الآلام المحيية – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الآلام المحيية – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

الآلام المحيية – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

الآلام المحُييّة

للقديس يوحنا ذهبي الفم

 

عذابات وإهانات فاقت كل الحدود[1]:

   ” فأخذ عسكر الوالي يسوع إلى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتيبة، فعروه والبسوه رداءً قرمزيًا وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه وقصبة في يمينه وكانوا يجثون قدامه ويستهزأون به قائلين السلام يا ملك اليهود” (مت27:27ـ29).

 

    لقد رقص الشيطان في الجميع دلالة على أن الحسد والشر قد سادا على اليهود، وتعاملوا مع المسيح بقسوة وعدم حياء. لكن من أين ولأي سبب كان تعامل الجنود سيئ هكذا؟ أليس من الواضح جدًا في ذلك الوقت أن الشيطان هو الذي وضع في الجميع هذا الهوس المملوء حنقًا؟ ومن أجل هذا تلهوا هؤلاء المفترسين والمتوحشين بالشتائم التي وجهوها للمسيح. وكان ينبغي أن يخجلوا ويبكوا، كما فعل الجمع، إلا أنهم لم يفعلوا هذا، بل بالعكس أهانوه، ورقصوا بنشوة، ربما لكي يشكروا اليهود، أو أنهم فعلوا كل هذا، بسبب طبيعتهم الخاصة التي تتسم بالسلوك الشرير. وإهاناتهم كانت كثيرة ومتنوعة، لأنهم تارة كانوا يضربون رأس المسيح المقدسة، وتارة أخرى يعاملوه بإهانة بوضع أكليل الشوك على رأسه، ومرة يضربونه بالقصبة، إنهم حقًا رجال يوصفون بالخسة والوحشية.

 

    إذًا هل يحق لنا أن نتذمر إذا تعرضنا للإهانة، بعد كل ما عاناه المسيح و تألم به؟ لأن ما حدث كان أقصى حد يمكن أن تصل إليه الإهانة. وكما ترون لم يُضرب عضوًا واحدًا، بل كل الجسد بكل ما فيه أُهين، الرأس يوضع عليه إكليل الشوك، ويتلقى الضربات، والوجه تعرض للبصق، والخد لُطم. كل الجسد جُلد، ألبسوه ثوبًا إرجوانيًا، وكانوا يسجدون له بتهكم، وضعوا في يده قصبة، بدلاً من صولجان، والفم أيضًا سقوه خلاً بواسطة أسفنجة. وهل كان يمكن أن ينال ما هو أكثر بشاعة من كل هذا؟ وهل هناك ما هو أكثر وضاعة من هذه (الإهانات)؟ لأن ما حدث يتجاوز كل وصف. لقد صنعوا كل شيء، كأنهم يخشون من أنهم يبدون وكأنهم قد فاتهم شيء من عملهم المشين، بعدما قتلوا الأنبياء بنفس الأيدي. أما بالنسبة للمسيح فقد صاروا قتلة بحكم القضاء، وأصدروا حكم محكمة، وشاركوا بيلاطس في إصداره، قائلين: “دمه علينا وعلى أولادنا”[2]، ورقصوا بهوس وعاملوه بإهانة، وهم أنفسهم الذين قيدوا يسوع وقادوه، وصاروا سببًا في إهانات الجنود، وسمروه على الصليب، وجدفوا، وكانوا يبصقون عليه ويسخرون منه. إذ لا شيء هنا قد فعله بيلاطس، بل إن كل شيء قد فعله هؤلاء. لقد صاروا ممثلي إتهام، وقضاه، وشعب، وكل شيء.

 

إتضاع لا مثيل له:

    وهذه الأمور نقرأها نحن، حين يكون الكل مجتمعين. حتى لا يقول الأمم أننا نهدف إلى الإشارة إلى الأمور الحسنة والبهية فقط، مثل الآيات والمعجزات التي حدثت للجموع والشعوب، وأننا نخفي الإهانات. فإن نعمة الروح القدس رتّبت أن تُقرأ كل هذه الإهانات في هذا الإحتفال العام، عندما يكون جموع الرجال والنساء حاضرين، وبشكل عام عندما يكون الجميع حاضرين في مساء يوم البصخة العظيم. فعندما تكون كل المسكونة حاضرة، عندئذ يُبشر بهذه الأمور بصوتٍ عالٍ. وبرغم أن هذه الأمور الصعبة تُقرأ وتصير معروفة للجميع، فإن الإيمان بأن المسيح هو الله، يقوى ويزيد ويُسجَد للمسيح، لأنه قَبِل أن يتضع إلى هذا الحد الكبير، من أجلنا، حتى أنه جاز كل هذه الآلام، لكي يُعلّمنا كل الفضائل.

 

    إذًا هذه الأمور نقرأها على الدوام، لأن الربح من وراء هذا كثير جدًا، وعظيمة هي الفائدة. لأنه حين تراه وهو يُستهزأ به بإشارة اليد، أو بالفعل، وأن يُسجد له بسخرية شديدة، ويُلطم، وأن يتألم من كل هذه الأمور الرديئة، فإنك ستذوب أسرع من أي شمع حتى إن كنت متحجر القلب، وستنزع من نفسك كل غضب.

    اسمع إذًا ماذا حدث بعد ذلك. ” مضوا به للصلب” (مت31:27) بعدما عروه، أخذوا ثيابه وأقتسموها مقترعين عليها، وجلسوا منتظرين موته، الأمر الذي يحدث لأكثر المتهمين حقارة وإجرامًا، والذين ليس لهم أي أحد (ليُعينهم)، ويعيشون في وحدة تامة. إقتسموا تلك الثياب التي جرت منها معجزات كثيرة. لكنه لم يفعل أي شيء وقتها، رغم أن المسيح له المجد يملك قوة فائقة. وهذا الأمر لم يكن عيَّنة بسيطة لفقدان الوعي أو لعدم الإتزان. لأنهم (أي اليهود) تجرأوا على فعل كل شيء، كأن الأمر متعلق بشخص فاسق ومجرم، كما قلت، ومحتقر بالأكثر. أنهم لم يتصرفوا هكذا مع اللصين، أما بالنسبة للمسيح فقد تجرأوا على فعل كل شيء بل وصلبوه بين هذين اللصين، لكي يكون معدودًا مع اللصوص.

    ” وأعطوه خلاً ممزوجًا بمرارة ليشرب، ولم يرد أن يشرب” (مت34:27).

     فعلوا هذا لكي يتهكموا عليه، لكن يسوع لم ينطق بكلمة، والإنجيلي الأخر (أي يوحنا) يقول ” فلما أخذ يسوع الخل” قال ” قد أكمل[3]. ماذا يعني بعبارة ” قد أُكمل”؟ أي تمت النبوة عن المسيح، التي تقول: “ ويجعلون في طعامي علقمًا وفي عطشي يسقوني خلاً[4]. لكن ولا يوحنا، قد بيّن أنه شرب (الخل) لأنه لا يوجد إختلاف بين حقيقة أنه قد ذاق فقط، وحقيقة وأنه لم يشرب، بل يعني أن هذا الأمر وذاك هو شيء واحد.

 

    بل إن هذا السلوك الإجرامي لهؤلاء المهووسين، لم يتوقف عند هذا الحد بل إنهم بعدما عرّوه، وصلبوه، وقدموا له خلاً، ذهبوا إلى أبعد من ذلك، إذ قد تهكموا عليه وهم ينظرونه مُسمّرًا فوق الصليب، سواء حدث هذا من قِبَل هؤلاء أو من قِبل المجتازين أمام الصليب، وهذا يعد أسوأ ما يمكن أن يحدث لبشر، بمعنى أنهم رأوا أن معاناته لكل هذه الآلام تعد أمرًا مُبررًا، وأنه مخادع ومحتال، وكمتباهي غير متعقل قد أفتخر بكل ما قاله. من أجل هذا صلبوه بشكل علني، وتهكموا عليه أمام الجميع، ولهذا صلبوه بأيدي العسكر، ولكي يطيلوا من أعمالهم المجنونة، تجرأوا على فعل هذه الأمور في محاكمة علنية.

 

    ومَن ذا الذي لن يجعل العامة التي تبعته وناحت عليه أن تشفق عليه؟ أما هؤلاء الوحوش فلا يشفقون. ومن أجل هذا، فإن يسوع يعتبر أن هؤلاء العامة مستحقون أن تُسمع تضرعاتهم بينما الذين عذبوه فهم غير مستحقين. لأنه بعدما فعلوا كل ما أرادوه، شرعوا يلوثون سيرته، لأنهم خافوا من قيامته من الأموات. من أجل هذا أخذوا يتهكمون عليه علانية، وصلبوا معه لصيّن، راغبين في أن يُظهروا أنه مُحتال فقالوا “يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلّص نفسك إن كنت ابن الله فأنزل عن الصليب”[5]، ولأن بيلاطس لم يسمع لهم عندما طلبوا منه أن يحطم العلة التي كان مكتوب عليها هذا هو يسوع ملك اليهود، بل رفض، قائلاً: “ما كتبت قد كتبت”، فحاولوا بتهكمهم أن يُظهروا بأنه ليس ملكًا ولهذا قالوا: ” إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب”، وقالوا ” خلّص آخرين أما نفسه فما يقدر أن يخلّصها[6]، مُحاولين بهذا أن يُشهّروا ويشككوا بالمعجزات التي صنعها، ثم قالوا ” قد إتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده[7].

 

    حقًا هؤلاء يتسمون بالخسة ويثيرون الإشمئزاز! لماذا يا ترى كل هذا الافتراء؟ هل الأنبياء لم يكونوا أنبياء، أو أن الأبرار لم يكونوا أبرارًا، لأن الله لم يجنبّهم الأخطار؟ بالتأكيد كانوا أنبياء وابرار، بل وحين عانوا كل تلك الآلام (كانوا أنبياء وأبرارًا). إذًا هل هناك حماقة مثل حماقاتهم؟ لأنه إن كانت معرفة الإضطهادات والآلام التي تحملها الأنبياء لم تلوث سيرتهم، بل وحين تألموا ظلوا أنبياء، فبالأكثر جدًا ما كان ينبغي أن يتعثر أحد في المسيح، في كل ما عمل وتكلّم به، من أجل أن يغيّر أذهاننا.

    لكن رغم كل ما قالوه وصنعوه، لم يتمكنوا من أن يفعلوا  أي شيء، ولا في ذلك الوقت (أي في القديم). هكذا فإن ذاك (أي اللص اليمين) الذي فسد في الشر، وأمضى حياته كلها في القتل والسرقة، عندما قيلت هذه الأمور تحديدًا، وقتها إعترف به أنه إله، وتذكّر الملكوت[8]. وناحت الجموع بأنين على المسيح له المجد، برغم أنه بات واضحًا أن كل ما حدث كان سيتأكد بطريقة عكسية بالنسبة للذين لم يفهموا سر التدبير الإلهي، والذين كانوا يروا أنه من المستحيل أن يحدث شيء، سوى ما شاهدوه، تأكدوا بأن العكس هو الحقيقة التي ثبت صحتها.

 

فلنتمثل بالمسيح:

   إذًا ونحن نسمع كل ذلك، فلنسلح أنفسنا ضد كل غضب. حتى ولو كان قلبك مشتعلاً، إختم صدرك واضعًا عليه الصليب، تذكّر شيئًا من تلك الأمور (الآلام) التي تعرض لها المسيح وستشعر وكأنك تلقي ترابًا على غضبك (المشتعل)،. فكّر في أقواله وأفعاله، فكّر في أن  المسيح كان سيدًا، بينما أنت عبد، وأنه تألم من أجلك، بينما أنت تحيا لأجل نفسك، تألم من أجل الذين صلبوه وأحسن إليهم، بينما أنت تحيا لنفسك، تألم من أجل الذين أهانوه، بينما أنت مرات عديدة، تحيا على حساب أولئك المظلومين، لقد تألم أمام أنظار المدينة كلها. أو ربمّا أمام أعين كل اليهود والأغراب وأهل المدينة الذين كلمهم كلامًا مملوءًا رحمة، بينما أنت تتألم أمام قليلين، بل والأسوأ بالنسبة له أنه تُرِكَ من قِيل تلاميذه. لأن هؤلاء الذين سبق وأظهروا له كل وقار وتقدير تركوه، أمام أعدائه ومقاوميه. بعدما أخذوه، سمروه على الصليب في الوسط (أي بين لصّين)، أهانوه، جدّفوا عليه، سخروا منه، إستهزوا به، تهكم عليه اليهود من أسفل، والجنود من أعلي، وتهكم عليه اللصان من الجانبين، لأن اللصان كليهما قد أهناه وسخرا منه.

 

    إذًا كيف يقول لوقا أن واحدًا قد جدّف عليه[9]؟ الأمران قد حدثا لأن الاثنين تهكما عليه في البداية، لكن بعد ذلك لم يحدث هذا. لكي لا تعتقد أن الأمور صارت بخلاف ذلك، وأن اللص بقى لصًا، فوق الصليب ومن خلال الإهانة (التي وجهها للمسيح) يظهر لك بأنه لص وعدو. إذًا فكّر في كل هذا، وواجه بصبر وإحتمال كل الصعوبات. لأنه بماذا تألمت من كل ما تألم به سيدك؟ هل أُهنت علانيةً؟ بل إن الأمر لم يقتصر على ذلك. هل إستُهزأ بك؟ قد يحدث، لكن بدون آلام تصيب جسدك كله، ولا بسياط على جسد عاري.

 

    ويمكنك أن تُضيف أشياء أخرى، من قِبل مَن عانى كل هذه الآلام، ولماذا، بل والأسوأ من كل هذا، أن لا أحد إعترض على كل ما حدث أو أدانه. بل بالعكس إمتدحوا ما حدث، وإستهزوا به، وضايقوه وجدفوا عليه كمتباهي وكمخادع، وغاش، ولا يقدر أن يُبرهن في الحال على تلك الأمور التي تكلّم عنها. أما المسيح له المجد فقد صمت في كل شيء، وصنع أدوية فعالة من أجلنا بطول الأناة.

    لكن نحن الذين نسمع كل هذا، لا نظهر صبرًا ولا حتى تجاه العبيد، بل نثور ونركل أكثر من الحمير المتوحشة. إذا كان الأمر يخصنا نصير قساة ومتوحشين، بينما إذا كان يخص الله، لا نُعطي أهمية كبيرة. ونسلك بطريقة مماثلة في مواجهة الأصدقاء، وعندما يُسبب لنا أحد ألمًا فإننا لا نحتمله، وإن أهاننا نتحول إلى متوحشين أكثر من الوحوش، نحن الذين نطالع هذه الأمور يوميًا. أما بالنسبة للمسيح، فقد خانه التلميذ (أي يهوذا)، والآخرون تركوه ورحلوا، والذين أحسن إليهم بصقوا عليه. عبد رئيس الكهنة لطمه، الجنود تهكموا عليه، والمارة إستهزأوا به وجدّفوا عليه، اللصان اتهماه، ولم ينطق بشيء في واحدة من تلك التهم، لكنه واجه الجميع بالصمت، مُعلمًا إياك أنه قدر ما تعاني بهدوء، بقدر ما ستنتصر بالأكثر على كل مَن يصنع بك شرًا، وستنال تقدير الجميع.

