العلامة أثيناغوراس يشهد للاهوت المسيح قبل مجمع نيقية
العلامة أثيناغوراس يشهد للاهوت المسيح قبل مجمع نيقية
العلامة أثيناغوراس يشهد للاهوت المسيح قبل مجمع نيقية
دفاع أثيناغوراس (عام 177 م)
الفصل العاشر:
لقد برهنت برهنة كافية على أننا غير ملحدين حيث أننا نقر بإله واحد، غير مخلوق، أزلى أبدى ” سرمدى “، غير منظور، غير قابل للتأثر والانفعال، لا يمكن إدراكه، غير محدود، يدرك على نوع ما بالعقل وحده والعقل، وهو الذي يكتنفه النور، والجمال، والروح، والقوة التي لا يعبر عنها، وبه خلق الكون بواسطة ” كلمته ” وبه نظم وبقى في الوجود.
(وقد قلت ” كلمته “)، لأننا نعترف أيضاً بأن الله، ولن أسمح لإنسان ما أن يظن من السخرية أن يكون الله أبن. ولو أن الشعراء في رواياتهم وخرافاتهم، لا يصفون الآلهة بصفات تسمو بهم عن البشر، إلا أن أسلوب تفكيرنا يختلف عن أسلوبهم (أسلوب تفكيرهم) فيما يختص بالله الآب أو الأبن، لكن أبن الله هو ” كلمة الآب ” في الرأى (الصورة) والفعل، لأن جميع الأشياء قد صنعت به وعلى مثاله ([1])
فالآب والأبن هما واحد، ولما كان الأبن في الآب، والآب في الأبن، في وحدة الروح وقوته، فإن الفهم والعقل، العقل والكلمة، في الآب هو أبن الله. ولكن إذا لاح لكم نظراً لذكائكم المفرط، أن تبحثوا عن المقصود بالأبن، فإننى أقرر في إيجاز أن الأبن هو أول نتاج الآب.
لا من حيث أنه أخرجه إلى الوجود، إذ أن الله، منذ البدء، وهو العقل الأزلى الأبدى ” السرمدى ” يوجد فيه ” الكلمة “، وهو منذ الأزل كائن مع الكلمة، بل من حيث أنه قد ظهر ” برز ” ليكون الصورة والقوة الفاعلة لجميع الأشياء الهيولية ” الماديه “، وهى منه بمثابة طبيعة ليس لها خواص أو أرض ساكنة (غير متحركة) تمتزج فيها الجزئيات الثقيلة بالجزئيات الخفيفة.
هذا وروح النبوءة يؤيد أقوالنا. فهو يقول : ” الرب صنعنى، أول سبل أعماله ” ([2]). بل ونحن نؤكد أن الروح القدس نفسه والفعال في الأنبياء. إنما هو فيض (بشق) من الله يصدر عنه، ويرتد إليه كشعاع من الشمس. فمن ذا الذي لا يتحير عندما يسمع أناساً يتكلمون عن الله الآب، وعن الله الأبن، وعن الروح القدس، ويجاهرون بما بهم (للثالوث) من قوة في الإتحاد وتمايز في الترتيب، ومع ذلك يدعون ملحدين؟
الفصل الثاني عشر:
حقاً لقد قال أفلاطون أن مينوس وارد أمانثوس سيد ينان الأثيم ويعاقبانه ولكننا نقول : حتى لو كان الرجل هو مينوس أو أراد أمنثوس مفسه، أو أباهما، فأنه سوف لا يفلت من قصاص الله. فهل يحسب تقياً، ذاك الذي يعتبر الحياة مشتملة في هذه (القاعدة) ” فلنأكل ولنشرب، لأننا غذاً نموت ” ([3]) أما الذين حسبوا الحياة الحاضرة تافهة القيمة في واقع الأمر، وقد أهتدوا إلى الحياة الآتيه بهذا الشئ وحده
أى أنهم عرفوا الله وكلمة الله، وما هى وحدة الأبن مع الآب وما هى شركة الآب مع الأبن، وما هو الروح، وما هى وحدانية هؤلاء الثلاثة، الروح، والأبن، والآب، وعرفوا أن الحياة التي نتوقعها (ننتظرها) هى أفضل بحيث لا يستطاع وصفها في كلمات، وعلى شرط أن نصل إليها أطهاراً من كل فعل شرير (أثيم).
الفصل الرابع والعشرون:
أو هل، في حديثى إليكم، يا من بحثتم في كل دئرى من دوائر العرفان، ما يدعونى ألى أن أذكر الشعراء، أو أفحص آراء من طراز آخر، يكفى، أنه أمر يطول شرحه. وإذا كان الشعراء والفلاسفة. لم يعرفوا أن هناك آلهاً واحداً، ولم يكونوا على رأى (إعتقاد) واحد فيما يتصل بهذه الآلهة : البعض يقول أنهم جن ” والبعض يقول أنهم مادة وغيرهم يقول أنهم كانوا – في يوم ما – بشراً
فلعل لنا عذراً فيما يضيق علينا من أجله، إذا كنا نستخدم لغة تدع تفرقة وتمييزاً بين الله والمادة وبين طبيعتهما لأننا كما نؤمن ” بآله “، ” وبأبن ” هو ” كلمته ” و ” بروح قدس ” (ثالوث) متحد في الجوهر، ” الآب ” و ” الأبن ” و ” الروح ” حيث أن الأبن هو ” بصيرة الآب وعقله وحكمته ” و ” الروح ” فيض (أو صدور) أو بثق، كما ينبثق النور من النار، هكذا نعتقد أيضاً بوجود قوى أخرى تسيطر على المادة وبالمادة، وبأن واحداً منها – على وجه الخصوص – خصم الله.
