النبوءة الرابعة – العظة الثامنة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الرابعة – العظة الثامنة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الرابعة – العظة الثامنة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الرابعة لبلعام

 

        1ـ لنأخذ الآن النبوءة الرابعة التي نطقها بلعام تحت إلهام كلمة الله لتكشف ما يريد الله أن يعطينا أيضًا في هذه النبوءة.

 

الأحــوال

على رأس هذه النبوءة يوجد الاستهلال المناسب لما سبق        « فاشتعل عصى بالاق على بلعام وصفق بيديه وقال بالاق لبلعام: لتشتم أعدائي دعوتك وهوذا أنت قد باركتهم الآن ثلاث دفعات. فالآن اهرب إلى مكانك. قلت أكرمك إكرامًا وهوذا الرب قد منعك عن الكرامة » (عد10:24ـ12). الكتاب يوضح هنا أن بالاق أدرك أن بلعام توقف عن عبث الشياطين التي تحضره رغم أن قوة الله تساعده لكي تجعله يتقدم لذلك يقول: ” الرب قد منعك عن الكرامة “. لكن لنترك هذه الموضوعات جانبًا ولنأخذ البقية، وبلعام يقول لبالاق: « ألم أكلم أيضًا رسلك قائلاً: ولو أعطاني بالاق ملء بيته فضة وذهبًا، لا أقدر أن أتجاوز قول الرب لأعمل خيرًا أو شرًا من نفسي. كل ما يقوله الله لي سأقوله. والآن هوذا أنا منطلق إلى شعبي » (عد12:24ـ14). كان بلعام يعرف أن الإجابات لم تكن معطاة له عن طريق وكلائه المعتادين ولكن عن طريق الكلي القدرة. إذًا لديه حق فقد تراءى له الاعتراض بأنه لا يستطيع نقض كلمة الرب، ” ولا يعمل شيئًا صغيرًا أو كبيرًا من نفسه “. الذي كان يحدثه لم يكن من الذين يلينون بالتقدمات والهدايا ولكن «هو الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران » (يع1: 17)، والكاهن لم يرد أن يتركه لكي يتأثر بالمال بما أن الله لا يتأثر بالهدايا.

 

المشورة

في هذه الأثناء في وقت التباعد، بدأ بلعام في التنبؤ « هلم أنبئك بما يفعله هذا الشعب بشعبك في آخر الأيام » (عد24: 14). لكن قبل تفسير النبوءة أريد البحث عن المعنى وما هي بقية الأفكار في الكلمات “احضر لأنبئك”، في الحقيقة إنه لا يعطي نصيحة لكنه يقول ما سيفعله هذا الشعب بشعبه في آخر الأيام. أنه يبدو أكثر منطقيًا قول: ” تعال لأنبئك بما سيفعله هذا الشعب بشعبك في آخر الأيام ” وذلك سيتسلسل منطقيًا. بلعام سيتنبأ بما سيفعله شعب إسرائيل بشعب بالاق أو بالأمم الأخرى وبما سيفعله في قوته وعدم تركه ليعيش في مدن موآب.

2ـ في الحقيقة فهي نبوءة عن المسيح الذي سيشير إليه بهذه الديباجة أنه سيرفع نجمة يعقوب وأنه سيظهر إنسان في إسرائيل سيحطم أمراء موآب. هذه النبوءة تبدو في موقعها إذا قيل “احضر لأنبئك”. ولكن ماذا نقول عن من كتب “احضر لأنصحك” بما سيفعله هذا الشعب بشعبك. لنبحث إذًا كيف يجب أن نفهم “أنصحك”.

 

مشورة الله

بالتفكير الكثير لم أجد أية وسيلة إذا أردنا أخذ “أنصحك” بالمعنى المقبول بالاستخدام الحالي والمعتاد، لكنني وجدت أن هذه الكلمات تتوافق أكثر مع معنى القطعة إذا أردنا فهمها هنا. المشورة الإلهية التي يجب أن تكمل في الأيام الأخيرة أوحت لي وسأكشفها لك وسأوضحها لتعلم ما سيفعله هذا الشعب بشعبك. هكذا يتضح معنى الكلمات أنصحك بما سيفعله هذا الشعب بشعبك تعني: أنا أنبئك وأظهر لك “مشورة” الله. أنني بحثت في بعض القطع من الكتابات الإلهية وهكذا نستطيع أن نجد لفظًا مناسبًا أوضح الرب أنه يمكن سماعه بنفس الطريقة التي قالها الرسول: « من الذي عرف فكر الرب أو من صار له مشيرًا » (رو11: 34). هنا اللفظ الاستفهامي “مَنْ” لا يجب أن يكون مأخوذًا كمساوٍ لشخص ولكنه يمثل كائن فريد وغير عادي. كيف؟ في الحقيقة إن فكر الله لا يعرفه إلا ابنه الوحيد الذي يقول « ليس أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له » (مت19: 29). ما هي معرفة الآب إلاّ معرفة مشورته وفكره، والروح القدس، الذي يفحص حتى أعماق الله (1كو2: 10) كيف لا يعرف فكره. فالابن والروح القدس والذين يريد الابن أن يعلن لهم، هؤلاء يعرفون فكر الرب. فإن كان الابن يعرف فكر الله إذًا فهو مشيره ولا ينبغي تخيل أن المشير هنا معناه أنه يقدم مشورة إلى كائن آخر يجهل ما سوف يفعله. فلا يجوز تصور كلاً من الابن أو الروح القدس أنه مشير بهذه الصورة. فالابن والروح لهما نصيب في مشورة الآب ومشيئته وهما يعرفان هذه المشورة وهذه المشيئة.

بنفس الطريقة تصرف بلعام مع بالاق بالمشورة التي أظهرها الله له إذ قال: « هلم أنبئك » (عد24: 4)، لأنه رائي حقيقي، وقد سمع كلمات الله حقيقة كما ثبت من كلام النبوة بعد ذلك التي تقول « وحي بلعام بن بعور وحي الذي يسمع أقوال الله ويعرف معرفة العلي … الذي يرى رؤيا القدير … هو مكشوف العينين » (عد24: 15، 16).

 

ديباجة:

IIـ معرفة العلي

إنني تحدثت عن كل هذا لأن الديباجة هي نفسها كالنبوءة الثالثة. لا نجد هنا سوى هذه الإضافة عن معرفة العلي. (المتعالي ـ الفائق). هذا لم يكن قد قيل لبلعام، ولم أُلاحظ وجود هذا التعبير عند أي واحد من الأنبياء القديسين. أنني أتعجب عندما أنظر إلى سلوك بلعام أنه لا يتكلم بالشكل المعتاد للنبوات التي قالها الرب، لكنه يقول: « بلعام الذي يرى رؤيا القدير » (عد24: 16). إذًا، كيف استحق بلعام أن يفهم هذا المدح العظيم الذي وجه إليه أنه ” يعرف معرفة العلي؟ ” (عد24: 16). وهو الذي علّم الملك بالاق الطريقة التي بها يضع عثرة أمام الإسرائيليين أن يأكلوا ما ذُبح للأوثان ويزنوا. مثل هذه المعرفة ” علم معرفة العلى “، قلما نجدها عند الأنبياء القديسين أو الرسل. والرسول بولس رغم أنه قال أنه « سمع كلمات لا ينطق ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم بها » (2كو12: 4)، لكنه لم يدّعِ أنه يملك علم معرفة العلي. إذًا، فلنبحث هذا الأمر بعمق، فقد ينعم الله علينا بكشف بعض الأفكار الهامة في هذا الموضوع.

 

كل حكمة هي من الله

مكتوب في سفر حكمة يشوع ابن سيراخ، « كل حكمة هي من الله » (سيراخ1: 1)، ومنه يمكن أن نستنتج أن ” حكمة هذا العالم ” التي قيل إنها يجب أن تكون قد أُبطلت، والتي ” هي من عظماء هذا الدهر “، وكل حكمة تأتي من العلم الخاطئ، هي أيضًا من الله، لو لم يقل السِفر نفسه بعد ذلك: « معرفة الشر ليست حكمة » (ابن سيراخ22:19)، وهذا يبرهن على أن الكل يعرف الكذب ويريد أن يبدو أنه قوي ويصعب هدمه وأبطاله. وهذا لا ينبغي أن يُسمى حكمة. فما هو المقصود إذًا بمعنى القول “كل حكمة هي من الله”؟

يبدو لي أن معنى هذا القول هو أن كل موهبة في أي فن نافع للإنسان، أو في أي علم مهما كان موضوعه، فهو يعتبر حكمة معطاة من الله. لأنه مكتوب في سفر أيوب: « من الذي أعطى النساء المهارة في النسج ومعرفة التطريز » (أي38: 36 سبعينية). وقال الرب لموسى في سفر الخروج: « انظر قد دعوتُ بصلئيل بن أوري بن حور من سبط يهوذا باسمه، وملأته من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة لاختراع مخترعات ليعمل في الذهب والفضة والنحاس ونقش حجارة للترصيع ونجارة الخشب ليعمل في كل صنعة. وها أنا قد جعلت معه أهولياب بن أخيساماك من سبط دان. وفي قلب كل حكيم القلب جعلت حكمة ليصنعوا كلّ ما أمرتك » (خر31: 2ـ 6).

ومن كل هذا فإن مهارة الصياغة في عمل الذهب، والفضة وكل المهارات الأخرى، وأيضًا ” المهارة في النسيج ” نفهمها ويمكن أن نقول عنها إن ” المعرفة هي من العلي “. وأن كانت معرفة صياغة الذهب تنسب للعلي، فبالأحرى جدًا يُنسب علم الهندسة لله، والذي منه يستمد علم الكتابة الذي سُمّي علم البناء. وأيضًا في سفر زكريا فإن حبل القياس الذي قاس به الملاك أورشليم دُعى هندسة. ولكن ماذا نقول عن الموسيقى؟ كان داود الحكيم يملك موهبة كبيرة في الوزن والنغم حتى أنه استطاع بألحانه أن يهدئ ملك ثائر ومُعذب من روح رديء. وأظن أنه لن يعترض أحد على أن كل العلوم هي من الله (كما هو مكتوب)، « كل حكمة هي من الله » (ابن سيراخ1: 1). وأظن أن الطب أيضًا لا يتناقض مع هذا القول، بل إن علم الصحة يعرف فصائل الزرع وخصائص العصائر.

وينتج من كل هذا أن معرفة بلعام التي من أجلها أتي من الشرق من جبال ما بين النهرين لكي يلعن يعقوب في منشأة وفي أصله، هى من العلي. من هنا فإنه حصل على معرفته بالطبيعة والحيوانات وحركات الطيور وفوارق الأصوات، ولكن كل هذه المواهب التي حصل عليها لأجل معرفة الأعمال الصالحة استخدمها للشر. وهذه الحالة تبدو مشابهة لحالة إنسان تعلم الطب، وهو يعرف فصائل الزروع وخصائصها وكل الأشياء المعطاة من الله للبشر لتستخدم كعلاج، ولكنه بانقلاب إرادته استخدم كل هذه المعرفة والعلم الذي أعطى لأجل خلاص الأجساد استخدامًا شريرًا، فصارت كسم بدلاً من العلاج، وبدلاً من الشفاء صار الطب في هذه الحالة يؤدي إلى الموت بدلاً من الصحة. 

ولكي نفهم أكثر أن الحكمة المتضمنة في كل علم هي من الله، وأن البشر ذوي النية السيئة بل وحتى الشياطين، هم الذين يحولون الحكمة الإلهية إلى الشر، فإننا نذكر حادثة دانيال وأصدقائه الثلاثة الذين أخبرهم الملك نبوخذ نصر أن يصيروا حكماء جدًا في حكمته أي في حكمة بلاده، أي في حكمة بابل. فأعطاهم الله معرفة، وعقلاً وفطنه في كل كتابة وحكمة، « وأعطي لدانيال الفهم في كل كلمة وفي الرؤى والأحلام. وجاءوا عند الملك، وفي كل كلمة وفطنه وعلم، وجدهم الملك في كل الموضوعات التي سألهم فيها، أضعاف في المعرفة أكثر من كل السفسطائيين والحكماء الذين كانوا في مملكته » (دا 1: 17، 19ـ 20سبعينية). هذا هو نص النسخة السبعينية، لكني أجد أن النسخة العبرانية أفضل. ونقرأ فيها ما يلي: ” الله أعطى الفهم والفطنة في كل حكمة كتابة، وُوجد دانيال فهيمًا في كل رؤية وحلم “، وأيضًا ” وآتي بهم أمام الملك، وفي كل كلام في الحكمة والعلم في كل ما سألهم الملك عنه وجدهم عشر مرات أعلم من كل المجوس والسحرة الذين في كل مملكته “. وبعد ذلك يمكننا أن نفهم بأي معنى قال بلعام عن نفسه إنه ” الذي يعرف معرفة العلي “، وهذا لكي نفهم أن منبع كل معرفة إنما يصدر من الله، ولكن بسبب خطأ الجنس البشري، وبسبب أفكار الشياطين وخداعاتهم، فإن ما أُعطى لأجل الخير صار للهلاك.

