الصوم المقدس ع2 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

الصوم المقدس ع2 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

 

الصوم المقدس ع2 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

 

العظة الثانية

 

الصوم سلاح روحى:

1ـ ” عزوا عزوا شعبى يقول إلهكم طيبو قلب أورشليم” (إش1:40 ـ2)

          إن إلقاء الكلمات المُشجّعة تُشدّد العزائم وتشحذ الهمم، وتُحفّز الكسالى والمتوانين على العمل. ومن أجل هذا فإن العسكريين عندما يُعدّون الجيش لمعركة قادمة، فإنهم يشرعون في إلقاء الخطب الحماسية عن ضرورة القتال، ويقدّمون النصائح والوصايا التي لها من القوة أن تجعل الكثيرين في مرات عديدة أن يستهينوا بالموت. أيضًا عندما يقوم المدّربون، بقيادة الشباب الرياضيين في المباريات وهم داخل الاستاد، فإنهم يقدّمون نصائح كثيرة عما يجب أن يفعلوه وأنه ينبغى عليهم أن يبذلوا أقصى جهد لكى يفوزوا ويُتّوجوا، حتى أن الكثيرين عندما يقتنعون بأهمية وشرف الانتصار يستهينوا بالأتعاب الجسدية. وبناء عليه فإننى أُعِد جنودًا للمسيح من أجل الحرب ضد الأعداء غير المرئيين وأحث المجاهدين على التقوى وضبط النفس، لكى ينالوا تيجان البر، لذلك فهناك ضرورة لتقديم النصيحة والإرشاد.

ماذا أريد أن أقول أيها الاخوة؟ إن أولئك الذين يدرسون الأمور الخاصة برياضة المصارعة التي تُمارس في حلبة المصارعة، يعرفون أنه أمر طبيعى إذا حدث إسراف في الطعام فسيزداد وزن الرياضيين، حتى أنه يصعب عليهم المشاركة في المباريات. لكن أنتم لا تُصارعون مع لحم ودم، بل ” مع الرؤساء. مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات” (أف12:6). إذًا في هذه الحرب من الضرورى ممارسة الصوم وضبط النفس لأن الدسم يُزيد وزن مَن يجاهد، بينما الصوم يقوي الإنسان التقى. حتى أنه على قدر ما يفقد الجسد هذه الزيادة، على قدر ما تشرق النفس بالبهاء الروحى. لأن الانتصار على الأعداء غير المرئيين لا يتحقق بالإمكانيات الجسدية، لكن بإصرار النفس وصبرها على الضيقات.

 

الصوم رفيق حسنٌ في الطريق:

          2 ـ إذًا فالصوم ـ لأولئك الذين يعرفون قيمته ـ هو نافع ومفيد طول العام، لأن الحيّل الشيطانية لن تؤثر في الصائم، وبالأكثر فإن الملائكة الحارسون لحياتنا يظلوا إلى جوار أولئك الذين تنّقوا بالصوم، وبالأولى جدًا الآن حيث انتشرت البشارة في كل المسكونة ولا يوجد مكان في الأرض لم يسمع بالبشارة سواء كان جزيرة أم قارة أم مدينة أم أمة، أو أقصى الأرض. وأيضًا الجنود في معسكراتهم، والمسافرين والبحارة والتجّار، جميعهم قد سمعوا الدعوة المملوءة فرحًا وقبلوها. حتى أنه لا ينبغى لأحد أن يستثنى نفسه من قائمة الصائمين. وهذه القائمة تشتمل على كل الأجناس وكل الأعمار وكل المناصب. إن الذين يسجلون قائمة الصائمين في كل كنيسة هم الملائكة. فلتحذر ـ ربما بسبب شهوة عابرة للأكل ـ أن تفقد تسجيل اسمك، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ستجعل نفسك في حكم الفارين من الجنديّة. إن الخطر الذي يتعرّض له شخص ترك درعه أثناء المعركة، يُعد أقل إذا ما قورن بترك سلاح الصوم.

          فإن كنت غنيًا لا تهين الصوم بأن تستنكف أن تُعِد مائدة تحوى أطعمة للصوم، ترى أنها لا تليق بك ولا ينبغى أن تُبعد هذه الأطعمة من بيتك، كأنها محتقرة بسبب أنها لا تحقق اللذة المرجوّة، حتى لا يُدينك مُشرِّع الأصوام وتعانى من تأديبات كثيرة، مثل أن يُحكم عليك بأمراض جسدية أو أى ظرف آخر مؤلم. وإن كنت فقيرًا، فصُم ولا تخشى سخرية البعض منك بقولهم إنك صائم دائمًا بسبب حالتك المادية. وأقول للمرأة أن تصوم، فالصوم لها مثل التنفس هو أمر طبيعى ومألوف، وللأولاد الذين هم مثل النباتات النضرة الخضراء، يرتون بماء الصوم. بالنسبة للكهنة فإن الألفة القديمة مع الصوم تجعل الأتعاب سهلة. لأن الأتعاب التي تأتى بعد عادات استقرت طويلاً لا تُثير آلام كثيرة عند المتمرنين عليها.

          بالنسبة للذين يرتحلون كثيرًا، فإن الصوم هو رفيق حسن للطريق. فكما أن الأطعمة تؤدى بالضرورة إلى زيادة الوزن، هكذا فإن الصوم يجعلهم أقل وزنًا وأكثر حيوية وحركة. ثم أنه عندما يُنادى بحملة عسكرية خارج حدود الدولة، فإن الجنود يُزوّدون بالاحتياجات الضرورية وليست تلك التي تُثير المتع. أما من جهتنا نحن الذين نُحارب ضد الأعداء غير المرئيين، فإنه لا يليق بنا بالأكثر أن نُقبل على الأطعمة، بل يجب أن نكتفى بالاحتياجات الضرورية، كما لو كنا نتدرب في معسكرات. لأن هدفنا هو الانتصار عليهم والانتقال إلى الوطن السماوى.

 

الصوم وحياة التقوى:

          3 ـ ” فاشترك أنت في احتمال المشقات كجندى صالح … وأيضًا إن كان أحد يجاهد لا يكلّل إن لم يجاهد قانونيًا” (2تى5:3). ينبغى علىّ ألاّ أتجاهل ما ورد بخاطرى الآن وهو ما أريد التحدث عنه، أن النصيب المُقَدّم من الأكل للجنود يزداد وفقًا للأتعاب لكن بالنسبة للجنود الروحيين فإن الجندى الذي له طعام أقل له رتبة أعلى. كما أن خوذتنا تختلف جوهريًا عن الخوذة الأخرى التي تتعرّض للتلف، لأن المادة التي تُصنع منها الخوذة هى النحاس، أما الأخرى فقد أُعدت وتثبتت برجاء الخلاص (انظر 1تس8:5). والدرع بالنسبة للجنود العالميين مصنوع من الخشب والجلد، أما بالنسبة لنا فهو ترس الإيمان وقد سُيّج حولنا بدرع البر والسيف الذي نستخدمه في الدفاع هو سيف الروح القدس (انظر أف16:6ـ17). لكننا نجد أن الآخرين يفضلّون السيف المصنوع من الحديد، وبالتالى فإن الطعام بحد ذاته لا يقويهم. لكن الذي يُقوينا نحن هو حياة التقوى، بينما مَن يشتهون الأكل فلهم احتياج لأن يملأوا بطونهم.

