الرسالة رقم 39 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 39 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 39 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

مقدمة الرسائل

أهمية هذه الرسائل:

تُعرف هذه الرسائل الثلاث، بأنها الرسائل المسكونية:

          فالرسالة رقم 4 الموجهة إلى نسطور وهى الرسالة الثانية إلى نسطور، قد نعتت بالرسالة العقائدية ، وقد كتبت في أمشير عام 430 م.، قبل مجمع أفسس. وقد اعتمدها مجمع أفسس المسكونى، عندما انعقد سنة 431م باعتبارها تحمل تعليم مجمع نيقية. كما أن مجمع خلقيدونيا سنة 451م ، ومجمع القسطنطينية الثانى سنة 553م ، اعتمد كلاهما الرسالة نفسها.

والرسالة رقم 17، مرسلة إلى نسطور من كيرلس باسم مجمع الأساقفة المنعقد في الأسكندرية في 30 نوفمبر سنة 430م. (وهى الرسالة الثالثة إلى نسطور) وهى تحوى في نهايتها الحرومات المعروفة باسم “الحرومات الاثنى عشر”. وقد أضيفت هذه الرسالة إلى أعمال مجمع أفسس.

          أما الرسالة رقم 39 ، فقد أرسلها البابا كيرلس إلى يوحنا الأنطاكى سنة 433م بعد استعادة السلام والوحدة مع كنيسة إنطاكية. وتظهر هذه الرسالة فرح كيرلس بتحقيق المصالحة واستعادة صداقته مع البطريرك يوحنا. كما تحوى الرسالة وثيقة الاتحاد التى أرسلها مجمع أساقفة إنطاكية إلى البابا كيرلس، وقد وافق البابا كيرلس على هذه الوثيقة كما يظهر في هذه الرسالة. وبسبب الأهمية المسكونية لهذه الرسائل الثلاث، فإنها لا تزال تشكل أساسًا لتحقيق الوحدة الكاملة بين الكنائس الأرثوذكسية بعائلتيها الخلقيدونية وغير الخلقيدونية. فالعائلتان تقبلان تعليم البابا كيرلس كمصدر للتعليم المستقيم بخصوص شخص المسيح وكيفية التعبير عن سر التجسد الفائق للعقل.

[ تمت الترجمة عن مجموعة الآباء باليونانية مجلد 77 ـ مينى

 Migne, P.G Vol 77

 

الرسالة رقم 39

 

          كيرلس يهدي التحيات في الرب إلى سيدي وأخي المحبوب وشريكي في الخدمة الكهنوتية، يوحنا.

لتفرح السماوات ولتبتهج الأرض[1]، ” وحاجز السياج المتوسط[2] قد نُقض، والحزن قد انتهي، وكل نوع من الخلاف قد أزيل، حيث أن المسيح مخلصنا جميعا قد منح سلامًا لكنائسه. والملوك الأتقياء جدًا والمحبون لله جدًا قد دعونا إلى هذا، والذين قد صاروا غيورين بأقصى درجة على محاكاة تقوى أسلافهم، وحافظين الإيمان الحقيقي في نفوسهم سالما وبغير اهتزاز.  لقد أعطوا عناية خاصة للكنائس المقدسة، لكي يكون مجدهم معلنًا إلى الأبد في كل مكان، ويظهر ملكهم عظيمًا جدًا. والمسيح رب القوات نفسه، يوزع عليهم الخيرات بيد سخية، ويمنحهم أن يسودوا على مقاوميهم وينعم عليهم بالنصر. لأنه لا يكذب حينما يقول: ” حي أنا يقول الرب، فإني أكرم الذين يكرمونني [3].

 

          2 ـ ولذلك، منذ أن وصل إلى الإسكندرية، سيدي المحبوب جدًا من الله وشريكي في الخدمة الكهنوتية وأخي بولس، قد امتلأنا بابتهاج القلب وبكل حق.  مثل هذا الرجل يعمل كوسيط ويدخل في أتعاب محادثات تفوق الطاقة، وذلك لكي يهزم بغضة الشيطان، ويوحد ما كان منفصًلا، بأن ينزع العثرات التي تسبب الانقسام كلية من بيننا، ولكي يكلل كنائسنا وكنائسكم بالفكر الواحد وبالسلام. إنه من فضلة القول أن نتحدث عن الأسلوب الذي تُنزع به هذه العثرات. وإني أفترض أنه من الخير أن نهتم وأن نتكلم بما هو لازم لوقت السلام ولذلك فقد سررنا بلقائنا بالرجل المتقي لله جدًا السابق ذكره، الذي ربما تصور أنه لن يحتاج إلى بذل مجهود قليل لإقناعنا أنه يجب أن نجمع الكنائس معًا إلى السلام، ونبطل ضحك أصحاب الآراء المخالفة، ونلاشي أيضًا منخاس شر الشيطان. ولكنه وجدنا هكذا مهيئين لهذا الأمر، حني أنه لم يئن بالمرة من أي تعب. لأننا نذكر قول المخلص: ” سلامي أعطيكم، سلامي أترك لكم [4]. وقد تعلمنا أن نقول في صلواتنا: “أيها الرب إلهنا أعطنا سلامك، لأن كل شئ قد أعطيتنا” [5]، حتى أنه إذا صار أحد ما شريكا في السلام المعطي من الله، فإنه لن ينقصه أي شئ صالح.

 

          3 ـ ولكننا قد تيقنا تمامًا، وعلى الأخص الآن، أن عدم الاتفاق بين كنائسنا قد حدث بطريقة غير لائقة، وبإفراط. إن سيدي الموقر جدًا، الأسقف بولس أحضر وثيقة تحوي اعتراف إيمان غير ملوم، وأكد بقوة أن هذه الوثيقة قد صيغت بواسطة قداستكم وبواسطة الأساقفة المحبون لله جدًا عندكم.  وهذه الوثيقة هي كما يلي بنفس كلماتها وهي ملحقة برسالتنا هذه:

          فيما يخص العذراء والدة الإله كما نعتقد ونقول، وفيما يخص كيفية تأنس ابن الله الوحيد، من الضروري أن نتكلم بكلمات قليلة ـ بدون إضافة شئ ـ بل في ملء إلىقين، كما قد استلمنا الإيمان منذ البداية من الكتب المقدسة ومن تسليم (تقليد) الآباء القديسين، ودون أن نضيف شيئا بالمرة علي إيمان الآباء القديسين الموضوع في نيقية، وكما سبق وقلنا فإن الإيمان الموضوع في نيقية هو كاف لكل معرفة التقوى وللكرازة العلنية ضد كل تعليم هرطوقي رديء السمعة. وسوف نتكلم دون أن نقتحم بجسارة الأمور التي لا يمكن البلوغ إليها. ولكننا، ونحن نعترف بضعفنا، فإننا نستبعد أولئك الذين يرغبون في أن يقحموا أنفسهم في الأمور التي يعلوا الفحص فيها على الإنسان. لذلك نعترف أن ربنا يسوع المسيح، ابن الله، الوحيد، هو إله كامل وإنسان كامل ذو نفس عاقلة وجسم، وهو مولود من الآب قبل الدهر بحسب لاهوته، وأنه هو نفسه في الأيام الأخيرة، من أجلنا ومن أجل خلاصنا وُلد من العذراء بحسب ناسوته، وهو نفسه، من الجوهر نفسه الذي للآب (أو مع الآب) حسب لاهوته، ومن نفس الجوهر الذي لنا (أو معنا) بحسب ناسوته. لأنه قد حدث اتحاد بين الطبيعتين.  لأجل هذا نعترف بمسيح واحد، ابن واحد، رب واحد. وبحسب هذا الفهم للاتحاد بدون اختلاط نعترف بأن العذراء القديسة هي والدة الإله، لأن الله الكلمة قد تجسد وتأنس، ومنذ ذات الحمل به وحَّد الهيكل الذي أخذه منها، مع ذاته. ونحن نعرف أن اللاهوتيين ينسبون بعض أقوال البشيرين والرسل عن الرب باعتبارها تشير بصفة عامة إلى شخص واحد، ويقسمون أقوالاً أخرى بأنها تشير إلى طبيعتين، فتلك التى تليق بالله ينسبوها إلى لاهوت المسيح، أما تلك الأقوال المتواضعة فينسبونها إلى ناسوته.

 

          4 ـ وإذ قد قرأنا أقوالكم المقدسة هذه ووجدنا أننا نحن أنفسنا أيضًا نعتقد هكذا، لأنه يوجد ” رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة [6]، مجدنا الله مخلص الكل، مهنئين بعضنا بعضًا لأن كنائسنا وكنائسكم لها الإيمان بحسب الكتب الإلهية الموحى بها وحسب تسليم (تقليد) آبائنا القديسين.

          ولكن حينما علمت أن بعضًا من أولئك الذين اعتادوا أن يتصيدوا الأخطاء بشغف ويطنوا حول البر مثل زنابير متوحشة وكانوا يتقيأون كلمات حقيرة ضدي، كما لو كنت أقول إن جسد المسيح المقدس قد نزل من السماء وليس من العذراء القديسة، رأيت من الضروري أن أتكلم إليهم قليلاً حول هذا الموضوع. أيها الأغبياء الذين تعرفون فقط أن تتهموا زورًا، كيف تجاوزتم الصواب في الرأى؛ وكيف فكرتم بمثل هذه الحماقة؟ لأنه من الضرورى، ومن الضرورى بوضوح، أن تدركوا أن كل الجهاد تقريبًا الذي خضناه من أجل الإيمان قد حاربنا فيه بسبب أننا أكدنا أن العذراء القديسة هى والدة الإله. فإذا كنا نقول إن جسد المسيح المقدس مخلصنا جميعًا ولد من السماء وليس من العذراء، فكيف لا نزال نعتبر أنها والدة الإله؟ لأنه من يكون هذا الذي ولدته إن لم يكن حقيقيًا أنها قد ولدت عمانوئيل حسب الجسد.

 

          5 ـ فلنضحك إذن على هؤلاء الذين يهذرون بهذه التفاهات عنى لأن النبى المبارك إشعياء لم يكذب عندما قال ” هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا، ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره: الله معنا[7]، وجبرائيل المقدس كان صادقًا تمامًا وهو يقول للعذراء القديسة ” لا تخافى يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع [8]ويخلّص شعبه من خطاياهم [9] ولكن حينما نقول إن ربنا يسوع المسيح هو من السماء ومن فوق فنحن لا نقول مثل هذه الأشياء كما لو أن جسده المقدس قد نزل من السماء، من فوق، بل إننا بالحري نتبع بولس الموحى إليه من الله الذي صرخ بوضوح قائلاً: ” الإنسان الأول من الأرض، ترابي، الإنسان الثانى من السماء[10]. ونتذكر أيضًا قول المخلص نفسه:” ليس أحد صعد إلى السماء إلاّ الذي نزل من السماء ابن الإنسان [11].

 

          6 ـ ورغم أنه ـ كما قلت منذ قليل ـ قد وُلِدَ حسب الجسد من القديسة العذراء، ولأنه من فوق، وأن الله الكلمة نزل من السماء ” وأخلى نفسه، آخذًا صورة عبد “[12] ودعى ابن الإنسان بعد أن بقي كما كان أى: الله (غير المتغير وغير المتبدل حسب الطبيعة) ومُدرَكًا أنه واحد مع جسده، لذلك يقال إنه نزل من السماء. ولكنه يدعى إنسانًا من السماء أيضًا، بسبب أنه كامل في لاهوته وهو نفسه كامل في ناسوته، ويُعرَف في شخص واحد. لأن الرب يسوع المسيح هو واحد، حتى لو لم نجهل الاختلاف بين الطبيعتين اللتين نقول إن الاتحاد الذي يفوق الوصف، قد صار منهما. فلتعمل قداستكم على غلق أفواه أولئك الذين يقولون إن اختلاطًا أو امتزاجًا أو اندماجًا صار لله الكلمة مع الجسد، لأنه من المحتمل أن البعض يثرثرون بهذه الأفكار أيضًا عنى، كما لو كنت قد اعتقدت بها أو قلتها. ولكنى أنا أبعد ما يكون عن التفكير بمثل هذه الأفكار حتى أنى أعتبر أن أولئك الذين يتخيلون أن مجرد ظل تغيير يمكن أن يحدث فيما يخص الطبيعة الإلهية للكلمة، هم مختلين في عقولهم. لأنه يبقى كما هو دائمًا، وهو لا يتغير بل بالحري فهو لن يتغير ولن يكون قابلاً للتحول. وكل واحد منا يعترف أن كلمة الله، بالإضافة إلى ذلك، غير متألم رغم أنه هو نفسه وهو يدبر السر بكل حكمة، نراه ينسب لنفسه الآلام التى حدثت لجسده الخاص. وبهذه الطريقة أيضًا، فإن بطرس الحكيم جدًا يتكلم قائلاً: “وإذ قد تألم المسيح بالجسد [13] وليس في طبيعة لاهوته التى لا ينطق بها. ولكي يُؤمَن به أنه هو نفسه مخلص الجميع، فإنه كما قلت ـ بحسب تدبير تجسده ـ فإنه ينسب إلى نفسه آلام جسده الخاص، كما تنبأ عنه النبى القائل:” بذلت ظهري للضاربين، وخدىَّ للناتفين وجهي لم أستر عن العار والبصق[14].

 

          7ـ فلتقتنع قداستكم، ولا تدع أحدًا من الآخرين، يشك في أننا نتبع تعاليم الآباء القديسين من كل وجه، وخاصة أبينا المبارك والمجيد جدًا أثناسيوس، طالبين باجتهاد أن لا نبتعد عنه في أي شيء على الإطلاق. وكنت أود أن أضيف أيضًا اقتباسات كثيرة من الآباء لأعطى ثقة في كلماتى الخاصة من كلماتهم لولا أنى خفت أن تؤدى هذه (الاقتباسات) إلى أن تطول رسالتي وتصير بذلك مملة. ونحن لا نسمح بأى صورة من الصور لأي شخص أن يهز الإيمان المحدد، أى قانون الإيمان المحدد بواسطة الآباء القديسين الذين اجتمعوا في نيقيا في الأزمنة الحرجة. وبكل تأكيد أيضًا، أننا لا نسمح سواء لأنفسنا أو لآخرين أن تتغير كلمة فيه أو أن يحذف منه مقطع واحد، متذكرين الذي قال:” لا تنقل التخم القديم الذي وضعه آباؤك “[15] لأنهم لم يكونوا هم المتكلمين بل روح الله الآب[16]، نفسه، الذي ينبثق منه وهو ليس غريبًا عن الابن بسبب جوهره. وبالإضافة إلى هذا فإن أقوال معلمى الأسرار تشدد إيماننا، لأنه مكتوب في سفر الأعمال، ” وحينما جاءوا إلى ميسيا حاولوا أن يذهبوا إلى بيثينيا فلم يدعهم الروح[17]. وبولس الموحى إليه من الله يكتب: ” فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله وأما أنتم فلستم في الجسد إن كان روح الله ساكنًا فيكم، ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له (للمسيح)[18].