هذا لكي نشرح ـ بقدر قوتنا معنى القول: « من يعرف معرفة العلي؟ ».

 

النبوة

4ـ يقول بلعام بعد ذلك « الذي يرى رؤيا القدير… وهو مفتوح العينيين » (عد24: 15، 16)، وهذا كان قد سبق شرحه بصورة كافية عند حديثنا عن الرؤية الثالثة، وليس نافعًا أن نعيده.

 

المسيح يُعلن أنه ينبوع الغبطة

لنلاحظ إذًا ما يلي: « أراه ولكن ليس الآن. أعلنه مباركًا ولكن ليس قريبًا » (عد24: 17 سبعينية). وأيضًا كلمات أخرى تحمل نفس المعنى: “سأراه ولكن ليس الآن”. فإذا قبلنا هذه القراءة الأخرى سنفهم النص بسهولة أكثر. فيبدو كما يقول بلعام بعد ذلك عن المسيح:     « يبرز كوكب من يعقوب، ويظهر إنسان في إسرائيل » (عد24: 17 سبعينية). يقول بلعام إنه يجب أن يُرى ولكن ليس الآن، أي أنه لا يراه الآن في الوقت الذي يتكلم فيه. إذ في الأيام الأخيرة عندما يأتي ملء الزمان الذي فيه يرسل الله ابنه (انظر غل 4: 4).

ولكن إن كان يلزم أن نتبع ما نعرفه من النسخة المخطوطة فإننا نجد مكتوبًا فيها: « أراه ولكن ليس الآن، أعلنه مباركًا وليس قريبًا » (عد24: 17 سبعينية)، هذه الكلمات تنطبق لا على بلعام الذي نطق بها، بل على الذين يمثلهم كما قلنا سابقًا[1]. إن معلمي الناموس والكتبة لا يرون المسيح الآن معلنًا في الناموس الأنبياء، أي في مجيئه الحالي (بالجسد)، ولكن عندما « يدخل ملء الأمم، ويخلص جميع إسرائيل » (انظر رو11: 25، 26). هذا هو الذي يرونه، وهو الذي يعلنونه مباركًا. هذا هو الذي يجدفون عليه الآن… ولكن الوقت الذي يأتي فيه “ليس قريبًا”، ويجب أن نرضى ونرجو (ظهوره)، عند نهاية القرن. لهذا يقول بلعام “أراه ولكن ليس الآن”، ويقصد بالذي سيراه، الشعب الذي سيخلص.

               

الكوكب: ألوهية المسيح وإنسانيته

       ثم يقول: « يبرز كوكب من يعقوب » (عد24: 17). قلنا سابقًا عن هذه الكلمات أنها تتنبأ بوضوح عن “النجم” الذي ظهر للمجوس في المشرق، والذي قادهم إلى اليهودية للبحث عن « المولود ملك إسرائيل » (انظر2: 2ـ 11)، ووجدوه وقدموا له هدايا وسجدوا له.

ولكنني أتعجب أن الإنجيل بعد أن ذكر لنا أن النجم سبق المجوس إلى بيت وتوقف فوق المكان الذي كان فيه الطفل يسوع، فإنه لم يذكر أن النجم ابتعد واختفى وصعد، أو أي أمور أخرى. بل قال فقط أن النجم جاء ووقف فوق الموضع حيث كان الصبي. أليس هذا هو مثل ما حدث وقت المعمودية؟ لأنه بعد معموديته « صعد يسوع للوقت من الأردن، وإذا السموات قد انفتحت له. فرأى روح الله نازلاً مثل حمامة وآتيًا عليه وصوت من السموات قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت » (انظر مت3: 16، 17). وهكذا النجم أيضًا قد أتى فوق الموضع حيث كان الصبي، وهو الذي توقف هناك. وظل كذلك على المسيح، وهذا كله يشير إلى أن “الروح القدس في هيئة حمامة استقر عليه، ونحن نعرف أنه لم يتركه أبدًا، فأني أعتقد أننا يجب أن نعترف بأن النجم أتى واستقر عليه لكي لا يتركه أبدًا.

ويبدو لي أيضًا، أن هذا يرمز إلى ألوهيته. وتوجد أقوال أخرى في أقسام النبوة تشير إليه: وهي تقول عن ألوهيته: ” يبرز كوكب من يعقوب ” وعن طبيعته الإنسانية تقول: ” ويظهر إنسان في إسرائيل “. وهكذا فإن المسيح يظهر واضحًا في كل النبوات التي تتنبأ عن ألوهيته وإنسانيته.

 

انتصار المسيح

« وسوف يحطم رؤساء موآب » (انظر عد24: 17 سبعينية). موآب هي أمة أمراؤها لا يمثلون أي شئ سوى أرواح الشر والرئاسات المضادة للإنسان الخارج من إسرائيل. هذا الإنسان الخارج من إسرائيل سيحطمهم عندما « سيجرد الرئاسات والسلاطين ويشهرهم بصليبه » (انظر كو2: 15). لأنه لا يمكن أن يخلص الموآبيين ويقودهم إلى معرفة الله دون أن يقضى على رؤسائهم الذين كانوا يمارسون عليهم طغيانًا شريرًا.

« ويهلك وينهب كل أبناء شيث » (انظر عد24: 17سبعينية). وشيث هو ابن آدم وحواء الذي قالت عنه حواء عند ولادته « الله قد وضع له نسلاً آخر عوضًا عن هابيل الذي قتله قايين ». هذا هو شيث الذي كتب عنه، أن جميع الأجناس البشرية المنتشرة على الأرض خرجت منه، لأن نسل قايين هلكوا في الطوفان، فكل الناس الذين كانوا في هذا العالم (عندئذ) هم إذًا أبناء شيث. إنه « قيل إنه سيسلب كل أبناء شيث ». فلنعطِ لهذا السلب نفس المعنى الذي أعطيناه لذاك الذي قيل عنه: « سيأكل أمم أعداءه » (انظر عد24: 8، 9 سبعينية). وللذي قورن  « بأسد وبشبل أسد » (انظر عد24: 9 سبعينية). وهنا أخذ غنيمته من كل أبناء شيث. وبعد أن قهر أعداءه الشياطين فإن المسيح قاد بانتصاره الغنيمة وكأنه سلب الذين كانوا مستعبدين لطغيان الشياطين وخلصهم. ومكتوب عن هؤلاء أنفسهم في موضع آخر « إذ صعد إلى العلاء سبي سبيًا وأعطى الناس عطايا » (أف4: 8). هذا القطيع من المسبيين من جنس البشر الذين قيدهم الشيطان لأجل إهلاكهم، فإن المسيح أعادهم في الاتجاه العكسي ودعاهم من الموت إلى الحياة.

ليتني أستطيع أنا أيضًا أن أكون أسيرًا ليسوع المسيح وأكون من ضمن غنيمته وأن أكون مقيدًا بوثقه، لكي أحسب مستحقًا أن يقال عني أنا أيضًا “أسير يسوع المسيح”، كما كان هذا هو مجد بولس.

 

أدوم: الجسم

« ويكون أدوم ميراثه، وعيسو عدوه » (عد24: 18 سبعينية). أدوم وعيسو ـ هما بالمعنى التاريخي شخصية واحدة. هو عدو إسرائيل، ولكن عند مجئ المسيح، يقول بلعام، أنه سيصير (أي عيسو) ميراثًا لإسرائيل، وهذا يعني أنه سيُقبل في الإيمان، ولن يستبعد من ميراث المسيح. بالمعنى الروحي، آدوم هو « الجسد الذي يقاوم الروح » (انظر غل5: 17)، وهو عدو له. وعند مجئ المسيح، بسبب أن الجسد سيُخضْع للروح، برجاء القيامة، سيحصل على نصيب في الميراث. لأنه ليس النفس وحدها، بل الجسد أيضًا، عدوها، كلاهما سيخضعان للروح، ويصير لهما نصيب في الميراث الآتي.

 

قوة إسرائيل

« وإسرائيل يصنع ببأس ». أي يريد أن يقول إن أدوم أو عيسو، أي الطبيعة الجسدانية، سيصير لها نصيب في الميراث بسبب إسرائيل، أي أن النفس ستصنع ببأس، وسيصير لها الإمكانية بشكل كافٍ على العمل بشجاعة. فإذا لم تعمل النفس بشجاعة وظلت في جبنها، فإن الجسد لن يكون له نصيب في الميراث، بل يسقط تحت دينونة ذلك « الذي يهلك الجسد والنفس في جهنم » (انظر مت10: 58).

 

التحرر من رباطات العالم

« ويتسلط الذي من يعقوب ويهلك الشارد من المدينة » (عد19:24). هذا هو الذي “يبرز” مثل كوكب “من يعقوب”، وسوف    ” يهلك الشارد من المدينة ” فالكتب المقدسة – ليس في هذا الموضع فقط، بل في كل الكتابات النبوية أيضًا، تكون التعبيرات مغلفة وغامضة، لأن الروح القدس الذي أوحى بهذه الموضوعات، لم يرد أن تكون مكشوفة أو مداسة من أهل العالم، بل احتاط لذلك، حتى أنه في حالة النقاش العام تكون مدفونة داخل الألغاز، وتكون المعاني سرية بفضل غموض التعبير.

والآن، بخصوص العبارة: ” يهلك الشارد من المدينة “، إذا لم نتمسك بالصيغة المعتادة للنبوات، التي قيل عنها: “إن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص”، فستبدو صعبة جدًا على الفهم. ولكن يمكن أن نشرحها هكذا. المدينة هنا تشير إلى العالم. وأيضًا قصة الإنجيل عن الابن الضال، نحن نقول عنه إنه بدد ثروة أبيه، وذهب إلى مواطن هام في مدينة من تلك البلاد، حيث نال ترحيبًا كبيرًا، ثم أرسله ليرعى الخنازير. فالمدينة التي كان فيها هذا المواطن المهم هي العالم. فهذا الذي أنقذ من هذه المدينة، هذا يعني أن المسيح ينقذه من هذا العالم، أي المسيح يهلكه. لأنه يقول: « من يهلك نفسه لأجلي فهو يخصلها ». إذًا فالمسيح يهلك هلاكًا يخلص ذلك الذي أُنِقَذ من مدينة هذا العالم.

فإذا أردنا أن نصل إلى الخلاص وأن ننقذ من هذا العالم يجب علينا أن نهلك أنفسنا هلاكًا نافعًا وضروريًا. لأن من يهلك نفسه في إتباعه للمسيح، فهو يكبح رغباته، ويقطع أهوائه، ويتخلى عن تمتعاته وتكاسله، عاملاً ليس مشيئته الخاصة بل مشيئة الله هذا هو معنى ” أن يهلك نفسه “، حسب قول الكتاب. لأن الحياة الأولى هلكت، وتبدأ حياة جديدة في المسيح. هذا القول يقودنا إلى قول آخر « إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضًا معه » (2تي2: 11)، وأيضًا « إن كنتم قد متم مع المسيح عن أركان العالم، فلماذا كأنكم عائشون في العالم، تفرض عليكم فرائض؟ » (كو12: 20).

إذًا، هو يؤكد في هذه النصوص، أنه من الضروري أن نهلك أنفسنا إن كنا قد متنا مع المسيح. فهذا الذي يهلك نفسه هنا على الأرض، فسيجدها بدون شك هناك (في السماء)، حسب قول الرسول: « حياتكم مستترة في المسيح في الله » (كو3: 5)، الذي له المجد إلى دهر الدهور آمين.

[1] انظر عظة 14: 4.