 

    لأنه مَن ذا الذي لا يُعجب، بمن يتألم ويعاني بهدوء، تجاه أولئك الذين يعذبونه؟ مثلما لو أن أحد برغم من أنه يُعَاقَب بعدل، مُتحملاً العقاب بهدوء، فيعتقد الكثيرون أنه عُوقب ظلمًا، هكذا فعندما يتألم ظلمًا، لكنه يعترض بوقاحة، فإنه سيُعطي إنطباعًا أنه بعدل عُوقب، وسيصير مثارًا للسخرية، لأنه ينجرف نحو الخطأ بسبب الغضب، ويقع أسيرًا (لغضبه)، ويفقد وقاره. هذا لا يمكن أن يدعوه أحد حرًا، حتى ولو كان سيدًا لآلاف العبيد. لكنك ستعترض بأن فلان سخط عليك كثيرًا. وما معنى هذا؟ يعني تحديدًا أنه ينبغي عليك أن تُظهِر احتمالاً، فالوحوش أيضًا يمكن أن نراها مستأنسة أو أليفة. ومن ناحية أخرى، فإن هذه الوحوش ليست في حالة هياج مستمر، إلا إذا آثارها أحد. إذًا إن كان هدوءنا مرتبطًا فقط بعدم إثارة أحد لنا، فماذا فعلنا أفضل (من الحيوانات المتوحشة)؟ وتلك الوحوش في مرات كثيرة تثور بشكل مُبرر، لأنها حين تتحرك وتتصادم تهيج. وبالإضافة إلى ذلك فإنها لا تملك عقلاً، وفي طبيعتها أن تثور وتهيج. أما أنت، كيف يمكنك أن تعتذر أو تطلب المسامحة، عندما تثور وتصبح متوحشًا؟ ما هو الألم الذي عاينته؟ هل وقعت ضحية خطف؟ من أجل هذا تحديدًا يجب أن تحتمل، لكي تربح أكثر. هل خسرت مجدًا ما؟ وماذا يكون هذا؟ لأنك إذا فكرت فيه جيدًا، فستجد أن ما تملكه لا ينقص شيئًا، بفقدان هذا المجد. أما إذا كنت لا تُعاني من أي سوء أو شر، فلماذا تغضب وتثور على مَنْ لم يصنع بك أي شر؟ لأن الذين يشيدون بالغاضبين، يجعلونهم بالأكثر متباهين، بينما الذين يشتمون ويحتقرون كل مَن يلاحظون أنفسهم، يجعلونهم بالأكثر مُحتملِين. فلو أننا اتّسمنا بالهدوء، فإن هؤلاء سيصيرون بالنسبة لنا سبب إحتمال. أما أولئك فإنهم يُثيرون فينا أنانيتنا، ويملؤننا بالزهو وبالمجد الباطل، والحماقة، ويجعلون نفوسنا أكثر ضعفًا.

 

   والآباء يؤكدون هذه الأمور، فهم لا يتملقون أبناءهم كثيرًا، بل يجعلونهم متضعين، خوفًا من احتمال تعرضهم للخسارة بسبب التملق. بل والمعلمون يستخدمون نفس العلاج تجاه من يتملقونهم. وحتى إن كان يجب أن نتوجه بالإرشاد للبعض فينبغي أن نوجهّه للذين يتملقوننا، أكثر من هؤلاء الذين يهينوننا. لأن هذا الُطعم (أي التملق) بسّبب ضررًا أكثر من الإهانة، هذا ومن الصعوبة بمكان أن تنحصر في هذا الأمر. والأكثر صعوبة هو احتمال الإهانة .

 

إحتمال الإهانة يجلب الخيرات:

   إن مكافئة احتمال الإهانة هي كبيرة جدًا، والإعجاب بالإحتمال أكثر عظمة. لأنه بالحق هو أمر يستحق الإعجاب أكثر من أي شيء، أن ترى إنسانًا يُهان ولا يرد الإهانة، أو يُضرب ولا يُقاوم. وكيف يمكن إلا يدافع عن نفسه؟ هل أهانك أحد؟ إذًا فإرشم على صدرك علامة الصليب. تذكّر كل ما حدث للمسيح وعندئذٍ سيُمحَى كل شيء. لا تنظر فقط إلى الإهانات، فهي قد تجلب لك خيرًا، وتجعلك وديعًا ومترفقًا. أو من الأفضل أن نقول تذكّر في كل الأحوال مخافة الله، وسرعان ما تصبح لطيفًا ورقيقًا.

 

    بالإضافة إلى هذا، تعلّم من عبدك كيف يكون الاحتمال وبذلك يمكن أن ترى نفسك فيه وهو يُهان، ويصمت. فكّر فيما يُظهره من إحتمال كبير، وأَدنْ نفسك، وتعلّم كيف لا ترد الإهانة، وبهذه الطريقة فإنك لن تتألم حتى حين تُهان. فكّر أن الذي يهينك أصابه الخبل وكأنه قد فقد صوابه، وعندئذٍ لن تغتاظ. لأن الذين ساد عليهم الشيطان، يضربوننا، أما نحن فإننا ليس فقط لا ندافع عن أنفسنا، بل ونترفق بهم.

 

    وأنت أيضًا إفعل هذا، تراءف على من ٍيُهينك، فهو خاضع تحت سيطرة وحش جبار، وهو الغضب، وسيطرة شيطان مخيف، وهو الحنق أو السخط. حرر ذاك الذي يأسره شيطان مرعب، وسيتحطم تمامًا خلال فترة قصيرة. لأن هذا المرض له طبيعة خاصة، حتى أنه لا يحتاج إلى وقت طويل، حتى يهلِك مَنْ يسيطر عليه. أردت من كل هذا أن أبيّن، وبشكل أساسي، طغيان أو إستبداد الغضب، أي أنه في وقت قصير يمكن أن يُثير شرورًا كبيرة، أي أن تأثيره المدمر يظهر سريعًا.

 

    أردت أن أبيّن أيضًا مَن هو الذي يُهين، ومَن الذي يحتمل، وأن أظهر نفس كل واحد عارية. سترى حينئذٍ، أن هناك نفسًا تشبه عرض البحر الذي يضطرب بالأمواج، والأخرى تشبه ميناء هادئًا خاليًا من اضطرابات البحر. إذ أن تلك النفس لا تضطرب من الشياطين، بل بالحري تغلبها بسهولة. لأن الذين يهينون يصنعون كل شيء حتى وكأنهم ينهشون غيرهم. وعندما يفقدون رغبتهم ينسحبون، ويتراجعون بتعقل. لأنه من غير الممكن للإنسان الذي يغضب، أن لا يدين نفسه، مثلما أنه من غير الممكن لإنسان لا يغضب أن يدين نفسه. لأنه حتى وإن كان يتحتم عليك أن تهاجم، فيمكنك أن تفعل ذلك بدون غضب، بل بهدوء وتعقل، ودون أن تُصاب بأي شيء كريه. لأنه إن أردنا (أن نفعل هذا)، فستأتي الخيرات بنعمة الله، وسنُصبح مكتفين في أماننا وكرامتنا.

 

لنسلك باستقامة ضمير:  

   لماذا إذًا تطلب المجد من آخر؟ عليك فقط أن تسلك بكرامة، ولن يستطيع أحد أن يهينك. لكن إن أهنت نفسك، فلن تُكرّم، حتى وإن كان الجميع بعد يكرمونك، لأنه كما أننا حين لا نرغب أن نضع على أنفسنا شرورًا، فإنه لا يستطيع أحد أخر أن يُصيبنا بشر؛ هكذا حين لا نهين أنفسنا، فإنه لا يستطيع أحد أخر أن يهيننا. فلنفترض أن هناك رجل له مكانته ووقاره، وأن الجميع يدعونه زانيًا، وسارقًا، ونابشًا للقبور، وقاتلاً، ولصًا، لكنه لا يغضب ولا يغتاظ، ولا يصدق أي شيء من ذلك عن نفسه. فأي إهانة ستلحقه من جرّاء هذا؟ لا شيء، وبناء على ذلك فهل ستتأثر مكانته إذا كان هذا هو رأي الكثيرين عنه؟ لن تنقص مكانته في شيء بهذا الرأي، بل بالعكس هؤلاء سيخجلون من أنفسهم، لأنهم يظنون أنه هكذا، بينما هو ليس كذلك. أخبرني، لو أن شخصًا يعتقد أن الشمس مظلمة، هل هو يدين معارفه أم يدين نفسه؟ من الواضح جدًا أنه يدين نفسه، لأنه يعطي إنطباعًا عن نفسه أنه أعمى أو مجنون. هكذا أولئك الذين يعتقدون أن الأشرار صالحون، هم أنفسهم يشمئزون من أنفسهم.

 

    من أجل هذا يجب أن نحاول أكثر أن ننقي ضميرنا، وألا نعطي أي دافع (للإدانة)، ولا مجرد شكوك خبيثة. فلو أن البعض يريدون أن يكونوا مجانيين، عندما نسلك نحن هكذا (أي بإستقامة ضمير )، فيجب ألا نعطى لهم أهمية، وأن لا نتضايق.لأن ذاك الذي خرجت عنه سمعة سيئة، بينما هو صالح، لن يُعاق مطلقًا عن أن يكون هو مَن هو (أي صالحًا). وذاك الذي صار موضع شك ظلمًا وبطلانًا، لن يتعرض لأي ضرر. هكذا تمامًا هو الشرير، فهو موضع شك (عن حق)، برغم ما يظهره من صلاح مزيف، فهو لن يربح شيئًا من وراء هذا، بل بالعكس سيُحّمل بخطية كبيرة، وسيوؤل به الأمر إلى وضع أسوء.

 

   لأن ذاك الذي هو شرير، يمكن أن يتّضع ويعترف بخطاياه ولكن عندما يخرج عن طريقة الصحيح، فإنه يسقط في القسوة والعنف. وإن كان الخطاة الذين يدينهم الجميع، بمجرد أن يتأثروا ويرجعوا عن خطاياهم، فهم ليس فقط لن يكونوا موضع إدانة، بل إن البعض يمتدحونهم أيضًا، فمتى يفهم ذلك هؤلاء الذين يعيشون في الخطية؟ ألم نسمع أن بولس أدان الخطية، وأن أهل كورنثوس ليس فقط لم يدعوا الذي زنى مع أمرأة أبيه أن يشعر يخطيته، بأن إستحسنوه وكرموه، بل إنهم بهذه الطريقة دفعوه نحو الخطية[10]؟

 

    من أجل هذا أترجاكم، بعدما نترك شكوك الكثيرين والإهانات، ومظاهر التكريم، فلنسعَ نحو أمر واحد فقط، ألا نملأ ضميرنا بأي شيء خبيث أو شرير مرة أخرى، وألا نهين نحن أنفسنا. لأنه هكذا سواء هنا أو في الدهر الآتي سنتمتع بمجد كثير، والذي نرجو نواله جميعًا بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي له المجد إلى أبد الأبدين آمين.

 

الصلب والموت والقبر والقيامة:       

   ” وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟ أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ فَقَوْمٌ مِنَ الْوَاقِفِينَ هُنَاكَ لَمَّا سَمِعُوا قَالُوا: إِنَّهُ يُنَادِي إِيلِيَّا. وَلِلْوَقْتِ رَكَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَخَذَ إِسْفِنْجَةً وَمَلأَهَا خَّلاً وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ ” (مت45:27ـ48).

 

   هذا هو الجزء الذي كان المسيح قد أشار إليه عندما طلب منه اليهود من قبل أن يصنع آية. فقال لهم: ” جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي” (مت39:12). وكان يعني بهذا الكلام، الصلب، والموت، والدفن في القبر، والقيامة.

 

    ولكي يوضح قوة الصليب قال: ” متى رفعتم إبن الإنسان فحينئذٍ تفهمون إني أنا هو” (يو28:8). ما يقصده، هو الآتي: عندما تصلبونني وتعتقدون أنكم سببتم لي آذىً أو ضررًا، حينها بالضبط ستعرفون قوتي. لأنه بعد الصلب حُطِمَّتْ المدينة، أُبطلتْ العادات والتقاليد اليهودية، فقد اليهود حياتهم وحريتهم، إنتشرت البشارة، وإمتدت كلمة الصليب إلى أقاصي المسكونة. لقد كرز (الرسل) على الدوام بقوة المصلوب، في اليابسة، وفي البحر، في المناطق الآهلة بالسكان، والمناطق غير المأهولة بالسكان.

 

    هذه الأمور إذًا هي ما كان يقصدها، والتي حدثت لحظة الصلب. لأن العجائب التي حدثت أثناء صلبه قد أثارت الدهشة والتعجب أكثر مما حدث أثناء دفنه على أن ما جعل كل ذلك أمرًا يثير الدهشة والتعجب هو أن هذه الأمور قد حدثت من السماء. وما طلبه الرسل، قد تحقق لهم، الأمر الذي لم يحدث على الإطلاق في الماضي في أي مكان، إلا في مصر فقط، عندما كانوا  سيقيمون الفصح. وهذا لأن تلك الأمور التي حدثت قديمًا كانت نموذجًا لهذه الأمور. ولاحظ متى حدثت. حدثت في منتصف النهار حينما كان في كل المسكونة نهار، لكي يعلم بها كل الساكنين على الأرض، الأمر الذي كان كافيًا، لكي يحولهم (أي اليهود إلى الإيمان)، ليس فقط لعظم المعجزة، بل لأنها حدثت في اللحظة المناسبة.

 

    لقد حدثت بعد كل أعمال السكر والتهكم غير اللائق، عندما هدأ الغضب وتوقفوا عن السخرية، وشبعوا من الازدراء، وقالوا كل ما أرادوا أن يقولوه. عندئذٍ ساد الظلام منتصف النهار ويا ليتهم كانوا قد انتفعوا من هذه المعجزة بعدما هدأ غضبهم. هذا بحد ذاته كان أمرًا يستحق الدهشة بالأكثر، أن يصنع هذا وهو على الصليب. فلو كانوا قد آمنوا بأن هذه المعجزات قد صنعها المسيح، لكان ينبغي عليهم أن يؤمنوا وأن يخافوا، أما إن كانوا لم يصدقوا أن المسيح صنعها، بل صنعها الآب، فكان عليهم أيضًا أن يتأثروا بعمق، لأن ذلك الظلام كان تعبيرًا عن غضبه على كل ما تجرّأوا على عمله.

 

    وهذا الظلام لم يكن حجبًا للشمس أو اختفاء لها، بل غضبًا وسخطًا وهذا يتضح من المدة التي ساد فيها الظلام كل المسكونة، لأنه ظل ثلاثة ساعات، بينما الإحتجاب يحدث في فترة زمنية قصيرة، ويعرفه الذين سبق أن نظروه، لأنه حدث في جيلنا. ويتساءل المرء كيف لم يندهش الجميع (أمام هذه المعجزة)، وكيف لم يؤمنوا بأنه هو الله؟[11] لأن جنس البشر كانوا مُصابين آنذاك بأمراض وشرور كثيرة. وبعدما حدثت هذه المعجزة، فإنها عبرت على الفور، ولم يهتم أحد أن يفحص أو يبحث عن السبب، لأن الشك كان كبيرًا والإعتقاد الباطل مع عدم التقوى، كان سائدًا وهو الأمر الذي جرت عليه العادة. وهكذا لم يعرفوا سبب الظاهرة، وربما اعتقدوا أن هذا الظلام الذي ساد، حدث كإحتجاب للشمس، أو لِسبب طبيعي آخر (مرتبط بالطبيعة الكونية).

 

الابن يكرّم الآب:

    ولماذا تشك، فيما يتعلق بالأمم الذين لم يعرفوا شيئًا، ولا سعوا أن يتعلموا بسبب لا مبالاتهم الشديدة، بينما أولئك الذين عاشوا في اليهودية، وبعد كل هذه المعجزات (التي صنعها المسيح)، لا زالوا يهينوه، على الرغم من أنه قد أظهر لهم بكل وضوح، أنه هو الذي صنع هذه المعجزة؟ ولهذا يتكلم بعد ذلك، لكي يعرفوا أنه لا يزال حيًا، وأنه هو الذي صنع المعجزة، حتى يجعلهم هكذا أكثر رأفة. يقول “إلهي إلهي لماذا شبقتني”، لكي ينظروا أنه كان يكرم الآب حتى النفس الأخير، وإنه لم يكن ضد إرادة الآب. ولهذا صرخ هذه الصرخة النبوية، مؤكدًا حتى اللحظة الأخيرة على ما جاء بالعهد القديم. ولم تكن صرخة نبوية فحسب، بل وصرخة عبرانية أيضًا، لكي يظهر لهم (ما حدث) بكل وضوح. وبشكل عام فقد أظهر، من خلال كل ما حدث، مدى طاعته واتفاق إرادته مع إرادة أبيه.

    لكن انظر إلى فسقهم وفجورهم. يقول الكتاب لقد ظنوا أنه يُنادي إيليا، وعلى الفور سقوه خلاً. بينما جاء آخر وطعن جنبه بالحربة. هل يوجد سلوك لا معقول وأكثر وحشية مما لأولئك الذين وصل بهم الهوس إلى هذا الحد، أن يهينوا جسدًا قد فارق الحياة؟ أرجوك إذًا أن تلاحظ الأسلوب الذي نفذ به هؤلاء إجرامهم، من أجل تتميم خلاصنا. لأنه بعد هذا الجرح، تفجرت من هناك ( من الصليب) ينابيع خلاصنا.

