عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح
عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان هل تشير لتعدد الالهة ؟ عبدالمسيح
مقدمة
عبارة «إله من إله» تشير الي ان كلاً من اقنوم الآب والابن لهم نفس الجوهر الالهي الواحد فكلمة اله لا تشير الي اله منفصل بل تشيل الي ماهية الابن اللاهوتية للرد علي قول اريوس ان الابن مخلوق فهي اشارة الي ان الابن له نفس طبيعة الآب من ناحية الجوهر وأنهما من نفس الجوهر أو الطبيعة الواحدة. وهي تُشبه العبارة: «إنسان من إنسان»، أي إنسان مولود من إنسان آخر، يشترك معه في نفس الطبيعة. فـ”الولادة” تعني الإصدار أو الانبثاق الطبيعي، أي أن يلد الواحد مَن هو على نفس طبيعته.مع عدم تشبيه الله بالمركبات لان الله ليس مركب كالانسان ولكن للاستدلال العقلي وليس للقياس بالله.
شيث (Seth) هو مولود من آدم (Adam). وكلاهما من نفس الطبيعة البشرية، ولهذا نقول: إنسان من إنسان. كذلك، الابن مولود من الآب. وكلاهما يشتركان في نفس الطبيعة الإلهية. أقنوم إلهي من أقنوم إلهي. ولهذا تقول العقيدة: “إله حق من إله حق”.
خلفية تاريخية
النزاع الآريوسي
في بداية القرن الرابع الميلادي، نشأ خلاف عقائدي خطير داخل الكنيسة عندما بدأ آريوس (256-336م) في الإسكندرية بالتعليم بأن ابن الله مخلوق من الآب، وأنه أقل منه في الجوهر والمكانة. ادّعى آريوس أن هناك وقتاً لم يكن فيه الابن موجوداً، وأن الآب وحده هو الإله الحقيقي غير المخلوق.
مجمع نيقية وقانون الإيمان النيقاوي – سنة ٣٢٥م
يُعتبر قانون الإيمان النيقاوي أحد أهم الوثائق في تاريخ المسيحية، والذي صدر عن المجمع المسكوني الأول في نيقية عام 325م (Council of Nicaea I) بدعوة من الإمبراطور قسطنطين الأول. جاء هذا المجمع كاستجابة للجدل اللاهوتي الحاد الذي أثاره آريوس، الكاهن الإسكندري، حول طبيعة المسيح وعلاقته بالآب. ووضع المجمع قانون الإيمان هذا لإرشاد الكنيسة في ما يخص اللاهوت، والكريستولوجيا (عقيدة المسيح)، والتعليم عن الثالوث القدوس.
وقد دار جدل كبير حول استخدام مصطلح هوموأوسيوس (ὁμοούσιος – Homoousios) أي: “واحد في الجوهر”. حتى عند صياغته، لم يحظَ قانون الإيمان بموافقة كاملة من جميع الحاضرين، وسرعان ما تعرّض للهجوم، وتمت مراجعته لاحقًا في مجمع القسطنطينية الأول سنة ٣٨١ م (Council of Constantinople I – 381 AD).
النص الأصلي لقانون الإيمان سنة ٣٢٥م
نؤمن بإله واحد، الله الآب، ضابط الكل، خالق كل الأشياء، ما يُرى وما لا يُرى.
وبربٍّ واحد يسوع المسيح، ابن الله، المولود من الآب، [الابن الوحيد، أي من جوهر الآب، إله من إله،] نور من نور، إله حق من إله حق؛ مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر.
الذي به كان كل شيء [ما في السماء وما على الأرض]؛
الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل وتجسد، وتأنس؛
وتألم، وفي اليوم الثالث قام من بين الأموات؛ وصعد إلى السماوات،
ومن هناك يأتي ليدين الأحياء والأموات.
ونؤمن بالروح القدس.
الإدانة المضافة في نهاية النص (الموجَّهة ضد تعاليم آريوس)
أما الذين يقولون: “كان هناك وقت لم يكن فيه”، أو “لم يكن قبل أن يُولد”، أو “صُنع من العدم”، أو “هو من جوهر أو طبيعة أخرى”، أو أنّ “ابن الله مخلوق”، أو “قابل للتغيير” أو “للتحول” – فهؤلاء تُدينهم الكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية.
دور الكنيسة القبطية في المجمع
لعبت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، بقيادة البابا إسكندر البطريرك العشرين (312-326م) وخلفه القديس أثناسيوس الرسولي (326-373م)، دوراً محورياً في مقاومة الآريوسية والدفاع عن الإيمان الأرثوذكسي. كان القديس أثناسيوس، الذي حضر المجمع كشماس مع بطريركه، من أبرز المدافعين عن الطبيعة الإلهية للمسيح. ورغم صغر سنه ورتبته، برز أثناسيوس في المجمع كمفكر ولاهوتي قوي، وتميّز بوضوح عقيدته، خاصة في نقطتين:
تأكيد لاهوت الابن:
دافع بشدة عن أن الابن هو “مولود غير مخلوق”، “مساوٍ للآب في الجوهر” (ὁμοούσιος τῷ Πατρί)، رافضًا الطرح الآريوسي القائل بأنه “كان هناك وقت لم يكن فيه الابن”.
صياغة جوهر قانون الإيمان:
يُعتقد أن القديس أثناسيوس لعب دورًا محوريًا في صياغة الألفاظ الأساسية في قانون الإيمان النيقاوي، لا سيما عبارة:
“نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر”
التي تهدف إلى تأكيد أن الابن ليس مخلوقًا بل مولودًا من نفس جوهر الآب.
أصل عبارة “إله من إله” من الإنجيل
عبارة “إله من إله” لها جذورها في إنجيل يوحنا ١:١، حيث يُقال أن معرفة الله لذاته وتعبيره عن نفسه هو كونه “إله”. أي أن “الفكر الإلهي عن نفسه” كان هو الله، أو كما تقول الترجمات الإنجليزية الشائعة: “وكان الكلمة الله” (The Word was God).
الكلمة اليونانية المستخدمة هنا هي لوغوس λόγος وفي المقطع الأخير من يوحنا 1:1c وأيضًا في يوحنا 1:18a، تأتي الكلمة بلا أداة تعريف (anarthrous)، ومع ذلك تُترجم إلى الإنجليزية كاسم علم: “God” أي الله.
يوحنا ١:١: “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.”
الخلفية اليهودية لمفردة لوغوس “الكلمة – λόγος”
لم يكتب القديس يوحنا الإنجيلي هذه الآية من فراغ، بل كانت لديه خلفية يهودية ساعدته على التعبير عنها. في أيامه، كان مفهوم “اللوغوس – λόγος” معروفًا جيدًا، خاصة في اليهودية الهيلينية في فترة الهيكل الثاني.
هذا المفهوم يتضح في الترجمة السبعينية (LXX) وفي بعض الكتابات اليهودية الدينية بين العهدين. وبسبب انتشار هذا المفهوم، استخدمه يوحنا ليشرح البشارة.
آيات من العهد القديم في الترجمة السبعينية LXX التي تُشكل أساس يوحنا ١:١-٣
لدينا العديد من الآيات في العهد القديم والتي استند إليها القديس يوحنا الإنجيلي في استخدام كلمة لوغوس، منها:
تكوين ١:١
مزمور ٤٥:١
مزمور ٣٣:٦
أمثال ٨:٢٢–٣٠
معنى لوغوس
الكلمة اليونانية “لوغوس” لها معانٍ متعددة، منها: الكلمة، الخطاب، الرسالة، الخطة، والعقل/المنطق. والمعنى يُفهم بحسب السياق. في يوحنا ١:١، اللوغوس يُشير إلى الفكر الإلهي الداخلي والتعبير الذاتي لله، أي أن الكلمة هي تعبير خارجي عن معرفة الله لذاته. وهذا يعبر عنه هكذا:
المفكِّر = الله
الفكر = الله
إذن، نحن أمام الله الذي يعرف نفسه، ويفكر في نفسه، ويعبّر عن نفسه بالكلمة، وهذه الكلمة ليست شيئًا مخلوقًا، بل هي “إله من إله”، كما تُعلِن العقيدة النيقاوية (The Nicene Creed) والتي نسميها أيضاً قانون الإيمان.
التعبير اللاهوتي: الله في ذاته ومن ذاته — الله يعرف نفسه بكُليّة ذاته، وتعبيره الذاتي أو كلمته هو إله مثله، له نفس الجوهر الإلهي. الله لا يظن عن نفسه أنه إله جزئي، بل يرى نفسه على أنه الله بالكامل.
أمثال ٢٣:٧: “لأَنَّهُ كَمَا شَعَرَ فِي نَفْسِهِ هكَذَا هُوَ. “
وفقًا لإنجيل يوحنا ١:١، الكلمة (الابن) هو “إله من إله”، فهو ذات الفكر الإلهي، التعبير الكامل عن ذات الله، ولهذا فهو الله بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
تحليل عبارة “إله من إله” من المنظور الأرثوذكسي
تؤكد الكنيسة الأرثوذكسية أن عبارة “إله من إله” تشير إلى وحدة الجوهر (الأوسيا oύσiα) — أي الوجود الحقيقي البسيط غير المحدود — بين الآب والابن. هذا يعني أن الابن ليس إلهاً منفصلاً أو مختلفاً عن الآب، بل هو من نفس الجوهر الإلهي، مما يؤكد على الوحدة الجوهرية في الثالوث المقدس. ويقول البابا شنودة الثالث في كتابه “قانون الإيمان” في تفسير هذه العبارة:
إله حق، أي له طبيعة الله بالحق. وليس مثل الذين دعوا آلهة بمعنى سادة، وليسوا هم آلهة بالحقيقة.
ويذكر أيضاً في موضع آخر:
ولكن السيد المسيح هو إله حق، أي له كل صفات الألوهية: فهو أزلي خالق، قادر على كل شيء، موجود في كل مكان، غير محدود.. فاحص القلوب والكلى، قدوس، رب الأرباب، غافر الخطايا.. إلى آخر كل تلك الصفات الخاصة بالله وحده.
ويفسر التقليد القبطي من جهته هذه العبارة كتأكيد على أن العلاقة بين الآب والابن أزلية وليست زمنية. فالابن “من” الآب لا يعني أن هناك وقتاً لم يكن فيه الابن موجوداً، بل يشير إلى العلاقة الأقنومية الأزلية داخل الذات الإلهية الواحدة.
تعبر هذه العبارة عن مفهوم الولادة الإلهية الأزلية، حيث يُولد الابن من الآب منذ الأزل وإلى الأبد. هذه الولادة ليست جسدية أو زمنية، بل هي ولادة روحية أزلية تحافظ على وحدة الطبيعة الإلهية.
كما واجهت الكنيسة القبطية فكرة التبني التي تقول إن المسيح إنسان تبناه الله. عبارة “إله من إله” تؤكد على الطبيعة الإلهية الحقيقية للمسيح وليس مجرد التبني. كما أن كلمة (إله) هنا ليست مجرد لقب كما قيل عن آلهة الأمم أو كما قيل عن بعض البشر.
في الليتورجيا الإلهية، تُتلى عبارة “إله من إله” في كل قداس إلهي في الكنيسة، وتحديداً أثناء تلاوة قانون الإيمان. هذا التكرار اليومي يؤكد على أهمية هذا التعليم في الحياة الروحية والعبادية للمؤمنين.
في التعليم الآبائي، طور القديس أثناسيوس، الذي يُلقب بـ”عمود الإيمان”، تفسيراً عميقاً لهذه العبارة في كتاباته ضد الآريوسيين. أكد على أن الابن “من جوهر الآب” وليس “من لا شيء” كما ادّعى آريوس. وواصل القديس كيرلس الإسكندري (376-444 م) التقليد الأثناسي في تفسير العبارة، مؤكداً على وحدة الطبيعة الإلهية بين الآب والابن، مما ساهم في مقاومة النسطورية لاحقاً.
في التقليد الرهباني، تبنى الآباء الرهبان في مصر هذا التعليم وجعلوه جزءاً من تأملاتهم اليومية. الأنبا مقار الكبير والأنبا باخوم وغيرهم من آباء البرية المصرية أكدوا على أهمية فهم هذه الحقيقة الإيمانية في الحياة الروحية.
على مستوى العقيدة، تساهم عبارة “إله من إله” في تأسيس العقيدة الثالوثية السليمة، حيث تحافظ على التوازن بين وحدة الله وتمايز الأقانيم. هذا التوازن أساسي في الفهم الأرثوذكسي للثالوث.
أما من الناحية الروحية، تؤكد العبارة على أن المسيح الذي نعبده ونصلي إليه هو إله حقيقي، مما يبرر العبادة المسيحية ويعطيها معناها العميق. كما تؤكد على أن الخلاص الذي قدمه المسيح هو خلاص إلهي حقيقي.
كذلك على مستوى الكرازة، تستخدم الكنيسة هذه العبارة في الكرازة والتعليم لتأكيد ألوهية المسيح أمام التحديات المعاصرة، سواء من الديانات الأخرى أو من التيارات الليبرالية داخل المسيحية.
الخلاصة
تمثل عبارة “إله من إله” في قانون الإيمان النيقاوي حجر الزاوية في التعليم الأرثوذكسي حول ألوهية المسيح. هذه العبارة، التي وُلدت من صراع لاهوتي عميق في القرن الرابع، تستمر في لعب دور مركزي في الحياة العقائدية والروحية والليتورجية للكنيسة.
من خلال تأكيدها على وحدة الجوهر بين الآب والابن، تحافظ هذه العبارة على التوازن الدقيق في فهم الثالوث، بينما تقاوم في الوقت نفسه الانحرافات العقائدية التي تهدد جوهر الإيمان المسيحي. التقليد الكنسي، المتجذر في تعاليم القديس أثناسيوس والقديس كيرلس، يواصل الدفاع عن هذا التعليم وتطبيقه في الحياة المعاصرة.
إن فهم هذه العبارة ليس مجرد تمرين أكاديمي، بل هو في صميم الإيمان الأرثوذكسي والحياة الروحية للمؤمنين. فهي تؤكد على أن المسيح الذي نعبده هو الإله الحقيقي، وأن الخلاص الذي قدمه لنا هو عمل إلهي حقيقي قادر على تحويل حياتنا وضمان أبديتنا.
ملخص تاريخي لمجمع نيقية الأول وصياغة قانون الإيمان سنة 325م – Church History 101 – “Fourth Century Church History – The Council of Nicea (325 AD)” – رابط: https://www.churchhistory101.com/century4-p8.ph
قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6
قوانين الايمان قبل مجمع نيقية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الرابع ج6
كان الإيمان بالمسيح المُخلّص هو مركز البشارة، حتّى صارت ”السمكة“ هيَ الرمز للإيمان المسيحيّ في العالم الهليني وذلك لأنها في اليونانيّة ”ἰχθύς – إكسوس“ تشمل الحروف الأولى من العبارة ”يسوع المسيح، ابن الله المخلّص“. وقد شهد العلَّامة ترتليان بذلك كما شهدت نقوش السراديب الرومانيّة. وردت هذه العبارة الرمزيّة في مؤلفات الكُتَّاب المسيحيّين في نطاق واسع كقانون إيمان يُعبّر عن المعتقد المسيحيّ.
هذا لم تستحدثه المسيحيّة، فقد سبقتها اليهوديّة إلى ذلك، من خلال ما يُسمى بـ”الشِمَع- שְׁמֵע“ والتي تعني ”اسمع“، المأخوذة من الآية: ”اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرّبّ إِلهُنَا رّبّ وَاحِدٌ“ (تث6: 4).[1] يُعتبر هذا هو أقدم قانون إيمان عرفته البشريّة، فقد كان يُتلى يوميًا في الصلوات اليهوديّة. [2] وهو من أكثر اللحظات نشوة عند المُتعبد اليهوديّ، ففيه يرى أنّه يتقابل مع الله، وفيه يشهد لله، حتّى أنّه قد جاء في المدراش: ”إنّ الله عُرِف في العالم، بسبب أنّنا حملنا الشهادة له“، ويرون أنّ هذا القانون هو جوهر الإيمان اليهوديّ.[3]
بعد مجئ السيد له المجد، وإذ انطلقت الكنيسة في عصر الرسل تكرز وتبشر العالم بالخلاص كان لزامًا أن يعترف كلّ موعوظ بإيمانه جهرًا في صيغة مُختصرة قبلما يتقبّل العضويّة في جسد المسيح، أي قُبيل عماده مباشرة. وذلك كما فعل الخصي الأثيوبيّ (أع ٨: ٣٧) حين أعلن رغبته في العماد مُعترفًا ”أنا أومن أنّ يسوع المسيح هو ابن الله“.
فلم تكن العقيدة آن ذاك مُجرّد تعبيرًا فرديًّا نظريًّا، بل كانت تعبيرًا عن واقع الكنيسة. ولقد تمت صياغة العقائد كردود أفعال ضد التأويلات الخاطئة التي للهراطقة، وقد كان هدفها الجوهريّ هو الحفاظ على جوهر رسالة الإنجيل.[4]
يتحدّث عن قانون الإيمان فيما قبل مجمع نيقية الكثير من آباء الكنيسة، لكنّ، لم يكن له مُسمّى واحد، فالبعض أطلق عليه اسم: ”قاعدة الإيمان“، ”κανὼν τη̂ς πίστεως,- regula fidei“، وفي أحيان أُخرى كان يُدعى بـ”قانون الحقّ“.
يخبرنا عن قاعدة الإيمان المؤرخ الأوّل للكنيسة يوسابيوس القيصريّ، عندما يتحدّث عن مُخالفة الهراطقة للإيمان الأرثوذكسيّ، نجده يكتب: ”لقد تركوا قاعدة الإيمان القديم، لذلك، هم لا يعرفون المسيح، ولا فحصوا الكتب كما ينبغي“.[5]
بينما يُخبرنا هيبوليتوس الرومانيّ عن ”قاعدة الحقّ“، قائلًا: ”لقد كتبنا كتبًا دفاعية عن الإيمان، بكفاية واسهاب، وشرحنا قاعدة الحقّ لكل من يرغب“.[6]
يُعدّد المُعلِّم إكليمندس السكندريّ أسماء قانون الإيمان على النحو التالي:
”إنَّ الإيمان له قاعدة، وأنّ هذه القاعدة هيَ قانون الإيمان، أو القانون الكنسيّ، أو قاعدة الحقّ والتسليم“.[7]
يخبرنا ترتليان إنّ قاعدة الإيمان هذه، هيَ المقياس، وهيَ التي يُقاس عليها التّعليم الأرثوذكسيّ، وتُفرز الهرطقات:
”هذه القاعدة هيَ من الرسل، وحتّى بولس الرسول بعد اهتدائه، صعد إلى أورشليم، كي يُقارن قاعدة إنجيله، بقاعدة الإيمان عند باقي الرسل، وهذه القاعدة هيَ التي يتمّ بموجبها فرز الهرطقات والهراطقة“.[8]
أوريجانوس، وهو من هو، يقول إنّ قاعدة الحقّ هذه كانت مُنتشرة ومعروفة في كلّ الكنائس: ”إنّ كلّ ما يخص المسيح، قد حدّدته الكنائس، حسب القاعدة التي تقبلها كلّ الكنائس، وكلّ وعظ وكرازة يجب أن يتّبع هذه القاعدة“.[9]
فقد كان قانون الإيمان نصًا يشمل عناصر الإيمان الجوهريّة للمسيحيّة، مُرتبطة باللِّتورجيَّا والكتاب المُقدّس، وهو المقياس الذي يحكم ويُفسرّ ويعظ المُعلمون من خلاله، وهو ليس بالأمر المُستحدث، بل هو مُترسِّخ في تّعليم الكنيسة منذ نشأتها.
وقد كانت قوانين الإيمان هذه تعبيرًا فكريًّا عن الإيمان الحيّ في الكنيسة، أو هو تعبير جهاريّ يُعلن الإيمان الراسخ في الكنيسة. ونجد له هيئة أوليّة في بعض نصوص العهد الجديد، مثل:
– في اعتراف الخصي الحبشيّ، قُبيل معموديته على يد فيلبس، نجد إحدى الأشكال الأولى لاعتراف الإيمان: ”فَقَالَ فِيلُبُّسُ:‘إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ مِنْ كلّ قَلْبِكَ يَجُوزُ’. فَأَجَابَ وَقَالَ: ‘أَنَا أُومِنُ أنّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللهِ’“ (أع8: 37).
وبهذا نجد أنّ صيّغ قانون الإيمان، تعود بذرتها الأولى إلى الرسل أنفسهم، وقد ظهر في أقدم أشكاله، كصيغة خاصة بالمعموديّة، يعترف بها طالب العماد مُعلنًا قبوله الحقّ ودخوله ”الحياة في المسيح يسوع“. فقد كانت المعموديّة، إحدى الدوافع التي أدت إلى ظهور قانون الإيمان، حتّى تتأكد الكنيسة أنّ المُعمّد مؤمن ومعترف بالإيمان المسيحيّ بأكمله.
في الدوائر اليهوديّة كان يكفي لطالب العماد أن يُعلن هذا القانون الإيمانيّ البسيط؛ أنّ ”يسوع هو المسيّا“، أي هو المخلّص الذي انتظره الآباء وشهد عنه الأنبياء، فيه كملت الشريعة وتحقّقت مواعيد الله للبشريّة. أمّا بالنسبة للأمم، إذ لم تكن لهم الشريعة ولا عرفوا النبوات عن المسيّا يعبدون آلهةً كثيرةً وأربابًا كثيرة، كان لزامًا على طالب العماد أن يُعلن حقّيقة إيمانه بأكثر وضوح: إيمانه بالله الواحد المثلث الأقانيم، وعمل المسيح الخلاّصيّ.