إن دوران الزمن يحمل لنا مرة أخرى تلك الأيام الجميلة، وعلينا أن نُقبِل على تعاليم الكنيسة بفرحٍ، كما يفرح الطفل بأمِهِ. لأنه بهذه التعاليم فإن الكنيسة تُطعمنا بالتقوى. إذًا متى صُمت لا تكن عابسًا مثل اليهودى، لكن اجعل ذاتك مُشرقة بالفرح (انظر مت16:6ـ17). بمعنى أنه لا ينبغى أن تحزن لأجل حرمان بطنك من الأطعمة، بل أن تفرح من كل نفسك من أجل المتع الروحية. لأنك تعلم جيدًا أن ” الجسد يشتهى ضد الروح. والروح تشتهى ضد الجسد” (غلا17:5). إذًا لأن كل منهما (أى الجسد والروح) يشتهى ضد الآخر، فلنقلّل من شهوة الجسد، ولنزيد من قوة النفس، لكى نلبس إكليل العفة، حيث إنه بالصوم نحصل على الغلبة ضد الشهوات.

 

الصوم ونقاوة النفس:

4 ـ إذًا، فلتجعل نفسك مستحقة للتكريم عن طريق هذا الصوم المبارك، ولا تُفسد عفة وطهارة الغد، بسكر اليوم. واعلم أن القول بأنه يحق لنا بعد الصوم أن نغرق في السكر هو بمثابة فكر شرير وخبيث. فكما أنه لا يوجد أحد ـ عندما ينوى أن يتزوج من امرأة وقورة بحسب القوانين ـ يسمح بوجود زانية في بيته، لأن الزوجة الشرعيّة لا تقبل ولا تحتمل أن تسكن مع ساقطة. هكذا يجب عليك أنت أيضًا ألاّ تلجأ أولاً إلى السكر أو تلجأ جهارًا إلى الزنى، أى إلى مصدر الوقاحة وصنو الخداع، إلى الخبل، وإلى قبول كل فكرة مرذولة بكل سهولة، بينما تنتظر الصوم. إن النفس التي تلوثت بالسكر، لا يسكن فيها الصوم والصلاة[1]. إن السيد الرب يقبل في شركته ذلك الذي يصوم، بينما لا يقبل في شركته الدنس والنجس والمدمن. فلو أنك أتيت غدًا ورائحة الخمر تفوح منك، كيف أحسبك صائمًا وأنت في هذه الحالة من السكر الشديد؟ ولا تُقيم حساباتك على أنك مؤخرًا لم تشرب خمرًا بصورة كبيرة، لكن التقييم الحقيقى هو أنك لم تتنقى من إدمان الخمر بعد. في أى وضع يمكن أن أُصنفك؟ هل أضعك ضمن السكارى، أم من ضمن الصائمين؟ لأن حالة السكر السابقة تجذبك نحوها، بينما إتباع نظام التقليل في الطعام يؤكد الصوم. أنك مُستعبد للسكر وستظل محصورًا في ذاتك، لأنه إن كانت رائحة الخمر لازالت في الوعاء، فهذا يُعد دليلاً واضحًا على العبودية. وأقول لك بطريقة مباشرة وبلا مواربة إن أول يوم في الصوم سيكون بالنسبة لك بلا فائدة وغير مناسب، لأن بقايا السكر مازالت موجودة داخلك ” فلا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله” (1كو1:6). فهؤلاء بدايتهم بل وكل مسيرتهم محتقرة، ومن الواضح أنهم مرذولون.

          ما هو النفع لو أنك أقبلت على الصوم وأنت سكران؟ لأنه إن كان السُكر يُبعدك عن الملكوت، فكيف يكون الصوم نافعًا لك؟ ألا ترى كيف أن هؤلاء الأكثر خبرة في ترويض وإعداد الخيول قبل مباريات السباق، يُقلّلون طعام الخيول التي ستشارك في السباق؟ بينما أنت تسرف عمدًا في الشراهة. إنك تتجاوز الخيول بكثير من جهة النهم!. كما أنه ليس من الحكمة في شئ أن تكون البطن مملوءة وثقيلة، ليس لأن هذا غير مفيد في حالة السير فقط، بل ولا في حالة النوم أيضًا، لأن المعدة وهى متخمة لا يمكنها أن تهدأ، لكنك تضطر أن تنقلب مرة إلى هذه الناحية ومرة إلى الناحية الأخرى.

 

الصوم هو معلّم الهدوء:

          5 ـ والصوم يحفظ الأطفال ويُهذب الشباب ويجعل الشيخ أكثر وقارًا. لأن الشيخوخة عندما تكون مُزينة بالصوم، تصير أكثر وقارًا. وهو للمرأة زينة لائقة ومناسبة، ولجام لكل من هم في حالة عنفوان كما يُمثل الصوم حفظًا للحياة الزوجية وغذاءً للبتولية. مثل هذه الأمور ينبغى أن تكون موضع اهتمام كل بيت.

ولنرى كيف تُمارس السياسة في حياتنا العامة؟ تمارس على النحو الذي فيه تصير الأمور مُنظمة ويهدأ الصياح وتنتفى المنازعات ويتوقف الكلام السيئ، يحدث هذا في المدينة كلها ومن نحو كل الشعب. وهل هناك معلّم مثل الصوم يستطيع بحضوره أن يعيد الهدوء لأولادنا الذين يثيرون الضوضاء؟ فهو أيضًا الذي يكبح اضطرابات المدينة عندما تثور ومَنْ مِن أولئك المشاركين في اللهو يستطيع أن يتقدم نحو الصوم؟ وأى رقص ماجن يمكن أن يتناسب مع الصوم؟ فالضحكات الناعمة، والأغانى الهابطة، والرقصات المثيرة للشهوة، هذه كلها ستُطرد خِفيةً من المدينة عندما يحل الصوم كما لو أنها قد هربت من أمام قاضٍ متشدّد.

          فلو أن الجميع قبلوا الصوم كمرشد لن تحدث هذه الأفعال ولن يوجد أى شئ يمكن أن يُعيق سيادة السلام الكامل في كل المسكونة، طالما أن الأمم لن تثور الواحدة ضد الأخرى ولن تتصادم الجيوش فيما بينها. لو ساد الصوم، فلن تُصنّع الأسلحة ولن تُقام المحاكم ولن يُسجن البعض، وبصفة عامة لن يصير القفر مكان استضافة للمجرمين ولن تستضيف المدن أصحاب الدسائس ولا البحار ستصير ملجأ للقراصنة.

لو أن الجميع تتلمذوا على الصوم فلن يُسمع مُطلقًا بحسب ما كتب أيوب، صوت محصل الضرائب، وأيضًا لو أن الصوم ساد على حياتنا (أيوب18:3) فلن تصيبها الحسرة أو تصير مملوءة بالتجهم والعبوس لأنه من الواضح أن الصوم سوف يُعلّم الجميع ليس فقط العفة، لكن أيضًا الرحيل الكامل والتغرب عن البخل والطمع وعن كل شر. فلو أننا ازدرينا بهذه الأمور، فلن يكون هناك شيئًا يمكن أن يُعيقنا عن أن نتمتع بسلام عميق ونفس مملوءة بالهدوء.

 

ثمار الصوم:

          6ـ لكن هؤلاء الذين يرفضون الصوم الآن هم من ناحية يسعون نحو الترف والتمتع كسعادة في هذه الحياة، ومن ناحية أخرى يجلبون الكثير من الشرور على أنفسهم وبالأكثر يدمرون أجسادهم. ولتلاحظ من فضلك الفروق بين هؤلاء الأشخاص الذين سيحضرون هذا المساء وأولئك الذين سيأتون في الغد. اليوم ستجدهم منتفخين ووجوههم حمراء جدًا، مُبللين بسبب العرق الكثيف، وعيون زائغة ومحرومة من الرؤية الدقيقة بسبب الظلام الداخلى، لكن غدًا سنجد أشخاص خجولين، وقورين، لونهم طبيعى، ومملؤين بالحكمة والأحاسيس الصادقة، طالما أنه لا يوجد أى علة داخلية يمكن أن تظلم حياتهم.

