مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2
مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2
الطريق إلى خلقيدونيّة
بعد انفضاض المجمع المسكوني الثالث ظهر أرشمندريت اسمه أوطيخا رئيس أحد أديار القسطنطينيّة، وكان من ألد اعداء نسطوريوس المبتدع. فلم يكتف بمـا حدّده المجمع في أفسّس ضد بدعته فتطرّف إلى القول بإنّ ربنا يسوع المسيح مؤلَّف من طبيعة واحدة وأنّ جسده غير مساوٍ لجسدنا في جوهره بما أنّه جسد إله وإنّ الطبيعة البشريّة ابتُلِعَت وتلاشت باتحادها مع الطبيعة الإلهيّة.
ولإنّه كان رئيس دير أيوب في الربع (الحي) السابع من المدينة، لذا فقد كان يقود 300 راهب لمدة تزيد عن الثلاثين عامًا، ومن خلال ابنه بالمعموديّة (الذي هو ابن أخيه) كريسافيوس Chrysaphius كبير موظفي البلاط الملكي استطاع أوطيخا الوصول إلى البلاط. وبينما كان المناخ الكنسيّ مُلبدًا بغيوم الخلاف بين الجانب السكندريّ ونظيره الأنطاكيّ، واجه أوطيخا مقاومة ومعارضة من الأنطاكيّين لأنّه كان متعصبًا جدًّا للسكندريّين، وهكذا زاد من حدة التوتر.[1]
وفي سنة 448 قدّم يوسابيوس أسقف دوريلاوس (دوريلوم) في فريجيّة إلى القسطنطينيّة ورفع شكواه على أوطيخا إلى فلافيانوس البطريرك القسطنطينيّ. فجمع هذا مجمعًا من 31 أسقفًا و32 أرشمندريتًا وبعد محاولات عديدة حضر أوطيخا إلى المجمع وسُئِل عن إيمانه فصدر الحكم بضلاله وتجديفه وجُرّد من الكهنوت وقُطِع من الشركة وعُزِل من رئاسة الدير.
وقد زار يوسابيوس أسقف دوريليم أوطيخا[2] في ديره بالقسطنطينيّة مرات عدّة واكتشف أنّ عقيدته غير أرثوذكسيّة، إذ يعتقد بالامتزاج.
وسعى أوطيخا وأنصاره لدى الإمبراطور ثيودوسيوس الصغير فكتب هذا إلى البابا ليو الأوّل يطعن بالبطريرك فلافيانوس ومجمعه. فكتب البابا مستفسرًا ورد عليه الجواب فوافق على الحكم الذي أصدره مجمع فلافيانوس.
وأمر ثيودوسيوس بعقد مجمع ثان في القسطنطينيّة فعقد في نيسان سنة 449 وأيّد حكم المجمع السابق
وكتب ليو رسالة مجمعيّة مسهبة تعرف باسم “طومس لاون” ثبت فيها تعليم فلافيانوس وضلال أوطيخا.
موقف كنيسة الإسكندريّة
شعر البابا ديسقوروس بخطورة انتشار أفكار ثيودوريت أسقف قورش، وإيباس أسقف الرُها في الشرق، تلك التي تهاجم عقيدة البابا كيرلس السكندريّ. وكذلك انتشار تعاليم ثيودور الموبسويستيّ ونسطور في كثير من المناطق في المشرق. وأمام اعتراف أوطيخا الخطيّ المخادع بأنّه:
”يرفض هؤلاء الذين يقولون إنّ جسد ربنا يسوع المسيح قد نزل من السماء… لأنّ ذاك الذي هو كلمة الله نزل من السماء بدون جسد وتجسّد من جسد العذراء نفسه بدون تغيير ولا تحويل وبطريقة عرفها هو نفسه وأرادها، وذاك الذي هو دومًا إله كامل قبل الدهور، صار أيضًا إنسانًا كاملًا في آخر الأيام من أجلنا ومن أجل خلاصنا“.[3]
شعر البابا ديسقوروس أنّ فلافيان بطريرك القسطنطينيّة، ويوسابيوس أسقف دوريليم قد انضما إلى التيار النسطوريّ الموجود في الشرق حينما طُلِب من أوطيخا في مجمع القسطنطينيّة المكانيّ 448م حرم كلّ من لا ينادي بطبيعتين من بعد الاتحاد.
مجمع أفسّس الثاني 449م
لم يرق لثيودوسيوس حكم المجمع، فأصدر أمره بعقد مجمع مسكونيّ في أفسّس في السنة نفسها 449، واستدعى ديوسقورس بطريرك الإسكندريّة نصير أوطيخا ليتولى رئاسة المجمع. وكتب ثيودوسيوس كذلك للبابا ليو بشأن هذا المجمع فأجاب البابا بإرسال نوَّابه الأسقف يوليانوس والقس رينادوس والشماس إيلاريوس.
وبعد استعراض وقائع مجمع أفسّس الأوّل 431م، ومجمع القسطنطينيّة المكاني 448م، وقراءة اعتراف أوطيخا المكتوب بالإيمان الأرثوذكسيّ قدّمه إلى المجمع مخادعًا.
وبعد الاستماع إلى آراء الحاضرين؛ حكم المجمع بإدانة وعزل فلافيان بطريرك القسطنطينيّة ويوسابيوس أسقف دوروليم وبتبرئة أوطيخا وإعادته إلى رتبته الكهنوتيّة.كما حكم المجمع بحرم وعزل كلّ من هيباس أسقف الرها وثيودوريت أسقف قورش وآخرين.[4]وحدّد المجمع أنّ ديودور الطرسوسيّ نسطوريّ.[5] ولم تُقرأ رسالة البابا ليو الأوّل إلى المجمع وهيَ المعروفة بطومس لاون.
وفي سنة 450 توفي ثيودوسيوس الصغير فخلفته شقيقته الملكة بلخريا وتزوجت بقائد جيشها مركيانوس الحسن العبادة ليشاركها في إدارة المملكة. وأوّل عمل قامت به نقل جسد الشهيد فلافيانوس إلى كنيسة الرسل القديسين في القسطنطينيّة. واهتمّت بعقد مجمع مسكونيّ وكتبت في ذلك إلى البابا ليو فأجاب البابا مستحسنًا عملها وعيّن موفديه الأسقف يوليانوس والقس باسيليوس.
وجرت مكاتبات بين الملك مركيانوس والبابا ليو بهذا الشأن أسفرت عن صدور أمر الملك بعقد المجمع في مدينة نيقية التي عُقِد فيها المجمع الأوّل وبعث برسائل الدعوة إلى كلّ الأساقفة.
ولكن الملك مركيانوس لم يتمكن من الذهاب إلى نيقية وأصيب بعض الأساقفة بأمراض، فصدر الأمر بنقل المجمع إلى خلقيدونيّة في جوار القسطنطينيّة. وبدأ اجتماعه هُناك يوم الأثنين في 8 تشرين الأوّل 451 في كنيسة القديسة أوفيمية المعظمة في الشهيدات. وحضر المجمع مركيانوس والملكة بلخريا زوجته وكثيرون من أمراء الدولة.
مجمع خلقيدونية 451م
لم يقبل البابا ليو الأوّل نتائج مجمع أفسّس الثاني 449م ومنح الحلّ الكنسيّ لثيودوريت أسقف قورش وأعاده إلى الشركة.[6]
وليقرّروا أنّه مورس عليهم ضغوط أو وقعوا على أوراق بيضاء أو أنّه قد تمّ التزوير في أوراق المجمع (ύπέγρψαν είς άγραφον χάρτην).
الأمر الهام أنّه خلال المناقشة اعترف الباب ديسقورس بإصرار بطبيعتين في المسيح قبل الاتحاد وطبيعة واحدة بعد الاتحاد ولكنها (متجسِّدة):
”لا يمكن أن نعقل طبيعتين ولكن واحدة للكلمة المتجسِّد…أنا أقبل من طبيعتين بعد الاتحاد لا يوجد طبيعتان“.
“ού δεί νοείν δύο φύσεις،άλλά μίαν φύσιν τού Λόγου σεσρκωμένην…..τό έκ δύο δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι….Μετά τήν ένωσιν δύο φύσεις ούκ είσί”.
حينها شرح يوسابيوس أسقف دوريليم وباسيليوس سيليفكياس وميلوفثونجوس اليوبوليتون وآخرين بأنّ في المسيح الواحد يوجد طبيعتين (طبيعتين في شخص واحد، رّبّ واحد معروف في طبيعتين
δύο φύσεις έν ένί προσώπω…ένας Κύριος…..έν δύο φύσεσι γνωριζόμενος).
فقال البابا ديسقورس إنّ هذه الأقوال (تمزيق وتشريح) καινοτομίας وذيوفيزيتية δυοφημίας، وأضاف أنّه بسبب هذه الأقوال تمّ حرمان -وعن حق- فلافيانوس في 449، بينما قرّر المجمع أنّ فلافيانوس يتفق مع كيرلس الإسكندريّ.
وبالرغم من ذلك فإنّ البابا ديسقورس أظهر استعدادًا كبيرًا في أن يحكم على أوطيخا إذا ما ثبت أنّه يمتلك مفاهيم دوتوكية (δοκτικές (άντιλήψεις وأراد أن يبتعد عن مونوفيزيتيّة أوطيخا وأعلن أنّه يقبل مثل كيرلس طبيعتين الرّبّ بغير اختلاط ولا تغيير ولا تمزيق
όπως ό Κύριλλος ότι δέχεται άσύγχυτες καί άτρεπτες τίς φύσεις τού Κύρίου ούτε σύγχυσιν،λέγομεν ούτε τροπήν،ούτε τομήν…
وقد نُوقش البابا ديسقوروس بشأن عقيدة أوطيخا الذي برأه مجمع أفسّس الثاني 449م ؛ فقال:
”إذا كان أوطيخا يتمسّك بمفاهيم ترفضها عقائد الكنيسة، فهو يستحق ليس العقاب فقط بل حتّى النار (أي جهنم) أيضًا. ولكن اهتمامي إنّما هو بالإيمان الجامع الرسوليّ وليس بأي إنسان أيًا كان“.[7]
وهو في تأكيده على الطبيعة الواحدة المتجسّدة لله الكلمة أراد أن يثبت عدم التقسيم بين الطبيعتين من بعد الاتحاد، وفي قبوله لعبارة: “من طبيعتين بعد الاتحاد”، أراد أن يؤكِّد ما أكّده القديس كيرلس الكبير عن استمرار وجود الطبيعتين في الاتحاد وعدم امتزاجهما أو اختلاطهما.
وكان أناطوليوس أسقف القسطنطينيّة قد أعلن في الجلسة الخامسة للمجمع أنّ:
”ديسقوروس لم يتم عزله بسبب عقيدته، إنما بسبب أنّه قد حرم لاون“.[9]
وقد وافق الثلاثة عشر أسقفًا المصريين الذين حضروا مجمع خلقيدونية على حرم أوطيخا لكنهم رفضوا التوقيع على قرارات مجمع خلقيدونية أو طومس ليو أو عزل البابا ديسقوروس.
“وقد أشاروا إلى أنهم لا يستطيعون التوقيع بدون التوافق مع رئيس أساقفتهم.. وأنهم لا يستطيعون التوقيع دون أن يكون رئيس أساقفتهم معهم…”.[10]
وحدثت اضطرابات كبيرة في الشرق بسبب قرارات مجمع خلقيدونية ومع تغيير الأباطرة كانت الظروف تتغير.
نص حكم عزل البابا ديسقوروس
” من المجمع المسكوني العظيم والمقدس، الذي بنعمة الله وبأمر من……. أباطرتنا، والمجتمِع في خلقيدونية… إلى ديسقوروس: بسبب ازدراء القوانين المُقدّسة، واحتقارك لهذا المجمع المسكوني المقدس، حيث ـ وبالإضافة للتعديات الأخرى التي أُدنت بسببها ـ قد رفضت أن تستجيب لثلاثة استدعاءات من هذا المجمع العظيم والمقدس، والتي قُدمت لك وفقًا للقوانين الإلهية لكي ترد على التهم الموجهة إليك:
فلتعلم إذن، إنك في الاونم الثالث عشر من الشهر الحالي أكتوبر قد عُزلت بواسطة المجمع المسكوني والمقدس من أسقفيتك، وجُردت من كلّ رتبة كنسية“.
ومن كلمات أناطوليوس يوم 22 أكتوبر عندما قال إنّ السبب وراء إدانة البابا ديسقوروس لم يكن أمرًا متعلقًا بالإيمان وإنّما حقيقة “إنّه قد حرم السيد رئيس الأساقفة لاون”، ولم يذعن لاستدعاءات المجمع الثلاثة له.[11]
وهكذا نجد أنّ البابا ديسقورس لم يُحكم عليه لأجل إيمانه، أو أنّ إيمانه كان مختلفًا عن إيمان الآباء، أو لكونه هرطوقيّ، بل فقط لأسباب إداريّة وسياسيّة بحتة.
عندما مات تيبريوس في 13 أغسطس عام 582م، جلس مكانه الإمبراطور موريس، وكان موريس رجلاً كبادوكياً أقامه تيبريوس حاكماً على الشرق. وقد عُيّن موريس قيصراً في يوم 5 أغسطس وأُعطي أوغُسطا (Augusta) ابنة تيبريوس زوجة له، وقد تغير اسمها في الزواج إلى قسطنطينا (Constantina).
وكان الإمبراطور موريس متمسكاً بالإيمان الخلقيدوني، ولكنه رغم ذلك لم يصدر أوامره لتعزيز مجمع خلقيدونية بسبب وقوعه تحت نوعين من القيود، فمن ناحية كان لديه ما يكفي من المشاكل الأخرى التي تتطلب كل تركيزه والتي لم تترك له الحرية ليقوم بذلك، ومن الناحية الأخرى لم يكن بطريرك القسطنطينية يرغب في اضطهاد زملائه من المسيحيين (غير الخلقيدونيين).
ومن الجدير بالذكر أن سلف موريس الإمبراطور تيبريوس كان رجلاً مسرفاً ترك الخزائن ورائه خاوية، فكان على موريس أن يواجه مشكلة الحرب مع الفرس مع بقية الالتزامات المالية الأخرى، هذا بالإضافة إلى أنه في ذلك الوقت كانت ديانات منطقة البحر الأبيض المتوسط القديمة قد بدأت في النمو في أماكن عديدة من الإمبراطورية.