إذ ظهرت غنوصيّات غير أرثوذكسيّة تنادي بالثنائيّة، وتُحقِر من المادة وتشوّه حقّيقة التجسد الإلهيّ، لم يعد ”قانون الإيمان“ في صورته الأولى كافيًا، أي لا يكفي إعلان أنّ ”المسيح ابن الله الحيّ“، إنما يلزم الاعتراف بـ ”الحبل به من الروح القدس، ولادته من العذراء مريم، تألمه في عهد بيلاطس البنطي وموته ودفنه (وليس كما علَّم الغنوصيّين أنّه اختُطِف إلى السماء من على الصليب أو قبيل صلبه)، وأنّ الروح القدس حال في الكنيسة… إلخ“.[11]
نجد أولى الصياغات المُعبرة عن قانون الإيمان، خارج العهد الجديد، عند القديس إغناطيوس الأنطاكيّ، حيث يكتب في رسالته إلى سميرنا:
”أُمَجِد يسوع المسيح الذي جعلكم حكماء, لقد أدركت أنّكم قد بُنيتم بأيمان لا يتزعزع، كأنّكم مُسمرُون على صليب يسوع المسيح بالجسد والروح، وثابتون بقوة في المحبة بدم المسيح، الذي هو حقّيقة ‘من نسل داود بالجسد’ (رو1:4), وولد حقّيقة من العذراء، واعتمد من يوحنا ‘لتتم به كلّ عدالة’ (متى3:15), وسُمِّر من أجلنا على عهد بيلاطس البنطي وهيرودس رئيس الرُبع، وبثمرة صليبه وآلامه المُقدّسة وجدنا الحياة، وبقيامته ‘رفع رايته’ (إش 5:26) فوق العصور ليجمع قديسيه ومؤمنيه، في اليهوديّة والأمم، في جسد واحد أي في كنيسته“.[12]
في رسالته إلى تراليان نجد اعترافًا إيمانيًّا آخر، كالتالي:
”صُمّوا آذانكم عندما تسمعون كلامًا لا يكون عن المسيح ابن داود من مريم العذراء, عن المسيح الذي وُلِد حقًّا، وأكل وشرب، واحتمل الآلام على عهد بيلاطس البنطي، ومات على الصليب أمام السماء والأرض وما تحت الأرض, وقام من بين الأموات“.[13]
عند إغناطيوس، نجد أنّ حقّيقة ميلاده من العذراء مريم تُمثل بُرهانًا على بشريّة يسوع، وهذا في سياق حربه ضد بدعة الخياليّين أو الديسوتيّين. فكلمات مثل: ”حقًّا أكل وشرب“، تؤكد على حقّيقة تجسد الكلمة، وكثيرًا ما استخدمتها الكنيسة لتُحارب هذه البدع.
بوليكاربوس، في رسالته الوحيدة التي تركها لنا، قُبيل استشهاده، يكتب فيها:
”آمنوا بمن أقام سيدنا يسوع المسيح من الأموات، وأعطاه مجدًا، وأجلسه عن يمين عرشه، وأخضع له كلّ ما في السماء وما على الأرض، والذي تعبده كلّ نسمة، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات“.[14]
يوستينوس الشهيد، عندما سأله الوالي ”ريستكس“، عن إيمانه. أجاب: ”الإيمان الذي نعتنقه بتقوى، إنه الإله صانع العالم بأسره منذ البدء، وأيضًا، بيسوع المسيح، ابن الله، والذي أخبر عنه الأنبياء بانه سوف ينزل للبشريّة كمُعلن للخلاص، ومُعلم للعقائد الحسنة“.[15]
في هذا الاعتراف الإيمانيّ المُختصر، نجد القديس يوستينوس يتحدث عن الله الخالق، وابنه يسوع الذي أخبر عنه الأنبياء. والنبوة في تعاليم آباء ما قبل نيقية مُرتبطة بشدة بالروح القدس مُعطي النبوة. ثُمَّ أنّ هذا الابن تجسد لكي يُعلمنا العقائد الإلهيّة السليمة ويقضي على التشوّهات التي كانت في مُخيلات البشر لدى الله، ثُمَّ يُعطينا الخلاص الذي منه.
أثيناغوراس، المُعلم السكندريّ الشهير، وأحد عُمداء مدرسة الإسكندريّة المسيحيّة، والذي سوف نتناول تعاليمه اللاهوتيّة في فصل خاص من هذا الكتاب، يقول في دفاعه عن المسيحيّين:
”لقد أشرت بما فيه الكفاية إلى أنّنا لسنا مُلحدين لأنّ إلهنا هو الإله الواحد غير المخلوق وأبديّ وغير مرئيّ ولا يُشبهه شيء مُدرك. يُمكن معرفته فقط بالعقل والمنطق، مُحاطٌ بنور وجمال، بالروح والقوة اللامُتناهية، الذي بكلمته خُلِقت المسكونة بترتيب وإحكام.
ونؤمن بابن الله، ودعونا نعترف أنّه لمن المُضحك أن يكون لله ابن! لكنّ، فيما يخص فكرنا عن الله الآب والابن، فهو مُختلف تمامًا عن أساطير الشُعراء التي تتضمن تعاليم عن آلهة لا يختلفون عن البشر! إنّ ابن الله هو كلمة الله (اللوغوس)، هو الفكر الذي يُبدع والقوة التي تخلق، الذي بموجب مشيئته كان كلّ شيء، فالآب والابن واحد، حيث إنّه من خلال قوة ووحدة الروح، فإنّ الآب في الابن والابن في الآب. إنّ ابن الله هو فكر وكلمة الآب.. وهو مولود من الآب، غير مخلوق، وإنّ الله كان لديه الكلمة في ذاته منذ البدء، لم يوجد وقت كان فيه الله بلا كلمة..
ونعلم أيضًا، أنّ الروح القدس الذي أظهر ذاته من خلال عمله في الأنبياء، مُنبثق من الله، فهو ينبع منه ويرجع إليه، مثل شعاع الشمس..
فنحن نعترف بإله واحد، آب وابن وروح قدس، لهم قوة واحدة“.[16]
في واحدة من رسائل الشهيد كبريانوس القرطاجنيّ، يكتب:
”بكل تأكيد، لا يؤمن ماركيون بنفس الإله الآب وخالق كلّ الأشياء، كما نُعلِّم نحن، هل هو يعترف بنفس الابن المسيح المولود من العذراء مريم الذي هو الكلمة المُتجسد، والذي حمل خطايانا وقهر الموت، وهو أوّل من أسّس قيامة الجسد في أقنومه، عندما أقام جسده، وأظهر لتلاميذه أنّه أقام نفس الجسد“.[17]
كبريانوس هُنا يتحدث عن الله الآب الخالق ضابط الكلّ، ويؤكد إنسانيّة المسيح المأخوذة من العذراء مريم، وأنّه حقًّا وُلِد ومات وقام.
القديس إيرينيئوس من بدايات القرن الثاني، يشرح خلاصة الإيمان المسيحيّ بالثالوث القدوس، في ثلاثة بنود، أشبه بقانون إيمانيّ، وهي:
”إنّ البند الأوّل من قانون إيماننا، وقاعدة البناء وأساس الخلاص هيَ أنّ: ‘الله الآب غير المولود، غير المُحوى، غير المرئي، إله واحد خالق الجميع. والبند الثاني: هو أنّ كلمة الله ابن الله، يسوع المسيح رّبّنا، الذي تنبأ عنه الأنبياء، الذي كلّ شيء به كان وبتدبير الآب في الأيام الأخيرة صار إنسانًا بين البشر (يو1: 14) وتراءى للكل لكي يُبطل الموت، ولكي يجمع كلّ شيء ويُظهر الحياة ويصنع شركة بين الله والإنسان. والبند الثالث هو أنّ: الروح القدس هو الذي بواسطته تنبأ الأنبياء وتعلّم الآباء بأمور الله، والذي بواسطته دخل الأبرار إلى طريق البر، كما أنّه انسكب في الأيام الأخيرة بطريقة جديدة على جنس البشر مجدّدًا الإنسان لله“.[18]
في مؤلفه الشهير ”ضد الهرطقات“، يكتب:
”قد استلمت من الرسل، ومن تلامذتهم، الإيمان بإله واحد، آب ضابط الكل، خالق السماء والأرض والبحار، وكلّ ما فيها، والإيمان بيسوع المسيح الواحد، الذي هو ابن الله، الذي تجسد من أجل خلاصنا، والإيمان بالروح القدس الذي أعلن التدبير بواسطة الأنبياء، أي بمجئ المسيح، وميلاده العذراويّ، وآلامه، وقيامته من بين الأموات، وصعوده إلى السموات جسديًّا، وظهوره ثانية من السماء، في مجد الآب، لكي يجمع كلّ الأشياء في نفسه، ولكي يُقيم أجساد كلّ البشر إلى الحياة، لكي تجثو للمسيح يسوع، رّبّنا وإلهنا ومُخلّصنا، كلّ ركبة، بحسب مشيئة الآب غير المنظور، ولكي يعترف كلّ لسان له، ولكي يجري دينونة عادلة… هذه الكرازة، وهذا الإيمان، تحفظه الكنيسة، رغم تشتتها في كلّ العالم“.[19]
العلَّامة ترتليان، هو الآخر يتحدث أكثر من مرة عن قانون الإيمان المعروف في عصره، فيقول:
”قاعدة الإيمان، نعرفها جميعًا ونُكرّرها بروح واحد… نؤمن بإله واحد عظيم، صانع العالم، وابنه، يسوع المسيح، الذي وُلِد من العذراء، وتألم في عهد بيلاطس البنطي، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السماوات، ويجلس الآن عن اليد اليُمنى للآب، وسيأتي ليدين الأحياء والأموات، كما سيُقيم الأجساد“.[20]
إذ بدأت الهرطقات والبدع تنتشر، لم يعد ”قانون الإيمان“ خاصًا بطالبي العماد، إنما صارت الحاجة مُلحة لاستعماله الكنسيّ في العبادة الليتورچيّة والعبادة الخاصة. بدأت المجامع المسكونيّة تضع قانون الإيمان، لأهداف دفاعيّة وتّعليميّة. ففي مجمع نيقية وُضِع قانون الإيمان ليُحارب الآريوسيّة.
فإنّه وإن اقترب من قانون الإيمان الأورشليميّ العماديّ القديم، لكنّه أضاف إلى الفقرة الثانية الخاصة بالسيد المسيح هذه الصيغة: ”نور من نور، إله حقّ من إله حقّ، مولود غير مخلوق، واحد مع الآب في الجوهر“. هذه الصيغة لا يستطيع الآريوسيّون أن ينطقوا بها، فتفرزهم عن المؤمنين. بهذا قدّم مجمع نيقية للكنيسة صيغة لاهوتيّة مُبسطة تعلن إيمان الكنيسة، ويعترف بها المسيحيّون ويترنمون بها ويُصلّونها، فلم تعد حكرًا على المُعمدين فقط.
في المجمع المسكونيّ الثاني بالقسطنطينيّة أُضيف إلى قانون الإيمان النيقيّ صيغة خاصة بالروح القدس: ”الرّبّ المحيّي، المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء…“.
[1] انظر أيضًا: تث4: 25؛ 2صم7: 22؛ 22: 32؛ 1مل8: 60؛ 1أخ17: 20؛ مز18: 31؛ إش43: 10؛ يوئيل2: 27؛ زك14: 9. هذه النصوص التي تتّبع قانون ”اسمع“، وتُشدّد على وحدانيّة الله ومُلكه. ولها مثيلاتها في العهد الجديد، انظر: مر12: 29؛ يو17: 3؛ 1كو8: 4؛ غلا3: 20؛ 1تي2: 5.
[10] أغلب القراءات النقدّية الحديثة للنص، تقرأه ”الذي–ὅς ظهر في الجسد“، بدلًا من: ”الله-θεός ظهر في الجسد“. وهذا لا يُغير من معنى النص نهائيًا، فقد كان هذا تعبيرًا سرائريًا- μυστήριον عن الشخص (يسوع) الذي أعطى العالم المعرفة عن الله غير المُدرك، أو لنقل هو تعبير عن الله المُمجد، والذي لا يُمكن معرفته في مجده. فعدم نطق الاسم ”الله“، كان تعبيرًا عن هذا الإجلال السرائري للإله، حتّى في المفهوم اليهوديّ القديم (Philip Schaff, The Creeds of Christendom, With a History and Critical Notes, Volume II: The Greek and Latin Creeds, With Translations (New York: Harper & Brothers, 1890), 7.).
[11] منعًا للتكرار، يُمكن الرجوع إلى الفصل الخاص بالإيمان بالثالوث في المعموديّة، إذ جاء به الكثير من قوانين الإيمان الأولى، والتي آثرنا ألَّا نُعيد كتاباتها هُنا.
التطور التاريخي لمصطلحات الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى
التطور التاريخي لمصطلحات الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى
مقدمة
منذ العصور الأولى للمسيحية، وجدت الكنيسة نفسها مضطرة لاستخدم المصطلحات والأفكار اليونانية بكثرة لشرح مضمون ومفاهيم الإيمان، إلاّ أن الفكر اللاهوتي المسيحي قام بإعادة صياغة وتشكيل هذه المصطلحات والأفكار من أساسها، فصارت للمصطلحات اليونانية معانٍ مختلفة تماماً عما كانت تعنيه هذه التعبيرات في فكر الفلاسفة اليونانيين، أي أنه قد تم في الحقيقة ’إلغاء يونانية‘ تلك المصطلحات بصورة جذرية.
ومن هنا نستطيع أن نقول أن الفكر اللاهوتي المسيحي لم ينشأ من تحول مسيحية الكتاب المقدس إلى الهللّينية، بل على العكس فهو يمثل إعادة صياغة وتشكيل أنماط الفكر الهللّيني الشائعة لتصير أداة جديرة بالكرازة، تُمكِّن الكنيسة من شرح ـ وإعطاء تعبيرات راسخة عن ـ عقيدة الثالوث وعقيدة التجسد وبقية العقائد الأساسية الأخرى.
وعلى الرغم من أن تلك المصطلحات لم ترد في الكتاب المقدس، إلا أن الآباء وجدوا أنفسهم مضطرين لاستخدامها من أجل التعبير بأقصى دقة ممكنة عن معنى النصوص الكتابية نفسها.
وعند اتهامهم بأن هذا يعد خروجاً عن الكتب المقدسة، أكد الآباء أنهم أُجبروا ـ بسبب ضلال التفسيرات الخاطئة ـ أن يصيغوا ويستخدموا مصطلحات جديدة لكي يحافظوا بها على الحق وعلى أسس الإيمان السليم، ولكي يحموا هذا الإيمان من سوء الفهم. وكما أوضح ق. أثناسيوس، فإن أهم ما في الموضوع ليس هو كلمات أو مصطلحات محددة وردت في الكتب المقدسة، بقدر ما هو المعاني التي تنقلها والحقائق التي تشير إليها هذه الكلمات والمصطلحات.
وكانت هناك مصطلحات بعينها لعبت دوراً بارزاً في الجدال الأريوسي في القرن الرابع وفي الجدال الخريستولوجي في القرنين الخامس والسادس. وهذه المصطلحات هي: ’أوسيا‘ (ου̉σία)، و’هيبوستاسيس‘ (υ̉πόστασις)، و’فيزيس‘ (φύσις)، و’بروسوبون‘ (πρόσωπον).
وفي الحقيقة كان الغموض الذي صاحب المعاني التي قصدت تلك المصطلحات أن توضحها، والتغير في مدلول هذه المعاني على مر العصور، هما السببان الهامان وراء الكثير من الجدال اللاهوتي داخل الكنيسة.
ولذلك فإن محاولة فهم أبعاد ذلك الجدال بمعزل عن معرفة المعاني المقصودة من تلك المصطلحات لدى كل تقليد وفي كل عصر، تعتبر عملية مستحيلة المنال. ومن هذا المنطلق سنحاول في السطور التالية أن نقدِّم عرضاً مختصراً لتطور مدلول تلك المصطلحات عند الآباء واللاهوتيين في الكنيسة الأولى.
البابا أثناسيوس الرسولي ومجمع نيقية (325م):
كان مصطلح ’أوسيا‘ (ου̉σία) هو مصطلح يوناني يعني ’الوجود‘ أو ’الكينونة‘ (Being) أو ’الحقيقة الداخلية‘ (الجوهر) للشيء، وهو يقابل في المعنى المصطلح اللاتيني (Substantia). وكانت القاعدة الذهبية عند ق. أثناسيوس أن الكلمات والمصطلحات تختلف عند الحديث عن الله، أي عندما تحكمها طبيعة الله الفريدة، عنها عند الحديث عن المخلوقات بطبيعتها الزائلة.[1]
لذلك ميَّز ق. أثناسيوس بين الأوسيا الإلهي والأوسيا عند المخلوقات، فتحدث عن الأوسيا الإلهي بأنه يعني “الكائن” كما جاء في (خر 3: 14)، أو “الجوهر غير المدرك، والذي فوق كل إدراك”،[2] وأنه هو الكائن بمعناه الحقيقي لأنه هو الكائن بذاته أما أي كائن آخر فهو كائن عرضي أو اعتمادي. ومن هنا نفهم أن الأوسيا الإلهي عند ق. أثناسيوس كان يعني “الكيان الداخلي الحقيقي الفائق لكل إدراك”. وكان ق. أثناسيوس ينظر إلى الأوسيا الإلهي بكونه يحوي ضمناً العلاقات الأقنومية في داخله، أي أن له مدلول شخصي، ولذلك استخدم ق. أثناسيوس مصطلح (ενούσιος λόγος) أي اللوغوس الذي في الأوسيا. والله له أوسيا واحد، وطبيعة (فيزيس) واحدة وهي الطبيعة الخاصة بهذا الأوسيا.
وكان ق. أثناسيوس يقول إن اللاهوت بكامله هو في الابن وفي الروح القدس كما هو في الآب، ولذلك فالثلاثة هم ربوبية واحدة ومبدأ واحد ورئاسة واحدة، لأنهم واحد في ذات الأوسيا ’هوموأووسيوس‘. وكان مفهوم الوحدانية في ذات الجوهر ’هوموأووسيوس‘ عند ق. أثناسيوس وآباء نيقية هو مفتاح الوحدانية في الثالوث وكان هذا المفهوم يحمل في طياته أيضاً مفهوم التواجد (الاحتواء) المتبادل للثلاثة أقانيم الإلهية داخل جوهر الله الواحد.[3]
أما عند الحديث عن المخلوقات فإن ’الأوسيا‘ يعني “الحقيقة الداخلية الجوهرية العامة” لنوع ما من المخلوقات، وقد استخدم ق. أثناسيوس مصطلح أوسيا في رسالته إلى أبكتيتوس للدلالة على الحقيقة العامة المجردة للجنس البشري حيث قال: “لو كان الكلمة من نفس ’أوسيا‘ الجسد،… فإن الآب نفسه أيضاً يكون من نفس ’أوسيا‘ الجسد الصائر من الأرض. فلماذا إذاً تلومون الأريوسيين الذين يقولون أن الابن مخلوق، وأنتم أنفسكم تزعمون أيضاً أن الآب من نفس ’أوسيا‘ المخلوقات”.[4]
أما مصطلح ’هيبوستاسيس‘ (υ̉πόστασις) فينقسم في تحليله اللغوي إلى هيبو (υ̉πό) أي تحت، وستاسيس (στασις) أي قائم، فيعني بذلك الذي ’يقوم تحت‘ الشيء أو ’الأساس الذي يتوقف عليه‘ الشيء، وبهذا المدلول يقترب مفهوم الهيبوستاسيس من مفهوم الأوسيا في معناه اللغوي. وقد يكون هذا التشابه هو السبب في استخدام المصطلحين بالتبادل في الفلسفة اليونانية.
وقد بدأ التمييز بين المصطلحين منذ مجمع الإسكندرية عام 362م حيث أصبح ’الأوسيا‘ يفيد المعنى الذي ذكرناه سابقاً، أما ’الهيبوستاسيس‘ فأصبح يعني “كيان شخصي أساسي متمايز في داخل جوهر الله” (ε̉νυπόστατος)، أي أن الثلاثة هيبوستاسيس الإلهية لها وجود شخصي حقيقى، وأنها في تلازم وتواجد (احتواء) متبادل في جوهر الله الواحد. وحيث إن الأقانيم هي ’هوموأووسيوس‘ (أي لها ذات الأوسيا الواحد) مع بعضها البعض فهي بالتالي ’هوموفيس‘ (ο̉μοφυής) أي لها ذات الطبيعة الواحدة الخاصة بالأوسيا.
وكان الفكر اللاهوتي السكندري هو أول من بدأ في التمييز في المعنى بين الأوسيا والهيبوستاسيس ابتداءً من أوريجانوس،[5] ثم ديونيسيوس السكندري (في رسائله إلى ديونيسيوس الروماني)،[6] كما نجد ذلك أيضاً عند ديديموس الضرير.[7]
ولكن هذا النضج في التفريق بين مدلولي المصطلحين لم يكن قد وصل إلى نفس المستوى خارج الإسكندرية، إذ بقي مفهوم الهيبوستاسيس لا يخرج عن مفهوم الأوسيا في أبسط معانيه، ولذلك أصر مجمع نيقية في قراراته على ذكر المصطلحين معاً كمترادفين دون أي تفريق بينهما وقد اضطر السكندريون للتغاضي عن ذلك على مضض.[8]
وظل الحال على ما هو عليه إلى أن جاء مجمع الإسكندرية عام 362م حيث أعلن ق. أثناسيوس للعالم إمكانية التفريق بين مصطلحي أوسيا وهيبوستاسيس، وأنه يصح أخذ مصطلح هيبوستاسيس بمعنى “الكيان الشخصي المتمايز في جوهر الله”. ومع مرور الوقت اتفق العالم شرقاً وغرباً على الأخذ بلاهوت الإسكندرية الرصين.[9]
أما بالنسبة لمصطلح ’فيزيس‘ (φύσις) أو ’طبيعة‘ فيدل على الخصائص الجوهرية التي تميِّز (أو تشكِّل) شيء ما ليكون هذا الشيء وليس أي شيء آخر. وقد استخدم الآباء مصطلح طبيعة بمدلول الأوسيا، كما استخدموه أيضاً بمدلول الهيبوستاسيس.
وحين كان الآباء يتكلمون عن الطبيعة بمدلول الأوسيا فقد كانوا يعنون الطبيعة التي يتضمنها الأوسيا أو الخاصة بهذا الأوسيا، وحين كانوا يتكلمون عن الطبيعة بمدلول الهيبوستاسيس فقد كانوا يعنون الطبيعة التي يتضمنها الهيبوستاسيس أو الخاصة بهذا الهيبوستاسيس. وسيتضح هذا المعنى أكثر حين نأتي إلى ق. كيرلس والبطريرك ساويروس.
وإذا نظرنا إلى مصطلح ’بروسوبون‘ (πρόσωπον) فسنجد أنه في أصله اللغوي يعني ’ينظر نحو‘، وقد استُخدم هذا المصطلح قبل المسيحية ليشير إلى “القناع” الذي يلبسه الممثل ليمثل ’شخصية‘ ما، ثم أصبح يشير إلى الدور الذي يقوم به الممثل (المشخصاتي) ليعبر عن الشخصية التي يمثلها.