 

    ” فصرخ يسوع أيضًا بصوت عظيم وأسلم الروح” (مت50:27). هذا هو ما قاله: ” لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضًا” (يو18:10). وأيضًا “وأضعها أنا من ذاتي”. ومن أجل هذا صرخ، لكي يظهر أن الموت حدث بسلطانه الذاتي، وق. مرقس يقول إن بيلاطس تعجب كيف مات هكذا سريعًا، وإن قائد المئة من أجل هذا تحديدًا، قد آمن، لأنه مات بسلطانه ” ولما رأى قائد المئة الواقف مقابله أنه صرخ هكذا وأسلم الروح، قال حقًا كان هذا الإنسان ابن الله” (مر39:1).

 

أسلم الروح فأقام الموتى:

   هذه الصرخة شقت حجاب الهيكل، وفتحت القبور، وجعلت الهيكل خرابًا. وقد صنع ذلك، لا لكي يظهر عدم تقدير للهيكل، لأنه كيف يصنع هذا، وهو الذي قال: ” لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة” (يو6:2). بل لكي يُظهر أن هؤلاء اليهود غير مستحقين بعد، أن يقيموا هناك، تمامًا كما حدث من قبل عندما سلم الهيكل للبابليين. لكن هذه الأمور لم تحدث لأجل هذا السبب فقط، أي أنها صارت تحقيقًا لنبوة مستقبلية عن خراب الهيكل وبطلانه أمام ما هو أعلى وأسمى.

 

    بالإضافة إلى هذه الأمور، فإنه أظهر ذاته كإله، وذلك بقيامته من الأموات ومن خلال الظلمة التي سادت في وضح النهار واضطراب عناصر الطبيعة. كما حدث في عصر إليشع، عندما    ” مس ميت عظام إليشع عاش وقام على رجليه” (2ملو21:13).

 

    هكذا أقامت صرخة المسيح هؤلاء (الموتى)، بينما كان جسده فوق الصليب. من ناحية أخرى فإن ما حدث في الماضي كان مثالاً، لما سيحدث في المسيح. لأن ما حدث في حادثة إليشع كان لأجل أن يؤمن اليهود بالمسيح. إن الموتى لم يقوموا فحسب، بل الصخور تشققت، والأرض تزلزلت، لكي يدركوا أن المسيح استطاع أن يستأصلهم ويقطعهم، لأن ذاك الذي شقق الصخور، وأظلم المسكونة، سيمكنه بالأحرى جدًا أن يصنع هذه الأمور في هؤلاء، إن أراد ذلك. لكنه لم يرد، بل بعدما أظهر غضبه في عناصر الطبيعة، أراد أن يخلّصهم، بسبب رأفاته ومحبته.

 

قوة المصلوب:

   لكنهم لم يقللوا من هوسهم. لأن الحسد والغيرة لا يتراجعان بسهولة. بل سلكوا بطريقة مُثيرة للاشمئزاز وسفيهة تجاه نفس الظواهر. فبعد أن قام المسيح، بينما كان القبر مختومًا وعليه حراسة من الجنود، أعطى رؤساء الكهنة فضة للحراس لكي يفسدوهم ويُكذّبون بشارة القيامة.

 

    إذًا لا تشك إن كانوا وقتها قد أظهروا جحودًا، ما داموا قد تخلوا عن كل معاني اللياقة والحياة تجاه كل شيء. لاحظ فقط مقدار المعجزات الكبيرة التي صنعها، بعضها من السماء، وبعضها على الأرض، والبعض الآخر داخل الهيكل، وهي تظهر غضبه، ومن ناحية أخرى صارت الطرق الغير مسلوكة، مسلوكة، وهكذا ستُفتح السماء، وكل الأمور ستؤول إلى قدس الأقداس الحقيقي.  وهؤلاء قالوا: ” إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب(مت42:27). وبينما أظهر المسيح أنه ملك كل المسكونة، خاطبه هؤلاء قائلين: ” يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك(مت39:27)، بينما أعلن المسيح أن الهيكل سيخرب تمامًا. أيضًا هؤلاء (أي رؤساء الكهنة) قالوا ” خلص آخرين أما نفسه فما يقدر أن يخلصها(مت43:27)، بينما وهو باق فوق الصليب، أعطي بركة عظيمة لأجساد الموتى. لأنه إذا كانت إقامة لعازر من الموت بعد أربعة أيام في القبر، تعتبر معجزة فائقة، فإن الأكثر أهمية من ذلك بكثير، هو أن يظهر الأموات الذين ماتوا من سنوات طويلة، مع بعضهم البعض الأمر الذي كان دليلاً على القيامة الآتية. لأن الكتاب يقول: ” والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين.. ودخلوا المدينة المقدسة(مت52:27ـ53). ولكي لا يُعتقد أن هذا الحدث خيالي، ظهروا أمام كثيرين في المدينة.

 

    بل إن قائد المئة مجّد الله وقتها، قائلاً: ” بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًا. وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين لهذا المنظر لما أبصروا ما كان رجعوا وهم يقرعون صدورهم[12]. هكذا كانت عظيمة هي قوة المصلوب، حتى أنه بعد كل هذا التهكم والسخرية، والإستهزاء، فإن قائد المئة والجموع تأثروا بعمق. والبعض قالوا أن قائد المئة هذا قد إستُشهد، بعد أن قَبِل الإيمان، بعد كل ما رآه.

 

    ” وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد وهن كن قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه. وبينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي وأم أبني زبدي” (مت55:27ـ56). بينما كانت هذا الأحداث تُجرى، فقد تتبعتها هؤلاء النسوة، واللاتي نُحن كثيرًا. ولاحظ كم كان صبرهن وإصرارهن كبيرًا. تبعنه حتى الصليب، واعتنين به، وكن حاضرات وتعرّضن للأخطار. ومن أجل هذا فقد رأين كل شيء، رأين كيف صرخ بصوت عظيم، وكيف أسلم الروح، وكيف تشققت الصخور، ورأين كل الأمور الأخرى. وهؤلاء أولاً رأين يسوع، وهذا الجنس (أي جنس النساء) الذي إتهم بإتهامات كثيرة، هذا الجنس يتمتع أولاً، بامتياز أن يرى الأمور المفرحة. هذا الجنس برهن بالأكثر على مدى الشجاعة. فبينما هرب التلاميذ، بقيت النساء. مَن هن هؤلاء؟ مريم المجدلية ومريم أم يعقوب، والنساء الأخريات.

 

    والإنجيلي الآخر (أي لوقا) يقول: ” والنساء اللواتي كن يلطمن وينحن عليه، هؤلاء تبعنه حتى الصليب”. ما يُظهر قسوة اليهود، هو أن الأمور التي من أجلها ينوح البعض، تجعل هؤلاء يسعدون ولم تتحرك مشاعرهم ويشفقون عليه، ولم يرتعدوا بالخوف (من الله). لأن كل ما حدث كان عّينه لغضب شديد. وليس فقط عّينه للغضب، بل علامة للسخط، وهكذا كان أيضًا الظلام، وتشقق الصخور، وإنشقاق حجاب الهيكل إلى اثنين، وزلزلة الأرض، كل هذا يظهر غضب الله الشديد.

 

 

القبر الجديد:

   “ جاء رجل غني من الرامة اسمه يوسف..وطلب جسد يسوع” (متى57:27ـ58). هذا هو يوسف الذي إختبأ من قبل. أما الآن فبعد موت يسوع، أظهر جرأة كبيرة. لأنه كان شخصًا له مكانته المرموقة، وليس في عداد المهمشين، بل كان واحد من أعضاء المجمع ومن المعروفين جدًا. وقد تجلّت شجاعته، لأنه حكم على نفسه بالموت عندما أعلن إشمئزازه من الجميع، من خلال محبته ليسوع، وتجرأ أن يطلب جسده، وظل هناك حتى حقق ما أراد. وقد أظهر محبة وشجاعة، ليس فقط بأنه أخذ جسد المسيح ودفنه بكرامة وإجلال، بل بأن دفنه في قبره الجديد الخاص به. وهذا لم يحدث هكذا مصادفةً، بل لكي لا يكون هناك أدنى شك، في أن الذي قام كان هو المسيح ولم يكن شخصًا آخر.

 

النساء يظهرن شجاعة نادرة:   

   ” وكانت هناك مريم المجدلية ومريم الأخرى جالستين تجاه القبر” (مت61:27). لماذا جلستا تجاه القبر؟ أنهما لم تعلما بعد أي شيء عظيم وسامي، كما ينبغي عن يسوع. ومن أجل هذا أحضرتا أطيابًا وانتظرتا بصبر أمام القبر، وبعد هدأ هوس اليهود؛ بدأتا تتحركان وتدهنان الجسد بالأطياب.

 

    أرأيت مدى شجاعة النساء؟ أرأيت مقدار المحبة؟ أرأيت عظمة  النفس ، والتي تصل إلى حد قبول التعرض لخطر الموت؟ فلنتمثل نحن الرجال بالنساء، وألا نهجر يسوع في تجاربه. لأن هؤلاء النسوة، عندما مات يسوع، أنفقن الكثير وعرّضن حياتهن للخطر، بينما نحن ولا حتى حين يجوع نُطعمه، ولا نكسوه حين يكون عريانًا، بل على العكس حين نراه وهو يمد يده، نعبر عنه. أنا متأكد إن رأيتم الرب نفسه موجودًا، فإن كل واحد منكم سيُعطي كل ما يمتلكه. بل والآن، هو نفسه موجود (في الفقير والعريان). فضلاً عن ذلك فقد قال “أنا هو”.

 

    إذًا لماذا لا تقدم كل شيء؟ ومن أجل هذا، الآن تسمعه بقول:      “فبي قد فعلتم”، وليس هناك فرق أبدًا أن تعطي ليسوع، أو تعطي للفقير. إن مكافأتك لن تكون أقل من هؤلاء النسوة اللاتي أطعمن يسوع في ذلك الحين، بل العكس ستكون أعظم. لكن حين تصنعون هذا فلا يجب أن تُحدِثون صخبًا. لأنه ليس هو نفس الأمر أن تطعموا يسوع عندما يظهر بسلطانه، الأمر الذي يؤثر حتى في النفوس المتحجرة، وأن تطعموا الفقير، والعاجز، والأحدب، من خلال تنفيذ وصية المسيح فقط. بينما هنا (في هذه الحياة) عمل الإحسان هو خاص بك، وما يُعد برهانًا كبيرًا على إكرامك للمسيح هو أن تريح شريكك في العبودية، من خلال وصية المسيح، وتعتني به في كل لحظة.

 

 

البر بالمحتاجين يفتح أبواب الملكوت:

    إذًا أرح المحتاجين، مؤمنًا بذاك الذي يأخذ ( إحسانك)، إذ يقول ” فبي قد فعلتم”. لأنه إن لم تعطِ لذاك، فلن تكون مستحقًا للملكوت. إن لم تتحول عن ذاك (المسيح)، فلن يرسلك إلى جهنم حيث النار المتقدة. لكن ذاك الذي أُحتقر، من أجل هذه الخطية هو ممجد الآن. هذا هو مَن إضطهده بولس، عندما إضطهد أتباعه. ولهذا قال له ” لماذا تضطهدني”[13]. لنسلك إذًا بهذه الطريقة، حتى أنه عندما نعطي شيئًا للمحتاج، فإننا نكون قد أعطينا للمسيح. لأن كلامه جدير بالتصديق أكثر من رؤيته.

 

    إذًا عندما ترى في طريقك فقير، تذكّر الكلمات التي تؤكد أن هذا الفقير الذي تطعمه هو يسوع. لأنه على الرغم من أن الذي تراه أمامك (أي الفقير) ليس هو المسيح، إلا أنه بظهوره يكون المسيح هو الذي يأخذ ما تقدمه وهو الذي يمد يده. لكن هل تخجل حين تسمع أن المسيح هو الذي يمد يده؟ يجب أن تخجل بالأكثر، حين تراه وهو يمد يده، ولا تعطيه شيئًا. لأن هذا هو الخجل، هذا هو العقاب والجحيم. لأنه من جهة أن يمد يده، فهذا مرتبط بنقائه ، ومن أجل هذا يجب علينا نحن أن نفتخر، بما يقوم به. إن امتناعك عن العطاء يظهر قسوتك أنت. فإن كنت لا تؤمن أنك بإهانتك للفقير، تهين المسيح، فإنك ستؤمن حينئذٍ، عندما تُقاد إلى المحاكمة يوم الدينونة، ويقول لك: “فبما أنكم فعلتم بهؤلاء الأصاغر فبي قد فعلتم”. ولكن ليتنا لا نحتاج نحن بهذه الطريقة أن نتعلم (طريقة التهديد بالعقاب)، بل بعدما نؤمن الآن، نجني الثمار، ونسمع ذلك الصوت الطوباوي، الذي سيدخلنا إلى الملكوت.

 

    لكن ربما يقول أحد، إنك تُكلّمنا كل يوم عن عمل الرحمة والإحسان ومحبة الناس، وأنا من جانبي لن أتوقف عن الحديث في هذا الموضوع، لأنه إن نجحتم في تحقيقه، يجب أيضًا أن لا أتوقف عن الحديث فيه، حتى لا أجعلكم كسالي أو متوانين، لكن ما عدا ذلك، لو حققتم وأنجزتم هذا العمل (عمل الرحمة)، يمكنني أن أرتبط بكم أو إتحد بكم. ولكن إن لم تصلوا حتى ولو إلى المنتصف، فلا تدعوني للتوقف عن الحديث عن عمل الرحمة. لأنك عندما تتهمني، فإنك تفعل ما يفعله الطفل الذي يسمع باستمرار حرف الألف (A) ولا يتعلمه، فيتهم المعلم بأنه يكرر نفس الحرف باستمرار، مذكرًا به. لأنه مَن هو الذي صار بواسطة هذا الكلام، أكثر رحمة (تجاه المحتاجين)؟ هل ألقى أموالاً (في الصندوق)؟ ومَن الذي وهب نصف ثروته (للفقراء)؟ لا أحد. كيف إذًا لا يكون أمرًا غير مقبول، بينما أنتم لم تتعلموا (كيف تعطون)، توصوننا أن نتوقف عن التعليم بهذا الأمر؟ كان يجب عليكم أن تفعلوا عكس ذلك. فإذا أردت أن أتوقف عن الحديث في هذا الموضوع، عليكم أن تقولوا لي، إننا لم نتعلم بعد كيف نعطي، لماذا تتوقف عن أن تُذكّرنا؟

 

    فإن حدث وكان أحد يُعاني من ألم في عينه، وكنت أنا طبيب، وبعدما اعتنيت بالعين ودهنتها (بالمراهم)، وصنعت لها كل ما يجب من عناية، دون أن تحدث فائدة كبيرة، ألا يأتي ذلك المريض إلى باب عيادتي ، ويصرخ وينسب لي الخمول والتقصير الكبير، لأنني تركته، وهو لا يزال يعاني من المرض؟ وإن أجبت في مواجهة هذه الإتهامات، بأنني إعتنيت بها ودهنتها بالمراهم، فهل سيقتنع بهذه الإجابة؟ بالطبع لا، بل سيُجيب، وما المنفعة، ما دمت لا أزال أتألم؟ هذا ما ينبغي أن تفكر فيه عندما يتعلق الأمر بالنفس. ماذا سيحدث، إن سكبت مرات عديدة ماء على يد يابسة وبها وخزات، دون أن أتمكن أن أجعلها مرنة؟ ألا أسمع نفس الكلام؟

 

    والآن اليد اليابسة والتي بها وخزات، إن لم تعالج وإن لم تعد صحيحة تمامًا، فلن أتوقف عن الكلام. أتمنى منكم أنتم أيضًا، ألا تتكلموا إلا عن هذا الموضوع (عمل الرحمة)، سواء في البيت، أو في السوق، أو على المائدة، وسواء كان ذلك في المساء، أو في أحلامكم. لأنه إن إعتنينا بهذا الموضوع باستمرار، بالنهار وفي أحلامنا، فإننا سننشغل به على الدوام. هل تقول إنني أتكلم باستمرار عن عمل الرحمة؟ وأنا أريد ألا أضطر كثيرًا أن أنصحكم بالاهتمام والعناية بالفقراء، وأن أتكلم عن مواجهة أو مقاومة اليهود والوثنيين والهراطقة، لكن كيف يمكن للمرء أن يُسلّح أُناسًا، ليسوا أصحاء؟ كيف يمكن للمرء أن يأمر أُناسًا بالدخول إلى المعركة، وهم لا يزالون مجروحين، وجراحاتهم لا تزال ساخنة؟ بينما لو كنت قد رأيتكم أصحاء تمامًا، لكنت قد دفعتكم لتلك المواجهة، وسترون آلافًا يسقطون صرعى، وآلافًا منكسي الرؤوس.

