الوسم: الكتاب المقدس التوراة pdf
هل تعرضت التوراة الحالية للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
هل تعرضت التوراة الحالية للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
313- كُتبت التوراة باللغة العبرية القديمة بأحرف أبجدية خالية من التشكيل والحروف المتحركة والتنقيط، وإن هذه اللغة خرجت عن الاستعمال الحي في القرن السادس قبل الميلاد، وعندما جاء المأزوريون (500 – 900 م) وضعوا التنقيط والتشكيل.. ألا تكون التوراة الحالية قد تعرضت للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
يقول فراس السواح ” وبما أن التوراة عبارة عن نصوص بالغة القدم كُتبت أصلًا بأحرف أبجدية خالية من الحركات والضوابط، ولأن لغة هذه النصوص خرجت عن إطار الاستعمال العام من زمن يعود إلى ما قبل القرن السادس والخامس قبل الميلاد.. فأنه لا يمكن لأحد أن يعرف كيف كانت هذه اللغة تلفظ وتصوَّت في الأصل لدى الشعب الذي تكلمها.. فأن النص المكتوب بالأحرف الساكنة للتوراة العبرية وصل إلينا من القدم دون أن يُمس تقريبًا، رغم أن إدخال الحركات والضوابط عليه، بصورة اعتباطية في أحيان كثيرة، قد غيَّر إعراب الجُمل وحوَّر المعاني، وأدخل على النص تحريفات هي أضخم بكثير مما يتصوَّره علماء التوراة. ذلك أن عمل الماسوريين قد بدأ بعد مضي ألف سنة على الوقت الذي كانت فيه العبرية لغة حيَّة ومتداولة”(1)(2).
ج:
1- لم ينقطع الشعب اليهودي عن قراءة التوراة سواء قبل السبي أو خلال فترة السبي أو بعد العودة من السبي، ولم يجدوا أي صعوبة في القراءة، فلا يصح الحكم على المرحلة قبل اختراع التشكيل والحروف المتحركة والتنقيط بمعيار اليوم، فبالرغم من أنه لم يكن هناك تشكيل ولا تنقيط لكنهم أجادوا القراءة باللغة العبرية، وهذا ما فعله عزرا الكاتب الماهر “وقرأوا في السفر في شريعة الله ببيان وفسروا المعنى وأفهموهم القراءة” (نح 8: 8) وحتى عندما دخل السيد المسيح له المجد مجمع الناصرة “فدفع إليه سفر إشعياء. ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبًا فيه روح الرب على..” (لو 4: 17 – 20).
ويقول جوش مكدويل ” كانت المخطوطات اليونانية تكتب بدون فواصل بين الكلمات، بينما كانت النصوص العبرية تكتب بدون حروف علَّة حتى أضافها المازوريون بين القرن الخامس والقرن العاشر الميلادي. وقد يبدو هذا مستغربًا بالنسبة للقارئ الحديث، ولكن بالنسبة للقدماء ممن كانوا يتحدثون اليونانية أو العبرية كان هذا أمرًا عاديًا، وكانت الكتابات مفهومة وواضحة، ولم يكن اليهود بحاجة إلى كتابة حروف العلَّة إذ أنهم تعلموا لغتهم وتعلموا كيف ينطقونها ويفسرونها. كذلك لم يكن لدى الشعوب المتحدثة باليونانية أي مشكلة في قراءة لغتها بدون مسافات فاصلة بين الكلمات”(3).
2- تم ترجمة العهد القديم في القرن الثالث قبل الميلاد من اللغة العبرية لليونانية لغة العالم كله، كما تُرجم العهد القديم أيضًا للغة الآرامية خلال المرحلة الأخمينية.
3- لم توضع التوراة في ركن مهمل، بل كان يوجد منها مئات النسخ التي انتشرت في طول البلاد وعرضها، وكانت في كل مجمع من مجامع اليهود، وكانت محل اهتمام كل اليهود وموضع دراستهم العميقة، ولا ننسى مثلًا “الهكسابلا” ذلك العمل العظيم الذي قام به العلامة أوريجانوس في القرن الثالث الميلادي، إذ وضع العهد القديم في ستة أعمدة تشمل:
1- النص العبري بحروف عبرية.
