عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

مقدمة

عبارة «إله من إله» تشير الي ان كلاً من اقنوم الآب والابن لهم نفس الجوهر الالهي الواحد فكلمة اله لا تشير الي اله منفصل بل تشيل الي ماهية الابن اللاهوتية للرد علي قول اريوس ان الابن مخلوق فهي اشارة الي ان الابن له نفس طبيعة الآب من ناحية الجوهر وأنهما من نفس الجوهر أو الطبيعة الواحدة. وهي تُشبه العبارة: «إنسان من إنسان»، أي إنسان مولود من إنسان آخر، يشترك معه في نفس الطبيعة. فـ”الولادة” تعني الإصدار أو الانبثاق الطبيعي، أي أن يلد الواحد مَن هو على نفس طبيعته.مع عدم تشبيه الله بالمركبات لان الله ليس مركب كالانسان ولكن للاستدلال العقلي وليس للقياس بالله.

شيث (Seth) هو مولود من آدم (Adam). وكلاهما من نفس الطبيعة البشرية، ولهذا نقول: إنسان من إنسان. كذلك، الابن مولود من الآب. وكلاهما يشتركان في نفس الطبيعة الإلهية. أقنوم إلهي من أقنوم إلهي. ولهذا تقول العقيدة: “إله حق من إله حق”.

خلفية تاريخية

النزاع الآريوسي

في بداية القرن الرابع الميلادي، نشأ خلاف عقائدي خطير داخل الكنيسة عندما بدأ آريوس (256-336م) في الإسكندرية بالتعليم بأن ابن الله مخلوق من الآب، وأنه أقل منه في الجوهر والمكانة. ادّعى آريوس أن هناك وقتاً لم يكن فيه الابن موجوداً، وأن الآب وحده هو الإله الحقيقي غير المخلوق.

 

مجمع نيقية وقانون الإيمان النيقاوي – سنة ٣٢٥م

يُعتبر قانون الإيمان النيقاوي أحد أهم الوثائق في تاريخ المسيحية، والذي صدر عن المجمع المسكوني الأول في نيقية عام 325م (Council of Nicaea I) بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الأول. جاء هذا المجمع كاستجابة للجدل اللاهوتي الحاد الذي أثاره آريوس، الكاهن الإسكندري، حول طبيعة المسيح وعلاقته بالآب. ووضع المجمع قانون الإيمان هذا لإرشاد الكنيسة في ما يخص اللاهوت، والكريستولوجيا (عقيدة المسيح)، والتعليم عن الثالوث القدوس.

وقد دار جدل كبير حول استخدام مصطلح هوموأوسيوس (ὁμοούσιος – Homoousios) أي: “واحد في الجوهر”. حتى عند صياغته، لم يحظَ قانون الإيمان بموافقة كاملة من جميع الحاضرين، وسرعان ما تعرّض للهجوم، وتمت مراجعته لاحقًا في مجمع القسطنطينية الأول سنة ٣٨١ م (Council of Constantinople I – 381 AD).

 

النص الأصلي لقانون الإيمان سنة ٣٢٥م

نؤمن بإله واحد، الله الآب، ضابط الكل، خالق كل الأشياء، ما يُرى وما لا يُرى.

وبربٍّ واحد يسوع المسيح، ابن الله، المولود من الآب، [الابن الوحيد، أي من جوهر الآب، إله من إله،] نور من نور، إله حق من إله حق؛ مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر.

الذي به كان كل شيء [ما في السماء وما على الأرض]؛

الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل وتجسد، وتأنس؛

وتألم، وفي اليوم الثالث قام من بين الأموات؛ وصعد إلى السماوات،

ومن هناك يأتي ليدين الأحياء والأموات.

ونؤمن بالروح القدس.

 

الإدانة المضافة في نهاية النص (الموجَّهة ضد تعاليم آريوس)

أما الذين يقولون: “كان هناك وقت لم يكن فيه”، أو “لم يكن قبل أن يُولد”، أو “صُنع من العدم”، أو “هو من جوهر أو طبيعة أخرى”، أو أنّ “ابن الله مخلوق”، أو “قابل للتغيير” أو “للتحول” – فهؤلاء تُدينهم الكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية.

 

دور الكنيسة القبطية في المجمع

لعبت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بقيادة البابا إسكندر البطريرك العشرين (312-326م) وخلفه القديس أثناسيوس الرسولي (326-373م)، دوراً محورياً في مقاومة الآريوسية والدفاع عن الإيمان الأرثوذكسي. كان القديس أثناسيوس، الذي حضر المجمع كشماس مع بطريركه، من أبرز المدافعين عن الطبيعة الإلهية للمسيح. ورغم صغر سنه ورتبته، برز أثناسيوس في المجمع كمفكر ولاهوتي قوي، وتميّز بوضوح عقيدته، خاصة في نقطتين:

  • تأكيد لاهوت الابن:

دافع بشدة عن أن الابن هو “مولود غير مخلوق”، “مساوٍ للآب في الجوهر” (ὁμοούσιος τῷ Πατρί)، رافضًا الطرح الآريوسي القائل بأنه “كان هناك وقت لم يكن فيه الابن”.

  • صياغة جوهر قانون الإيمان:

يُعتقد أن القديس أثناسيوس لعب دورًا محوريًا في صياغة الألفاظ الأساسية في قانون الإيمان النيقاوي، لا سيما عبارة:

“نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر”

التي تهدف إلى تأكيد أن الابن ليس مخلوقًا بل مولودًا من نفس جوهر الآب.

أصل عبارة “إله من إله” من الإنجيل

عبارة “إله من إله” لها جذورها في إنجيل يوحنا ١:١، حيث يُقال أن معرفة الله لذاته وتعبيره عن نفسه هو كونه “إله”. أي أن “الفكر الإلهي عن نفسه” كان هو الله، أو كما تقول الترجمات الإنجليزية الشائعة: “وكان الكلمة الله” (The Word was God).

 

الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي لوغوس λόγος وفي المقطع الأخير من يوحنا 1:1c وأيضًا في يوحنا 1:18a، تأتي الكلمة بلا أداة تعريف (anarthrous)، ومع ذلك تُترجم إلى الإنجليزية كاسم علم: “God” أي الله.

يوحنا ١:١: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.”

الخلفية اليهودية لمفردة لوغوس “الكلمة – λόγος”

لم يكتب القديس يوحنا الإنجيلي هذه الآية من فراغ، بل كانت لديه خلفية يهودية ساعدته على التعبير عنها. في أيامه، كان مفهوم “اللوغوس – λόγος” معروفًا جيدًا، خاصة في اليهودية الهيلينية في فترة الهيكل الثاني.

هذا المفهوم يتضح في الترجمة السبعينية (LXX) وفي بعض الكتابات اليهودية الدينية بين العهدين. وبسبب انتشار هذا المفهوم، استخدمه يوحنا ليشرح البشارة.

آيات من العهد القديم في الترجمة السبعينية LXX التي تُشكل أساس يوحنا ١:١-٣

لدينا العديد من الآيات في العهد القديم والتي استند إليها القديس يوحنا الإنجيلي في استخدام كلمة لوغوس، منها:

  1. تكوين ١:١
  2. مزمور ٤٥:١
  3. مزمور ٣٣:٦
  4. أمثال ٨:٢٢–٣٠

معنى لوغوس

الكلمة اليونانية “لوغوس” لها معانٍ متعددة، منها: الكلمة، الخطاب، الرسالة، الخطة، والعقل/المنطق. والمعنى يُفهم بحسب السياق. في يوحنا ١:١، اللوغوس يُشير إلى الفكر الإلهي الداخلي والتعبير الذاتي لله، أي أن الكلمة هي تعبير خارجي عن معرفة الله لذاته. وهذا يعبر عنه هكذا:

المفكِّر = الله

الفكر = الله

إذن، نحن أمام الله الذي يعرف نفسه، ويفكر في نفسه، ويعبّر عن نفسه بالكلمة، وهذه الكلمة ليست شيئًا مخلوقًا، بل هي “إله من إله”، كما تُعلِن العقيدة النيقاوية (The Nicene Creed) والتي نسميها أيضاً قانون الإيمان.

التعبير اللاهوتي: الله في ذاته ومن ذاته — الله يعرف نفسه بكُليّة ذاته، وتعبيره الذاتي أو كلمته هو إله مثله، له نفس الجوهر الإلهي. الله لا يظن عن نفسه أنه إله جزئي، بل يرى نفسه على أنه الله بالكامل.

أمثال ٢٣:٧: “لأَنَّهُ كَمَا شَعَرَ فِي نَفْسِهِ هكَذَا هُوَ. “

وفقًا لإنجيل يوحنا ١:١، الكلمة (الابن) هو “إله من إله”، فهو ذات الفكر الإلهي، التعبير الكامل عن ذات الله، ولهذا فهو الله بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 

تحليل عبارة “إله من إله” من المنظور الأرثوذكسي

تؤكد الكنيسة الأرثوذكسية أن عبارة “إله من إله” تشير إلى وحدة الجوهر (الأوسيا oύσiα) — أي الوجود الحقيقي البسيط غير المحدود — بين الآب والابن. هذا يعني أن الابن ليس إلهاً منفصلاً أو مختلفاً عن الآب، بل هو من نفس الجوهر الإلهي، مما يؤكد على الوحدة الجوهرية في الثالوث المقدس. ويقول البابا شنودة الثالث في كتابه “قانون الإيمان” في تفسير هذه العبارة:

إله حق، أي له طبيعة الله بالحق. وليس مثل الذين دعوا آلهة بمعنى سادة، وليسوا هم آلهة بالحقيقة.

ويذكر أيضاً في موضع آخر:

ولكن السيد المسيح هو إله حق، أي له كل صفات الألوهية:
فهو أزلي خالق، قادر على كل شيء، موجود في كل مكان، غير محدود.. فاحص القلوب والكلى، قدوس، رب الأرباب، غافر الخطايا.. إلى آخر كل تلك الصفات الخاصة بالله وحده.

ويفسر التقليد القبطي من جهته هذه العبارة كتأكيد على أن العلاقة بين الآب والابن أزلية وليست زمنية. فالابن “من” الآب لا يعني أن هناك وقتاً لم يكن فيه الابن موجوداً، بل يشير إلى العلاقة الأقنومية الأزلية داخل الذات الإلهية الواحدة.

تعبر هذه العبارة عن مفهوم الولادة الإلهية الأزلية، حيث يُولد الابن من الآب منذ الأزل وإلى الأبد. هذه الولادة ليست جسدية أو زمنية، بل هي ولادة روحية أزلية تحافظ على وحدة الطبيعة الإلهية.

كما واجهت الكنيسة القبطية فكرة التبني التي تقول إن المسيح إنسان تبناه الله. عبارة “إله من إله” تؤكد على الطبيعة الإلهية الحقيقية للمسيح وليس مجرد التبني. كما أن كلمة (إله) هنا ليست مجرد لقب كما قيل عن آلهة الأمم أو كما قيل عن بعض البشر.

في الليتورجيا الإلهية، تُتلى عبارة “إله من إله” في كل قداس إلهي في الكنيسة، وتحديداً أثناء تلاوة قانون الإيمان. هذا التكرار اليومي يؤكد على أهمية هذا التعليم في الحياة الروحية والعبادية للمؤمنين.

في التعليم الآبائي، طور القديس أثناسيوس، الذي يُلقب بـ”عمود الإيمان”، تفسيراً عميقاً لهذه العبارة في كتاباته ضد الآريوسيين. أكد على أن الابن “من جوهر الآب” وليس “من لا شيء” كما ادّعى آريوس. وواصل القديس كيرلس الإسكندري (376-444 م) التقليد الأثناسي في تفسير العبارة، مؤكداً على وحدة الطبيعة الإلهية بين الآب والابن، مما ساهم في مقاومة النسطورية لاحقاً.

في التقليد الرهباني، تبنى الآباء الرهبان في مصر هذا التعليم وجعلوه جزءاً من تأملاتهم اليومية. الأنبا مقار الكبير والأنبا باخوم وغيرهم من آباء البرية المصرية أكدوا على أهمية فهم هذه الحقيقة الإيمانية في الحياة الروحية.

على مستوى العقيدة، تساهم عبارة “إله من إله” في تأسيس العقيدة الثالوثية السليمة، حيث تحافظ على التوازن بين وحدة الله وتمايز الأقانيم. هذا التوازن أساسي في الفهم الأرثوذكسي للثالوث.

أما من الناحية الروحية، تؤكد العبارة على أن المسيح الذي نعبده ونصلي إليه هو إله حقيقي، مما يبرر العبادة المسيحية ويعطيها معناها العميق. كما تؤكد على أن الخلاص الذي قدمه المسيح هو خلاص إلهي حقيقي.

كذلك على مستوى الكرازة، تستخدم الكنيسة هذه العبارة في الكرازة والتعليم لتأكيد ألوهية المسيح أمام التحديات المعاصرة، سواء من الديانات الأخرى أو من التيارات الليبرالية داخل المسيحية.

 

الخلاصة

تمثل عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان النيقاوي حجر الزاوية في التعليم الأرثوذكسي حول ألوهية المسيح. هذه العبارة، التي وُلدت من صراع لاهوتي عميق في القرن الرابع، تستمر في لعب دور مركزي في الحياة العقائدية والروحية والليتورجية للكنيسة.

من خلال تأكيدها على وحدة الجوهر بين الآب والابن، تحافظ هذه العبارة على التوازن الدقيق في فهم الثالوث، بينما تقاوم في الوقت نفسه الانحرافات العقائدية التي تهدد جوهر الإيمان المسيحي. التقليد الكنسي، المتجذر في تعاليم القديس أثناسيوس والقديس كيرلس، يواصل الدفاع عن هذا التعليم وتطبيقه في الحياة المعاصرة.

إن فهم هذه العبارة ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل هو في صميم الإيمان الأرثوذكسي والحياة الروحية للمؤمنين. فهي تؤكد على أن المسيح الذي نعبده هو الإله الحقيقي، وأن الخلاص الذي قدمه لنا هو عمل إلهي حقيقي قادر على تحويل حياتنا وضمان أبديتنا.

 

المراجع:

  1. شرح لاهوتي لعبارة “إله من إله” في قانون الإيمان النيقاوي – رابط: https://christianity.stackexchange.com/a/40068
  2. ملخص تاريخي لمجمع نيقية الأول وصياغة قانون الإيمان سنة 325م – Church History 101 – “Fourth Century Church History – The Council of Nicea (325 AD)” – رابط: https://www.churchhistory101.com/century4-p8.ph
  3. كتاب “قانون الإيمان” لقداسة البابا شنودة الثالث، الأنبا تكلا – الباب الخامس عشر – رابط: https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online/35-Kanoun-El-Iman/Christian-Faith__15-Truth.html

بحث وكتابة: عبدالمسيح

عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح

مجمع أفسس عام 431م وعلاقته بمجمع خلقيدونية

مجمع أفسس عام 431م وعلاقته بمجمع خلقيدونية

مجمع أفسس عام 431م وعلاقته بمجمع خلقيدونية

(أ) بعض الملاحظات التمهيدية:

في مجال الخلاف بين التقليد اللاهوتي السكندري والأنطاكي، كان مجمع أفسس يعتبر انتصاراً حاسماً للسكندريين. ولم يقدم هذا المجمع أي تعريف عقائدي (نص إقرار إيمان)، ولكنه أدان نسطوريوس أسقف القسطنطينية على أساس أن تعليمه يتعارض مع إيمان نيقية الذي أكدَّ على أن يسوع المسيح هو الله الابن، الأزلي، الذي له ذات الجوهر الواحد مع الآب، الذي تجسد وتأنس من مريم العذراء بالروح القدس.

وكان قادة الجانب السكندري ـ كما أظهر جريلميير (Aloys Grillmeier) ـ يفسِّرون اعتراف الإيمان النيقاوي على أساس تعليمهم الخريستولوجي الذي يُطلق عليه ’خريستولوجي (الكلمة ـ جسد)‘* (‘Word-flesh’ Christology).[1] وكان أبوليناريوس (Apollinarius) أسقف اللاذقية قد حاول في السبعينات من القرن الرابع أن يضع منهجاً لهذا التعليم الخريستولوجي على طريقته الخاصة.

وإذ كان كل همه هو الحفاظ على وحدة الفادي في ضوء مفاهيم نيقية، فقد أصرَّ على أن المسيح هو هيبوستاسيس واحد[2] وطبيعة واحدة، وأن كل شيء سُجل عنه (في الإنجيل) قد أتمه الله الكلمة أو الله الابن. وتمشياً مع هذا الخط من التفكير، أنكر أبوليناريوس وجود ’المبدأ العاقل الإنساني‘* في جسد المسيح، وقد تم الحكم على وجهة نظر أبوليناريوس بالهرطقة وأُدين من جميع الأطراف.

وعلى الرغم من ذلك استمر السكندريون في تمسكهم بالمصطلحات التي استخدمها أبوليناريوس، حيث احتفظوا بتعبير ’طبيعة واحدة‘ وتعبير ’هيبوستاسيس واحد‘، كما احتفظوا كذلك بتأكيدهم على أن أقوال وأفعال المسيح كانت تعبيرات (expressions) لأقنومه الواحد.[3]

أما الأنطاكيون على الجانب الآخر، فلم يقبلوا الأسلوب السكندري في استخدام الكلمات والتعبيرات (phraseology)، والذي كان قد استخدمه مذهب أبوليناريوس. وكان تعليمهم الخريستولوجي يُطلق عليه ’خريستولوجي (الكلمة – إنسان)‘* (‘Word-man’ Christology)[4] والذي كان قد أسسه ثيؤدور أسقف مبسويستيا (Theodore of Mopsuestia) في كيليكيا الذي مات عام 428م. وقد نجح ثيؤدور بالفعل في استبعاد الأبولينارية، ولكنه لم ينجح في تأكيد وحدة المسيح بطريقة مرضية.[5]

وهكذا وفي أثناء الربع الأول من القرن الخامس، صار هناك نوعان من التعليم الخريستولوجي في الشرق وكان كل منهما يؤكد تواصله مع إيمان نيقية ويعبِّر عن رفضه للأبولينارية، ولكن مع ذلك لم يكن لأي منهما فكرة حقيقية عن الآخر.[6] فالأنطاكيون على سبيل المثال، قد يخلطون بسهولة بين التقليد السكندري والأبولينارية، والسكندريون كذلك قد لا يرون إلاّ عقيدة وجود ’ابنين‘ في التقليد الأنطاكي.

 

(ب) الصدام بين نوعي التعليم الخريستولوجي:

كان نسطوريوس رجلاً تربى على التقليد الخريستولوجي الأنطاكي الذي يرتكز على ’خريستولوجي (الكلمة – إنسان)‘ (‘Word-man’ Christology)، وقد صار بطريركاً على القسطنطينية في 10 أبريل عام 428م. وبعد ذلك ببضعة شهور، قدَّم كاهنه أنسطاسيوس (Anastasius) عظة انتقد فيها استخدام لقب “والدة الإله ـ θεοτόκος” التي أطلقه الكثيرون في الكنيسة على العذراء (مريم) منذ حوالي القرن الثاني.[7] وعلى عكس التوقع الشعبي، أيَّد نسطوريوس نفسه الكاهن أنسطاسيوس.

وعندما تم إبلاغ البابا كيرلس بطريرك الكرسي السكندري بالحادثة، كتب أولاً رسالة تمهيدية تلاها برسالة عقائدية يُشار إليها عادة بالرسالة الثانية لكيرلس إلى نسطوريوس.[8] وقد حاول ق. كيرلس أن يقنع بطريرك الكرسي البيزنطي بأن مصطلح “والدة الإله ـ θεοτόκος” له تأثير هام على إيمان الكنيسة.

ودفع ق. كيرلس بأن قانون الإيمان  النيقاوي ـ معيار الأرثوذوكسية الحصين ـ يؤكد أن الله الابن نفسه “نزل، وتجسد، وعاش كإنسان، وتألم، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السموات”، ومن هنا فإن الله الابن (في حالته المتجسدة) كان هو الشخص الفاعل (subject) في حياة المسيح. ولا يعني هذا رغم ذلك، أن الله الابن قد تغير إلى إنسان، ولكن يؤكد أنه بكونه قد “وحَّد بنفسه، في شخصه الذاتي، جسداً مُحيَّاً بروح عاقل”، فإن الله الابن “قد صار إنساناً، ودُعي ابن الإنسان”.

وبهذا الاتحاد، إنجمعت الطبيعتان الإلهية والإنسانية ـ والتي تختلف كل منهما عن الأخرى ـ في الرب الواحد يسوع المسيح، في وحدة غير قابلة للانقسام. وحيث إن الله الابن الأزلي، قد وحَّده (أي الجسد) بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً)[9] منذ  اللحظة الأولى للحبل به في رحم العذراء، فتكون العذراء قد ولدت الله الابن المتجسد، وبالتالي فإنها تُدعى والدة الإله (ثيؤطوكس)، ويصبح لهذا اللقب مركزاً محورياً في أي تعليم خريستولوجي صحيح.

ورفض نسطوريوس أن يقبل الإرشاد، وشرع يتهم ق. كيرلس بتعليم الهرطقة، مما أدى إلى ازدياد الفجوة بين الرجلين. وفي نفس الوقت، كان مهاجمة نسطوريوس للقب “والدة الإله ـ θεοτόκος” قد أثار انتباه كل من البابا كليستين (Coelestine) بابا روما والبطريرك يوحنا الأنطاكي، فعقد الأول مجمعاً في روما* وقرر الوقوف ضد نسطوريوس، كما قام الأخير بنصح صديقه (نسطوريوس) أن يقبل هذا اللقب (والدة الإله) لينهي تلك الأزمة، ولكن نسطوريوس لم يكن عازماً أن يأخذ بنصيحته.

وهنا بدأ ق. كيرلس ـ الذي شكك بطريرك القسطنطينية في أرثوذكسيته ـ يعد نفسه لمواجهة جادة حول ذلك الأمر. وإذ تأكد من تعاطف بابا روما مع موقفه، دعا إلى مجمع (في الإسكندرية عام 430م) وحدد فيه إثني عشر حرماً لكي يقرِّها نسطوريوس، الذي كان تلقائياً بمقتضى هذه الحروم (وبحسب تعليمه السابق) ينبغي أن يكون محروماً.

وكانت هذه الحروم هي عبارات صارمة تعبِّر عن ’خريستولوجي (الكلمة – جسد)‘ (‘Word-flesh’ Christology) السكندري، وتقدِّم الأفكار الموجودة في الرسالة الثانية (لكيرلس إلى نسطوريوس) بصورة أكثر وضوحاً.

وأُرسلت هذه الحروم إلى نسطوريوس ومعها رسالة توضيحية وهي التي تُعرف بالرسالة الثالثة لكيرلس إلى نسطوريوس،[10] وكانت هذه الوثيقة تُصِّر على أن اتحاد الطبيعتين لم يكن فقط اتحاداً هيبوستاسياً (أقنومياً)، ولكنه أيضاً هو طبيعة واحدة، كما أكدَّت هذه الرسالة كذلك على أن “كلا الأقوال الإنسانية والأقوال الإلهية قد قيلت بواسطة شخص واحد”،[11] وقد وُضعت نفس هذه النقطة في الحرم الرابع من الحروم الإثني عشر.

وهكذا كان ق. كيرلس يقبل نفس المبادئ الثلاثة التي أكدها أبوليناريوس (مع اختلاف الأساس اللاهوتي بينهما)، ولكنه في نفس الوقت أوضح بصورة قاطعة أن ناسوت المسيح كان له روح عاقل. وكان رد نسطوريوس على هذه الرسالة هو الرفض أيضاً.

 

(ج) إدانة نسطوريوس:

دعا الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني إلى عقد مجمع لتسوية النزاع. وكانت أولى جلسات المجمع يوم 22 يونيو 431م حيث تأخرت عدة أيام عن الموعد الذي كان محدداً من قبل (7 يونيو). وكان هذا التأخير نتيجة عدم تمكن البطريرك يوحنا الأنطاكي والأساقفة المرافقين له من الوصول إلى أفسس في الموعد المحدد، ومع ذلك لم يتم تأجيل المجمع لحين وصولهم ولكنه بدأ بدون يوحنا وبقية الوفد الأنطاكي، مما جعل المندوب الإمبراطوري كانديديان (Candidian) يعترض ويغادر المجمع.

ورأس المجمع البابا كيرلس نفسه، وكان هناك مائتا عضو يحضرون الجلسات، وقد قام المجمع على الفور بتناول القضية المتعلقة بنسطوريوس. وحيث إنه لم يكن حاضراً هناك تمت دعوته رسمياً ولكنه رفض الحضور، فابتدأ المجمع في فحص الكتابات التي كان قد تم تبادلها بينه وبين ق. كيرلس بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الأدلة.

وتوصَّل المجمع في النهاية إلى قراره بإدانة نسطوريوس بتهمة الهرطقة، ولتوضيح إيمان الكنيسة الذي في ضوئه تم اتخاذ هذا القرار، أعلن المجمع تأييده الشديد لرسالة ق. كيرلس الثانية إلى نسطوريوس، كما وافق كذلك على الرسالة (الثالثة) مع الحروم باعتبارها وثيقة مقبولة.[12]

وفي يوم 26 يونيو وصل الوفد الأنطاكي الذي كان من المتوقع تأخر وصوله، وحين رأوا أن نسطوريوس قد تمت إدانته بالفعل، وأن الفكر اللاهوتي السكندري ـ الذي انعكس في رسائل ق. كيرلس ـ قد تم تأكيد أرثوذوكسيته، امتلأوا من الغضب واحتجوا على قرار المجمع، وقاموا بعقد مجمع مضاد برئاسة يوحنا الأنطاكي حضره ثلاثة وأربعون عضواً، وتبنى هذا الاجتماع حكماً بعزل البابا كيرلس السكندري وممنون (Memnon) أسقف أفسس، وكل الذين قبلوا حروم ق. كيرلس الإثني عشر.

ورفع كل جانب دعواه إلى الإمبراطور ساعياً لكسب تأييده. وتأزم الأمر جداً، لدرجة أن المجمع نفسه امتد إلى 11 سبتمبر من نفس العام، وفي ذلك الحين أعطى الإمبراطور أوامره بعزل كل من ق. كيرلس وممنون ونسطوريوس، ولكن بعد ذلك بفترة قصيرة أُعيد ق. كيرلس وممنون وأُرسل نسطوريوس إلى دير إيبريبيوس (Euprepius).

وفي عام 435م نُفي نسطوريوس إلى البتراء (Petra) في صحراء العربية (الأردن حالياً)، وبعد ذلك إلى صحراء مصر حيث مات هناك حوالي عام 449م. وبهذه الطريقة تمت إدانة نسطوريوس وهو اللاهوتي الأنطاكي الذي كان يؤمن بـ ’خريستولوجي (الكلمة – إنسان)‘ (‘Word-man’ Christology)، وذلك ببساطة لأنه ظل متمسكاً بشدة بفهمه للتقليد اللاهوتي الأنطاكي، ومن الجدبر بالذكر أن الأرثوذوكسية السكندرية كانت هي الأساس الذي بُني عليه الحكم بإدانته.

 

(د) إعادة الوحدة عام 433م:

غير أن التخلص من نسطوريوس لم يحل المشكلة بين الطرفين، فقد كانت أواصر الشركة قد تحطمت بينهما. وحاول الإمبراطور نفسه استخدام نفوذه ليعيد السلام وبالفعل أتت جهوده بثمارها، ففي عام 433م أرسل البطريرك يوحنا الأنطاكي بولس أسقف حمص إلى الإسكندرية ومعه وثيقة اعتراف بالإيمان،[13] فقبلها البابا كيرلس وأرسل إلى يوحنا رسالته المشهورة (Laeteutur Caeli).[14]

وتضمَّنت هذه الرسالة فقرة من اعتراف يوحنا الأنطاكي تؤكد على وحدة شخص المسيح والإستمرارية غير المختلطة للاهوت والناسوت فيه.* وتذكر هذه الفقرة أن “ربنا يسوع المسيح هو في آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل، .. وأنه مولود من الآب قبل كل الدهور بحسب لاهوته، وأنه هو نفسه في الأيام الأخيرة … وُلد من العذراء بحسب ناسوته، وهو نفسه له ذات الجوهر الواحد مع الآب، وله ذات الجوهر الواحد معنا”.

وينبغي علينا هنا أن نذكر الظروف التي تمت فيها إعادة الوحدة. وكان الأنطاكيون قد أثاروا ثلاثة اعتراضات ضد مجمع أفسس هي: (1) أن الموقف اللاهوتي للبابا كيرلس ـ كما يظهر في كتاباته وبالأخص في الحروم الإثني عشر ـ هو موقف هرطوقي؛ (2) أن نسطوريوس لم يكن هرطوقياً، وبالتالي فإن إدانته كانت غير مبررة؛ (3) أن مجمع أفسس الذي أعلن أن الأول (أي كيرلس) أرثوذكسي، وحكم بإدانة الثاني (أي نسطوريوس)، كان تجمعاً هرطوقياً.

وكان الاعتراض الأول هو بالفعل أهم تلك الاعتراضات الثلاثة، وقد حاول الأنطاكيون بشدة أن يجعلوا البابا كيرلس يسحب كتاباته، وبالأخص حرومه الإثني عشر، ولكن البابا كيرلس ـ وبدون التخلي عن هذه النقطة ـ  وجَّه الأنطاكيين إلى تفسيره الخاص لهذه الحروم،[15] وأظهر لهم أنها لا تتضمَّن أي أفكار هرطوقية، بل كانت تهدف ـ كما قال ـ إلى تجنب “فساد الهرطقة النسطورية”.

وقد اقتنع يوحنا والأنطاكيون بطريقة تفكير البابا كيرلس، كما أن البابا كيرلس من جانبه لم يصِّر على ضرورة القبول الكامل لأي من كتاباته كشرط لإعادة الوحدة. وهكذا، بالرغم من أن الأنطاكيين لم يقبلوا الحروم بصورة إيجابية، إلاّ أنهم اتفقوا على أن كيرلس صاحب تلك الحروم كان أرثوذكسياً. أما بالنسبة للاعتراضين الثاني والثالث، فقد أيد الأنطاكيون إدانة نسطوريوس ووافقوا على قبول مجمع عام 431م بدون أية شروط.[16]

وقد تحرك يوحنا أيضاً عن الموقف التقليدي الأنطاكي في نقطة رابعة (بالإضافة للاعتراضات الثلاثة التي رجع عنها الأنطاكيون)، فالأنطاكيون كانوا ـ على الأقل منذ أيام ثيئودور أسقف مبسويستيا ـ  يعترفون بأن مريم العذراء هي بالطبيعة فقط ’أنثروبوطوكس‘ أو ’خريستوطوكس‘ كما يمكن الإشارة إليها أيضاً بلقب ’ثيؤطوكس‘ لأن الإنسان الذي حملته كان يسكنه الله.[17] أما الآن فقد وافق البطريرك الأنطاكي أن يؤكد على أن العذراء هي ’ثيؤطوكس‘ (والدة الإله) بدون إضافة أي من المصطلحات الأخرى.[18]

وهناك عبارة واحدة في اعتراف يوحنا الأنطاكي كان من الممكن أن تكون لها عواقب بعيدة المدى وهي: “وفيما يخص أقوال البشيرين والرسل عن الرب، فنحن نعرف أن اللاهوتيين يجعلون بعضاً منها عاماً باعتبارها تخص شخص واحد، ويميزون البعض الآخر باعتبارها تخص طبيعتين، فيفسرون تلك التي تليق بالله بأنها تخص لاهوت المسيح، أما تلك المتواضعة فتخص ناسوته”.

ومن الواضح أن هذه العبارة كانت لتخفيف الصعوبة التي أحس بها الأنطاكيون بالنسبة للحرم الرابع،[19] ولكن العبارة في الحقيقة لا تتعارض مع موقف ق. كيرلس، لأنها تؤكد فقط أن اللاهوتيين يميِّزون الأمور التي تخص ربنا بثلاثة طرق. وتتصف هذه العبارة بالحذر الشديد، فهي لم تقل أن المسيح كائن في ثلاث مراكز للوجود والفعل، ولكنها قالت فقط أن أقوال وأعمال المسيح من الممكن تمييزها بثلاث طرق.

وكما سنرى فإن ق. كيرلس نفسه كان قد أعطى تعليماً يمكن أن يقبل هذه الاحتمالية، فقد رأى أننا في تأملنا للمسيح، يمكننا أن نميِّز في أذهاننا بعض كلمات وأفعال المسيح باعتبارها إلهية وبعضها الآخر باعتبارها إنسانية.

ومن هنا فإن الفحص المتأني للحقائق سوف يُظهر شرعية وجهة النظر السكندرية التي ترى أن صيغة إعادة الوحدة لا تلغي أي قرار من قرارات مجمع عام 431م، وإنما ساعدت رجال، من الذين كانوا يجدون صعوبات في مسألة الحروم مثل يوحنا الأنطاكي، لكي يقبلوا المجمع بدون ضغط زائد على قناعاتهم.

(هـ) موقف الجانبين في إيجاز:

كان السكندريون يؤمنون أن الله الابن تجسد من العذراء مريم بالروح القدس، وفي التجسد وحَّد الابن بنفسه ناسوتاً حقيقياً وكاملاً له روح عاقل خاص به. وبهذه الطريقة، قبل الله الابن في نفسه حالةً متجسدةً، اتحد فيها اللاهوت والناسوت في شخص واحد هو ربنا يسوع المسيح. والطبيعتان الإلهية والإنسانية متحدتان فيه بدون أن تتغير أي منهما إلى الأخرى، وبدون أن تكوِّنا معاً شيئاً (جديداً) ثالثاً (tertium quid). وكان هذا الشخص الواحد هو الذي يتكلم الأقوال وينجز الأفعال التي سُجلت عن المسيح في البشائر.

ولكن حينما نتأمل في المسيح بأذهاننا يمكننا حينئذ أن نقول عن بعض تلك الكلمات والأفعال أنها إلهية، وعن البعض الآخر أنها إنسانية. وكانت قوة هذا الموقف السكندري تكمن في تأكيده وتركيزه على وحدة المسيح.

وقدَّم السكندريون عدداً من المصطلحات اللاهوتية لكي يؤكدوا بها موقفهم اللاهوتي.

فأولاً، أقروا أن الاتحاد كان ’من طبيعتين‘، موضحين أن الناسوت أُحضر إلى الوجود فقط في الاتحاد مع الله الابن، وأنه (أي الناسوت) لم يتعرض في الاتحاد لأي تغيير أو نقصان.

ثانياً، هذا الاتحاد كان اتحاداً هيبوستاسياً (أقنومياً) وطبيعياً، وهو اتحاد حقيقي وداخلي. وكان السكندريون يريدون بذلك أن يستبعدوا فكرة أن يسوع الناصري كان مجرد إنسان عاش في شركة حميمة مع الله الابن.

ثالثاً، بما أن الاتحاد كان هيبوستاسياً وطبيعياً، فإن المسيح هو هيبوستاسيس ’واحد‘ وطبيعة ’واحدة‘ متجسدة لله الكلمة، وكلمة ’واحد‘ هنا سواء بالنسبة للهيبوستاسيس أو للطبيعة لا تعني واحداً بسيطاً (مفرداً) ولكنه واحد ’مركب‘.[20] وقد استخدم السكندريون عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كأداة لغوية ملائمة تؤكد مفهومهم عن وحدة المسيح.

رابعاً، إن المسيح هو في آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل، وكإنسان كان مثل أي واحد منا مع استثناء وحيد هو أنه بلا خطية. وكان السكندريون يصرون على أنه لا ينبغي الحديث عن المسيح بكونه ’طبيعتين بعد الاتحاد‘، أو أنه كائن ’في طبيعتين‘،[21] لأن هذا الأمر قد يحمل ضمنياً معنى أن الاتحاد كان شيئاً خارجياً، وبالتالي يكون المسيح مجرد شخص مثل واحد من القديسين أو الأنبياء.

أما الأنطاكيون على الجانب الآخر، فقد كانت الفكرة المحورية في تعليمهم الخريستولوجي هي أن المسيح ’طبيعتين بعد الاتحاد‘،[22] ولكنهم في نفس الوقت، لم يؤمنوا بأن المسيح كان فقط مثل أي قديس أو نبي. وقد أكد الأنطاكيون أيضاً أنه كان هناك اتحاد بين الطبيعتين، ولكنهم لم يقبلوا التفسير السكندري للاتحاد، فبينما رأى السكندريون أنه اتحاد في الهيبوستاسيس، كان الأنطاكيون يرون أنه اتحاد في البروسوبون.[23]

فالحقيقة إذن أنه بعد النزاع مع الأبولينارية، سعى كل جانب من الجانبين السكندري والأنطاكي لبناء موقف خريستولوجي خاص به، ولكن لم يتفق الجانبان معاً في تفسيراتهما الخاصة.

* أي المبني على أساس مفهوم أن الكلمة صار جسداً

[1] لقد ذكر جريلميير في كتابه (Grillmeier: op. cit., pp. 193-f.) أن السكندريين اعتمدوا على العبارة التي وردت في إنجيل يوحنا (1: 14) “والكلمة صار جسداً وسكن بيننا” لكي يؤكدوا وحدة المسيح من خلال منطق ’الكلمة – جسد‘

[2] سيتم شرح مصطلح هيبوستاسيس بالتفصيل في صفحة وما يليها ولكن المعنى المبدئي الذي نستطيع أن نذكره هنا أنه هو (الكيان) الخاص المحدد وبالتالي فهو الشخص.

لدراسة موضوع ’الأبولينارية‘ بالتفصيل ارجع إلى:

(J. N. D. Kelly, Early Christian Doctrines, op. cit., pp. 289f; Grillmeier, Christ in Christian Tradition, op. cit., pp. 220f)

* أي الروح الإنسانية العاقلة

[3] كان التشابه في المصطلحات بين السكندريين والأبولينارية (رغم اختلاف المفهوم وراء هذه المصطلحات لدى كل منهما) هو أحد الأسباب التي دعت الأنطاكيين إلى مهاجمتهم.

* أي المبني على أساس مفهوم أن الكلمة اتخذ إنساناً

[4] كان مرجعنا هنا أيضاً هو جريلميير.

[5] تم في الفترة الأخيرة نشر عدة دراسات عن التعليم الخريستولوجي عند ثيؤدور وقد تعرضنا لهذا الموضوع في صفحة وما يليها حيث قدمنا ملخصاً عن تعاليمه.

[6] لقد ذكر فرانسيس سوليفان (Francis A. Sullivan) هذه الحقيقة في كتابه:

(The Christology of Theodore of Mopsuestia, Rome, 1965) 

[7] للإطلاع على ملخص تاريخي عن هذا المصطلح، انظر مجموعة “آباء نيقية وما بعد نيقية” السلسلة الثانية، مجلد 14 صفحة 208.

[8] يمكن الإطلاع على الرسالة الثانية للقديس كيرلس إلى نسطوريوس في:

 (T. H. Bindley, The Oecumenical Documents of the Faith, Methuen)

[9] لمزيد من الشرح حول ’الاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)‘ انظر صفحة وما يليها.

* عٌقد هذا المجمع عام 430 م.

[10] للإطلاع على هذه الوثيقة انظر أيضاً المرجع السابق:  (T. H. Bindley)

[11] يقول ق. كيرلس “وحيث إنه اتحد بحسب الطبيعة، ولم يتحول إلى جسد”، فإن الله الابن سكن فينا بنفس الطريقة التي يسكن بها روح الإنسان في الجسد. ورداً على الذين انتقدوا ذلك المعنى، شرح ق. كيرلس العبارة وقال أن الاتحاد كان حقيقياً وصادقاً. وبالنسبة للهيبوستاسيس الواحد، أوضح أنه كان الهيبوستاسيس المتجسد الواحد للكلمة.

[12] لم يرد في وقائع جلسات المجمع ـ والتي لم تكن في الحقيقة كاملة ـ أي ذكر لهذه الرسالة الثالثة، وعلى هذا الأساس تساءل البعض عما إذا كانت تلك الرسالة قد قُبلت بالفعل في مجمع عام 431م. وسيظهر لنا فيما بعد أن التاريخ اللاحق للجدل الخريستولوجي قد أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن تلك الرسالة قد قُبلت بالفعل من قبل المجمع.

[13] هناك رأي يرى أن تلك الوثيقة كانت هي إعتراف الإيمان الذي قدمه الأنطاكيون للإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني عام 431م وأنها من وضع ثيؤدوريت أسقف قورش. انظر:

(J. Tixorent, History of Dogma, Herder, 1916, vol. III, p. 47, n. 131).

[14] هذه الوثيقة التي عادة ما يُشار إليها بـ ’صيغة إعادة الوحدة عام 433م‘ نجدها في المرجع السابق:

(T. H. Bindley, The Oecumenical Documents of the Faith)

* رغم أن كلمة كلمة ’استمرارية‘ في عبارة “الاستمرارية غير المختلطة للاهوت والناسوت فيه” قد توحي بالوجود المسبق لللاهوت والناسوت قبل الاتحاد، لكن المقصود بها هو “الوجود غير المختلط للاهوت والناسوت فيه”، لأن الوجود المسبق لا ينطبق إلاّ على اللاهوت فقط إنما الناسوت فقد وُجد في الإتحاد. لذلك فكلمة استمرارية هنا تُستخدم لتعني أنه لم يحدث أي تغيير أو زوال لأي منهما في الإتحاد وأنهما استمرا بغير اختلاط أيضاً في الاتحاد.

[15] كان البابا كيرلس يدرك أن للأنطاكيين اعتراضات شديدة على حرومه الإثني عشر، لذلك كتب تفسيراً لتلك الوثيقة حينما كان في السجن بعد أمر ثيؤدوسيوس الثاني بعزله مع ممنون ونسطوريوس. ومع ذلك كتب كل ثيؤدوريت أسقف قورش وأندراوس أسقف سموساطا يفندان تلك الحروم، وقد كتب البابا كيرلس رده على كل منهما على حدة.

[16] ذكر البابا كيرلس هذه الأمور في رسائله إلى أكاكيوس أسقف ميليتين وفالريان أسقف إيقونيوم وسكسينسوس أسقف ديوقيصرية.

[17] إن مصطلح ’أنثروبوطوكس‘ يعني ’والدة الإنسان‘، ومصطلح ’خريستوطوكس‘ يعني ’والدة المسيح‘، ومصطلح ’ثيؤطوكس‘ يعني ’والدة الإله‘.

[18] كتب البابا كيرلس إلى فالريان أسقف إيقونيوم: “لأنهم (أي الأنطاكيين) يعترفون أيضاً ـ كما نفعل نحن ـ بأن العذراء القديسة هي ’ثيؤطوكس‘، بدون إضافة أنها ’خريستوطوكس‘ أو ’أنثروبوطوكس‘ التي كان يقولها نسطوريوس”.

[19] يقول الحرم الرابع: “إذا نسب أحد، كلمات الإنجيليين أو الكتابات الرسولية سواء تلك التي قالها القديسون عن المسيح أو التي قالها هو عن نفسه، إلى شخصين أو هيبوستاسيسين (أقنومين)، ناسباً بعضها كما لو كان إلى إنسان منفصل عن الله، وناسباً البعض الآخر الذي يلائم الله كما لو كان إلى الكلمة وحده الذي من الله الآب، فليكن محروماً”.

[20] يرى جون ماكينتير (John McIntyre) أن مفهوم ’هيبوستاسيس مركب‘ من وضع إفرايم الأنطاكي في القرن السادس

(The shape of Christology, S.C.M., 1966, p. 100)، ولكن هذه المقولة خاطئة تماماً.

[21] هذه الحقيقة أكدها الدارسون أمثال بول جالتييه كما جاء في بحثه:

(Saint Cyrille d’Alexandrie et Saint Leon le Grand a Chalcedone – Das Konzil von Chalkedon, op. cit., vol. 1.)

[22] انظر الجزء الخاص بمناقشة الخريستولوجي الأنطاكي صفحة  وما يليها.

[23] يُترجم ’البروسوبون‘ مثل ’الهيبوستاسيس‘ بمعنى ’الشخص‘، ولكن ’البروسوبون‘ لا يعني الشخص بالمعنى الكامل للمصطلح، وإنما يدل على الناحية الخارجية للكائن التي تميِّز الواحد عن الآخر. انظر هذا الموضوع بالتفصيل في صفحة  وما يليها.

مجمع أفسس عام 431م وعلاقته بمجمع خلقيدونية

غريغوريوس أسقف نيصا فى التراث العربى المسيحى

غريغوريوس أسقف نيصا فى التراث العربى المسيحى

غريغوريوس أسقف نيصا فى التراث العربى المسيحى

غريغوريوس أسقف نيصّا فى التراث العربى المسيحى

للكنيسة القبطية د. جوزيف موريس فلتس

1 لمحة عن شخصيته وحياته [1]

          ينتمى غريغوريوس إلى مدرسة كبادوكية اللاهوتية والتى ضمت كل من أخيه القديس باسيليوس الكبير وصديقه القديس غريغوريوس النيزينزى، والتى لعبت دورَا هاما فى تشكيل الفكر اللاهوتى المسيحى .

ولد عام 335م تقريبا فى قيصرية الجديدة ببلاد بنتطس فى بلدة اسمها ”  أنيسا ” وتوفى عام394م . وهو من عائلة أرستقراطية مشهورة فى كل منطقة كبادوكية ، بغناها وثقافتها . تتلمذ على يد أخيه القديس باسيليوس الكبير، وأظهر منذ حداثته شغفا كبيرا بالكتاب المقدس والعلوم الفلسفية، وقد خدم بالكنيسة قارئا للإنجيل.

بدأ فى دراسة فن الخطابة وأجاد فيه ولكن بمشورة صديقه القديس غريغوريوس النيزينزى ترك مهنة الخطابة بعد حين. تزوج من امرأة تقية تدعى ثيئوسيفيا وربما رزق منها بولد اسمه كينيجيوُُ. وبناء على طلب أخيه باسيليوس كتب كتابا عن البتولية بعد عام 370م.

فى عام 372م سيم أسقفا لبلدة ” نيصّا ” بآسيا الصغرى مطيعًا فى هذا أيضًا أخوه باسيليوس رئيس أساقفة قيصرية  كبادوكيا . وتعرض لهجمات شرسة ومحاربات نتيجة للاضطرابات الكنسية الأمر الذى تسبب فى مشاكل لخدمة أخيه القديس باسيليوس . ففى عام 375م ـ 376م اُتهم من قِبَل الآريوسيين ونجحوا فى أن يشكوه للحكام الموالين لهم بتهمة تبديد أموال الكنيسة ومتهمين إياه بتصرفات غير قانونية ، وبسبب هذه التهم قبضت عليه السلطات وأبعدته عن إيبارشيته ، وفى الطريق أصابه المرض ونجح أصدقاؤه فى إخفائه فى مكان آمن.

وفى مجمع عقد فى ” نيصّا ” عام 378م تم عزله غيابيًا ونفيه. وبعد وفاة الحاكم الموالى للآريوسيين فى صيف 378م، عاد إلى كرسيه حيث استقبله الشعب بفرح كثير .

فى يناير عام 379م حضر وداع أخيه باسيليوس الأخير عند انتقاله ، وحينئذ شعر بمسئوليته الروحية الضخمة كوارث لتراث أخيه الكنسى . اشترك فى مجمع بأنطاكية فى خريف عام 379م حيث اعتمد المجمع تعاليم ولاهوت القديس باسيليوس الكبير لأول مرة.

وفى عودته مرة أخرى إلى ” نيصّا ” مر ببلدته” أنيسا ” حيث اشترك فى الوداع الأخير لأخته ماكرينا ورجع إلى مقر إيبارشيته حيث كان ينتظره جهاد عظيم ضد الآريوسيين .

فى ربيع 381م تواجد فى ” إفورا ” للاشتراك فى رسامة أحد الأساقفة هناك ، حينئذ طالبه أهالى بلدة ” سبسطيا ” أن يصير أسقفًا وراعيًا لهم ليحارب معهم أتباع أسقفهم السابق أوستاثيوس[2]، الذى كان يهاجم ألوهية الابن، ومن أنصار بدعة محاربى الروح القدس .. ولقد وافقهم غريغوريوس على ذلك رغم أنه واجه فيما بعد متاعب كثيرة .

وقبل نهاية عام 381م عاد إلى نيصّا حيث بدأ الكتابة ضد أونوميوس الذى أحيا الهرطقة الآريوسية من جديد فى الكنيسة [3].

من مايو عام 381م إلى يونيو من نفس العام تواجد فى القسطنطينية لحضور المجمع المسكونى الثانى حيث لعب دورا هاما معبرًا عن التعاليم الأرثوذكسية الصحيحة للآباء الكبادوك حول عقيدة الثالوث وألوهية الروح القدس ، وكُلف فى سنة 382م بمهمة خاصة سافر من أجلها إلى أورشليم وإلى بلاد العرب .. ولقد قام أيضا برحلاتٍ تتعلق بشئون الكنيسة فى كثير من بلاد بنتطس وكبادوكيا وأرمينيا وغلاطية .

فى سنة 383م اشترك فى مجمع عُقد بالقسطنطينية حيث ألقى خطابا عن ألوهية الابن والروح القدس، وفى هذا الخطاب أظهر قدرات خطابية لاهوتية فائقة مما جعله يحظى بلقب الخطيب الرسمى للإمبراطورية ، الأمر الذى جعل الإمبراطور ثيئودوسيوس يختاره فى سنة 385م لإلقاء كلمة الوداع الأخيرة فى جنازة ابنته بوليخيريا، وبعدها فى جنازة زوجته الإمبراطورة بلاكيللا سنة 387م.

بعد سنة 387م ، ليس لدينا أخبار عن غريغوريوس ، فربما بسبب تعبه وكبر سنه، انسحب من مسرح الأحداث السياسية والكنسية لكى يتفرغ للكتابة وخصوصا الكتابات النسكية.

وآخر أخباره لدينا هو اشتراكه فى مجمع آخر بالقسطنطينية عام 394م.

2 أعماله (كتاباته) [4]

لغريغوريوس أسقف نيصَّا مؤلفات كثيرة بلغت 33 كتابًا، شملت موضوعات عقائدية وتفسيرية وليتورجية وروحية نسكية ، ورسائل. نختار من أهم هذه المؤلفات، الكتابات الآتية:

1 – عن الثالوث الأقدس .                                                        

2 – عن الروح القدس .

3 – عن الفرق بين الجوهر والأقنوم .                

4 – تفسير نشيد الأنشاد .

5 – تفسير أيام الخليقة الست .                                

6 – عن المعمودية .

7 – عن قيامة المسيح .                 

8 – عن البتولية .

9 – شرح التطويبات .       

10 – رسالة إلى غريغوريوس اللاهوتى .

 

3 تعاليمه اللاهوتية [5]

غريغوريوس أسقف نيصّا هو أول لاهوتى يُعبر عن الحياة الروحية التأملية للنُساك، وهو فى نفس الوقت من أعمدة الفكر اللاهوتى، ففى شخصه يجتمع اللاهوت العميق مع الخبرة الروحية الغنية .

انشغل غريغوريوس بمشاكل الكنيسة اللاهوتية فى عصره ، مقتفيا آثار أخيه ومعلمه باسيليوس الكبير ، واعتبر نفسه الوريث لحياته الفكرية والروحية . فقد قدم غريغوريوس للكنيسة رصيدًا لاهوتيًا بما تعلمه فى أحضانها من تعاليم ولاهوت الآباء الكبادوك، وتعاليم القديس إيريناوس والقديس أثناسيوس ، وكذلك معلمى مدرسة الإسكندرية بمنهجها الرمزى فى التفسير ، وأيضًا معلمى المدرسة الإنطاكية بطابعها الحرفى فى التفسير .

وبالرغم من اعتماد غريغوريوس فى كتاباته على تعاليم وكتابات باسيليوس فيما يختص بعقيدة الثالوث والروح القدس إلا أنه تابع أيضا ما كتبه القديس غريغوريوس النازينزى عن طبيعة السيد المسيح (Christology) وطور كل هذا الفكر وعمقه وفتح آفاقا جديدة عندما تكلم عن الإنسان Anthoropolgy))، تلك الآفاق التى صارت فيما بعد أساسًا للاهوت السرى (المستيكى) أو بمعنى آخر لاهوت الهدوئيين، وبالأخص كتابات مكسيموس المعترف فى القرن السابع وكتابات غريغوريوس بالاماس فى القرن 14م ، وغيرهما.

إن  آراء أونوميوس (eÙnÒmioj) فى إنكار ألوهية الابن، وآراء اتباع بدعة مقاومى الروح فى إنكارهم لألوهية الروح القدس، وكذلك تعاليم أبوليناريوس، قد عرضت تعاليم الكنيسة عن الحق الإلهى للخطر، مما كان له الأثر فى حياة المؤمنين الروحية والرؤية المسيحية للإنسان.

فمما لاشك فيه أن جماعات الرهبان والمتعبدين الذين عُرفوا بأصحاب بدعة ” المصلين” والذين عرفهم غريغوريوس ، كان لهم بعض الأفكار الخاطئة. وفى هذا كان يكمن خطر وجود تعاليم خاطئة مع تطبيقات عملية فى العبادة لهذه التعاليم المنحرفة .

كل هذه الأمور مثلت دافعا قويا لغريغوريوس لكى يبرز الحق الإلهى، ولهذا فإننا نجده يسعى فى كتاباته للربط بين التعليم عن عقيدة الثالوث والتعليم عن شخص المسيح ، وأيضا للربط بين تعاليمه هذه، وبين رؤيته للإنسان كمخلوق على صورة الله .

ومن الصعب أن نفرق فى أعماله بين اهتماماته العقائدية المحضة واهتماماته الروحية الصرفة ، إذ يؤكد بنفسه قائلا :

[ إن الفضائل الروحية تؤدى فى الوقت نفسه إلى المعرفة الصحيحة للحقيقة الإلهية ][6].

والجديد الذى قدمه غريغوريوس بوضوح ، هو التفرقة الواضحة بين ما هو إلهى : “غير مخلوق ” وبين ما هو من العالم أى ” مخلوق ” ، فكل ما هو كائن بذاته هو ” إلهى ” وكل ما هو فى العالم هو ” موجود ” على أساس أن له صلة تربطه بهذا ” الكائن الإلهى” .

            وفى هذا الجديد قدم أيضًا تصورًا رائعًا للإنسان كمخلوق ” ذو نفس حية ” يشابه الله    “™myÚcon Ðmoiwmatoj toà Qeoà” ، أى أن الإنسان كائن حى يجب عليه أن يسعى بدون انقطاع لكى يتحد بالله ، متحركًا من حالة العدم إلى حالة الوجود .

 

4 تأثيره فى معاصريه ومن لحقه

لقد أثر غريغوريوس بتعاليمه وكتاباته ليس فقط فى تعاليم معاصريه من آباء الكنيسة، بل أيضا فيمن كتبوا بعد ذلك بكثير، ومنهم من ساهم فى تكوين التراث العربى المسيحى، ونستدل على ذلك بالأمور التالية :

أ  ـ وجود ترجمات لمؤلفاته باللغة العربية وانتشارها فى مخطوطات ترجع لعصور مختلفة.

ب ـ الاستشهاد ببعض من مؤلفاته فى كتب التراث العربى المسيحى .

ج ـ نَسْبّ بعض الأعمال فى التراث العربى المسيحى إليه .

د ـ وجود بعض ترجمات عربية حديثة لحياته وكتاباته .

 

أ ـ  وجود ترجمات لمؤلفاته باللغة العربية وانتشارها عبر العصور

يخبرنا الكاتب الموسوعى شمس الرياسة أبو البركات (ق13) فى موسوعته “مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة “[7] الباب السابع فى ذكره ” مصنفات الآباء ومؤلفات الفضلاء الذين كانوا قبل الفرّق (الانقسام) وبعده ” عن أن الكنيسة القبطية قد عرفت فى اللغة العربية ستة من أعمال غريغوريوس الأصيلة والمنحولة، فيقول ” اغريغوريوس أخو باسيليوس القيسرانى له من الموضوعات ” :

(أ) قداس السرائر للابن .

(ب) الثانى : تتمة الاكسيمارس الذى شرحه القديس باسيليوس أخوه[8] .

(ج) الثالث : رسالة أرسلها إلى الأب بطرس أخيه بالاعتذار إليه فى تقصير الشرح، وفيها إعادة ذكر بعض من تفسير الخليقة .

(د) الرابع : شرح نشيد الأنشاد لسليمان بن داود وشرحها شرحًا روحانيًا [9].

(هـ) الخامس: كتاب الأبواب فى صفة طبيعة الإنسان، ويذكر أبو البركات أن الذى ترجمه من اللغة اليونانية إلى العربية هو حنين بن اسحق المتطبب وأن عدد أبواب هذا الكتاب بلغ 23 بابًا .

(و) السادس : كتاب إيساغوجى لأرسطوطاليس، ويعلق شمس الرياسة على هذا الكتاب قائلاً ” وهو وإن كان كتابًا علميًا فإنه يفيد فى تقسيم المعانى وتَفَهُم أصول العقيدة التى عليها أسست المبانى ” .

(ز) السابع : يذكر أبو البركات تحت اسم القديسة مكرينا[10] أنها اخت غريغوريوس وأنه أجرى معها حديثًا عن النفس الناطقة المحيية للجسد، وذلك قبل وفاتها مباشرة، ويرى أبو البركات أنها ” مجادلة ممتعة وفيها دلائل عقلية مقنعة ” .

          أما Georg Graf  [11] فيخبرنا بالتفصيل عن المخطوطات العربية التى شملت بعضًا من مؤلفات غريغوريوس، وإن كان Graf يرى أن أعماله العقائدية لم يكن لها النصيب الوافر فى الترجمات العربية مثل باقى أعماله التفسيرية ومقالاته وميامره . ويشير إلى وجود مخطوطات لتفسير نشيد الأنشاد والتطويبات ، وكذلك ميمر عن قيامة المسيح .

 

ب ـ الاستشهاد ببعض مؤلفاته

          لقد حاولت ـ بقدر المستطاع ـ أن أحصر كل من استشهد بمؤلفات غريغوريوس أسقف نيصَّا لإيضاح تأثيره على من كتبوا بالعربية فى الكنيسة القبطية ، ويمكن أن نذكر الأسماء الآتية:

          1 ـ أنبا ساويروس بن المقفع

          عندما رأى ساويروس بن المقفع فى القرن العاشر أن اللغة القبطية لم تعد مفهومة بالنسبة للشعب القبطى، وأن الأفكار الإسلامية قد بدأت فى التغلغل فى الأوساط المسيحية ، قرر كراعٍ وأسقف أن يؤلف بالعربية كتبًا لاهوتية دفاعية يعضد بها شعبه. لهذا ففى كتابه “الدر الثمين” أو الكتاب الثانى ذو الخمس عشر فصلاً، نجد أن ابن المقفع يستعرض عقائد كنيسته القبطية وبالذات عقيدتى الثالوث وطبيعة السيد المسيح[12] شارحًا بالتفصيل معنى الاتحاد الأقنومى لطبيعتى السيد المسيح، مدعمًا أرائه بأقوال “الآباء معلمين البيعة”.

ومن بين آباء ما قبل خلقيدونية، الذى استشهد بهم أسقف الأشمونين فى الفصلين الثانى والعاشر اللذين خصصهما للحديث عن ” ميلاد المسيح ” ، وعن “مضى الرب بالنفس إلى الجحيم “[13] غريغوريوس أسقف نيصّا.

وفى رأينا أن السبب الذى أعطى لكتابات غريغوريوس تلك المرجعية الأصلية هو اسهاماته الفعالة فى موضوع طبيعة المسيح وما قدمه من شروحات للتعبيرات التى استخدمت فى شرح عقيدة الخريستولوجى مثل تعبير “‘An£krash”، وتعبير “¢sÚgcuth ” لكى لا تُفسر على أنها عبارات أوطاخية المعنى وهرطوقية [14]، تلك البدعة التى حاول ابن المقفع أن يبرئ منها الكنيسة القبطية ، وهو ما يتضح بنوع خاص فى رده الدفاعى على الكاتب الملكى سعيد بن البطريق [15].

        2 ـ مؤلف كتاب اعتراف الآباء [16]

     إن كتاب اعتراف الآباء هو من أهم الكتب اللاهوتية بالنسبة للكنائس غير الخلقيدونية، سواء القبطية أو السريانية أو الإثيوبية . يرجع تاريخه إلى سنة 1078، وللأسف فإن مؤلفه القبطى مجهول الهوية. يحوى هذا الكتاب نصوصًا إما من مقالات كاملة من آباء الكنيسة، أو من مقتطفات كبيرة أو صغيرة الحجم مترجمة إلى العربية بلغ عددها 253، تشرح عقيدة الكنيسة فيما يختص بسر الثالوث وسر التجسد .

ومن الجدير بالذكر أن القديس كيرلس الأسكندرى هو صاحب النصيب الأكبر فى هذه الأقوال، فقد بلغ عدد الفقرات المنسوبة إليه 66 ، الأمر الذى يعكس أهمية الدور الذى لعبه القديس كيرلس عمود الدين فى خريستولوجى كنيسة الأسكندرية .

          غير أن كاتب اعتراف الآباء، لم يكتف بآباء الأسكندرية، بل حاول الاستعانة أيضًا بالآباء الكبادوك . ومن الثابت أن لاهوت كيرلس عن طبيعة المسيح قد اعتمد على ما قدمه من قبل غريغوريوس أسقف نيصّا ، ومن كتاباته الهامة فى هذا المجال : ” الفرق بين الجوهر والأقنوم ” [17].

     ولهذا كان من المهم أن يستشهد كاتب اعتراف الآباء بنصوص من كتاباته، والتى بلغ عددها أربعة مقتطفات .

          بل إن اختيار هذه النصوص بالذات يعكس مدى تقدير الكاتب القبطى للمساهمة الفعالة وللعناصر الجديدة التى أدخلها غريغوريوس فى الفكر المسيحى، وذلك بالتفرقة الواضحة بين ما هو إلهى ” غير مخلوق ” وكل ما هو فى العالم ” ومخلوق ” كما سبق القول .

          وكمثال لهذا الاختيار الواعى، نستعرض الفقرة التى جاءت فى مخطوط اعتراف الآباء من الميمر الخامس عشر من تفسير نشيد الأنشاد لأسقف نيصّا :

          [ المسيح غير خليقة وخليقة اجتمعا فى موضع واحد معًا ، أما الغير مخلوق فنقول لأجله إنه أزلى قبل كل الدهور، وأنه دايمًا إلى الأبد، وهو خالق كل شئ كائن ، فأما خليقته فهى المشاركة التى صار فيها مع جسد تواضعنا بالتدبير الذى فعله لأجلنا ] [18].

          مثال آخر لهذا الاختيار ربما يكشف لنا بعدًا جديدًا لتأثير كتابات غريغوريوس النسكية فى الحياة الرهبانية :

          هناك نص مشترك، استشهد بفقرات مختلفة منه كل من ابن المقفع[19] وكاتب مخطوط اعتراف الآباء [20]، ذلك النص هو لكتاب غريغوريوس المشهور عن ” التطويبات ” .

          فبالرغم من أن اقتباساتهم كانت بهدف تدعيم وجهة نظرهم العقائدية والتى هى الموضوع الأساسى للكتابين، هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى يمكن القول إن كتاب التطويبات لأسقف نيصّا كان معروفًا فى الأديرة القبطية. ربما يرجع السبب فى ذلك إلى أن هذا الكتاب يعتبر أهم كتابات غريغوريوس النسكية، وأحد المراجع الهامة فى هذا الموضوع الروحى، وهو يشمل ثمانية مقالات يحلل فيها الكاتب الحياة النسكية التى تقود إلى حياة الغبطة، وبالتالى إلى حياة الشركة الكاملة مع الله، أو بمعنى آخر إلى ” التأليه ” [21].

          هذا ولقد تناول القديس مقاريوس الكبير الذى عاصر غريغوريوس، الموضوع نفسه فى عظاته المشهورة [22] والتى حظيت بانتشار واسع بين الرهبان الأقباط وأثرت تأثيرًا فعالاً فى الحياة النسكية فى الشرق والغرب، وقرأها بدقة كل من اشتاق قلبه لحياة النسك والتأمل الروحى ، ولاقتناء الخبرات الروحية .

          إلاّ أن رهبان الأديرة فى القرن العاشر وما بعده الذين كانوا يتحدثون القبطية والعربية[23] لم يكتفوا قط بترجمة أعمال مقاريوس إلى العربية للاستفادة منها، بل حاولوا أيضًا ترجمة كتابات غريغوريوس والتى تحمل نفس المضمون للتعرف على ما تحتويه ، بالرغم من صعوبة فهمها، مثلها مثل باقى أعمال غريغوريوس، والتى كانت تُقرأ من رهبان عصره المثقفين فقط، لما فيها من أفكار فلسفية عالية وتحليل لاهوتى عميق، بنى عليه غريغوريوس تعاليمه النسكية.

          لقد كانت كتابات مقاريوس تمثل الدليل والمنهج العملى للرهبان فى عبادتهم النسكية ، بينما جاءت كتابات غريغوريوس لتضع الأساس النظرى لتلك الحياة .

          وفى رأينا أن الرهبان يمكن أن يكونوا قد استطاعوا أن يقتنوا لأنفسهم هذا الأساس النظرى لأسلوب حياتهم النسكى، حتى يستطيعوا أن يواجهوا التيارات الفلسفية المضادة التى برزت حين بدأ العرب فى ترجمة الكتابات الفلسفية اليونانية إلى العربية، وأن يستخدموا التعبيرات الفلسفية فى مواجهة الفكر المسيحى .

 

ج ـ نَسْبّ بعض الأعمال فى التراث العربى المسيحى إليه

          تُنسِب بعض المخطوطات عدة مؤلفات لغريغوريوس أسقف نيصّا ، الأمر الذى يدل على انتشار أعماله وقوة تأثيرها فى الفكر المسيحى، ونذكر على سبيل المثال :

          1 ـ ينسب أبو البركات فى كتابه ” مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة ” ، لغريغوريوس القداس الإلهى المستخدم فى الكنيسة القبطية والمعروف باسم قداس الابن للقديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات ( القديس غريغوريوس النيزينزى).

          2 ـ ينسب كاتب اعتراف الآباء بعض المقتطفات التى استعان بها أيضًا لغريغوريوس :

          فالمقطع الذى ورد عن المعمودية فى كتاب اعتراف الآباء، والذى نجده فى الجزء 88 من مجموعة PG (1876D- 1877D) هو فى الواقع لغريغوريوس الأنطاكى [24].

          كما أن المقطع الآخر عن التوبة لا يوجد بين نصوص غريغوريوس أسقف نيصّا ، وعلى ما يبدو هو جزء من العظات المشهورة للقديس مار افرام السريانى عن نفس الموضوع [25].

 

د ـ وجود بعض من ترجمات عربية حديثة لكتاباته ونشر مؤلفات عن حياته

          بالإضافة إلى الترجمات التى تمت لبعض كتابات غريغوريوس أسقف نيصّا بداية من القرن العاشر كما سبق القول ، فنجد أن هناك ترجمات حديثة لبعض كتاباته الأخرى ، وأيضًا مؤلفات عن حياته وتعاليمه ، نشير إليها على سبيل المثال لا الحصر ونوردها حسب تاريخ نشرها :

(أ) ترجمات لكتاباته

1 ـ حياة موسى : تعريب القمص إشعياء ميخائيل ، القاهرة 1988م.

2 ـ نشيد الأناشيد : تعريب القمص تادرس يعقوب ملطى ، الأسكندرية 1993م.

3 ـ السلوك المسيحى : تعريب القمص إشعياء ميخائيل، القاهرة 1993م.

4 ـ من مجد إلى مجد : تعريب القمص إشعياء ميخائيل، القاهرة 1994م (طبعة ثانية).

5 ـ الكمال المسيحى : تعريب القمص إشعياء ميخائيل، القاهرة 1994م.

(ب) مؤلفات عن حياته وتعاليمه

      1 ـ القديس غريغوريوس أسقف نيصص: حياته ـ كتاباته ـ منهجه ـ أفكاره : القمص تادرس يعقوب ، القاهرة 1993م.

      2 ـ القديس غريغوريوس النيسى ، فصل فى كتاب دراسات فى آباء الكنيسة ، إعداد أحد رهبان برية القديس مقاريوس ص 375 ، برية شيهيت 1999م.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مراجع:

1 S. Papadopoulou. Patrolog…a, tÒmoj B`, Aqhnai 1990. sel. 615-616.

2 S. Papadopoulou. Patrologia B/, Aqhnai 1990. sel. 408.

[3] المرجع السابق sel. 579 .

4 J .Quasten, Patrology, Spectrum Publishers, Utrecht/Antwerp, Fouth printing 1975, vol III. pp.257-283 .

5 S. Papadopoulou. المرجع السابق. Sel. 590-615.

[6] PG 44, 377BC.

7 أبو البركات : مصباح الظلمة فى إيضاح الخدمة،الأب سمير خليل.نشر مكتبة مارجرجس ص290  .

8 كتبه لتصحيح بعض شروحات القديس باسيليوس والتى فهمت بطريقة خاطئة وأيضا ليضيف إليها بعض التأملات الأخرى. انظر(Quasten,P:264) ََهناك اشارة إلى وجود ترجمة عربية لهذا النص فى Clavis Patrum Graecorum II. 3152

9 أنظر المرجع السابق CPG II 3158 حيث يشير إلى وجود ترجمة قبطية لهذا النص .

10 أبو البركات : المرجع السابق ص 292.

11 Georg Graf : Geschiche der Christichen arabischen literatur, coll studie Testi, 118, citto de Vaticano 1944, Band I ss. 332-335.

[12] Paul Maiberger, Das Buch der kostbaren Perife von Severs Ibn Al-Muqaffa, Wiesbadeu 1972, s.2.

13 مخطوطة 126 لاهوت بدير السريان ـ غير منشور ص 53.

[14] S. Papadoplou,  المرجع السابق p. 602.

15 الأب الدكتور جورج شحاتة قنواتى : المسيحية والحضارة العربية ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ص200.

[16] Georg Graf: Zwei dogmatische florilegien der kopten. B. Das Bekenntnis der Väter, Roma 128, 1937, 345-402.

[17] Per… diafor©j oÙs…aj ka… Øpost£sewj. PG 32, 325-340.

18 أنظر مخطوط رقم 196 لاهوت بالمتحف القبطى 4,r .

19 أنظر مخطوط رقم 126 لاهوت بدير السريان .

20 أنظر المخطوط السابق رقم 196 42r-42v .

[21] S. Papdopoulou. المرجع السابق  p. 618.

22 أنظر ترجمة حديثة لعظات القديس مقاريوس إصدار مركز دراسات الآباء بالقاهرة سنة 1991م .

23 جاك تاجر: أقباط ومسلمون ، ترجمة عربية جرسى سيتى 1984، ص 303.

[24] Georg Graf: Zwei dogmatische.. s: 372, 42.

[25] Georg Graf: Zwei dogmatische.. s: 372, 44.

غريغوريوس أسقف نيصا فى التراث العربى المسيحى

Jesus as Savior and Protector—Before Easter and After- Craig A. Evans

 

المرجع من كتاب: The Quest for the Real Jesus
Radboud Prestige Lectures by Prof. Dr. Michael Wolter Edited by Jan van der Watt -Leiden • boston 2013-pp.87-98

[gview file=”http://www.difa3iat.com/wp-content/uploads/2014/07/5BJan_van_der_Watt_5D_The_Quest_for_the_Real_Jesus_R_28BookZZ.org_29.100-111_2.pdf”]

Handling an Objection: “I love the moral teachings of Jesus but I don’t think He is divine.”

Handling an Objection: “I love the moral teachings of Jesus but I don’t think He is divine.”

 
This past week I was doing some outreach on a major college campus. When it came time to talk about the identity of Jesus, I heard two similar responses. Granted, I have heard this objection many, many, times. It goes like this:

“I really like the moral teachings of Jesus, but I don’t think he is divine.”

I could respond to this by using the C.S. Lewis argument that Jesus is either Lord, Lunatic, or Liar. I tend to not use that one a lot. While it still has some value it generally begs the question of the reliability of the New Testament. After all, some skeptics assume the deity of Jesus is a later invention of the Church. As I have noted elsewhere, this is incorrect. The Christology is Jesus was at the very start of the formation of the early Jesus movement.

Jesus is the Message

Anyway, how do I respond to this? First, since the person already admires the teachings of Jesus, I point to the blind spot in their thinking. First, it is not the moral teachings of Jesus that is the message. Rather, Jesus is the message!

Probably the most pertinent examples of how Jesus in the message is in the Gospel of John where we see the “I AM” (Gk. ego eimi,) statements. I am well aware that all these passages need to be studied in context. But we see clearly that Jesus is emphasizing He is the message. For example:

Then Jesus declared, “I am the bread of life. He who comes to me will never go hungry, and he who believes in me will never be thirsty. (John 6:35)

When Jesus spoke again to the people, he said, “I am the light of the world. Whoever follows me will never walk in darkness, but will have the light of life.” (John 8:12)

I am the gate; whoever enters through me will be saved. He will come in and go out, and find pasture. (John 10:9)

“I am the good shepherd. The good shepherd lays down his life for the sheep.” (John 10:11)

Jesus said to her, “I am the resurrection and the life. He who believes in me will live, even though he dies; and whoever lives and believes in me will never die.” (John 11:25-26)

Jesus answered, “I am the way and the truth and the life. No one comes to the Father except through me.” (John 14:6)

“I am the vine; you are the branches. If a man remains in me and I in him, he will bear much fruit; apart from me you can do nothing.” (John 15:5)

From a tactical perspective, when people say they only like the teachings of Jesus, it can allow you the opportunity to share these passages from John and ask them if they might rethink their position.

Why Was Jesus Crucified?

Second, I ask the person is why was Jesus crucified? One issue that can tend to be overlooked is that we can minimize the issue of blasphemy in a Jewish setting. by the way, none of the above figures were accused of blasphemy. According to Jewish law, the claim to be the Messiah was not a criminal, nor capital offense. Therefore, the claim to be the Messiah was not even a blasphemous claim. (1)

If this is true, why was Jesus accused of blasphemy? According to Mark 14:62, Jesus affirmed the chief priests question that He is the Messiah, the Son of God, and the Coming Son of Man who would judge the world. This was considered a claim for deity since the eschatological authority of judgment was for God alone. Jesus provoked the indignation of his opponents because of His application of Daniel 7:13 and Psalm 110:1 to himself.

