القائمة إغلاق

هل وعد المسيح أن يعطينا كل ما نطلبه حرفيًا بالإيمان؟

هل وعد المسيح أن يعطينا كل ما نطلبه حرفيًا بالإيمان؟

هل وعد المسيح أن يعطينا كل ما نطلبه حرفيًا بالإيمان؟
هل وعد المسيح أن يعطينا كل ما نطلبه حرفيًا بالإيمان؟

الرد على شبهة مرقس 11: 23-24 وحدود استجابة الصلاة

تُثار أحيانًا شبهة حول كلمات الرب يسوع في إنجيل مرقس، حيث يبدو للوهلة الأولى أن المسيح وعد بأن الله سيعطي الإنسان أي شيء يطلبه، بشرط أن يؤمن فقط. ومن هنا يسأل البعض: هل معنى كلام المسيح أن كل طلب نقدمه بإيمان لا بد أن يتحقق حرفيًا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا صلّى الرسول بولس ثلاث مرات لكي يرفع الله عنه شوكته في الجسد، ومع ذلك لم يستجب الله له بالطريقة التي طلبها؟

الإجابة المختصرة هي: لا، المسيح لم يقدّم وعدًا مفتوحًا بلا شروط، وكأن الصلاة وسيلة لإجبار الله على تنفيذ رغبات الإنسان. الكتاب المقدس يعلّم أن الصلاة تُستجاب بحسب مشيئة الله، وقداسته، وحكمته، وغرضه الصالح، وليس بحسب مجرد رغبة الإنسان، حتى لو عبّر عنها بلغة الإيمان.

موضع الإشكال في مرقس 11

النص الذي تُبنى عليه الشبهة هو قول المسيح:

«لأَنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ قَالَ لِهذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ وَانْطَرِحْ فِي الْبَحْرِ! وَلاَ يَشُكُّ فِي قَلْبِهِ، بَلْ يُؤْمِنُ أَنَّ مَا يَقُولُ يَكُونُ، فَمَهْمَا قَالَ يَكُونُ لَهُ. لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ حِينَمَا تُصَلُّونَ، فَآمِنُوا أَنْ تَنَالُوهُ، فَيَكُونَ لَكُمْ.»

مرقس 11: 23-24

قد يظن القارئ من النظرة الأولى أن النص يعني أن الله ملزم بأن يعطي الإنسان كل ما يطلبه حرفيًا، طالما أن الإنسان يطلب بثقة وإيمان. لكن هذا الفهم يصطدم بنصوص كثيرة وواضحة في الكتاب المقدس، كما يصطدم بطبيعة الله نفسها، وبسياق كلام المسيح في نفس الموضع.

أولًا: الله لا يعطي الإنسان أي شيء حرفيًا بلا حدود

لا يمكن أن يكون معنى كلام المسيح أن الله يعطي الإنسان أي شيء يطلبه مهما كان. فهناك أمور مستحيلة في ذاتها، وأمور ضد طبيعة الله، وأمور ضد قداسته، وأمور ضد صلاح الإنسان نفسه.

فمثلًا، لا يمكن أن يستجيب الله لطلب مخلوق أن يصير هو الله. ولا يمكن أن يستجيب الله لطلب إنسان أن يبارك خطيته أو يوافق على شره. لأن الله لا يناقض ذاته، ولا يعمل ضد قداسته، ولا يستجيب لطلب شرير لمجرد أن صاحبه يدّعي الإيمان.

المسيح نفسه أوضح أن الله كأب صالح يعطي أولاده ما هو صالح، لا ما يضرهم:

«أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ابْنُهُ خُبْزًا، يُعْطِيهِ حَجَرًا؟ وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً، يُعْطِيهِ حَيَّةً؟»

متى 7: 9-10

فالله لا يعطي الإنسان ما يناقض صلاحه، ولا يعطيه ما يدمّره، ولا يحقق له طلبًا يخالف قداسته. لذلك لا يصح أن نفهم عبارة «كل ما تطلبونه» بمعزل عن طبيعة الله ومشيئته الصالحة.