النبوءة الرابعة – العظة الثامنة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الثالثة – العظة السابعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الثالثة – العظة السابعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

النبوءة الثالثة – العظة السابعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

نبوءة بلعام الثالثة

1ـ الآن بين أيدينا النبوة الثالثة التي هي كلام الرب الذي وُضع بفم بلعام. سنحاول شرح بعض منه بنعمة الرب.

 

الحالات: جبل فغور، قمة اللذات

يتخيل الملك بالاق البائس بأنه بالنسبة للعناته لم يتهيأ المكان المناسب لسحر بلعام وليست الإرادة. إنه يعتقد أنه سوف ينجح بتغيير المكان “هلم ” يقول « آخذك إلى مكان آخر، عسى أن يصلح في عيني الرب أن تلعنه من هناك. فأخذ بالاق بلعام إلى رأس فغور المشرف على وجه البرية » (عد23: 27ـ 28).

الله يضع الذين يدعوهم على قمة جبل سيناء[1]، بالاق؛ وهو عدو الله، يضع بلعام على رأس جبل فغور، حيث فغور تعني لذة. بالاق يضع إذا الرجال على قمة اللذة والتنعم حيث إنه يحب اللذة أكثر من محبة الله ولأجل هذه الرؤية يجعلهم في أعلى نقطة على قمة اللذة والتنعم حتى يبعدهم من الله. إذ أن بالاق يعني الذي يطرد ويفترس. لهذا السبب فغور تشرف على وجه البرية، بمعنى نحو إنشغالات البرية الخالية من الله.

الذبائح

وقال بلعام لبالاق « ابن لي ههنا سبعة مذابح وهيئ لي هنا سبعة ثيران وسبعة كباش ففعل بالاق كما قال بلعام، وأصعد ثورًا وكبشًا على كل مذبح » (عد23: 29ـ 30). فالرسول يعلن حقًا بكل وضوح   « إن ما يذبحه الأمم فإنما يذبحونه للشياطين لا لله » (1كو10: 2). والنبي أيضًا تفوه قائلاً: « ذبحوا لأوثان ليست الله » (تث32: 17)، ومع ذلك فإن ناموس الرب قد أعطى وصايا فيما يخص الذبائح وسلم لأبناء إسرائيل كتابًا في طقوس الذبائح. نستطيع أن نفكر لماذا يجب أن نقدم لله الذبائح التي تبدو إنها ذبائح نذرت للشياطين. الإجابة على هذا ستكون بسيطة، وسريعة. قد بينا سابقًا أن إرادة الرب لم تكن    « بإعطاء كتاب الطلاق » (مت19: 6)، لأن الله لم يرد أن يفرق ما جمعه هو، لكن هو موسى الذي أوصى بهذه الوصية من سلطانه الذاتي من أجل قساوة قلب اليهود. كذلك في هذا نستطيع أن نبين بأن الله كما يقال عنه بفم نبي آخر « لا تأكل لحم الثيران ولا تشرب دم التيوس » (مز50: 13)، وأنه بموجب نص آخر ” لم أكلم آباءكم ولا أوصيتهم يوم أخرجتهم من أرض مصر من جهة محرقة وذبيحةً، أنه موسى الذي من أجل قساوة قلوبهم قد أعطاهم هذه الوصايا في تعاقب عادات سيئة قد بدأت في مصر، وبما أنهم لم يستطيعوا أن يبطلوا الذبائح فليقدموها على الأقل للرب وليس للشياطين. ومع ذلك يجب أن نبحث عما إذا لم يكن هناك سبب أكثر يسرًا وأكثر عمقًا لتقديم ذبائح للرب، إذًا كما قلت الذبائح التي تقدم للرب تبطل تلك التي تقدم للشياطين، حتى أن النفوس، المجروحة بالبعوض ” تشفى الآخرين”. يقال إن الأطباء يؤكدون: أنهم اثبتوا أن سموم الثعابين تزال بالأدوية المستخرجة من الثعابين، كذلك سموم الذبائح الشيطانية تُزال بالذبائح المقدمة للرب. وبنفس الطريقة الموت الذي ماته يسوع لا يدع الموت أن يسود على المؤمنين “منذ القديم كان الزمن قد سمح أن الذبائح صارت مناقضة للذبائح، لكن عندما أتى ذاك الذي هو الذبيحة الكاملة (1بط1: 19) « الحمل الذي بلا عيب » الذي “يرفع خطية العالم” أجمع، فإن الذبائح الخاصة التي كانت تقدم لله أصبحت بلا فائدة، بينما كل عبادة الشياطين قد طردت بضربة واحدة فقط. لكن بلعام سواء كان بإرادة القلب الغير مطهر، أو كان بخضوع الرمز الذي يقدم لشعب الفلاسفة والفريسيين الجاحدين، يقدم أيضًا ضحايا ويجهز الذبائح لأنه في الذبائح يضعون كل رجائهم كذلك الذين قلبهم لا يقبل الإيمان بالمسيح.

 

بلعام يفهم

2ـ وماذا بعد؟ « فلما رأي بلعام أنه يحسن في عيني الرب أن يبارك إسرائيل لم ينطلق كالمرة الأولى والثانية ليوافي فألا بل جعل نحو البرية وجهه ورفع بلعام عينيه ورأى إسرائيل حالاً حسب أسباطه فكان عليه روح الله، فنطق بمثله وقال … » (عد24: 1ـ 3).

نستطيع أن نتساءل لماذا رأي بلعام بأن ” الأفضل في عيني الرب أن يبارك إسرائيل “، ونفكر بأنه عندما لاحظ من الذبائح التي أحرقها، عندما رأي بأنه لم يتقدم شيطان واحد ولا أية قوة معادية تجاسرت لتظهر بقرب ضحاياه، وأن كل خدام الشر الذين اعتادوا أن يساعدوه في لعناته قد إبتعدوا، استطاع أن يفهم بأنه يحسن في عيني الرب أن يبارك إسرائيل.

 

اليهود سوف يقبلون

لكن الأفضل أن نفهم أن هذا الشعب الذي هو الآن “شعب باطل”، وأن المعلمين الذين ثبتهم في الضلال بعدم إيمانهم بالمسيح سيرون بوضوح في يوم ما، في “اليوم الأخير” عندما يدخل ملء كل الأمم    ” ويبدأ كل إسرائيل بأن يأتي الإيمان بالمسيح ” نعم الذين هم الآن   « لهم أعين ولا يبصرون » (مر8: 18)، وسيرفعون أعينهم نحو الأفكار الأكثر علوًا وروحانية، وسيبصرون ويفهمون بأنه ” يحسن في عيني الرب أن يبارك إسرائيل “الروحي” فسيرونه برتبهم على « حسب عشائرهم وبيوت آبائهم » (عد1: 20). « وكل واحد حسب رتبته ذاهبًا للحصول على مجد القيامة » (1كو 15: 23)، وآخذين رمزهم سيفهمون ما هو مكتوب في الكتاب المقدس، ما هو الآن لا يرونه ولا يفهمونه « بسبب وجود البرقع على قلبهم » (2كو3: 15).

يقول الكتاب المقدس « لم ينطلق كالعادي ليوافي فألا » (عد1:24)، لم يسمح بأن ينجذب على سؤاله العادي بمعاني الخشونة المادية ولم يدرس بعد إرادة الله على الحيوانات غير الناطقة وعلى رؤوس البهائم، كما يفعل الذين ينجذبون مع الفأل، ولكن سيعلم هو أيضًا بأن الله العلي لا يهتم بالثيران (1كو9: 9) ولا الخراف ولا الطيور ولا الحيوانات الأخرى لكن إذا وجد ما قد كُتِبَ عنها فقد كتب لأجل الإنسان.

 

النبوة: بلعام يتنبأ

3ـ فلننظر ما يقوله بلعام في النبوة الثالثة: « فنطق بمثله وقال وحي بلعام بن بعور، وحي الرجل المفتوح العينين، وحي الذي يسمع أقوال الله الذي يرى رؤيا القدير مطروحًا وهو مكشوف العينين » (عد3:24ـ4). ومن المدهش بأن مديح مثل هذا يخصص لبلعام الذي “أخذ كلامه”، ويتفوه بهذه الكلمات على نفسه. كيف أن بلعام مفتوح العينين حقًا، وهو الذي قد سلم نفسه للعرافة وللسحرة، الذي قد مارس السحر، كما قد بينا ذلك؟ ويبدو مستغربًا إذ يقول الكتاب « فكان عليه روح الله، وكلام الرب قد وضع في فمه » (عد24: 2)، لذلك استحق مثل هذا المديح العظيم لأننا لم نجد حتى موسى، ولا أي نبي آخر جعل في مكانة عالية مثل بلعام هذا.

 

إسرائيل يري

كذلك أفضل أن أنسب هذا الشعب القديم، للزمن الذي كان فيه     « قد رجع إلى الرب يرفع البرقع الموضوع على قلبهم… وأما الرب فهو الروح » (2كو3: 15ـ 16). لهذا السبب يقول إنه “مكشوف العينين” فقد كانت العينان مغلقتان والآن بروح الرب الذي كان عليه ” رُفع البرقع، قد كشف “.

إذًا إنها الآن اللحظة التي فيها ” يرى ويسمع حقيقة أقوال الله ”   و ” يرى رؤيا القدير ” بمعنى أنه سيرى ملء الزمان الذي أشير إليه في “أحلام” دانيال النبي ويرى الرؤيا التي أعطيت له في “حلم” (دا1:7)، بمعنى أنه سيفهمها ويراها بعيون مكشوفة. سيصبح حقًا مماثلاً للذي قد قال عنه الرسول: « ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح » (2كو10: 18).

 

النظرة الجسدية والنظرة الروحية

مع ذلك أريد أن أبحث ما هي “هذه العيون” التي قيل عنها “إنها مكشوفة”؟ ألا تكون حسب نصوص كتابية أخرى هي عيون أرضية، أو العيون التي يسميها بولس الرسول “الذهن الجسدي” عندما يعلن لبعض الأشخاص « باطلاً منتفخًا من قبل ذهنه الجسدي » (كو18:2). أعتقد أن الحية قالت  لحواء عن هذه العقوبة بأن « الله عالم إنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما” “فأكلت” “فانفتحت أعينهما » (تك3: 5) لكن يوجد نوعان من الأعين: عيون تنفتح بالخطية، والأخرى هي للرؤية لكي تفيد آدم وحواء. قبل أن تنفتح هذه الأعين (تك3: 7) الكتاب المقدس لم يقل في اللحظة التي فيها أعينهما لم تنفتح للخطية:        « فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون، وأن الشجرة شهية للنظر. فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضًا معها فأكل فانفتحت أعينهما » (تك3: 6ـ 7). حقًا كيف إذًا لم تكن أعينهما قد انفتحت بعد، أكانت المرأة قد رأت ” أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون “. وعن أي عيون قد قيل بأن ” الشجرة شهية للنظر “.

« لكن أنا أسمع كلام ربي يسوع المسيح، أفحص سلطانه ولطفه وأفهم كلامه: لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذي يبصرون » (يو9: 39). أعلم بأن الخطاة لا يبصرون بعيون من النوع الصالح والتي سميت “ذهن الجسد”، والتي قد انفتحت على نصيحة الحية. إذًا إنه عمل حميد أن مخلصنا وربنا لا يجعل الذين لا يبصرون الصالحات يبصرون بأعين من النوع الصالح. أما العيون التي تشتهي الشر فهى عيون انفتحت على نصيحة الحية، وبالعكس الذي لا يرون تضليل الحية، تنفتح أعينهم ويبصرون خيرات الرب يسوع مخلصنا، لأن العين التي تفتح أمام الشر لا تفتح أمام الخير. لذلك أستطيع أن أفهم كلام الرب اللطيف. هذا « من صنع للإنسان فمًا أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصيرًا أو أعمى؟ » (حز4: 11). البصير هو الذي يرى بعيون المسيح، الأعمى هو الذي لا يرى نصيحة الحية القاتلة وقد ذكرنا كل هذا لكي نوضح ما هي “الأعين” المغلقة وما هي الأعين “المكشوفة” وفي نفس الوقت حتى في كلمة النبي: « ابصروا إبصارًا ولا تعرفوا » (إش9:6)، نعم بأي عيون إبصار يرى وبأي أعين البصيرة لا يرى، يبدو إذًا أن عيونه قد كشفت. لذلك بلعام يدعو نفسه “البصير الحقيقي” وقال: ” يقول ما سمعه من كلمات القوى “. لأن بنفس الطريقة هناك بعض الأعين قد أغلقت وبعض أعين أخرى قد انفتحت، نفهم من هذا بأن بعض ” الأذان يجب أن تكون مغلقة وبعض آذان أخرى يجب أن تكون مفتوحة “. لكن إذا أردنا أن نقبل هذه الكلمات بالمعنى التاريخي، نستطيع أن نقول هكذا: فقد رأي بأنه “قد حسن في عيني الرب أن يبارك إسرائيل”. بلعام يثبت بأن “عينيه انفتحت” وإنه أصبح “نبيًا حقيقيًا” وإنه رأي فعلاً مستقبل إسرائيل ويعقوب الحقيقي ويقول الكتاب المقدس أيضًا بأن بلعام سمع كلمات القدير عندما أتى الرب إليه وقال له في حلم: « الكلام الذي قد وضعته في فمك لتكن متنبئًا وتعلنه » (انظر عد22: 35)، مثلما ستكون “رؤيا الرب التي رآها في حلم” وسيؤكد بأن بفضل هذه الأحلام عيناه قد انكشفت لأنه استطاع أن يرى ما رآه. هذا لأجل أن نفهم كيف تنبأ بلعام عن نفسه.