 

          8 ـ ولكن عندما يقوم بعض أولئك الذين اعتادوا ” أن يقبلوا ما هو صواب [19]، بتحريف كلماتى إلى ما يبدوا مرضيًا أكثر لهم، فلا تتعجب قداستكم من هذا، عالمًا أن أولئك الضالعين في كل هرطقة يجمعون من الكتب الموحى بها حججًا لانحرافهم، مما نطق به حقًا بواسطة الروح القدس، ويفسدونه بأفكارهم الشريرة الخاصة ويصبون نارًا لا تنطفئ على رؤوسهم أنفسهم. ولكن حيث إننا علمنا أن البعض قد نشروا نصًا مشوهًا لرسالة أبينا المجيد جدًا أثناسيوس إلى المبارك إبكتيتوس [20]، وهي رسالة أرثوذكسية، حتى أن الكثير أصابهم الضرر (بسبب هذا التشويه). ولهذا السبب رأيت أنه من النافع والضروري للاخوة، أن أرسل لقداستكم نسخًا منها منقولة من النسخة القديمة الموجودة عندنا والتي هي نسخة أصيلة.

[1] مز 96 : 11 

[2] أف 2 : 14

[3] 1 صموئيل3 : 30

[4] يو 14 : 27

[5] أنظر أشعياء 26 : 2 وترد هذه الصلاة في القداس الإلهي في أوشية السلام الكبيرة

[6] أف 5:4

[7] أنظر إش 4:7، مت 23:1،24

[8] لو 30:1، 31

[9] مت 21:1

[10] أنظر 1كو 47:15

[11] يو 13:3

[12] في 7:2

[13] أنظر 1بط 1:4

[14] أنظ إش 6:50

[15] أنظر أم 28:22

[16] أنظر مت 20:10

[17] أع 7:16

[18] رو 8:8، 9

[19] ميخا 9:3

[20] ترجمت رسالة القديس أثناسيوس إلى إبكتيتوس ونشرها ” بيت التكريس لخدمة الكرازة ” في كتاب “المسيح في رسائل القديس أثناسيوس” في ديسمبر 1981. وقد قام بالترجمة المرحوم الأستاذ صموئيل كامل عبد السيد، والدكتور نصحى عبد الشهيد. وهى مع الرسالتين الأخرتين اللتين نشرتا في هذا الكتاب تعتبر أول ما ترجم من نصوص الآباء من اللغة اليونانية مباشرة، وقد صدرت طبعة ثانية لكتاب ” المسيح فى رسائل القديس أثناسيوس ” فى يناير 2000.

الرسالة رقم 39 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 17 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 17 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 17 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

مقدمة الرسائل

أهمية هذه الرسائل:

تُعرف هذه الرسائل الثلاث، بأنها الرسائل المسكونية:

          فالرسالة رقم 4 الموجهة إلى نسطور وهى الرسالة الثانية إلى نسطور، قد نعتت بالرسالة العقائدية ، وقد كتبت في أمشير عام 430 م.، قبل مجمع أفسس. وقد اعتمدها مجمع أفسس المسكونى، عندما انعقد سنة 431م باعتبارها تحمل تعليم مجمع نيقية. كما أن مجمع خلقيدونيا سنة 451م ، ومجمع القسطنطينية الثانى سنة 553م ، اعتمد كلاهما الرسالة نفسها.

والرسالة رقم 17، مرسلة إلى نسطور من كيرلس باسم مجمع الأساقفة المنعقد في الأسكندرية في 30 نوفمبر سنة 430م. (وهى الرسالة الثالثة إلى نسطور) وهى تحوى في نهايتها الحرومات المعروفة باسم “الحرومات الاثنى عشر”. وقد أضيفت هذه الرسالة إلى أعمال مجمع أفسس.

          أما الرسالة رقم 39 ، فقد أرسلها البابا كيرلس إلى يوحنا الأنطاكى سنة 433م بعد استعادة السلام والوحدة مع كنيسة إنطاكية. وتظهر هذه الرسالة فرح كيرلس بتحقيق المصالحة واستعادة صداقته مع البطريرك يوحنا. كما تحوى الرسالة وثيقة الاتحاد التى أرسلها مجمع أساقفة إنطاكية إلى البابا كيرلس، وقد وافق البابا كيرلس على هذه الوثيقة كما يظهر في هذه الرسالة. وبسبب الأهمية المسكونية لهذه الرسائل الثلاث، فإنها لا تزال تشكل أساسًا لتحقيق الوحدة الكاملة بين الكنائس الأرثوذكسية بعائلتيها الخلقيدونية وغير الخلقيدونية. فالعائلتان تقبلان تعليم البابا كيرلس كمصدر للتعليم المستقيم بخصوص شخص المسيح وكيفية التعبير عن سر التجسد الفائق للعقل.

[ تمت الترجمة عن مجموعة الآباء باليونانية مجلد 77 ـ مينى

 Migne, P.G Vol 77

 

الرسالة رقم 17

الرسالة الثالثة إلى نسطور

 

          كيرلس والمجمع المنعقد في الأسكندرية من كل إقليم مصر يهدون تحياتهم في الرب إلى الموقر جدًا والمحب لله جدًا الشريك في الخدمة نسطوريوس.

          حيث إن مخلصنا يقول بالتحديد ” من أحب أبًا أو أمًا أكثر منى فلا يستحقنى، ومن أحب ابنًا أو ابنة أكثر منى فلا يستحقنى [1]، فماذا سوف نعانى نحن الذين تطلب منهم تقواك، أن نحبك أكثر من المسيح مخلصنا كلنا؟ من سوف يكون قادرًا على مساعدتنا في يوم الدينونة؟ وأى دفاع يمكن أن نقدمه إن كنا هكذا نكرّم الصمت لمدة طويلة على التجاديف التى صدرت عنك ضده؟ فلو أنك آذيت نفسك فقط وأنت تفكر في هذه الأمور وتعلّم بها، لكان اهتمامنا بالأمر أقل. فأنت قد أعثرت كل الكنيسة وأدخلت خميرة هرطقة غريبة وغير عادية وسط الشعب، ليس فقط وسط أولئك الذين هناك (أى في القسطنطينية) بل وفي كل مكان.

 

          2ـ إن كتب شروحاتك قد انتشرت. فأى نوع من الحساب سوف يكفي عن صمت الذين معنا، أو كيف لا يكون ضروريًا أن نتذكر قول المسيح: “لا تظنوا إنى جئت لألقى سلامًا على الأرض، ما جئت لألقى سلامًا بل سيفًا. فإنى جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها[2]؟ فحينما يُجرح الإيمان فليبطل الاحترام للوالدين كأمر مهمل وغير ثابت! ومن ثم فليكن الموت عند الأتقياء أفضل من الحياة ” لكى ينالوا قيامة أفضل[3] كما هو مكتوب.

 

          3ـ لذلك فمع المجمع المقدس المنعقد في مدينة رومية العظيمة بالاشتراك مع وبرئاسة أخينا وشريكنا في الخدمة المقدس جدًا والمُكرِم لله، كليستينوس الأسقف، نحن أيضًا بهذه الرسالة الثالثة نعترض عليك بوقار، ناصحين إياك أن تقلع عن التعاليم الشريرة جدًا والمنحرفة جدًا التى ترتئيها وتعلّم بها. وبدلاً من ذلك اختر الإيمان المسلّم للكنائس بواسطة الرسل القديسين والبشيرين الذين كانوا معاينين وخدامًا للكلمة. وإذا كنت، تقواك، لا تفعل هذا، حسب ما هو محدد ومبين في الرسالة السابق ذكرها المرسلة لك من أخينا وشريكنا في الخدمة المقدس جدًا والمُكرِم لله جدًا، كليستينوس، أسقف كنيسة رومية، فاعلم أنه ليس لك خدمة إكليريكية ولا مكان بيننا، ولا احترام بين كهنة الله والأساقفة.

 

          4 ـ وليس من المقبول بالنسبة لنا أن نتغاضى عن الكنائس المضطربة جدًا، والشعوب التى تتعثر، والإيمان الصحيح الذي يطرح جانبًا، والقطعان التى تفرقت بواسطتك، أنت الذي كان يجب أن تخلصها، لو كنت مثلنا محبًا جدًا للاعتقاد الصحيح ومقتفيًا أثر تقوى الآباء القديسين. ولكننا نحن جميعًا في شركة مع كل الأتقياء، سواء من الشعب أو من الإكليروس، الذين قطعوا من الشركة أو جردوا لأجل الإيمان، بواسطة تقواك. لأنه ليس من العدل، أن هؤلاء الذين عُرفوا بأنهم يعتقدون المعتقدات الصحيحة، يجرحون بواسطة قراراتك، لأنهم بسبب فعلهم الصواب قد تعارضوا معك. لقد أشرت إلى هذا الأمر ذاته في خطابك الذي حررته إلى شريكنا في الأسقفية المقدس جدًا كليستينوس أسقف المدينة العظيمة رومية.

 

5 ـ ولكنه لن يكون كافيًا لتقواك أن تعترف معنا بقانون الإيمان الذي وُضع بالروح القدس بواسطة المجمع المقدس العظيم المجتمع في مدينة نيقية أثناء الأزمنة الحرجة. إنك لم تفهمه ولم تفسره تفسيرًا صحيحًا، بل بالحري بطريقة منحرفة، حتى إن كنت تعترف بنص القانون بشفتيك. ولكن عليك أن تتبع بالكتابة وتعترف بقسم أنك أيضًا تحرم، من ناحية، تعاليمك الممقوتة والكفرية، ومن ناحية أخرى، تعتقد وتعلم ما نعتقده ونعلم به نحن جميع الأساقفة في الغرب والشرق كمعلمين وقادة للشعب. المجمع المقدس في رومية، ونحن جميعًا، اتفقنا أن الرسائل المرسلة إلى تقواك من كنيسة الأسكندرية هى مستقيمة وبلا لوم ولكننا أضفنا إلى كتاباتنا هذه ما هو ضرورى للاعتقاد والتعليم، وما هى التعاليم التى ينبغى الابتعاد عنها.

 

          6 ـ لأن هذا هو إيمان الكنيسة الجامعة الرسولية الذي يتفق فيه كل الأساقفة في الغرب والشرق: [ نؤمن بإله واحد، الآب ضابط الكل خالق كل ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب أى “من جوهر الآب”[4]، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، “له الجوهر نفسه مع الآب”[5]، الذي به كان كل شئ ما في السماء وما على الأرض، الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا، نزل، وتجسد متأنسًا، وتألم، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السموات، ويأتى ليدين الأحياء والأموات؛ و(نؤمن) بالروح القدس].

 

          7ـ [ولكن الذين يقولون، ” كان هناك وقت لم يكن فيه الابن موجودًا”، و” لم يكن قبل أن يولد “، وأنه ” خلق من العدم “، أو أنه ” من طبيعة أو جوهر مختلف “[6]، أو أنه عرضة “للتبدل”[7] أو “التغير”[8]، فأولئك تحرمهم الكنيسة الجامعة الرسولية][9] 

          وإذ نتبع ـ من كل ناحية ـ اعترافات الآباء القديسين التى صاغوها بالروح القدس الذي كان ينطق فيهم، وإذ نتبع ما في أفكارهم من معانى، وكما لو كنا نسير في طريق ملوكى، فإننا نقول إنه: هو ” كلمة الله الوحيد”[10]، المولود ” من ذات الجوهر الذي للآب “[11]، إله حق من إله حق، النور الذي من النور، الذي به صارت كل الأشياء، تلك التى في السماء وتلك التى على الأرض، وإذ نزل لأجل خلاصنا، وتنازل إلى إخلاء نفسه[12]، فإنه تجسد وتأنس، أى أخذ جسدًا من العذراء القديسة، وجعله خاصًا به من الرحم، واحتمل الولادة مثلنا، وجاء كإنسان من امرأة، دون أن يفقد ما كان عليه، ولكن رغم أنه وُلد متخذًا لحمًا ودمًا فإنه ظل كما كان، أى أنه من الواضح إنه الله بالطبيعة والحق.

 

          8 ـ ونحن نقول أيضًا إن الجسد لم يتحول إلى طبيعة اللاهوت، ولا طبيعة كلمة الله التى تفوق التعبير، تغيرت إلى طبيعة الجسد، لأنه بصورة مطلقة هو غير قابل للتبدّل أو للتغيّر. ويظل هو نفسه دائمًا حسب الكتب. ولكن حينما كان منظورًا، وكان لا يزال طفلاً مقمطًا، وكان فى حضن العذراء التى حملته، فإنه كان يملأ كل الخليقة كإله، وكان مهيمنًا مع ذلك الذي ولده. لأن الإلهى هو بلا كمية وبلا حجم، ولا يقبل التحديد.

 

          9 ـ وإذ نعترف بكل تأكيد أن الكلمة اتحد بالجسد أقنوميًا، فإننا نسجد لابن واحد الرب يسوع المسيح. نحن لا نجزَّئ ولا نفصل الإنسان عن الله، ولا نقول إنهما متحدان الواحد بالآخر بواسطة الكرامة والسلطة، لأن هذا هراء وليس أكثر. ولا نسمى كلمة الله مسيحًا على حده، وبالمثل لا نسمى المولود من امرأة مسيحًا آخر على حدة، بل نعترف بمسيح واحد فقط، الكلمة من الله الآب، مع جسده الخاص. لأنه حينئذ إنسانيًا قد مُسِح بيننا رغم أنه يعطى الروح للذين يستحقون أن ينالوه، وليس بكيل، كما يقول البشير المغبوط يوحنا[13]. ولسنا نقول إن كلمة الله حل في ذلك المولود من العذراء القديسة، كما في إنسان عادى، لكي لا يُفهم أن المسيح هو ” إنسان يحمل الله “. لأنه حتى إن كان ” الكلمة حل بيننا “[14] فإنه أيضًا قد قيل إن في المسيح ” يحل كل ملء اللاهوت جسديًا[15]. لذلك إذن نحن ندرك أنه إذ صار جسدًا فلا يقال عن حلوله إنه مثل الحلول في القديسين، ولا نحدد الحلول فيه أنه يتساوى وبنفس الطريقة كالحلول في القديسين. ولكن الكلمة إذ اتحد ” حسب الطبيعة ” (kat¦ fÚsin) ولم يتغير إلى جسد، فإنه حقق حلولاً مثلما يقال عن حلول نفس الإنسان في جسدها الخاص.

 

          10 ـ لذلك فالمسيح واحد، وهو ابن ورب، ليس بمعنى أن لدينا إنسانًا حقق مجرد اتصال مع الله، كإله، بواسطة اتحاد كرامة أو سلطة. لأن المساواة في الكرامة لا توحد الطبائع، فإن بطرس ويوحنا يتساويان في الكرامة الواحد مع الآخر، فكل منهما رسول وتلميذ مقدس إلاّ أن الاثنين ليس واحدًا. كما أننا لا نرى أن طريقة الاتصال هى بحسب المجاورة لأن هذه لا تكفي لتحقيق الاتحاد الطبيعى، ولا بحسب مشاركة اعتبارية مثلما إننا نحن الذين نلتصق بالرب كما هو مكتوب فنحن روح واحد معه[16] بل بالحري نحن نرفض تعبير “الاتصال” لأنه لا يُعّبر تعبيرًا كافيًا عن الاتحاد. ونحن لا نقول عن الكلمة الذي من الله الآب إنه إله المسيح وربه، حتى لا نجزئ أيضًا المسيح الواحد والابن والرب إلى اثنين، ولكيلا نسقط في جريمة التجديف بأن نجعله هو إلهه وربه. وكما قلنا سابقًا، فإن كلمة الله قد اتحد بالجسد “أقنوميًا” (kaq’ ØpÒstasion)، فهو إله الكل ورب الجميع، وليس هو عبد لنفسه ولا سيد لنفسه. وأن يعتقد أحد بهذا ويقوله فهذا أمر غير معقول كما أنه بالأحرى أمر عديم التقوى. لأنه قال إن الله أباه، رغم أنه هو إله بالطبيعة ومن جوهر أبيه. ونحن لم نجهل أنه مع بقائه إلهًا فإنه قد صار إنسانًا أيضًا خاضعًا لله حسب القانون الواجب لطبيعة الإنسان. لكن كيف يمكنه هو أن يصير إلهًا أو سيدًا لنفسه؟ وطالما أن الأمر يختص بما هو لائق بحدود إخلائه لنفسه، فإنه هو نفسه خاضع لله مثلنا. وهكذا فهو أيضًا ” ولد تحت الناموس “[17]، ورغم أنه تكلم بالناموس وهو معطى الناموس كإله.

