه الرافض لبروتيريوس.

ومات مركيان في 26 يناير عام 457م، وانتهز الناس فرصة وجود الجنرال ديونيسيوس (Dionysius) في صعيد مصر، واجتمعوا في الكنيسة واختاروا تيموثاؤس الملقب أيلوروس[36] (Aelurus) بطريركاً خليفة لديسقوروس وكيرلس. ولما كانت الرسامة ينبغي أن تتم قبل عودة الجنرال، لذلك فقد أُجريت على عجل بواسطة اثنين من الأساقفة المصرين ومعهم بطرس الأيبيري يوم 16 مارس عام 457م.

وقام بروتيريوس ـ الذي كان قد أبعد تيموثاؤس عن الإسكندرية حين كان قساً[37] ـ بإصدار خطابات يحرم فيها البابا تيموثاؤس وكل الذين يرفضون الشركة معه، ولكن لم تكن لهذه الخطابات أية قيمة لدى الشعب في مصر لأنه كان قد تجاهل الرجل وكل أعماله. وحين سمع الجنرال ديونيسيوس بما حدث، عاد على الفور وقبض على البابا تيموثاؤس وسط أحداث قتل كثيرة، وأثار هذا الموقف ضغينة الشعب وتسبب ذلك في موت الكثيرين مما اضطر الجنرال في آخر الأمر لأن يطلق سراح البابا تيموثاؤس.[38]

ويخبرنا زكريا (المؤرخ) أن الكنيسة الكبرى في الإسكندرية قد أُخذت من يد البابا تيموثاؤس وأُعطيت إلى بروتيريوس بواسطة السلطات، ولكن أثناء فترة الفصح “كان هناك أطفال بلا عدد قد أُحضروا إلى البابا تيموثاؤس لتعميدهم، حتى أن الرجال الذين كانوا يدوِّنون ويقرأون الأسماء قد أرهقوا تماماً من جراء تلك الحشود؛ ولم يكن هناك غير خمسة أطفال فقط هم الذين أُحضروا إلى بروتيريوس”.[39]

وقُتل بروتيريوس وجروا جسده في شوارع المدينة ثم أُحرق بالنار في مضمار السباق. ويقول زكريا[40] أن القتل قد تم بواسطة الجنود الذين سخطوا من مطالبة بروتيريوس النهمة لهم بدم معارضيه، فقاموا بارتكاب فعلتهم، أما الشعب (الذي لم يقم بهذا الأمر) فكان يعبِّر فقط عن حنقه على ذلك الرجل.

وذكر إفاجريوس[41] (Evagrius) مؤرخ القرن السادس الخلقيدوني، أن القتل كان بواسطة رجل من جانب البابا تيموثاؤس وبتحريض منه. وبالنسبة للبابا تيموثاؤس فقد زادت شعبيته جداً بين الناس بفضل خدمته للفقراء، ويذكر زكريا أن البابا تيموثاؤس استغل المال الذي كان يستخدمه بروتيريوس في الإنفاق على الجنود، لمساعدة الفقراء والأيتام والأرامل.

وكان البابا تيموثاؤس محبوباً جداً من الجميع حتى أن الخلقيدونيين في الإسكندرية تقدموا إليه طالبين أن يقبلهم ويوحد الكنيسة، ولكن هذا التحرك لم يؤتِ بثماره حيث نشأت معارضة داخل الكيان الخلقيدوني نفسه حول هذا الأمر.

 وخلف مركيان على العرش الإمبراطور ليو الأول، وكان ضابطاً في جيش ثراكيا[42] (Thracian army) تحت إمرة أسبار (Aspar) الذي كان قائداً للجيش في الإمبراطورية منذ عام 440م. وبموت بولخِريا في صيف عام 453م، ابتدأ نجم أسرة ثيؤدوسيوس في الأفول عملياً، وأصبح نصفا الإمبراطورية كلاهما في أيدي ضابطين من الأصل الجرماني: ريسيمر (Ricimer) في الغرب وأسبار في الشرق.