 

المساكن والخيام

فلنرَ الآن ماذا يقول بعد هذا « ما أحسن مساكنك يا يعقوب، خيامك يا إسرائيل، كأودية ممتدة كجنات على نهر كشجرات عود غرسها الرب كأرزات على مياه » (عد24: 5ـ 6)، مساكن يعقوب الحسنة التي يمدحها لم تكن هي كما أظن مساكنهم الأرضية لأنه لم يلاحظ طرفهم شيئًا أحسن من التي للأمم الأخرى، ولكن فلنصغ بانتباه: الشعب قد قسم « بعشائرهم وكل عشيرة إلى أسباط والأسباط بدورهم إلى الأنساب والأنساب إلى بيوت الآباء وهؤلاء بدورهم قد أحصوا بعد الأسماء وبرؤوسهم، كل ذكر من ابن عشرين سنة فصاعدًا، كل ذكر خارج للحرب » (عد1: 3ـ 4، 20). ألا تكون هذه “المساكن” التي يمجدها بلعام مساكن بالروح؟ لكن لا يجب أن يعتبر هنا فقط المعنى الحرفي حيث إن بلعام  يقول « بعد أن أخذ أمثاله (رموزه) » (عد24: 1). فلنسمع كذلك برموز ما قد قيل حقًا إذ اعتبرنا التقسيم والرتب، سيعمل بها في يوم القيامة في الشعب الإسرائيلي الحقيقي، عندما يقوم كل واحد « يوم القيامة في رتبته » (1كو15: 32).

إذا استطعنا أن نرى “هذه العشائر، هذه الأسباط والأنساب” حيث إن أقل الأنساب أُحصوا في الجسد والدم عن الذهن والنفس، حينئذ سيُفهم ما “أحسن مساكن يعقوب” “وخيام إسرائيل”.

 

التأمل اللانهائي

ما هو الفرق بين “المساكن والخيام” بين يعقوب وإسرائيل؟ المسكن هو شئ ثابت قائم، محدد بحدود ثابتة. بينما الخيام هي مساكن الرُحَّل أثناء تنقلهم الدائم، وهم الذين لم يجدوا مسكنًا ثابتًا كنهاية لرحلاتهم. هكذا إذًا يعقوب يمثل الإنسان الكامل في الأفعال والأعمال، وفي إسرائيل نجد الباحثين عن الحكمة والمعرفة. التدريبات النشطة تقف في حدود معينة.

كمال الأعمال ليس نهائيًا للذي قد أكمل كل واجبه ووصل إلى حدود الكمال في الأعمال إذًا هذا الكمال في الأعمال فيه مسكنه، مسكنه الحسن. وبالعكس فإن الذين يعملون في الحكمة والمعرفة لا توجد نهاية لمجهوداتهم، لأنه أين هي حدود حكمة ربنا؟ كلما نقترب لحكمة ربنا كلما نكتشف أعماقًا أخرى، كلما نبحث أكثر كلما نفهم أمورًا فائقة الوصف وغير ممكن إدراكها لأن حكمة الله لا يمكن إدراكها ولا يمكن تقديرها. هذا للذين كما أقول يتقدمون على طريق حكمة الرب، أما بلعام لا يمدح منازلهم حيث إنهم لم يصلوا بعد إلى نهاية الرحلة، لكنه يتعجب من الخيام التي بها ينتقلون باستمرار ويتقدمون دائمًا، وكلما تقدموا كلما وجدوا أن طريق التقدم الذي يسيرون فيه يمتد ويؤدي إلى لا نهاية. هذا هو السبب الذي من أجله يسمى الذين تقدموا بالروح خيام إسرائيل.

في الحقيقة كل من يتقدم في المعرفة ويحصل على بعض الخيرات في مجال يعرفه جيدًا. بعد أن يصل بتأملاته في بعض الأسرار الروحية تهدأ النفس … وبعد أن يصل إلى تقدم ذهني فإنه يطوي خيمته بأي طريقة ثم ينصبها في موضع أكثر علوًا وهناك يثبّت مسكنًا لروحه في ثبات الفهم. وبعد أن يرحل من جديد من هناك تكتشف روحه معاني روحية أخرى تظهر بعد الأولى، إنه دائمًا يكون كما يقول الكتاب المقدس « أمتد إلى ما هو قدام » (في3: 13). يبدو إنها تتقدم كالبدو بخيامهم. لا تأتي أبدًا اللحظة التي فيها تستطيع النفس المشتعلة بنار العلم أن تمنح الوقت لنفسها، وأن تستقر بل هي دائمًا تتجه في الصلاح نحو الأفضل، ومن هذا الأفضل إلى الأكثر سموًا.

 

الرحلة نحو الحكمة

من هذه الرحلة المتجهة نحو حكمة الرب، يعطينا بلعام صورة ساحرة وعجيبة « كأودية ممتدة، كجنات على نهر، كشجرات عود (كخيام) غرسها الرب. كأرزات على مياه » (عد24: 6). الذين يتبعون هذا الطريق يسيرون خلال “الأشجار المظللة” لأن الأشجار المظللة، هي جماعة الأبرار وطغمة الأنبياء القديسين، أرواحهم تتذوق الرطوبة تحت  ظل المعاني التي تجدونها في كتاباتهم وهم يتلذذون من عمق الأشجار. إنهم أيضًا يجدون “جنات على النهر” هذه “الجنات على النهر” هي صورة “للفردوس” حيث هناك “شجرة الحياة”. وفي هذه الأنهار نستطيع أن نرى كتابات الإنجيل والرسل، كذلك المعونات المرسلة بواسطة الملائكة والسلاطين السمائية لهذه الأرواح. وهذه الأرواح تتغذى بكل العلم والمعرفة الخاصة بالأمور السمائية. أما مخلصنا فهو نهر « يفرح مدينة الله » (مز46: 5). والروح القدس ليس فقط مثل نهر، بل أيضًا مثل ينبوع ماء “من البطن للذين قد أعطى لهم” والله الآب يقول: ” تركوني أنا ينبوع المياه الحية “، هو مصدر الأنهار (المياه). هذه الأنهار هي التي سقت خيام الإسرائيليين كمثل “الخيام” التي غرسها الرب (عد24: 5).

ونقرأ أيضًا « ما أحسن مساكنك يا يعقوب خيامك يا إسرائيل » (عد24: 5ـ 6)، “مساكن يعقوب” هي الناموس “وخيام إسرائيل” هي الأنبياء. بلعام لا يمدح يعقوب في شخصه، لكن مساكنه، ولم يمدح إسرائيل نفسه لكن خيامه … ويمدحها عندما “انكشفت عيونه”. طالما يغطي البرقع عينيه (2كو3: 14) عن معرفة الناموس والأنبياء فهو لا يرى أن الخيام حسنة، ولا المساكن جيدة، لكن “عندما يرفع البرقع” وعندما نبدأ في الرؤية ونعرف بأن « الناموس روحي » (رو7: 14)، والأنبياء كذلك، حينئذٍ تكون مساكن يعقوب حسنة وعجيبة، وخيام إسرائيل تكون مدهشة أيضًا، عندما يبعد “الحرف الذي يقتل” سنبدأ بأن نبصر « الروح الذي يُحيي » (2كو3: 6).

نستطيع أن نقول بمعنى آخر أن أجساد وأرواح الشعب المؤمن والكامل الذي جمعه المسيح من بين الأمم هم أيضًا موضوع المديح، وسميت أجسادهم مساكن يعقوب لأن يعقوب هو مسكن إسرائيل، وسميت أجساد هذا الشعب يعقوب وروحه إسرائيل، كذلك سميت أجساد الأبرار المساكن الحسنة. حقًا جسد يعقوب يستحق المديح مزينًا بالزهو والطهارة، وأحيانًا بالاستشهاد. نستطيع أيضًا أن ننسب “الخيام” إلى النفوس الكاملة التي تستحق اسم إسرائيل مادامت ترى الله.

 

الاقتداء (بالخيام) السماوية

حيث إن هذه الخيام هي « كأودية ممتدة، كجنات عود غرسها الرب » (عد24: 6)، فإنه يجب أن نخرج من هذا العالم لنرى ما هي هذه “الخيام التي غرسها الرب”. إنها هي الخيام التي أظهرها الرب لموسى، عندما كان يبني الخيمة في الصحراء قائلاً له: ” انظر فأصنعها على مثالها الذي أظهر لك في الجبل ” إنه إذًا على مثال “الخيمة المغروسة من الرب”. الخيام التي يجب أن يعملها إسرائيل، وكل واحد منا يجب أن يحضر ويقيم خيمته.

أيضًا ألم يكن بمحض الصدفة أن يكون بطرس واندراوس وأبناء زبدي “صيادون” (مر10: 35؛ مت4: 18ـ 21؛ مر2: 16ـ 19). وبولس صانع خيام (أع 18: 3) فالأولون سمعوا الدعوة عندما كانوا يصطادون السمك، وأصبحوا “صيادي الناس”. بموجب كلام الرب « هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس » (مت4: 19)، وبولس “المدعو” هو أيضًا من ربنا يسوع المسيح قد خضع لتحويل مناسب لمهنته، فالأولون أصبحوا صيادين للناس بدلاً من صيد السمك، وأصبح بولس صانع الخيام السمائية بدلاً من الخيام الأرضية، إنه قام حقًا بتعليم كل واحد طريق السلام، طريق المراحل الطوباوية. صنع بولس الرسول خيامًا أيضًا « من أورشليم وما حولها إلى إلليريكون قد أكمل التبشير بإنجيل المسيح » (رو12: 19). وبناء الكنائس، بولس يصنع الخيام، السمائية التي قد « أظهرها الله لموسى في الجبل » (خر25: 40).

كان آباؤنا قد سكنوا تحت الخيام في البرية، وقد أقيم العيد يوم الخروج من مصر بعمل الفصح والفطير (عد28: 16ـ 17؛ عد29: 12)، وكذلك كان يقام في البرية عيد المظال أو عيد الخيام. من أي مادة يجب عمل هذه الخيام؟

من كلمات الناموس والأنبياء والمزامير وكل ما يحتويه الناموس ومن الكتب المقدسة، تنمو النفس عندما « أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام » (في3: 13)، بترك البقاع السفلى، ننمو ونتقدم نحو ما هو أعظم للنمو في الفضائل وتغيير الإقامة التي بواسطتها نتقدم، ويمكننا بأن نقول إننا نسكن في الخيمة « التي غرسها الرب » (عد6:24). أليست هي أيضًا الخيام التي ذكرها المخلص في إنجيله عندما قال: « اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم حتى إذا فنيتم يقبلونكم في المظال الأبدية » (لو16: 9). وقد قال إن الخيام « غرسها الرب لأنها ليست محمولة بكل ريح تعليم » (أف4: 14).