Also, many parables, which are universally acknowledged by critical scholars to be authentic to the historical Jesus, show that Jesus believed himself to be able to forgive sins against God (Matt. 9:2; Mark 2: 1-12). Forgiving sins was something that was designated for God alone (Exod. 34: 6-7; Neh.9:17; Dan. 9:9) and it was something that was done only in the Temple along with the proper sacrifice. So it can be seen that Jesus acts as if He is the Temple in person. In Mark 14:58, it says, “We heard him say, ‘I will destroy this man-made temple and in three days will build another, not made by man.’ The Jewish leadership knew that God was the one who was responsible for building the temple (Ex. 15:17; 1 En. 90:28-29).(2)

Also, God is the only one that is permitted to announce and threaten the destruction of the temple (Jer. 7:12-13; 26:4-6, 9;1 En.90:28-29). (3) It is also evident that one reasons Jesus was accused of blasphemy was because He usurped God’s authority by making himself to actually be God (Jn. 10:33, 36). Not only was this considered by the Jews to be blasphemous, it was worthy of the death penalty (Matt. 26:63-66; Mk. 14:61-65; Lk. 22:66-71; Jn. 10:31-39; 19:7)

As the late Martin Hengal said:

“Jesus’ claim to authority goes far beyond anything that can be adduced as prophetic prototypes or parallels from the field of the Old Testament and from the New Testament period. [Jesus] remains in the last resort incommensurable, and so basically confounds every attempt to fit him into categories suggested by the phenomenology of sociology of religion.” (4)

Remember that there was a Jewish leader named Bar Kohba who made an open proclamation to be the real Messiah who would take over Rome and enable the Jewish people to regain their self-rule (A.D. 132-135). Even a prominent rabbi called Rabbi Akiba affirmed him as the Messiah. Unfortunately, the revolt led by Bar Kohba failed and as a result and both he and Rabbi Akiba were slain. And remember, Bar Kohba was not accused of blasphemy. He never claimed to have the authority to forgive sins or claim to be the Son of Man (as referring to Daniel 7).

Conclusion

In the end, I think the reason some people like the moral teachings of Jesus and avoid the divinity issue is an issue of autonomy. A non- divine Jesus is really not very threatening and doesn’t ask much of us.

Sources:

1. See Darrell L. Bock. Blasphemy and Exaltation in Judaism: The Charge Against Jesus in Mark 14:53-65. Grand Rapids, MI: Baker Books, 1998.
2. William Lane Craig. Reasonable Faith: Third Edition. Wheaton, Illinois: Crossway Books, 2008, 307.
3. Martin Hengel, The Charismatic Leader and His Followers. New York: Crossroad, 1981. 68-69; Cited in Edwards, 96.
4. Jacob Immanuel Schochet. Mashiach: The Principle of Mashiach and the Messianic Era in Jewish Law and Tradition. New York: S.I.E. 1992, 93-101.
5. Ibid.

Using Inference to the Best Explantion: What Caused the Birth of Christology?

Using Inference to the Best Explantion: What Caused the Birth of Christology?

Using Inference to the Best Explantion: What Caused the Birth of Christology?
 
Anyone who studies historical method is familiar with what is called historical causation. Historians seek out the causes of a certain events. As historian Paul Barnett says, “The birth of Christianity and the birth of Christology are inseparable both as to time and essence.” (1) One thing for sure: the birth of Christology was very early and not something that was invented much later in Church history.

We must not forget that within Judaism there is a term called “avodah zara” which is defined as the formal recognition or worship as God of an entity that is in fact not God i.e., idolatry. In other words, the acceptance of a non-divine entity as your deity is a form of avodah zara. (2) As of today, traditional or Orthodox Judaism still upholds the position that Jewish people are forbidden to pray and worship anyone other than the God of Israel (Ex. 20:1–5; Deut. 5:6–9).

Paul’s Letters are the earliest records we have for the life of Jesus. We know that from about AD 48 until his death (60 to 65 AD) Paul wrote at least 13 of the New Testament’s books. They are also the earliest letters we have for the Christology of Jesus. To read any objections to Paul’s Letters, see here.

As pointed out by Richard Bauckham in his work on this topic, Paul believed that Jesus was God by attributing attributes to him that were distinctly reserved for God. And he did so in a distinctly Jewish manner while also preserving monotheism. There were three attributes that first century Jews uniquely assigned to God:

1. God is the Sole Ruler of all things

2. God is the Sole Creator of all things

3. God is the only being deserving of worship

So let’s look at how Paul matches up the data here:

1. Jesus participates in God’s sole rule over all things

Phil: 3:20-21: “For our citizenship is in heaven, from which also we eagerly wait for a Savior, the Lord Jesus Christ; who will transform the body of our humble state into conformity with the body of His glory, by the exertion of the power that He has even to subject all things to Himself.”

Eph. 1:21-22: Paul speaks of Jesus being ”far above all rule and authority and power and dominion, and every name that is named, not only in this age but also in the one to come. And He put all things in subjection under His feet…”

Here, Jesus is clearly given the authority to rule above every one of God’s created beings.

2. Jesus as the Creator of all things

Jesus is clearly thought by Paul to have been the creator of the universe. This attribute is reserved only to God in Second Temple Judaism. Paul makes it clear that Jesus created all things.

Col. 1:15-16: “He is the image of the invisible God, the firstborn over all creation. For by him all things were created: things in heaven and on earth, visible and invisible, whether thrones or powers or rulers or authorities; all things were created by him and for him.”

3. Jesus as worthy of worship

As discussed above, only God was worthy of worship in Second Temple Judaism. Nevertheless, Paul discusses the worship of Jesus. Since God is the sole Creator and Ruler of all things He alone should be worshiped. Even within the Roman Empire, Jews worshiped God alone. No other entity was worthy of worship. Here is one of the earliest Christological texts:

Philippians 2:6-11: “Who, being in very nature God, did not consider equality with God something to be grasped, but made himself nothing, taking the very nature of a servant, being made in human likeness. And being found in appearance as a man, he humbled himself and became obedient to death even death on a cross! Therefore God exalted him to the highest place and gave him the name that is above every name, that at the name of Jesus every knee should bow, in heaven and on earth and under the earth, and every tongue confess that Jesus Christ is Lord, to the glory of God the Father.”

In their book The Jesus Legend, The: A Case for the Historical Reliability of the Synoptic Jesus Tradition, Gregory Boyd and Paul Eddy say,

“During the reign of Pilate and Herod, when Caiaphas was high priest, we find a Jewish movement arising that worships a recent contemporary alongside and in a similar manner as Yahweh-God. To call this development “novel” is a significant understatement. In truth, it constitutes nothing less than a massive paradigm shift in the first century Palestinian Jewish religious worldview.” (3)

Explanations try to show how something happened. That is, what is the cause for something that has happened. So let’s weight the options on the table and see if we can come up with an explanation that explains the data at hand:

#1: Religious Syncretism

While there were various Jewish sects during the time of Jesus, religious syncretism is a form of idolatry. First, the Jewish Scriptures forbids worshiping anyone other than the God of Israel (Ex. 20:1–5; Deut. 5:6–9). Following the exile and subsequent intertestamental struggles, it can asked whether Jews still fell prey to physical idolatry. Some skeptics assert that since Israel always had problems with idolatry in their early formation, it would not be a challenge to assert they could fall into idolatry again by worshiping one of their own countrymen as God. But this is problematic; To assert that Israel’s previous problems with idolatry which would lead to further into idolatry in the Second Temple period leads me to cry “anachronism.” Remember, idolatry is rarely mentioned in the Gospels. But there are warnings about idolatry in other portions of the New Testament( 1 Cor. 6:9-10 ; Gal 5:20 ; Eph. 5:5 ; Col 3:5 ; 1 Peter 4:3 ; Rev 21:8). Paul instructs believers not to associate with idolaters ( 1 Cor .5:11 ; 10:14 ) and even commends the Thessalonian for their turning from the service of idols “to serve the living and true God” ( 1 Thess1:9) (see Walter A. Elwell’s Baker’s Evangelical Dictionary of Biblical Theology, pgs 364-365). So I guess my question is the following: Why would Paul or the early disciples commit an idolatrous act (by saying Jesus is divine) and but then later speak against idolatry? It seems rather inconsistent.

#2 Hellenism or Polytheism?

The syncretism objection is related to the Hellenism/Polytheism possibility. The first followers of Jesus were exclusively Jews. The book of Acts gives a reference to the early followers of Jesus as “the sect of Nazarenes” (Acts 24:5). However, it is asserted that as the Christian faith spread, it became a predominately Gentile based religion. By the time of Jesus, Jews had encountered the impact of Hellenistic culture for three hundred years. The word “Hellenistic” was given to describe the period of history that started with the death of Alexander the Great in 323 B.C. and ended when Rome conquered Alexander’s empire in 30 B.C .It is also safe to say that several forms of Jewish culture during the Roman period were somewhat Hellenized. This is why it is often argued that the incarnation grew out of Hellenistic presuppositions. But as Paul Eddy points out in his articleWas Christianity Corrupted by Hellenism? from the middle of the third century BC, while Jewish Palestine had already experienced the effects of Hellenism we need to remember that Hellenism did not tend to infiltrate and ‘corrupt’ the local religious traditions of the ancient world. Rather, people maintained their religious traditions in spite of Hellenistic influence in other areas of their lives. Also, there are also references to the negative views of gentile polytheism (Acts 17: 22-23; 1 Cor 8:5). Gentiles were regarded as both sinful (Gal 2:5) and idolatrous (Rom 1:23).

#3: The Deity of Jesus is Legend?

As I already said, the earliest documents for the Christology of Jesus are Paul’s Letters. In them, we have one of the earliest confessions of the deity of Jesus in 1 Corinthians 8: 5-6:

“For though there are things that are called gods, whether in the heavens or on earth; as there are many gods and many lords; yet to us there is one God, the Father, of whom are all things, and we for him; and one Lord, Jesus Christ, through whom are all things, and we live through him.”

Here is a distinct echo of the Shema, a creed that every Jew would have memorized from a very early age. When we read Deuteronomy 6:4-9, which says, “Hear O Israel! The Lord our God is our God, the Lord is one,” Paul ends up doing something extremely significant in the history of Judaism.

A glance at the entire context of the passage in 1 Corinthians 8:5-6 shows that according to Paul’s inspired understanding, Jesus receives the “name above all names,” the name God revealed as his own, the name of the Lord. In giving a reformulation of the Shema, Paul still affirms the existence of the one God, but what is unique is that somehow this one God now includes the one Lord, Jesus the Messiah. Therefore, Paul’s understanding of this passage begets no indication of abandoning Jewish monotheism in place of paganism.

For a Jewish person, when the title “Lord” (Heb. Adonai) was used in place of the divine name YHWH, this was the highest designation a Jewish person could use for deity. Furthermore, it would have been no problem to confess Jesus as prophet, priest, or king since these offices already existed in the Hebrew Bible. After all, these titles were used for a human being. There was nothing divine about them.

#4: The Christology of Jesus can be explained by the disciples experience with Jesus before the resurrection and the post-resurrection appearances

I have already pointed out that the resurrection of Jesus is the best explanation for many historical issues within the New Testament.. So at this point, I would have to assume that skeptics can only say that the birth of Christology is simply false because of their metaphysical starting points (e.g., Jesus can’t be divine because the natural world is all there is, etc).

For those that are still hung up on the reliability of the New Testament, see our resource page.

Sources:
1. 1. Paul Barnett, The Birth of Christianity: The First Twenty Years (Grand Rapids: Wm. B. Eerdmans Publishing Co. 2005), 8.

2. David Berger, The Rebbe, The Messiah And The Scandal Of Orthodox Difference, 160-174.

3. Gregory A. Boyd and Paul R. Eddy, The Jesus Legend: A Case For The Historical Reliability of the Synoptic Tradition (Grand Rapids: MI: Baker Books, 2007), 132.

Exit mobile version