 

          11 ـ ولكننا نرفض أن نقول عن المسيح: ” بسبب ذلك الذي ألبسه الجسد “[18] أعبد اللابس الجسد؛ ” وبسبب غير المنظور أسجد للمنظور “[19]. إنه أمر مرعب أن يقال أيضًا ” إن الله المُمتَلك (المأخوذ)، يدعى باسم الذي امتلكه (اتخذه)[20]“. كل من يقول هذه الأشياء، فإنه يقسم المسيح الواحد إلى اثنين، وبالتالى فإنه يضع كلاً من الناسوت واللاهوت على حدة. وهو ينكر الاتحاد الذي بمقتضاه يُسْجَد للواحد مع الآخر وليس بسبب أن الواحد في الآخر[21] وبالتأكيد فإن الله لا يشترك مع آخر، ولكن المقصود هو واحد: المسيح يسوع، الابن الوحيد، الذي يكرم بسجدة واحدة مع جسده الخاص. ونحن نعترف أنه هو الابن المولود من الله الآب، والإله الوحيد، ورغم أنه غير قابل للتألم بحسب طبيعته الخاصة، فقد تألم بجسده الخاص من أجلنا حسب الكتب. وهو غير القابل للتألم جعل آلام جسده خاصة له عندما صلب جسده، لأنه بنعمة الله ولأجل الجميع ذاق الموت[22]، بإخضاع جسده الخاص للموت رغم أنه حسب الطبيعة هو الحياة وهو نفسه القيامة[23]. لكى بواسطة قوته التى تفوق الوصف إذ قد داس الموت أولاً في جسده الخاص صار “البكر من الأموات”[24] و”باكورة أولئك الذين رقدوا”[25]، ولكى يعد الطريق إلى قيامة عدم الفساد أمام طبيعة الإنسان، وبنعمة الله، كما سبق أن قلنا حالاً، ذاق الموت لأجل الجميع، ولكنه قام في اليوم الثالث بعد أن سلب الجحيم حتى إن كان يمكن أن يقال عن قيامة الأموات إنها صارت بواسطة إنسان[26]، فلا نزال نعنى أن هذا الإنسان هو الكلمة المولود من الله، وأن سلطان الموت قد انحل بواسطته، وهو سيأتى في الوقت المناسب كالابن الواحد والرب في مجد الآب ليدين المسكونة بالعدل كما هو مكتوب[27].

 

          12ـ ولكن من الضرورى أن نضيف هذا أيضًا. وإذ نكرز بموت ابن الله الوحيد حسب الجسد أى موت يسوع المسيح، ونعترف بقيامته من بين الأموات وصعوده إلى السموات، فإننا نقدم الذبيحة غير الدموية في الكنائس، وهكذا نتقبل البركات السرية ونتقدس، ونصير مشتركين في الجسد المقدس، والدم الكريم للمسيح مخلصنا جميعًا ونحن نفعل هذا لا كأناس يتناولون جسدًا عاديًا، حاشا، ولا بالحقيقة جسد رجل مُتَقَدِّس ومتصل بالكلمة حسب اتحاد الكرامة، ولا كواحد قد حصل على حلول إلهى، بل باعتباره الجسد الخاص للكلمة نفسه المعطى الحياة حقًا، وبسبب أنه صار واحدًا مع جسده الخاص أعلن أن جسده معطى الحياة، لأنه حتى وإن كان يقول لنا: “ الحق أقول لكم، إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه[28] فلا نستخلص من هذا أن جسده هو جسد واحد من الناس مثلنا (لأنه كيف يكون جسد إنسان ما محييًا بحسب طبيعته الخاصة؟)، ولكن لكونه بالحقيقة الجسد الخاص للابن الذي صار إنسانًا ودعى إنسانًا لأجلنا.

 

          13ـ وأيضًا نحن لا ننسب أقوال مخلصنا في الأناجيل إلى أقنومين أو إلى شخصين منفصلين، لأن المسيح الواحد لا يكون اثنين، حتى لو أُدرك أنه من اثنين ومن كيانين مختلفين اجتمعا إلى وحدة غير منقسمة، وكما هو طبيعى في حالة الإنسان الذي يُدرَك على أنه من نفس وجسد ولكنه ليس اثنين بل بالحري واحد من اثنين. ولكن لأننا نفكر بطريقة صحيحة فإننا نعتقد أن الأقوال التى قالها كإنسان أو تلك التى قالها كإله هى صادرة من واحد.

 

          14 ـ فحينما يقول عن نفسه كإله: “ مَن رآنى فقد رأى الآب ” و” أنا والآب واحد ” فنحن نفكر في طبيعته الإلهية التى تفوق الوصف التى بحسبها هو واحد مع أبيه بسبب وحدة الجوهر، وهو أيضًا صورته ومثاله وإشعاع مجده. ودون أن يقلل من شأن ملء قامته الإنسانية، قال لليهود، “ولكنكم تريدون أن تقتلونى وأنا إنسان قد كلمكم بالحق [29]، وأيضًا من جهة قامته البشرية فنحن نعرف الكلمة ـ ليس بدرجة أقل ـ إلهًا مساويًا للآب ومماثلاً له. فإذا كان من الضرورى أن نؤمن، أنه رغم كونه إلهًا بحسب الطبيعة، فقد صار جسدًا، أى صار إنسانًا مُحيَاً بنفس عاقلة، فأى سبب يدعونا للخجل من أقواله إن كانت قد صدرت منه كإنسان لأنه لو كان قد تحاشى الكلمات التى تناسب الإنسان، فما الذي أجبره أن يصير إنسانًا مثلنا؟ فلأى سبب يتحاشى الكلمات المناسبة للإخلاء، وهو الذي تنازل إلى إخلاء اختيارى لنفسه من أجلنا؟ لذلك ينبغى أن تُنسَب كل الأقوال التى في الأناجيل إلى شخص واحد[30]، إلى أقنوم الكلمة الواحد[31] المتجسد، لأن الرب يسوع المسيح هو واحد حسب الكتب[32].

 

          15ـ ولكن إن كان يدعى: ” رسول ورئيس كهنة اعترافنا [33] ككاهن يقدم لله الآب اعتراف إيماننا المحمول، إليه، وبواسطته لله الآب، وأيضًا إلى الروح القدس، فإننا نقول ثانية إنه هو نفسه الابن الوحيد الذي لله حسب الطبيعة. ونحن لا ننسب إلى إنسان آخر غيره اسم وحقيقة كهنوته، لأنه صار وسيط الله والإنسان[34]، ومصالحًا للسلام إذ قدم نفسه لله الآب رائحة طيبة [35]. لذلك فهو نفسه قد قال:” ذبيحة وقربانًا لم ترد ولكن هيأت لى جسدًا، بمحرقات وذبائح للخطية لم تسر، ثم قلت هاأنذا أجئ في درج الكتاب مكتوب عنى، لأفعل مشيئتك يا الله “[36]. لأنه قد قدم جسده الخاص رائحة طيبة لأجلنا وليس لأجل نفسه. فأى قرابين أو ذبائح يحتاجها لأجل نفسه، وهو الله الذي هو أسمى من كل خطية؟ لأنه ” إن كان الجميع قد أخطأوا وأعوزهم مجد الله [37] ولذلك فنحن معرضون للانحراف، وطبيعتنا لعنت بسبب الخطية. أما هو فليس هكذا، ونحن بسبب هذا أقل من مجده. فكيف إذن يبقى أى شك في أن الحمل الحقيقى قد ذُبح من أجلنا وعوضًا عنا؟ ولكن القول بأنه قد قدم نفسه من أجل نفسه ومن أجلنا لا يمكن بأى حال إلاّ أن يكون له نصيب في تهمة الكفر. إنه لم يخطئ بأى شكل، وبالتأكيد لم يفعل خطية. فأية قرابين يحتاج إليها إذن، بينما ليست هناك أية خطية من أجلها يكون معقولاً جدًا أن تُقدَم ذبيحة.

 

          16ـ ولكن حينما يقول عن الروح: ” ذاك سيمجدنى[38] فنحن، بصواب، لا نفهم أن المسيح الواحد والابن، بسبب أنه في احتياج إلى مجد من آخر، اكتسب مجدًا من الروح القدس، وذلك لأن روحه ليس أسمى منه ولا هو فوقه. ولكن حيث إنه، للتدليل على ألوهيته مُسح بالروح القدس لأجل القيام بالأعمال العظيمة، فإنه يقول إنه قد تمجد منه، مثلما يقول أى واحد منا، عن أية قوة في داخله أو عن فهمه لموضوع معين: ” إنها سوف تمجدنى”.

 

          17ـ لأنه حتى إن كان الروح يوجد في أقنومه الخاص، ويعرف بذاته حيث أنه هو الروح وليس الابن، إلاّ أنه مع ذلك ليس غريبًا عن الابن، لأنه يدعى روح الحق والمسيح هو روح الحق، والروح ينسكب[39] منه، كما بلا شك من الله الآب أيضًا. لذلك فإن الروح صنع عجائب بأيدى الرسل القديسين بعد صعود ربنا يسوع المسيح إلى السماء، وبذلك مجدّه. لأننا نؤمن أنه الله حسب الطبيعة، وأيضًا أنه نفسه يعمل بروحه الخاص. ولهذا السبب فقد قال أيضًا: ” لأنه يأخذ مما لى ويخبركم [40]. ونحن لا نقول مطلقًا إن الروح حكيم وقوى نتيجة المشاركة، لأنه كلى الكمال ولا ينقصه أى صلاح. ولكن حيث أنه روح قوة الآب وحكمته أى روح الابن، فهو بالحقيقة الحكمة والقوة.

 

          18ـ وحيث إن العذراء القديسة ولَدَت جسديًا، الله متحدًا بالجسد حسب الأقنوم، فنحن نقول إنها والدة الإله، ليس أن طبيعة الكلمة تأخذ بداية وجودها من الجسد لأنه ” (أى الكلمة) كان في البدء، والكلمة كان الله، وكان الكلمة عند الله “[41]، وهو نفسه خالق الدهور، وهو أزلى مع الآب، وخالق كل الأشياء. لأنه كما سبق وقلنا أنه إذ وحّد الإنسانى بنفسه أقنوميًا، فإنه احتمل الولادة الجسدية من بطنها. وبسبب طبيعته الخاصة (كإله) لم تكن هناك ضرورة تحوجه إلى ميلاد في الزمن وفي آخر الدهور. لقد وُلِدَ لكي يبارك بداية وجودنا نفسها، وإذ قد ولدته امرأة مُوحّدًا نفسه بالجسد فسوف تُرفع اللعنة إذن عن كل الجنس (البشرى). وهذه (اللعنة) كانت ترسل أجسادنا التى من الأرض، إلى الموت، وبواسطته أُبطِلَ القول: “بالوجع تلدين أولادًا[42] لكي يظهر صدق قول النبى ” الموت إذ قوى قد ابتلعهم “[43]، وأيضًا: ” الله مسح كل دمعة من كل الوجوه [44] وبسبب هذا نقول إنه حسب التدبير قد بارك الزواج بنفسه وحضر حينما دعى إلى قانا الجليل مع رسله القديسين.

 

          19 ـ لقد تعلمنا أن نعتقد بهذه الأفكار من الرسل القديسين والبشيرين، ومن كل الكتب الموحى بها من الله ومن الاعترافات الصحيحة لآبائنا المطوبين. إنه من الضرورى أن تقواك أيضًا ترضى بكل هذه (الأفكار) وتوافق على كل واحدة بدون خداع. إن ما يلزم أن تحرمه تقواك قد ألحق بهذا الخطاب المرسل منا.

 

الحرومات الاثنى عشر:

      1 ـ مَن لا يعترف أن عمانوئيل هو الله بالحقيقة، وبسبب هذا فالعذراء هى والدة الإله، (لأنها ولدت جسديًا الكلمة الذي من الله، الذي تجسد) فليكن محرومًا.

      2 ـ ومن لا يعترف أن الكلمة الذي من الله الآب قد اتحد بالجسد أقنوميًا، وهو مع جسده الخاص مسيح واحد، وأنه هو نفسه بوضوح إله وإنسان معًا (فى نفس الوقت)، فليكن محرومًا.

      3 ـ من يقسم بعد الاتحاد المسيح الواحد إلى أقنومين ويربط بينهما فقط بنوع من الاتصال حسب الكرامة، أى بواسطة السلطة أو بالقوة، وليس بالحري بتوحيدهما الذي هو حسب الاتحاد الطبيعى، فليكن محرومًا.

      4 ـ من ينسب الأقوال ـ التى في الأناجيل والكتابات الرسولية سواء تلك التى قالها القديسون عن المسيح أو التى قالها هو عن نفسه ـ إلى شخصين أى أقنومين، ناسبًا بعضها كما إلى إنسان على حدة منفصلاً عن كلمة الله، وناسبًا الأقوال الأخرى، كملائمة لله، فقط إلى الكلمة الذي من الله الآب وحده، فليكن محرومًا.

      5 ـ من يتجاسر ويقول أن المسيح هو إنسان حامل لله وليس بالحرى هو الله بالحق، والابن الواحد بالطبيعة، إذ أن الكلمة صار جسدًا واشترك مثلنا في اللحم والدم، فليكن محرومًا.

      6ـ من يتجاسر ويقول أن الكلمة الذي من الله الآب هو إله وسيد للمسيح، ولم يعترف بالحرى أنه هو نفسه إله وإنسان معًا (فى نفس الوقت)، حيث إن الكلمة صار جسدًا حسب الكتب، فليكن محرومًا.

      7 ـ من يقول إن كلمة الله كان يفعل في يسوع المسيح كإنسان، وأن مجد الوحيد قد نسب إليه[45] كأنه آخر غيره[46]، (كما لو كان الوحيد منفصلاً عنه)، فليكن محرومًا.

      8 ـ من يتجاسر ويقول إن الإنسان الذي اتخذه الكلمة ينبغى أن يُسجَد له مع الله الكلمة، ويُمجد معه ويسمى معه الله، كما لو كان الواحد في الآخر (لأن لفظة “مع” التى تضاف دائمًا تفرض أن يكون هذا هو المعنى)، ولا يُكرَّم عمانوئيل بالحري بسجدة واحدة، ولا يرسل له ترنيمة تمجيد واحدة، لكون الكلمة صار جسدًا، فليكن محرومًا.

      9 ـ من يقول إن الرب الواحد يسوع المسيح قد تمجد من الروح، وأن الرب كان يستخدم القوة التى من الروح كما لو كانت خاصة بقوة غريبة عنه ويقول إن الرب قبل من الروح القوة للعمل ضد الأرواح النجسة ويتمم العجائب بين الناس ولا يقول بالحري أن الروح خاص به، والذي به عمل المعجزات، فليكن محرومًا.