[1] – أو، به وفيه.
[2] – الأمثال ف 8 : 22.
[3] – عظة 49 : 16 : 672.
(صفحات من الفلسفة القبطية،الدفا،تأليف: أثيناغوارس الفيلسوف المسيحى 1961 أرشيدياكون دكتور وهيب عطا الله جرجس).
أولاً: أثيناغوراس هو أول من حاول أن يبرهن على وحدانية الله علميّاً. ولهذه الغاية فسّر عقلياً نبوءات الأنبياء التي تحدّثت عن وحدانية الله، منطلقاً من العلاقة القائمة بين الله والعالم الخارجي. وبهذا المعنى يقول: «والآن، أن يكون الله، خالق العالم، منذ البدء، واحداً، فيجب أن تنظروا إليه من وجهة نظر إيماننا أيضاً».
«فإذا كان هناك، منذ البدء، إلهان أو أكثر، أو أن بكون هؤلاء الآلهة في شخص واحد أو كائن واحد، وكذلك أن يكون لكل واحد جوهره المنفصل عن الآخر، فهذا يعني أنهم لا يشابهون بعضهم البعض. فإمّا أن يكونوا غير مخلوقين ولا شبه بينهم، وإمّا أن يكونوا مخلوقين والشبه قائم بينهم. فالأشياء المخلوقة تشابه خالقها، والأشياء غير المخلوقة تتميز بجوهرها الخاص. وبما أن العقل والإيمان يبرهنان على وجود المخلوقات المتعدّدة والتي تتشابه فيما بينها ومع خالقها، فذلك يعني أن هناك إله واحد فوق جميع المخلوقات التي صنعها، وبالتالي فإن فكرة تعدّد الآلهة لا تثبت عقلياً. لذلك فإنه من المنطقي أن نقرّ بإله واحد صنع جميع الكائنات وأوجدها، وهذا الإله هو الذي نبشّر به بإيماننا الموحى، وبالتالي بواسطة عقلنا الذي لا يقرّ بتعدّد الآلهة لأن المنطق لا يرى غيره إلهاً خالقاً لجميع الكائنات» (الاسترحام، 8).
ثانياً: أثيناغوراس هو أول من حاول تحديد ألوهة «اللوغس» ووحدته الجوهرية مع الآب، متحاشياً التبعية التي وقع فيها كثيرون من المدافعين اليونان. يقول: «وإذا كان يحسن لديكم أن تفهموا معنى كلمة «الابن» من خلال المفهوم العقلي، فإليكم رأينا بكلمات وجيزة. إن «الابن» هو سليل للآب، ليس لأنه مخلوق، ولكن لأن الله الذي هو عقل أبدي كان فيه، منذ البدء، الكلمة العاقل، الذي هو الابن. وهذا «الابن» هو مغاير للمخلوقات الأخرى لأنه من غير جوهرها، بل من جوهر الآب نفسه. فالروح ليس بإمكانه أن يكون من جوهر المادة المخلوقة، لذلك هو من جوهر الله غير المخلوق. والروح النبوي هو واضح بهذا المعنى، ويتوافق مع العقل حين يعلن: «إن الله أوجدني مبدأ حياة بالنسبة إلى أعماله»» (الاسترحام، 10).
ثالثاً: أمّا بالنسبة إلى الروح القدس، فيقول: «في الحقيقة، إن الروح القدس الذي يحرّك الذين تنبّئوا هو أيضاً من الله. إنه منه، ولقد دخل إلى قلب هؤلاء الأنبياء نور الشمس» (الاسترحام، 10).
رابعاً: أثيناغوراس هو من الأوّلين الذين أعطوا تحديداً واضحاً للثالوث الأقدس قبل إعلان مجمع (نيقية) الذي كان حدّاً فاصلاً في تاريخ الصراع حول عقيدة الثالوث. فهو يعلن عن وحدة الجوهر في أشخاص الثالوث المستقلة. يقول: «من لا يتعجب عندما يتهموننا بالإلحاد نحن الذين نؤمن بالله الآب، وبالله الابن، وبالله الروح القدس، الأقانيم الثلاثة المتمايزة في الشأن والمركز، والواحدة في الجوهر؟» (الاسترحام، 10).
خامساً: أمّا عن وجود الملائكة، فيقول: «نحن نقول إن هناك عدداً كبيراً من الملائكة، هم خدّام خالق العالم وصانعه، وبواسطة الكلمة الآتي منه وزّعهم وكلّفهم للاهتمام بجميع عناصر الكون وبالسموات وبالعالم، وبكل ما فيها لكي يكون كل شيء متوازناً ومتناغماً» (الاسترحام، 10).