 

    لقد تحدث معكم في كتب كثيرة لكم عن هؤلاء. لكن ولا هكذا نستطيع أن نحتفل إحتفالاً تام بالنصر، بسبب نقيصة الكثيرين. لأنه لو إنتصرنا عليهم آلاف المرات، في إثبات صحة العقائد، فسيتهموننا بالعنف الذي يمكن أن يمارسه الكثيرون مما يؤمنون بعقائدنا، وسيقولون إننا مصابون بالأمراض النفسية. كيف إذًا نتجرأ أن ندفعكم إلى المواجهة، في اللحظة التي فيها تؤثّرون فينا معنويًا، وأنتم موضع سخرية من الخصوم؟ لأن أيدي البعض قد تتألم، وتعاني من الوخزات، حين تنوي أن تعطي. كيف إذًا يستطيع هذا الذي يتألم، أن يمسك درعًا ويحارب به، وألا يُصاب من قسوة السخرية؟ وقد تفسد أرجل البعض الآخر، ونعني بهم أولئك الذين يرتادون المسارح الهزلية، ومواضع التسلية لدى الساقطات. كيف لهؤلاء أن يقفوا في المعركة، وألا يُصابوا من آثام الفسق والفجور؟ البعض الأخر يعاني في رؤيته وهو عاجز، ولا يرى بشكل صحيح، لكنه مملوء فسقًا، ويعثر النساء المتعقلات. كيف له إذًا أن يقاوم الأعداء، ويحرك الرمح، ويرمي السهم، ما دام يُواجه بالإستهزاء من كل ناحية؟ من الممكن أن يرى المرء كثيرين من هؤلاء الذين يشبهون مرضى الاستسقاء وهم يعانون على الأقل من آلام البطن، عندما تسود عليهم الشراهة، والسكر. إذًا كيف لي أن أدفع بهؤلاء إلى الحرب، بينما هم سكارى؟

 

    البعض الآخر لهم فم فاسد، هؤلاء هم سريعو الغضب، وشتامون ومجدّفون. إذًا كيف لذاك أن يصمت في المعركة، وأن يحقق شيئًا هامًا، طالما أنه ثمل بنوع أخر من السُكر، ومثار سخرية لدى الأعداء؟ من أجل هذا آتى كل يوم إلى هذا المعسكر (الكنيسة)، وأداوي هذه الجروح، وأعالج القروح. وعندما تعودون إلى رشدكم، وتصيرون قادرين على الانتصار على آخرين، حينئذً سأعلّمكم هذه الخطط أو هذه الفنون، وسأدربكم على كيفية استخدام هذه الأسلحة. وربما تكون (أعمال الرحمة) هي أسلحتكم، وعندئذٍ سيخضع الجميع، على الفور لو كنتم تصنعون إحسانًا، وتتراءفون، وإذا صرتم ودعاء، ومتسامحين، وأظهرتم كل الفضائل الأخرى. لكن إن كان لدى البعض اعتراض، حينئذً يجب أن نضيف ما يختص بنا، عارضين الأمور التي تختص بكم، طالما أنكم تعطلونني، على الأقل الآن، عن السير في هذا الطريق.

    ولكن انتبه: يُقال أن المسيح صنع أعمالاً عظيمة، منها أن يجعل البشر كالملائكة. وعندما يطلبون منا مبادئ محددة، وأتحفز لأقدم من بين هذه الجموع دليلاً يثبت ما أقول فإنني أصمت. وأخاف أن أقدم بدلاً من ملائكة، خنازير، وخيولاً. أعرف أنكم متضايقون، لكن هذا الكلام لا يخص جميعكم، بل يخص المسئولين، وقد لا يكون هؤلاء هم المقصودين، إذا عادوا إلى رشدهم. لأن كل شيء قد فُقد الآن، والكنيسة فسدت، ولا تختلف في شيء عن إسطبل (بهائم)، أو زريبة حمير وجمال. وأجول أطلب خرافًا ولا أجد. فالجميع يرفسون مثل بعض الخيول والحمير المتوحشة، ويملأون المكان هنا بنجاسات كثيرة. وأعني بها حواراتهم المتبادلة فيما بينهم.

 

    وإذا تمكنت من سماع كل ما يُقال في كل اجتماع، من الرجال ومن النساء، سترى أن كلامهم هو أكثر قذارة من روث البهائم. من أجل هذا أترجاكم أن تغيروا من هذه العادة الرديئة، لكي تستنشق الكنيسة طيبًا. فأنا الآن أنثر في الكنيسة بخور الأحاسيس الروحية المتميزة.

 

    إذًا ما هي المنفعة (من وراء هذا)؟ لأنهم على قدر ما يُسيئون للكنيسة بهذه الأحاديث، فيحملون داخلها قذارة، بقدر ما نشمئز عندما يتحدثون بيننا عن الربح، وعن المشروعات التجارية، والتجارة الصغيرة، وعن أمور لا تعنينا مطلقًا. أريد أن يكون المكان هنا مكانًا، للملائكة، وأجعل الكنيسة سماء، ولا يجب أن نعرف شيئًا آخر سوى الصلوات، والهدوء التام. هذا يمكن أن نطبقه الآن حتى ننقي حياتنا، وننال الخيرات التي وُعدنا بها، بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح، الذي له المجد إلى الأبد آمين.

1 العناوين الجانبية من وضع المُترجم.

2 مت25:27.

3 يو30:19.

4 مز21:69.

5 مت40:27.

6 مت42:27.

7 مت43:27.

8 حين قال ” أذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك” (لو42:23).

9 لو40:23.

10 1 كو1:5ـ2.

11 هكذا يتساءل القديس أثناسيوس قائلاً “فأي إنسان أظلّمت الشمس وتزلزلت الأرض عند موته؟ فأي من البشر الذين يموتون كل يوم منذ القديم وإلى الآن، حدثت عند موته عجيبة كهذه؟” “تجسد الكلمة”، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ترجمة د. جوزيف موريس، الفصل التاسع والأربعون، ص146.

12 لو 47:23ـ48.

13 أع4:9.

 

الآلام المحيية – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الصوم المقدس للقديس باسيليوس الكبير – د. جورج عوض ود. سعيد حكيم

الصوم المقدس للقديس باسيليوس الكبير – د. جورج عوض ود. سعيد حكيم

الصوم المقدس للقديس باسيليوس الكبير – د. جورج عوض ود. سعيد حكيم

الصوم المقدس للقديس باسيليوس الكبير – د. جورج عوض ود. سعيد حكيم

تحميل الكتاب PDF

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري – د. سعيد حكيم

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري – د. سعيد حكيم

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري – د. سعيد حكيم

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري

الروح القدس يخلق ويُجدّد:

إن كان الروح يستطيع أن يُؤله وأن يهب المخلوقات رتبة أسمى من الخليقة فهو أسمى من حيث الطبيعة، والكرامة، فإذا كان يستطيع أن يؤله النفس، فكيف يمكن أن يكون مخلوقًا وليس إلهًا، طالما أنه يؤله؟

إن كنا نؤمن بأن الله قد أتى إلينا، بواسطة سكنى الروح القدس داخلنا، فكيف يمكن أن يكون (الروح) مخلوقًا؟ لأنه من غير الممكن أن يُقيم الله داخلنا بواسطة مخلوق، إذ أن الله يسمو على الكون (المخلوق). لأنه كما انه بسكنى الله داخلنا، نصبح شركاء الطبيعة الإلهية، وليس شركاء الطبيعة المخلوقة، هكذا فإذا سكن داخلنا مخلوق، فلن نكون بعد شركاء الطبيعة الإلهية، بل شركاء الطبيعة المخلوقة. إذًا فالروح هو إله، طالما أن الله يسكن فينا بالحقيقة من خلاله.

فكل شيء يأتي من العدم إلى الوجود، يعتبر عبد للذي خلقه، ويكون في مكانة الخادم، بينما نحن إذ قد صرنا شركاء الروح القدس وصرنا أحرارًا، وهذا معناه على كل حال أن الروح القدس بحسب طبيعته حر، وليس بمخلوق، ولا عبدًا، كما في حالة الخليقة، بل هو الطبيعة التي هي فوق كل نير وكل حرية.

إن كان الروح يعمل فينا المواهب الإلهية كما يشاء، لأن هذا ما يقوله المطوب بولس: ” الله واحد الذي يعمل الكل في الكل[1]، إذًا فالروح إله، إذ أنه ينبثق من الله بالطبيعة.

والمطوب داود يُرنم لله مخلص الجميع، من اجل كل ما هو موجود على الأرض قائلاً: ” تُرسل روحك فتخلق وتجدد وجه الأرض[2]، لكن هذا الذي تجّدد، قد تجّدد هكذا كما كان في البداية، وهذا هو فعل القوة ذاتها، التي أتت به إلى الوجود منذ البدء، وعندما فسد هذا المخلوق، أعادته تلك القوة مرة أخرى إلى حالته الأولى. الروح يُجدد الخليقة، لأن الخليقة لم تُخلق من قِبل مخلوق، وعندما فسدت لم تتجدد بمخلوق، بل من الله. إذًا فالروح القدس إله، ويأتي من الله بحسب الطبيعة.

إن كانت المخلوقات في مجموعها قد خُلقت بنسمة فم الله، كما يُصلي داود[3]، وان كان الروح مخلوق (كما يدّعي البعض)، فليقل لنا هؤلاء الذين يُؤمنون بذلك، إلى أي شيء يستند هذا الإيمان. وإن كان الروح حقًا طبيعة مخلوقة، وهو الذي يُثبت الخليقة، فهذا معناه أن الخليقة تُثبّت نفسها، وليس لها احتياج لله على الإطلاق. لكن حين تؤمن بهذا الكلام، وتتحدث به، فهذا أمر يدعو للدهشة والغرابة، لأننا نتحد بالله عن طريق الروح القدس، وكلام المزمور كلام حقيقي: ” بكلمة الرب صُنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها[4].

إذًا فالروح من طبيعة الله، ويأتي من الله، وعلى أية حال فهو ذو طبيعة مختلفة عن الخليقة، التي تعتمد في وجودها عليه. فذاك الذي هو أسمى من الخليقة، ومن طبيعة مختلفة عن المخلوقات، هو بالتأكيد إله، وليس شيئًا آخر.

روح الحكمة والقوة:

لقد جعلنا الله حكماءً، بل وأقوياءً، عن طريق الابن، بالروح القدس. لأنه يُدعى روح الحكمة، وروح القوة. إذًا كيف يمكن أن يكون روحًا مخلوقًا؟ لأنه لو كان ذلك أمرًا صحيحًا، فمن الواضح أنه لا يوجد شيء يمكن أن يُعوقنا عن أن نفكر على هذا النحو: أن الله حكيم وقوي من خلال المخلوقات، وحكمته حكمه مخلوقة. وفي هذه الحالة يكون الكون هو الذي يضفي جمالاً على الله وليس العكس. لكن أن تؤمن بهذا، أو تقوله فهذا كفر. وبناءً على ذلك فإن الروح إله، وينبثق من الله بحسب الطبيعة، وبواسطته يعطي الله الحكمة للخليقة ويشدّدها. وعن الابن قال المطوب بولس: ” وأما الرب فهو الروح[5]. أيضًا الابن نفسه قال: ” الله روح[6].

إذًا عندما يُدعى الروح القدس بالآب مرةً، وأيضًا بالابن مرة أخرى، فكيف لا يكون واحد في الجوهر معهما؟ كما أن الخليقة في طبيعتها غير مؤلهة. إذًا فإن كان من غير الممكن أن نشترك في طبيعة الله أو نصير شركاء الطبيعة الإلهية، إلاّ فقط من خلال الروح القدس، فكيف يُعتبر الروح خارج الألوهه، ذاك الذي بذاته يجعل أولئك الذين يأتي إليهم، شركاء الطبيعة الإلهية؟

أن نقول بأن الخليقة، أو أي مخلوق من المخلوقات، هو مساو في العمل والقوة مع الله، فهذا يُمثل دليلاً واضحًا على الكفر. لكن لأن الروح القدس له نفس الطاقة أو العمل مع الآب والابن، فمن الواضح أنه إله من إله من حيث طبيعته، حتى أنه يستطيع أن يعمل ما يعمله الله.

والدليل على كل ما يُقال، هو هذا الذي طرحه القديس بولس بكل وضوح، قائلاً: ” فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد. وأنواع خدم موجودة ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد الذي يعمل الكل في الكل[7]. ولأن الآب يُعطي حياة، والابن أيضًا بنفس القدر يُعطي حياة، الروح القدس هو أيضًا يُحيي. يكتب إذًا المطوب بولس: ” أوصيك أمام الله الذي يُحيي الكل[8]. بل إن الابن نفسه قال: ” خرافي تسمع صوتي وأنا اعرفها فتتبعني وأنا أعطيها حياة أبدية [9].

وأما أن الروح يُحيي، سيُبرهن على ذلك المخلص نفسه بقوله: ” الروح هو الذي يُحيي. أما الجسد فلا يفيد شيئًا. الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة[10]. بل والمطوب بولس يكتب ” وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم[11]. إذًا فذاك الذي يمكنه أن يعمل أعمال مساوية في الكرامة للأعمال التي يعملها الله، هو بالحقيقة إله، ويأتي من الله بحسب الطبيعة.

لقد وبّخ ربنا يسوع المسيح جموع اليهود قائلاً: ” أعمالاً كثيرة حسنة أريتكم من عند أبي. بسبب أي عمل منها ترجمونني[12]. وأيضًا ” الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال[13]. بل إنه أقر، بأنه بروح الله يُخرج الشياطين.

إذًا طالما أن أعمال الروح هي أعمال الآب، ومن الواضح أنها أعماله هو أيضًا، فكيف يكون من الممكن أن يكون الروح مخلوقًا؟ لأنه لو كان هذا الأمر حقيقي (أى أن الروح مخلوق)، فعندئذ يتمجد الآب من خلال المخلوق، بل والابن يتمجد بالمخلوق، طالما أن المعجزات يصنعها بواسطة الروح، إلاّ أن هذا أمرًا غير معقول. إذًا فالروح إله، وهو من طبيعة الله، طالما أنه يعمل أعمال الآب والابن.

الروح القدس يملأ كل المسكونة:

حين يعرض المطوب بولس للعهد الجديد الذي للمسيح، يعرضه بصورة أكثر مجدًا من العبادة الناموسية، قائلاً: ” إن كانت خدمة الدينونه مجدًا فبالأولى كثيرًا تزيد خدمة البر في مجد[14]. إذًا الناموس كان لخدمة الدينونة، بينما البشارة الإنجيلية كانت لخدمة البر. لكن خدام العهد القديم، الذين أدانهم، كانوا يتحدثون بعبارات مثل ” يقول الرب “، وخدام العهد الجديد، الذين بررهم، قالوا: ” الروح القدس يقول “.

إذًا هل خدام العهد الذين أدانهم أسمى من خدام العهد الثاني (أي الجديد)؟ لأن خدام العهد القديم خدموا بكلام الله، فلو أن الروح القدس هو مخلوق فهذا معناه أن خدام العهد الجديد خدموا بكلام المخلوق. وكيف تكون بعد، خدمة البر في مجد؟ لأنه ما هو الأكثر مجدًا، أن يخدموا بكلام الله أم بكلام المخلوق؟ لكن خدام العهد الأول (القديم) ليسوا أسمى ولا هم أكثر بهاءً من خدام العهد الجديد.

وبناء على ذلك فعندما قالوا إن: ” الروح القدس يقول “، فهم أيضًا يُخدَمون بكلام الله، لأن روح الله، هو إله، ويأتي من الله بحسب طبيعته. أما أن خدمة خدام العهد الثاني (الجديد) هي أكثر بهاءً من خدمة خدام العهد الأول (القديم). فهذا ما أكده المخلص، قائلاً للرسل القديسين: ” الحق أقول لكم إن أنبياء وأبرارًا كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا ” لكن أنتم ” طوبى لعيونكم لأنها تُبصر ولأذانكم لأنها تسمع[15].

وقال لتلاميذه القديسين: ” وتساقون أمام ولاة وملوك من اجلي… فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون لأنكم تُعطَون في تلك الساعة ما تتكلمون به. لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم[16].