 

الأرزات: ملائكة

هذه الخيام هي أيضًا ” كأرزات على مياه “. الأرز هنا ليس الذي يزدهر فيه كبرياء ردئ، لكن “أرز الله” (عد24: 9؛ مز37: 35)، هو الذي يسند « فروع الكرمة التي نقلت من مصر » (مز80: 1)، وحيث ينضج الثمر “حيث يغطى الظل الجبال”. إذا كنت قد فهمت قيمة السلام الذي يجلبه طريق الحكمة، وأي نعمة وأي وداعة تنالها فلنطرح كل تهاون وكل تغافل، ولندخل في هذا الطريق ولا نتراجع أمام قفر البرية. إنه بمكوثك في هذه الخيام تحصل على المن السماوي « تأكل خبز الملائكة » (مز 78: 25).

عليك أن تبدأ فقط ولا تخاف، كما قلنا عن قفر البرية، بعد قليل سيأتي الملائكة وهؤلاء الملائكة، على ما يبدو لي، تمثلهم صورة الأرزات.

 

ملكوت المسيح

5ـ لنفحص الآن نبوءة بلعام بشأن المسيح لأنه يقول عنه:      « سيخرج رجل من ذريته ويتسامى ملكه على أجاج وترتفع مملكته وستنمو مملكته. الله أخرجه من مصر له مثل سرعة الرئم »      (عد24: 7ـ 8).

هذا هو المسيح الذي خرج من ذرية إسرائيل بحسب الجسد. كيف سيملك على كل الأمم، هذا لا يحتاج إلى شرح خاصة إذا قرأنا ما قاله له الآب: « اسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك وأقاصي الأرض ملكًا لك »[2] (مز2: 8).

“يتسامى ملكه على أجاج” ماذا تعني أجاج؟ يعني فوق السطوح “وتنمو مملكته”. تتسامى من فوق السطوح هذا يخص الكاملين. النمو يخص جميع المؤمنين وعند الكاملين، مملكة المسيح تتسامى فوق السطوح بمعنى فوق الذين يشغلون الأجزاء الأفضل ويسكنون الأماكن العليا. ربما توجد حقيقة “في السماويات” كائنات تساعد على التقدم وعلى الارتفاع لأغراض المسيح. لهذا السبب أعتقد أن المخلص عندما يقول « والذي على السطح فلا ينزل ليأخذ من بيته شيئًا » (مت24: 17). إنه يحذر الذين يسيرون نحو الكمال والعلو بأن لا ينزلوا مرة ثانية إلى الأماكن السفلى والدنيئة لهذا العالم، هنا سميت البيوت. وعندما يقول المسيح « الذي تسمعونه في الأذن نادوا به على السطوح » (مت10: 27)، يفسر بنفس الطريقة. إذًا ” يتسامى ملكه على أجاج وترتفع مملكته ” أي ترتفع مملكته وتتزايد الكنائس ويزداد عدد المؤمنين، مملكته ترتفع حتى اللحظة التي فيها « يضع الآب جميع أعدائه تحت قديمه. آخر عدو يبطل هو الموت » (1كو25:15ـ16).

بعد هذا قد كتب أيضًا عن المسيح: « الله أخرجه من مصر » (عد24: 8). يبدو أن ذلك تم بعد موت هيرودس أنه دعى من مصر ويشير الإنجيل إلى ذلك « من مصر دعوت ابني » (مت2: 15)، هذا الكلام يبدو لبعض المفسرين أنه استخرج من هذا النص ودَّون في الأناجيل، والبعض الآخر يعتقد أنها أخذت من هوشع النبي (هو1:11). كذلك نفهم مجازيًا أن بعد مجيئه (المسيح) في مصر هذا العالم، قد أخرجه الآب من مصر وجعله يأتي إليها ليفتح الطريق للذين من مصر ليصعدوا نحو الله.

” له مثل سرعة الرئم ” يأتي المسيح لإخضاع كل ممالك إبليس، لأن المسيح هو الرئم الحقيقي الذي قد أسس مملكته الوحيدة في المجد والبهاء. وقد سبق أن أشرنا بأن القرن يعنى مملكة.

 

يأكل أممًا مضايقيه

كذلك يقول بلعام عنه: « ويقضم عظامهم ويحطم سهامه » (عد8:24)، يأكل أمما مضايقيه بمعنى أن أعداءه الذين يملكونها سيهدموا سلطانهم و ” تقضم عظامهم “، أي بتقليل كل الأفكار الجسدية الغليظة فيهم بتحويلها نحو الإدراك الروحي لأن الغلظة تُعتبر عيبًا في الكتب المقدسة. كما جاء في هذا النص « قلب هذا الشعب قد غلظ » (أع 28: 27)، وفي هذا النص الآخر « سمنت وغلظت واكتسيت شحمًا فرفض الإله » (تث32: 15).

” يأكل إذًا أممًا ” وطعامه هو (هداية) الذين يؤمنون به كما يؤكده الإنجيل « طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني » (يو4: 34)، حيث إن مشيئته هي أن تهتدي الأمم إلى الأيمان. إذا قلنا بأن “الغلظة” تتعلق بالخطأ، فالدقة تتعلق بالخير لأن روح الحكمة قد كتب عنه هو “عاقل، مقدس، وحيد، ومتنوع” ويقال أيضًا إنه “دقيق”.

” وسهامه، سترشق على مضايقيه “، سهامه هي الكلمات التي غلب بها الشيطان وقهره بها ونفذت كذلك في كل أعدائه ومخالفيه. حيث إن كل  خاطئ هو عدوه مادام يخطئ. ولكن إن سمع كلمات الرب واعترف بخطاياه التي تنفذ وتخدش، واهتدى للتوبة وحفَّر كلام الرب فيه حتى الجوف، يقال إنه قد نفذ سهامه.

بلعام بعد ذلك يشير إلى الآلام: ” جثم كأسد ربض كشبل من يقيمه؟ ” إنه جثم كأسد عندما كان على الصليب « جرَّد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه (أي في الصليب) » (كو15:2).

إنه “كشبل” عندما قام من نعاس الموت، وصار يشبه بأسد وشبل في آن واحد. وذلك ما نستطيع أن نفهمه من الواقع بأن المسيح سُمى بأسد في الكاملين، وشبل بالنسبة للمبتدئين والأحداث[3]. أما بالنسبة للسؤال من “سيقيمه؟” يُقال تارة بأنه قد قام بواسطة الآب السماوي (رو8: 11)، وتارة يُقال بأنه « بعد ثلاثة أيام » (مت26: 21)، سيقيم هيكل جسده بنفسه، النمط الاستفهامي مناسب كلية هنا.

« مباركك مبارك ولاعنك ملعون » (عد24: 9). إنه من المؤكد الذين “يباركهم” المسيح، “يكونون مباركين ومفعول البركة الأبوية يصلهم” و “الذين يلعنهم يكونون ملعونين”. حقًا ننظر لهذا الشعب الذي يلعن المسيح سنجده ملعونًا لدرجة البكاء. ماذا يمكن أن يحدث أيضًا للذي يلعن « الحكمة والحق والحياة » (1كو1: 24؛ يو11: 6). إلاّ أن يصير منفيًا من كل هذه الصالحات؟ حيث إن المسيح هو كل هذا والذي يلعن المسيح لاعنًا كل هذه الصالحات يحكم عليه بلعنة أبدية. لكني أرى أن الذي يلعن المسيح ليس هو فقط الذي يقول ضده كلمة اللعنة، لكن الذي هو تحت غطاء اسم مسيحي يسلك سلوكًا فاضحًا، وبكلماته أو أفعاله القبيحة، إذ « يجدف على اسم المسيح بسببكم بين الأمم » (رو2: 24). وبالعكس ليس فقط الذي يبارك السيد الرب بكلمات يجب أن ينظر له كمبارك لكن بأعماله وبحياته وتصرفاته “يبارك اسمه بواسطة كل العالم”. إنه بالأحرى تكتمل بذلك معنى نبوة بلعام الثالثة، بأن ” الذين يباركهم المسيح سيكونون مباركين، والذي سيلعنهم المسيح سيكونون ملعونين “. لذلك فبالأحرى ألا نجدف بأعمالنا على اسم المسيح، لكن بالأحرى نعمل بالطريقة التي بها نستحق بأن يكون لنا نصيب في بركاته.

له “البركة والمجد والكرامة والسلطان إلى آبد الآبدين. آمين”.

 

[1] جبل سيناء هو رمز الكمال في تقليد الآباء وهو موجود عند فيلون ومستمر حتى أغريغويروس النيسي مرورًا بأوريجينوس.

[2] فيما يختص بملكوت المسيح انظر عظة 16 فقرة 6 من نفس الكتاب.

[3] أوريجينوس يرى أن المسيح هو الابن المتحد بالآب وهو رأس كل خليقة وهذه المظاهر في شخصية المسيح تنعكس في علاقته بكل مؤمن، فحسب الدرجة التي يوجد فيها المؤمن، يظهر المسيح في داخله بصورة تلائم تقدمة أو عدمه فهو شبل في نفس مظهر وأسد في نفس مظهر آخر. المسيح يحمل كل فضائل اللوغوس من حكمة وبر، وتقدمنا في هذه الفضائل هو عبارة عن إزدهار للمسيح فينا، والمسيح أيضًا هو المعرفة وهو العقل وكل كمال لمعرفتنا هو بُعد عن الأفكار الجسدية وهو إزدهار للمسيح فينا.

النبوءة الثالثة – العظة السابعة عشر من عظات أوريجانوس على سفر العدد

المسيح في أسفار الناموس جـ2- القمص روفائيل البرموسي

المسيح في أسفار الناموس جـ2- القمص روفائيل البرموسي

المسيح في أسفار الناموس جـ2- القمص روفائيل البرموسي

المسيح في أسفار الناموس جـ1- القمص روفائيل البرموسي

أولاّ: نبوّة بلعام

“اراه ولكن ليس الان. أبصره ولكن ليس قريبا. يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من اسرائيل فيحطم طرفي مؤاب ويهلك كل بني الوغى. ” (سفر العدد 17:24)

الإصحاحات 22، 23 و 24 من سفر العدد، تقدّم لنا قصة بلعام، والنبوّة التي نطق بها. يقول التقليد القديم عن بلعام: إنّه عرّاف وثني، من وادي الفرات (آرام)، ويعبد إلهاً خاصاً به، ولكنّه يعرف يهوه إله شعب إسرائيل. وكان بلعام – رغم أنه وثنيّاً – يرى أن يهوه له دورٌ بارز في حياة بقيّة من الشعوب الأخرى وفي حياته هو شخصيّاً (يبدو أنّ بلغام كان يعبد آلهة وثنيّة بجانب عبادته لله).

كان ينظر اليه باحترام كبير وبتبجيل، وهذا ما نفهمه من قول بالاق – ملك مؤاب – “فالان تعال والعن لي هذا الشعب. لانه اعظم مني. لعله يمكننا ان نكسره فاطرده من الارض. لأني عرفت ان الذي تباركه مبارك والذي تلعنه ملعون. ” (العدد 6:22).

بعد خروج شعب إسرائيل من مصر، وصلوا الى حدود مؤاب، في طريق دخولهم الى أرض الميعاد. وخاف بالاق، ملك مؤآب، من بني إسرائيل لئلا يأخذوا الأرض منه، إذ علم أنّ إله إسرائيل، يقودهم في كل انتصاراتهم. ولذا، فقد أرسل بالاق هدايا مع شيوخ بني مديان، الى بلعام، ليأتي ويلعن شعب إسرائيل فيطردهم من أمامه. حاول بلعام أكثر من مرّة، بارك ولم يلعن ….. فهو يُلقي قولاً أَمرَه الله أن يقوله، ويُعلِن نبوّة عن مملكة داود وعن المسيّا.

يصوِّر التاريخ اليهودي المتأخّر بلعام على أنّه: رجل شرير، وهو الذي أشار الى النسيار المديانيّات بإغواء بني إسرائيل الى الشر والرذيلة، ولهذا استحق الموت مع كل أعداء شعب الله. ولقد قَبِل بلعام دعوة بالاق طعماً وإستكباراً، وأراد أن يلعن الشعب إرضاء لرغبة في قلبه. أعمته شهواته فلم يفهم ما نهاه الله عنه ….. ولم تستطع مُعجزة الأتان التي نطقت ولا رؤية الملاك أن تفتح له عقله وقلبه، وبارك الشعب مرغماً. هو عدو بني إسرائيل الأكبر، وهو الشر بكل معنى الكلمة.