سادساً: وأمّا عن الوحي، فيقول: «الشعراء والفلاسفة، هنا وهناك، قد تصرّفوا بطريقة تخمينية وظنّية. فلقد كان دافعهم معرفة الحقيقة دون الولوج إلى العمق ومحاولة معرفة الله بالذات. ولكن هذه المعرفة تمت من خلال استمزاهم وانجذابهم إلى عاطفتهم الخاصة، لذلك أتت معرفتهم ناقصة، ولذلك أيضاً كان رأي كل واحد مفارقاً للآخر.
«أمّا نحن، فإن لنا شهوداً على ما نفكر به ونؤمن بحقيقته، وهو أن الأنبياء أكدّوا على الأمور الإلهية التي نبشرّ ها لأن الروح الإلهي هو الذي أوحى بها إليهم. وما الأنبياء سوى أداة لهذه الروح، لذلك نحن نتعلق بكلامهم وليس بكلام البشر العاديين» (الاسترحام، 7).
سابعاً: وأمّا عن العفّة التي هي أهم ثمرات الخلقية المسيحية، فيقول: «إننا نجد عندنا رجالاً ونساءً قد طعنوا في السن ولم يتزوجوا أملاً منهم بأن يكونوا مكرّسين لله كليّاً. وهذه ميزة كبيرة في ديانتنا» (الاسترحام، 33).
ثامناً: وأمّا عن الزواج، فيقول: «وبما أننا نؤمن بالحياة الأبدية، فإن خيرات هذه الدنيا وملذاتها هي عندنا هباء. وكل واحد عندنا ينظر إلى المرأة التي تزوّجها من خلال فكرة إنجاب البنين ومشاركة الله في الخلق. وكما أن الزارع ينتظر الحصاد بعد زرعه للحبوب، هكذا الرجل ينتظر البنين لأن الزرع البشري هو لإعطاء الحياة وليس للذّة العابرة» (الاسترحام، 33).
تاسعاً: وأمّا بالنسبة إلى موقفه من الإجهاض وقتل الجنين في أحشاء أمه، لأمر الذي كانت تقرّ به الشريعة الرومانية، فإن أثيناغوراس كان واضحاً في رفضه لذلك، لأن الجنين، حتى ولو لم يتكون بعد، فإنه كائن حي أوجده الله. وفي ذلك يقول: «إننا نرفض جميع الوسائل التي يستعملها الناس للإجهاض لأن ذلك هو قتل الجنين عمداً. وبما أننا نرفض قتل الجنين في أحشاء أمه، فكيف يتهموننا بأننا من أكلة لحوم البشر، وبأننا قاتلون؟ إنه ليس بإمكاننا أن نفكر بقتل من تقدّم في الحياة ونحن نرفض حتى فكرة الإجهاض. إن الله يهتّم بالرجل الكبير الذي أصبح في عمر متقدّم. وإن قتل الأطفال هو جريمة كبيرة نحاسب عليها من قبل الله، ذلك لأننا جميعاً، كبيراً وصغيراً، سواسية أمام الله، وهذا ما يقرّ به العقل البشري، وهذا ما تعلمنا إيّاه ديانتنا المسيحية» (الاسترحام، 35).
عاشراً: وأمّا بالنسبة إلى عدم انفصال الزواج واستمراريته، فيقول: «إمّا أن نبقى كما خلقنا الله بدون زواج، وإمّا ألا نتزوج ثانية لأن الزواج الثاني هو زنى. فالذي يترك امرأته الأولى، أو الذي يفقدها بالموت، فلا يحقّ له أن يتزوج ثانية لأن الله، في البدء، خلق رجلاً واحداً وامرأة واحدة، ولم يخلق عدّة نساء لآدم» (الاسترحام، 33).
هذه الفكرة الأخيرة عن الزواج الثاني بعد موت الشريك لم توافقه عليها الكنيسة. لذلك اعتبر أثيناغوراس متطرفاً إلى حدّ التصوّف وملتزماً كليّاً لأن فكرة العفّة كانت عنده فكرة سامية، وكان يدعو الجميع إلى اعتناقها وعيشها، تكريساً لله، وبعداً عن ملذات العالم.
هذه باختصار النقاط الأساسية في لاهوت أثيناغوراس وفلسفته الذي كان بحقّ دعامة بيرة للكنيسة في مرحلة من أصعب مراحل تاريخها في قلب الاضطهاد الذي شنّه عليها حكّام الإمبراطورية الرومانية ومفكرّوها أسيادها.
الخلاصة
في نهاية هذه الدراسة عن أثيناغوراس الأثيني لابد من التأكيد على أن هذا المدافع الكبير عن العقيدة المسيحية وعن المسيحيين كان له الشأن المهم في العالم المسيحي وفي العالم الوثني على حدّ سواء. فوضوح الكلمة، وقوّة المنطق والجدلية الفلسفية التي تميّز بها، جميعها دفعت أعداءه للوقوف أمامه بكل احترام وإكبار، ودفعت أيضاً الأجيال اللاحقة لاعتباره من أكبر اللاهوتيين والفلاسفة الذين طبعوا كنيسة المسيح بطابع خاص، قيل عنه إنه بعدئذ إنه الطابع الأثيناغوري المميّز.
ألم يعتبره اللاهوتي المعاصر «هانس أورس فون بلتازار» «Hans Urs Von Balthazar» «اللاهوتي الأكثر فطنة ومهارة بين المدافعين الأول عن المسيحية؟» ألم يقل اللاهوتي «بارييل Bareille» عن كتابه «استرحام من أجل المسيحيين»: «إنه الدفاع الأكثر اختماراً وتأملاً، والأكثر توازناً في المبنى والمعنى، والموجه من فيلسوف كبير باسم الفلسفة إلى الأباطرة الفلاسفة بغية تقريب وجهات النظر والمصالحة؟». ألم يقل عنه البطريرك الكبير أثيناغوراس للكاتب «اوليفييه كليمان Olivier Clement»: «إنه المدافع الكبير، وأحد الشاهدين المهمّين في الكنيسة الأولى على حضور الكلمة (اللوغس) عند الحكماء اليونان وفي وحي الشعراء الكبار»؟ ألم يقل «بوسييه Bossuet» عن دفاعه: «إنه أجمل دفاع قرأته عند آباء الكنيسة الأولى»؟
ورغم هذه المزايا الفكرية والأدبية والمسيحية التي جعلته في طليعة المدافعين في القرن الثاني المسيحي، فإن البعض من اللاهوتيين أخذ عليه تملّقه للسلطة، وتأكيده حق الوراثة في الإمبراطورية، الأمر الذي رفضه بعض الكتّاب الكنسيين في العصور اللاحقة. ولكن، إذا ما عدنا إلى «أغناطيوس الأنطاكي» في رسائله، وإلى «بوليكربوس الأزميري»، وإلى الصلوات الختامية في الذبيحة الإلهية التي كانت تقام في آسيا وفلسطين وروما، ألا نجد دعاءً خاصاً يرفع إلى الله على نية المسئولين المدنيين لكي يسوسوا الرعية بل حكمة ووعي؟ ألم يقل «ترتوليانوس» إن الأباطرة الصالحين هم الذين ساعدوا المسيحية على الانتشار، بينما الأباطرة الشاذين هم الذين حاربوها؟ وإذا كان يؤخذ على أثيناغوراس هذا الموقف، فإنه من الضروري وضعنا في الإطار التاريخي الذي كتب فيه، وبالتالي بالنسبة إلى مدّ الجسور مع الوثنية التي كانت فاعلة في ذل الزمن، والذي كان من الحكمة أن يتوجه إليها الكتّاب المسيحيون بدراية وفطنة لرفع الحيف عنهم وعن معتقدهم وعن إيمانهم.
أثيناغوراس كان على حكمة ووعي وفطنة وتمايز في مواقفه، حتى أن أعداءه وقفوا أمامه بإجلال وناصروه في نهاية الأمر. إنها الصورة المشرّفة التي تركها للتاريخ المسيحي ذلك الذي لُقب بحق «الفيلسوف المسيحي الأثيني» دون منازع. ولم تزل كنيسة المسيح ترى فيه الوجه المشرق الذي كان ارتداده إلى المسيحية، على مثال القديس بولس الرسول، غنيّ للفكر المسيحي، وللفكر البشري، وللإنسانية جمعاء. يكفي أن منطقه أفحم الآثينيين وجعل كثيرين منهم تلامذة المسيح، وهو بذلك بقي صاحب المدرسة التي لم تزل آثارها الخيّرة تعمّ بلاد الإغريق لغاية اليوم.
لاهوت أثيناغوراس الأثيني – حياته وأعماله ونمطه اللاهوتي
يجمع المؤرخون، وفي مقدّمهم «فيليبّوس السيدي»، على أن أثيناغوراس تأثّر كثيراً بموقف الإمبراطور «ماركوس أوريليوس» الذي أعلنه في كتابه «الخواطر»، قائلاً: «كم هي عظيمة النفس المتأهبة دائماً، عند انفصالها عن الجسد، إمّا للموت وللذوبان في هذا الكون، وإمّا للبقاء في الحياة. وهذه الإمكانية يجب أن تبنى على معرفة الأشياء عقلياً، وليس على التعلّق البسيط بأمور لا يفهمها العقل مثل تعلّق المسيحيين بديانتهم. فيجب أن تكون عاقلة ومستحقة لذلك، دون افتخار ضوضائي» (الخواطر، 11، 3).
هذا الكلام الذي جاء على لسان الإمبراطور دفع بأثيناغوراس للانتفاض وللدفاع عن عقيدته وعن اخوانه، فكتب كتابه الشهير «استرحام من أجل المسيحيين»، الذي اتبعه بكتاب آخر هو «حول قيامة الموتى». هذان الكتابان ميّزا الدفاع المسيحي بمنطق واضح، وبجرأة كبيرة جعلته في مصاف كبار المدافعين الذين شرّفوا المسيحية في القرن الثاني المسيحي. ونظراً لقيمتهما اللاهوتية والتاريخية نفرز لكل منهما دراسة سريعة كي يكون القارئ على بيّنة مما جاء فيهما:
أ/ استرحام من أجل المسيحيين:
هذا الاسترحام وجّهه أثيناغوراس حوالي سنة 177 مسيحية إلى الإمبراطور «ماركوس أوريليوس» وإلى ابنه «كومودوس»، وذلك بعد أن عمّ الاضطهاد مناطق عديدة من الإمبراطورية، وخصوصاً في كنيسة «ليون»، وكنيسة «فيّينا»، وكنيسة «روما». وممّا جاء في المقدمة: «إن خطابنا هذا يبرهن لكم كم أننا نتعذّب ظلماً، ضد كل منطق، وضدّ كل شريعة. ونحن نطلب منكم أن تنظروا في الأمر لصالحنا، وأن لا تأخذوا بكلام النمّامين والحسودين حتى لا نذهب ضحية هؤلاء» (الاسترحام، 1). وفي موضع آخر من المقدمة يقول مذكرّاً بالتسامح نحو جميع الديانات الأخرى، ما عدا المسيحية: «إنكم أعطيتم الحرية لجميع الديانات الأخرى، ورأيتم أنه من الضروري أن يعبد كل واحد الآلهة التي يريد حتى تتجنّبوا الظلم ولا تكونوا عرضة لغضب هذه الآلهة. أما نحن، فبعكس ذلك، فإننا هدف الحقد والضغينة من مجرّد ذكر اسمنا… ولقد سمحتم بملاحقتنا وبخطفنا وبطردنا… وخطابنا هذا يبرهن لكم كم نحن نتألم ظلماً» (الاسترحام، 1).
فالدافع إذاً لكتابة هذا «الاسترحام» هو ما تعرّض له المسيحيون من التعذيب والتشريد والقتل أيام الإمبراطور «ماركوس أوريليوس» الذي اعتبر من الأباطرة المتسامحين والعقلانيين والإنسانيين، والذي نعمت فترة حكمه بسلام وهدوء واستقرار. غير أن يد الشر التي كانت تلعب بالعقول الضعيفة حرّكت الإمبراطور وجعلته يرى في المسيحية خطراً عليه، الأمر الذي أعماه ودفعه للسماح باضطهاد أتباعها ومعتنقيها. وهذا ما أثار غضب المسيحيين الذين تعرّضوا لأشدّ العذابات دون سبب، وبالتالي المفكرين بينهم، ومنهم أثيناغوراس الذي رأى أنه من الضروري رفع هذا الاسترحام لمقام الإمبراطور بالذات. زيادة على ذلك، فإن الإمبراطور وأتباعه اتّهموا المسيحيين بأمور ثلاثة كانت السبب المباشر لردّهم العنيف، وهي: الإلحاد، وأكل لحوم البشر، وارتكاب المحرّمات. وبمواجهة ذلك، اتخذ أثيناغوراس على عاتقه مسؤولية الرد بتوضيح الأمر من الوجهة الدينية والإنسانية، فجاء كتابه «استرحام من أجل المسيحيين» دراسة عقائدية لاهوتية فلسفية متكاملة.
أما فيما بختّص بالإلحاد فيقول: المسيحيون ليسوا ملحدين. فإذا كانوا لا يؤمنون بتعدّد الآلهة، فإنهم يؤمنون بإله واحد خالق السماء والأرض، وخالق جميع الكائنات في هذا الوجود. إنهم موحّدون وتوحيديّون.
وهذا الأمر نراه أيضاً عند بعض الفلاسفة والمفكرين الوثنيين، رغم ضعف براهينهم، ومع ذلك لم يَتّهموا بالإلحاد. فلماذا المسيحيون هم متهمون بهذا الإلحاد، مع أن الوحي الإلهي واضحُ على لسان الأنبياء، وفي تعاليم المسيح بالذات. «أوريبيدوس»، و«فيثاغورس»، و«أفلاطون»، و«أرسطو»، و«الرواقيون»، جميعهم قالوا بإله واحد دون أن يقرأوا الوحي الإلهي، فلماذا هؤلاء لا يتهمون بالإلحاد، بينما المسيحيون هم متهمون، ويموتون من أجل ذلك؟ وبهذا المعنى يقول: «إنهم (الوثنيون) لم يحاولوا أن يعرفوا عن الله سوى ما يعنيهم وما يتوافق مع آرائهم، بينما نحن عندنا شهود على ما نفكّر ونؤمن به بواسطة الأنبياء الذين تكلّموا، بوحي الروح الإلهي، عن الله وعن مخلوقاته» (الاسترحام، 7).
والمسيحيون لا يؤدون على ذلك بكلامهم وحسب، بل بأعمالهم التي يقومون بها في حياتهم اليومية، وبعيشهم كلام الله بدقّة: «مَن مِن الفلاسفة الوثنيين، حتى ولو كانت نفسه طاهرة ومترفعة جداً، بإمكانه أن يحب أعداءه ولا يكرههم، بينما المسيحيون يحبون أعداءهم، ويباركون لاعنيهم، ويصلّون من أجل مضطهديهم؟ … بإمكانكم أن تجدوا بيننا جهلةً، وعمالاً، وأناساً محدودين عقلياً، وليس بإمكانهم أن يفسرّوا عقيدتهم منطق واضح، ولكن هؤلاء يعطون بحياتهم اليومية، وبأعمالهم الصالحة، وبتفانيهم في سبيل الأقربين والبعيدين» (الاسترحام، 11).
وأيضاً، فإن المسيحيين الموحدين ممنوع عليهم الإيمان بتعدّد الآلهة، وممنوع عليهم أيضاً تقديم المحرقات والتقادم لها، لأن الله الخالق وحده يحقّ له ذلك، وهو صانع كل شيء. والعالم الذي يعبده الوثنيون هو صنع يديه، لذلك هو جميل إلى هذا الحدّ. غير أن عبادة هذا العالم ممنوعة على المسيحيين، لأن المخلوق لا يُعبد، وبالتالي فإنه من المنطقي أن نكرّم الفنان وليس صنع يديه. فالله هو الذي صنع كل شيء في هذا الوجود، والله وحده يحقّ له أن يعبد، وأن نقدّم له آيات الشكر والمجد، ولقد عرفنا مجده في ثالوثه من خلال تعليم المسيح: «الله أب، والله ابن، والله روح قدس، ثالوث في وحدة، وقوة في تمييز» (الاسترحام، 10). لذلك، ما نؤمن به ليس من تعليم البشر، بل من وحي الله بالذات: «إن التعاليم التي نحن نؤمن بها ليست تعاليم بشرية بل هي تعاليم الله التي أوحاها بواسطة الأنبياء وبواسطة ابنه يسوع المسيح» (الاسترحام، 11).
والمسيح، الذي تجسّد، هو الله، لذلك نحن نعبده مع أبيه السماوي، حسب التدبير الإلهي. وبعبادتنا له لا نعبد إلهاً كباقي الآلهة، بل نعبد الله الحقيقي الذي أعلن لنا عن ذاته وعن أبيه وعن روحه القدوس. وأمّا الملائكة فليسوا آلهة كما يعتقد البعض. إنهم مخلوقات الله وخدّامه: «يوجد عدد كبير من الملائكة هم خدّام الخالق صانع العالم، قد كلّفهم الله، بواسطة كلمته الذي أتى من قبله، ليهتمّوا بجميع عناصر هذا الكون، وبالسماوات، وبهذا العالم، وبكل ما فيه، ليبقى متوازناً ومنسجماً» (الاسترحام، 10).
من هنا، فليس بإمكاننا أن نعيد هؤلاء الملائكة بل نستشفعهم أمام الله لكي نبقى على إيماننا، ولكي نتحمّل هجومات الشياطين، الملائكة الأشرار، الذين يسعون إلى هلاكنا. فالشرّ موجود في العالم، وهو في حربٍ مستمرة مع الخير والفضيلة. وبإيماننا بالله، وبمعرفة الملائكة الأطهار، وبشفاعة القديسين، ننتصر على هذا الشر، ونزرع الخير في العالم.
وأمّا فيما يختص باتهام المسيحيين بأنهم أكلة لحوم البشر، فيقول: إذا كان ممنوع على المسيحيين أن يشاهدوا حفلات المصارعة، فكيف بإمكانهم أن يأكلوا لحوم البشر؟ إنه ممنوع عليهم القتل، وحتى أنه ليس بإمكانهم أن ينظروا إلى من يتقاتلون. فكيف يُتّهمون بأكل لحوم البشر؟ إن الله حرّم القتل، وهم يعملون بتعاليمه وبأوامره. وليس لهم إيمان إلا بالله وبقيامة الموتى، وهذا وحده يمنعهم من أكل لحوم البشر. لذلك فإن اتهامهم هو غير صحيح، وبالتالي هو تجنٍّ عليهم وعلى ديانتهم.
وإذا كان الوثنيون يعتقدون أن تناول جسد الرب هو نوع من أكل لحوم البشر، فذلك يعود إلى عدم فهمهم لسرّ الإفخارستيا، وبالتالي إلى سرّي التجسّد والفداء. فالمسيح الذي أعطانا جسده مأكلاً حقاً ودمه مشرباً حقاً هو الإله المتجسّد الذي أراد أن يبقى معنا مستمراً بوجوده السرّي والخلاصي بيننا. نعم، إننا لا نطلب من الوثنيين أن يفهموا هذا السر، ولكن ليس بإمكانهم أن يتهمونا بأننا أكلة لحوم البشر.
وأمّا فيما يختص بارتكاب المحرمات، فإن اتهام المسيحيين بذلك هو نتيجة الكره والبغضاء. والتاريخ يبرهن على أن الفضيلة كانت دائماً مضطهدة من الشر. فالمسيحيون هم بعيدون كل البعد عن ارتكاب هذه الجرائم، وحتى أنه ليس مسموحاً لهم التفكير بذلك. وعندهم رجال ونساء عاشوا حياتهم دون زواج لأن العفّة بنظرهم هي تكريس كلّي لله: «إننا نجد عدداً كبيراً من الرجال والنساء قد شاخوا ولم يتزوجوا، أملاً منهم أن يكونوا لله كليّاً، وأن يحرموا نفسهم من ملذات الدنيا في سبيل الملكوت السماوي» (الاسترحام، 33).