2- النص العبري بحروف يونانية.
3- الترجمة السبعينية.
4- ترجمة أكويلا.
5- ترجمة ثيؤدوثيون.
6- ترجمة سيماخوس.
4- الدكتور سيد القمني الذي قال بأن غياب التشكيل والتنقيط والحروف المتحركة أدى إلى لبس وأخطاء، يعترف بأنه قد تم معالجة هذا الأمر على أيدي الحشمونيين في القرن الثاني قبل الميلاد، فقال ” مدونات التوراة قد ظلت زمانًا طويلًا خالية من التنقيط والتشكيل، إضافة إلى اختلاف النطق في الحروف العبرية ذات المخرج الواحد: الشفاه، الأسنان، الحنجرة، اللسان، الحلق، مع غياب الأزمنة.. ناهيك عن غياب الحروف المتحركة، ولم يتم وضع ذلك كله إلاَّ في أيام الحشمونيين قبل الميلاد بحوالي قرنين من الزمان”(4)(5).
5- في مجمع “جامنيا” سنة 90م تم اعتماد النص العبري الساكن من بين عدَّة نصوص وترجمات، وهذا دليل على كفاءة وفاعلية هذا النص، فلو كانت ثمة مشاكل متعلقة بالنص، ما كان هذا المجمع التاريخي أكد على أهمية هذا النص العبري.
6- بدأ المازوريون عملهم نحو سنة 500م، فأنتجوا لنا النص المازوري، وكلمة مازوري مشتقة من كلمة ” مازورا ” أي تقليد، وبذلك وضع المازوريون الصيغة التقليدية لقراءة التوراة، فعندما بدأ المازوريون عملهم كان أمامهم النص العبري، وكان أمامهم ترجمات مختلفة مثل الترجمات اليونانية، السبعينية التي تمت في القرن الثالث قبل الميلاد، وترجمة أكويلا وترجمة سيماخوس وترجمة ثيؤدوسيون ويرجع كل منهم للقرن الثاني الميلادي، وأيضًا الترجمات السريانية مثل ترجمة البشيتا التي يرجع تاريخها للقرن الأول الميلادي، وغيرهم من الترجمات المختلفة.
ويقول فراس السواح ” والحقيقة أن النص العبري المُحرَّك قد اكتمل فعلًا على يد المازوريين في القرن العاشر الميلادي، غير أن النص الساكن قد تم تحريكه بصورة غير مباشرة في وقت مبكر، وذلك عن طريق الترجمة إلى لغة مصوَّته كاليونانية، التي تُرجم إليها أواسط القرن الثالث قبل الميلاد.. ولإعطاء مثل مبسط عما نعنيه بالتصويت غير المباشر، نقول أن كلمة ” كتب ” باللغة العربية، إذا وردت هكذا بدون تحريك وإلى جانبها ترجمتها الإنجليزية ” Wrote ” فإن الكلمة تعني الفعل ” كَتَبَ ” لا ” كُتبْ ” كجمع لكلمة كتاب.. لقد كان بين أيدي المازوريين عدد لا بأس به من الترجمات إلى لغات مصوَّتة ترشدهم في مواضع الأشكال، وهذه الترجمات قد صيغت في وقت مبكر كان خلاله واضعوها على صلة مباشرة باللغة الحيَّة أكثر من زملائهم المازوريين”(6).
ويقول جوش مكدويل ” المازوريون هم علماء اليهود الذين قاموا فيما بين 500-900 م. بإخراج الشكل النهائي لنص العهد القديم.. أولًا: لوضع نظام ثابت للنص الذي يعتمد على الحروف الساكنة، وثانيًا: لوضع نظام ثابت للترقيم واستخدام حروف العلَّة لضبط عملية النطق والقراءة.. وقد أُطلق عليهم اسم المازوريين لأنهم قاموا بحفظ التقليد الشفهي (المازورا) مكتوبًا..
وهناك مدرستان أو مركزان رئيسيان للنشاط المازوري -مستقل أحدهما عن الآخر- المدرسة البابلية والمدرسة الفلسطينية، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وأشهر المازوريين هم علماء اليهود الذين عاشوا في طبرية بالجليل، موسى بن أشير (وإبنه هارون) وموسى بن نفتالي في أواخر القرن التاسع والقرن العاشر.
والنص الذي دوَّنه ابن أشير هو النص العبري القياسي اليوم.. كان المازوريون على درجة عالية من العلم، وتعاملوا مع النص بأقصى درجات الاحترام والتبجيل ووضعوا نظامًا معقدًا لحفظه من زلات الكهنة، فعلى سبيل المثال قاموا بإحصاء عدد المرات التي ورد فيها كل حرف من حروف الهجاء في كل سفر، وحدَّدوا الحرف الأوسط من الأسفار الخمسة الأولى، والحرف الأوسط في الكتاب المقدَّس العبري كله، كما قاموا بحسابات أخرى أكثر دقة وتفصيلًا من هذه، ويقول ” ويلر روبنسون ” أنهم أحصوا كل ما هو قابل للإحصاء، وقد ألَّفوا عبارات قصيرة تيسر لهم تذكر الإحصاءات المختلفة”(7).
7- عندما قابل علماء اللغات التراجم القديمة لليونانية والسريانية واللاتينية والقبطية والأرمينية والحبشية والعربية.. إلخ لم يجدوا أية اختلافات إلاَّ في أمور عرضية، فمثلًا قد تجد اللفظ مُعرَّفًا وفي الأخرى بلا تعريف، أو يرد الحديث في بعضها بلفظ الفعل وفي غيرها بلفظ الاسم، أو وجود حرف العطف في الواحدة وحذفه في الأخرى(8).
8- أقول لأخوتي من الكتَّاب المسلمين الذين يهاجمون العهد القديم الذي طالما شهد له القرآن.. لماذا لم تسألوا أنفسكم: هل مشكلة التنقيط واجهت القرآن أيضًا أم لا..؟ لا أظن أنهم يجهلون إن تنقيط القرآن تم بعد كتابته بمائة وخمسين سنة، وكانت الصعوبة أكثر بما لا يقاس بالنسبة لتنقيط العهد القديم.. لماذا؟ لأن علماء اليهود عندما شكَّلوا الحروف ووضعوا عليها التنقيط لم يكن أمامهم النص منفردًا، بل كما رأينا كان أمامهم أيضًا الترجمات المختلفة إلى لغات حية، ولذلك تلاشى احتمال الخطأ تمامًا. أما القرآن فلم تتوفر له هذه الفرصة، ولذلك وقف علماء المسلمين أمام نص عثمان بمفرده، لأنه قد سبق حرق قرآن عبد الله بن مسعود، وكذلك قرآن أبي بن كعب، وقرآن علي بن أبي طالب، وقرآن ابن عباس.
كما إنه لم يكن مسموحًا بترجمة نصوص القرآن لأي لغة أخرى، وأترك الحكم لما جاء في صحيح البخاري ” حدثنا موسى حدثنا إبراهيم حدثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيقة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي (أي يقوم بغزوة) أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيقة اختلافهم في القراءة، فقال حذيقة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفظة، أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليكِ، فأرسلت بها حفظة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف من المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفظة، وأرسل إلى كل أفق بصحف ما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرَق“(9).
_____
(1) راجع أيضًا دكتور سيد القمني – قصة الخلق أو منابع سفر التكوين ص 8، 9.
(2) الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم ص 8، 9.
(3) برهان يتطلب قرارًا ص 65.
(4) د. حسن حنفي – هوامشه على ترجمة لكتاب اسبينوزا – رسالة في اللاهوت والسياسة – مراجعة د. فؤاد زكريا ص 38.
(5) قصة الخلق أو منابع سفر التكوين ص 128، 129.
(6) الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم ص 215، 216.
(7) برهان يتطلب قرارًا ص 114، 115.