أيضًا يقول المطوب بولس: ” إذًا أنتم تطلبون برهان المسيح المتكلم فيّ[17]. إذًا عندما يتكلم المسيح في القديسين، فالروح هو الذي يتكلم، فكيف يمكن أن يكون مخلوقًا ذاك الذي يوجد داخلنا ويتكلم المسيح من خلاله، والذي من الله بحسب الطبيعة، وواحد في الجوهر مع الابن؟ والمطوب موسى قال في سفر التكوين: ” فخلق الله الإنسان على صورته[18]. بل وخالق الجميع قال بفم إشعياء: “ أنا صنعت الأرض وخلقت الإنسان عليها[19].

وطالما أن هذا صواب، فإن المطوب أيوب يقول: ” روح الله صنعني[20]. فإن كان روح الله مخلوقًا، فهذا معناه أننا خُلقنا من مخلوق. وإذا كان كذلك فلماذا يقول الكتاب: ” وجبل الرب الإله ادم ترابًا من الأرض[21]. وبناء على ذلك فمن الأمور الأكثر غرابة أن ننسب مجد الخالق للمخلوق، فالروح خالق، إذًا فهو إله وهو من الله بحسب طبيعته.

فلو أن الأصغر يُبَارك من الأكبر[22]، وفقًا لكلام القديس بولس، ولو أن الخليقة المدركة تتبارك، وتتقدس من الله بواسطة الروح، فإنها تتبارك وتتقدس من ذاك (أي الروح) الذي هو أسمى بحسب طبيعته من كل شيء. وإن كان هذا صحيحًا، إذًا فالروح القدس ليس مخلوقًا. لأن الأكبر لا يتبارك من الأصغر.

 

الروح يُحيي إذ هو الحياة:

فإن كانت المخلوقات تُدرك في مكان محدد، ومن خلال بعض الصفات، وإن كان الروح القدس لا يُدرك هكذا، لأنه مكتوب: ” روح الرب ملأ المسكونة[23]، بل وداود يُرنم قائلاً: ” أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب[24]، فكيف يمكن أن يكون ذاك الذي يملأ المسكونة، مخلوقًا، لأنه بالنسبة للابن، كتب ” الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات لكي يملأ الكل[25]. والآب نفسه قال لليهود في موضع ما ” السموات كرسيّ والأرض موطئ قدميّ أين البيت الذي تبنون وأين مكان راحتي[26]، وأيضًا: ” أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب [27].

وفي موضع آخر قال الله لليهود الذين تحرروا من بابل ” واعلموا فإني معكم … وروحي قائم في وسطكم[28]، أي انه في وسطكم قائم الله بحسب الطبيعة والحقيقة. كيف يمكن أن يُعد مخلوقًا، وليس إلهًا، إنه من الله بحسب الطبيعة، طالما أنه بذاته يحقق الحضور الإلهي؟

مكتوب: “ بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها[29]. والمؤكد أن قوة الخلق تليق بالله، وليس بالمخلوق، فكيف يمكننا أن نتشكك في ذلك؟ لكن لو أن الروح حقًا مخلوق، وهو الذي يثبّت الخليقة، فحينئذٍ تكون الخليقة هى التي تحفظ ذاتها لكي تكون في حالة حسنة، دون أن تحصل أو تأخذ أي شيء من الله لأجل هذا الأمر، وإن كان يجب أن أقول شيئًا غير لائق، فإن الخليقة بهذه الرؤية لها طبيعة سامية، طالما إنها تعمل من تلقاء ذاتها، وبهذا تصير موضع إعجاب لدى المرء.

لكن هذا أمر غريب، لأن الروح يُثبت السموات، ويُشدّد الخليقة. إذًا فهو طبيعة أسمى من الخليقة، إذ هو إله. فإن كان الروح يُحيي، وهو الحياة، وفقًا لكلام المخلص[30]، فكيف يمكن أن يكون مخلوقًا؟ ولهذا فلو لم يكن موجودًا قبلاً، فليس هو حياة، أي لو أنه خُلق مع أشياء أخرى، أي تلك التي أتت للوجود من العدم. إن الكلام عن خلق الروح، بهذه الطريقة هو كلام غير لائق، لأن الروح هو بالحقيقة حياة، ويُحيي. إذًا فهو لم يُخلق، بل كان موجودًا قبل الدهور، لأنه من الله بالطبيعة، وهو إله.

الطبيعة الإلهية غير المائتة، طبيعة بسيطة وغير مركبة، وهى التي تأتي بكل المسكونة إلى الوجود، وتكملّها بالروح. فلو أن الروح القدس هو مخلوق، كما يدّعي المضادون، فستكتمل عندئذٍ أعمال الألوهة عن طريق مخلوق. ولأن الله من جهة طبيعته بسيط، فكيف يمكن لروحه أن يكون مُركبًا؟ لأنه ليس هناك بين المخلوقات ما هو بسيط من حيث طبيعته. نعم، كما قال هؤلاء الذين يشتكون على مجد الروح القدس، الروح القدس هو من الله، ويُقدس الخليقة من الله. لأن المخلص قال عنه: ” يأخذ مما لي[31].

إن ما يُمنح ويأتي من خارج، من آخر، يمكن على أية حال أن يُنزع، وما ليس لنا بالطبيعة، يمكن أن يُفقد. إذًا هل سيفقد الروح القدس ذات مرة قوة التقديس؟ برغم أنه من المؤكد أن له صفة تدل على جوهره، والذي يؤكد على أنه كائن، وليس مجرد رتبه ما، أو امتياز، كما هو الحال بالنسبة للسلطة والعرش، والسيادة. لأن هذه الألقاب لا تعبر عن جوهر هؤلاء الذين يحملونها، بل تُعلن درجة كرامة كل رتبة على حدة. ولكن في الثالوث القدوس اسم الآب والابن والروح القدس، لا يُظهر امتيازًا ما، بل يُوضح ماهية كل واحد من هذه الأسماء.

قدوس بطبيعته:

فإن كان اسم الروح القدس يُعلن عن جوهره، أي يُعلن عن ماهيته من جهة طبيعته (لأنه دُعي قدوس)، فالله قدوس أيضًا[32]، (إذ هكذا تُسبّحه القوات السمائية لا كأنه اكتسب القداسة، بل لأنه قدوس بطبيعته، وبحسب الجوهر)، ولن يكون الروح غريبًا عنه من حيث جوهره. لأنه هو بطبيعته قدوس، طالما أنه يأتي من قدوس، ومتحد بالله القدوس بحسب طبيعته.

هؤلاء الذين يقولون إن الروح القدس مخلوق لا يدركون، إذ هم عميان، أن كل خدمه تتصف بالعبودية، هي اقل أو أدنى من الخدمة الذاتية أو الشخصية. مثلما حدث على سبيل المثال عندما أُعطى الناموس للقدماء، والذي أُخبر به بترتيب ملائكة، وبواسطة موسى، الكامل في الحكمة.

لكن الذي أعلن الناموس قديمًا، هو نفسه أرسل لنا النعمة بواسطة الإيمان. ولهذا فإن خدمة المسيح نفسه هي أكثر مجدًا، من خدمة موسى. إذًا لو أن الروح يُقدسنا كخادم، فمن الذي تقدّس أكثر من قِبل الآب؟ إنه ذاك الذي لا يتقدس، إلاّ عن طريق الروح القدس فقط. إن أعلى وأسمى درجات البركة الإلهية هو التقديس بواسطة الروح. وبناء على ذلك فالروح لا يُقدس الخليقة كعبد، ولا كواهب غريب (عن طبيعة الله)، بل إن الله ذاته بروحه هو الذي يصنع هذا بطريقة ما.

يهبنا شركة الطبيعة الإلهية:

المسيح له المجد يقول في موضع ما: ” إن أحبني احد يحفظ كلامي ويحبه أبي واليه نأتي وعنده نصنع منزلاً[33]. وبأي طريقة يتحقق فينا هذا الوعد، الكلمة الإلهية تعلّمنا ذلك بوضوح. بالحقيقة يقول المطوب يوحنا البشير: ” وبهذا نعرف أنه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا[34]. والكامل في الحكمة بولس يقول: ” أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم[35]. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا طالما صرنا بواسطته شركاء مع الآب والابن؟ لأنه لم يكن ممكنًا بواسطة مخلوق، أو واحد من الملائكة القديسين، أن نصير شركاء الطبيعة الإلهية. وهكذا فإن الله يوجد داخلنا عن طريق الروح الذي هو إله.

الكتاب يقول، إن الروح القدس كان حاضرًا في شمشون، طالما كان غير حليق الشعر، ثم يقول الكتاب ” الرب قد فارقه[36]، وذلك عندما حلق شعره بطريقة سيئة. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، طالما أنه بطبيعته هو الرب؟ لأن ذاك الذي هو حر، وسيد حقًا، لا ينتسب أو ينتمي للمخلوقات.

عندما قرر ربنا يسوع المسيح أن يصعد إلى السماء، عزى رسله القديسين قائلاً: ” لا أترككم يتامى. إني أتي إليكم[37]. وتمم وعده، وأرسل لنا المعزي من السماء، أو من الأفضل أن تقول، إنه أتى إلينا بواسطة الروح. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، وهو الذي بواسطته تُقيم بيننا الطبيعة غير المخلوقة، “الكلمة” الذي خلق المسكونة؟

الروح القدس واحد في الجوهر مع الآب والابن:

إن الذين يتجرأون على أن يقولوا أو يؤمنوا، بأن الروح القدس مخلوق، يكفرون كثيرًا. لأنه كما أن الإنسان، ليست روحه غريبة عن ماهيته. هكذا فإن الروح ليس غريبًا عن الله بالطبيعة وبالحقيقة، وإن كان يُدرك كموجود بذاته، أي مثل الآب ذاته، وبالطبع مثل الابن، فمن المؤكد انه عندما يكون الروح داخلنا، يكون الابن داخلنا أيضًا، بسبب وحدة الجوهر بينهما ولأن الروح هو روحه بالطبيعة، وهذا ما يؤكده لنا المطوب بولس قائلاً:

الذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله. وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح إن كان روح الله ساكنًا فيكم. ولكن إن كان احد ليس له روح المسيح فذلك ليس له. وإن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية. وأما الروح فحياة بسبب البر[38]. إذًا فهو يؤكد أن الروح يُدعى روح الله، ويُشير أيضًا إلى المسيح، بسبب وحدة الجوهر بينهما.

إذًا عندما يوجد المسيح داخلنا، فكيف يمكن أن يكون روحه مخلوقًا، طالما أن الابن من حيث طبيعته هو إله، وواحد في الجوهر مع الآب؟ المطوب بولس، تكلّم عن أولئك الذين يتنبأون في الكنيسة متّبعين النظام الخاص بذلك، أى كل واحد بمفرده، يقول إن مَن ينظر إليهم، يقول إن الله داخلهم بالحقيقة. لكن من جهة هؤلاء الذين يتكلمون بألسنة غير مفهومة، يقول عنهم إنهم لا يُكلمون الناس، بل الله[39].

ها هو إذًا يقول بكل وضوح، إن هؤلاء يتنبأون ملهمين بالروح، والله يوجد داخلهم، وان هؤلاء الذين يتكلمون بلسان غير مفهوم، يتحدثون مع الله[40]. إذًا فالروح القدس هو إله.

كل شيء مخلوق، هو على كل الأحوال اقل من سمو الله، ويأتي في مرتبة أقل بكثير من المجد الأسمى. لأنه لا يمكن أبدًا لمَن هو عبد، أن يكون له نفس استحقاقات السيد، ولا المخلوق له نفس استحقاق الخالق أو نفس القيمة مع الخالق.

وبناء على ذلك فإن إله الجميع يُبرر أولئك الذين يخطئون، مادام له السلطان على غفران الخطايا. بل والروح القدس أيضًا يُبرر بنفس الدرجة. لأن القديس بولس يقول:” لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا [41]. إذًا طالما أن الروح يُبرر بنفس القدر مع الله، فكيف لا يكون واحدًا معه في الجوهر؟ لأن المخلوق لا يمكن أن يبررنا. ذلك الذي له نفس القدرة مع الله الآب، هو على كل الأحوال واحد في الجوهر معه. إذًا مادام الله الآب مُحيي، فإن الروح القدس وبنفس القدر هو روح مُحيي.

أو من الأفضل أن نقول إن الآب يُحييّ بواسطة الروح القدس. هذا ما يؤكده القديس بولس وهو يكتب لتلميذه تيموثاوس: ” أوصيك أمام الله الذي يُحيّ الكل والمسيح يسوع… أن تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم [42].

لكن في موضع أخر يقول: ” وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائته أيضًا بروحه الساكن فيكم[43]. إذًا من المؤكد أن الله الآب يُعطي حياة للأموات، كما قلت، لكنه يعطيهم هذه الحياة بواسطة الروح القدس. إذًا كيف يكون مخلوقًا؟ فالآب لا يُعطي حياة عن طريق مخلوق، بل بالروح القدس الذي هو واحد معه في الجوهر.

قال الله ذات مرة لموسى: ” من صنع للإنسان فمًا؟ أو من يصنع اخرسًا أو أصمًا أو بصيرًا أو أعمى؟ أما هو الرب؟ فالآن اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به[44]. بل أيضًا ربنا يسوع المسيح وعد رسله القديسين، عندما كانوا يذهبون إلى ولاة، أنه سيعطيهم فمًا وحكمة[45].

أيضًا كُتب في سفر أعمال الرسل: ” وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم. وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا[46]. إذًا ها هو مرة أخرى يُعطي فمًا للإنسان، وبنفس الطريقة يُعطيه الروح القدس أيضًا. إذًا فذاك الذي له نفس الطاقة والقوة، والسلطة مع الله بالطبيعة، كيف لا يكون واحدًا معه في الجوهر وليس مخلوقًا؟

فإن كان يُسجد لطبيعة واحدة للثالوث القدوس الواحد في الجوهر، كيف يكون الروح القدس مخلوقًا؟ لأنه لا يكون ثالوثًا بعد، وكمال الثالوث سيكون ناقصًا، إن كان الروح القدس يُحصى مع المخلوقات، وإن كان المطوب بولس يعد الروح القدس مع الآب والابن بالضرورة. لأنه يكتب لأهل كورنثوس قائلاً: ” نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم[47]. لأنه لا يُصلي لأجل الذين امنوا، لكي يصيروا شركاء لمخلوق، بل لكي يتقدسوا مشتركين في الطبيعة الإلهية.

يقول النبي المطوب إشعياء: ” رأيت السيد جالسًا على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل. السيرافيم واقفون … وهذا نادى ذاك وقال قدوس قدوس قدوس[48]. ثم يُضيف ” ثم سمعتُ صوت السيد قائلاً من أُرسل؟ ومن يذهب من اجلنا؟ فقلت هاأنذا أرسلني فقال اذهب وقل لهذا الشعب اسمعوا سمعًا ولا تفهموا وأبصروا إبصارًا ولا تعرفوا[49]. لكن المطوب بولس يقول أن هذا الكلام يأتي من الروح القدس.

وقد كُتب في سفر الأعمال ما يلي عن الروح القدس، في إشارة لليهود ” فانصرفوا وهم غير متفقين بعضهم مع بعض لما قال بولس كلمة واحدة انه حسنًا كلّم الروح القدس آبائنا بإشعياء النبي. قائلاً اذهب إلى هذا الشعب وقل ستسمعون سمعًا ولا تفهمون وستنظرون نظرًا ولا تبصرون[50]. إذًا حين تكلم رب الصباؤوت، كان الروح القدس هو المتكلم، فكيف يكون مخلوقًا؟ هذا الرأى (بأن الروح مخلوق) ليس له أية علاقة بالحقيقة. بل هو روح رب الصباؤوت وهو واحد معه بالطبيعة، وتكلّم بما لله.

وعندما يقول الله الآب: ” أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب[51]، بل والمطوب بولس يكتب عن الابن قائلاً: ” الذي نزل هو الذي صعد أيضًا فوق جميع السموات[52]، وهذا الذي يملأ المسكونة هو الروح، لأنه مكتوب: ” روح الرب ملأ المسكونة[53]، إذًا فالروح القدس ليس غريبًا عن طبيعة الله الآب، ومن المؤكد أنه ليس غريبًا عن طبيعة الابن، بل إن حفظ الخليقة يتم من الآب بالابن في الروح القدس، الذي هو فوق الخليقة. لأن الخليقة لا تشترك في ذاتها، بل هي تشترك في ذاك الذي هو بحسب الطبيعة فوق الخليقة، أي الله بواسطة الروح.