وينهي أثيناغوراس كتابه، طالباً من الإمبراطور أن يحاكم المسيحيين بعدل: «وأخيراً، أتوجّه إليكم، أنتم الرجال الصلاّح بطبيعتكم وبثقافتكم، المتسامحون والجديرون بالإمبراطورية، طالباً منكم أن تميلوا برأسكم الإمبراطوري نحوي أنا الذي جاوبت على الشكاوى والاتهامات الموجّهة ضدّنا، والتي برهنت من خلال استرحامي هذا أننا مؤمنون بالله، وأننا أيضاً معتدلون وأطهار النفس. ومَن مِن البشر يحقّ له أن يحصل على ما يطلب أكثر منّا نحن الذين نصلّي على نواياكم حتى تكون السلطة بين أيديكم، وتنتقل من الأب إلى الابن في الإمبراطورية، وأن تكون سلطتكم هذه ممتدّة أكثر من ذي قبل، وأن تبقوا على العرش مدى الحياة. وهذا يكون لصالحنا حتى نعيش حياة سلام وأمان، وحتى نعبد الله، ونطيع أوامركم» (الاسترحام، 37).
ب/ حول قيامة الموتى:
هذا الكتاب هو محاولة فلسفية وعقلية عميقة للتأكيد على قيامة الموتى وانبعاثهم. ففي القسم الأول، وهو من الفصل الأول إلى الفصل العاشر، يؤكد أثيناغوراس على أن حكمة الله وعدله وقدرته جميعها تدعم فكرة القيامة. وفي القسم الثاني، وهو من الفصل الحادي عشر إلى الفصل الخامس والعشرين، يؤكد فيه على أن القيامة هي ضرورية لأن الطبيعة البشرية هي مخلوقة للأبدية، وتركيب الإنسان من نفس وجسد يتبع انفصالهما بعد الموت توحيد لأن الجسد الذي دفع النفس إلى عمل الخير في الحياة واجب أن يسعد معها في الحياة الأخرى، كما أنه واجب أن ينعس ويتعذّب إذا كان دفعها إلى الشر. فالمكافأة لا تكون للنفس وحسب، بل أيضاً للجسد، وكذلك العذاب والشقاء. وأنه لمن غير العدل أن تسعد النفس وحدها أو تتعذّب. وبما أن الشقاء والسعادة لا يدوما في هذه الأرض، فإن حياةً أخرى معدّة من أجل ذلك.
من هنا ضرورة القيامة والانبعاث، ومن هنا إيمان المسيحيين بذلك. فالتعليم الكنسي الموحى به من الله يوافق المنطق العقلي، والإنسان سيكون في السعادة بنفسه وجسده، كما كذلك في الشقاء بنفسه وجسده. من هنا على جميع البشر أن يعترفوا بقيامة الموتى وانبعاثهم، وإلا ستكون حياتهم في هذه الدنيا معرّضة لجميع الشعوذات وللحياة اللاأخلاقية ولعدم احترام القيم.
فالقيامة والحساب هما الحافز الأول والأخير لمسلكيّة طاهرة ولعمل الخير في هذه الدنيا. نعم، إن المسيحيين يعملون الخير حباً بالله، ولكن فكرة الحساب هي التي تحرّكهم أكثر. أمّا الوثنيون فإن فكرة القيامة والحساب تبعدهم عن الشر، وعن حياة الفحش. لذلك نحن ندعوهم لعيش هذه القناعة، وللتفكير الدائم بأن الله سيحاكم الجميع يوم القيامة.
حياة أثيناغوراس الأثيني – حياته وأعماله ونمطه اللاهوتي
حياة أثيناغوراس الأثيني – حياته وأعماله ونمطه اللاهوتي
أثيناغوراس الأثيني – حياته وأعماله ونمطه اللاهوتي
حياة أثيناغوراس
بين الوجوه المشرقة التي عرفتها المسيحية في القرن القاني الميلادي، وجه أثيناغوراس الأثيني الذي كرّس حياته للدفاع عن العقيدة المسيحية، وعن الإيمان بالمسيح، وعن إخوانه المسيحيّين الذين كانوا عرضةً للاضطهاد والموت من قبل الوثنيين.
هذا المدافع الكبير تميّزت لغته بأناقة التعبير، وبرهافة الذوق الأدبي، وبدقة الملاحظة، وبالعمق الفلسفي الذي ورثه عن أسلافه الإغريقيّين: سقراط وأفلاطون وأرسطو.
لم يكن صاحب مذهب فلسفي، لكنه كان صاحب منطقٍ قلّ مثيله، طرح من خلاله براهينه العقلية على وحدة الله، شارحاً العلاقة الوطيدة بين أشخاص الثالوث الأقدس: الآب والابن والروح القدس.
فالكلمة عنده تحمل بعدها الروحي والماورائي، والأفكار التي بشّر بها ودافع عنها لم تخرق قلوب سامعيها إلا لأنها صدرت عن قناعةٍ متأصّلة في جذور العقيدة التي اعتنق.