      10 ـ يقول الكتاب المقدس أن المسيح هو رئيس كهنة ورسول اعترافنا[47]، وأنه قدم نفسه من أجلنا رائحة طيبة لله الآب. لذلك فمن يقول إن رئيس كهنتنا ورسولنا ليس هو نفسه الكلمة الذي من الله حينما صار جسدًا وإنسانا مثلنا، بل أن هذا الإنسان المولود من المرأة هو آخر علي حده غير كلمة الله، أو من يقول إنه قدم نفسه كذبيحة لأجل نفسه أيضًا وليس بالحرى لأجلنا فقط (فهو لا يحتاج إلي ذبيحة لأنه لم يعرف خطية)، فليكن محرومًا.

      11 ـ من لا يعترف أن جسد الرب هو معطي الحياة وهو يخص الكلمة من الله الآب، بل يقول إنه جسد لواحد آخر غيره، وأنه مرتبط به بحسب الكرامة، أي حصل فقط على حلول إلهي، ولا يعترف بالحري أن جسده معطي الحياة كما قلنا لأنه صار جسد الكلمة الخاص به، الذي يستطيع أن يهب الحياة لكل الأشياء، فليكن محروما.

      12 ـ من لا يعترف أن كلمة الله تألم بالجسد (في الجسد)، وصلب بالجسد (في الجسد)، وذاق الموت بالجسد (في الجسد)، وصار البكر من الأموات[48]، حيث إنه الحياة، ومعطي الحياة كإله، فليكن محروما.

[1] مت 37:10

[2] مت 34:10، 35

[3] عب 35:11

4 ™k tÁj oÙs…aj toà PatrÕj.

5  ÐmooÚsion tù Patrˆ.

[6] أى من جوهر مختلف عن جوهر الآب.

7 tršpton

8  ¢lloiwÒn

[9] هذا هو نص قانون إيمان مجمع نيقية المسكونى الأول سنة 325.

10  Óti aÙtoj Ð monogen¾j toà Qeoà Lògoj.

11  aÙtÁj tÁj oÙs…aj toà PatrÕj.

[12] أنظر فيلبى 7:2،8

[13] أنظر يو 34:3

[14] أنظر يو 14:1

[15] كو 9:2

[16] 1كو 17:6

[17] غلا 4:4

18 foroànta.

[19] إقتباس من أقوال نسطور see loofs, Nestoriana, 262.3, 4,11 and 12   

[20] إقتباس آخر من نسطور. يشير القديس كيرلس إلى تعليم نسطور أن المسيح شخصان، هما: المسيح الآخذ وهو كلمة الله، والمسيح المأخوذ هو الإنسان يسوع.

[21] هذه العبارة تفهم في ضوء العبارة السابقة لنسطور التى قال فيها “بسبب ذلك الذي ألبسه الجسد أعبد اللابس الجسد، وبسبب غير المنظور أسجد للمنظور ” فهذا معناه أن السجود يقدم اللاهوت الحال في الناسوت، وأما بالنسبة للناسوت فيقدم له فقط بسبب اللاهوت الحال فيه، بينما أن السجود يجب أن يقدم للمسيح الذي فيه يتحد اللاهوت والناسوت معًا في طبيعة واحدة.

[22] أنظر عب 9:2

[23] أنظر أع 2:4

[24] كو 18:1

[25] أنظر 1كو 20:15

[26] يو 25:11

[27] أنظر أع 31:17، مز 9:98

[28] أنظر 53:6

[29] يو 40:8

30 ‘En… prosèpou.

31 Øpost£sei mi©.

[32] أنظر 1كو 6:8

[33] أنظر عب 1:3

[34] 1تيمو 5:2

[35] أف 2:5

[36] عب 5:10ـ7 وانظر مز 7:40ـ9

[37] أنظر رو 23:3

[38] يو 14:16

[39] الكلمة اليونانية التى استعملها القديس كيرلس هنا proce‹tai وهى صيغة المبنى للمجهول من الفعل procšw الذي معناه “يسكب أو يصب” ولكن بعض الترجمات (مثل ترجمة رسائل القديس كيرلس التى أصدرتها الجامعة الكاثوليكية بواشنطن 1987م)، تخطئ وتترجمها Proceed التى تعنى ينبثق وذلك في مجال الحديث عن علاقة الروح القدس بالابن أى لكى يوحوا بوجود فكرة “إنبثاق الروح القدس من الابن” عند القديس كيرلس، علمًا بأن الكلمة اليونانية التى وردت في العهد الجديد بمعنى ينبثق هى EkporeÚomai. وهى نفس الكلمة التى استعملها القديس كيرلس عندما تحدث بوضوح عن انبثاق الروح القدس من الآب كما جاء في الرسالة 39 فقرة 7.

[40] يو 14:16

[41] يو 1:1

[42] تك 16:3

[43] اقتباس من السبعينية هو 14:13

[44] أش 8:25

[45] أى إلى يسوع كإنسان

[46] أى غير كلمة الله

[47] أنظر عب 1:3

[48] انظر كو1: 18.

 

الرسالة رقم 17 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 4 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 4 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

الرسالة رقم 4 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

مقدمة الرسائل

أهمية هذه الرسائل:

تُعرف هذه الرسائل الثلاث، بأنها الرسائل المسكونية:

          فالرسالة رقم 4 الموجهة إلى نسطور وهى الرسالة الثانية إلى نسطور، قد نعتت بالرسالة العقائدية ، وقد كتبت في أمشير عام 430 م.، قبل مجمع أفسس. وقد اعتمدها مجمع أفسس المسكونى، عندما انعقد سنة 431م باعتبارها تحمل تعليم مجمع نيقية. كما أن مجمع خلقيدونيا سنة 451م ، ومجمع القسطنطينية الثانى سنة 553م ، اعتمد كلاهما الرسالة نفسها.

والرسالة رقم 17، مرسلة إلى نسطور من كيرلس باسم مجمع الأساقفة المنعقد في الأسكندرية في 30 نوفمبر سنة 430م. (وهى الرسالة الثالثة إلى نسطور) وهى تحوى في نهايتها الحرومات المعروفة باسم “الحرومات الاثنى عشر”. وقد أضيفت هذه الرسالة إلى أعمال مجمع أفسس.

          أما الرسالة رقم 39 ، فقد أرسلها البابا كيرلس إلى يوحنا الأنطاكى سنة 433م بعد استعادة السلام والوحدة مع كنيسة إنطاكية. وتظهر هذه الرسالة فرح كيرلس بتحقيق المصالحة واستعادة صداقته مع البطريرك يوحنا. كما تحوى الرسالة وثيقة الاتحاد التى أرسلها مجمع أساقفة إنطاكية إلى البابا كيرلس، وقد وافق البابا كيرلس على هذه الوثيقة كما يظهر في هذه الرسالة. وبسبب الأهمية المسكونية لهذه الرسائل الثلاث، فإنها لا تزال تشكل أساسًا لتحقيق الوحدة الكاملة بين الكنائس الأرثوذكسية بعائلتيها الخلقيدونية وغير الخلقيدونية. فالعائلتان تقبلان تعليم البابا كيرلس كمصدر للتعليم المستقيم بخصوص شخص المسيح وكيفية التعبير عن سر التجسد الفائق للعقل.

[ تمت الترجمة عن مجموعة الآباء باليونانية مجلد 77 ـ مينى

 Migne, P.G Vol 77

 

 

رسالة رقم 4

 

كيرلس يهدى تحياته في الرب إلى الموقر جدًا والمحب جدًا لله الشريك في الخدمة نسطوريوس.

 

          كما سمعت، فإن بعض الناس يواصلون الثرثرة حول إجابتى على تقواك، ويفعلون هذا مرات كثيرة، وعلى الخصوص وهم يترقبون وقت المجامع. وربما بسبب أنهم يفكرون في دغدغة مسامعك لذلك ينطقون بكلمات طائشة. وهم يفعلون هذا رغم أنهم لم يتعرضوا للإساءة من أحد، بل قد نالوا توبيخًا لمنفعتهم: فواحد منهم وُبخ لأنه كان يسئ إلى العمى والفقراء، والثانى بسبب أنه كان يلوح بالسيف ضد أمه، والثالث بسبب أنه كان يسرق أموال شخص آخر بمساعدة جارية. وقد كان لهم دائمًا مثل هذا الصيت الردئ، حتى أن الواحد منا لا يتمنى أن يلتصق هذا الصيت بأعدى أعدائه. وفضلاً عن ذلك فلن يكون لى كلام كثير عن مثل هذه الأمور وذلك لكي لا أمتد بمقياس ذاتى الصغيرة فوق ربى ومعلمى[1] ولا فوق الآباء. لأنه ليس من الممكن الإفلات من انحرافات الأشرار الرديئة، كيفما اختار الإنسان أن يقضى حياته.

 

          2ـ ولكن أولئك إذ لهم فم مملوء باللعنات والمرارة، سوف يجاوبون عن أنفسهم أمام ديان الكل. والآن أعود بنفسى مرة أخرى إلى ما يليق بى على الخصوص، وسوف أذكرك الآن، كأخ في الرب، أن تكرز بكلمة التعليم، وبعقيدة الإيمان للشعب بكل حذر. ينبغى أن ندرك أن إعثار واحد فقط من الصغار المؤمنين بالمسيح[2]، له عقاب لا يُحتمل. فإن كان عدد المتضررين كثيرًا، أفلا نكون في حاجة إلى مهارة كاملة لإزالة العثرات بفطنة ونشرح التعليم بصحة الإيمان لأولئك الذين يبحثون عن الحق؟ وسوف يكون هذا صحيحًا جدًا إن كنا نلتزم بتعاليم الأباء القديسين، وإن كنا نجتهد لكي نعتبرهم ذوي قيمة عظيمة، ونمتحن أنفسنا ” هل نحن في الإيمان “[3] كما هو مكتوب، ونشكل أفكارنا حسنًا جدًا لتطابق آراءهم المستقيمة والتى بلا لوم.

 

          3ـ ولذلك قال المجمع المقدس العظيم[4] أن الابن الوحيد الجنس نفسه مولود من الله الآب حسب الطبيعة، الإله الحق من إله حق، النور الذي من النور، وهو الذي به صنع الآب كل الأشياء، نزل، وتجسد وتأنس، وتألم، وقام في اليوم الثالث وصعد إلى السموات. وينبغى علينا أن نتبع التعاليم والعقائد، مدركين ماذا يعنى أنه تجسد. تدل هذه اللفظة على أن الكلمة الذي من الله، تأنس. ونحن لا نقول إن طبيعة الكلمة تغيرت حينما صار جسدًا. وأيضًا نحن لا نقول إن الكلمة قد تغير إلى إنسان كامل من نفس وجسد. بل بالأحرى نقول إن الكلمة قد وحد مع نفسه أقنوميًا، جسدًا مُحيًا بنفس عاقلة، وصار إنسانًا بطريقة لا يمكن التعبير عنها أو إدراكها. وهو قد دُعِىَ ابن الإنسان ليس بحسب الرغبة فقط ولا بحسب الإرادة الصالحة، بل أيضًا ليس باتخاذه شخصًا معينًا. ونحن نقول إنه على الرغم أن الطبيعتين اللتين اجتمعتا معًا في وحدة حقيقية مختلفتان، فإنه يوجد مسيح واحد وابن واحد من الاثنين. إن اختلاف الطبائع لم يبطل بسبب الاتحاد، بل بالحري فإن هذا الاتحاد الذي يفوق الفهم والوصف كون لنا من اللاهوت والناسوت ربًا واحدًا يسوع المسيح وابنًا واحدًا.

 

          4 ـ وهكذا، فرغم أن له وجودًا قبل الدهور وقد وُلد من الآب، فإنه يقال أيضًا إنه وُلد حسب الجسد من امرأة، كما أن طبيعته الإلهية لا تحتاج لنفسها بالضرورة إلى ولادة أخرى بعد الولادة من الآب. إن القول بأن ذلك الذي هو موجود قبل كل الدهور وهو أزلى مع الآب، يحتاج إلى بداية ثانية لكي يوجد، إنما هو أمر بلا غاية وفي نفس الوقت هو قول أحمق. ولكن حيث إنه من أجلنا ومن أجل خلاصنا وحّد الطبيعة البشرية بنفسه أقنوميًا، ووُلِدَ من امرأة، فإنه بهذه الطريقة يقال إنه قد وُلد جسديًا. لأنه لم يولد أولاً إنسانًا عاديًا من العذراء القديسة ثم بعد ذلك حلّ عليه الكلمة، بل إذ قد اتحد بالجسد الذي من أحشائها، فيقال إن الكلمة قد قَبِلَ الولادة الجسدية، لكي ينسب إلى نفسه ولادة جسده الخاص.

 

          5 ـ وهكذا نقول إنه أيضًا تألم وقام، ليس أن كلمة الله تألم في طبيعته الخاصة أو ضُرِبَ أو طُعِنَ أو قَبِلَ الجروح الأخرى، لأن الإلهى غير قابل للتألم حيث أنه غير جسمى. لكن حيث أن جسده الخاص، الذي وُلِد عانى هذه الأمور، فإنه يقال إنه هو نفسه أيضًا قد عانى هذه الأمور لأجلنا. لأن ذلك الذي هو غير قابل للآلام كان في الجسد المتألم. وعلى نفس النسق نفكر أيضًا عن موته. إن كلمة الله حسب الطبيعة غير مائت وغير فاسد لكونه هو الحياة ومعطى الحياة. ولكن بسبب أن جسده الخاص ذاق بنعمة الله الموت لأجل الجميع كما يقول بولس[5]، لذلك يقال إنه هو نفسه قد عانى الموت لأجلنا. لأنه فيما يخص طبيعة الكلمة، فهو لم يختبر الموت، لأنه يكون من الجنون أن يقول أحد أو يفكر هكذا، ولكن، كما قلت على وجه الدقة، فإن جسده ذاق الموت. وهكذا أيضًا عندما أرجع الحياة إلى جسده، يقال أنه قام، ليس كما لو أنه تعرض للفساد، حاشا، بل أن جسده قام ثانية.

 

          6 ـ وهكذا فنحن نعترف بمسيح واحد ورب، ليس أننا نعبد إنسانًا مع الكلمة، حتى لا يظهر أن هناك انقسامًا باستعمال لفظة “مع” ولكننا نعبد واحدًا هو نفسه الرب حيث أن جسده لا يخص غير الكلمة الذي باتحاده به يجلس عن يمين أبيه. ليس كإبنين يجلسان مع الآب، بل كابن واحد متحد مع جسده الخاص. ولكن إذا رفضنا الاتحاد الأقنومى سواء بسبب تعذر إدراكه، أو بسبب عدم قبوله، نسقط في التعليم بإبنبن. لأنه توجد كل الضرورة للتمييز وللقول إنه من ناحية، كإنسان ذى وضع منفرد كُرِّم بصفة خاصة بتسميته “الابن”، وأيضًا من ناحية أخرى، فإن كلمة الله في وضع منفرد يملك بالطبيعة كلاً من اسم البنوة وحقيقتها. لذلك فإن الرب الواحد يسوع المسيح لا ينبغى أن يُقسَّم إلى ابنين.