وعند قتل الإمبراطور فالنتينيان الثالث عام 455م، أصبح ريسيمر من القوة حتى يقيم ويعزل الملوك إلى أن اختفت المؤسسة الإمبراطورية في الغرب منذ عام 476م. ورغم أن أسبار كان أقل قدرة إلاّ إنه كانت لديه القوة الكافية حتى يجعل ليو أحد أعوانه يعتلي العرش في 7 فبراير عام 457م، وفي الحقيقة كان لأسبار أيضاً دور في جلوس مركيان نفسه على العرش عام 450م.

وكان الإمبراطور الجديد ليو الأول ـ كما يصفه زكريا ـ شخص مباشر له روح عفوية وقد أزعجته الاضطرابات الحادثة في مصر وفلسطين وغيرهما بسبب مجمع خلقيدونية.

وفور تولي ليو العرش، أرسل إليه كلا الجانبان في الإسكندرية خطابات، حيث طالب الأساقفة ورجال الدين الذين في جانب بروتيريوس من الإمبراطور إقصاء البابا تيموثاؤس،[43] كما كانت هناك أيضاً خطابات مضادة من الرجال المؤيدين للبابا تيموثاؤس في الإسكندرية، وحتى البطريرك نفسه كتب خطاباً إلى الإمبراطور يشرح فيه وجهة نظره في ضرورة عقد مجمع جديد يُعاد فيه مناقشة موضوع مجمع خلقيدونية ثانية.[44]

وكان الإمبراطور يؤيد فكرة عقد المجمع، ولكنه امتنع عن تبني تلك الخطوة بسبب ليو بابا روما الذي كتب ستة خطابات في يوم 1 سبتمبر عام 457م، وكذلك بسبب أناتوليوس بطريرك القسطنطينية الذي اقترح عليه أن يستطلع الرأي في ذلك. وهنا أصدر الإمبراطور نشرة إلى كل المطارنة والأساقفة في الإمبراطورية يسألهم من ناحية عن رأيهم فيما يخص مجمع خلقيدونية، ومن الناحية الأخرى في مسألة رسامة تيموثاؤس بابا الإسكندرية.[45]

وقد أشار الإمبراطور ليو في خطابه إلى “الأشياء التي قد تمت أخيراً بالفعل في الإسكندرية”، وأرفق أيضاً نسخاً من الالتماسات التي وصلت إليه من ’الأساقفة ورجال الدين في الإسكندرية‘ ضد تيموثاؤس وكذلك من الأشخاص الذين يؤيدونه. وقد أرسل شعب الإسكندرية وذوو النفوذ والموظفون وأصحاب السفن إلى الإمبراطور يطالبون بتيموثاؤس بطريركاً لهم، ويعلنون عدم موافقتهم على مجمع خلقيدونية، ولذلك طلب منهم الإمبراطور أن يعقدوا اجتماعاً للأساقفة في بلادهم وأن يرسلوا إليه رأيهم فيما يخص تيموثاؤس ومجمع عام 451م.

ورداً على رسالة الإمبراطور كتب ليو بابا روما خطابين، ناقش في أحدهما مسألة تيموثاؤس وأيد في الآخر الجماعة الذين ظلوا موالين لذكرى بروتيريوس في الإسكندرية. واتهم بابا روما، البابا تيموثاؤس بأنه ’عدو المسيح‘ (Antichrist) ـ كما ذكر زكريا[46] ـ وأبلغ سميه الإمبراطوري بأن رجال الدين في القسطنطينية يقفون في صف تيموثاؤس، ووبخ أناتوليوس على تقاعسه، كما أنه دافع عن الطومس الخاص به. ورد أناتوليوس أيضاً على خطاب الإمبراطور، بإدانة البابا تيموثاؤس بسبب عدم اعترافه بمجمع خلقيدونية.