ولهذا أطلق عليه معاصروه تسمية «الفيلسوف الأثيني المسيحي» دون منازع. ورغم أن المؤرخين لم يستفيضوا في الكتابة عنه، غير أنّ ما وصلنا منه يعطي صورة واضحة عن حكمته واعتداله وحذره ووضوحه وجمال أسلوبه الأدبي الذي تفوّق فيه على معاصره يوستينوس الروماني.
كان همه الأول أن يوصل تعاليم المسيح لإخوانه الأثينيين بلغتهم الأدبية المميزة، وبمنطقهم الذي فرض ذاته على التاريخ البشري بواسطة الفلاسفة والأدباء والمفكرين الذين سبقوه. ومن أجل ذلك كتب بلغة «هوميروس» الشعرية والأدبية التي سلبت قلوب الأثينيين وصنّفته أديباً وفيلسوفاً وشاعراً، ذلك أن اللغة بالنسبة إليهم كانت الصورة التوضيحية للفكرة التي يعلنها كل مفكّر.
وبذلك عرف أن يدخل إلى قلوب الجميع، حاملاً بشارة المسيح وتعاليمه، مفسّراً كل ما جاء في الأناجيل وفي كتب الأنبياء. والذي ساعده في ذل هو معرفته العميقة للديانات الوثنية التي كانت سائدة في عصره، الأمر الذي دفع بالمؤرخين أيضاً لاعتباره مرتدّاً إلى المسيحية بعد أن كان وثني الفكر والمعتقد.
أمّا مؤرّخه الأساسي «فيليبّوس السيدي»، الذي نعود إليه لنعرف عن أثيناغوراس الكثير الكثير، فيقول فيه: «بعد أن قرّر مهاجمة المسيحيّين، قبل الفيلسوف «سيلسوس»، راح يقرأ الكتب الإلهية ليتعمّق بها وليدحض ما جاء فيها عن معرفة، غير أن الروح القدس غيّره، على مثال القديس بولس، من مضطّهد إلى مدافع، وأصبح مناضلاً في سبيل الإيمان الذي هاجمه مسبقاً» (فيليبّوس السيدي، مجموعة مين، الآباء اليونان، 6، 182).
أثيناغوراس كان فيلسوفاً ولاهوتياً. بالطبع، ليس بإمكاننا أن نقول عنه، كما عن معاصره يوستينوس، إنه كان صاحب مذهبٍ فلسفي، كما ذكرنا، ولكنّه حدّد مجال العقل البشري، لذلك نراه يستعمل دائماً البراهين العقليّة. وهكذا، برهن أولاً، وبواسطة العقل، عن وحدانية الله. وكما يوستينوس، فإنّه أحبّ أفلاطون، وتعمّق بفلسفة أرسطو والرواقيّين الذين انتمى إليهم الإمبراطور «ماركوس أوريليوس»، الأمر الذي دفعه لاستعمال المنطق الرواقي في كتاباته ليستميل الإمبراطور نفسه لدعم القضية المسحية التي دافع عنها.
وبكل تواضع كان يقول: «بما أنه ليس بالإمكان البرهان، دون ذكر الأسماء، على أننا لسنا الوحيدين الذين نرى الله في الجوهر الفرد، لذلك توجهت إلى نفائس الأدباء، ومختاراتهم الشعرية، لدعم براهيني» (استرحام من أجل المسيحيين، 6).
لذلك أتى كتابه «استرحام من أجل المسيحيين» آية أدبية، دقيق البحث والمنطق، مدعوماً ببراهين أقنعت كثيرين من أبناء أمتّه وجعلتهم يعتنقون الدين المسيحي، ويجاهرون به بين أقرانهم وأصدقائهم وأبناء لغتهم. وما الحكمة التي تميّز بها سوى خلاصة معاناة عاشها في النصف الثاني من القرن الثاني المسيحي، بعد أن كان الاضطهاد يلاحق جميع الذين آمنوا بالمسيح وراحوا يبشرّون بتعاليمه.
لذلك نراه الشاهد الكبير على مرحلة من مراحل آلام الكنيسة مع معاصره يوستينوس، وبالتالي الركيزة الدفاعية الثانية في وجه تسلّط الوثنية، خصوصاً في وجه مفكريها وفلاسفتها.
وعندما تحدّاه بعض المفكرين بقولهم إن المسيحيين هم ملحدون، أجاب بكل وضوح: «إنهم يتهموننا بأننا ملحدون فلهم نقول: لا رغبة لنا سوى معرفة الله الحقيقي، ومعرفة كلمته، ومعرفة وحدة الابن مع الآب، ومعرفة شركة الآب مع الابن، ومعرفة الروح، ومعرفة الوحدة القائمة بين الأقانيم الثلاثة: الروح القدس، والابن، والآب» (استرحام من أجل المسيحيين، 12).
هذا كان إيمانه، وهذه كانت قناعته، وهذا ما دافع عنه طوال حياته في مؤلفاته التي لم يصلنا منها سوى كتابين: «استرحام من أجل المسيحيين»، و «حول قيامة الموتى».