 

          7 ـ إنه لن يكون نافعًا بأى طريقة، أن يكون التعليم الصحيح للإيمان هكذا، حتى لو أقر البعض بالاتحاد بين الأشخاص. لأن الكتاب لم يقل أن الكلمة قد وَحّد شخصًا من البشر بنفسه، بل أنه صار جسدًا[6] والكلمة إذ قد صار جسدًا لا يكون آخر. إنه اتخذ دمًا ولحمًا مثلنا. إنه جعل جسدنا خاصًا به، وولد إنسانًا من امرأة بدون أن يفقد لاهوته ولا كونه مولودًا من الله الآب، ولكن في اتخاذه جسدًا ظل كما هو. إن تعليم الإيمان الصحيح يحتفظ بهذا في كل مكان. وهكذا سوف نجد أن الآباء القديسين قد فكروا بهذه الطريقة. وهذا لم يترددوا في تسمية العذراء القديسة بوالدة الإله. وهم لم يقولوا إن طبيعة الكلمة أى لاهوته أخذ بداية وجوده من العذراء القديسة، بل أن جسده المقدس، المُحيىّ بنفس عاقلة، قد ولد منها، الذي به إذ اتحد الكلمة أقنوميًا، يقال عن الكلمة إنه وُلد حسب الجسد. وأنا أكتب هذه الأمور الآن بدافع المحبة التى في المسيح، حاثا إياك كأخ وداعيًا لك أن تشهد أمام الله وملائكته المختارين أنك تفكر وتعلم بهذه التعاليم معنا، لكي يُحفَظ سلام الكنائس سالمًا وتستمر رابطة الوفاق والمحبة غير منفصمة بين كهنة الله.

 

          8 ـ سلم على الاخوة الذين معك “الاخوة الذين معنا يسلمون عليكم في المسيح “[7] .

[1] أنظر يو 13:13

[2] أنظر مت 6:18

[3] أنظر 2كو 5:13

[4] أى مجمع نيقية

[5] أنظر عب 9:2

[6] يو 14:1

[7] الرسالة 4 أطلق عليها اسم “الرسالة العقائدية” وقد تمت الموافقة عليها بالإجماع في الجلسة الأولى لمجمع أفسس المسكونى الثالث في 2 يونيو 431م . ووافق عليها ليون بابا روما سنة450 م. وأقرها أيضًا مجمع خلقيدونية 451م ومجمع القسطنطينية سنة 553م. أنظر كواستن 133:3       Quasten 3:133 .

 

الرسالة رقم 4 من رسائل القديس كيرلس الاسكندرى إلى نسطور ويوحنا الأنطاكي

مجمع أفسس عام 431م وعلاقته بمجمع خلقيدونية

مجمع أفسس عام 431م وعلاقته بمجمع خلقيدونية

مجمع أفسس عام 431م وعلاقته بمجمع خلقيدونية

(أ) بعض الملاحظات التمهيدية:

في مجال الخلاف بين التقليد اللاهوتي السكندري والأنطاكي، كان مجمع أفسس يعتبر انتصاراً حاسماً للسكندريين. ولم يقدم هذا المجمع أي تعريف عقائدي (نص إقرار إيمان)، ولكنه أدان نسطوريوس أسقف القسطنطينية على أساس أن تعليمه يتعارض مع إيمان نيقية الذي أكدَّ على أن يسوع المسيح هو الله الابن، الأزلي، الذي له ذات الجوهر الواحد مع الآب، الذي تجسد وتأنس من مريم العذراء بالروح القدس.

وكان قادة الجانب السكندري ـ كما أظهر جريلميير (Aloys Grillmeier) ـ يفسِّرون اعتراف الإيمان النيقاوي على أساس تعليمهم الخريستولوجي الذي يُطلق عليه ’خريستولوجي (الكلمة ـ جسد)‘* (‘Word-flesh’ Christology).[1] وكان أبوليناريوس (Apollinarius) أسقف اللاذقية قد حاول في السبعينات من القرن الرابع أن يضع منهجاً لهذا التعليم الخريستولوجي على طريقته الخاصة.

وإذ كان كل همه هو الحفاظ على وحدة الفادي في ضوء مفاهيم نيقية، فقد أصرَّ على أن المسيح هو هيبوستاسيس واحد[2] وطبيعة واحدة، وأن كل شيء سُجل عنه (في الإنجيل) قد أتمه الله الكلمة أو الله الابن. وتمشياً مع هذا الخط من التفكير، أنكر أبوليناريوس وجود ’المبدأ العاقل الإنساني‘* في جسد المسيح، وقد تم الحكم على وجهة نظر أبوليناريوس بالهرطقة وأُدين من جميع الأطراف.

وعلى الرغم من ذلك استمر السكندريون في تمسكهم بالمصطلحات التي استخدمها أبوليناريوس، حيث احتفظوا بتعبير ’طبيعة واحدة‘ وتعبير ’هيبوستاسيس واحد‘، كما احتفظوا كذلك بتأكيدهم على أن أقوال وأفعال المسيح كانت تعبيرات (expressions) لأقنومه الواحد.[3]

أما الأنطاكيون على الجانب الآخر، فلم يقبلوا الأسلوب السكندري في استخدام الكلمات والتعبيرات (phraseology)، والذي كان قد استخدمه مذهب أبوليناريوس. وكان تعليمهم الخريستولوجي يُطلق عليه ’خريستولوجي (الكلمة – إنسان)‘* (‘Word-man’ Christology)[4] والذي كان قد أسسه ثيؤدور أسقف مبسويستيا (Theodore of Mopsuestia) في كيليكيا الذي مات عام 428م. وقد نجح ثيؤدور بالفعل في استبعاد الأبولينارية، ولكنه لم ينجح في تأكيد وحدة المسيح بطريقة مرضية.[5]

وهكذا وفي أثناء الربع الأول من القرن الخامس، صار هناك نوعان من التعليم الخريستولوجي في الشرق وكان كل منهما يؤكد تواصله مع إيمان نيقية ويعبِّر عن رفضه للأبولينارية، ولكن مع ذلك لم يكن لأي منهما فكرة حقيقية عن الآخر.[6] فالأنطاكيون على سبيل المثال، قد يخلطون بسهولة بين التقليد السكندري والأبولينارية، والسكندريون كذلك قد لا يرون إلاّ عقيدة وجود ’ابنين‘ في التقليد الأنطاكي.

 

(ب) الصدام بين نوعي التعليم الخريستولوجي:

كان نسطوريوس رجلاً تربى على التقليد الخريستولوجي الأنطاكي الذي يرتكز على ’خريستولوجي (الكلمة – إنسان)‘ (‘Word-man’ Christology)، وقد صار بطريركاً على القسطنطينية في 10 أبريل عام 428م. وبعد ذلك ببضعة شهور، قدَّم كاهنه أنسطاسيوس (Anastasius) عظة انتقد فيها استخدام لقب “والدة الإله ـ θεοτόκος” التي أطلقه الكثيرون في الكنيسة على العذراء (مريم) منذ حوالي القرن الثاني.[7] وعلى عكس التوقع الشعبي، أيَّد نسطوريوس نفسه الكاهن أنسطاسيوس.

وعندما تم إبلاغ البابا كيرلس بطريرك الكرسي السكندري بالحادثة، كتب أولاً رسالة تمهيدية تلاها برسالة عقائدية يُشار إليها عادة بالرسالة الثانية لكيرلس إلى نسطوريوس.[8] وقد حاول ق. كيرلس أن يقنع بطريرك الكرسي البيزنطي بأن مصطلح “والدة الإله ـ θεοτόκος” له تأثير هام على إيمان الكنيسة.

ودفع ق. كيرلس بأن قانون الإيمان  النيقاوي ـ معيار الأرثوذوكسية الحصين ـ يؤكد أن الله الابن نفسه “نزل، وتجسد، وعاش كإنسان، وتألم، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السموات”، ومن هنا فإن الله الابن (في حالته المتجسدة) كان هو الشخص الفاعل (subject) في حياة المسيح. ولا يعني هذا رغم ذلك، أن الله الابن قد تغير إلى إنسان، ولكن يؤكد أنه بكونه قد “وحَّد بنفسه، في شخصه الذاتي، جسداً مُحيَّاً بروح عاقل”، فإن الله الابن “قد صار إنساناً، ودُعي ابن الإنسان”.

وبهذا الاتحاد، إنجمعت الطبيعتان الإلهية والإنسانية ـ والتي تختلف كل منهما عن الأخرى ـ في الرب الواحد يسوع المسيح، في وحدة غير قابلة للانقسام. وحيث إن الله الابن الأزلي، قد وحَّده (أي الجسد) بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً)[9] منذ  اللحظة الأولى للحبل به في رحم العذراء، فتكون العذراء قد ولدت الله الابن المتجسد، وبالتالي فإنها تُدعى والدة الإله (ثيؤطوكس)، ويصبح لهذا اللقب مركزاً محورياً في أي تعليم خريستولوجي صحيح.

ورفض نسطوريوس أن يقبل الإرشاد، وشرع يتهم ق. كيرلس بتعليم الهرطقة، مما أدى إلى ازدياد الفجوة بين الرجلين. وفي نفس الوقت، كان مهاجمة نسطوريوس للقب “والدة الإله ـ θεοτόκος” قد أثار انتباه كل من البابا كليستين (Coelestine) بابا روما والبطريرك يوحنا الأنطاكي، فعقد الأول مجمعاً في روما* وقرر الوقوف ضد نسطوريوس، كما قام الأخير بنصح صديقه (نسطوريوس) أن يقبل هذا اللقب (والدة الإله) لينهي تلك الأزمة، ولكن نسطوريوس لم يكن عازماً أن يأخذ بنصيحته.

وهنا بدأ ق. كيرلس ـ الذي شكك بطريرك القسطنطينية في أرثوذكسيته ـ يعد نفسه لمواجهة جادة حول ذلك الأمر. وإذ تأكد من تعاطف بابا روما مع موقفه، دعا إلى مجمع (في الإسكندرية عام 430م) وحدد فيه إثني عشر حرماً لكي يقرِّها نسطوريوس، الذي كان تلقائياً بمقتضى هذه الحروم (وبحسب تعليمه السابق) ينبغي أن يكون محروماً.

وكانت هذه الحروم هي عبارات صارمة تعبِّر عن ’خريستولوجي (الكلمة – جسد)‘ (‘Word-flesh’ Christology) السكندري، وتقدِّم الأفكار الموجودة في الرسالة الثانية (لكيرلس إلى نسطوريوس) بصورة أكثر وضوحاً.

وأُرسلت هذه الحروم إلى نسطوريوس ومعها رسالة توضيحية وهي التي تُعرف بالرسالة الثالثة لكيرلس إلى نسطوريوس،[10] وكانت هذه الوثيقة تُصِّر على أن اتحاد الطبيعتين لم يكن فقط اتحاداً هيبوستاسياً (أقنومياً)، ولكنه أيضاً هو طبيعة واحدة، كما أكدَّت هذه الرسالة كذلك على أن “كلا الأقوال الإنسانية والأقوال الإلهية قد قيلت بواسطة شخص واحد”،[11] وقد وُضعت نفس هذه النقطة في الحرم الرابع من الحروم الإثني عشر.

وهكذا كان ق. كيرلس يقبل نفس المبادئ الثلاثة التي أكدها أبوليناريوس (مع اختلاف الأساس اللاهوتي بينهما)، ولكنه في نفس الوقت أوضح بصورة قاطعة أن ناسوت المسيح كان له روح عاقل. وكان رد نسطوريوس على هذه الرسالة هو الرفض أيضاً.

 

(ج) إدانة نسطوريوس:

دعا الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني إلى عقد مجمع لتسوية النزاع. وكانت أولى جلسات المجمع يوم 22 يونيو 431م حيث تأخرت عدة أيام عن الموعد الذي كان محدداً من قبل (7 يونيو). وكان هذا التأخير نتيجة عدم تمكن البطريرك يوحنا الأنطاكي والأساقفة المرافقين له من الوصول إلى أفسس في الموعد المحدد، ومع ذلك لم يتم تأجيل المجمع لحين وصولهم ولكنه بدأ بدون يوحنا وبقية الوفد الأنطاكي، مما جعل المندوب الإمبراطوري كانديديان (Candidian) يعترض ويغادر المجمع.

ورأس المجمع البابا كيرلس نفسه، وكان هناك مائتا عضو يحضرون الجلسات، وقد قام المجمع على الفور بتناول القضية المتعلقة بنسطوريوس. وحيث إنه لم يكن حاضراً هناك تمت دعوته رسمياً ولكنه رفض الحضور، فابتدأ المجمع في فحص الكتابات التي كان قد تم تبادلها بينه وبين ق. كيرلس بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الأدلة.

وتوصَّل المجمع في النهاية إلى قراره بإدانة نسطوريوس بتهمة الهرطقة، ولتوضيح إيمان الكنيسة الذي في ضوئه تم اتخاذ هذا القرار، أعلن المجمع تأييده الشديد لرسالة ق. كيرلس الثانية إلى نسطوريوس، كما وافق كذلك على الرسالة (الثالثة) مع الحروم باعتبارها وثيقة مقبولة.[12]

وفي يوم 26 يونيو وصل الوفد الأنطاكي الذي كان من المتوقع تأخر وصوله، وحين رأوا أن نسطوريوس قد تمت إدانته بالفعل، وأن الفكر اللاهوتي السكندري ـ الذي انعكس في رسائل ق. كيرلس ـ قد تم تأكيد أرثوذوكسيته، امتلأوا من الغضب واحتجوا على قرار المجمع، وقاموا بعقد مجمع مضاد برئاسة يوحنا الأنطاكي حضره ثلاثة وأربعون عضواً، وتبنى هذا الاجتماع حكماً بعزل البابا كيرلس السكندري وممنون (Memnon) أسقف أفسس، وكل الذين قبلوا حروم ق. كيرلس الإثني عشر.

ورفع كل جانب دعواه إلى الإمبراطور ساعياً لكسب تأييده. وتأزم الأمر جداً، لدرجة أن المجمع نفسه امتد إلى 11 سبتمبر من نفس العام، وفي ذلك الحين أعطى الإمبراطور أوامره بعزل كل من ق. كيرلس وممنون ونسطوريوس، ولكن بعد ذلك بفترة قصيرة أُعيد ق. كيرلس وممنون وأُرسل نسطوريوس إلى دير إيبريبيوس (Euprepius).

وفي عام 435م نُفي نسطوريوس إلى البتراء (Petra) في صحراء العربية (الأردن حالياً)، وبعد ذلك إلى صحراء مصر حيث مات هناك حوالي عام 449م. وبهذه الطريقة تمت إدانة نسطوريوس وهو اللاهوتي الأنطاكي الذي كان يؤمن بـ ’خريستولوجي (الكلمة – إنسان)‘ (‘Word-man’ Christology)، وذلك ببساطة لأنه ظل متمسكاً بشدة بفهمه للتقليد اللاهوتي الأنطاكي، ومن الجدبر بالذكر أن الأرثوذوكسية السكندرية كانت هي الأساس الذي بُني عليه الحكم بإدانته.

 

(د) إعادة الوحدة عام 433م:

غير أن التخلص من نسطوريوس لم يحل المشكلة بين الطرفين، فقد كانت أواصر الشركة قد تحطمت بينهما. وحاول الإمبراطور نفسه استخدام نفوذه ليعيد السلام وبالفعل أتت جهوده بثمارها، ففي عام 433م أرسل البطريرك يوحنا الأنطاكي بولس أسقف حمص إلى الإسكندرية ومعه وثيقة اعتراف بالإيمان،[13] فقبلها البابا كيرلس وأرسل إلى يوحنا رسالته المشهورة (Laeteutur Caeli).[14]

وتضمَّنت هذه الرسالة فقرة من اعتراف يوحنا الأنطاكي تؤكد على وحدة شخص المسيح والإستمرارية غير المختلطة للاهوت والناسوت فيه.* وتذكر هذه الفقرة أن “ربنا يسوع المسيح هو في آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل، .. وأنه مولود من الآب قبل كل الدهور بحسب لاهوته، وأنه هو نفسه في الأيام الأخيرة … وُلد من العذراء بحسب ناسوته، وهو نفسه له ذات الجوهر الواحد مع الآب، وله ذات الجوهر الواحد معنا”.

وينبغي علينا هنا أن نذكر الظروف التي تمت فيها إعادة الوحدة. وكان الأنطاكيون قد أثاروا ثلاثة اعتراضات ضد مجمع أفسس هي: (1) أن الموقف اللاهوتي للبابا كيرلس ـ كما يظهر في كتاباته وبالأخص في الحروم الإثني عشر ـ هو موقف هرطوقي؛ (2) أن نسطوريوس لم يكن هرطوقياً، وبالتالي فإن إدانته كانت غير مبررة؛ (3) أن مجمع أفسس الذي أعلن أن الأول (أي كيرلس) أرثوذكسي، وحكم بإدانة الثاني (أي نسطوريوس)، كان تجمعاً هرطوقياً.

وكان الاعتراض الأول هو بالفعل أهم تلك الاعتراضات الثلاثة، وقد حاول الأنطاكيون بشدة أن يجعلوا البابا كيرلس يسحب كتاباته، وبالأخص حرومه الإثني عشر، ولكن البابا كيرلس ـ وبدون التخلي عن هذه النقطة ـ  وجَّه الأنطاكيين إلى تفسيره الخاص لهذه الحروم،[15] وأظهر لهم أنها لا تتضمَّن أي أفكار هرطوقية، بل كانت تهدف ـ كما قال ـ إلى تجنب “فساد الهرطقة النسطورية”.

وقد اقتنع يوحنا والأنطاكيون بطريقة تفكير البابا كيرلس، كما أن البابا كيرلس من جانبه لم يصِّر على ضرورة القبول الكامل لأي من كتاباته كشرط لإعادة الوحدة. وهكذا، بالرغم من أن الأنطاكيين لم يقبلوا الحروم بصورة إيجابية، إلاّ أنهم اتفقوا على أن كيرلس صاحب تلك الحروم كان أرثوذكسياً. أما بالنسبة للاعتراضين الثاني والثالث، فقد أيد الأنطاكيون إدانة نسطوريوس ووافقوا على قبول مجمع عام 431م بدون أية شروط.[16]

وقد تحرك يوحنا أيضاً عن الموقف التقليدي الأنطاكي في نقطة رابعة (بالإضافة للاعتراضات الثلاثة التي رجع عنها الأنطاكيون)، فالأنطاكيون كانوا ـ على الأقل منذ أيام ثيئودور أسقف مبسويستيا ـ  يعترفون بأن مريم العذراء هي بالطبيعة فقط ’أنثروبوطوكس‘ أو ’خريستوطوكس‘ كما يمكن الإشارة إليها أيضاً بلقب ’ثيؤطوكس‘ لأن الإنسان الذي حملته كان يسكنه الله.[17] أما الآن فقد وافق البطريرك الأنطاكي أن يؤكد على أن العذراء هي ’ثيؤطوكس‘ (والدة الإله) بدون إضافة أي من المصطلحات الأخرى.[18]

وهناك عبارة واحدة في اعتراف يوحنا الأنطاكي كان من الممكن أن تكون لها عواقب بعيدة المدى وهي: “وفيما يخص أقوال البشيرين والرسل عن الرب، فنحن نعرف أن اللاهوتيين يجعلون بعضاً منها عاماً باعتبارها تخص شخص واحد، ويميزون البعض الآخر باعتبارها تخص طبيعتين، فيفسرون تلك التي تليق بالله بأنها تخص لاهوت المسيح، أما تلك المتواضعة فتخص ناسوته”.

ومن الواضح أن هذه العبارة كانت لتخفيف الصعوبة التي أحس بها الأنطاكيون بالنسبة للحرم الرابع،[19] ولكن العبارة في الحقيقة لا تتعارض مع موقف ق. كيرلس، لأنها تؤكد فقط أن اللاهوتيين يميِّزون الأمور التي تخص ربنا بثلاثة طرق. وتتصف هذه العبارة بالحذر الشديد، فهي لم تقل أن المسيح كائن في ثلاث مراكز للوجود والفعل، ولكنها قالت فقط أن أقوال وأعمال المسيح من الممكن تمييزها بثلاث طرق.

وكما سنرى فإن ق. كيرلس نفسه كان قد أعطى تعليماً يمكن أن يقبل هذه الاحتمالية، فقد رأى أننا في تأملنا للمسيح، يمكننا أن نميِّز في أذهاننا بعض كلمات وأفعال المسيح باعتبارها إلهية وبعضها الآخر باعتبارها إنسانية.

ومن هنا فإن الفحص المتأني للحقائق سوف يُظهر شرعية وجهة النظر السكندرية التي ترى أن صيغة إعادة الوحدة لا تلغي أي قرار من قرارات مجمع عام 431م، وإنما ساعدت رجال، من الذين كانوا يجدون صعوبات في مسألة الحروم مثل يوحنا الأنطاكي، لكي يقبلوا المجمع بدون ضغط زائد على قناعاتهم.

(هـ) موقف الجانبين في إيجاز:

كان السكندريون يؤمنون أن الله الابن تجسد من العذراء مريم بالروح القدس، وفي التجسد وحَّد الابن بنفسه ناسوتاً حقيقياً وكاملاً له روح عاقل خاص به. وبهذه الطريقة، قبل الله الابن في نفسه حالةً متجسدةً، اتحد فيها اللاهوت والناسوت في شخص واحد هو ربنا يسوع المسيح. والطبيعتان الإلهية والإنسانية متحدتان فيه بدون أن تتغير أي منهما إلى الأخرى، وبدون أن تكوِّنا معاً شيئاً (جديداً) ثالثاً (tertium quid). وكان هذا الشخص الواحد هو الذي يتكلم الأقوال وينجز الأفعال التي سُجلت عن المسيح في البشائر.

ولكن حينما نتأمل في المسيح بأذهاننا يمكننا حينئذ أن نقول عن بعض تلك الكلمات والأفعال أنها إلهية، وعن البعض الآخر أنها إنسانية. وكانت قوة هذا الموقف السكندري تكمن في تأكيده وتركيزه على وحدة المسيح.

وقدَّم السكندريون عدداً من المصطلحات اللاهوتية لكي يؤكدوا بها موقفهم اللاهوتي.

فأولاً، أقروا أن الاتحاد كان ’من طبيعتين‘، موضحين أن الناسوت أُحضر إلى الوجود فقط في الاتحاد مع الله الابن، وأنه (أي الناسوت) لم يتعرض في الاتحاد لأي تغيير أو نقصان.

ثانياً، هذا الاتحاد كان اتحاداً هيبوستاسياً (أقنومياً) وطبيعياً، وهو اتحاد حقيقي وداخلي. وكان السكندريون يريدون بذلك أن يستبعدوا فكرة أن يسوع الناصري كان مجرد إنسان عاش في شركة حميمة مع الله الابن.

ثالثاً، بما أن الاتحاد كان هيبوستاسياً وطبيعياً، فإن المسيح هو هيبوستاسيس ’واحد‘ وطبيعة ’واحدة‘ متجسدة لله الكلمة، وكلمة ’واحد‘ هنا سواء بالنسبة للهيبوستاسيس أو للطبيعة لا تعني واحداً بسيطاً (مفرداً) ولكنه واحد ’مركب‘.[20] وقد استخدم السكندريون عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كأداة لغوية ملائمة تؤكد مفهومهم عن وحدة المسيح.

رابعاً، إن المسيح هو في آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل، وكإنسان كان مثل أي واحد منا مع استثناء وحيد هو أنه بلا خطية. وكان السكندريون يصرون على أنه لا ينبغي الحديث عن المسيح بكونه ’طبيعتين بعد الاتحاد‘، أو أنه كائن ’في طبيعتين‘،[21] لأن هذا الأمر قد يحمل ضمنياً معنى أن الاتحاد كان شيئاً خارجياً، وبالتالي يكون المسيح مجرد شخص مثل واحد من القديسين أو الأنبياء.

أما الأنطاكيون على الجانب الآخر، فقد كانت الفكرة المحورية في تعليمهم الخريستولوجي هي أن المسيح ’طبيعتين بعد الاتحاد‘،[22] ولكنهم في نفس الوقت، لم يؤمنوا بأن المسيح كان فقط مثل أي قديس أو نبي. وقد أكد الأنطاكيون أيضاً أنه كان هناك اتحاد بين الطبيعتين، ولكنهم لم يقبلوا التفسير السكندري للاتحاد، فبينما رأى السكندريون أنه اتحاد في الهيبوستاسيس، كان الأنطاكيون يرون أنه اتحاد في البروسوبون.[23]

فالحقيقة إذن أنه بعد النزاع مع الأبولينارية، سعى كل جانب من الجانبين السكندري والأنطاكي لبناء موقف خريستولوجي خاص به، ولكن لم يتفق الجانبان معاً في تفسيراتهما الخاصة.

* أي المبني على أساس مفهوم أن الكلمة صار جسداً

[1] لقد ذكر جريلميير في كتابه (Grillmeier: op. cit., pp. 193-f.) أن السكندريين اعتمدوا على العبارة التي وردت في إنجيل يوحنا (1: 14) “والكلمة صار جسداً وسكن بيننا” لكي يؤكدوا وحدة المسيح من خلال منطق ’الكلمة – جسد‘

[2] سيتم شرح مصطلح هيبوستاسيس بالتفصيل في صفحة وما يليها ولكن المعنى المبدئي الذي نستطيع أن نذكره هنا أنه هو (الكيان) الخاص المحدد وبالتالي فهو الشخص.

لدراسة موضوع ’الأبولينارية‘ بالتفصيل ارجع إلى:

(J. N. D. Kelly, Early Christian Doctrines, op. cit., pp. 289f; Grillmeier, Christ in Christian Tradition, op. cit., pp. 220f)

* أي الروح الإنسانية العاقلة

[3] كان التشابه في المصطلحات بين السكندريين والأبولينارية (رغم اختلاف المفهوم وراء هذه المصطلحات لدى كل منهما) هو أحد الأسباب التي دعت الأنطاكيين إلى مهاجمتهم.

* أي المبني على أساس مفهوم أن الكلمة اتخذ إنساناً

[4] كان مرجعنا هنا أيضاً هو جريلميير.

[5] تم في الفترة الأخيرة نشر عدة دراسات عن التعليم الخريستولوجي عند ثيؤدور وقد تعرضنا لهذا الموضوع في صفحة وما يليها حيث قدمنا ملخصاً عن تعاليمه.

[6] لقد ذكر فرانسيس سوليفان (Francis A. Sullivan) هذه الحقيقة في كتابه:

(The Christology of Theodore of Mopsuestia, Rome, 1965) 

[7] للإطلاع على ملخص تاريخي عن هذا المصطلح، انظر مجموعة “آباء نيقية وما بعد نيقية” السلسلة الثانية، مجلد 14 صفحة 208.

[8] يمكن الإطلاع على الرسالة الثانية للقديس كيرلس إلى نسطوريوس في:

 (T. H. Bindley, The Oecumenical Documents of the Faith, Methuen)

[9] لمزيد من الشرح حول ’الاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)‘ انظر صفحة وما يليها.

* عٌقد هذا المجمع عام 430 م.

[10] للإطلاع على هذه الوثيقة انظر أيضاً المرجع السابق:  (T. H. Bindley)

[11] يقول ق. كيرلس “وحيث إنه اتحد بحسب الطبيعة، ولم يتحول إلى جسد”، فإن الله الابن سكن فينا بنفس الطريقة التي يسكن بها روح الإنسان في الجسد. ورداً على الذين انتقدوا ذلك المعنى، شرح ق. كيرلس العبارة وقال أن الاتحاد كان حقيقياً وصادقاً. وبالنسبة للهيبوستاسيس الواحد، أوضح أنه كان الهيبوستاسيس المتجسد الواحد للكلمة.

[12] لم يرد في وقائع جلسات المجمع ـ والتي لم تكن في الحقيقة كاملة ـ أي ذكر لهذه الرسالة الثالثة، وعلى هذا الأساس تساءل البعض عما إذا كانت تلك الرسالة قد قُبلت بالفعل في مجمع عام 431م. وسيظهر لنا فيما بعد أن التاريخ اللاحق للجدل الخريستولوجي قد أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن تلك الرسالة قد قُبلت بالفعل من قبل المجمع.

[13] هناك رأي يرى أن تلك الوثيقة كانت هي إعتراف الإيمان الذي قدمه الأنطاكيون للإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني عام 431م وأنها من وضع ثيؤدوريت أسقف قورش. انظر:

(J. Tixorent, History of Dogma, Herder, 1916, vol. III, p. 47, n. 131).

[14] هذه الوثيقة التي عادة ما يُشار إليها بـ ’صيغة إعادة الوحدة عام 433م‘ نجدها في المرجع السابق:

(T. H. Bindley, The Oecumenical Documents of the Faith)

* رغم أن كلمة كلمة ’استمرارية‘ في عبارة “الاستمرارية غير المختلطة للاهوت والناسوت فيه” قد توحي بالوجود المسبق لللاهوت والناسوت قبل الاتحاد، لكن المقصود بها هو “الوجود غير المختلط للاهوت والناسوت فيه”، لأن الوجود المسبق لا ينطبق إلاّ على اللاهوت فقط إنما الناسوت فقد وُجد في الإتحاد. لذلك فكلمة استمرارية هنا تُستخدم لتعني أنه لم يحدث أي تغيير أو زوال لأي منهما في الإتحاد وأنهما استمرا بغير اختلاط أيضاً في الاتحاد.

[15] كان البابا كيرلس يدرك أن للأنطاكيين اعتراضات شديدة على حرومه الإثني عشر، لذلك كتب تفسيراً لتلك الوثيقة حينما كان في السجن بعد أمر ثيؤدوسيوس الثاني بعزله مع ممنون ونسطوريوس. ومع ذلك كتب كل ثيؤدوريت أسقف قورش وأندراوس أسقف سموساطا يفندان تلك الحروم، وقد كتب البابا كيرلس رده على كل منهما على حدة.

[16] ذكر البابا كيرلس هذه الأمور في رسائله إلى أكاكيوس أسقف ميليتين وفالريان أسقف إيقونيوم وسكسينسوس أسقف ديوقيصرية.

[17] إن مصطلح ’أنثروبوطوكس‘ يعني ’والدة الإنسان‘، ومصطلح ’خريستوطوكس‘ يعني ’والدة المسيح‘، ومصطلح ’ثيؤطوكس‘ يعني ’والدة الإله‘.

[18] كتب البابا كيرلس إلى فالريان أسقف إيقونيوم: “لأنهم (أي الأنطاكيين) يعترفون أيضاً ـ كما نفعل نحن ـ بأن العذراء القديسة هي ’ثيؤطوكس‘، بدون إضافة أنها ’خريستوطوكس‘ أو ’أنثروبوطوكس‘ التي كان يقولها نسطوريوس”.