الروح يُدعى ربًا وإلهًا:

المطوب إشعياء قال ذات مرة للإسرائليين: ” كبهائم تنزل إلى وطاء روح الرب أراحهم. هكذا قدت شعبك لتصنع لنفسك اسم مجد[54]، وموسى أيضًا يقول في سفر التثنية: ” هكذا الرب وحده اقتاده وليس معه إله أجنبي[55]. إذًا ها هو الروح القدس، يُدعى الرب وبوضوح، ويدعى إلهًا وليس غريبًا. أما لو كان مخلوقًا وغريبًا عن طبيعة الله، فلن يكون له المجد الحقيقي، وسيكون إلهًا غريبًا. إلاّ أنه من غير اللائق أن تؤمن بهذا وان تقوله. لأنه دُعي ربًا وإلهًا، وليس غريبًا. إذًا فهو إله وهو من الله بحسب الطبيعة.

وأما أن الروح هو رب وإله، فهذا ما سنعرفه أفضل من خلال كلمات نشيد موسى، لأنه قال: ” اذكر لا تنسى كيف أسخطت الرب إلهك في البرية[56]. والمطوب إشعياء يقول: ” في كل ضيقهم تضايق. وملاك حضرته خلّصهم. بمحبته ورأفته هو فكهم ورفعهم وحملهم كل الأيام القديمة. ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه. فتحول لهم عدوًا وهو حاربهم[57]. إذًا ها مرة أخرى، بينما يقول الكامل في الحكمة موسى “أسخطت الرب إلهك”، يقول إشعياء النبي إن الروح حزن. لأنه ليس غريبًا عن الرب، وروحه هو بحسب طبيعة الله، أي قدوس.

وهؤلاء الذين لهم إيمان مستقيم، يقولون إن الروح القدس إله. لأنه مكتوب، أن روح الله جبلني. أما الذين لهم رؤية ملتوية، ويقولوا إن الروح مخلوق، فقد اظهروا بدعًا كثيرة بطرق مختلفة، وقالوا، نعم الروح يُدعى (لاهوت)، ليس لأنه هو بالحقيقة من الله، أو لأنه إله، بل أنه هكذا مثلما يمكن أن يُقال عن الإنسان أنه إلهي. وفي هذا الشأن نقول الأتي: إن المطوب بولس دعا إله الجميع، لاهوت، فقد كتب إلى أهل أثينا، قائلاً:

” فإذ نحن ذرية الله لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعه أو اختراع إنسان”[58]. قائلاً “اللاهوت” بدلاً من “الله”. بل في رسالته إلى أهل رومية، يكتب عن الله: ” لأن أمور غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركه بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى إنهم بلا عذر[59]. إذًا فإن ما يقوله المعارضون، إن الروح القدس يُدعى (لاهوت)، مثلما يمكن لأحدنا أن يُدعى إنسانًا إلهيًا أو من طبيعة إلهية، يعتبر كلامًا باطلاً.

يقول ربنا يسوع المسيح: ” إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب. من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي[60]. ثم بعد ذلك يُضيف المطوب يوحنا البشير: ” قال هذا عن الروح القدس الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه[61].

إذًا فالروح حيّ، وفقًا لكلام المخلص. لكننا نرى أن إله الجميع يقول بفم إرميا أيضًا: ” أبهتي أيتها السموات من هذا واقشعري وتحيري جدًا يقول الرب. لأن شعبي عمل شَرّين. تركوني أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لأنفسهم أبارًا مشققة لا تضبط ماء[62]. إذًا عندما يُسمي إله الجميع نفسه “ينبوع المياه الحية”، ويُسمي الروح القدس “ماء حيّ”، كيف لا يكون إلهًا بالطبيعة، ذاك الذي له مع الله نفس الطاقة المحييّة؟

يكتب المطوب بولس: ” تطلبون برهان المسيح المتكلم فيّ[63]. وربنا يسوع المسيح نفسه، يتوجه إلى رسله القديسين قائلاً: ” لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم[64]. إذًا طالما أنه عندما يتكلم المسيح، يتكلم الروح، فكيف يمكن أن يكون روح الكلمة الذي خلق المسكونة، مخلوقًا؟ لأن: ” كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان[65]. لكن ذاك الذي خلق كل المسكونة، هو على كل الأحوال مُختلف بحسب طبيعته عن كل الأشياء، ويتميز عن الخليقة لأنه إله.

وأما أن الروح القدس إله، وينبثق من الله بالطبيعة، فهذا ما يُعلمنا إياه المطوب بطرس قائلاً: ” لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس وتختلس من ثمن الحقل… أنت لم تكذب على الناس بل على الله[66]. إذًا طالما أن الذي يكذب على الروح القدس يكذب على الله، فكيف لا يكون الروح إلهًا بطبيعته؟

المطوب بولس دعا نفسه عبدًا ليسوع المسيح، والمدعو رسولاً، وقال أنه تعيّن لخدمة إنجيل الله[67]. وأيضًا يُعلن نفس الأمر بطريقة أخرى، عندما كتب عن الله ” الذي جعلنا لأن نكون خدام عهد جديد لا الحرف بل الروح[68]. إذًا طالما أنه يُسمي إنجيل الله، عهد الروح، الذي تعيّن لخدمته، فكيف لا يكون الروح القدس إلهًا؟

يقول أيضًا: ” لأنه من عرف فكر الرب فيُعلمه. وأما نحن فلنا فكر المسيح[69]. إذًا عندما يُدعى (أي الروح)، فكر المسيح، فكيف يكون واحدًا من المخلوقات، طالما أن الطبيعة الإلهية غير المائتة، لا تقبل أن يكون فيها شيئًا من تلك الأمور التي هي خارج جوهرها؟

يكتب الرسول بولس إلى أهل غلاطية، قائلاً: ” يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضًا حتى يتصور المسيح فيكم[70]. إذًا طالما أن المسيح يتصور داخلنا، ويُعيد صياغتنا على شبهه بعمل الروح، ويجعلنا روحيين بواسطة كل فضيلة، إذًا فروح المسيح هو إله. وقد ورد في الأناجيل، أن شخصًا أتى إلى ربنا يسوع المسيح وقال له: ” أيها المعلم الصالح “. أجابه المسيح وقال له: ” لماذا تدعوني صالحًا. ليس احد صالحًا إلا واحد وهو الله[71].

إذًا بينما يقول المسيح، إن الصالح بالحقيقة وبحسب الجوهر هو واحد، يقول المرنم ” روحك الصالح يهدي في ارض مستوية[72]. إذًا فبما أن الصالح هو واحد، والروح هو صالح، فمن الواضح جدًا أن الروح من طبيعة الله، المتحقق فيها الصلاح.

المطوب بولس حدد النواميس من جهة المرأة، قائلاً: ” المرأة مرتبطة بالناموس مادام رجلها حيًا. ولكن إن مات رجلها فهي حرة لكي تتزوج بمن تُريد في الرب فقط. ولكنها أكثر غبطة إن لبثت هكذا بحسب رأيي وأظن إني أنا أيضًا عندي روح الله[73]. إذًا ما هي النتيجة التي نخرج بها من هذا؟ النتيجة هي إن كان يليق بالله وحده أن يُشرّع، لكن بولس أيضًا يُشرّع، لأن عنده روح الله، إذًا فالروح الذي في داخله هو إله، والذي يُقنعه أن يُحدد النواميس أيضًا.

الروح هو الحق:

في الأناجيل يقول المخلص عن نفسه في موضع ما: ” أنا هو الحق[74]. بل والمطوب يوحنا يساوي بين الروح وبين الآب والابن من جهة الجوهر، ويقول: “روح الحق الذي من عند الآب ينبثق[75]. بينما في رسالته الأولى يقول: ” الروح هو الحق[76]. إذًا فذاك الذي ينبثق من الآب، وهو روح الحق، وله كل هذا القدر من التساوي مع الابن، بسبب وحدة الجوهر، حتى أنه يُدعى أيضًا “الحق”، كيف يكون مخلوقًا؟ هذا كلام غير لائق. إذًا الروح هو إله، طالما أنه “الحق” وينبثق من الآب.

ناموس موسى يفرض عقابًا لا مفر منه على أولئك الذين يجدفون على الله. هكذا أعطى الله أمرًا أن يُرجم ابن الإسرائيلية في البرية، من كل الجماعة. لأنه أورد اسمه، كما هو مكتوب، وتجرأ أن يقول عليه شيئًا ممنوعًا[77]. بل إن ربنا يسوع المسيح ذاته، يصون كرامة الطبيعة الإلهية، قائلاً: ” من قال كلمة على ابن الإنسان يُغفر له. وأما من قال على الروح القدس فلن يُغفر له لا في هذا الدهر ولا في الآتي[78].

فإن كان الروح مخلوقًا، وليس واحد مع الله في الجوهر، ولم يكن إلهًا مع الآب والابن، فكيف يكون التجديف عليه، يحمل هذا القدر الكبير من العقاب، الذي يُعاقب به الذين يجدفون على الله؟ إذًا من الواضح أنه إله، وينبثق من الله، وهو مع الله ويُكرّم في الكتب المقدسة كإله، وهو هكذا بحسب الطبيعة.

فإن كان كما يقول المخلص: ” المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح[79]. إذًا فالروح بحسب الطبيعة إله، الذي يلد القديسين مرة ثانية، باتحادهم مع الله، بأن يسكن فيهم، ويجعلهم شركاء في طبيعته. وهذا الذي هو قديس بسبب الشركة (مع الروح)، يُشبه إناءً للقداسة قد أصبح يمتلكه (الروح)، بينما هو قائم بطبيعته كإنسان.

إذًا فليقولوا لنا هؤلاء الذين يتجرأون على القول، إن الروح قدوس بسبب شركته مع الله الآب، وليس بحسب طبيعته، مَن هو الروح في ذاته، بعيدًا عن الآب والابن. لكننا لم نسمع شيئًا أخر من الكتب المقدسة. إذًا فهو قدوس ليس عن طريق الشركة، بل لأنه قدوس بحسب طبيعته وجوهره، ولكي أتكلم عنه أقول إنه فعل الألوهة الذي لله الآب، مثل الحلاوة لعسل النحل، ومثل الرائحة الذكية للأزهار.

كتب القديس بولس إلى أهل رومية عن المسيح مخلصنا يقول: ” وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات. يسوع المسيح ربنا[80].

قوة الله تستعلن بالروح:

إذًا إن كان قد قام من الأموات، وبقوة الروح القدس المحييّة قد فك قيود الموت، وتعيّن المسيح حقًا ابن الله، وهو كذلك، فلا يمكن أن يكون مخلوقًا ذاك الذي بواسطته صار إعلان القوة الإلهية، أي الروح، لكي لا يظهر أن المسيح قد تعين بطريقة ما، بواسطة مخلوق، بل بالأحرى استخدم قوته، تلك التي للروح الواحد في الجوهر. ويقول: ” إذ أُخضعت كل الخليقة للبطل. ليس طوعًا بل من اجل الذي أخضعها على الرجاء[81]. إذًا لو أن الروح القدس مخلوق، فيلزم أن نعترف بالضرورة أن الروح أيضًا خضع للبطل، ويئن مع الخليقة ويتمخض، والآن هو يوجد كما لو كان في حالة عبودية، وسيتحرر لكي يصل إلى حرية مجد أولاد الله[82].

ويقول أيضًا القديس بولس في حالة أخرى: ” إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبا الآب[83]. فلو كان الروح القدس عبدًا، كمخلوق، فكيف نصرخ به “يا أبا الآب”؟ لكنه حرر الذين حل فيهم من العبودية، وبالأحرى جعلهم أبناءً أحرارًا، مُظهرًا إياهم شركاءً في طبيعته. فذاك الذي ليس بمخلوق، والذي لا ينتمي لنظام أو طبقة العبيد، هو خاص بالجوهر الإلهي في كل الأحوال.

وعن الإنجازات أو العطايا التي صارت من مخلصنا لمنفعة الأمم، بواسطة الروح، يفتخر الرسول بولس قائلاً: ” فلي افتخار في المسيح يسوع من جهة ما لله. لأني لا أجسر أن أتكلم عن شيء مما لم يفعله المسيح بواسطتي لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل. بقوة وآيات وعجائب بقوة روح الله[84].

إذًا طالما أن المسيح يصنع الآيات والعجائب بواسطة بولس، بقوة الروح القدس، كطاقة طبيعية وحية، وكفعل لألوهية الابن، فكيف يكون ذاك الذي هو في الله، وينبثق من الله بطريقة طبيعية، مخلوقًا؟ وكيف يكون مخلوقًا ذاك الذي بقوته يعمل الابن (في القديسين)، الأمر الذي يعد كفرًا بمجرد النطق به؟ يُعلّم القديس بولس عن الكرازة المخلّصة، أنها لا تحتاج إلى الكلمة القاسية أو المفزعة، إذ يكتب في رسالته إلى أهل كورنثوس: ” وأنا كنت عندكم في ضعف وخوف ورعدة كثيرة. وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع بل ببرهان الروح والقوة. لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله[85].

ها هو يسمى برهان الروح، أي عمل الروح، قوة الله. لأنه من الله ومع الله، الروح يصنع كل شيء بطريقة طبيعية، كيف إذًا يكون مخلوقًا، ذاك الذي هو واحد في الجوهر مع الله، والذي يُعرف أو يُستعلن لنا على قدر استيعابنا، كما لو كنا ننظر في مرآه في لغز[86].

أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله[87]. إذًا عندما نصير مسكن وهيكل لله، بسكنى الروح القدس فينا، فكيف لا يكون للروح طبيعة إلهية، وكيف سيُحصى بين المخلوقات، في اللحظة التي يتضح فيها، أنه لا يوجد بين الأشياء المخلوقة، ما يُقال عنه أنه يسكن في هيكل كإله، بل إن هذه الصفة مع صفات أخرى، هي الخاصية التي تُُميز الطبيعة الإلهية وحدها؟

فبكل سرور افتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل علىّ قوة المسيح[88]. فإن كان الروح هو الذي يحل ويسكن فينا، ومن خلاله يسكن المسيح فينا، إذًا فالروح القدس هو قوة المسيح. وإن كان الأمر هكذا، فكيف يكون مخلوقًا مَن هو بالطبيعة كائن في الابن؟ ويمكنهم أيضًا أن يقولوا إن الله الكلمة الذي ليس فيه ازدواجية أو ثنائية، هو مُركب من اثنين، أى من طبيعة مولودة ومن طبيعته الذاتية (الإلهية).

لكن إن كان كل هذا هو أمر غير لائق، فإن الروح ليس مخلوقًا، لكنه من الجوهر الإلهي غير المُدرك، كقوة له، وبمعنى ما كطاقة طبيعية. والرسول بولس يتكلم عن المسيح مخلّصنا، فيقول: ” الذي فيه أيضًا انتم إذ سمعتم كلمة الحق إنجيل خلاصكم الذي فيه أيضًا إذ أمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتني لمدح مجده[89].

يوزع المواهب الإلهية:

فإن كنا قد خُتمنا بالروح القدس، وأُعيد تشكيلنا لله، فكيف يمكن اعتبار الذي بواسطته حُفرت في داخلنا أيقونة الجوهر الإلهي، وبقيت فينا علامات الطبيعة غير المخلوقة، مخلوق؟ لأن الروح بالطبع عندما يكون محددًا للصورة فقط فهو لا يرسم فينا جوهر الله، لو أنه كان مختلفًا عن جوهر الله، ولا بهذه الطريقة يقودنا لنصير على شبه الله.

ولكن هذا ما يحدث، فهو لأنه إله وينبثق من الله، لذلك ينطبع في قلوب أولئك الذين قبلوه كختم كما على شمع، وبالشركة معه، والتشبه به، تُستعلن الصورة مرة أخرى، في الطبيعة بحسب جمالها الأول. إذًا كيف يكون مخلوقًا، ذاك الذي بواسطته تتجلى الطبيعة، بأن تصير لها شركة مع لله؟ ” تعقلوا واصحوا للصلوات. ولكن قبل كل شيء لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا. كونوا مُضيفين بعضكم لبعض بلا دمدمة. ليكن كل واحد بحسب ما أخذ موهبة يخدم بها بعضكم بعض كوكلاء صالحين على نعمة الله المتنوعة [90].