(أ) الإمبراطور موريس والاضطهاد:
مات البطريرك أوطيخا في نفس السنة التي جلس فيها الإمبراطور موريس على العرش، وكان خليفته هو البطريرك يوحنا الرابع الذي كان يتمتع بروح رقيقة فلم يوافق على أي برنامج للاضطهاد ضد الكيان غير الخلقيدوني.
وقد كتب يوحنا أسقف أفسس يخبرنا أن الشعب ورجال الكنيسة في الجانب الخلقيدوني ـ والذين اعتادوا على الاستفادة من أوامر الاضطهاد الإمبراطورية ليسلبوا ثروة الشعب غير الخلقيدوني ـ وصلوا إلى الإمبراطور وحاولوا أن يقنعوه بإصدار أوامره لهذا الغرض، وبالفعل سأل الإمبراطور البطريرك ليقوم بالقبض على قادة الكيان غير الخلقيدوني وتفريق تجمعاتهم، ولكن يوحنا الرابع لم يوافق على ذلك وقال له “هل يمكن أن يسر الله بهذا”[1]
وأضاف أيضاً “لقد قمنا بتبرئة الوثنيين وإطلاقهم ومسامحتهم، فهل نريد الآن أن نضطهد المسيحيين؟، ثم ما هو الذي يقوله أو يعمله ’غير المتوافقين معنا‘ حتى يستحقوا الاضطهاد؟، وإذا كان عهدكم قد اشتهر بالرأفة على الوثنيين، فكيف تطالبني باضطهاد المسيحيين الذين بلا لوم في تمسكهم المسيحي، ولهم إيمان حار وغيور أكثر مما لدينا؟”. وقد منعت كلمات البطريرك هذه، الإمبراطور من إصدار أوامر الاضطهاد في القسطنطينية على الأقل.
وعلى الرغم من ذلك، كانت هناك حالات من سوء المعاملة لغير الخلقيدونيين، في أماكن أخرى من الشرق في فترة حكم الإمبراطور موريس. ومن هذه الحالات حادثة ذكرها المؤرخون السريان، حيث كان الإمبراطور موريس يفعل كل شيء في استطاعته لكي يرفع من شأن أقاربه ويقلدهم أعلى المناصب، ومن بين أولئك الأقارب دوميتيان (Domitian) ابن أخيه بطرس الذي رُسم أسقفاً على مدينة ميليتين (Melitene) أحد أهم الكراسي في شمال سوريا حيث كان الكيان غير الخلقيدوني قوياً هناك.
ولم تنجح جهود دوميتيان في فرض مجمع خلقيدونية في هذه المنطقة، فأعطى الإمبراطور للأسقف في عام 599م أوامره بالاستيلاء على الكنائس والمؤسسات الأخرى في منطقة ما بين النهرين (Mesopotamia) وبقية الأماكن في الشرق وتسليمها للكيان الخلقيدوني.
وطلب الأسقف من الرهبان في تلك المناطق أن يقبلوا الشركة الإفخارستية منه أو من رجال كنيسته كتعبير عن خضوعهم له، فلما وجدهم غير طائعين[2] قام بطردهم من أديرتهم فمات منهم أربعمائة شخص، فشيَّد غير الخلقيدونيين في ذلك المكان كنيسة بعد ذلك إحياءً لذكراهم.
ومن الجدير بالذكر أن الإمبراطور موريس كان رجلاً دبلوماسياً، حيث استطاع أن يُظهر كياسته مع الذين يدينون بغير المسيحية فأقام علاقة صداقة مع كسرى الثاني (Chosroes II) ملك الفرس، وأعطاه ابنته ماريا (Maria) زوجة له. لكنه على الرغم من ذلك كان داخل إمبراطوريته يرى أن الكيان غير الخلقيدوني هو قوة جامحة حاول أن يكبحها بمختلف الوسائل رغم نصيحة البطريرك يوحنا الرابع له بوقف هذه الإجراءات.
(ب) النزاع بين مصر والشرق:
كانت قضية بولس الأسود التي سبق أن أشرنا إليها قد سببت اضطراباً داخل الكنيسة، ليس فقط في سوريا وبين المسيحيين العرب، ولكنها أحدثت أيضاً تأزماً في العلاقة بين سوريا ومصر. وحاول المنذر قائد المسيحيين العرب أن يسوي الموقف بينهما، فعندما كان في القسطنطينية عام 580م عقد مجموعة من اللقاءات بين ممثلي الطرفين السوري والمصري،[3] وبالفعل توصل الجانبان في يوم 2 مارس إلى اتفاق بينهما.
ولكن كانت هناك جماعة من مثيري المشاكل حاولت تدمير ذلك الاتفاق، وساندهم في ذلك دميان البطريرك السكندري الذي عيَّنه المصريون خلفاً لبطرس أثناء رفضهم لثيؤدور (الذي كان بولس الأسود قد ساعد على رسامته). ولأن دميان كان سرياني الأصل، فقد سافر إلى الشرق من أجل إقامة بطريرك لأنطاكيا مكان بولس الأسود الذي كان لا يزال على قيد الحياة.
وعندما رفض الأساقفة السريان أن يتفقوا معه في الرأي، حاول دميان أن يرسم شخصاً بسيطاً يُدعى ساويروس داخل الكنيسة الأنطاكية معطياً مبلغاً من المال لحارس الكنيسة لكي يفتحها له في الليل، ولكن الخبر تسرب فاضطر دميان إلى الفرار عائداً إلى الإسكندرية بعد أن قضى بعض الوقت بالقسطنطينية ليداري خجله.
وبعد محاولات دميان الفاشلة في سوريا رُسم بطرس الذي من الرقة (Callinicus) بطريركاً على أنطاكيا في عام 581م، وكان بالفعل رجلاً مقتدراً. وفي أيام يعقوب البرادعي كان بطرس قد رفض كرامة البطريركية على أساس أنه لا يمكنه أن يقبلها قبل أن تتم تسوية قضية بولس الأسود قانونياً، ولكن بطرس عاد بعد ذلك وقبل الرسامة رغم أن بولس كان لا يزال حياً وقضيته لم تُحسم بعد.
وندم بطرس على هذا الأمر، فسافر إلى الإسكندرية ليعمل على مصالحة بولس مع المصريين، ولكن بولس مات في ذلك الوقت فتثبت بطرس كبطريرك لغير الخلقيدونيين في أنطاكيا.
وعلى الرغم من أن بطرس (البطريرك الأنطاكي) ودميان (البطريرك السكندري) قد تبادلا رسائل الوحدة والشركة في الإسكندرية، إلا إن هذا الوفاق كان قصير الأمد.
ولم يكن دميان بالرجل المقتدر لاهوتياً، فحين قابله بعض الرجال الذين مالوا إلى هرطقة الثلاثة آلهة وقدموا له بعض الأسئلة، قام دميان بإعداد رسالة تجيب على النقاط التي أثاروها، وقبل أن ينشر تلك الرسالة أرسل نسخة منها إلى بطرس البطريرك السرياني ليعرف تعليقه عليها، فرد بطرس على دميان ذاكراً له العديد من الجمل غير الدقيقة وغير الواضحة التي احتوتها الرسالة، واعتبر دميان هذا الرد إهانة موجهة إلى شخصه فانقطعت العلاقات بينهما طوال فترة حياتهما. ومات بطرس عام 591م، وخلفه سكرتيره يوليان (Julian) الذي مات هو الآخر بعد ثلاث سنوات فقط من رسامته، فجلس بعد ذلك البطريرك أثناسيوس على الكرسي الأنطاكي.
ومات دميان البطريرك السكندري أيضاً وجلس مكانه أناستاسيوس (Anastasius)، وعاد الكرسيان مرة أخرى إلى الوحدة بفضل مبادرة قام بها أثناسيوس البطريرك الأنطاكي.
وكان أثناسيوس هذا بحق رجلاً عظيماً[4] ينحدر من عائلة في سموساطا (Samosata)، وقد فقد والده في بداية حياته فربته أمه التقية هو وأخوه ساويروس، وعندما كبرا جعلتهما ينضمان إلى أحد الأديرة. وبعد موت البطريرك يوليان في عام 594م، اجتمع الأساقفة ليختاروا خليفة لكرسي البطريركية في الدير الذي كان يقيم فيه الأخوان (أثناسيوس وساويروس).
وحسب العادة، صام الأساقفة ثلاثة أيام، وفي اليوم الأخير شعر بعض منهم أنه ينبغي أن يتحدثوا مع أول راهب يقابلوه في صباح اليوم التالي، وبالفعل عندما خرجوا من غرفهم في ذلك اليوم رأوا أثناسيوس يعد جمال الدير للأعمال اليومية، فتحدثوا إليه ووجدوه رجلاً ذو علم جديراً بكرسي البطريركية.
وعندما قام المجمع أيضاً بفحصه، اقتنعوا به وقرروا أن يختاروه على عكس إرادته تماماً، ومع ذلك جعل أثناسيوس الأساقفة يوافقون على السماح له بإكمال سنة الخدمة التي تعهد بها للدير. وعاد أثناسيوس إلى عمله بالدير دون أن يبوح بمسألة اختياره للبطريركية حتى إلى أخيه، وعندما أكمل سنة خدمته جاءه وفد من المجمع فذهب معهم ليتولى وظيفته الجديدة.
وبسبب أن عمله بالدير أثناء تلك السنة كان إحضار المؤن للجماعة من الخارج على ظهر الجمال، فلُقِّب أثناسيوس بالجمَّال (Gamolo). وبعد رسامته بطريركاً زار أثناسيوس الإسكندرية وحاول تسوية النزاع القائم بين الكرسيين، فقابل البابا أناستاسيوس السكندري هذه المبادرة بالترحاب، وتبادل الرجلان رسائل الوحدة فيما بينهما.[5]
(ج) انهيار مملكة المسيحيين العرب:
كانت مملكة المسيحيين العرب الغساسنة في غاية الازدهار والشهرة في أيام الحارث وابنه المنذر. وكان كلاهما يتبع التيار الديني غير الخلقيدوني وقد لعب كل منهما دوراً هاماً في فترة حكمه أثناء القرن السادس. وكانت هذه المملكة تتبع أباطرة القسطنطينية المسيحيين وتدعم مصالحهم ضد الفرس، ولكن الإمبراطور موريس قام بنفي المنذر وابنه النعمان (Naaman) وطُمست مملكتهم من على وجه الأرض.
وبالطبع كان ولاء أولئك الرجال للجانب غير الخلقيدوني له دوره المؤثر في خلق هذا البغض الشديد داخل الإمبراطور الخلقيدوني موريس تجاههم.
وفي فترة حكم يوستين الثاني، كان المنذر يساعد الجانب الروماني في نزاعه مع الفرس، ولذا طلب من الإمبراطور يوستين أن يمده بالعون ليحافظ على تفوقه العسكري، ولكن الإمبراطور لم يكن فقط غير راغب في تلبية طلبه بل كان أيضاً حانقاً عليه، حتى أنه قرر في الحقيقة أن يدبر مؤامرة لقتله.
وكتب يوستين خطابين واحد إلى المنذر نفسه، والآخر إلى مركيان قائد قواته في الشرق، ففي الخطاب الأول طلب من المنذر أن يذهب ويقابل مركيان في دارا (Dara) ليناقشه في بعض المسائل الملحة، وفي الخطاب الثاني كتب يأمر رئيس الجيش أن يتخلص من القائد العربي الذي سيحضر لمقابلته. وحدث خطأ في إرسال الخطابين فاستلم المنذر الخطاب المُرسل إلى مركيان، فقام بقطع كل الاتصالات مع الرومانيين.
وحين وصل تيبريوس إلى الحكم عادت علاقات الصداقة بينهما، وذهب المنذر إلى القسطنطينية في فبراير عام 580م واستقبل هناك بمنتهى الحفاوة والمودة حتى أن الإمبراطور الجديد اعترف بلقبه الملكي. وكان هذا هو الوقت الذي تقابل فيه المنذر مع الفريقان المتنازعان في الكيان غير الخلقيدوني وحاول أن يوفق بينهما.
وفي ذلك الحين كان موريس هو الحاكم على الشرق، وعند عودة المنذر من القسطنطينية تعاون مع موريس في التخطيط لحملة في منطقة الفرس، وبينما يقودان الجيوش وجدا الجسر الذي يعبر النهر الذي على الحدود محطماً، فشك موريس في أن يكون المنذر هو الذي قام بذلك، ولم يفلح أي شيء في تغيير رأيه وإزالة هذا الشك من داخله.
وكتب موريس عن هذا الأمر إلى تيبريوس فتغير موقف الإمبراطور هو الآخر تجاه الملك العربي. وتم القبض على المنذر وأُخذ بغدر إلى القسطنطينية حيث احتُجز في السجن هناك، أما أولاده الأربعة فقد قاموا تحت قيادة الأخ الأكبر النعمان بالثأر لأبيهم من خلال سلسلة من الغارات الانتقامية على الأراضي الرومانية، وعلى الرغم من أن محاولة القبض عليهم لم تنجح إلا إن سمعتهم قد تأثرت بشدة.
وكان جلوس الإمبراطور موريس على العرش خلفاً لتيبريوس في عام 582م له تبعات مأساوية على الملك العربي الذي كان في النفي. وجاء النعمان ابن المنذر إلى القسطنطينية يحاول أن يلتمس الحرية لأبيه، فرد الإمبراطور موريس عليه بأنه على استعداد لقبول طلبه بشرط أن يشترك مع القوات الرومانية ضد الفرس وأن يتبنى الفكر الديني الخلقيدوني.
فوافق النعمان على الشرط الأول ولكنه رفض الثاني بحجة أنه إذا قبله فقد يتعرض للقتل من شعبه، وعند مغادرة النعمان حضرة الإمبراطور قال أنه لن يرى وجه الرومان مرة ثانية. وتم القبض على النعمان وهو في طريقه ونُفي مع والده، وعندئذ انقسمت مملكة المسيحيين العرب إلى خمسة عشر إمارة مما أدى إلى انضمام الواحدة تلو الأخرى إلى الفرس[6] الذين تزعموا المنطقة خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن السابع.