الصوم هو تشبيه بالملائكة، رفيق الأبرار، حياة العفة. الصوم هو الذي جعل موسى مشرِّعًا. وصموئيل أيضًا هو ثمرة صوم حنة النبيّة التي صلّت إلى الله بعدما صامت قائلة: ” يارب الجنود إن نظرت نظرًا إلى مذلة أمتك وذكرتنى ولم تنسى أمتك بل أعطيت أمتك زرع بشر فإنى أعطيه للرب كل أيام حياته” (1صم11:1). ” وخمرًا ومسكرًا لا يشرب حتى يوم الموت” (انظر قض14:13). الصوم هو الذي أسس ونمّى شمشون العظيم. وحتى ذلك الحين الذي وقف معه آخرين ضد آلاف القتلة من الأعداء، هدم أبواب المدينة وحده والأسوار لم تتحمله بسبب قوة يديه (انظر قض6:14). لكن عندما وقع أسيرًا للسكر والزنا، وقع في أيدى الأعداء بعدما فقد بصره وصار لعبة في أيدى عبيد أمم غريبة (انظر قض12:6ـ25). وبصوم إيليا توقفت السماء عن أن تُعطى مطرًا ثلاث سنين وستة أشهر (انظر 1مل1:17). فقد دعته الضرورة أن يدعو المستمعين إليه إلى صوم انقطاعى عن الأكل بعدما رأى أنه بسبب شهوة الأكل ازداد الظلم والإهانة بين الشعب. بهذا الإجراء توقفت خطيتهم، لأن الصوم قد قطع الطريق نحو تفاقم الشر، كما لو أنه قد قُطع بمقطع حاد.

          7 ـ هذا الصوم قد قبله الفقراء والساكنين معكم وشركاء المائدة الواحدة. إنه للعبيد راحة من عناء العمل، وهو للأغنياء شفاء من ضرر النهم، وفي هذا الإطار فإن الصوم يجعل الأمور التي كانت محتقرة قبلاً بحسب العادة، الآن أكثر متعة. والصوم للمرضى هو مصدر الصحة، وللأصحاء هو حفظًا للصحة الجيدة. فلتسأل الأطباء وسيُجيبونك بأن أكثر الأشياء خطرًا على صحة الإنسان هو امتلاء الجسم. من أجل هذا فإن الذين هم أكثر خبرة بالصوم، يتخلّصون من الدهون الزائدة حتى لا تُسحق عافيتهم تحت ثقل الجسم الممتلئ. لأن الحرمان من بعض الأطعمة عن قصد، يؤدى إلى اختفاء الترهل الناتج عن زيادة الوزن، ويمنح غذاء صحى ومريح ونسكى، وهكذا في كل عمل وكل عادة جسديّة يكون الصوم هو أمر مفيد وهو مناسب لكل الأشياء الأخرى. فهو لائق في البيوت وفي السوق، وهو مناسب في الليل وفي النهار، في المدينة والصحراء. إذًا فلنقبل على الصوم بكل الطرق فهو الذي يمنحنا كل الخيرات، ولنقبله بالفرح وفقًا لكلمة الله لكى لا نظهر عابسين، بل نُظهر فرح النفس بدون تكلّف (انظر مت16:6ـ17). ولا أتصور أن الحث على الصوم يحتاج إلى كل هذا الجهاد، إلاّ بسبب التحذير من أن يقع أحد اليوم في رذيلة السكر. لأن الكثيرين يقبلون على الصوم بسبب العادة وبسبب خجل الواحد من الآخر. لكننى أرتعب ممَن يسكرون، فالإسراف في شُرب الخمر هو مثل شئ يتوارثونه فيما بينهم. وهناك بعض الأغبياء الذين يسرفون في شرب الخمر قبل الصوم. ومثل هؤلاء الذين يقومون برحلات بعيدة، فإن البعض من الحمقى اليوم يسرفون في شرب الخمر وقتًا طويلاً قبل بداية الصوم. من ذا الذي يتسم بهذا القدر من الحماقة، حتى أنه قبل أن يشرب يسلك سلوك السكارى غير المتزن؟ لا يوجد. ألا تعلم أن البطن لا تدخر شيئًا؟ البطن هى الرفيق الذي لا يحظى بالثقة. هى الخزينة التي لا تُضبط، لأنه بينما تُملأ بأشياء كثيرة، لا تحتفظ بها وقتًا طويلاً ويصيبها الضرر. انتبه أنت أيضًا لئلا يصادفك ما سيُقال غدًا بشأن السكر، هذه التي قُرئت الآن ” أمثل هذا يكون صوم أختاره” (إش5:58). لماذا تخلط بين الأمور التي لا تقبل الاختلاط؟ وأى علاقة للصوم مع السكر؟ وأى علاقة للسكر مع العفة؟ ” وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان” (2كو16:6). لأن هيكل الله هم أولئك الذين يسكن فيهم روح الله (1كو16:3). بينما هيكل الأوثان هم أولئك الذين يقبلون شركة الرعاع السالكين في الفسق والفجور بسبب السكر.

هذا اليوم هو مدخل للأصوام وبالتأكيد فإن ذاك الذي تدنس عند المدخل لا يستحق أن يأتى إلى المقدسات. لا يوجد عبد يريد أن يكسب رضى سيده ثم يلجأ إلى عدوه باعتباره مدافعًا عنه وشفيعًا له.

          السُكر هو عداوة لله لكن الصوم هو بداية التوبة. فلو أنك أردت أن تأتى إلى الله مرة أخرى عن طريق الاعتراف، فينبغى عليك أن تتجنب السُكر حتى لا تتغرب عن الله فيصير تجديدك أصعب. لكن لا يكفى فقط الابتعاد عن الأمور الدنسة ليُمتدح صومك، لكن ينبغى أن تصوم صومًا مقبولاً ومُرضِى أمام الله. الصوم الحقيقى هو في الابتعاد عن الشر وفي عفة الكلمة وفي البُعد عن الغضب وفي الانفصال عن الشهوة وعن التجديف وعن الكذب وعن حلف الزور. البُعد عن كل هذه الأمور، هو الصوم الحقيقى.