وكان استطلاع الرأي ضربة قاسية للبابا تيموثاؤس، لأن كل الأساقفة الذين ردوا على خطاب الإمبراطور أعطوا حكمهم ضده، كما أنهم جميعاً ماعدا أمفيلوكيوس أسقف سيدا[47] (Amphilocius of Side) أيدوا مجمع خلقيدونية. وقد انتقد أمفيلوكيوس المجمع وطومس ليو من جهة الفكر اللاهوتي وكذلك من جهة القسر والتحيز اللذين مارسهما المجمع، وتوسل إلى الإمبراطور ليتخذ الإجراءات اللازمة لإبطال ذلك المجمع.

ولكي نقوم بتقييم ما حدث، ينبغي علينا أن نلاحظ النقاط التالية:

  • كانت خطة الإمبراطور ليو هي عقد مجمع (جديد) لمناقشة موضوع مجمع خلقيدونية من أجل التوصل إلى حل للمشكلة، ولكن أناتوليوس أسقف القسطنطينية وليو بابا روما هما اللذان غيرا رأي الإمبراطور في هذا الأمر. وحقيقة أن هذين الرجلين كانا أكثر من استفاد في الكنيسة من مجمع خلقيدونية تعتبر دليلاً كافياً للقول بأنهما كانا يحاولان أن يحتفظا بما كسباه من خلال مجمع عام 451م.

  • أرسل الإمبراطور خطابه في عام 458م، أي بعد سبع سنوات فقط من انتهاء مجمع خلقيدونية، وبالتالي كان معظم الرجال الذين أُرسل إليهم الخطاب من الذين كانوا مشاركين بالفعل في المجمع. لذلك كان من الطبيعي لكي يحفظوا ماء وجوههم أن يقوموا بالدفاع عن الموقف الذي تبنوه والذي يمكنهم أن يظلوا متمسكين به بدون خوف.

  • حين قام الإمبراطور باسيليسكوس (Basiliscus) ـ كما سنرى ـ بإرسال منشوره عام 475م ليبطل مجمع خلقيدونية، قام حوالي سبعمائة أسقف شرقي بالتوقيع على هذه الوثيقة.

  • كان أساقفة الإسكندرية يُرسَمون داخل الإسكندرية، لذلك فمسألة إقحام موضوع رسامة البابا تيموثاؤس في خطاب الإمبراطور ليو إنما كانت تتضمن التشكيك في أمر استقلالية الإسكندرية

ومن هنا ينبغي النظر إلى استطلاع الرأي الذي قام به الإمبراطور ليو، ليس بكونه دلالة على حقيقة قبول مجمع خلقيدونية في الشرق، ولكن بكونه يعبِّر عن عدم رغبة الجانب الخلقيدوني في مناقشة الأمور العقائدية باسلوب عادل مع المعارضين للمجمع.[48]

ولم يتم انعقاد أي مجمع جديد، ولكن تم نفي البابا تيموثاؤس إلى غنغرا، وبعد أربعة سنوات تم ترحيله من هناك إلى كرسون[49] (Cherson in the Crimea). ولم يكن من الممكن القبض على البابا تيموثاؤس بدون حدوث فوضى عارمة وشغب في الشعب الذي أراد أن ينقذ بطريركه، وقد انتهى هذا الاضطراب ـ كما يروي زكريا ـ بمقتل أكثر من عشرة آلاف نفس،[50] وفي النهاية تم الإمساك بالبابا تيموثاؤس في مأواه بمعمودية الكنيسة، وتم ترحيله من المدينة.

وكان طريقه إلى غنغرا يمر على طول ساحل فلسطين، وفي كل مكان توقف فيه كان يُقابَل بإكرام عظيم من الشعب، وعندما مر من بريتوس[51] تم ترتيب استقبال شعبي له بمبادرة من إفستاثيوس (Eustathius).[52]

وعند رحيل البابا تيموثاؤس إيلوروس من مصر، قام الجانب الخلقيدوني بمساعدة الدولة بتعيين بطريرك خلفاً لبروتيريوس بنفس اسم تيموثاؤس أيضاً وكان يُلقب بصاحب القلنصوة (Salophaciolus or Ra’ulphakilo).[53] وكان تيموثاؤس الخلقيدوني هذا رجلاً عاقلاً له روح متصالحة، وقد حاول أن يوحد حزبي الكنيسة بصورة جدية.