وكان وجود مملكة قوية للمسيحيين العرب أمراً نافعاً لأباطرة القسطنطينية، حيث أوقفت تلك المملكة بشكل فعال التوسع الاستعماري الفارسي في سوريا وفلسطين ومصر ـ والذي تم (بعد انهيار مملكة المسيحيين العرب) في أوائل القرن السابع ـ كما أنها منعت أثناء وجودها الاجتياح العربي للإمبراطورية والذي قد تحقق أيضاً فيما بعد.
وقد أدت السياسة القصيرة النظر للإمبراطور موريس ـ والتي قد تكون بدافع من الغيرة والتعصب الديني ـ إلى تلك الأفعال الطائشة (تجاه مملكة المسيحيين العرب) بالإضافة إلى كل ما جلبته تلك الأفعال على تاريخ الشرق الأوسط بصفة عامة وعلى المسيحية في تلك المنطقة بصفة خاصة.
(د) الإمبراطور موريس يلقى حتفه:
كان موريس في الواقع إمبراطوراً مميزاً، فكجندي كان شجاعاً وماهراً، وكحاكم قام بعدد من الإصلاحات التنظيمية المؤثرة. وفي علاقته مع الفرس كان موريس بالفعل ناجحاً جداً في ضوء حقيقة أن الإمبراطورية الرومانية كان عليها أن تواجه في تلك الفترة ما بين عام 531م وعام 628م الإمبراطورين الطموحين كسرى الأول (Chosroes I) وحفيده كسرى الثاني (Chosroes II)، وكانا كلاهما له نزعة توسعية جامحة.
ولم يستطع الإمبراطور جوستينيان أن يحقق طموحه في إعادة إخضاع الغرب للإمبراطورية إلا من خلال إبرام اتفاقية سلام مع كسرى الأول كلفته مبلغاً ضخماً من المال يُدفع كإتاوة سنوية. وكان الحاكم الفارسي يكسر هذا الاتفاق مرات ومرات، وفي كل مرة يطلب أموالاً أكثر وامتيازات على أراض أكبر، وقضت الاتفاقية الأخيرة بينهما أن تدفع القسطنطينية لفارس مائتين ألف قطعة من الذهب الروماني سنوياً.
وبعد وفاة جوستينيان لم يتم الوفاء بهذا الاتفاق في أحوال عديدة، فكان الفرس يقومون بحملات عسكرية كلما تمكنوا من ذلك لكي يحصلوا على المال. وورث موريس هذه المشكلة مع استلامه للحكم عام 582م، ولكن أثناء السنوات العشر الأولى من حكمه نجح قائدا الجيش الشجاعين فيليبيكوس (Philippicus) وهراقليوس (Heraclius) في الحفاظ على حدود الإمبراطورية من أي اعتداء فارسي.
ومنذ عام 591م أصبحت العلاقة بين موريس وكسرى الثاني وطيدة جداً، لأن موريس أمد كسرى الثاني بالعون أثناء نزاعه مع بهرام (Bahram) الذي كان يقود ثورة ضد الإمبراطور الفارسي. وبالفعل استعاد كسرى الثاني وضعه مرة أخرى، وأصبح موريس وكسرى الثاني صديقين، ولو صدقت رواية المؤرخين السريان فإن موريس أعطى ابنته ماريا لكسرى الثاني زوجه له.[7] وحينما رأى موريس أنه لم يصبح هناك أي تهديد من جهة الشرق، كافأ هراقليوس على خدماته بتعيينه حاكماً على شمال أفريقيا.
وكانت لدى موريس مشاكل في الشمال على حدود الدانوب، وكان يحتاج في مواجهتها للتعاون المخلص من كل جيوشه، ولكنه لم يستطع أن يتحصل على تلك المساندة الكاملة أبداً، لأنه منذ وصوله إلى الحكم لم يهتم بالتواصل معهم، كما أن خزائنه الخاوية منعته من دفع رواتبهم. هذا بالإضافة إلى أنه كانت هناك شكوى من أن موريس يستخدم وضعه الإمبراطوري في تسهيل حصول أقاربه على الثروة والنفوذ، ويبدو أن صداقته مع كسرى الثاني قد جعلته يهمل قواته الحربية.
وعلى أية حال فقد قام الجيش بتمرد ضد موريس عام 602م وخذلته الحامية التي كانت معه في المدينة، وحاول موريس الهرب إلى خلقيدونية لكنه قتل هو وأولاده الأربعة يوم 26 نوفمبر، وأجلس الجيش الضابط فوكاس (Phocas) إمبراطوراً على العرش.
3. فترة حكم الإمبراطور فوكاس:
واجه الإمبراطور فوكاس أياماً عصيبة أثناء حكمه، فقد تأثر كسرى الثاني جداً بمقتل الإمبراطور موريس وعائلته وحاول أن يثأر لصديقه فاحتل منطقة ما بين النهرين (Mesopotamia) وسوريا وكبادوكيا وبافلاجونيا (Paphlagonia)، ولم يستطع فوكاس أن يفعل أي شيء ليوقف الجيش المعتدي، ولكنه أظهر فشله في التصدي للموقف بإرغام اليهود في أورشليم على قبول الإيمان المسيحي.
ولكي يدمج كسرى الثاني المناطق التي انتزعها معاً، وضع في اعتباره معارضة الشعوب المسيحية هناك للجانب الخلقيدوني، فأرسل لهم أسقفاً من فارس ينتمي للكنيسة السريانية الشرقية التي كانت توقر ذكرى نسطور،[8] وعندما لم يقبله الشعب هناك ترك كسرى الثاني المنطقة بكاملها تحت رئاسة الأساقفة غير الخلقيدونيين.
ويسجل المؤرخ السرياني أنه نتيجة هذا الموقف لم يصبح هناك وجود للمناصرين للجانب الخلقيدوني في الشرق من منطقة حدود نهر الفرات، كما عاد كذلك إلى الشرق الأساقفة غير الخلقيدونيين المنفيين في مصر.
ولم يستطع فوكاس أن يحافظ على تماسك الإمبراطورية لوقت طويل، فقد كان عليه أن يواجه الغزو الفارسي بالإضافة إلى أعداء الإمبراطورية الأوروبيين في الشمال، وقد فشل بالفعل في كلا الأمرين، وحاول أن يداري عجزه هذا بقانون للإرهاب داخل الإمبراطورية. وأدى تزايد الاستياء من عجز فوكاس إلى قيام هراقليوس حاكم شمال أفريقيا بتمرد عليه كما انضمت مصر أيضاً إلي ذلك التمرد.
ورتب هذا الحاكم المنشق مع ابنه هراقليوس وابن أخيه نكيتاس (Nicetas) أن يقود الأول أسطولاً والثاني جيشاً ويتجها إلى العاصمة على أساس أن الذي يصل إليها أولاً يكون هو الإمبراطور والآخر يكون مساعداً له. ووصل هراقليوس أولاً في سبتمبر عام 610م فرحب به الشعب جداً وتولى زمام الحكومة وقبض على فوكاس يوم 4 أكتوبر. وسأل هراقليوس فوكاس قائلاً “أبهذه الطريقة قمت بقيادة الإمبراطورية؟”، فأجابه فوكاس: “وهل أنت متأكد أنك تستطيع أن تفعل ما هو أفضل؟”، وفي النهاية حُكم على فوكاس بالقتل.
ولم يأتِ حكم ممثلي الإمبراطور بالصورة التي تساند موقف روما تجاه بابا الإسكندرية، ولذلك فلم تكن نتائج جلسة يوم 8 أكتوبر في خدمة مصلحة روما بالكامل، كما لم تسفر الجلسة الثانية يوم 10 أكتوبر[1] أيضاً عن نتائج أفضل، فعلى الرغم من مزاعم البابا ليو ومندوبيه بأنه بمجرد أن يُقرأ خطاب لبابا روما (في المجمع) فإن المجمع بأكمله ينبغي أن يقبله بدون نقاش،[2] فقد اعترض البعض في يوم 10 أكتوبر على ثلاث فقرات في الطومس، كما طلب أحد الحاضرين[3] بعض الوقت ليقارنه بالرسالة الثالثة لكيرلس إلى نسطوريوس وبالحروم الإثني عشر، والتي من وجهة نظر روما لا يمكن أن تكون ذات سلطة قانونية أعلى مما لطومس ليو.
وهكذا جاءت الجلسة الثانية يوم 10 أكتوبر على عكس ما أرادت روما، وأصبح على مندوبي الكرسي الغربي ومؤيديهم أن يسعوا لكي يتخلصوا من الخلل الذي ظهر بها، ولذلك انتهزوا فرصة توقف المجمع لمدة خمسة أيام ـ التي أعلنها ممثلو الإمبراطور[4] ـ وحاولوا أن يؤمِّنوا مسألة قبول طومس ليو مع كل الوفود المعترضة بما في ذلك البابا ديسقوروس،[5] ولكن جهودهم لم تأتِ بثمارها المرجوة مع الجميع.[6]
وكانت تلك هي الظروف التي تم فيها عقد الاجتماع الخاص لإقصاء بابا الإسكندرية من الكنيسة بواسطة مندوبي روما. ولم تُحترم فترة توقف الأيام الخمسة، وإنما تم الاجتماع يوم 13 أكتوبر برئاسة باسكاسينوس (Paschasinus). ولم يحضر هذا الاجتماع ممثلو الإمبراطور[7] ولا الأساقفة الستة الذين أُدينوا، كما أن الحاضرين كذلك كانوا قليلي العدد،[8] وقد عُقد ذلك الاجتماع في مزار (مارتيريون) القديسة أوفيمية.[9]
وعلى الرغم من أننا لا نملك دليلاً مسجلاً يخبرنا عن السبب وراء تغيب عدد كبير من الوفود الموجودة في خلقيدونية عن حضور هذا الاجتماع، إلاّ إنه يوجد في محاضر الجلسات ما يمكن أن يعطي تفسيراً مقبولاً لذلك.
ففي نهاية الجلسة الثانية يوم 10 أكتوبر، صاح الفريق الشرقي مع رجال الدين (الإكليروس) المناهضين لأوطيخا في القسطنطينية قائلين: “ليُنفى ديسقوروس؛ لقد تخلى الله عن ديسقوروس”، ولكن الفريق الآخر هتف قائلاً: “لقد أخطأنا جميعاً؛ ونطلب الرحمة لنا جميعاً، ديسقوروس مع المجمع، ديسقوروس مع الكنائس. ولا يكون أي شر حدث هو عليك (وحدك)”.[10]
ويتبين لنا من هذا أنه كان هناك فريقاً من الحاضرين في خلقيدونية غير موافق على خطة مندوبي روما، كما أنهم كانوا معارضين ـ كما فعلوا من قبل ـ لأي تعامل خاص موَّجه ضد البابا ديسقوروس، ولذلك ظلوا بعيداً عن الاجتماع الذي كان ينوي أن يقوم بذلك.
وعندما جلس الحاضرون يوم 13 أكتوبر، أعلن رئيس الشمامسة آتيوس (Aetius)، وكان رئيس موثقي المجمع، أن هناك دعوى مرفوعة من يوسابيوس ضد ديسقوروس وهو يطالب ببحثها. وهنا قال باسكاسينوس باللاتينية ـ وتُرجم إلى اليونانية ـ إنه ينبغي أن تُحترم رسالة بابا روما: ومن اعترض عليها يجب أن يُحضر في الوسط حتى ما يمكن أن نستجوبه؛ ولهذا السبب يتعين قبول دعوى يوسابيوس.[11]
وكانت النقطة الرئيسية التي حددها رئيس الوفد الروماني واضحة تماماً، فالبابا ديسقوروس قد رفض أن يؤيد طومس ليو، وبالتالي أصبح مستحقاً للوم. واحتاج هذا الأمر إلى محاكمة زائفة للرجل، كان يوسابيوس المجرد من المبادئ والضمير مستعداً فيها لأن يقدم مساعدته بلا أي تذمر. وعلى ذلك أعد يوسابيوس دعواه بالاتفاق مع مندوبي روما ضد خصمه، وكانت هذه الدعوى تتضمن على وجه الخصوص الاتهامات التي احتوتها دعواه الأولى.
ولم تكن السلطة الإمبراطورية ترغب في أن تتورط في تآمر من هذا النوع، ولذا بقي ممثلو الإمبراطور بعيدين عن هذا الأمر. والمسألة لم تكن هرطقة، ولا حتى مشادة، ولكن الحقيقة بضمير صافٍ هي أن البابا ديسقوروس لم يستطع أن يتكيف أو يتوافق مع الفكر اللاهوتي الذي تضمَّنه الطومس.
وبوجه عام كانت دعوى يوسابيوس[12] تحتوي على أربعة اتهامات:
أولاً، أن البابا ديسقوروس كان يتمسك بنفس النظرة التي للهرطوقي أوطيخا؛ ثانياً، أن البابا ديسقوروس حاول أن يفرض تعاليم أوطيخا الخاطئة على الكنيسة من خلال مجمع عام 449م وذلك باستخدام مجموعة من الغوغاء المتمردين الذين جلبهم معه إلى المجمع؛ ثالثاً، أنه قام بحرم صاحب الدعوى (يوسابيوس) وفلافيان مدعياً بشكل مسرحي أن هذا هو قرار المجمع من خلال التوقيعات التي جُمعت على أوراق بيضاء خالية من الكتابة قام هو بملئها لاحقاً؛ رابعاً، أن البابا ديسقوروس بكل هذه التصرفات قد تعدى على إيمان وقانون الكنيسة.
ولذلك انتهت الدعوى إلى ضرورة اعتقال البابا ديسقوروس وحرم تعاليمه. وعند تقديم تلك الدعوى طلب يوسابيوس حضور المتهم لكي يرد على الاتهامات الموجهة إليه بنفسه.
وكانت هناك نقطة وحيدة إضافية في هذه الدعوى الجديدة لم تكن موجودة قبلاً في تلك التي قُدمت يوم 8 أكتوبر، ففي الدعوى الأولى قال يوسابيوس أن البابا ديسقوروس استخدم مجمع عام 449م لكي يفرض هرطقة أوطيخا على الكنيسة من خلال استخدام مجموعة من الغوغاء المتمردين وبواسطة إعطاء المال، ولكن في الدعوى الجديدة ذكر يوسابيوس قصة الأوراق البيضاء الخالية من الكتابة وكأنها قد تم إثباتها على المتهم.[13]
(ز) الإجراءات التي اتُخذت ضد البابا ديسقوروس:
واستدعى الاجتماع البابا ديسقوروس ليمثل أمامه ثلاث مرات. المرة الأولى قُدمت إليه بواسطة ثلاثة أساقفة يرافقهم شماس، والأساقفة كانوا كونستانتين (Constantine) أسقف بوسترا (Bostra) في العربية، وأكاكيوس (Acacius) أسقف أرياراثيا في أرمينيا (Ariarathia in Armenia) وأتيكوس (Atticus) أسقف زيلا في هيلينوبونتس (Zela in Helenopontus) أما الشماس فهو هيمريوس (Himerius).