ثانيًا: سياق مرقس نفسه يوضح أن الوعد ليس بلا شروط

السياق القريب في مرقس 11 يبيّن أن كلام المسيح عن الصلاة ليس وعدًا غير مشروط. فالآية التالية مباشرة تربط الصلاة بالغفران والمصالحة:

«وَمَتَى وَقَفْتُمْ تُصَلُّونَ، فَاغْفِرُوا إِنْ كَانَ لَكُمْ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ، لِكَيْ يَغْفِرَ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ زَلاَّتِكُمْ.»

مرقس 11: 25

هذا يعني أن المسيح لم يكن يتحدث عن صلاة منفصلة عن الحالة الروحية والأخلاقية للإنسان. فمن يطلب من الله وهو متمسك بالمرارة وعدم الغفران لا يستطيع أن يفصل طلباته عن قلبه. لذلك، لا توجد أي ضرورة لفهم عبارة «كل ما تطلبونه» وكأنها شيك مفتوح بلا شروط.

الإيمان الحقيقي في الصلاة ليس مجرد يقين نفسي بأنني سأحصل على ما أريد، بل هو ثقة في الله، وخضوع لمشيئته، واستعداد للسير بحسب وصاياه.

ثالثًا: النصوص الصعبة تُفهم في ضوء النصوص الواضحة

من القواعد المهمة في تفسير الكتاب المقدس أن النصوص التي تبدو صعبة أو عامة جدًا يجب أن تُفهم في ضوء النصوص الواضحة الأخرى. والكتاب المقدس يعلن بوضوح أن الله لا يعد بشفاء كل مريض نصلّي لأجله، ولا بتحقيق كل طلب نريده، حتى لو كان الطلب صادرًا من مؤمن حقيقي.

أوضح مثال على ذلك هو الرسول بولس. فقد صلّى ثلاث مرات لكي يرفع الله عنه شوكة في الجسد، لكن الله لم يستجب بالطريقة التي طلبها بولس:

«مِنْ جِهَةِ هذَا تَضَرَّعْتُ إِلَى الرَّبِّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنْ يُفَارِقَنِي. فَقَالَ لِي: تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ. فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ.»

2 كورنثوس 12: 8-9

بولس لم يكن ناقص الإيمان، ولم تكن صلاته بلا جدية. ومع ذلك، لم يرفع الله الشوكة عنه، بل أعطاه نعمة تكفيه وقوة في الضعف. فهذا النص وحده يكفي لإثبات أن استجابة الصلاة لا تعني دائمًا تحقيق الطلب كما نريده نحن.

رابعًا: المرض أو عدم الشفاء لا يعني بالضرورة نقص الإيمان

من الأخطاء الشائعة أن يُقال إن كل من لم يُشفَ من مرضه فهو لم يؤمن بما يكفي. هذا الفكر لا يوافق الكتاب المقدس. فالمسيح نفسه علّم أن العمى في قصة الرجل المولود أعمى لم يكن بسبب خطية خاصة ولا بسبب نقص إيمان، بل لكي تظهر أعمال الله فيه.

«أَجَابَ يَسُوعُ: لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ.»

يوحنا 9: 3

إذن لا يجوز تحويل كل مرض أو تجربة إلى اتهام مباشر لصاحبها بأنه قليل الإيمان. الله قد يسمح بالتجربة لأغراض أعلى من فهم الإنسان، وقد يستخدم الضعف لإظهار نعمته ومجده.

وكذلك، مع أن الرسول بولس كانت له موهبة إلهية في شفاء آخرين، كما يظهر في سفر الأعمال:

«فَلَمَّا صَارَ هذَا، جَاءَ إِلَيْهِ الْبَاقُونَ الَّذِينَ بِهِمْ أَمْرَاضٌ فِي الْجَزِيرَةِ، وَكَانُوا يُشْفَوْنَ.»