ويروي زكريا أنه كان بمجرد أن يرى امرأة تحمل صبي تم تعميده بواسطة كاهن من الجانب غير الخلقيدوني، كان يأخذ الصبي ويقبله قائلاً: “هم ونحن كلنا مسيحيون، ليؤمن كل واحد كما يريد ويكرم الرب”.[54] وقد وصل في رغبته الشديدة لتهدئة الشعب، أن يضم اسم البابا ديسقوروس إلى الدبتيخا متمنياً أن يؤدي ذلك إلى علاج الانشقاق، ولكن هذا الأمر لم يؤتِ بثماره المرجوة ولم يمكن للكنيسة في مصر أن تصل إلى الوحدة. وقد قام ليو بابا روما في الجانب الخلقيدوني بتوبيخ تيموثاؤس الخلقيدوني على تصرفه هذا (نحو البابا ديسقوروس).

وظل البابا تيموثاؤس إيلوروس في منفاه إلى أن أعاده الإمبراطور باسيليسكوس في عام 475م، وطوال فترة النفي هذه ـ والتي امتدت لأكثر من خمسة عشر عاماً ـ استمر البابا تيموثاؤس إيلوروس في كتاباته يعارض كلاً من النسطورية ومجمع خلقيدونية من ناحية، والأفكار التي نُسبت إلى أوطيخا من الناحية الأخرى. أي أنه أظهر أن اعتراضه على مجمع عام 451م، لم يكن نتيجة لأي تعاطف مع الهرطقة التي سعى مجمع خلقيدونية لمحاربتها.

وعاد البابا تيموثاؤس إيلوروس إلى الإسكندرية في أواخر عام 475م وكان حينذاك رجلاً متقدماً في العمر، وقد استقبلته رعيته باحتفاء عظيم. وجلب البابا تيموثاؤس معه من منفاه رفات البابا ديسقوروس وقام بدفنها مع رفات بطاركة الكرسي السكندري السابقين له. ولم يمر عام على عودة البابا تيموثاؤس إيلوروس إلى الإسكندرية إلاّ وكان الإمبراطور زينو قد حل محل باسيليسكوس، وأمر بإلغاء كل الأمور التي تمت في عهد النظام السابق له.

وقد أثر ذلك على الحركة غير الخلقيدونية بصورة شديدة، حيث تم نفي قادتهم مرة ثانية. ومع ذلك لم ينفذ الإمبراطور زينو هذا الأمر مع البابا تيموثاؤس إيلوروس، ومن المحتمل أن يكون هذا بسبب تقدمه في العمر أو بسبب إدراكه أن عملية ترحيل البابا سوف تؤدي إلى آلاف من القتلى. وعلى أية حال فقد تنيح البابا تيموثاؤس إيلوروس في يوم 13 يوليو عام 477م، وخلفه على الكرسي السكندري البابا بطرس مُنجوس* (Peter Mongus).

 

(ج) أنطاكيا وسوريا:

كانت أنطاكيا واحدة من أقوى المراكز لعقيدة “طبيعتين بعد الاتحاد”، ومع ذلك كان يقطن بها أيضاً بعض ممن يتمسكون بعقيدة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، ولكن بالنسبة لأولئك لم توجد أية معلومات مسجلة عن نشاطهم خلال العقد الأول الذي تلا مجمع خلقيدونية. وكان مجمع أفسس الثاني عام 449م قد أدان دُمنوس (Domnus) أسقف أنطاكيا وحل محله مكسيموس (Maximus)، ورغم أن مجمع خلقيدونية قد عكس قرارات مجمع عام 449م، إلاّ إن دُمنوس قدم استقالته من الأسقفية وترك مكسيموس على الكرسي الأنطاكي.