[19] يقول الحرم الرابع: “إذا نسب أحد، كلمات الإنجيليين أو الكتابات الرسولية سواء تلك التي قالها القديسون عن المسيح أو التي قالها هو عن نفسه، إلى شخصين أو هيبوستاسيسين (أقنومين)، ناسباً بعضها كما لو كان إلى إنسان منفصل عن الله، وناسباً البعض الآخر الذي يلائم الله كما لو كان إلى الكلمة وحده الذي من الله الآب، فليكن محروماً”.

[20] يرى جون ماكينتير (John McIntyre) أن مفهوم ’هيبوستاسيس مركب‘ من وضع إفرايم الأنطاكي في القرن السادس

(The shape of Christology, S.C.M., 1966, p. 100)، ولكن هذه المقولة خاطئة تماماً.

[21] هذه الحقيقة أكدها الدارسون أمثال بول جالتييه كما جاء في بحثه:

(Saint Cyrille d’Alexandrie et Saint Leon le Grand a Chalcedone – Das Konzil von Chalkedon, op. cit., vol. 1.)

[22] انظر الجزء الخاص بمناقشة الخريستولوجي الأنطاكي صفحة  وما يليها.

[23] يُترجم ’البروسوبون‘ مثل ’الهيبوستاسيس‘ بمعنى ’الشخص‘، ولكن ’البروسوبون‘ لا يعني الشخص بالمعنى الكامل للمصطلح، وإنما يدل على الناحية الخارجية للكائن التي تميِّز الواحد عن الآخر. انظر هذا الموضوع بالتفصيل في صفحة  وما يليها.

مجمع أفسس عام 431م وعلاقته بمجمع خلقيدونية

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

 

أقدم للأحباء بحث بعنوان ”عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي“، هو عبارة عن بحث في عقيدة التأله بالنعمة في نصوص الكتاب المقدس، وفي كتابات آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، وفي نصوص الليتورجية القبطية والسريانية.
 
يحتوي البحث على النقاط التالية:
١. عقيدة التأله في الكتاب المقدس.
٢. عقيدة التأله عند الآباء اليونانيين.
٣. عقيدة التأله عند الآباء السريان.
٤. عقيدة التأله في الليتورجية السريانية.
٥. عقيدة التأله عند الآباء اللاتين.
٦. التأله غاية خلق الإنسان.
٧. التأله غاية التجسد.
٨. تأله ناسوت المسيح.
٩. الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق.
١٠. الحلول الأقنومي للروح القدس في البشر.
١١. الهرطقة الأفنومية وإنكار الحلول الأقنومي للروح القدس.
١٢. رد آباء الكنيسة على الهرطقة الأفنومية.
١٣. التأله بالأسرار المقدسة.
١٤. عقيدة التأله في الليتورجية القبطية.

عقيدة التأله في اللاهوت الأرثوذكسي – د. أنطون جرجس

تحميل البحث

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا موضوع الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق، هذا النور الذي يتسامى على الإطلاق لا على الحواس فقط، بل وعلى العقل نفسه، نور يلاقيه الذهن البشري ويتطابق معه، عندما يخرج الذهن البشري من ذاته ليصير أفضل مما هو عليه، عندما يتجاوز ذاته (أي الذهن البشري) ويتحد بالله.

سأتحدث عن الوصول إلى حالة الدهش والانخطاف الروحي في تعليم آباء الكنيسة، هذا الدهش والانخطاف الذي يحدث عندما تصلي النفس صلاة عقلية حارة*، وتنال مواهب الروح القدس، وتحقق هذه الصلاة بصورة سرية اتحاد النفس بينبوع هذه المواهب. وننوه بإمكانية نوال مواهب الروح هذه حتى في أوقات عمل الجسد، فالصلاة ليست انسلاخًا (أي ترك) عن الجسد.

يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتي عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق قائلاً:

“إنه ينزل من الأعالي حيث مقره لكيما تدخل إليه – إلى حد ما – الطبيعة المخلوقة”.

Homily 45: 11. PG 36: 637 B.

يتحدث مار اسحاق السرياني عن خبرة معاينة النور الإلهي غير المخلوق، وكيف ندرك هذا النور الإلهي العجيب بعيون نفوسنا الروحية كالتالي:

“إن لنفسنا حدقتين، ولكن النظر الخاص بكل منهما يختلف استعماله عن الآخر. فبإحدى هاتين الحدقتين نعاين أسرار الطبيعة، أعني قوة الله وحكمته وعنايته بنا، وندركها بفضل الجلال الذي يقودنا به. ونعاين بالحدقة الأخرى مجد طبيعته المقدسة حين يرتضي الله إدخالنا إلى الأسرار الروحية”. (عظة ٧٢)

ثم يتحدث مار اسحاق السرياني عن إشراق نور الثالوث القدوس مثل الشمس في نفس الإنسان النقي من الداخل، واستنشاقه للروح القدس كلي القداسة، وتساكنه الطبائع الروحية المقدسة (أي الملائكة) كالتالي:

“الرجل النقي النفس هي داخله. والشمس التي تشرق داخله هي نور الثالوث القدوس. الهواء الذي يستنشقه سكان تلك البلدة هو الروح القدس المعزي وكلي القداسة. والذين يسكنون معه هم الطبائع المقدسة الروحانية. المسيح هو نور نور الآب، هو حياتهم، وفرحهم، وسعادتهم.

مثل هذا الإنسان يبتهج كل ساعة بالرؤى الإلهية داخل نفسه*، ويسحره جمالها الخاص الذي هو بالحق أبهى مئة ضعف من لمعان الشمس نفسها. هذه هي أورشليم وملكوت الله المختفي داخلنا*، كما يقول الرب. هذا العالم هو سحابة مجد الله التي لا يدخلها إلا أنقياء القلب ليروا وجه سيدهم وليستنير عقلهم بشعاع نوره”.

مار اسحاق السرياني، الميامر النسكية، ترجمة: نيافة الانبا سيرافيم، (وداي النطرون: دير العذراء البراموس، ٢٠١٧)، الميمر ١٥، ص٢٢٣.

 

ويتحدث مار اسحاق السرياني عن كيفية الوصول إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق من خلال الصلاة التي نصليها كالتالي:

“وإذ يتخذ الروح القدس مادة من صلاة الإنسان التي يصليها، يتحرك داخله، وتفقد بذلك صلاة الإنسان حركتها أثناء الصلاة، ويرتبك ذهنه، ويُبتلع في الدهش والانذهال*، وينسى حتى الرغبة فيما كان يتوسل بشأنه*. تغطس حركات العقل في سكر عميق، ولا تعد في هذا العالم في مثل هذا الوقت*، لا يوجد تمييز بين النفس والجسد، كما لا يوجد تذكار لأي شيء، تمامًا كما قال العظيم غريغوريوس اللاهوتي: الصلاة هي نقاوة الذهن*، وهي تنتهي فقط بواسطة نور الثالوث القدوس من خلال الدهش والانذهال*.

هل رأيت كيف تنتهي الصلاة من خلال الدهش بالمفاهيم التي ولدتها الصلاة في العقل، كما قلت في بداية هذا الميمر وفي مواضع أخرى عديدة؟ ويكتب أيضًا نفس هذا القديس غريغوريوس: نقاوة العقل هي التحليق السامي والمرتفع للقدرات الذهنية*، وهي تشبه منظر السماء، وهي التي يشرق عليها ومن خلالها نور الثالوث القدوس وقت الصلاة*”.

المرجع السابق، الميمر ٢٣، ص ٢٧٨، ٢٧٩.

 

وهكذا يتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن معاينتنا للنور الإلهي غير المخلوق، وخبرة إشعياء النبي لهذا النور الإلهي في رؤياه كالتالي:

” وهذا نادى ذاك وقال: قدوس، قدوس، قدوس، رب الجنود. مجده ملء كل الأرض (إش٦: ٢، ٣). بالحقيقة هو قدوس لأنه جعل طبيعتنا مستحقة هذه الأسرار الكثيرة والعظيمة*، وصيرنا شركاء هذه الأمور التي لا تُوصف، لقد استوى عليَّ الفزع والرعدة (المقدسة) في أثناء إنشاد هذه التسبحة، وما يدعو للعجب أن هذا يحدث لي أنا الطين* المصنوع من تراب في اللحظة التي فيها حتى القوات السمائية تأخذها الدهشة العظيمة والدائمة؟ لذلك يديرون وجوههم ويغطونها بأجنحتهم كمثل ساتر، لأنهم لا يستطيعون تحمل اللمعان المنبعث من هناك.

وبالرغم من أن المشهد (الرؤيا) – كما يقال- كان يمثل تنازلاً للطبيعة الإلهية*. فلماذا إذًا لا يحتملون؟ فهل تسألني أنا ذلك؟! سل أولئك الذين يريدون أن يفحصوا الطبيعة غير الموصوفة وغير المقترب منها، أولئك الذين يتجرأون على ما لا يمكن التجرؤ منه […] بينما تجاسر الإنسان أن يتكلم أو بالحري أن يفكر بعقله في أنه يقدر أن يتطلع بدقة وبوضوح إلى تلك الطبيعة الإلهية البسيطة”.

يوحنا ذهبي الفم (قديس)، رؤيا إشعياء، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٦)، عظة ٢: ٢، ص ١٠٥، ١٠٦.

 

ويقول ق. يوحنا ذهبي الفم في نفس السياق:

“لأنه يقول: باثنين يُغطي وجهه (إش٦: ٢). كأنهما ستارتان يغطيان وجهه، لأنهم لا يتحملون اللمعان المنبعث من ذلك المجد. وباثنين يغطي رجله (إش٦: ٢) تحت تأثير نفس الانبهار، لأننا أنفسنا عندما يُسلط علينا جسم باهر، فإننا ننكمش ونخفي كل مكان في جسدنا.

ولماذا اتحدث فقط عن الجسد، طالما أن النفس ذاتها، عندما يحدث لها ذلك الأمر في تجلياتها السامية، تجذب كل طاقاتها، ثم تجمع ذاتها ضاغطةً إياها بعمق في الجسد كما لو كان هذا الجسد ملبسًا لها؟ وحين يسمع أحد الاندهاش والانبهار لا يظن أننا نتحدث عن صراع مقزز للنفس، لأنه مع هذا الاندهاش توجد نشوة* ممتزجة به لا تُحتمل من عظمتها. وباثنين يطيرون (إش٦: ٢)، وهذا يدل على أنهم دائمًا يشتهون الأمور العلوية (السمائية) ولا ينظرون إلى أسفل أبدًا”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٧٨، ١٧٩.

ويستطرد ق. يوحنا ذهبي الفم في حديثه عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وحالة الاندهاش والانخطاف الروحي كالتالي:

“لأن الأجسادةالبراقة، وإن كانت منيرة بشكل عظيم، حينئذ فإنها عادةً ما تثير ذهولنا لما نشاهدها للمرة الأولى بعيوننا، ولكن إن واصلنا التطلع فيها أكثر فبالتعود سوف ينتهي اندهاشنا، لأن عيوننا قد اعتادت على تلك الأجساد. لذلك فعندما نرى أيقونة ملوكية، وقد تم تكريسها حديثًا (تجهيزها) وهي تزهو بألوانها، فهي تُثير إعجابنا، ولكن بعد يوم ويومين يزول إعجابنا هذا.

ولكن لماذا أتحدث عن أيقونة ملوكية، طالما أن الأمر ذاته يحدث لنا مع أشعة الشمس، على الرغم من أنه لا يوجد جسم أكثر لمعانًا منها؟ وهكذا فأي جسد بسبب الاعتياد على النظر إليه يذهب الإعجاب به. غير أن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بمجد الله، بل على العكس تمامًا، لأنه كما واصلت تلك القوات (السمائية) في النظر إلى ذلك المجد كلما انبهرت بالأكثر وازداد تعجبها.

لذلك فبالرغم من أنهم يرون ذاك المجد منذ خلقتهم وحتى الآن، فلا يتوقفون عن الصراخ بانبهار، لأن ما نعاني منه، ويحدث لنا في برهة قصيرة من الزمن، عندما يأتي علينا ضياء ساطع، يحدث لتلك القوات القائمة قدامه باستمرار وبلا انقطاع، وبالرغم من ذلك يُظهِرون لذةً ما وتعجبًا.

لأنهم لا يصرخون فقط، بل يفعلون ذلك فيما بينهم، وهذه علامة على اندهاشهم الدائم، وهذا نفسه ما يحدث لنا* عندما نسمع رعدًا أو زلزالاً يهز الأرض، لا نقفز ونصرخ فقط، بل نُسرِع بالهرب الواحد تلو الآخر إلى بيته، وهذا هو ما يفعله السيرافيم، لذلك كل واحد يصرخ نحو الآخر قائلاً: قدوس، قدوس، قدوس”.

المرجع السابق، عظة ٦، ص١٨٠، ١٨١.

وهكذا بعد جولة روحية عميقة وممتعة بين تعاليم آباء الكنيسة عن حالة الاندهاش والانخطاف الروحي التي تحدث لنا في الصلاة، وكيف تصل الصلاة الذهنية بنا إلى الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وغير المحسوس والفائق الوصف، نصلي دائمًا من كل قلوبنا أن نصل إلى هذه الحالة الروحية الجميلة والطوباوية لنتمتع بلمحات من ملكوت الله ونحن سالكون في هذه الحياة الحاضرة المليئة بالمصاعب والضيقات.

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم آباء الكنيسة – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

أزعجني كثيرًا عندما قرأت أن تعليم الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو بدعة يجب محاربتها، وصدمني جدًا هذا الفكر الغريب. التعليم عن الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو في صلب الكتاب المقدس والتعليم الأرثوذكسي، فكيف يتجرأ البعض على دعوته بأنه بدعة؟!

نذكر تجلي إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح بنوره الإلهي غير المخلوق على جبل ثابور أمام تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا وإيليا وموسى، حيث يقول الكتاب:

1 وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَل عَال مُنْفَرِدِينَ. 2 وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ. 3 وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. 4 فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقُولُ لِيَسُوعَ: «يَارَبُّ، جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ ههُنَا فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةٌ، وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ، وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ».  (إنجيل متى4-1:17)

وهكذا ستتجلى أجسادنا بهذا النور العجيب مثل تجلى جسد المسيح أمام تلاميذه في المجد والملكوت.

ولقد اختبر ق. بطرس الرسول النور الإلهي غير المخلوق وشهد عن ذلك قائلاً:

16 لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ. 17 لأَنَّهُ أَخَذَ مِنَ اللهِ الآبِ كَرَامَةً وَمَجْدًا، إِذْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ صَوْتٌ كَهذَا مِنَ الْمَجْدِ الأَسْنَى: «هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي أَنَا سُرِرْتُ بِهِ». 18 وَنَحْنُ سَمِعْنَا هذَا الصَّوْتَ مُقْبِلاً مِنَ السَّمَاءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ فِي الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ.  (رسالة بطرس الثانية18-16:1)

كما أختبر ق. بولس الرسول هذا النور الإلهي غير المخلوق وشهد عنه قائلاً:

6 فَحَدَثَ لِي وَأَنَا ذَاهِبٌ وَمُتَقَرِّبٌ إِلَى دِمَشْقَ أَنَّهُ نَحْوَ نِصْفِ النَّهَارِ، بَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلِي مِنَ السَّمَاءِ نُورٌ عَظِيمٌ. (سفر أعمال الرسل6:22)

كما أختبر ق. استفانوس أول شهداء المسيحية مجد هذا النور الإلهي غير المخلوق وشهد عنه قائلاً:

55 وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ. (سفر أعمال الرسل55:7)

واختبره أيضًا ق. يوحنا الرسول وشهد عنه قائلاً:

5 وَهذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَنُخْبِرُكُمْ بِهِ: إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ. 6 إِنْ قُلْنَا: إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ.  (رسالة يوحنا الأولى6-5:1)

 

فكيف بعد كل هذه الإعلانات الإلهية التي كان التلاميذ والرسل شهود عليها واختبروها أن نقول بعد ذلك على الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق بدعة؟! ألسنا في كارثة يا أخوة؟!