أعمال الرسل 28: 9

إلا أنه في مواضع أخرى نرى أن الشفاء لم يحدث دائمًا بنفس الطريقة أو في كل حالة. فقد مرض أبفرودتس حتى قارب الموت:

«فَإِنَّهُ مَرِضَ قَرِيبًا مِنَ الْمَوْتِ، لكِنَّ اللهَ رَحِمَهُ، وَلَيْسَ إِيَّاهُ وَحْدَهُ بَلْ إِيَّايَ أَيْضًا، لِئَلاَّ يَكُونَ لِي حُزْنٌ عَلَى حُزْنٍ.»

فيلبي 2: 27

كما ترك بولس تروفيمس مريضًا في ميليتس:

«أَمَّا تَرُوفِيمُسُ فَتَرَكْتُهُ فِي مِيلِيتُسَ مَرِيضًا.»

2 تيموثاوس 4: 20

لو كان الوعد في مرقس 11 يعني أن كل طلب شفاء يتم حتمًا متى وُجد الإيمان، لكان من الصعب تفسير هذه النصوص. لكن المعنى الكتابي المتوازن هو أن الله قادر أن يشفي، وأنه يستجيب الصلاة، لكنه يعمل بحسب مشيئته وحكمته، لا بحسب ضغط الإنسان أو توقيته.

خامسًا: أيوب لم يمرض بسبب عدم الإيمان

قصة أيوب أيضًا ترفض فكرة أن كل مرض أو تجربة سببها نقص الإيمان. فالكتاب يصف أيوب منذ البداية بأنه رجل مستقيم يتقي الله:

«كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عُوصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ.»

أيوب 1: 1

ومع ذلك دخل أيوب في تجربة شديدة. فالمرض والتجربة لا يعنيان بالضرورة أن الإنسان بلا إيمان، ولا أن الله لم يسمع صلاته. أحيانًا يسمح الله بما لا نفهمه الآن، لكنه يظل أمينًا وصالحًا وحكيمًا.

سادسًا: الإيمان ليس الشرط الوحيد لاستجابة الصلاة

عندما ننظر إلى تعليم الكتاب المقدس كله، نجد أن هناك شروطًا كثيرة مرتبطة باستجابة الصلاة، بالإضافة إلى الإيمان. لذلك لا يمكن أخذ عبارة واحدة بمعزل عن كل التعليم الكتابي عن الصلاة.

الثبات في المسيح وكلامه

قال المسيح:

«إِنْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وَثَبَتَ كَلاَمِي فِيكُمْ تَطْلُبُونَ مَا تُرِيدُونَ فَيَكُونُ لَكُمْ.»

يوحنا 15: 7

هنا نرى أن الوعد مرتبط بالثبات في المسيح وثبات كلامه فينا. فالإنسان الذي يثبت في المسيح تتشكل رغباته وصلواته بحسب فكر المسيح، لا بحسب الأنانية أو الشهوة.

عدم الطلب بدافع الأنانية

يعقوب يوضح أن هناك صلوات لا تُستجاب لأن دافعها فاسد:

«تَطْلُبُونَ وَلَسْتُمْ تَأْخُذُونَ، لأَنَّكُمْ تَطْلُبُونَ رَدِيًّا لِكَيْ تُنْفِقُوا فِي لَذَّاتِكُمْ.»

يعقوب 4: 3

إذن المشكلة ليست دائمًا في عدم الطلب، بل أحيانًا في نوعية الطلب ودافعه. فالله لا يحوّل الصلاة إلى وسيلة لخدمة الأنانية البشرية.

الطلب بحسب مشيئة الله

يوحنا الرسول يضع مبدأً واضحًا لاستجابة الصلاة:

«وَهذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا.»

1 يوحنا 5: 14

المعيار هنا ليس فقط أن نطلب، ولا أن نكون مقتنعين نفسيًا بالطلب، بل أن يكون الطلب بحسب مشيئة الله. هذا لا يضعف الصلاة، بل يضعها في إطارها الصحيح: الصلاة ليست فرض إرادة الإنسان على الله، بل دخول الإنسان في شركة مع إرادة الله.

سابعًا: حتى المسيح صلّى خاضعًا لمشيئة الآب

أقوى مثال على الخضوع لمشيئة الله في الصلاة هو صلاة الرب يسوع في جثسيماني. فقد قال:

«يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ.»