ويأتي هذا المصطلح في الكتاب المقدس بمعاني متعددة ولكنها كلها بمدلول ’الوجه‘ أو ’الحضور‘، وحينما جاء بمعنى ’الشخص‘ (2 كو 11:1) فكان لا يعني مجرد الفرد ولكن ’الذي ينظر إلى الآخر‘ أو الذي ’يتجه للآخر‘.
وقبل هرطقة سابليوس كان الآباء يستخدمون هذا المصطلح للتعبير عن أقانيم الثالوث، وعندما استخدم سابليوس هذا المصطلح بمعنى ’الحالة‘ واعتبر أن الثالوث هو ثلاث حالات (بروسوبا) لأقنوم واحد، اضطر الآباء إلى الابتعاد عن استخدام هذا المصطلح للتعبير عن الأقانيم واستخدموا مصطلح ’هيبوستاسيس‘ بدلاً منه،[10] ومع ذلك ظل لمصطلح ’بروسوبون‘ شأن كبير في الجدل الخريستولوجي في القرن الخامس والسادس كما سنرى فيما بعد.
الإباء الكبادوك ومجمع القسطنطينية (381م):
لم يفرِّق الآباء الكبادوك بين استخدام ’الأوسيا‘ و’الهيبوستاسيس‘ في الحديث عن الله وبين استخدامهما في الحديث عن المخلوقات، وطبقوا المعنى الذي يستخدم مع المخلوقات على الأوسيا والهيبوستاسيس الإلهي. فلم ينظروا إلى الأوسيا الإلهي بمدلوله الشخصي بكونه الجوهر الذي يتضمَّن العلاقات الأقنومية، ولكنهم أخذوه فقط بمعنى الحقيقة العمومية التي في الثلاثة هيبوستاسيس واعتبروا أن علاقة ’الأوسيا‘ بـ ’الهيبوستاسيس‘ هي مثل علاقة العمومي (أو المشترك) بالخصوصي (أو المميَّز).
وتبعاً لهذا الشرح اقترب مدلول الأوسيا الإلهي عند الآباء الكبادوك من مدلول الأوسيا في المخلوقات، ولم يعد مفهوم الوحدانية في ذات الجوهر ’هوموأووسيوس‘ بما يتضمنه من الوجود (الاحتواء) المتبادل للأقانيم هو المدخل لفهم الوحدانية في الله، ولكن صار التركيز على الأقانيم المتمايزة والموحدة من خلال أقنوم الآب حيث سعى هؤلاء الآباء إلى تأكيد وحدانية الله من خلال ربطها بالآب بكونه هو المبدأ الواحد (الرأس) أو ’العلة‘ أو ’المصدر‘ للابن والروح القدس.[11]
ورغم أنهم أكدوا أنه لا يوجد أي فاصل بين ’العلة‘ و’المعلول‘، وأن صدور الابن والروح القدس من الآب هو بلا بداية، إلاّ أن ذلك المدخل أدى إلى تفريق بين ألوهة الآب ’غير المستمدة‘ وألوهة الابن والروح القدس ’المستمدة‘. ورغم أن أسلوب الآباء الكبادوك قد ساعد الكنيسة على فهمٍ أغني وأعمق لأقانيم الثالوث القدوس إلاّ أن هذا كان على حساب استبعاد المعنى الحقيقي للأوسيا بكونه ’الجوهر في علاقاته الداخلية‘، وعلى حساب إفراغ مفهوم الأوسيا من مدلوله الشخصي العميق الذي برز بشدة في مجمع نيقية.[12]
ورغم أن فكر ق. غريغوريوس النزينزي حول الثالوث القدوس، كان يتفق في شكله العام مع ما قدمه ق. باسيليوس، وق. غريغوريوس النيصي، إلا أنه عاد وتبنى مفهوماً أكثر قرباً للقديس أثناسيوس[13] واتخذ مفهوم ’هوموأووسيوس‘ مدخلاً لشرح وحدانية الله، ونظر إلى الثلاثة هيبوستاسيس بكونها تشير إلى علاقات كائنة أزلياً وجوهرياً داخل الله وفقـــــــاً لما هـم في ذواتهم ووفقاً لما هم في علاقاتهم المتبادلة مع بعضهم البعض.
وهذه العلاقات بين الأقانيم هي جوهرية أو كيانية، بحيث إنهم يكونون ’في ما بينهم‘ بالضبط تماماً نفس ما هم ’في ذواتهم وبذواتهم‘، ولذا فالآب هو ’آب‘: بالتحديد في علاقته الكيانية غير المنفصلة مع الابن والروح القدس، والابن والروح القدس هما ابن وروح قدس: بالتحديد في علاقتيهما الكيانية غير المنفصلة مع الآب ومع بعضهما البعض. ويمكننا القول إن فهم ق. غريغوريوس لعقيدة الثالوث، كان يعتبر تعمقاً ملحوظاً في مفهوم ق. أثناسيوس للـ ’أوسيا‘ بكونه الجوهر الإلهي في علاقاته الداخلية (أي المتضمِّن العلاقات الإقنومية في داخله).[14]
وقد أكد ق. غريغوريوس النزينزي مثل ق. أثناسيوس أن وحدة المبدأ (الرأس) (Μοναρχία) ليست محدودة بأقنوم واحد: لأن الوحدة قائمة في الثالوث وبالثالوث.[15]
ومن الجدير بالذكر أنه كان هناك دور كبير للآباء الكبادوك في مجمع القسطنطينية وبالأخص ق. غريغوريوس النزينزي الذي رأس الاجتماعات الأولى للمجمع. وقد حرص مجمع القسطنطينية على عدم إدخال إلا أقل تعديل ممكن في قانون الإيمان (الذي وُضع في نيقية)، كما التزم المجمع كذلك في العبارات التي أُضيفت عن الروح القدس أن يسير في نفس الخط اللاهوتي ومدلول المصطلحات الذي تبناه مجمع نيقية بدون أن يتأثر بما قد حدث في الفترة ما بين نيقية والقسطنطينية.
وكان التعليم الذي قدَّمه ق. أثناسيوس بعد مجمع نيقية عن الروح القدس ـ والذي أخذه عنه بعد ذلك ق. إبيفانيوس وامتد به ـ هو الأساس الذي حسم الأمر في مجمع عام 381م.
البابا كيرلس السكندري ومجمع أفسس (431م):
كان ق. كيرلس السكندري بالحقيقة هو ختم الآباء[16] لأنه جمع في تعليمه كل غنى التراث الآبائي السابق له، بل أفضل ما قدَّمه الآباء الذين أتوا قبله، وقد وصل الفكر اللاهوتي على يديه إلى كمال نضجه.
وبالنسبة لمعاني المصطلحات اللاهوتية، كان ق. كيرلس حذقاً في استخدام مدلول تلك المصطلحات حيث تحدث عن الفرق بين الأوسيا والهيبوستاسيس بكونه مثل الفرق بين العام والخاص،[17] إلا أن هذا كان فقط لشرح مبدأ الاختلاف الأساسي بين مدلول المصطلحين، ولم يكن ذلك أبداً على حساب مفهوم الأوسيا الإلهي الذي يحوي العلاقات الهيبوستاسية.
وقد تبنى ق. كيرلس مفهوم ’هوموأووسيوس‘ (وليس أقنوم الآب) كأساس لشرح وحدانية الثالوث، فنجده يقول في الحوار الأول حول الثالوث: “فالجوهر هو حقيقة مشتركة بينما الأقنوم يُطلق على الأقانيم المشتركة في هذا الجوهر،…. والوحدانية في ذات الجوهر ’هوموأوسيوس‘ تتعدى تمايز الأقانيم في الآب والابن وتقدمهما بشكل موحد غير منقسم، ولا نستطيع أن ننزع عن كل أقنوم ما هو خاص به”.[18]
أي أنه من حيث التفريق الأساسي أظهر أن الأوسيا هو الحقيقة الجوهرية (بما له من وجود وطبيعة) والتي تميّز نوع ما عن أي نوع آخر والهيبوستاسيس هو الواقع الخاص المتمايز الذي لهذا النوع (بما له من وجود وطبيعة)، ولكن عند الحديث عن الله أخذ ق. كيرلس السكندري تعليم ق. غريغوريوس النزينزي عن الثلاثة هيبوستاسيس الإلهية بكونها علاقات ديناميكية كائنة على الدوام في أوسيا الله الواحد.[19]
وضمَّه مع تعليم ق. أثناسيوس عن السكنى المتبادلة للأقانيم الثلاثة، ليقدَّم مفهومه العميق عن التواجد (الاحتواء) المتبادل للثلاثة هيبوستاسيس في داخل الأوسيا الإلهي.[20] كما تبنى ق. كيرلس مفهوم ق. أثناسيوس وق. إبيفانيوس عن وحدة المبدأ (الرأس) (Μοναρχία) ليس بكونها في أقنوم الآب وحده ولكن بكونها وحدة في ثالوث وثالوث في وحدة.[21]
وكان مصطلح ’بروسوبون‘ يُستخدم في بعض الأحيان كمرادف للهيبوستاسيس ويُقصد به ’الشخص المتمايز‘، ولكن ’البروسوبون‘ لا يعني في الحقيقة الشخص بالمعنى الكامل للمصطلح، وإنما يدل على الناحية الخارجية للكائن التي تميِّز الواحد عن الآخر. أي أن ’الهيبوستاسيس‘ هو الشخص من جهة حقيقته الداخلية، أما ’البروسوبون‘ فيمثل الهيئة الخارجية (أو الوجه الخارجي) فقط. وكان لهذا التفريق الدقيق أهمية قصوى في الجدال الخريستولوجي بين التقليد السكندري والتقليد الأنطاكي كما سنرى.
وبالنسبة لمصطلح ’فيزيس أو طبيعة‘، استخدم ق. كيرلس المصطلح بمدلول ’الأوسيا‘، كما استخدمه أيضاً بمدلول ’الهيبوستاسيس‘ سواء في الحديث عن الله أو عن الإنسان. ففي خطابه الرابع ضد نسطوريوس قال ق. كيرلس: “إن طبيعة اللاهوت الواحدة تُعرف في الثالوث القدوس والواحد في ذات الجوهر”، ونجد هنا أنه استخدم مصطلح ’طبيعة‘ بمدلول ’الأوسيا‘، ولكن في خطابه إلى الأميرة استخدم ق. كيرلس نفس المصطلح كمرادف للهيبوستاسيس حيث كتب: “نحن نؤكد أن الكلمة، خالق العالمين، الذي فيه وبه يكون كل شيء، النور الحقيقي، ’الطبيعة‘ التي تعطي حياة للجميع، الذي هو ابنه الوحيد، قد ولد من جوهر الآب بطريقة لا توصف”.
وعند الحديث عن الإنسان كتب ق. كيرلس في خطابه الثالث ضد نسطوريوس: “إنه بسبب خطية آدم، سقطت طبيعة الإنسان إلى اللعنة والموت”، وهنا يشير المصطلح إلى مدلول الأوسيا، ولكن في كتابه ضد أندراوس السموساطي استخدم ق. كيرلس مصطلح ’طبيعة‘ كبديل للهيبوستاسيس حيث قال: “وبالنظر إلى البروسوبون الواحد والطبيعة الواحدة، أي الهيبوستاسيس (الواحد)، فإننا حينما نفكر في هاتين (الطبيعتين) اللتين يتركب منهما طبيعياً، فإن العقل يجعلهما معاً ويميزه كواحد مركب، وليس كمنقسم إلى إثنين”.
وكان مصطلح ’طبيعة‘ ـ والذي يعني الخصائص الداخلية التي تميِّز الشيء ـ حين يُستخدم بمدلول الأوسيا فيُقصد به الطبيعة في معناها العام أي طبيعة هذا الأوسيا التي تميزه عن غيره، وحين يُستخدم بمدلول الهيبوستاسيس فيُقصد به الطبيعة في واقعها المتفرد المخصخص (أو الهيبوستاسي).
وكان التقليد الأنطاكي (الذي مهد للهرطقة النسطورية) يستخدم مصطلح ’طبيعة‘ بمدلول ’الشخص المحدد‘، ويتبنى مفهوم أن المسيح هو ’طبيعتين بعد الاتحاد‘ بمعنى ’شخصين محددين‘ لذلك فإن الاتحاد بينهما لا يمكن أن يكون غير مجرد اقتران (سينافيا) لهذين الشخصين، وبالتالي فإن ’الله الكلمة‘ و’الإنسان المُتَخَذ‘ كانا بالنسبة للفكــر الأنطاكي هما مركزين للوجــود والفعل (two centers of being and activity). وكان اتحاد الطبيعتين من وجهة نظرهم هو في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘ فقط، لذلك فإن المسيح هو طبيعتين متحدتين في بروسوبون واحد.[22]
وأمام هذا التفسير أصر السكندريون على أن اتحاد الطبيعتين كان اتحاداً داخلياً حميماً بحسب ’الهيبوستاسيس‘ (أي اتحاد هيبوستاسي) وليس مجرد اتحاداً خارجياً في نطاق البروسوبون. لذلك فإن المسيح هو هيبوستاسيس واحد مركب (أي مركز واحد للوجود والفعل)، وطبيعة واحدة مركبة، وبروسوبون واحد.
فالطبيعتين الإلهية والإنسانية ظلتا محتفظتين بخواصهما دون أي نقصان أو تغير وقد اتحدتا بصورة داخلية حميمة بدون اختلاط أو انفصال لدرجة أن المسيح لم يكن “طبيعتين بعد الاتحاد”؛ فهو “من طبيعتين” ولكنه مع ذلك “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”. وفي الحقيقة كانت تلك الرؤية السكندرية هي الأساس اللاهوتي الذي تمت على أساسه إدانة نسطوريوس كهرطوقي في مجمع عام 431م.
كان الأساس اللاهوتي لمجمع خلقيدونية يتركز في طومس ليو واعتراف الإيمان الذي قام المجمع بصياغته.
(1) طومس ليو:
كانت الفقرة المحورية في طومس ليو هي التي تقول: إن الله الابن الأزلي قد اتخذ ناسوتاً، بحيث إن “خواص كلتا الطبيعتين والجوهرين محفوظة ومتواجدة معاً في شخص واحد”. وأن ابن الله “نزل من عرشه السماوي” ولكنه في نفس الوقت “بدون أن يتنحى عن مجد الآب”، ودخل في هذا العالم وولد بطريقة جديدة.
وبهذا الميلاد (الزمني) لم يتغير اللاهوت إلى ناسوت، ولا ابتُلع الناسوت في اللاهوت، ولكنهما كانا متحدين تماماً بحيث إن “كل طبيعة تقوم بما هو ملائم (proper) لها (أو مختص بها) وهي في شركة (communion) مع الأخرى؛ فعلى سبيل المثال كان الكلمة يقوم بما هو ملائم للكلمة، وكان الجسد ينفذ ما هو ملائم للجسد”.
فكإنسان كان يمكنه أن يشعر بالجوع والعطش وأن يتعب وينام؛ ولكن كإله أشبع الآلاف من الناس بخمس خبزات كما صنع معجزات أخرى. والحق أنه “في الرب يسوع المسيح، يوجد شخص واحد لله والإنسان، ومع ذلك فإنه من حيث التألم الذي هو مشترك لكليهما فإن هذا شيء، ومن حيث المجد الذي هو مشترك (أيضاً) لكليهما فإن هذا شيء آخر؛ لأن الناسوت الذي أدنى من الآب هو له منا، واللاهوت المساوي للآب هو له من الآب”.
ومن هنا فإن وحدة الشخص “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين”، ولذلك يمكننا أن نقول أن ابن الإنسان أتى من السماء، وأن ابن الله أخذ جسداً وولد من العذراء.
ومن الفقرة السابقة نرى أن طومس ليو قد تحدث عن ’شخص واحد‘، فماذا كان يعني البابا ليو بهذا التعبير خاصة أنه في السياق التاريخي للقرن الخامس كان اللاهوتيون الشرقيون يستخدمون الكلمتين ’بروسوبون‘ و’هيبوستاسيس‘ اليونانيتين بما يكافئ كلمة ’برسونا‘ عند اللاتين؟ فهل كان البابا ليو يعني بتعبير ’شخص واحد‘ أنه ’هيبوستاسيس واحد‘ أم أنه ببساطة مجرد ’بروسوبون واحد‘؟.
وقد رأى القادة الذين تربوا على التقليد اللاهوتي السكندري في عبارة ’شخص واحد كائن في طبيعتين‘ ما يتضمن فقط معنى ’البروسوبون‘، كما رأوا في عبارة ’كل طبيعة تقوم بما هو ملائم لها وهي في شركة مع الأخرى‘ ما يحمل معنى ’الهيبوستاسيس‘. وهكذا فهم السكندريون أن ليو يؤمن بأن ’الهيبوستاسيسين‘ أي الله الابن ويسوع الإنسان اتحدا في ’بروسوبون‘ واحد.
وهذا بالتحديد ما كان الأنطاكيون يعلِّمون به طوال الوقت. وحينما قارن السكندريون الطومس مع رسائل البابا كيرلس التي أرسلها إلى نسطوريوس وبالأخص الرسالة (الثالثة) التي احتوت على الحروم، وجدوا تناقضاً حقيقياً بين تعليم ق. كيرلس السكندري وطومس البابا ليو.
لأن ق. كيرلس على سبيل المثال كان قد أوضح تماماً أن الأقوال والأفعال يقوم بها الهيبوستاسيس الواحد المتجسد، بينما يذكر الطومس أن الأقوال والأفعال تقوم بها الطبيعتان، فإذا أُخذ مصطلح ’الطبيعة‘ بمعنى ’الهيبوستاسيس‘ ـ وهو المعنى الوحيد المنسجم مع سياق النص ـ فسيكون من العسير قبول هذا الموقف بالتحديد.
(2) إعتراف الإيمان الخلقيدوني:
تحدث إعتراف الإيمان الخلقيدوني عن أن “ربنا يسوع المسيح هو بالنسبة لنا نفس الابن الواحد، الكامل في اللاهوت، والكامل في الناسوت؛ إله حقيقي وإنسان حقيقي…؛ هو نفس المسيح الواحد، والابن الواحد، والرب الواحد، والمولود الوحيد؛ يُعترف به في طبيعتين بغير اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال؛ ولم يلغي الاتحاد اختلاف الطبيعتين أبداً بل بالأحرى حُفظت خواص كل طبيعة، و(كلاهما) يتواجدان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد؛ وليس كما لو كان قد تجزأ أو انقسم إلى بروسوبونين، ولكنه الابن الواحد نفسه والمولود الوحيد، الله الكلمة الرب يسوع المسيح …”
ومن هنا نرى أن تعريف الإيمان الخلقيدوني كان يحوي عناصراً مأخوذة من كلا التقليدين السكندري والأنطاكي، ومع ذلك ذهب إلى أبعد من حدود التقليد الأنطاكي في تأكيده أن “الطبيعتين متواجدتان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد”، كما ذهب أبعد من حدود التقليد السكندري في إصراره أن المسيح ينبغي “أن يُعترف به في طبيعتين”.
البطريرك ساويروس الأنطاكي والجانب غير الخلقيدوني:
كان البطريرك ساويروس تلميذاً مخلصاً للقديس كيرلس السكندري وكان بالفعل هو اللاهوتي الأبرز والمدافع الأعظم عن التعليم الخريستولوجي غير الخلقيدوني في القرن السادس. وقد قام البطريرك ساويروس بشرح معنى المصطلحات اللاهوتية في كتابه ’ضد النحوي غير التقي‘ وفي العديد من رسائله العقائدية وكتاباته الأخرى.
وكان البطريرك ساويروس يأخذ ’الأوسيا‘ الإلهي مثل ق. أثناسيوس بمعنى الكائن (بذاته)، وقد شرح الإختلاف الأساسي بين ’الأوسيا‘ و’الهيبوستاسيس‘ بأن “’الأوسيا‘ يدل على ما هو عام، بينما يدل ’الهيبوستاسيس‘ على ما هو خاص”.[24] وقام البطريرك ساويروس بتوضيح وجهة نظره من خلال قوله إن “مصطلح ’إنسان‘ يدل على الجنس وعلى الانتماء العمومي لكل الجنس البشري”،[25] وأشار إلى دليل كتابي في سفر التكوين، حين تكلم الله إلى نوح وبنيه قائلاً: “سافك دم الإنسان، بالإنسان يُسفك دمه، لأن الله على صورته عمل الإنسان” (تك 6: 9)، وأكد البطريرك ساويروس أنه في تلك الآية لم تكن الإشارة إلى إنسان محدد، ولكن إلى أي إنسان ينتمي إلى كل الجنس البشري.
ولكن من الناحية الأخرى حينما نطلق على شخص محدد ـ مثل يعقوب أو ألقانه ـ أنه إنسان، فنحن نقصد أنه ينتمي إلى الأوسيا (إلى الجنس البشري)،[26] وكل من يعقوب وألقانه هو هيبوستاسيس، لأن كل منهما استقبل وجوده المحدد (concrete existence) بصورة منفصلة وخاصة.
وكان البطريرك ساويروس ينظر إلى ’الأوسيا‘ بمعنى الحقيقة الديناميكية العامة المجردة، وبالتالي فإن ’الأوسيا‘ إذا لم يصبح ’محدداً‘ فلا يكون له وجود فعلي في عالم الزمان والمكان، أي أن ’الأوسيا‘ هو الحقيقة (العامة) التي عندما تتخصخص أو تتفرد (individuated) ينشأ واقع خاص (particular) محدد (أو حقيقة خاصة) الذي هو ’الهيبوستاسيس‘.
وإذا انتقلنا إلى مصطلحي ’هيباركسيس‘ و’فيزيس‘ فسنجد أن مصطلح ’هيباركسيس‘ يشير إلى ’الوجود‘ ومصطلح ’فيزيس‘ يشير إلى ’الطبيعة‘. ووفقاً لذلك فإن كلا المصطلحين يمكن أن يُستخدم إما بالمعنى العمومي أو بالمعنى الخاص. وعلى سبيل المثال، فإن أي ’أوسيا‘ يكون له وجوده من ناحية، كما أن له أيضاً طبيعته الخاصة من الناحية الأخرى. و’الهيبوستاسيس‘ كذلك بكونه ’الأوسيا‘ الذي تخصخص أو تفرد فإن له أيضاً ’الهيباركسيس‘ و’الفيزيس‘ الخاصين به.
وكان البطريرك ساويروس قد تعامل مع معنى مصطلح ’فيزيس‘ أو ’الطبيعة‘ في أكثر من عمل من كتاباته، وفي كل مرة كان يقر بأن هذا المصطلح يعني في بعض الأحيان ’الأوسيا‘ وفي البعض الآخر ’الهيبوستاسيس‘،[27] وكان يستدل على ذلك من أقوال ق. كيرلس السكندري التي سبق أن أشرنا إليها.
وبالنسبة للبابا ساويروس أيضاً كان مصطلح طبيعة حين يُُستخدم بمدلول الأوسيا فيُقصد بها الطبيعة في معناها العام أي طبيعة هذا الأوسيا التي تميزه عن غيره، وحين يُستخدم بمدلول الهيبوستاسيس فيُقصد بها الطبيعة في واقعها المتفرد المخصخص (أو الهيبوستاسي). وفي كل المرات التي استخدم فيها البطريرك ساويروس مصطلح ’طبيعة‘ وهو يتحدث عن أي كيان مخصخص ومتفرد سواء كان بسيطاً أم مركباً فكان يقصد به مدلول ’الهيبوستاسيس‘.
وتتضح هذه النقطة عند الإشارة إلى الإنسان الذي يتكون من جسد وروح، فحين نقول عن الإنسان (وهو كيان متفرد) أنه “من طبيعتين” فإننا نقصد أنه “من هيبوستاسيسين”، لأن الجسد والروح لا يوجدان في الإنسان كـ ’إثنين أوسيا‘ (أي كحقيقتين عامتين مجردتين) ولكن كـ ’هيبوستاسيسين‘ (أي كواقعين متفردين)، ولكن حيث إن ’الإثنين أوسيا‘ (أي أوسيا الجسد وأوسيا الروح) قد أصبحا متفردين ومتخصخصين وهما في الاتحاد معاً، لذلك لا يوجد الإنسان في ’هيبوستاسيسين‘ أو ’طبيعتين‘.
ولو كان يمكن للجسد في أي وقت ما، أن يأتي إلى الوجود بدون الروح أو الروح بدون الجسد، لأمكن أن يكون كل منهما ’هيبوستاسيس بسيط‘ مستقل أو’طبيعة بسيطة‘ وأن يكون له ’البروسوبون‘ الخاص به، ولكن ’أوسيا الجسد‘ و’أوسيا الروح‘ ـ كحقيقتين ديناميكيتين ـ تخصخصا وتفردا معاً في الاتحاد، وكل منهما ظل بكماله الذي حسب أصل مبدأه (جوهره)، والتقيا ’الاثنان أوسيا‘ معاً في تكوين ’هيبوستاسيس واحد مركب‘ له بروسوبون (واحد).
أما الفرق بين مدلول مصطلحي ’هيبوستاسيس‘ و’بروسوبون‘ عند البطريرك ساويروس فهو أمر دقيق للغاية، حيث كتب: “إن آباء الكنيسة وصفوا ’الهيبوستاسيس‘ بأنه ’البروسوبون‘”،ومع ذلك فإن هناك فرق في المدلول بينهما لأنه “حينما يصبح الهيبوستاسيس وجوداً محدداً خاصاً ـ سواء كان بسيطاً أم مركباً ـ فإنه يُعبِّر عن بروسوبون متمايز”.[28] وستتضح هذه النقطة أكثر من شرح البطريرك ساويروس للفرق بين الهيبوستاسيس ’البسيط‘ و ’المركب‘.
فبالنسبة للنوع ’البسيط‘ أشار البطريرك ساويروس إلى الثلاثة هيبوستاسيس الإلهية، فكل من الآب والابن والروح القدس هو هيبوستاسيس بسيط (simple hypostasis)، أما الإنسان فهو هيبوستاسيس مركب (composite hypostasis) لأنه يتكون من جسد وروح. وفي حالة الإنسان، فمنذ أول لحظة من تزامن وجود ’أوسيا الجسد‘ و’أوسيا الروح‘، يأخذ الإنسان وجوده ككيان جسدي روحي، ويستلم ’بروسوبون‘.
ولا يلتقي ’الاثنان أوسيا‘ معاً في صورة ’الأوسيا‘ ـ لأن الأوسيا بكونه هو الحقيقة العامة إذا لم يصبح محدداً فلا يكون له وجود فعلي في عالم الزمان والمكان ـ ولكنهما منذ بداية وجودهما معاً يصبحان واقعين هيبوستاسيين (hypostatic realities). ويقول البطريرك ساويروس:
“ويحافظ كل من الجسد والروح ـ اللذان يتركب منهما الإنسان ـ على الهيبوستاسيس الخاص به، دون أن يختلطا أو يتحول أي منهما إلى الآخر. وعلى الرغم من ذلك، فبما أنهما اتخذا وجودهما المحدد في الوضع المركب وليس بشكل منفصل مستقل، فلا يمكن أن يُخصص ’بروسوبون‘ متمايز لأي منهما (على انفراد) “.[29]
ويمكننا أن نُفسر كلام البطريرك ساويروس في هذه النقطة كما يلي: ’الهيبوستاسيس‘ هو الكيان المحدد (concrete being) الناتج من تخصخص أو تفرد (individuation) ’الأوسيا‘. وفي هذا التخصخص والتفرد يأخذ ’الأوسيا‘ بكماله وجوداً محدداً (concrete existence)، وعندما يحدث هذا يكون للهيبوستاسيس ذلك ’البروسوبون‘ الخاص به.
ومن هنا نستطيع أن نقول أن ’الهيبوستاسيس‘ ـ بكونه ’الأوسيا‘ الذي تفرد وتخصخص ـ فإنه يمثل الحقيقة الداخلية الخاصة للشيء، و’البروسوبون‘ هو الهيئة الخارجية (أو الوجه الخارجي). وعلى سبيل المثال، كل عضو من أعضاء نوع (class) معين هو الأوسيا الذي تفرد وتخصخص بكامله، ومن ثم لا يمكن تمييزه كهيبوستاسيس عن أي عضو آخر من نفس النوع، ولكن أعضاء النوع (الواحد) تتمايز عن بعضها البعض بواسطة البروسوبون.[30]
ويمكننا أن نتبين مفهوم البطريرك ساويروس عن ’البروسوبون‘ بطريقة أوضح إذا رجعنا إلى إجابته عن السؤال: لماذا لا يمكن أن نعترف أن المسيح هو “من بروسوبونين” (from two prosopa)؟. وكان البطريرك ساويروس يصر أن المخلص “من هيبوستاسيسين” أو “من طبيعتين” ولكنه ليس “من بروسوبونين”، حيث كتب: “عندما تتخذ مجموعة من ’الهيبوستاسيس‘ وجودها المحدد الخاص، وتكون منفصلة الواحد عن الآخر، فإن كل واحد منها يكون له ’البروسوبون‘ الخاص به.
ولكن حينما يلتقي ’هيبوستاسيسان‘ في إتحاد طبيعي ويكملان إتحاداً للطبيعتين والهيبوستاسيسين بدون أي اختلاط ـ كما نرى في الإنسان ـ فلا يمكن أن يُنظر إلى هذين الإثنين اللذين حدث منهما الاتحاد، بكونهما (وجودين) محددين مستقلين، أو أن يُعتبرا كبروسوبونين، وإنما ينبغي أن يُؤخذا كـ (بروسوبون) واحد”.[31]
وفي تطبيق هذا المفهوم على المسيح، يشرح البطريرك ساويروس وجهة نظره كما يلي: إن الله الكلمة الذي هو قبل العالمين، حينما وحَّد بنفسه (to himself) ناسوتاً بدون تغيير، لم يكن من الممكن أن يُنسب بروسوبون خاص (مستقل) لا إلى لاهوت المولود الوحيد[32] ولا إلى الناسوت الذي اتحد به، لأنهما أُدركا (معاً في المسيح) وهما في الوضع المركب وليس كما لو كانا قد اخذا وجودهما المحدد (في المسيح) بصورة منفصلة. وباتحاد اللاهوت والناسوت معاً، تكوَّن هيبوستاسيس واحد (مركب) من الإثنين ومعه أخذ الكلمة المتجسد البروسوبون الخاص به.[33]
وقد استمر اللاهوت والناسوت اللذين تركب منهما عمانوئيل كل في حالته الهيبوستاسية التي له بدون تغيير.[34] ولا ينبغي هنا أن يُساء فهم موقف البطريرك ساويروس، لأنه في تأكيده على الحقيقة الأقنومية لناسوت المسيح لم يكن يقر أن هناك مركزين للوجود والفعل في المسيح الواحد كما يفعل الأنطاكيون، حيث أصر على أن الناسوت أصبح في الحالة الأقنومية فقط في الإتحاد مع الله الكلمة، كما أكد كذلك على أن المسيح هو هيبوستاسيس واحد ’مركب‘ (composite).[35]
وكان ’الهيبوستاسيس‘ بالنسبة للبطريرك ساويروس هو الأوسيا المخصخص وهو الشخص المعني بالأفعال، لذلك كان يتمسك بأن المسيح له ’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘،[36] لأن ’الإرادة‘ و’الفعل‘ من وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني كانا هما التعبير (expression) عن ملكة الاختيار وملكة العزم (على الفعل) الموجودتين في كل طبيعة (volitional and conative faculties)، ولكن الشخص أو الهيبوستاسيس هو الذي يظهرهما.
ففي المسيح الواحد كانت توجد كلتا الخواص والقدرات الإلهية والبشرية بدون أي نقصان (ويمكن التمييز بينهما على مستوى الذهن) وكان أقنومه المركب الواحد هو الذي يقوم بالتعبير عنهما، ولم يكن التقليد السكندري يتحدث عن ’إرادتين طبيعيتين‘ و’فعلين طبيعيين‘ مثل الخلقيدونيين، لأن ذلك من وجهة نظر التقليد السكندري كان يتضمن تقسيماً للمسيح الواحد إلى مركزين للوجود والفعل.
فالإرادة في المسيح على سبيل المثال، هي التعبير المتحد(united) للقدرات الإرادية التي للاهوت والناسوت معاً، وكذلك ’الفعل‘ هو التعبير المتحد لقدراتهما العزمية ـ وكل من ’الإرادة‘ و’الفعل‘ يعبر عنهما (أو يُظهرهما) الشخص الواحد المركب.
ونستطيع أن نلخص تعليم البطريرك ساويروس عن مدلول المصطلحات اللاهوتية على النحو التالي: يدل مصطلح ’أوسيا‘ على الحقيقة العامة الديناميكية التحتية (underlying) للشيء، وبهذا يتضمن ’الأوسيا‘ كل من ’الكينونة‘ أو الوجود من ناحية، و’الخصائص‘ (properties) التي تعطي الأوسيا طابعها وهويتها من الناحية الأخرى، وهذان الإثنان هما ’الهيباركسيس‘ و ’الفيزيس‘ على الترتيب.
و’الهيبوستاسيس‘ هو الشخص المتفرد، والمعني بالأفعال (subject of actions) الذي فيه يأخذ الأوسيا ـ بما يتضمنه من ’هيباركسيس‘ و ’فيزيس‘ ـ وجوده المحدد. وعندما يتفرد ويتخصخص الأوسيا مُوجداً هيبوستاسيس، فإن الهيبوستاسيس يستلم سمته المميزة والتي بها يختلف (يتمايز) عضو (member) من أعضاء نوع (class) معين عن عضو آخر من نفس النوع، وهذا هو ’البروسوبون‘.[37]
يوحنا النحوي والجانب الخلقيدوني في القرن السادس:
كان يوحنا النحوي هو أحد أهم القادة الخلقيدونيين في القرن السادس الذين تولوا الدفاع عن مجمع خلقيدونية ضد البطريرك ساويروس الأنطاكي. ويعتبر يوحنا النحوي من أوائل الخلقيدونيين الذين ابتدئوا التعليم الخريستولوجي الخلقيدوني الجديد في الشرق. وهذا التعليم هو الذي أسماه شارلز موللر ’الخلقيدونية الجديدة‘ (neo-Chalcedonianism)، وقد كُتب لهذا التعليم الانتصار في مجمع القسطنطينية عام 553م. وكان الموقف اللاهوتي الذي تبناه ذلك المجمع ـ ما عدا دفاعه عن مجمع خلقيدونية ـ يقترب من الموقف الذي يتمسك به الجانب غير الخلقيدوني.
وبالنسبة لتعريفه للمصطلحات اللاهوتية، يقول النحوي:[38] “يدل ’الأوسيا‘ على العمومي مثل اللاهوت الواحد الذي للثالوث القدوس أو مثل الناسوت بصفة عامة.
أما ’الهيبوستاسيس‘ فيشير إلى ’البروسوبون‘ الواحد الذي للآب، و(البروسوبون) الذي للابن و(البروسوبون) الذي للروح القدس؛ أو أيضاً الذي لبطرس أو يوحنا أو أي رجل. وتُعرَّف ’الفيزيس‘ في بعض الأحيان مع الأوسيا وفي بعض الأحيان مع الهيبوستاسيس”.
ونلاحظ من الفهم المبدئي لتلك الفقرة، أنه لا يوجد أي فرق ظاهر في تعريف المصطلحات اللاهوتية بين البطريرك ساويروس ويوحنا النحوي، ولكن عند استخدام تلك المصطلحات في التفسيرات المتعلقة بشخص المسيح نجد أن البطريرك ساويروس يختلف فعلياً معه. فيوحنا النحوي يفسر مصطلح ’طبيعة‘ في عبارتي “من طبيعتين” و”في طبيعتين” بمدلول ’الأوسيا‘ كحقيقة عامة مجردة (وليست مخصخصة)، وهذا يتعارض مع مفهوم البطريرك ساويروس الذي يقول أنه إذا أخذنا الطبيعتين بمدلول ’الأوسيا‘ (كحقيقة عامة) فإنه من المستحيل أن نتصور إمكانية أن يتحدا ’هيبوستاسياً‘.[39]
وقد أكد البطريرك ساويروس في رده على النحوي أن مصطلح ’طبيعة‘ عند ق. كيرلس ينبغي أن يؤخذ في جميع العبارات التي تشير إلى المسيح بمدلول الواقع المخصخص أو الحقيقة المحددة (concrete reality) وليس بمدلول الحقيقة العامة المجردة. كما أصر البطريرك ساويروس على أن الناسوت الذي اتخذه الكلمة في التجسد كان في الحالة الأقنومية أي أنه كان ناسوتاً مخصخصاً ومتفرداً (individuated manhood).
وبالنسبة لمفهومه عن الأوسيا تساءل النحوي:
“كيف يمكننا ونحن نعترف أنه (أي المسيح) إنسان تام كامل، ألا نقر أن فيه كل ’أوسيا‘ الناسوت؟ لأنه لم يتخذ جزءاً من الناسوت كما ادعى أبوليناريوس أي جسداً بدون روح عاقل، ولكنه اتخذ ’الأوسيا‘ بكامله أي جسد ممنوح روحاً عاقلاً ومفكراً. وحيث إن هذا هو الموجود تماماً في كل الكائنات البشرية كحقيقة عمومية، لذلك يشار إليه بـ ’الأوسيا‘. وهم (أي الكائنات البشرية) لا يتمايزون الواحد عن الآخر في ’الأوسيا‘، وإنما في الصفات الخاصة التي تصاحبهم أي الحجم واللون وتلك هي التي تُذكر كمواصفات للبروسوبون.”[40]
وهنا ينبغي علينا أن نلاحظ إصرار النحوي على أن الأوسيا الذي في كل البشر هو ’الحقيقة العمومية‘ بالمعنى المجرد بدون التسليم بأنه في الحالة المخصخصة المتفردة ’الهيبوستاسية‘. ومن الواضح أنه كان مهتماً بتجنب عقيدة وجود ’هيبوستاسيسين‘ أو شخصين في المسيح الواحد.
وكان النحوي قد مهد لنظرية التــأقنم التي تبناها الخلقيدونيون ـ والتي سيأتي ذكرها فيما بعد ـ حينما فرَّق بين ’الهيبوستاسيس‘ وبين الواقع الخــــاص المحدد (concrete particular)، لذلك اعترف أن ناسوت المسيح كان واقعاً خاصاً محدداً، أي جسداً أُعطي روح عاقل مفكر ولكنه مع ذلك لم يعترف به كواقع هيبوستاسي.
ويبدو أن النحوي كان يفهم الهيبوستاسيس بكونه فقط الشخص المعني بالأفعال ولم يكن هذا المفهوم يرتبط عنده بأي مدلول للواقع الخاص المحدد. فالأوسيا بالنسبة له هو الحقيقة العمومية، والطبيعة كان لها أيضاً نفس المدلول،[41] والهيبوستاسيس ليس هو الأوسيا الذي تفرد وتخصخص (أي ليس هو الحقيقة العامة التي أخذت واقعاً خاصاً محدداً) ولكنه الشخص (مركز الفعل) الذي يملك الطبيعة.
أما البطريرك ساويروس على الجانب الآخر فكان لا يفصل بين مدلول الهيبوستاسيس بكونه الأوسيا المتفرد المخصخص (بما له من طبيعة في واقعها المحدد) وبين كونه الشخص المعني بالأفعال. ومن الواضح أن النحوي كان يحاول الدفاع عن صحة عبارة “في طبيعتين” مع تجنب وجود هيبوستاسيسين في المسيح، لذلك فسَّر مصطلح ’طبيعة‘ الوارد فيها أنه يعني ’الأوسيا‘ كحقيقة عامة.
كما جمع بين كون المسيح ’هيبوستاسيس واحد‘ وكونه ’في طبيعتين‘ من خلال تفسيره للهيبوستاسيس ـ كما ذكرنا ـ بأنه الشخص المعني بالأفعال الذي يملك الطبيعة بمعناها العام والذي يمكنه أن يملك أكثر من طبيعة في نفس الوقت. لذلك أكد أن هيبوستاسيس المسيح الواحد هو هيبوستاسيس الله الكلمة الذي بالإضافة لطبيعته الإلهية وحَّد بنفسه ناسوتاً كطبيعة ثانية.[42]
أما البطريرك ساويروس فكان يصر على أنه هو الهيبوستاسيس المتجسد لله الكلمة ولذلك هو هيبوستاسيس ’مركب (composite)‘. وكان لهذا الاختلاف في تفسير مدلول المصطلحات بين الجانبين تداعيات خطيرة سنتناولها في السطور القادمة.
يوحنا الدمشقي والجانب الخلقيدوني في القرن الثامن:
كان يوحنا الدمشقي واحداً من أشهر اللاهوتيين في الجانب الخلقيدوني في القرن الثامن الميلادي، وهو أحد الذين شاركوا في رسم ملامح التقليد الخلقيدوني المعاصر.
وكان هدف الدمشقي هو تقديم فكر لاهوتي يتفق مع تعليم خلقيدونية بوجود شخص واحد ’في طبيعتين‘، لذلك حاول أن يقدم شرحاً لمدلول المصطلحات اللاهوتية يستطيع من خلاله أن يدافع عن المفهوم الخلقيدوني ويفند آراء المعارضين له. وقد تغاضى في سبيل تحقيق هدفه هذا عن كل الصعوبات اللاهوتية التي نجمت عن ذلك الشرح.
وقد أكد الدمشقي أن الآباء لم يفرقوا بين مدلول ’الأوسيا‘ ومدلول ’الطبيعة‘،[43] لكنه أضاف أن بعض الفلاسفة الوثنيين قد ميَّز بين المصطلحين بكون ’الأوسيا‘ هو الجوهر (العام) البسيط و’الطبيعة‘ هي الجوهر الذي له خصائص مميزة (أو اختلافات جوهرية) تفرقه عن بقية الأنواع، أي أن ’الطبيعة‘ هي التي تشير إلى الأجناس أو النوعيات المختلفة مثل الملائكة والبشر والحيوانات.[44]
ومن هذا المنطلق زعم الدمشقي أنه من غير الممكن أن تتواجد خصائص مميزة ما مع خصائص أخرى تتضاد معها في نفس النوع أو الجنس، فمثلاً لا يمكن أن تتكون طبيعة الإنسان من العاقل وغير العاقل معاً، ولذلك فلا يمكن أن توجد طبيعة واحدة من طبيعتين مختلفتين.[45]
وقد عارض الدمشقي المفهوم غير الخلقيدوني ـ الذي يرجع إلى ق. كيرلس السكندري ـ عن الطبيعة الواحدة المركبة انطلاقاً من نظرته لمصطلح الطبيعة كمرادف للأوسيا في الإشارة إلى المسيح، كذلك لأنه تصور أن تلك الطبيعة الواحدة لابد أن تكون طبيعة ’جديدة‘ ناتجة عن اختلاط الطبيعتين، لذلك نجده يقول:
“إنه من المستحيل وجود طبيعة واحدة مركبة تتكون من ’إثنين من الأوسيا‘ أي من ’طبيعتين‘، لأنه من المستحيل أن تتواجد اختلافات متضادة منطقياً كمكونات في شيء واحد، ولكن من الممكن على الرغم من ذلك أن يتكون هيبوستاسيس مركب من طبيعتين مختلفتين.”[46]
وعندما أحس الدمشقي أنه لو طَّبق هذا الكلام على الإنسان فسيقول عن الإنسان أنه هيبوستاسيس واحد ولكنه سيضطر للقول أن الإنسان هو الأخر’طبيعتين‘ لأنه يتكون من الجسد والروح، استدرك كلامه بأنه يمكن أن نعتبر الإنسان طبيعة واحدة (رغم أنه يتكون من الجسد والروح) لأن الإنسان هو جنس واحد، وحيث إنه بالنسبة للمسيح لا يوجد له جنس يشبهه أو نوعية ينتمي إليها لذلك لا يمكن أن نقول عنه أنه طبيعة واحدة بنفس المعنى الذي نستخدمه مع الإنسان!.[47]
وبالنسبة للدمشقي لا تتواجد الطبيعة بذاتها لأن الوجود المستقل ينتمي فقط للأفراد (الأشخاص).
أما الهيبوستاسيس فقد شرحه الدمشقي بأنه هو الذي يملك ’أوسيا‘ (أو طبيعة) وله عوارض خاصة به تجعله يختلف عن غيره من الأفراد وهو كائن في ذاته (مستقل) ويمكن إدراكه. وهكذا أشار الدمشقي إلى الطبيعة بكونها الشيء العمومي الذي يأخذ وجوده في الهيبوستاسيس، ولا يمكن للطبيعة أن توجد بذاتها بدون هيبوستاسيس.
أما الهيبوستاسيس فهو شيء خاص بالمعنى العددي أو هو فرد من نوع معين، وله عوارض (accidents) تفرقه عن بقية الهيبوستاسيس، وهو الذي يملك العمومي (أي الأوسيا أو الطبيعة) كما أنه يتواجد بذاته مستقلاً. وقد زعم الدمشقي أنه ليس من الضروري أن يكون لكل طبيعة من الطبيعتين المتحدتين الهيبوستاسيس الأصلي الخاص بها،[48] بل ذهب إلى القول بأنه إذا كان الهيبوستاسيس يملك الوجود المستقل، فيمكن أن يكون هو مركزاً أو مبدأ (principle) للوجود لإثنتين من الطبائع المتحدة، كما يظهر في الإنسان أن الهيبوستاسيس يحتوي على طبيعتين.[49]
وقبل أن نشرح نظرية التأقنم عند الدمشقي ينبغي أن نتوقف قليلاً لكي ندقق في الفرق بين مدلول المصطلحات عنده وعند البطريرك ساويروس الأنطاكي. فقد اعتبر البطريرك ساويروس الأوسيا هو الحقيقة الجوهرية بما تتضمنه من ’الخصائص‘ التي تعطي الأوسيا طابعه وهويته أي الطبيعة التي تميزه عن غيره.
وبالنسبة للهيبوستاسيس اعتبره البطريرك ساويروس أنه هو الأوسيا بكل ما له عندما يتفرد ويتخصخص وهو الشخص المعني بالأفعال. أي أن الهيبوستاسيس عنده كان هو الأوسيا بما يتضمنه من طبيعة عندما يأخذ وجوداً محدداً، وبالتالي فلا يمكن النظر إلى الهيبوستاسيس والطبيعة (الخصائص) الخاصة به كشيئين منفصلين أو يمكن أن ينفصلا، ومن هنا استطاع كل من البابا كيرلس السكندري والبطريرك ساويروس أن يستخدما المصطلحين كمترادفين. أما الدمشقي فقد نظر إلى الهيبوستاسيس والطبيعة بنوع من الثنائية أو الفصل حيث رأى أن الطبيعة هي مكون من مكونات الهيبوستاسيس ويمكن أن توجد منفصلة عن الهيبوستاسيس الخاص بها.
ولم ينظر البطريرك ساويروس إلى الهيبوستاسيس مثل الدمشقي بكونه مركزاً للوجود في ذاته كشيء منفصل عن الطبيعة أو أنه هو الذي يملك الأوسيا (أو الطبيعة)، ولكن بكونه هو ذاته الوجود الخاص المحدد للأوسيا بكل ما يميزه من خصائص (أو طبيعة). أي أن الأوسيا كحقيقة عامة مجردة بما يميزها من خصائص أو طبيعة ليس لها وجود حقيقي في عالم الزمان والمكان إلا إذا تواجدت كواقع خاص محدد وهذا هو الهيبوستاسيس.
لذلك لا يقول البطريرك ساويروس (مثل الدمشقي) أن الطبيعة لا يمكن أن توجد إلا داخل هيبوستاسيس، ولكنه يقول أن الطبيعة لا يمكن أن توجد إلا كـواقع هيبوستاسي. ورغم أن الدمشقي ذكر في بعض الأحيان أن الهيبوستاسيس هو الأوسيا الخاص، إلا أن المعنى الذي يمكن أن يُفهم من السياق هو أنه كان ينظر إلى الهيبوستاسيس بكونه الشخص (أو الفرد) المعني بالأفعال الذي يملك ’العمومي‘ (أي الأوسيا أو الطبيعة) ويمكنه أن يملك أكثر من طبيعة. وسيتضح الفكر اللاهوتي للدمشقي بصورة أكثر عندما يشرح نظرية ’التأقنم‘ (enhypostasia).
وتقدم نظرية التأقنم محاولة لتفسير الفكر اللاهوتي الخلقيدوني بالنسبة لوجود طبيعتين في هيبوستاسيس واحد. ويقول الدمشقي أنه في حالة اتحاد الطبائع في هيبوستاسيس واحد، فإن مكونات الهيبوستاسيس يُدعى كل منها ’إينهيبوستاتون‘ (enhypostaton)، وهذه المكونات (أو إينهيبوستاتا) [50] لا توجد مستقلة بذاتها ولكنها توجد محتواه في الهيبوستاسيس.
ويمكن لكل ’إينهيبوستاتون‘ من نوع معين ألا يوجد في الهيبوستاسيس الخاص به ولكن في هيبوستاسيس مشترك ينتمي للجنس ككل، ومثال ذلك في الإنسان فالروح والجسد ليسا هيبوستاسيسين بذاتيهما ولكنهما ’إينهيبوستاتا‘، والهيبوستاسيس البشري الذي يتكون منهما يكون هو الهيبوستاسيس الخاص بهما. ومن هنا فإن الإينهيبوستاتون هو طبيعة يتخذها هيبوستاسيس آخر وفيه تأخذ وجودها، وهذا هو ما حدث بالنسبة للطبيعة البشرية التي اتخذها هيبوستاسيس الله الكلمة.[51]
فبحسب نظرية ’التأقنم‘ لم يكن لناسوت المسيح هيبوستاسيس خاص به، ولكنه لم يكن بغير هيبوستاسيس، لأن الله الكلمة أعطاه الهيبوستاسيس الخاص به. ويقول الدمشقي: “جسد الله الكلمة لم يكن كائناً بشكل مستقل، ولا كان هناك شخص آخر بجانب شخص كلمة الله. وإنما على العكس ففي شخص الكلمة صار الجسد كائناً (أوجد)، أو بالأحرى أصبح له شخصية (تأقنم)، ولم يصبح (الجسد) شخصاً كائناً في استقلالية بذاته. ولهذا السبب لم يكن (الجسد) تنقصه الشخصية ولا أدخل شخصاً آخر في داخل الثالوث.”[52]
وكانت نظرية ’التأقنم‘ تتضمن اهتمامين أساسيين: أولاً، كانت تسعى لاستبعاد عقيدة وجود أربعة أقانيم (بعد التجسد) محل الثالوث، وثانياً، كانت تهدف إلى تأكيد وحدة هيبوستاسيس المسيح مع الحفاظ في نفس الوقت على حقيقة الطبيعتين. ورغم أن الجانب غير الخلقيدوني كان له نفس الاهتمام، إلا أنه لم يعبر عن ذلك من خلال نظرية ’التأقنم‘، ولكن من خلال مفهوم ’الاتحاد الهيبوستاسي‘ و’الهيبوستاسيس المركب‘.
فالهيبوستاسيس المركب في الإنسان عند البطريرك ساويروس لم يكن هو الهيبوستاسيس الواحد الذي يملك الطبيعتين ولكنه هو الكيان المتفرد المخصخص، الذي تكوَّن نتيجة الوجود المتزامن لاثنين من الأوسيا معاً أي أوسيا الجسد وأوسيا الروح، وفي تواجدهما المتزامن يكون لكل واحد منهما حقيقته الهيبوستاسية في ’الهيبوستاسيس المركب‘.
وكذلك في يسوع المسيح، وحَّد هيبوستاسيس الكلمة ـ الذي هو هيبوستاسيس أزلي ـ بنفسه ناسوتاً أصبح واقعاً هيبوستاسياً في اتحاده مع هيبوستاسيس الله الكلمة. وهيبوستاسيس يسوع المسيح الواحد ليس ببساطة هو هيبوستاسيس الله الابن، ولكنه هو هيبوستاسيس الله الابن في حالته المتجسدة. ولذلك كتب ساويروس في كتابه “ضد النحوي”: “إن الطبيعتين والهيبوستاسيسين اللذين تركب منهما (المسيح)، قد أُدركا في الاتحاد بلا أي اختزال وبلا أي تغيير. ولكن من غير الممكن أن نميِّز بروسوبون لكل منهما، لأنهما لم يوجدا (في المسيح) منفصلين سواء في تحديد معين (specific concretion) أو في ثنائية.
لأنه هو هيبوستاسيس واحد من كليهما،[53] وبروسوبون واحد على نحو موحد[54] (conjointly)، وطبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد”.[55]
فهيبوستاسيس المسيح، بالرغم من أنه الهيبوستاسيس الإلهي لله الكلمة، إلا أن الناسوت أيضاً قد صار هيبوستاسياً في الاتحاد معه (أي في الحالة الهيبوستاسية)؛ وبنفس الطريقة فإن بروسوبون المسيح، بالرغم من أنه بروسوبون الله الكلمة، إلا أن الناسوت أيضاً قد صار بروسوبي فيه. ونستطيع أن نقدِّر مفهوم البطريرك ساويروس إذا نظرنا إلى حقيقة أن يسوع المسيح هو شخص تاريخي، وبكونه كذلك فإن له الهيبوستاسيس الخاص به مع البروسوبون.[56]
وتبقى نقطتان هامتان نتجتا من مفهوم الدمشقي عن الهيبوستاسيس وعن نظرية التأقنم. النقطة الأولى تختص بتأكيد الدمشقي أنه تطابقاً مع وجود الطبيعتين في الهيبوستاسيس الواحد، فإن يسوع المسيح له “مجموعة مزدوجة من الخواص الطبيعية تنتمي إلى الطبيعتين: أي إرادتين طبيعيتين الإلهية والبشرية، فعلين طبيعيين إلهي وبشري، حكمة ومعرفة إلهية وأخرى بشرية”. ومع ذلك يصر الدمشقي أنه في كلتا الطبيعتين يكون نفس الشخص هو الذي يعمل ويريد.
وهنا تبرز نقطة في غاية الأهمية، لأن الناسوت المتكون من جسد بشري له روح عاقل ـ بما أنه ليس إلا طبيعة في معناها العمومي المجرد ـ فإنه يحتاج إلى فاعل (subject) يعبِّر عن خواصه وملكاته. ولو قيل أن هذا الفاعل كان هو الله الكلمة (تمشياً مع نظرية التأقنم)، فسيعني ذلك أن كل شيء بشري في المسيح كان يُعبَّر عنه إلهياً، أما الأشياء الإلهية فلم يُعبر عنها إنسانياً!.[57]
والحقيقة أن تفسير الدمشقي للطبيعة البشرية في المسيح كان يعتريه كثير من الصعوبات، فعلى سبيل المثال كان الدمشقي يقول إن الطبيعة البشرية في المسيح كانت تستطيع أن ’تفعل‘ وأن ’تريد‘،فكيف يمكن أن نقول أن الطبيعة البشرية تفعل وتريد بحق والفاعل والمريد فيها هو الهيبوستاسيس الإلهي وحسب. وكذلك يقول عن تلك الطبيعة البشرية أنها هي الأوسيا كحقيقة عامة مجردة، فكيف يمكن للبشرية التي يؤكد أنها عامة ومجردة أن تصبح مرئية ومحددة من خلال اتحادها في هيبوستاسيس الله غير المرئي؟.
ويتعين علينا هنا أن نسترجع تعليم البطريرك ساويروس الذي كان يرى أن هيبوستاسيس المسيح، هو هيبوستاسيس الله الكلمة في حالته المتجسدة الذي تكوَّن من اتحاد اللاهوت والناسوت. وبهذه الطريقة حافظ البطريرك ساويروس على الحالة الأقنومية للناسوت، وكذلك أصبح من الممكن لنا أن ندرك ذهنياً (في المسيح) إمكانية التعبير عن القدرات والخصائص الإلهية بشرياً بجانب التعبير عن القدرات والخصائص البشرية إلهياً.
وكان التقليد السكندري دائم الإصرار على أن الله الكلمة المتجسد هو شخص (أو الفاعل في) التجسد،[58] ولم يقل أبداً أن الله الكلمة في حالته غير المتجسدة (unincarnate) أو حــــالته قبل المتجـسدة (pre-incarnate) هو شخص (أو الفاعل في) التجسد. وحيث إن الله الكلمة المتجسد هو شخص التجسد، فإن العنصر البشري كان هناك متحداً مع الله الكلمة في شخص المسيح الواحد.[59]
أما النقطة الثانية فتختص بمفهوم الدمشقي عن تأله ناسوت المسيح، فحيث إن هيبوستاسيس الله الابن عند الدمشقي كان هو شخص الناسوت، فإن الله الابن نفسه كان هو الذي يقوم بكل ما هو بشري بالإضافة لكل ما هو إلهي، وهذا هو السبب وراء تأله ناسوت المسيح.
ولم يكن تأله ناسوت المسيح بهذا الشكل هو تعليم الجانب غير الخلقيدوني، فبالنسبة لهم كان الناسوت الذي تخصخص وبالتالي أصبح في الحالة الهيبوستاسية، هو الذي صار ناسوت الله الابن أي جسده الخاص، ولهذا السبب امتلأ بالمجد الإلهي وتأله كنتيجة للإتحاد الهيبوستاسي وتبادل الخواص بين اللاهوت والناسوت.[60]
وقد حاول بعض الدارسين[61] تتبع المصادر التي استقى منها يوحنا الدمشقي تعريفه لمدلول المصطلحات اللاهوتية التي بنى عليها تعليمه الخريستولوجي، وتوصلوا إلى حقيقة أنه على الرغم من الاعتقاد السائد بأن الدمشقي اعتمد على المؤلفين الخلقيدونيين الذين سبقوه أمثال ليونتيوس،[62] إلا أنه أستحدث بعض المفاهيم المستقاة من الفلسفة الرواقية والأفلاطونية الجديدة، لذلك أكدت بعض الدراسات أن جذور تعليم الدمشقي ترجع في الحقيقة إلى الفلسفة المسيحية في القرون الوسطى أكثر من التقليد الآبائي الشرقي.[63]
كلمة ختامية:
ويتبين لنا من العرض السابق مقدار التباين والتطور في مدلول المصطلحات المستخدمة في الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى. وفي الحقيقة كان الغموض والالتباس الذي صاحب مدلول تلك المصطلحات هو السبب وراء التداخل والتبادل في استخدامها على مدى التاريخ. فقد استخدم مصطلحي ’أوسيا‘ و’هيبوستاسيس‘ كمترادفين، وكذلك الحال بالنسبة لمصطلحي ’هيبوستاسيس‘ و’بروسوبون‘. كما استخدم مصطلحي ’فيزيس‘ و’هيبوستاسيس‘ ومصطلحي ’فيزيس‘ و’أوسيا‘ بطريقة تبادلية.
ولا يفوتنا هنا أن ننتبه إلى أنه كان هناك خروج من قبل بعض اللاهوتيين عن الخط العام الذي بدأ عند ق. أثناسيوس وكمل عند ق. كيرلس، فلم يكن إسهام أولئك اللاهوتيين المتأخرين هو شرح التقليد الآبائي ولكن كان استحداث مفاهيم غريبة عن ذلك التقليد.
لذلك يتعين ليس فقط أن تكون هناك معرفة واضحة بالمعاني المقصودة من تلك المصطلحات لدى كل تقليد وفي كل عصر، ولكن بالأحرى العودة من جديد لينابيع الفكر الآبائي الأرثوذكسي، حتى نستطيع أن نتحاور معاً على أساس مشترك صحيح من أجل الوصول إلى هدف الوحدة المنشود.
ورغم أن ق. أثناسيوس لم يكن هو الذي استخدم المصطلح اللفظي (coinherence) والذي يعني التواجد (الاحتواء) المتبادل، إلاّ إنه هو الذي أرسى هذا المفهوم. ارجع كذلك إلى ق. هيلاري (De Trin., 3.1) حيث إن له عبارة بليغة عن مفهوم أن الثلاثة أقانيم الإلهية “يحتوي كل منهم الآخر بالتبادل، وبالتالي فكل واحد منهم هو على الدوام يحتوي (envelopes) الآخر وأيضاً يُحتوى (enveloped) من الآخر الذي لا يزال هو يحتويه”.
[24]Patrologia Orientalis, op. cit., vol. XII, p. 195.
[25] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 56.
[26] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 57-59.
[27] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, pp. 68E.
[28] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 74, 76.
[29] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 77.
[30] الأب فِ. سي. صموئيل، مجمع خلقيدونية إعادة فحص، ترجمة المؤلف، مراجعة دكتور جوزيف موريس، دار باناريون للنشر، ط1 2009، صفحة 432.
[31] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 181.
[32] بالطبع كان للابن الوحيد، البروسوبون الخاص به قبل التجسد، ولكن المقصود هنا هو أنه من غير الممكن أن يكون للاهوته البروسوبون الخاص المستقل وهو في حالة الاتحاد مع الناسوت.
[34] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, pp. 77f.
[35] كان البطريرك ساويروس يتبع في هذا، نفس تعليم القديس كيرلس السكندري الذي قال في الرسالة (17: 14) “لذلك ينبغي أن تُنسب كل الأقوال التي في الأناجيل إلى شخص واحد، إلى هيبوستاسيس الكلمة الواحد المتجسد“.
[36] كانت الإرادة والفعل من وجهة نظر الجانب الخلقيدوني هما من ملكات الطبيعتين، ولذلك كان يصر على أن المسيح له إرادتان وفعلان.
ولكن من وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني، فإن الإرادة والفعل هما التعبير عن ملكتي القدرة على الاختيار والقدرة على الفعل، وحيث إن التعبير يخص الهيبوستاسيس الواحد لذلك فهو تعبير واحد، أي إرادة واحدة وفعل واحد. لأن الهيبوستاسيس هو الذي يستطيع فقط أن يُظهر الإرادة والفعل (أي يجعلهما واقعاً). فالقدرة على الاختيار والقدرة على الفعل هما من الملكات العامة للطبيعة ولكن الهيبوستاسيس هو الذي يُظهر الإرادة ويعبر عنها ويظهر الفعل ويعبر عنه.
[37] الأب فِ. سي. صموئيل، مجمع خلقيدونية إعادة فحص، ترجمة المؤلف، مراجعة د. جوزيف موريس، دار باناريون للنشر، ط1 2009، صفحة 435.
[38] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 145.
[39] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 200.
[40] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 154.
[41] لذلك كان يرى أن كلتا العبارتين “من طبيعتين” و”في طبيعتين” مقبولتين، وأن مصطلح ’طبيعة‘ يشير فيهما إلى ’العمومي‘.
[42] ولهذا كان النحوي يفسِّر الاتحاد الهيبوستاسي أنه اتحاد للطبيعتين (بالمعنى العام) في الهيبوستاسيس الواحد، أما البطريرك ساويروس فكان يفسره بأنه اتحاد لواقعين هيبوستاسيين اتحدا معاً في هيبوستاسيس مركب.
[53] يقول ق. كيرلس في رسالته إلى أكاكيوس أسقف مليتين: “لأنه يُعترف أن هناك طبيعة واحدة للكلمة، ولكننا نعرف أنه تجسد وصار إنساناً… وبناء على هذا فقط يُفهم إختلاف الطبيعتين أي الهيبوستاسيسين (الأقنومين)، لأن اللاهوت والناسوت ليسا هما نفس الشيء من جهة النوعية الطبيعية” (رسائل ق. كيرلس السكندري، الجزء الثالث، ترجمة وإصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة 1995م. رسالة 40: 15 صفحة 51).
[54] أي بروسوبون واحد للهيبوستاسيس الواحد الذي تركب من اتحادهما معاً.
[55] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 187.
[56] الأب فِ. سي. صموئيل، مجمع خلقيدونية إعادة فحص، ترجمة المؤلف، مراجعة دكتور جوزيف موريس، دار باناريون للنشر، ط1/2009 ، صفحة 544.
[61] Kotter, ed., Schriften Des Johannes Von Damaskos; Gerard Richter, Die Dialektik Des Johannes Von Damaskos.
[62] ظهرت بعض الدراسات التي تؤكد أن ليونتيوس ـ الذي كان أول من استخدم مصطلح ’إينهيبوستاتون‘ ـ لم يذكر على الإطلاق أنه يعني بهذا المصطلح الطبيعة التي بلا هيبوستاسيس والتي توجد في هيبوستاسيس آخر. وكان ليونتيوس قد قدَّم هذا المصطلح في كتابه (Contra Nestorianos et Eutychianos, PG 86, 1277C-1280B)
حيث أظهر الفرق بين الهيبوستاسيس و’الإينهيبوستاتون‘، فقال أن الهيبوستاسيس هو الوجود (Subsistence) المحدد وهو يشير إلى الفرد الخاص أو الشخص، أما ’إينهيبوستاتون‘ فهو الشيء الذي يوجد (That which subsists) أي الطبيعة.
ولكنه عبّر عن هذا بنوع من الفصل الذي أُسيء فهمه فيما بعد وأدى إلى نشوء نظرية ’التأقنم‘، حيث ذكر أن الطبيعة تأخذ وجودها في الهيبوستاسيس ولا تُرى في ذاتها، كما فسر هيبوستاسيس واحد في طبيعتين، بأن الطبيعتين المختلفتين اشتركتا في كينونة مشتركة أي أنهما لم توجدا مستقلتين ولكن وجدتا مع بعضهما البعض. وهذه الكينونة المشتركة هي الهيبوستاسيس الواحد، مثلما يحدث في الإنسان فالروح والجسد طبيعتان لهما هيبوستاسيس مشترك. انظر:
(F. LeRon Shults, A dubious Christological formula: from Leontius of Byzantium to Karl Barth. Theological Studies, Sep 1996; Aloys Grillmeier, S.J., “Die anthropologisch-christologische Sprache des Leontius von Byzanz und ihre Beziehung zu den Symmikta Zetemata des Neuplatonikers Porphyrius,” in Hermeneumata: Festschrift fur Hadwig Homer, ed. Herbert Eisenberger (Heidelberg: Carl Winter, 1990) 61-72; Brian E. Daley, S.J., “A Richer Union: Leontius of Byzantium and the Relationship of Human and Divine in Christ,” in Studia Patristica 24 (1993) 239-65).
[63] Anna Zhyrkova, A Philosophical Explanation of Hypostatical Union in John Damascene’s Fount of Knowledge.
التطور التاريخي لمصطلحات الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى
من الجدير بالملاحظة أنه بالرغم من أن المتعارف عليه هو أن مجمع خلقيدونية قد حكم بحرمان أوطيخا، إلا إن الرجل الذي تعامل معه المجمع لم يكن هو الراهب العجوز،[1] ولكنه كان البابا ديسقوروس بطريرك الإسكندرية.