          8 ـ فلنبتهج في الرب بدراسة كلمات الروح وقبول العادات المخلّصة وبكل تعليم يؤدى إلى تقويم أنفسنا. فلنحترس إذًا من الصوم الذي يسبّبه العوز أو الاحتياج. هذا الصوم لا يتمناه النبى القائل: ” الرب لا يُجيع نفس الصديق ولكنه يدفع هوى الأشرار” (أم3:10). وأيضًا ” لم أر صديقًا تخلى عنه ولا ذرية له تلتمس خبزًا” (مز25:37). لأن ذاك الذي يعرف أن أبناء أبينا يعقوب قد نزلوا مصر بسبب الاحتياج إلى الخبز، لا يمكنه أن يتكلم عن الخبز المادى المحسوس، لكنه يتكلم عن الطعام الروحى والذي به يصير إنساننا الداخلى كاملاً. نترجى ألا يأتى إلينا الصوم الذي هدَّد به الله اليهود ” هوذا أيام تأتى يقول السيد الرب أرسل جوعًا في الأرض. لا جوع للخبز ولا عطشًا للماء. بل لاستماع كلمات الرب” (عا11:8). وقد أثار هذا الجوع، القاضى العادل، لأنه رأى أن الإيمان الحقيقى في أذهان هؤلاء يتلوث بأمور هزيلة، وأن إنسان الخارج يزداد وزنه بصورة ملفتة للنظر ويصير كله جسد ضخم. إذًا كل الأيام القادمة سيُقدِّم لنا الروح القدس وجبة روحية مفرحة في الصباح والمساء[2]. لذلك لا ينبغى أن يتغيّب أحد بإرادته عن هذه البركة الروحية. فلنتناول جميعًا من الكأس الروحى النقى والذي قدمته لنا الحكمة، بعدما فرحنا معًا، لكى ينهل منه كل أحد على قدر ما يستطيع. لأن الحكمة “ ذبحت ذبحها مزجت خمرها” (أم2:9). أى أنه هذا هو طعام الكاملين الذين ” بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخير والشر” (عب14:5). إن الغِنى يتحقق بهذا، طالما أننا قد شبعنا به، ويا ليتنا نكون مستحقين لشركة الفرح ونُحسب ضمن قائمة العرس في شركة يسوع المسيح ربنا الذي له المجد والقوة إلى الأبد أمين.

 

[1] بحسب فكر آباء الكنيسة، فإن الصوم يصاحبه الصلاة ولا يمكن قبول الواحد دون الآخر.

[2] هذه إشارة إلى الكلمة التي ألقاها القديس باسيليوس، في صباح ومساء اليوم.

الصوم المقدس ع2 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

الصوم المقدس ع1 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

الصوم المقدس ع1 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

 

الصوم المقدس ع1 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

 

 

العظة الأولى

 

الصوم الحقيقي[1]:

يوصينا النبى قائلاً: ” انفخوا في رأس الشهر بالبوق عند الهلال ليوم عيدنا” (مز3:81). إن الكلمات تُعلن لنا بحسب (إش4:58ـ6) ـ والتي هى أعظم من الأبواق وأجدر من كل الآلات الموسيقية ـ عن مجىء عيد الأعياد. فلقد عرفنا من إشعياء نعمة الصوم، فهو الذي استنكر طريقة اليهود في ممارسة الصوم وأظهر لنا الصوم الحقيقى عندما قال: ” ها إنكم للخصومة والنزاع تصومون“، ” أليس هذا صومًا أختاره؟ حلَّ قيود الشر” (إش4:58ـ6). والرب يقول ” ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين. فإنهم يغيرون وجوههم لكى يظهروا للناس صائمين. الحق أقول لكم إنهم استوفوا أجرهم. وأما أنت فمتى صُمت فادهن رأسك واغسل وجهك” (مت16:6ـ 17).

          دعونا نتصرّف كما تعلّمنا ـ فلا نظهر عابسى الوجه في أيام الصوم القادمة، لكن علينا أن نظهر بوجه بشوش كما يليق بالقديسين. فعديم الشفقة لا يُتوج، ولا عابس الوجه يحتفل بنصر. فلا يليق أن أفرح وأسعى نحو صحة النفس، بينما ينتابنى حزن بسبب تغيير الأطعمة في فترة الصوم، لماذا أفرح وأهتم براحة الجسد، في الوقت الذي لا أبالى براحة النفس؟! فالحقيقة أن الرفاهية تعوق استمتاع البطن بالمأكولات، أما الصوم فيجلب فائدة إلى النفس. لهذا ينبغى عليك أن تفرح إذ أُعطى لك دواءً فعالاً من الطبيب، دواءً يُمحى الخطية. لأنه كما تموت الديدان التي تحيا في أمعاء الأطفال بدواءٍ فعّال، هكذا الصوم عندما يدخل إلى عمق النفس فإنه يميت الخطية التي تسكن فيها.

          2ـ إن كلمات الرب: ” ادهن رأسك واغسل وجهك” (مت17:6) تدعوك إلى ممارسة الأسرار. فالذي يُدهن يُمسح والذي يغتسل يتطهّر. ونحن نتكلّم عن الإنسان الداخلى، فهيا طَهِّر نفسك من الخطايا ولتمسح رأسك بالمسحة المقدسة لتصير شريكًا للمسيح. وهكذا تأتى إلى الصوم. فلا تكتئب وتكسى وجهك بالسواد مثل المرائيين. فالوجه يكسوه السواد عندما يتلون الإنسان الداخلى بالرياء، فيتغطّى الشكل الخارجى بقناع كاذب مُزيّف. فالممثل هو الذي يلبس قناعًا على وجهه وهو على المسرح. كما أن العبد مرات كثيرة يلبس قناعًا ليتشبه بالسيد، وبعض المرات يلبس قناعًا ليتشبه بالملك. هكذا في هذه الحياة نجد الأغلبية من البشر ـ كأنها على مسرح ـ تلعب أدوارًا تمثيلية، فهم يحملون في القلب أمورًا دفينة بينما يظهرون إلى الناس أمورًا أخرى مغايرة. إذًا لا تضع قناعًا على وجهك بل عش على حقيقتك.

          لا تتملق وتظهر بوجه عابس، لتقتنص مجدًا ليس لك. فبالإحسان الذي تفعله علنًا وبالصوم الذي لا تتوانى في إعلانه جهارًا لن تستفيد شيئًا، لأن أمور النفاق والتملّق التي تمارسها بطريقة ظاهرة لا تثمر ثمارًا للحياة الأبدية، فأنت تُفسد الثمار بقبولك لمديح الناس. أسرع إذًا بفرح إلى نعمة الصوم. فالصوم هو عطية وُهبت لنا منذ القِدَم وهو لا يهرم ولا يشيخ. بل يتجدد دائمًا وينمو ويزهر لكى يأتى بثمارٍ ناضجة.

 

أقدمية الصوم:

          3 ـ هل تظن أن الصوم هو أقدم من الناموس؟ نعم إن الصوم هو أقدم من الناموس. انتظر قليلاً وتمهل وسوف تتحقق من صدق كلامى. لا تظن أن بداية التشريع بممارسة الصوم بالنسبة لإسرائيل كان في اليوم العاشر من الشهر السابع (لا29:16، 27:23). بل تعال نغوص داخل التاريخ لنجد بداية للصوم. فالصوم ليس هو ابتداع حديث. فالصوم جوهرة غالية ورثناها من الأجداد، وكل شئ قديم جدير بالوقار. ليتك تُقدّر معى أقدمية الصوم. فالصوم قديم قِدَم البشرية. لقد شُرِّع الصوم في الفردوس. فوصيّة آدم الأولى كانت:   ” من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها” (تك16:2ـ17).

          فعبارة “لا تأكل” هى تشريع للصوم والانضباط. فلو مارست حواء الصوم وتجنبّت الأكل من ثمر هذه الشجرة، ما كُنّا في حاجة إلى هذا الصوم لأنه ” لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى” (مت 12:9). فخطيتنا هى التي جلبت علينا المرض. فدعونا إذًا لنُشفى بالتوبة، غير أن التوبة بدون ممارسة الصوم هى باطلة ” ملعونة الأرض بسببك. وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل” (تك 17:3ـ 18).

          إن الوصية قد أُعطيت لك لكى تعيش وتحيا حياة الاختبار، لا لكى تحيا حياة سهلة، حياة الرفاهية بدون اختبار. هيا تحدّث مع الله وتعرّف على أهمية الصوم. الحياة في الفردوس كانت مثالاً للإنسان الصائم. ليس فقط لأن الإنسان كان يشارك الملائكة على المائدة وتشبّه بهم عندما عاش في قناعة، لكن أيضًا لأن كل ما ابتدعه الإنسان بفكره فيما بعد لم يكن موجودًا في الفردوس. فلم يكن شرب الخمر موجودًا بتاتًا، ولم تكن هناك ذبائح حيوانية ولا كل ما يكدّر الذهن البشرى.