متى 26: 39

إذا كان المسيح نفسه، في ناسوته الكامل وطاعته الكاملة، قد صلّى قائلًا: «ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت»، فكم بالحري ينبغي أن تكون صلواتنا نحن خاضعة لمشيئة الله؟

لذلك، في كل وعود الله غير المشروطة لا نضيف شرطًا من عندنا، أما في الطلبات الشخصية والظرفية التي لا نعرف فيها مشيئة الله المعلنة تحديدًا، فينبغي أن يكون معنى «لتكن مشيئتك» حاضرًا دائمًا، سواء قلناه صراحة أو حمله قلبنا ضمنيًا.

ثامنًا: الصلاة ليست وسيلة ليخدم الله رغباتنا

من أخطر سوء الفهم أن نتصور الصلاة كأنها وسيلة تجعل الله ينفذ إرادتنا على الأرض. التعليم الكتابي عكس ذلك. الصلاة هي وسيلة بها نقترب من الله، ونخضع له، ونتوافق مع مشيئته، ونصير أدوات لتحقيق قصده.

فالصلاة ليست وسيلة لكي تتم إرادتنا نحن في السماء، بل لكي تتم إرادة الله على الأرض. ولهذا علّمنا المسيح أن نصلي قائلين:

«لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ.»

متى 6: 10

الإيمان الحقيقي لا يعني أن أفرض طلبي على الله، بل أن أثق في الله حتى إن كانت إجابته مختلفة عن طلبي. أحيانًا يقول الله: نعم. وأحيانًا يقول: لا. وأحيانًا يقول: انتظر. وأحيانًا يعطي ما هو أعمق من الطلب نفسه، كما قال لبولس: «تكفيك نعمتي».

هل يوجد تناقض بين مرقس 11 وتجربة بولس؟

لا يوجد تناقض. مرقس 11 يعلّم قوة الصلاة والإيمان والثقة بالله، لكنه لا يلغي بقية شروط الصلاة المذكورة في الكتاب المقدس. وتجربة بولس في 2 كورنثوس 12 تبيّن أن الله قد يستجيب بطريقة أعمق من إزالة الألم، إذ يعطي نعمة وقوة واحتمالًا، ويستخدم الضعف لمجده.

التناقض الحقيقي يتطلب أن يقول الكتاب إن كل طلب مؤمن لا بد أن يتحقق حرفيًا وبلا شروط، ثم يقول في موضع آخر إن هذا ليس صحيحًا. لكن الكتاب لا يعلّم الوعد غير المشروط أصلًا. بل يعلّم أن الصلاة تُرفع بإيمان، وبغفران، وبثبات في المسيح، وبنقاوة الدافع، وبحسب مشيئة الله.

الخلاصة

لم يعد المسيح في مرقس 11 بأن الله سيعطينا كل شيء حرفيًا نطلبه، مهما كان الطلب ومهما كانت دوافعنا. بل كان يعلّمنا أن نصلّي بإيمان حقيقي وثقة كاملة في قدرة الله. لكن هذا الإيمان لا ينفصل عن مشيئة الله، ولا عن القداسة، ولا عن الغفران، ولا عن نقاوة الدافع، ولا عن الثبات في المسيح.

لذلك، لا تتعارض كلمات المسيح مع رفض الله رفع شوكة بولس. فقد سمع الله صلاة بولس، لكنه لم يعطه ما طلبه حرفيًا، بل أعطاه ما كان أعمق وأفضل بحسب حكمته: نعمة كافية وقوة تُكمَل في الضعف. وهكذا نفهم أن الصلاة المسيحية ليست أداة لتحقيق رغبات الإنسان في السماء، بل وسيلة لكي تتحقق مشيئة الله على الأرض.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 373. Victor Books: Wheaton, Ill.

هل وعد المسيح أن يعطينا كل ما نطلبه حرفيًا بالإيمان؟ الرد على شبهة مرقس 11: 23-24 وحدود استجابة الصلاة

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة