الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟

الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟

الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟

“إننا نعتبر هذه الحقائق واضحة في ذاتها، ألا وهي أن كافة البشر مخلوقون سواسية، وأنهم منحوا من خالقهم حقوقاً راسخة معينة غير قابلة للتصرف، ومنها الحق في الحياة، والحرية، والسعي نحو السعادة”.

إعلان الاستقلال الأمريكي

هل من مقياس للأخلاق؟

بينما كنت أنا وصديقي ديف Dave ننتهي من تناول العشاء في مطعم يطل على المحيط في مدينة بورتلاند بولاية مين، تحول الحديث إلى موضوع الدين. فقد قال ديف: “لا أظن أنه من الممكن أن يكون دين واحد صحيحاً والباقي كله خطأ. ولكن يبدو أنك يا فرانك وجدت مركزاً لحياتك. وجدت شيئاً صحيحاً بالنسبة لك، وأظن أن هذا عظيم”.

فبدأت أساير فرضيته من أن شيئاً قد يكون صحيحاً لشخص وليس صحيحاً لشخص آخر، وسألته: «ديف ما الصحيح بالنسبة لك؟ ما الذي يعطي حياتك معنى؟»

فأجاب: «كسب المال ومساعدة الناس». ديف رجل أعمال ناجح جداً، فحاولت أن أستثيره لأعرف منه المزيد.

وقلت: «ديف، أعرف رؤساء تنفيذيين بلغوا قمة النجاح المهني، خططوا لأمور عظمية في حياتهم المهنية وحققوها، ولكنهم لم يخططوا لحياتهم الشخصية ولم يحققوا فيها إلا القليل. وهم الآن على وشك التقاعد، ويسألون أنفسهم: “ثم ماذا؟»

فوافق ديف وأضاف: «نعم، وأعرف أن معظم أولئك الرؤساء التنفيذيين مروا بخبرات طلاق بشعة، غالباٌ لأنهم أهملوا أسرهم سعياً وراء الدولار. ولكن لست كذلك. لن أضحي بأسرتي من أجل المال، وفي عملي أريد أن أساعد الناس أيضاً».

مدحته على التزامه بأسرته ورغبته في مساعدة الناس، ولكن الأسئلة لم تنته. فلماذا يجب أن نخلص لعائلاتنا؟ من قال إنه ينبغي أن “نساعد الناس”؟ هل “مساعدة الناس” واجب أخلاقي عام، أم أنه صحيح لك وليس صحيحاً لي؟ وما نوعية مساعدتك لهم: مالية؟ نفسية؟ مادية؟ روحية؟

فقلت: «ديف، إن لم يكن هناك مقياس موضوعي، فالحياة ليست إلا لعبة “بنك الحظ” Monopoly. يمكنك أن تحصل على الكثير من الأموال والكثير من الممتلكات، ولكن عندما تنتهي اللعبة، يرجع كل شيء إلى العلبة. هل هذه هي الحياة؟»

وإذ شعر ديف بعدم ارتياح لاتجاه الحوار، غير الموضوع بسرعة. ولكن إحساسه بأنه يجب أن “يساعد الناس” كان صحيحاً، ولكنه لم يجد له مبررات. لماذا يعتقد أنه يجب أن “يساعد الناس”؟ من أين أتى بهذه الفكرة؟ ولماذا أنا وأنت نتفق معه في أعماقنا؟

توقف وتعمق برهة في هذه الفكرة؟ ألست مثل ديف؟ ألا تشعر بهذا الإحساس العميق بواجبنا جميعاً نحو “مساعدة الناس”؟ كلنا نشعر بذلك لماذا؟ ولماذا يبدو أن معظم البشر لديهم ذلك الحس الحدسي بأنه ينبغي أن يفعلوا الخير وينبذوا الشر؟

ووراء إجابات تلك الأسئلة يكمن المزيد من الأدلة على وجود الله الخالق الحافظ. ولكن هذه الأدلة ليس علمية، فقد تناولنا الأدلة العلمية في الفصول السابقة، ولكنها أدلة ذات طبيعة أخلاقية، وهي مثل قوانين المنطق والرياضيات: غير مادية ولكن حقيقية. إن ما يجعلنا نعتقد أنه علينا أن نفعل الخير لا الشر، ما يجعلنا نعتقد مثل ديف أنه علينا أن “نساعد الناس” هو وجود قانون أخلاقي كُتب على قلوبنا. أي أن هناك “تشريعاً لعلم الخير أعطي للبشرية جمعاء.

والبعض يسمون هذا التشريع الأخلاقي “الضمير”، والبعض الآخر يسمونه “القانون الطبيعي”، ولكن آخرون (مثل الآباء المؤسسين للولايات المتحدة) يطلقون عليه “قانون الطبيعة”. ونحن نطلق عليه “القانون الأخلاقي”. ولكن أياً كان الاسم الذي تطلقه عليه، وجود مقياس أخلاقي منقوش في عقول البشر أجمعين يشير إلى مشرع لهذ القانون الأخلاقي. فكل قانون له مشرع. والقانون الأخلاقي كذلك. لا بد أن شخصاً كلفنا بهذه الواجبات الأخلاقية.

هذا القانون الأخلاقي هو حجتنا الثالثة لوجود إله خالق حافظ (بعد الحجة الكونية والحجة الغائية). وهي كالتالي:

  1. لكل قانون مشرع.
  2. هناك قانون أخلاقي.
  3. إذن هناك مشرع للقانون الأخلاقي.

إن كانت المقدمتان الأولى والثانية صحيحتين، فالنتيجة تترتب عليهما بالضرورة. وطبعاً كل قانون له مشرع. لا يمكن أن يوجد تشريع إلا إذا وجدت سلطة تشريعية. بالإضافة إلى أنه إذا كان هناك التزامات أخلاقية، لا بد من وجود شخص نكون ملتزمين تجاهه.

ولكن هل حقاً يوجد قانون أخلاقي؟ هذا ما اعتقده الآباء المؤسسون للولايات المتحدة. فكما كتب توماس جفرسون Thomas Jefferson في إعلان الاستقلال «”قانون الطبيعة” واضح في ذاته». فأنت لا تستخدم العقل حتى تكتشفه، ولكنك تعرفه هكذا. وربما هذا ما جعل صديقي ديف يصطدم بحائط سد في تفكيره. فهو يعرف أن “مساعدة الناس” فعل صائب، ولكنه لم يستطع تعليل هذا الصواب دون الاحتكام إلى مقياس خارج نفسه. فبلا مقياس موضوعي من المعنى والأخلاق، تخلو الحياة من المعنى وينتفي الصواب المطلق والخطأ المطلق. ويصبح كل شيء مجرد رأي.

فعندما نقول إن القانون الأخلاقي موجود، نعني أن كل الناس مطبوعون بحس جوهري للصواب والخطأ. فالكل مثلاً يعلم أن الحب أسمى من الكره وأن الشجاعة أفضل من الجبن. ويكتب ج. بودجيشفسكي الأستاذ بجامعة تكساس في أوستن University of Texas at Austin: “الجميع يعرفون مبادئ معينة.

فما من بلد يعتبر القتل فضية والعرفان رذيلة”. وسي. إس. لويس الذي تناول هذا الموضوع بعمق في كتابه الكلاسيكي “المسيحية المجردة” Mere Christianity عبر عن الفكرة قائلاً: “تخيل بلداً حيث يحظى الناس بالإعجاب عندما يفرون من المعركة، أو حيث يشعر الرجل بالفخر عندما يخون كل من أحسن إليه. إن استطعت أن تتخيل ذلك يمكنك أن تتخيل أن اثنين زائد اثنين يساوي خمسة”.

وهو ما يعني أن الجميع يعرفون بوجود واجبات أخلاقية مطلقة. والواجب الأخلاقي المطلق هو شيء ملزم للجميع، في كل زمان، وفي كل مكان، والقانون الأخلاقي المطلق يتضمن مشرعاً مطلقاً للقانون الأخلاقي.

إلا أن هذا لا يعني أن كل قضية أخلاقية لها إجابات يسهل التعرف عليها. أو أنه لا أحد ينكر وجود أخلاق مطلقة. ولكن الأخلاق تضم مشكلات عسيرة، والناس ينكرون القانون الأخلاقي كل يوم. ولكنه يعني أن هناك مبادئ أساسية للصواب والخطأ يعرفها الجميع، سواء اعترفوا بها أم لا. ويطلق بودجيشفسكي على هذه المعرفة الأساسية بالصواب والخطأ “ما لا نستطيع أن نجهله” What We Can’t Not Know في كتاب له تحت ذلك العنوان.

فنحن مثلاً لا نستطيع ألا نعرف أن قتل الأبرياء بلا سبب خطأ. البعض قد ينكرون ذلك ويرتكبون جرائم قتل، ولكنهم في أعماق قلوبهم يعرفون أن القتل خطأ. وحتى السفاحون يعرفون أن القتل خطأ، ولكنهم قد لا يشعرون بالندم. والقتل خطأ عن الجميع، وفي كل مكان: في أمريكا، والهند، وزيمبابوي، وسائر البلدان جميعاً، الآن وكل أوان، مثل غيره من سائر القوانين الأخلاقية المطلقة. هذا هو ما يقوله القانون الأخلاقي لكل قلب بشري.

كيف نعرف أنه يوجد قانون أخلاقي؟

تتعدد أسباب معرفتنا بوجود قانون أخلاقي، وسنستعرض ونناقش ثمانية منها. وبعض هذه الأسباب متداخل، ولكننا سنناقشها بهذا الترتيب:

  1. القانون الأخلاقي لا يمكن إنكاره.
  2. نعرفه من ردود أفعالنا.
  3. إنه أساس حقوق الإنسان.
  4. إنه مقياس العدالة الثابت.
  5. يفصل فصلاً حقيقياً بين المواقف الأخلاقية (مثل الأم تريزا مقابل هتلر).
  6. بما أننا نعرف الخطأ المطلق، لا بد أن هناك مقياساً مطلقاً للصواب.
  7. القانون الأخلاقي هو أساس الخلافات السياسية والاجتماعية.
  8. لو لم يكن هناك قانون أخلاقي، لما كنا نبحث عن أعذار عندما نخرقه.

1 – القانون الأخلاقي لا يمكن إنكاره:

 النسبيون عادة ما يزعمون زعمين بخصوص الحق: 

  • ليس هناك حق مطلق.
  • ليس هناك قيم أخلاقية مطلقة.

وخطة “رودرنر” تساعدك على تفنيد زعمهم الأول: إن لم يكن هناك حق مطلق، إذن زعمهم المطلق بأنه “ليس هناك حق مطلق” لا يمكن أن يكون صحيحاً. وهكذا ترى أن عبارة النسبيين غير منطقية لأنها تؤكد ما يحاولون إنكاره.

حتى جوزيف فلتشر Joseph Fletcher أبو أخلاق الموقف الحديثة وقع في هذا الفخ. فقد أصر في كتابه “أخلاق الموقف” Situation Ethics أن «من يؤمن بأخلاق الموقف يتجنب كلمات من قبيل “أبداً”، “تام”، “دائماً”… كمن يتجنب شيئاً ضاراً، كما يتجنب كلمة “مطلقاً”». وهو ما يعني طبعاً أن «المرء يجب ألا يقول أبداً كلمة “أبداً”» أو «يجب أن نتجنب دائماً استخدام كلمة “دائماً”». إلا أن تلك العبارات عينها لا تتجنب ما تطلب منا تجنبه. فالنسبيون متأكدون بصفة مطلقة أنه ليس هناك مطلقات.

والقيم المطلقة كالحق المطلق، لا يمكن إنكارها. ففي حين أن الزعم الذي مفاده أنه “لا يوجد قيم مطلقة” لا يفند نفسه، لا يمكننا عملياً أن ننكر وجود قيم مطلقة. وذلك لأن من ينكر كل القيم، يعطي قيمة لحقه في إنكارها. وهو علاوة على ذلك يريد من الجميع أن يعطوه قيمة بصفته شخصاً، بينما ينكر أن هناك قيمة لجميع الأشخاص. وهو ما تم التعبير عنه بوضوح منذ عدة سنوات عندما كنت (أنا نورم) أتحدث إلى مجموعة من سكان ضواحي شيكاغو من ذوي الثروة والتعليم الراقي.

وبعد أن قلت إن هناك قيماً أخلاقية موضوعية ملزمة لجميعنا، وقفت سيدة واعترضت بصوت مرتفع قائلة: «ليس هناك قيم حقيقية. المسألة كلها أذواق أو آراء!» فقاومت إغراء الرغبة في توصيل فكرتي بأن أصرخ فيها قائلاً: «اجلسي واخرسي، يا متعلمة يا صاحبة الشهادات، لا أحد يريد أن يسمع رأيك!» وطبعاً لو كنت بهذه الوقاحة والفظاظة، لكان من حقها أن تشكو من أني انتهكت حقها في أن يكون لها رأي وحقها في التعبير عنه. وهو ما كان يمكنني أن أرد عليه بالقول «ليس لك هذا الحق، فقد أخبرتني تواً أن هذه الحقوق لا وجد لها!»

فشكواها كانت ستثبت أنها تؤمن فعلياً بقيمة حقيقية مطلقة، فهي تعطي قيمة لحقها في أن تقول إنه ليس هناك قيم مطلقة. أي أن حتى من ينكرون كل القيم، يعطون قيمة لحقهم في ذلك الإنكار. وهنا يكمن التناقض. فمن المستحيل عملياً إنكار القيم الأخلاقية.

2 – رود أفعالنا تساعدنا على اكتشاف القانون الأخلاقي (الصواب من الخطأ):

 في السيناريو المذكور أعلاه، كان رد فعل السيدة سيذكرها بوجود قيم أخلاقية موضوعية. وأحد الأساتذة في واحدة من كبرى الجامعات في ولاية إنديانا عرض أحد طلابه ممن يؤمنون بالنسبية للخبرة نفسها من وقت ليس ببعيد. وكان الأستاذ يُدَرِّس مادة في الأخلاق، وكلف طلابه بكتابة بحث للفصل الدراسي. وطلب من كل دارس أن يكتب في أي موضوع أخلاقي من اختياره، بشرط أن يدعم أطروحته جيداً بالأسباب والمراجع الموثقة.

وكتب طالب ملحد بحثاً بليغاً في موضوع النسبية الأخلاقية. وكانت حجته تقول إن «كل الأخلاق نسبية؛ ليس هناك مقياس مطلق للعدالة أو الصواب الأخلاقي؛ إنها مسألة رأي؛ “أنت تحب الشوكولاتة، أنا أحب الفانيليا”، وهكذا». وقد دعم بحثه بالأسباب والمراجع. وكان مستوفياً للشروط من حيث الحجم، وموعد التسليم، وقدمه في غلاف أزرق أنيق.

وبعد أن قرأ الأستاذ البحث كله كتب على الغلاف الأمامي «راسب، لا أحب الأغلفة الزرقاء». وعندما استلم الطالب بحثه استشاط غضباً واندفع على مكتب الأستاذ محتجاً: «”راسب، لا أحب الأغلفة الزرقاء” هذا ليس إنصافاً. ليس صواباً. ليس عدلاً. لم تقيم البحث بناء على ما يستحق».

فأجاب الأستاذ بهدوء وهو يرفع يده ليهدئ الطالب الفصيح: «تمهل لحظة. لقد قرأت أبحاثاً كثيرة. انتظر… أليس بحثك هو الذي يقول إنه ليس هناك شيء اسمه الإنصاف، والصواب الأخلاقي، والعدالة؟».

فأجاب الطالب: «نعم».

فسأله الأستاذ: «إذن ما هذا الذي تقوله عني إني لست منصفاً، لا صائباً، ولا عادلاً؟ ألم تكن حجة بحثل أن الأمر كله مسألة ذوق؟ “أنت تحب الشوكولاتة، أنا أحب الفانيليا؟”»

فأجاب الطالب: «نعم هذا رأيي».

فأجاب الأستاذ: «عظيم. إذن أنا لا أحب الأزرق. وأنت تحصل على تقدير راسب».

وفجأة أضاء المصباح في دماغ الطالب. لقد أدرك أنه يؤمن فعلياً بالمطلقات الأخلاقية. فهو على الأٌقل يؤمن بالعدالة. ومهما كان من أمر، فهو يتهم أستاذه بالظلم لأنه أعطاه تقدير راسب بسبب لون الغلاف. وهذه الحقيقة البسيطة دحضت كل القضية التي قدمها دفاعاً عن النسبية.

والدرس الذي يكمن في القصة هو أن هناك أخلاقيات مطلقة. وإن أردت حقاً أن تدفع النسبيين للاعتراف بها. كل ما يجب أن تفعله أن تعاملهم معاملة ظالمة. وردود أفعالهم ستكشف القانون الأخلاقي المكتوب على قلوبهم وعقولهم. ففي هذه القصة أدرك الطالب وجود مقياس موضوعي للصواب الأخلاقي من رد فعله لمعاملة الأستاذ له. وهكذا قد لا أظن أن السرقة خطأ عندما أسرق منك. ولكن لاحظ الغضب الذي سيشتعل بداخلي عندما تسرق مني.

وردود أفعالنا تبين أيضاً أن النسبية في النهاية لا تصلح للعيش. فقد يزعم الناس أنهم نسبيون، ولكنهم مثلاً لا يريدون زوجاتهم أن تخلصن لهم نسبياً. فكل الرجال النسبيين تقريباً يتوقعون من زوجاتهم أن تعشن على أساس أن الزنا خاطئ على نحو مطلق. وسيكون رد فعلهم سلبياً إن مارسن النسبية عملياً بارتكاب الزنا. وحتى إن كان هناك القليل من النسبيين لا يعترضون على الزنا، هل تظن أنهم لن كانوا مهددين بالقتل أو الاغتصاب سيعتبرون القتل أو الاغتصاب عملاً أخلاقياً؟ طبعاً لا. إن النسبية تتناقص مع ردود أفعالنا وحسنا العام.

وردود الأفعال تساعدنا كأمة في تحديد الصواب والخطأ. فعندما اخترق الإرهابيون مبانينا بطائراتنا التي كانت تحمل أحباءنا الأبرياء، كان رد فعلنا العاطفي مناسباً لبشاعة الجريمة. فرد فعلنا أكد أن الفعل خاطئ على نحو مطلق. وقد يقول البعض: «ولكن ابن لادن ورفاقه المجرمين رأوا أن الفعل صحيح أخلاقياً». إن هذا يرجع جزئياً إلى أن الجريمة لم تكن موجهة ضدهم. في رأيك ماذا يكون رد فعل ابن لادن لو اخترقنا مبانيه بطائراته التي تحمل أحباءه الأبرياء؟ كان سيعرف فوراً أن هذا الفعل خاطئ على نحو لا يمكن إنكاره.

لذا فالقانون الأخلاقي لا يظهر دائماً من أفعالنا، كما يتضح من الفظائع التي يرتكبها البشر تجاه بعضهم البعض. ولكنه ينكشف بجلاء في ردود أفعالنا، أي ما نفعله عندما نتعرض شخصياً للظلم. وهو ما يعني أن القانون الأخلاقي ليس هو دائماً المقياس الذي نعامل به الآخرين، ولكنه في كل الحالات تقريباً المقياس الذي نتوقع من الآخرين أن يعاملونا به. فهو لا يصف سلوكنا الفعلي، بل ينص على السلوك الواجب.

3 – دون القانون الأخلاقي تنتفي حقوق الإنسان:

تأسست الولايات المتحدة الأمريكية على الاعتقاد في القانون الأخلاقي وحقوق الإنسان الممنوحة من الله. فقد كتب توماس جفرسون في إعلان الاستقلال:

إننا نعتبر هذه الحقائق واضحة في ذاتها، ألا وهي أن كافة البشر مخلوقون سواسية، وأنهم منحوا من خالقهم حقوقاً راسخة معينة غير قابلة للتصرف، ومنها الحق في الحياة، والحرية، والسعي نحو السعادة. ولضمان هذه الحقوق، تتأسس الحكومات بين الناس، وتكتسب صلاحياتها العادة من موافقة المحكومية.

لاحظ عبارة «منحوا من خالقهم حقوقاً راسخة معينة غير قابلة للتصرف». أي أن الآباء المؤسسين آمنوا أن حقوق الإنسان ممنوحة من الله، ومن ثم فهي عامة ومطلقة، أي أنها حقوق تشمل كل البشر، في كل مكان، وفي كل زمان، بصرف النظر عن جنسيتهم أو دينهم.

لقد أدرك جفرسون وسائر الآباء المؤسسين أن هناك سلطة أعلى أي “الخالق” يمكنهم الاحتكام إليها لإرساء أسس أخلاقية موضوعية لاستقلالهم. فلو بدأوا إعلان الاستقلال بعبارة «إننا نعتبر أن هذه الآراء أراؤنا…» (بدلاً من «حقائق واضحة في ذاتها»)، ما قدم ذلك مبرراً أخلاقياً موضوعياً لإعلان استقلالهم. ولكنه كان فقط سيعبر عن رأيهم المضاد لرأي الملك جورج.

لذا احتكم المؤسسون إلى “الخالق” لأنهم آمنوا أن قانونه الأخلاقي هو المقياس المطلق للصواب والخطأ الذي يبرر قضيتهم. وكانت قضيتهم إنهاء حكم الملك جورج في المستعمرات الأمريكية. لقد اقتنعوا بضرورة إنهاء حكم جورج لأنه كان ينتهك حقوق الإنسان الأساسية لمستوطني المستعمرات.

ومن جهة ما، كان موقف الآباء المؤسسين مثل موقف دول الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية. فعندما مثل مجرمو الحرب النازيون أمام محكمة في نورمبرج Nuremburg، أدينوا بتهمة انتهاك حقوق الإنسان الأساسية كما يعرّفها القانون الأخلاقي (الذي ينعكس في القانون الدولي). إنه القانون الذي يفهمه كافة البشر بالفطرة والذي تخضع له كل الأمم.

ولو لم تكن هناك هذه الأخلاق الدولية التي تتجاوز حدود قوانين الحكومة الألمانية العلمانية، لما وجد الحلفاء أساساً لإدانة النازيين. وهو ما يعني أنه لما أمكننا أن نقول إن النازيين كانوا مخطئين على نحو مطلق ما لم نعرف الصواب المطلق. ولكننا موقنون أنهم مخطئون على نحو مطلق، إذن مؤكد أن القانون الأخلاقي موجود.

4 – دون القانون الأخلاقي لا نميز بين العدل والظلم:

ربما تعد أشهر حجة ضد وجود الله هي وجود الشر واستمراره في العالم. فإن كان هناك إله صالح وعادل، لماذا إذن يسمح بالسوء للأخيار؟ لطالما أكد الملحدون أن الإيمان بعدم وجود هذا الإله أكثر منطقية من محاولة تفسير وجود الشر والله معاً.

وكان سي. إس. لويس أحد هؤلاء الملحدين. فقد رأى أن كل ما في العالم من ظلم يؤكد إلحاده، حتى بدأ يفكر في الوسيلة التي مكنته من معرفة الظلم أصلاً، فقد كتب: «”بصفتي ملحداً” كانت حجتي ضد الله هي أن الكون يبدو في منتهى القسوة والظلم. ولكن من أين أتيت بفكرة العدل والظلم؟ فالمرء لا يسمي الخط منكسراً إلا إذا كان يعرف الخط المستقيم. فبم كنت أقارن هذا الكون عندما سميته ظالماً؟» وهذا الإدراك أخرج لويس من الإلحاد وأتى به أخيراً إلى المسيحية.

إن لويس مثلك مثلي، لا يمكنه أن يحدد الظلم إلا عن طريق وجود مقياس ثابت للعدل مكتوب على قلوبنا. فحقيقة، لا يمكنك أن تعرف الشر ما لم تعرف الخير. ولا يمكنك أن تعرف الخير لولا وجود مقياس ثابت للخير خارجك. ودون ذلك المقياس الموضوعي يعد أي اعتراض على الشر المحض رأي شخصي لك.

أنا (نورم) أحب مناظرة الملحدين اليهود. لماذا؟ لأني لم ألتق أبداً بيهودي يعتقد أن الهولوكوست كان مجرد مسألة رأي. ولكن جميعهم يؤمنون أنه كان خطأً حقيقياً، بصرف النظر عن رأي أي شخص آخر. وفي إحدى هذه المناظرات مع ملحد يهودي، سألته: «على أي أساس تقول إن الهولوكوست كان خطأ؟» فأجاب: «بإحساسي الأخلاقي الطيب».

وماذا عساه يقول غير ذلك؟ فدون أن يعترف بقانون أخلاقي موضوعي، وهو ما يعني الاعتراف بالله، يستحيل أن يجد أساساً موضوعياً للاعتراض على الهولوكوست. وبذلك اعتراضه لا يزيد عن كونه رأياً شخصياً.

ولكن جميعنا نعرف أن الوضع الأخلاقي للهولوكوست ليس مجرد مسألة رأي. ورد فعلك على أي تعليق يختص بالهولوكوست يجب أن يزودك بمؤشر على وجود شيء خطأ حقاً في قتل الأبرياء. فمهما كان رد فعلك على شخص يقول: «كانت الوجبة رائعة» سيختلف عن رد فعلك عندما يقول الشخص: «كان الهولوكوست رائعاً». فأنت تعرف حدسياً أن ذوق الشخص في الطعام شيء وذوقه في الشر شيء آخر. فهناك اختلاف أخلاقي حقيقي بين الوجبة والقتل، فأحدهما مجرد استحسان والآخر ظلم حقيقي. وردود أفعالك على تلك التعليقات تساعدك على إدراك ذلك.

وسنناقش المزيد عن وجود الشر والله معاً في الملحق الأول. ولكن الآن نقطتنا الأساسية هي: لو لم يوجد قانون أخلاقي، لما أمكننا التعرف على أي نوع من الشر أو الظلم. فبلا عدل، يصبح الظلم بلا معنى. وكذلك ما لم يكن هناك مقياس ثابت للخير، لما كان هناك شر موضوعي. ولكن بما أننا جميعاً نعرف أن الشر موجود، إذن القانون الأخلاقي موجود أيضاَ.

5 – دون القانون الأخلاقي، لما كان هناك طريقة لقياس الاختلافات الأخلاقية:

فكر في خريطتي اسكتلندا في الشكل. أيهما أفضل؟ كيف يمكنك أن تعرف الخريطة الأفضل؟ السبيل الوحيد لتحديد الأفضل أن ترى شكل اسكتلندا الحقيقية. أي أنك لا بد أن تقارن الخريطتين بمكان حقيقي ثابت اسمه اسكتلندا. فلو لم توجد اسكتلندا، تصبح الخريطتان بلا معنى. ولكن بما أن اسكتلندا موجودة، يمكننا أن نرى أن الخريطة (أ) هي الأفضل لأنها أقرب للمقياس الثابت، أي اسكتلندا الحقيقية.

الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟

وهذا ما نفعله بالضبط عندما نقيم سلوك الأم تريزا مقابل سلوك هتلر. إننا نحتكم إلى مقياس ثابت مطلق أعلى من كليهما. وذلك المقياس هو القانون الأخلاقي. وهو ما عبر عنه سي. إس. لويس قائلاً:

في اللحظة التي تقول فيها إن مجموعة معينة من الأفكار الأخلاقية أفضل من غيرها، فإنك في الواقع تقيس الاثنتين بمقياس وتقول إن إحداهما تتفق مع ذلك المقياس أكثر من الأخرى. إلا أن المقياس الذي يقيس شيئين يختلف عن أي منهما. فأنت في الواقع تقارنهما بأخلاق حقيقية، معترفاً بوجود صواب حقيقي بصرف النظر عن آراء الناس، وبأن أفكار بعض الناس تقترب من ذلك الصواب الحقيقي أكثر من غيرها.

أو يمكنك أن تعبر عن ذلك بطريقة أخرى: إن كانت أفكارك الأخلاقية أصح، وأفكار النازيين أقل صحة، فلا بد من وجود شيء، أي نوع من الأخلاق الحقيقية تحدد صحة هاتين المجموعتين من الأفكار.

لو لم يوجد قانون أخلاقي، إذن ليس هناك اختلافات أخلاقية بين سلوك الأمر تريزا وسلوك هتلر. وكذلك عبارات من قبيل “القتل شر”، أو “العنصرية خطأ”، أو “يجب ألا تسيء إلى الأطفال” تصبح بلا معنى موضوعي. ولكنها تعبر فقط عن آراء شخص، مثل “الشوكولاتة ألذ من الفانيليا”. فالواقع أنه ليس القانون الأخلاقي لأصبحت التعبيرات القيمية البسيطة مثل “جيد”، “سيء”، “أفضل”، “أسوأ” بلا معنى موضوعي عندما تستخدم في سياق أخلاقي.

ولكننا نعلم بالتأكيد أن لها معنى. فمثلاً عندما نقول إن “المجتمع يتحسن” أو “المجتمع يسوء” فنحن نقارن المجتمع بمقياس أخلاقي أعلى منا. وذلك المقياس هو القانون الأخلاقي المكتوب على قلوبنا.

وباختصار، الاعتقاد في النسبية الأخلاقية يعنى القول بعدم وجود اختلافات أخلاقية حقيقية بين الأم تريزا وهتلر، أو الحرية والعبودية، أو المساواة والعنصري، أو العناية والإساءة، أو الحب والكراهية، أو الحياة والقتل. ونحن جميعاً نعلم أن مثل هذه الاستنتاجات عبثية. إذن لا بد أن تكون النسبية الأخلاقية خاطئة. وإن كانت النسبية الأخلاقية خاطئة، إذن يوجد قانون أخلاقي موضوعي.

6 – دون القانون الأخلاقي لا يمكنك أن تعرف الصواب والخطأ:

عندما أجريت مناظرة في موضوع الدين في المجال العام بين آلن درشويتس Alan Dershowit الذي يصف نفسه بأنه ملحد وآلن كيز Alan Keyes الكاثوليكي في أيلول/سبتمبر 2000 سأل أحد الحضور درشويتس قائلاً: «ما الذي يجعل الشيء صواباً؟»

أثنى درشويتس على السؤال ثم قال: «نحن نعرف الشر. فقد رأيناه». واستشهد بأمثلة واضحة على الشر مثل الهولوكوست والحروب الصليبية. ثم رمق درشويتس الحضور، ورفع صوته، وأعلن بنبرة واثقة: «الصواب ما هو الصواب! ولكني أعرف ما هو الخطأ!»

ثم بدأ يتحدث إلى الجمهور وكأنه يوبخهم قائلاً: «ولكن عندي شيء آخر أخبركم به يا جماعة. أنتم لا تعرفون ما هو الصواب! ففي اللحظة التي تظنون فيها أنكم تعرفون الصواب، لحظة ما تظنون أن عندكم إجابة لسؤال ما هو الصواب، تفقدون بعداً ثميناً جداً للنمو والتطور. فأنا لا أتوقع أبداً أن أعرف على وجه الدقة ما هو الصواب، ولكني أتوقع أن أكرس بقية حياتي لمحاولة اكتشافه». وهنا صفق بعض الحاضرين.

ولكن لم تتح الفرصة لكيز ليرد على إجابة دوشويتس. ولو أتيحت له الفرصة، لأطلق خطة “رودرنر” ليفضح حجة درشويتس التي تفند نفسها، فكان سيسأل درشويتس: «كيف تعرف الخطأ إلا إذا عرفت الصواب؟» فبالفعل لا يمكنك أن تعرف أن 5 هي الإجابة الخاطئة لمسألة 2+2 إلا إذا كنت تعرف الإجابة الصحيحة! وهكذا لا يستطيع درشويتس أن يعرف الخطأ الأخلاقي إلا إذا كانت عنده فكرة عن الصواب الأخلاقي.

وأثناء المناظرة لم يجد درشويتس مشكلة في التعبير عن غضبه الشديد تجاه أشياء يرى أنها خطأ أخلاقياً (أي القوانين المضادة للمثلية الجنسية، والقوانين المضادة للإجهاض، والعنصرية، والعبودية، والميثاق الأخلاقي للكشافة، والخلط بين الكنيسة والدولة…. إلخ). ولكنه عندما يزعم أن أشياء معينة خاطئة، يثبت بطبيعة الحال أن أشياء معينة صحيحة. فكل نفي يتضمن إثباتاً. فعندما يقول درشويتس بأن حظر الإجهاض خطأ (نفي)، لا بد أنه يعرف أن النساء لهن حق أخلاقي في الإجهاض (إثبات). ولكن دون القانون الأخلاقي، لا يستطيع درشويتس أن يبرر ذلك الموقف الأخلاقي ولا أي موقف أخلاقي آخر. فهو لا يزيد عن كونه رأيه الشخصي.

وإنه لخطأ فادح وغرور سافر أن يزعم بأنه ما من أحد في الحاضرين يعرف الصواب. فالمسيحيون غالباً ما ينتقدون لأنهم يقولون إن “عندهم الحق” ولكن ها هو درشويتس يقول إن عنده الحق الذي يقول إن لا أحد عنده الحق. ولكن حتى يعرف درشويتس أنه لا أحد عنده الحق، لا بد أن يعرف هو نفسه الحق.

وبعض النسبيين مشهورون بهذا النوع من الغرور الذي يفند نفسه. فهم يزعمون أنه ليس هناك حق، ولكنهم بعدئذ يطلقون مزاعمهم الخاصة بشأن الحق. فهم يزعمون أنهم لا يعرفون الصواب، ولكنهم بعدئذ يزعمون أن قضاياهم السياسية صائبة. وهم ينكرون القانون الأخلاقي في جملة ثم يفترضونه في الجملة التالية.

7 – دون القانون الأخلاقي، تنتفي الأساسات الأخلاقية للاختلافات السياسية أو الاجتماعية:

إن الليبراليين السياسيين مثل آلن درشويتس والكثيرين في هوليوود مشهورون بمعارضتهم الأخلاقية للحرب، والقوانين المناهضة للإجهاض، والقوانين المناهضة للمثلية الجنسية، وخفض الضرائب، وتقريباً كل القضايا التي يؤيدها “اليمين الديني المحافظ”. ومشكلتهم أن الكثير منهم ملحدون، ومن ثم ليس عندهم أسس أخلاقية موضوعية للمواقف التي يؤيدونها بقوة. وذلك لأنه إن لم يوجد قانون أخلاقي، إذن ليس هناك موقف صائب أو خاطئ موضوعياً بخصوص أي قضية أخلاقية، بما في ذلك المواقف التي يتخذها الملحدون.

وبلا قانون أخلاقي، ليس هناك خطأ موضوعي في فرض أحدهم دينه بالقوة على الملحدين. ولا يكون هناك خطأ في اعتبار الإلحاد خروجاً على القانون، ومصادرة أملاك الملحدين وإعطائها لكل من بات روبرتسون[1] Pat Robertson وجري فولول[2] Jerry Falwell ولن يكون هناك خطأ في كراهية المثليين والاعتداء عليهم، أو العنصرية، أو الحروب الاستعمارية.

ولن يكون هناك خطأ في منع الإجهاض، وتنظيم النسل، والجنس بين الراشدين! أي أنه دون القانون الأخلاقي لا يكون عند الملحدين أسس أخلاقية يبنون عليها حججهم المؤيدة لقضاياهم السياسية المفضلة. فليس هناك حق في الإجهاض، ولا المثلية الجنسية.

ولا أي من مقدساتهم السياسية الأخرى لأنه في عالم لا يؤمن بالله ليس هناك حقوق. فما لم يعترف الملحدون بوجود الله وبأن قانونه الأخلاقي يبيح هذه الأنشطة أو يأمر بها. فمواقفهم لا تزيد عن استحسانات ذاتية. وليس هناك التزام أخلاقي على أي شخص ليتفق مع محض استحسانات، أو ليسمح للملحدين أن يفرضوها علينا تشريعياً[3].

فمما يثير السخرية أن الملحدين بتمردهم على القانون الأخلاقي يقوضون الأساس اللازم للتمرد على أي شيء. فالحقيقة أنه دون القانون الأخلاقي، لا يجد أي شخص أساساً موضوعياً لتأييد شيء أو مناهضته. ولكن بما أننا جميعاً نعرف أن القضايا التي تتضمن الحياة والحرية ليست مجرد استحسانات، أي أنها تتضمن حقوقاً أخلاقية فعلية، إذن القانون الأخلاقي موجود.

8 – لو لم يكن هناك قانون أخلاقي، لما كنا نبحث عن أعذار عندما نخرقه:

هل لاحظت أبداً أن الناس يوجدون أعذاراً للسلوك غير الأخلاقي؟ إن تقديم الأعذار هو اعتراف غير مباشر بوجود القانون الأخلاقي. فما الداعي لتقديم الأعذار إن لم يكن هناك سلوك غير أخلاقي؟

حتى قمة الفضائل في ثقافتنا اللاأخلاقية، ألا وهي قبول الآخر، تكشف عن القانون الأخلاقي لأن قبول الآخر نفسه مبدأ أخلاقي. فإن لم يكن هناك قانون أخلاقي، لماذا يجب على أي شخص أن يقبل الآخر؟ والحقيقة أن القانون الأخلاقي يدعونا أن نتجاوز قبول الآخر وصولاً إلى المحبة. فقبول الآخر ضعيف جداً، وذلك لأن قبول الآخر يقول سد مناخيرك واحتمله. ولكن المحبة تقول اذهب وساعده. فقبول الشر ليس من المحبة، إلا أن هذا ما يريدنا الكثير من أبناء ثقافتنا أن نفعله.

فضلاً عن ذلك، الدعوة للتقبل والاحتمال تمثل اعترافاً غير مباشر بأن السلوك الذي نحتمله هو سلوك خاطئ. لماذا؟ لأنك لا تحتاج أن تدعو الناس لتحمل السلوك الجيد، بل السيء فقط[4]. فأنت لا تحتاج أن تقنع أحداً بأن يتقبل سلوك الأم تريزا، ولكنك تحتاج أن تقنعه بتقبل سلوك بعض النسبيين. وكذلك، لا أحد يقدم أعذاراً عندما يتصرف مثل الأم تريزا، ولكننا لا نقدم الأعذار إلى عندما نتصرف عكس القانون الأخلاقي. ولو لم يوجد لما فعلنا ذلك.

المطلق مقابل النسبي: لماذا الخلط؟

إن كان هناك فعلاً قانون أخلاقي مطلق كما بينا بالحجة، فلماذا يؤمن العديد من الناس بنسبية الأخلاق؟ ولماذا يبدو أن العديد من الناس يتبنون قيماً مختلفة؟ منطقياً، يكمن السبب في العجز عن التمييز بين بعض الأمور المختلفة. فلنلق نظرة على تلك الاختلافات لإزالة الخلط:

الخلط 1: الأخلاق المطلقة مقابل السلوك المتغير

من الأخطاء الشائعة عن النسبيين أنهم يخلطون بين السلوك والقيمة. أي أنهم يخلطون بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. فما يفعله الناس عرضة للتغير، ولكن ما يجب أن يفعلون لا يتغير. وهذا هو الفرق بين علم الاجتماع والأخلاق. فعلم الاجتماع وصفي descriptive، في حين أن الأخلاق توجيهية Prescriptive.

وهو ما يعني أن النسبيين غالباً ما يخلطون بين الموقف السلوكي المتغير والواجب الأخلاقي الثابت. فمثلاً، عند مناقشة موضوع أخلاقي مثل الجنس قبل الزواج أو عيش رجل وامرأة معاً دون زواج، غالباً ما تسمع الناس المؤيدين له يقولون شيئاً من قبيل «لاحظوا أننا في القرن الحادي والعشرين»، وكأن السلوكيات الحالية تحدد الصواب والخطأ.

وحتى تبين عبثية التفكير النسبي، ليس عليك إلا أن تحول المناقشة إلى قضية أخلاقية أخطر مثل القتل، الذي ازدادت معدلاته أيضاً في أمريكا اليوم عنها منذ خمسين سنة. فكم عدد النسبيين الذين سيؤيدون القتل بأن يقولوا لنا «لاحظوا أننا في القرن الحادي والعشرين». إن هذا ما يوصلهم إليه تفكيرهم عندما يخلطون بين ما يفعله الناس وما يحب أن يفعلون.

ويتضح جانب آخر من مغالطة ما هو كائن وما يجب أن يكون عندما يقول الناس إنه ليس هناك قانون أخلاقي لأن الناس لا يطيعونه. طبعاً الجميع يعصون القانون الأخلاقي بنسبة ما، بدءًا من الكذب الأبيض وانتهاءً بالقتل. إلا أن هذا لا ينفي وجود قانون أخلاقي ثابت. ولكنه يعني ببساطة أننا جميعاً ننتهكه. فالجميع يرتكبون أخطاء في الرياضيات، إلا أن هذا لا ينفي وجود قواعد رياضية ثابتة.

الخلط 2: الأخلاق المطلقة مقابل الفهم المتغير للحقائق

هناك خطى آخر بين وجود قيمة أخلاقية مطلقة وفهم الحقائق المستخدمة في تطبيق تلك القيمة. فمثلاً أشار سي. إس. لويس إلى أنه في أواخر القرن الثامن عشر كان يحكم على الساحرات كالقتلة. ولكن هذا لا يحدث الآن. والنسبي ستكون حجته: «أرأيت؟ قيمنا الأخلاقية تغيرت لأننا لم نعد نقتل الساحرات. الأخلاق النسبية حسب الزمن والثقافة».

إلا أنه زعم خاطئ. فما تغير ليس المبدأ الأخلاقي الذي مفاده أن القتل خطأ بل إدراك أو فهم الحقائق بخصوص ما إذا كانت “الساحرات” تستطعن فعلاً أن تقتلن الناس بلعناتهن أم لا. فالناس لم يعودوا يعتقدون أن الساحرات قادرات على ذلك. ومن ثم فالناس لم يعودوا يتعبرونهن قتلة. أي أن إدراك الموقف الأخلاق نسبي (ما إذا كانت الساحرات قاتلات فعلاً أم لا)، ولكن القيم الأخلاقية المتضمنة في الموقف ليست نسبية (القتل كان دائماً خطأ وسيظل دائماً خطأ).

والعجز عن التفريق بين الإثنين يؤدي بالناس أيضاً إلى الاعتقاد بأن الاختلافات الثقافية تعكس اختلافات جوهرية في القيم الأخلاقية. فمثلاً، يعتقد البعض أنه بما أن الهندوس يقدسون البقر والأمريكيين يأكلونه. إذن هناك اختلاف جوهري بين القيم الأخلاقية عند الأمريكيين والهندوس. ولكن سبب تقديس الهندوس للبقرة لا يمت بصلة لقيمة أخلاقية جوهرية، ولكنه مرتبط باعتقادهم الديني المختص بتناسخ الأرواح. فالهنود يعتقدون أن البقر قد يحمل أرواح بشر موتى، لذلك لا يأكلونه.

ولكننا في الولايات المتحدة لا نؤمن أن أرواح موتانا قد تسكن في البقر. لذلك نأكل البقر بحرية. وفي التحليل النهائي، ما يظهر أنه اختلاف أخلاقي هو في الواقع اتفاق، فكلانا يؤمن أن أكل الجدة خطأ! فالقيمة الأخلاقية الجوهرية التي تقول إنه من الخطأ أن تأكل جدتك يعتبرها أبناء الثقافتين قيمة مطلقة. ولكنهم يختلفون فقط فيما إذا كانت روح الجدة في البقرة أم لا! فأهل الثقافتين يختلفون في إدراكهم للحقائق المتصلة بالقيمة الأخلاقية، ولكنهم يتفقون جوهرياً على ضرورة احترام القيمة الأخلاقية.

الخلط 3: الأخلاقيات المطلقة مقابل تطبيقها على مواقف بعينها

كما رأينا ردود أفعال الناس تعرفهم الصواب من الخطأ أكثر من أفعالهم. فعندما يقع الناس ضحايا سلوك سيء، لا يجدون صعوبة في فهم أن السلوك خاطئ على نحو مطلق. ولكن حتى إن انتهت ضحيتان إلى الاختلاف على أخلاقية فعل بعينه. هذا ما يعنى أن الأخلاق نسبية. لأنه يمكن أن يوجد قانون أخلاقي مطلق حتى إن عجز الناس عن معرفة الفعل الصائب الذي يجب عمله في موقف بعينه.

فكر في المعضلة الأخلاقية التي غالباً ما يستخدمها أساتذة الجامعات ليجعلوا طلابهم يؤمنون بالنسبية: هناك خمسة أشخاص على قارب نجاة لا يكفي إلا لأربعة. فإن لم يلق أحدهم في الماء، سيموت الجميع. ويبذل الطلاب قصارى جهدهم لحل المعضلة ويتوصلون لقرارات مختلفة، وأخيراً يستخلصون أن اختلافهم يثبت أن الأخلاق لا بد أن تكون نسبية.

إلا أن المعضلة في الواقع تثبت العكس، ألا وهو أن الأخلاق مطلقة. كيف؟ لأنه لو كانت الأخلاق نسبية لما كانت هناك معضلة أصلاً! لو كانت الأخلاق نسبية ولو لم يكن هناك حق مطلق في الحياة، لقلت: «ليكن ما يكون! ارموا الجميع من القارب! لا يهم». إن سبب صعوبة المعضلة هو أننا نعلم قيمة الحياة.

ورغم أن الناس يخطئون فهم المواقف المعقدة، فهم لا يخطئون في الأساسيات. فمثلاً، الجميع يعرفون أن القتل خطأ. هتلر كان يعرف ذلك. لذلك كان عليه أن ينزع صفة الإنسانية عن اليهود حتى يبرر قتله لهم. وحتى آكلو لحوم البشر يبدو أنهم يعرفون أن قتل البشر الأبرياء خطأ.

صحيح أنهم قد يعتقدون أن أفراد القبائل الأخرى ليسوا بشراً. ولكن الاحتمال الأكبر أنهم يعتبرونهم بشراً. وإلا، كما يشير ج. بودجنشفسكي. لماذا يؤدي “آكلو لحوم البشر” طقوساً تكفيرية معقدة قبل قتل الناس؟ فما كانوا ليؤدوا هذه الطقوس إلا إذا كانوا يعتقدون أن هناك خطأ ما فيما سيفعلون.

إذن الأساسيات واضحة، حتى وإن كانت بعض المشكلات الصعبة ليست بهذا الوضوح. علاوة على ذلك، وجود مشكلات صعبة في الأخلاق لا ينفي وجود قوانين أخلاقية موضوعية، تماماً كما أن المشكلات الصعبة في العلم لا تنفي وجود قوانين طبيعية موضوعية. فعندما يواجه العلماء مشكلة صعبة في العالم الطبيعي (أي عندما يصعب عليهم معرفة الإجابة) لا ينكرون وجود عالم موضوعي. ويجب ألا ننكر وجود الأخلاق لمجرد أننا نجد صعوبة في معرفة الحل في بضعة مواقف صعبة.

فكما أن العلم يحوي مشكلات سهلة وأخرى صعبة، كذلك الأخلاق. والإجابة عن سؤال علمي بسيط مثل “لماذا تسقط الأشياء إلى الأرض؟” تثبت وجود قانون طبيعي واحد أو قوة طبيعية واحدة على الأقل (أي الجاذبية).

وكذلك الإجابة الصادقة على سؤال أخلاقي بسيط مثل “هل القتل مبرر؟” تثبت وجود قانون أخلاقي واحد على الأقل (أي: لا تقتل). فإن وجد واجب أخلاقي واحد فقط (مثل لا تقتل، أو لا تغتصب، أو لا تعذب الرضع)، إذن القانون الأخلاقي موجود. وإن كان القانون الأخلاقي موجوداً، إذن مشرع القانون الأخلاقي موجود.

الخلط 4: أمر مطلق (ما) مقابل ثقافة نسبية (كيف)

هناك فارق آخر مهم، غالباً ما يتجاهله دعاة النسبية الأخلاقية بين الطبيعة المطلقة للأمر الأخلاقي والطريقة النسبية التي يتكشف بها ذلك الأمر في الثقافات المختلفة. فمثلاً، كل الثقافات عندها نوع من التحية، وهو تعبير عن المحبة والاحترام. إلا أن الثقافات تختلف اختلافاً كبيراً فيما بينها في شكل تلك التحية. ففي الثقافات تكون قبلة، وفي ثقافات أخرى حضن، وفي ثقافات أخرى مصافحة أو انحناءة. فما يجب فعله مشترك بين كل الثقافات، ولكن كيف يجب فعله يختلف بين الثقافات. والعجز عن إدراك هذا الفرق يضلل الكثيرين فيعتقدون أن اختلاف ممارسات الناس يعني اختلاف قيمهم. إلا أن القيمة الأخلاقية مطلقة، ولكن كيفية ممارستها نسبية.

الخلط 5: الأخلاق المطلقة مقابل الاختلافات الأخلاقية

غالباً ما يشير النسبيون إلى قضية الإجهاض، وهي قضية خلافية ليبينوا أن الأخلاق نسبية. فالبعض يرى أن الإجهاض مقبول، في حين أن البعض الآخر يعتبره قتلاً. إلا أن اختلاف الآراء حول الإجهاض لا يعني نسبية الأخلاق.

وفي الحقيقة أن الخلاف حول قضية الإجهاض برمته، لا يعتبر مثالاً على نسبية القيم الأخلاقية، بل إن الخلاف يرجع أساساً إلى أن كل جانب يدافع عما يرى أنه قيمة أخلاقية مطلقة: ألا وهو حماية الحياة والسماح بالحرية (أي السماح للمرأة أن “تتحكم في جسدها”). ولكن الجدل يدور حول أي القيمتين تمس (أو لها الأولوية في) قضية الإجهاض. فلو لم يكن الجنين كائناً بشرياً، إذن يجب أن يطبق التشريع القيمة المناصرة للحرية.

ولكن بما أن الجنين هو فعلاً كائن بشري، يجب أن يطبق التشريع القيمة المناصرة للحياة؛ لأن حق الشخص في الحياة يَجُبّ حق شخص آخر في الحرية الشخصية. (فالجنين ليس مجرد جزء من جسد المرأة، ولكن هو أيضاً له جسده بشفرته الوراثية الفريدة، وفصيلة دمه، ونوعه). حتى إن كنا في شك بشأن الوقت الذي فيه تبدأ الحياة، يجب أن هذا الشك يرجح كفة حماية الحياة، فالعقلاء لا يطلقون النيران إلا إذا كانوا متأكدين على نحو مطلق أنهم لا يقتلوا إنساناً بريئاً.

تذكر أن رد فعلنا لممارسة بعينها يكشف معتقداتنا الحقيقية عن أخلاقية الممارسة. قد ذكر رونالد ريجان Ronald Reagan ملاحظة ذكية قائلاً: «لقد لاحظت أن كل من يؤيدون الإجهاض هم من المولودين». فعلاً، كل مناصري الإجهاض سيتحولون فوراً إلى مناصرين للحياة لو عادوا إلى الرحم. فرد فعلهم لاحتمالية تعرضهم للقتل سيذكرهم أن الإجهاض خاطئ تماماً.

وبالطبع معظم الناس يعرفون في أعماق قلوبهم أن الطفل الذي لم يولد بعد هو إنسان، ومن ثم يعرفون أن الإجهاض خطأ. وحتى بعض النشطاء المؤيدين للإجهاض يعترفون أخيراً بذلك[5]. ولذا، في النهاية هذا الخلاف الأخلاقي لا يرجع إلى نسبية الأخلاق ولا إلى غموض القانون الأخلاقي.

ولكن هذا الخلاف الأخلاقي موجود لأن البعض يخمدون القانون الأخلاقي ليبرروا ما يريدون فعله. وهو ما يعني أن تأييد الإجهاض مسألة إرادية أكثر منه مسألة عقلية (للاطلاع على تناول أكثر تفصيلاً لهذا الموضوع وغيره من الموضوعات الأخلاقية، رادع كتابنا بعنوان “تشريع الأخلاق”).

الخلط 6: غايات مطلقة (قيم) مقابل وسائل نسبية

غالباً ما يخلط النسبيون الأخلاقيون بين الغاية (القيمة نفسها) ووسيلة بلوغ تلك الغاية والكثير من النزاعات السياسية تقع في هذه الفئة. ففي بعض القضايا (لا كلها طبعاً) الليبراليون والمحافظون يريدون أشياء واحدة، أي غايات واحدة، ولكنهم يختلفون في أفضا الوسائل لإدراك تلك الغايات.

فمثلاً، بخصوص الفقراء، يعتقد الليبراليون أن المعونات الحكومية أفضل وسيلة لمساعدتهم. ولكن بما أن المحافظين يعتقدون أن هذه المعونات تخلق نوعاً من الاعتمادية، فهم يفضلون خلق فرص اقتصادية حتى يساعد الفقراء أنفسهم. لاحظ أن الغاية واحدة (مساعدة الفقراء)، ولكن الوسيلة مختلفة.

وكذلك كل من مؤيدي الحرب ومؤيدي السلم يرغبون في السلام (الغاية)؛ ولكنهم ببساطة يختلفون حول ما إذا كان الجيش القوي هو أفضل وسيلة لتحقيق هذا السلام أم لا. فكلاهما يتفقان على الغاية المطلقة، ولكنهما يختلفان في الوسيلة النسبية لتحقيقها.

القانون الأخلاقي: ماذا يقول عنه الداروينيون؟

إذن الدليل على القانون الأخلاقي معقول، والاعتراضات عليه تخطئ الهدف. فكيف يتعامل الداروينيون إذن مع مسألة الأخلاق؟ في الواقع معظم الداروينيين يتجنبون الموضوع نهائياً. لماذا؟ لأنه ليس من السهل أن يفسروا وجود صواب وخطأ موضوعيين (وهو ما يعرفه حتى الداروينيين في قلوبهم) إلا إذا كان هناك مشرع للقانون الأخلاقي.

إلا أن الدارويني إدوارد أو. ويلسون Edward O. Wilson يعد استثناء لافتاً للنظر. فهو يزعم أن حسنا الأخلاقي تطور كما تطورنا نحن، أي بالانتخاب الطبيعي. وبينما يعترف ويلسون أن «التقدم الذي تحقق لاستكشاف الحس الأخلاقي بطرق بيولوجية ضعيف جداً»، يؤكد أن العملية البيولوجية لانتقال الجينات من الآباء إلى الأبناء «عبر آلاف الأجيال أنشأت حتماً الأحكام الأخلاقية». أي أن الأخلاق تتحدد مادياً ووراثياً. وهي تقوم على مشاعر أو نزعات فطرية موروثة، لا على مقياس موضوعي للصواب والخطأ. ولكننا رأينا عجز الانتخاب الطبيعي عن تفسير الأشكال الجديدة من الحياة (الفصل السادس). وسنرى بعد قليل أن الانتخاب الطبيعية عاجز كذلك عن تفسير “الأحكام الأخلاقية” الكامنة في تلك الأشكال الجديدة من الحياة.

أولاً، الداروينية تؤكد أنه ليس هناك إلا المادة، ولكن المادة لا تحوي أخلاقاً. فما وزن الكراهية؟ وهل الحب له ذرة؟ وما التركيب الكيميائي لجزيء القتل؟ إنها أسئلة بلا معنى لأن الجسيمات الفيزيائية ليست مسؤولة عن الأخلاق. فإن كانت المواد هي المسؤول الوحيد عن الأخلاق، إذن هتلر لم تكن عليه أي مسؤولة أخلاقية عما فعل، كل المشكلة أن جزيئاته كانت رديئة. هذا كلام فارغ، والجميع يعلم ذلك.

فالأفكار البشرية والقوانين الأخلاقية التي تتجاوز حدود الزمان والمكان ليس أشياء مادية، مثلها مثل قوانين المنطق والرياضيات. فهي كيانات غير مادية لا يمكن أن توزن ولا أن تقاس فيزيائياً. ونتيجة لذلك، لا يمكن تفسيرها بلغة مادية عن طريق الانتخاب الطبيعي أو غيره من الوسائل الإلحادية.

ثانياً، لا يمكن أن تكون الأخلاق مجرد فطرة كما يرجح ويلسون لأن: 1) لدينا نزعات فطرية متصارعة، 2) غالباً ما يكون هناك شيء آخر يقول لنا أن نتجاهل الفطرة الأقوى حتى نفعل شيئاً أنبل. فمثلً، إن تعرض شخص لسرقة بالإكراه وسمعته يستغيث طالباً النجدة، قد تكون فطرتك الأقوى أن تظل في الأمان ولا “تورط نفسك”، وفطرتك الأضعف (إن جاز أن نسميها هكذا) تميل إلى المساعدة. وهو ما يعبر عنه سي. إس. لويس قائلاً:

ولكنك ستجد بداخلك، إضافة إلى هاتين النزعتين، شيئاً ثالثاً يخبرك بأنه ينبغي عليك أن تتبع النزعة إلى المساعدة، وأن تقمع النزعة إلى الهروب. هذا الشيء الذي يحكم بين النزعتين، الذي يقرر أي النزعتين يجب تعزيزها، لا يمكن أن يكون هو نفسه أياَ منهما. وإلا نقول أيضاً أن النوتة الموسيقية التي تخبرك في لحظة معينة أن تعزف نغمة معينة على البيانو دون غيرها، هي نفسها إحدى النغمات الموجودة على أصابع البيانو. إن القانون الأخلاقي يخبرنا بالنغمة التي يجب أن نعزفها، ونزعاتنا الفطرية هي مجرد أصابع البيانو.

ثالثاً، يقول ويلسون إن الأخلاق الاجتماعية تطورت لأن تلك الأخلاق “المتعاونة” ساعدت البشر على أن يبقوا على قيد الحياة معاً. إلا أن هذا يفترض غاية للتطور، ألا وهي البقاء، في حين أن الداروينية بطبيعتها لا غاية لها لأنها عملة غير ذكية.

وحتى إن قبلنا أن البقاء هو الغاية، لا يمكن للداروينيين أن يفسروا ما يقوم به الناس من سلوكيات تدمرهم رغم معرفتهم بذلك (مثل التدخين، وإدمان الخمور والمخدرات، والانتحار…. إلخ) ولا يمكن للداروينيين أيضاً أن يفسروا قمع الناس غالباً لنزعتهم الفطرية نحو البقاء في سبيل مساعدة الآخرين، حتى إن تطلب الأمر التضحية بحياتهم في بعض الأحيان[6]، وكلنا نعرف أن هناك أنبل من مجرد البقاء على قيد الحياة: الجنود يضحون بأنفسهم من أجل بلادهم، والآباء والأمهات من أجل أبنائهم، وإن كانت المسيحية صحيحة، فالله ضحى بابنه من أجلنا.

رابعاً، ويلسون وغيره من الداروينيين يفترضون أن البقاء شيء “خير”، ولكن ليس هناك خير حقيقي دون القانون الأخلاقي الموضوعي. وفي الواقع هذه هي مشكلة الأنظمة الأخلاقية البراجماتية والنفعية التي تقول “افعل ما ينفع” أو “افعل ما يجلب الخير الأعظم” افعل ما ينفع في تحقيق غاية مَنْ، غاية الأم تريزا أم غاية هتلر؟ افعل ما يجلب الخير الأعظم بناء على تعريف من للخير، الأم تريزا أم هتلر؟ إن هذه الأنظمة الأخلاقية لا بد أن تختلس لنفسها خفية القانون الأخلاقي لتعريف الغايات التي يجب أن نعمل على تحقيقها ولتعريف “الخير” الأعظم.

خامساً، الداروينيون يخلطون بين كيفية معرفة المرء للقانون الأخلاقي ووجود القانون الأخلاقي. حتى إن كنا نعرف بعض “أحكامنا الأخلاقية” نتيجة للعوامل الوراثية أو البيئية، هذا لا يعني عدم وجود قانون أخلاقي موضوعي خارجنا.

برز هذا الموضوع في المناظرة بين بيتر آتكينز ووليم لين كريج. فقد زعم آتكينز أن الأخلاق تطورت من الوراثة ومن “أمخاخنا الضخمة”. ولكن كريج أصاب في إجابته قائلاً: «إن هذا الكلام يبين، في أفضل الأحوال، كيف تكتشف القيم الأخلاقية، ولكنه لا يبين أن تلك القيم مخترعة». مؤكد أنه من الممكن أن أرث قدرات رياضية من أمي وأتعلم منها جدول الضرب، ولكن قوانين الرياضيات موجودة بغض النظر عن كيفية معرفتي بها. وكذلك، الأخلاق موجودة بصرف النظر عن الكيفية التي نعرفها بها.

وأخيراً، الداروينيون لا يستطيعون أن يفسروا لماذا يجب على أي شخص أن يطيع أي “حكم أخلاقي” يقوم على البيولوجيا. لماذا يجب على الناس ألا يقتلوا، أو يغتصبوا، أو يسرقوا ليحصلوا على ما يريدون إن لم يكن هناك أي شيء أبعد من هذا العالم؟ لماذا يجب على القوي أن “يتعاون” مع الضعيف رغم أن القوي يستطيع أن يبقى على قيد الحياة مدة أطول باستغلال الضعيف؟ وعلى أي حال، التاريخ زاخر بمجرمين ودكتاتوريين أطالوا حياتهم لأنهم تحديداً عصوا كل “الأحكام الأخلاقية” بقمع خصومهم القضاء عليهم.

الأفكار لها عواقب

إن كان الداروينيون على حق في أن الأخلاق تنبع من مصدر طبيعي، إذن الأخلاق ليست موضوعية ولا مطلقة، لأنه إن لم يكن هناك إله وإن كان البشر قد تطوروا من مادة لزجة، إذن وضعنا الأخلاقي لا يرقى عن المادة اللزجة؛ لأنه ليس هناك شيء أبعد منا يغرس فينا أخلاقاً موضوعية أو كرامة.

وقد أدرك الداروينيون وأتباعهم مضامين هذه الفكرة. وفي الواقع استخدم أدولف هتلر Adolf Hitler نظرية داورين كتبرير فلسفي للهولوكوست. وقد سطر في كتابه المنشور سنة 1924 بعنوان Mein Kampf “كفاحي” هذه الكلمات:

إن كانت الطبيعة لا ترغب في أن الضعفاء يخالطون الأقوياء، فهي ترفض أن جنساً أرقى يختلط بجنس أدنى. وذلك لأنه في هذه الحالة كان ما بذلته من جهود على مدى مئات الآلاف من السنين لتأسيس مرحلة تطورية أعلى في الكينونة سيذهب أدراج الرياح.

إلا أن هذه الحماية تسير جنباً إلى جنب مع القانون الجارف الذي يقضى بانتصار الأقوى والأفضل وبحقه في البقاء. فمن أراد العيش عليه أن يحارب. ومن لا يرغب في أن يحارب في هذا العالم، حيث الكفاح المستمر هو قانون الحياة، لا حق له في الوجود.

هتلر، مثل غيره من الداروينيين، يشخصن الطبيعة دون وجه حق بأنه ينسب لها الإرادة (أي “الطبيعة لا ترغب”). وفكرته الرئيسية هي أن هناك أجناساً أرقى وأجناساً أدنى. واليهود بما أنهم جنس أدنى، لا حق لهم في الوجود إن كانوا لا يرغبون في الحرب. أي أن العنصرية ثم الإبادة الجماعية هي التداعيات المنطقية للداروينية. ومن ناحية أخرى، المحبة ثم التضحية بالذات هي التداعيات المنطقية للمسيحية. الأفكار لها عواقب.

لقد انكشفت العنصرية المرتبطة بالتطور أثناء “محاكمة سكوبس في قضية القرد” الشهيرة سنة 1925. فكتاب الأحياء المقرر على المدرسة الثانوية الذي تسبب في المحاكمة كان يتكلم عن خمسة أجناس من البشر، وخَلُص إلى أن الجنس “القوقازي” هو “أرقى الأنواع جميعاً[7]”. وهو يتناقض طبعاً بشكل مباشر مع تعليم الكتاب المقدس (تك 1: 27؛ أع 17: 26، 29؛ غل 3: 28). وهو يتناقض أيضاً مع ما يؤكده إعلان الاستقلال (“كافة البشر مخلوقون سواسية”).

وفي زمن أقرب، استخدم بيتر سينجر Peter Singer الدارويني والأستاذ في جامعة برينستون Princeton الداروينية ليؤكد أن «حياة المولود الجديد أقل قيمة من حياة الخنزير، أو الكلب، أو الشمبانزي». نعم ما قرأته قيل بالفعل.

ما عواقب أفكار سينجر الداروينية الصادمة؟ إنه يعتقد أن الآباء والأمهات يجب أن يمكنهم قتل أطفالهم حديثي الولادة حتى سن 28 يوماً! وهذه المعتقدات تتفق اتفاقاً تاماً مع الداروينية. فإن كنا جميعاً نشأنا من مادة لزجة، فلا أساس للقول بأن البشر أفضل أخلاقياً من أي سلالة أخرى. ولكن السؤال الوحيد هو لماذا نُحد قتل الأطفال بسن 28 يوماً، أو 28 شهراً، أو 28 سنة؟ إن لم يكن هناك مشرع للقانون الأخلاقي، فليس هناك خطأ في القتل في أي عمر.

وطبعاً الداروينيون أمثال سينجر قد يرفضون هذه النتيجة، ولكنهم لا يملكون أساساً موضوعياً للرفض إلا إذا تمكنوا من الاحتكام إلى مقياس أعلى منهم، ألا وهو مشرع القانون الأخلاقي.

وجيمز ريتشلز James Rachels مؤلف كتاب “مخلوقون من الحيوانات: المضامين الأخلاقية للداروينية” Created from Animals: The Moral Implication of Darwinism يدافع عن الموقت الدارويني الذي مفاده أن النوع البشري ليس له قيمة في ذاته تفوق أي نوع آخر. وقد كتب ريتشلز عن ذوي الإعاقة الذهنية قائلاً:

ماذا نقول عنهم؟ الاستنتاج الطبيعي وفقاً للتعليم الذي نحن بصدده [الداروينية] يقول إن مركزهم يتساوى مع الحيوانات. وريما يجب أن نستخلص أيضاً أنه يمكن استخدامهم كما نستخدم الحيوانات غير البشرية. ربما كفئران تجارب، أو كغذاء؟

على قدر بشاعة هذا الكلام، أي استخدام ذوي الإعاقة الذهنية كفئران تجارب أو غذاء، إلا أن الداروينيين لا يستطيعون أن يقدموا سبباً أخلاقياً لعدم جواز استخدام أي كائن بشري على هذا النحو. فالداوينيون لا يستطيعون أن يدينوا التجارب التي تشبه التجارب النازية لأن العالم الدارويني لا يحوي مقياساً أخلاقياً موضوعياً.

ومؤخراً كتب داروينيان آخران، هما راندي ثورنهيل Randy Thornhill وكريج بالمر Craig Palmer كتاباً يؤكد أن الاغتصاب عاقبة طبيعية للتطور. فهما يعتقدان أن الاغتصاب “ظاهرة طبيعية بيولوجية ناتجة عن الإرث التطوري البشري” بالضبط مثل “رقط النمر وعنق الزرافة الطويل”.

ورغم أن هذه الاستنتاجات الداروينية عن القتل والاغتصاب صادمة بحق، يجب ألا تكون مفاجئة لأي شخص يفهم التداعيات الأخلاقية للداروينية، لماذا؟ لأنه طبقاً للداروينيين كل السلوكيات تحدد وراثياً. ورغم أن بعض الدارونيين قد يختلفون مع فكرة أن القتل والاغتصاب ليسا خطأ (تحديداً لأن القانون الأخلاقي يخاطبهم في ضمائرهم). فتلك الاستنتاجات هي النتيجة الحتمية لمنظورهم الفلسفي للحياة.

لأنه إن كان كل ما هنالك هو الأشياء المادية، إذن القتل والاغتصاب ليسا إلا نتائج التفاعلات الكيميائية في مخ الجاني التي تنشأ عن الانتخاب الطبيعي. علاوة على ذلك، القتل والاغتصاب لا يمكن أن يكونا خطأ موضوعياً (أي ضد القانون الأخلاقي) لأنه إن لم يكن هناك إلا المواد الكيميائية. فليس هناك قوانين. فالقوانين الأخلاقية الموضوعية تتطلب مشرعاً للقانون متجاوزاً لحدود الزمان والمكان، ولكن المنظور الدارويني للحياة استبعده مقدماً.

لذا، الداروينيون المتسقون مع هذا المنظور لا يمكنهم إلا أن يعتبروا أن استهجان القتل والاغتصاب مجرد رأي شخصي، وأنها لا يمثلان أخطاء أخلاقية حقيقية.

ولفهم ما يكمن وراء التفسير الدارويني للأخلاق، علينا أن نميز بين التأكيد assertion والحجة argument. التأكيد يقرر استنتاجاً، أما الحجة تقرر الاستنتاج ثم تؤيده بالدليل. والداروينيون يقدمون تأكيدات، لا حججاً. فليس هناك أدلة تجريبية ولا جنائية على أن الانتخاب الطبيعي يمكنه أن يفسر الأشكال الجديدة للحياة، فكم بالحري الأخلاق. والداروينيون يؤكدون ببساطة أن الأخلاق تطورت طبيعياً لأنهم يعتقدون أن الإنسان تطور طبيعياً.

وهم يعتقدون أن الإنسان تطور طبيعياً، لا لأن عندهم أدلة على هذا الاعتقاد. ولكن لأنهم استبعدوا المسببات الذكية مقدماً. لذلك، التفسير الدارويني للأخلاق يضاف إلى سلسلة القصص التي “بلا دليل” التي تقوم على القياس الدائري والافتراضات الفلسفية المسبقة الخاطئة.

الملخص والخلاصة

عندما نقدم حلقتنا النقاشية بعنوان “الاثنتا عشرة نقطة التي تثبت صحة المسيحية”، نجد أن العبارتين التاليتين عن الأخلاق تجذب انتباه الحاضرين فوراً:

إن لم يكن هناك إله، فما فعله هتلر كان مجرد مسألة رأي!

إن كان شيء واحد على الأٌقل خطأ حقيقياً من الناحية الأخلاقية، كأن نقول إن تعذيب الرضع خطأ، أو إن اختراق المباني عمداً بالطائرات التي تقل أبرياء خطأ، إذن الله موجود.

هاتان الجملتان تساعدان الناس على إدراك أنه بدون مصدر موضوعي للأخلاق، كل ما ندعوه قضايا أخلاقية ليس إلا استحسان شخصي. هتلر كان يحب أن يقتل الناس، والأم تريزا كانت تحب أن تساعدهم. فإن لم يكن هناك مقياس أعلى من هتلر والأم تريزا، إذن ليس هناك مصيب ولا مخطئ بحق، ولكنها آراء شخصية عكس بعضها البعض.

ولحسن الحظ أنه، كما رأينا، هناك مقياس أخلاقي حقيقي أعلى من البشر. وقد كتب سي. إس. لويس «البشر في جميع أنحاء البسيطة يعرفون هذه الفكرة الغريبة التي مفادها أنه يجب عليهم أن يسلكوا وفقاً لهذه الطريقة. فهم يعرفون قانون الطبيعة ولكنهم يكسرونه. هاتان الحقيقتان هما أساس كل تفكيرنا الواضح عن أنفسنا وعن الكون الذي نعيش فيه».

ونتمنى أن نكون قد قمنا بشيء من التفكير الواضح في هذا الفصل. وإليك ملخص ما تناولناه:

  1. هناك مقياس مطلق للصواب والخطأ مكتوب على قلوب كافة البشر. الناس قد ينكرونه وقد يخمدونه، وأفعالهم قد تناقضه، ولكن ردود أفعالهم تكشف أنهم يعرفونه.
  2. النسبية خاطئة. فالبشر لا يحددون الصواب والخطأ، ولكننا نكتشف الصواب والخطأ. فلو كان البشر يحددون الصواب والخطأ، لكان “على صواب” أي شخص يؤكد أن الاغتصاب والقتل والهولوكوست أو أي شر آخر ليس خطأ. ولكننا نعرف حدسياً أن تلك الأفعال خاطئة من خلال ضمائرنا التي تعكس القانون الأخلاقي.
  3. هذا القانون الأخلاقي لا بد أن يكون له مصدر أعلى منا لأنه أمر توجيهي منقوش على قلوب جميع البشر. وبما أن الأوامر دائماً ما يكون لها آمر يصدرها، أي أنها لا تنشأ من الفراغ، فالآمر الذي أصدر القانون الأخلاقي (الله) لا بد أن يكون موجوداً.
  4. هذا القانون الأخلاقي هو مقياس الله للصواب، وهو يساعدنا أن نحكم في الآراء الأخلاقية المختلفة التي يتبناها الناس. ودون مقياس الله، لا يبقى لنا إلا هذه الآراء البشرية. ولكن القانون الأخلاقي هو المقياس النهائي الذي يقاس به كل شيء. (في اللاهوت المسيحي القانون الأخلاقي هو طبيعة الله نفسها. وهو ما يعنى أن الأخلاق ليست اعتباطية، إنها ليست “افعل هذا ولا تفعل ذاك لأني أنا الله وأنا أقول ذلك”. لا، الله لا يخترع قواعد بقرارات فجائية. ولكن مقياس الصواب هو ذات طبيعة الله نفسه: عدالة بلا حدود ومحبة بلا حدود.
  5. رغم أن الاعتقاد الشائع هو أن كل الأخلاق نسبية، فالقيم الأخلاقية الجوهرية مطلقة. وهي تتجاوز الثقافات. والتشوش حول هذا الأمر غالباً ما يقوم على سوء فهم أو سوء تطبيق المطلقات الأخلاقية، لا على رفض حقيقي لها. وهو ما يعني أن القيم الأخلاقية مطلقة حتى إن كان فهمنا لها أو للظروف التي يجب تطبيقها فيها ليس مطلقاً.
  6. الملحدون لا يملكون أساساً حقيقياً للصواب والخطأ الموضوعيين. وهو ما لا يعني أن الملحدين ليس أخلاقيين أن أنهم لا يعرفون الصواب من الخطأ. بل على العكس، الملحدون يستطيعون أن يعرفوا الصواب من الخطأ، وهم يعرفونه بالفعل لأن القانون الأخلاقي منقوش على قلوبهم كما على قلوب سائر البشر أجمعين. ولكنهم بينما يعتقدون في الصواب والخطأ الموضوعيين، لا يجدون وسيلة لتبرير هذا المعتقد (إلا إذا اعترفوا بمشرع للقانون الأخلاقي، وعندئذ لا يكونون ملحدين).

وفي النهاية لا يمكن للإلحاد أن يبرر صواب أو خطأ أي شيء من الناحية الأخلاقية. فهو لا يستطيع أن يضمن حقوق الإنسان ولا العدالة النهائية في الكون. فلكي تكون ملحداً، ملحداً متسقاٌ مع مبادئه، عليك أن تؤمن أنه لا خطأ حقيقي في القتل، ولا الاغتصاب، ولا الإبادة الجماعية، ولا التعذيب، ولا غير ذلك من سائر الأفعال الوحشية. ولكنك بالإيمان عليك أن تصدق أنه لا فرق أخلاقي بين القاتل والمرسل.

ولا بين المدرس والإرهابي، ولا بين الأم تريزا وهتلر. أو بالإيمان عليك أن تصدق أن المبادئ الأخلاقية الحقيقية نشأت من لا شيء. وبما أنه واضح أن هذه المعتقدات غير منطقية، فلسنا نملك الإيمان الكافي للإلحاد.

 

[1] مؤسس إذاعة مسيحية باسم “الشبكة الإذاعية المسيحية” Christian Broadcasting Network وهو رجل أعمال وسياسي وكاتب وناشط في العمل الإنساني (http://www.patribertson.com/index.asp)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 23/10/2016 (المترجمة).

[2] مؤسس منظمة سياسية باسم “الأغلبية الأخلاقية” Moral Majority لدعم القيم الأخلاقية المحافظة، ومبشر تلفزيوني توفي 2007 (http://www.britannica.com/biography/Jerry-Falwell)، تم الاطلاع على الرابط بتاريخ 23/10/2016 (المترجمة).

[3] خلافاً للفكرة الشائعة، فإن الملحدين كغيرهم من العاملين بالسياسة يحاولون تشريع الأخلاق. وكتابنا “تشريع الأخلاق” يتناول هذا الموضوع بالتفصيل Frank Turek and Norman Geisler, Legislating Morality [Eugene. Ore.: Wipf & Stock, 2003. صدر سابقاً عن دار نشر Bethany, 1998.

[4] الكلمة الإنجليزية التي ترجمناها في هذا الكتاب إلى “قبول الآخر” (وهي ترجمة شائعة لها) هي tolerance ومن معانيها اللغوية: القدرة على احتمال شيء غير مسر دون التضرر منه. لذلك فضلنا ترجمتها هنا إلى “تقبل واحتمال” لتناسب المعنى المقصود في هذا السياق. (المترجمة).

[5] تعد نعمي وولف Naomi Wolf الناشطة النسائية مثالاً بارزاً على هذه الحالة. فهي تعترف أن الجميع يعلمون أن الطفل قبل ولادته إنسان. وأن الإجهاض خطية حقيقية تستلزم كفارة. ولكن نعمي بداً من أن تقترح القضاء على الإجهاض، تقترح أن النساء اللاتي تجهضن تنظمن سهرة بالشموع في مراكز الإجهاض الطبية تعبيراً عن حزنهن! هو ما يشبه طقساً تكفيرياً مثل طقوس أكلي لحوم البشر – معذرة لهذا التشبيه.

[6] يقول جفري شلوس Jeffrey Schloss الحاصل على دكتوراه في علم البيئة وعلم أحياء التطور بأنه رغم من أن بعض السلوكيات التي تتسم بالغيرية والتضحية بالذات قد يمكن تفسيرها تفسيراً داروينياً، هناك سلوكيات أخرى لا يمكن تفسيرها بهذه الطريقة؛ ويركز شلوس بوجه خاص على السلوكيات التي ساعدت من كان يمكن أن يقعوا ضحية للهولوكوست وخبأتهم. انظر فصلاً بقلم جفري شلوس بعنوان Evolutionary Account of Altruism and the Problem of Goodness by Design, in William Dembski, ed,. Mere Creation Downers Grove, I11.: InterVarsity Press, 1998, 236-261.

[7] إليك النص كاملاً: «أجناس البشر – يوجد في الوقت الحالي خمسة أجناس أو تنوعات من البشر على وجه الأرض. وكل منها يختلف عن الآخر اختلافاً كبيراً في النزعات الفطرية. والعادات الاجتماعية، وإلى حد ما في البنية. فهناك النوع الإثيوبي أو الزنجي الذي نشأ في أفريقيا، وجنس الملايو أو البني وهو من جزر الهادي، والهنود الحمر. والجنس المنغولي أو الأصفر ومنهم السكان الأصليون للصين واليابان والأسكيمو، وأخيراً الجنس القوقازي أرقى الأنواع جميعاً الذي يمثله سكان أوروبا وأمريكا البيض المتحضرون» (جورج وليم هنتر George William Hunter، “أسس علم الأحياء: مقدمة في صورة مشكلات” Essentials of Biology: Presented in Problems [New York, Cincinnati, Chicago: American Book, 1911], 230.

الأم تريزا مقابل هتلر – الأخلاق هل هي موضوعية أم نسبية؟

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الثاني – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

كيف عرفنا يسوع؟ الأناجيل الأربعة

كيف عرفنا يسوع؟ الأناجيل الأربعة

كيف عرفنا يسوع؟ الأناجيل الأربعة

كيف عرفنا يسوع؟ الأناجيل الأربعة

 

مرقس

اعتبر إنجيل مرقس أول الأناجيل لأنه أصبح من المعترف به الآن أنه مصدر أساسي للإنجيلين المتشابهين الآخرين. ومع ذلك، فإن إنجيل مرقس لم يلق عناية كافية إلا منذ أزمنة قريبة فقط. وكان قد لاقى إهمالاً بصفة عامة من الكنيسة منذ الأيام الأولى للمسيحية، وذلك لاهتمام الكنيسة بالإنجيلين الذين يحتويان على قصص أطول وهما متى ولوقا. وهذا أمر لا يكاد يبعث إلى الدهشة لأنهما يضمان معظم المعلومات الواردة في إنجيل مرقس بل ويضمان المزيد أيضاً. ولذلك فسرعان ما جاء وقت اعتبر فيه إنجيل مرقس أنه نسخة مختصرة من إنجيل متى. ولكن الوضع قد تغير الآن، حيث عرق أنه يكاد يكون من المؤكد أن إنجيل مرقس هو أول ما كتب من الأناجيل، وبذلك وصل إلى مكانة من المحتمل أنه لم يحظ بها منذ ظهوره لأول مرة.

ومع ذلك، هناك بعض الأدلة التي تفيد أنه كان يلقى التقدير في بعض الدوائر المسيحية المعينة ليس بعد كتابته بوقت طويل، فعلى سبيل المثال نجد أن بابياس Papias الذي كان يكتب حوالي عام 140م، ولكنه كان يقتبس من مصدر سابق، يعرف مرقس بأنه كان “المترجم الخاص ببطرس” ويقول إنه كان يكتب بدقة ولكن بدون ترتيب كل الأمور التي يستطيع تذكرها من أقوال المسيح وأعماله. كذلك إيريناوس وأكليمندس السكندري يربطان بين إنجيل مرقس وكرازة بطرس، وفي عصور قريبة ساد الاعتقاد بأن محتويات الإنجيل تدعم الرأي القائل إن بطرس كان مصدر الكثير مما جاء به.

وقد سرد عدداً من القصص بتفاصيل رائعة فكان من الطبيعي اعتبارها المصادر الأولى للأحداث التي وصفتها[1]. فقصة دعوة بطرس، وقصة أول سبت ليسوع في كفر ناحوم، حيث شفى حماة بطرس[2]، تعد من الأمثلة الجيدة على ذلك. وفضلاً على ذلك، فبعض الإشارات إلى التلاميذ، وإلى بطرس بصفة خاصة، غير مواتية بالنسبة لهم وبدرجة كبيرة. فالتلاميذ كانوا يصورون بصفة دائمة على أنهم جهلة متبلدو الذهن، أخفقوا في فهم ما كان يحاول يسوع أن يعلمهم[3]. وفي إنجيل مرقس لم يكن التلاميذ بأي حال من النوعية التي كانت الكنيسة في وقت لاحق تود أن يكونوا منها. ولذلك فمن غير المحتمل أن يكونوا قد وصفوا بهذه الصورة غير المرضية ما لم يكن لدى مرقس معلومات جيدة، ربما حصل عليها من بطرس نفسه لتدعم هذه الصورة.

الكاتب

ولكن من هو مرقس؟ من الطبيعي أن اسم “مرقس” كان من الأسماء الشائعة، وكان من الممكن أن يكون أي شخص. وفي مناقشتنا هذا السؤال، نحن في حاجة إلى أن نتذكر أنه ليس من بين الأناجيل من يذكر في الواقع اسم كاتبه. وإنجيل يوحنا أقرب الأناجيل إلى ذلك، ولكن حتى هناك لا نجد سوى إشارة غامضة إلى شاهد لصلب المسيح[4]. وعلى الرغم من أن هذا الشخص كثيراً ما يشار إليه بعبارة “التلميذ المحبوب”، إلا أنه ليس من الواضح تماماً من كان هذا. وفي هذه الناحية فإن الأناجيل تختلف تماماً عن معظم بقية العهد الجديد، لأنها قدمت إلينا ككتابات مجهولة الكاتب. ونسبتها التقليدية على متى ومرقس ولوقا ويوحنا أضيفت بالطبع إلى مرحة مبكرة، ولكنها تمثل آراء الكنيسة بالنسبة لكتبة الأناجيل، وليس أي ادعاء من قبل الكاتبين أنفسهم.

وواضح من البرهان أن كاتب الإنجيل الثاني كانت الكنيسة الأولى بصفة عامة تربط بينه وبين شخص اسمه يوحنا الملقب مرقس، والذي يعرف من أجزاء أخرى من العهد الجديد[5]. وطبقاً لما جاء في سفر أعمال الرسل، فإن مجموعة من المسيحيين كانوا يلتقون بصفة منتظمة في بيت أمه في أورشليم[6]، ويوحنا مرقس نفسه ذكر على أنه كان رفيق بولس وبرنابا في أول رحلة تبشيرية قاما بها[7]. وعلى الرغم من أن مرقس لم يذهب معهما[8]، إلا أن بولس يمتدحه في اثنتين من رسائله التالية[9]، ومن ثم فلا بد وأن الرجلين كانا قد سويا خلافاتهما. كذلك ذكر بمحبة في (1بطرس 5: 13)، وأن هذا اعتماداً على وجهة النظر الخاصة بكاتب رسالة بطرس الأولى، يمكن أخذه كدليل للربط بينه وبين بطرس وكذلك ببولس.

وإنه لمن الصعوبة بالأكثر التأكد من أن نفس مرقس هذا هو حقاً كاتب الإنجيل. غير أنه بالنظر إلى ميل مسيحيي القرن الثاني للربط بين أسفار العهد الجديد وشخصيات رئيسية من الكنيسة الأولى، فلربما لا يكون التقليد الذي يربط مرقس بالإنجيل الثاني بعيداً تماماً عن الحقيقة. فيوحنا مرقس الذي تقابلنا معه في العهد الجديد هو شخص لا أهمية كبيرة له، وليس من نوعية الشخص التذي تعزى إليه كتابة إنجيل ما لم يكن هناك سبب قوي للاعتقاد بأنه قام بذلك فعلاً.

القراء

كان الاعتقاد السائد أن إنجيل مرقس كتب في روما، لخدمة احتياجات الكنيسة هناك. ويختلف إيريناوس وأكليمندس السكندري حول الظروف الحقيقية التي أحاطت بكتابته، ولكنهما يتفقان معاً على أنه كتب في روما. وإذا كان كاتب الإنجيل هو حقاً يوحنا مرقس، فإن الإشارات إليه في العهد الجديد تجعله أيضاً في روما.

ومن المؤكد أن الأنجيل كتب لقراء من غير اليهود. وقد ترجمت عبارات مثل “طاليثا قومي” أو “إفثا”[10] إلى اللغة اليونانية لفائدة قراء مرقس. كذلك شرحت أيضاً العادات اليهودية بطريقة توحي أنها لم تكن مألوفة[11]. كذلك هناك عدد من العبارات اللاتينية التقنية في إنجيل مرقس[12]، الأمر الذي يستشف منه أن الإنجيل كتب في جزء من الإمبراطورية الرومانية كانت اللغة اللاتينية مستعملة فيه. وعلى ضوء هذه الأدلة يبدو أنه من المؤكد أن تكون روما المكان المفضل لكتابة الإنجيل.

التاريخ

تحديد تاريخ للإنجيل على الرغم من ذلك لا يعد أمراً سهل، لعدة أسباب:

ç الدليل المستمد من آباء الكنيسة دليل متناقض. ذلك أن أكليمندس السكندري يقول إن مرقس كتب الإنجيل حيث أملاه عليه بطرس، وأن المسودة الأخيرة له وافق عليها بطرس نفسه. غير أن إيريناوس يقول إن الإنجيل لم يكتب إلا بعد موت بطرس وبولس. وهذا معناه أنه علينا أن نحاول من دليل من الإنجيل نفسه معرفة متى كتب، وهذه ليست بالمهمة السهلة.

ç كثيراً ما كان هناك اعتقاد بأن الإشارات إلى محاكمات واضطهادات في إنجيل مرقس توحي بأن قراءه كانوا يلاقون الآلام بسبب إيمانهم بالمسيح. وإذا كان الأمر كذلك[13]، فيمكن أن يرجع تاريخ الإنجيل إلى فترة تقع ما بين 60 و70م، وهي الفترة التي حاول نيرون فيها أن يلقي باللوم على المسيحيين بأنهم السبب في حريق روما. غير أن الاضطهاد كان بالطبع من السمات الشائعة في حياة الكنيسة في القرن الأول. ولذلك فإنه ليس من الضروري بالربط بين إنجيل مرقس وأي من الاضطهادات الشهيرة. فلا بد وأنه كانت هناك كثير من الاضطهادات المحلية التي لا نعرف شيئاً عنها، على الرغم من أنها كانت اضطهادات حقيقية بالفعل.

ç ثم إن هناك السؤال ما إذا كان الجزء الرؤوي في إنجيل مرقس يفترض مقدماً أن أورشليم قد سقطت بالفعل في يد الرومان. وبالنظر إلى أن هذا وقع سنة 70م، فالإجابة على هذا السؤال سوف تجعل تاريخ الإنجيل على الأقل قبل أو بعد هذا الحدث بقليل. ولكن هنا أيضاً انقسمت الآراء. فقد قال روبنسون بأنه من المؤكد أن إنجيل مرقس قد كتب قبل سنة 70م. (مع بقية العهد الجديد)، ومن رأيه أنه كان موجوداً قبل ذلك التاريخ بوقت طويل. ولذلك يُرجع كتابته إلى الفترة ما بين 45-60م. ومع ذلك فهناك مفكرون آخرون يرجعون تاريخه إلى الفترة ما بين 60-70م.

الأسباب التي حملت مرقس على الكتابة

من السهولة تحديد الدافع الذي حمل مرقس على كتابة إنجيله بالشكل الذي كتبه به.

إذا كان إنجيل مرقس له علاقة ما ببطرس – كما توحي التقاليد الأولى – فإن من أسباب كتابته قد تكون رغبته في حفظ ذكريات بطرس كشهادة دائمة للكنيسة. وهذا سيكون أمراً من السهل فهمه إذا كان مرقس قد قام بالكتابة في وقت يسبق موت بطرس أو بعد ذلك مباشرة.

إلا أن هذا الإنجيل كتب في ظل موقف معين كان في الذهن. وهناك عدد من النواحي المميزة والملفتة للنظر بالنسبة لصورة يسوع في إنجيل مرقس[14]. فقد قدم هنا على اعتبار أنه بشر تماماً: فقد غضب يسوع في بعض المناسبات، ولم يكن يقدر على عمل المعجزات إذا لم تتوافر الظروف الإيمانية المماثلة[15]، وكان يعاني آلاماً جسدية وبطريقة يمكن الاعتقاد أنها تتنافى مع وضعه كابن الله[16]. وفي وقت ما، اعتبرت هذه الأشياء على أنها من علامات فكر مرقس اللاهوتي “البدائي”. غير أنه يوجد تفسير آخر لها: هناك فكرة طرحها بروفسور “مارتن R. P. Martin”، مفادها أن كثيرين من المسيحيين وجدوا أنه من الصعوبة التوفيق بين لاهوت يسوع وإنسانيته الحقيقية العاملة. ولذا اقترحوا أن يسوع الإله حل في يسوع الإنسان عند عماده، ثم تركه ثانية قبل صلبه – وهؤلاء هم الدوستيون، الذين يقولون إن يسوع بدا كإنسان فقط (من الكلمة اليونانية Dokeo: ومعناها “يبدو”). ولقد اهتم كاتب رسالة يوحنا الأولى بتصحيح مفاهيم هؤلاء الناس، وربما أخذ إنجيل يوحنا ذلك في الاعتبار. إلا أن إنجيل مرقس ربما جاء مصححاً لهذه الفكرة. وفي الرد على أولئك الذين كانوا يقولون إن بشرية يسوع أمر وهمي، فإن مرقس يؤكد حقيقة بشريته بتقديمه يسوع على أنه المسيح الله الذي أخفى أصله وأهميته ثم أعلن عنهما في شخص إنسان حقيقي.

 

لوقا

التقاليد التي تربط الإنجيل الثالث بشخص لوقا يعود تاريخها إلى بداية القرن الثاني. والقائمة الموراتورية ومقدمة إنجيل لوقا المضادة للماركونية، وكذلك إيريناوس وأكليمندس السكندري، وإوريجانوس وترتليان، كل هؤلاء يذكرون لوقا باعتباه كاتبه. والقيمة الحقيقية لهذه التقاليد، على الرغم من ذلك، غير مؤكدة، لأن معظم ما تتضمنه كان من الممكن استخلاصه من العهد الجديد نفسه، وعلى هذا فليس من الضروري أن تكون لها جدارة في حد ذاتها. والدليل المستمد من العهد الجديد، نراه في الواقع أكثر فائدة من ناحية تعريف كاتب هذه الإنجيل.

ç هناك سمة مميزة لهذا الإنجيل وهي أنه في حد ذاته ليس كاملاً: فهو أحد جزئين يتناولان تاريخ المسيحية الأولى، والجزء الثاني هو سفر أعمال الرسل. وأسلوب هذه السفرين ولغتهما متشابهان بحيث لا يتركان موضعاً للريبة في أنهما إنتاج كاتب واحد[17]. فكلاهما موجه لنفس الشخص الذي ذكر أن أسمه “ثاوفيلس”.

ç هناك فقرات معينة في سفر أعمال الرسل معروفة بأنها التي جاءت بضمير المتكلم بالجمع[18]. وقد كان ذلك نتيجة أن القصة عند هذه النقاط تتغير من استخدام ضمير الغائب للجماعة، أو ضمير الغائب للمفرد، إلى استعمال ضمير الجمع للمتكلم (نحن). وعلى الرغم من أنه لم يوضح إطلاقاً من المقصود بضمير الجمع للمتكلم هذا، إلا أن استخدام هذا الضمير يشير بوضوح إلى أن الكاتب كان موجوداً في هذه المناسبات، وعلى ذلك فقد كان رفيقاً لبولس. وبالنظر إلى أن أسلوب هذه الفقرات مماثل لأسلوب السفر بجملته، فيبدو أن الكاتب قد استخدم مفكرته الخاصة كمصدر للمعلومات. والفحص الدقيق للقصص يبين أن لوقا هو أفضل من ينطبق عليه هذه القصص.

ç لوقا هذا عرفه بولس بأنه طبيب، وكثيراً ما اتجه الفكر إلى أن كاتب لوقا وسفر الأعمال، كان ملماً بلغة طبية، واهتماماً بتشخيص الأمراض، وكثيراً ما تم التأكيد على هذه النقطة، ومن المحتمل أن المصطلحات الطبية المحدودة التي استخدمت ربما كانت مألوفة لأي شخص ذلك في العالم الروماني. إلا أن هناك نقطة أو اثنتان في الإنجيل يبدو أن لوقا يظهر نفسه عندهما أنه أكثر تعاطفاً من مرقس بالنسبة لعمل الأطباء. وهذا يأتي بشكل ملحوظ تماماً في القصة التي تبين كيف أن يسوع شفى امرأة نازفة الدماء التي كان يبدو أن مرضها غير قابل للشفاء. ويذكر مرقس حقيقة أنها عولجت لدى العديد من الأطباء، ثم يعلق بشيء من السخرية: “وأنفقت كل ما عندها ولم تنتفع شيئاً بل صارت إلى حال أردأ”[19]. أما من ناحية أخرى، نجد أن لوقا بكل بساطة يعلق قائلاً: “ولم تقدر أن تشفي من أحد”[20].

وقد ذكر لوقا ثلاث مرات في العهد الجديد. وفي كل مرة قيل إنه كان رفيقاً لبولس، وفي رسالة كولوسي يقول بولس إنه لم يكن يهودياً[21]. وإذا كان هو حقاً كاتب إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل يكون بذلك هو الكاتب الوحيد من غير اليهود في مجموعة كتبة العهد الجديد[22]. ومن المؤكد أن الأسلوب اليوناني لهذه الكتابات يوحي بأن كاتبها لا بد أن يكون مواطناً يونانياً.

وطبقاً لما يقوله يوسابيوس فقد جاء لوقا من إنطاكية في سوريا[23]، وهناك مخطوطة قديمة لسفر أعمال الرسل تشير إلى أنه كان في أنطاكية حين وصلت للكنيسة هناك أنباء عن مجاعة وشيكة[24]. أما نص سفر أعمال الرسل المقبول بصفة عامة، فقد ورد به أن لوقا كان برفقة بولس حين توجه إلى أوربا لأول مرة. كما أنه صاحب بولس أيضاً في رحلته الأخيرة إلى أورشليم، ثم واصل السفر معه إلى روما نفسها. كما يقول “ستريتر” وآخرون، ربما جمع لوقا جزءًا من مادة إنجيله أثناء هذه الفترة من الكنيسة في قيصرية، على الرغم من أن نسخته الأخيرة ربما تكون قد كتبت في روما.

التاريخ

من غير الممكن التأكد على نحو من الدقة التاريخ الذي أنهى فيه لوقا إنجيله. وبالنظر إلى أنه يدمج في قصته مادة مأخوذة من إنجيل مرقس، فلا بد أن يكون قد كتب المسودة الأخيرة لسفره بعد أن تمت كتابة إنجيل مرقس وأصبح متداولاً. وعلى هذا فإن التاريخ الذي نعطيه لإنجيل لوقا يعتمد إلى حد ما على التاريخ الذي ننسبه إلى إنجيل مرقس[25]. وقد قيل إن لوقا أظهر معرفة بسقوط أورشليم على يد الرومان سنة 70م. فإذا كان الأمر كذلك فإن تاريخ إتمام كتابة الإنجيل يرجع إلى ما بعد ذلك بقليل. لكن هناك من يرون أنه لا يوجد مبرر لتأكيد هذه الفكرة، وينسبون إلى الإنجيل تاريخاً مبكراً عن ذلك، والبعض يعطونه تاريخاً يرجع إلى الفترة من 57-60م.

الأسباب التي دعت لوقا لكتابة إنجيله

لماذا كتب لوقا إنجيله؟ كان هذا من أكثر الموضوعات التي تمت مناقشتها بحدة بين باحثي العهد الجديد في الفترة الأخيرة، ولقد طرح عدد كبير من الاقتراحات في هذا الخصوص. وعدد قليل من أهم هذه الاقتراحات يستحق الذكر.

ç يجب ألا ننسى أن لوقا لم يذكر لنا شيئاً عن هدفه في مقدمة إنجيله. وهو يقول إنه يكتب لشخص اسمه ثاوفيلس “لتعرف صحة الكلام الذي علمت به”[26]. كما يقول أيضاً إنه كتب إنجيله بتدقيق وبطريقة أدبية، وقد درس القصص التي كتبها أناس آخرون، وعلى هذا الأساس كتب “على التوالي”. وهذا يوضح لنا عدداً من الأمور. فمن ناحية يبدو واضحاً أن ثاوفيلس (أيا كان هذا الشخص) كان مسيحياً. وقد كتب لوقا إنجيله ليساعده وغيره من المؤمنين كي يحسنوا فهمهم للإيمان المسيحي. لكن الكاتب يوضح أيضاً أنه يرى أن أفضل طريقة لتحقيق ذلك هو أن يبدأ على قدر المستطاع بما عرف عن حياة يسوع نفسه وتعاليمه. ولذلك كان له أيضاً اهتمام تاريخي في اكتشاف الحقائق عن يسوع، وعلى مثال غيره من الإنجيليين لم يبدأ بكتابة سيرة ذاتية عن يسوع بالمعنى التقني. غير أنه في ذات والوقت أدرك أنه إن كان لرسالته إلى ثاوفيلس أن يكون لها ثقل كبير فإن الأمر يتطلب منه التزام بكل دقة بحقائق التاريخ.

ç ولهذا السبب نجد أن لوقا يبدأ قصته عن يسوع باليهودية فيوضح في الأصحاحين الأولين من إنجيله استمرارية المسيحية مع اليهودية والعهد القديم. ثم إنه يؤكد في ذات الوقت على أن يسوع هو تحقيق لكل مواعيد الله، ولذلك فلم تعد هناك حاجة الآن إلى ديان العهد القديم. والعلاقة بين اليهود والمسيحيين كانت تشكل بالطبع موضوعاً هاماً في الكنائس الأولى، وهذا ما نستطيع أن نلمسه من رسائل بولس. ومن بداية إنجيله يؤكد لوقا أن أولئك الذين يتبعون يسوع ليسوا في حاجة في البداية أن يصبحوا يهوداً كي يكونوا بعد ذلك مسيحيين. بل جاء يسوع بالأحرى ليكون “نوراً… للأمم”[27].

ç في الوقت الذي كتب فيه لوقا إنجيله، كانت أحداث حياة المسيح قد أصبحت تنتمي إلى الماضي. وكثيراً ما أدت هذه الحقيقة إلى أن تهتم الأجيال اللاحقة من المسيحيين بتاريخ القرن الأول بأكثر من اهتمامهم بالأحداث الخاصة بأيامهم. غير أن لوقا في قصته عن حياة يسوع وخدمته، يؤكد على أنه توجد علاقة هامة بين أحداث حياة يسوع، والحياة في الكنيسة المعاصرة. وقد فعل هذا، بالتأكيد على أن قوة حياة وجود المسيح في الكنيسة، الروح القدس، كان لها أيضاً دورها الهام في خدمة يسوع. وعند نقاط هامة كثيرة نجد أن لوقا ينطلق بوضوح ويتحدث باستفاضة عما جاء بشكل ضمني فقط في إنجيلي متى ومرقس. وكان للروح القدس دوره في ميلاد يسوع، ومعموديته وخدمته. وفي خاتمة الإنجيل طُلب من التلاميذ أن ينتظروا في أورشليم حتى يقبلوا هم أيضاً عطية الروح القدس[28]. ولعل لوقا كان بهذا يؤكد على استمرارية وجود يسوع مع تلاميذه كتصحيح لأفكار بعض معاصريه الذين تبرموا لأن المجيء الثاني للمسيح لم يتحقق بعد. وهو يذكرهم أنه على الرغم من أن ظهور يسوع الأخير في مجد لا يزال أمراً يخص المستقبل، إلا أنه موجود مع تلاميذه بطريقة حقيقية من خلال حضور الروح القدس في حياتهم.

ç وهناك ملاحظة هامة أخرى في إنجيل لوقا، وهو تأكيده على أن الرسالة المسيحية مقدمة لكل إنسان، وهذا أمر واضح لنا اليوم، ولكنه لم يكن هكذا على الإطلاق بالنسبة للأجيال القليلة الأولى من المسيحيين. ومن بين أعظم إسهامات بولس الرسول أنه بين أن محبة الله تمتد إلى أدنى طبقات المجتمع. وأوضح لوقا في إنجيله أن هذه كانت أيضاً رسالة حياة المسيح وتعليمه. فحين يروي قصة الطفل يسوع، نراه يضمنها القول بأنه سيكون “نور إعلان للأمم”[29]. وفي تتبعه لسلسلة أنساب يسوع، يرجع لوقا إلى آدم[30]، أب البشرية جميعاً، في حين أن متى يتوقف عند إبراهيم فقط أب الجنس اليهودي[31]. وفي قصة لوقا عن العظة في المجمع في الناصرة، كانت رسالة يسوع تركز على الأمم[32]. كما يذكر لوقا أيضاً اهتمام يسوع الخاص حتى بالسامريين، الذين يكرههم اليهود بأكثر حتى مما يكرهون الرومان[33]. وطوال هذا الإنجيل يقدم يسوع بصفة خاصة على أنه صديق المنبوذين في المجتمع[34]. وهؤلاء هم الذين يسر الله بالترحيب بهم، وسروره في قبول أناس كهؤلاء في ملكوته هو سرور يشاركه فيه أيضاً أتباع يسوع[35]. وسعادة كون الإنسان مسيحياً تم التأكيد عليها مراراً وتكراراً. وقصة لوقا تبدأ بالملائكة وهو يبشرون “بفرح عظيم”[36]، وتختتم بالتلاميذ وهو عائدون إلى أورشليم بعد الصعود “بفرح عظيم”[37]. وبين هذين الحدثين نجد أن كثيراً من أروع أمثال يسوع تنتهي بنفس نبرة السعادة هذه. فالخروف الضال، والابن الضال، وأمثال أخرى كثيرة تؤكد الفرح الذي أعطى لتلاميذ يسوع – وهو فرح قائم على أساس محبة الله الغافرة التي أُظهرت لهم حين كانوا هم أنفسهم من المنبوذين والخطاة[38].

وربما لا يوجد سفر آخر في العهد الجديد كله يقدم يسوع بهذه الصورة الرائعة كصديق ومخلص للجميع. وهذا هو تماماً ما استهدفه لوقا. لأنه كان من المهم أن تدرك الكنيسة على أيامه كيف أن رسالتها للعالم كله متأصلة بشكل قوي في تعليم ومثال يسوع نفسه.

 

 

متى

يختلف إنجيل متى عن كل من إنجيل مرقس وإنجيل لوقا. وهناك عدد من السمات الخاصة التي يتطلب الأمر تأملها قبل أن نذكر أي شيء عن أصله، وتاريخه، وكاتبه.

يتميز هذا الإنجيل بترتيب منظم للغاية بالنسبة لمادته، حيث رُتب بحسب الموضوعات. ومن الممكن تقسيمه بعدد من الطرق المختلفة، فهناك هيكل لهذا الإنجيل كان يستعمل في الماضي على نطاق واسع[39]، وكان ينظر إلى الإنجيل كمجموعة من خمسة قوالب أو أنه كُتب من مادة رتبت بين المقدمة التي تضمنت قصص الميلاد[40]. والخاتمة التي تضمنت قصة الآلام. وكل من أجزاء الإنجيل هذه يمكن ملاحظة أنه يضم مجموعة متوازنة بشكل جيد من مادة للقصة والتعليم على النحو التالي:

(1) الناموس الجديد

 

قصة (الخدمة في الجليل

3: 1 – 4: 25

تعليم (الموعظة على الجبل)

5: 1 – 7: 29

(2) التلمذة المسيحية

 

قصة

8: 1 – 9: 34

تعليم

9: 35 – 10: 42

(3) معنى الملكوت

 

قصة

11: 1 – 12: 50

تعليم (أمثال)

13: 1-52

(4) الكنيسية

 

قصة

13: 53 – 17: 27

تعليم (نظام، تأديب، عبادة)

18: 1-35

(5) دينونة

 

قصة (مجادلات في أورشليم)

19: 1 – 22 : 46

تعليم (دينونة على الفريسيين وتعاليم رؤوية

23: 1 – 25: 46

ومن رأي “باكون B. W. Bacon”، أن متى يستعمل هذا المخطط لتقديم يسوع لقرائه كموسى جديد، والتقسيم الخماسي لإنجيله يعد نظيراً ملموساً لأسفار موسى الخمسة في العهد القديم. ولكن هذا أمر يصعب إثباته. فلم يقل متى في أي موضع إن يسوع هو “موسى الثاني”، بل وليس هناك تشابه بين الخمسة التي قسم إليها الإنجيل وبين أسفار موسى الخمسة. فليس هناك شيء مشترك بين الإثنين سوى الرقم خمسة.

والواقع أنه ليس من المؤكد أنه توجد خمسة أقسام في الإنجيل. والسبب الرئيسي لتقسيمه على هذا النحو يرجع إلى حقيقة أن عبارة “فلما أكمل يسوع هذه الأقوال….” وجدت خمس مرات في الإنجيل، وفي نقاط تتناغم مع النهاية المزعومة لهذه الأجزاء. إلا أننا حللنا الإنجيل على أساس محتوياته، بدلاً من استخدام هذا المعيار القائم على الأسلوب الأدبي، سوف نصل إلى استنتاجات مختلفة تماماً. ولقد قال بروفيسور ج. د. كنجسري J. D. Kingsbruy إنه لا توجد خمسة تقسيمات في إنجيل متى بل ثلاث فحسب. وينادي بأن اهتمام متى الرئيسي كان منصباً على أن يبين أن يسوع هو ابن الله والمسيا، وأن الإنجيل مرتب موضوعاً حول هذا الموضوع:

1 – شخص يسوع باعتباره المسيا وابن الله (1: 1 – 4: 16).

2 – إعلان رسالة يسوع (4: 17 – 16: 20).

3 – آلام وموت وقيامة المسيح وابن الله (16: 21 – 28: 20).

لقد بزلت عدد من المحاولات الفكرية أيضاً لتفسير تركيب الإنجيل بواسطة كتب الفصول اليهودية المقدسة، أو صيغ لغوية وحسابية مختلفة. وأنها بالطبع لحقيقة أن تعاليم الإنجيل كثيراً ما تجمع في سلاسل ثلاثية وسباعية، ولكن هذا ربما كان القصد منه مساعدة المسيحيين الذين يريدون أن يحفظوا أقوال يسوع عن ظهر قلب، لا أن يكون بمثابة إشارة خفية لترتيب مادته.

يؤكد متى أيضاً – وبصفة خاصة – على العهد القديم. وقد قدمت حياة يسوع وتعاليمه على أنها تحقيق للمواعيد التي قطعها الله لإسرائيل. وقد ذكر هذا ليس في إطار المعنى العام بأن يسوع هو “ابن داود” فحسب، بل بالأكثر بإشارات واضحة لنصوص العهد القديم. لقد كان الكاتب على قناعة أن يسوع أتم في اختباره كل ما وقع لإسرائيل. ولكي يثبت ذلك نراه كثيراً ما يستشهد بنصوص العهد القديم وبطريقة قد تبدو لنا غريبة إلى حد ما[41]. فعلى سبيل المثال، حين يذكر متى عودة الطفل يسوع من مصر إلى موطنه نراه يقتبس قول هوشع عن خروج إسرائيل من مصر: “من مصر دعوت ابني”. غير أن رسالته واضحة: كل ما كان يعتبر مركزياً في علاقة الله مع شعبه إسرائيل تم حقاً وبشكل نهائي في حياة يسوع.

لذلك فإنه لما يدعو إلى الدهشة إلى حد ما أننا نجد أنه إلى جانب هذا الاهتمام اليهودي القوي، هناك تأكيد عظيم على شمولية الرسالة المسيحية. فأخطاء اليهود لم يتم التغاضي عنها في صمت[42]. ففي متى نجد أقسى الانتقادات لرياء الفريسيين[43]، وهناك دلالات عديدة على أنه قد ولى اليوم الذي كان فيه الإسرائيليون فيه شعب الله. وقد تمت موازنة هذا بتأكيد رائع على العمل المرسلي للكنيسة. وأصبح الأمر في غاية الوضوح في الإرسالية العظمى التي كلف بها يسوع تلاميذه في خاتمة الإنجيل[44]. غير أنه قد لمح إلى ذلك منذ البداية حين انضم المجوس الحكماء، الذين هم من غير اليهود، في السجود للطفل يسوع[45].

نجد هنا أيضاً اهتماماً واضحاً بالأخرويات، والتعليم الخاص بهذا الموضوع الذي تضمنه الأصحاحات 24، 25 جاء على نحو أشمل وأكمل مما جاء في الأجزاء المناظرة في الأناجيل المتشابهة الأخرى. فإنجيل متى يتضمن عدداً من الأمثال تتناول موضوع المجيء الثاني والدينونة الأخيرة، ولا نجد هذه الأمثال في الأناجيل الأخرى. ومعظمها تركز على تشجيع المسيحيين على الحياة في حالة الاستعداد المستمر لعودة يسوع: “لأنكم لا تعرفون اليوم أو الساعة”. ولعل بعضاً من أعضاء كنيسة متى كانوا قد بدأوا يشكون في عودة يسوع ثانية، والأمثال التي على نمط العذارى العشر تؤكد أنه في ظل موقف كهذا لن يكون المسيحيون إطلاقاً في حالة مناسبة للقاء ربهم.

وهناك سمة أخرى هام لإنجيل متى تتمثل في اهتمامه بالكنيسة. والواقع أنه الإنجيل الوحيد الذي استخدمت فيه الكلمة التي تترجم كنيسة “Ekklesia”. وهذه الحقيقة من المؤكد أنها تتضمن إشارة إلى الإنجيل كله. فقد كان متى يضع مجموعة من تعاليم يسوع في شكل يمكن أن يستعمل مباشرة طوال حياة الكنيسة. لقد كانت خلاصة وافية لنصيحة لها سلطانها سواء بالنسبة للمتجددين حديثاً أو المؤمنين القدامى فيما هم يحاولون أن يضعوا إيمانهم المسيحي موضع التطبيق في حياتهم اليومية.

الكاتب

ليس هناك اتفاق عام بالنسبة لمن كتب الإنجيل، وما هو زمن كتابته. وكثيرون من المفكرين لا يجدون الآن أية صعوبة في قبول التقاليد المسيحية القديمة التي تعرف مرقس ولوقا على أنهما قاما بكتابة الإنجيلين المنسوبين إليهما، لكن الوضع مختلف إلى حد ما بالنسبة لإنجيل متى. لأن متى، الذي ربط آباء الكنيسة اسمه بهذا الإنجيل، كان تلميذاً ليسوع، وعلى ذلك كان شاهد عيان بالنسبة للأحداث التي وصفها. وليس من السهل معرفة السبب الذي يجعل واحداً من الاثني عشر معتمداً بدرجة كبيرة جداً على إنجيل مرقس، الذي كتبه شخص لم يكن شاهد عيان للأحداث المتعلقة بحياة يسوع.

وبالطبع فموضوع الكاتب الحقيقي للإنجيل ليس الموضوع المهم بالنسبة لفهمنا له. فالسفر نفسه جاء خلواً من اسم كاتبه، ولا يتضمن أية إشارة على الإطلاق بالنسبة لمن كتبه. وربما كان شخصاً مرتبطاً بمتى الرسول، ولكن في أية مرحلة، أو بأية طريقة، فهذا لم يمكن قوله تحديداً.

تاريخ كتابته

كذلك تاريخ كتابة الإنجيل هو موضوع شك، ويعتمد على الإجابات على عدد من الأسئلة الأخرى.

ç من المفترض أنه لا بد وأن يكون قد كتب بعد إنجيل مرقس وبعد مجموعة الأقوال المعروفة بالمصدر Q. إلا أنه سبق لنا أن لمسنا المشاكل المتعلقة بإعطاء تواريخ ثابتة لهذه المواد.

çكثيرون من الباحثين يعتقدون أن إنجيل متى قد كتب بعد لوقا، لأن الإنجيل يبدو أنه يحتوي على إشارات مباشرة لسقوط أورشليم سنة 70م، وهنا أيضاً نقول إن هذا لا يعني بالضرورة أن الإنجيل كتب بعد هذا الحدث. وذلك الافتراض كان يقوم إلى حد كبير على الاعتقاد بأنه لا يوجد شيء يمكن القول إنه نبوة حقيقية مؤكدة. وعلى هذا فإذا بدا أن يسوع قد تنبأ بحدث في المستقبل فإن هذا معناه أن الكنيسة الأولى لا بد وأنها أعادت كتابة التقليد على ضوء الملابسات التالية. ولكن روبنسون Robinson أشار بحق إلى سذاجة هذا الافتراض، ويضع تاريخاً قبل ذلك بكثير معتمداً بصفة رئيسية على ذلك الأساس.

ç قيل أيضاً إن نمط تنظيم الكنيسة الذي نلمسه في إنجيل متى يعد نمطاً جيد التطور، وعلى هذا فهو يعكس مرحلة متأخرة جداً من القرن الأول. إلا أن هذا أمر ليس من السهل إثباته. وحين نقارن تفاصيل تعليم هذا الإنجيل عن الكنيسة، برسائل بولس مثلاً إلى كنيسة كورنثوس والتي كانت في منتصف خمسينات القرن الأول، فمن الصعوبة بالبالغة أن نرى فروقاً حقيقية بين الحالتين.

واستناداً إلى كيفية إجابتنا على هذه الأسئلة، قد يرجع تاريخ كتابة الإنجيل إلى الفترة من 80-100م (وهذا ما تؤيده غالبية المفكرين)، أو قبل سنة 70م، وربما في تاريخ مبكر يقع بين 40-60م. (حسب رأي روبنسون Robinson ووجوثري Guthrrie وكاتب أو اثنين من الكتبة الألمان).

 

يوحنا

مع استثناء واحد صغير، أو استثنائين، فإن كل ما قيل هنا تقريباً عن الأناجيل المتشابهة، يمثل إجماعاً في الرأي ساد بين باحثي العهد الجديد لفترة طويلة. وفي معظم النواحي الهامة نسبياً لم يتغير سوى القليل منذ كتب “ستريتر” عمله الهام منذ خمسين سنة مضت. وفي مواضع متفرقة، وضعت تأكيدات جديدة متباينة فيما اكتشف النظم الأحدث لنقاد الصيغ ونقاد التنقيح، مع أنه حتى هذا يعد تطوراً طبيعياً من عمل الأجيال السابقة.

أما بالنسبة لعمل الإنجيل الرابع، إنجيل يوحنا، فأصبحت المسائل الآن مختلفة تماماً. فقد كتب “ستريتر” عن هذا الإنجيل أنه يستمد ليس من المصادر الرئيسية، بل من الصورة الحية…. التي رسمها خيال (الكاتب) على أساس اللاهوت الدفاعي المعاصر، وشاركته رأيه هذا غالبية معاصريه، فقد اعتبروا إنجيل يوحنا تفسيراً لاهوتياً لحياة يسوع صدر في القرن الثاني مستخدماً لغة الفلسفة الهلينية ونمط فكرها. وكانوا ينظرون إليه كنوع من عظة ممتدة، ليس له أية علاقة بتقاليد يعول عليها عن المسيح كما عاش وعلم بالفعل.

ففي حين أنه منذ عشرين أو ثلاثين سنة مضت اعتبر إنجيل يوحنا في الغالب على أنه نسخة مختلفة من الأناجيل المتشابهة، إلا أن كثيرين من المفكرين الأكفاء مستعدون الآن لاعتباره مصدراً مبكراً ومستقلاً للمعرفة عن حياة يسوع وتعليمه، وأنه على قدر متساو مع الأناجيل المتشابهة من حيث قيمته. ويمكننا أن نتتبع ثلاثة أسباب رئيسية لهذا التغير الجذري في الرأي.

يوحنا والأناجيل المتشابهة

منذ خمسين سنة مضت كان الاعتقاد السائد أن كاتب إنجيل يوحنا كان على معرفة بالأناجيل المتشابهة synoptic. وهذا يرجع إلى عدد من القصص التي كانت مشتركة بينهما، فقصة إطعام يسوع خمسة آلاف[46]، وقصة دهنه بالطيب في بيت عنيا[47]، هما من الأمثلة على ذلك. ولذلك افترض أن يوحنا كان يكتب نوعاً من التفسيرات “اللاهوتية” للقصص الواقعية التي وردت في الأناجيل المتشابهة. ولا شك أن هذا أدى إلى استنتاج أن الإنجيل الرابع لا بد وأن يكون متأخراً في التاريخ، وأقل في النوعية من الأناجيل المتشابهة.

ومع ذلك فقد تم التشكيك في هذا الافتراض عند نقطتين:

أولاً: من المعترف به وعلى نطاق واسع الآن أنه من غير الممكن أن نضع “تاريخ الأناجيل المتشابهة مقابل “الفكر اللاهوتي” ليوحنا. ذلك أن كتبة الأناجيل المتشابهة كانوا هم أيضاً من اللاهوتيين. فهم لم يكتبوا أناجيلهم لتسجيل سير ذاتية خالصة، بل لأنه كان لديهم رسالة يريدون توصيلها لقرائهم. كما يتضح أيضاً أن الإنجيل الرابع لم يعتمد بالفعل على الأناجيل الثلاثة الأخرى والواقع أن كاتبه ربما كتبه دون أي معرفة بكتابات الإنجيليين الآخرين.

والفحص الدقيق للقصص الموجودة في الأناجيل الأربعة جميعاً ستبين أن هناك تشابهات بينها، كما أنه توجد عدة اختلافات في رواية يوحنا، وهذه الاختلافات ليست من النوعية التي يمكن تفسيرها بسهولة على أسس لاهوتية. فالاختلافات الواردة في قصص يوحنا، يمكن في الواقع فهمها بسهولة أكثر إذا افترضنا أنه كان متاحاً له الاطلاع على تقارير الأحداث التي كانت معروفة أيضاً لكتبة الأناجيل المتشابهة. وحين تفحص هذه الفرضية بالتفصيل، يمكن معرفة ليس أن قصص يوحنا جاءت من مصدر مختلف فحسب، بل أنه توجد بعض المعلومات في إنجيل يوحنا يمكن استخدامها في تأييد المعلومات الواردة في الأناجيل الأخرى. وهذا مما يساعد على جعل قصة حياة يسوع ورسالته أسهل فهماً.

فعلى سبيل المثال، يذكر يوحنا أن بعضاً من تلاميذ يسوع كانوا قبلاً من تلاميذ يوحنا المعمدان[48]. وهذا يوضح لنا الطبيعة الحقيقية لشهادة المعمدان عن يسوع التي وردت في الأناجيل المتشابهة، ولا سيما التأكيد الذي وضع هناك عن دوره في أن يقوم “طريق الرب”. وقصة يوحنا تساعدنا أيضاً على الإجابة على سؤال (غير واضح في الأناجيل المتشابهة) الخاص بما كان يعمله يسوع في الفترة بين عماده والقبض على يوحنا المعمدان. فالأناجيل المتشابهة تقول إن يسوع بدأ خدمته في الجليل بعد القبض على يوحنا المعمدان[49]. وهذه هي الخدمة الوحيدة التي سجلت في الأناجيل المتشابهة. إلا أنه أثناء زيارته الأخيرة لأورشليم، يذكر إنجيل متى ولوقا (المصدر Q) أن يسوع قال عن سكانها: “كم مرة أردت أن أجمع أولادك…”[50]. وهذا ما يوحي بأن يسوع قام بزيارة أورشليم في عدة مناسبات سابقة. ويتحدث يوحنا عن مثل هذه المناسبة بالضبط، في بداية خدمة يسوع تماماً، حين عمل إلى جانب يوحنا المعمدان في اليهودية قبل أن يعود ثانية إلى الجليل حين ألقي القبض على يوحنا[51].

وإنجيل يوحنا يملأ فراغات مادة الأناجيل المتشابهة في نقطة لاحقة حين يسجل زيارة أخرى قام بها يسوع إلى أورشليم قبل دخوله إليها في أحد السعف بستة شهور[52]. ويذكر يوحنا كيف غادر يسوع الجليل وذهب إلى أورشليم في عيد المظال (سبتمبر) ومكث هناك حتى عيد التكريس (ديسمبر).  وبعد ذلك، وبسبب العداوة المتزايدة عاد إلى المنطقة التي سبق وعمل فيها المعمدان[53]، وقام بزيارة خاطفة لبيت عنيا[54]، وذلك لدى سماعه بموت لعازر، وبعد ذلك بزمن قليل، قبل الفصح (أبريل) بستة أيام، عاد لزيارته الأخيرة لأورشليم[55]. وهذه هي الزيارة الوحيدة التي سجلت بقليل من التفصيل في مرقس، على الرغم من أن الزيارات الأخرى لمح إليها بعبارة مرقس الموجزة: “قام من هناك (الجليل) وجاء إلى تخوم اليهودية عبر الأردن”[56].

ثانياً: هناك أيضاً عدداً من التفصيلات البسيطة التي ذكرها إنجيل يوحنا والتي تساعد على شرح وتوضيح بعض النقاط في قصص الأناجيل المتشابهة[57]. فهناك على سبيل المثال إطعام الخمسة آلاف[58]. فقد ذكر في نهاية القصة في إنجيل مرقس أن يسوع أجبر تلاميذه على الهرب إلى السفينة، فيما يقوم هو شخصياً بصرف الجماهير. لكن تقليد يوحنا المستقل يستكمل بعض التفاصيل موضحاً أن يسوع اضطر إلى اتخاذ هذا الإجراء لأن الجماهير كانت متلهفة على خطفة وإقامته ملكاً عليهم. وسبق لنا أن لاحظنا في أصحاح سابق كيف أن قصص العشاء الأخير، وتجارب يسوع في البرية لا يمكن فهمها تماماً إلا على ضوء المعلومات التي ذكرت في إنجيل يوحنا.

وعلى ضوء دليل من هذه النوعية، أصبح هناك إدراك في أن إنجيل يوحنا يعد مصدراً في حد ذاته. فالمعلومات التي يحتويها غير تلك التي نجدها في الأناجيل المتشابهة، ولكن في نقاط هامة كثيرة نجد أن إنجيل يوحنا يكمل الأناجيل الثلاثة الأخرى.

خلفية يوحنا هي اليهودية

من المعروف أيضاً أن خلفية كثير مما ورد في إنجيل يوحنا هي خلفية يهودية وليست يونانية فقط. والتقاليد الأولى تقول إن هذا الإنجيل ولد في أفسس. ولذلك كان من الطبيعي أن يتطلع الباحثون إلى خلفية هيلينية له، ولا سيما أن مقدمة الأناجيل، تشرح التجسد في ضوء الكلمة “لوغوس”[59]، وهذه التقاليد الخاصة بالكنيسة من الطبيعي ألا يعتمد عليها دائماً. وبالنسبة لإنجيل يوحنا، فإنه من المثير أن نلاحظ أنه إذا أغفلنا المقدمة، فإننا لا نجد فيما يتبقى إلا النادر مما يتطلب خلفية يونانية. والواقع أن هذا عكس ما كان منتظراً. والإنجيلي يذكر هدفه كتابة في صيغة يهودية خالصة: “وأما هذه فقط كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو المسيح ابن الله”[60]. ثم إن هناك أيضاً تأكيداً طوال الإنجيل على إتمام أقوال العهد القديم الأمر الذي يوحي أيضاً بخلفية يهودية.

وهذا الانطباع تأكد من تحليل دقيق للغة الإنجيل الفعلية، لأنه عند نقاط كثيرة تبين اللغة اليونانية علاقة وثيقة بمصادر آرامية. فكثيراً ما يستخدم الكاتب كلمات آرامية مثل: صفا، جباثا، أو ربوني[61]، ثم يعود ويفسرها لمنفعة قرائه اليونانيين. حتى كلمة “مسيا”[62] ذكر لها شرحاً دقيقاً. ومما يعطي مغزى أكثر، أنه توجد أيضاً عدة نقاط تتبع فيها اللغة اليونانية للإنجيل قواعد اللغة الآرامية. ونجد مثالاً لهذا في قول المعمدان عن يسوع “لست بمستحق (أن أحل) سيور حذائه”[63]. فالتعبير هنا يتبع النهج الآرامي ولو أن هذا لا يظهر في الترجمات المختلفة. ولكن التعبير غير العادي لهذه العبارة في إنجيل يوحنا هو تعبير عادي في اللغة الآرامية.

ثم إننا نجد أقوال يسوع أيضاً في إنجيل يوحنا وقد تم التعبير عنها في شبه التطابق وهو الأمر المعروف في الشعر في اللغة السامية[64]، وهناك أجزاء أخرى من تعليمه يمكن ترجمتها إلى الآرامية لتكون شعراً آرامياً واقعياً كاملاً[65].

وليس من المحتمل أن يكون إنجيل يوحنا ترجمة مباشرة من مستند آرامي، ولو أن البعض اقترح هذا. غير أن هذه الحقائق توحي بالفعل أن التعليم في إنجيل يوحنا له نفس الخلفية الفلسطينية، مثل مادة الأناجيل المتشابهة، والاستعمال الغريب لقواعد اللغة الآرامية في الكتابة اليونانية قد يستشف منه أن اللغة الآرامية كانت لغة الكاتب الأصلية.

اكتشافات أثرية

وإلى جانب الدليل الداخلي، يوجد أيضاً دليل كاف وهام مستمد من الحفريات الأثرية، ويدحض الآن الفكرة القديمة بأن إنجيل يوحنا كان إنجيلاً هيلينياً قديماً. وثمة ثلاثة عناصر رئيسية في الدليل لها أهميتها هنا.

ç لفائف البحر الميت بينت أن الجمع الغريب بين أفكار يونانية ويهودية والذي نجده في إنجيل يوحنا، كان سائداً ليس فقط في مدن يونانية مثل أفسس في القرن الثاني الميلادي، بل كان كذلك في فلسطين نفسها، في دوائر يهودية خالصة، في الحقبة السابقة للمسيحية. وكثير من العبارات المألوفة في إنجيل يوحنا وجدت أيضاً في اللفائف مثل: “من يفعل الحق”، “الذي يسير في الظلام”، “أبناء النور”، “روح الحق”[66]، وعبارات أخرى كثيرة جاءت في إنجيل يوحنا مطابقة لما كانت عليه في جماعة قمران. وفضلاً عن ذلك فإن المقابلة في إنجيل يوحنا بين النور والظلمة، الحق والباطل نجدها مطابقة أيضاً لما جاء في لفائف قمران. وفي كلا النصين نجد أن هذه الازدواجية بين النور والظلمة، والحق والباطل هي ازدواجية أخلاقية بالمقابلة مع التأكيد التجريدي لمعظم الفلسفات اليونانية والغنوصية.

ç وهناك اكتشاف آخر. على نفس القدر من الأهمية، جاء تقريباً في نفس الوقت مع لفائف قمران، وهي المكتبة القبطية الغنوسية التي وجدت في نجع حمادي في صعيد مصر. وقبل اكتشاف هذه الوثائق كان معرفتنا للغنوسية تقوم إلى حد كبير على معلومات قدمها عدد من مؤرخي الكنيسة واللاهوتيين الذين ألفوا كتباً لدحضها. ومن خلال أقوالهم لم يكن من الصعوبة تخيل أن إنجيل يوحنا ربما يكون قد كتب في القرن الثاني كجزء من المعركة بين الغوسيين و”الارثوذوكس” المسيحيين. غير أنه مع معرفتنا الجديدة المستمدة من كتابات المعلمين الغنوسيين، أصبح من الواضح تماماً أن هناك فرقاً شاسعاً بين عالم إنجيل يوحنا وعالم الغنوسية الكلاسيكية

ç قدمت الاكتشافات الأثرية في أورشليم أيضاً دليلاً يوضح تقاليد إنجيل يوحنا. ومن سمات هذا الإنجيل غير العادية الأسماء وأوصاف الأماكن. وكان الاعتقاد السائد ذات مرة أن هذه الأسماء قد استخدمت إما كوسيلة لاهوتية (كرموز)، أو لتعطي الانطباع بالمصداقية في قصص مختلفة. إلا أنه أصبح من الواضح الآن أن معظم هذه المعلومات الجغرافية تعتمد على معرفة حقيقية للمدينة بالشكل الذي كانت عليه قبل سنة 70م. ففي تلك السنة دمر الرومان أورشليم بشكل تام[67]، وبعد ذلك التاريخ كان من المستحيل أن ننظر إلى الأطلال ونتخيل مسبقاً ما كانت عليه المدينة[68]. وبينت الحفريات في أورشليم الآن أن وصف بركة بيت صيدا، على سبيل المثال أو الموضع الذي “يقال له البلاط” حيث قال يسوع بيلاطس، كان على أساس معرفة وثيقة بالمدينة في زمن يسوع.

الكاتب وتاريخ الكتابة

المحصلة النهائية لكل خطوط البحث المتشعبة هذه تمثلت في إعادة تقدير إنجيل يوحنا كمصدر يعول عليه لحياة المسيح وتعليمه. كما أن ذلك أدى أيضاً إلى إعادة فتح موضوع كاتب هذا الإنجيل وتاريخ كتابته. والسؤال الخاص بمن كتب هذا الإنجيل كان دائماً سؤالاً مربكاً، فضلاً عن أن تقاليد الكنيسة تذكر اثنين باسم يوحنا فيما بتعلق بهذا الإنجيل: الرسول، ويوحنا الذي يطلقون عليه “الشيخ”. ثم أن هناك حقيقة أن “التلميذ المحبوب” يبدو أنه صور في الإنجيل نفسه كمصدر لبعض المعلومات[69]، وهنا أيضاً نجد أن الأمر أبعد ما يكون عن الوضوح بالنسبة لمن كان هذا الشخص. ويعرف إيريناوس التلميذ المحبوب بأنه يوحنا الرسول. غير أن باحثين كثيرين يعتقدون بأنه ربما كان شخصية مثالية ترمز إلى المؤمن الحقيقي بيسوع. بل إنه عرف بأنه لعازر، والذي على أية حال، كان الشخص الوحيد الذي قيل تعه دائماً إن يسوع كان يحبه.

هناك نظرية جذابة قد تشرح الحقائق الجديدة التي ظهرت الآن عن يوحنا، وهو أن هذا الإنجيل كانت له طبعتان. وسبق أن رأينا أنه إذا استثنينا المقدمة يظهر السفر بأكثر ملائمة للعالم اليوناني. ولذلك من المحتمل أن تكون المقدمة قد أضيفت بعد إتمام العمل الأصلي، حتى يروق الإنجيل لنوعية جديدة من القراء.

وهذا الاحتمال تدعمه أيضاً العلاقة الغريبة بين الأصحاحين 20، 21. فالآية الأخيرة من الأصحاح العشرين يبدو أنها الخاتمة المنطقية للسفر، ولكن هذه الخاتمة اتبعت بعد ذلك بالتعليمات التي وجهها يسوع لبطرس بعد القيامة في الأصحاح 21. ومن المحتمل أن هذا الأصحاح الأخير قد أضيف حين أرسل السفر لخدمة احتياجات مجموعة جديدة من الناس، على الرغم من أن أسلوبه ولغته يتشابهان تماماً مع أسلوب بقية الإنجيل ولغته، ولذلك فلا بد وأنه أضيف بواسطة نفس الشخص.

من المحتمل أن الإنجيل كتب أولاً في فلسطين، ليبين أن يسوع هو المسيح. وربما كان في ذهن الكاتب طوائف اليهود الذين تأثروا بأفكار مثل التي كانت عند جماعة قمران. وعلى ذلك، حينما يبدو أن نفس التعليم يصلح للناس في أي مكان من الإمبراطورية الرومانية، هنا أعيد تنقيح الإنجيل، وتم شرح العادات والتعبيرات اليهودية، وأضيفت إليه المقدمة والخاتمة. والنصيحة التي وجهت إلى قادة الكنائس في الأصحاح 21 توحي بأن الصيغة النهائية للإنجيل ربما وجهت إلى كنيسة مسيحية من اليهود في مكان ما في العالم اللاتيني، ربما في أفسس.

أما موضوع تاريخ الإنجيل فلم يفصل في الواقع فيه بعد، لأنه ليس لدينا دليل آخر نقدمه في هذا الشأن. ويلمح آراء الكنيسة أنه كتب بواسطة يوحنا الرسول في نهاية حياته الطويلة، ومعظم الباحثين يستمرون في أن ينسبوا إليه تاريخاً يقع ما بين سنة 70-100م. ومن المؤكد أنه لا يجب أن يعزى إليه تاريخ يقع بعد نهاية القرن الأول، إلا أنه ليس هناك دليل حقيقي لإعطائه تاريخاً قرب نهاية تلك الفترة. ويجادل روبنسون بقوة ويقول إنه من المحتمل أن يكون أول الأناجيل قاطبة، ويجعل تاريخ كتابته في الفترة من 40-56م. وإذا كان هذا صحيحاً، فإن إنجيل يوحنا يحتمل والحالة هذه أن يكون معاصراً للأناجيل المتشابهة، ومثل هذا التاريخ سوف يكون من شأنه أن يزيل تماماً أي عائق يحول دون النظر إلى يوحنا الرسول على أنه كاتب الإنجيل الذي يحمل الآن اسمه.

 

[1] مر 1: 14-20.

[2] مرقس 1: 29-34.

[3] مرقس 4: 35-41؛ 5: 25-34؛ 6: 37-38؛ 8: 14-21؛ 8: 31-33؛ 9: 1-2؛ 9: 32؛ 10: 35-45.

[4] يوحنا 19: 35.

[5] يوحنا 12: 2.

[6] أعمال 12: 12.

[7] أعمال 12: 25.

[8] أعمال 15: 37-41.

[9] كولوسي 4: 10؛ فلمون 24.

[10] مرقس 5: 41؛ 7: 34.

[11] مرقس 7: 3-4.

[12] مرقس 4: 21؛ 12: 42؛ 14: 65؛ 15: 19.

[13] مرقس 8: 34-38؛ 10: 33-34 و45؛ 13: 8-13.

[14] مرقس 1: 43؛ 3: 5؛ 8: 12؛ 8: 33؛ 10: 14؛ 6: 1-6.

[15] مرقس 8: 31-33.

[16] مرقس 9: 31.

[17] لوقا 1: 1-4؛ أعمال 1: 1.

[18] أعمال 16: 10-17؛ 20: 5-15؛ 21: 1-18؛ 27: 1 – 28: 16.

[19] مرقس 5: 26.

[20] لوقا 8: 43.

[21] كولوسي 4: 14.

[22] 2تيموثاوس 4: 11.

[23][23] تاريخ الكنيسة 2، 4، 6.

[24] أعمال 11: 28.

[25] لوقا 21: 5-24.

[26] لوقا 1: 1-4.

[27] لوقا 2: 32.

[28] لوقا 1: 35؛ 3: 22؛ 4: 1-4.

[29] لوقا 2: 32.

[30] لوقا 3: 28-38.

[31] متى 1: 1-17.

[32] لوقا 4: 16-30.

[33] لوقا 9: 51-56.

[34] لوقا 10: 25-37.

[35] لوقا 17: 11-19.

[36] لوقا 2: 10.

[37] لوقا 24: 52.

[38] لوقا 15: 1-7، 11-32.

[39] متى 1: 1 – 2: 23.

[40] متى 26: 1 – 28: 20.

[41] هوشع 11: 1.

[42] متى 23: 1-36.

[43] متى 8: 10-12؛ 21: 43.

[44] متى 28: 16-20.

[45] متى 2: 1-12.

[46] يوحنا 6: 1-15؛ مرقس 6: 30-44؛ متى 14: 13-21.

[47] يوحنا 12: 1-8؛ مرقس 14: 3-9؛ متى 26: 6-13.

[48] يوحنا 1: 35-42.

[49] مرقس 1: 14؛ متى 4: 12؛ لوقا 4: 14-15.

[50] متى 23: 37؛ لوقا 13: 24.

[51] يوحنا 2: 13؛ 4: 3.

[52] يوحنا 7: 1 – 10: 42.

[53] يوحنا 10: 40.

[54] يوحنا 11: 1-54.

[55] يوحنا 12: 1، 12.

[56] مرقس 10: 1.

[57] مرقس 6: 45.

[58] يوحنا 6: 14-15.

[59] يوحنا 1: 1-18.

[60] يوحنا 20: 31.

[61] يوحنا 1: 42؛ 19: 13؛ 20: 16.

[62] يوحنا 1: 41.

[63] يوحنا 1: 27.

[64] يوحنا 12: 25؛ 13: 16، 20.

[65] يوحنا 3: 29-30.

[66] يوحنا 3: 21؛ 12: 36؛ 14: 17.

[67] يوحنا 5: 1-18.

[68] يوحنا 19: 13.

[69] يوحنا 21: 24.

كيف عرفنا يسوع؟ الأناجيل الأربعة

بحث عن خلق الله الانسان على صورته ومثاله – خلق الله الإنسان على صورته ومثاله

بحث عن خلق الله الانسان على صورته ومثاله – خلق الله الإنسان على صورته ومثاله

بحث عن خلق الله الانسان على صورته ومثاله

بحث عن خلق الله الانسان على صورته ومثاله – خلق الله الإنسان على صورته ومثاله

وقال الله: “وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ. 27 فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ” (تك1: 26،27).

يسأل النقاد: ما معنى أن الإنسان خُلِق على صورة الله؟ وما هي صورة الله في الإنسان؟

ويتساءل ليوتاكسل بتهكم: “إن الله صنع الإنسان على صورته ومثاله”. إذاً ما الذي يميز التصوُّر اليهودي والمسيحي لله عن تصوُّر الديانات الأخرى له، الديانات التي “وصمتها” المسيحيًّة بالوثنية؟ فالرومان الذين أخذوا معتقداتهم من الإغريق، لم يتصوَّروا الآلهة إلَّا في صورة بشرية، الأمر الذي يرغمنا على القول: ليس الله هو الذي صنع الإنسان على صورته ومثاله، بل الإنسان هو الذي تخيل الآلهة على صورته ومثاله”.

وللإجابة على هذه الأسئلة أقول:

بكل تأكيد عندما قال الله: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا» لم يكن يقصد الصورة الخارجية لأننا نؤمن أن الله روح وليس جسد، غير محدود، أزلي أبدي، فنقرأ:

“اَللهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا” (يو4: 24).

” أَمَا أَمْلأُ أَنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، يَقُولُ الرَّبُّ؟” (إر23: 24).

وقال عنه سليمان: “لأَنَّهُ هَلْ يَسْكُنُ اللهُ حَقًّا عَلَى الأَرْضِ؟ هُوَذَا السَّمَاوَاتُ وَسَمَاءُ السَّمَاوَاتِ لاَ تَسَعُكَ” (1مل8: 27).

وقال استفانوس: “كَمَا يَقُولُ النَّبِيُّ: السَّمَاءُ كُرْسِيٌّ لِي، وَالأَرْضُ مَوْطِئٌ لِقَدَمَيَّ” (أع7: 48-49).

والسؤال: ما معنى أن الإنسان مخلوق على صورة الله؟ وما هي صورة الله في الإنسان؟

*عندما نقرأ قصة الخلق نجد أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي خُلِق على صورة الله. ونجد أن الله بعد أن خلق الكون وكل ما فيه، خلق الإنسان وأبدع في صنعه، وجعله تاجاً للخليقة وسيداً لها. ونجد الله عند خلق سائر المخلوقات كان يستخدم ضمير المفرد الغائب فيقول مثلاً: «لِيَكُنْ نُورٌ»، «لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ الْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلاً بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ»، «لِتَجْتَمِعِ الْمِيَاهُ …. وَلْتَظْهَرِ الْيَابِسَةُ»، «لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا …»، «لِتَكُنْ أَنْوَارٌ فِي جَلَدِ السَّمَاءِ .. » .. الخ.

أما عن خلق الإنسان فإنه استخدم ضمير المتكلم الجمع فقال: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا» (تك1: 26). وكأن الثالوث يتحاور في كيفية صنع الإنسان. بل ومن يقرأ بتدقيق يرى أنه في نهاية كل يوم يذكر الوحي “وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ”، ولكننا نقرأ في نهاية اليوم السادس بعد أن خلق الله الإنسان “وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا”.

*إن الكلمة العبرية ” صُورَتِنَا” هي (صَلم) وقد وردت في العهد القديم 17 مرة، وتعني (representative، resemblance) “يمثلنا، يعبر عنا، شبهنا، مثلنا”.

ولذلك ترد آيتنا في بعض الترجمات الإنجليزية كالتالي:

(CEB) “Let us make humanity in our image to resemble us.

وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإنسان على صُورَتِنَا ليمثلنا.

(MSG) “Let us make human beings in our image, make them reflecting our nature.

وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإنسان على صُورَتِنَا ليعكس طبيعتنا.

لذلك يقول القديس توما الأكويني عن صورة الله في الإنسان إنها القدرات الروحية في الإنسان، ومنها القدرة على التفكير، ويراها أوريجانوس النفس البشرية الخالدة، وهناك من يرى أنها القدرة على إقامة علاقات مع الله ومع الناس ومع الكائنات البشرية كلها. فالإنسان هو الكائن الوحيد من كل مخلوقات الله الذي له القدرة على إقامة العلاقات.

ولاشك أننا لا يمكن أن نحصر صورة الله في الإنسان في عدة صفات محددة، فالله غير محدود وصفاته غير محدودة ولاشك في أن الله وضع في الإنسان العقل المفكر والإرادة الحرة والضمير الحساس والقدرة على الإبداع والإبتكار، والقدرة على التعلم المستمر والتواصل مع الآخرين، والمشاعر والعواطف والأحاسيس… الخ.

*عندما نتأمل في كلمات الوحي: ” وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ، وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْسًا حَيَّةً” (تك2:7).

إن الفعل (وجَبَلَ) يعني صور أو شكل (formed) والفعل يشير إلى أمرين هما المهارة، والسلطان. فالله بمهارته الفائقة وسلطانه المُطلق صوّرنا وشكّلنا في أجمل صورة.

والفعل (نَفَخَ) (breathed) يعني قُبله تحمل معنى عطاء النفس والذات، وتدل على علاقة شخصية حارة، فالله أعطى نفسه للإنسان، أعطى حياته، وهذا يُذكّرنا بما جاء في (يو20: 22) بعد قيامة المسيح نفخ في التلاميذ وقال لهم اقبلوا الروح القدس، إنها النعمة الميية للخليقة الجديدة.

وكلمة (نَسَمَةَ) تعني العطية الإلهية التي تميز الإنسان عن الحيوان.

لقد قال المرنم عن الإنسان: “وَبِمَجْدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُهُ. 6 تُسَلِّطُهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ. جَعَلْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ: 7الْغَنَمَ وَالْبَقَرَ جَمِيعًا، وَبَهَائِمَ الْبَرِّ أَيْضًا، 8وَطُيُورَ السَّمَاءِ، وَسَمَكَ الْبَحْرِ السَّالِكَ فِي سُبُلِ الْمِيَاهِ” (مز8: 5-8).

وقال الرسول بولس: “لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ” (اف2: 10). وكلمة عمله في أصلها اليوناني تعني “مجده أو شِعرَهُ”، بمعنى نحن عمل رائع من إبداع الخالق. منظومة جميلة وليس مجرد عملاً عادياً، نحن لسنا مجرد أعداد في قطيعن وكننا أفراد متميزون عنده فهو يدعو خرافه الخاصة بأسماء، يقول لكل واحد منا: “دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. أَنْتَ لِي” (إش43: 1). ولا يقول إله الآباء بل إله إبراهيم وإسحق ويعقوب.

أخيراً أقول:

  • الإنسان مخلوق على صورته أي لديه قدرة على التواصل، فنحن خُلقنا لنكون في شركة مع الله ذاته، ومع الآخرين.
  • الإنسان مخلوق على صورة الله أي يمكنه أن يعيش حياة القداسة، البر، والطهارة.

وهذا يتحقق من خلال قبولنا لعمل الله الفدائي في المسيح يسوع فنلبس الإنسان الجديد بدل الذي تشوه بسبب الخطية “وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ” (أف4:24).

  • الإنسان مخلوق على صورة الله لذا هو خالد وأبدي، هو الكائن الوحيد الذي لن تنتهي حياته بنهاية عمره على الأرض كباقي الخلائق ” فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ” (في3 :20). “جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ” (جا3: 11).
  • الإنسان مخلوق على صورة الله أي له مشاعر وأحاسيس فهو يحب، ويفرح، ويحزن، ويغضب، ويتضايق، لذا يجب ألا ننكر مشاعرنا أن نكبتها، بل نعبر عنها، نروضها، ونضبطها أيضاً “وَكُلُّ مَنْ يُجَاهِدُ يَضْبُطُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ” (1كو9: 27).
  • الإنسان مخلوق على صورة الله اي له إرادة حرة والله ذاته يحترم ذلك ولا يرغمنا على شيء حتى عبادته أو تبعيته.
  • الإنسان مخلوق على صورة الله وهذا معناه إمتياز ومسؤولية فهو المخلوق الوحيد الذي كلفه الله برعاية باقي المخلوقات ” وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا” (تك2: 15)، كما أنه مسول أن يمجد الله على الأرض بأن يعكس صفاته وطبيعته ألا وهي الحب.

عزيزي القارئ: إن الحيوان ليس له دور يلعبه في هذا الكون، بينما الإنسان هو الذي يصنع الأحداث ويلعب الأدوار. الإنسان هو الذي جعل للذهب قيمة، وإن أراد يمكن أن ينزعها منها. فهو لا يحتل المكانة الأولى وسط الموجودات فقط بل هو الذي يمنحها المراتب والدرجات، وهو سيدها، والمتسلط عليها.

الإنسان أقام مزارع الدجاج والأغنام والأبقار وسمًنها ليذبحها وياكلها وهي جاهلة بذلك. ليس للكون قيمة بدون الإنسان. تخيّل أنك دخلت قرية أو مدينة بلا سكان سترتعب وتخاف إذ لا فرق بينها وبين الصحراء أو الغابات، أو المدافن.

في الكلمة الختامية لمجمع الفاتيكان الثاني التي ألقاها البابا بولس السادس قال: “نحن نؤمن بالإنسان”. ما أروع هذه العبارة!! هل تؤمن بنفسك وبقدراتك التي أودعها الله فيك؟ هل أنت تعكس صورته؟ هل أنت وكيل أمين على خليقته؟ هل تؤمن أن كل إنسان مخلوق على صورته؟ هل تتعامل مع كل إنسان باحترام شديد لنه مخلوق على صورة الله؟

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان – الجزء الأول – ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث

ترتيب التجربة على الجبل ردًا على أبي عمر الباحث – الجزء الثاني – عندما يحتكم الباحث إلى الشيطان

بحث عن خلق الله الانسان على صورته ومثاله – خلق الله الإنسان على صورته ومثاله

قانونية الأسفار التي يدور حولها جدل

قانونية الأسفار التي يدور حولها جدل

قانونية الأسفار التي يدور حولها جدل

قانونية الأسفار التي يدور حولها جدل

“لئلا يظهر أننا نصدق أكثر من اللزوم ما أسماه “ج. أ. لسنغ” “خندق التاريخ الواسع والبشع”، أي بما أن الماضي بحكم طبيعته، لا يكون في أفضل حالاته متوافراً إلا بشكل غير مباشر للأجيال اللاحقة، من غير الممكن إرساء اليقينية الدينية على الأساس المتزعزع للأبحاث التاريخية (هذا الموقف المبدئي الذي أوافق عليه). لكن لا يزال بالإمكان، بل يجب التطرق هنا إلى الدليل التاريخي على قانونية ما يعرف “بالأسفار السبعة التي يدور حولها جدل” في العهد الجديد.

أنا أعرض هذه المادة من دون السعي بأي شكل من الأشكال للتقليل من موقفي الأساسي الذي كنت قد أعلنته في هذا الفصل، أعني كيف أن العناية الإلهية شكلت القوة المرشدة في إطار عملية وضع قانون العهد الجديد. يشير “ردربس” فعلاً إلى “الدليل على رسولية (وبالتالي قانونية) بعض الكتابات” و”الحجج المؤيدة لبعض الكتابات الأخرى”، هذا مع كونه يشك، عن حق، في اعتبارها السبب الرئيس وراء إيمان الكنيسة. وفيما يتعلق بما يسمى “الأسفار السبعة التي يدور حولها جدل” في العهد الجديد، كان من دون شك سيخطر على باله “أدلة” و”حجج” كالتالية:

 

قانونية الرسالة إلى يعقوب

من المرجح جداً أن يكون يعقوب “العادل”، الأخ غير الشقيق لربنا، هو الذي كتب رسالة العهد الجديد الحاملة اسمه. وعندما نتساءل مَنْ مِن جملة الرجال الأربعة المدعوين يعقوب في العهد الجديد، كان يتوقع أن يظهر بأنه هو كاتب الرسالة لدى اكتفائه بالتعريف عن نفسه على أنه “يعقوب، عبد الله والرب يسوع المسيح” (يعقوب 1: 1)، وكان بوسعه مخاطبة المسيحيين من أصل يهودي بكل سلطان، كما يفعل في هذه الرسالة.

وحيث أننا لا نعرف أي شيء مبدئياً عن الثلاثة الآخرين، كل هذا من شأنه إقناعنا بأن يعقوب، أخا الرب غير الشقيق، بلغ هو وحده مركز القيادة هذا بين المسيحيين اليهود بشكل عام، الأمر الذي يسوغ إقدام الكتاب على تقديم نفسه بهذا الشكل غير المحدد في هذه الرسالة. بما أن هذا الأمر يبدو أنه غير قابل للجدال، عندما يتذكر أحدنا أولاً، كيف أن يسوع في أحد ظهوراته بعد قيامته، ظهر ليعقوب بالتحديد (1كورنثوس 15: 7)، في هذا الظرف الذي فيه من المفترض أن يكون قد دعا أخاه غير الشقيق إلى الإيمان به، وإلى خدمته مدى الحياة في كنيسة أورشليم.

عندما نتذكر ثانياً، كيف أن يعقوب تحرك بكل تأكيد ضمن دوائر الرسل (أعمال 15؛ غلاطية 2: 9)، وكيف جعله هذا يفوز “بدعم الرسولية” له عندما يتكلم أو يكتب، وثالثاً عندما يتحدث بولس عن يعقوب بصفته “رسولاً” و “عموداً” في الكنيسة (غلاطية 1: 19؛ 2: 9)، ورابعاً، كيف أن يعقوب قام بدور رئيس خلال مجمع أورشليم الذي حضره أيضاً كل من بطرس وبولس، وهو المسؤول عن تلخيص الحجة الرسولية وأعد بنفسه، على الأرجح، المقررات الصادرة عن هذا المجمع (أعمال 15: 13-21).

أمام كل هذا، هل يبقى بمقدور أي كان التشكيك في إقدام الرسل الآخرين على الإقرار بوضوح بسلطة يعقوب كشاهد لقيامة المسيح، وكناطق باسم كنيسة الختان؟ وعلى هذا الأساس، رب الكنيسة قاد كنيسته إلى الاعتراف بالقانونية التي تنعم بها رسالة يعقوب بشكل طبيعي.

 

قانونية الرسالة إلى العبرانيين

الشيء الوحيد تقريباً الذي يسمعه أحدنا اليوم عن مسألة تحديد هوية كاتب الرسالة إلى العبرانيين، هو رأي “أوريجانوس” فيها، ومفاده أن الله وحده يعرف حقيقة الأمر. بالمقابل، لا يوجد إدراك، على وجه العموم، لكون الخلفية وراء ملاحظته هذه، توحي بأن الرسالة في نظره هي لبولس، في مضمونها، إن لم نقل إنها جاءت بقلم بولس نفسه.

يكتب: “إن كنت أبدي رأيي، عليّ التصريح بأن الأفكار هي أفكار الرسول… لذا، إن كانت أية كنيسة تعتبر أن هذه الرسالة هي لبولس، فهي تستحق الثناء على موقفها هذا. فالأقدمون لم يروا من دون سبب أن بولس هو كاتبها” (هذا الأمر مذكور في “التاريخ الكنسي” لـ “يوسابيوس” 6، 25، 14).

إن الرسالة، كما هو مسلم به، مجهولة الكاتب. لكن من الواضح أن الذين جرى توجيه الرسالة إليهم في الأصل، كانوا يعرفون كاتبها، بما أنه يدعوهم للصلاة لأجله لكي يرد إليهم بسرعة (13: 18-24). هل بإمكان بولس أن يكون هو الكاتب؟ ففي مصر وإفريقيا الشمالية، يبدو أنه لم ينشأ أي جدال جدي حول بولس بصفته هو الكتاب. لكن هذه المسألة أثيرت في إيطاليا، وفي روما بالتحديد.

كدليل على الاحتمال الأول، نعرف عن بولس أنه كان في كل رسائله يفصح عن اسمه، إلا أن “يوسابيوس” (“التاريخ الكنسي” 6. 14) يخبرنا أن “إقليمندوس الإسكندري” (155-215) أعلن أن بولس كتب الرسالة إلى المسيحيين العبرانيين بالعبرانية، وأن لوقا ترجمها بكل اهتمام إلى اليونانية ونشرها بين المسيحيين الناطقين باليونانية، وأن بولس حذف اسمه احتراماً لربه الذي كان ينظر إليه كالرسول الحقيقي للعبرانيين (3: 1؛ راجع رومية 15: 8) ولتجنب أن تتولد لدى اليهود أية أفكار مسبقة ضد الرسالة، الأمر الذي كان سيحصل بالتأكيد في حال عرفوا أنه هو الذي كتبها.

ولئن جرى حذف هذه الرسالة من “القانون الموراتوري” (ربما بسبب حالة الفساد المتفشي في نص ذلك القانون). ضم “يوسابيوس” نفسه هذه الرسالة إلى مجموعة “الأربع عشرة” رسالة لبولس (“التاريخ الكنسي”، 3,3). تعكس هذه الملاحظة، بلا شك، رأي سابق كما ورد

(1) في المخطوطة P46 (نحو عام 200) والتي تجعل الرسالة إلى العبرانيين بين رومية وكورنثوس الأولى،

(2) وفي سلف المخطوطة “فاتيكانوس” حيث جعلت بين غلاطية وأفسس،

و(3) على صعيد معظم النسخ اليونانية التي تجعلها بعد 2تسالونيكي.

جميع هذه المواقع الثلاثة، تشير ضمناً إلى أن الكتاب هو بولس. إلى ذلك، كل من “جيروم” (أورشليم) وأغسطينوس (افريقيا الشمالية) يقتبسانها على اعتبار أنها بقلم بولس. يدعم الدليل الداخلي أيضاً شرعية اقتراح أنه من المحتمل أن يكون بولس هو الكاتب. يظهر طابع بولس بكل تأكيد عليها من خلال التماسه من قرائه أن يصلوا لأجله (راجع 1تسالونيكي 5: 25؛ رومية 15: 30، 31؛ أفسس 6: 19، 20).

كما أن إشارة الكاتب إلى “أخينا تيموثاوس” (13: 23) تذكرنا ببولس بكل تأكيد (راجع 1تسالونيكي 3: 2؛ 2كورنثوس 1: 1؛ كولوسي 1: 1؛ فليمون 1: 1). إلى ذلك، ثمة تجانس حقيقي في اللغة ما بين الرسالة ورسائل بولس. لنلاحظ المقارنات التالية:

  • عبرانيين 1: 4: “بمقدار ما روث اسماً أفضل منهم….”، مع فيلبي 2: 9: “وأعطاه [الله] اسماً فوق كل اسم”.
  • عبرانيين 2: 2: “إن كانت الكلمة [أي الناموس] التي تكلم بها ملائكة….”، مع غلاطية 3: 19: [الناموس] مرتباً بملائكة…”.
  • عبرانيين 2: 10: “الذي من أجله الكل وبه الكل…”، مع رومية 11: 36: “لأن منه وبه وله كل الأشياء…”.
  • عبرانيين 7: 18: “…فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها…”، مع رومية 8: 3: “الناموس عاجزاً عنه، فيما كان ضعيفاً بالجسد…”.
  • عبرانيين 7: 27: “…قدم نفسه…”، مع أفسس 5: 2: “… وأسلم نفسه لأجلنا، قرباناً وذبيحة لله رائحة طيبة…”.
  • عبرانيين 8: 13: “… فإذ قال “جديداً” عتق الأول…”، مع كورنثوس 3: 11: “لأنه إن كان الزائل [الناموس] في مجد، فبالأولى كثيراً يكون الدائم [العهد الجديد] في مجد!”.
  • عبرانيين 10: 1: “… لأن الناموس، إذ له ظر الخيرات العتيدة…”، مع كولوسي 2: 17: [ناموس الطقوس] ظل الأمور العتيدة…”.
  • عبرانيين 10: 33: “من جهة مشهورين بتعييرات وضيقات…”، مع 1كورنثوس 4: 9: “… لأننا صرنا منظراً للعالم…”.
  • عبرانيين 11: 13: “… وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء على الأرض…”، مع أفسس 2: 19: “… فلستم إذاً بعد غرباء ونزلاً…”.
  • عبرانيين 12: 18-22: “لأنكم لم تأتوا إلى جبل [سيناء]، بل قد اتيتم إلى جبل صهيون…، على أورشليم السماوية….”، مع غلاطية 4: 25، 26: “لأن هاجر جيل سيناء وأما أورشليم العليا، التي هي أمنا جميعاً…”.

أخيراً، يحتل شخص المسيح وعمله مكانة مركزية هنا، كما في رسائل بولس.

في نظري، أعطي التصريح في 2: 3 أهمية أكثر بكثير من اللزوم “… إن أهملنا خلاصاً هذا مقداره؟ قد ابتدأ الرب بالتكلم به، ثم تثبت لنا من الذين سمعوا” على اعتبار أنه “النقطة الأهم” ضد اعتبار أن بولس هو الكاتب[1].

من المفترض أن التصريح بحسب هذه التركيبة، يعلم حقيقة كون الكاتب مسيحياً من “الجيل الثاني”، وقد سمع الإنجيل من الرسل، وكان قد اهتدى نتيجة كرازتهم. هذا الأمر يستبعد أن يكون بولس هو الكتاب بما أنه يدعي في غلاطية 1: 12 أنه تسلم الإنجيل من المسيح مباشرة (راجع أعمال 9: 1-9). لكن الآية من عبرانيين 2: 3 لا تؤكد بتركيبتها، هذا الأمر.

فهي لا تذكر أن الكاتب كان قد سمع الإنجيل من الرسل، واهتدى. لكنها تقول بالحري إن رسالة الخلاص كانت قد تثبتت (إبيبايأوثي) من الذين سمعوا الرب. أمامنا هنا إشارة ضمنية إلى أن الكاتب كان على علم من قبل بهذه الرسالة، في وقت تثبتها له.

وقد يكون هذا ما فعله الرسل لبولس بمناسبة زيارته الثانية إلى أورشليم، والتي يأتي على ذكرها في غلاطية 2. من المؤكد أن ما فعله الرسل، كما يصفه بولس في غلاطية 2، يوحي بأنه “نشاط للتثبيت”.

أما فيما يتعلق بأسلوب الرسالة وقواعد اللغة فيها (سبق لي أن درست الرسالة في العمق في اللغة الأصلية، اليونانية، في عدة مناسبات) ومضمونها العقيدي، أسلم بأن هذه المسائل تختلف بشكل جذري في بعض النواحي عن رسائل بولس الأخرى التي كان قد خص بها كنائس أو أفراداً بالتحديد. غير أن المرسل إليهم بالتحديد في هذه الرسالة، كما محتواها، والقصد منها، واستعانة بولس بكاتب لتحريرها (لوقا، على الأرجح)، قد يكون لهذه جميعها تأثيرها في أسلوب الرسالة ومفرداتها.

لا شيء في مضمون الرسالة، ما كان بمقدور بولس كتابته. ومن الصعب إدراك لماذا أقدمت الكنيسة الأولى على قبول هذه الرسالة لكونها قانونية، إن لم يكن الرب قد قاد كنيسته في نهاية المطاف إلى استخلاص أنها كتبت بواسطة رسول كان قد أوحي إليه[2].

 

قانونية رسالة يهوذا

الأسباب التي تحمل على التشكيك في كون يهوذا هو الكاتب، هي قليلة. ويهوذا هذا هو أخو يعقوب، والأخ الأصغر غير الشقيق ليسوع نفسه. كما أن هذه الأسباب هي محتملة، كما يكتب “سلموند”: أي مزور كان عليه اختيار اسم مغمور بهذا الشكل كاسم يهوذا لكي يختبئ وراءه”[3]. فقربة الدم التي تربط يهوذا بكل من يسوع ويعقوب، مع كونها لا تضفي بحد ذاتها الطابع القانوني على الرسالة، ساهمت بلا شك في قبولها.

أدرج “يوسابيوس” هذه الرسالة بين الكتب “التي جرى التكلم ضدها” بما أن عدداً كبيراً من الآباء الأوائل لم يأت على ذكرها. إلا أنه يسلم بأن بعضاً منهم أقدم على ذلك. يصرح “جيروم” بأنها كانت محط تساؤل في بعض الأوساط من جراء، على ما يبدو، اقتباسها سفر أخنوخ، “إلا أنها اكتسب سلطة بسبب قدمها ومدى استخدامها، وهي محسوبة بين الأسفار المقدسة” (راجع الفصل الرابع من كتابه “فهرس الكتاب الكنسيين” Catalog of Ecclesiastical Writers).

إلا أنه من غير المؤكد كون يهوذا يقتبس أخنوخ، إذ لعله اعتمد على التقليد اليهودي عينه، وذلك على غرار سفر أخنوخ. إلى ذلك، فإن كتاباً آخرين للكتاب المقدس، من لا تثار أية شكوك حول وحي كتاباتهم وسلطتهم، يقتبسون أيضاً مصادر غير موحى بها، من دون تعريض قانونية كتاباتهم للخطر[4]. لذا، يجب عدم استخدام هذه الحقائق ضد قانونية رسالة يهوذا.

وعلى أحدنا استخلاص أن الله بعنايته، قاد كنيسته للاعتراف بالطابع القانوني لهذه الرسالة كشهادة موحى بها على “الأيمان المسلك مرة للقديسين”. من هنا، فإن مجمع لاودكية المنعقد خلال العامين 363 و397. أقدم على ضمها إلى أسفار العهد الجديد القانونية في ذلك الوقت.

 

قانونية رسالة بطرس الثانية

يعرف الكاتب عن نفسه على أنه “سمعان بطرس عبد يسوع المسيح ورسوله” (1: 1)، ويصرح بأن الرب كان قد كلمه عن اقتراب موته (1: 14؛ راجع يوحنا 21: 18، 19). كذلك يدعي بأنه كان شاهد عيان وشاهداً لما سمع خلال حادثة تجلي المسيح (1: 16-18). وبأنه كتب لقرائه رسالة سابقة (3: 1)، ويشير ضمناً إلى معرفته بـ “أخينا الحبيب بولس” (3: 15، 16). كل هذا يعرض دليلاً داخلياً متيناً بشكل استثنائي على كون بطرس هو كاتب 2بطرس.

ومع هذا، شكل 2بطرس، على الأرجح، أكثر سفراً من العهد الجديد أثير حوله جدل خلال القرون الثلاثة الأولى من الحقبة المسيحية. وفي غياب أي دليل على أن جزءًا من الكنيسة الأولى أقدم قط على اعتبار هذه الرسالة “مزيفة”[5]، فإن “يوسابيوس” (“تاريخ الكنيسة” 3: 3) مع كونه يوضح أن “غالبية [الدارسين] قبلوا الرسالة على اعتبار أنها صحيحة”[6]، عاد وأدرجها ضمن قائمة الكتب “التي هي محط جدل” (“الأنتيليغومينا”)، بما أن “الشيوخ الأقدمين” لم يقتبسوها، ولعله قصد بذلك أنهم لم يقتبسوها بالاسم”.

كيف علينا تفسير ظاهرة عدم اقتباس آباء الكنيسة هذه الرسالة إلا قليلاً؟ لماذا لم يصر إلى اقتباسها على نطاق أوسع خلال القرون الأولى من الحقبة المسيحية؟ بالإمكان عرض أمور عدة في سياق الإجابة عن هذا السؤال.

أولاً، طبيعة الرسالة وقصرها، قد يفسر جزئياً لماذا جرى اقتباسها قليلاً. وكما يكتب “تشارلس بغ”: “أنها تحوي عدداً قليلاً جداً من العبارات القابلة للاقتباس. لذا، نادراً ما تقتبس حتى في يومنا الحاضر”[7].

ثانياً، كانت الكنيسة في القرنين الثاني والثالث قد غمرت بمجموعة عديدة من الكتابات الحاملة أسماء مستعارة وتدعي بأن بطرس كتبها. من الطبيعي إذاً أن تثار بعض الشكوك على أية رسالة تدعي أنها بقلم بطرس[8]. ثالثاً، وكما يقترح “أ. هـ. بلامبتر”: “معشر المعلمين الكذبة المدانين في الرسالة، سيبذلون قصار جهدهم لتشويه سمعتها وإخفائها[9].

وأخيراً، وكما يقترح “إفريت ف. هاريسن” بما أنها رسالة عامة، بمعنى أنها لم تكن موجهة إلى أية جماعة معينة. “ما من جماعة واحدة التزمت صونها والمحافظة عليها والترويج لها على نطاق أوسع”[10]. هذه الأسباب قد تفسر التردد في قبول هذه الرسالة في بعض أوساط الكنيسة.

إلا أنه يجب ملاحظة وجود أسباب للاعتقاد أن يهوذا استعان بمواد منها، متعاملاً معها على أنها صاحبة سلطة. إلى ذلك، فإن “يوستينوس الشهيد” اقتبسها بشكل يدل على أنه اعتبرها صاحبة سلطة؛ كما أن “مليتو من ساردس” يظهر اعتماداً على 2بطرس 3: 5-7، 10-12؛ و”ثاوفيلس الأنطاكي” في كتابه (أد أوتوليكوم) (الكتاب الثاني، 13) أشار إلى 2بطرس 1: 19؛ “إيرينايوس” في كتابه (ضد الهرطقات)، (الكتاب الثالث، 1؛ الكتاب الرابع، 36,4؛ الكتاب الخامس، 28,3) أشار أيضاً إلى الرسالة؛ و”أقليمندوس الإسكندري، الذي كان قد أعلن تمسكه “بتلك الكتب فقط التي وجد في كل مكان تمسكاً بها كما لو أنها صادرة عن الرسل”[11]، كتب تفسيراً لرسالة 2بطرس.

“فيرميليان” في آسيا الصغرى، بدوره اقتبسها كرسالة لها سلطة لبطرس “الرسول المبارك”، وذلك في سياق كتابته إلى “كبريانوس” في أفريقيا الشمالية، الأمر الذي يوحي من موقعي الذي كتب والذي استلم، الاتفاق على هوية الكاتب على صعيد كوني. “أوريجانوس”، اقتبسها ست مرات، على الأقل، كرسالة لبطرس، وكواحدة من جملة الأسفار المقدسة. الصيغتان العظميان المصريتان من القرن الثالث، “البحيرك”، و”الساحدك”، شملاها مع سائر الأسفار المقدسة. المخطوطة P32 قبلتها مع الأسفار المقدسة، وكذلك الأمر مع “جيروم” الذي قبلها في “الفولقاطة”.

وأخيراً، نجد كيف أن آباء الكنيسة “أثناسيوس”، و”إبيفانيوس”، و”أمبروزيوس”, و”كيريلوس الأورشليمي”، و”هيلاري من بواتييه”، و”غريغوريوس النازيانزي”، و”باسيليوس الكبير”، و”أغسطينوس، أسقف هيبو”، جميع هؤلاء قبلوا رسالة بطرس على أنها رسالة قانونية.

 

قانونية رسالة يوحنا الثانية

تقد رسالة يوحنا الثانية ما قبل أقصر رسالة في العهد الجديد. كما أنها لجهة محتواها، تبدو نسبياً خالية من أية أهمية بما أنه يرجح أنها من صنف “الرسالة التمهيدية” الموجهة إلى الكنيسة (السيدة المختارة)، والتي كان قد أرسل إليها يوحنا كلاً من إنجيله ورسالته الأولى الأطول. ولئن يدرجها “يوسابيوس” (“التاريخ الكنسي” (3: 25) مع الأسفار التي يدور حولها جدل (الإنتيليغومينا)، إلا أن الدليل الخارجي على كون الرسول يوحنا هو الذي كتبها، عظيم الشأن، كما أن “إيرينايوس” (نحو 140-203)، يقتبسها مرتين في كتابه “ضد الهرطقات”.

كذلك، يتحدث “اقليمندوس الإسكندري” (نحو 155-215)، في كتابه “ستروماتا” (2: 15) عن “رسالة يوحنا الأطول”، مقراً بذلك أن يوحنا كان عنده رسالة واحدة، على الأقل، أقصر. والقانون “الموراتوري” (تقريباً 170)، وبعد إشارته إلى 1يوحنا وارتباطها بالإنجيل الرابع، يتحدث عن “رسالتين ليوحنا المذكور قبلاً”، ما يبين أن 2يوحنا و3يوحنا كانتا معروفتين في روما قبل نهاية القرن الثاني.

كما أن “كبريانوس”، أسقف “قرطاجة” (نحو 200-258)، في كتابه “حول معمودية الهراطقة”، روى عن “أوريليوس” أسقف “شلابي” أنه اقتبس 2يوحنا 10، 11 خلال مجمع قرطاجة في 256، كما أن مجمع قرطاجة الثالث في 397، أقر بكل تأكيد بقانونية هذه الرسالة. يعرض “ألفرد بلامر” عن حق الملاحظة التالية: “…. بالتحديد، هؤلاء الشهود الأقرب إلى القديس يوحنا، هم مع الصفة الرسولية لكتابتها [2يوحنا]، ولا يراعون بشأنها أي رأي آخر”[12].

 

قانونية رسالة يوحنا الثالثة

تعد 3يوحنا الرسالة الأقصر في العهد الجديد. وجهت إلى غايس، على الأرجح راعي الكنيسة التي كانت قد استلمت إنجيل يوحنا ورسالته الأولى. قصد منها يوحنا أن تكون ملحوظة خصوصية من الإرشاد والتحية تلي المحتوى الأساسي لتعليم يوحنا المتضمن في إنجيله وفي 1يوحنا. اعتبر “إدغار ج. غدسبيد” أن رسائل يوحنا الثلاثة كانت تنتقل من مكان إلى آخر كمجموعة واحدة، الأمر الذي جعل الكنيسة القديمة تشير إليها بشكل مختلف كرسالة واحدة، أو رسالتين، أو ثلاث رسائل[13].

رأي هو أيضاً في 2يوحنا و3يوحنا “رسالتين تمهيديتين” لكل من إنجيل يوحنا و1يوحنا. وكان يوحنا قد بعث بهما إلى كل من الكنيسة والراعي اللذين كانا سيتسلمان إنجيله و1يوحنا. مضمونها المختصر، وعدم أهميته نسبياً، أضف إلى ذلك حقيقة كونها ذات طابع خصوصي، أديا إلى عدم قراءتها على نطاق واسع في الكنائس. ومع هذا، أصبحت 3يوحنا معروفة على نطاق واسع، وبفضل العناية الإلهية وصلت إلى مرتبة الأسفار القانونية. وفي هذا، الشهادة على صحة التقليد الذي كان قد نسبها منذ أبكر الأزمنة إلى الرسول يوحنا.

 

قانونية رؤيا يوحنا

ومن جراء طابع هذا السفر الرمزي والمبهم، وغموض محتواه، وبسبب الاعتبارات العقيدية المناهضة للملك الألفي والمعبر عنها في أنحاء الكنيسة، جرى إدراج رؤيا يوحنا في البدء مع الأسفار التي يدور جدل حولها (الأنتيليغومينا). لكن “بابياس” علق على رؤيا 12، ويوستينوس الشهيد (نحو 100-165) في كتابه “حوار مع تريفو”، 81، والمكتوب في نحو 155-160، صرح بأن الرسول يوحنا كان قد تسلم هذه النبوة من المسيح.

في كتابه “ضد الهرطقات” اقتبس “إيرينايوس” (مات عام 202)، كل فصل تقريباً من الكتاب، وقبله كأحد الأسفار المقدسة القانونية، ونسب الكتاب إلى “يوحنا، تلميذ الرب” (4: 11؛ 5. 26. 1). اقتبسه “ترتوليانوس” (نحو 150 – نحو 225) باستمرار، وقبله كعمل الرسول يوحنا. كذلك، “اقليمندوس الاسكندري”، (155-215) مع “أوريجانوس” (185-253) قبلاً الرؤيا كواحد من الأسفار المقدسة الموحى بها بقلم الرسول يوحنا؛ ويذكره القانون “الموراتوري” (نحو 170) كسفر مقبول على صعيد كوني في روما.

بعد 215، لم يحصل أي تشكيك جدي في قانونية هذا السفر في الكنيسة الغربية. كما أنه مع نهاية القرن الرابع، اختفت وتوارت أية مقاومة لهذا السفر على صعيد الكنيسة الشرقية.

يتبين لنا من هذه المعلومات وجود أسباب وجيهة، من الزاوية البشرية، بالإمكان عرضها دعماً “لرسولية”، وبالتالي قانونية جميع هذه الأسفار “التي يدور حولها جدل” في العهد الجديد. بالطبع، لن يبني المسيحي في نهاية المطاف إيمانه بشكل حاسم على هذه المعلومات، بل بالحري بكل ثقة على افتراض أن الله قاد كنيسته خلال القرون الأربعة الأولى لتمييز تلك الأسفار التي قصد لها أن تكون مشمولة من ضمن قانون العهد الجديد.

إني أعني بذلك الأسفار السبعة والعشرين المقبولة على وجه العموم، هذه الأسفار التي كان قد أوحى بها هو، والتي بوسعها الشهادة لأحداث الإيمان المسيحين المركزية والتاريخية المتعلقة بالفداء. هذه الأسفار التي أراد للكنيسة أن تصونها لاستمرار صحتها الروحية.

[1] (Grand Rapids: Baker, 1994), 7. Simon J. Kistemaker, Exposition of the Epistle to the Hebrews.

[2] أوصي القارئ بأن يراجع الكتاب

  1. Laird Harris, Inspiration and Canonicity of the Bible (Grand Rapids: Zondervan, 1957), 263-70.

يتناول هذا الكتاب بإسهاب دليل الآباء ويستخلص أن العبرانيين “رسالة حقيقية لبولس الذي استعان ببرنابا كسكرتير له” (269)، مع أنه يسلم بأن شخصاً آخر قد يكون بولس قد استعان به لكتابتها (لوقا، برأيي، هو الأكثر احتمالاً). يرى بعضهم أن برنابا قد يكون الكتاب في الأصل، لأنه ولكونه لاوياً (أعمال 4: 36) كان ملماً بطقوس الهيكل. ولكونه، من جهة أخرى، “ابن الوعظ [التعزية]” (13: 22) لعله هو الذي كتب “كلمة الوعظ” (13: 22). إلا أن “دونالد غثري” يستخلص في محله أن أية معلومات ملزمة ومقنعة عن كون برنابا هو الكاتب “غير متوافرة عملياً”

(New Testament Introduction [Fourth Edition; Downers Grove, I11.: InterVarsity Press, 1990], 675).