 

خطورة عدم الصوم:

          4 ـ ولأننا لم نَصُم فقد تعرّضنا للسقوط من الفردوس. إذًا علينا أن نصوم لكى نأتى إليه مرة ثانية. ألم ترى كيف أن لعازر دخل إلى الفردوس بواسطة الصوم؟ (انظر لو20:16ـ31). وليتك لا تجعل قصة مخالفة حواء لوصية الصوم مثالاً تحتذيه وتقبل مرة أخرى نصيحة الحيّة، تلك الحيّة التي فضلّت الأكل والاهتمام بالجسد. لا تتعلّل بالمرض والضعف الجسدى وترفض ممارسة الصوم. ولا تصنع أمامى مبررات لعدم صومك بل اعترف بها للذي يعرف كل الخبايا. فأخبرنى إن كنت لا تستطيع أن تصوم، ودعنى أسألك: ألا تسعى لإشباع جسدك طوال حياتك وتسحقه تحت وطأة الانسياق وراء شهوة الأكل والشرب. إننى أعرف جيدًا أن الأطباء يفرضون على المرضى الانقطاع عن الأكل أو تناول أطعمة خفيفة ويمنعون عنهم الأطعمة الدسمة. لذا أقول لك كيف أنك تقدر على فعل كل ما يوصيك به الأطباء بينما تتعلّل الآن بأنك لا تقوى على ممارسة الصوم؟! هيا نتحاجج معًا ما هو الأكثر سهولة على الإنسان، أن ينام طوال الليل بعد أن يتناول أطعمة خفيفة أم بعد أن تمتلئ معدته بأطعمة ثقيلة؟ ماذا تقول؟ هل من السهل أن ينقذ القائد سفينة تجارية محملّة بأثقال كثيرة أم سفينة مُحملّة بأحمال خفيفة؟! إن السفينة المحملّة بأثقال كثيرة عندما تتعرض لنوة بحرية صغيرة فإنها تغرق بسهولة، أما تلك التي بها أحمال معقولة ومتوازنة فإنها تعبر النوة البحرية طالما لا يعوقها شئ عن الارتفاع واجتياز هذه النوة. هكذا أجساد البشر عندما تتثقل بالتخمة المستمرة فإنها تُصاب بسهولة بأمراض كثيرة. لكن عندما تصير هذه الأجساد منضبطة بتناولها أطعمة خفيفة فإنها تتجنب الإصابة بالأمراض حتى تلك التي يسببها المناخ السئ، ولا يعتريها الملل حتى لو كان مثل الدوامة في هجومه. والإنسان الذي له قوة إرادة إيجابية من السهل أن يشعر بالكفاية الذاتية والقناعة أمام ملذات العالم، بينما عندما يترك الإنسان الضعيف نفسه يتناول أطعمة كثيرة ومتنوعة وفاخرة وشهية فإنه لا يبلغ حد الكفاية فيسبب لنفسه أنواع كثيرة من الأمراض.

 

الصوم تقليد آبائى:

          5 ـ ليت حديثنا يمضى نحو فحص أقدمية الصوم، وكيف أن كل القديسين حافظوا على هذا التقليد الآبائى الذي استلموه وسلّموه إلينا. ولتعلم أن الخمر لم يكن موجودًا في الفردوس، فلقد ظهر الخمر بعد الطوفان ولا كان هناك ذبح للحيوانات ولا أكل للحوم. ويقول الكتاب ـ بعد الطوفان ـ ” كل دابة حيّة تكون لكم طعامًا. كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع ” (تك3:9).

 

نوح لم يكن يعرف إدمان الخمر ثم أدمنه:

         في ذلك الوقت عندما تراجع الكمال ظهر التمتّع. والمثال على عدم معرفة الخمر هو نوح الذي لم يكن يعرف استخدام الخمر، إذ لم يكن الخمر دخل في حياة البشر، ولم يكن قد شاع استخدامه بين البشر. هكذا نوح لم يكن قد رأى أحد يشرب الخمر، ولا هو نفسه قد ذاق الخمر ثم وقع في إدمانه، إذ يقول الكتاب ” وابتدأ نوح يكون فلاحًا وغرس كرمًا. وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه” (تك20:9ـ21). وحدث ذلك الأمر لا لأن نوح كان مدمنًا خمرًا لكن لأنه لم يكن يعرف الكمية المعتدلة في الشرب. بالتالى جاء اكتشاف شرب الخمر وإدمانه بعد الطرد من الفردوس أى أن الإنسان كان قد مارس الصوم في الفردوس.

 

موسى النبى يقترب إلى الله بالصوم بينما الشعب يحتقر الصوم:

         لقد اقترب موسى من الجبل بعد أن صام (خر8:24)، إذ لم تكن له الجرأة لأن يقترب من قمة الجبل الذي كان يدخن، ولم تكن له الشجاعة أن يأتى إلى الضباب إن لم يكن قد تسلّح بسلاح الصوم. لقد قَبِل موسى الناموس بعد أن صام، ذلك الناموس الذي كُتب على لوحى الشريعة بإصبع الله. وبينما صار الصوم أعلى الجبل سببًا لإعطاء الشريعة، تسببت شراهة شعب أسفل الجبل في الوقوع في عبادة الأصنام، إذ ” جلس الشعب للأكل والشرب ثم قاموا للعب” (خر6:32). لقد أفسد إدمان الخمر ما كان ينتظره موسى من صومه وصلاته لأن النبي رأى أن شعب الله المخمور لم يكن يستحق هذه الشرائع خلال الأربعون يومًا. وهكذا نرى وكأن الخمر قد كسر لوحى الشريعة اللذان كُتبا بأصبع الله. هذا الشعب الذي عرف الله من خلال معجزات عظيمة حدثت له ـ في لحظة ـ بسبب الشراهة في عبادة الأصنام. قارن إذًا بين الحالتين كيف أن الصوم يقود إلى الله وكيف أن الشراهة تقود إلى الهلاك.

 

فاعلية الصوم:

          6 ـ ما الذي نَجَّس عيسو وجعله عبدًا لأخيه؟ ألم يكن طعام بسيط هو الذي تسبّب في أن يبيع البكورية؟ (انظر تك30:25ـ34). وصموئيل النبى ألم يُمسح بفضل صلاة وصوم أمه؟ (انظر 1صم13:1ـ16). ما الذي جعل شمشون محاربًا وبطلاً شجاعًا؟ ألم تنجبه أمه بفضل الصوم؟ (انظر قض4:13) الصوم هو الذي أنجبه فهو قد أتى بإرادة الصوم، والصوم صنع منه رجلاً. الصوم هو الموضوع الذي تحدث عنه الملاك لأمه قائلاً: ” من كل ما يخرج من حفنة الخمر لا تأكل وخمرًا ومسكرًا لا تشرب وكل نجس لا تأكل. لتحذر من كل ما أوصيتها ” (قض14:13).

 

أنشودة الصوم:

الصوم حارس للنفس، ورفيق أمين للجسد،

الصوم سلاح الشجعان، ومدرب النُساك،

الصوم يصَّد التجارب، ويُمهد الطريق للتقوى،

إنه رفيق الهدوء وصانع العفة

الصوم يعمل أعمالاً باهرة في الحروب،

ويُعلَّم السكينة في وقت السلام

الصوم يُقدِّس النذير[2] ويجعل الكاهن كاملاً.