لاحظ من فضلك أنه بينما يوزع الروح القدس المواهب الإلهية، ويقسّمها لكل قديس، بسلطان وكما يُريد، فإن القديس بطرس يؤكد بكل ثقة أن أنواع هذه النعمة، والهبات تصير من الله، وأن الروح ليس غريبًا عن الطبيعة الإلهية. إذًا طالما أن القديس بطرس يدعو الروح، إلهًا، فكيف لا يكون كافرًا ومختل العقل من يجعله في عداد المخلوقات، ويتجرأ ويخاطر بأن يناقض بشارة الرسل القديسين؟

من هو الذي يغلب العالم إلاّ الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله هذا هو الذي أتى بماء ودم يسوع المسيح. لا بالماء فقط بل بالماء والدم. والروح هو الذي يشهد لأن الروح هو الحق. فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد. والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة الروح والماء والدم والثلاثة هم واحد. إن كنا نقبل شهادة الناس فشهادة الله أعظم لأن هذه هي شهادة الله التي شهد بها عن ابنه[91].

لاحظ إذًا مرة أخرى، أن الكارز بالحقيقة، يُسمي الروح، إلهًا، ومنبثقًا من الله بالطبيعة. لأنه قال، إن الروح هو الذي يشهد، ويتقدم قليلاً، قائلاً: ” شهادة الله أعظم “. إذًا كيف يكون الروح مخلوقًا، وهو منبثق من الله بالطبيعة، ومُتمم للثالوث القدوس؟

يعيد ولادتنا للخلاص:

أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس[92]. من حيث إنه يستطيع أن يخلق، فهذا أمر يتعلق بالطبيعة الإلهية وحدها، وهذا الأمر بالإضافة إلى جوانب أخرى، يؤكد على ما للروح القدس من رتب إلهية موقرة، ومتميزة تمامًا، وأن الروح الإلهي يخلق داخل هيكل العذراء، وفقًا للكتب، إذًا من يقول أن الروح مخلوق، ألا يُعد هذا كفرًا وهوسًا؟

لأنه يوجه إتهامًا للجوهر الاسمي من كل شيء، ويتدني به، ويحسبه في عِداد المخلوقات، والتي هى حديثة العهد في وجودها، وليس منذ البدء. لكن الله بالنسبة لنا، ليس حديث العهد، بحسب ما كُتب في المزامير[93]. إذًا لم تخلق الطبيعة الإلهية النقية، لكن بالأحرى هي موجودة منذ البدء. فإن كان الأمر هكذا، فكيف يمكن أن يقال إن الروح القدس، الروح الإلهي، قد خُلق، بينما هو موجود في الله الآب؟

وأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله[94]. فإن كان الروح هو الذي يُعيد ولادتنا للخلاص بالإيمان بالمسيح، حتى أنه بواسطته نصير مولودين من الله، فكيف يكون ممكنًا ألا يكون الروح إلهًا؟ بل إننا نحن الذين آمنا، قد صرنا مولودين من الروح. وهذا ما أكده المخلص لنيقوديموس قائلاً: ” الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب.

هكذا كل من ولد من الروح[95]. ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أن إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي[96]. فإن كان الروح القدس ينبثق من الله الآب، وواحد معه في الجوهر، وإن كان الآب غير مولود ولا مخلوق، فكيف يمكن أن يكون الروح الذي ينبثق من الآب، مولودًا؟ وكيف صرنا نحن هيكل الله، بسكنى الروح القدس، إن لم يكن إلهًا؟

 

[1] 1كو 12: 6.

[2] مز 4: 1- 30.

[3] مز 32: 6.

[4] مز 32: 6.

[5] 2كورنثوس 3: 17.

[6] يوحنا 4: 24.

[7] 1كو 12: 7.

[8] 1تيمو 6: 13.

[9] يوحنا 10: 27 – 28.

[10] يوحنا 6: 63.

[11] رو 8: 11.

[12] يوحنا 10: 32.

[13] يوحنا 14: 10.

[14] 2كورنثوس 3: 9.

[15] متى 13: 17,16.

[16] متى 10: 19 – 20.

[17] 2كورنثوس 13: 3.

[18] تك 1: 27.

[19] أش 45: 12.

[20] أيوب 33: 4.

[21] تك 2: 7.

[22] عب 7:7.

[23] حكمة سليمان 1: 7.

[24] مز 139: 7.

[25] أف 4: 10.

[26] أش 66: 1.

[27] أر 23: 24.

[28] حجي 2: 4 – 5.

[29] مز 33: 6.

[30] يوحنا 6: 36.

[31] يوحنا 16: 15.

[32] أش 6: 3.

[33] يوحنا 14: 23.

[34] 1يوحنا 3: 24.

[35] 1كو 3: 16.

[36] قض 16: 20.

[37] يوحنا 14: 18.

[38] رو 8: 8 – 10.

[39] 1كو 14: 23 – 26.

[40] 1كو 2: 1.

[41] 1كو 6: 11.

[42] 1تيمو 6: 13 – 14.

[43] رو 8: 11.

[44] خر11:4.

[45] متى 10: 19 – 20.

[46] أعمال الرسل 2: 2 – 4.

[47] 2كورنثوس 13: 14.

[48] إش 6: 1 – 3.

[49] إش 6: 8 – 9.

[50] أعمال الرسل 28: 25 – 26.

[51] أر 23: 24.

[52] أف 4: 10.

[53] حكمة سليمان 1: 7.

[54] أش 63: 14.

[55] تث 32: 12.

[56] تث 9: 7.

[57] أش 63: 9 – 10.

[58] أعمال الرسل 17: 29.

[59] رو 1: 20.

[60] يوحنا 7: 37 – 38.

[61] يوحنا 7: 39.

[62] أر 2: 12 – 13.

[63] 2كورنثوس 13: 3.

[64] متى 10: 20.

[65] يوحنا 1: 3.

[66] أعمال الرسل 5: 4.

[67] رو 1: 1.

[68] 2كورنثوس 3: 6.

[69] 1 كو 2: 16.

[70] غل 4: 19.

[71] متى 19: 16.

[72] مز 143: 10.

[73] 1كو 7: 39 – 40.

[74] يوحنا 14: 6.

[75] يوحنا 15: 26.

[76] 1يوحنا 5:7.

[77] لا 24: 10 – 23.

[78] متى 12: 32.

[79] يوحنا 3: 6.

[80] رو 1:4.

[81] رو 8: 20.

[82] رو 8: 21.

[83] رو 8: 15.

[84] رو 15: 17 – 19.

[85] 1كو 2: 3 – 5.

[86] 1كو 13: 12.

[87] 1كو 6: 19.

[88] 2كورنثوس 12: 9.

[89] أف 1: 13 – 14.

[90] 1بط 4: 7 – 10.

[91] 1يوحنا 5: 5 – 9.

[92] متى 1: 18.

[93] مز 81: 7.

[94] يوحنا 1: 12 – 13.

[95] يوحنا 3: 8.

[96] يوحنا 15: 26.

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري – د. سعيد حكيم

قيامة الأموات – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة الأموات – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة الأموات – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة الأموات – د. سعيد حكيم يعقوب

رجاء القيامة:

يؤكد واقع الحياة على أن تاريخ الإنسان كله من لحظة السقوط وما تبعه من نتائج، ليس سوى مسيرة مستمرة نحو الحياة الأخروية. وهذا أيضًا هو جوهر الحياة المسيحية، فهو مُرتبط إرتباطًا وثيقًا برجاء القيامة العامة.

وهنا نطرح أمرين أساسيين يتعلقان:

  1. بما نعرفه
  2. وما نترجاه

ما نعرفه وتأكدنا منه بشهود كثيرين هو قيامة المسيح، وما نترجاه هو قيامتنا نحن، هذا الرجاء لا يمكن أن ينفصل أبدًا عن قيامة المسيح التي تمهد للقيامة العامة. إن الحياة بعد الموت هي من الموضوعات الأساسية التي تشترك فيها جميع الديانات. والآراء التي تناولت هذا الموضوع كثيرة ومتباينة، ولا يوجد إتفاق فيما بينها حول طبيعة حياة الإنسان بعد الموت.

أما على المستوى المسيحي بصفة خاصة تُعد مسألة الإختبار الشخصي للقيامة من المسائل المرتبطة بالإيمان الخاص بعقيدة الحياة بعد الموت، هذا هو إرثنا المسيحي، فهو مرتبط بقيامة المسيح من بين الأموات كباكورة للراقدين[1].

إلاّ أن الأمر ليس كذلك في الديانات الأخرى، فبعض الديانات الشرقية تؤمن حتى اليوم بأن وجود الإنسان في هذه الحياة يُعتبر نوع من الإنحدار، نتج عن سقوط جزء من عالم النفس في الإطار الجسدي وفي سجن هذا العالم، وبناء على ذلك فإن ما ينتظره ويترجاه ويصارع من أجله، ويرغب في تحقيقه، هو فقط الصعود مرة أخرى إلى الغبطة الأولى إلى الحياة الأبدية.

وليس هناك رأي واحد مشترك عند القدماء حول مصير الإنسان بعد الموت، بل هناك أراء عديدة ومتباينة. وإذا إستثنينا المدرسة الأفلاطونية والتي تحمل رؤية خاصة بخلود النفس وخلاصها أو تحريرها من سجن الجسد، وإنتقالها إلى عالم الروح بعد الموت، فنجد أن هناك أراء كثيرة حول هذا الموضوع. لكن الرأي السائد بشكل عام لدى القدماء، هو أن حياة الإنسان تنتهي بموته.

وفي العهد القديم، كان هناك مَن يؤمن بأن الإنسان عندما يموت ينضم إلى أبائه. وحتى ذلك الحين كان هناك كثيرين ممن تحدثوا عن حياة الجماعة وليس الشخص. تلك الجماعة التي تحتوي الجميع، والجميع كانوا مُتضامنين فيما بينهم في احتضانهم للفرد[2].

لكننا في الكنيسة نتبع مسيرة تبدأ في الإنسان يسوع المسيح الذي يحتضن الكنيسة بل والعالم كله. فحتى عصر المسيح، كان هناك رفضًا لفكرة القيامة، وخير مثال لذلك الصدوقيون الذين كانوا يمثلون كهنة ذلك العصر، وحافظي التقليد، فهؤلاء لم يؤمنوا بالقيامة.

ولذلك فالسؤال الذي طرحه بعض الصدوقيين على المسيح ـ والخاص بموضوع الزوجة التي كان لها سبعة أزواج وماتوا جميعًا، فلمن تكون في القيامة؟ كان سؤالاً يحمل في حقيقة الأمر نوايا غير مستقيمة، فهم لم يؤمنون بالقيامة، فلماذا السؤال إذًا؟ ورغم هذا فقد أجاب المسيح وكانت إجابته واضحة جدًا وبدليل كتابي، لأنها قيلت قبل قيامته وتعكس في نفس الوقت رؤية إسرائيليين آخرين مثل الفريسيين الذين كانوا يؤمنون بالقيامة، يقول الكتاب:

أنا هو إله إبراهيم وإسحق ويعقوب ” لكن الله، هو إله أحياء وليس أله أموات، ولأنه أله حي ومحييّ، ولأنه هو إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، فتكون النتيجة أن هؤلاء أحياء. هكذا كانت إجابته على الصدوقيين، وهي تتوافق مع إيمان أولئك الذين يؤمنون بالقيامة (انظر مر18:12ـ27).

أيضًا حين قُبض على القديس بولس وذهبوا به إلى أورشليم ليحاكم هناك، وكان المجمع الذي حوكم أمامه يقف بكامله ضده. فكما يخبرنا سفر الأعمال (1:23ـ10)، فإن القديس بولس انتهز فرصة وجود خلاف بين الصدوقيين والفريسيين، فقام وقال ” أيها الرجال الأخوة أنا فريسي إبن فريسي. على رجاء قيامة الأموات أنا أحاكم ” (أع6:23). وعندئذٍ حدثت منازعة فيما بينهم، ونسوا موضوع محاكمة بولس.

إحتاج الأمر بعد ذلك زمنًا طويلاً حتى يختفي أو ينتهي مجمع الكهنة (من الصدوقيين)، ويسود العلمانيون والفريسيون، لكي يُضاف إلى قانون الإيمان اليهودي، مصطلح الإيمان بقيامة الأموات “مَنْ لا يؤمن بالقيامة يكون مقطوعًا”. هكذا تطور الأمر تاريخيًا ودينياُ لدى اليهود[3]. وهذا يختلف تمامًا عما تؤمن به المسيحية.

ولم يكن لدى الرسل حين كانوا يتكلمون عن القيامة أي تبنّي للفكر اليوناني بشأن النفس الإنسانية باعتبارها خالدة، فنفس الإنسان هي الحياة، والحياة تُدين بوجودها للنفس، لكن بلا إنفصال، فالإنسان وحدة واحدة لا تنقسم ” من أراد أن يخلص نفسة يهلكها. ومن يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلّصها ” (مر35:8). هكذا قال المسيح له المجد. النفس في الإنجيل، هي حياة الإنسان، هي النسمة التي أعطاها الله للإنسان، وهكذا يصير الإنسان خالدًا بنعمة الله فقط.

ويتضح هنا الفارق الكبير بين الرؤية المسيحية للنفس، والفكر اليوناني. حيث يرى أفلاطون أن الخلود هو في داخلك، وأنك أنت الذي تختار الطريق الذي تسير فيه بإرادتك وحدك. وهذا يختلف تمامًا عن الإيمان بأن النسمة التي فيك، وإمكانية الحياة إلى الأبد، هي من الله. لأن المنطق الذي يتبناه الفكر اليوناني بشأن النفس، يعني أن لك نفس جوهر الله، بينما الفكر المسيحي يؤمن بأن وجودك يعتمد أولاً وأخيرًا على محبة الله المعطي حياة.

إذًا حين يحيا الإنسان بعيدًا عن الله، فمن الطبيعي أن ينتهي أو يتلاشى، ولكنه لن ينتهي لأن الله وضع الموت في الطريق، وهو ما يتمثل في إنفصال النفس عن الجسد بشكل مؤقت. فإن لم يحدث هذا الإنفصال، لبقى الإنسان خالدًا في الخطية، وفي البغضة، والحسد، وفي كل الشرور الأخرى.

ويشرح سفر التكوين موقف الإنسان بعد السقوط، فهو لم يبتعد فقط عن الله، بل إختلّت أيضًا علاقته الشخصية مع الإنسان الآخر شريكه في الإنسانية. تجدر الإشارة هنا إلى أن آدم قبل السقوط قال عن حواء “هذه الآن عظم من عظامي”، أما بعد السقوط فقد تحدث عنها باعتبارها كيان منفصل وقال “المرأة التي أعطيتني إياها”، هذا يعني أن العلاقة الصحيحة كانت قد انقضت، وتغيرّت تمامًا. إلاّ أن الله لم يرد لهذه الحالة أن تدوم، فوضع حلاً مؤقتًا تمثّل في الموت.

وترك الإمكانية للإنسان أن يدخل الحياة الحقيقية، يدخل في علاقة شركة مع الله مرة أخرى. فالمسيح اتخذ جسدًا لكي يعلن محبة الله الفائقة نحو الإنسان، ولكي يهزم الموت ويبطل سلطانه، ويزيل العائق الذي دخل لكي يحرم الإنسان من الشركة مع الله ولا يُمكّنه من التواصل مع شريكه في الإنسانية. تجسد لكي يدوس الموت ويقوم حيًا، هذا هو هدف التجسد، عودة الإنسان إلى وضعه الإنساني الحقيقي، والتأكيد على أن الإنسان يمكنه أن يحيا حياة أبدية.

فحتى مجئ المسيح، لم يكن ممكنًا له، حتى إن أراد، أن يقترب، من الله، إذ أن الموت كان قد فصله عن الحياة، فصار عبدًا للموت، وللخطية، وللشيطان، أما بالمسيح فقد صارت له الإمكانية أن يحيا الحياة الحقيقة، لأن الطبيعة الإنسانية تغيرّت، وهذا ما يتضح في قيامة المسيح الذي غلب الموت إلى الأبد[4].

الإيمان بالقيامة:

إن كيفية حدوث قيامة المسيح لم توصف في أي من الأناجيل، ولا في أي موضع من العهد الجديد. الذي نعرفه فقط هو أمرين:

1ـ أن القبر وُجد فارغًا، هذا ما تقوله لنا الأناجيل الأربعة. هكذا وجدته حاملات الطيب، ثم بعد ذلك تأكد بطرس ويوحنا وبعض التلاميذ الآخرين من هذه الحقيقة.