(أ) استبعاد البابا ديسقوروس واتهامه:
بمجرد أن أخذ الحاضرون مجلسهم في المجمع، حتى طلب المندوب الروماني باسكاسينوس (Paschasinus) أن يُستبعد البابا ديسقوروس من المجمع على أساس أن أسقف روما قد أمر بذلك.[2]
وهنا تدخل ممثلو الإمبراطور وسألوا بأن تُحدد التهمة التي تبرر هذا الطلب، فقام لوسينتيوس (Lucentius) وهو مندوب آخر بالرد وأكد أن ديسقوروس “قد استولى على مهمة القضاء، وتجاسر على عقد مجمع بدون سماح وتفويض من الكرسي الرسولي وهو الأمر الذي لم يحدث على الإطلاق ولا ينبغي له أن يحدث”[3]، ولكن هذه النقطة لم تقنع ممثلي الإمبراطور.
وبعد تبادل للكلمات، طلب هؤلاء الممثلون ـ على غير رغبتهم[4] ـ من بطريرك الإسكندرية أن يتحرك عن كرسيه في المجمع ليجلس في موضع المتهمين في الوسط.[5]
وعندئذ تقدم يوسابيوس أسقف دوريليم ـ وهو الذي كان قد اتهم أوطيخا عام 448م ـ وصرخ بأن ديسقوروس قد أساء معاملته وأضر بالإيمان، وبأن فلافيان قد قُتل حيث كان قد تم عزله مع يوسابيوس بواسطة ديسقوروس.
وعند قوله هذا قدَّم يوسابيوس التماساً موجهاً إلى الإمبراطور مركيان والإمبراطور الغربي فالنتينيان يتهم فيه خصمه ديسقوروس بتهمتين كنسيتين: أولاً أنه خالف إيمان الكنيسة بمحاولته ترسيخ هرطقة أوطيخا كأنها (تعاليماً) أرثوذوكسية من خلال مجمع عام 449م[6] الذي كان يسيطر عليه بواسطة مجموعة من الغوغاء المتمردين وبواسطة الرشوة، وثانياً أن ديسقوروس قام بعزله هو وطيب الذكر فلافيان ولم يكن أي منهما قد تعدى على الإيمان بأي شكل من الأشكال.[7]
وكانت التهمة المتضمَّنة في كلمات المندوبين الرومان وفي التماس يوسابيوس هي واحدة وهذه التهمة هي في الأساس موجهة ضد مجمع (وليس ضد شخص). وحيث لم يكن من المناسب قبول هذه الحقيقة، اتفق البابا ليو ومؤيدوه في الشرق على خطة لها توجه مشترك يتم بمقتضاها فصل البابا ديسقوروس عن شركائه في الشرق واعتباره مسئولاً منفرداً عن قرارت المجمع، وبدون حتى فحص لتلك القرارات نفسها على أساس خلفيتها التاريخية واللاهوتية.
وقد رد البطريرك ديسقوروس على هذه التهمة بقوله إن الإمبراطور ثيؤدوسيوس نفسه هو الذي دعا إلى عقد مجمع عام 449م، كما أن قرارات هذا المجمع قد اتُخذت بعد فحص جلسات مجمع عام 448م المكاني، وكل هذا مُسجل في محاضر مجمع أفسس الثاني والتي يمكن قراءتها[8] لمعرفة ماذا حدث. وفي الحال أمر ممثلو الإمبراطور بقراءة هذه المحاضر، إلا أن البابا ديسقوروس طلب أنه ينبغي قبل القراءة أن يتم توضيح ما يختص بالإيمان نفسه.[9]
وكان طلب البابا ديسقوروس هذا ـ رغم أن كثيرين لم يأخذوه مأخذ الجد ـ له أهميته العظمى، فعلى سبيل المثال زعم يوسابيوس أسقف دوريليم أن الأساس اللاهوتي لمجمع عام 449م كان ببساطة هو تعليم أوطيخا وبناء على ذلك شكك في أرثوذوكسية البابا ديسقوروس، وهذا يبين أنه لم يكن من الممكن أن يتم تقييم مجمع عام 449م بصورة صحيحة إلا بعد أن توّضح الأمور الإيمانية أولاً.
وأشار البابا ديسقوروس في طلبه إلى المجمع المكاني عام 448م وإلى مجمع عام 449م وليس إلى مجمعي نيقية وأفسس، لأن كلا المجمعين اللذين أشار إليهما لم يناقشا الأمور المطروحة أمامهما إلا بعد توضيح طبيعة الإيمان.[10]
ولكن ممثلو الإمبراطور ردوا على طلبه بقولهم أنه بسبب أن التهم الموجهة إليه هي تهم شخصية، لذلك يجب أن تُبحث هذه التهم أولاً قبل أن يتم طرح مسألة الإيمان.[11] ولكن حيث إن كل هذه التهم الشخصية تنبع من مجمع عام 449م والذي هو نفسه يقوم على فهم خاص للإيمان، فإن إجابة ممثلي الإمبراطور هي في الواقع محل تساؤل.
وهنا تم السماح لقراءة محاضر جلسات مجمع أفسس الثاني عام 449م والتي تحوي في داخلها محاضر مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م. وبدأت القراءة بالأوامر السبعة الرسمية[12] التي أصدرها الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني لدعوة المجمع، وعندما كمُلت قراءتها تساءل البابا ديسقوروس: إذا كنا أمام حقيقة أن الإمبراطور قد عيَّنه وجوفينال وثالاسيوس كرؤساء للمجمع، وكذلك إذا كانت كل قرارات المجمع قد اتُخذت كلها بموافقتهم جميعاً، فكيف يتم استبعاده هو وحده ومحاكمته؟.[13]
وهنا حاول الفريق الشرقي الذي في الجانب الأيسر أن يؤكد أن البابا ديسقوروس هو وحده المسئول عن هذه القرارات، وذلك من خلال الإشارة إلى قصة الأوراق الخالية من الكتابة (the blanc papers).[14]
(ب) قصة الأوراق الخالية من الكتابة:
عندما أثار البابا ديسقوروس تساؤله الذي ذكرناه، صاح الفريق الشرقي بأنه لم يوافق أي أحد على القرارات المنسوبة لمجمع عام 449م، ولكنهم قد اُجبروا على التوقيع على أوراق بيضاء خالية من الكتابة، ثم تم تسجيل قرارات ديسقوروس التعسفية عليها لاحقاً.
وكان ستيفن أسقف أفسس هو الوحيد الذي تكلم عن هذا الموضوع فقال: إن إلبيديوس مندوب الإمبراطور في مجمع أفسس، كان قد ذهب إلى مكان إقامته مصحوباً بالعساكر وبرهبان أوطيخا الذي يصل عددهم إلى ثلاثمائة رجل، وأنهم عنفوه بشدة لتأييده للجانب الأنطاكي.
وعندئذ سأل ممثلو الإمبراطور الأسقف ستيفن ليوضح علاقة هذه الحادثة بموضوع البابا ديسقوروس،[15] وهنا أوضح ستيفن أن أولئك الرجال كانوا كلهم مؤيديين لديسقوروس ولم يكونوا ليتركوا مندوب الإمبراطور (إلبيديوس) ليخرج من الكنيسة دون أن يأخذ معه القوانين التي وضعها ديسقوروس وجوفينال وثالاسيوس والأساقفة الآخرون.[16]
وتكلم ثيؤدور أسقف كلوديوبوليس مخبراً أن كل شيء في أفسس قد تم بواسطة ديسقوروس وجوفينال والموقِّعين الأوائل (في ترتيب التوقيع)، وأنه لم يكن يُسمح له ولا للرجال الذين كانوا معه ولا لفلافيان بالكلام ولكنهم ظلوا هادئين لأنهم كانوا يخشون أن يُطردوا، وبرغم أن الإمبراطور قد دعا المجمع في الأساس لأجل حسم موضوع فلافيان إلا إن ديسقوروس وفريقه عقدوا عدة اجتماعات خاصة وأخذوا قرارات لم يتم تأييدها ولا تسجيلها ولكن ديسقوروس وجوفينال قدما إليهم أوراقاً بيضاء خالية من الكتابة.[17]
وأمام هذا الاعتراض، قال ديسقوروس: “هم يقولون أنهم لم يكونوا موافقين على الأشياء التي تم تحديدها وتقريرها، ولكنهم ببساطة وقَّعوا على أوراق بيضاء خالية من الكتابة قُدمت إليهم، فبالتأكيد وبدون شك لم يكن من الضروري لهم أن يوقعوا إذا لم يكونوا موافقين. ومع ذلك بما أنهم يشتكون بأن أوراقاً خالية من الكتابة قُدمت إليهم للتوقيع، فأسأل من سعادتكم أن تأمروهم بأن يخبرونا عن ماذا يتضمنه هذا الكلام”.[18] ولكن أحداً لم يجب عن كلام البابا ديسقوروس بل تغير الموضوع إلى أمر آخر.
وقد أُثيرت هذه التهمة مرة أخرى في مناسبة لاحقة، فحينما وصلت قراءة وقائع مجمع عام 449م إلى الموقف الذي تم فيه تحديد الأساس اللاهوتي للمجمع بأنه هو “تعليم الآباء”،[19] أدرك الفريق الشرقي أنه سيتعذر عليه الدفاع عن اتهامه لمجمع عام 449م ولذلك صرخ بأن هذا الأمر لم يحدث وأنه جزء من التقرير الذي كُتب على الأوراق البيضاء الخالية.
وعلى الفور سأل ممثلو الإمبراطور “من كتب هذه المحاضر؟”، فأجاب ديسقوروس: “كل واحد كتب بمساعدة الكاتب الموثق الخاص به”، وأكد جوفينال كلمات ديسقوروس وأضاف أن السكرتارية الخاصة به كتبت الوقائع مع الآخرين، وقال ديسقوروس لهم خذوا التقرير الذي كتبه موثق جوفينال أو موثق ثالاسيوس أو ذلك الخاص بأسقف كورنثوس وانظروا إذا كانت تقاريرهم هي نسخة من المحاضر الخاصة بي.*
ومرة أخرى لم يعتد أحد بالنقطة التي قدمها البابا ديسقوروس، بل تطوع ستيفن أسقف أفسس ليخبر المجمع بأنه بينما كانت السكرتارية الخاصة به تدون الوقائع، جاءت سكرتارية ديسقوروس وأخذت منهم الألواح التي كتبوها، ولأنهم كانوا يريدون أن يجعلوها نسخة من التي لديهم فقد مزق سكرتارية ديسقوروس التقرير الخاص بنا، وأكمل ستيفن: “أنا لا أعلم ماذا حدث، ولكن في نفس اليوم، عندما جرى الفحص كانت معنا الأوراق مكتوبة والأساقفة الذين لم يقوموا بالتدوين كتبوا من النسخة الموثقة”.[20]
ومن الغريب واللافت للنظر تماماً أنه طبقاً لهذه الرواية، فإن البابا ديسقوروس لم يقم بملء أوراق بيضاء خالية كان قد جمع عليها التوقيعات، كما جاء في الادعاء الأول، بل أن الكتابة قد تمت بواسطة كتبة الأساقفة الموثقين أنفسهم، أي أن محاضر الجلسات قد تم تدوينها في مجمع أفسس الثاني عام 449م بواسطة الوفود المشاركة، وبنفس الطريقة المعتادة في مجامع العصور الأولى.
ورغم ذلك أحس أسقف دوريليم بالانتصار، حيث تقدم وطلب من مندوبي الإمبراطور أن يُسأل ستيفن عن كيف تم تسجيل وقائع مجمع عام 449م، فأجاب ستيفن أسقف أفسس عن ذلك بقوله: إن ذلك قد تم على أوراق بيضاء خالية، وقد بدأ ملؤها بمجرد صدور حكم العزل. وقد رد البابا ديسقوروس على كل هذه الادعاءات، وختم بقوله: “لندع التقرير الذي بحوزة ستيفن نفسه يُقرأ، لنرى إذا كنت قد أجبرته على نسخ أي شيء”،[21] ولكن أحداً لم يستجب لما قاله.
ونحن لدينا بعض الأدلة التي تجعلنا نقول أن الأساقفة قد تراجعوا في الواقع عن القصة التي ذكروها بشأن الأوراق الخالية من الكتابة.[22] ولكن حتى بعيداً عن ذلك، فإن هذه القصة تثير لدينا ثلاثة تعليقات:
أولاً، لقد أقر ستيفن ـ كما رأينا ـ أن الوقائع لم تُدون بواسطة البابا ديسقوروس أو موثقيه ولكن بواسطة السكرتارية الخاصة بالأساقفة أنفسهم، ولذلك فالاعتراض الوحيد الذي يمكن أن يكون ضد مجمع عام 449م ـ وفقاً لكلام ستيفن ـ هو أن الأساقفة لم تكن لديهم الحرية ليدوِّنوا وقائع الأحداث المختلفة حسب مشاهدتهم لها، وحتى مثل هذا الادعاء قد أُحبط بطلب البابا ديسقوروس أن تُقارن النسخ المختلفة المتوفرة لوقائع المجمع.
ثانياً: وحتى إذا سلمنا جدلاً بأن هناك شيئاً من الحقيقة وراء هذه القصة، فإن أحداً في الواقع لم يقل أنها تدين البابا ديسقوروس وحده كمرتكب لهذه الجريمة، فبحسب ما قاله ستيفن ـ على سبيل المثال ـ لم تُتخذ قرارات مجمع عام 449م بواسطة البابا ديسقوروس وحده بل اتُخذت بواسطة ديسقوروس وجوفينال وثالاسيوس و’الأساقفة الآخرين‘.
وقد أخبَّر ثيؤدور أيضاً أن هذه القرارات كانت من عمل ’الموقِّعين الأوائل‘ (في ترتيب التوقيع)، ومن هنا يتضح أن الروايات التي جاءت على لسان هؤلاء الأساقفة لم تُثبت تأكيدات مندوبي روما وأسقف دوريليم بأن البابا ديسقوروس كان مهيمناً على المجمع.
ثالثاً: كان يوسابيوس أسقف دوريليم حاضراً مجمع عام 449م، ولكنه لم يذكر قصة الأوراق الخالية من الكتابة في التماسه الذي قُرئ على مجمع خلقيدونية في يوم 8 أكتوبر 451م (اليوم الأول للمجمع)، والذي بدون شك كان هو نفس دعواه التي قدَّمها إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني فور انتهاء أعمال مجمع عام 449م.
إلاّ إنه عاد وذكر تلك القصة كحادثة تمت أمامه بالفعل وذلك في التماسه الثاني الذي قدَّمه يوم 13 أكتوبر 451م، فهل كان على الرجل المفترض أنه شاهد عيان لتلك القصة المزعومة، أن ينتظر أكثر من عامين لكي يسمعها لأول مرة يوم 8 أكتوبر 451م من الرجال الذين وقَّعوا على طومس ليو، ثم يوافق أن يؤيدها؟.
[1] لم يكن أوطيخا حاضراً في مجمع خلقيدونية، وفي أغلب الظن أنه كان بعيدا في شمال سوريا حيث كان قد نُفي إلى هناك حتى قبل انعقاد المجمع.
[2] المرجع السابق صفحة 65: 5. قال باسكاسينوس: “لقد تلقينا أوامر من الرجل الرسولي والكلي الطوبى أسقف مدينة روما، الذي هو رأس كل الكنائس، بأن ديسقوروس لا ينبغي أن يكون له مكان في هذا المجمع. وإذا تعدى على هذا الأمر فيجب أن يتم طرده. ونحن ينبغي علينا أن نطيع هذه الوصية، ولهذا فلتأمر عظمتك إما أن يخرج الآن أو أن نرحل نحن”.
[3] المرجع السابق صفحة 65: 9. كانت كلمات كل من باسكاسينوس ولوسينتيوس واضحة، فقد أعطاهم ليو أسقف روما أوامر واضحة بألا يدعوا البابا البطريرك ديسقوروس (كان أسقف الاسكندرية قد أُطلق عليه لقب ’بابا‘ قبل أسقف روما بفترة طويلة) يجلس في المجمع. وكان السبب وراء ذلك كما أكد لوسينتيوس أنه ترأس مجمع عام 449م.
وقال لوسينتيوس إنه بدون موافقة روما الرسمية (أو سماحها) لم يعقد أي مجمع في الماضي، ولن يعقد أي مجمع في المستقبل. وبالفعل كان من المحرج جداً بالنسبة لروما مع كافة مزاعمها البابوية أن تعترف بمجمع عام 449م. ولكن هذا الزعم الذي ذكره مندوب روما لا يمكن الدفاع عنه تاريخياً، فمجمع عام 381م قد عُقد ليس فقط بدون أخذ موافقة روما على عقده ولكن حتى بدون مشاركتها، كما أن مجمع عام 553م كان ضد رغبة روما نفسها.
لذلك فقد كانت كلمات لوسينتيوس تعني بالأكثر تأكيد مزاعم روما في السيادة على كل الكنيسة، وكان هذا قد اتضح من عبارة باسكاسينوس السابقة عن بابا روما أنه “رأس كل الكنائس”.
[4] وفي جعلهم البابا ديسقوروس يغير مكانه قال مندوبو الإمبراطور: “إذا كنت تجلس في موقع القاضي، فلا يجب أن تجادل مثل الذي يُحاكَم”. المرجع السابق صفحة 66: 13.
[6] إن الإدعاء القائل بأن الموقف اللاهوتي لمجمع عام 449م كان هو ذاته تعليم أوطيخا، هو إدعاء ليس له أي أساس. ولكن كان هذا الإدعاء هو نقطة البداية التي بدأ منها مجمع خلقيدونية تحقيقاته.
[7] المرجع السابق صفحة 67: 14-15. ومن الجدير بالذكر أنه لا مندوبي روما ولا يوسابيوس قد قام بإتهام البابا ديسقوروس بالهرطقة. فإذا افترضنا أن أوطيخا كان بالفعل هرطوقياً فإن هذا يعني أن يُتهم البابا ديسقوروس أيضاً بالهرطقة. ومن هنا يمكن للمرء أن يلاحظ أنه كان هناك تجاهل تام للعدالة والحق.
[10] من الواضح أن قادة مجمع خلقيدونية كانوا قد خططوا للقيام بأمرين: أولاً عدم اعتبار قرارات مجمع عام 449م أنها قرارات مجمعية وإعلان أن البابا ديسقوروس كان هو وحده المسئول عنها، وثانياً تجنب أية مناقشات عن طبيعة الإيمان حتى يمكن للقضية الأساسية التي كانت تتطلب إجابة في ذلك الوقت ألا تطرح على الإطلاق (وهي الإختلاف السكندري الأنطاكي). وكان كلا هذين الأمرين في غاية الضرورة حتى يتجنبوا تعرض طومس ليو للفحص والتقييم.
[11] ويتضح من هذا أن مجمع عام 451م لم يحاكم البابا ديسقوروس بتهمة الهرطقة. لأنه كان فقط من الممكن أن يتهمه بالهرطقة إذا أظهر أن قرارات مجمع عام 449م قد تناقضت مع التقليد المستقر للإيمان، وكان ذلك سيستلزم ضرورة التوصل إلى قرار يفصل بين الموقفين اللذين يتبناهما السكندريون والأنطاكيون بعد إعادة الوحدة عام 433م. ولكن كانت هذه المسألة عينها هي التي أراد قادة مجمع عام 451م أن يتجنبوها.
[12] للاطلاع على هذه الأوامر، انظر: ACO. II, i. pp. 68-69 and 71-74
[14] كان الهدف الرئيسي من وراء هذه القصة هو إثبات أن البابا ديسقوروس كان مسيطراً تماماً على مجمع عام 449م حتى أنه اتخذ قرارات معينة بمفرده لخدمة توجهاته الأوطيخية ثم قام بفرضها على المجمع.
[15] كان سؤال ممثلي الإمبراطور لستيفن: “هل تعامل معك المكرم ديسقوروس بالعنف؟.” انظر المرجع السابق صفحة 75: 59.
[16] كان ستيفن أسقف أفسس بالفعل شخصية مثيرة للاهتمام. وقد كان واحداً من قادة مجمع عام 449م حيث كان يشغل الترتيب السادس بين ممثلي الكنائس هناك. وكان له دور هام (ومتغير) في سير الأحداث وتحقيق المصالح الخاصة.
ففي مجمع عام 449م وعند تأييد قراءة وقائع جلسات مجمع عام 448م، فإنه حتى قبل تقديم طومس ليو كان هو المتكلم الثاني بعد جوفينال (المرجع السابق صفحة 97)؛ وعند تبرئة أوطيخا كان هو المتكلم الثالث بعد جوفينال (المرجع السابق صفحة 182)؛ وعند إدانة فلافيان ويوسابيوس كان هو المتحدث الخامس بعد جوفينال (المرجع السابق صفحة 192)، وفي كل تلك الوقائع السابقة كان جوفينال هو أول المتكلمين.
أما عند التوقيع على قرارات المجمع بعد الجلسة الأولى، فكان ستيفن هو الرابع ـ بعد ديسقوروس وجوفينال ودمنوس ـ في ترتيب الموقعين (المرجع السابق صفحة 194: 1067). وهكذا يتضح أنه كان واحداً من “الموقعين الأوائل” في مجمع عام 449م الذين أشار إليهم ثيؤدور. ولكنه في خلقيدونية، تصرف كما لو لم يحدث شيء من كل ما ذكرناه سابقاً.
ومع هذا فبعد خيانته ’لديسقوروس وجوفينال وثالاسيوس والأساقفة الآخرين‘، شهد مجمع خلقيدونية حادثة يوم 29 أكتوبر تم فيها اتهام ستيفن بأنه تآمر ضد باسانيوس (Basanuis) أسقف أفسس وتسبب في القبض عليه لكي يأخذ كرسي الأسقفية لنفسه، وقد حكم مجمع خلقيدونية بعزل كل من ستيفن وباسانيوس (المرجع السابق صفحة 409 وما بعدها).
ويشير هونيجمان في كتابه (Patristic Studies) صفحة 173، إلى قصة اختلاق ستيفن لأسطورة “السبعة النائمين” لكي يحول إنتباه الناس عن جريمته، ويتجنب إكتشافها. (انظر الفصل الذي يتحدث عن: Stephen and the Seven Sleepers)
إن كلام ثيؤدور بأن ” ديسقوروس وجوفينال قدما إليهم أوراقاً بيضاء خالية من الكتابة” هو بالتأكيد إتهام كاذب، لأنهما لو أرادا أن يفعلا ذلك لأشركا أشخاصاً آخرين معهما.