لقد تحدث ق. كيرلس السكندري الذي اختبر الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق وقال عن هذا الاختبار:

“فنحن دُعينا من الظلمة إلى نوره العجيب. وإذا كان هذا حقًا، فالمخلوق ليس حقًا هو النور، بل الابن وحده بالحقيقة وبالضبط هو النور، أما المخلوقات فهي تصير نورًا باشتراكها فيه، ولذلك فهي ليست من ذات طبيعته”.

كيرلس السكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا ج١، ترحمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص ١٠٥.

ثم يتحدث ق. غريغوريوس اللاهوتى عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

” لنصبح نحن نورًا، كما سمع التلاميذ من النور الأعظم قوله لهم: أنتم نور العالم، بل ولنصر كأنوار في العالم، نضيء بين الأمم كما قال بولس الرسول في (في٢: ١٥): نحن قوة حية للآخرين. فلنتخذ شيئًا من الألوهة* ولنقتبس نورًا من النور الأول. لنسر نحو إشعاع هذا النور قبل أن تحجب بيننا وبينه الظلال”.

غريغوريوس اللاهوتي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، ١٩٩٤)، عظة المعمودية والمعمدون، عظة ٤١، ص١٦٠.

ويقول ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق التالي:

“ولكي تتقدموا أنتم كأنوار كاملة أمام النور الكبير، وأن تدخلوا إلى موكب النور النابع من النور الكبير متخذين* من النور الأبهى والأنقى، نور الثالوث الذي قبلتموه صبحًا من أصباح الألوهة الواحدة لشخص ربنا يسوع المسيح”.

المرجع السابق، عظة الظهور الإلهي في المسيح أو عظة عيد الأنوار، عظة ٣٩، ص ١٧٥.

 

كما يتحدث ق. باسيليوس الكبير عن اختبار النور الإلهي غير المخلوق لفهم وإدراك الإلهيات، وإنه بدون الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق لا يمكن أن تفكر النفس بصورة سليمة كالتالي:

“لأنه تمامًا كما هو النور المحسوس بالنسبة للعين، هكذا الله الكلمة بالنسبة إلى النفس، لأن الكتاب المقدس يقول: كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آتيًا إلى العالم (يو١: ٩). وبناءً على ذلك، فإن النفس التي ليس فيها نور، لا تستطيع أن تفكر بشكل صحيح […] وأن يقتربوا من هذه الولادة من خلال إشراقة النور الإلهي”.

باسيليوس الكبير (قديس)، ضد أفنوميوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، ص ١٤٨، ١٤٩.

 

كما يتحدث ق. باسيليوس الكبير في موضع آخر عن اتحادنا وتلامسنا مع بهاء الألوهة والاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“هؤلاء يوصيهم أن يقتربوا من الرب، ويتلامسوا مع بهاء ألوهيته، حتى أنهم بهذا الاقتراب، بعدما يستنيرون بنور الحقيقة، يقبلوا داخلهم هذا النور بواسطة النعمة، وكما هو الحال بالنسبة إلى النور المحسوس، فهو لا يشرق على الجميع بطريقة واحدة، بل يشرق فقط على الذين لهم أعين، وهم في حالة يقظة”.

باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير سفر المزامير ج١، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، العظة السابعة على مز٣٤، ص ٢٢٧، ٢٢٨.

 

وهكذا يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“إن نور الحق يسطع علينا نحن الذين نواصل السير في هذا المساء الهادئ في الحياة، وينير أعين أرواحنا بأشعته. هذا الحق الذي تجلى لموسى بنور غامض لا يُوصف ولا يُنطق به هو الله”.

غريغوريوس النيسي (قديس)، حياة موسى، ترجمة: مجدي فهيم حنا، مراجعة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، ٢٠٢١)، ٢: ١٩، ص ٥٠.

ثم يتحدث ق. غريغوريوس النيسي عن اختبار القديس اسطفانوس للنور الإلهي غير المخلوق، الذي هو مثال لاتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

“كيف رأى اسطفانوس مجد الله؟ مَن الذي فتح له أبواب السماء؟ تُرى هل هذه النعم محصلة قوة إنسانية؟ هل ملاك أصعد طبيعتنا التي كانت تنظر إلى أسفل إلى ذلك السمو؟ لم يحدث أي شيء من كل هذا. فكل ما له علاقة بهذه القصة، لم يذكر شيئًا مثل هذا، بمعنى أن اسطفانوس لم ير ما رأه لأنه كان قويًا للغاية، أو لأنه نال معونة كاملة من الملائكة.

فماذا قال النص الإنجيلي؟ قال: وأما هو فشخص إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس، فرأى مجد الله ويسوع قائمًا عن يمين الله (أع٧: ٥٥). لأنه من غير الممكن، كما يقول داود النبي، أن يرى أحد النور، إن لم يكن قائمًا داخل النور: بنورك نرى نورًا (مز٣٦: ٩). لأنه من المستحيل رؤية النور خارج النور.

أي كيف يمكن للمرء أن يرى الشمس، وهو موجود بعيدًا عن أشعتها؟ لأن نور الابن الوحيد الجنس هو داخل نور الآب، أي داخل الروح القدس المنبثق من الآب، لذا بعدما امتلأ (أي اسطفانوس) أولاً من الروح القدس استنار، حينئذ أدرك مجد الآب والابن”.

غريغوريوس النيسي (قديس) ، اسطفانوس أول شهداء المسيحية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، العظة الأولى، ص ٣٦، ٣٧.

 

ويتحدث أيضًا ق. ديونيسيوس الأريوباغي عن خبرة اتحادنا بالنور الإلهي غير المخلوق كالتالي:

” من جهتي، فهذا ما أصلي به، أما أنت أيها العزيز تيموثاوس، انشغل بشدة بالرؤى السرية، اترك الأنشطة الحسية والذهنية، كل ما يخص الحواس والعقل، كل الموجودات وغير الموجودات (نحيه جانبًا)، وترفع غير مستندًا على معرفة حتى تتحد قدر المستطاع بمَّن هو أعلى من كل جوهر ومن كل معرفة. عندما تصل إلى الدهش*، حيث تتحرر بالكلية من ذاتك، من كل الأشياء، عندما تنزع عنك كل شيء، وتعفي نفسك من كل شيء، سوف ترتفع إلى الشعاع الفائق الجوهر للظلمة الإلهية”.

ديونيسيوس الأريوباغي (المستعار)، اللاهوت الباطني، ترجمة: د. جورج فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٢٠)، ص ١٠٤، ١٠٥.

وهكذا نجد أن تعليم الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق هو تعليم كتابي، ورسولي، وآبائي أرثوذكسي سليم اختبره التلاميذ والرسل وآباء الكنيسة على مر العصور.

يُتبع…

الاتحاد بالنور الإلهي غير المخلوق في تعليم الكتاب والتقليد – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نستكمل معًا أحبائي قراءتنا في فكر الهرطقة النسطورية، ونستعرض كيف يرى نسطوريوس آباء الكنيسة المنادين بالتأله بالنعمة بشكل عام، والقديس كيرلس عمود الدين بشكل خاص، حيث يقول التالي:

“يتميز هؤلاء بالفعل عن المانويين، لأنهم يعترفون حقًا بأن الجسد من طبيعتنا، وإنه لم يكن هيئة schêma الجسد، بل طبيعة الجسد. ولكن البعض من الآخرين الذين يكونون معهم (المشهورين)، لأنهم يعترفون بأن الجسد حقيقي، ولا ينتمي إلى الطبيعة البشرية، بل صار إلهيًا، ومن طبيعة اللاهوت.

فإنهم يتميزون في ذلك، ويسعون بكل قدرتهم إليه. وأولئك الذين يظنون أنهم يخدمون الكنيسة معترفين بأن الجسد من طبيعتنا، ومن أوسيتنا (جوهرنا)، وبالتالي تمييزه معروف لجميع البشر. بشكل عام، فإنهم يتنازعون ويتصارعون مع الجميع: مع المانويين، بخصوص نقطة إنه كان يوجد أوسيا (جوهرًا) وأوسيا (جوهرًا) في الحقيقة، ومع الآخرين، إنه لم يكن من طبيعة الله، بل من طبيعة آبائنا، أما مع الكنيسة، فإنهم يحولون الجسد إلى أوسيا (جوهر) الله.

وبالتالي، لأنهم لا يسمحون للجسد أن يظل في أوسياه (جوهره)، فإنهم يشبهون المانويين بتبديد أوسيا (جوهر) الجسد، ولكنهم يختلفون عنهم في أنهم يقولون أن الله كان بالتمام في هيولي hylê الجسد.

ولكنهم بذلك يحولون فورًا (الجسد) إلى أوسيا (جوهر) الله الكلمة، ويأبون الاعتراف بأن الله كان مع الجسد البشري، ويقبلون بنفس الرأي والشعور، عندما يقصون أوسيا (جوهر) الجسد، كأنما لم يوجد، مصرين سواء على تأليه أوسيا (جوهر) الجسد – أو كما يمكن القول – على جعل أوسيا (جوهر) الله يصير متجسدًا في أوسيا (جوهر) جسد اللاهوت”

(Heraclides 1: 32).

بالطبع هناك العديد من المغالطات في كلام نسطوريوس السالف الذكر، سنبينها ونبين فسادها بحسب اللاهوت الأرثوذكسي بخصوص التأله بالنعمة، والخريستولوجي عامةً:

١. يعترف نسطوريوس أن اللاهوت متحد بالناسوت باتحاد بروسوبوني، أي اتحاد في الهيئة فقط، وليس اتحادًا أقنوميًا كما قال آباء الكنيسة، فيشبه الأرثوذكس الذين يقولون بالاتحاد الأقنومي أنهم مانويون، لأنهم يمزجون ويخلطون الله بالمادة، وهذا بحسب فهمه الخاطئ للاهوت الأرثوذكسي، فلم يقل أحد من آباء الكنيسة باختلاط أو امتزاج الطبائع في المسيح الواحد.

٢. يرفض نسطوريوس فكرة أن يصير الجسد جسدًا إلهيًا، مستنكرًا ذلك، وهو بذلك خالف آباء الكنيسة، لأنه بالفعل في التجسد الإلهي، صار الجسد جسد الله الكلمة كما قال ق. أثناسيوس وغيره من الآباء الأرثوذكس.

٣. يظل نسطوريوس في جهله بسر المسيح كما اسماه ق. كيرلس، ويعتقد بأن القائلين بالتأله بالنعمة يحولون جوهر الجسد إلى جوهر الله، وهذا بعينه ما يقوله البعض في عصرنا الحالي، متهمين زورًا وبهتانًا المؤمنين بعقيدة التأله بالنعمة، أنهم يحولون طبيعة وجوهر الإنسان إلى طبيعة وجوهر الله.

٤.يقول نسطوريوس عبارة في منتهى الخطورة لينكر بها الاتحاد الأقنومي في المسيح، حيث يقول إن “الله كان مع الجسد البشري”، وليس متحدًا به، كما يعتقد. لأنه ينكر الاتحاد الأقنومي الحادث في المسيح الواحد. بل يقول بمجرد مصاحبة الله لجسد بشري.

٥. يتهم نسطوريوس المصرين على عقيدة التأله بالنعمة، إنهم بذلك يفنون ويبددون جوهر الجسد في الاتحاد الأقنومي، وهو مخطئ في ذلك، لأنه مَن مِن آباء الكنيسة قال بذلك، فهذه هي الهرطقة الأوطاخية بعينها. التي ترفضها كنيستنا القبطية الأرثوذكسية بشدة.

٦. وأخيرًا، يستنكر نسطوريوس على الجانب الأرثوذكسي قولهم بأن الله يصير متجسدًا في جسد اللاهوت، أي يستنكر اتحاد الله بالجسد اتحادًا أقنوميًا حقيقيًا، وأن يُنسب الجسد إلى اللاهوت، ويصير جسد اللاهوت. يا له من تخريب وتدمير لسر المسيح!

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج2 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

سنبدأ مع بعض أحبائي دراسة جديدة حول الهرطقة النسطورية من خلال كتاب نسطوريوس “هيراقليدس” الذي كتبه ردًا على ق. كيرلس الكبير أثناء نفيه بعد حرمانه في مجمع أفسس المسكوني.

يرفض نسطوريوس المهرطق بطريرك القسطنطينية المحروم عقيدة التأله بالنعمة التي نادى بها الكتاب المقدس بعهديه، ونادى بها آباء الكنيسة الجامعة. حيث يقول التالي:

“بخصوص ذلك: أولئك الذين يغيرون طبيعة الإنسان إلى الأوسيا (الجوهر) الإلهي جاعلين إضافة إلى الثالوث، سواء في الطبيعة، أو في البروسوبون.

لذلك، إن كانت طبيعة الجسد التي قد تألهت تبقى في الأوسيا (الجوهر)، الذي قد تألهت فيه، فكيف لم يقبل الثالوث إضافةً في الأوسيا (الجوهر)، وفي البروسوبون؟ لأنه لا يوجد أي شيء من الطبيعة البشرية في الثالوث، لا في الآب، ولا في الابن، ولا في الروح القدس، بل يكون (الثالوث) وحده؟ لأنه ما لم يكن معه أزليًا، بل قد تمت إضافته إليه، فقد قَبِل إضافةً.

ولكن كيف يمكن لإضافة أن تُصنع له، ولا تكون إضافةً؟ وهذه هي أيضًا قصة أخرى وخرافة مانوية. ولكن إن ذاك الذي قد أُضيف، لم يصر ما قد كان؟ ولم تتضرر طبيعة البشر من طبيعة اللاهوت كما بنارٍ، وإن كان بذلك لا يقبل الثالوث إضافةً، فلم يعد هذا تجسُدًا، بل إلغاء للتجسُد.

لأن أي شيء يؤدي إلى إلغاء الطبيعة البشرية، وليس بالحفاظ عليها، لا يُسمى “تجسُدًا”، بل يكون مثل شيء ما يوجد في علاقة مع ذاك الذي لا يوجد”.

(Heraclides 1: 34)

نرى بذلك رفض نسطوريوس لعقيدة التأله بالنعمة بحسب التقليد الرسولي والآبائي، لأنه يفهم خطاءً أن التجسُد هو عبارة عن إضافة للطبيعة البشرية إلى الثالوث، وهذا بالطبع ما لم يعلّم به آباء الكنيسة الجامعة بخصوص عقيدة التأله بالنعمة.

كما نجد في عصرنا الحالي مَن يردد كلمات نسطوريوس المهرطق بدون دراية أو وعي رافضًا عقيدة التأله بالنعمة على اعتبار أنها شرك بالله وتعدد آلهة وإدخال للطبيعة البشرية في الثالوث. كما نعتها البعض بالآريوسية الجديدة، وهذا عارٍ تمامًا عن الصحة.

نسطوريوس: التجسد ليس تأليها ج1 – د. أنطون جرجس

Exit mobile version