الصوم يجعل العاقر تلد أولادًا،

ويصنع الأقوياء، ويجعل المشرّعين حكماء

          لأنه كيف للكاهن أن يصلى بدون صوم؟ لقد كانت ممارسة الصوم أمرًا ضروريًا ليس فقط في عبادة العهد الجديد السرائرية ولكن أيضًا بالنسبة للعبادة الناموسية.

 

الصوم وإيليا النبى:

الصوم هو الذي جعل إيليا النبى يشاهد رؤى إلهية. إذ صام مدة أربعين يومًا وتنقت نفسه واستحق أن يرى الرب على جبل حوريب (1مل8:19ـ23)، الأمر الذي هو صعب الحدوث لأى إنسان. بالصوم أعاد إيليا الحياة إلى ابن الأرملة، فأقامه وسلّمه إليها، إذ بواسطة الصوم برهن أنه أقوى من الموت.

          لقد خرج أمرًا من فم إيليا الصائم بأن يتوقف المطر ـ بسبب معصية الشعب ـ ثلاث سنوات ونصف واستجابت السماء لأمره. لقد فضّل أن يحكم على نفسه مع الآخرين بهذا الحكم الشديد حتى يلين قلب الشعب القاسى. لذلك قال ” حى هو الرب إله إسرائيل الذي وقفت أمامه أنه لا يكون طل ولا مطر في هذه السنين إلاّ عند قولى” (1مل1:17). لقد دعا كل الشعب إلى صوم لكى يواجهوا الشر الذي أتى من حياة التراخى والتلذذ بالأكل والشرب.

ما السبب في أن حياة إليشع النبى مثال للسيرة الحسنة. تأمل كيف أن المرأة الشونمية استضافته، وكيف أنه هو نفسه كان يستضيف بنى الأنبياء؟ انظر معى هل قدّم لبنى الأنبياء قليل من الخبز مع نباتات برية سامة؟ بالطبع لا، لأن واحدًا من هؤلاء خرج إلى الحقل وجمع يقطينًا بريًا سامًا ووضعه مع السليقة في القدر ولكن بفضل صلوات هذا النبى الصائم ـ إذ كان الموت متربصًا بمن يأكل ما هو موجود في القدر ـ اختفى السُم من الطعام. (2مل39:4ـ41).

 

الصوم والفتية الثلاثة:

          من السهل أن ترى ـ وبشكل عام ـ الصوم وهو يقود كل القديسين إلى مدينة الله. مثلاً، يوجد مادة يسمونها الأمينت[3] لا يعتريها أى فساد عندما توضع في النار، مع أنه عندما توضع في النار تبدو للناظرين أنها تتفحم لكن عندما يخرجونها من النار تصير نقية كما لو أنها أُلقت في الماء فصارت نقية. كانت أجساد الثلاث فتية في أتون النار مثل هذه المادة وذلك من جراء الصوم (انظر دا8:1ـ16). إذ أنهم برهنوا وهم في أتون النار أنهم أقوى من النار كما لو كانت طبيعتهم من الذهب. والحق يقال إنهم أظهروا أنفسهم أنهم أقوى حتى من الذهب. إذ لا أحد وقتذاك كان قادرًا على منع تلك النار التي صبوا عليها زيت ونفط ومواد سريعة الاشتعال حتى أنها امتدت لارتفاع تسعة وأربعون زراعًا وأكلت كل ما هو موجود حولها. هذه النار المتقدة تمشوا فيها الثلاث فتية بعد أن صاموا، لقد تنسموا نسيمًا لطيفًا وهواءً باردًا عليلاً في وسط هذه النيران الشديدة لأن الكتاب يقول ” لم تكن للنار قوة على أجسامهم وشعرة من رؤوسهم لم تحترق وسراويلهم لم تتغير ورائحة النار لم تأت عليهم ” (دا27:3).

 

الصوم ودانيال النبى:

         7 ـ ودانيال الرجل الذي لم يأكل خبزًا لمدة ثلاثة أسابيع ولم يشرب ماءً (انظر دا2:10ـ3) علّم الأسود أن تصوم عندما نزل جُب الأسود (انظر دا 16:6ـ22). والأسود لم تستطع أن تلتهمه بأسنانها وكأن جسده مصنوع من الحجر الصلد أو النحاس أو من أى معدن آخر صلب. هكذا يُقوَّى الصوم الجسد ليصير مثل الحديد مما جعل الأسود لا تقوى عليه. لأنهم لم يستطيعوا أن يفتحوا أفواههم أمام القديس. فالصوم ” أطفأ قوة النار وسد أفواه الأسود”[4].

 

الصوم والحياة العملية:

الصوم يُصعد الصلاة إلى السماء كما لو كانت ريشة تطير نحو الأعالى. الصوم هو سبب رُقيّ وتقدم الشعوب، الصوم أصل الصحة، الصوم مربى للشباب وزينة الشيوخ، والرفيق الصالح للمسافرين. الصوم هو خيمة آمنة للذين يطلبون مأوى. فالرجل المتزوج لا يرتاب من زوجته عندما يراها تصوم دائمًا. بالمثل فالمرأة تثق في رجلها ولا تدع الغيرة تتملكها عندما تراه يصوم دائمًا. هل تسبب الصوم في ضرر لأحد؟ طبعًا لا، فلن يغيب شيئًا من الأشياء الموجودة في البيت، لأن رب البيت الصائم لن يستدين أبدًا. لن تسمع في هذا البيت حشرجة موت من أى حيوان يُذبح، لن تجد دم في هذا البيت، لن تجد شهوة بطن تصدر قرار دموى ضد أى حيوان في البيت. سوف يتوقف سكين الجزار عن عمله. فالمائدة تكتفى بأطعمة خفيفة بسيطة. وكما أُعطى السبت لليهودى، إذ يقول الكتاب ” لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك” (خر10:20).       لندع الصوم يكون فرصة راحة للخدم الذي يعملون طوال العام. أعط راحة لطباخك واسمح لخادمك بإجازة، لا تقبل دعوة من أحد لمائدة احتفالية. ليت صانع الحلوى يتوقف عن صنعها. ليت البيت يهدأ وتختفى الضوضاء والجلبة الكثيرة، ليت الدخان ورائحة الشواء يختفيا من البيت، ليت الخدم يستريحون، هؤلاء النازلون والصاعدون على السلالم ليخدموا البطون الشرهة. وكما أن محصلى الضرائب يعطون المديونين مهلة لترتيب أوضاعهم، هكذا فلتُعطى الفم مهلة لتستريح البطن، مهلة لخمسة أيام، تلك (أى البطن) التي لا تتوقف مطالبها.

 

          8 ـ الصائم لا يعرف الاقتراض والسلف والدين. الصائم لا يعرف الفوائد التي يحصل عليها المرابين. الديون مثل الحيّات لكنها لا تستطيع أن تقترب من أولاد الصائم. أضف إلى ذلك أن الصوم يصير دافعًا للابتهاج والسرور. لأنه مثل العطش الذي يجعل كأس الماء حلوًا وكذلك الجوع الذي يجعل المائدة شهية، هكذا الصوم يُبهج متعة الطعام. إذ بالانقطاع عن الأكل يصير تناول الطعام أمرًا جميلاً كلقاء الأحباء بعد طول سفر. وإذا أردت أن تتحقق من هذا الأمر، عليك أن تخضع للصوم، لكن للأسف وأنت محاط بشدة بالتخمة قد نسيت نفسك بإنكبابك على الأطعمة. لقد أبطلت لذة الأكل بمحبتك وانسياقك الدائم للأكل والشرب. إذا أردت أن تستمتع بالطعام عليك أن تمارس الصوم. عليك أن ترى الشئ ونقيضه حتى تشعر بنعمة الشئ الذي تحصل عليه. هكذا الخالق قصد أن توجد أمور متنوعة في الحياة لكى نشعر ونُقدر الأشياء التي أُعطيت لنا. ألم ترى كيف تبدو الشمس أكثر لمعانًا بعد الليل المظلم؟ ألا تشعر بأن اليقظة حلوة بعد النوم الطويل، وأن قيمة الصحة عظيمة بعد اجتياز أزمات صحية؟ وهكذا تصير المائدة أكثر بهجة بعد الصوم.

 

الغنى ولعازر الصائم:

          9 ـ عليك أن تتعظ من مَثَل الغنى، فالرفاهية المستمرة في الحياة سلّمت ذاك إلى النار. لأن الغنى لم يُدان لأنه كان ظالمًا، بل لأنه كان يحيا حياة الرفاهية لهذا فقد احترق في نار الأتون. ولكى نُطفئ تلك النار نحتاج إلى ماء (أى إلى الصوم). ليس للصوم فائدة فقط في المستقبل الأخروى لكن فائدته أيضًا بالأكثر هى لحياتنا الحاضرة. لأن للرفاهية والغنى الفاحش عواقب وخيمة حيث لا يقوى الإنسان على احتمال ثقل بدانة جسده. احذر من نفورك الآن من الماء وانسياقك وراء الخمر لأنك سوف تشتهى قطرة ماء مثل الغنى (انظر لو24:16). فلا سمعنا أن أحد قد سكر من الماء. ولا أحد تألم رأسه بسبب أنه شرب ماءً كثيرًا. ولا أحد احتاج لصحبة أناس غرباء لكى يشرب ماء. ولا أحد تقيدت رجلاه[5] بسبب الماء. ولا أحد صارت يداه غير مقيدة[6] وهو يرتوى بالماء. احذر أيضًا لأن سوء الهضم الذي يحدث بعد تناول أطعمة دسمة يسبب أمراض مخيفة للجسد، ألا تلاحظ أن لون بشرة الصائم هو جميل وهادئ، فوجه الصائم لا يعتريه أى إحمرار من الخجل. إنه مزيّن بالحشمة والأدب، عيناه وديعتان، تصرفاته حكيمة، وجهه مشرق، ابتسامته رزينة، كلامه موزون ، قلبه طاهر ونقى.

 

الإقتداء بالقديسين في صومهم، المسيح هو أساس الصوم:

لذا عليك أن تتذكّر القديسين في كل العصور، هؤلاء الذين ” لم يكن العالم مستحقًا لهم” (عب37:11ـ38). عليك أن تقتدى بهم في تربيتهم وسلوكهم، إن كنت تريد أن يكون لك نصيبًا معهم. وأنا أسألك ما الذي أراح لعازر في أحضان إبراهيم؟ (انظر لو23:16). أليس هو الصوم؟ كما أن حياة يوحنا المعمدان كانت صومًا مستمرًا (انظر مت4:3). فلم يكن ليوحنا المعمدان سريرًا ولا مائدة طعام ولا حقولاً ولا أبقارًا ومحراثًا ولا فرن لعمل الخبز ولا شئ من الأشياء اللازمة للمعيشة، لذلك قيل عنه ” لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان” (مت11:11). الصوم الذي افتخر به بولس هو الذي أصعده إلى السماء الثالثة (انظر 2كو27:11، 2:12).

لكن أساس كل شئ هو ربنا يسوع المسيح الذي صام ـ إذ اتخذ جسدًا ـ لأجلنا وانتصر على الشيطان لكى يعلّمنا أنه بالصوم نجهز أنفسنا لمواجهة محاربات الشيطان، كأنك تضع لجامًا لخصمك. لأنك عندما تسمو بالصوم لا يستطيع العدو أن يقترب منك. وإن كان المسيح بعد قيامته قد أكل ” فأخذ وأكل قدامهم” (انظر لو43:24)، فإنه فعل ذلك لكى يؤكد على حقيقة قيامته بالجسد. وأنا أسألك: أى شئ فعلته بخصوص الوصايا الخلاصية والمحييّة وأنت تحرم ذهنك من الأطعمة الروحية؟ ربما تجهل أن النظم الحربية تعترف بأن الانحياز إلى طرف في الحرب يجعل هزيمة الطرف الآخر مضمونة؟ أقول لك هذا، لأن هذا هو ما يحدث عندما تتعاون مع شهوات الجسد وتنحاز لها فتصير بذلك محاربًا ضد الروح، والعكس يحدث عندما تنحاز للروح فتستطيع بسهولة هزيمة شهوات الجسد. لأنك تعرف أن الاثنين أى الروح والجسد ” يقاوم أحدهما الآخر” (غلا17:5) لدرجة أنك إذا أردت أن تُقَّوى الذهن عليك أن تُقمع جسدك بالصوم. وهذا هو ما يقوله الرسول بولس أى بقدر ما يفنى الإنسان الخارجى، بقدر ما يتجدد الإنسان الداخلى أيضًا (2كو16:4). هل لا تشتهى مائدة الملك؟ إذًا دعنى أسألك مَن مِن هؤلاء الذين يحيّون في رفاهية مستمرة قَبِل شركة الموهبة الروحية؟ مَن هم الذين سقطوا في الصحراء أثناء ترحال شعب الله إلى أرض الموعد؟ (عب17:3) أليسوا هم هؤلاء الذين طلبوا أكل اللحم؟ (عد33:11). هؤلاء البشر لم يكتفوا بالمنَّ ولا بالماء الذي خرج من الصخرة، وكانوا بالأمس قد انتصروا على المصريين وعبروا البحر الأحمر. لكن بسبب أنهم اشتهوا اللحم المطبوخ في الأوانى (انظر خر3:16) تقهقروا إلى الخلف، ولم يرى أحد منهم أرض الموعد. هل لا تخاف من تكرار هذا النموذج؟ هل لا ترتعب من حقيقة أن الانسياق وراء الأكل ربما يحرمك من الخيرات المنتظرة؟ أستطيع أن أقول لك إنه ولا الحكيم دانيال النبى كان سيرى رؤى إن لم يكن قد تطهّر أولاً بالصوم. لا أخفى عليك أن الأكل الدسم ينبعث منه أدخنة تعتّم أنوار العقل التى تأتى من الروح القدس. يوجد غذاء ملائكى كما يقول النبى ” أكل الإنسان خبز الملائكة” (مز25:78). غذاء الملائكة مختلف عن بقية الأطعمة، فهو ليس لحم ولا خمر ولا طعام يهتم به عبيد البطن. تذكّر أن الصوم هو سلاح لمحاربة الشياطين، لأن ” هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشئ إلاّ بالصلاة والصوم” (مر28:9). لكن شهوة محبة الأكل هى بداية الإهانات[7]، إذ أن الرفاهية والإدمان ومحبة اللذات تثير فينا كل أنواع الفحشاء. وكما يقول النبى إرميا: يصير البشر ” حُصُنًا[8] معلوفة سائبة” (إر8:5) وذلك بسبب الأهواء التي تنتج من ترف النفس. إن الانحرافات في السلوك البشرى تأتى من هؤلاء المدمنين والسكارى الذين يمارسون أمورًا شائنة ويستخدمون المرأة والرجل على عكس طبيعتهما. لكن الصوم يعلّمك الاعتدال في الزواج ” لا يسلب أحدكم الآخر إلاّ أن يكون على موافقة إلى حين لكى تتفرغوا للصلاة والصوم” (1كو5:7).