2ـ ظهورات المسيح بعد القيامة. فبالنسبة للقبر الفارغ كان هناك بعض الإدعاءات التي روَّجها اليهود ليشككوا في القيامة، منها ما ورد بإنجيل القديس متى، حيث بدأ اليهود يقولون ” إن تلاميذه أتوا ونحن نيام وسرقوا الجسد “. وهنا يلاحظ القديس يوحنا ذهبي الفم ملاحظة صحيحة ودقيقة فيقول: [ طالما أنهم  كانوا نيامًا فكيف رأوا التلاميذ وهم يسرقون الجسد؟ ]. أما الحدث الذي لا يحتمل ولا يقبل أي شك هو ظهورات المسيح القائم من الأموات.

هذا هو إيماننا، إيمان الرسل، وإيمان الآباء، الذي يؤكد على حقيقة القيامة. وماذا تعني القيامة؟ القيامة لا تعني فقط أن القبر وُجد فارغًا، هذه كانت علامة أو إشارة، أما الدليل على القيامة ومحتوى القيامة فهو أن المسيح قام حيًا بعد موته وقد رآه كثيرون بأعينهم، ولدينا سجل بظهورات المسيح بعد القيامة، بحسب ما ورد في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس الإصحاح الخامس عشر. وهو عبارة عن نص قد وجده الرسول بولس في الكنيسة، ولم يُعده بنفسه، ويحتوي على الشهادات القديمة عن القيامة[5].

يقول ” فإنني سلّمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب وأنه ظهر لصفا ثم للأثني عشر ثم بعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمائة شخص أكثرهم باق إلى الآن .. ” (1كو3:1ـ6). الأمر هنا مُتعلق بحدث حقيقي وليس مصادفةً، بل سبقته وعود، ونبؤات كثيرة في الكتاب المقدس وبصفة خاصة في العهد القديم. وصَاحَبه دليل منظور أن المسيح مات ودُفن.

فلكي يقوم كان ينبغي أولاً أن يُدفن، وهذا ما قد حدث، ولكي يؤكد على قيامته يذكر بولس الرسول الدليل بأنه ظهر لصفا، ثم للأثني عشر تلميذ، ثم لأكثر من خمسمائة شخص أكثرهم باق وهؤلاء يستطيعوا أن يؤكدوا على رؤيتهم له حيًا بعد قيامته.

وكأنه يقول إن مَن يتشكك عليه أن يتوجه لهؤلاء بالسؤال ليتأكد من حقيقة القيامة. ومن المعروف أن اليهود كانوا يتمسكون بتطبيق القانون، حيث إنهم لم يؤمنوا بشئ إلاّ إذا كان هناك على الأقل شاهدين، وهكذا كانت إشارة الرسول بولس إلى أكثر من خمسمائة شاهد تأكيدًا على حقيقة القيامة. ولأنهم لم تكن شهادة النساء لها مصداقية بالنسبة لهم، لذلك لم يحمل هذا السجل أسماء أي من النساء، فلم يقل أنه ظهر لمريم المجدلية ولا لسالومي[6].

أيضًا عندما يتحدث العهد الجديد عن القيامة فهو لا يتحدث عن قيامة البشر جميعًا، بل عن قيامة المسيحيين، وبصفة خاصة يتحدث عن أن المسيحيين سيكونون بالقرب من الله بواسطة القيامة، كما يتحدث عن ما ينبغي عليهم أن يفعلوا من أجل هذا من الآن. ما كتبه الرسول بولس كتبه لمجموعة من المسيحيين من أهل كورنثوس لا يؤمنون بالقيامة، ولم يكن واضحًا أنهم يؤمنون بخلود النفس، بل أن البعض منهم قد أعطى معنى مختلف للقيامة، وهو أن القيامة هى أن يقوم الشخص من خطيئته ويتحرر من أسر الخطيئة، ويكتسب حياة أخلاقية جديدة، وسلوكًا جديدًا.

بمعنى أن الموت ليس سوى سقوط الإنسان في الخطيئة، وما القيامة إلاّ التحرر منها. وهذا يُناقض الحقيقة، إذ أن المسيح قام حقًا وقهر الموت وأبطل سلطانه. وفي هذا السياق يقول القديس يوحنا ذهبي الفم [ إن هذا الكلام ـ أى ما كان يؤمن به البعض من أهل كورنثوس ـ معناه أن المسيح قد أخطأ، وإن كان قد أخطأ، فكيف يقول ” مَن منكم يُبكتني على خطية ” (يو46:8)، وكيف يموت من أجل الخطاة إن كان هو في الخطية؟ لأن الذي يموت من أجل الخطاة ينبغي أن يكون هو نفسه بلا خطية، كذلك إن كان قد أخطأ، فكيف يموت من أجل خطاه آخرين.

فإن كان قد مات من أجل خطايا الآخرين، فإنه يكون قد مات وهو بلا خطية. وإن كان قد مات وهو بلا خطية، فإنه لا يكون قد مات موت الخطية، لأنه كيف يكون قد مات موت الخطية، وهو بلا خطية؟ لكنه مات بالجسد، وإن كان قد مات بالجسد، حينئذٍ تكون القيامة بالجسد ][7]. وهذا ما أوضحه الرسول بولس بقوله إنه ” مات من أجل خطايانا حسب الكتب ” (1كو1:15). وقد أضاف ” حسب الكتب” لكي يضفي مصداقية على كلامه، لأن الكتب تكرز بموت الجسد في كل موضع. مثل ” ثقبوا يديّ ورجلّي ” (مز16:22)، وأيضًا ” فينظروا إلى الذي طعنوه وينوحون ” (زك10:12).

ولذلك يقول القديس بولس ” ولكن إن كان المسيح يكرز به أنه قام من الأموات فكيف يقول قوم بينكم إنه ليس قيامة أموات؟ ” (1كو12:15). هنا الرسول بولس يُبرهن على حقيقة القيامة من الأموات من خلال قيامة المسيح، وذلك بعدما برهن على قيامة المسيح بطرق كثيرة؛ إذ يوضح أن الأنبياء أيضًا تنبأوا عن هذه القيامة والتي أثبتها المسيح نفسه بظهوراته بعد قيامته من الموت. وحتى لا يقولوا إن الأمر لا يتعلق بقيامة المسيح، فهي حقيقة لا شك فيها وهي واضحة للجميع، وقد سبق التنبؤ عنها، وشهد بها الكثيرون من خلال ظهورات المسيح بعد القيامة.

حيث إن هؤلاء يرون أن قيامة المسيح لا تؤكد حقيقة قيامة البشر. لذلك فقد أوضح الرسول بولس أنه إن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام (1كو13:15). لأنه لمن كانت الباكورة الأولى، إن لم تكن لأولئك الذين قاموا؟ إن قيامتنا مرتبطة بقيامة المسيح والدليل على ذلك أنه إذا لم يكن في تدبيره أن يقيم الجسد، فلماذا أخذ جسدًا؟ المسيح لم يكن محتاجًا لذلك لكنه تأنس من أجلنا وقام من أجلنا. ولذلك يقول ذهبي الفم إن عدم الإيمان بالقيامة يؤدي إلى رفض خطة الله من أجل خلاص البشر[8].

 

كيف يقوم الأموات؟

والواقع أن هذا النص المُشار إليه يطرح موضوعين هامين وهما:

  1. حقيقة القيامة
  2. كيف تكون القيامة؟

فيما يتعلق بالقيامة فقد أراد أن يؤكد أن قيامة البشر هي حقيقة. ولكي يؤكد عليها انطلق من حدث تاريخي حقيقي، من قيامة المسيح من الموت. ولذلك فقد، أورد القديس بولس شهادات كثيرة على قيامة المسيح، لكي يخبرنا أنه كما قام المسيح، سنقوم نحن أيضًا فالقيامة كما يقول الآباء هي “خلق جديد“، وليس مجرد تجديد.

وبقيامة المسيح ودخوله إلى الحياة الأبدية الجديدة، لم يعد الإنسان هو ما كان عليه أدم الأول، بل صار ما هو عليه أدم الجديد (المسيح) بعد القيامة. هذا هو البرهان اللاهوتي الذي أورده القديس بولس، والذي لخّصه في عبارة “كما في أدم يموت الجميع هكذا في المسيح يحيا الجميع”. فالطريق الذي تبعه آدم، قاد البشر إلى الموت، بينما المسيح فتح الطريق إلى الحياة الأبدية.

الأمر الثاني هو كيف تكون القيامة؟ وهذه النقطة في الحقيقة تُعد الأكثر صعوبة، فالرسول بولس يقول: ” لكن يقول قائل كيف يُقام الأموات وبأي جسم يأتون ” (اكو35:15). وقد أفرد نصف الإصحاح تقريبًا لمناقشة هذا الأمر بطرح سؤالين كانا موضع إستفسار في ذلك الوقت. وقد واجه الرسول بولس هذه الإستفسارات كتساؤلات متوقعة، وربما كانت لديه الخبرة للرد على التساؤلات الشفاهية وبصفة خاصة التي كان يطرحها اليونانيون الذين كان لهم موقفًا سلبيًا من الجسد، باعتباره سجن للنفس.

وقد كان من الممكن أن يقبلوا فكرة الخلود، ولكن ليس للجسد. فمن وجهة نظرهم كيف يقوم المرء ومعه سجنه؟ لذلك بدأ القديس بولس يتحدث بوضوح من خلال أمثلة من حياتنا الإنسانية، ولم يكن أمامه طريقة أخرى لشرح كيفية قيامة الأموات إلا هذه الطريقة. والمثل الأول الذي ذكره كان قد أستخدمه المسيح نفسه بحسب ما ورد بإنجيل يوحنا، وهو مَثل الحبة التي إن لم تمت لن تأتي بثمر.

وبحسب فكر ذلك العصر، فإن ما يبذره المرء، هو حبة مجردة، ومع هذا تُخرِج نباتًا سواء كان قمحًا، أو ذرة، أو شجرة كاملة. الله هو الذي يضع في هذه الحبة المجردة القوة لكي تخرج نباتًا مكتملاً. ما يريد أن يقوله القديس بولس، أن هناك قوانين إلهية في حقل الزراعة، بمعنى أن في داخل الحبة المجردة توجد قوة معطاة من الله. وشيء مثل هذا يحدث في الكون كله، في النجوم، والشمس، والقمر، فكل منها له إشراقة مختلفة. وهذا يعني أن كل ما في الخليقة مرتبط بأمرين:

  1. قوة الله التي تُعطى حياة للأشياء.
  2. إرادة الله التي تجعل الأشياء مختلفة فيما بينها.

فليس هناك شكلاً متماثلاً للأشياء، بل إن جميع الأشكال مختلفة. إذًا فالإجابة على كيف يقوم الأموات، تتلخص في أنهم يقومون بالقوة الإلهية. وليس في هذا شيئًا غريبًا، فالذي خلقه منذ البدء، يسهل عليه تجديده مرة أخرى. إن ما يبدو غريبًا وغير مفهوم هو أن الجسد الذي يموت ويتحلل، يقوم ثانيةً. بيد أن هذه الغرابة تزول إذا فكّر المرء في قوة الله التي خلقت هذا الجسد. فكما خلقه الله من العدم، يمكنه أن يعيد خلقه مرة أخرى.

هكذا يقول القديس غريغوريوس النيسي: [ بما أن الكائنات لم تُخلق من مادة كانت موجودة سابقًا، بل أتت إلى الوجود بواسطة الإرادة الإلهية، فهذا يعني إن إمكانية إعادة الإنسان للحياة مرة أخرى، بالشكل الذي كان عليه، هي أيسر بكثير من إعطاء كيان وجوهر لشئ لم يكن موجودًا من البداية ][9].

نأتي للأمر الثاني وهو بأي جسم يأتون. يتحدث الرسول بولس في هذه النقطة عن “الجسم الروحاني”، وهذا يُعد تعبير لا معنى له بالنسبة لليونانيين. لأن الجسد لا يمكن أن يكون روحًا، والروح لا يمكن أن يكون له جسدًا. ولكن هذا التعبير له معنى في الإطار الكتابي، لأن الكتاب يستخدم لكلمة جسم تعبير ساركس (σάρξ)، وليس سوما (σώμα). فالجسد هو كل الإنسان هو كل الكيوننه الإنسانية في تواصلها مع كل العالم.

أي كياننا في علاقته مع الآخرين، ومع العالم بشكل عام، ومع أي شئ آخر. وبهذا المعنى يتضح ماذا يريد أن يقول القديس بولس بتعبير (σώμα) “جسم روحي”. أن هذا هو جسد القيامة، الجسد الروحي. وتعبير الروح هنا ليس هو الهواء أو الريح، بل هو الحقيقة الجديدة، وهذه الحقيقة هي التي تُقرب الإنسان من الله، هي التي تجعله يشبه الله (في قداسته وكماله)، هذا الروح هو الذي ينشئ الإنسان الجديد، فنصير لحمًا من لحمه وعظمًا من عظامه. وهكذا يقوم الإنسان متحررًا من الفساد والموت. إذًا فنحن متأكدون من أمرين:

  1. أننا سنقوم حتمًا.
  2. أننا سنتغير إلى عدم الفساد، وعدم الموت، إلى الحياة الحقيقة، وسنكون مثل المسيح.

ما نود التأكيد عليه هنا أن رجاءنا في القيامة، يستند إلى شهادة حية لأناس قد رأوا المسيح القائم من الأموات. وهذا الإيمان قد انتقل من جيل إلى جيل وقد صار إختبارًا شخصيًا يجتازه المؤمنون في حياتهم اليومية، مُقرين بأنهم غرباء على الأرض، ومنتظرين المدينة التي لها الأساسات التي صانعها وبارئها هو الله. هذه هي مفاعيل القيامة التي تحققت في حياة الكثيرين، بعد أن تأكدت بشهود كثيرين أيضًا.

هكذا سُلّم الإيمان بالقيامة، كما تسلمه الرسل، وهذا ما سبق وأشار إليه الرسول بولس في بداية حديثه، إذ يقول ” فإنني سلّمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دُفن وأنه قام في اليوم الثالث ” (1كو1:15). هذا الرجاء يتجسد في الحضور الحي للمسيح داخل الكنيسة، والذي يُمثل تعبيرًا آخر عن قيامته.

وكل الأمور الأخرى، مثل المحبة كقانون عملي للحياة، أو الإيمان، أو أي حقيقة مسيحية أخرى، تستند على الإيمان بالقيامة. نحن لا نتكلم بالطبع بإحساس العبد الذي يعيش الحياة المسيحية خوفًا من الجحيم، بل نتكلم بإحساس الابن الذي لا يسعى نحو المكافأة ولا يخاف العقاب، بل يستند على الرجاء، رجاء الحياة مع المسيح. وهو رجاء يمكن تحقيقه في هذا العالم، لكنه سيكتمل في الدهر الآتي.

ولذلك فإن المجيء الثاني للمسيح، هو تلك اللحظة التي فيها ينتظر الإنسان رؤية المسيح القائم من الأموات.تيأتي

 

[1] Γ.Ι.Μαντζαρίδη “ χριστιανική Ηθική “ θεσσαλονίκη 1995, σελ 510

[2] Δ. Καῒμάκη ” Η. Ανάσταση των Νεκρών στην παλαιά Διαθήκη  ” θεσσαλονίκη 1994, σελ. 203-230.

[3]  Γ.Τ.Μαντζαρίδη “ κοινωνιολογία του χριστιανισμού “ θεσσαλονίκη 1990, 6,31.

4 انظر تجسد الكلمة، ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. فصل 44 ص129ـ130.

[5]  Βασ. Π.Στογιάννος “ Η ανάστοση των Νακρών “ Χ.Φ.Ε, θεσσαλονίκη 1979, σελ,67-70.

[6] Βασ. Π.Στογιάννος “ Η ανάστοση των Νακρών “ Χ.Φ.Ε, θεσσαλονίκη 1979, 90-96

7 المسيح باكورة الراقدين، ترجمة د. سعيد حكيم، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية 2008 ص 28ـ29.

8 المسيح باكورة الراقدين، ترجمة د. سعيد حكيم، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية 2008 ص 38.

9  “خضوع الابن للآب” للقديس غريغوريوس النيسي، ترجمة د/سعيد حكيم، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية ص 13-14.

قيامة الأموات – د. سعيد حكيم يعقوب

Exit mobile version