* لأنه لو كانت قصة الأوراق الخالية من الكتابة هي قصة صحيحة لكانت كل النسخ التي مع الجميع متطابقة لأنها من أصل واحد، ولكن إذا كان كل موثق يكتب بإسلوبه فستكون النسخ مختلفة رغم إحتوائها على نفس المضمون.
بدأت الكنيسة المسيحية على أساس إيمان متمركز في شخص الرب يسوع المسيح، وقد حاولت الكنيسة أن تحافظ على هذا الإيمان في حياة المجتمعات المسيحية بطرق متنوعة تضمَّنت تبني عبارات (إقرارات) مختصرة تعبِّر عن الإيمان، وهي التي سُميت فيما بعد بقوانين الإيمان.[1]
وكان لدى الكنيسة في كل مكان نوع أو آخر من هذه الإقرارات المختصرة ـ التي كانت تعتبرها تشكِّل دستوراً للإيمان ـ حيث تقوم بتعليمها للمتقدمين للعماد كما تتلوها في عبادتها المنتظمة.
ومنذ العصور الأولى للمسيحية، كان المبشِّرون والمدافعون يقومون بشرح دستور الإيمان هذا لمن حولهم، وكانوا يركِّزون في شرحهم على أن يسوع المسيح هو ابن الله، الذي من خلاله يستطيع الرجال والنساء أن يكون لهم وصول مباشر لله (الآب)، ومنذ وقت انتشار كتابات العهد الجديد بدأوا يشيرون إليها لتأييد تفاسيرهم باعتبارها تقاليد رسولية متواترة.
وكانت هناك محاولات أخرى عديدة لشرح الإيمان قامت الكنيسة برفضها أثناء القرنين الثاني والثالث، حيث قام البعض بالإشارة إلى ’الابن‘ بكونه يتصل بالله الأزلي بعلاقة إعتمادية؛ والبعض الآخر أشار إليه بأنه الله ذاته في علاقته مع عالم الطبيعة؛ ورآه آخرون أنه إنسان مثلنا حل عليه روح الله وعمل فيه بصورة فائقة؛ وهناك من قالوا أنه مخلوق كامل أحضره الله للوجود قبل (أن يخلق) أي شيء آخر.
وبينما كان كل واحد من هؤلاء المبتدعين يحاول الترويج لأفكاره، كانت هناك سلسلة متواصلة على الدوام من قادة الكنيسة الذين فندوا تلك الأفكار الغريبة وشرحوا الإيمان بطرق أكثر قبولاً. وقام هؤلاء الرجال بتسليم الأجيال التالية أنماط معينة للتفكير، اعتبرتها الكنيسة قاعدة للوصول إلى المقياس العقائدي الصحيح.
وعلى الرغم من ذلك لم تكن تلك الأنماط موحدة، فمنذ القرن الثاني تقريباً بدأت تظهر على الأقل ثلاثة تقاليد عريضة (في الكنيسة): واحد في الإسكندرية، وآخر في أنطاكيا، والثالث في الغرب.
ومنذ البداية كانت هناك أيضاً محاولات لتوحيد أنماط التفكير المسيحي، وأولى هذه المحاولات الناجحة هي التي تحققت في القرن الرابع في مواجهة تعليم أريوس وأتباعه الذي زعم بأن الابن كان في الأساس مخلوقاً.
واستطاعت الكنيسة من خلال مجمع نيقية عام 325م ـ وبمساندة سلسلة من الرجال المقتدرين أمثال ق. أثناسيوس السكندري والآباء الكبادوك ـ أن تؤكد رسمياً أن الابن المتجسد يسوع المسيح ، هو الله بالكمال منذ الأزل على نفس النحو الذي به الآب أو الروح القدس، وذلك بدون أي تعارض مع الوحدة الإلهية.
وقد ضمَّن المجمع هذا الاعتراف داخل قانون إيمان، أكد فيه أن الابن “له ذات الجوهر الواحد (هوموأووسيوس)” مع الآب. وابتدأ هذا القانون ـ في صورته المطولة تلك ـ يحل بالتدريج محل كل قوانين الإيمان الأخرى في الشرق، مؤكداً على أن الابن له بالكامل ومنذ الأزل ذات الجوهر الواحد مع الآب.
وهكذا استطاعت الكنيسة في القرن الرابع أن تتفق رسمياً على عقيدة الثالوث القدوس، التي تضمَّنت علاقة الوحدانية في ذات الجوهر للآب والابن والروح القدس. ولكن إذا نظرنا إلى تفسير قانون الإيمان، فسنجد أنه بالرغم من أن التقليد السكندري والأنطاكي كانا بصورة أو بأخرى متفقين معاً، إلاّ أنهما لم يتفقا مع الغرب في نفس نمط التفكير الذي اتبعه، فبينما التزم الشرق بالتراث اللاهوتي للآباء الكبادوك (في تفسيرهم لعقيدة الثالوث)، تمسك الغرب بالتعليم الذي قدَّمه ق. أغسطينوس.
ولكن هذا الاختلاف مع ذلك لم يسبب أي انقسام بين الشرق والغرب مثلما حدث في الخلاف حول شخص المسيح في القرن الخامس.
[1] كان أغلب تلك الإقرارات يبدأ بكلمة ’أؤمن‘ لذلك سٌميت بإقرارات الإيمان (التي توحدت فيما بعد في قانون الإيمان النيقاوي-القسطنطيني).
إن الإيمان الذي ينشأ بالتزام واعٍ بما أوجبه الله في إعلانه عن ذاته في يسوع المسيح، والمرتبط بأولوية الله المطلقة على كل فكر أو حديث عنه، هذا الإيمان له سمة ذات شقين: الشق الأول يظهر فيه الإيمان بأنه مقيد ومحدد وملتزم بشكل دقيق بما أعلنه “الحق” الإلهي في تجسد “الكلمة” (أي بما أعلنه الابن المتجسِّد)، ومع ذلك يظهر الإيمان في الشق الآخر بأنه غير مقيَّد وغير محدَّد من خلال علاقته بحقيقة الله اللانهائية والتي تفوق كل فهم محدود.
إذن فمن جانب، يتميز الإيمان باليقين الثابت الذي يستمد قوته من حقيقة الله ذاته الكامنة في هذا الإيمان، ولكن من الجانب الآخر هذا الإيمان يتميز بوجود مجال مفتوح دائم الاتساع ليستجيب مع سر الله غير المدرك وطبيعته التي لا تُحدّ[1].
وهذه بلا شك هي القوة المزدوجة التي تكمن في كلمة “نؤمن” (πιστεύομεν) الواردة في اعتراف الإيمان النيقي بالله الآب والابن والروح القدس، وهي التي تحكم أيضًا الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها كل عبارات هذا الاعتراف (القانون)، تلك القوة المزدوجة تعني كلاًّ من التحديد والقصر (exclusiveness) من جهة، بجانب اتساع المجال (open range) من الجهة الأخرى، وهذان الأمران معًا هما اللذان يميزان الإيمان.
التحديد والالتزام في الإيمان المؤسس على الحق
وفي التزامه بالإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، يمنع قانون (إيمان) نيقية، الإيمان بأي إله آخر غير الله الآب، كما يمنع الإيمان بأي إعلان آخر عن هذا الإله الواحد غير ابنه الوحيد المولود منه.
مما يعبِّر بوضوح عما أكده الكتاب المقدس بجزم، بأن الإيمان بإله واحد يلغي إمكانية وجود أية آلهة أخرى، وأن الإيمان بأن يسوع المسيح هو “الطريق والحق والحياة” يستبعد الوصول إلى الآب بأية طريقة أخرى غير تلك التي قدَّمها الله ذاته في تجسد “كلمته” في يسوع المسيح، أي في “ما هو” يسوع المسيح في كيانه الأقنومي الخاص.
وكان من العسير أن يصبح الأمر هكذا، لو أن الإيمان كان قد تأسس فقط ـ وبشكل شخصي وغير موضوعي ـ على القناعة الداخلية للعقل البشري، وليس كما هو الحال من أنه مؤسس بشكل موضوعي على “حقيقة” الله ـ الملزمة كليًّا ـ المجسمة في المسيح بكونه عطاء الله الذاتي الفريد واتصاله الذاتي الفريد بالجنس البشرى كرب وكمخلِّص.
وفي طاعة غير مشروطة لهذا الإعلان الإلهي، نجد أن الإيمان المسيحي قد تبنى مدخلاً إلى الله يطرح جانبًا أي مدخل بديل، وأصدر حكمًا يستبعد به أي معتقد منحرف، وصدَّق على إقرار “للحق” رافضًا بذلك أي ادعاءات أخرى معتبرًا إياها باطلة. ومن هنا كان الأمر الجوهري في إيمان الكنيسة، هو “الحق” الإلهي الذي أدركته الكنيسة في المسيح وفي إنجيله ولم ولن تفرط فيه.
هذا الحق ليس تحت تصرف وتحكم الكنيسة، ولكنه هو (أي الحق) الذي يحررها ويثبتها في محبة الله، ولهذا فإن الكنيسة لا تستطيع إلاّ أن تعترف بإيمانها بالله، أمام الله، وتقر بغير تحفظٍ بتصديقها ويقينها في “الحق” الخاص بالمسيح وإنجيله، حيث إن هذا الحق هو الذي ترتبط به بصميم كيانها باعتبارها الكنيسة، جسد المسيح الواحد.
إن ما حدث في مجمع نيقية، كان اعترافًا مسكونيًّا بالإيمان، أعلنه الآباء في مواجهة إنكار الهراطقة للوحدة المطلقة بين الله وبين إعلانه عن ذاته في شخص يسوع المسيح. فقانون الإيمان النيقي كان عملاً مهيبًا للكنيسة مجتمعة، وفي حضور الله، وتم بالتزام ثابت “للحق” الخاص بالإعلان الإلهي الذي من الآب بالابن في الروح القدس، وبإدراكٍ تام بأن صميم وجود الكنيسة المسيحية وصحة رسالتها الإنجيلية الداعية للخلاص الإلهي كانت معرضة للخطر.
ولو لم تكن هناك علاقة الوحدة في الجوهر والعمل، بين ما هو الله الآب ـ في ذاته ـ وبين ما هو نحونا في نعمة ربنا يسوع المسيح، لصارت الكرازة بالإنجيل (kerygma κήρυγμα) مفرغة من مضمونها الخلاصي، ولكانت تعاليم (διδαχή) الرسل مجردة من شرعيتها الإلهية. لكن إذا كانت نعمة الرب يسوع المسيح هي بعينها نعمة الله ذاته، وإذا كان في المسيح يسوع العطية الإلهية والمعطي هما واحد، فليس للكنيسة ـ أمانة منها للإنجيل ـ إلاّ أن تكرس نفسها لتأكيد هذه النعمة بشكل إيجابي وأن تستبعد أي احتمال آخر[2].
وكانت هذه هي القضية الحاسمة التي دعا القديس بولس كنيسة غلاطية لمواجهتها في القرن الأول، حيث كانوا مهدَّدين بتعاليم تفسد إنجيل المسيح وتحوله إلى “إنجيل آخر” والذي ليس هو إنجيلاً بالمرة، وولذلك كتب يقول “إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما”[3]. وكان هذا هو النموذج الرسولي الذي اتبعه آباء نيقية في موقفهم الحاسم، عندما ألحقوا باعتراف الإيمان عبارة تحرم هؤلاء الذين يعلِّمون بأن ابن الله لم يكن منذ الأزل واحداً مع الآب، بل له “جوهر” مختلف عن الذي للآب، فينكرون بذلك لب الإيمان الجامع ذاته[4].
إذن فمجمع نيقية قد عبَّر عن العقائد الرئيسية ـ التي رأى ضرورتها حسب الإنجيل ـ في قانون إيمان، تم الاعتراف به لاحقًا في الكنيسة في كل العالم، وهو القانون الذي يستبعد ببنائه الداخلي أية عقيدة بديلة (نتيجة لاستنتاجات عقلية منحرفة)، في مقابل إعلان الله الوحيد عن ذاته في يسوع المسيح، أو بمعنى آخر هو الذي يمنع أي انحراف هرطوقي عن “الحق”[5].
المجال المفتوح والمتسع للإيمان
وهناك وجه آخر لما سبق أن ذكرناه (أي غير الوجه المقيد والمحدد للإيمان)، لأنه في حين يعبِّر قانون الإيمان النيقي عما ينبغي علينا أن نعترف به ـ داخل الإطار العام لالتزام الكنيسة تجاه “حقيقة” إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح ـ فإن كل هذا قد جاء مسبوقًا بكلمة “نؤمن” (πιστεύομεν)، مما يعني أن كل ما تم إقراره في هذا القانون يقع داخل دائرة “الإيمان” ومرتكزًا على “الحقيقة” الموضوعية لله التي تسمو تمامًا فوق كل ما يمكننا أن نفتكره أو نقوله عنها.
وتحديدًا، بما أن هذا الإيمان مستمد من إعلان الله في يسوع المسيح ومؤسس فيه ـ والذي يتطابق مع ما هو الله أزليًّا في جوهره الذاتي ـ فإن الإيمان يكون “مفتوحًا” لما يمكن أن يُعرف، من خلال روح المسيح المُرسل من الآب باسم الابن، ليقودنا على الدوام إلى فهم أعمق “للحق”.
إذن فالإيمان المسيحي في صميم طبيعته يحاول باستمرار استقصاء الأعماق السحيقة التي لا تستقصى “للحق”، والذي تفوق دائمًا ما يمكن أن ندركه من إعلانات هذا الحق لنا؛ غير أن الإيمان الذي يمتد بهذا الشكل إلى أبعد من ذاته بغير حدود، يتسم بالضرورة بأن له رؤية “ذات مجال مفتوح ومتسع” (open range in its focus “σκοπός”) وهذا الإيمان لا يمكن أن يختصر دون أن يتحول إلى شيء آخر.
وقد أكد على مفهوم “مجال الإيمان المفتوح” كل من ق. أثناسيوس وق. هيلاري بالإضافة إلى القادة البارزين الآخرين من شارحي الفكر اللاهوتي النيقي. وأوضح ق. أثناسيوس أنه كان كلما تقدم إلى الأمام في سعيه لإدراك الله، كلما وجد أن معرفة الله تفوق إدراكه، ولم يستطع أن يعبِّر كتابةً عما بدا له أنه يفهمه، وما كتبه كان يقل بكثير حتى عن الظل العابر للحقيقة في ذهنه[6].
فالأمر الوحيد الثابت، وموضوع الإيمان كله، بل وهدف الكتب المقدسة أو “الحق” الذي نؤمن به، كان هو يسوع المسيح ذاته، لأنه في إعلان الله الفريد عن ذاته في المسيح ومن خلال هذا الإعلان، يصبح الإيمان راسخًا في حقيقة كيان الله ذاته، وأيضًا يتوفر للإيمان “الضابط المعياري” الذي يحتاجه في علاقته بما يفوق طاقة الإدراك البشري[7].
إن إيمانًا من هذا النوع هو الذي يسبق ويرشد كل بحث أو تفسير لاهوتي، لأنه يشكل الأساس المعرفي السليم الذي يعطى القوة لكل حجة صحيحة[8].
ولم يكن ق. هيلاري أقل من ق. أثناسيوس في تأكيده حقيقة أنه بالإيمان علينا أن ندرك الله بطريقة لا تحصره داخل الحدود الضيقة لما يمكننا أن نفهمه أو نعبر به عنه، بل إن هذا الإيمان عليه أن يمتد باستمرار ليكون تحت سلطان قدرة الله على إعلان ذاته[9].
إذن فالإيمان بالله ـ في صميم طبيعته ـ يتميز بنوع من “اللانهائية”، لأنه في حين أن الله “ككل” يفوق إدراكنا، فإن ما يسمح لنا بإدراكه عن نفسه لا ينفصل عما هو “ككل”، وبذلك فإن الإيمان يخترق الحدود الضيقة لإدراكنا، وهذا ما يفسر أنه في صميم عملية فهم “شيء” عن الله، فإن الإيمان يجعلنا نعترف بالعجز عن الإدراك الكليّ لله.
وهكذا في حين يفوق الله قدرات العقل البشري بشكل لانهائي، فإنه بالرغم من ذلك يمكن أن يُعرف عن طريق حركة “إيمان”، حيث ينفتح العقل على لانهائية الله وسموه الذي لا يوصف[10].
وهذا يعني أنه من خلال الإيمان تكون لنا صلة بالله بطريقة تمكِّننا من أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نعبِّر عنه بشكل واضح بالأفكار أو بالكلام، وأنه في الإيمان ومن خلال الإيمان ننشغل بالله في بحث لا يسبر غوره، لأن “الحق” الذي نسعى إلى معرفته له من العمق ما لا نستطيع أن نصل إلى نهايته، وهذا ما يقلل من قدرتنا على تحديد معرفتنا له في صيغة وافية ملائمة[11].
الهرطقات هي التي دفعت الآباء للتعبير ـ بكلام بشري ـ عن “الحق” الذي لا يُنطق به
إن المعنى المعرفي المتضمَّن في هذا المجال “المفتوح والمتسع بلا حدود” للإيمان، كان واضحًا تمامًا أمام لاهوتيي نيقية، وذلك في إدراكهم أن البحث اللاهوتي يُحمل من خلال الإيمان إلى ما هو أبعد من النطاق القاصر للمنطق العادي ـ الذي يُعرف بالأشياء المرئية والملموسة في الواقع المخلوق ـ وحتى إلى ما هو أبعد من العبارات الصريحة في الكتب المقدسة، أي يُحمل إلى “الحق” الإلهي الذي تشير إليه تلك العبارات بغير اعتماد على ذاتها.
ولذا نجد أن مجال الإيمان “المفتوح” قد ترتب عليه ظهور حالة خطيرة، حيث صار الباب وكأنه مفتوح لكل شكل من أشكال النظريات المفتقرة للوقار والتفكير السليم[12].
ولهذا السبب عينه، لم يستطع لاهوتيّو الكنيسة أن يظلوا صامتين، بل في خوف ورعدة وصلاة إلى الله، وجب عليهم أن يسعوا للتعبير ـ على قدر ما تسمح به إمكانيات اللغة البشرية الضعيفة ـ عن “الحق” الإلهي الذي ترشدهم الكتب المقدسة إليه، وحتى ولو كان ذلك لمجرد مقاومة الأثر المدمر لدخول أنماط من الفكر البشري ـ التعسفي والاعتباطي ـ غير المتدين في طريقة “معرفة” الله.
هذا بالتحديد كان الموقف الذي وجد آباء نيقية أنفسهم فيه عندما اضطروا لاستخدام مصطلح “هوموأووسيوس” (ομοούσιος) من خارج الكتاب المقدس ليعطوا تعبيرًا واضحًا ولا لبس فيه عن “الحقيقة” الكتابية والإنجيلية. وكان هذا الحدث الخطير في ذهن ق. هيلاري عندما قال: “نحن مضطرون بسبب أخطاء الهراطقة والمجدفين، لأن نعمل ما هو غير مُباح، وأن نتسلق المرتفعات، وأن نُعبِّر عن الأشياء التي لا يُنطق بها، وأن نتناول أمورًا محظورة.
ومع أنه ينبغي علينا أن ننفِّذ الوصايا من خلال الإيمان وحده، عابدين الآب وساجدين للابن معه وفرحين في الروح القدس، فنحن مضطرون لتوسيع قدرة لغتنا الضعيفة، للتعبير عن الحقائق التي لا تُوصف، كما أننا مجبرون بسبب تجاوزات الآخرين أن نتجاوز نحن في محاولة محفوفة بالمخاطر حين نضع في كلام بشري ما كان يجب أن يُحفظ في عقولنا برهبة مقدسة … إن عدم أمانتهم قد جرتنا إلى هذا الموقف الخطير والمريب حيث قد تعين علينا أن نضع عبارات محدَّدة تذهب أبعد مما قد وصفته السماء عن أمور سامية للغاية ومخفية في الأعماق”[13].
[1] Cf. Clement Alex., Strom., 7.16.
[2] Athanasius, Con. Ar., 4.12:
“لأن ما يُعطى إنما يُعطى من خلال الابن؛ ولا يوجد شيء ما يعمله الآب إلاّ من خلال الابن؛ ولهذا فإن النعمة محفوظة (ومؤمنة) لذاك الذي يقبلها”.
وكان الآباء “اليونان” (الذين كتبوا باليونانية) ينظرون إلى المعرفة العلمية (έπιστήμη)، على أنها وقوف أو رسوخ العقل (διάνοια) على الحقيقة الموضوعية، وعلى أنها أيضًا الفهم اليقين والمؤكد. ولتعضيد هذا الرأي من الكتاب المقدس، كثيرًا ما كان الآباء يستشهدون بما جاء في الترجمة السبعينية “إن لم تؤمنوا فلن تفهموا” أو “فلن تثبتوا”[1].
حيث كانوا يؤكدون على أنه بالإيمان، تتلامس عقولنا مباشرة مع الحقيقة مستقلة عن ذواتنا، لأنه من خلال الإيمان تتقبل عقولنا الإدراك الباطني (البديهي) للأشياء وتخضع لقوتها الشاهدة لذاتها، كما تتكيَّف وتتهيأ لتعرف هذه الأشياء في طبيعتها الذاتية (الخاصة بها) (κατά φύσιν)[2].
وعلى هذا النوع من الاتصال الأساسي (المباشر) مع الحقيقة، ترتكز كل معرفة مؤكدة ويرسخ كل فهم صادق أصيل، كما أنه هو أيضًا الطريق الصحيح لكل بحث جديد ولكل محاولة لتعميق فهمنا للأمور.
وكما أن هذه العلاقة بين الإيمان والفهم تنطبق على كل معرفة علمية، فهي تنطبق بنفس القدر بل وبأكثر تحديد على معرفتنا لله، الذي هو الأساس والمصدر المطلق لكل قدرة على المعرفة والإدراكٍ وكل حق[3]، مثلما كان ق. أغسطينوس يقول دائماً: “نحن لا نسعى لفهم ما نؤمن به، ولكننا نؤمن لكي يمكننا أن نفهم”[4].
إذن ينبغي أن يكون واضحًا الآن، أن “الإيمان” حسب الفكر اللاهوتي النيقي، لم يكن نوعًا من علاقة غير مدركة أو غير مفهومة مع الله، بل كان إيمانًا يتضمن عمليات المعرفة والفهم والإدراك، إيمانـــًا له طـــابع فطــــرى (بديهي) للغــاية في تقبـــل العقـــل ـ بشكل مسئول ـ “للحق” الكامن في إعلان الله لذاته للجنس البشري.
فالإيمان ينشأ فينا نتيجة التأثير الخلاَّق لشهادة الله لذاته، ولكشف الله عن ذاته في “كلمته”، كما أنه ينشأ كذلك كاستجابة لمطالب “الحقيقة” الإلهية علينا، والتي لا نقدر أن نقاومها بمنطق العقل أو الضمير[5].
ويأخذ الإيمان شكل الطاعة (υπακοή τη̃ς πίστεως)[6] المنصتة لدعوة ونداء “كلمة” الله، كما أن المعرفة التي تتولد داخلنا، تتطلب في صميمها قبول ذهني وإدراكي (έπιστημονική συγκατάθεσις) “للحق” الإلهي، وتصبح مغلقًا عليها في داخل هذا الحق[7].
وقد أكد ق. هيلاري أنه حقًّا بهذه الطريقة عينها فقط، يتشابك الإيمان والفهم (الإدراك) وهو ما قد حدث في حالة الرسل أنفسهم، عندما “التحم “الحق” الذي سمعوه لأول مرة مع يقينهم الداخلي”[8]، وحين تحدث ق. هيلاري عن اعتراف الرسل “بأن المسيح هو ابن الله” على أن ذلك هو “صخرة الإيمان” التي بنيت عليها الكنيسة[9]، كان فهمه لهذه الحقيقة فهمًا موضوعيًّا، لأن الكنيسة بنيت على “الحق” الإلهي الذي اعترف به الرسل، وليس على اعترافهم في حد ذاته، هذا “الحق” الذي لا تزال الكنيسة تعتمد عليه في إيمانها.
وبالطبع كان من الأمور المُسلَّم بها أن اعتراف الرسل “بالإيمان” وفهمهم “للحق” محفوظ في الكتب المقدسة التي سلَّمها لنا الرسل، ولذا ينبغي أن نقول إن “الإيمان وكل جزء منه مُنطبع فينا بواسطة برهان الأناجيل وتعليم الرسل”[10].
الله هو الذي يعلن عن ذاته
وفي نهاية الأمر، فإننا لا بد أن نتعلم من الله ذاته، ما الذي يجب أن نفتكره عنه “لأن الله لا يمكن أن يُفهم إلاّ من خلاله هو ذاته”[11]. كما أن إيماننا يجب أن يرتكز على نفس “الحق”، الذي بنى عليه الرسل الأولون إيمانهم وفهمهم، مما يعنى أننا حينما نلجأ إلى أقوال الكتاب المقدس فعلينا أن نخضع عقولنا مباشرةً “للحق” الذي تشهد له الكتب المقدسة، لماذا؟
لأن نصوص (dicta) الكتاب المقدس يجب أن تُفسَّر في ضوء الأمور أو الحقائق (res) التي تشير إليها والتي بسببها كُتبت هذه الأقوال وليس العكس؛ إذ إن هذه الأقوال تحقق الغرض الإلهي المقصود منها عندما تنقل شهادة الله عن ذاته، وبالتالي تمكِّننا من الإيمان بالله والتفكير فيه بالطريقة الوحيدة المتاحة، والتي تتمشى مع الطريقة التي يقدِّم هو بها نفسه لنا[12].
ومن هنا يتضح أن الأهمية القصوى المعطاة “للإيمان” في معرفتنا لله، تعكس الأفضلية المطلقة لدور الله (حين يعلن هو عن ذاته ويجعلنا ندرك شيئًا عنه) على كل فكر بشري عن الله (نعتمد فيه على ذواتنا)، بل وحتى على الوسائط البشرية التي أوجدها الله لتخدم إعلانه عن ذاته[13].
[1] إش 9:7. ولذلك نجد ق. إيرينيئوس يقول في (Dem., 3) “والإيمان ينتج عن الحق؛ لأن الإيمان يقف أو يرتكز على الأشياء الحقيقية (أو التي هي بالحقيقة كائنة). ونحن نؤمن في أشياء حقيقية (أو بالحقيقية كائنة)، وبالإيمان في أشياء حقيقية، نظل واثقين بشدة فيها”؛ انظر أيضاً: Clement of Alex., Strom., 1.1; 2.2, 4; 4.21; Cyril of Jer., Cat., 5.4, etc.
[2] انظر استخدام مصطلح ’طبيعة‘ (φύσις) في الفكر الإسكندري:
See my Theology in Reconciliation, 1975, pp. 241f, 247ff; Archbishop Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.
[3] Cf. Hilary, De Trin., especially books 1-4,
وفي هذه الكتب الأربعة، يعرض ق. هيلاري المعرفة اللاهوتية بشكل مميز جداً.
[4] Augustine, De Trin., 7.5; In Jn. Ev., 27.9; 29.6; 40.9; De lib. arb.,
2.2.6; De div. quaest., 48 ; In Ps., 118, 18.3; Ep., 120.1, 3, etc.
إن إدراك آباء مجمع نيقية لمضمون التعليم الرسولي، بالإضافة إلى التقوى الإنجيلية في الاعتراف بالإيمان، قد أدّيا معًا إلى ظهور أسلوب مميَّز للتعبير ترك بصمته الدائمة على ذهن الكنيسة. وكان هذا الأمر واضحًا للغاية في مجمع القسطنطينية عام 381م حيث أُعيد التأكيد بشكل نهائي وحاسم على قانون الإيمان النيقي، مما جعله قانون الإيمان المسكوني الأسمى في العالم المسيحي.
فالتعليم اللاهوتي الخاص بمجمع نيقية لم ينل فقط قوة داخلية وحركة دفع ذاتي في عصره، ولكنه ترسَّخ ضمن الأساسات الإنجيلية للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، بحيث صار القاعدة التي انطلقت منها المجامع الأخرى ـ الواحد تلو الآخر ـ لتكمل عملها في القرون اللاحقة، بالرجوع دائمًا إلى “مجمع الثلاثمائة وثمانية عشر”.
وهكذا كان يُنظر لقانون إيمان نيقية، على أنه المحور الرئيس والمتحكم في الرسالة المتنامية للكنيسة، وكإعلان إنجيلي يؤدي إلى الإيمان بالمسيح، كما كان يُنظر إليه أيضًا بكونه صياغة تعليمية لكبرى حقائق الإنجيل، لذلك يمكن أن يُعتبر كمرشد موثوق به وذو سلطان في قراءة وتفسير الكتب المقدسة.
أي أنه في قانون الإيمان النيقي وبواسطته، عقدت الكنيسة العزم على الدفاع عن جوهر الإيمان والحفاظ عليه، كأمانة مقدسة تسلَّمتها لكي تسلِّمها إلى الآخرين متكاملة إنجيليًّا، وبالتالي تستطيع أن تعطي الله حساب وكالتها على سرائر الله[1].
وكان هذا هو قصد الكنيسة الذي أوضحه ق. أثناسيوس في خطابه إلى أساقفة إفريقيا عندما قال: “ليكن فقط الإيمان، الذي اعترف به الآباء بنيقية، قانونًا ساريًا بينكم، حتى يستطيع الرسول أن يقول عنا أيضًا: “فأمدحكم أيها الإخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء، وتحفظون التعاليم كما سلَّمتها إليكم””[2].
نؤمن …
وبتعبير “نؤمن”، الذي استهلت به الكنيسة الجامعة نص اعترافها ـ في نيقية عام 325م ـ فإنها أوضحت أن ما كان يهمها هو أن تعترف بحقائق الإنجيل الأساسية، داعية إلى الالتزام بالإيمان (نؤمن)، أكثر من مجرد وضع مراسيم (قوانين للإيمان) (δόγματα) مطلوب إطاعتها كأنها قرارات رسولية[3] أو أوامر إمبراطورية[4].
ولكن بالطبع قدَّم آباء نيقية بعض الدلالات التي توضح كيف يجب أن تُفهم المصطلحات التي استخدموها، كما أشاروا أيضًا إلى “الحدود الفاصلة” (ορισθέντα) في اعتراف (قانون) الإيمان، والتي لا يجوز تعديها وإلاّ انحرف المرء إلى ضلال الهرطقة أو إلى خطورة التناقض[5]. وقد حدد الآباء أيضًا عددًا من “القوانين” أو “القواعد” الكنسية التي يجب أن تُراعى من أجل الحفاظ على الوحدة في الكنيسة كلها في تعليمها وتوجيهها المنتظم، وفي تنظيم الخدمة الكنسية[6].
غير أن هذه الأوامر “الناهية” والقواعد الرسمية، قد تم وضعها فقط كملحقٍ لنص قانون الإيمان، ولم تدخل في صلب التعبير عن الإيمان ذاته. وهكذا كان حرص الآباء ينصب كله على الحفاظ على سمة قانون الإيمان “كإعلان إنجيلي” للإيمان الخلاصي، الذي اضطرت الكنيسة إلى وضعه بإلزام من الحق الإلهي الذي وصل إليها من خلال الكتب المقدسة.
نظرة الآباء إلى “الإيمان”
ومن هنا، فإن الأولوية القصوى التي أعطاها مجمع نيقية “للإيمان” على هذا النحو كانت لها دلالة كبيرة للغاية، لأنها تمثِّل التحوُّل الجذري في فهم شعب الكنيسة ـ حيث استنارت عقولهم بحقيقة الله الحي وتحرروا من الأسر في ظلمة التحيُّزات الشخصية والتخمينات والأوهام التي لا أساس لها ـ وهو تحول من أن يكون مركز الفكر في داخل المنطق البشري (έπίνοια) الشخصي (الغريب عن الله)، إلى أن يكون هذا المركز هو في إعلان الله (عن ذاته)، وفي فعل المصالحة الذي تم في يسوع المسيح “كلمته” المتجسِّد داخل حيز الزمان والمكان في عالمنا المخلوق.
هذه الاستنارة بحقيقة الله كانت هي السبب وراء الثقة الراسخة في “إيمان” الكنيسة بالله، لأن الكنيسة قد أدركتها محبة الله الثابتة والأمينة، وقد أمسكت الكنيسة بهذه المحبة من خلال “كلمة حق الإنجيل”[7]، كما أن الله ذاته كان على الدوام يسند الكنيسة ويقويها.
وهذه الأهمية القصوى التي أولاها قانون نيقية، “للإيمان” إنما تعكس الفكر الآبائي الراسخ عن “الإيمان” بأنه اقتناع للعقل لا يقوم على أساس منظور “شخصي” بل على أساس “موضوعي”، وهذا الاقتناع تسنده ـ أبعد من حدوده نفسه ـ “الحقيقة” الموضوعية أو الأقنومية (υπόστασις) التي لله ذاته، كما أعلن لنا عن نفسه في يسوع المسيح. ويعبِّر ق. هيلاري عن ذلك بقوله “في الإيمان، يتخذ الإنسان موقفه على أساس كيان الله ذاته (in substantia dei)”[8].
[5] Athanasius De decretis ـ العنوان اللاتيني المتداول هو ترجمة خاطئة للكلمة : (ο̉ρισθέντα) انظر كذلك Cf. De syn., 5, and Hilary, De Trin., 4.1-7.
[6] بعد مجمع نيقية، أصبح استخدام مصطلح ’قانون‘ يرتبط بالتأديبات الكنسية. وقد استخدم ق. أثناسيوس هذا المصطلح ليشير إلى القوانين التي ترجع إلى الرسل. انظر:
من العلامات المميِّزة لتوجه مجمع نيقية، أنه ربط بين الإيمان وبين الخشوع أو التقوى (ευσέβεια / θεοσέβεια)، والذي يعني استخدام أسلوبٍ ورعٍ للعبادة والسلوك والفكر، يليق بالله الآب والابن والروح القدس. وكان هذا الارتباط بين الإيمان والتقوى طريقًا مسيحيًّا مميزًا للحياة، حيث كان فكر الكنيسة (διάνοια / φρόνημα) مختومًا بختم الثالوث القدوس الذي لا يُمحى، فلم يكن هناك فصل بين التقوى والتعليم اللاهوتي، أو بين العبادة والإيمان، حيث كان الاهتمام الثابت موجهًا: لتفسير الكتب المقدسة بوقار، ولاستخدام المنطق بوقار ولاتباع طرق للمناقشة بوقار، وفي كل ذلك بغير تدخلٍ حادٍّ في سر الله وبغير تعليمٍ خارج عن الوقار في الأمور التي تخص الله.
وحتى حين يتناول علم اللاهوت العلاقات الداخلية للثالوث في الله نفسه، كانت الكنيسة تُصرّ على التحفظ والخشوع سواء في الأسلوب أو في صياغة الفكر أو في اللغة المستخدمة؛ إذ كان ينبغي أن يتم كل شيء بتقوى أمام وجه صاحب الجلال والمجد الإلهي مثل ما يفعل الشاروبيم الذين يغطون وجوههم أمام عرش الله بشكل يليق بقداسة الله الفائقة.
يحتل مجمع نيقية 325م مكانًا فريدًا في تاريخ الكنيسة المسيحية باعتباره “المجمع الكبير والمقدس” أو “المجمع المسكوني الكبير”، الذي اتخذته كافة المجامع اللاحقة كمعيار رئيس لها. وهذا لأن قانون الإيمان الذي وضعه الآباء في نيقية قد حمى بشكل حاسم الإيمان الرسولي الجامع من أي تحريف مخرِّب للإنجيل، مما أدى في آخر الأمر إلى ضبط وتوحيد فكر الكنيسة كلها وتثبيتها بشكل لا لبس فيه في الإيمان بأن الله الآب كشف عن ذاته من خلال ابنه يسوع المسيح وفي روح واحد[1].
كذلك فإن الارتباط الجوهري بين نص الإنجيل وبين “الإيمان المُسلَّم مَرَّةً للقديسين”[2]، قد ظهر بوضوح في نيقية بطريقة بسيطة وموجزة، حتى إنه صار يُنظر إلى ما حدث في نيقية فيما بعد، برهبة ووقار بكونه عملاً من الروح القدس، الأمر الذي يدعو للدهشة في ظل ما كان قائمًا ـ في ذلك الوقت ـ من تباين كبير في الآراء وفي الصيّغ الإيمانية.
ومع انقضاء القرن الرابع وبقاء وصمود الكنيسة رغم الهجمات الشرسة من قِبل الهراطقة ـ والتي كادت تهدد لب الرسالة الإنجيلية التي اؤتمنت عليها ـ فإن التقليد أخذ يكرِّم قانون إيمان نيقية بصورة متزايدة على أنه هو “التحديد الكنسي غير القابل للتغيير” (imperturbata constitutio)، أو “الحدث العظيم الذي لا رجعة فيه في حياة الكنيسة”[3]، والذي يأتي مباشرةً بعد الأساس الواحد الذي وضعه المسيح نفسه في الرسل والأنبياء[4]، بل إن قانون الإيمان نفسه، كان يخدم ذلك الأساس ويبني عليه ويشاركه ـ بشكل ما ـ في طبيعته غير القابلة للتكرار.
ومما يذكر أن ق. غريغوريوس النزينزي الذي رأس الجلسة الافتتاحية لمجمع القسطنطينية عام 381م كرئيس أساقفة، كتب إلى كليدونيوس أحد كهنة نزينزا يقول: “نحن من جانبنا لم نعتبر ولن نعتبر أي تعليم مفضَّل على إيمان الآباء القديسين الذين اجتمعوا بنيقية لهدم الهرطقة الأريوسية، ونحن بمعونة الله لا نحيد ولن نحيد عن هذا الإيمان، مكمِّلين ما قد تركوه بخصوص الروح القدس”[5].
وكان ق. غريغوريوس النزينزي يُعبِّر عن التقليد السائد، عندما تحدث في “عظته عن أثناسيوس الكبير” ذاكرًا “مجمع نيقية المقدس” واجتماع الثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً “المختارين” بكونهم قد “وحَّدهم الروح القدس”[6]. كما كان ق. غريغوريوس يمثل رأي الكثيرين أيضًا، في إعطائه القديس أثناسيوس الدور الحاسم في أعمال المجمع؛ إذ قال: “وعلى الرغم من أنه لم يكن بعد في ترتيب صفوف الأساقفة، إلاّ أنه احتل الترتيب الأول بين أعضاء المجمع، لأن الأفضلية كانت للتميّز بنفس القدر الذي كانت به للمنصب.
وكرجل الله الذي نطق بقوة للحق، حافظ ق. أثناسيوس بلباقة على وحدة اللاهوت إذ علَّم بإخلاص عن الثالوث تعليمًا اشتمل على العلاقات الأقنومية: بغير ضياع للأقانيم الثلاثة في داخل الوحدة، ولا تقسيم للجوهر فيما بين الأقانيم الثلاثة؛ بل ظل ق. أثناسيوس داخل حدود التقوى متجنبًا الميل الزائد أو المعارضة الزائدة لأحد الرأيين”[7].
الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين
كان ق. أثناسيوس يعتبر أن الآباء في مجمع نيقية لم يبتكروا شيئًا جديدًا، بل إنهم تنفَّسوا روح الكتب المقدسة واعترفوا بالإيمان الإلهي والرسولي بدقة شديدة، حتى إنه (أي ق. أثناسيوس) استطاع بعد سنوات كثيرة أن يكتب إلى أساقفة إفريقيا قائلاً: “إن كلمة الرب التي جاءت عن طريق مجمع نيقية المسكوني باقية إلى الأبد”[8]، ولم يكن يعني بهذا أن الله قد أعطى أساقفة نيقية كشفًا جديدًا، بل إنهم كانوا فقط أداة في يد الله، وذلك بتسليمهم (لمن بعدهم) ـ بشكل صادق وأمين ـ كلمة الله ذاتها، وهي عينها التي كانوا قد تسلَّموها بأنفسهم من تعاليم الرسل في الكتب المقدسة فيما يتعلق بالله الآب والابن والروح القدس.
وفي الواقع كان التقليد الرسولي، والتعاليم المعطاة في الكتب المقدسة، بالنسبة للقديس أثناسيوس شيئًا واحدًا تمامًا، حيث لا يوجد عدة تقاليد “للحق” سواء مكتوبة أو غير مكتوبة، بل هو التقليد الواحد المتضمَّن في الكتب المقدسة المُعترف بها، وهو إيمان الكنيسة الحقيقي الذي تسلَّموه، والذي كان عليهم أن يحافظوا عليه ويسلِّموه مرة أخرى[9].
هكذا فهم ق. أثناسيوس عمل الآباء بمجمع نيقية المسكوني، لذلك كتب لأساقفة إفريقيا في خطابه المجمعي لهم يقول: “إن الإيمان السليم المُعطى لنا من المسيح والذي أعلنه الرسل، قد سلَّمه للأجيال التالية الآباء الذين اجتمعوا في نيقية من كافة أنحاء العالم”[10].
وعندما أُثير التساؤل حول التعليم الرسولي التقليدي عن الروح القدس، أصر ق. أثناسيوس على ضرورة وضع تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة في الاعتبار من البداية، هذا الذي أعطاه الرب، وأعلنه الرسل، وحافظ عليه الآباء. وقد استطاع ق. أثناسيوس، وهو يتحدث عن نفسه، أن يقول: “طبقًا للإيمان الرسولي المُسلَّم لنا من الآباء بواسطة التقليد، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتكار أي شيء خارجًا عنه.
وما تعلَّمته هذا قد سجلته وفقًا للكتب المقدسة”[11]. فالمهم كان هو تقديم الكتب المقدسة بدقة وبإخلاص، بالإضافة إلى تناول التقليد بأمانة[12].
وكان ق. أثناسيوس دائم الإشارة إلى قانون إيمان نيقية على أنه “الإيمان الذي اعترف به الآباء بنيقية” طبقًا للكتب المقدسة وتقليد الكنيسة السليم، وكان يقول عنه إنه هو هو “الإيمان المسلَّم من مخلِّصنا بواسطة رسله”، وقد اعتبر أن صياغة قانون الإيمان كانت في الأساس عملاً إيمانيًّا ورعًا ومخلصًا قام به المجمع المسكوني “باعتباره في حضرة الله”[13].
هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة
لقد كان هناك سببان لانعقاد مجمع نيقية: أولاً التوصل إلى اتفاق مسكوني حول يوم الاحتفال بعيد القيامة، وثانيًا الحكم على الهرطقة الأريوسية التي كانت تخل بتناغم الكنيسة، إلاّ أن نوع القرار الذي اتخذه المجمع في كل حالة ـ كما أوضح ق. أثناسيوس ـ كان مختلفًا تمامًا. فبالنسبة لعيد القيامة، كتب الآباء: “يبدو حسنًا ما يلي”، لأنه كان بالفعل يبدو حسنًا أن يكون هناك اتفاق عام.
ولكن بالنسبة للإيمان فإنهم لم يكتبوا “يبدو حسناً”، بل كتبوا: “هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة”، ليؤكدوا بذلك أنهم إنما كانوا يعترفون بما يؤمنون به، ولكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست جديدة بل هي تعاليم رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم، بل كان هو نفسه ما علَّم به الرسل[14].
بل والأكثر من ذلك، أن آباء نيقية عبَّروا عن هذا التعليم بدقة شديدة لدرجة أن كل من يقرأ هذه النصوص بأمانة، فإنها لا بد وأن تعيده إلى التقوى والإيمان بالمسيح (εις Χριστὸν ευσέβειαν) المُعلَن عنه في الكتب المقدسة[15]. أي أن قانون إيمان نيقية ينبغي أن يُفهم كصياغة كرازية للإيمان، حسب مبادئ الإنجيل الأولى البسيطة، لأن الإيمان الذي سُلَّم للكنيسة مرة واحدة يمكن تسليمه فقط بالإيمان، من إيمانٍ إلى إيمان[16].
ومن الواضح أن ق. أثناسيوس كان يرى أن مجمع نيقية ـ من خلال اعترافه بالإيمان بشكل موجز وبسلطان مسكوني ـ قد حقق الغرض الذي كان قد تصوره هو نفسه قبل المجمع، والذي ذكره في بيانه عن”أساس الإيمان” (κεφάλαιον τη̃ς πίστεως)، ألا وهو إدراك العمل الخلاصي لابن الله المتجسِّد[17]، مرتبطًا بدراسة الكتب المقدسة وبفهم أعمق لرسالتها[18].