ومات مكسيموس في عام 455م، وجلس بعده ثلاثة أساقفة خلقيدونيين هم على الترتيب: باسيليوس (Basil) (456م – 459م)، وأكاكيوس (Acacius) (459م – 461م)، ومارتيريوس (Martyrius) (461م – 471م). وبينما كان مارتيريوس بعيداً في القسطنطينية في عام 468م، انتهز الفريق المعارض لمجمع خلقيدونية الفرصة ورسم بطرس القصَّار (Peter the Fuller) بطريركاً مكانه.

وعندما عاد مارتيريوس بعد حوالي سنة استطاع أن يحشد القوة ليستعيد الكرسي ويطرد بطرس، ولكن الفريق غير الخلقيدوني نجح في إبعاد مارتيريوس وإعادة بطرس. وهنا تدخلت الدولة وقامت بنفي البطريرك بطرس حتى أعاده الإمبراطور باسيليسكوس مرة أخرى مع البابا تيموثاؤس السكندري عام 475م.

 

[1] يذكر زكريا الخطيب (المؤرخ السرياني) عن إفستاثيوس أسقف بريتوس أنه حينما وقَّع أضاف عبارة: “هذه الأشياء أنا أكتبها لأنني مجبر أن أفعل ذلك”. ويضيف المؤرخ أيضاً أنه كان هناك آخرون كثيرون قد اشتكوا من أنهم قد أعطوا توقيعاتهم بالإجبار. (مرجع سابق 1، صفحة 153)

[2] كانت غنغرا عاصمة إقليم بافلاجونيا على الجانب الجنوبي للبحر الأسود.

[3] من الجدير بالذكر أن البابا ديسقوروس لم يكتب أي شيء على سبيل الدفاع عن نفسه مثل نسطوريوس. وهناك خطاب كتبه من منفاه إلى سكوندينوس (Secundinus) وهو محفوظ في كتاب زكريا الخطيب (مرجع سابق 1، صفحة 151-152)، وهذا الخطاب هو بحق قطعة أدبية رائعة يناقش فيها الإيمان. (للرجوع إلى محتوى الخطاب انظر صفحة ).

[4] للإطلاع على ترجمة إنجليزية للخطاب انظر:

(P. R. Coleman-Norton: Roman State and Christian Church. op. cit., document 472).

[5] المرجع السابق الوثائق أرقام: 475، 476، 477، 479، 480، 481، 483، 484، 487، 489.

[6] انظر المرجع رقم 4.

[7] انظر صفحة  وصفحة . وأمام التحديات التي قدمها منتقدي المجمع، اضطر الإمبراطور لتغيير وسائله، وهذا هو ما نستطيع أن نتتبعه من خلال المراسيم التي صدرت بعد المجمع.

[8] انظر الوثيقة رقم 481 في (Coleman-Norton, op. cit.).

[9] المرجع السابق الوثيقة رقم: 489

[10] كل هذه الأمور مذكورة في الوثيقة رقم 489 في (Coleman-Norton, op. cit.)

[11] بدون الخوض في التفاصيل، يمكننا أن نذكر أنه قبل فض المجمع نهائياً، أرسل المجتمعون خطاباً إلى ليو بابا روما يعرضون فيه تقريراً عن المجمع ويذكرون فيه القرار الخاص بكرسي القسطنطينية (للإشارة لهذا الخطاب انظر صفحة ). وكان خطاباً دبلوماسياً به نبرة تذلل. وكان أناتوليوس أسقف القسطنطينية قد كتب خطاباً مشابهاً أيضاً.