ما يهمنا نحن في هذا البحث، هو أنّ الأقوال النبوة التي نطق بها بلعام، والتي وضعها الله على فمه، لها دلالة واضحة على مجيء المسيّا وتأسيس مملكته. يقول العلاّمة أوريجانوس في ضوء هذه النبّوة {إذا كانت نبوّة بلعام قد دخلت في الكتب المقدّسة، فكم بالأحرى حفظها سكان بلاد الرافدين. وقد كان بلعام مشهوراً عندهم، وقد علّمهم فن العرافة. لذا، يُعتبر بلعام أباً للعرّافين في أرض المشرق، وبالتأكيد كان لديهم نصّ كل أقواله ومنها: سيخرج كوكب من يعقوب، سيطلع رجل من إسرائيل.

أجل، لقد كان هذا النصّ معرُوفاً عند المجوس أيضاً. ويُقال أنّ المجوس كانوا علماء أيضا في الفلك، فلما شاهدوا النجم، عرفوا أن النبوّة قد تمت، وفاقوا فهماً على بني إسرائيل، الذين أهملوا سماع كلمات أنبيائهم القدّيسين. أمّا المجوس فعرفوا، إنطلاقاً من الكتابات التي ورثوها عن بلعام. إنّ الزمان قد حلّ، فأسرعوا وبحثوا عنه ليسجدوا له، ودلّوا على عظمة إيمانهم عندما كرّموا طفلاً صغيراً مُعتبرينه ملكاً} أ.هـ

شرح النبوّة

إنّه لشيء عجيب أن تكون هذه النبوّة التي نطق بها عرّاف وثني، مُطابقة الى حدّ كبير لما جاء في نبوّة (سفر التكوين 10:49) “لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى ياتي شيلون وله يكون خضوع شعوب. “ألعلّ الله يريد أن يقول لشعب إسرائيل، ما دمت لا تُصدّق الأنبياء باللامبالاة من الشعب. وقد كشف لهم السيّد المسيح ذلك، بقوله “فكانوا يعثرون به. واما يسوع فقال لهم: «ليس نبي بلا كرامة الا في وطنه وفي بيته.” (متى 57:13).

قد فسّر الكثير من الرابيين هذه الآية كونها نبوّة مسيانيّة. فالكوكب الذي يبرز من يعقوب إسرائيل، ويُقرن هذا بـ {قضيب}، الذي يُشير الى الملك، وله السلطان أن يحكم، معناه أن المسيّا، سوف يجمع في عمله ثلاث وظائف: الملك – الكاهن – النبي.

ويبدأ بلعام نبوّته بالتشدّد على شعب واحد محدد، هو شعب إسرائيل. وبالتالي، يُنبه ذهن البشريّة إنّ المسيّا الذي سيملك على العالم سيخرج من الشعب اليهودي. ,إذا تتبعنا أقوال بلعام في إصحاحين قبل ورود هذه النبوّة نفهم، بأنّ شعب إسرائيل سوف يتشتت اولاً، ثمّ يأتي ملك واحد قويّ، يجمعهم ويحكم لهم.

ويُنهي بلعام نبوّته، بأنّ هذا الملك سيكون له سلطان مهيب، وعلامة قدوم هذا الملك هو ظهور الكوكب. أمّا اللفظة العبريّة {درك} بمعنى برز في قوله “يبرز كوكب من ……”، فهذا الفعل يعني أيضا {سار فوق}. فنحن هنا أمام صورة المنتصر الذي يدوس أعداءه (راجع: هوشع 13:10 / إرميا 13:3).

ثانيا: نبيّ مثلك

تثنية 18:18-19 ” اقيم لهم نبيا من وسط اخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما اوصيه به، ويكون ان الانسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي انا اطالبه. “

بالطبع، أول سؤال يقفز الى ذهن القارئ لهذه النبوّة، هو: من هو هذا النبيّ الذي مثل موسى، والذي وعد الرب أن يُقيمه من إسرائيل؟؟؟ بعض الشراح اليهود، قالوا: إنّه يشوع ….. لكن بالتأكيد لم يكن هو يشوع، لسبب أنّ يشوع لم ينصّب ليشغل وظيفة موسى، خلفاُ له.

وهذا ما يؤكده سفر التثنية بقوله “ويشوع بن نون كان قد امتلأ روح حكمة اذ وضع موسى عليه يديه فسمع له بنو اسرائيل وعملوا كما اوصى الرب موسى ولم يقم بعد نبي في اسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه ” (تثنية 9:34-10).

يتضح من الآيات السابقة، بالرغم من أنّ موسى وضع يديه على يشوع، الاّ انّه بعد أن مات موسى، يقول الكتاب “ولم يقم بعد نبيّ في إسرائيل مثل موسى”. فموسى عيّن يشوع بن نون ليقود الشعب الى أرض كنعان …. لكن، ما زال النبيّ الذي مثل موسى لم يأت بعد … من إذن هذا النبي؟؟؟

اقترح ابرافانيل Isaac Abravanel יצחק אברבנאל، إن ارميا النبيّ، هو ذلك النبيّ، هو ذلك النبيّ المقصود، وقد قدّم 14 نقطة لمطابقة ارميا على مثيل موسى …. ورغم هذا، فهي ليست متميّزة على الإطلاق. يقول على سبيل المثال: كان موسى دائماً يوبّخ شعب إسرائيل عل خطاياهم، وهكذا فعل ارميا النبيّ. نعم، وقد فعل نفس الشي كل من إشعياء وحزقيال، وأنبياء آخرين.

أيضا يقول: موسى أخبر شعب إسرائيل، بخصوص عبوديتهم وتحريرهم منها، وهكذا فعل ارميا. ولكن، اليس أيضاً إشعياء وحزقيال وعاموس وأغلب الأنبياء، فعلوا نفس الشيء؟؟!! في الحقيقة، لم يكن اختيار ابرافانيل Abravanel، مناسباً، لمطابقة نصّ النبوّة على ارميا النبي …. أيضاً، كان موسى: مُخلصاً لشعب بني إسرائيل من العبوديّة – كان أول من بدأ في جعل إسرائيل، شعباً مستقلاًّ – صاحب نشيد وترنيمة النصرة – وحكم الشعب بسلطان إلهي.

أمّا ارميا: كان منهمكاً في نكبات وبؤس الشعب في السبي – شاهداً على دمار الأُمّة اليهوديّة – صاحب المراثي – كان هو أيضاً مثلهم ضحيّة اضطهاد وظلم. ولذلك، لا يمكن أن يكون ارميا هو النبيّ المقصود في النبوّة.

رابي إبن عزرا Rabbi Ibn Ezra ראב”ע، قال” أنّ النبيّ المقصود في النبوّة، هو يشوع، لكن لم يكن يشوع موسى. حيث إنّه لم يكن وسيطاً بين الله وشعبه مثل موسى – لم يكن مثل موسى في تقبّل الإعلانات والرؤى من الله. أمّا راشي רש”י Rashi، ورابي كمحي רד”ק Rabbi Qimhi، يقولان: إنّ النبيّ الشبيه بموسى، لا يُقصد به شخصاً واحداً، بل يدل على تعاقب الأنبياء، واحدٍ تلو الآخر. وهم بذلك يُقرّون بأنّهم لا يجدون أي صفة متميّزة من نوعها، يُمكن أن تُنسب للشخص الشبيه لموسى. لكن هناك حقائق تثبت عكس ذلك، هي:

  1. كلمة نبيّ جاءت في العبريّة ” נביא ن ب ي اً” في صيغة المفرد …. الله لم يقل “أنبياء بل “نبيّاً”
  2. هذه الكلمة “נביא” لا تدل على جماعة، ولا الأنبياء في أي مكان تكلموا إجماليّاً عن جماعة أنبياء.
  3. التاريخ الديني، لا يُشير أبداً الى توارث الأنبياء.
  4. هذا التفسير، هو عكس ما ورد في الأسفار المقدسة تماما، ففي (سفر العدد 6:12-8) يقول “فقال اسمعا كلامي.

ان كان منكم نبي للرب فبالرؤيا استعلن له في الحلم أكلمه. واما عبدي موسى فليس هكذا بل هو امين في كل بيتي. فما الى فم وعيانا اتكلم معه لا بالألغاز. وشبه الرب يعاين. فلماذا لا تخشيان ان تتكلما على عبدي موسى”. فحتّى مع عظماء الأنبياء، مثل إيليّا – إليشع – حزقيال – إرميا …. الخ، كان الله لا يكشف نفسه لهم مباشرة، ولكنّه استخدم الأحلام – الرؤى – وطرق أخرى. الوحيد الذي كان يتلقى كلمات الله من فم الله مباشرة، هو موسى النبي.

ولذا فإنّ موسى له وضع خاص عند اليهود. موسى يتفرّد بميزة كبرى عن بقيّة الأنبياء هي (سفر التثنية 10:34-12)، يقول “ولم يقم بعد نبي في اسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجها لوجه 11 في جميع الآيات والعجائب التي ارسله الرب ليعملها في ارض مصر بفرعون وبجميع عبيده وكل ارضه 12 وفي كل اليد الشديدة وكل المخاوف العظيمة التي صنعها موسى امام اعين جميع اسرائيل”. أعتقد أنّ هذه الآيات، هي أبلغ ردّ على حجج رابي أبن عزرا.

أما الحقيقة فهي: منذ حوالي 2000 سنة ظهر في اليهوديّة شخص عجيب، كانت شهادة الجموع الذين إلتفّوا حوله ورأوا معجزاته الخارقة التي صنعها، هي “فلما رأى الناس الآية {معجزة الخمس خبزات وسمكتين} التي صنعها يسوع قالوا: «ان هذا هو بالحقيقة النبي الاتي الى العالم!» ” (يوحنا 14:6). لم تشهد الجموع أبدا لأيّ شخص بمثل هذه الشهادة، الاّ للرب يسوع المسيح. بل أيضاً، الأسفار المقدسة كلها شهدت له.

والآن، ليس هدفي أن ادخل في أدقّ تفاصيل حياة موسى، لنرى أنّ كل منها تتقابل مع تاريخ الرب يسوع، ولكن باختصار سوف أحاول أن اوضّح الخطوط العريضة لأهمّ الصفات المتميزة التي تجمع بين موسى والسيد المسيح، وهي:

أولاً: كان موسى نبيّاً له وضع خاص

وكان لموسى مقاماً رفيعاً، يفوق كافة الأنبياء، الذين أتوا بعده، سواء في اليهوديّة او في إسرائيل. وهذا يظهر في أسلوب تبليغ الوحي الإلهي له، وامانته هو في تبليغ وحي الله للبشر، حتّى أن السيد المسيح نفسه شهد بذلك “فاني الحق اقول لكم: الى ان تزول السماء والارض لا يزول حرف واحد او نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل.” متى 18:5).

أيضاً، الله نفسه يتدخل بقوّة ليدافع عنهن عندما تكلّم هرون ومريم على أخيهما موسى، بسبب زواجه من المرأة الكوشيّة (سفر العدد 1:12-12). والنبيّ، هو الشخص الممتلئ بروح الله، ويُكلّف برسالة خاصة يقوم بها، من قبل الله، ويمثّل وكيلاً لله بين الشعب المرسل اليه. توحد ثلاث مهام رئيسية يقوم بها النبيّ:

  1. مهمة التعليم: ففي سفر التثنية 1:4، يقول موسى النبيّ للشعب “فالان يا اسرائيل اسمع الفرائض والاحكام التي انا اعلمكم لتعملوها لكي تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الارض التي الرب إله ابائكم يعطيكم.” – فكتب موسى هذا النشيد ذلك اليوم وعلم بني إسرائيل إياه (تثنية 23:31). ليس فقط يبلغ الشعب مشيئة وارادة الله، بل يعلمهم كيف يحيون في توافق مع إرادة الله.
  2. يُخبر بأحداث مستقبليّة، ويكون النبيّ في حالة خاصة من الإلهام والوحي، خاضعاً لتأثير روح الله، ففي (سفر التثنية 18:18) “اقيم لهم نبيا من وسط اخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما اوصيه به”.
  3. يقضي ويحكم بالعدل: “وحدث في الغد ان موسى جلس ليقضي للشعب. فوقف الشعب عند موسى من الصباح الى المساء.” (خروج 13:18) – “ودبورة امرأة نبية زوجة لفيدوت هي قاضية اسرائيل في ذلك الوقت. وهي جالسة تحت نخلة دبورة بين الرامة وبيت ايل في جبل افرايم. وكان بنو اسرائيل يصعدون اليها للقضاء.” (قضاة 4:4-5).

والأن، بحسب أسفار للعهد القديم، المسيّا أيضاً، هو مُعلّم … الذي من نمط فريد من نوعه، مملوء من روح الحكمة والفهم والمشورة والقوّة …. قال عنه إشعياء “الشعب السالك في الظلمة أبصر نورا عظيما. الجالسون في ارض ظلال الموت أشرق عليهم نور.” (إشعياء 2:9) – “وتسير شعوب كثيرة ويقولون هلم نصعد الى جبل الرب الى بيت إله يعقوب فيعلمنا من طرقه ونسلك في سبله لأنه من صهيون تخرج الشريعة ومن اورشليم كلمة الرب.”

(إشعياء 3:2) – “لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الارض وتنتظر الجزائر شريعته ” (إشعياء 4:42) ويخبرنا القديس متى في إنجيله عن عمل السيد المسيح في مجال التعليم بقوله “هذا كله كلم به يسوع الجموع بأمثال وبدون مثل لم يكن يكلمهم لكي يتم ما قيل بالنبي: “سأفتح بأمثال فمي وانطق بمكتومات منذ تأسيس العالم” (متى 34:13-35).

– “فأرسلوا اليه تلاميذهم مع الهيرودسيين قائلين: «يا معلم نعلم أنك صادق وتعلم طريق الله بالحق ولا تبالي بأحد لأنك لا تنظر الى وجوه الناس.” (متى 16:22)

أمّا بالنسبة للمهمة الثانية للنبي، وهي أن يتنبأ بأمور مستقبليّة، فيوجد تشابه كبير بين الأمور التي تنبأ عنها موسى، والأمور التي تنبأ عنها الرب يسوع: موسى تنبأ عن تشتت شعب إسرائيل – وانحلاله الروحي والنكبات التي ستأتي على الشعب أثناء اختلاطه بالشعوب الوثنيّة (راجع تثنية إصحاح 28 و 29). حتى النشيد الذي كتبه موسى وعلّمه للشعب يشمل هذه النبوات (تثنية 19:31)

أمّا ما تنبأ به السيد المسيح، فهو: تشتت شعب إسرائيل – اضطهاد الأمم لهم – خراب الهيكل وأورشليم “«يا اورشليم يا اورشليم يا قاتلة الانبياء وراجمة المرسلين اليها كم مرة اردت ان اجمع اولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. 38 هوذا بيتكم يترك لكم خرابا! 39 لأني اقول لكم: انكم لا ترونني من الان حتى تقولوا: مبارك الاتي باسم الرب!” (متى 23: 37-39)

– “فقال لهم يسوع: «اما تنظرون جميع هذه؟ الحق اقول لكم انه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض!».” (متى 2:24)

– “فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرامين؟» 41 قالوا له: «اولئك الاردياء يهلكهم هلاكا رديا ويسلم الكرم الى كرامين اخرين يعطونه الاثمار في اوقاتها». قال لهم يسوع: «اما قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار راس الزاوية. من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في اعيننا؟ لذلك اقول لكم: ان ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لامة تعمل اثماره.” (متى 40:21-43)

– “6 وسوف تسمعون بحروب واخبار حروب. انظروا لا ترتاعوا. لأنه لا بد ان تكون هذه كلها. ولكن ليس المنتهى بعد. 7 لأنه تقوم امة على امة ومملكة على مملكة وتكون مجاعات واوبئة وزلازل في اماكن. ولكن هذه كلها مبتدأ الاوجاع. 9 حينئذ يسلمونكم الى ضيق ويقتلونكم وتكونون مبغضين من جميع الامم لأجل اسمي.

10 وحينئذ يعثر كثيرون ويسلمون بعضهم بعضا ويبغضون بعضهم بعضا. 11 ويقوم انبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرين. 12 ولكثرة الاثم تبرد محبة الكثيرين. 13 ولكن الذي يصبر الى المنتهى فهذا يخلص. 14 ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الامم. ثم يأتي المنتهى.

15 «فمتى نظرتم «رجسة الخراب» التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس – ليفهم القارئ – 16 فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية الى الجبال 17 والذي على السطح فلا ينزل ليأخذ من بيته شيئا 18 والذي في الحقل فلا يرجع الى ورائه ليأخذ ثيابه.19 وويل للحبالى والمرضعات في تلك الايام! 20 وصلوا لكي لا يكون هربكم في شتاء ولا في سبت 21 لأنه يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم الى الان ولن يكون. 22 ولو لم تقصر تلك الايام لم يخلص جسد. ولكن لأجل المختارين تقصر تلك الايام. 23 حينئذ ان قال لكم احد: هوذا المسيح هنا او هناك فلا تصدقوا.

24 لأنه سيقوم مسحاء كذبة وانبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو امكن المختارين ايضا. 25 ها انا قد سبقت واخبرتكم. 26 فان قالوا لكم: ها هو في البرية فلا تخرجوا! ها هو في المخادع فلا تصدقوا! 27 لأنه كما ان البرق يخرج من المشارق ويظهر الى المغارب هكذا يكون ايضا مجيء ابن الانسان. 28 لأنه حيثما تكن الجثة فهناك تجتمع النسور.

29 «وللوقت بعد ضيق تلك الايام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوئه والنجوم تسقط من السماء وقوات السماوات تتزعزع. 30 وحينئذ تظهر علامة ابن الانسان في السماء. وحينئذ تنوح جميع قبائل الارض ويبصرون ابن الانسان اتيا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير. 31 فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الاربع الرياح من اقصاء السماوات الى اقصائها.

32 فمن شجرة التين تعلموا المثل: متى صار غصنها رخصا واخرجت اوراقها تعلمون ان الصيف قريب. 33 هكذا انتم ايضا متى رأيتم هذا كله فاعلموا انه قريب على الابواب. 34 الحق اقول لكم: لا يمضي هذا الجيل حتى يكون هذا كله. 35 السماء والارض تزولان ولكن كلامي لا يزول. 36 واما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما احد ولا ملائكة السماوات الا ابي وحده. 37 وكما كانت ايام نوح كذلك يكون ايضا مجيء ابن الانسان.

38 لأنه كما كانوا في الايام التي قبل الطوفان يأكلون ويشربون ويتزوجون ويزوجون الى اليوم الذي دخل فيه نوح الفلك39 ولم يعلموا حتى جاء الطوفان واخذ الجميع كذلك يكون ايضا مجيء ابن الانسان. 40حينئذ يكون اثنان في الحقل يؤخذ الواحد ويترك الاخر. 41 اثنتان تطحنان على الرحى تؤخذ الواحدة وتترك الاخرى.” (متى 6:24-41).

وهنالك العديد من النبوات. يقول الشخص اليهودي: أعطني برهاناً واحداً، من كتب موسى الخمسة، عن مسيانيّة يسوع المسيح، وأنا أومن به؟؟!! هذه واحدة من البراهين! بحسب موسى، أي شخص يعلن عن نفسه إنّه نبيّاً، يُختبر بهذا المحك: ” فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه” (تثنية 22:18).

ولقد أثبت لنا التاريخ بأنّ كل ما نطق به الرب يسوع تحقق وصار، وبمنتهى الدقة. أين هو الهيكل طوال 2000 سنة؟؟ كتب التاريخ تشهد على دمار أورشليم وحريق الهيكل عن اخرى …. كم مرة حاول اليهود إعادة بناء الهيكل وفشلوا، كشهادة صادقة لنبوّة الرب يسوع. أما عن نبوات الرب يسوع والتي أخبر بها تلاميذه عن آلامه وموته وقيامته في اليوم الثالث، فلا حصر لها، وقد تمت بالكامل.

أما عن المهمة الثالثة للنبي، هوي أن يقضي بالعدل، فقد قال الرب يسوع نفسه “لان الاب لا يدين احدا، بل قد اعطى كل الدينونة للابن،” (يوحنا 22:5) – ” لأنه لا بد اننا جميعا نظهر امام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرا كان ام شرا” (كورنثوس الثانية 10:5) – “«ومتى جاء ابن الانسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع امامه جميع الشعوب فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار.

ثم يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي ابي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم. لأني جعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبا فأويتموني. عريانا فكسوتموني. مريضا فزرتموني. محبوسا فأتيتم إليَّ. فيجيبه الابرار حينئذ: يارب متى رأيناك جائعا فأطعمناك او عطشانا فسقيناك؟ ومتى رأيناك غريبا فأويناك او عريانا فكسوناك؟ ومتى رأيناك مريضا او محبوسا فأتينا اليك؟ فيجيب الملك: الحق اقول لكم: بما انكم فعلتموه بأحد اخوتي هؤلاء الاصاغر فبي فعلتم. «ثم يقول ايضا للذين عن اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين الى النار الابدية المعدة لابليس وملائكته، لأني جعت فلم تطعموني.

عطشت فلم تسقوني. كنت غريبا فلم تأووني. عريانا فلم تكسوني. مريضا ومحبوسا فلم تزوروني. حينئذ يجيبونه هم ايضا: يارب متى رأيناك جائعا او عطشانا او غريبا او عريانا او مريضا او محبوسا ولم نخدمك؟ فيجيبهم: الحق اقول لكم: بما انكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الاصاغر فبي لم تفعلوا. فيمضي هؤلاء الى عذاب أبدى والابرار الى حياة ابدية.” (متى 31:25-46).

ثانيا: كان موسى مخلّصاً

الله في حكمته غير المحدودة، سمح بأن يستعبد شعب إسرائيل لفرعون وللمصريين ….. ويصف سفر الخروج حالة الشعب، في قوله “استعبد المصريون بني اسرائيل بعنف. ومرروا حياتهم بعبودية قاسية في الطين واللبن وفي كل عمل في الحقل. كل عملهم الذي عملوه بواسطتهم عنفا ” (خروج 13:1-14). لكن الله في حبّه غير المحدود، نظر الى مذلتهم، وشاء ان ينقذهم من هذه العبوديّة “فقال الرب أنى قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر وسمعت صراخهم من اجل مسخريهم.

أنى علمت اوجاعهم. فنزلت لأنقذهم من ايدي المصريين واصعدهم من تلك الارض الى ارض جيدة وواسعة الى ارض تفيض لبنا وعسلا. الى مكان الكنعانيين والحثيين والاموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين. ” (خروج 7:3-8). فدعا الله موسى، وقال له “فالان هلم فأرسلك الى فرعون وتخرج شعبي بني اسرائيل من مصر” (خروج 10:3). 

وفي سفر أعمال الرسل، نجد القديس استفانوس، يتكلّم بوضوح عن وظيفة موسى كمخلص وفادي، ويربط ذلك بالنبي الذي وعد الله بإرساله، بقوله “هذا موسى الذي أنكروه قائلين: من اقامك رئيسا وقاضيا؟ هذا ارسله الله رئيسا وفاديا بيد الملاك الذي ظهر له في العليقة. هذا اخرجهم صانعا عجائب وآيات في ارض مصر، وفي البحر الاحمر، وفي البرية اربعين سنة. «هذا هو موسى الذي قال لبني اسرائيل: نبيا مثلي سيقيم لكم الرب الهكم من اخوتكم. له تسمعون. ” (أعمال الرسل 35:7-37).

لكن توجد عبودية من نوع آخر، هي أقسى من عبوديّة فرعون والمصريين ….. عبوديّة الخطيئة “الشتم تعلمون ان الذي تقدمون ذواتكم له عبيدا للطاعة، أنتم عبيد للذي تطيعونه: اما للخطية للموت او للطاعة للبر؟” (رومية 16:6) – “اجابهم يسوع: الحق الحق اقول لكم: ان كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية.” (يوحنا 34:8).

وهذا النبي الذي مثل موسى، والذي سيخلص البشرية من عبودية الخطيئة، تقول البنوة عنه “يقيم لك الرب إلهك نبيا من وسطك من اخوتك مثلي. له تسمعون” (تثنية 15:18). معنى هذا، إن هذا النبي يأتي من وسط جماعة بني إسرائيل، لأنّ الله وعد لإبراهيم، كان في إسحق “ويتبارك في نسلك جميع امم الارض. من اجل أنك سمعت لقولي.” (تكوين 18:22) – “فقال الله بل سارة امراتك تلد لك ابنا وتدعو اسمه اسحق. واقيم عهدي معه عهدا ابديا لنسله من بعده. ” (تكوين 19:17).