[3] S. D. F. Salmond, “The Genral Epistle of Jude” in The Pulpit Commentary (Grand Rapids: Eerdmans, 1950), 22, vi.

[4] يقتبس بولس “أراتس من صقلية (أعمال 17: 28)، “إبيمنيدس الكريتي (تيطس 1: 12) مع “منندر”، كاتب الكوميديا اليونانية ثايس (1كورنثوس 15: 35).

[5]Donald Guthrie, New Testament Introduction [Third Edition; Downers Grove, I11.: InterVarsity, 1970], 819.

[6] Guthrie, New Testament Introduction, 817.

[7] Charles Bigg, Epistles of St Peter and St Jude (ICC: Edinburgh: T. & T. Clark, 1902), 211.

[8] Guthrie, New Testament Introduction 818.

[9] E. H. Plumptre, The General Epistles of St. Perter and St. Jude (Cambridge: University Press, 1879), 81.

[10] Everett F. Harrison, Introduction to the New Testament (Grand Rapids: Eerdmans 1971), 415.

[11] Benjamin B. Warfield, “The Canonicity of Second Peter” in Selected Shorter Writings of Benjamin B. Warfiede, edited by John Meeter (Nutley, N. J. Presbyterian And Reformed, 1973) II, 51.

أنا أوصي بقراءة مقال:

  1. M. B. Green’s Second Peter Reconsidered (London: Tyndale, 1961).

هذه الدراسة الرائعة ثمر بحث أصلي حيث برع الكاتب في دحض المزاعم بأن 2بطرس هي “عمل تزوير تقوي” (إنه في نظري، يحاجج بشكل مغلوط في معرض حديثه عن أولوية رسالة يهوذا على 2بطرس). عندما أيضاً الدفاع الموجز لكن العميق، عن كون بطرس هو كاتب 2بطرس، بقلم “غليسن ل. أرشر الابن” في:

Encyclopedia of Bible Difficulties (Grand Rapids: Zondervan, 1982), 425-27.

[12] Alfred Plummer, The Epistles of St. John (Cambridge: University Press, 1889), 53.

[13] Edgar J. Goodspeed, An Introduction to the New Testament (Chicago: University Press, 1937), 324.

قانونية الأسفار التي يدور حولها جدل

عملية إقرار قانونية أسفار العهد الجديد

عملية إقرار قانونية أسفار العهد الجديد

عملية إقرار قانونية أسفار العهد الجديد

عملية إقرار ما هي أسفار العهد الجديد القانونية

حاججنا في الفصل السابق على أن الكنيسة ورثت قانون العهد القديم من الديانة اليهودية الفلسطينية، وتعاملت مع هذا القانون القديم بجملته على أنه “أقوال الله” (رومية 3: 2)، كما علم يسوع. حاججنا أيضاً على أن يسوع، منح مصادقته المسبقة على كُتاب العهد الجديد كمعلمي العقيدة. أسفر عن ذلك إقدام الكنيسة الرسولية على إضافة إلى ذلك القانون، كتابات الرسل بحيث اعتبرتها أيضاً بمثابة كلمة الله. هذا ما تؤكده وتثبته الأسفار المقدسة نفسها، ولا مجال للمجادلة حوله.

أما تصل الكنيسة إلى إدراك ما هي بالتحديد تلك الأسفار التي يجب إدراجها ضمن قانون العهد الجديد، فقد حصل ذلك بموجب عملية بطيئة تكاد لا تكون محسوسة. يكتب “هرمن ن. ردربس” في هذا السياق:

لم يجر قط أي بحث [بين الآباء الرسوليين قبل نحو عام 170م] حول “قانونية” معظم كتابات العهد الجديد [وفي النهاية أي منها]. فالكنيسة لم تنظر قط إلى تلك الكتابات على أنها أي شيء آخر غير الشهادة ذات السلطة إلى زمن الفداء العظيم… أما الارتياب في بعض هذه الكتابات… فلم ينشأ إلا لاحقاً نتيجة لبعض الأفعال التي حصلت داخل الكنيسة أو ضدها[1].

إنما يشير “ردربس” من خلال تعليقه الأخير، إلى زمن نحو 160م عندما أقدم “ماركيون”، الهرطوقي الغنوسطي، على التنكر لكل قانون العهد القديم، وعلى قبول فقط كسلطة من العهد الجديد، صيغة مشوهة لكب من إنجيل لوقا وسفر الأعمال مع عشر رسائل “مصححة” فقط لبولس. وهكذا، أصبحت مسألة قانون العهد الجديد موضوع اهتمام في بعض مناطق الكنيسة.

ويبدو أن هذه الريبة المناطقية “أضرت بما كانت تحظى به وثيقة ما من سلطة منذ البداية، كما دمرت اليقين الذي كانت الكنيسة تنعم في الأصل “بشأن أسفار العهد الجديد[2]. ومع هذا، بحسب “القطعة الموراتورية”، العائد تاريخها إلى نحو 175م، لم تكن الكنيسة على العموم تراعي أية شكوك بشأن قانونية الأناجيل الأربعة، وسفر الأعمال، وثلاث عشرة رسالة من رسائل بولس، مع 1يوحنا، و1بطرس.

أما قانونية الأسفار السبعة الباقية فظلت محط اهتمام في بعض مناطق الكنيسة على مدى نحو القرنين. لكن على قدر ما نمت المناطق المتعددة للكنيسة بعضها مع بعض على صعيد روابطها المسكونية، اتضح أكثر فأكثر أن الشكوك التي حامت حول هذه الكتابات، كانت مناطقية فقط، ولم تكن كونية قط كما أن هذه الشكوك المناطقية، تناقضت على نطاق واسع، مع ما آمنت الكنيسة به بشأن هذه المسائل لوقت طويل.

وعليه، فإن الأسفار السبعة شقت طريقها في الكنائس ببطء، وذلك بمعزل عن أية لجنة من اللاهوتيين أو أي قرار صادر عن مجمع كنيسي[3]، إلى أن احتلت في نهاية المطاف مكاناُ ثابتاً ودائماً ضمن القانون الأوسع لكنيسة العهد الجديد. وعلى أثر ذلك، طالب مجمع “قرطاجة” الثالث بألا يقرأ أي شيء في الكنيسة تحت صفة الأسفار الإلهية، ما عدا “الأسفار القانونية”. من ثم أكد بالتحديد أن قانون العهد الجديد يضم مجموعة أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين.

بعد هذا الأمر الواقع، بحث الدارسون المسيحيون مطولاً عن المعايير التي كانت الكنيسة الأولى قد اعتمدتها خلال هذه القرون الأولى لتقرير قانونية أحد الأسفار: الرسولية، القدم، استقامة التعليم فيه، اتساع رقعة انتشاره، مقدار وفرة قراءته، ووحيه؛ هذه جميعها، جرى اقتراحها.

غير أن “ريتشارد ب. غافن” الابن، حاجج عن حق في نظري، على أن الدراسات والأبحاث عجزت عن تحديد المعايير التي كانت قد اعتمدت في معرض تحديد قانونية الأسفار، بمعزل عن التهديد في الوقت عينه بتقويض قانون العهد الجديد كما كان قد وصل إلينا. المعضلات التي تنشأ من هذه المعايير هي التالية:

  • معيار الرسولية لا ينطبق على مرقص، ولوقا، والأعمال، وربما العبرانيين، ويهوذا، وعلى الأرجح أيضاً رسالة يعقوب. هذا المعيار يفوته عرض السبب وراء عدم تضمين القانون بعضاً من رسائل بولس الأخرى (1كورنثوس 5: 9؛ 2كورنثوس 2: 4، 9؛ كولوسي 4: 16).
  • معيار القدم هو صيغة مختلفة عن المعيار السابق، كما أنه يفوته أيضاً تفسير لماذا لم يجر إدراج “رسالة بولس السابقة” (1كورنثوس 5: 9) ضمن القانون مع أنها أقدم من الرسالة إلى العبرانيين، فيما اعتبرت هذه الرسالة قانونية.
  • لا يفسر معيار وفرة قراءة السفر، سبب رفض بعض الوثائق من صنف “راعي هرماس”، و”الديداخي”، مع أن هاتين الوثيقتين. كانت تقرآن من حين إلى آخر في العبادة الجهورية، في حين جرى ضم ضمن القانون وثائق أخرى مثل 2بطرس، و2يوحنا، و3يوحنا، ويهوذا، حيث الدلائل على قراءتها قليلة جداً.
  • معيار الوحي، مع كونه ضرورياً بكل تأكيد للقانونية، لا يستطيع تفسير ما هو السبب وراء عدم شمل رسالة بولس إلى اللاودكيين (كولوسي 4: 16) في القانون، مع أنها رسولية، وموحى بها، ويجب قراءتها في الكنائس.

يجادل “غافن” أيضاً أن كل المحاولات المبذولة لبرهان هذه المعاير، إنما تخضع سلطة القانون إلى نسبية البحث التاريخي وإلى الإدراك البشري غير المعصوم عن الخطأ[4]. يلحظ “ردربس” أيضاً في هذا السياق:

…. مهما كان الدليل على الرسولية قوياً (وبالتالي على القانونية) في حالات عدة، ومهما كانت الحجج المؤيدة لرسولية بعض الكتابات[5]. من غير الممكن أن تشكل الأحكام التاريخية الأساس الأخير والأوحد لقبول الكنيسة العهد الجديد لكونه قانونياً. أما قبول العهد الجديد على هذا الأساس، فهذا يعني أن الكنيسة تكون، في نهاية المطاف، قد أرست أسس إيمانها على النتائج التي آلت إليها الأبحاث التاريخية[6].

لو صح ذلك، لا يعود بإمكان أحد أبداً معرفة بالتأكيد، بمعزل عن تصريح مباشر صادر عن الله بشأن هذه المسألة، أن هذه الأسفار السبعة والعشرين هي وحدها التي قصد لها الله أن تكون ضمن قانون العهد الجديد. كذلك، لا يعود بإمكان أحد أبداً معرفة بالتأكيد إن كان العهد الجديد يتضمن سفراً كان يجب عدم تضمينه، أو لعله لا يتضمن سفراً كان ينبغي شمله ضمن القانون.

إذاً، إن كان البحث التاريخي والتقصي البشري المعرض للخطأ، لا يصلحان كأساس نهائي لقانونية الأسفار السبعة والعشرين في العهد الجديد، فما هي القوة المحركة وراء قانونيتها؟ من غير الممكن الإجابة عن هذا السؤال بشك يشبع الذهن في حال إصرار أحدنا على التفكير بمعزل عن الأسفار المقدسة. غير أن المسيحي سيقبل بالإيمان أن الكنيسة، وبترتيب إلهي تحت قيادة الروح القدس، حصلت على العدد الصحيح من الأسفار، كما على القائمة الصحيحة بالأسفار.

كل ما نعرفه بالتأكيد عن تاريخ القرون الأربعة الأولى من الكنيسة، يوحي بأن روح الله قاد الكنيسة بعناية إلهية – ليس بموجب عملية تصويت أقدم عليها مجمع كنيس ما، لكن بشكل غير محسوس وبما لا يرقى إليه الشك – عندما طرحت أسئلتها، مهما كانت، من أجل تبني تلك الأسفار التي كان قد قرر المثلث الأقانيم أن تشكل الأساس لتعليم الكنيسة العقيدي.

فيشكل على طول الحقبة المسيحية شهادة معصومة عن الخطأ للأحداث المركزية المجردة والعظمى للتاريخ الفدائي. وبذلك يكون “التقليد الرسولي” قد صادق على نفسه وأرسى نفسه مع الوقت داخل أذهان شعب الله، لكونه وحده هذا الأساس والشهادة المعصومين عن الخطأ. وباختصار، تكوين قانون أسفار العهد الجديد السبعة والعشرين.

بعد كل ما قيل وعمل، يبدو أنه في نهاية المطاف ليس من نتاج بشر أو مؤسسة كنسية ما، بل عمل الروح القدس وحده على قدر ما شهد داخل قلوب شعب الله ومنحهم أن يعوا على صعيد كوني أنها كانت تلك الأسفار التي يترتب عليهم الاصغاء إلى سلطتها. يصرح “مارتن هـ فرانزمان” في هذا السياق أن لا أحد من الآباء الرسوليين قبل عام 170م.

…. يسأل صراحة أو يجيب عن السؤال: “أية أسفار يجب تضمينها ضمن قائمة تلك التي لها طابع معياري بالنسبة إلى الكنيسة؟” لكن ما نجده فعلاً في كتابات المدعوين آباء رسوليين… الشهادة لحقيقة كون الأسفار المعدة لتصبح قانون العهد الجديد هي هناك، وتعمل في الكنيسة منذ البداية…

ثانياً، نجد الشهادة لحقيقة أن فكر الكنيسة وحياتها كانا قد تشكلا منذ البداية، بموجب مضمون كتابات العهد الجديد…. كان بوسع الله وحده، الذي هو الرب فعلاً على كل التاريخ، المجازفة والمخاطرة من خلال الطريقة التي بها أدخل كلمته إلى التاريخ. كان بإمكان الله وحده الذي، في المطلق، يسود على شعبه من خلال روحه، أن يقود كنيسته الضعيفة، والمحاصرة بالأعداء، والمضطهدة إلى طرح الأسئلة الصحيحة بشأن الأسفار التي تطلب من شعب الله أن يمنحوها ولاءهم والفوز بالإجابات الصحيحة.

وكان بإمكانه وحده أن يختم تحت إرشاد الروح القدس على ما كان حقاً رسولياً وبالتالي صاحب سلطة… كما أن روح الله كان بإمكانه وحده أن يجعل الناس يرون وجود كلمة تستلزم إطاعة شعب الله لها، وبالتالي فرضت نفسها بصفتها كلمة الله، وعليها بكل تأكيد رفع من الساحة كل شيء آخر يدعي بأنه من الله.

هذا ما فعله قانون السبعة والعشرين سفراً. فهو أثبت نفسه خلال القرون الأولى من الكنيسة وحافظ على نفسه باستمرار في حياة الكنيسة… وسيحافظ على نفسه فيما بعد…. الأسفار السبعة والعشرون هي حاضرة هناك في الكنيسة. وهي تعمل داخل الكنيسة. إنهما كما أطلق عليها أثناسيوس التسمية: “ينابيع الخلاص” للعالم المسيحي[7].

يلحظ أيضاً “ف. ف. بروس” في هذا المجال:

بكل تأكيد، وبينما ينظر أحدنا رجوعاً إلى عملية تحديد الأسفار القانونية خلال القرون الأولى للمسيحية، ويتذكر بعض الأفكار التي كان بمقدور كتاب الكنيسة من تلك الحقبة صياغتها، من السهل استنتاج كيف أنهم لبلوغ خلاصة حول حدود القانون، كانت تقودهم في ذلك حكمة أسمى من حكمتهم البشرية. يبدو أن أولئك الذين كانت أذهانهم قد تشكلت إلى حد كبير بالأسفار التي كان ينظر إليها كقانونية، وجدوا أنه من الطبيعي أن يصدروا حكماً من هذا النوع.

لكن ليس من قبيل الإدراك المتأخر للأمور، القول مع “وليم باركلي” إن “أسفار العهد الجديد أصبحت قانونية، بما أنه ما كان باستطاعة أحد الحؤول دون فعلها ذلك”. أو حتى بلغة “أوسكار كلمان”، “الأسفار التي كانت لتنشئ القانون العتيد، فرضت نفسها على الكنيسة بفضل سلطانها الرسولي المفطورة عليه في جوهرها، كما لا تزال تفعل، بما أن المسيح الرب يتكلم خلالها[8].

د. أ. كارسن، دوغلاس ج. مو، وليون موريس يعلنون موافقتهم:

…. إنه لمن الأهمية بمكان ملاحظة كيف أنه في غياب أية آلية كنسية لفرض القرارات، على شاكلة البابوية في القرون الوسطى، توصلت الكنيسة المنتشرة في كل أنحاء العالم إلى قبول على صعيد كوني تقريباً، الأسفار السبعة والعشرين نفسها، إذاً، لم تكن الكنيسة هي التي وضعت القانون على قدر ما وضع القانون نفسه. هذه الفكرة كانت قد ذكرت مراراً، وتستحق أن تكرر.

كون الكنيسة بأكملها مبدئياً توصلت إلى اعتبار الأسفار السبعة والعشرين عينها قانونية، أمر رائع عندما نتذكر أن النتيجة لم يتم فرضها. كل ما كان بوسع الكنائس المتعددة المنتشرة في كل أرجاء الإمبراطورية فعله، هو الشهادة لاختبارهم الشخصي مع الوثائق والتشارك في أية معرفة قد يكونون حصلوا عليها من أصلها وعن طبيعتها. عندما نأخذ بعين الاعتبار التنوع في الخلفيات الثقافية وفي التوجه إلى أساسيات الإيمان المسيحي داخل الكنائس، فإن إجماعهم حول تلك الأسفار التي يجب أن تشكل العهد الجديد، يوحي بأن القرار النهائي في ذلك لم يتم فقط على المستوى البشري[9].

إذاً، في معرض الرد عن السؤال “بيت القصيد”، لماذا من جملة كل الأعمال الأدبية المرشحة للدخول في القانون، ومن جملة كل الكتابات الرسولية الموحى بها، بات أخيراً قانون العهد الجديد يتألف من السبعة والعشرين سفراً المعروفة لدينا؟ بوسعنا فقط استخلاص ما يلي مع “غافن”:

…. هذه الأسفار السبعة والعشرون وحدها، هي التي ارتأى الله أن يحافظ عليها، وهو لم يخبرنا لماذا…

بالنسبة إلى مسألة قانون العهد الجديد أيضاً، إلى أن يأتي يسوع، نحن نسلك بالإيمان، وليس بالعيان (2كورنثوس 5: 7). لكن ذلك الإيمان المؤسس على التقليد الرسولي للعهد الجديد، ليس اعتباطياً ولا هو أعمى. فله موجباته، وموجباته الوجيهة. وهو لا يتعارض إلا مع استقلالية المنطق[10].

عرضت في الفصلين السابقين وفرة من الأسباب للإيمان بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله الموحى بها[11]. الآن، أبغي تطبيق هذا الحق بقولي إن الراعي الذي يعظ من الكتاب المقدس عن قناعة وبقوة، ويطبق بكل جرأة وشجاعة ذلك السيف الماضي ذي الحدين على حياة رعاياه لكي يؤلم في حرقه ثم يعود فيشفي. وبفضل بلسم شفائه هذا، يسكن الأوجاع ويعزي، وبذلك يعصب جراحاتهم، ويقودهم إلى سبل البر، ذلك الراعي، سيكون راعياً حقيقياً في خدمة الرب يسوع، راعينا العظيم.

وسيشهد نتائج حية لما أعلنه الله عن كلمته: “لأنه كما ينزل المطر والثلج من السماء ولا يرجعان إلى هناك، بل يرويان الأرض ويجعلانها تلد وتنبت وتعطي زرعاً للزارع وخبزاً للآكل، هكذا تكون كلمتي التي تخرج من فمي. لا ترجع إليّ فارغة، بل تعمل ما سررت به وتنجح فيما أرسلتها له” (إشعياء 55: 10، 11).

إن المرشح للخدمة المسيحية الذي لا يؤمن بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله الموحى بها، عليه عدم الانخراط في الخدمة. ليس مكانه هناك. وفي حال كان في الخدمة من قبل، عليه إما الاعتزال عن الخدمة بما أنه كان يجب ألا يدخلها على الإطلاق، أو أقله عليه الإفصاح أمام رعيته عن أنه لا يؤمن بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله الموحى به. عندئذ، لا يعود أصحاب الحس يخضعون لسلطته بما أنه يكون قد فقدها بعد أن كان قد استمدها من سلطة كلمة الله.

كما أنه يصبح بوسعهم أن يرحلوا من عنده من أجل الإصغاء إلى راع آخر يؤمن بسلطان كلمة الله، ذلك لأن جميع العقائد الأخرى للإيمان الحق هي مشتقة من الكتاب المقدس الموحى به إلهياً وتستمد سلطتها منه: تشكل عقيدة الوحي حجر الأساس – الأم والحارس – لسائر عقائد الأسفار المقدسة! إنها تكتسب كل هذه الأهمية!

أوضح “لويس غوسن” أية أهمية حيوية تكتسبها عقيدة الوحي الحرفي بالنسبة إلى كل من الخدمة المسيحية، والفرد المسيحي. والإنسان العادي، وأمم العالم. أقدم على ذلك من خلال جعله مفارقة بين شخصين، أحدهما (وهو “غوسن” نفسه) الذي يراعي النظرة المستقيمة إلى الكتاب المقدس، لكونه “موحى به من الله” ولك قول فيه “نافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر” (2تيموثاوس 3: 16).

فيما الشخص الآخر يعتبر أن الكتاب المقدس هو أي شيء أقل من كونه كلمة الله نفسها – كتاب من الحكمة البشرية السامية، ربما، أو من الأساطير والفولكلور – أو شيء آخر ما عدا كونه كلمة الله. يكتب:

لو صح القول…. إن كل ما في الكتاب المقدس ليس له أهمية، ولا ينعكس على الإيمان، ولا علاقة له بيسوع المسيح. ولو صح القول بموجب رأي آخر، إن هذا الكتاب يخلو من أي شيء موحى به ما عدا ما له أهمية في نظرك، وهو ينعكس حقاً على الإيمان، وله حقاً علاقة بيسوع المسيح، في هذه الحال، يكون كتابك المقدس مختلفاً بالكلية عن كتاب الآباء، والمصلحين والقديسين من كل العصور. كتابك عرضة للخطأ فيما كتابهم كان كاملاً.

لكن هناك الشيء الكثير غير مجرد الفارق بيننا. ذلك لأنه بحسب إجابتك، لن يكون لدينا كتابان مقدسان وحسب، بل لن يتمكن أحد من معرفة ما هو عليه كتابك المقدس فعلاً.

إنه بشري وعرضة للخطأ، بحسب زعمك، إلى حد ما فقط، لكن من سيحدد مقدار هذا الحد؟

لكن، ليس هذا كل ما في الأمر، لأن ما يلي هو أخطر بعد. فبحسب إجابتك، ليس الكتاب المقدس وحده الذي تغير، بل أنت.

أجل، حتى أمام تلك النصوص التي أكثر ما استحوذت على إعجابك، لن يكون عندك لا موقف المؤمن، ولا قلب المؤمن! كيف يكون ذلك، بعد أن أقدمت على استدعاء هذه إلى جانب بقية الأسفار المقدسة للمثول أمام محكمة حكمك الشخصي على الأمور، بحيث تعتبرها إلهية، أو غير إلهية، أو نصف إلهية؟ وأية سلطة لنفسك قد يحمله قول يبدو في نظرك أنت معصوماً؟

ألم يتوجب عليه المثول أمام محكمتك، جنباً إلى جنب مع سائر أقوال الكتاب نفسه، والذي كنت أصدرت حكمك بحقه على أنه بشري بالكامل أو جزئياً؟ هل ذهنك في هذه الحال سيضع نفسه في موقع التلميذ المتواضع والخاضع، بعد أن كنت قد نصبت نفسك قاضياً على هذا القول؟ هذا مستحيل. إن لم تكن له من احترام، قد يكون من قبيل الإذعان، ولن يكون أبداً بدافع الإيمان أو الموافقة أو العبادة. هل تعود لتدعي أمامي بأنك تؤمن بالمصدر الإلهي للنص؟ فأنت لست تؤمن بالله، بل بالحري بنفسك…

بحسب الإجابة التي تعرضها أنت، فإن ذراع الرب هي مشلولة بالنسبة إليك؛ كما أن سيف الروح بات كليلاً، بعد أن فقد حدته وقدرته على الاختراق. كيف عساه من الآن فصاعداً أن يخرق إلى المفاصل والمخاخ؟ وكيف عساه أن يصبح من شهواتك، ومن شكوكك، ومن العالم، ومن الشيطان؟ كيف عساه أن يمدك بالطاقة، ويمنحك النصرة، والنور، والسلام؟

كيف يحصل بين الفينة والأخرى، ومع فارق زمني طويل… بفعل نعمة الله البحتة ومن دون أي استحقاق فينا، أنه وبالرغم من الحالة المحزنة التي تتخبط فيها النفس، قد يصل إليها قول إلهي ويمسكها على حين غرة. لكن هذا لا يقلل من صحة القول إن هذا التوجه والميل إلى محاكمة الأسفار المقدسة، وإلى التشكيك مسبقاً في وحيها على الصعيد الكوني، يعد من أعظم العوائق أمام تتميمها عملها بفعالية. وهكذا يظهر مدى الأهمية البالغة التي يحتلها [الوحي] على صعيد إضفاء حيوية على إيمانناً[12].

[1] Herman N. Ridderbos, Redemptive History and the New Testament Scriptures (Second Revised edition: Phillipsburg, N.J.; Presbyterian and Reformed, 1988), 40. F. F. Bruce, The Canon of Scripture (Downers Grove, I11: Inter-Varsity, 1958), 255.

كتب مبدئياً الأمر عينه قبل ثلاثين عاماً: “لم يتعب المسيحيون الأولون أنفسهم بمعايير القانونية؛ ما كان بوسعهم فهم هذا التعبير بسهولة. قبلوا أسفار العهد القديم المقدسة، كما كانوا قد تسلموها؛ فكانت تحظى سلطة هذه الأسفار، بالتأييد الكافي من خلال تعليم ومثال الرب ورسله اللذين كانا يكتسبان في نظرهم سلطة بديهية”. سواء بكلمات الفم أم بشكل مكتوب.

[2] Ridderbos, Redemptive History, 44.

[3] ادعت الكنيسة الرومانية الكاثوليكية لوقت طويل كونها هي التي ابتكرت قانون العهد الجديد. لكن، لا يوجد أي دليل تاريخي لتأييد هذا الادعاء. بل على نقيض ذلك، قانون العهد الجديد هو الذي أنشأ الكنيسة، وليس العكس.

[4] Richard B. Gaffin, Jr. “The New Testament as Canon” in Inerrancy and Hermeneutics, edited by Harvey M. Conn (Grand Rapids: Baker, 1988), 168-70.

[5] راجع الملحق في نهاية الفصل.

[6] Ridderbos, Redemptive History, 32, 33. R. C. Sproul, Essential Truths of the Christian Faith (Wheaton, I11.: Tyndale), 1992.

يعلن “سبرول” بشكل محدد في ضوء الأسباب التي صرح بها “ردربس” أن “العهد الجديد الذي بين أيدينا هو مجموعة عرضة للخطأ من الأسفار المعصومة عن الخطأ” بالطبع، في ضوء الأسباب التي دفعت “سبرول” إلى تأكيد أن العهد الجديد هو “مجموعة عرضة للخطأ”، كان يلزمه التصريح بأنه مجموعة عرضة للخطأ من “الأسفار العرضة للخطأ” أيضاً. ذلك لأنه يعتمد الأسلوب الأساسي عينه لتبيان سلطة كل سفر بمفرده في العهد الجديد. يكفي القول إني لا أتفق معه بقوة.

ففي اعتقادي أنه على خطأ، فالعهد الجديد في نظري هو مجموعة “معصومة عن الخطأ” لأسفار “معصومة عن الخطأ”، وذلك لأسباب لا يشاركني فيها، بالطبع، إنه ينسجم مع ذاته كباحث يبني خلاصاته على البراهين، لدى تصريحه بما صرح به عن القانون الكتابي، ويؤسفني ألا يتمكن المزيد من محبذي البراهين أمثاله، من رؤية بوضوح أن رأيه يعد الخلاصة الوحيد المنسجمة مع آراء هؤلاء القوم

لكن، إن كان العهد الجديد عندنا هو، في أفضل حالاته، مجموعة عرضة للخطأ من الأسفار المعصومة عن الخطأ، كما يقترح، ففي هذه الحال قد يكون العهد الجديد عندنا قد فاته أن يشمل ضمنه بعض الأسفار “المعصومة عن الخطأ” أو لعله تضمن سفراً لم يقصد الله له أن يكون جزءًا من شهادة الكنيسة للفداء وجزءًا من قانون الإيمان والحياة الأوحد لهذا الجيل بأكمله. يؤسفني جداً اعتناق “سبرول” لهذا الرأي، بما أنه يشكك في سلطة العهد الجديد بأكمله، والتي هي منزهة عن الخطأ.

[7] Martin H. Franzmann, The Word of the Lord Grows (St. Louis, Concordia, 1961), 287-88,294-95.

[8] F. F. Bruce, The Canon of Scripture (Downer’s Grove, I11.: InterVarsity, 1988), 282.

[9] D. A. Carson, Douglas J. Moo, and Leon Morris, An Introduction to the New Testament (Grand Rapids: Zondervan, 1992), 494.

اقتباسهم هذا مأخوذ من:

Glenn W. Barker, William L. Lane, and J. Ramsey Michaels, The New Testament Speaks (San Francisco: Harper & Row, 1969), 29.,

بوسع أحدنا ذكر أيضاً:

Harold Lindsell and Charles J. Woodbridge, A Handbook of Christian Truth (Revell, 1953), 21:

“نشأ قانون العهد الجديد كما هو عندنا اليوم، تدريجياً، وليس بموجب ما آل إليه التصويت في أي مجمع كنسي معين، لكن على أساس الوعي الذي ساد الكنيسة الكونية بأن هذه الأسفار، وهذه الأسفار وحدها، كانت كلمة الله الموحى بها. أمامنا هنا مثال عظيم على قدرة الروح القدس الحافظة والمشرفة”.

[10] “The New Testament as Canon”. 181. Gaffin.

[11] أنا مدين لـ “أ. كالفن باسنر” ومحاضراته حول علم الدفاع، بالنسبة إلى العديد من الأفكار في هذا المقطع وما يليه.

[12] Louis Gaussen, “Prefatory Observations” in Theopneustia: The Inspiration of the Holy Scriptures by David Scott (Revised edition; Chicago: Bible Institute Colportage, n. d.) 5-22.

عملية إقرار قانونية أسفار العهد الجديد

اليشع وقتل الدببة لمن نادوه يا أصلع – ديفيد لامب

اليشع وقتل الدببة لمن نادوه يا أصلع – ديفيد لامب

اليشع وقتل الدببة لمن نادوه يا أصلع – ديفيد لامب

اليشع وقتل الدببة لمن نادوه يا أصلع – ديفيد لامب

لمناقشة نقاط أخرى في القضية: هل الله ظالم فى قصة اليشع النبى وقتل الصبية؟

قال لامب مزحة يعلم كل أصلع منا ان هؤلاء الصبيان يستحقون ما حدث لهم. فأبنائي يستحقون ان تخرج عليهم الدببة؟

اضافات لامب كالاتي:

أولا: ان كلمة صبي في العبري يمكن ان تعني مراهق او مراهق كبير بحسب قاموس براون. واستخدمت الكلمة على بنيامين شقيق يوسف. وكان في العشرينات من عمره بحسب تكوين 44: 20. وهذا بالطبع ما يقوله السياق فكيف لأطفال ان يذهبوا للغابة بمفردهم. هل يخرج اطفال الحضانة دون اشراف من الاباء او المشرفين. لكن بالطبع هم مراهقين. ومراهقين في الغابة؟ يبدوا ان حياة اليشع كانت في خطر.

ثانياً: في الولايات المتحدة لا يهم السخرية لكن بقية العالم السخرية مؤذية وتؤخذ على محمل الجد خصوصاً عندما تكون من حاكم او قائد او ملك. تعتبر اهانة شرف ويمكن ان تكون معركة بسبب السخرية حتى الموت. فينبغي الا ننظر بمنظر القرن 21 للحدث لكن في السياق الثقافي نجد ان ما فعله اليشع من غضب هو مبرر.

ثالثاً: من يدرس سياق سفر الملوك بتوسع خصوصا الاصحاحات الاتية ” 2 , 6 , 8 , 13 “سيجد ان اليشع شفي نعمان الاممي السوري. وأطعم الجياع ونقي المياة. وصلي للمرأة وولدت. واقام موتي ومنع حروب. حتى لمس العظام يصنع المعجزات بحسب ملوك الثاني 13: 21. فتميزت اعماله بمعجزات. بنعمة الهية. فسلك سلوك رحيم مثل الام تريزة وغيرها. فينبغي ان لا ننظر لمقطع واحد دون ان نري الصورة بأكملها.

رابعاً: افترض الشخص المعترض ان الرب أرسل الدببة فقتل اثنين واربعين صبي. فالنص لا يذكر ان الصبيان ماتوا لكن تمزقوا بحسب ملوك الاول 13: 24 وملوك الاول 20: 36. وهناك تسجيل لحادثتين منفصلين عن هجوم أسد. وفيه نجد ان الضحية ماتت من قبل الحيوان، وهناك اراء تختص بالترجمة السبعينية ان هؤلاء العصابة من الفتية القوا الحجارة على اليشع مما يبرر غضبه.

الرب كان يحمي عشرات الارواح من خلال اليشع في فيلم توك كروز كان انقاذ أحد الشخصيات أنقذ مئات الارواح. وبالمثل في قصة اليشع فالرب يحمي الضعفاء ويحافظ على حياتهم.

وجهة النظر طبقاً للواقع الكتابي

ما قاله لامب هو ان بالفعل الكلمة تعني مراهق وهذا صحيح قال الرابي دانيال معلقاً على النص: الآية تقول na’arim ketanim أي صبيان صغار وهذا امر غريب لان كلمة na’ar هي التي تشير الي شباب. يمكن ان يكون السبب ما ذكره الرابي Shlom Yitschaki ان المقصود الاساسي من هذه النصوص ووصفهم بالأطفال الصغار ليس العمر لكن الواقع. فهؤلاء الرجال أخلوا بوصايا الرب.

وقال راي اخر الرابي Yitschaki ان وصفهم بالصبيان الصغار في افعالهم وليس توصيفاً للعمر او السن. وهذا اسلوب كتابي. لكن الإشارة الي ان الموضوع عقاب هذا مخالف. ولتوضيح هذا كان يوجد شخص يدعي ديفيد جنكنز كان كاهناً ابن التاسعة والخمسين وكان سيكرس اسقفاً على كاتدرائية يورك. لكن سرعان ما اعترض الشعب لعدم استقامة تعليمه.

وبعد اقل من ثلاثة ايام اصاب البرق السقف الخشبي للجناح الخشبي للكاتدرائية الاثرية. فأرتأى الناس ان هذا الامر هو استجابة السماء. وتدخل وعقاب إلهي. وتزكية لآرائهم. فيتساءل فليب يانسي لماذا لم يرسل الله البرق على الكنائس المنكرة للعقائد الاساسية او المعابد الوثنية لو ان الله بهذا الفكر لكانت الارض تلألئه كشجره عيد الميلاد.

نرجع للموضوع مرة اخرى لم يذكر النص ان الامر هو عقاب من الرب. بل ذكر ان دبتان خرجتان من الوعر. ولم يذكر ان الرب اخرجهما من الوعر. فالأمر هو مجرد كارثة طبيعية وليس عقاب إلهي. وذكر كاتب سفر الملوك الثاني تمزيقهم او افتراسهم هو لاعتقاده ان الامر هو تزكية من السماء لما فعلوه مع اليشع.

فالوحي لم يلغي ثقافة الكاتب وخلفيته. بخصوص العدد 42 وكيف تأكلهم دبتان؟ بالرجوع للنص النص لا يشير الي زمن محدد او دفعه واحده مثل القول ان هناك 15 شخص غرقوا في النيل. العبارة لم تحدد وقت هل الغرق تم خلال عام ام سنتان ام ثلاثة.

إقرأ أيضًا:

God Behaving Badly? David T. Lamb

اليشع وقتل الدببة لمن نادوه يا أصلع – ديفيد لامب

الخطاب اللاهوتي الخامس – في الروح القدس – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الخامس – في الروح القدس – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الخامس – في الروح القدس – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الخامس – في الروح القدس – غريغوريوس النزينزي

1 – هذا ما كان علينا أن نقوله في الابن، وهكذا جاز خطابنا بسلام بين من كانوا يتوخون رجمه[1]. والكلمة لا تقبل الرجم، ولكنها قد تصبح، إذا شاءت، حجر المقلاع ترمى به الوحوش الضارية، أين الأقوال التي تقترب بقحة من الجبل[2]. يقولون: ماذا تستطيع أن تقول في الروح القدس؟ ومن أين تأتينا بهذا الإله الغريب الذي ليس له في الكتاب أي أثر؟ هذا ما سيردده أولئك الذين يقفون من الابن موقف اعتدال[3]. وكما أننا نجد الطرق ومجاري المياه تنفصل بعضها عن بعض ثم تعود إلى الاجتماع، نجد الأمر نفسه هنا، فإن من يختلفون في بعض الآراء يلتقون على غيرها، وذلك لوفرة غنى الكفر، بحيث يمتنع التمييز بين مَواطن الاتفاق ومَواطن الاختلاف.

2 – وإنه لمن أصعب الصعب أن نتكلم عن الروح، لا لأن الذين ضيق عليهم في الكلام على الابن سيبذلون قصاراهم لمحاربة الروح فحسب – وهم بحاجة ماسة إلى أن يكونوا كافرين بوجه من الوجوه، وإلا فالحياة في نظرهم غير ذات قيمة – بل لأننا نحن أيضاً، وقد انهالت علينا وأرهقتنا الأسئلة، نعاني ما يعانيه أولئك الذين يشعرون بالغثيان، فإنهم إذا تقززوا من طعام، عافوا جميع الأطعمة، فنحن كذلك نعاف كل نقاش. وليعن الروح مع ذلك فتسرع كلمتنا[4] ويتمجد الله. أما فيما هو من أمر البحث، والتحري الدقيق في طرائق استعمال اللفظتين “روح” و”قدس” في الكتابة الإلهية، مع البراهين الداعمة لهذه الدراسة، وتفسير المقاطع التي تجمع فيها هاتان اللفظتان، أي “الروح” و”القدس”، فهذا العمل ندعه لآخرين، لأولئك الذي قاموا به لأنفسهم ولنا، فيما نعمل نحن لهم. وإننا نعود إلى مواصلة الخطاب.

3 – وهكذا فإن الذين يحسبون أننا ندخل الروح القدس إلهاً غريباً ومسجلاً تسجيل زور، فيغتاظون ويناضلون نضالاً شديداً للدفاع عن الكتابة الإلهية[5]، عليهم أن يعلموا أنهم “جزعوا جزعاً حيث ليس جزع”[6]، وأن حبهم للكتابة قناع يخفون وراءه الكفر[7]، كما سنبين ذلك بعد قليل عندنا نرد اعتراضاتهم[8]. إننا، ونحن على هذا القدر من الاقتناع بألوهة الروح القدس، موضوع عبادتنا، سنأخذ في هذا العرض للاهوت متناولين الثالوث بالتعبيرات نفسها، وإن رأى البعض في ذلك تجرؤاً مفرطاً. “كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى العالم”[9] الآب. “كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى العالم” الابن. “كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى العالم” البارقليط الآخر[10]. لقد كان، وكان، وكان. ولكنه كان واحداً. نور، ونور، ونور. ولكن نور واحد، وإله واحد. هذا ما تراءى لداود قديماً عندما قال: “بنورك نعاين النور”[11]. ونحن الآن، وقد أبصرنا، نكرز ونقول: من النور الآب، ندرك[12] النور الابن، وفي النور الروح، إنه لاهوت للثالوث موجز وبسيط[13] من ينكر فلينكر! ومن يتنجس فليتنجس![14] نحن ندرك ونكرز. “سنصعد إلى جبل عال نرفع صوتنا”، إن لم يسمع من ههنا، و”سنشيد” بالروح “في غير مخافة”[15]. إن خفنا فسيكون خوفنا من البطالة لا من الكرازة.

4 – إن كان هناك زمن لم يكن فيه الآب، كان هنالك زمن لم يكن فيه الابن. ولئن كان هنالك زمن لم يكن فيه الابن، كان هنالك زمن لم يكن فيه الروح أيضاً. لئن كان الواحد منذ البدء[16]، كان الثلاثة أيضاً منذ البدء. إن سفلت الواحد أجرؤ أن أقول لك: لا تُشد بالاثنين الآخرين. فما نفع ألوهة ناقصة؟ أو بالحري أي ألوهة تكون هذه الألوهة الناقصة؟ وكيف تكون كاملة إذا كانت بحاجة إلى شيء تكتمل به؟ والحال أنها تكون بحاجة إلى شيء إن خلت من القداسة. وكيف تحصل عليها إن خلت من الروح القدس؟[17] فليقل هل القداسة هي شيء آخر غيره؟ وكيف تفهم؟ فإن كانت هي إياه فكيف لا يكون الروح القدس “منذ البدء”؟[18] فكأنه كان من الأفضل لله أن يكون حيناً غير كامل وبدون الروح؟ فإن لم يكن “منذ البدء”[19] كان من رتبتي، وإن سبقني في الوجود بعض السبق، فإن الوقت هو الذي يفصلني عن الله. وإن كان من رتبتي فكيف يصيرني إلهاً[20]، أو كيف يوحدنا أنا والألوهة؟

5 – إنني سأناقش لك الموضوع منطلقاً من بعض العلو. لقد تكلمنا آنفاً على الثالوث. إن الصدوقيين أنكروا إنكاراً تاماً وجود الروح القدس، كما أنكروا وجود الملائكة والقيامة، لا أدري كيف تعاموا عن الشهادات الكثيرة الواردة في العهد القديم في شانه. ويبدو لي أن من اقتربوا منا من لاهوتيي اليونان اللامعين قد استشفوه ولكنهم لم يتفقوا على تسميته: فقد دعوه “عقل الكون”[21]، و”العقل الخارجي”[22]، وأموراً أخرى مشابهة. أما حكماؤنا فقد ذهب بعضهم إلى أنه قوة[23]، وبعضهم إلى أنه مخلوق، وبعضهم إلى أنه الله، ووقف آخرون موقفاً حائراً فما قالوا بهذا ولا ذاك احتراماً للكتابة الإلهية التي، على حد قولهم، لا تورد بصراحة أياً من هذه الألفاظ[24]. ولهذا فإنهم لا يجلونه كما أنهم لا يحطون من شأنه، ولكنهم يقفون منه موقفاً وسطاً، أو بالحري موقفاً يرثى له. وبين الذين يعترفون بألوهته قوم أرثوذوكسيتهم في تفكيرهم لا غير، وقم تحملهم جرأتهم على أن تكون أرثوذوكسيتهم على شفاههم أيضاً. وهنالك آخرون سمعت أنهم، في حكمتهم الشديدة، يقيسون الألوهة بمقياس. إنهم يعترفون معنا بالثلاثة الذين نعرفهم، ولكنهم يقيمون بينهم فروقاً، فيجعلون الأول غير متناه من حيث الجوهر والقدرة، والثاني من حيث القدرة دون الجوهر، والثالث شبه محدود في هذا وتلك. إنهم يتمثلون، على غير وجه، بالذين يجعلون الثالوث “صانعاً، ومساعداً، وخادماً”، ويرون في الرتبة والصفة اللتين تنطوي عليهما هذه الأسماء تفاوتاً حقيقياً في المكانة والسلطة.

6 – إلا أننا لا نخاطب من لا يعترفون بوجود الروح القدس، ولا اليونانيين الذين يهذون. فلا “يمتد دهن الخطأة” إلى خطابنا. وإننا سنتوجه إلى الآخرين على النحو التالي: “هل يُجعل الروح القدس في الكائنات القائمة بذاتها، أو في الصفات التي تقوم بغيرها؟ الناس الحاذقون في الموضوع يسمون ما كان في الحالة الأولى جوهراً، وما كان في الحالة الثانية عرضاً. فإن كان عرضاً كان، على الأرجح، قوة الله، وماذا يمكنه أن يكون غير قوة، وقوة من؟ ولا شك أن ذلك يوافقه أشد الموافقة، ويبعد عنه مبدأ التركيب. ولئن كان قوة فقد أتته القوة من غيره، لا من ذاته، ومتى توقفت عنه انتهى وجوده: ذلك هو شأن القوة. وكيف يعمل[25] والحالة هذه؟ هل يفوه بأقوال[26]، أو يفرز أشخاصاً[27]، هل يحزن[28] ويغضب[29]، ويعمل كل ما يدل بوضوح على أنه متحرك، لا أنه حركة؟ أما إذا كان جوهراً، لا شيئاً يدور في فلك الجوهر، فإنه يُعد خليقة، أو إلهاً، إذا إن نصف الإله الذي لا يتصف بصفات هذا ولا ذاك، أو يكون مزيجاً من هذا وذاك فأمر لا يستطيع أن يتخيله أحد حتى الذين اخترعوا “التيوس الأيائل”. أما إذا كان خليقة، فكيف نؤمن به، أو كيف نصير به كاملين؟ وليس سواء أن نؤمن بشيء، وأن نؤمن بالنظر إلى شيء. في الحال الأولى يكون عملنا متعلقاً بالألوهة، ويكون في الحال الثانية متعلقاً بما شئت من الأشياء. وإذا كان الله، لم يكن خليقة، ولا صنع صانع، ولا عبداً مثلنا، وبكلام آخر لم يكن قابلاً أي اسم يدل على حِطّة ونقص.

7 – لك الكلام الآن، فلتنطلق مقاليعك، ولتتجالد أقيستك. إنه في نظرك إما غير مولود، وإما مولود. فإذا كان غير مولود، كان هنالك اثنان بلا مبدأ، وإن كان مولوداً تميز أيضاً: فهو يأتي من الآب أو من الابن. فإن أتى من الآب كان هنالك ابنان أخوان. وبما أنك شديد التمسك بالأمور الجسدية تماد في القول وقل إنهما توأمان، أو إن أحدهما البكر والآخر الثاني! وهو يضيف: وإن أتى من الابن، كان لنا هنالك إله حفيد. هل من غرابة أقبح من هذه الغرابة؟ إنه مقال “الحكماء للشر”[30] والذين يأبون أن يجعلوا الخير في كتاباتهم. أما أنا فإن وجدت هنالك تميزاً ضرورياً تقبلت عناصره ولم يخفين أن أسميها. لا، لا، إذ إن الابن ابن لعلاقة[31] من درجة أسمى، ولا نستطيع التعبير بغير هذه الطريقة عن أنه يأتي من الله وإنه واحد معه في الجوهر، وهكذا كان لا بد لنا في الكلام على الألوهة من اللجوء إلى ألفاظنا الأرضية على الوجه المجازي، ولا سيما الألفاظ التي تدل عندنا على القربى. ومن هذا القبيل قد يخيل إليك أن الله من النوع المذكر لأنه يدعى الله والآب، والألوهة من النوع المؤنث، بسبب علامة التأنيث، وأن الروح القدس غير مذكر ولا مؤنث لكونه لا يلد. وإن واصلت تخيلاتك الصبيانية، مجارياً الأقدمين في أحلامهم وخرافاتهم التي ذهبوا فيها إلى أن الله ولد ابنه باتحاده بإرادته، فيكون لنا من ذلك إله في الوقت نفسه ذكر وأنثى، إله مركيونس مبدعاً “آيونات جديدة”[32].

8 – وإذا كنا لا نرتضي تمييزك الأول الذي لا يحتمل شيئاً وسطاً بين اللامولود والمولود، فسيتلاشى في الحال، مع تمييزك، الإخوة والأحفاد الذين ورد ذكرهم في كلامك، وكما تنحل عقد الرباط وتلافيفه عند حل العقدة الرئيسية، كذلك سقطت مزاعمك في اللاهوت. قل لي، أين تجعل، في التمييز الذي لجأت إليه، ذاك الذي ينبثق؟ إنه يظهر وسطاً، والذي جعله في هذا الوسط لاهوتي أرفع منك، هو مخلصنا. هذا ما لم يكن لك من الكتاب عهد ثالث تلجأ وتسقط منه القول: “الروح القدس الذي من الآب ينبثق”[33]. وإذ كان ينبثق من الآب فهو ليس خليقة، وإذ كان غير مولود فهو ليس ابناً، وإذ كان وسيطاً بين اللامولود والمولود فهو الله. وهكذا يتفلت من أشراك أقيستك، ويتجلى إلهاً أقدر من تمييزاتك. فما هذا الانبثاق؟ قل لي ماذا يعني أن يكون الآب غير مولود فأقول لك ماذا يعني أن يكون الابن مولوداً والروح منبثقاً. عند ذلك نتمم معاً منحنيين[34] على أسرار الله. ومن نحن لهذا الأمر؟ إننا لا نستطيع أن نعرف ما بين أقدامنا، ولا “إحصاء رمل البحر، وقطار المطر، وأيام الدهر”[35] فكيف لنا باختراق “أعماق الله”[36]، والكشف عن الطبيعة التي لا توصف ولا يدركها عقل.

9 – إنه يقول: ماذا ينقص الروح حتى يكون الابن؟ لو لم ينقصه شيء لكان الابن. أما نحن فنقول: لا ينقصه شيء، لأن الله منزه عن النقص، وإنما الفرق، إذا صح القول، في الظهور والتجلي، أو في العلاقة بينهم[37]، تلك العلاقة التي هي في أساس اختلاف الأسماء. ولا شيء ينقص الابن لكي يكون الآب – إذ إن البنوة ليست نقصاً – وهو مع ذلك ليس الآب، وإلا فينقص الآب شيء لكي يكون الابن، إذ إن الآب ليس الابن. إن هذه الألفاظ لا تدل على نقص أو انخفاض فيما هو من الجوهر، والتعبيرات “غير مولود” و”مولود” و”انبثق” تدل على الآب، والابن والروح القدس موضوع كلامنا هنا، وهكذا نحافظ على ميزة الأقانيم الخاصة في الطبيعة الواحدة وكرامة اللاهوت الواحدة. فالابن ليس الآب إذ ليس إلا آب واحد، ولكن له ما للآب، والروح القدس ليس الابن لمجرد كونه يأتي من الآب، إذ ليس إلا ابن واحد، الوحيد[38]، ولكن له ما للابن. الثلاثة واحد في الألوهة، والواحد هو ثلاثة من حيث الميزات الخاصة. وهكذا فالواحد ليس ما ذهب إليه سابليوس[39]، والثالوث ليس ما تذهب إليه انقسامات اليوم الهدامة[40].

10 – كيف إذن؟ الروح القدس؟ لا شك في ذلك. أيكون إذن واحداً مع الآب والابن في الجوهر؟ أجل، لكونه الله. فيقول: أعطني إذن من هو الابن ومن ليس هو الابن آتيين من الآب الواحد، ثم أعطينهما متساويين في الجوهر، فأسلم بأنهما كليهما الله. أعطني، أنت أيضاً إلهاً آخر وطبيعة واحدة إلهية[41]، فأعطيك الثالوث نفسه، مع الأسماء نفسها والحقائق نفسها. وألا يكون إلا إله واحد، وطبيعة سامية واحدة، من أين آتيك بتشبيه يوضح ذلك؟ أو تأتي بالتشبيه من الأشياء الأرضية التي تتشبث بها؟ إنه لعار قبيح، وأكثر من عار، بل جهالة جهلاء. أن تتخذ من الأشياء الدنيا صورة للحقائق العليا، ومن الأمور الحائلة صورة للحقائق التي لا تحول، فذلك كما قال أشعيا “أن يُطلب الأحياء بين الأموات”[42]. وإني بسببك سأعمد إلى بعض ما على هذا الأرض لدعم هذا العرض الذي أنا آخذ فيه. بإمكاني أن أقدم من حياة الحيوان عدة أمثلة، ولكني سأهمل ما كان لدينا مبتذلاً، وما كان معروفاً لدى البعض، وأتوقف عند الحذاقة العجيبة التي جعلتها الطبيعة في تناسل الأحياء. لقد قيل إنهم يولدون لا متشابهين من آباء متشابهين، ومختلفين من آباء مختلفين وحسب، ولكن متشابهين من آباء مختلفين، ومختلفين من آباء متشابهين أيضاً. وإن كان ما يقوله أحدهم جديراً بالتصديق، كان هنالك نوع آخر للتناسل: الكائن الواحد يتهدم ثم يعود فيبعث مولوداً جديداً[43]. وهنالك أيضاً حيوانات تخرج نوعاً ما من ذاتها، وتتحول إلى شكل آخر، وذلك من جراء ما في الطبيعة من قوة وعظمة[44]. أضف إلى ذلك أنه قد يكون هنالك من الكائن الواحد كائن غير مولود وآخر مولود، ومع ذلك متساويان في الجوهر. وهذا ما يوافق موضوعنا أفضل موافقة. وإني سأتخذ مما لدينا شاهداً يعرفه الجميع، ثم أنتقل إلى موضوع آخر.

11 – ما كان آدم؟ كان كائناً صنعه الله[45]. وحواء؟ بضعة اقتطعت من هذا الكائن المصنوع[46]. وشيت؟ كائناً وَلداه هما[47]. ألا ترى أن “صنع” “واقتطع” “وولد” ذات مدلول واحد؟ وكيف لا تكون كذلك؟ هل الأشخاص الثلاثة من جوهر واحد أم لا؟ كيف لا يكونون من جوهر واحد؟ وهكذا فمن الثابت أن كائنات أتت إلى الوجود بطرق مختلفة تستطيع أن تكون واحدة في الجوهر. وإني أتكلم هكذا لا لأني أنسب إلى الألوهة أنها صنعت أو اقتطعت أو كانت عرضة لأي تأثير جسدي – فلا يهاجمني في ذلك أحد المماحكين! – ولكني أتأمل في هذه الأمور، كما لو كان ذلك في مشهد من مشاهد المسرح، ما يدركه العقل، إذ إنه يستحيل أن يعبر التشبيه عن الحقيقة كاملة وصافية. ويقولون: ما نفع ذلك؟ وليس بالأمر الواحد أن يكون هذا مولوداً وذاك أتياً إلى الوجود بطريقة أخرى. كيف ذلك؟ حواء وشيت ألم يأتيا من آدم؟ ألعلهما أتيا من آخر؟ هل كانا كلاهما مولودين؟ كلا! ولكن ما هما؟ حواء مقتطعة، وشيت مولود، ومع ذلك فالواحد منهما يشبه الآخر، لأنهما إنسانان: لا أحد ينكر ذلك. ألن تتوقف عن مهاجمة الروح بادعائك أنه إما مولود وإما غير الله وغير واحد مع الله في الجوهر؟ وهل تسلم بأن رأينا ممكن بعد ما قدمنا من الحقائق الإنسانية؟ أظن أنك الآن توافقني عليه، ما لم تكن مقيماً على خطة الخصومة ومقاومة الحقيقة الراهنة.

12 – وهو يقول: ولكن من عبد الروح؟ مَن مِن جماعة العهد القديم أو جماعة العهد الحديث؟ من توجه إليه بالصلاة؟ أين كتب عن وجوب التعبد له وتوجيه الصلاة إليه؟ أنى لك هذا الرأي؟ سنقدم فيما بعد الشرح الأكمل، عندما نتكلم على العقائد غير المكتوبة[48]. والآن نكتفي بالقول: الروح هو الذي فيه نعبد وبه نصلي. فقد قيل: “إن الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا”[49]، وكذلك: الروح يعضد ضعفنا فإنا لا نعلم كيف نصلي كما ينبغي ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا توصف”[50]، و”إني أصلي بالروح، ولكني أصلي أيضاً بالعقل”[51]، أي روحاً وعقلاً. فالعبادة والصلاة والعبادة ألا يمكن لهذه الفكرة أن يؤيدها جميع الذين يحيون في الله ويعلمون علم اليقين أن عبادة الواحد هي عبادة الثلاثة، إذ إن الثلاثة متساوون في الكرامة والألوهة؟

ولن يخيفني النص “كل شيء به كوّن”[52]، وكأن هذا “الكل” يشمل الروح القدس أيضاً. فقد قيل: “كل ما كوّن”[53]، لا “كل” بغير قيد ولا استثناء، فلا الآب معني، ولا كل ما لم يكوّن. بين لي إذن أن الروح القدس مصنوع، واجعل الابن صانعه، واجعله في رتبة المخلوقات، وما دمت لا تبين ذلك فأنت لم تأت الكفر مع هذا التعميم بأي مدد. لئن كوّن فلا شك أن المسيح مكونه: لن أنكر ذلك أنا أيضاً. وإن لم يكونه فكيف يكون بين عداد كل ما كون، أو كيف يكون المسيح مكونه؟ توقف عن الحط من قدر الآب بتحقير ابنه الوحيد – لأنه حط من قدر الآب أن تفقده ابنه وتجعل هذا الابن خليقة إن خليقة فوقية – وتوقف عن الحط من قدر الابن بتحقير الروح. فليس الابن صانع رفيق عبودية، ولكنه يتقاسم والروح مجد المساواة في الكرامة. لا تدخل شيئاً في الثالوث مما يشبهك مخافة أن تنحرف عن الثالوث[54]. لا تحلق أي انتقاص بهذا الطبيعة الواحدة والمتساوية في التقدير والإجلال، فأي انتقاص تلحقه بالثلاثة تلغي به الكل، أو بالحري تبعد به ذاتك عن الكل. فمن الأفضل قبول تصور ناقص عن الوحدة في الثالوث من التجرؤ على المضي إلى أقصى درجة من الكفر.

13 – لقد وصل خطابنا إلى النقطة الرئيسية، وإني أتألم لعودة قضية ماتت منذ زمن طويل وقضى عليها الإيمان[55]. ومع ذلك لا بد لنا من الصمود أما الثرثارين وتجنب الاندحار من جراء الإهمال، ونحن الذين نحوز الابن وندافع عن الروح. يقولون إذا وجد إله وإله وإله فكيف لا يكون هنالك ثلاثة آلهة؟ أوليس “بوليرخية” ما تكرمونه؟ من الذين يفوهون بهذا الكلام؟ إنهم الكافرون المغرقون في الكفر[56]، والذين يقفون في الكفر الموقف التالي[57]، أعني أولئك الذين لهم في الابن مذهب حسن. أما جوابي فسيكون في قسم منه للجميع، وسيتوجه بنوع خاص في قسم منه إلى الفئة الأخيرة. فأقول لهؤلاء: لماذا تدعوننا “ثالوثيي الآلهة”، أنتم الذين تكرمون الابن وإن كنتم تنكرون الروح؟ ألستم أنتم “ثانويين”؟ إذا كنتم تأبون تقديم العبادة للابن الوحيد أيضاً فأنتم، والحق يقال، في عداد خصومنا، فلماذا نعاملكم برفق وكأنكم أناس لم يموتوا بعد موتاً كاملاً. ولكن إذا أكرمتم الابن، وذهبتم في استعداداتكم الخلاصية إلى هذا الحد، كان لنا السؤال الآتي: بأي حجة تدفعون عنكم “الثانوية” إذا أُخذت عليكم؟ إذا كنتم تعرفون حجة بارعة فردوا، وسلحونا هكذا بوسيلة للرد، إن الحجج التي تدافعون بها عنكم “الثانوي” تكفينا هكذا عليكم؟ إذا كنتم تعرفون حجة بارعة فردوا، وسلحونا هكذا بوسيلة للرد. إن الحجج التي تدفعون بها عنكم “الثانوية” تكفينا لندفع عنا “ثالوثية الآلهة”. وهكذا نكون الرابحين بجعلكم المدافعين عنا أنتم الذين كنتم خصومنا. هل من سخاء أوفر من هذا السخاء؟

14 – فكيف يكون لنا أن نقاوم ونحج هاتين الفئتين معاً؟ ماذا يكون جوابنا؟ ليس لنا نحن إلا إله واحد، لكون الألوهة واحدة، والذين يأتون من الواجد يعودون إليه، وإن كنا نؤمن أن هنالك ثلاثة: ليس الواحد الله أكثر من الآخر، ولا ذاك أقل، ليس الواحد قبل، والآخر بعد، وليس فيهم انفصام في الإرادة، ولا انقسام في القدرة. لا يمكن أن يكون فيهم شيء مما نجده في الخلائق المركبة. وإذا كان لا بد من الإيجاز قلنا: إن الألوهة غير منقسمة فيمن هم متميزون: كذلك الأمر في ثلاثة شموس متداخلة، يكون مزيج نورها واحداً. وهكذا عندما نتطلع إلى الألوهة، العلة الأولى و”المونرخيا”، لا نرى غير الوحدة، وعندما نتطلع إلى من فيهم الألوهة، الذين يأتون من العلة الأولى على غير زمن ويتساو في المجد والكرامة، نجد الثلاثة الذين نعبدهم.

15 – ثم ماذا؟ قد يقال اليس عند الإغريق، كما ورد في تعاليم الكبار في فلاسفتهم، ألوهة واحدة وعندنا إنسانية واحدة، أي جميع الجنس البشري؟ ومع ذلك أليس لديهم عدة آلهة، لا إله واحد، كما أنه من الثابت وجود أناس كثيرين. وإن في الجماعة البشرية، والحال هذه، وحدة لا يمكن النظر إليها إلا بالفكر، والأشخاص هم على أشد ما يكون الاختلاف فيما بينهم، إذ إن الزمن قد قسمهم، كما قسمتهم طاقة الانفعال والفعل. فنحن، لسنا مركبين فحسب، بل نحن أيضاً متعاكسون، بعضنا بالنظر إلى بعض، وفي ذواتنا فلا نثبت على حال واحدة في النهار والواحد، ولا في أثناء الحياة كلها، وإلى ذلك ففي أجسادنا ونفوسنا تيارات وتقلبات متواصلة. لا أدري على الملائكة وجميع الطبائع العليا التي تأتي في الرتبة بعد الثالوث. هي على هذا النحو، مع أنها ذات طبائع أبسط. وإنها لقربها من الجمال الأسمى، أشد ثباتاً في تطلعها إليه.

16 – أما ما يكرمه الإغريق من آلهة ومما يدعونه “شياطين”[58]، فإنا بغنى عن تقبيحهم عليهم، فلاهوتيوهم أنفسهم يتحدثون عما هم عليه من خضوع شديد للأهواء، ومن تناحر وشقاق، ومما هم عليه من النقائص والعيوب والتقلب. إنهم في خصام دائم بعضهم مع بعض، وفي شجار مع العلل الأولى ومع ما يدعوهم الإغريق أوقيانس، وتيثياس، وفانيتاس، وما لا أدري من الأسماء، وأخيراً مع إله يقوده شغفه بالعنف إلى الفتك بأبنائه، فهو يبتلعهم بجشع لكي يصبح أباً لجميع البشر والآلهة[59] الذين افترسوا وقذفوا بالتقيؤ وبطريقة قبيحة. فإن لم يكن هنالك إلا خرافات وأساطير على حد ما يقولونه ويحاولون أن يتجنبوا عار هذا القول[60]، فماذا يقولون عندما يسمعون أن “الكون ثلاثة أقسام” يحكم كل قسم منه إله، وأن هؤلاء الآلهة الثلاثة على انقسام من جهة تقاسم العناصر والامتيازات؟[61]

إلا أن الحال ليست حالنا، و”ليس مثل حظ يعقوب”[62] على حد قول لاهوتيي[63]، فكل واحد من الثلاثة ليس بأقل وحدة بالنسبة إلى من معه مما هو عليه في ذاته، وذلك بسبب الوحدة في الجوهر والقدرة. هذا هو مبدأ توحدهم كما يتوصل عقلنا إلى إدراكه. فإذا كان هذا التفسير متيناً شكرنا لله نعمة هذه الدراسة، وإلا فلا بد لنا من تطلب غيره.

17 – لا أدري هل نقول إن حججك صادرة عن رجل مازح أو رجل جاد عندما تعمل على دكّ الاتحاد الذي نقول به. فكيف تفكر وتحلل؟ تقول: إن الأشياء الواحدة في الجوهر تحصى معاً – تريد بهذا الكلام أنه يمكن جمعها في عدد واحد – ولكن التي ليس واحدة في الجوهر لا تحصى معاً. وتضيف: من هنا لا يمكنكم إلا أن تقولوا بثلاثة آلهة، وفاقاً للمبدأ السابق، أما نحن فلا خطر علينا من هذا القبيل، لأننا لا نقول بوحدة الجوهر. وهكذا فإنك تملصت من العقدة بكلمة واحدة، وادعيت الانتصار، ولكن بئس الانتصار. لقد فعلت فعل من يعمدون إلى شنق أنفسهم خوفاً من الموت. وكي لا تجهد نفسك في الدفاع عن “المونرخيا” أنكرت الألوهة، وجعلت بين يدي أعدائك ما يطلبون. أما أنا فلن أسلم من أعبد، مهما كلفني ذلك من مشقة. ولا أرى أن في ذلك مشقة.

18 – تقول إن الأشياء الواحدة في الجوهر تحصى معاً، والتي ليست كذلك تعد منفصلة بعضها عن بعض. أنى لك هذا؟ من أي علامة أو من أي ساطر أساطير؟ ألا تعلم أن كل عدد يدل على كمية الأشياء، لا على طبيعتها؟ وأنا إلى هذا الحد متخلف وجاهل حتى إنني أستعمل “ثلاثة” لأعد ثلاثة أشياء. حتى إذا كانت هذه الأشياء من طبائع مختلفة، وبعكس ذلك واحد، وواحد، وواحد، أي ما هو لعدد من الوحدات المختلفة، حتى إذا كانت الأشياء من جوهر واحد، إذ إنني انظر إلى كمية الأشياء التي يتناولها العدد أكثر مما أنظر إلى الأشياء نفسها، وبما أنك تتمسك بحرفية الكتاب المقدس إلى هذا الحد – وأنت في الحقيقة تحاربه – فتأمل في الأمثلة التي اتخذتها منه. في كتاب الأمثال: “ثلاثة تحسن السير: الليث، والتيس والديك، وفي المقام الرابع الملك الذي يخطب في قومه”[64]. ولا أورد ما في النص نفسه من مجموعات ذوات أربعة معدودات بطبائع مختلفة. وأجد كروبين عدهما موسى منفصلين[65]. كيف يكون الثلاثة الأولون ثلاثة، بحسب قواعد فنك، ويكونون في الوقت نفسه منفصلين في الطبيعة، أو كيف يمكن إحصاء الاثنين الآخرين منفصلين وهما متشابهان في الطبيعة ومتحدان اتحاداً شديداً؟ وإن أوردت لك الله ومامّون “ربين اثنين”[66] معدودين في فئة واحدة مع ما بينهما من بون شاسع، فقد أكون في عينيك بهذا الجمع أشد سخفاً وأهلاً للاستخفاف.

19 – ويقول: من الممكن أن تعد الأشياء معاً في حين تكون من جوهر واحد، وذلك عندما يدل عليها اسم واحد بطريقة التبادل، من ذلك مثلاً: ثلاثة رجال، ثلاثة آلهة، لا مجموعة من ثلاثة تتألف من أشياء مختلفة. ما هذا الجواب؟ إنه جواب من يتلهى بالألفاظ ولا يهتم للحقيقة. فكأن بطرس وبولس ويوحنا ليس ثلاثة وليسوا من ذوي جوهر واحد، إذ لم يقل ثلاثة بطرسات وثلاثة بولسات وثلاثة يوحنات! فنحن نطالب للأسماء ذوات الدلالة الخاصة ما منحته لذوات الدلالة العامة، وذلك جرياً مع تصورك وتخيلاتك، وإذا تمنعت من ذلك كنت ظالماً.

ولكن ماذا يقول يوحنا؟ يقول في رسائله الجامعة: “والشهود في الأرض ثلاثة الروح والماء والدم وهؤلاء الثلاثة هم في جسد واحد”[67]. أتظن أنه يهذي؟ إنه أولاً يجرؤ على عد ما ليس من جوهر واحد معاً، وهذا ما لا تبيحه أنت إلا للأشياء ذات الجوهر الواحد. ومن يستطيع القول إن هذه الشهود الثلاثة من جوهر واحد؟ وإنه ثانياً استعمل الألفاظ ولم يحافظ على ما بينها من علاقة، فبعدما استعمل اللفظة “ثلاثة” في صيغة المذكر عاد عليها في صيغة اللامذكر واللامؤنث (neuter) مخالفاً بذلك قواعد لغتك وأصولها. ومع ذلك، فأي فرق بين استعمال “ثلاثة” بصيغة المذكر أولاً ثم العودة عليها بالقول واحد وواحد وواحد بصيغة اللامذكر واللامؤنث، أو بالقول واحد وواحد وواحد بصيغة المذكر، وأن نسميها، لا ثلاثة بصيغة المذكر، بل ثلاثة بصيغة اللامذكر واللامؤنث؟ وهذا ما ترفضه بالنسبة إلى اللاهوت؟

ما قولك في اللفظة “كركينس”؟[68] أليست تدل على الحيوان، والآلة، ومجموعة النجوم؟ وما قولك في اللفظة “كلب”؟ أليست تدل على الكلب الذي يعيش على الأرض، وكلب البحر، ومجموعة النجوم؟ ألا تظن أنه يقال ثلاثة “كركينسات”، وثلاثة كلاب؟ بلى! هل هي لذلك من جوهر واحد؟ أي إنسان عاقل يثبت ذلك؟ هل ترى كيف أن هذه الردود أسقطت ما ذهبت إليه من الأشياء لا تعد معاً إلا إذا كانت من جوهر واحد؟ وهكذا فماذا بقي لك إذا كان من الممكن للأشياء التي من جوهر واحد ألا تعد معاً، وإذا كان من الممكن للأشياء التي ليست من جوهر واحد أن تعد معاً؟

20 – إني أذكر أمراً آخر – وقد لا يكون خارجاً من الموضوع – أليس لدينا اثنان إذا جمعنا واحداً وواحداً، وفي اثنين ألسنا نجد واحداً وواحداً؟ بلى وإذا جرينا على مبدأك وجمعنا الأشياء التي من جوهر واحد، وفصلنا الأشياء المختلفة، فماذا يجري؟ يجري أن الأشياء نفسها هي في الوقت نفسه من جوهر واحد ومن جوهر غير واحد. يأخذني الضحك عندما أرى هذا العد تارة هكذا وتارة هكذا، وأنت بذلك فخورن وكأن الأشياء متعلقة بموقع الكلمات وفي هذا الحال وجرياً على المبدأ نفسه تستطيع القول: بما أن الكتابة الإلهية تسمي الأشخاص أنفسهم تارة على هذا الترتيب، وطوراً على ترتيب آخر، لما لهم من تساو في كرامة الطبيعة، فماذا يمنع من النظر إلى أن هنالك تفاوتاً فيما بينهم قدراً وكرامة؟ وإن لأرى الأمر نفسه في موضوع “الله” و”الرب”، وفي موضوع الأحرف الجارة في “منه وبه وإليه”[69] وأنت تتوهم أنك تستطيع بها أن تخضع الألوهة لمبادئك، مرجعاً الأول منها إلى الآب، والثاني إلى الابن، والثالث إلى الروح القدس. ماذا يكون موقفك لو أرجع كل حرف من هذه الأحرف إلى أي من الثلاثة في غير تمييز، لأنك، وإن أرجعت جميعها إلى الكل – وهي كذلك في نظر المتيقظ – تُدخل بها تفاوتاً شديداً في الكرامة والطبيعة؟[70]

هذا يكفي من هم على شيء من النوايا الصالحة. ولكن يصعب عليك، بعد تهجمك على الروح، أن تكبح جماحك، وتتوقف عن شجار لا نهاية له، وعن التشبه بالرتوت الشديدة التوحش التي تنقض على السيف، وذلك إلى أن تنال نصيبك الكامل من التجريح. وهيا بنا نعالج ما تبقى من الحجج.

21 – إنك لا تزال تردد: هذا ليس في الكتابة الإلهية. وألا يكون الروح غريباً ومقحماً خلسة وتحايلاً، بل أن يكون معروفاً ومكتشفاً لدى القدامى والمحدثين، أمر برهنه الكثيرون ممن وضعوا التفسيرات المتعلقة بالموضوع، أولئك الذين مارسوا الكتابة الإلهية في غير فتور ولا ضحالة، بل في استنطاق للحرف، وفي استبطان للأشياء[71]، وقد استحقوا لذلك أن يشاهدوا الجمال الذي كان مطوياً، واستناروا بنور المعرفة.

فلنبين ذلك نحن أيضاً بإيجاز وعلى قدر طاقتنا، حتى لا نبدو ذوي أطماع مفرطة وبلا فائدة، ولا “نبني على أساس غيرنا”[72]. فالذي يحملك على التجديف، والإكثار من هذه الثرثرة[73] الفارغة، وهذا الكفر الذي لا يجدي فتيلاً هو أنه لم يرد في الكتابة بوضوح كاف أن الروح القدس هو الله، وأنه لم يسم بهذا الاسم مراراً كما جرى ذلك للآب أولاً ثم للابن بعد ذلك. إننا سنزيل من أمامك هذه العقبة بتفسير وجيز للأشياء والأسماء، معتمدين اعتماداً خاصاً على الكتابة الإلهية.

22 – هنالك أشياء لا توجد ولها أسماء، وأشياء توجد ولا أسماء لها، وأخرى لا توجد ولا أسماء لها، وأخرى توجد ولها أسماء. هل تطلب أمثالاً على ذلك؟ إني على استعداد لتقديمها. لقد ورد في الكتابة الإلهية أن الله ينام[74]، ويستيقظ[75]، ويغضب[76]، ويمشي[77]، وأنه جالس على الكروبين[78]. فهل أخضع لذلك كله في الحقيقة؟ هل بلغك يوماً أن لله جسماً؟ إنها أشياء لا توجد إلى في المخيلة. وقد استعرنا ما لنا لندل بعض الدلالة على أمور الله. فبقولنا “ينام” نعبر عن أن الله يبتعد عنا وكأنه يهملنا لأسباب يعرفها هو، إذ أنا النوم يعني لدينا التوقف عن كل نشاط وكل عمل. ويقولنا “يستيقظ” نشير إلى أنه عاد علينا بالخير، إذ إن الاستيقاظ هو النهوض من النوم، كما أن النظر إلى شخص ما هو عدم التحول عنه. وعندما يعاقبنا الله نتصور أنه غاضب، لأن العقوبة لدينا تصدر عن الغضب. وهو يعمل تارة هنا، وتارة هناك، فنعبر عن ذلك بالمشي لأن المشي انتقال من مكان إلى آخر. وهو يرتاح إلى القوات المقدسة، وكأنما يطيب له أن يقيم فيما بينها: إنه جالس وله عرش، إنها صورة مأخوذة مما لنا، إذ إن الألوهة لا ترتاح إلى أحد كما ترتاح إلى القديسين. إنه يتحرك بسرعة، فهو يطير[79]. إنه ينظر إلينا وكأن له وجهاً[80]. إنه يعطي ويتقبل وكأن له يداً[81]. وخلاصة القول إن أعمال الله المختلفة قد عبر لنا عنها بصورة مادية.

23 – وأنت، من أين أتيت بـ “اللامولود” و”بغير المبدأ”، وقد تحصنت بهما هذا التحصن؟ ونحن أنفسنا من أين أتينا بـ “غير المائت”؟[82] بين مصدرها في ألفاظها. فيما أنها لم ترد في الكتابة الإلهية سنعلن أنها غير صحيحة أو سنمحوها. ها قد قضين عليك انطلاقاً من مبادئك نفسها، وسقط سور الألفاظ الذي كنت تحتمي به في ثقة هكذا عظيمة. ألا ترى أنها صادرة عما يتضمنها معنوياً، وإن لم ترد في لفظها. فما الذي يتضمنها؟ “أنا الأول والآخر”[83]، “لم يكون إله قبلي ولا يكون بعدي”[84]، فهو إذن “الكائن”[85] كينونة كاملة لم يكن لها ابتداء ولن يكون لها انتهاء. فعندما قلت بأن لا شيء قبله، ولا علة سابقة له، رحت تدعوه “اللامبدأ له”، و”اللامولود”، وعندما قلت بأن وجوده لا ينتهي رحت تدعوه “اللامائت” و”اللاقابل الفساد”. تلك هي الفئة الأولى وتلك حالها.

والآن ما هي الأشياء التي لا توجد والتي ليس لها أسماء؟ هذه: الله شرير، الكرة مربعة، الماضي حاضر، الإنسان غير مركب. هل عرفت يوماً أحداً قادته الحماقة إلى أن يتجرأ على تصور مثل هذه الأمور والمناداة بها؟

بقي أن نبين الأشياء الموجودة والتي لها أسماء: الله، الأنسان، الملاك، الدينونة، سخف الأقيسة التي تشبه أقيستك، تعطيل الإيمان والقضاء على السر[86].

24 – إذا كان مثل هذه الفروق بين الأسماء والأشياء فكيف تكون عبداً للحرف على هذا الحد؟ هل أنت آخذٌ بالحكمة اليهودية؟ هل أنت مقيد بمقاطع الحروف دون الأشياء نفسها؟ لو قلت أنت: خمسة مضروبة باثنين، أو سبعة مضروبة باثنين. وإذا استنتجت أنا من ذلك: عشرة، أو أربعة عشر، أو إذا قلت أنت: كائن حي، عاقل، مائت، واستنتجت أنا أنه الإنسان، أفتحسب أنني أهذي؟ كيف ذلك وأنا أقول ما تقول أنت؟ والكلام إنما يأتي من قائله بقدر ما يأتي ممن يحمل على قوله. وكما أنني هنا أنظر إلى تفكيرك أكثر مما أنظر إلى أقوالك، كذلك الأمر عندما أجد شيئاً آخر لم يقل أو لم يقل بوضوح، وهو في طوايا الكتابة الإلهية، فإني لن أحجم عن إعلانه، ولن أخافك أنت الناقد الساعي وراء الأسماء! هذا موقفنا بالنسبة إلى من لا تخلو آراؤهم من بعض الصحة[87].

إننا لا نستطيع أن نواجهك أنت بمثل هذا الكلام[88]. إنك تنكر التسميات الكثيرة والواضحة التي تدل على الابن. إنك لن تتقيد بالأخرى[89] أيضاً – وهذا أمر ثابت – حتى لو كانت في عينيك أكثر وضوحاً وعدداً. وإذا كان الأمر كذلك، رأيت أن أرتقي بالموضوع إلى أعلى، وأشرح لكم، وإن كنتم علماء، سبب الغموض كله.

25 – لقد حصل “انقلابان”[90] شهيران في تاريخ البشر وفي طريقة حياتهم، وقد عودهما عهدين و”زلزالين أرضيين”[91]، والأمر معروف يكاد لا يجهله أحد: الواحد نقل من الأوثان إلى الناموس[92]، والآخر من الناموس إلى الإنجيل[93]. وقد أخبرنا أن هنالك زلزالاً ثالثاً للانتقال من هنا إلى هناك، إلى ملكوت لا يتغير ولا “يتزعزع”[94]. هكذا كان بالنسبة إلى العهدين العتيق والجديد[95]. كيف ذلك؟ لم يجر التغيير فجأة، ولا منذ انطلاق الحركة الأولى لهذا العمل. لماذا؟ لا بد من معرفة السبب. كان علينا أن نقتنع لا أن نُكره، لأن ما يخالف الإرادة لا يدوم – تلك حال مجاري المياه والنباتات إذا ضيق عليها – ولكن ما يتفق والإرادة هو آمن وأبقى: فمرجع إحدى النتيجتين إلى المكره، ومرجع الثانية إلينا نحن، الواحدة جديرة بالصلاح الإلهي، والأخرى جديرة بسلطة غاشمة. فكان تدبير الله لا في الإحسان إلى من يرفضون الإحسان، بل في توزيع النعم على من يتقبلونها. هكذا كان الله كالمؤدب أو كالطبيب ينهى عن هذه السيرة، ويبيح تلك، ويتغاضى عن بعض الأمور مجاراة للأحوال، هذا ما يفعله الأطباء في معالجة مرضاهم، إنهم يتحيلون جهدهم على الدواء لكي يتقبله مرضاهم، فيغيرون طعمه بمواد أقرب إلى التقبل، وإنه لمن الصعب تغيير الأشياء التي قضت العادة والزمن الطويل باحترامها. ماذا أعني بهذا القول؟ إن الانقلاب الأول ذهب بالأوثان ولكنه أباح الذبائح، والانقلاب الثاني ذهب بسنة الذبائح، ولكنه لم يمنع الختان، وعندما ارتاح الناس إلى الإلغاء، تقبلوه حتى فيما كان مباحاً: هؤلاء في موضوع الذبائح، وأولئك في موضوع الختان. لقد انتقلوا من الوثنية إلى اليهودية، ومن اليهودية إلى المسيحية، تقودهم هذه التغيرات الجزئية إلى الإنجيل بطريقة لا شعورية. وليقنعك بولس في الموضوع! لقد انطلق من الختان[96] ومن التطهير[97] وقال: “وأنا أيها الأخوة إن كنت أكرز إلى الآن بالختان فلم أضطهد بعد؟”[98] هنالك كان التسامح، وهنا الكمال.

26 – بهذا أستطيع أن أقارن ما هو من شأن اللاهوت، ولكن بطريقة عكسية. هناك التغيير عن طريق الإلغاء، وهنا الكمال عن طريق الإضافة. وذلك كما يلي: العهد القديم أعلن الآب في وضوح، والابن في غموض. العهد الجديد أعلن[99] الابن، وألمع بألوهة الروح. وهكذا أصبح للروح القدس مقر فيما بيننا، وهو ينير طريقنا إليه. وهكذا لم يكن من الحكمة، قبل الاعتراف بألوهة الآب، أن ينادى علناً بالابن، وقبل التسليم بألوهة الابن، أن يقحم الروح القدس عبئاً إضافياً – ولو كان التعبير جريئاً – وإلا كان الأمر على البشر كالغذاء الثقيل الذي يبهظ، أو كتحويل الأنظار إلى نور الشمس بعيون لا تزال ضعيفة، مما يفقدهم جميع طاقاتهم. أما إذا جرى الأمر بالإضافات الجزئية، و”بالمراقي”، على حد قول داود، بخطى متعاقبة، وبالتحول “من مجد إلى مجد”[100] فإن نور الثالوث يتلألأ أكثر فأكثر.

وأنا أرى أن هذا هو سبب سكناه الجزئية في نفوس التلاميذ، مراعياً في ذلك طاقات من يتقبلونه، في بدء الرسالة الإنجيلية، وبعد الآلام، وبعد الصعود: إنه يكمل طاقاتهم[101]، وقد نُفخ[102]، وظهر ألسنة من نار[103]. وقد كشف عنه يسوع شيئاً فشيئاً، كما تلاحظ ذلك أنت نفسك عندما تقرأ بانتباه أكثر قوله: “وأنا أسأل الآب فيعطيكم معزياً آخر روح الحق”[104] – هذا كي لا يظهر مناوئاً لله ومتكلماً بفعل قوة أخرى وهو يقول “سيرسله”، ولكن “باسمي”[105] – فهو يغفل “أسأل” ويحتفظ بـ “سيرسله” – ثم إنه يقول: “أرسِلُه”[106] وفي هذا كرامته الذاتية، ثم يقول “متى جاء”[107]، وفي هذا قدرة الروح.

27 – إنك ترى الإنارات الجزئية التي أنارتنا، والنظام الذي يُحسن بنا أن نجري عليه في “اللاهوت”، فلا نفاجئ بالكشف، ولا نموّه الحقائق إلى أقصى حد. ففي هذاك تفريط، وفي هذا كفر، هذاك قد يصدم الغرباء عنا، وهذا قد يحول عنا من هم معنا.

هنالك فكرة قد يكون غيري قد اهتدى إليها، ولكنني أرى أنها من ثمار تفكيري، فأضيفها إلى ما قيل. لقد دفق المخلص على تلاميذه سيلاً من التعاليم، ولكنهم – على حد قوله – لم يكونوا قادرين على حمل بعضه إذ ذاك[108]، للأسباب التي أتيت على ذكرها، لهذا كان لا يبوح بها. وهو يضيف أن الروح، متى جاء، سيرشدنا إلى كل شيء[109]. ومن تعاليمه، على ما أظن، ألوهة الروح نفسها، التي أوضحت فيما بعد، عندما حان وقت معرفتها وسهل إدراكها. أي بعد تمجيد المخلص ومعجزة قيامته التي لم تدع مجالاً للتردد والإنكار. هل كان بإمكانه أن يعد، وهل كان بإمكان الروح أن يبشر بشيء أعظم من هذا؟ إذا كان هنالك شيء يجب اعتباره عظيماً وجديراً بعظمة الله فهو هذا الوعد أو هذا التعليم.

28 – هذا هو رأيي في الموضوع. وكم أود لو يشترك معي فيه أصدقائي فنعبد الله الآب، والله الابن، والله الروح القدس، ثلاثة أقانيم، في لاهوت واحد، لا يناله انقسام في المجد، والكرامة، والجوهر، والملك! هكذا شرحه، منذ عهد قريب، أحد رجال الله[110]. فلا رأى “إشراق كوكب الصبح”[111]، على حد قول الكتاب، ولا أبصر مجد الإشراق العلوي، ذاك الذي تنكر لهذا الرأي، وانقاد لأحوال الزمان والمكان، فبدل موقفه وانحاز إلى فريق حقير في موضوع هو أعظم الموضوعات وأجلها شأناً! فكيف يؤلهني الروح بالمعمودية[112] إن لم تجب عبادته؟ وإذا وجبت عبادته فكيف لا يكون جديراً بمراسم تلك العبادة؟ وإذا كان جديراً بهذه المراسم فكيف لا يكون إلهاً؟ الواحد مرتبط بالآخر. تلك، والحق يقال، سلسلة ذهب[113] وخلاص. ومن الروح يأتينا التجدد[114]، ومن التجدد استعادة حالنا الأولى، ومن هذه الاستعادة معرفة من أعادنا.

29 – هذا ما يمكن قوله إذا سلمنا بأن الروح لم يرد ذكره في الكتابة الإلهية[115]. أما أن يكون ذكره وارداً فإليك جماً من الشواهد تبين أن ألوهة الروح القدس ظاهرة في الكتاب، وذلك لمن ليسوا حمقى ولا غرباء عن الروح. تأمل ما يلي: يأتي المسيح إلى العالم فيسبقه الروح[116]، المسيح يعتمد فيشهد له[117]، المسيح يتعرض للتجربة فيعيده إلى الجليل[118]، المسيح يجترح المعجزات فيرافقه[119]، المسيح يذهب فيقوم مقامه[120]. ما الذي يعصيه من الأعمال العظيمة والأمور التي يستطيع الله أن يعملها؟ أي من الأسماء التي تطلق على الله لا تطلق عليه، ما خلا اللامولود والمولود؟ إذا كان لا بد من استثناء ميزتي الآب والابن الخاصتين حتى لا يكون هنالك التباس واختلاط في الالوهة التي تجعل الأشياء في محلها وفي نظام كامل. إنني أرتجف عندما أفكر في غنى الألفاظ وفي جميع الأسماء التي تهان عندما يهاجم الروح! لقد قيل له: روح الله[121]، روح المسيح[122]، فكر المسيح[123]، روح الرب[124]، الرب نفسه[125]، روح التبني[126]، والحق[127] والحرية[128]، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح العلم والتقوى وخشية الرب[129]، فهو الذي صنع كل ذلك. إنه “يملأ الكل” بجوهره، و”يحتوي الكل” إنه يملأ المسكونة[130] بالنظر إلى جوهره، ولا تحده المسكونة بالنظر إلى قدرته.

إنه صالح[131]، مستقيم[132]، يعضد[133]، إنه يقدس[134] بطبيعته لا بموهبة عارضة، غير موهوب القداسة، يقيس ولا يقاس[135]، يُشترك فيه[136] ولا يَشترك، يملأ[137] ولا يُملأ، يحتوي[138] ولا يُحتوى، يُؤخذ ميراثاً[139]، يُمجد[140]، هو معدود مع الآب والابن[141]، موضوع تهديد[142]، إنه إصبع الله[143]، إنه نار[144] مثل الله[145]، ليظهر، على ما أظن، أنه واحد معه في الجوهر، إنه الروح الذي يخلق الكائنات[146]، الذي يجدد الخلق بالمعمودية[147]، بالقيامة[148]، إنه الروح الذي يعرف كل شيء[149]، الذي يعلم[150]، الذي يهب حيث يريد وبقدر ما يريد[151]، الذي يرشد[152]، الذي يتكلم[153]، الذي يرسل[154]، الذي يفرز[155]، الذي يغضب[156]، الذي يجرب[157]، الذي يوحي[158]، الذي ينير[159]، الذي يحي[160]، أو بالحري الذي هو نفسه نور وحياة – الذي يجعلنا هياكله[161]، الذي يؤلهنا[162]، الذي يقودنا إلى الكمال[163]، بحيث إنه يسبق المعمودية[164] وإنه يُطلب بعد المعمودية. له جميع أعمال الله[165]، وهو ينقسم ألسنة من نار[166]، يوزع المواهب الروحية[167]، يصنع الرسل، والأنبياء، والمبشرين، والرعاة، والمعلمين[168]، إنه فهم، شامل، نير، نافذ، لا يوقفه شيء، ولا يشوبه فساد[169] – هذا يعني أنه الحكمة العليا، وأنه يعمل بطرائق كثيرة[170]، وينير كل شيء وينفذه[171]، وأنه معلم ذاته[172]، وغير متحول[173]. أنه كلي القدرة[174]، والرقيب الذي يراقب كل شيء[175]، والذي ينفذ جميع الأرواح[176]: الفهمة، الطاهرة، اللطيفة[177] – القوات الملائكية على ما أرى – كالتي للرسل والأنبياء[178]، في آن واحد ولكن لا في الأمكنة الواحدة [179]– لأنهم منتشرون هنا وهناك – مما يدل على أن لا شيء يحده.

30 – إن الذين يقولون ذلك يعلمونه، والذين يسمونه “معزياً آخر”[180] – أي إلهاً آخر – أولئك الذين يعلمون أن التجديف عليه هو وحده غير مغتفر[181]، أولئك الذين وصموا حننيا وسفيرة بوصمة عار رهيبة لأنهما كذبا على الروح القدس، أي كذباً على الله لا على إنسان[182]، هؤلاء أنفسهم هل يعلنون، في رأيك، أن الروح القدس هو الله أو شيء آخر؟ إلى أي حد تكون هكذا شديد الكثافة وشديد البعد عن الروح إذا كانت تحول دونك ودونه عقبة وكنت بحاجة إلى من يعلمك! إن التعبيرات هي بمثل هذه الغزارة وبمثل هذه الحيوية. ما الذي يحوجك إلى أن تسرد لك هذه الشواهد واحدة واحدة؟

وهنالك أيضاً كل ما يورده الكتاب من أمور أدنى وأوضح: مُعطى[183]، مُرسل[184]، موزع[185]، العطية الروحية[186]، الموهبة[187]، النفخة[188]، الوعد[189]، الشفاعة[190]، أو أي كلمة أخرى من هذا النوع – هكذا كي لا أعددها واحدة فواحدة – فيجب إرجاعها إلى العلة الأولى، لكي يتضح مصدرها، وكي لا يتوهم المتوهم أن هنالك ثلاثة مبادئ منقسمة وتعدد آلهة. وإنه لسواء في مجال الكفر، المزج كما فعل سابليوس، والفصل كما فعل آريوس، هنا في موضوع الأقنوم، وهناك في موضوع الطبيعتين.

31 – وإني، بعد التفكير العميق في ذاتي مع ما بذلت فيه من فضول روحي، وبعد معالجة الموضوع من جميع جهاته ساعياً في أن أجد صورة لحقيقة بمثل هذه العظمة، لم أعرف كيف وبأي شيء من الأشياء الأرضية أستطيع أن أشبه الطبيعة الإلهية. حتى لو وجدت بعض التشابه، فإن القسم الأكبر يفوتني ويتركني تحت مع تشبيهي. تصورت، كما تصور غيري، ينبوعاً، وجدولاً، ونهراً، علني أجد تشابهاً بين الينبوع والآب، وبين الجدول والابن، وبين النهر والروح القدس. هذه الأشياء لا يجزئها الزمن، ولا تنفصل بعضها عن بعض من حيث التلاحق، وكأني بها تتمايز بعض التمايز بخصائصها الثلاث. إلا أني خشيت في بدء الأمر أن أجعل بهذا التشبيه لا أدري أي جريان في الألوهة يُفقدها الثبات والاستقرار، ثم خشيت أن يكون تشبيهي اقراراً لوحدة في الأقانيم، لأن الينبوع والجدول والنهر شيء واحد يتخذ أشكالاً مختلفة.

32 – وفكرت كذلك في الشمس، والشعاع، والنور. وهذا لا يخلو أيضاً من خطر: يُخشى أولاً تصور تركيب ما في الطبيعة غير المركبة – كما يكون ذلك في الشمس وخصائصها – ويخشى ثانياً ان يخص الآب وحده بالجوهر فتزول أقنومية الآخرين، ويكونان قوتين لازمتين لله لا أقنومين، فليس الشعاع شمساً وليس النور شمساً، بل فيض شمسي ومزية جوهرية. وإنه ليخشى عند التمسك بهذا التشبيه أن ينعت الله بالوجود وباللاوجود معاً، وهذا منتهى السخف.

وقد سمعت أحدهم يصوغ تفسيراً بمثل هذه الألفاظ: تلتمع على أحد الجدران بقعة ضوئية تصدر عن الشمس وتعكسها مياه متحركة، فالشعاع يتخذ هذه الحركة، وينشرها في الطبقات الهوائية، ثم يصطدم بالسطح الجامد، فيحصل من ذلك ارتجاج غير عادي. يضطرب الشعاع بحركة متشعبة وسريعة، فهو عند ذاك وحدة وتعدد وتعدد ووحدة، فهو يتوارى بسبب سرعة التلاقي والتفاصل وقبل أن تتمكن منه العين.

33 – وهذا أيضاً لا أستطيع قبوله للسبب الآتي: إننا نرى جيداً مصدر حركة الشعاع، والحال أن الله لا سابق له، ولا محرك، لأنه هو علة كل شيء وليس له علة. أضف إلى ذلك أننا نلمس هنا أيضاً الأمور نفسها: التركيب، والتوزع، والطبيعة غير المستقرة والقابلة للتحول، وهذا كله لا يمكن تصوره في الألوهة. وخلاصة القول إنني عندما أجيل الفكر في التصور الذي تقدمه الأمثلة والتشبيهات، لا أجد ما يرضيه وما يرتاح إليه، هذا ما لم يقدنا التبصر إلى اختيار ناحية واحدة من الصورة واسقاط الباقي. أخيراً وجدت من الأفضل أن تترك على الأرض الصور والظلال الخداعة والبعيدة كل البعد عن الحقيقة، وأن أعتنق الفكرة التي تتفق والإيمان أوثق اتفاق، وأقتصر على عدد قليل من الألفاظ، مهتدياً بهدي الروح القدس، ومحافظاً إلى النهاية على الإنارة التب حصلت عليها منه والتي كانت لي “القرين الصادق”[191] والشريك، مع مواصلة السير في طريق هذه الحياة والعمل على إقناع الآخرين، قدر المستطاع، بأن يعبدوا الآب والابن والروح القدس، ألوهة واحدة، وقدرة واحدة، إذ “له كل مجد، وكرامة، وعزة، إلى دهر الدهور”[192]. آمين.

[1] إشارة إلى ما جاء في لو 4: 30، أي إلى أن المسيح جاز بين اليهود الذين كانوا يريدون رجمه.

[2] خر 19: 12.

[3] أي أولئك الذين يفكرون في الابن تفكيراً أورثوذكسياً بعيداً عن التطرف والزيغ.

[4] طالع مز 147: 15.

[5] 1كور 3: 6.

[6] مز 13: 5.

[7] طالع متى 7: 15.

[8] سيكون ذلك في الفقرات 12إلى 24.

[9] يو 1: 9.

[10] يو 14: 16-26.

[11] مز 35: 10.

[12] طالع يو 1: 5.

[13] لم يخطئ غريغوريوس في ظنه أن البعض سيجدون في كلامه تجرؤاً، فقد وجه إلى كل من أقانيم الثالوث الكلام الإنجيلي الذي قيل في الابن، أي إنه “كان النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان آت إلى العالم” (يو 1: 9)، فاعتبر أن هذا الكلام موجه إلى الجوهر الإلهي لا إلى الميزة الخاصة التي تميز الأقنوم، واستعان على ذلك بالمزمور 35: 10، وقد فسره أيضاً ثالوثياً. وتحليل غريغوريوس لا يستقيم إلا إذا اعتبر أن يوحنا 1: 9 لا يشير إلى التجسد، أي مجئ الكلمة إلى العالم منيراً كل إنسان، بل إلى النور الإلهي الذي ينير النفوس، وهو نور الله الذي يمكن أن ينسب إلى كل أقنوم على السواء.

[14] طالع رؤ 22: 11.

[15] أش 40: 9.

[16] يو 1: 1.

[17] يبدو أ، غريغوريوس قد جعل القداسة هنا ميزة الروح القدس، فكأن قداسة الله تقتضي وجود الأقنوم الثالث، وكأن القداسة في نظر غريغوريوس غير النور الذي ينير كل إنسان آت إلى العالم، فهي للروح القدس، وهو للجوهر كله. وهكذا فاللفظة “روح” لا تكفي للدلالة على الأقنوم الثالث الذي هو “الروح القدس”. بمعنى أن لا قداسة إلهية بدون الروح القدس، كما انه لا أبوة إلهية بدو الآب. وبالنسبة ‘لينا فقداسة الروح هي التي تتيح لنا الاعتراف بألوهة الابن، وبدعوة الآب على أننا أبناء بالتبني.

[18] يو 1: 1.

[19] المرجع نفسه.

[20] 1كور 3: 16.

[21] أفلاطون: فيدون 97.

[22] أرسطوا: توالد الحيوانات 2: 3-9.

[23] تتضمن اللفظة اليونانية معاني شتى منها “القوة العاملة”، و”القوة المحركة، و” القوة الصادرة عن غيرها”.

[24] كان باسيليوس من الذين لا يطلقون على الروح القدس اسم الله لأنه لم يطلق عليه هذا الاسم بصراحة في الكتاب المقدس.

[25] 1كور 12: 11.

[26] متى 12: 20؛ يو 14: 26.

[27] أع 13: 2؛ طالع روم 1: 1؛ غلا 1: 15.

[28] أف 4: 30.

[29] أي 4: 9.

[30] إر 4: 22.

[31] في الخطاب 29: 16، قال غريغوريوس: الآب ليس اسم جوهر، أيها الحكماء، ولا اسم فعل، إنه اسم علاقة…”. في ذلك تحديد مهم، فإن كلمة “علافة” ستصبح تقليدية في عرض العقيدة الثالوثية، وأسماء أقانيم الثالوث تتحدد تماماً بالعلاقة: فالآب هو أبو ابنه الوحيد، وليس إلا ذلك. وفي موضع آخر، يعبر غريغوريوس عن هذه الحقيقة بأسلوب واقعي جداً: “…. إنه فقط أب ولم يسبق أن كان ابناً، لأنه بجملته اب لابنه بجملته… ولأنه، أخيراً، أب منذ البدء، وليس لاحقاً.

[32] الآيونات كائنات كل واحد منها ذكر وأنثى، فتتوالد في ذاتها ومن ذاتها، أزواجاً، والزوج الأول في الله. ومرجع مذهب الأيونات إلى الغنوصيين لا إلى مركيونس، وقد نسب غريغوريوس مركيونس إلى الغنوصية خطأ كما فعل بعض من سبقه.

[33] يو 15: 26.

[34] يو 20: 11.

[35] سير 1: 2.

[36] 1كور 2: 10.

[37] طالع الخطاب 29: 19، الحاشية 1.

[38] يو 1: 14.

[39] الوحدة الإلهية، في نظر سابليوس ، لا تتفق وثلاثية الأقانيم. طالع الخطاب 30: 6، الحاشية 1.

[40] أي الأريوسية، ولا سيما الأفنومية منها.

[41] كلام موجه إلى الذين يسلمون بألوهة الابن دون الروح القدس: فوجود أقنومين إلهيين ليس بأقل صعوبة في الإدراك من وجود ثلاثة (طالع الفقرة 13 من هذا الخطاب).

[42] أش 8: 19.

[43] رأى البعض في هذا الكلام إشارة إلى الفينكس.

[44] من ذلك الفراشة وغيرها.

[45] تك 1: 27.

[46] تك 2: 21-22.

[47] تك 4: 25.

[48] طالع الفقرتين 26 و27 من هذا الخطاب.

[49] يو 4: 24.

[50] روم 8: 26.

[51] 1كور 14: 15.

[52] يو 1: 3.

[53] المرجع نفسه.

[54] إن ادخال أي حقيقة من حقائق الخليقة في الثالوث هو هدم للألوهة.

[55] هذه القضية تقوم على التوفيق بين الإيمان بالله الواحد والإيمان بالثالوث. كيف لا يقضي القول بالله الآب، والله الابن، والله الروح القدس، على عقيدة التوحيد؟ والذي يعالجه هنا غريغوريوس هو موضوع وحدة الله القائمة على المساواة في الكرامة وكمال الألوهة في الثلاثة.

[56] أي أولئك الذين ينكرون ألوهة الابن وألوهة الروح القدس كأتباع أفنوميوس.

[57] أي أولئك الذين يقولون بألوهة الابن، وينكرون ألوهة الروح القدس.

[58] شياطيهم هذه كائنات وسط بن الآلهة والبشر وغير خالدة.

[59] تعبير هوميري.

[60] إشارة إلى خرافة خرونس.

[61] الإلياذة 15: 189.

[62] إر 10: 16.

[63] يشير غريغوريوس بهذا القول إلى أسلوب قديم في الدفاع المسيحي.

[64] أم 30: 29-30.

[65] حر 37: 8.

[66] متى 6: 24.

[67] 1يو 5: 8.

[68] اللفظة “كركينس” تعني في اليونانية: سرطان، وكماشة، ومجموعة نجوم “برج السرطان”.

[69] روم 11: 36.

[70] إن الترتيب الذي وردت فيه أسماء الأقانيم، مع الأحرف المذكورة. فتحت باباً للهراطقة للتمييز بين الآب والابن والروح القدس، ولجعل الثلاثة في كرامة وألوهة متدنيتين من الواحد إلى الآخر. وغريفوريوس يرى أن الأحرف لا ترد دائماً هي هي، ويضيف في شيء من الهزء، ما يكون موقفك لو وردت دائماً هي هي؟

[71] يو 20: 11.

[72] روم 15: 20.

[73] 2تيم 4: 3.

[74] مز 77: 65.

[75] دا 9: 14.

[76] أش 5: 25.

[77] تك 3: 8، 11: 15.

[78] أش 37: 16، مز 79: 2.

[79] مز 17: 11.

[80] مز 33: 17 ألخ.

[81] مز 10: 12 ألخ.

[82] قد يُعترض على غريغوريوس بما ورد في 1تيم 1: 17، فيكون التعبير “غير قابل الفساد” هو المقصود هنا.

[83] أش 41: 4.

[84] أش 43: 10.

[85] خر 3: 14.

[86] روم 4: 14 و1كور 1: 17.

[87] يريد بهم من يقولون بألوهة الابن دون الروح القدس (طالع الرقم ا13).

[88] أي أنت الذي تنكر ألوهة الابن.

[89] أي تلك التي تدل على الروح القدس.

[90] عب 12: 27.

[91] متى 27: 51.

[92] خر 20: 3-5.

[93] متى 27: 51.

[94] عب 12: 28.

[95] لا ينحصر الكلام هنا في تاريخ الخلاص وحده، بل يتناول أيضاً تاريخ عقيدة الثالوث وتجليها شيئاً فشيئاً على مر العصور. وقد تكون الكلمة “أيكونوميا” التي يختم بها غريغوريوس الفقرة 25 كلمة الانتقال من تاريخ الخلاص إلى التعليم الإلهي (ثيولوجيا).

[96] أع 16: 3.

[97] أع 21: 26.

[98] غلا 5: 11.

[99] طالع 1بط 1: 20.

[100] 2كور 3: 18.

[101] متى 10: 1؛ مر 6: 7؛ لو 9: 1.

[102] يو 20: 22.

[103] أع 2: 3.

[104] يو 14: 16-17.

[105] يو 14: 26.

[106] يو 16: 7.

[107] يو 16: 8.

[108] يو 16: 12.

[109] يو 16: 13.

[110] قد يكون المشار إليه باسيليوس، وله في الروح القدس أبحاث شهيرة.

[111] أي 11: 17؛ 2بط 1: 19.

[112] متى 28: 19.

[113] تعبير هوميري: الإلياذة 8: 19.

[114] يو 3: 5.

[115] طالع مطلع الفقرة 21.

[116] لو 1: 31، 35.

[117] لو 3: 21-22.

[118] لو 4: 2، 14.

[119] متى 12: 22، 28.

[120] أع 1: 9, 2: 3-4.

[121] 1كور 2: 11.

[122] روم 8: 9.

[123] 1كور 2: 16.

[124] حك 1: 7.

[125] 2كور 3: 17.

[126] روم 8: 15.

[127] يو 14: 17؛ 15: 26.

[128] 2كور 3: 17.

[129] أش 11: 2.

[130] حك 1: 7.

[131] مز 142: 10.

[132] مز 50: 12.

[133] مز 50: 14.

[134] 1كور 6: 11.

[135] يو 3: 34.

[136] روم 8: 15.

[137] حك 1: 7.

[138] حك 1: 7.

[139] أف 1: 13-14.

[140] 1كور 6: 19، 20.

[141] متى 28: 19.

[142] مر 3: 29.

[143] لو 11: 20.

[144] أع 2: 3.

[145] تث 4: 24.

[146] مز 103: 30.

[147] يو 3: 5؛ وطالع 1كور 12: 13.

[148] حز 37: 5-6 و9، 10، 14.

[149] 1كور 2: 10.

[150] يو 14: 26.

[151] يو 3: 8.

[152] مز 142: 10.

[153] أع 13: 2.

[154] أع 13: 4.

[155] أع 13: 2.

[156] أي 4: 9.

[157] أع 5: 9.

[158] يو 16: 13.

[159] يو 14: 26.

[160] يو 6: 63.

[161] 1كور 3: 16.

[162] 1كور 3: 16.

[163] يو 16: 13.

[164] طالع أع 10: 47.

[165] 1كور 2: 4-6، 11.

[166] أع 2: 3.

[167] 1كور 12: 11.

[168] أف 4: 11.

[169] حك 7: 22.

[170] طالع 1كور 12: 11.

[171] حك 7: 24.

[172] حك 7: 23.

[173] حك 7: 23.

[174] حك 7: 23.

[175] حك 7: 23.

[176] حك 7: 23.

[177] حك 7: 23.

[178] حك 7: 27.

[179] حك 8: 1.

[180] يو 14: 16.

[181] متى 12: 31.

[182] أع 5.

[183] لو 11: 13.

[184] يو 16: 7.

[185] عب 2: 4.

[186] 1كور 12: 30.

[187] أع 2: 38.

[188] يو 20: 22.

[189] غلا 3: 14.

[190] روم 8: 26.

[191] طالع فيل 4: 3.

[192] رؤ 1: 6؛ 5: 13.

الخطاب اللاهوتي الخامس – في الروح القدس – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الرابع – في الابن الكلمة 2 – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الرابع – في الابن الكلمة 2 – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الرابع – في الابن الكلمة 2 – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الرابع – في الابن الكلمة 2 – غريغوريوس النزينزي

1 – من بعد ما زعزعنا، بقوة الروح، مداورات حججك وتلافيفها، زعزعة كافية، ذللنا الصعوبات والاعتراضات التي استخرجها من الكتابة الإلهية أولئك الذين يدنسون الكلمة ويحرفون معنى النصوص ويجردونها من روحها، لكي يجتذبوا الجموع إليهم ويموهوا طريق الحقيقة، ونحن مقتنعون أننا فعلنا ذلك، لذوي النوايا الصالحة، في غير غموض ولا لبس: وجهنا إلى الألوهة ما كان من الألفاظ أشد سمواً وأكثر جدارة بالله، وما كان منها أشد وضاعة وأكثر بشرية وجهناه إلى من كان لأجلنا آدم[1] الجديد والإله المتألم بسبب آثامنا. ولكننا لم نعالج كل قضية معالجة تفصيلية لانطلاقنا في الكلام. وإنك لتطلب كل قضية معالجة تفصيلية لانطلاقنا في الكلام. وإنك لتطلب أنت أيضاً حلولاً موجزة لهذه القضية خشية أن تنجر في متاهات الضلال، فإليك منا مسلسلاً لهذه الصعوبات في ترقيم يساعد الذاكرة.

2– هنالك أولاً نص يكثرون من تداوله وهو أن “الرب خلقني أولى طرقه قبل أعماله منذ البدء”[2]. فكيف وبم نقابله؟ لن نشكو سليمان. لن نطرح مقاله بسبب ما انتهى إله من عثار[3]. هل نقول بأن هذا الكلام لا يعني الحكمة في ذاتها، تلك التي كالعلم والفطنة[4] يثبت بها كل شيء؟ وكثيراً ما تشخص الكتابة الإلهية الأشياء حتى الجامدة منها، مثلاً: “البحر قال”[5] كذا وكذا؛ و “الغمر قال[6]: ليست[7] عندي”؛ و”السماوات تحدق بمجد الله”[8]؛ وكذلك يؤمر السيف[9] تسأل الجبال عن سبب وثبها[10]. ليس لنا في هذا ما نقوله، وإن رأي فيه بعض من سبقنا[11] رداً قوياً. وليكن أن المقصود بالكلام هو المخلص نفسه، الحكمة الحقيقية[12]. ولنبحر معاً في الأمر بعض التبحر، فمن من الكائنات بغير علة؟ الألوهة. ولا أحد يستطيع أن يبين أن لله علة، فقد تصبح تلك العلة شيئاً أقدم من الله. وما علة الطبيعة البشرية التي اتخذها الله من أجلنا. لا شك في أن العلة هي خلاصنا. وأي شيء آخر تكون؟ وإذ كنا نجد هنا بوضوح “خلق”[13] و”يلدني”[14] فالكلام بسيط ولا غموض فيه. ما نجده مع العلة نرده إلى الطبيعة البشرية، وما نجده بسيطاً وبغير علة نرده إلى الألوهة. أوليس التعبير “خلق” مرافقاً للعلة؟ لقد قال: “خلقني أولى طرقه قبل أعماله”[15]، والحال أن “أعمال يديه حق وحكم”[16]، وبها كانت له مسحة اللاهوت. تلك مسحة الإنسانية، بخلاف قوله “يلدني”، فذلك بغير علة، وإلا فقدم لي شيئاً يكون شرطاً لذلك. وهكذا فما الذي يمنع أن تكون الحكمة مخلوقة في ولادتها الأرضية، ومولودة في ولادتها الأولى والأبعد عن الإدراك؟

3 – من ذلك أنه دعي “عبداً”[17] يبرر كثيرين[18]، وأنه عظيم بالنسبة إليه أن يكون ابن الله”[19]. لقد أخضع للجسد والولادة ولما لنا من ميول في سبيل تحريرنا، أخضع لكل ما أعتق به المقيدين بقيود الخطيئة. وأي شيء أعظم لحقارة الإنسان من أن يختلط بالله، ومن أن يصبح بهذا الاختلاط إلهاً، ويصبح هكذا “مفتقداً بفقده المشرق من العلاء”[20] بحيث أن “المولود المقدس يدعى ابن العلي”[21] ويوهب “اسماً يفوق كل اسم”؟[22] وهل يكون هذا الاسم إلا الله؟ أضف إلى ذلك: “لكي تجثو كل ركبة”[23] أمام من “أخلى ذاته”[24] لأجلنا، ومن جمع ما بين “الصورة”[25] الإلهية و”صورة العبد”[26]؛ و”فليعلم يقيناً جميع آل إسرائيل أن الله جعله رباً ومسيحاً”[27] وهذه الأمور جرت بفعل من وُلد، وبعطف ما وَلَد.

4 – وما هو الثاني من نصوصهم العظمى والدامغة؟ ها هو ذا: “لا بد أن يملك حتى[28]” كذا؛ و “أن تقبله السماء إلى أزمنة الإصلاح”[29]، وأن يجلس عن اليمين إلى أن يسيطر على أعدائه[30]. وماذا يكون بعد ذلك؟ أيكون انتهاء ملكه أو يطرد من السماوات؟ ومن الذي ينهيه، أو لأي سبب؟ يا لك من مفسر جريء، ومن عدو لملكه لدود! وأنت تعلم أن ليس لملكه انقضاء[31]. ومرجع عثارك إلى كونك تجهل أن الكلمة “حتى: لا تحد الزمن المستقبل حداً مطلقاً، بل تدل على ما يكون إلى زمن ما، ولا تنفي ما يكون بعد ذلك الزمن. أو كيف تفهم النص التالي، ونحن لا نذكر سواه: “ها أنا معكم إلى منتهى الدهر”[32]؟ هل يعني ذلك أنه لن يكون معهم بعد ذلك؟ ولأي سبب؟

وليس ذلك فحسب، بل يضاف إليه أنك لا تميز المعاني. يقال من جهة أنه يملك، أنه كلي القدرة، وإنه ملك من يريد ومن لا يريد، ومن جهة أخرى إنه يعمل فينا الخضوع وأنه يجعلنا تحت سلطته الملكية نحن الذين اخترنا بإرادتنا أن يكون ملكاً علينا. وهكذا ففي المعنى الأول ليس لمملكته انقضاء، وفي المعنى الثاني أي انقضاء يكون لها؟ إنه يأخذنا تحت يده عندما نكون ناجين. وهل من حاجة إلى أن نخضع من هم خاضعون؟ ثم إنه ينهض، بعد هذا الإخضاع، فيدين الأرض[33]، ويميز الناجي من الهالك[34]. وبعد هذا الإخضاع “يقوم في جماعة الله”[35] أي في جماعة المختارين مميزاً ومحدداً ما يستحق كل واحد من الكرامة و”المنزل”[36].

5 – إلى ذلك كله أضف الخضوع الذي تخضع به الابن للآب[37]. ماذا تريد بقولك إنه غير خاضع[38]، هل من ضرورة لأن يخضع لله من هو الله؟ إنك تتحدث عنه كما تتحدث عن لص أو عن عدو لله. ألا أنظر فيما يلي: كما أنه دعي “لعنة”[39] لأجلي، هو الذي يكشف عني اللعنة، و”خطيئة”[40]، هو “الذي يرفع خطيئة العالم”[41]، وكما أنه أصبح آدم الجديد في مكان القديم[42]، فهو يحتمل عصياني لكونه رأس الجسد كله[43]. وهكذا فحين أكون غير خاضع وعاصياً بنكراني الله وبأهوائي، يكون المسيح أيضاً غير خاضع فيّ. ولكن “متى أخضع له كل شيء”[44] – وسيخضع له بمعرفة الله والتحول – سيقوم هو بالخضوع النهائي فيقدمني لله ناعماً بالخلاص. وخضوع المسيح يكون، على ما أقول، في إتمام مشيئة الآب. الابن يُخضع كل شيء للآب، والآب يخضعه للابن: الواحد بفعله، والآخر بعطفه، كما ذكرنا ذلك آنفاً. وهكذا فالمخضع يقدم لله ما أخضع له[45] ويجعلنا من خاصته.

ويبدو لي أن القول نفسه يقال عن النص: “إلهي إلهي، أصغ إلي، لماذا تركتني؟”[46] إنه لم يُترك، لم يتركه أبوه، ولا تركته ألوهته، كما ظن البعض[47]، وكأنها تفارق من يتألم لخوفها من الموت – ومن الذي أكرهه على الولادة الأرضية أولاً، أو على الارتفاع على الصليب؟ – ولكنه ينطق بلساننا، كما سبق لي القول. كنا قبلاً متروكين ومزدرين[48]، وأما الآن فنحن مقربون ومخلصون بآلام من لا يتألم، لقد أخذ خطأنا وحمل إثمنا، على حد ما جاء في سياق المزمور[49]، ومن الواضح أن المزمور 21 يتعلق بالمسيح.

6 – وإلى هذا يرجع النص الذي يقول إنه تعلم الطاعة بما تألم به[50]، وكذلك صراخه، ودموعه، وتضرعه، والاستجابة له، وتقواه[51]: لقد قام بهذا الدور وحبك هذه الأمور حبكاً عجيباً من أجلنا. وهو، في كونه كلمة، لم يكن مطيعاً ولا عاصياً. هاتان اللفظتان تقالان فيمن هم تحت سلطة آخر ومن هم في الرتبة الثانية، فإن أطاعوا كانوا صالحين، وإن عصوا استحقوا العقاب. أما في شأن “صورة عبد”[52] فهو يتنازل إلى مستوى إخوته في العبودية ومستوى العبيد، فيأخذ صورة غريبة عنه، ويحملني في ذاته مع كل ما لي، حتى يُذيب فيه ما فيّ من شر كما تذيب النار الشمع، أو الشمس ضباب الأرض، وحتى اشترك بهذا الاختلاط، فيما هو له. ولهذا فهو يعلي شأن الطاعة بأعماله، ويخبرها بآلامه. إنه لا يكتفي بالاستعداد الداخلي، كما لا يكفينا ذلك إذا لم نقرنه بالعمل، لأن العمل تعبير عن الاستعداد الداخلي. وقد لا يكون أقل شأناً التفكير في أنه أراد، في محبته للبشر، أن يقف على حقيقة ما نعانيه في الطاعة، وأن يقيس كل شيء بمقياس آلامه، وهكذا يستطيع أن يدرك فيما يعانيه هو، ما نعانيه نحن، كم يطلب منا من جهد، كما غفر لنا، وما قياس ضعفنا بالنسبة إلى آلامه. وإذا كان النور الذي يخترق الحجب ويضيء في ظلمة[53] هذه الحياة قد تعاورته الظلمات الأخرى[54] – أعني “الشرير”[55] و”المجرب”[56]، فلشد ما تكون مساورة الظلمات لمن هم ظلمة[57]، ومن هم على أشد ما يكون الضعف. وهل من عجب في أن يصمد هو أمام هذه جميعها صموداً لا عثار فيه، وفي أن نعثر نحن، هذا في رأي من يعالجون الموضوع معالجة قويمة. وإلى المستفسرين أضيف أمراً آخر يردني في النص: “لأنه إذ كان قد تألم وابتلي فهو قادر على أن يغيث المبتلين”[58]، فمرجعه إلى الفكرة نفسها. و”سيكون الله كلاً في الكل”[59] عندما يرد كل شيء[60]: لا الآب وحده، بل الابن أيضاً وقد احتواه الآب احتواء كاملاً فكان فيه كالشعلة انتزعت من السعير المتأجج حيناً ثم ضمت إليه – ولا يسئن استعمال هذا التعبير من كانوا على مذهب سابيليوس[61] – إنه الله كله، عندما نخرج من التعددية التي نحن عليها الآن، والتي أوقعتنا فيها الاضطرابات والأهواء، فصرنا لا نحمل[62] فينا شيئاً من الله، أو لا نحمل منه إلا الشيء اليسير، إننا سنكون إذ ذاك أمثال الله[63]، قادرين على الاتساع له وحمله كاملاً ودون سواه. هذا هو الكمال الذي نسعى إليه، والبرهان على ذلك يقدمه لنا بولس نفسه. فما يقوله هنا في الله بغير تحديد، يحصره هناك في المسيح بغير لبس. ماذا يقول؟ “حيث ليس يوناني ولا يهودي، ولا ختان ولا قلف، ولا أعجمي ولا إسكوتي، ولا عبد ولا حر[64]، بل المسيح هو كل شيء وفي الجميع.

7 – أورد ثالثاً “الأعظم”[65] ورابعاً “إلهي وإلهكم”[66]. لو قبل “أعظم” ولم يقل “مساو” لربما كان لهم في ذلك بعض الشيء، ولكن عندما نجد هذا وذاك بوضوح ماذا يقول أولئك الكرام؟ أي قوة يجدون في ذلك؟ كيف يستطيعون التوفيق بين المفارقات؟ وإنه لمن المستحيلات أن يكون الشيء الواحد أعظم من ذاته ومساوياً لذاته، أليس من الثابت أن “الأعظم” للعلة، وأن “المساوي” للطبيعة؟ وهذا ما نعترف به في غير عسر. وقد يتصدى أحد لكلامنا ويقول بأن الصدور عن مثل هذه العلة ليس أقل عظمة من أن يكون بلا علة. فالابن يشترك هكذا في مجد من لا مبدأ له، ويضيف إلى ذلك الولادة، وهي في نظر العاقلين أمر خطير وجليل. أما القول بأن الآب أعظم من الابن من حيث هو إنسان فذلك أمر لا يقبل الريب، ولا يدعو إلى الاهتمام: وأي عجب في أن يكون الله أعظم من إنسان؟ هذا ما نقوله للذين تستهويهم الكلمة “أعظم”.

8 – وإلى ذلك[67] فبقوله “إله” لا يعني إله الكلمة، بل إله من يُرى: وكيف يكون الله إله من هو الله بالمعنى الحقيقي؟ وكذلك بقوله “أب” لا يعني أبا من يُرى[68] بل يعني أبا الكلمة، والدلالة مزدوجة، وهكذا فأحد اللفظين يناسب الاثنين بالمعنى الحقيقي، والآخر بالمعنى المجازي، بخلاف ما يكون ذلك بالنسبة إلينا. فالله هو إلهنا بالمعنى الحقيقي، وأبونا بالمعنى المجازي. والأمر الذي يضلل الهراطقة هو أنهم يزاوجون الأسماء، فيما تكون الأسماء متبادلة بسبب الاختلاط. وهو ذا البرهان: عندما تكون الطبائع في ذهننا متمايزة تكون الأسماء كذلك وفي الوقت نفسه متمايزة. اسمع ما يقوله بولس: “ليعطيكم إله ربنا يسوع المسيح أبو المجد…”[69]. فهو إله المسيح وأبو المجد، وإن كان الاثنان كلاهما واحداً، لا في الطبيعة، بل في الاتحاد. هل من شيء أقرب إلى الفهم؟

9 – وليقل خامساً بأنه يتقبل الحياة[70]، أو الشهادة[71]، أو ميراث الأمم[72] أو السلطان على كل بشر[73]، أو المجد[74]، أو التلاميذ[75]، أو كل ما يقال إنه يتقبله، ذلك كله من شأن الطبيعة البشرية. ولن يكون في غير محله إذا نسبته إلى الله، إذ لا يكون فيه اكتساباً، بل يكون معه منذ البدء، وعن طبيعة لا عن موهبة.

10 – وليجعل سادساً أن “الابن لا يقدر أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما يرى الآب يعمله”[76]. إيضاح ذلك: إن الفعلين “يقدر” أو “لا يقدر” لا يقالان بالمعنى الواحد، وإن لهما عدة دلالات. فقد يستعصي شيء حيناً أو يستعصي بالنسبة إلى شيء آخر، وهكذا فلا يقدر الطفل على الصراع، أو لا يقدر جرو الكلب على النظر، أو على مهارشة أحد الكلاب، ولا شك في أن هذاك سيصارع يوماً، وأن هذا سيرى وسيهارش هذا الكلب ولا تكون له القدرة على مهارشة ذاك الكلب الآخر. وكثيراً ما يكون الأمر كما ورد في الآية: “لا يمكن أن تخفى مدينة مبنية على جبل”[77]، فقد تخفى تلك المدينة إذا نهض أمامها جبل أعلى منها. وقد يكون الأمر من غير المألوف: “هل يستطيع بنو العرس أن يصوموا ما دام العروس معهم”[78] سواء كان العروس منظوراً جسدياً – فليس زمان حضوره زمان ترح، بل زمان فرح – أو كان الكلمة وقد أدركناه روحياً – وفيم يصوم جسدياً أولئك الذين طهرهم الكلمة؟ وقد يكون الأمر للتمنع كما ورد في الآية: “ولم يستطع أن يصنع هناك شيئاً من القوات لعدم إيمان”[79] مستقبليه. وهكذا فإذ كان الشفاء يقتضي شرطين هما إيمان المعالجين وقدرة المعالج، كان من غير الممكن وجود الواحد دون الآخر. ولا أدري هل كان من المعقول أن يكون الشفاء لمن تصميهم آلام عدم الإيمان. ولدينا في المعنى ذاته أيضاً: “لا يقدر العالم أن يبغضكم”[80] و “كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار؟”[81] وهكذا فكيف يكون أحد هذه الأمور غير ممكن لو لم يكن ذلك عن عدم الإرادة؟ وهنالك في الكلام أمر آخر لا يخرج من هذا النطاق، وهو ما يستحيل على الطبيعة ويكون ممكناً لدى الله إذا أراده، من ذلك أن الإنسان الواحد لا يستطيع أن يولد مرة ثانية[82]، وأن ثقب الإبرة لا يمكن أن يتسع لدخول الجمل[83]. هل يكون شيء من ذلك مستحيلاً لو شاءه الله؟

11 – وفضلاً عن ذلك لدينا أمور مستحيلة وغير مقبولة على الإطلاق، كتلك التي نحن آخذون في معالجتها الآن. فكما نقول إنه من المستحيل أن يكون الله شريراً أو أن لا يكون موجوداً – وحصول ذلك في الله دليل عجز لا دليل قدرة – أو نقول بوجود العدم، أو أن اثنين واثنين تساوي أربعة وعشر، كذلك يكون من المستحيل ومن غير المقبول أن يعمل الابن شيئاً لا يعمله الآب. فكل ما للآب هو للابن[84]، وبعكس ذلك فما للابن هو للآب. ما من شيء شخصي، لأن كل شيء مشترك، فالكينونة نفسها مشتركة، والكرامة واحدة، وإن تلقى الابن كينونته من الآب. وبهذا المعنى قيل أيضاً: “أنا أحيا بالآب”[85]، لا أن قوام حياته وكينونته بالآب، بل لكونه يصدر عن الآب في غير زمن وعن غير علة. ومع ذلك فهو يرى الآب يعمل – كيف؟ – فيعمل على مثاله[86]. هل يكون ذلك كما يفعل أولئك الذين يرسمون الرسوم ويخطون الحروف، ولا يجدون لهم طريقاً إلى الحقيقة بغير هذه الوسيلة، فينظرون إلى المثال ويقتفونه اقتفاءً وتقليداً؟ كيف تكون الحكمة بحاجة إلى من يعلمها؟ أولا تعلم شيئاً بغير تعليم؟ وكيف يعمل الآب أو كيف عمل؟ هل صنع عالماً غير هذا العالم، وهل سيصنع عالماً مستقبلياً، وهل صنع الابن ذاك وسيصنع هذا ناظراً إليهما وناسجاً عليهما؟ وعلى هذا المنوال يكون هنالك أربعة عوالم: اثنان من صنع الآب، واثنان من صنع الابن. يا للحماقة! الابن يطهر من البرص[87]، وينقذ من الشياطين[88] ومن الأمراض[89]، ويبعث الموتى[90]، ويمشي على البحر[91]، ويعمل كل ما عمله: ففيم ومتى صنع الآب هذه الأمور قبله؟ أليس من الواضح أن الآب ينشئ مثلاً لمثل هذه الأعمال والابن يحققها، لا تحقيق عبد أو جاهل، بل تحقيق مهارة وسلطان، وبكلام أدق، تحقيق الآب. هكذا أفهم معنى النص: “مهما يعمله الآب فهذا يعمله الابن أيضاً على مثاله[92]. لا بتشابه الأمور المعمولة بل بالتساوي في كرامة السلطة والقدرة. وهذا ما يجب قوله أيضاً في النص: إن أبي حتى الآن يعمل وأنا أيضاً أعمل”[93]. وليس ذلك محصوراً في العمل، بل هو أيضاً تدبير الأشياء المعمولة والحفاظ عليها، كما يتضح ذلك من النصوص: “الصانع ملائكته أرواحاً”[94]، و”المؤسس الأرض على قواعدها”[95]. لقد صنع هذا على ثبات وأقعد على صمود، وكذلك “شعب طرقاً للصواعق”[96]، و”يخلق الريح”[97]: لقد أُقرت علة هذه الأمور إقراراً ثابتاً وامتد عملها إلى الآن.

12 – وليقل سابعاً إن الابن نزل من السماء لا ليعمل مشيئته بل مشيئة من أرسله[98]. لو لم تصدر هذه الأقوال عن الذي نزل هو نفسه، لكنا رأينا فيها أثراً للإنسان، لا الإنسان الذي نجده في المخلص – إذ إن إرادته لا تخالف إرادة الله، فهي كلها تأتي من الله [99]– بل الإنسان البشري، إذ إن الإرادة البشرية لا تتفق دائماً والإرادة الإلهية، وهي كثيراً ما تخالفها وتقاومها. على هذا فهمنا النص: “يا أبت إن كان يستطاع فلتعبر عني هذه الكأس، لكن ليس كمشيئتي”[100] بل فلتكن مشيئتك هي الغالبة – إذ إنه من غير المعقول أن يجهل هل الأمر مستطاع أم لا، أو أن يقرع إرادة بإرادة. ولكن بما أن هذا الكلام[101] يصدر عمن أخذ طبعتنا – لأنه هو الذي نزل – لا عما أخذ – فإليك جوابنا: هذا الكلام لا يدل على أن للابن إرادة خاصة، إلى جانب إرادة الآب، بل يدل بعكس ذلك على أن شيئاً من ذلك لم يكن، وهكذا فمرجع المعنى إلى ما يلي: “لا لأعمل مشيئتي”[102] إذ أن مشيئتي غير منفصلة عن مشيئتك، فهي مشتركة فيما بيني وبينك، وكما أن لنا لاهوتاً واحداً، كذلك لنا إرادة واحدة. وهكذا فكثير من مثل هذه التعبيرات ذو دلالة مشتركة لا إيجاباً بل سلباً، مثلاً: “إن الله لا يعطي الروح بمقدار”[103]، فإن الله لا يعطيه بمقدار، وما يعطيه لا قياس له: الله لا يقيسه الله[104]. وكذلك: “لا معصية لي ولا خطيئة”[105]، فهذا الكلام لايدل على ما كان بل على ما لم يكن. وكذلك: “لسنا لأجل برنا نلقي تضرعاتنا”[106] إذ إننا لم نفعلها. وهذا الأمر واضح أيضاً فيما يلي: لقد قال “ما مشيئة الآب؟” هي أن كل من يرى الابن ويؤمن به يخلص ويحظى بالقيامة الأخيرة، أي الحياة الأبدية. هل هذه الإرادة هي إرادة الآب بمعزل عن الابن؟ هل يبشر الابن بالإنجيل ويؤمن الناس به عن غير إرادة منه؟ من يستطيع أن يقول هذا القول؟ وقد ورد أيضاً النص “الكلمة التي تسمعونها ليست للابن بل للآب”[107]، وهو نص كسابقه قيمة ودلالة. وكيف يمكن للشيء المشترك أن يكون خاصاً فينفرد به الواحد دون الآخر؟ إني لا أرى إمكان الوفاق بين الأمرين، وإن أمعنت في التحديق إنعام النظر، وأظن ألا أحد غيري يرى ذلك. فإن تفهمت الإرادة على هذا الوجه نهجت نهجاً قويماً وضمن نطاق التقوى. هذا هو رأيي وراي كل إنسان عاقل.

13 – وثامناً لهم النص: “…. أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك والذي أرسلته يسوع المسيح”[108]، والنص: “لا صالح إلا الله وحده”[109]. يبدو لي أن هذا الكلام يحمل حلاً سهلاً ووافياً. فإنك حصرت التعبير “الحقيقي وحدك” في الآب، فأني تجعل الحقيقة ذاتها؟[110] وهكذا فإذا كنت تفهم على هذا الوجه ما يلي من النصوص: “الله الحكيم وحده”، أو “الذي له وحده الخلود ومسكنه نور لا يدنا منه”[111]، أو “فلملك الدهور لله الواحد الذي لا يموت ولا يرى”[112]، فالابن يتوارى لديك، محكوماً عليه بالموت، أو بالظلمة، أو بأن لا يكون حكيماً، ولا ملكاً، ولا غير منظور – وبكلمة أخرى – ولا الله، وعلى هذا محور كلامنا. كيف لا يفقد الصلاح مع ما فقده، والصلاح لله وحده. ورأيي في النص “أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك”[113] أنه قبل لإسقاط من يحملون اسم الله وليسوا بآلهة، ولو كان في التعبير “الحقيقي وحده” ما يستبعد الابن، ولو لم يكن الكلام على الألوهة المشتركة فيما بينهما، لما أضيف “والذي أرسلته يسوع المسيح”[114]. أما النص “لا صالح”[115]، ففيه جواب للمسيح على أحد علماء الناموس الذي أراد أن يجربه وقد شهد لما في إنسانيته من صلاح، فقال له: إن الله وحده كامل الصلاح، وقد يدعى الإنسان صالحاً كما في النص: “الإنسان الصالح من كنزه الصالح يخرج الصالحات”[116]، وفي النص: “سأدفع ملكك إل من هو خير منك”[117] – كلمة وجهها الله إلى شاول في شأن داود – وفي النص: “جد يا رب على ذوي الجودة”[118]، وفي سائر الأقوال المماثلة التي قيلت فيمن استحقوا بيننا المديح والذين سكب فيهم الصلاح الأول شيئاً من صلاحه. فإن كنا قد اقنعناك بذلك كان الأمر جيداً جداً، وإلا فبأي كلام تواجه الذين يعكسون القضية ويذهبون مع مبادئك فيقولون بأن الابن وحده هو الله؟ في أي النصوص؟ في قوله: “هذا هو إلهنا ولا يعتبر حذاءه آخر”[119]، وفيما يعيد ذلك: “وبعد ذلك تراءى على الأرض وتردد بين البشر”[120]، وألا يكون الكلام على الآب بل على الابن أمر واضح في القسم الثاني من الآية، لأنه هو الذي أقام بيننا في الجسد، وتردد على الأرض بين البشر. ولئن كان الانتصار في أن يقال ذلك على الآب، لا على من يدعونهم آلهة، فبئس الانتصار الذي قادتنا فيه الغيرة على الابن إلى إضاعة الآب! وأي انتصار أشد منه سوءاً وضرراً؟

14 – وتاسعاً سيقولون: “هو حي كل حين ليشفع فينا”[121]. أمر في الحقيقة حسن وروحي ومفيد للبشر. والفعل “شفع” لا يعني طلب الانتقام كما يفهمه عامة الناس – وهو في هذا المفهوم دليل انحدار – بل يعني التدخل[122] كوسيط[123]. وهكذا قبل إن الروح نفسه يشفع فينا[124]. “إن الله واحد والوسيط بين الله والناس واحد وهو الإنسان يسوع المسيح”[125]. فهو لا يزال يتدخل الآن كإنسان في سبيل خلاصي، إذ إنه لا يزال مع الجسد الذي اتخذه، إلى أن يصيرني إلهاً بحكم صيرورته إنساناً، مع أنه لم يعد معروفاً في هذا الجسد الذي حمل جميع أوهانه ما عدا الخطيئة. وكذلك الآية “لنا شفيع يسوع المسيح”[126]، لا بمعنى أنه يجثو لأجلنا أمام الآب، ويقع على قدميه كعبد. أبعد هذه الفكرة الحقيرة وغير اللائقة بالروح! فالآب لا يطلب ذلك والابن لا يلجأ إليه، وهل يجوز أن نتصور هذا الأمر عند الله؟ ولكن بما أنه تألم كإنسان فهو يقنعني بالصبر ككلمة ومشير. هذا ما يعنيه في نظري دوره كشفيع.

15 – وعاشراً لهم الجهل وأن لا أحد يعلم اليوم الأخير أو الساعة الأخيرة ولا الابن إلا الآب[127]. وكيف يجهل شيئاً من الكائنات من هو الحكمة[128] ومنشئ الدهور[129]، ومنهيها[130] ومجددها[131]، ومن هو نهاية[132] الموجودات، ومن يعرف ما في الله كما يعرف روح الإنسان ما فيه[133]. أي معرفة أكمل من هذه المعرفة؟ فكيف يعرف ما قبل الساعة معرفة دقيقة، وكيف تراه يعرف ما سيكون عن المنتهى ويجهل الساعة نفسها؟ إن ذلك أشبه بلغز، كما لو قال أحد أنه يعرف ما أمام الحائط معرفة جيدة ولكنه يجهل الحائط نفسه، أو إنه يعرف آخر النهار معرفة جيدة، ولكنه لا يعرف أول الليل: ومن الثابت في هذين الحالين أن معرفة الواحد تقتضي معرفة الآخر. أليس من الواضح لجميع الناس أنه يعرف كإله، وأنه بقوله “لا يعرف” يشير فيه إلى الإنسان، هذا إذا فصلنا المرئي عن الروحي؟ وقوله “الابن” هنا قول مطلق وخال من أي إشارة إلى من هو ابنه، وهذا ما يتيح لنا هذا التفسير، فننظر إلى الجهل نظرة استقامة، ونرجعه إلى الطبيعة الإنسانية لا إلى الطبيعة الإلهية.

16 – إذا كان لك في هذا الكلام كفاية توقفنا عنده، ولم يبق لأحد أن يطلب المزيد، وإلا فلدينا ما نقوله أيضاً وهو أن تكون معرفة الأشياء العظمى، وكل شيء من الأشياء الأخرى منسوبة إلى العلة الأولى، تجلة وإكراماً للذي وَلَد. فيبدو لي أننا لن نكون على موقف هزيل إذا جارينا أحد مفكري هذا العصر[134] وقرأنا كما يلي: الابن لا يعرف النهار أو الساعة على غير معرفة الآب لهما. والنتيجة، ما هي؟ بما أن للآب هذه المعرفة فهي للابن أيضاً، وهي من ثم بعيدة عن أن يعرفها أو بدركها أحد ما خلا الطبيعة الأولى.

بقي أن نعالج تلقيه الأوامر[135]، وحفظه للوصايا[136] وفعله ما يرضي الآب كل حين[137]، ثم إتمامه الذبيحة[138]، وارتفاعه[139]، وتعلمه الطاعة بما تألم به[140]، وكونه حبراً[141]، وتقدمته الذبيحة[142]، وكونه أُسلم[143]، وتقريبه التضرعات إلى القادر أن يخلصه من الموت[144]، ونزاعه[145]، وعرقه الدامي[146]، وصلاته[147]، وكل ما شابه ذلك، ما لم يكن واضحاً للجميع أن مثل هذه التعبيرات ترجع إلى الطبيعة المتألمة لا إلى الطبيعة التي لا تخضع للتحول، ولا يدركها ألم.

ما قلناه في صدد اعتراضاتهم من شأنه أن يفتح باباً ومنطلقاً للذين يرغبون في التقصي واستكمال البحث. ولكن قد يكون من المفيد أن نلحق ما أتينا عليه حتى الآن، بكلام يتحرى تسميات الابن، وهي كثيرة، ولها محل واسع في كثير من المواقف التأملية التي تتناول ذلك الابن. فلنبين معنى كل اسم، ونستجل ما فيه من قيمة سرية.

17 – علينا أن نقول أولاً: إن الألوهة لا تسمى باسم من الأسماء[148]. هذا أمر لا يثبته العقل فحسب، بل تحملنا على القول به شهادة أقدم العبرانيين وأوفرهم حكمة. إنهم وإن كان لديهم ألفاظ خاصة لتكريم الألوهة[149]، لم يرتضوا هذه الأحرف التي تكتب للدلالة على أي كائن غير الله، وعلى الله نفسه، لاعتقادهم أن الألوهة غير ذات علاقة – إلى هذا الحد! – بما لنا؛ وأنى، في نظرهم، للكلمة القابلة الانحلال أن تدل على الطبيعة التي لا تقبل الانحلال والتي تغاير طبيعتنا؟ لم يتمكن أحد من استنشاق الهواء كله، وجوهر الله لم يتمكن عقل من تصوره، ولم تتمكن لفظة من احتواء حقيقته احتواءً كاملاً، ولكننا نتخذ مما حواليه طريقاً إلى تخيله في ذاته، ونرسم لنا عنه صورة غامضة وضعيفة، صورة تختلف باختلاف عناصرها. إن أعظم اللاهوتيين، في نظرنا، ليس من اكتشف “الكل” – إذ إن السجن الذي نحن فيه لا يتسع “للكل” – بل من تفوق على غيره في التصور، ومن حقق في ذاته صورة الحقيقة أفضل من غيره، أو ظل تلك الحقيقة، أو ما لا أدري بأي أسم يجب أن نسميه.

18 – على كل حال، وبقدر فهمنا للأشياء، نرى أن اللفظتين “الكائن” و”الله” هما، نوعاً ما، اسمان للجوهر، وخصوصاً “الكائن”، وقد تسمى بها الله نفسه عندما خاطب موسى على الجبل[150]، وأمره عندما سأله ما اسمه، أن يقول للشعب: “الكائن أرسلني”[151]، وهي الاسم الذي نراه أقرب إلى الدلالة. أما اللفظة “الله” (ثيوس #) فهي، في نظر المحققين، من “ثيين #” (بمعنى ركض) أو “أيثن #” (بمعنى أحرق)[152]، لأنه في حركة دائمة، ولأنه يحرق ميولنا الفاسدة – ولهذا قيل “إنه نار آكلة”[153] – واللفظة على كل حال ذات دلالة نسبية لا مطلقة. وكذلك الاسم “رب” الذي قيل عنه إنه اسم الله أيضاً: “أنا الرب إلهك وهذا اسمي”[154]، و”اسمه الرب”[155]. أما نحن ففي تطلب طبيعة تكون للكائن في ذاته لا بالنسبة إلى غيره، و “أن يكون” هو في الحقيقة ميزة الله الخاصة، أي أن يكون كامل الكينونة، لا يسبقه في ذلك أحدٌ ولا يأتي بعد أحد، لأنه لم يكن ولن يكون المحدود أو المنقوص.

19 – أما التسميات الأخرى، فمنها ما يرجع بوضوح إلى القدرة، ومنها ما يرجع إلى التدبير، والتدبير مزدوج: ما هو لما فوق المادة، وما هو للمادي، وهكذا فهو من جهة “الكلي القدرة”[156]، و”الملك”، “ملك المجد”[157]، أو “ملك الدهور”[158]، أو “ملك القوات”[159]، أو “ملك الحبيب”[160]، أو “ملك الملوك”[161]، و”الرب”، “رب الصباؤوت”[162] – أي الجنود – أو “رب القوات”[163] أو “رب الأرباب”[164]: تلك هي أسماء القدرة. وهو من جهة أخرى “الله” “إله التخليص”[165]، أو “إله النقمات”[166]، أو “إله السلام”[167]، أو “إله البر”[168]، أو “إله إبراهيم واسحق ويعقوب”[169] وكل إسرائيل الروحي[170] ومن يرى الله[171]: تلك أسماء التدبير. وإذ كنا خاضعين لأمور ثلاثة: خوف العقاب، وترجي الخلاص والمجد، وممارسة الفضائل مصدر الخلاص والمجد، فإن اسم النقمات يبعث فينا الخوف، واسم الأمور الخلاصية يحملنا على الرجاء، واسم الفضائل يحلمنا على ممارستها. وهكذا فمن يحمل الله في ذاته[172] ببلوغه أحد هذه الأمور الثلاثة، يمضي بسرعة أشد في طريق الكمال وفي طريق ما تمنحه الفضائل من صلة القربى بالله.

تلك أسماء الألوهة بطريقة عامة. ولكن الاسم “الآب” هو الاسم الخص لمن لا مبدأ له. و”الابن” هو اسم المولود عن غير علة، و”الروح القدس” هو اسم من انبثق أو من ينبثق في غير ولادة.

ولننتقل الآن إلى الألفاظ التي تدل على الابن، فمن هنا كان انطلاق خطابنا[173].

20 – يبدو لي أنه يقال له “الابن” لأنه واحد مع الآب في الجوهر، وليس لهذا فقط بل لأنه يأتي منه أيضاً. ويقال له “الوحيد”[174] لا لأنه وحده أتى من واحد فقط، وبل لأن ذلك جرى بطريقة لا مثيل لها تختلف عما هو معهود للأجسام. ويقال له “كلمة”[175] لأنه بالنسبة إلى الآب كالكلمة بالنسبة إلى العقل، وليس لأن ولادته جرت بغير تحول فقط، بل للرباط الوثيق الذي يربطه بالآب ولما هو عليه من طاقة الكشف عنه[176]. وقد يمكن القول إنه كالتحديد بالنسبة إلى الشيء المحدد، إذ إنه يقال للتحديد أيضاً “لوغس” (أي الكلمة). وقد قال: “من عرف الابن” – والفعل “عرف” هنا بمعنى “رأى” – “فقد عرف الآب”[177]، والابن مَجْلّى موجز وواضح لطبيعة الآب. وكل مولود إنما هو تعريف صامت لمن ولده. ولا ضير في أن يقال إنه دعي “كلمة” لكونه مشرفاً على الموجودات. وأي شيء وجد بمعزل عن الكلمة؟[178] ويقال له “حكمة”[179] لكونه يعرف الأمور الإلهية والبشرية؛ وأنى لمن صنع الأشياء[180] أن يجهل حقيقة ما صنع؟ ويقال له “القدرة”[181] لكونه يحفظ الأشياء المصنوعة[182] ويمنحها القدرة على التلاحم. ويقال له “حقيقة”[183] لكونه واحداً لا متعدداً بطبيعته – والحقيقية واحدة أما الكذب فكثير الأشكال – ولكونه ختم الآب[184] الطاهر، وصورته[185] الخاليين من كل تمويه. ويقال له “صورة”[186] لكونه والآب جوهراً واحداً، ولأنه يأتي من الآب وأن الآب لا يأتي منه. ومن شأن الصورة أن تطابق صاحبها الذي يقال إنها أُخذت عنه، ولدينا هنا أكثر من ذلك: ففي غير هذا الذي نحن فيه تكون الصورة صورة جامدة لكائن متحرك، وهنا الصورة صورة حية وهي حيه وأكثر شبهاً به مما كان شيت يشبه آدم[187]، وما يشبه المولود من ولده، أياً كان. تلك هي طبيعة الأشياء البسيطة ألا يكون بينها تشابه جزئي. وهكذا فالصورة الكاملة تمثل الشيء كاملاً، وهي بالأحرى الشيء نفسه لا ما يشبهه. ويقال له “نور”[188] لكونه منارة للنفوس التي تتبرر كلمة وحياة، فإذا كان الجهل والخطيئة ظلمة، كانت المعرفة والحياة في الله نوراً. ويقال له “حياة” لكونه نوراً[189]، ولكونه قوام كل طبيعة عاقلة ومنسقها. “فإنّا به نحيا ونتحرك ونوجد”[190]، وذلك بفعل قوة نفخته المزدوجة ونفسه المزدوج[191]، فمنه تأتي الجميع نفحة الروح القدس المحيية، يتقبلها الذين يستطيعون احتواءها، وذلك بقدر ما “نفتح فم”[192] أذهاننا. ويقال له “بر”[193] لكونه يجازي على حسب الاستحقاق[194]، ولكونه يحاكم بالعدل من هم “تحت الناموس” ومن هم “تحت النعمة”[195]، وكذلك النفس والجسد بحيث تأمر هي ويخضع هو، وبحيث يخضع الأدنى للأعلى فلا يتاح للأدنى أن يثور على الأنبل والأشرف. ويقال له “القداسة”[196] لكونه الطهارة بحيث تتقبل الطهارة الطاهر[197]. ويقال له “فداء”[198] لكونه يحررنا، ونحن الذين كنا في الخطيئة، ولكنه يقدم نفسه فدية عنا تطهر الأرض. ويقال له “قيامة”[199] لكونه يجعلنا نطلق من ههنا[200]، ويعيدنا إلى الحياة[201] نحن الذين كنا أمواتاً من جراء تناولنا الثمرة المحرمة[202].

21 – هذه الأسماء هي أيضاً مشتركة بين ما كان في المسيح أرفع منا وما كان لأجلنا. وإليكم الآن أسماء محصورة فينا وموافقة لما اتخذ منا. إنه “إنسان”[203] لا لكي يكون بجسده في متناول من هم في الجسد وحسب – وهو إذا خلا من الجسد كان بطبيعته غير المدركة متعذر المنال – بل ليقدس هو بنفسه أيضاً الإنسان إذ صار كالخمير للعجين كله، فاتخذ في ذاته ما كان محكوماً عليه، لكي يحرر الكل من ربقة الحكم، وذلك عندما صار للجميع كل ما نحن عليه – ما عدا الخطيئة – جسداً ونفساً وروحاً، من حيث دخل الموت، فمن مجموع هذه العناصر كان إنساناً، إلهاً منظوراً، وفاقاً لما يدركه عقلنا. وهو “ابن الانسان”[204] بسبب آدم والعذراء معاً، وقد أتى منهما: من آدم على أنه الأب الأول، ومن العذراء لكونه خضع لناموس الأمومة لا لناموس الولادة. وهو “مسيح”[205] بسبب ألوهته: فالألوهة مسحة الإنسانية التي تقدسها لا بعملية المسح، كما هي الحال بالنسبة إلى سائر “المسحاء”[206]، بل بحضوره هو كاملاً وماسحاً. وبسبب هذا الحضور يسمى الذي يمسح “إنساناً” ويُجعل الممسوح إلهاً[207]. وهو “طريق”[208] من حيث إنه يقودنا هو بنفسه. وهو “باب”[209] من حيث إنه يدخلنا. وهو “راع”[210] من حيث إنه يجعل قطيعه في مكان خضر[211]، ويورده مياه الراحة[212]، ومن هناك يمضي أمام القطيع[213]، ويكف عنه الوحوش الضارية[214]، ويرد النعجة الشاردة[215]، ويتطلب المفقودة[216] ويضمد جراح الجريحة[217]، ويحفظ القوية[218]، ويجمع القطيع[219] إلى الحظيرة العلوية بأقوال حكمته الراعوية. وهو “شاة”[220] لأنه ذبح[221]. وهو “حمل”[222] لأنه كامل[223]. وهو “حَبْر”[224] لأنه يقرب الذبيحة[225]. وهو “ملكيصادق”[226] لأنه بغير أم[227] بالنظر إلى ما فوقنا، وبغير أب[228] بالنظر إلى ما نحن فيه، وبغير نسب[229] بالنظر إلى العلاء: قال: “أما مولده فمن يصفه؟”[230]. وهو كذلك لأنه “ملك شليم”[231] – أي ملك السلام[232] – إذا إنه “ملك البر”[233]، ولأنه ينال العشر[234] من الآباء الذين تغلبوا على قوات الشر[235].

تلك هي تسميات الابن. فامض ما بينها: بطريقة علوية، ما بين العلوية منها، وبطريقة رفيقة[236] ما بين الجسدية منها، أو بالحري فليكن كله بطريقة إلهية لكي تصير، وأنت صاعد من هنا، إلهاً بالذي نزل لأجلنا من العلاء. التزم هذا فوق كل شيء وقبل كل شيء فتكون بنجوة من الحيرة والتردد أمام ما هو من الأسماء أرفع أو أوضع. “يسوع المسيح أمس واليوم” جسدياً “هو هو ” روحياً وإلى الدهور[237]. آمين

[1] طالع 1كور 15: 45.

[2] أم 8.

[3] 1صم 11: 1-8.

[4] حك 7: 21، 8: 6.

[5] أي 28: 14.

[6] المرجع نفسه.

[7] أي الحكمة.

[8] مز 18: 1.

[9] زك 13: 7.

[10] مز 113: 4.

[11] إشارة إلى القديس باسيليوس في رده على أفنوميوس Conter Eunom. II. 20. PG 29, 616-617.

[12] 1كور 1: 24.

[13] أم 8: 22.

[14] أم 8: 25.

[15] أم 8: 22.

[16] أم 110: 7.

[17] أش 49: 3، 5. في التقليد المسيحي أن في كلام أشعيا هذا إشارة إلى المسيح.

[18] أش 53: 11.

[19] أش 49: 6.

[20] لو 1: 78.

[21] لو 1: 32.

[22] فيل 2: 9.

[23] فيل 2: 10.

[24] فيل 2: 7.

[25] 2كور 4: 4؛ كول 1: 15.

[26] فيل 2: 7.

[27] أع 2: 36.

[28] 1كور 15: 25.

[29] أع 3: 21.

[30] مز 109: 1.

[31] لو 1: 33.

[32] متى 28: 20.

[33] مز 93: 2.

[34] طالع متى 25: 32.

[35] مز 81: 1.

[36] يو 14: 2.

[37] 1كو 15: 28.

[38] يقول القديس بولس في 1كور 15: 28 إنه متى أخضع لله كل شيء فحينئذ يخضع الابن نفسه، وهذا الكلام، في نظر الأفنوميين، دليل على أن المسيح غير خاضع الآن.

[39] غلا 3: 13.

[40] 2كور 5: 21.

[41] يو 1: 29.

[42] 1كور 15: 45.

[43] كول 1: 18.

[44] 1كور 15: 28.

[45] المرجع نفسه.

[46] مز 21: 1.

[47] يشير إيليا الكريتي إلى أن أوريجانس كان على هذا الرأي.

[48] طالع أش 53: 6.

[49] مز 21: 2-3.

[50] عب 5: 8.

[51] عب 5: 7.

[52] فيل 2: 7.

[53] يو 1: 5.

[54] طالع لو 22: 53.

[55] 1 يو 5: 18.

[56] متى 4: 3.

[57] أف 5: 8 أي نحن.

[58] عب 2: 18.

[59] 1كور 15: 28.

[60] أع 3: 21.

[61]  عاش سابيليوس في القرن الثالث وذهب إلى أن الأقانيم الثلاثة في الثالوث الأقدس لا شيء يميز أحدهم عن الآخر.

[62] 1كور 6: 20.

[63] 1يو 3: 2.

[64] غلا 3: 27؛ كول 3: 11.

[65] يو 14: 17.

[66] يو 20: 17.

[67] ينتقل غريغوريوس هنا إلى النص الثاني، أي “إلهي وإلهكم” (يو 20: 17).

[68] يو 20: 17. في هذا الكلام إشارة إلى القسم الثاني من الآية.

[69] أف 1: 17.

[70] يو 5: 26.

[71] يو 5: 27.

[72] مز 2: 8.

[73] يو 17: 2.

[74] رؤ 5: 12.

[75] يو 17: 6.

[76] يو 5: 19.

[77] متى 5: 14.

[78] متى 9: 15؛ مر 2: 19؛ لو 5: 34.

[79] مر 6: 5؛ متى 13: 58.

[80] يو 7: 7.

[81] متى 12: 34.

[82] يو 3: 4.

[83] متى 19: 24.

[84] يو 16: 15.

[85] يو 6: 58.

[86] يو 5: 19.

[87] متى 8: 3؛ مر 1: 40؛ لو 5: 13؛ 17: 14.

[88] مر 1: 34.

[89] متى 8: 16.

[90] متى 9: 25؛ مر 5: 42؛ لو 8: 55؛ 7: 14-15؛ يو 11: 44.

[91] متى 14: 25؛ مر 6: 28؛ يو 6: 19.

[92] يو 5: 19.

[93] يو 5: 17.

[94] مز 103: 4.

[95] مز 103: 5.

[96] أي 38: 25.

[97] عا 4: 13.

[98] يو 6: 38.

[99] هذه العبارة اعتمدها مجمع القسطنطينية الثالث (681) في اعلانه الأخير (16 أيلول 681)، وقد لقب غريغوريوس باللاهوتي. وهو في هذا القسم من خطابه يُظهر من البراعة اللاهوتية والدقة ما لا حد له، وذلك في معالجة سر التجسد وإبراز الإرادتين الإلهية والإنسانية في المسيح، وفي اهتمامه الدائم للوحدة في المسيح وفي احترامه لكمال الطبيعة البشرية فيه.

[100] متى 26: 39.

[101] أي النص الذي ورد في أول هذه الفقرة.

[102] يو 6: 38.

[103] يو 3: 34. القسم الأول من هذه الآية يُظهر الآب معطياً الروح ليسوع.

[104] إن الله لم يعط روحه ليسوع بمقدار، كما كان يعطيه للأنبياء، ولكن أعطاه إياه كاملاً.

[105] مز 58: 5.

[106] دا 9: 18.

[107] يو 14: 24.

[108] يو 17: 3.

[109] لو 18: 19.

[110] أي الابن، فقد قال يسوع: “أنا الحقيقة” (يو 14: 16).

[111] 1تيم 6: 16.

[112] 1تيم 1: 17.

[113] يو 17: 3.

[114] المصدر ذاته.

[115] لو 18: 19.

[116] متى 12: 35.

[117] 1صم 15: 28.

[118] مز 124: 4.

[119] با 3: 36.

[120] با 3: 38.

[121] عب 7: 25.

[122] 2كور 5: 20؛ أف 6: 20.

[123] طالع 1تيم 2: 5.

[124] روم 8: 26.

[125] 1تيم 2: 5.

[126] 1يو 2: 1.

[127] مر 13: 32.

[128] 1كور 1: 30.

[129] عب 1: 2.

[130] متى 28: 20.

[131] رؤ 21: 5.

[132] رؤ 1: 8؛ 22: 13.

[133] 1كور 2: 11.

[134] إشارة إلى باسيليوس.

[135] يو 10: 18.

[136] يو 15: 10.

[137] يو 8: 25.

[138] يو 19: 30.

[139] يو 9: 14.

[140] عب 5: 8.

[141] عب 6: 20.

[142] روم 4: 25.

[143] غلا 2: 40.

[144] عب 5: 7.

[145] لو 22: 44.

[146] نفس المرجع.

[147] لو 22: 43.

[148] كان أفنوموس بدعي أن “غير المولود” هو اسم الله.

[149] كان اليهود يتحاشون عن أن يلفظوا بالكلمة “يهوه” (وهي الاسم الذي تسمى به الله عندما ظهر لموسى: خر 3: 14)، فكانوا يستبدلون بها الكلمة “أدوناي” أي السيد والرب.

[150] خر 3: 14.

[151] نفس المرجع.

[152] يذهب العلماء اليوم إلى أن أصل هذه اللفظة غير معروف. طالع

  1. CHANTRAINE, Dixtionnaire etymologique de la langue grecque. II Paris. 1970. P 430

[153] تث 4: 24.

[154] أش 42: 8.

[155] عا 9: 6.

[156] خر 15: 3.

[157] مز 23: 10.

[158] 1تيم 6: 15.

[159] مز 57: 13.

[160] المرجع نفسه.

[161] 1تيم 6: 15.

[162] أش 1: 9؛ روم 9: 29.

[163] مز 23: 10.

[164] تث 10: 17.

[165] مز 67: 21.

[166] مز 93: 1.

[167] روم 15: 33.

[168] مز 4: 2.

[169] خر 3: 6.

[170] طالع غلا 6: 16.

[171] طالع تك 32: 30.

[172] طالع 1كور 6: 20.

[173] أعلن غريغوريوس في آخر الفقرة 16 من هذا الخطاب أنه سيعالج أسماء الابن ثم انساق في استطراد طويل ضمنه كلاماً على الألفاظ التي تدل على الله بوجه عام.

[174] يو 1: 18.

[175] يو 1: 1.

[176] متى 11: 27؛ لو 10: 22؛ يو 1: 18.

[177] يو 14: 9. وفي الأصل اليوناني “من رأني فقد رأى الآب أيضاً.

[178] كول 1: 17.

[179] 1كور 1: 30.

[180] كول: 1: 17.

[181] أف 5: 9.

[182] يو 1: 13.

[183] يو 14: 6.

[184] يو 6: 27.

[185] عب 1: 3.

[186] كول 1: 15.

[187] تك 4: 25.

[188] يو 8: 12؛ 9: 5.

[189] يو 8: 12؛ 9: 5.

[190] أع 17: 28.

[191] تك 2: 7، يو 10: 22 – إشارة إلى الحياة التي نفخها الله في آدم (تك 2: 7)، وإلى نفخة المسيح التي أعطى بها رسله الروح القدس (يو20: 22).

[192] مز 118: 131.

[193] 1كور 1: 30.

[194] متى 16: 27؛ روم 2: 6.

[195] روم 6: 14.

[196] 1كور 1: 30.

[197] طالع الخطاب 27: 3.

[198] 1كور 1: 30.

[199] يو 11: 25.

[200] يو 14: 40.

[201] طالع طو 13: 2؛ حك 16: 13؛ تث 32: 39؛ 1صم 2: 6.

[202] طالع تك 2: 17.

[203] يو 9: 11.

[204] متى 9: 6 إلخ.

[205] متى 1: 16.

[206] خر 30: 30؛ 1صم 10: 1 الخ. كان الملوك والأحبار قديماً يمسحون بالدهن.

[207] بكلام آخر: يدعى الله إنسانً ويدعى الإنسان إلهاً بسبب اتحاد الإنسانية والألوهة.

[208] يو 14: 6.

[209] يو 10: 9.

[210] يو 10: 11.

[211] مز 22: 2.

[212] المرجع نفسه.

[213] يو 10: 4.

[214] حز 34: 25.

[215] حز 34: 16.

[216] المرجع نفسه.

[217] المرجع نفسه.

[218] المرجع نفسه.

[219] طالع أس 40: 11.

[220] أش 53: 7.

[221] المرجع نفسه.

[222] أش 53: 7 ويو 1: 29.

[223] خر 12: 5.

[224] عب 6: 20.

[225] عب 8: 3.

[226] عب 6: 20و 7: 1.

[227] عب 7: 3.

[228] عب 7: 3.

[229] المرجع نفسه.

[230] أش 53: 8.

[231] عب 7: 1.

[232] عب 7: 2.

[233] المرجع نفسه.

[234] تك 14: 20 وعب 7: 2.

[235] تك 14: 20 وعب 7: 1.

[236] عب 5: 2.

[237] عب 13: 8.

الخطاب اللاهوتي الرابع – في الابن الكلمة 2 – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الثالث – في الابن الكلمة 1 – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الثالث – في الابن الكلمة 1 – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الثالث – في الابن الكلمة 1 – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الثالث – في الابن الكلمة 1 – غريغوريوس النزينزي

1 – هذا ما لم يكن بد من قوله في مجال التصدي لميولهم وإسراعهم إلى النقاش، ولخطر التسرع في جميع الأمور، ولا سيما النقاشات في موضوع الله. وإذ كان التأنيب أمراً يسيراً وغير ذي بال – إنه شديد السهولة وفي متناول كل من أراده – وإذ كانت الاستعاضة عنه بإبداء الرأي الشخصي هي عمل رجل تقي وحكيم، فهلم بنا واثقين في الروح القدس الذي يتنكرون له هم، ونعبده نحن، ولنبرز للنور مذهبنا في اللاهوت، أياً كان ذلك المذهب، فسلاً مؤصلاً وقوياً، لا أننا كنا قبل صامتين – وهذا هو الأمر الوحيد الذي نضطرم له غيرة واندفاعاً – ولكننا الآن نقول الحقيقة بحرية أوفر، وذلك تجنباً لما يؤدي إليه النكوص مما لا نرتضيه، على حد ما كتب[1].

وإذ كان في كل خطاب قسمان: قسم لبسط المذهب الشخصي، وقسم لدحر المذهب المخالف كان علينا نحن أيضاً، بعد بسط مذهبنا العقائدي، أن نعمل على نقض ما يخالفوننا به، وسيكون القسمان موجزين قدر الإمكان لكي تسهل على النظر الإحاطة بما يقال – كما هو الحال في الخطة التمهيدية التي ابتكروها لتضليل السذج والمغفلين –[2] وكي لا يحول الإطناب في الخطاب دون الالتقاط ما فيه من أفكار، فتكون تلك الأفكار كالماء الذي لم تحتجزه السدود، فيجري ويتفرق في السهول.

2 – أقدم المذاهب في شأن الله ثلاثة: الأنرخيا، والبوليرخيا، والمونرخيا[3]. اللفظتان الأولى والثانية كانتا لأطفال اليونان[4] موضوع لهو وتسلية. فليقيمن على لهوهم. إذ إن الأنرخيا هي الفوضى، والبوليرخيا هي الخصام، وكذلك الأنرخيا، وذلك الفوضى، كلتاهما تفضي إلى الأمر الواحد: الفوضى، وهذه تقود إلى الخراب، إذ إن الفوضى تدرب على الخراب. أما نحن فتكريمنا للمونرخيا، لا المونرخيا المحصورة في شخص واحد – إذ قد يكون هذا الشخص الواحد في نزاع مع ذاته، فيصبح والحالة هذه متعدداً – بل المونرخيا القائمة على الكرامة المتساوية في الطبيعة، والاتفاق في الإرادة، والتطابق في الحركة، وعودة ما يصدر عنها إلى الوحدة – وهذا ما يتنافى والطبيعة المولودة – بحيث، وإن كان هنالك اختلاف في العدد، لا يوجد أي تفسخ في الجوهر. ولهذا فـ “منذ البدء”[5] كان التحرك من الوحدانية إلى الثنوية، وقد توقف عند الثلاثية. وهذا ما هو لنا الآب والابن والروح القدس: الأول يلد ويحدث، ولكن أقول إن ذلك في غير تأثر وتغير منه، وخارجاً عن الزمن والهيولى، أما الآخران، فالواحد منهما مولود، والثاني مبثوق، أو لا أدري كيف أسمي ذلك في غير استعانة بالمرئيات. ولن يكون لنا من الجرأة ما يجعلنا نتحدث عن فيض الصلاح، كما فعل أحد فلاسفة الإغريق الذي حملته الجرأة على القول: “كفوهة بركان فياضة”[6]، قال ذلك بوضوح وصراحة في غضون كلامه على العلة الأولى والعلة الثانية، فلا ننجرن إلى التسليم بولادة قسرية، وبنوع من الفيض الطبيعي الجارف الذي لا يليق بما نذهب إليه في شأن اللاهوت. ولهذا فإننا، في نطاق ما رسمناه وتقيدنا به من حدود، نقول بغير المولود، وبالمولود، “وبالمنبثق من الآب” على حد ما يقوله الله وكلمته في أحد المواضع[7].

3 – منذ متى توجد هذه الأشياء؟ إنها فوق الـ “منذ” والـ “متى” وإن كان لا بد من الكلام بشيء من الجرأة، قلنا إنها توجد منذ وجد الآب. ومتى وجد الآب؟ لم يوجد وقت خال من وجوده. وذلك شأن الابن والروح القدس. عد عليّ بالسؤال أعد عليك بالجواب. متى ولد الابن؟ عندما كان الآب غير مولود. ومتى انبثق الروح القدس؟ منذ كان الابن غير منبثق، بل كان مولوداً بمعزل عن الزمن وبطريقة تفوق الوصف. نقول ذلك، وإن كنا لا نستطيع التجرد من صورة الزمن عندما نريد معالجة ما هو فوق الزمن. فالألفاظ “متى”، و”قبل هذا”، و”بعد هذا”، و”منذ البدء” لا تخرج عن نطاق الزمن مهما غلونا في التخريج، ومن ثم فعلينا أن نعتمد لفظة الأبدية، وهي المدى الذي يقيس الأمور الأبدية، ولا يقبل التقسيم، ولا تقيسه حركة، ولا يخضع كالزمن لدورة الشمس.

فكيف لا يكونان مع الآب بغير مبدأ إذا كانا معه أزليين؟ فما لا مبدأ له أزلي. ولكن ما هو أزلي ليس بالضرورة بلا مبدأ، ما دام ذلك يتعلق بالآب الذي هو المبدأ. فليسا بلا مبدأ من حيث العلة، ولكنه من الظاهر أن هذه العلة غير سابقة لمن كانا معلولين عنها كما لا تكون الشمس سابقة لنورها. فهما بغير مبدأ من حيث الزمن، بالرغم من فزاعتك التي تعمل بها على ترويع السذج[8]، إذ لا يخضع للزمن من يصدر عنهم الزمن[9].

4 – فكيف تكون ولادة الابن بغير تغير؟ إنها غير جسدية، وإن كانت الولادة الجسدية لا تجري بغير تغير، فالولادة غير الجسدية لا تغير فيها ومعها. هأنذا بدوري أسألك: إذا كان الابن خليقة فكيف يكون الله؟[10] والمخلوق لا يكون الله. وليس لي أن أقول إن ما يكون جسدياً يكون خاضعاً للتغيرات والمؤثرات من مثل الوقت، والشهوة، والتخيل، والقلق، والأمل، والألم والخطر، والاخفاق، والإبلال، وكل ذلك، وأكثر من ذلك يعتري الخليقة، كما لا يخفى على أحد. وإني لأعجب من أن يذهب تجرؤك إلى القول بتواصل، وحمل، وتعرض للإسقاط، لكون الآب لا يمكنه أن يلد إن لم يلد هكذا! أو كأني بك تعدد صنوفاً من ولادات الطيور والحيوانات الأرضية والمائية، وتذهب إلى تشبيه الولادة الإلهية التي لا يمكن وصفها بإحدى هذه الولادات، أو إلى إنكار الابن، تمشياً وما توصلت إليه من تورط جديد! وإنك لا تستطيع أن تتصور فرقاً بين ولادة من يولد بالجسد وهذه الولادة الإلهية – وأين تراك أبصرت بين جماعتك العذراء والدة الإله؟ – ولهذا أيضاً ولادة روحية فذة، أو قل إن من كانت طبيعته غير طبيعتنا كانت ولادته غير ولادتنا.

5 – فمن يكون ذلك الأب الذي لم يكن بدءٌ لأبوته؟ إنه ذاك الذي لم يكن بدءٌ لكينونته: فمن كان لكينونته بدء كان لأبوته بدءٌ أيضاً. فلم تعقب أبوته الكينونة إذ لم يكن له بدءٌ. وهو أب بالمعنى الحقيقي. إذ ليس هو الابن أيضاً؛ وكذلك الابن فهو ابن بالمعنى الحقيقي إذ ليس هو الأب أيضاً. وليس لهاتين اللفظتين بالنسبة إلينا مدلول حقيقي لأننا في الوقت الواحد أب وابن: ولسنا من ثم هذا أكثر من ذاك؛ إننا من أبوين اثنين، لا من واحد، ولهذا كان فينا انقسام؛ ونحن لا نبلغ شأو الرجال إلا شيئاً فشيئاً، وقد لا نصير رجالاً، بل خلائق غير مرغوب فيه[11]ا، وإننا لننفصل عن أهلينا وينفصل عنا أهلونا، بحيث لا يبقى سوى علاقات خالية من الحقيقة. ولكنه يقول: أليس في اللفظتين “وَلَدَ” و “وُلِدَ” بدء في الولادة؟ وليس لنا إلا أن نقول إنه مولود منذ البدء، لكي ننجو بسهولة من اعتراضاتك اللولبية والتي لا تخرج عن نطاق الزمن. ألعلك تريد أن ترمينا بأننا نحرف الكتاب والحقيقة بعض التحريف؟ أليس من الواضح لدى الجميع أن أحداثاً كثيرة تذكر لزمن من الأزمان وتكون لغير ذلك الزمن – كما هي الحال في الكتابة الإلهية بنوع خاص – ولا ينحصر ذلك فيما هو من الماضي أو الحاضر، بل يتناول المستقبل أيضاً؟ من ذلك: “لماذا ارتجت الأمم”[12] وهي لم تكن بعد قد ارتجت، ومن ذلك: “وبالأرجل يعبرون النهر”[13] أي عبروا. ويطول الكلام لو أتينا على ذكر ما كان من هذا الباب وما وقع عليه من أرباب العلم والتحري[14].

6 – هذا، ولكن فيم يقوم اعتراضهم الآخر الحافل بالاستثارة والوقاحة؟ إنهم يقولون: هل ولد الآب الابن بإرادته أم بغير إرادته؟ وهم يفكرون بعد ذلك أنه يقيدوننا من الناحيتين، ولن بربط غير وثيقة وشديدة الهزال. فيقولون: إذا كانت الولادة بغير إرادته كان مكرهاً عليها، ومن ذا الذي أكرهه؟ وكيف يكون المكره إلهاً؟ وإذا كانت الولادة بإرادته كان الابن ابن الإرادة فكيف يكون ابن الآب؟ وهذا ابتكارهم الجديد: إن الإرادة أم الابن، في موضع الآب. ومع ذلك ففي كلامهم ما يروقنا، وهو أنهم يتجنبون القول بالتغير عندما يلجأون على الإرادة، إذ الإرادة غير التغير، ولننظر بعد ذلك في قوة ما يثبتون. والأفضل في ذلك أن نبدأ بالتضيق عليهم أقرب فأقرب. فإليك أنت أيها الذاهب في الكلام كل مذهب: هل ولدك أبوك بإرادته أم بغير إرادته؟ إذا لم تكن له في ذلك إرادة، كان إذن مكرهاً عليه. يا للعنف! من ذا الذي أكرهه؟ لن تقول إنه الطبيعة، فالطبيعة تتقبل التعفف. ولئن ولدك أبوك بإرادته فها هو ذا يضمحل في هذا المقاطع اللفظية، وكأني بك ابن للإرادة لا لأبيك. وانتقل إلى الله والخلائق، أتوجه بسؤالك إلى حكمتك: هل خلق الله كل شيء بإرادة منه، ام هل أكره بالعنف على ذلك؟ فإن كان الخلق بإرادة منه كانت خسارة الخليقة لخالقها، وكانت خسارتك انت قبل سواك، أنت الذي يختلق مثل هذه الحجج ويركب مثل هذه السفسطات، لأن الإرادة تقل حاجزاً وتفصل عن الخالق. ولكن من يريد هو، في نظري، غير الإرادة، ومن يلد هو غير الولادة، ومن يتكلم هو غير الكلام – هذا ما لم نكن سكارى – ههنا المحرك، وهناك الحركة. وهكذا فالمراد ليس للإرادة – إذ المراد لا يصدر عنها صدوراً كلياً[15] – والمولود ليس للولادة، والمسموع ليس للتصويت، بل للمريد، والوالد، والمتكلم. ومع ذلك ففي الله، وفوق ذلك كله، وقد تكون الولادة إرادة الولادة، ولكن بغير وسيط، هذا إذا سلمنا تسليماً كلياً بهذا، وإذا لم تكن الولادة فوق الإرادة.

7 – هل لي أن أمازح بعض الممازحة في شأن الآب؟ لقد أخذت عنك مثل هذه الجرأة. هل الآب هو الله بإرادة منه، أم بغير إرادة منه. هيا تفلت من مراوغة حذلقتك! إذا كان الله بإرادة منه، فمتى بدأ تلك الإرادة؟ أليس ذلك قبل وجوده، إذا لم يكن شيئاً قبل ذلك الوجود. هل فيه من يريد وما هو مراد؟ فهو إذاً قاب التقسيم، وكيف لا يكون هو أيضاً، وفي نظرك، ثمرة الإرادة؟ وإذا كان الله عن غير إرادة منه، فمن اضطره إلى إن يكون الله؟ وكيف يكون الله إذا اضطر إلى ذلك، ولم يضطر إلى غير ذلك، وبل إلى أن يكون الله؟ قل كيف وُلِدَ الابن إذن؟ كيف خُلق، إذا كنت ترى أنه مخلوق؟ إننا في هذا كله أمام الصعوبة نفسها. قد تقول إن ذلك بالإرادة والكلمة، إلا أنك لم تقل بعد كل شيء. فأنى للإرادة والكلمة القدرة الفاعلة؟ هذا ما بقي عليك أن تقوله، إذ ليس الأمر نفس الأمر في دنيا الإنسان.

8 – فكيف وُلد الابن؟ وما كانت ولادته أمراً ذا بال لو كان قريبة من فهمك، أنت الذي لا تعرف كيفية ولادتك نفسها، أو لا تعرف منها إلا شيئاً يسيراً، وبقدر يخجلك أن تأتي على ذكره، ثم تزعم أنك تعرف ذلك كله؟ إنه ليلزمك من العناء قسط وفير قبل أن تجد السبيل إلى اكتشاف كيف جُمعت، وصُورت، ووُضعت، وكيف ترتبط النفس بالجسد، والعقل بالنفس، والنطق بالعقل، وكيف تجري الحركة، والنمو، وهضم الطعام، والإحساس، والذكر، والتذكر، وسائر النشاطات التي بها قوامك، وكيف أن بعضها لكلا النفس والجسد مشتركين، وبعضها الآخر لكل منهما منفردين، وأن بعضها يساند بعضاً آخر؛ ذلك أن الأمور التي يتأخر اكتمالها تكون بواعثها مرافقة لمولدها. قل ما هذه البواعث. وحذار إذ ذاك من تفسير الولادة الإلهية: إن في ذلك لمغامرة خطرة. وإنك وإن عرفت حقيقة ولادتك فلن تعرف حقيقة الولادة الإلهية؛ وهكذا فإذا كنت تجهل حقيقة ولادتك، فكيف تعرف حقيقة الولادة الإلهية؟ وبقدر ما يكون الله أبعد من الإنسان عن أن يُدرك ويُتصور، تكون الولادة العلوية أعصى على الفهم من ولادتك. وإذا كنت تنكر ولادته لا لشيء إلا لأنك لم تفهمها فعليك أن تلغي كائنات كثيرة لم تفهمها، وأن تلغي الله نفسه قبلها كلها؛ إذ إنك لا تملك أن تقول ما هو، مهما تقصت جرأتك البحث ومهما غلا طغيانك في متاهاته. فاقلع عن جرجرتك، واعزف عن التقسيم والتقطيع، وعن ميلك إلى تصور الطبيعة غير الهيولية تصوراً جسمانياً، فقد نتمكن عند ذلك من تخيل شيء لائق بالولادة الإلهية. كيف وُلد؟ وإن لأصيح مرة أخرى في سخط وأقول: فلتكرم الولادة الإلهية في صمت. وإنه لأمر عظيم بالنسبة إليك أن تعرف أنه قد ولد. أما الـ “كيف” فلنعترف بأن الملائكة يجهلونه، فكيف بك أنت. هل تريد أن أبين لك الكيف؟ إنه كما يعرفه الآب الذي وَلَدَ والابن الذي وُلِدَ[16]، وما فوق ذلك محجوب وراء غمامة[17]، ومتوار عن عينيك الضعيفتين.

9 – وهكذا فهل وَلَدَ الآب شخصاً كان موجواً أو شخصاً لم يكن له وجود؟ يا للهذيان! مثل هذا القول يقال فيك وفيّ نحن اللذين كنا كلاوي موجودين “في صلب إبراهيم”[18]، واللذين ولدنا في قسم منا. وهكذا فمصدرنا الوجود والعدم، بخلاف المادة الأولى التي لا شك في كونها ذات بداية في الوجود، والتي يذهب البعض إلى أنها غير مولودة[19]. أما ههنا[20] فالولادة رفيقة الوجود، و”منذ البدء”[21]، فأين تجعل سؤالك الخدّاع؟ هل من شيء أقدم مما هو “منذ البدء” لكي نجعل فيه تاريخ وجود الابن أو عدم وجوده؟ في كلا الحالين يزول هذا الـ “منذ البدء”. وقد نتعرض، إذا عدنا وسألناك عن الآب هل هو صادر عن كائنات ذات وجود أو عن العدم، قد نتعرض لأن يكون لنا أبوان، أحدهما سابق الوجود، والآخر موجود، أو شأنه شأن الابن تأتي به من العدم أسئلتك السخيفة وتركيباتك الرملية التي لا تلبث في وجه أضعف الرياح. وألا أقر هذا ولا ذاك، وأثبت أن السؤال سخيف وأن الجواب غير عسير. وإن بدا لك، في عرف جدليتك، أن أحد الأمرين صحيح وثابت الحقيقة في كل حال، فهب لي أن أوجه إليك السؤال الصغير التالي: هل الزمن في الزمن، أم ليس الزمن؟ إن كان في الزمن، فما هو هذا الزمن؟ ولماذا يتميز عن الآخر؟ وكيف يحويه هذا الآخر؟ وإذا لم يكن الزمن في الزمن فأنى لهذه الحكمة الحاذقة أن تتقدم بزمن غير زمني؟ والمقولة “أنا الآن أكذب” تجري على هذا أو ذاك، فإما على حقيقة، وإما على خطأ، إذ إننا لا نوافق على الأمرين معاً. أجل إن ذلك غير ممكن. فإما أنني أكذب وهي عند ذلك تعبر عن الحقيقة، وإما أنن أقول الحقيقة وهي عند ذلك تعبر عن مكذوب، وهو أمر لا مفر منه[22]. ففيم التعجب من أن تتوافق هنا المفارقتان، وإن تكونا كلتاهما هناك على خطأ، وأن تكون سفسطتك والحالة هذه مظهراً من مظاهر الحماقة؟ وإلى ذلك فأتني بحل للألغاز التالية: هل كنت حاضراً لذاتك عند جرت ولادتك، وهل أنت حاضر لذاتك الآن، ام لم تكن هذا ولا ذاك؟ فإذا كنت حاضراً إذ ذاك، وإن كنت حاضراً الآن، فعلام حضورك ولمن كان هذا الحضور؟ وكيف كنت أحد هذين الأمرين؟ وإذا لم يكن فيما قلناه أي حقيقة لأي من الأمرين، فكيف انفصلت عن ذاتك، وما سبب ذلك الانفصام؟ وقد تقول إنه من الفضول والسخف أن يُبحث في شأن أحد الأشخاص هل هو حاضر لذاته أم غير حاضر، وإن هذا القول يقال في شأن الآخرين لا في شأن ذات الإنسان. فاعلم أنه أشد سخفاً وغباء أن يعرض لمن وُلد “منذ البدء” ويقال في شأنه: هل كان موجوداً قبل هذه الولادة أم لا. مثل هذا الجدل جدير بمن يعمل فيهم الزمان عوامل تمزيقه وتقسيمه.

10 – وهو يقول: ولكن غير المولود مختلف عن المولود، وإذا كان الأمر كذلك كان الابن أيضاً مختلفاً عن الآب. وهل من حاجة إلى القول بأن هذا الاستدلال يؤدي بوضوح إلى إخراج الابن أو الآب من الألوهة؟ فإذا كان غير المولود جوهر الله لم يكن المولود جوهره. وإذا كان هذه جوهره لم يكنه ذاك. أي قياس ينقض هذا القول؟ فاختر من هاتين المَعَرّتين أيهما تشاء، أيها الحديث، إذ إنك تبذل قصاراك في أن تكون كافراً. وبعد ذلك، كيف تقول بأن المولود وغير المولود يختلف أحدهما عن الآخر؟ إذا قلت ذلك في المخلوق وغير المخلوق ما كنت للقول رافضاً، لأن طبيعة من لا بدء له غير طبيعة المخلوق. أما أن تقول بأن الذي وَلَدَ غير الذي وُلِدَ فذلك كلام غير قويم. وإنه لمن الضرورة أن يكون هو إياه، لأن قوام طبيعة من يلد ومن يُولد في كون من يُولد ومن يلد واحد من حيث الطبيعة. أو نعيد القول على النحو التالي: ماذا تعني بقولك غير مولود ومولود؟ إذا كنت تعني اللاولادة نفسها والولادة، فالأمر مختلف، أما إذا كنت تعني المعنيين بهاتين اللفظتين فكيف لا يكون الأمر غير مختلف؟ كذلك شأن اللاحكمة والحكمة فهما أمران مختلفان، ولكنهما يتعلقان بواحد هو الإنسان، وهما لا يقسمان الجواهر وإن كانا منقسمين بالنسبة إلى الجوهر الواحد. كذلك اللازوال واللاخطيئة واللاتحول، فهل هي جوهر الله؟ إذا كان الأمر كذلك كان لله عدة جواهر لا جوهر واحد؛ أو كان الألوهة من مجموعة هذه الأشياء. ولا بد لهذه الأشياء من أن تكون غير مركبة في مجموعة إذا كانت جواهر.

11 – إنهم لا يقولون ذلك لما هنالك من أمور يشارك فيها آخرون[23]، أما ما يختص به الله وحده فهو جوهره. ولا شك في أن الذين يذهبون إلى أن المادة والصورة[24] أيضاً غير مولودتين، ينكرون أن تكون اللاولادة من شأن الله وحده دون سواه. أما ظلمات المانويين[25] فعلينا أن نطرحها بعيداً. ولنحسب أن اللاولادة من شأن الله وحده، فما القول في آدم؟ ألم يكن من صنع الله؟ تقول: بلى، لا شك في ذلك. وهل كان وحده إنساناً؟ كلا! لماذا؟ لأن إنسانيته لم تأته من كونه مصنوعاً، فالمولود إنسان أيضاً. وهكذا فليس الله وحده غير المولود، وإن كان ذلك من خصائص الآب وحدهز ألت تقبل أن يكون الله مولوداً أيضاً – لكونه يأتي من الله – وإن كنت شديد التمسك باللامولود. وإلى ذلك فكيف تعبر عن جوهر الله من غير أن تبين ما هو، فتكتفي بإسقاط ما ليس هو؟ أما ألا يكون له أي علاقة بالولادة فكلامك يُظهر ذلك، ولكنه لا يبين طبيعة ما لا ولادة له، كما لا يبين حاله. فما هو جوهر الله؟ إن ضلالك هو الذي يملي عليك هذا الكلام، أنت المنهمك في أمر هذه الولادة. وإنه لعظيم بالنسبة إلينا أن نتوصل إلى معرفة ذلك يوماً وفيما بعد[26]، عندما تنجلي عنا الظلمة[27] وكثافة الجسد[28] على حسب وعد “من لا يكذب”[29]. وليكن في ذلك تفكير المتطهرين ورجاؤهم! وليس لنا نحن إلا أن نتجرأ ونقول: إذا كان عظيماً بالنسبة إلى الآب ألا يصدر عن أحد، فليس بأقل عظمة بالنسبة إلى الابن أن يصدر عن مثل هذا الآب. فهو لا يشترك في مجد من لا علة له، لأنه يصدر عمن لا علة له، ويضيف إلى ذلك شرف الولادة، وهي حقيقة مجيدة وسامية جداً في نظر من لم ترتبط نفسهم بالأرض ارتباطاً وثيقاً، ومن لم تغرق في المادة غرقاً كاملاً.

12 – ولكنهم يقولون: إذا كان للابن والآب جوهر واحد، وكان الآب غير مولود، كان الابن غير مولود أيضاً. يصح هذا القول لو كانت اللامولودية جوهر الله، فيكون هنالك خليط جديد من مولود – لا مولود. ولكن إذا كان الاختلاف في موضوع الجوهر فأنى لك أن تقول هذا القول وكأنه لا يقبل الرد. أفتكون أباً لأبيك، ولا تكون دونه في شيء، لكونك واحداً معه في الجوهر؟ وهكذا فمن الواضح أننا إذا أردنا المباحثة كان لا بد من البحث فيما هو جوهر الله متحاشين عن انتقاص الميزة الخاصة[30]. فأن لا تكون اللاولادة والله أمراً واحداً لاقتضى لله وهو إله البعض أن يكون لا مولود البعض أيضاً، أو قل إن من ليس لا مولود أحد لا يمكن أن يكون إله البعض. تلك تعبيرات مترادفة ومدلولها واحد. والثابت هو أن الله ليس لا مولود البعض – ومن يكون أولئك البعض؟ – وهو إله البعض – بل إله الكل. فكيف يكون الله واللامولود أمراً واحداً؟ أضف إلى ذلك أن اللامولود والمولود من الأضداد مثل المِلْك والحرمان، وهو أمر يجملنا على إدخال الأضداد في جوهر الله، وحاشا الله من ذلك. وبكلام آخر: بما أن المِلْك يسبق الحرمان، وأن الحرمان يُجرد من المِلْك وينقضه، فليس أن جوهر الابن يصبح سابقاً لجوهر الآب وحسب، بل أن جوهر الآب ينقضه ويزيله: هذا ما ينتهي إليه افتراضك!

13 – ماذا بقي لهم من الحجج التي لا تُردّ؟ قد يكون موئلهم الأخير أن يقولوا: إذا لم يتوقف الله عن الولادة فولادته ناقصة، ومتى يكون توقفه عنها؟ ولئن توقف فمنى ذلك أنه ابتدأ. إنهم في ذلك أيضاً جسديون وأفكارهم جسدية. وأنا لن أقول هل المولودية عنده أزلية أم لا قبل أن أتعمق في استيضاح الآية “قبل التلال ولدت”[31]. إني لا أرى ما لهذه الحجة من تعجيز. فلئن كان، في نظرهم، لما ينتهي ابتداء، كان لما لا ينتهي عدم ابتداء، وأين هم والحالة هذه من حقيقة النفس ومن الطبيعة الملائكية؟ لئن كان لهما ابتداء كانت لهما نهاية أيضاً: وإذا لم تكون لهما نهاية، فمن الواضح في نظرهم أن ليس لهما ابتداء. ولكن الثابت أن لهما ابتداء وليس لهما انتهاء. وكأني بهم يرون أن ما ينتهي لم يبتدئ. أما رأينا فهو التالي: كما أن للفرس والثور والإنسان تعريفاً، وكذلك لكل ما هو من نوع واحد، فإذا طابقه التعريف عرف به تعريفاً عينياً، وإذا لم يطابقه لم يعرف به، أو لم يُعرف به تعريفاً عينياً، كذلك الأمر في شأن الله، فهناك جوهر واحد، وطبيعة واحدة، وتسمية مردها إلى واحد، وإن اختلفت الأسماء التي يُدعى بها اختلاف النظر والقصد: فالله هو الذي يدعى الله بالمعنى العيني، أو هو ما هو عليه في طبيعته، يسمى به تسمية حقيقية، هذا مع العلم بأن الحقيقة عندنا هي في الأشياء لا في الأسماء. أما هم، فكأني بهم يخشون أن يفوتهم شيء في زعزعتهم للحقيقة، فلا يعترفون بألوهية الابن إلا عندما تقرعهم الكلمة الإلهية وما تحمله من بينات، ومع ذلك فألوهيته عندهم ذات معنى لا يخلو من لبس، إنها مجرد تسمية جوفاء.

14 – عندما نعترض عليهم بقولنا: كيف؟ ألا يكون الابن إلهاً بالمعنى الحقيقي، كما لا يكون الحيوان في الرسم حيواناً؟ كيف يكون إلهاً إن لم يكن ذلك بالمعنى الحقيقي؟ فيجيبون: ما الذي يمنع أن تكون الألفاظ متجانسة، وألا يكون مدلولها واحداً بالنسبة إلى الآب والابن؟ وهم يستشهدون باللفظة “كلب”، فهو الحيوان الذي يعيش على اليابسة، وهو أيضاً كلب البحر، فاللفظة هي هي، ومدلولها هو المدلول العيني، وهكذا فللألفاظ المتجانسة امتداد خاص في الدلالة، فتكون الكلمة واحدة في اللفظ وتدل على شيئين مختلفين في الطبيعة. ولكن، أيها المفضال، عندما تطلق الاسم الواحد على كائنين مختلفين لا تعني أن أحدهما يفضل الآخر، أو أن أحدهما أقدم والآخر أحدث، أو أن أحدهما أكثر والآخر أقلّ؛ ليس فيهما ما يقضي بذلك. وهكذا فليس الكلب الأول أكثر كلبية من الثاني، والكلب الثاني أقل كلبية من الأول، أي ليس كلب البحر أكثر كلبية من كلب البر، أو بعكس ذلك ليس كلب البر أكثر كلبية من كلب البحر، لماذا، وكيف يكون الأمر غير ذلك؟ وليكن أن للأشياء ذات المنزلة الواحدة وذات الميزات المختلفة تسمية واحدة. وأنت في هذا المقام تعترف بأن من لازم الله أن يكون أهلاً للإجلال، وأن يكون فوق كل جوهر ولك طبيعة، وذلك أمر من شأن الله، وهو نوعاً ما الطبيعة الإلهية، وأنت تنعت به الآب، وتجرد الابن منه، وتجعل هذا الابن دونه رتبة بل في المنزلة الثانية إجلالاً وعبادة، وفيما تجعله في اللفظ مساوياً للآب، تجرده في الحقيقة من ألوهته، وتنتقل بدهاء من المجانسة اللفظية التي تدل على المساواة إلى المجانسة التي تجمع الأشياء غير المتساوية. وهكذا فالإنسان في الرسم والإنسان الحي هما في نظرك أقرب إلى الألوهة من الكلبين المضروب بهما المثل. وبكلام آخر امنحهما كليهما مع التسمية الواحدة المساواة في شرف الطبيعة، وإن كنت تحسب أن طبيعتهما مختلفتان، وهكذا يُنسج كلباك اللذان تخيلتهما لتقيم البرهان على اللامساواة. فما النفع من أن يكون الاسم واحداً، إذا كانت الأشياء التي تفصلها غير متساوية في المنزلة؟ إنك لم تلجأ إلى المجانسة وإلى الكلبين لتبين المساواة في المنزلة، بل لتبين اللامساواة. بأي طريقة أفضل يمكن إقناع من كان في خلاف مع نفسه وفي حرب مع الألوهة؟

15 – لئن قلنا إن الآب أعظم من الابن من حيث العلة، وزادوا على ذلك العبارة “والحال إن العلة هي بالطبيعة”، واستنتجوا بعد ذلك أنه أعظم بالطبيعة، فإنني لا أدري هل يغالطون بهذه السفسطة أنفسهم أم يغالطون من يوجهون إليهم الكلام. فليس كل ما يقال في كائن من الكائنات يقال في مبدأه. ولكن ينظر في القول إلى من يعني وإلى ماذا يعني، وإلا فما الذي يمنعني أناً أيضاً من الإدلاء بهذه المقولة فأقول: “إن الآب أعظم من حيث الطبيعة”، ثم أضيف: “والحال أن لا أحد أعظم من حيث الطبيعة بنوع مطلق، ولا الآب نفسه”، واستنتج بعد ذلك “أن الأعظم ليس أعظم بنوع مطلق” أو “أن الآب ليس آباً بنوع مطلق؟ أو إذا شئت فهكذا: “الله جوهر، والحال أن الجوهر ليس الله بنوع مطلق”، استخرج النتيجة أنت بنفسك: “الله ليس الله بنوع مطلق”. وأنا أرى أن هذا القياس الفاسد يتناول المقول نسبياً والمقول في غير تحديد[32]، على طريقة أولئك المتحذلقين المتمرسين بهذا الفن. وهكذا فعندما نلتقي على طبيعة العلة صفة “الأعظم”، يستدلون هو أنه “الأعظم” من حيث الطبيعة[33]، فيكون ذلك كما لو قلنا إن فلاناً إنسان ميت، فيقولون إن كل إنسان ميت في غير تحديد.

16 – وكيف نتجاوز المقولة التالية وهي كسابقاتها جديرة بالإعجاب؟ إنه يقول: “الآب هو اسم جوهر أو اسم فعل” وهم بذلك يحسبون أنهم قيدونا من الناحيتين: فإن قلنا إنه اسم جوهر جعلنا الابن من جوهر آخر، إذ إن جوهر الله واحد، وهذا الجوهر، في نظرهم، قد سبق الآب وحصل عليه، وإن قلنا إنه اسم فعل اعترفنا اعترافاً واضحاً بأن الابن مخلوق لا مولود، إذ حيث يكون الفاعل يكون من يقع عليه الفعل. ويقولون بتعجب كيف يكون المصنوع والصانع شيئاً واحداً؟ قد يكون في تفصيلك الدقيق ما يثير اهتمامي انا أيضاً لو كان الأمر يقضي بالوقوف عند هذين الافتراضين ولم يكن في الإمكان تجنبهما وعرض مقولة ثالثة أوفر حقيقة: الآب ليس اسم جوهر، أيها الحكماء، ولا اسم فعل، إنه اسم علاقة، اسم يدل على ما هو الآب بالنظر إلى الابن، أو ما الابن بالنظر إلى الآب. وكما أن هذه التسميات لدينا تبين صلة الدم والقرابة، فهي هنالك أيضاً تعني وحدة الطبيعة في المولود وفي الذي ولده. وليكن في معرض رضاك أن الآب جوهر: إن ذلك يشمل الابن، ولا يستبعده، وعلى الأمر إجماع، وفي الألفاظ ما يدل عليه. وليكن أيضاً اسم فعل، إذا شئت؛ وفي هذا الحال أيضاً لن تتمكن من تعجيزنا: فقد صدر عن الآب منهو من جوهره، هذا وإن كان رأيك في موضوع الفعل رأياً فطيراً. أثرى كيف استطعنا أن نفلت من حبائلك في الحرب الشنيعة التي أردت أن تثيرها؟ والآن وقد لمسنا صلابتك في التحذلق والمداورة هيا بنا نرى مقدرتك على اعتماد الأقوال الإلهية علك تجد فيها ما يقنعنا.

17 – فمن هذه الألفاظ العظيمة والسامية عرفنا ألوهية الابن وأشدنا بها. أي ألفاظ؟ الله، الكلمة، “الذي كان منذ البدء، وكان المبدأ مع المبدأ”: “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله”[34]، و “لك الرئاسة”[35] و “من فعل وصنع داعاُ الأجيال من البدء”[36]. وإذا كان الابن الوحيد، فـ “الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو أخبر”[37]. وهو “الطريق والحقيقة والحياة والنور”: “أنا هو الطريق والحق والحياة”[38]، و “أنا نور العالم”[39]. وهو “حكمة وقوة”: “فالمسيح قوة الله وحكمة الله”[40]، “وهو إشعاع، وطابع، وصورة، وختم”: ” وهو ضياء مجده، وصورة جوهره”[41]، “صورة صلاحه”، و “لأن هذا قد ختمه الآب الله”[42]. إنه “السيد، والملك، والكائن، والكلي القدرة”: “وأمطر الرب ناراً من عند الرب”[43]، و”صولجان ملكك هو صولجان استقامة”[44]، و “الكائن والذي كان والذي سيأتي”، و”القدير”[45]. من الواضح أن جميع هذه الأقوال قيلت في الابن كما قيل فيه جميع ما شابهها، ونحن لا نجد في ذلك شيئاً اكتسب أو أضيف فيما بعد إلى الابن أو على الروح القدس كما لم يضف إلى الآب نفسه. فالكمال الإلهي لم يكون بالإضافة. وهكذا لم يكن الآب يوماً بدون الكلمة، ولم يكن يوماً غير آب، ولم يكن يوماً بغير حقيقة، أو بغير حكمة، أو بغير قدرة، أو بغير حياة أو إشراق أو صلاح.

18 – ومقابل ذلك أورد الأقوال التي تتسلح بها جهالتك من مثل: “إلهي وإلهكم”، الذي هو “أعظم”[46]، والذي “حاز”[47]، والذي “جعل”[48]، والذي “قدس”[49]، وكذلك، إذا شئت، اللفظتين: “عبد”[50]، “يطيع”[51]، والتعبيرات: “أعطيت”[52]، “أعلم”[53]، “هذه الوصية قبلتها”[54]، “أرسلني”[55]، “الابن لا يقدر أن يعمل من نفسه شيئاً”[56]، لا الكلام[57]، ولا الدينونة[58]، ولا العطاء[59]، ولا الإرادة[60]، “وهذه أيضاً: اللا علم[61]، والخضوع[62]، والصلاة[63]، والسؤال[64]، والنمو[65]، والكمال[66]، وأضف إذا شئت كل ما هو أوضع وأحقر كالنوم[67]، والجوع[68]، والتعب[69]، والبكاء[70]، والارتياع[71]، والانهيار[72]. وقد تأخذ عليه أيضاً صلبه وموته. ويبدو لي أنك تغفل قيامته وصعوده لما فيهما مما يؤيد رأينا. وفي إمكانك أيضاً أن تلتقط مواد كثيرة إذا شئت أن تقيم لك إلهاً بالمعنى اللبسي والتمويهي، إلهاً نعده نحن إلهاً حقيقاُ مساوياً للآب في الكرامة.

وإننا إذا أنعمنا النظر في كل من هذا الأقوال، لم يصعب علينا شرحه في الخط السوي، وتجريده من العقبات التي تعترضك، هذا ما لم تكن من العاثرين الأشرار. فأرجع أولاً ما هو أسمى إلى الألوهة، إلى الطبيعة التي هي فوق الأهواء وفوق الجسد، وما هو دون ذلك إلى المركب التجسدي، إلى الذي من أجلك أخلى ذاته[73]، وصار جسداً[74]، وبكلام أوفى صار إنساناً[75]، والذي بعد ذلك رفع[76]، لكي تنتزع أنت من تعاليمك ما هو مادي وأرضي، ولكي تتعلم التعالي فوق ذلك الارتقاء مع الألوهة، فلا تظل في غمرة الأشياء المرئية، بل تصعد لكي تكون مع الروحيات، وتدرك ما قيل في الطبيعة الإلهية، وما قيل في “التدبير الإلهي”[77].

19 – فالذي هو الآن حقير في نظرك، كان قبلاً أرفع منك، الذي هو الآن كان حينذاك غير مركب. ما كان بقي عليه، وما لم يكنه صار إليه. كان في البدء[78] بلا علة – وهل يكون لله علة؟ –ثم وُلد لعلة. وكانت العلة أن تخلص، أنت المجدف عليه، ومحتقر الألوهة التي تحملت كثافتك؛ والإنسان الأرضي، الذي اتحد بالجسد بوساطة روح، صار إلهاً عندما امتزج بالله، وصار واحداً يغلب فيه الأفضل والأرفع، وبذلك أُصبح أنا إلهاً بقدر ما أَصبح هو إنساناً. لقد ولد[79]، ولكنه كان مولوداً[80]؛ ولد من امرأة[81]، ولكنها امرأة عذراء[82]. ظاهرات بشرية وأخرى إلهية. إنه ههنا بغير أب[83]، ولكنه هناك بغير أم[84]. إنه شأن إلهي. حمل في أحشاء أمه[85]، ولكن نبياً في أحشاء أمه أيضاً عرفه وارتكض[86] في حضرة الكلمة الذي لأجله كان. لقد لف في قمط[87]، ولكنه ألقى عن الأكفان[88] عندما قام. لقد وضع في مذود[89]، ولكنه لقي من الملائكة تمجيداً[90]، ومن الكواكب دلالة[91]، ومن المجوس عبادة[92]. كيف تتعثر فيما هو من معطيات العين، ولا تأخذ بمعطيات العقل؟ لقد هرب إلى مصر[93]، ولكنه هرّب المصريين[94]. لم يكن له “صورة ولا بهاء[95]” في نظر اليهود، ولكنه في نظر داود “أبهى جمالاً من بين آدم”[96]، وهو يتلألأ على الجبل كالبرق ويضيئ وجهه كالشمس[97]، مشيراً بذلك إلى المستقبل.

20 – لقد اعتمد[98] كإنسان، ولكنه رفع الخطايا[99] كإله، وذلك لكي يقدس المياه. لقد جُرب[100] كإنسان، ولكنه تغلب[101] كإله، وهو يطلب الثقة لكونه تغلب على العالم[102]. لقد جاع[103]، ولكنه أطعم الألوف[104]، ولكنه الخبز الحي والسماوي[105]. لقد عطش[106]، ولكنه صاح قائلاً: “إن عطش أحد فليأت إلي ويشرب”[107]، ولكنه وعد أيضاً بأن يصبح المؤمنون به ينابيع ماء حي[108]. لقد تعب[109]، ولكنه الراحة للمتعبين والمثقلين[110]. لقد أثقله النوم[111]، ولكنه كان على البحر خفيفاً[112]، ولكنه يأمر الرياح[113]، ولكنه عندما كاد بطرس يغرق جعله خفيفاً[114]. إنه يؤدي الجزية، ولكنه يستخرجها من فم السمكة[115]، ولكنه ملك[116] من يطالبونه بها. إنه يدعى سامرياً وشيطاناً[117]، ولكنه يخلص من كان منحدراً من أورشليم وواقعاً في أيدي اللصوص[118]، كما أن

الشياطين تعرفه[119]، وهو يطردها[120]، ويغرق جوقة من الأرواح الشريرة[121]، ويرى أركون الشياطين “ساقطاُ من السماء كالبرق”[122]. يُرجم بالحجارة ولكنه لا يقبض عليه[123]. إنه يصلي[124]، ولكنه يستجيب الدعاء[125]. إنه يبكي[126]، ولكنه يكفكف عن البكاء[127]. يسأل أي وُضع لعازر[128] لأنه إنسان، ولكنه يقيم لعازر[129] لأنه إله. لقد بيع وبثمن بخس، وبثلاثين من الفضة[130]، ولكنه يفتدي العالم، وبثمن باهظ، بذات دمه[131]. كشاة سيق إلى الذبح[132]، ولكنه راعي إسرائيل[133]، وهو الآن راعي الأرض كلها[134]. إنه كحمل صامت[135]، ولكنه الكلمة[136] الذي بشر به الصوت الصارخ في البرية[137]. لقد أخذ عاهاتنا[138] وجرح[139]، ولكنه يشفي “كل مرض وكل ضعف”[140]. لقد علق “على خشبة”[141]، وسمر عليها[142]، ولكنه يصالحنا بواسطة “شجرة الحياة”[143]، ولكنه يخلص اللص المصلوب إلى جانبه[144]، ولكنه ينشر الظلمة على كل ما يرى[145]. لقد سُقي خلاً[146] وأُشبع مرارة[147]، مَنْ؟ ذاك الذي يحول الماء خمراً[148]، الذي يزيل المرارة[149]، وهو “أعذب ما يكون وبجملته شهي”[150]. إنه يبذل نفسه[151]، ولكن له سلطاناً أن يأخذها أيضاً[152]، ولكن حجاب الهيكل ينشق[153] – إذ تظهر العلويات – ولكن الصخور تشقق[154]، ولكن الراقدين يقومون[155]. إنه يموت[156]، ولكنه “يُحيي”[157]، وبموته يبطل الموت[158]. لقد دفن[159]، ولكنه يقوم[160]. إنه ينحدر إلى الجحيم[161]، ولكنه يُخرج النفوس منها[162]، ولكنه يصعد إلى السماوات[163]، ولكنه سيأتي “ليدين الأحياء والأموات”[164]، ويمحص ما كان مثل ترهاتك من أقاويل. لئن كان في بعض الأقوال ما يقودك إلى الضلال فليكن لك في غيرك ما يمحق ضلالك.

21 – هذا ما نتوجه به إلى صانعي الألغاز، وما ذلك عن رغبة منا – إذ لا يطيب للمؤمنين أن يصطنعوا الثرثرة ومقارعة الجدل، ولهم في الخصم[165] الواحد كفاية – مع ذلك فكان لا بد من تسفيه المناوئين، إذ إن الأمراض تستوجب الأدوية، وذلك لكي يدركوا أنهم لا يحيطون بكل شيء، وأنه من الممكن التغلب عليهم في الأمور الباطلة والتي تبطل الإنجيل[166]. وهكذا فعندما نقدم سلطان التحليل العقلي ونهمل الإيمان، عندما نبطل سلطان الروح بتحرياتنا ويكون التحليل العقلي دون عظمة الموضوع – وسيكون كذلك على كل حال لأنه ثمرة أداة ضعيفة هي عقلنا البشري – فماذا يجري والحالة هذه؟ إن الاستدلال يبدو كالسر ضعيفاً. وهكذا فإن دقة التحليل العقلي تظهر “بطلان الصليب”[167] على حد ما يرى بولس. ذلك أن الإيمان يكمل عقلنا.

وفيما يتعلق بذاك الذي يحل ما عقد ويبين الألغاز[168]، ذاك الذي أوعز إلينا أن نحل بالقوة عقد العقائد، عسى أن يغير هؤلاء الناس، فيجعلهم مؤمنين لا أرباب تحذلق وتمنطق، ومسيحيين لا موسومين بالاسم الذي يطلق عليهم الآن[169]. إننا نحرض على ما يلي. نطلب لأجل المسيح أن “تصالحوا مع الله”[170]، و “لا تطفئوا الروح”[171]؛ أو بالحري عسى أن يصالحكم المسيح، وعسى أن ينيركم الروح ولو متأخراً. وإن لبثتم متمسكين بأسلوب المشاجرة فعسى أن ننقذ لنا الثالوث وأن ينقذنا الثالوث فنظل أطهاراً “لا عثار فينا”[172] إلى أن يتجلى لنا تجلياً أكمل ما نصبو إليه في المسيح نفسه ربنا الذل “له المجد إلى دهر الدهور”[173]. آمين.

[1] عب 10: 38.

[2] كان آريوس، مؤسس الأريوسية، قد اعتمد في تعليمه خطة السهولة والإيجاز، كما عمد إلى إدخال هذا التعليم في الأغاني الشعبية.

[3] هذه الألفاظ اليونانية الثلاث تعني: لا سيد، عدة أسياد، سيد واحد.

[4] يريد رجال اليونان وقد شبههم بالأطفال.

[5] يو 1: 1.

[6] أفلوطين: التاسوعات 5: 1، 6.

[7] يو 15: 26.

[8] كان أفنوميوس يذهب إلى أن الآب سابق للابن لأنه مبدأ له.

[9] عب 1: 2.

[10] انحصر هذا الرأي وأتباعه دون سائر الآريوسيين.

[11] لعله يشير بذلك إلى المسوخ والسواقط.

[12] مز 2: 1.

[13] مز 65: 6.

[14] ليس في التصريف الفعلي العبراني صيغ للدلالة على الماضي والمستقبل بدقة. من هنا الصعوبة التي اعترضت أصحاب الترجمة السبعينية.

[15] سيأتي في كلام الخطيب أن المراد شأن المريد، أي صاحب الإرادة.

[16] متى 11: 27؛ لو 10: 22.

[17] خر 14: 20، متى 17: 5.

[18] عب 7: 10.

[19] إشارة إلى أفلاطون وأرسطو.

[20] أي في الله.

[21] يو 1: 1.

[22] ينسب شيشرون هذه السفسطة إلى كريسيبوس.

[23] أي الملائكة الذين ينعمون باللازوال واللاخطيئة واللاتحول.

[24] إشارة إلى أفلاطون.

[25] كان المانويون يقولون بالظلمة غير المولودة.

[26] 1يو 3: 2؛ 1كور 13: 12.

[27] يو 1: 5.

[28] حك 9: 15.

[29] تيط 1: 2.

[30] أي الميزة التي تميز الشخص وتنحصر فيه. وهي الأقنومية.

[31] الأمثال 8: 25.

[32] فساد هذا القياس في الانتقال من مقولة محدودة الدلالة إلى مقولة غير محدودة.

[33] فساد هذا القياس في استعمال اللفظة “طبيعة” بمعنين مختلفين. هي أولاً طبيعة الآب الخاص، أي ميزته الخاص، على أنه العلة؛ وهي ثانياً بالمعنى العام الذي نجده في الطبيعة الإنسانية حيث لا يختلف الابن عن أبيه ولا يكون أقل منه إنسانية.

[34] يو 1: 1.

[35] مز 109: 3.

[36] أش 41: 4.

[37] يو 1: 18.

[38] يو 14: 6.

[39] يو 8: 12.

[40] 1كور 1: 24.

[41] عب 1: 3. اللفظة “جوهر” تعني هنا ما تعنيه في رسالة بولس إلى العبرانيين.

[42] يو 6: 27.

[43] تك 19: 24.

[44] مز 44: 8.

[45] رؤ 1: 8

[46] يو 14: 28.

[47] أم 8: 22.

[48] أع 2: 36.

[49] يو 10: 36.

[50] أش 49: 3، 5.

[51] فيل 2: 8.

[52] يو 18: 9.

[53] يو 15: 15.

[54] يو 10: 18.

[55] يو 9: 4.

[56] يو 5: 19.

[57] يو 12: 49.

[58] يو 8: 15.

[59] مر 10: 40.

[60] متى 26: 39.

[61] متى 24: 36.

[62] لو 2: 51.

[63] لو 6: 12.

[64] لو 2: 46.

[65] لو 2: 52.

[66] لو 2: 52.

[67] متى 8: 24.

[68] متى 4: 2.

[69] يو 4: 6.

[70] يو 11: 35.

[71] مر 14: 33.

[72] مر 14: 33.

[73] فيل 2: 7.

[74] يو 1: 14.

[75] طالع مر 15: 39، فيل 2: 7.

[76] فيل 2: 9.

[77] يجب التمييز بين ما هو الابن بطبيعته، وما أراد له الآب في تدبيره الخلاصي من تجسد وتقبل للألم والجوع وسائر ما يعرض للكائن البشري ما عدا الخطيئة.

[78] يو 1: 1.

[79] متى 1: 16.

[80] مز 2: 7؛ أع 13: 33؛ عب 1: 5؛ 5: 5. لقد وُلد من العذراء مريم إنساناً، ومن الآب ابناً لله.

[81] غلا 4: 4.

[82] طالع لو 1: 34-35؛ متى 1: 20.

[83] متى 1: 20.

[84] مز 2: 7.

[85] لو 1: 31.

[86] لو 1: 41.

[87] لو 2: 7، 12.

[88] طالع يو 20: 6-7.

[89] لو 2: 7، 16.

[90] لو 2: 13-14.

[91] متى 2: 2؛ 7: 9-10.

[92] متى 2: 11.

[93] متى 2: 13-14.

[94] خر 14: 27.

[95] أش 53: 2.

[96] مز 43: 3.

[97] متى 17: 2.

[98] متى 3: 16؛ لو 3: 21.

[99] يو 1: 29.

[100] متى 4: 1؛ مر 1: 13؛ لو 4: 2.

[101] متى 4: 11؛ لو 4: 13.

[102] يو 16: 33.

[103] متى 4: 2؛ لو 4: 2.

[104] متى 14: 20-21؛ 6: 42-44؛ متى 15: 38؛ مر 8: 9.

[105] يو 6: 41.

[106] يو 19: 28.

[107] يو 7: 37.

[108] يو 7: 38.

[109] يو 4: 6.

[110] متى 11: 28.

[111] متى 8: 24؛ مر 4: 38.

[112] متى 14: 25؛ مر 6: 48؛ يو 6: 19.

[113] متى 8: 26؛ مر 4: 39؛ لو 8: 24.

[114] متى 14: 31.

[115] متى 17: 24-26.

[116] يو 18: 37.

[117] يو 8: 48.

[118] لو 10: 30.

[119] مر 1: 24؛ لو 4: 34.

[120] متى 8: 16.

[121] مر 5: 13-19؛ لو 8: 30.

[122] لو 10: 18.

[123] يو 10: 31، 39.

[124] مر 1: 35.

[125] متى 8: 13.

[126] يو 11: 35.

[127] لو 7: 13؛ 8: 52؛ 23: 28.

[128] يو 11: 34.

[129] يو 11: 43: 44.

[130] متى 26: 15.

[131] 1كور 6: 20؛ 1بط 1: 19.

[132] أش 53: 7؛ أع 8: 32.

[133] مز 79: 2.

[134] يو 10: 11-16.

[135] أش 53: 7.

[136] يو 1: 1.

[137] يو 1: 23.

[138] أش 53: 4.

[139] أش 53: 5.

[140] متى 9: 35.

[141] 1بط 2: 24.

[142] مر 15: 24؛ طالع لو 23: 33؛ متى 27: 35؛ يو 19: 17.

[143] تك 2: 9؛ 3: 22؛ رؤ 2: 7.

[144] لو 23: 43.

[145] متى 27: 45؛ مر 15: 33؛ لو 23: 44.

[146] متى 27: 48.

[147] متى 27: 34.

[148] يو 2: 7-9.

[149] خر 15: 23-25؛ طالع حك 8: 16.

[150] نش 5: 16.

[151] يو 10: 17.

[152] يو 10: 18.

[153] متى 27: 38؛ لو 23: 45.

[154] متى 27: 51.

[155] متى 27: 52.

[156] متى 27: 50؛ مر 15: 37؛ لو 23: 46؛ يو 19: 30.

[157] يو 5: 21.

[158] 2تيم 1: 10؛ عب 2: 14.

[159] متى 27: 60؛ مر 15: 46؛ لو 23: 53؛ يو 19: 41-42؛ 1كور 15: 4.

[160] متى 28: 6؛ مر 16: 6؛ لو 24: 6؛ يو 20: 8-9؛ 1كور 15: 4:

[161] أف 4: 9.

[162] أف 4: 8.

[163] مر 16: 19؛ لو 24: 51؛ أع 1: 10-11؛ عب 9: 24؛ 1بط 3: 22.

[164] 2تيم 4: 1؛ 1بط 4: 5.

[165] طالع 1بط 5: 8.

[166] طالع 1كور 1: 17.

[167] 1كور 1: 17.

[168] طالع دا 5: 12.

[169] أي الاسم “أفنوميين” أو أتباع أفنوميوس.

[170] 2كور 5: 20.

[171] 1تسا 5: 19.

[172] أع 24: 16؛ فيل 1: 10.

[173] رؤ: 1: 6.

الخطاب اللاهوتي الثاني – غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الثاني – غريغوريوس النزينزي

القديس غريغوريوس النزينزي

الخطاب اللاهوتي الثاني – غريغوريوس النزينزي

في اللاهـوت

1 – بما أننا طهرنا اللاهوتي[1] بخطابنا[2]، عندما عرضنا ماذا يجب أن يكون، وأمام من يجب أن يناقش، وفي أي وقت، وإلى أي حد – أمام أناس يكونون من الطهارة بحيث يلتقط النور النور؛ أمام من يكونون أشد الناس إصغاء كي لا تكون الكلمة عقيمة بسقوطها في أرض مملحة[3]؛ وفي الوقت الذي نكون فيه هادئي الداخل وبعيدين عن دوامة الخارج بحيث لا ينقطع نفسنا ونكون كالمسعورين؛ وإلى الحد الذي نكون عند قد فهمنا وأفهمنا. وإذا كان الأمر كذلك، وكنا قد “حرثنا حرثاً”[4] إلهياً فينا، بحيث لا يكون “الزرع بين الشوك”[5]، و”سوينا وجه الأرض”[6]، وبالكتاب المقدس كيّفنا[7] أنفسنا والآخرين، فهيا بنا في الحال إلى الكلام على اللاهوت، مفتتحين هذا الخطاب بالآب والابن والروح القدس الذي هم موضوعه، على أن يؤيدنا الأول، ويرافقنا الثاني، ويهدينا الثالث؛ أو بالأحرى أن تأتينا من الألوهة الواحدة إنارة وحيدة، متميزة في الوحدة، ووحيدة في التميز، وذلك أمر غريب!

2 – إني أصعد إلى الجبل[8] في اندفاع، أو بكلام أصح، في اندفاع وقلق، والواحد عن رجاء، والآخر عن ضعف، وذلك لكي أدخل في الغمام[9]، وأكون مع الله – عن أمر منه –[10] فهل من هارون[11] يصعد معي ويقف إلى جانبي، وإن اضطر أن يبقى خارج الغمام. هل من ناداب أو أبيهو أو أحد الشيوخ[12] يصعد، ويقعد من بعيد[13] وفاقاً لأهلية تطهيره! هل من أحد في هذا الجمهور ومن غير المؤهلين لهذا العلاء ولهذه المشاهدة؛ وإن كان غير طاهر البتة فلا يقترب، لأن اقترابه غير آمن[14]، وإن كان تطهره لوقت موقوت فليمكث في الأسفل، وليكتف بسماع الصوت، والبوق، وكلمات التقوى فقط، ولينظر إلى الجبل مدخناً وساطعاً البروق[15]؛ إنه تهديد لمن لا يستطيعون الصعود، وفي الوقت نفسه مبعث تعجب وإعجاب. وإن كان هنالك وحش شرير ضار غير قادر البتة على تقبل أقوال التأمل واللاهوت فلا يتخف في الغابات على تستر ومكر، لكي ينقض فجأة ويتلقط رأياً أو كلمة، ويمزق بافتراءاته “الأقوال الصحيحة”[16]، وليمكث بعيداً ولا يقترب من الجبل، وإلا رجم رجماً[17] وحطم[18]، “فيهلك ذلك الرديء على شر وجه”[19]؛ لأن الأقوال الحقيقية والمتينة حجارة في وجه من يُشبهون الوحوش. إن كان فهداً فليمت مع “رقطه”[20]. وكذلك إذا كان “أسداً” ضارياً و “زائراً” و “ملتمساً ما يفترسه”[21] في نفوسنا وفي عباداتنا؛ وإذا كان “خنزيراً يدوس بأرجله جواهر” الحقيقة الجميلة والمتألقة؛ وإذا كان “ذئباً من بلاد العرب”[22] وغريباً، أو كان أشد نهشاً من هذه الوحوش بسفسطته، وإذا كان “ثعلباً”، نفساً ماكرة وخداعة، يتلون وفاقاً للأحوال والحاجات، هو الذي تغذوه الأجسام المائتة والمنتنة، أو “الكروم الصغير”[23] إذ إن “الكبيرة”[24] تفوته، وكذلك كل حيوان آخر من آكلات اللحوم النيئة التي يرذلها الناموس والتي ليست طاهرة[25] ولا تصلح للغذاء والاستعمال. فخطابنا يجانب هؤلاء، ويريد أن يُحفر على ألواح صلبة وحجرية[26]، وعلى صفحتي الألواح، بسبب القسم الظاهر من الناموس والقسم الخفي: هذاك للجم الغفير الباقي تحت، وهذا للعدد القليل والذين يرقون إلى فوق.

3 – ماذا جرى لي، أيها الأصدقاء، الواقفون على الحقيقة والكلفون بها بمقدار ما أنا كلف بها؟ لقد أسرعت لبلوغ الله، وصعدت هكذا إلى الجبل، ودخلت الغمام، منعزلاً في داخلي عن المادة والماديات، ومنكفئاً على ذاتي قدر المستطاع. وعندما نظرت لم أكد أرى سوى قفا الله[27]، وكنت محتمياً بالصخرة[28]، وبالكلمة[29]، والذي صار جسداً من أجلنا[30]، وعندما انحنيت قليلاً أبصرت، لا الطبيعة الأولى الخالصة من كل اختلاط، التي تدرك ذاتها، أعني الثالوث، وكل ما يبقى وراء الستر الأول الذي يغشيه الكروبين[31]، بل ما يقع في الطرف ويصل إلينا. إنه، على ما أرى، عظمة الله في المخلوقات وفي الأشياء التي أبدعها وساسها، وما يسميه داور الإلهي “جلاله”[32]، هذا ما يُرى في قفا الله[33]، وما يدرك بعد اجتيازه[34]، إنه كظلال الشمس على المياه، والأخيلة تمثل الشمس في العيون الضعيفة، إذ لا يمكن التحديق إلى ذات الشمس، لأن صفاء نورها يتغلب على الحواس. هكذا يجب أن تعالج اللاهوت، وإن كنت موسى، و “إلهاً لفرعون”[35]، وإن كنت بلغت “السماء الثالثة” كبولس، وسمعت “كلمات تفوق الوصف”[36]، وإن تفوقت عليه، في أحد المواقع أو الصفوف التي لرؤساء الملائكة. فكل كائن، سواء كان علوياً أو فوق العلوي، وإن كان بطبيعته أرفع منا جداً أقرب من الله، هو أبعد من الله ومن إدراك كامل لله بعده عنا نحن الخليط المركب السفلي والميال إلى الأرض.

4 – فلا بد والحالة هذه من العودة إلى المسيرة على النحو التالي: يصعب إدراك الله، ويستحيل التعبير عنه، على حد ما علمه أحد “لاهوتيي” الإغريق[37]، في أسلوب لا يخلو من حذق، على ما أظن، وهكذا كان يبدو مدركاً ما يصعب قوله، كما كان ينجو من اللوم بكون هذا الأمر لايمكن التعبير عنه. وفي رأيي أن التعبير عن الله مستحيل، وإن إدراكه أشد استحالة. فمن الثابت أن ما أدرك يستطيع النطق أن يُبينه، وإن لم تكن الإنابة وافية تكون على الأقل غامضة، لمن لم تغلق أذناه إغلاقاً تاماً، ولم يفسد العقل عند إفساداً كاملاً. ثم أن حقيقة كهذه لا يستعصي إدراكها ولا يمتنع على الغارقين في الخمول والنزاعين إلى السفليات وحسب، بل يستعصي ويمتنع أيضاً على المغرقين في الترفع والتعلق بالله، بل على كل طبيعة مولودة، أي على كل من تقف الظلمات وكثافة الهيولى الجسدية دون إدراكه الحقيقة. ترى هل يكون الأمر هو هو لدى الطبائع العليا، أي الطبائع الروحية؟ لست أدري. إنها قريبة من الله وتتلقى منه فيضاً من النور، وقد تكون في غمرة من ذلك النور، وإن لم تكن استنارتها كاملة فهي بلا مراء أكمل وأوفى من التي نتلقاها نحن، وهي تكون لهذه أوفر مما تكون لتلك، وذلك بحسب المصاف والمراتب.

5 – لنقف بهذا المسألة عند هذا الحد! ولننتقل إلى موضوعنا، فليس هو “سلام الله” وحده، الذي “يفوق كل فهم”[38] وكل إدراك، وليس كل ما أعد للصديقين ووعدوا به مما لم تره عين ولا سمعت به أذن، وقلما تأمل فيه فكر[39]، وليس هو معرفة الخليقة الدقيقة – كن على يقين أنه لم يبلغك من ذلك سوى الظلال عندما تسمع هذا القول: “إني أرى سماواتك عمل أصابعك، القمر والكواكب”[40]، والدليل الثابت في ذلك أن ما لا تراه الآن ستراه فيما بعد؛ لا ليس في هذا موضوعنا، بل إنه، قبل هذه الأمور كلها، في الطبيعة التي ينضوي تحتها ويصدر عنها كل شيء، في الطبيعة التي لا يمكن إدراكها والإحاطة بها، أعني إدراك انيتها والإحاطة بها، لا إدراك وجودها وفهمه. فليست “كرازتنا باطلة ولا إيماننا باطلاً”[41]، وليس من الباطل ما نعلمه. وهكذا لن تستطيع أن تلتقط من بعد في صراحتنا مبدأ “إلحاد” و”خداع”، ولن تستطيع مناهضتنا على أننا نقر بجهلنا[42]. والفرق شديد جداً بين التثبت في وجود الشيء ومعرفة إنيته.

6 – فأن يكون الله العلة الفاعلة لكل شيء، وأن يكون هو علة ذاته، هذا ما يعلمناه النظر ونظام الطبيعة: أما النظر فبوقوعه على مرئيات ثابتة ثبوتاً جيداً ومتحركة في آن واحد، وبكلام آخر: محركة ومسيرة في غير حركة؛ وأما نظام الطبيعة فبدلالته على مكون كل شيء من خلال المرئيات ونظامها. فكيف كان يبدأ هذا الشيء كله ويحفظ لو لم يمده الله بالجوهر ويتعهده بالحفظ؟ ولئن أبصرنا قيثارة في أبهى زينتها، وفي دقة بضّها، أو سمعنا أنغامها، ألا ننتقل بالفكر إلى صانع القيثارة وإلى الضارب عليها، ألا نرتقي بالفكر إليها وإن غائبين عن أنظارنا؟[43] هكذا يبدو لنا الخالق الذي يحرك ويفظ ما خلق، وإن لم يحط به فكرنا؛ وإنه لفي غاية الغفلة من لا يتدرج تلقائياً إلى هذه النتيجة، ولا يأخذ بالأدلة التي توفرها الطبيعة؛ إلا أني لا أقول بأن الله هو ما تخيلناه، أو ما تمثلناه، أو ما رسمه عقلنا.

لئن توصل يوماً أحد إلى إدراك هذا الكائن، ولو إدراكاً جزئياً، فهل يكون على ذلك دليل؟ من توصل هكذا إلى مشارف الحكمة؟ من استحق يوماً هذه الموهبة الروحية؟ من “فتح” هكذا “فم” عقله و”اجتذب الروح”[44] الذي “يفحص كل شيء حتى أعماق الله”[45] لكي يعمل ذلك الروح على إبلاغه الله، فلا يشعر بحاجة إلى أي شيء آخر، بعد حصوله على منتهى ما يتشوق إليه، على ما تسعى الحياة كلها إليه، وتترامى إليه فكرة الإنسان المتسامي.

7 – فأي فكرة تكون فكرتك عن الألوهة إذا كنت تثق ثقة حقيقة بالاستدلالات العقلية؟ وإلى أين يصل بك هذا النقاش، إذا نظرت فيه نظرة عميقة، أيها الفيلسوف العظيم، واللاهوتي القدير، يا من يتعاظم تعاظماً لا حد له؟ هل الألوهة جسد؟[46] كيف هي إذاً غير محدودة، وغير متناهية، وغير ذات شكل خارجي، وغير قابلة اللمس والرؤية؟ هل تكون الأجسام هكذا؟ يا للتفريط في الكلام! لا، ليست هذه طبيعة الأجسام. أو هل تكون الألوهة جسداً مجرداً من هذه الخصائص؟ يا لجهالة الجهلاء! وذلك كي لا يكون للألوهة شيء ليس فينا! فكيف تعد إذا كانت ذات حدود؟ وكيف تنجو من أن تكون مركبة من عناصر وقابلة الانحلال إلى تلك العناصر، أو من الفناء الكامل؟ فإن التركيب عامل صراع؛ والصراع عامل انقسام؛ والانقسام عالم زوال؛ والزوال أمر مفارق تمام المفارقة لله وللطبيعة الأولى. فليس ثمت انقسام كي لا يكون زوال؛ ولا صراع كي لا يكون انقسام؛ ولا تركيب كي لا يكون صراع؛ ولهذا فليس ثمت جسد كي لا يكون تركيب. فالاستدلال ينطلق من الأفكار الأخيرة ويرتقي إلى الأولى ويتوقف عندنا.

8 – إذا كان الله يحد جزئياً ويحد جزيئاً فكيف نصون واقع كونه يخترق كل شيء ويملأ كل شيء، على حد ما جاء في الكتاب: “ألست مالئ السماوات والأرض؟ يقول الرب”[47]، و “روح الرب ملأ المسكونة”[48]. وهكذا فإما أن يقيم في فراغ، وتغيب الأشياء كلها عنا، فيهان الله بتحوله إلى جسم وتفلت من سلطانه جميع مصنوعاته؛ وإما أن يكون جسماً بين الأجسام، وهذا أمر مستحيل[49]؛ وإما أن يدخل في أجسام أخرى[50] ويخرجها عن شبيهاتها، فيختلط بها اختلاط السوائل، فيذيب أو يذوب، وهذا أمر أشد سخفاً من ذرات أبيقورس ومن “الخرافات العجائزية”[51]، وهكذا تسقط أمامنا جدلية الجسم ولن يكون لنا من بعد جسم ولا قوام.

إذا قلنا إن الله غير مادية، وإذا كان هو العنصر الخامس، على ما يراه البعض[52]، وكان مندفعاً في الحركة الدائرية – ولنحسب أنه كائن غير مادي، وأنه الجسم الخامس، وأنه، إذا أرادوا، جسم غير جسماني، على حد تعبيرهم الواسع وغير المنضبط، وأنا لا أريد الآن مناقشة هذا الموضوع – إذا كان الله كذلك فأين يجد مكانه بين الكائنات المتحركة التي تعصف بها الحركة، وهذا بغض النظر عن الإهانة التي تلحق بالصانع إذا تحرك بحركة مصنوعاته، وبالقوام إذا تحرك بحركة الكائنات التي تقوم به وتحفظ – هذا إذا سلموا بهذا الرأي؟ وهذا الحركة من باعثها؟ من يبعث الحركة في هذا كله؟ وهذا الكائن من يحركه؟ وهذا الأخير ممن يستمد الحركة؟ وهكذا إلى ما لا عد له. وإذا كان الله في دوامة هذه الحركة فكيف لا يكون له مكان البتة؟

ولئن قالوا بأن الله هو العنصر الخامس أو إنه ذو جسم ملائكي، فأنى لهم أن يكون الملائكة أجساماً، وما تكون تلك الأجسام؟ وما أرفع ما يكون الله عن الملاك[53] والملاك خادم له![54] وإذا كان الله في أعلى هذه الأجسام كان لنا أيضاً سيل فرق من الأجسام، وهوة من الحماقة لا يمكن أن يحدها مكان.

9 – وهكذا فليس الله في نظرنا جسماً. ولما يقم نبي[55] ويقل بذلك أو يوافق على ذلك، وليست العقيدة هذه من “حظيرتنا”[56]. بقي أن الله لا جسم له. ولكن خلوه من الجسمية لا يكفي لإدراك جوهره والإحاطة به، كما لا تكفي التعبيرات “غير مولود”، “لا مبدأ له”، “غير قابل للتغير”، “غير قابل للفساد”، وسائر ما قيل في الله وعن الله. فماذا يعني، في موضوع طبيعته، أن يقال “ليس له مبدأ”، و “لا يتغير”، و “لا تحده حدود”؟ إن إدراكه إدراكاً كاملاً متروك لتبحر من عنده “فكر الله”[57] حقاً كان أكثر إيغالاً في التأمل. لا يكفي أن يقل “الجسد”، أو “المولود” لكي يفهم أن الكلام يُشار به إلى هذا أو ذاك، بل يجب أن يكشف عن الحقيقة الكامنة في كل لفظة، إذا قصد الوقوف على مفهومها وقوفاً كافياً ومرضياً – فقد يكون هذا الكائن الجسماني المولود والقابل الزوال إنساناً، أو ثوراً، أو حصاناً؛ وهكذا لا يكفي هنا أن نتوقف عند قول ما ليس هو، إذا تطفلنا وبحثنا في طبيعة من “هو الكائن”[58]؛ بل يجب علينا، بعد قول ما ليس هو، أن نقول أيضاً ما هو. وإنه لمن الأسهل أن ندرك الشيء في ذاته من أن ننفي جميع العناصر واحداً فواحداً لكي نوصل ما نفكر فيه إلى ذهن السامع، فارزين أولاً ما ليس هو، ثم مثبتين ما هو. فمن يقول عن الشيء ما ليس هو ويتغاضى عما هو يجري وكأنه يجيب عن السؤال “ما مجموع خمسة وخمسة” قائلاً: لا هو اثنان، ولا ثلاثة، ولا أربعة ولا خمسة، ولا عشرون، ولا ثلاثون، ولا هو بموجز القول، من الأعداد التي دون العشرة أو فوق العشرة، من غير أن يقول إنه عشرة ويجنب عقل السائل عناء انتظار ما يبحث عنه. فالانطلاق مما يكون الكائن وإبراز كل ما لا يكون أشد سهولة وأقرب إلى التناول من طريقة الفرز ونفي ما لا يكون لإظهار ما يكون. أليس هذا أمراً ثابتاً لدى الجميع؟

10 – إذا كانت الألوهة في نظرنا غير جسمانية كان علينا ان نواصل بحثنا شيئاً فشيئاً: هل الألوهة لا مكان لها أم هل هي في مكان ما؟ فإن لم يكن لها أي مكان انطلق أحد مقامينا اللد يقول: كيف يمكن إذن أن يكون لها وجود. فإن ما لا وجود له لا مكان له، وما لا مكان له لا يكون في الأغلب له وجود أيضاً. وإن كان الألوهة في مكان – إذاً هي موجودة – كانت إما في الكل، وأما فوق الكل. فإن كان في الكل كانت إما في الجزء، وإما في جميع الأجزاء. وإن كانت في جزء حدها هذا الجزء الذي هو أصغر من الكل؛ وإن كانت في جميع الأجزاء حدها شيء أكبر[59]، شيء كبير ومختلف عنها، أقول إن الموسع يحده ما يسعه، إذا كان لا بد للكل (أي الله) من أن يحتويه الكل (أي الكون)، وألا يكون منزهاً عن أن يكون محدوداً في مكان. هذا إذا كانت الألوهة في الكل. وأين كانت قبل وجود الكل؟ ليس ذلك بالأمر اليسير في باب الصعوبة.

وإذا كانت الألوهة فوق الكل أفلم يكن هنالك شيء يفصلها عن الكل؟ وأين هذا الذي فوق الكل؟ وكيف تصوروا ما يرفع إلى فوق وما هو مرفوع إلى فوق عندما لا يكون هنالك حد يقسم هذه الأشياء ويفصها بعضها عن بعض؟ أليس من الضرورة أن يكون هنالك وسيط يقوم طرفاً للكل ولما هو فوق الكل؟ وهذا ما هذا؟ أليس مكاناً حاولنا أن نتهرب منه؟ ولست أقول أيضاً إن الألوهة في الضرورة محدودة إذا كان الفكر يستطيع أن يدركها، فإن قابلة الإدراك نوع من المحدودية.

11 – ترى لماذا تماديت في هذا الأمور التي تدق جداً على آذان الكثيرين وتجاري تيار المناقشات الشائعة في هذا الأيام، تلك المناقشات التي استخفت بما هو صريح ويسبط لتدخل ما هو ملتو ومعمى؟ وكما تعرف الشجرة بثمارها[60] أقول بأن مثل هذه التعاليم من أعمال الظلمة[61] لما في مضمونها من ظلام؟ فليس هدفي أن أظهر متفوهاً بالمفاجئات، ولا أن أتظاهر “بالبراعة في العلم” عاقداً “العقد وحالاً الألغاز”[62] – إنما هذا المعجز العظيم من شأن دانيال – ولكني أردت أن أبين المجرى الذي جرى فيه خطابي منذ بدايته. فماذا كان؟ كان أن الفكر البشري لا يستطيع أن يدرك الألوهة، وأن يتخيلها في كامل ذاتها أمر غير ممكن. وما ذلك حسداً منها – لأن الحسد بعيد عن الطبيعة الإلهية[63]، تلك الطبيعة المنزهة عن الأهواء، والصالحة وحدها، والمطلقة السلطة، ولا سيما بالنسبة إلى أشرف خلائقها عندها – ومن في نظر كلمة الله أشرف من الإنسان الناطق بالكلمة والذي غمر الله وجوده بفيض من صلاحه الأعظم؟ وما ذلك تطلباً منه تعالى لشرف ذاتي ومجد ذاتي، وهو “الشبعان”[64] من ذلك كله، ولا استجلاباً للتكريم والعبادة، وهو السامي فوق كل سمو. وما السعي وراء التكريم والتعالي على الغير بالسفسطة والتعمية إلا شأن سفسطائي وهو بعيد أشد البعد لا عن الله وحسب، بل عن كل إنسان أيضاً فيه كفاية من نزاهة وبعض وعي للصدق والاستقامة.

12 – وإن كان هنالك أسباب أخرى فقد يكون الأقربون إلى الله والذين ينقبون عن أحكامه “التي لا تستقصى”[65]، قد يكون أمثال هؤلاء على علم بها، هذا إذا كان هنالك أناس يتحلون بمثل هذه الفضيلة و”يجولون في أعماق الغمر”[66] على حد ما يقال. ونحن، في نطاق طاقتنا الإدراكية، إذ نقيس الأمور التي تصعب دراستها بمقاييس صغيرة، نقول إن ذلك قد يكون منعاً لأن تصبح سهولة التحصيل طريقاً إلى سهولة أشد في فقدان ما نكون قد حصلناه، ذلك أن ما يحصل بتعب وكد يكون الحرص عليه أشد، وما يحصل بسهولة يبدد بسرعة، لا لشيء إلا لكون العودة إلى تحصيله خالية من العسر؛ وهكذا فمن الخير أن يكون الخير صعب المنال، على الأقل عند من يتصفون بسلامة التفكير. وقد يكون ذلك لتجنيبنا المصير الذي صال إليه لوسيفورس الساقط[67]، والحؤول دون التوصل، بعد حصولنا على النور الكامل، إلى “التجبر”[68] على الرب الكلي القدرة، والهبوط من علائنا أقبح ما يرثى له من هبوط. وقد يكون ذلك أيضاً لكي يكون هنالك مكافأة أعظم على الشجاعة والحياة الصافة اللتين يتحلى بهما أولئك الذين تطهروا على هذا الأرض وسعوا سعياً حثيثاً إلى الغاية المنشودة. بسبب ذلك كله يقوم بيننا وبين الله “ظلام”[69] مصدره الجسد، وهو أشبه بالغمام الذي كان يقوم قديماً بين المصريين والعبرانيين[70]. وقد يكون هذا معنى القول: “جعل الظلمة حجاباً له”[71]، والظلمة هي كثافتنا التي لا ترى القلة من خلالها إلا القليل. وعلى من يهمهم هذا الموضوع أن يخوضوا فيه ما شاءوا، وليوغلوا في البحث إلى أقصى ما استطاعوا. أما نحن “أسرى الأرض”[72]، على حد قول إرميا الإلهي، نحن الذين تغمرهم كثافة الجسد، فجل ما نعرفه أنه كما يستحيل على الإنسان، وإن شديد السرعة، أن يسبق ظله – والظل كلما حاولت إدراكه وجدته متقدماً عليك – أو كما يستحيل على النظر أن يباشر المرئيات بمعزل عن النور والهواء، أو كما يستحيل على جماعة السباحة أن يعوموا خارج الماء، كذلك يستحيل على من هم في الجسد أن ينقطعوا تمام الانقطاع إلى الأمور الروحية بمعزل عن الأمور الجسدية. فلا بد من تسرب شيء من جسدياتنا، حتى ولو تجردت النفس تجرداً شديداً من المنظورات وصارت إلى ما هي عليه في ذاتها، وحاولت أن تعكف على ما يوافقها من غير المنظورات. هذا ما يجب أن تدركه.

13 – “روح”[73]، “نار”[74]، “نور”[75]، “محبة”[76]، “حكمة”[77]، “عدل”[78]، “عقل”[79]، “كلمة”[80]، أليست هذه الألفاظ وما شابهها أسماء للطبيعة الأولى؟[81] وماذا؟ هل تتصور نفساً (روحاً) بغير انطلاق وانتشار؟ ناراً في خارج المادة وبغير تشبب إلى فوق، وبغير لون ولا شكل؟ نوراً غير ممتزج بالهواء ومنفصلاً نوعاً ما عن مصدره وباعثه؟ عقلاً، وأي عقل؟ هل هو عقل في آخر، عقل تصوره حركة، عقل ساكن أم مندفق على الخارج؟ كلمة، وأي كلمة؟ هل هو المقيم فينا أو المنتشر، ولا أجرؤ أن أقول المتبدد؟ وإن كان حكمة، فأي حكمة هي؟ أما هي الخلة المألوفة التي تعمل في أثناء التأمل، وسواء كان ذلك في الأمور الإلهية أو في الأمور البشرية؟ عدلاً ومحبة؟ أليسا خلتين حميدتين تخالف إحداهما الظلم، وتخالف الأخرى الحقد والضغينة، وتشتدان وتتراخيان، وتبرزان وتتواريان، وتعملان فينا على كل حال تأثيراً تغييراً، كما تفعل الألوان في الأجسام؟ أم ترى هل يجب أن ندع هذا وننظر إلى الألوهة في ذاتها، قدر المستطاع، ونتصور لها صورة ولو جزئية؟ فماذا يكون هذا الابتداع: أفيكون من هذا ولا يكون هذا؟ أو كيف يكون كل هذا وكيف يكون كل شيء من هذه الأشياء على وجه كامل، هو الواحد بطبيعته في غير تركيب ولا مماثلة لأحد؟ هكذا يستنفد عقلنا قواه لكي يتملص من الأمور الجسدية ويباشر غير الجسدية، وهو عبثاً يسعى ما دام في ضعفه الذاتي يتشوق إلى ما فوق طاقته. وهكذا فكل طبيعة عاقلة تتجه إلى الله والعلة الأولى؛ وهي لا تتمكن من إدراكها للأسباب التي ذكرتها. وفي شوقها المضطرم، واختلاجات قلقها تعمل على تجنب الضرر فتبحر للمرة الثانية، فإما إنها تتوقف بنظرها عند الأشياء التي ترى ويقودها الضلال إلى أن تجعل من أحدها إلهاً – وأي شيء من المرئيات أرفع وأشبه بالله من الذي يراها، إلى حد أن يكون الواحد منها عابداً والآخر معبوداً – وإما أن يكون الجمال والنظام في المرئيات طريقاً إلى معرفة الله، فتكون الرؤية دليلاً على ما وراء الرؤية، من غير أن يضيع الله في غمرة العظمة التي تتجلى في الأشياء المرئية.

14 – هكذا عبد بعضهم الشمس، وآخرون القمر، وعبد هؤلاء مجموعة الكواكب، وأولئك السماء نفسها وعبدوا معها كواكبها التي أناطوا بها إدارة الكل وفاقاً لاندفاعها في حركتها او لسعة نطاق تلك الحركة، وعبد آخرون العناصر، التراب والماء والهواء والنار، لما لها من فائدة، ولكون الحياة الإنسانية لا تقوم إلى بها؛ وعبد غيرهم كل واحد ما شاء من المرئيات، مؤلهاً أشدها جمالاً. وكان من عبدوا الصور والتماثيل، صور ذويهم وتماثيلهم أولاً، لما كان يخالجهم من حزن وأسف ولما كانوا عليه من تعلق بهيئات أمواتهم الجسمية، فكانوا يكرمون أولئك الأموات بتكريم ما يذكر بهم؛ ثم صور الغرباء وتماثيلهم، أولئك الذين شط بهم الزمن وتراخت بأخبارهم المسافات؛ وما ذلك إلا لأنهم جهلوا الطبيعة الأولى وتمسكوا بأمجاد موروثة على أنها شرعية وضرورية؛ وقد رسخ الزمن العادة فأصبحت في نظرهم شرعة ونظاماً. وهنالك آخرون، على ما أظن، أعظموا السيطرة، فامتدحوا القوة وأعجبوا بالجمال، فقادهم الزمن إلى تأليه من كانوا يعظمون، ونسجوا حول خزعبلاتهم درعاً من الأساطير[82].

15 – من كانوا منهم أكثر خضوعاً للشهوات رأوا في تلك الشهوات آلهة أو أدوا تكريم الآلة للغضب، والقتل، والسكر، والفسق، ولأي شيء آخر مما يُشبه ذلك، متذرعين لأضاليلهم بأعذار قبيحة وجائرة. وقد تركوا بعض هذه الآلهة على الأرض، وواروا بعضها في الأعماق – وكانوا في هذا الأمر وحده عاقلين – ورفعوا بعضها إلى السماء. ويا للقسمة المهزلة! ثم إنهم أطلقوا على كل من هذه الكائنات المختلفة اسم إله أو شيطان[83]، جرياً مع ما كانوا يتمتعون به من حرية واستقلال في ضلالهم، وقد رفعوا لها أنصاباً كانت في روعتها طعوماً لاجتذاب النفوس، وقادهم التفكير إلى تكريمها بالدم ورائحة الدهن، بل تكريم بعضها بالمخزيات من الأعمال كالسكر والذبائح البشرية؛ ولا شك في أن مثل هذا التكريم كان لائقاً بمثل هذه الآلهة. والمخزيات أمعنوا فيها عندما كرموا “الطيور، والدبابات والزحافات”[84] وما كان منها الأحقر والأغرب، وخصوها بالمجد الذي لله، بحيث أصبح من الصعب معرفة من هو أخلق بازدراء أكبر: العابد أو المعبود؛ قد يكون أولئك الذي يؤدون العبادة، لأنهم، وقد وهبوا طبيعة عاقلة وتلقوا نعمة الله، فضلوا الأسوأ على أنه في نظرهم الأفضل. تلك كانت خدعة الخبيث الذي تعدى الخير ليعمل الشر، وهذا دأبه في مجمل أعماله الشريرة. لقد لمس لديهم الرغبة الشاردة في تطلب الله، فعمل على اقتناص الهيمنة لنفسه والاستئثار برغباتهم، آخذاً بيدهم وكأنهم عميان يبحثون عن طريق، وهنا وهناك أهوى بهم في المهواة، وشتتهم في هاوية الموت والضياع.

16 – هذا بالنسبة إليهم. أما نحن فإن العقل قد استقبلنا عندما كنا نطلب الله، ولا نتحمل غياب القائد والربان، وإذ أكب على الأشياء المنظورة وتتبع ما كان منذ البدء، لم يتوقف عندها – إذ لم يكن من المعقول أن تلقى السلطة المهيمنة إلى من يساووننا في المشاعر – فقادنا عن طريقها إلى من هو فوقها، ومن به كان لها الوجود. فمن ذا الذي نظم السماويات والأرضيات، وكل ما في الهواء وعلى الماء، أو بالأحرى، قبل ذلك، السماء والأرض والهواء وعنصر الماء؟ من ذا الذي مزجها وفصلها؟ ما هذا التآلف القائم بينها، وهذا التلاحم، وهذا التناغم؟ إني أوافق على قول القائل، وإن كان القائل من غير جماعتنا: “من ذا الذي بعث الحركة في هذه، والذي يقودها في مدار لا يحد ولا يرد؟”[85] أليس هو العامل الذي عملها، وجعل في جميع الأشياء مبعث مسيرتها ونظامها؟ ولكن من يكون هذا العامل؟ أليس هو الصانع الذي صنعها وأتى بها إلى الوجود؟ وإنه لمن الثابت أن ليس للصدفة مثل هذا القدرة. ولنحسب أن الوجود من صنع الصدفة، فمن يكون المنظم؟ ولنحسب، إذا شئت، أن النظام أيضاً من وضعها، فمن يكون حافظ المخلوقات ومدبرها وفاقاً لما أقيمت عليه؟ هل هو غير الصدفة؟ أم هو الصدفة؟ إنه ولا شك غير الصدفة. إنه الله ولا أحد سواه. وهكذا فإن العقل الآتي من الله والمرافق لطبيعتنا، والشرعة الأولى فينا التي لا تغيب عن بصيرتها شيء، هذا العقل ارتقى بنا إلى الله انطلاقاً من الكائنات المنظورة. والآن فلنتكلم ناحين في كلامنا منحى جديداً.

17 – الله، في طبيعته وفي جوهره، لم يتوصل أحد قط ولن يتوصل أحد إلى اكتشافه؛ ترى هل يتوصلون إلى ذلك يوماً ما؟ فليترك هذا الموضوع لبحث من أرادوا من الباحثين ولتحريات علمهم. وفي رأيي أن هذا الاكتشاف لن يتم إلا عندما يصبح الشيء الإلهي الذي فينا، أعني روحنا وعقلنا، على صورة الله، عندما يصبح غارقاً فيمن ينتمي إليه، عندما ترتقي الصورة إلى من أخذت عنه ومن تصبو إليه. وإنه ليبدو لي فيما يبدو أن الفلسفة كل الفلسفة في أننا سنعرف يوماً بقدر ما نحن معروفون[86]. وكل يصلنا الآن إنما هو شعاع ضئيل، أو شبه عبس نزر[87] من نور عظيم. وهكذا فإن كان أحد قد عرف الله أو عد عارفاً لله فليست معرفته سوى أنه تعرض للنور أكثر من غيره. وهذا القسط الذي حصل عليه من المعرفة عد كاملاً، لا في الحقيقة، بل بالنسبة إلى إمكانية جاره الذي لم يصب من النور ما أصاب هو.

18 – لهذا رجا أخنوخ أن “يدعو باسم الرب”[88]: إنه لم يحصل إلا على الرجاء، لا رجاء معرفة الله، بل رجاء دعوته. وأُخذ أخنوخ[89]، ولم يعرف بعد هل كان ذلك بعد إدراكه طبيعة الله، أو من أجل إدراكها. وجميل نوع أنه أرضى الله ونال حظوة في عينيه[90]، وقد عهد إليه في إنقاذ العالم كله، أو قل نواة العالم، على حاملة صغيرة من خشب نجت من الطوفان[91]. وإبراهيم برر بالإيمان[92]، هو أبو الآباء الكبير، وقد قدم ذبيحة غريبة كانت رمزاً للذبيحة الكبرى[93]؛ إنه رأى الله، لا الله في ألوهته[94]، ولكنه قدم له الطعام على أنه إنسان[95]، فامتدح لكونه أدى العبادة بمقدار ما أدرك من حقيقة ما جرى. ويعقوب رأى في حلمه سلماً منتصبة وملائكة تصعد عليها[96]، وقد صب دهناً على النصب بوجه رمزي[97] – لعل في ذلك إشارة إلى الحجر[98] المسيح الذي مسح لأجل خلاصنا[99] – وأسمى الموضع “مشهد الله”[100] إكراماً للذي شاهده؛ وصارع الله على أنه إنسان[101] – أياً كانت تلك المصارعة، أو لعلها تكون مقارنة لفضيلة الإنسان بالله – وحمل في جسده علامة صراعه[102]، وهي تشير إلى هزيمة الطبيعة المولودة؛ ونال جزاء تقواه تبديلاً لاسمه، فانتقل اسمه من يعقوب إلى إسرائيل[103]، إلى ذلك الاسم العظيم والشريف؛ ولكن لا هو، ولا أحد من أسباط الاثني عشر، الذين كان لهم أباً، استطاع إلى هذا اليوم أن يدعي بأنه عرف طبيعة الله، أو أنه شاهدها مشاهدة تامة.

19 – وإيليا لم يعبر إليه الله في الريح الشديدة، ولا في النار. ولا في الزلزلة، كما أورد التاريخ ذلك إلى سمعك، بل في النسيم اللطيف[104] حيث تمثل له طيف الحضور الإلهي، لا طبيعة الله ذاتها. وإيليا، من يكون؟ هو من ارتفعت به مركبة نارية إلى السماء[105]، وأظهرت ما كان عليه من بر يفوق طبيعة البشر.

وكيف لا نعجب بالقاضي منوح[106]، ثم بالتلميذ بطرس من بعده؟ أما الأول فما كان ليتحمل رؤية الله الذي تراءى له، وكان لذلك يقول لامرأته: “إنا سنموت لأنا عاينا الله”[107]. ففي نظره أن البشر لا يستطيعون تحمل رؤية الله، فكيف بطبيعته الإلهية. وأما الآخر فقد شاهد المسيح ولم يدعه يقترب من سفينته، ولهذا كان يطلب إليه أن يتباعد[108]. هذا مع أن بطرس كان أشدهم حرارة للاعتراف بالمسيح، ولهذا نعت بالطوباوي”[109]، وأودع الوديعة العظمى[110]. وماذا تقول في أشعيا، وحزقيال الذي شاهد أعظم الأمورـ وسائر الأنبياء؟ أما الأول فقد رأى رب الصابئوت جالساً على عرش مجد يحيط به السرافون ذوو الأجنحة الستة ويسبحونه وسترونه، ورأى أن جمرة مست شفتيه وطهرته وهيأته لدور النبوة[111]. وأن يكون هذا رؤيا نهارية لا يراها غير القديسين، وأن يكون رؤيا نهارية لا يراها غير القديسين، وأن يكون رؤيا ليلية غير كاذبة، أن يكون حدساً جارياً في القسم الآمر من النفس، حدساً هو بمثابة اتصال بما سيأتي وكأنه حاضر، وأن يكون أي نوع آخر لا يعبر عنه من أنواع النبوة، ليس لي في ذلك كله أي قول، ولكن الذي يعرف ذلك هو إله الأنبياء ومن تجرى فيهم هذه الآيات. ومع ذلك فليس هؤلاء الذين ذكرتهم ولا غيرهم ممن يشبهم قد وقفوا في مجلس الرب”[112] وفي موقف حقيقته، على حد قول الكتاب؛ إنهم لم يروا طبيعة الله ولا فسروها.

20 – أما بولس، فلو أعطي له أن يكشف عما اشتملت عليه السماء الثالثة[113]، والتقرب، أو الصعود أو الاختطاف إلى هنالك ربما كان لنا اطلاع أوسع على ما يتعلق بالله، على أن يكون ذلك هو السبب الخفي لهذا الاختطاف، ولكن بما أنها أمور تفوق الوصف[114]، كان علينا نحن أيضاً أن نقدرها في صمت. ولنستمع فقط لبولس نفسه يقول: “فإن علمنا ناقص، ونبوتنا ناقصة”[115]. إنه يعترف بهذا الأمر كما يعترف بغيره، هو غير المتطفل في المعرفة، هو الذي يهدد بأن يقدم الرهان على أن المسيح ينطق فيه[116]، هو المدافع الكبير عن الحقيقة والمعلم الكبير لها. وهو يقر أن كل علمنا ههنا ليس سوى نظر في المرآة وفي الألغاز[117]، وأنه يتوقف عند بعض الصور الهزلية للحقيقة. ولئن بدوت في نظر البعض غير مالك من الفضول والتطفل ما يحملني على تقصي هذه المسائل فلأنها قد تكون مما ذكره الكلمة نفسه عندما تكلم على الأمور التي لا يطاق الآن حملها[118] – وسيأتي يوم يطاق فيه حملها وتكشف – تلك الأمور التي أشار إليها يوحنا، سابق الكلمة، وصوت الحقيقة العظيم، وأعلن “أن العالم نفسه ههنا لا يستطيع أن يسعها”[119].

21 – وهكذا يصعب في كل حقيقة وفي كل خطاب أن يقع الإنسان على براهين، وأن يبلغ المشاهدة. إننا كمن يريد أن يقوم بعمل كبير بوسيلة صغيرة، عندما نعمل على اقتناص معرفة الحقيقة بالحكمة البشرية، وعندما نواجه المعقولات بالحواس أو بغير أن نتغاضى عن الحواس التي تطوح بنا وتضللنا[120]، وإنه ليتعذر علينا، ونحن نقابل الأشياء معراة بعقلنا المعرى، أن نقترب من الحقيقة اقتراباً أشد، ونسم عقلنا بميسم المدركات. أما النقاش في موضوع الله فبقدر ما يكون أوسع وأعمق يكون أصعب وأغلق، ويكون مجالاً لاعتراضات كثيرة، ولردود معقدة عسيرة. فكل عائق، وإن هزيلاً وضئيلاً، يوقف مسيرة النقاش، ويشله، ويحول دون انطلاقه، كما يفعل الشد المفاجئ لأعنة الخيل المندفعة، عندما ترتد وتستدير في عنف الصدمة المفاجئة. هكذا سليمان الذي نال فيضاً من الحكمة ولم يقم قبله ولا معه أحد نظيره[121]، والذي آتاه الله “سعة الصدر” وفهماً ذكياً جداً كالرمل الذي على شاطئ البحر[122]، كلما أغرق في سبر الأعماق[123] عراه الدوار، ورأى في خاتمة مطافه كم تباعدت الحكمة عنه[124]. وقد حاول بولس أن يدرك، لا أقول طبيعة الله – إذ كان يعلم أن الأمر شديد الاستحالة – ولكن “أحكام”[125] الله لا غير، وعندما لم يجد في تصعيده منفذاً ولا مقراً، ولم يقف فضول تفكيره عند حد معلوم، إذ كان يرى أبداً شيئاً ما مفلتاً منه – يا للأمر العجيب![126] هذا لكي أشاركه في الشعور – موه كلامه بالذعر، وعبر عن ذلك الأمر بقوله “غنى الله وعمقه”، واعترف بأن أحكام الله لا تدرك[127]، وفاه بما يقارب الألفاظ نفسها التي فاه بها داود إذ كان يطلق تارة على أحكام الله “الغمر العظيم”[128] الذي يتعذر سبره بالمقاييس والحواس، ويقول تارة أخرى إن هذا “علم عجيب” بالنسبة إليه وإلى حاله، وإنه “فوق طاقته وأرفع من أن يدركه”[129].

22 – إنه يقول: “إذا ألقيت عني كل شيء لأوجه نظري إلى ذاتي وإلى مجمل الطبيعة البشرية ومقوماتها، فما نحن وهذا الخليط الذي فينا؟ ما هذه الحركة التي نتحركها؟ كيف امتزج غير المائت بالمائت؟ كيف أهوي إلى تحت وأنا محمول إلى فوق؟ كيف تتسرب النفس في الجسد؟ كيف تبعث الحياة وتشترك في الآلام؟ كيف يكون العقل محدوداً وغير محدود معاً، مقيماً فينا وممتداً إلى كل شيء في اندفاع واندفاق سريعين؟ كيف يعبر في الكلام وينتقل إلى الغير، يسير في الهواء ويخترق حجب الأشياء؟ كيف يتواصل والحواس ثم ينكفئ مبتعداً عن الحواس؟ وقبل هذا كله كيف جبلنا أولاً ونسجنا في مصنع الطبيعة؟[130] وكيف نلنا صورتنا الأخيرة وكامل قوامنا؟ كيف تنشأ لدينا الرغبة في الطعام وكيف يتوزع فينا هذا الطعام؟ ومن كان دليلنا في توجهنا العفوي إلى ينابيع الحياة الأولى[131] وإلى التوسل بالوسائل الأولى للحفاظ على الحياة؟ كيف يتغذى الجسم بالأطعمة والنفس بالفكر؟ ما هذه النزعة الطبيعية، هذا الميل المتبادل بين الآباء والأبناء إلى التواصل العاطفي؟ كيف تكون الأنواع ثابتة في خلقها، متمايزة في تعدد طبائعها التي لا تحصى؟ كيف يكون الكائن الحي الواحد مائتاً وغير مائت، مائتاً بكونه يزول، وغير مائت بكونه يتناسل؟[132] وهكذا يخلو إنسان فيقوم في مكانه آخر، على مثال مجرى النهر الذي يواصل جريه في غير توقف. وإنه لمن الممكن أيضاً الإفاضة في حديث الفلسفة والتطرق إلى الأعضاء وأجزاء الجسم وتناغم تركيبها، وتوافق بعضها البعض الآخر، وما يجتمع فيها من فائدة وجمال، مجتمعة أو متفرقة، كريمة أو أقل كرامة، متحدة أو منقسمة، حاوية أو محوية، ذلك كله وفاقاً لناموس الطبيعة ومنطقها. وهناك مادة غنية للكلام في موضوعي الأصوات والأسماع: كيف تعبر الأصوات الأجهزة الصوتية، وكيف تتلقاها الأسماع، وكيف تجري الصلة فيما بينها بوساطة الذبذبات والتموجات في الهواء المتوسط بينها. وهنالك أمور كثيرة يمكن الكلام عليها في شأن النظر الذي يتصل بالمرئيات اتصالاً لا يمكن التعبير عنه، وهذا الاتصال يجري بإمرة الإدارة، مرافقاً لها في تحركها، ومماشياً العقل في الحالة التي يكون فيها، إذ إن اتصال العقل بالمعقولات والنظر بالمنظورات بجري في سرعة لا يختلف فيها الواحد عن الآخر. وهنالك أمور كثيرة يمكن التحدث عنها في شأن الحواس الأخرى التي هي أشبه بمواطن تقبل للأشياء الخارجية في غير تنظر للعقل. وهنالك النوم وما يجلب من راحة، وتخيلات الأحلام، والذاكرة والتذكر، والعقل والتعقل، والغضب، والرغبة، وبموجز القول، كل ما يقوم به وعليه هذا العالم المصغر الذي الإنسان.

23 – هل تريد أن أُعدد لك ما بيننا وبين سائر الأحياء من فوارق، وما يميز الأحياء بعضها من بعض، وأن أبين لك طبيعتها وولادتها وإعالتها لصغارها، وسُكناها وغرائزها، ونظام حياتها؟ كيف تكون هذه قطعاناً وتكل وُحداناً؟ هذه عشبية المأكل وتلك آكلة لحوم؟ هذه ضارية، وتلك داجنة؟ هذه صديقة الإنسان ومؤاكلته، وتلك متوحشة ومستقلة؟ هذه شبه قريبة من الفهم وشبه قابلة للتدريب، وتلك على الدرجة القصوى من البلادة والامتناع على التدريب؟ هذه بأعضاء تحسسية كثيرة، وتلك بعدد قليل منها؟ هذه ساكنة لا حركة لها، وتلك قادرة على التحرك؟ هذه سريعة جداً، وتلك غارقة في الثقل؟ هذه متفوقة في القد والجمال أو في أحدهما، وتلك على أقبح ما يكون القصر أو القبح أو كلاهما معاً؟ هذه قوية، وتلك ضعيفة؟ هذه متحفزة للدفاع عن نفسها، وتلك مختالة ومكارة؟ هذه حكيمة وتلك خالية من الفطنة؟ هذه نشيطة ومقتصدة، وتلك كسول وقصيرة النظر؟ وقبل ذلك أيضاً كيف تكون هذه زاحفة، وتلك واقفة؟ هذه ذات مكان واحد، وتلك برمائية؟ هذه أنيقة، والأخرى كثيثة؟ كيف تكون ذات قرين أو بلا قرين؟ معتدلة أو شهاءة؟ خصبة أو قليلة الخصب؟ معمرة أو قليلة الأيام؟ وقد يعرو كلامنا الوهن والثقل لو أفضنا في التفصيل[133].

24 – أجل لي نظرك أيضاً في عالم السوابح التي تنساب في المياه وكأنها تطير في العنصر المائع، وتستخرج منه ما تحتاج إليه من هواء، وهي تلقى في جونا من الخطر ما نلقاه في مائها، تأمل في غرائزها وأحاسيسها، وتزاوجها، وولادتها، والعظمة والجمال، والتعلق بالمقر، والهجرة، والتجمع، والتفرق، والخصائص التي تكاد تشبه خصائص الحيوانات الأرضية، وأحياناً تشاركها فيها، والخصائص التي تخالفها فيها مظهراً واسماً. أجل لي نظرك أيضاً في جماعات الطيور وتنوعها أشكالاً وألواناً، وما كان منها صامتاً وما كان منها مغرداً. ما سر هذا التغريد وأنى لها الألحان؟ من علق على صدر الصرار حاملة أوتار، ومن وهبه الأناشيد والصرصرة على الأغصان، عندما تهيج الشمس الجماعة الصرارة في ظهيرة النهار فتنطلق في موسيقاها وتملأ الغابات صرصرة، وترافق بأصواتها عابر السبيل؟ من يساعد التم على نسج تمتمته، عندما يبسط جناحيه للريح ويجعل صفيره نغماً من الأنغام؟ وإني لأغفل ذكر الأصوات التي يبعثها الضغط وكل ما تصطنعه الحذاقة على غير مجرى الحقيقة. والطاووس، هذا الطائر المتغطرس ذو الأصل الميديوني، أنى له هذه الأناقة الفريدة وهذا الاعتداد بالنفس، بحيث إنه – وهو المدرك لما أوتي من جمال – إذا أبصر مقترباً، أو إذا درج، على ما يقال، أمام إناثه، نصب عنقه، ونشر ذنبه من طيه، بريش كالذهب الوهاج نثرت عليه الكواكب، وماس بزيفانه فكان مشهد بهاء في عيون المعجبين. والكتاب المقدس يشيد أيضاً بمهارة النساء في صناعة النسيج ويقول: “من وهب النساء المهارة في صناعة النسيج وعلمهن التطريز؟”[134] إنه صنع كائن عاقل، فياض الحكمة، يرقى أعراف السماوات.

25 – انظر لي بأعجاب في الذكاء الطبيعي عند العجماوات، وقدم لي عن ذلك بياناً. كيف تقيم العصافير لها في الصخور والأشجار والسقوف أعشاشاً يجتمع فيها الأمان والجمال، وتكون متأنية لتلقيم الفراخ؟ من أين استمدت النحل والعناكب نشاطها وبراعتها، حتى تقيم النحل أقراص عسلها متشابكة بمخاريب مسدسة الزوايا يقوم الواحد منها بظهر الآخر، وتجعل لمسكنها قاعدة من تعاقب الزوايا التي تتقاطع هي والخطوط المستقيمة، وذلك في خلايا كالحة الظلام، وبأعمال بعيدة عن الأنظار، وتمد العناكب في اتجاهات متعددة خيوطاً دقيقة جداً تكاد تكون هوائية، وتنسج عليها شباكاً كثيرة الأطواء، وذلك في غير منطلق ظاهر، وتقيم لها منها مسكناً كريماً، ومصيدة لاصطياد الضعاف والتمتع بالتهامها؟ أي أفقليذس[135] قلد هذا العمل باحثاً في الخطوط الوهمية وجاهداً في إقامة البراهين؟ أي بلميذس[136] لهذه المخططات الحربية والخطط الفنية، وهي، على ما يقال، طريقة الكراكي في التحرك المنظم والطيران المنوع؟ أي فيدياس وزفكسيذس وبوليغنوتس، وأي باراسيوس وأغلافونتس[137] للإبداع في رسم الجمال ونحته؟ أي رقص تناسقي في كنوسيوس أحياه ذيذالس[138] لغانية شابة[139] وبلغ فيه من الروعة كل مبلغ؟ أو لافورنثس كريق الضيق المدخل، والمستعصي الملاوي الدهليزية – على حد قول الشعراء – والملتف على ذاته التفافاً برع الفن في ابتداعه والإكثار منه؟ وإني لأعرض عن الكلام على مخازن النمل وخازنيها، وعلى مخزونها من المؤونة الكافية لشتى أحوالها، وعلى ما تورده لنا الأحاديث عن تجولها وعن قوادها، وعن النظام الدقيق الذي تجري عليه أعمالها.

26 – إذا كان تفسير هذه الأمور لا يفوتك، وإذا كنت قد أدركت ما فيها من حكمة، فانظر في النبات وتنوعه، وما يتجلى في أوراقه من براعة، فهي فتنة للنظر ووقاء للثمر. أجل لي نظرك أيضاً في الفواكه وتنوعها وغزارتها، وفي أن أشدها ضرورة أوفرها جمالاً. وتمعن لي في فضيلة الجذور والعصير، والزهور، والعبير، فهي ليس عذبة وحسب، بل هي العذوبة والمصحة؟ وتمعن في زهوة الألوان ومزاياها، وفي غنى الجواهر وألقها، فالطبيعة قد بسطت أمامك كل شيء وكأنه وليمة أعدت للجميع: بسطت الضروري كما بسطت الممتع، حتى إذا ما أخلصت الرؤية ترى الله في صنائعه ويبعث فيك فقرك مزيداً من الفطنة والتيقظ.

من هنا جُلْ لي في الأرض، أم الجميع، عرضاً وطولاً، في مطاوي البحار متصلاً بعضها ببعض وبالأرض، وتأمل جمال الغابات، والأنهار والينابيع الدائمة التدفق، ينابيع المياه السائغة والعذبة التي تجري على سطح الأرض، وتلك التي تجري في أعماقها، غائرة في المهاوي، ثم مندفعة في تيار جوفي، تضرمها الحرارة المنطلقة من حركة الدفع والصد العنيفة، إلى أن تجد لها بعد لأي منفذاً ممكناً فتنبجس لنا حمة في أمكنة كثيرة من الأرض – مع إمكان خروجها على خلاف ذلك –[140] طِباً مجانياً وفي غير كلفة. قل كيف ذلك ومن أين؟ ما هذا النسيج الوسيع الذي مد خيطه ولم تمدد له يد؟ وهذه الأشياء لا تقل روعة إذا تأملتها في علاقتها بعضها ببعض عما هي عليه في ذاتها واحدة فواحدة.

كيف ترسو الأرض ثابتة وفي غير انحناء؟ على أي شيء تنتقل، وعلى أي شيء أقرت؟ هذا الشيء أيضاً على أي شيء أقر؟ ليس لعقلنا في الحقيقة شيء يستند إليه غير الإرادة الإلهية. كيف يرتفع شطر من الأرض إلى قمم الجبال، وينبسط آخر سهولاً، في تنوع وتعدد أشكال، وفي تبدل يجري مع الزمن، وفيم يكون قسم منها أخصب من قسم لفائدتنا، أو قسم أبهج من قسم باختلاف المشاهد؟ كيف قسم لهذه أن تكون مسكونة ولتلك أن تكون مقفرة تعزلها أعالي الجبال وتفصلها، فتكون في انتفاضتها أعظم شاهد على عظمة الله.

27 – والبحر إذا لم يكن لي أن أقف أمام سعته موقف إعجاب، فإني أعجب بطواعيته، وبالتزامه، وهو غير المقيد، حدوداً لا يتعداها[141]. ولئن اعرضت عن طواعيته لم أعرض عن الإعجاب بسعته وعظمه. وإذا كان له هذه وتلك فإني أمتدح مقدرته فيهما جميعاً. فبماذا جمع؟ وبماذا قيد؟ كيف يتعالي، ثم يتوقف وكأنه يداري ما جاوره من الأرض؟ كيف يتلقى جميع الأنهار ويبقى كما هو[142]، لاتساع لجته أو لما لا أعرف الإفصاح عنه؟ كيف يكون الرمل حداً له[143]، لمثل هذا العنصر المائي؟ هل لعلماء الطبيعة ما يقولونه، إذا قاسوا مثل هذه الأمور بما لهم من آراء هم علماء الباطل الذين يكيلون البحر بالفنجان؟ أو هل عليّ أن أرجع إلى الكتاب المقدس لتفسير ذلك تفسيراً موجزاً وأشد إقناعاً وصحة من المطولات الخطابية؟ “رسم حداً حول وجه المياه”[144]، هذا هو المغلاق الذي يكبل عنصر الماء. وكيف يسوق هذا العنصر المائي ساكن الأرض البحار على قليل من خشب وبقليل من هواء؟ ألا ترى في ذلك عجباً عندما تراه؟ ألا يستخف روحك المشهد؟ بحيث يجتمع البر والبحر في تأدية الخدمة المتبادلة، وتكون هذه الأمور، في اختلاف طبيعتها، مجتمعة في سبيل مصلحة الإنسان؟

ما هي ينابيع الينابيع الأولى؟ تحر عنها أيها الإنسان، إن استطعت أن تسلك أحد هذه السراديب وتقف على الحقيقة. ومن فصل الأنهار، والسهول والجبال، ومن آتى الأنهار اندراء لا يصد؟ وكيف تجري هذه المعجزة في اجتماع النقيضين: بحر لا يفيض، وأنهار لا تغيض ولا تتوقف عن الجري؟[145] ما هذا الغذاء الذي تحتمله المياه، وفيم تنوعه، بحيث يروي بعض النبات عن طريق أوراقه، والبعض الآخر عن طريق جذوره، هذا وكم في الكلام على “مباهج الله”[146] من بهجة!

28 – هيا بنا الآن، دع الأرض وما يتعلق بها، وطر في الهواء بأجنحة النفس[147]، لكي يواصل هذا الخطاب مسيرته في اطراد. من هنا سأصعد بك إلى الأمور العلوية، إلى السماء نفسها وإلى ما فوق السماء. إن هذا الخطاب ليتردد في التقدم إلى ما يلي، ولكنه مع ذلك سيتقدم قدر المستطاع. من نشر الهواء، هذه الثروة الطائلة والفياضة، التي لم تقس بالمراتب، ولا بالأحوال، والتي لم تضبط بحدود، ولم توزع وفاقاً للأعمار، بل كان شأنها شأن المن في التوزيع، فينال كل منها كفاف حاجته، في مساواة الحظوظ والأنصبة؟ والهواء مركبة الجماعة الطائرة، وموطن الرياح، وقسطاس الفصول، ومتنفس الأحياء، أو بالأحرى عامل اللحمة بين النفس والجسد، فيه تتكون الأجسام، وبوساطته يجري الكلام، وفيه ينتشر النور وتظهر المنورات، كما يظهر به شكل الأشياء الخارجي وينتقل إلى الأنظار. أَجِل لي نظرك أيضاً فيما تبقى، لأني لا أوافق على تحميل الهواء كل ما يحملونه من التأثير على الأشياء التي يحسبونها في نطاق سلطانه. ما الخزائن التي تحجز فيها الرياح؟[148] ما الخزائن التي يتجمع فيها الثلج؟[149] “من ولد نقط الندى”؟[150] على حد قول الكتاب، و “من بطن من خرج الجمد”؟[151] من ذا الذي “يحبس المياه في السحب”[152]، والذي يغلق تارة الغمام على العنصر المائع خاضعاً لكلمته[153] – يا للمعجز! – ويفيضه تارة أخرى على وجه الأرض كلها[154]، فيصبه في الوقت الموافق وبطريقة التوازن والتساوي، من غير أن يترك له مجالاً لطغيان لا يصد – إذ حسبه أنه طهر العالم في زمن نوح وهو لا ينسى عهده[155]، ولا يطيق الكذب، إلا أنه لا يحبس الماء حبساً كاملاً بحيث نعود إلى الاستنجاد بإيليا لإبعاد الجفاف؟[156] إذا “حبس السماء”[157]، يقول الكتاب، فمن يفتحها؟ وإذا “فتح كوى السماء”[158] فمن ذا يحتويها؟ من ذا يستطيع في الحالين تحمل التطرف من الذي يبعث المطر[159] إذا هو لم يزن كل شيء بميزان ولم يعابره بمقدار؟[160] أنى لك أن تناقشي في البروق والرعود أنت يا من دويه أرضي، ووميضه أوهى من أن يكون شرارة حقيقة؟ في أي أبخرة الأرض ترى مصادر الغيوم، أو لعلها من بعض تكثف الهواء، أو من ضغط الغيوم الرقيقة، أو من احتكاكها بعضها ببعض، فيكون لك من ضغطها البرق، ويكون لك من احتكاكها الرعد؟ أو أي هواء ضغط ولم يجد له منفذاً، فكان من ضغطه البروق، ومن احتكاكه الرعود؟ لئن جلت بفكرك في الهواء وفي كل ما يتعلق بالهواء فتحسس معي السماء نفسها والأشياء السماوية. وليكن لنا في مسيرتنا الإيمان فوق العقل دليلاً، هذا إذا كنت قد أدركت ضعفك فيما هو أقرب منك، وعرفت أن من شأن العقل أن يعرف ما هو فوقه، حتى لا يكون بجملته أرضياً أو متعلقاً بالأرض، فتكون والحالة هذه قد بلغت من الجهل درجة تجهل فيها أنك جاهل.

29 – من أعطى السماء حركتها الدائرية؟ من أقر الكواكب في أماكنها؟ أو بالأحرى وقبل ذلك، ما السماء وما الكواكب؟ هل تستطيع الإجابة أنت إنسان الأعالي، الذي لا يعرف ما بين قدميه، ولا يستطيع أن يقيس نفسه بمقياس، الذي يقوم بأبحاث وقحة في أمور تفوق طبيعته، ويقف ذاهلاً عاجزاً أمام ما لا قياس له؟ وليكن أنك تعرف للكواكب حركات دائرية ومسيرات، واقتراباً وابتعاداً، وشروقاً وغروباً، وإنك تعرف بعض الأقسام في منطقة البروج، وبعض دقائق الأمور، هذا وكل ما يحملك على التباهي بما لك من معرفة: فليس في ذلك امتلاك للحقيقة، إنه رصد لحركة لا غير، وهذا الرصد أثبته الاختبار الطويل، اجتمعت فيه ارصاد الكثيرين، ثم تخيل له تفسير سمي علماً، وهكذا فوجوه القمر يعرفها أكثر الناس ومرجع هذه المعرفة إلى الرصد النظري. أما أنت فإذا كنت من أصحاب المعرفة الواسعة في هذه الأمور وإذا كنت تسعى بحق في إثارة الإعجاب، فقل ما علة هذا النظام وهذه الحركة. من أتى الشمس أن تشع كالمنارة على جميع المسكونة، وأن تكون في جميع الأنظار كمدير فرقة علوية، يمحو نورها سائر الكواكب، ويحجبها أكثر مما يحجب بعضها البعض الآخر؟ والدليل على ذلك أن الكواكب إذا حاولت منافستها بالنور غمرتها بنور أشد إشراقاً والتماعاً، وغيبت طلوعها معها. إنها جميلة “كالعروس”، وسريعة “كالجبار”[161]، وعظيمة، وليس لي إلا أن أشيد بعظمتها مستعيناً بما قاله غيري فيها. إن لها سلطاناً شاملاً، فهي من الأقاصي إلى الأقاصي تغمر الجميع وليس من يتوارى عن حرها[162]، وهي تملأ العيون نوراً، وتملأ الأجسام حرارة؛ إنها تسخن ولا تحرق، لما في حرارتها من اعتدال، ولما في حركتها من نظام، وهكذا فهي حاضرة لدى جميع الكائنات لا تلم بواحد منها دون الآخر.

30 – وما قولك في هذا – إذا كنت قد تنبهت له – أن الشمس في العالم الحسي كالله في العالم العقلي، على حد قول قائل ليس من جماعتنا[163]. فهي تنير العين، وهو ينير العقل؛ هذه أجمل ما في العالم المنظور، وذاك أجمل ما في العالم المعقول. ولكن من أعطى الشمس حركتها الأولى؟ من ذا الذي يحركها في غير توقف، ويجعلها تدور دورتها الدائمة، هي التي في طبيعتها ثابتة وغير متحركة، هي التي لا يعروها كلل، والتي تحمل معها الحياة، وتنمي الأحياء، هي التي يتغنى بها الشعراء، عن جدارة، والتي لا يتوقف لها دفق ولا فيض إحسان؟ كيف يكون باعث النهار فوق الأرض، وباعث الليل تحت الأرض؟ أو لا أدري ما يجب أن أقوله عندما أنظر إلى الشمس، ما الزيادة والنقص في طول النهارات والليالي، ولكي أتكلم بأسلوب فيه بعض المفارقة أقول: ما هذه المساواة في اللامساواة؟ كيف يرجع إلى الشمي صنع الفصول وتقسيمها، تلك الفصول التي تقبل وتمضي في نظام، وتكون كالجوقة في حركة الاتحاد والانفصال، يشدها عاملا التجاذب والتوازن، وهي تتمازج شيئاً فشيئاً، ولتقاربها بعضها من بعض تنسل كالنهارات والليالي انسلالاً غير محسوس بحيث لا تؤذينا المفاجأة ولا يصدمنا الانقلاب غير المألوف؟ ولكن فلتكن لنا الشمس ما تكون! وأنت هل عرفت طبيعة القمر، ووجوهه، ومقياس ضوئه، ومراحل مسيرته؟ كيف تملك الشمس سلطان النهار، فيما يهيمن القمر على الليل؟ كيف يطلق القمر الوحوش فيما تُنهض الشمس الإنسان إلى عمله[164]، وكيف أن ارتفاعها وانحدارها يكونان لفائدتنا العظمى؟ هل وقفت على ما تشد به عقد الثريا، أو على النطق التي تطوق الجوزاء[165]، كمن يحصي عدد الكواكب وبدعو كلها بأسمائها[166]، وعرفت مجد كل واحد منها ونظام حركته لك أثق فيك عند تربط مصيرنا بها وتسلح الخليقة في وجه الخالق؟

31 – ما قولك. هل نقف بخطابنا عند هذا الحد مقتصرين على المادة والأشياء المنظورة؟ أم نتخطاها، لعلم هذا الخطاب[167] بأن خيمة موسى صورة[168] للعالم كله، أي “لما يُرى وما لا يرى”[169] فنجتاز الحجاب الأول[170]، وبعد التغلب على الشعور ننحني على المقدس[171] لكي ننظر[172]، ونرى الكائنات الروحية والتي فوق السماوية؟ إننا لن نستطيع رؤيتها بطريقة غير جسمية وإن كانت غير جسمية، إنها تدعى “ناراً” أو “ريحاً” أو هذه وتلك، فقد قيل إن الله “يصنع ملائكته أرواحاً وخدامه لهيب نار”[173]، ما لم يعن الفعل “يصنع” أن الله يحفظهم في الوجود بكلمته التي أوجدتهم، وما لم تعن التسميتان “ريح” و”نار” أن طبيعتهم روحانية وأنها من جهة ثانية تطهيرية، وإني لأعلم أن هذا الاسمين يوافقان الجوهر الأول[174]. ومهما يكن من أمر فلتكن هذه الطبيعة لدينا غير جسمية، أو ما هو الأقرب إلى ذلك! ترى كيف يعرونا الدوار من جراء هذا الكلام، وكيف لا نعرف إلى أي حد نستطيع التقدم، وكل ما نعرفه هو أن هنالك ملائكة[175]، ورؤساء ملائكة[176]، وعروشاً وقوات، ورئاسات، وسلاطين[177]، وشارقات، ورفعات، وقوات روحية أو أرواحاً[178]، طبائع صافية لا اختلاط فيها، لا تكاد تستطيع الميل أو الشر، أو الإتيان به، تحيط بالعلة الأولى في جوقة تمجيد وتسبيح، وكيف السبيل إلى الإشادة بهذه الكائنات التي تستمد من هنا الإشراق الكلي النقاوة الذي يبعث منها، أو التي يختلف إشارقها باختلاف طبيعتها ومرتبتها؟ لقد اصطنعها الجمال وكيفها في دقة وكمال بحيث أصبحت أنواراً أخرى، وأصبح بإمكانها أن تنير الآخرين بفيضها النوراني وتغمرهم به؛ وإذ كان هؤلاء الملائكة خداماً للإرادة الإلهية[179]، وأقوياء بقوتهم الذاتية فضلاً عن القوة التي تضاف إليها، فإنهم يطوفون في العالم، باذلين الخدمة في غير إبطاء، ومطيفين بالجميع لخدمة سريعة تمكنهم منها خفة طبيعتهم. هؤلاء في هذا القسم من الأرض، وأولئك في القسم الآخر، بعلم من الذي نظم وقسم، وبإشارة من الذي خلق العالم يوجهون كل شيء إلى الواحد الأحد. وهم يشيدون بالعظمة الإلهية، ويشاهدون المجد الأبدي أبدياً، وليس ذلك لكي يكون الله ممجداً – إذ لا يمكن أن يضاف شيء إلى الملء، إلى الذي يفيض بالخير على الآخرين – بل في سبيل أن تظل تلك الطبائع الأولى بعد الله في غمرة من النعم.

لئن أوتيت اللهجة الموافقة فالفضل والشكر للثالوث وللألوهة الواحدة في الثلاثة. وإن كان الكلام دون المنتظر والمرتقب، فالخطاب هذا قد نال الظفر أيضاً، إذ كان الرهان على أن طبيعة الأشياء الثانية نفسها تفوق عقلنا، فكيف بالطبيعة الأولى والواحدة، وإني لأتردد في قول: بالطبيعة التي فوق الجميع[180].

[1] اللاهوت في نظر الآباء هو علم الله في ذاته وحدة وثالوث.

[2] الخطاب 27: 7.

[3] متى 13: 5-6.

[4] إر 4: 3.

[5] المرجع نفسه، ومتى 13: 7.

[6] أش 28: 25.

[7] حك 13: 13.

[8] خر 19: 20؛ 24: 9-15.

[9] خر 24: 18.

[10] خر 24: 12.

[11] خر 19: 24؛ 24: 9.

[12] خر 24: 2؛ 9-10.

[13] خر 24: 1، 14.

[14] خر 19: 12.

[15] خر 19: 16-20.

[16] 2 تيم : 13.

[17] خر 19: 13.

[18] أخ 11: 33.

[19] متى 21: 41.

[20] إر 13: 23.

[21] ابط 5: 8.

[22] حب 1: 8.

[23] نش 2: 15.

[24] مز 79: 9-12.

[25] تك 7: 2، 3، 8.

[26] خر 31: 18.

[27] خر 33: 23

[28] خر 33: 22.

[29] يو 1: 14.

[30] اكور 10: 4.

[31] خر 26: 31-33؛ 36: 35-36.

[32] مز 8: 2.

[33] خر 33: 23.

[34] خر 33: 22-23.

[35] خر 7: 1.

[36] 2كور 12: 2-4.

[37] أفلاطون: تيماوس 28.

[38] فيل 4: 7.

[39] 1كور 2: 9.

[40] مز 8: 4.

[41] 1كور 15: 14.

[42] هذه الاتهامات بألفاظها كانت تصدر عن الهراطقة، وكان غريغوريوس وجماعة الأرثوذكسيين يخالفون أفنوميوس في الرأي، ويقولون بأننا نستطيع معرفة وجود الله لا إنيته، ولهذا كان الهراطقة يتهمونهم بالكفر والإلحاد وبأنهم لا يؤمنون بالله.

[43] إن مثل القيثارة هذا من ابتكارات أفلاطون “فيدون 73)، وهو فيه يرتقي من وجود القيثارة إلى وجود مالكها، وفيما يرتقي غريغوريوس إلى وجود الصانع.

[44] مز 118: 131.

[45] 1كور 2: 10.

[46] كان الرواقيون يذهبون إلى أن طبيعة الله نسمة أو نار، أي أحد العناصر الدقيقة وهي في نظرهم مادة جسدية.

[47] إر 23: 24.

[48] حك 1: 7.

[49] هذا أمر مستحيل لأن الكتاب المقدس يقول إنه يملأ كل شيء.

[50] في هذا الكلام إشارة إلى ما ذهب إليه الرواقيون من تداخل الأجسام.

[51] 1تيم 4: 7.

[52] من هؤلاء أرسطو.

[53] عب 1: 4.

[54] عب 1: 14.

[55] 2تيم 3: 16.

[56] يو 10: 16.

[57] 1كور 2: 16.

[58] خر 3: 14.

[59] أي أكبر مما يحدها عندما تكون في جزء.

[60] متى 7: 20.

[61] يو 3: 19؛ اتسا 5: 4.

[62] دا 5: 12.

[63] عمد الخطيب إلى لفظة “الحسد” إشارة منه إلى كلام أفلاطون “إن الحسد لا محل له في مجلس الآلهة”.

[64] أش 1: 11.

[65] روم 11: 33.

[66] أي 38: 16.

[67] أش 14: 12.

[68] أي 15: 20.

[69] خر 10: 22.

[70] خر 14: 20.

[71] مز 17: 12.

[72] مرا 3: 34.

[73] يو 4: 24.

[74] تث 4: 24.

[75] يو 9: 5.

[76] يو 4: 16.

[77] أي 12: 13.

[78] مز 102: 17.

[79] أش 40: 13.

[80] يو 1: 1.

[81] يفسر الخطيب هذه الألفاظ تفسيراً رمزياً إذ أن الله في نظره لا جسم له. وكان الرواقيون يطلقون على الله أيضاً “الروح” و النار” ولكنهم كانوا يذهبون إلى أن الله كائن ذو جسد.

[82] يتلاقى في هذا الموضوع النزينزي وصاحب سفر الحكمة 13، 14، 15.

[83] الشيطان هنا بمعنى الكائن الأسطوري المتوسط بين الله والإنسان.

[84] روم 1: 23.

[85] أفلاطون: القوانين 10، 896أ – 897ج.

[86] 1كو 13: 12.

[87] حك 7: 26؛ عب 1: 3.

[88] تك 4: 26.

[89] تك 5: 26.

[90] تك 6: 8.

[91] تك 6: 13؛ 7: 19.

[92] تك 15: 6؛ روم 4: 3.

[93] تك 22: 2 وما يلي. يقول أن ذبيحة إبراهيم التي أراد أن يقدم فيها لله ابنه اسحق هي رمز لذبيحة المسيح على الصليب.

[94] تك 18: 1-2.

[95] تك 18: 6-8.

[96] تك 28: 12.

[97] تك 28: 18.

[98] هو المسيح حجر الزاوية.

[99] لو 4: 18؛ أع 10: 38.

[100] تك 28: 17.

[101] تك 32: 25-30.

[102] تك 32: 25.

[103] تك 32: 28.

[104] 3ملو 19: 11.

[105] 4ملو 2: 11.

[106] منوح هو أبو شمشون. قض 13: 22.

[107] لو 5: 8.

[108] متى 16: 17.

[109] متى 16: 17.

[110] متى 16: 19.

[111] أش 6: 1 وما يلي.

[112] إر 23: 18.

[113] 2كور 12: 2.

[114] 2كور 12: 4.

[115] 1كور 13: 9.

[116] 2كور 13: 3.

[117] 1كور 13: 12.

[118] يو 16: 12.

[119] يو 21: 25. وقد دعي هنا يوحنا الإنجيلي سابقاً للكلمة لأنه دعا إلى التبشير بالكلمة في مقدمة إنجيله.

[120] في هذا المقطع يتوارد الخطيب وأفلاطون (فيدون 66أ و83أ)، والتعبير “اقتناص الحقيقة” كثيراً ما يرد على لسان أفلاطون.

[121] 3ملو 3: 12.

[122] 3ملو 4: 29.

[123] 1كور 2: 10؛ روم 11: 33.

[124] جا 7: 25؛ 8: 17.

[125] روم 11: 33.

[126] روم 11: 33. وهذا الهتاف التعجبي يطلقه الخطيب مجاراة لبولس الرسول في المرجع الذي ذكرناه.

[127] روم 11: 33.

[128] مز 35: 7.

[129] مز 138: 6.

[130] مز 138: 13 يعني حشا الأم.

[131] يريد لبن الأم.

[132] أفلاطون: الوليمة 206، 207.

[133] ملاحظة طريفة من الخطيب وقد أغرق في التفصيل، وإن في هذا الاطناب ما يميز الفن البلاغي الذي كان شائعاً لذلك العهد.

[134] أي 38: 36. النص العبراني يختلف عن النص اليوناني في هذا الآية، فهو في العبرانية “من وضع الحكمة في الإعصار أم من أتى النوء الفهم”.

[135] أفقليذس: هو أبو علم الهندسة.

[136] بلميذس: هو أحد ملوك الإغريق الذين اشتركوا في حرب طروادة، اشتهر بتنظيم حركة الجيوش، كما اشتهر بلعب الشطرنج.

[137] فيدياس نحات شهير من عهد بريكليس، والباقون رسامون من القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد.

[138] ذيذالس شخص أسطوري قيل إنه كان يبعث الحركة في التماثيل فتبدو كأنها حية، وهو باني اللابيرنت (اللافورنثس).

[139] هذه الفتاة هي أرياذني بنت مينوس ملك كريت، وقد أقام لها ذايذالس مرقصاً في مدينة كنوسيوس (إلياذة 18: 592)

[140] يقال أن ينابيع المياه الباردة كثيراً ما تكون إلى جانب ينابيع المياه الحارة.

[141] أي 38: 8-11.

[142] جا 1: 7.

[143] إر 5: 22.

[144] أي 26: 10.

[145] جا 1: 7.

[146] حز 31: 9.

[147] هنالك تقليد في الأفلاطونية الحديثة وفي المسيحية يتحدث عن “طيران النفس”. وطالع فيدر لأفلاطون: 248.

[148] مز 134: 7.

[149] أي 38: 22.

[150] أي 38: 28.

[151] أي 38: 29.

[152] أي 26: 8.

[153] سير 48: 3.

[154] أي 5: 10.

[155] تك 9: 12.

[156] 2ملو 18: 44.

[157] 1أخ 7: 13.

[158] ملا 3: 10.

[159] متى 5: 45.

[160] أي 28: 25.

[161] مز 18: 6.

[162] مز 18: 7.

[163] أفلاطون: الجمهورية 6: 508.

[164] مز 103: 23.

[165] أي 38: 31.

[166] مز 146: 4.

[167] يشخص غريغوريوس خطابه، وفي هذا إشارة إلى الأهمية التي يعلقها الكتاب المقدس على الكلمة.

[168] عب 9: 24.

[169] كول 1: 16.

[170] خر 26: 31.

[171] عب 9: 24.

[172] طالع يو 20: 11.

[173] مز 103: 4.

[174] الطبيعة الأولى: طالع الرقم 13 من هذا الخطاب.

[175] روم 8: 38، يهو 9، 1تسا 4: 16.

[176] دا 10: 13.

[177] كول 1: 16.

[178] رؤ 4: 5.

[179] عب 1: 14.

[180] يخشى الخطيب ان يفكر البعض في أن هنالك تسلسلاً وهرمية في الطبائع وألا تعتبر الطبيعة الإلهية فوقها جميعاً.

الخطاب اللاهوتي الثاني – غريغوريوس النزينزي

Exit mobile version