ولكن ليو رفض قبول المجمع وكتب خطابات تنم عن اعتراضه الشديد ضد القرارات الخاصة بالقسطنطينية وأرسلها إلى مركيان وبولخريا وأناتوليوس نفسه. انظر الترجمة الإنجليزية لهذه الخطابات في:

(N. & P.N.F., sec. ser., vol. III)   

[12] هذا القرار هو الذي يُشار إليه بالقانون الثامن والعشرين لمجمع خلقيدونية، وقد لاقى معارضة شديدة من مندوبي روما. وقد حاول ليو من جانبه أن يقنع الإمبراطور والبطريرك أن يصرفوا النظر عن تلك الخطة تماماً، لكنهم مضوا بدون تساهل في تنفيذ خطتهم، وسعوا لتحقيق هدفهم باستعمال الدبلوماسية. ورغم أن ذلك لم يجدي (مع بابا روما) إلا أن التهديد الذي سببه الجانب غير الخلقيدوني في الشرق جعل ليو يقبل فقط القرار العقائدي للمجمع. وبالنسبة لذلك القرار (الخاص بكرسي القسطنطينية)، فالنص الأصلي لقوانين مجمع خلقيدونية يحتوي فقط على سبعة وعشرين قانوناً، لذلك فالإشارة إليه بكونه القانون الثامن والعشرين هي ذاتها محل شك. والحقيقة أن هذا الموضوع ليس له أهمية من وجهة نظر هذه الدراسة. انظر:

(E. Schwartz: Sitz. Ber. Berlin Akad., 1930, p. 612; and Byz. Ztschr. 34, 1934, p. 13)

 

[13] أحد هذه الرسائل أرسله مركيان إلى ليو يوم 15 فبراير عام 453م، وهو الوثيقة رقم 482 الموجودة في (Coleman-Norton, op. cit.)

[14] طلب ماركيان من البابا أن يصدِّق على قرارات المجمع بواسطة خطاب لكي يبين لمعارضي المجمع أن حركتهم هي بلا أي مبرر. وهنا، كما فى كل موقف آخر، يُظهر ماركيان قصوراً فعلياً في فهم الأمور المختلفة.

[15] Vasiliev: History of the Byzantine Empire (324- 1453), The University of Wisconsin Press, 1952, pp. 105-106.

[16] Juvenal of Jerusalem, op. cit., p. 211.

[17] Zacharia Rhetor: Ecclesiastical History, op. cit. (Syriac), I, p. 156.

[18] المرجع السابق صفحة 157.

[19] Honigman, op. cit., p. 249.

[20] يذكر ماركيان هذه الحادثة في إثنين من خطاباته: الأول إلى رهبان فلسطين والثاني إلى مجمع فلسطين. هذان الخطابان هما الوثيقتان 484، 487 في (Coleman-Norton, op. cit.).

[21] أيبريا هى نفسها جورجيا فى الأزمنة المتأخرة. وهذه المملكة الصغيرة قد إنفصلت عن الإمبراطورية الرومانية في عام 363م على يد جوفيان، وبقيت تحت حماية القسطنطينية.

[22] انظر صفحة المرجع رقم 5.

[23] انظر الوثيقة رقم 485 والوثيقة رقم 486 في (Coleman-Norton, op. cit.)

[24] للإطلاع على خطابات البابا ليو انظر: (N. & P.N.F., sec. ser., vol. XII)

[25] Corpus Scriptorum Christianorum Orientalium. Vitae Virorum apud Monophysitas Celeberrimorum (Syriac), pp. 21-27.

* هي حالياً جالطا في تركيا

[26] Honigman, op. cit., p. 258.

[27] Zacharia, op. cit., I, p. 161.

[28] Honigman, op. cit., p. 257. 

[29] Honigman, op. cit., p. 258; W. H. C. Frend: The Rise of the Monophysite Movement, Cambridge, 1972, p. 153, n. 4.   

[30] نحن مدينون في تحديد هذه التواريخ ـ كما هو الحال في العديد من الأحداث الأخرى ـ لفرند (Frend).

[31] Michael le Syrien, op. cit., (Syriac), p. 769.

[32] Evagrius II, 5 in PG. LXXXVI, 2509 C.

[33] A. H. Hore: Eighteen Centuries of Orthodox Greek Church, James Parker, 1899, p. 288.