 

خاتمة:

          10 ـ إذًا لا تحصر الصوم في الابتعاد فقط عن الأطعمة. لأن الصوم الحقيقى هو الابتعاد عن الشرور ” أن تحل قيود الظلم” (إش6:63). فإن كنت فى الصوم لا تأكل لحومًا لكن مع الأسف تأكل لحم أخيك. وإن كنت لا تشرب خمرًا لكنك لا تستطيع أن تضبط لسانك عن الشتائم. وبالرغم من أنك تنتظر حتى المساء لكى تتناول الطعام، إلاّ أنك تقضى كل نهارك في المحاكم ” ويل لإكليل فخر سكارى أفرايم وللزهر الذابل جمال بهائه الذي على رأس وادى سمائن المضروبين بالخمر” (إش1:28).

          أرجو أن تلاحظ أن الغضب يُعتبر بمثابة سُكر للنفس، لأنه يجعل النفس تائهة مثلما يفعل الخمر. الحزن أيضًا هو إدمان وسُكر إذ يُغرق العقل. والخوف كذلك هو سُكر وإدمان عندما يحدث في غير موضعه. لأن مكتوب ” من خوف العدو احفظ حياتى” (مز1:64). وعمومًا أى تصرف أو فكر يُخرّب العقل يُدعى حقًا سُكرًا. تأمل، من فضلك، الغضوب كيف أنه يتصرّف كالسكير فهو لا يضبط نفسه أو كلامه ولا يعرف حتى الذين هم معه في مجلسه. إنه يشبه مَن يتعارك في ظلمة الليل فيمسك بأى شئ في طريقه، ويتعثر في أى شئ أمامه ولا يعرف ماذا يقول، ولا يستطيع أن يضبط نفسه، فهو يشتم ويضرب، ويهدد، ويقسم ويصرخ. عليك أن تهرب من هذا السُكر تمامًا كهروبك من السُكر الحقيقي الذي يسببه الخمر. لا تحتقر شرب الماء بدلاً من شرب الخمر، لأن الخمر لا يقودك إلى الصوم. فلا يوجد دخول إلى الصوم من خلال السُكر، كما لا يتحقق العدل من خلال الظلم ولا الانضباط من خلال الفسق، ولا الفضيلة من خلال الشر. باب الصوم له طريق آخر. فبينما يقود الإدمان إلى الفجور فإن الانضباط يقود إلى الصوم. وكما أن الرياضى يتمرّن أولاً قبل أن يخوض في أى منافسة هكذا الذي هو مقبل على الصوم عليه أن ينضبط أولاً. لا تتصرف كما لو كنت تتصرف بانتقام لأنك مُقبل على فترة صوم، فلا تجعل آفة إدمان الخمر تتملكك قبل الدخول في الخمس أيام الأولى للصيام. لن تستفيد من قمعك للجسد ولن تتعزى وأنت تحرم نفسك من الطعام إذا امتلكت شهوة إدمان الخمر. وكأنك تلقى خزينتك في إناء مثقوب. فالخمر يذهب والخطية وارتكاب الآثام يبقيان. العبد يهرب عندما يضربه سيده، أما أنت فإنك تترك نفسك للخمر بالرغم من أنه يضرب دماغك يوميًا وأنت تعرف أن احتياج الجسم المريض للخمر هو محدود كما يعلّمنا الكتاب (انظر 1تيمو23:5).

          إن لم تنضبط اليوم ولا تتعدى حدودك في استخدام الخمر، غدًا سوف تصبح رأسك ثقيلة وسوف تتوه، وتدوخ وستنبعث منك رائحة الخمر الكريهة. سيبدو لك أن كل شئ حولك يلف ويدور ويتأرجح. علاوة على ذلك يُسبب لك السُكر أيضًا نومًا يشبه الموت وكذلك يقظة تشبه يقظة الأحلام.

          11ـ عرفت إذًا مَن هو الذي عليك أن تقبله؟ إنه ذاك الذي كرز قائلاً  ” إن أحبنى أحد يحفظ كلامى ويحبه أبى إليه نأتى وعنده نصنع منزلاً” (يو23:14). لماذا تسلك في طريق السُكر والإدمان وتغلق الباب المؤدى إلى الرب؟ لماذا تُعطى للشيطان فرصة لأن يهاجمك؟ فالسُكر لا يقود إلى طريق الرب، السُكر يبعد عنا الروح القدس. لأنه كما يطرد الدخان النحل كذلك الإدمان يطرد المواهب الروحية.

          الصوم هو كرامة المدينة

          سلام الشعوب

          خلاص لكل ما هو موجود

          هل تريد أن ترى عظمة الصوم؟ قارن، من فضلك، هذا بما سيحدث غدًا. سوف ترى أن المدينة تغيّرت من الاضطراب والفوضى إلى السكينة والهدوء. أتمنى أن هذا المساء يشبه ما سيصير غدًا من حشمة ووقار وغدًا لا يقل عن اليوم في الابتهاج. والرب الذي قادنا إلى هذه الفترة من السنة (الصوم) ليته يعضدّنا ـ كما لو كنا مصارعين قد أظهرنا ثباتًا وقوةً وصبرًا في المنافسات التمهيدية ـ لكى نصل إلى يوم البر، يوم الأكاليل، من الآن حيث ذكرى آلام المخلّص، إلى يوم المجازاة العتيد للذين عاشوا منا برّ المسيح الذي له المجد الدائم إلى الأبد آمين.

 

 

 

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] النذيرين هم جماعة من اليهود مكرسون لله بقسم وهم يبتعدون عن شرب الخمر وعن تناول بعض الأطعمة. مثل هؤلاء كان شمشون وصموئيل ويوحنا المعمدان.

[3] مادة تحتمل النار ولا تتأثر بها.

[4] يضع القديس باسيليوس هذه العبارة بين قوسين لعله أخذها من نص معروف وقتذاك لدى الكنيسة. ومن الجدير بالذكر أن هذه العبارة موجودة في قسمة الصوم الكبير.

[5] إدمان الخمر يجعل الإنسان لا يقوى على المشى كما لو كانت قدميه مقيدة.

[6] بمعنى أن السكير لا يتحكم في حركات يديه فيضرب بهما في كل اتجاه.

[7] بحسب القديس باسيليوس، إن حب الإنسان للشراهة والدناءة هو السبب في سقوط الإنسان من الفردوس وفي الحالة المهينة التي صار عليها.

[8] حُصُنًا جمع حصان.

الصوم المقدس ع1 – ق. باسيليوس الكبير – د. جورج عوض

الصوم المقدس للقديس باسيليوس الكبير – د. جورج عوض ود. سعيد حكيم

الصوم المقدس للقديس باسيليوس الكبير – د. جورج عوض ود. سعيد حكيم

الصوم المقدس للقديس باسيليوس الكبير – د. جورج عوض ود. سعيد حكيم

الصوم المقدس للقديس باسيليوس الكبير – د. جورج عوض ود. سعيد حكيم

تحميل الكتاب PDF

كتاب روحانية الصوم – البابا شنودة الثالث PDF

كتاب روحانية الصوم – البابا شنودة الثالث PDF

كتاب روحانية الصوم – البابا شنودة الثالث PDF

كتاب روحانية الصوم – البابا شنودة الثالث PDF

تحميل الكتاب PDF

Exit mobile version