إذاً، العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم ينحصر فقط في إسحق وليس في أخيه. ثم بعد ذلك، يؤكد الله بأن الوعد هو لإسحق “فقال الله لإبراهيم لا يقبح في عينيك من اجل الغلام ومن اجل جاريتك. في كل ما تقول لك سارة اسمع لقولها. لأنه بإسحق يدعى لك نسل.” (تكوين 12:21). ولا يفوت على معلمنا بولس أن يشدد على هذه النقطة فيقول “بالإيمان قدم ابراهيم اسحق وهو مجرب. قدم الذي قبل المواعيد وحيده” (عبرانيين 17:11).

من هذا النسل، جاء السيد المسيح مخلّص العالم، الذي يقول عنه بولس الرسول “فاذ قد تشارك الاولاد في اللحم والدم اشترك هو ايضا كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت اي ابليس ويعتق اولئك الذين خوفا من الموت كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية. لأنه حقا ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل ابراهيم من ثم كان ينبغي ان يشبه اخوته في كل شيء لكي يكون رحيما ورئيس كهنة امينا في ما لله حتى يكفر خطايا الشعب. ” (عبرانيين 14:2-17)

وهذا ما أراد الله أن يقوله على فم إشعياء النبي “فقال قليل ان تكون لي عبدا لإقامة اسباط يعقوب ورد محفوظي اسرائيل. فقد جعلتك نورا للأمم لتكون خلاصي الى اقصى الارض هكذا قال الرب فادي اسرائيل قدوسه للمهان النفس لمكروه الامة لعبد المتسلطين. ينظر ملوك فيقومون. رؤساء فيسجدون. لأجل الرب الذي هو امين وقدوس اسرائيل الذي قد اختارك” (إشعياء 6:49-7).

ثالثا: كان موسى وسيطاً بين الله والشعب

نحن لا نقدر، ولا نجرؤ على الدنو من الله، كما نحن. لأنّ الله هو كليّ القداسة ونحن خطاه …. وهو النور الذي لا يُدنى منه، ونحن ظلمة بسبب حاجز الإثم الذي حجب نور الله عن قلوبنا … والظلمة تختفي دائماً أمام النور. بالطبع، أولئك الذين يختفون من الله لا يُدركون طبيعة عمل الوسيط، الذي كان موسى واحداً منهم. “فقال يشوع للشعب لا تقدرون ان تعبدوا الرب لأنه إله قدوس واله غيور هو.

لا يغفر ذنوبكم وخطاياكم. 20 واذا تركتم الرب وعبدتم الهة غريبة يرجع فيسيء اليكم ويفنيكم بعد ان احسن اليكم. ” (يشوع 19:24-20) – “هل يسير اثنان معا ان لم يتواعدا.” (عاموس 3:3) – “ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا.” (أيوب 33:9)- “وطلبت من بينهم رجلا يبني جدارا ويقف في الثغر امامي عن الارض لكي لا اخربها فلم اجد.” (حزقيال 30:22).

بهذا المفهوم، كان موسي وسيطاً بين الله والشعب، فاذا اقتربنا من جبل سيناء يتكشف لنا هذا بوضوح “فانحدر موسى من الجبل الى الشعب وقدس الشعب وغسلوا ثيابهم. وقال للشعب كونوا مستعدين لليوم الثالث. لا تقربوا امرأة. وحدث في اليوم الثالث لما كان الصباح انه صارت رعود وبروق وسحاب ثقيل على الجبل وصوت بوق شديد جدا. فارتعد كل الشعب الذي في المحلة. واخرج موسى الشعب من المحلة لملاقاة الله. فوقفوا في أسفل الجبل. وكان جبل سيناء كله يدخن من اجل ان الرب نزل عليه بالنار. وصعد دخانه كدخان الاتون وارتجف كل الجبل جدا.

فكان صوت البوق يزداد اشتدادا جدا وموسى يتكلم والله يجيبه بصوت ونزل الرب على جبل سيناء الى راس الجبل. ودعا الله موسى الى راس الجبل. فصعد موسى. فقال الرب لموسى انحدر حذر الشعب لئلا يقتحموا الى الرب لينظروا فيسقط منهم كثيرون.” (خروج 14:19-21) – “وكان جميع الشعب يرون الرعود والبروق وصوت البوق والجبل يدخن. ولما رأى الشعب ارتعدوا ووقفوا من بعيد. وقالوا لموسى تكلم انت معنا فنسمع. ولا يتكلم معنا الله لئلا نموت.” (خروج 18:20-19) – “تقدم انت واسمع كل ما يقول لك الرب الهنا وكلمنا بكل ما يكلمك به الرب الهنا فنسمع ونعمل.” (تثنية 27:5).

هكذا أيضا الرب يسوع المسيح، كان وما زال وسيطاً بين الله والناس، هو النبي الوسيط مثل موسى …. ولكن وسيطاً لعهد جديد “ولكنه الان قد حصل على خدمة أفضل بمقدار ما هو وسيط ايضا لعهد أعظم قد تثبت على مواعيد أفضل” (عبرانيين 6:8) – “ولأجل هذا هو وسيط عهد جديد لكي يكون المدعوون اذ صار موت لفداء التعديات التي في العهد الاول ينالون وعد الميراث الابدي.” (عبرانيين 15:9)

– “والى وسيط العهد الجديد يسوع والى دم رش يتكلم افضل من هابيل” (عبرانيين 24:12) – “لأنه يوجد اله واحد ووسيط واحد بين الله والناس: الانسان يسوع المسيح،” (تيموثاوس الأولى 5:2). ولهذا قال الرب يسوع بفمه الطاهر “قال له يسوع: «انا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتي الى الاب الا بي.” (يوحنا 6:14).

رابعا: كان موسى شفيعاً

لقد تشفع موسى للشعب عند الله، عندما عبدوا العجل الذهبي، وطلب من الله أن يغفر لهم “فتضرع موسى امام الرب إلهه. وقال لماذا يا رب يحمى غضبك على شعبك الذي اخرجته من ارض مصر بقوة عظيمة ويد شديدة. لماذا يتكلم المصريون قائلين اخرجهم بخبث ليقتلهم في الجبال ويفنيهم عن وجه الارض. ارجع عن حمو غضبك واندم على الشر بشعبك. اذكر ابراهيم واسحق واسرائيل عبيدك الذين حلفت لهم بنفسك وقلت لهم أكثر نسلكم كنجوم السماء واعطي نسلكم كل هذه الارض الذي تكلمت عنها فيملكونها الى الابد. فندم الرب على الشر الذي قال انه يفعله بشعبه. ” (خروج 11:32-14)

– “فقال موسى للرب لماذا اسئت الى عبدك ولماذا لم أجد نعمة في عينيك حتى أنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب علي. العلي حبلت بجميع هذا الشعب او لعلي ولدته حتى تقول لي احمله في حضنك كما يحمل المربي الرضيع الى الارض التي حلفت لآبائه.” (عدد 11:11-12)، وعمل القائد أن يسير بالخراف الى المراعي “كراع يرعى قطيعه. بذراعه يجمع الحملان وفي حضنه يحملها ويقود المرضعات” (إشعياء 11:40).

الآن، المسيح أيضاً، يقودنا ي موكب نصرته، هو الراعي الصالح “انا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يوحنا 11:10) – “وانت يا بيت لحم ارض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا لان منك يخرج مدبر يرعى شعبي اسرائيل».” (متى 6:2)

– “ولي خراف اخر ليست من هذه الحظيرة، ينبغي ان اتي بتلك ايضا فتسمع صوتي، وتكون رعية واحدة وراع واحد. ” (يوحنا 16:10) – “واله السلام الذي اقام من الاموات راعي الخراف العظيم ربنا يسوع بدم العهد الابدي 21 ليكملكم في كل عمل صالح لتصنعوا مشيئته عاملا فيكم ما يرضي امامه بيسوع المسيح الذي له المجد الى ابد الابدين. امين” (عبرانيين 20:13-21) – “لأنكم كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الان الى راعي نفوسكم وأسقفها” (بطرس الأولى 25:2).

والجدير بالذكر إن الكلمة العبريّة، “רעה ر ع هـ” لها معنيان هما” “راعي” و “قائد”. وفي الحقيقة تُستعمل الكلمة كمرادف للمعنيين. ففي الشرق، الراعي لا يقود الخراف من الخلف – كما في البلاد الغربيّة – بل يسير في الأمام، والخراف تتبعه: ” ومتى اخرج خرافه الخاصة يذهب امامها، والخراف تتبعه، لأنها تعرف صوته.” (يوحنا 4:10).

 

في ختام شرح هذه النبوة، أريد أن أورد نقاط سريعة (دون شرح)، لعمل مقابلة بين حياة موسى وحياة السيد المسيح:

1) موسى وُلد من أبوين فقيرين، تحت حكم فرعون، وهو حاكم أممي، هكذا السيد المسيح وُلد فقيراً، تحت حكم الرومان (وهم من الأمم).

2) موسى اضطُهدَ وحُكم عليه بالموت في طفولته (قتل ذكور العبرانيين)، هكذا السيد المسيح (في هروبه من هيرودس).

3) موسى حفظ في طفولته من الموت، في حين قُتل الأطفال الآخرين، هكذا نجا السيد المسيح من الموت، في حين قُتل أطفال بيت لحم.

4) موسى أعلن لشعب إسرائيل بالمعجزات والآيات الخارقة، هكذا السيد المسيح على نفس النمط، ولكن برهن على سلطان لاهوته.

5) صام موسى في بريّة سيناء أربعين يوماً وأربعين ليلة، هكذا ايضاً السيد المسيح صام أربعين يوما وأربعين ليلة في برّية اليهوديّة.

6) موسى أبى أن يُدعى ابناً لابنة فرعون مُفضّلاً أن يُذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية، هكذا السيد المسيح هرب عندما أرادوا أن يمسكوه ويجعلوه ملكاً أرضيّاً عليهم.

7) موسى كان خادماً أميناً لله، هكذا الرب يسوع، كان طعامه وشرابه أن يفعل مشيئة أبيه الذي في السماوات.

8) موسى حرّر شعب إسرائيل من عبوديّة فرعون ومصر، هكذا السيد المسيح حرّر البشريّة كلّها من عبوديّة الخطية والفساد.

9) البحر أطاع موسى وانشقّ بأمرٍ منه، هكذا السيد المسيح أسكت العاصفة وهياج البحر بكلمة واحدة منه “أسكت”.

10) سُمح لموسى أن يُكلّم الله فماً لفم، ووجهاً لوجه، هكذا السيد المسيح كان له علاقة – شخصيّة ومباشرة في شركة مع الآب – وهذا ما لم يتوفّر لأيّ نبيٍّ على الإطلاق.

11) كان وجه موسى ليمع جدّاً كنتيجة للشركة مع الله، هكذا السيد المسيح على جبل التجلّي كان وجهه يُضيء كالشمس وثيابه بيضاء كالنور.

12) موسى تنبّأ عن أحداث مستقبليّة تمت كلها، هكذا السيد المسيح تنبّأ بأحداث القبض عليه – آلامه – موته – قيامته – خراب ودمار الهيكل ومدينة أورشليم.

13) موسى أطعم الشعب الذي كان يقوده في البرّية، من المنِّ والسلوى، هكذا السيد المسيح أطعم الجموع أكثر من مرّة، وما زال يُطعمنا جسده المقدّس ودمه الكريم.

14) موسى أعطى لإسرائيل ماءً من الصخر ليشربوا، هكذا المسيح صخر الدهور يعطي ماء الحياة لكلِّ العِطاش (الصخرة كانت المسيح).

15) موسى كان وسيطاً بين الله والشعب، للعهد القديم، هكذا السيد المسيح هو سيط لعهد جديد.

16) تذمّر الشعب كثيراً على موسى، هكذا السيد المسيخ تذمّر عليه الكتبة والفرنسيين وكثير من الجموع.

17) موسى علّم الشعب شريعة العهد القديم، والسيد المسيح علّمنا شريعة العهد الجديد.

المسيح في أسفار الناموس جـ2- القمص روفائيل البرموسي

Exit mobile version