وقام كونستانتين بنقل دعوة الاجتماع إلى البابا ديسقوروس الذي أجابه بأنه موضوع تحت الحجز القضائي، ولذلك فهو لا يستطيع أن يذهب معهم إلى الاجتماع[14] إلاّ إذا أُعطي تصريحاً من السلطات، وأثناء المناقشة ذكر أتيكوس أمام البابا ديسقوروس أن يوسابيوس قدَّم دعوى ضده ومن ثم فإن حضوره ضروري لكي يتعامل مع الأمر.
وهنا أدرك البابا ديسقوروس المسألة، ولذلك عندما رجع إليه المندوبون ومعهم تصريح السلطات بأخذه إلى الاجتماع، أخبرهم بأنه لن يأتي معهم إلاّ إذا كان ممثلو الإمبراطور سيحضرون ذلك الاجتماع.[15]
فعاد المندوبون وأعطوا تقريرهم إلى الاجتماع، فأرسل استدعاءً ثانياً إليه بواسطة لجنة مكونة من برجاميوس (Pergamius) أسقف أنطاكيا في بيسيدية (Antioch in Pisidia) وسِسروبيوس (Cecropius) أسقف سيباستوبوليس في كريميا (Sebastopolis in Crimea) وروفينوس (Rufinus) أسقف ســـــاموساتا في إفراتنسيا (Samosata in Euphratensia) ، وكان مع هؤلاء الأساقفة واحد من الموثقين وهو هيباتيوس (Hypatius).
ورد البابا ديسقوروس عليهم بأنه مريض ولا يستطيع الاستجابة لطلبهم. وعندما ضغطوا عليه سألهم إذا كان الرجال الذين أُدينوا معه سيحضرون أيضاً هذا الاجتماع، فأجابه المندوبون بأن يوسابيوس قد اتهمه هو وحده، ولذلك فليست هناك حاجة لوجود ممثلي الإمبراطور أو أي شخص آخر غير معني بهذا الأمر،[16] فأصر البابا ديسقوروس على أن القضية كانت واحدة وكلهم مشتركون فيها وبالتالي يتعين وجودهم أيضاً هناك.
وعندما عاد المندوبون إلى الاجتماع، كان هناك أربعة رجال من الإسكندرية معهم دعاوى ضد البطريرك.[17] وهؤلاء الأربعة هم القس أثناسيوس والشماس ثيؤدور والشماس إسخيريون وشخص رابع علماني هو صفرونيوس، وكانت شكواهم ضد ديسقوروس هي:
(1) أنه يسيء معاملتهم جميعاً بطرق مختلفة؛ (2) أنه يختلف مع ق. كيرلس في الفكر اللاهوتي وأمور أخرى؛ (3) أنه يعيش حياة فاسقة ومنغمسة في الملذات؛ (4) أنه يتحدى سلطة الإمبراطور؛ (5) أنه حرم ليو بابا روما؛ (6) أن هناك سخطاً واستياء كبيراً ضده في الإسكندرية. وبعد أن استلم المجمع من هؤلاء الرجال تعهداً بأنه في استطاعتهم إثبات ادعاءاتهم، أمر باسكاسينوس أن تُقرأ هذه الدعاوى التي كانت مرسلة إلى “ليو رئيس أساقفة وبابا روما العظيمة، وإلى المجمع المسكوني المقدس”.
ونحن لا يمكننا بأي حال أن نتحقق من مقدار الحقيقة في هذه الادعاءات التي تضمَّنتها تلك الدعاوى، كما أن التعهد الذي أخذه باسكاسينوس من الرجال لا يعني الكثير أيضاً. ولكن بالرغم من هذه التهم المؤذية وحتى بالرغم من عزله في مجمع خلقيدونية، فإننا نعرف أن البابا ديسقوروس كان محبوباً جداً ومبجلاً بشدة من قبل الغالبية العظمى من الشعب في مصر، وقد استمر الشعب في إخلاصه وولائه الثابت له طوال حياته، بل وظل يتذكره بعظيم التقدير حتى بعد نياحته، وقد أُحضرت رفاته إلى الإسكندرية ودُفنت بواسطة سلفه هناك.
فلو كان البابا ديسقوروس هو من ذلك النوع الذي صوره به متهموه، فيكون من الغريب حقاً أن يكون له مثل ذلك الإجلال العظيم في المجتمع المسيحي بمصر حتى بعد عزله وإهانته. وعلاوة على ذلك، فإن التقليد غير الخلقيدوني في الحقيقة يضع البابا ديسقوروس ضمن آباء الكنيسة المعترف بهم، ويعطيه بالأخص نفس التقدير الذي يعطيه التقليد الخلقيدوني لليو بابا روما.
ومن هنا فإذا أخذنا كل هذه الحقائق في الاعتبار، فنستطيع أن نقول أن الدعاوى التي قدمها رجال الإسكندرية ضد البابا ديسقوروس ينبغي أن تُعامل مثل الاتهامات التي وجهها الأريوسيون ضد أثناسيوس بابا الإسكندرية قبل مجمع صور عام 335م.
ومما يلفت الانتباه في تلك الدعاوى، الادعاءان اللذان يقولان بأن البابا ديسقوروس كان مخالفاً للقديس كيرلس في الفكر اللاهوتي، وبأنه قد حرم ليو بابا روما. فبالنسبة للادعاء الأول، لا يمكن أن يثبت بالبرهان أن البابا ديسقوروس كان مخالفاً للقديس كيرلس في الفكر اللاهوتي.
أما بالنسبة للادعاء الثاني، وهو أن البابا ديسقوروس قد حرم بابا روما، فليس من الممكن ـ ولا حتى من الضروري ـ أن نجادل بأن البابا ديسقوروس لم يفعل ذلك، لأن البابا ليو في الحقيقة كما ذكرنا كان قد حرم البابا ديسقوروس قبل ستة أشهر بالضبط من تقديم هذا الاتهام ضد البابا ديسقوروس،[18] فلو كان البابا ديسقوروس بالتالي قد قام بهذا الأمر فسيكون ذلك عملاً تبادلياً من جانبه.
وحتى إذا سلمنا بكل هذا (أي بأحقية البابا ديسقوروس في حرم البابا ليو)، فإنه ينبغي علينا أيضاً أن ننظر من جديد إلى الأدلة بطريقة متأنية لكي ما نرى مدى دقتنا في بحث الادعاء بأن البابا ديسقوروس قد حرم بابا روما. ورغم أن كل المؤرخين الخلقيدونيين تقريباً قد أخذوا هذه المسألة كحقيقة مسلمة،[19] فإن أدلتنا تشمل أربعة إشارات (لهذا الموضوع) في مجمع خلقيدونية وواحدة في خطاب ليو بابا روما بعد المجمع. أول هذه الإشارات جميعاً توجد في عبارة للشماس ثيؤدور في دعواه ضد البابا ديسقوروس (يوم 13 أكتوبر).[20]
وبعده مباشرة وفي نفس اليوم تأتي الإشارة الثانية من مندوبي روما الذين أكدوا حدوث ذلك الأمر في حكمهم ضد البابا ديسقوروس.[21] والإشارة الثالثة نجدها في كلمات أناتوليوس يوم 22 أكتوبر عندما قال أن السبب وراء إدانة البابا ديسقوروس لم يكن أمراً متعلقاً بالإيمان وإنما بسبب “أنه قد حرم السيد رئيس الأساقفة ليو” وأنه لم يذعن لاستدعاءات المجمع الثلاثة له.[22]
أما الإشارة الرابعة فنراها في ذكر هذا الادعاء في خطاب مجمع خلقيدونية إلى ليو بابا روما، حيث قيل فيه أن البابا ديسقوروس قد حرم واحداً يملك فقط في أعماق قلبه وحدة الكنائس.[23] والإشارة الأخيرة تظهر حينما شكا ليو في خطابه إلى ثيؤدوريت أسقف قورش أن ديسقوروس “لم يستثنِ (أحداً) من المضايقة الخاصة، حتى أنه حاول أن ينزل على رأسه (أي ليو) وقاحة غريبة لا تُصدق ولم يُسمع بها”.[24]
وقد جاء ذكر تلك القصة لأول مرة ـ كما ذكرنا ـ بواسطة الشماس ثيؤدور في يوم 13 أكتوبر، ثم صدرت كل الإشارات الأخرى بعد ذلك من تلك الرواية الأولى. ولكي نقيِّم (مدى صحة) الإدعاء الذي قدَّمه الشماس ثيؤدور عن هذا الموضوع، ينبغي علينا أن نتذكر حقيقة أنه في الجلسة الأولى للمجمع يوم 8 أكتوبر، كان هناك بحث طويل وممتد في التهم الموجهة ضد بابا الإسكندرية، ولكن من المدهش أن أحداً لم يذكر في تلك الجلسة مسألة حرم البابا ليو بواسطة البابا ديسقوروس.
وحتى عندما طالب ممثلو الإمبراطور من مندوبي روما أن يحددوا اتهامهم ضد البابا ديسقوروس لكي يبرروا طلبهم بأن يتم استبعاده من المجمع، لم يظهروا أية دراية بتلك الحادثة الهامة. وأليس غريباً كذلك أن أحداً من جيران البابا ديسقوروس الشرقيين ـ بما فيهم الأعداء اللدودين له، وقبل الكل ستيفن أسقف أفسس الذي كان لديه مجلدات من تقارير الاتهام ضد البابا ديسقوروس ـ لم يعبِّر عن معرفته بتلك القصة المزعوم حدوثها في مدينة ستيفن ذاتها، إلاّ بعد أن ذكرها ثيؤدور في دعواه؟.
ونعود إلى الاجتماع، حيث تمت قراءة دعاوى الأربعة رجال كما تم تسجيلها،[25] وهنا قرر الحاضرون أن يرسلوا استدعاءً ثالثاً إلى البابا ديسقوروس[26] ليردوا على النقاط التي أثارها (للمندوبين في الاستدعاء السابق) ويذكرون له حقيقة الدعاوى الجديدة. وكان المندوبون هذه المرة هم فراجيون (Phragkion) أسقف فيليبوبوليس (Philippopolis)، ولوسيان (Lucian) أسقف بيزا (Byza) ويوحنا (John) أسقف جرمانيكيا (Germanicia in Cilicia)،[27] وكان يرافقهم الشماس بالاديوس (Palladius).
وقد رد البابا ديسقوروس على هؤلاء الرجال بأنه غير قادر أن يذهب معهم إلى الاجتماع، وعندما ضغطوا عليه على أساس أن الدعاوى المقدمة ضده ستكون سبباً في حدوث فضيحة في الكنيسة وأن من واجبه أن يمنعها، أجابهم البابا ديسقوروس بأن الكنيسة الجامعة كانت بلا أية شائبة، وأضاف أيضاً “لأني أعرف كيف وصل الحال إلى انتقائي والانفراد بي (بدون الباقين)”.[28] فحاولوا ثانية أن يقنعوه ولكنه قال: “ما قد قلته، قد قلته؛ وأنا لا أستطيع أن أفعل أي شيء آخر”.
(ح) البابا ديسقوروس يُعزل:
عندما استلم الاجتماع تقرير المندوبين بعد عودتهم، توصل إلى أن البابا ديسقوروس يستحق العزل. وابتداءً من الوفد الروماني، تحدث أغلب الأعضاء معبرين عن آراءهم الشخصية، وقد تضمَّن حديث ممثلي البابا ليو في هذه المناسبة النقاط التالية:[29]
(1) أن ديسقوروس منح الشركة لنصيره أوطيخا بعد عزله قانونياً وقبل تبرئته بواسطة مجمع عام 449م؛ (2) أنه بينما نال الأساقفة الآخرون ـ الذين اشتركوا في مجمع عام 449م ـ العفو من قبل الكرسي المقدس (الروماني) واستمروا في شركته، بقي ديسقوروس على عصيانه؛ (3) أنه لم يسمح بقراءة طومس ليو في مجمع عام 449م، وبالتالي انتشرت الفضيحة في الكنيسة؛ (4) على الرغم من كل هذا، كان المجمع يريد أن يكون متسامحاً معه، ولكن ديسقوروس تجاوز حدود شره بحرمه لبابا روما؛ (5) أنه لم يطع إستدعاءات المجمع له للحضور.
وأكمل مندوبو روما كلامهم بأنه بناءً على هذه النقاط وكذلك على أساس ’جملة التعديات‘ التي ارتُكبت بواسطة ديسقوروس، فإن “ليو رئيس أساقفة روما الكلي الطوبى، قد جرده ـ بواسطتنا وبواسطة المجمع الحاضر ـ من كل كرامة الأسقفية، وفصله من كل وظيفة كهنوتية. وعلى ذلك يحكم هذا المجمع العظيم والمقدس بشروط القانون ضد المذكور آنفاً ديسقوروس”.[30]
وعقب حديث مندوبي روما، عبَّر أناتوليوس أسقف القسطنطينية[31] ومعه مئة وواحد وتسعين رجلاً عن آرائهم موافقين على عزل البطريرك السكندري.[32] وقد أعطى الاجتماع أيضاً حكمه التالي[33]:
من المجمع المسكوني العظيم والمقدس، الذي بنعمة الله وبأمر من ……. أباطرتنا، والمجتمِع في خلقيدونية ……. في مزار ……. إلى ديسقوروس.
بسبب ازدراء القوانين المقدسة، واحتقارك لهذا المجمع المسكوني المقدس، حتى أنك ـ وبالإضافة للتعديات الأخرى التي أُدنت بسببها ـ رفضت أن تستجيب لثلاثة استدعاءات من هذا المجمع العظيم والمقدس، والتي قُدمت لك وفقاً للقوانين الإلهية حتى ترد على التهم الموجهة إليك:
لتعلم إذن، إنك في اليوم الثالث عشر من الشهر الحالي أكتوبر بواسطة المجمع المسكوني والمقدس قد عُزلت من أسقفيتك، وجُردت من كل رتبة كنسية. وقد تم توصيل هذا الحكم إلى البابا ديسقوروس في حبسه.
وعندئذ كتب الاجتماع عدداً من الخطابات، واحداً إلى رجال الدين (الإكليروس) السكندريين في خلقيدونية، وآخراً إلى الإمبراطورين ماركيان وفالنتينيان، وخطاباً ثالثاً إلى الإمبراطورة بولخريا. كما أعطوا كذلك بياناً علنياً يخبر بأن البابا السكندري قد تم عزله. ولم يكن السبب الذي ذُكر في كل هذه المكاتبات ضد البابا ديسقوروس هو الهرطقة، وإنما التعدي على القوانين. واحتاج الحكم على البابا ديسقوروس بهذا الشكل ـ وبالرغم من أنه كان عمل جماعي ـ إلى التصديق عليه في جلسة المجمع الرسمية يوم 17 أكتوبر.
(ط) لماذا تم عزل البابا ديسقوروس؟
إن قصة عزل البابا ديسقوروس ليست واضحة تماماً فيما يتعلق بالسبب الذي يكمن وراء التعامل معه بهذا الشكل. والحقيقة أن البابا ديسقوروس كان قد لعب دوراً ثابتاً وغير متساهل في الجدال الخريستولوجي الذي دار في أيامه، ولذا فكل الأدلة المتوفرة عنه تتصل بتلك الخلفية، وبالتالي فإنها تُفسر على نحو ما بواسطة المنتقدين له، وعلى نحو آخر بواسطة المعجبين به.[34]
وهدفنا هنا ليس هو الدخول في هذه المسألة، ولكننا نريد أن نرى ماذا يمكن أن يكون السبب الذي دفع روما لأن تكون بهذه الصورة العدائية العنيفة تجاهه، والذي جعل كذلك السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية تترك روما لتهين الجالس على كرسي الإسكندرية بهذا الشكل المخزي.
ومن المتعين أن يكون التقييم الرسمي للبابا ديسقوروس في التقليد المحفوظ عند كلا القوتين (روما والقسطنطينية)، متوافقاً مع حكم المجمع الذي قام بعزله. ويمكننا أن نضيف إلى ذلك أيضاً ـ كمصدر ثانوي ـ العبارات التي قيلت والخطابات التي كُتبت في ذلك الوقت لتبرير قرار العزل.
لقد ذكر الحُكم الذي أصدره الاجتماع خطأين ضد البابا ديسقوروس. الخطأ الأول هو ” ازدراء القوانين المقدسة” و “احتقار المجمع”، ومن الواضح أن الأساس وراء هذه التهم هو رفض البابا ديسقوروس لإطاعة الإستدعاءات الثلاثة التي أُرسلت إليه.
وكان البابا ديسقوروس قد ذكر نقطة هامة ومؤثرة عند قيامه بهذا التصرف، فبما أن يوسابيوس الذي كان قد قدَّم دعوى ضده في جلسة المجمع الأولى (8 أكتوبر) قد قام مرة أخرى بتقديم دعوى ثانية، فإن هذه الأخيرة لابد وأن تحوي نفس النقاط الموجودة في الدعوى الأولى، وقد تم فحص هذه النقاط جميعها ـ بالرغم من عدم مناقشة أساس الموضوع ـ وأعطى ممثلو الإمبراطور حكمهم الذي يقضي بمسئولية ستة رجال من بينهم ديسقوروس عن هذه النقاط، فإذا كانت هناك الآن دعوى جديدة تحتوي على نفس التهم ومقدمة من نفس الشخص، فلابد وأن تكون مقدمة لكي تزيح جانباً القرار الأول، والذي كان هو نفسه محل تساؤل، فلذلك طلب ديسقوروس أثناء فحص دعوى يوسابيوس أن يكون ممثلو الإمبراطور والرجال الخمسة الذين أُدينوا معه حاضرين أيضاً.
وهنا نتساءل: أليس من العسير تبرير هذا الموقف من خلال أي شكل من أشكال العدالة القديمة أو الحديثة؟. كما ينبغي أن نضيف أيضاً من جانبنا، أن الاجتماع الذي أرسل إلى البابا ديسقوروس الإستدعاءات باسم ’المجمع المسكوني المقدس‘، كان فقط أقل من نصف عدد الوفود الموجودة في خلقيدونية.
وهكذا يتضح من كل هذه الحقائق أن الخطأ الأول الذي ذكره الاجتماع في حكمه ضد البابا ديسقوروس ليست له حجة على الإطلاق، والحقيقة أن اللوم هنا لا يقع على البابا ديسقوروس وإنما يقع بالفعل على الاجتماع نفسه. أما الخطأ الثاني الذي جاء في حُكم العزل فكان “التعديات الأخرى الذي أُدنت بسببها” ولكن بدون ذكر لأي من هذه التعديات. والغريب حقاً أن اجتماعاً من الأساقفة لا يذكر بوضوح واحداً على الأقل من هذه التعديات.
ألا يعني هذا ـ وبالرغم من أن الجانب الخلقيدوني حاول بعد انفضاض المجمع أن يؤكد أن هناك تهمةً قد أُثبتت ضد ديسقوروس ـ أن الاجتماع الذي اتخذ القرار لم يكن بالفعل على يقين تام من كلامه؟ وعلى أية حال، فإن الحقيقة التي ينبغي التسليم بها، أن الاجتماع الذي أخذ من التقليد الالتزام القانوني بإرسال ثلاثة إستدعاءات للمتهم، لم يأخذ أيضاً من التقليد الأمر الذي على نفس الأهمية وهو ضرورة إثبات تهمة محددة ضد الرجل الذي يُحكم عليه بالإدانة.
ولم يكن البابا ديسقوروس هو الرجل الأول في التاريخ الذي يُحكم عليه غيابياً (in absentia)، فهناك على الأقل بولس السموساطي ونسطوريوس اللذين تم عزلهما بنفس الطريقة، ولكن في حالة كل منهما أخذ المجمع المختص أدلته من كتابات الرجل وأثبت تهمة محددة ضده، وحتى مجمع عام 449م قام بشرح التهمة ضد كل من الرجال الذين أدانهم.
وهذه هي العدالة التي أنكرها الاجتماع على البابا السكندري بواسطة مندوبي روما، وقد تم هذا في وقت كانت فيه مكانة الكرسي السكندري في الكنيسة لا تقل عن تلك التي لروما نفسها.
والحقيقة بالتالي أن كلا الخطأين اللذين ذكرهما الاجتماع في حكمه ضد البابا ديسقوروس لا يمكن التعويل أو الاستناد عليهما، لأنهما كانا في الواقع مجرد إتهامين مبهمين، أظهرا فقط أن مندوبي روما ـ وهم يتمتعون بالتأييد السياسي ـ قد نجحوا في حشد المعارضين الشرقيين للبطريرك السكندري، وارتكبوا كلهم معاً هذه الجريمة الشنعاء.
ولازلنا حتى الآن لم نجب عن السؤال الخاص بالسبب وراء عزل البابا ديسقوروس، ولذلك سنقوم بالنظر في مصادر المعلومات الأخرى. ومن الملاحظ أن التهم الموجودة ضد البابا يسقوروس في تلك المصادر، تشير إما إلى مجمع عام 449م أو إلى أفعاله الشخصية الخاصة.
والتهم التي تتعلق بمجمع عام 449م هي: العنف وسوء التصرف، عدم الطاعة والهرطقة، عدم السماح بقراءة طومس ليو، وإدانة فلافيان وآخرين وتبرئة أوطيخا.[35]
وإذا تذكرنا حقيقة أن مجمع عام 449م كان قد توصل إلى قراراته في ضوء موقفه اللاهوتي الذي يرى أن قانون إيمان نيقية حسبما فسره وأكده مجمع أفسس عام 431م ـ بما في ذلك التفسير السكندري لصيغة إعادة الوحدة ـ هو المقياس المعياري الصحيح (للأرثوذكسية)، فسندرك أن الأساس الذي بُنيت عليه هذه الادعاءات والتهم هو قراءة من جانب واحد للأحداث، وبالتالي لا يمكن التعويل عليه.
أما التهم الشخصية المحضة ضد البابا ديسقوروس فكانت ثلاثة تهم رئيسية:[36] (1) أنه سمح لأوطيخا بالشركة حتى قبل مجمع عام 449م؛ (2) أنه حرم ليو بابا روما؛ (3) أنه لم يذعن لإستدعاءات المجمع المسكوني الثلاثة. وكانت التهمتان الأخيرتان قد ذُكرتا قبلاً، أما الادعاء بأن البابا ديسقوروس قد سمح لأوطيخا بالشركة قبل تبرئته في مجمع عام 449م، فقد ذُكر فقط في حكم مندوبي روما على البابا ديسقوروس، ونحن لدينا ثلاثة تعليقات على هذا الادعاء:
(1) ماذا يعني مندوبو روما بالتحديد في هذا الادعاء؟ لأن كلمة الشركة مثلاً يمكن أن تعني إما الشركة الإفخارستية، أو الصداقة والمساندة؛ (2) ومن الحقيقي أن البابا ديسقوروس والرجال القادة في مجمع عام 449م قد ساندوا أوطيخا حتى قبل تبرئته رسمياً، أما إذا كان مندوبو روما يقصدون أن يؤكدوا أن البابا ديسقوروس قد منح أوطيخا الشركة بمعنى الاشتراك الإفخارستي،[37] فالسؤال هو عن مصدر معلوماتهم تلك والذي يتعين التحقق منه في ضوء حقيقة أن لا أحد من جيران البابا ديسقوروس الشرقيين ولا حتى الأربعة الرجال الذين من الإسكندرية، قد ذكر هذه الحادثة.
(3) إذا كان البابا ديسقوروس قد سمح بالحقيقة لأوطيخا بالشركة، فإنه يكون بالفعل مذنباً بكسره قانون الكنيسة، ولكن أيضاً ليو بابا روما يقع عليه نفس اللوم بصورة مساوية تماماً للبابا ديسقوروس، لأنه من الثابت والمسجل أن ليو قد أعاد ثيؤدوريت أسقف قورش الذي حرمه مجمع عام 449م إلى رتبة الأسقفية حتى قبل قبوله ثانية في شركة الكنيسة بواسطة مجمع خلقيدونية عام 451م،[38] ولكن يوجد فرق واحد بين البابا ديسقوروس والبابا ليو في هذا الأمر، فبينما تبرئة البابا ليو لثيؤدوريت هي حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش، تظل مسألة سماح البابا ديسقوروس لأوطيخا بالشركة مجرد زعم وادعاء ضده.
وهكذا نرى أنه بالنسبة حتى لتلك التهم الشخصية ضد البابا ديسقوروس، فيظل من غير الممكن الاعتماد أو التعويل عليها.
وأمام هذه الحقيقة، يعتبر تقييم البابا ديسقوروس بواسطة أناتوليوس ـ والذي كان قد رشحه البابا ديسقوروس لكرسي القسطنطينية خلفاً لفلافيان ـ جدير بالملاحظة. وكان أناتوليوس قد أشار إلى مسألة إدانة البابا ديسقوروس في ثلاثة مناسبات: أولاً في يوم 13 أكتوبر،فبعد تأييده لمندوبي روما علق بأنه ينبغي معاقبة البابا ديسقوروس لأنه ازدرى بالاجتماع؛[39] ثانياً في يوم 22 أكتوبر حيث أعلن أناتوليوس أن البابا ديسقوروس لم يُحرم بسبب أي معتقد غير صحيح لديه، ولكن بسبب أنه حرم ليو بابا روما ولم يطع استدعاءات المجمع؛[40] ثالثاً ذكر أناتوليوس في خطابه إلى ليو بابا روما بعد مجمع خلقيدونية، أن البابا ديسقوروس قد أُدين من أجل سلام الكنيسة.
وهذه الجملة الأخيرة لأناتوليوس هي في غاية الأهمية، لأنها تُظهر كيف وافق بطريرك القسطنطينية ـ ومن الممكن أن يكون هناك رجال آخرون مثله ـ على إدانة البابا ديسقوروس، الذي يعتبره لا هرطوقي ولا شخص مدان شرعياً بأية تهمة أخرى. وقد يكونوا قد فعلوا ذلك إزاء سياسة إمبراطورية لتوحيد الكنيسة، والسلام في الكنيسة في ذلك الوقت كان مرتبطاً تماماً بقبول طومس ليو، وقد قبل الشرقيون ـ أصحاب المنهج السكندري في التفكير ـ هذا الطومس، بالرغم من تحفظاتهم الشديدة عليه، وكان هذا بالتأكيد هو ما فعله أناتوليوس نفسه بعد اعتلاء بولخريا وماركيان السلطة مباشرة.
أما البابا ديسقوروس فلم يُعطى على الإطلاق أي فرصة لكي يرى هل يمكنه أن يستوعب هذا الطومس بهذه الطريقة أم لا، وكان هذا سببه شيء واحد وهو أن ليو اعتبره عدواً من البداية، وبدون حتى المحاولة لأن يعرف وجهة نظره. وعلى سبيل المثال، أرسل ليو نسخاً من هذا الطومس إلى أشخاص متنوعين في الشرق، ولكنه لم يهتم على الإطلاق بأن يبعث بواحدة أيضاً إلى البطريرك السكندري.[41]
كما أنه في نفس السياق، قام بحرم البابا ديسقوروس قبل مجمع خلقيدونية بستة أشهر على الأقل، وهذا يبين أن البابا ديسقوروس كان عادلاً مع البابا ليو أكثر مما كان البابا ليو معه، لأنه قد زُعم أن البطريرك السكندري قد حرم بابا روما قبل مجمع خلقيدونية بأقل من شهر فقط. ومن هنا ينبغي علينا أن نضع هذا الموقف ومثله من المواقف الأخرى في الاعتبار، عند التعامل مع مسألة البابا ديسقوروس.
وفي الواقع كان هناك سبباً واحداً لكراهية وعداوة روما للبابا السكندري، وهو بالتحديد أنه رفض أن يوقع على طومس ليو حتى النهاية. وفي الوقت الذي استطاعت فيه روما أن تُملي إرادتها على السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية، انتهزت الفرصة لتسحق الشخص المعارض لها من خلال مجمع خلقيدونية.
وبالوصول إلى هذه النهاية يكون البابا ليو وممثلوه في المجمع، قد ارتكبوا بالفعل تقريباً كل الذنوب التي ادعى مجمع خلقيدونية والمؤرخون الخلقيدونيون أن البابا ديسقوروس كان قد اقترفها.
[1] يشير كيلي (J.N.D Kelly) إلى جلسة يوم 10 أكتوبر باعتبارها الجلسة “الثالثة للمجمع”. انظر: (Early Christian Creeds, Longman, 1950, p. 296). وهو يعلق بأن مانسي (Mansi) قد اعتبرها الجلسة الثانية ولكن شفارتز قد أعاد الترتيب إلى وضعه. (المرجع السابق صفحة 297 رقم 1). ويصف هونيجمان أيضاً اجتماع يوم 13 أكتوبر بأنه “الجلسة الثانية للمجمع”.
ولكن يبدو أن أي من هؤلاء الرجال لم يسأل نفسه كيف يمكن أن تكون جلسة يوم 13 أكتوبر هي الثانية وجلسة يوم 10 أكتوبر هي الثالثة. وقد فعلوا ذلك بسبب أن شفارتز قد وضع فى طبعته وقائع جلسة يوم 13 أكتوبر قبل وقائع جلسة يوم 10 أكتوبر، وذلك على أساس أن المجمع قد صدق على وقائع جلسة يوم 13 أكتوبر قبل تصديقه على وقائع جلسة يوم 10 أكتوبر.
فإذا كان شفارتز محقاً بالفعل في توضيحه لموضوع تصديق المجمع، فينبغي أن يكون هناك سبب جعل المجمع يفعل هكذا. وقد يكون ذلك بسبب انهم شعروا أنه يجب عليهم أن يحموا روما من الحرج في وجود هزيمتين متتاليتين، الأولى متمثلة في حكم ممثلو الإمبراطور يوم 8 أكتوبر والثانية حينما أرادت وفود إيليريكم وفلسطين فحص مدى صحة طومس ليو من الناحية اللاهوتية يوم 10 أكتوبر.
وعلى أية حال فإن رأي كل من كيلي وهونيجمان بأن جلسة يوم 13 أكتوبر هي الجلسة الثانية للمجمع لا يمكن التسليم به. والواقع أن اجتماع يوم 13 أكتوبر لا يستحق حتى أن نحسبه جلسة من جلسات مجمع خلقيدونية.
[2] حينما رأى ممثلو الإمبراطور أنه لن يكون هناك قبول بالإجماع وبدون فحص لطومس ليو، أمروا يوم 10 أكتوبر أن يتم إرجاء الاجتماعات لمدة خمسة أيام لكي يتمكن الذين لديهم شكوك حول الطومس من مقابلة أناتوليوس أسقف القسطنطينية واستيضاح ما يرتابون فيه، حتى يمكن التوصل إلى الإجماع بحلول موعد الجلسة القادمة. انظر: (ACO, II, i. p. 279: 31)
[3] كان هذا هو أتيكوس أسقف نيكوبوليس وهي مدينة فى إيليريكم.
[4] حينما رأى ممثلو الإمبراطور أنه لن يكون هناك قبول بالإجماع وبدون فحص لطومس ليو، أمروا يوم 10 أكتوبر أن يتم إرجاء الاجتماعات لمدة خمسة أيام لكي يتمكن الذين لديهم شكوك حول الطومس من مقابلة أناتوليوس أسقف القسطنطينية واستيضاح ما يرتابون فيه، حتى يمكن التوصل إلى الإجماع بحلول موعد الجلسة القادمة. انظر: (ACO, II, i. p. 279: 31)
[6] لدينا أدلة على أن البابا ديسقورس، والأساقفة المصريين لم يوقعوا على طومس ليو. فمن الواضح من الكلمة الافتتاحية التى ألقاها باسكاسينوس فى اجتماع يوم 13 أكتوبر، أن السبب فى عداء روما للبابا ديسقورس هو معارضته للطومس، كما يتضح من الكلمات التي قالها البابا ديسقوروس يوم 13 أكتوبر: “لأني أعرف كيف تم انتقائي والإنفراد بي” أنه يعبر عن تلك الحقيقة. (انظر صفحة ). لأنه من وجهة نظر روما، لا يعتبر رفض قبول الطومس هو فقط ابتعاد عن الأرثوذكسية، ولكنه أيضاً رفض للسلطة البابوية (على الكنيسة) والتي كانت لها دلالة خاصة بالنسبة لبطريرك الإسكندرية. (انظر صفحة ).
[7] أعلن ممثلو الإمبراطور فى يوم 17 أكتوبر أنه ليس لديهم علم بموضوع عزل البابا ديسقورس، وأن المندوبين الذين ارتكبوا مثل هذا الفعل، هم وحدهم المسئولون عنه أمام الله. (انظر صفحة ).
[8] تحتوي القائمة المذكورة في (ACO, II, i. pp. 199-204: 1-2) على 204 اسماً شاركوا في ذلك الاجتماع. ويشير سيلرز إلى الاجتماع الذي تم فيه عزل البابا ديسقورس في كتابه (The Council of Chalcedon, op. cit., pp. 111-113)، ولكنه لا يذكر في معالجته لهذا الموضوع حقيقة أن ذلك الاجتماع قد عُقد قبل الموعد الذي أعلنه ممثلو الإمبراطور بيومين وأن عدد الذين حضروه كان قليلاً. ولكن هفلي كان من المؤرخين الأوائل الذين ذكروا هاتين الملاحظتين ولكنه حاول أن يقدم لهما تفسيرات تخيلية تماماً. انظر
(History of the Councils of the Church, Eng. tr ., Edinburgh, 1895 , Vol. III, p. 320)
أما كيد (B. J. Kidd) فقد استبق سيلرز في إهمال الحقائق التي أسقطها سيلرز بعد ذلك. وهناك مقالة للمؤلف توماس (Thomas Owen Martin)، يذكر فيها أن الحاضرين في الجلسة التي تم فيها تمرير ما يُسمى بالقانون الثامن والعشرين (الخاص بالقسطنطينية) يبدو أنهم لم يقدروا حقيقة أنه تم إزالة مكانة الكرسي الثاني في العالم المسيحي (الإسكندرية) بواسطة اجتماع يضم أقل من نصف عدد المندوبين المشاركين في مجمع خلقيدونية. انظر:
(A Histrory of the Church to 461, Oxford, 1922, vol. III, p. 320 Des Konzil von Chalkedon)
كانت الجلسات العادية للمجمع قد عُقدت بكنيسة الشهيدة القديسة أوفيمية. انظر:
(Mansi: VI 564, 937; VII 97,117, 18 , 185, 193, 204, 272, 293, 301, 313, 424)
وهناك جلسة واحدة لم يتم تحديد مكان انعقادها في محاضر الجلسات (Mansi VII 357). ويذكر ألفونس شنيدر (Alfons M. Schneider) أن ’المارتيريون‘ هو مصلى صغير ملحق بكنيسة القديسة أوفيمية.
كان الفريق المناصر للبابا ديسقوروس قد دافع عنه بنفس الطريقة أيضاً في ختام الجلسة الأولى للمجمع (انظر صفحة ). ويتمسك شفارتز في كتابه (Uber die Bischopslisten) بالرأي القائل بأن الكراهية الشديدة لديسقوروس والتي نشأت بسبب أسلوبه العنيف في مجمع عام 449م، هي التي جعلت الأساقفة فى خلقيدونية يقررون أن يتخذوا موقفاً خاصاً ضده.
والحقيقة أن الوثائق لا تشير إلى ما يؤيد ذلك الرأي على الإطلاق. ولكن على العكس من ذلك لدينا من الأدلة ما يؤكد أنه كان هناك فريق ضد البابا ديسقوروس يقوده مندوبو روما، كما كان هناك أيضاً كيان مساوي من الوفود التي تقدره بشكل كبير.
[11] للاطلاع على ما قاله باسكاسينوس انظر: (ACO, II, i, p. 204: 4)
[12] للاطلاع على دعوى يوسابيوس انظر (المرجع السابق صفحة 204-205: 5). وحيث أن المجمع قد قبل في جلسته يوم 8 أكتوبر قرار ممثلي الإمبراطور وتم إيداع البابا ديسقوروس في الحجز، فلابد أن يكون الغرض من هذا الاجتماع هو إذلاله.
[16] المرجع السابق صفحة 210: 36. قال سِسروبيوس: “إن كل الأمور قد تمت بطريقة قانونية، فحيث أن الإتهام موجه لك شخصياً، فلا ممثلو الإمبراطور ولا أي شخص علماني آخر ينبغي أن يكون حاضراً غير قداستك وحدك كأمر عائلي”. والحقيقة أن ممثلي الإمبراطور كانوا هم الرؤساء الحكوميون لكل جلسة من جلسات المجمع.
[17] للاطلاع على هذه الدعاوي انظر المرجع السابق صفحة 211: 221.
[19] يؤمن كل من المؤرخين هيفلي وكيد ودوشيسين بصدق هذه الواقعة. وانتشرت هذه الرؤية على يد باحثين معاصرين أمثال شفارتز وهونيجمان وجالاند وسيلرز. ويعرض شفارتز في كتابه (Uber die…) متى وكيف يمكن أن يكون البابا ديسقوروس قد فعل ذلك، ولكن معاجته لا تخرج عن كونها تصور تخيلي مأخوذ من دعوى ثيؤدور التي تحتاج إلى برهان.
[20] قال ثيؤدور في دعواه: “أما فيما يتعلق بمسألة الكلي الورع والقداسة أسقف الكرسي الرسولي لروما العظمى، فقد أتى (البابا ديسقوروس) من مصر في صحبة حوالي عشرة أساقفة (حيث لم يرغب عدد أكثر من هذا أن يأتي معه، لأنه كان قد خطط أن يرتكب هذا الفعل وهو يمر عبر أفسس) قاصداً أن يحتال عليهم للتوقيع على هذا التهديد، إذ لم تكن لديهم الرغبة في أن يفعلوا هذا. ومع ذلك وقَّعوا بلا مبالاة على تلك الورقة غير القانونية بالبكاء والأنين”.
انظر: (ACO, II, i, p. 212: 47). ومن الجدير بالذكر أن عدد الأساقفة المصريين الذين حضروا في خلقيدونية كانوا ثلاثة عشر أسقفاً على الأقل، ولذلك فإن عدد عشرة الذي ذكره ثيؤدور كان خطأ. انظر صفحة .
[21] للرجوع إلى تعليقات موجزة على حكم مندوبي روما، انظر صفحة . وقد قيل حول مسألة حرم البابا ليو بواسطة البابا ديسقوروس: “إنه قد تجرأ على إعلان الحرم ضد الكلي القداسة والورع رئيس اساقفة روما العظمى”.
قال أناتوليوس: “ولم يكن عزل البابا ديسقورس بسبب أي أمر يتصل بالإيمان، لكن لأنه حرم السيد رئيس الأساقفة ليو، ولأنه لم يستجب لاستدعاءات المجمع الثلاثة. ولهذا السبب تم عزله”.
[23] للاطلاع على هذا الخطاب انظر المرجع السابق صفحة 476. وقد جاء فيه: “وإلى جانب كل هذه الأمور، فقد امتد جنونه (المقصود هنا البابا ديسقوروس) إلى أن طال حتى ذاك الذي عُهد إليه برعاية كرمة المخلص، ونعني بالطبع قداستكم، وخطط لحرم من انشغل فؤاده بتوحيد الكنيسة”.
[24] للاطلاع على الترجمة الإنجليزية للخطاب انظر: (N&PNF, sec. ser. vol. XII p. 72). وقد أشرنا إلى هذا في صفحة 70 المرجع رقم 111.
[25] كان كيد (Kidd) مع الرأي القائل بأن الاجتماع لم يسجل ملاحظة بهذه الدعاوي انظر:
(History of the Church, op. cit., vol. III, p. 320)
ولكن الحقيقة هي أن هذه الدعاوي قد قُرأت كلها وسُجلت، وأنه طُلب من المتهم في الاستدعاء الثالث أن يرد على التهم الواردة فيها. انظر (ACO. II, i, p. 221: 70). والأكثر من هذا أن قصة حرم البابا ليو بواسطة البابا ديسقوروس قد خرجت من دعوى ثيؤدور.
[26] للاطلاع على هذه الاستدعاءات انظر (ACO. II, i, pp. 221-223).
[27] كان يوحنا أسقف جرمانيكيا مناصراً لنسطوريوس، وقد طالبه مجمع خلقيدونية فى مناسبة لاحقة بإدانة نسطوريوس بالتحديد حتى لا يتم عزله. وقد لعب يوحنا بالفعل دوراً هاماً في ذلك المجمع.
[28] انظر صفحة 129 المرجع رقم 64. وتشير هذه الكلمات إلى أن البابا ديسقوروس لم يكن يكترث بأي قرار كان الاجتماع مزمع أن يتخذه ضده.
[29] للاطلاع على حديث مندوبي روما انظر (ACO. II, i, pp. 224-25: 94). والحقيقة أن كل نقطة من النقاط التي ذُكرت تعتمد على قراءة مغلوطة للحقائق. وكان يوسابيوس أسقف دوريليم قد أكد في دعواه الثانية أن البابا ديسقورس كان ’مناصراً‘ لأوطيخا، وهذا هو ما كرره مندوبو روما في حديثهم هنا بدون أي برهان على صدق ما يدَّعوه.
ونقطة أخرى نذكرها هنا، فمن الثابت أن ليو كان قد طالب بحذف على الأقل كل من جوفينال أسقف أورشليم وإفستاثيوس أسقف بريتوس مع البابا ديسقوروس من الذبتيخا يوم 13 أبريل عام 451م، ولذلك فهما لم يكونا في معية روما حتى وقت انعقاد مجمع خلقيدونية.
[30] كانت كلمات مندوبي روما واضحة جداً، فالبابا ديسقوروس قد عُزل ليس بواسطة مجمع الأساقفة، ولكن بواسطة بابا روما، والمجمع قام فقط بالتصديق على القرار الذي قد أُعطي له من قبل رئيس الكنيسة الجامعة. ولم يعلق أحد داخل المجمع على هذه الادعاءات بعيدة الأثر.
[31] للاطلاع على عبارة أناتوليوس انظر (ACO. II, i, p. 225: 95). وقد اتفق مع رأي مندوبي روما حيث قال، إنه أيضاً صدق على تمرير الحكم. وقد حدد التهمة بأن البابا ديسقوروس لم يلبِ دعوة المجمع.
[32] للاطلاع على آراء الوفود الأخرى، انظر: المرجع السابق صفحة 225-230: 96.
[33] للاطلاع على حكم المجمع انظر: المرجع السابق صفحة 237-238: 99.
[34] لم تُؤخذ هذه الحقيقة بالجدية الكافية من قبل الباحثين المؤيدين لخلقيدونية.
[35] كتب فرند أن البابا “ديسقوروس كان واحداً من الأشرار العظام في التاريخ الكنسي، ولكن هذا لم يكن هو ما ظهر به أمام معاصريه في وقت رسامته، أو حتى أمام المؤرخين اللاحقين”. (Frend, op. cit., p. 28). وقد يكون الجزء الأول من العبارة صحيح بالنسبة للتقليد المؤيد لخلقيدونية وهو ما تم التشكيك فيه من قبل التقليد غير الخلقيدوني. وأضاف فرند أن “طبيعة ديسقوروس الانتقامية وطموحه المستبد وعدم تردده قد ورَّطه في خطأ خطير”.
(المرجع السابق صفحة 28). ويعد هذا الرأي أيضاً هو نتيجة لقراءة أحادية الجانب للحقائق. أما زكريا الخطيب (من القرن السادس) فيصف البابا ديسقوروس بأنه “رجل مسالم ومتحمس، ولكن كان يعوزه استعداد كيرلس وثقته بنفسه”. (CSCO. vol. 83, Louvain, 1953 – Syriac – p. 147)
[36] كان خطاب مجمع خلقيدونية إلى ليو بابا روما قد ذكر عدة أمور ضد البابا ديسقوروس تتعلق بمجمع عام 449م: (1) أنه عزل فلافيان ويوسابيوس وغيرهم من الأساقفة الأرثوذكس؛ (2) أنه أعلن تبرئة أوطيخا من خلال الأصوات التي إغتصبها بالإرهاب؛ (3) أنه تمادى فى جنونه وحرم ليو بابا روما؛ (4) أنه رفض قبول طومس ليو، وبذلك يكون مقاوماً ’لكل عقائد الحق‘؛ (5) أنه ظل غير نادم (على أفعاله) حتى النهاية.
للإطلاع على الخطاب انظر: (ACO. II, i, pp. 475-477: 21) وللإطلاع على الترجمة الإنجليزية للخطاب انظر: (N&PNF, sec. ser. vol. XII))
وكان ليو قد أشار في عدد من خطاباته إلى تهم البابا ديسقوروس وهي: (1) أنه قد هيمن على مجمع 449م، وفرض عليه قراراته العشوائية حيث أدان فلافيان ويوسابيوس وثيؤدوريت وآخرين، . وأعاد إعتبار أوطيخا رأس الهراطقة؛ (2) أنه بسيطرته على المجمع بأسلوب طاغٍ ومستبد، لم يسمح بقرءاة الطومس الذى يحتوي على الإيمان الرسولى فى نقاوته الأصلية، وبالتالي أدخل في الكنيسة كثيراً من الارتباك؛ (3) أنه في شره لم يستثنِ حتى البابا نفسه، بل تجرأ على حرم “رأسه” الخاص.
وعلى مستوى الفكر اللاهوتي كان يتمسك بنفس موقف أوطيخا. (انظر خطابات ليو إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني، وثيؤدوريت أسقف قورش، وإلى الإمبراطورة إفدوكسيا، وإلى رهبان فلسطين: (N&PNF, sec. ser. vol. XII)). وهذه التهم هي في الواقع تحريفات للحقائق اليقينية لا يمكن تصورها.
[37] كان أغلب مؤرخي المجمع الذين تبنوا الموقف المؤيد لخلقيدونية قد أخذوا كلمة ’شركة‘ هنا بمعنى الشركة الإفخارستية، ولكن لم يظهر أي منهم وعيه بالمشكلة التي تثرها.
[38] فى التقليد الراسخ للكنيسة أنذاك، هناك أساس وحيد يمكن لبابا روما أن يبني عليه إدعائه بتفوق مركزه في تلك الأمور على بطريرك الإسكندرية، وهذا الأساس يوجد في قوانين سرديكا. ولكنهم في الحقيقة كانوا قد فوضوا أسقف روما لكي يجري فقط تحقيقاً في حالة الأسقف الذي لديه تظلم ضد قرار مجمع. انظر القوانين في:
(J. Stevenson , Creeds , Councils and Controversies , S.P.C.K ., 1966 , pp. 18-22)
والحقيقة أنه لا يمكن تبرير تصرف البابا ليو في مسألة ثيؤدوريت إلا فقط في ضوء المزاعم الباباوية التى تعني أن البابا قد انتهز فرصة الجدال الخريسولوجى لكى يؤكد مزاعم (سلطة) كرسيه على الكنيسة.
[41] لقد أشار البعض مثل جريلماير إلى حقيقة وجود قصور في التواصل بين روما والإسكندرية. وكان يتمسك ومعه شارلز موللر بأن روما علمت بأمر حروم ق. كيرلس في عام 519م. انظر:
(essay on ‘Le Chalcedonisme et le neochalcedonisme en orient de 451 a la fin du VI siecle’ in Das Konziel von Chalkedon, op, cit., vol. I , p. 645)
وهذا في الحقيقة ما يدعو إلى الارتباك، فالقول بأن روما قد أخذت المبادرة لسحق البطريرك السكندري دون أن تكون مدركة للموقف اللاهوتي للتقليد السكندري، هو أمر لا يمكن تصديقه.
والواقع أن بابا روما قد زعم أنه شاهد على فكر المسيح الذي ورثه بطرس الرسول، ولكننا لم نجد مجرد لمحة بسيطة من هذا الفكر تنعكس في ردود أفعال ليو في هذا النزاع. وبالتأكيد أضاع ليو فرصة عظيمة لكى يثبت نوعاً فائقاً من الحساسية تجاه هذه الأمور ـ يعلو على كيرلس أو ديسقورس ـ ويتوافق مع مزاعمه.
بحلول يوم 1 سبتمبر عام 451م كان قد وصل إلى نيقية وفود من أماكن عديدة من الكنيسة أغلبهم من الشرق ليشاركوا في المجمع الذي دعا إليه الإمبراطور، ولكن جاءتهم الأوامر ليكملوا طريقهم إلى خلقيدونية.
وكانت خلقيدونية مدينة بحرية قديمة تقع في إقليم بيثينية في آسيا الصغرى على الشاطئ الشرقي للبسفور، وكانت تقريباً في مقابل القسطنطينية وعلى مسافة ميلين منها. وكان الغزو الذي حدث لإيليريكم (Illyricum) من الهون (شعب مغولي) هو الذي جعل الإمبراطور مركيان يغير مكان انعقاد المجمع من نيقية التي تبعد مسافة ستين ميلاً عن القسطنطينية إلى مدينة قريبة من العاصمة، ومن ثم يستطيع أن يباشر مهام الحكم بنفسه كما يستطيع أيضاً أن يتولى الإشراف والتحكم في المجمع.
ومن المحتمل أنه لم يتم اختيار مدينة القسطنطينية نفسها ـ كما ذكر جالاند ـ لأن مركيان كان يريد أن “يمنع مؤيدي أوطيخا من أن يؤثروا بطريقة غير مناسبة في أعمال المجمع”.[1]
وكان عدد الذين حضروا لهذا المجمع حوالي خمسمائة شخص[2] اجتمعوا في كنيسة القديسة أوفيمية (Euphemia) وكانت الجلسة الأولى يوم 8 أكتوبر عام 451م. وقد عيَّن ماركيان وبولخريا مجموعة مهيمنة من ثمانية عشر (مندوباً) من أعلى موظفي الحكومة ليرأسوا جلسات المجمع، وكان هذا مؤشراً للاهتمام الإمبراطوري غير المسبوق بالمجمع.
وقد وُضعت كراسي هذه المجموعة أمام المذبح مباشرة داخل الكنيسة، وعلى كلا الجانبين وُضعت كراسي الوفود المشاركة في المجمع، ففي اليسار جلس على الترتيب: الوفد الروماني،[3] ثم أناتوليوس أسقف القسطنطينية، ثم مكسيموس أسقف أنطاكيا، ثم ثالاسيوس أسقف قيصرية التي في كبادوكيا،[4] ثم ستيفن أسقف أفسس، وبعد ذلك بقية الوفود التي من الشرق وبُنتُس (Pontus) وآسيا وثراكي (Thrace)[5] وعلى اليمين جلس ديسقوروس بابا الإسكندرية، ثم جوفينال أسقف أورشليم، ثم أسقف هيراكليا ممثلاً لأناستاسيوس أسقف تسالونيكي، ثم بقية الوفد المصري ووفود إيليريكم (Illyricum) وفلسطين، وفي وسط المجمع وُضع الإنجيل المقدس.[6]
وكانت أهم قرارات المجمع التي أهتممنا بها في دراستنا هذه: (1) عزل البابا ديسقوروس، (2) قبول طومس ليو، (3) وضع تعريف للإيمان، (4) تبرئة أشخاص مثل ثيؤدوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها.
[1] Jalland, Life and Times…… op. cit., p. 288, n. 1.
[2] يصعب تحديد عدد الذين حضروا هذا المجمع بالضبط، فبالنظر إلى القوائم التي أوردها شفارتز، لم يزد عدد الحاضرين في أية جلسة عن 350، وهذا الرقم يؤكده أيضاً المؤرخون السريان.
(انظر: Michael, op. cit., p. 222)، ويذكر هونيجمان أن عدد الحاضرين كان 520 (op, cit., p. 240). انظر أيضاً: (Sellers, op. cit., p. 104 , n. 1).
[3] كان البابا ليو قد عين خمسة أشخاص ليمثلوه في المجمع منهم يوليوس (Julius of Cios)، وتحت قيادة باسكاسينوس (Paschasinus of Lilybaeum in Sicily).
[4] كان ثالاسيوس هو حاكم إيليركم (Illyricum) وكان قد عُين حاكماً امبراطورياً على الشرق، ولكن بروكلوس (Proclus of Constantinople) قد حثه ليصبح أسقفاً على قيصرية خلفاً لفرميوس (Firmius) عام 439. انظر (Socrates, Ecclesiastical History, VII: 48)
[5] كان الرجال الذين على الجانب الأيسر قد قبلوا بالفعل طومس ليو، وأقاموا السلام مع روما.
[6] للاطلاع على هذه الترتيبات انظر: (ACO. II, i. pp. 64-65: 4)
لم تنجح إعادة الوحدة (عام 433م) فعلياً في تحقيق الاتحاد بين الجانبين. فبالنسبة للأنطاكيين لم يكونوا كلهم موافقين على مسألة التقارب وإعادة العلاقات، وبالرغم من أن رجال مثل يوحنا الأنطاكي وأكاكيوس (Acacius) أسقف حلب قبلوا إعادة الوحدة وظلوا محافظين على إخلاصهم لبنود اتفاق عام 433م، إلاّ أنه كان هناك آخرون في الجانب الأنطاكي غير راغبين في الإذعان للبطريرك يوحنا.
وكانوا ينقسمون إلى فريقين: الأول وهو السيليسيون (Cilicians) الذين كانوا معارضين للبابا كيرلس وإعادة الوحدة، والفريق الثاني الذي كان يتضمن رجالاً مثل ثيؤدوريت أسقف قورش وهو الذي لم يكن يقبل إدانة نسطوريوس. وهنا تدخل الإمبراطور، وبالفعل خضع العديد من هؤلاء المعارضين إلاّ أن خمسة عشر رجلاً تشبثوا برأيهم فتم عزلهم.
وفي عام 435م، قبل ثيؤدوريت إعادة الوحدة ولكن بدون إدانة نسطوريوس، وقد لعب هذا المجادل المقتدر أسقف قورش دوراً مؤثراً في الخلاف الذي تلا إعادة الوحدة.
(أ) إعادة الوحدة تُفسَّر من الجانبين بطريقة مختلفة:
كان ازدياد التوتر بين الجانبين يرجع إلى حقيقة أن إعادة الوحدة نفسها (وصيغتها) لم تُؤخذ بنفس المعنى من كلا الجانبين. فالسكندريون من جانبهم اعتبروها حدثاً جعل الأنطاكيين يقبلون مجمع عام 431م دون شروط، وق. كيرلس نفسه كان قد أخذها فقط بهذا المعنى، وأوضح ذلك لرجال كنيسته الذين سألوه عنها.[1]
وقد أكد البطريرك ساويروس الأنطاكي في القرن السادس ـ كما سنرى لاحقاً ـ نفس وجهة نظر ق. كيرلس.[2] وكان للسكندريين تبريرهم الكافي لموقفهم تجاه إعادة الوحدة: وعلى سبيل المثال، ألم يوافق الأنطاكيون على سحب اعتراضاتهم الثلاثة على مجمع أفسس؟ ألم يعيدوا كذلك الشركة مع البابا كيرلس السكندري دون أن يجعلوه يتراجع رسمياً عن حرومه الإثني عشر؟
ورغم أن شرعية هذا الدفاع السكندري لا يمكن دحضها (بالنسبة لما قام به الإنطاكيون بالفعل بعد إعادة الوحدة)، إلاّ أن ثيؤدوريت أسقف قورش ومؤيديه كانوا غير راغبين في التسليم بالأمر، حيث مضوا من جانبهم في الاعتقاد بأن صيغة إعادة الوحدة عام 433م قد ألغت كل قرارات مجمع عام 431م التي لم يقروها أو يؤيدوها، ووفقاً لذلك بذلوا قصارى جهدهم ليبنوا فكراً لاهوتياً أنطاكياً قوياً على أساس صيغة إعادة الوحدة (بحسب فهمهم لها وبعيداً عن مجمع أفسس)، وسعوا كذلك لتعيين رجال مؤيدين لهم في الأماكن المؤثرة ليقوموا بنشر هذا الفكر اللاهوتي.
وكانوا يأملون في تحقيق ذلك من خلال الاعتراف برسالة البابا كيرلس الثانية إلى نسطوريوس كوثيقة للإيمان بالإضافة إلى صيغة إعادة الوحدة نفسها. وأغلب الظن أن الأنطاكيين في قبولهم للرسالة الثانية قد فسَّروا فيها عبارة ’الاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)‘ (hypoststic union) كمرادف لعبارة ’الاتحاد البروسوبي‘ (prosopic union)،[3] هذا بالرغم من أن ق. كيرلس كان قد رفض هذه العبارة (أي عبارة الاتحاد البروسوبوني) في الرسالة ذاتها.
وفي إطار جهودهم لبناء فكرهم اللاهوتي، شعروا أنه يتعين عليهم الاعتراف بديودور أسقف طرسوس[4] وثيؤدور أسقف موبسويستا باعتبارهما المرجعين اللاهوتيين لهم، فقاموا بنشر أعمالهما كما كتب ثيؤدوريت نفسه دفاعاً عنهما، وعندما تمّ ذلك، قام البابا كيرلس برفضه وتفنيده. وقام الأنطاكيون أيضاً بوضع رجال من مؤيديهم على بعض الكراسي الهامة، وكان إيباس أسقف الرها واحداً من هؤلاء الرجال وقد رُسم أسقفاً على الرها عام 435م.
وكان الجانب الأنطاكي أيضاً يستطيع أن يقدم تبريراً لتلك الأفعال إذ يمكنهم أن يزعموا ـ على سبيل المثال ـ أنهم لا يستطيعون أن يفهموا المراد من العبارات السكندرية مثل “الاتحاد الأقنومي”، و”أقنوم واحد”، و”طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” إلاّ بكونها تحمل معنى أبولينارياً، كما يمكنهم أن يزعموا أيضاً أنهم لم يقبلوا حروم ق. كيرلس الإثني عشر.
وحتى إذا كان طبيعياً لرجال مثل ثيؤدوريت أن يتمسكوا بتراثهم اللاهوتي الخاص بهم محاولين استبعاد أي فكر غريب عليه، لكن كان يجب على الأنطاكيين ـ وهو يقومون بذلك ـ أن يُظهروا قدراً أكبر من التقدير للتقليد السكندري لأنهم كانوا قد وافقوا على إعادة الشركة مع ق. كيرلس ورفاقه. ومن هنا يقع اللوم في حالة التوتر القائمة على الأنطاكيين أكثر من معارضيهم، لأن السكندريين من جانبهم حافظوا على التزامهم التام بموقفهم.
(ب) تغير القيادة:
استمر السلام بين الجانبين ـ على الأقل سطحياً ـ طوال حياة البابا كيرلس السكندري والبطريرك يوحنا الأنطاكي. ورقد يوحنا عام 442م، وكان قد حدد ابن أخيه دومنُس (Domnus) خليفة له، ويرى شفارتز (Schwartz) أن يوحنا في تصرفه هذا كان يقصد أن يثبت سلالة (متصلة) تجلس على الكرسي البطريركي.
وكان دومنُس ـ كما وصفه شفارتز ـ ضعيفاً عديم الشخصية،[5] وواقعاً بالكامل تحت سيطرة ثيؤدوريت الذي كان بكل جوارحه ضد الإسكندرية وضد ق. كيرلس.[6] وحينما أصبح كرسي أنطاكيا والبطريرك تحت تأثيره، اهتم ثيؤدوريت بأن يجعل المؤيدين للفكر الأنطاكي هم فقط محل التقدير في الشرق.
ومن بين المواقف العديدة التي اتخذها في هذا الصدد، نذكر على سبيل المثال تعيينه للكونت إيريناؤس على كرسي صور وكان إيريناؤس هذا مسانداً قوياً لنسطوريوس منذ عام 431م. كما نشر ثيؤدوريت عام 447م كتابه ’المتعدد الأشكال‘ (Eranistes) الذي قصد به أن يشوه ويسخر من آباء الإسكندرية. وقد أثارت هذه الأفعال نوعاً من المعارضة الشديدة، حتى أنه في 18 إبريل عام 448م صدر مرسوم إمبراطوري في أنطاكيا يحرم نسطوريوس وكتاباته ومؤيديه، كما أُمر ثيؤدوريت نفسه بالتزام البقاء في كرسيه بقورش.
وكان هناك أيضاً شخص هام آخر له دور مؤثر في تلك الدراما المأسوية من تاريخ الكنيسة وهو إيباس أسقف الرها، الذي أثارت سياسته ردود أفعال ضخمة ومعارضة شديدة.
وفي إطار كل هذه التطورات، كان هناك تدخل فعال للبابا ديسقوروس السكندري. وكان البابا ديسقوروس قد خلف البابا كيرلس بعد نياحته عام 444م، وقد تحتم عليه أن يقوم بدور دقيق للغاية.
وقد قام شفارتز بتحليل أعمال البابا ديسقوروس قبل عام 448م، وتضمَّن هذا التحليل ثلاثة نقاط:[7]
أولاً، أن البابا ديسقوروس سعى لبناء أرثوذوكسية سكندرية قوية على أساس قانون إيمان نيقية حسبما فسره وأكده مجمع أفسس عام 431م.* وباستخدام إعادة الوحدة كأداة استطاع التمسك بالحروم الإثني عشر وبصيغة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”.
ثانياً، في أثناء جهاده هذا، حاول البابا ديسقوروس التخلص من كل المعارضة بكافة الوسائل المتاحة.
ثالثاً، تتبع البابا ديسقوروس خطوات سابقيه ثيؤفيلس وكيرلس، وحاول فرض الهيمنة والسيادة على كرسي أنطاكيا في البداية ثم بعد ذلك على كرسي القسطنطينية.
ومن هذه النقاط الثلاثة ينبغي أن نركز على النقطة الأولى، لأن البابا ديسقوروس كان قد ورث تقليداً لاهوتياً وضع على عاتقه مسؤلية نشره وتعزيزه، مثلما فعل الأنطاكيون ومثلما فعل البابا ليو. وينبغي علينا هنا أن ندرك حقيقة أن كل واحد من أولئك الرجال لم يكن يستطيع أن يرى إلاّ تقليده (الموروث) فقط.
والنقطة الثانية التي ذكرها شفارتز عن البابا ديسقوروس تنطبق أيضاً على تقريباً كل القادة الكنسيين في تلك الأزمنة القديمة.
أما النقطة الثالثة فإنها نتيجة تبسيط مبالغ فيه للحقائق، فلا يمكن اعتبار أن البابا ديسقوروس في مقاومته لجهود الجانب الأنطاكي في تشويه التقليد اللاهوتي السكندري ـ والذي كان بالنسبة له هو إيمان الكنيسة الأصيل ـ كان منقاداً برغبته في الهيمنة على كرسي أنطاكيا أو القسطنطينية، لأن هذا الأمر يفتقر إلى الدليل الواقعي.[8]
[1] كانت رسائل ق. كيرلس إلى أكاكيوس وفالريان وسكسينسوس تحمل شهادات وافرة على هذه الحقيقة. وعلى سبيل المثال أوضحت الرسالة إلى أكاكيوس بشدة أن إعادة الوحدة كانت محاولة لإحلال السلام في الكنيسة (PG LXXVII, 184 A-B).
وبالنسبة لتعبير ’طبيعتين‘ الوارد في صيغة إعادة الوحدة قال ق. كيرلس أن الطبائع التي يتكون منهما المسيح هي إثنتان، وأن في الاتحاد لم يحدث أي امتزاج أو اختلاط أو امتصاص لأي منهما. ولكن العبارة (الواردة في صيغة إعادة الوحدة) لا تحمل معنى الانفصال كما كان يقصد نسطوريوس، ومع ذلك ـ والكلام لكيرلس ـ لم يستعمل هو هذا التعبير ولكن يوحنا الأنطاكي هو الذي استعمله. انظر: (PG LXXVII, 200 C)
[3] هناك دليل على هذه الحقيقة في المراسلات بين ثيؤدوريت ويوحنا أسقف (Agae)، انظر صفحة وما يليها. وعلى الرغم من أن هذا قد حدث بعد مجمع خلقيدونية ولكنه يتمشى تماماً مع الافتراض بأن ثيؤدوريت ـ الذي ظل على الدوام منتقداً للموقف السكندري ـ قد وافق على قبول إعادة الوحدة فقط في ضوء معنى ’الاتحاد الهيبوستاسي‘ الذي كان يفهمه هو. وكان ثيؤدوريت قد ذكر أن ’الهيبوستاسيس‘ و’البروسوبون‘ هما مترادفان.
[5] E. Schwartz, Der Prozess des Eutyches, 1929, p. 53.
[6] حينما تنيح ق. كيرلس، كتب ثيؤدوريت إلى دومنُس يقول: “أخيراً وبصعوبة ذهب الوغد الشرير. الصالحون والنبلاء يموتون سريعاً، أما الأشرار فتطول حياتهم لسنين…”. انظر الرسالة رقم 180 في (N&P.N.F. sec. ser. Vol. III, pp. 347f)
* المقصود أن مجمع أفسس قد صدق على ؤ نيقية في إطار تفسير معين، لأن قانون الإيمان ـ مثله في ذلك مثل الكتاب المقدس ـ ينبغي أن يُفسَّر بحسب التقليد المستقر في الكنيسة، وإلا خرج عن معانيه الدقيقة التي قُصدت عند صياغته.
[8] إن الدليل الظاهري الوحيد على هذا الإدعاء يأتي من شكوى دومنُس بأن كرسي ق. مرقس كان عدوانياً تجاه كرسي ق. بطرس في أنطاكيا. انظر:
(Jalland, Life and times of St. Leo the Great, op. cit., p. 214).
بدأت الكنيسة المسيحية على أساس إيمان متمركز في شخص الرب يسوع المسيح، وقد حاولت الكنيسة أن تحافظ على هذا الإيمان في حياة المجتمعات المسيحية بطرق متنوعة تضمَّنت تبني عبارات (إقرارات) مختصرة تعبِّر عن الإيمان، وهي التي سُميت فيما بعد بقوانين الإيمان.[1]
وكان لدى الكنيسة في كل مكان نوع أو آخر من هذه الإقرارات المختصرة ـ التي كانت تعتبرها تشكِّل دستوراً للإيمان ـ حيث تقوم بتعليمها للمتقدمين للعماد كما تتلوها في عبادتها المنتظمة.
ومنذ العصور الأولى للمسيحية، كان المبشِّرون والمدافعون يقومون بشرح دستور الإيمان هذا لمن حولهم، وكانوا يركِّزون في شرحهم على أن يسوع المسيح هو ابن الله، الذي من خلاله يستطيع الرجال والنساء أن يكون لهم وصول مباشر لله (الآب)، ومنذ وقت انتشار كتابات العهد الجديد بدأوا يشيرون إليها لتأييد تفاسيرهم باعتبارها تقاليد رسولية متواترة.
وكانت هناك محاولات أخرى عديدة لشرح الإيمان قامت الكنيسة برفضها أثناء القرنين الثاني والثالث، حيث قام البعض بالإشارة إلى ’الابن‘ بكونه يتصل بالله الأزلي بعلاقة إعتمادية؛ والبعض الآخر أشار إليه بأنه الله ذاته في علاقته مع عالم الطبيعة؛ ورآه آخرون أنه إنسان مثلنا حل عليه روح الله وعمل فيه بصورة فائقة؛ وهناك من قالوا أنه مخلوق كامل أحضره الله للوجود قبل (أن يخلق) أي شيء آخر.
وبينما كان كل واحد من هؤلاء المبتدعين يحاول الترويج لأفكاره، كانت هناك سلسلة متواصلة على الدوام من قادة الكنيسة الذين فندوا تلك الأفكار الغريبة وشرحوا الإيمان بطرق أكثر قبولاً. وقام هؤلاء الرجال بتسليم الأجيال التالية أنماط معينة للتفكير، اعتبرتها الكنيسة قاعدة للوصول إلى المقياس العقائدي الصحيح.
وعلى الرغم من ذلك لم تكن تلك الأنماط موحدة، فمنذ القرن الثاني تقريباً بدأت تظهر على الأقل ثلاثة تقاليد عريضة (في الكنيسة): واحد في الإسكندرية، وآخر في أنطاكيا، والثالث في الغرب.
ومنذ البداية كانت هناك أيضاً محاولات لتوحيد أنماط التفكير المسيحي، وأولى هذه المحاولات الناجحة هي التي تحققت في القرن الرابع في مواجهة تعليم أريوس وأتباعه الذي زعم بأن الابن كان في الأساس مخلوقاً.
واستطاعت الكنيسة من خلال مجمع نيقية عام 325م ـ وبمساندة سلسلة من الرجال المقتدرين أمثال ق. أثناسيوس السكندري والآباء الكبادوك ـ أن تؤكد رسمياً أن الابن المتجسد يسوع المسيح ، هو الله بالكمال منذ الأزل على نفس النحو الذي به الآب أو الروح القدس، وذلك بدون أي تعارض مع الوحدة الإلهية.
وقد ضمَّن المجمع هذا الاعتراف داخل قانون إيمان، أكد فيه أن الابن “له ذات الجوهر الواحد (هوموأووسيوس)” مع الآب. وابتدأ هذا القانون ـ في صورته المطولة تلك ـ يحل بالتدريج محل كل قوانين الإيمان الأخرى في الشرق، مؤكداً على أن الابن له بالكامل ومنذ الأزل ذات الجوهر الواحد مع الآب.
وهكذا استطاعت الكنيسة في القرن الرابع أن تتفق رسمياً على عقيدة الثالوث القدوس، التي تضمَّنت علاقة الوحدانية في ذات الجوهر للآب والابن والروح القدس. ولكن إذا نظرنا إلى تفسير قانون الإيمان، فسنجد أنه بالرغم من أن التقليد السكندري والأنطاكي كانا بصورة أو بأخرى متفقين معاً، إلاّ أنهما لم يتفقا مع الغرب في نفس نمط التفكير الذي اتبعه، فبينما التزم الشرق بالتراث اللاهوتي للآباء الكبادوك (في تفسيرهم لعقيدة الثالوث)، تمسك الغرب بالتعليم الذي قدَّمه ق. أغسطينوس.
ولكن هذا الاختلاف مع ذلك لم يسبب أي انقسام بين الشرق والغرب مثلما حدث في الخلاف حول شخص المسيح في القرن الخامس.
[1] كان أغلب تلك الإقرارات يبدأ بكلمة ’أؤمن‘ لذلك سٌميت بإقرارات الإيمان (التي توحدت فيما بعد في قانون الإيمان النيقاوي-القسطنطيني).