[34] Frend, op. cit., p. 155.

[35] Zacharia, op. cit., I, p. 155.

وقد اتصل هذا الموظف بالبابا ديسقوروس محاولاً أن ينتزع توقيعه على تعريف الإيمان الخلقيدوني، كشرط لإعادته إلى كرسيه (انظر صفحة ). للإطلاع على رسالة مركيان انظر الوثيقة رقم 481 في (Coleman-Norton, op. cit.)

 

[36] كان تيموثاؤس قد رُسم قساً بيد البابا كيرلس، وكان يجل البابا ديسقوروس. وقد أطلقت عليه جماعة بروتيريوس لقب ’إيلوروس‘ الذي يعني ’قطة‘ للسخرية منه وذلك بسبب قصر قامته. انظر: (Zacharia, op. cit., I, pp. 169-170).

[37] لأن تيموثاؤس كان بالفعل معارضاً لبروتيريوس قبل ذلك.

[38] Zacharia, op. cit., I, p. 170.

[39] المرجع السابق صفحة 171.

[40] المرجع السابق صفحة 171.

[41] Evagrius, op. cit., bk. II, 8 in PG. LXXXVI, 2524-A.

ويذكر فرند أن يوم 28 مارس عام 457م الذي يوافق يوم خميس العهد كان هو يوم موت بروتيريوس، ولكن هذا لا يتفق مع عرض زكريا المؤرخ إذ بالنسبة لما ذكره لابد أن يكون تاريخ الوفاة بعد عيد القيامة. انظر (Frend, op. cit., and Zacharia, II, p. 170).

 

[42] تقع ثراكيا على الشاطئ الجنوبي الغربي للبحر الأسود، وكانت تعتبر منطقة حدودية للإمبراطورية، لذا كان يجب حمايتها على الدوام من غزو البربر. وكان ليو رئيس ربع في الجيش الذي يتمركز هناك.

[43] Evagrius, II, 8 in PG. LXXXVI, 2524-B – 2525-C.

[44] للإطلاع على خطاب البابا تيموثاؤس انظر (Zacharia, op. cit., I, pp. 175-78)

[45] للإطلاع على نشرة الإمبراطور ليو انظر:

(Evagrius, in PG. LXXXVI, 2528-A – 2529-B)

وهذه النشرة هي الوثيقة رقم 495 في (Coleman-Norton, op. cit.).

[46] Zacharia, op. cit., I, p. 178.

[47] سيدا هي المدينة الرئيسة في بامفيليا.

[48] إتخذ التقليد الخلقيدونى من استطلاع الرأي الذي قام به الإمبراطور ليو دليلاً على قبول الشرق المسيحي لمجمع خلقيدونية وتصديقه عليه، وهذا هو ما أشار إليه الإمبراطور جوستينيان فى خطابه إلى مجمع عام 553م. وفى أيامنا هذه، يتمسك كل من شارلز موللر (Charles Moeller) وكونيداريس (G. Konidaris) بنفس هذا الرأي. انظر:

(essay on Le Chalcedonisme et le neochalcedonisme … in Das Konzil von Chalkedon, and The Greek Orthodox Theological Review, vol. X, no. 2)

[49] عندما رأوا أن البابا تيموثاؤس يمكنه أن يواصل معارضته لخلقيدونية من غنغرا، تم نقله إلى مكان أكثر بعداً، حيث يقول زكريا أنه كان مكاناً يسكنه البربر. انظر (op. cit., I, 184)

[50] Zacharia, op. cit., I, p. 181.

[51] بريتوس (Berytus) هي نفسها بيروت (Beirut) في الأزمنة المعاصرة.

[52] Zacharia, op. cit.

[53] الكلمة تعني حرفياً غطاء الرأس المتأرجح (Wobble cap).

[54] Zacharia, op. cit., I, p. 183.

* البابا السابع والعشرون في عداد بطاركة الإسكندرية

ردود الأفعال في الشرق تجاه مجمع خلقيدونية ج1

Exit mobile version