(8) راجع القس صموئيل مشرقي – مصادر الكتاب المقدَّس ص 85.
(9) صحيح البخاري جـ 3 ص 225، 226.
هل تعرضت التوراة الحالية للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
هل أخذت التوراة من أدب وأساطير الحضارة الفرعونية؟
هل أخذت التوراة من أدب وأساطير الحضارة الفرعونية؟
269- هل أخذت التوراة من أدب وأساطير الحضارة الفرعونية؟
يرى “جيمس هنرى برستيد” James Henry Breasted أن التوراة أخذت من الأدب المصري القديم فيقول “أن التقدم الاجتماعي والخلقي الناضج الذي أحرزه البشر في وادي النيل الذي يُعد أقدم من التقدم العبري بثلاثة آلاف سنة، قد ساهم مساهمة فعالة في تكوين الأدب العبري الذي نسيمه نحن “التوراة ” وعلى ذلك فإن إرثنا الخُلقي مشتق من ماضِ إنساني واسع المدى أقدم بدرجة عظيمة من ماض العبرانيين، وأن هذا الإرث لم ينحدر إلينا من العبرانيين بل جاء عن طريقهم.
والواقع أن نهوض الإنسان إلى المُثل الاجتماعية قد حدث قبل أن يبدأ ما يسميه رجال اللاهوت بعصر الوحي بزمن طويل”(1).
كما يقول برستيد مؤكدًا نفس المعنى “يجب علينا إذًا أن نمهد أذهاننا إلى قول الحقيقة القائلة بأن الإرث الخلقي الذي ورثه المجتمع المتمدين الحديث يرجع أصله إلى زمن أقدم بكثير جدًا من زمن استيطان العبرانيين فلسطين، وإن ذلك الإرث قد وصل إلينا من عهد لم يكن فيه الأدب العبراني المدوَّن في التوراة قد وُحِد بعد”(2).
وأيضًا يقول برستيد “فكما أننا نجد الأدب الأوروبية الحديثة قد نمت مشبَّعة بما ورثناه من قديم أدب الإغريق والرومان، كذلك كان محتمًا أن يتأثر العبرانيون في فلسطين كل التأثر في أفكارهم وكتابتهم بآداب تلك الأمة العظيمة (مصر) التي قبضت على زمام فلسطين ووضعتها تحت سيطرتها الثقافية والسياسية.. وعلى ذلك فإن تراثنا الخُلقي الديني العظيم المُلهم الذي انحدر إلينا من العبرانيين يمكن التسليم بصفة قاطعة بأنه ميراث مزدوج:
فهو أولًا: قد تكوَّن من خبرة بضعة آلاف من السنين مارسها الشرق الأدنى القديم وبخاصة مصر، قبل ظهور الأمة العبرانية.
وثانيًا: أن تلك الخبرة قد رسَّخت قدميها بشكل مدهش وزيد عليها بما اكتسبه العبرانيون أنفسهم من التجارب الاجتماعية المتواصلة، على يد أولئك الأنبياء والحكماء الإسرائيليين”(3).
ويقول د. محمد بيومي “لقد رأينا فيما سبق أن العبرانيين قد اعتمدوا إلى حد كبير في أساطيرهم وقوانينهم على الحضارة السومرية والبابلية، أما في الأدب والأخلاق والدين والتفكير الاجتماعي بوجه عام، فقد اعتمدوا فيه – إلى حد كبير – على الحضارة المصرية.. فإن الإسرائيليين منذ بدء تاريخهم -كما تصوَّره توراتهم- وحتى السبي البابلي وكتابة التوراة إبانه، لم يبتعدوا أبدًا عن التأثير المصري في كل المجالات الفكرية والمادية، ومن هنا كان التأثير المصري في التوراة وفي العبادات ومجالات الحياة الأخرى الإسرائيلية”(4).
ويرى الخوري بولس الفغالي أن التوراة اغتنت من الأدب المصري القديم، فيقول “هذا بعض الغنى الذي عرفه الأدب المصري خلال ثلاثة آلاف سنة. بهذا الأدب تأثر الشرق كله بما فيه الشعب العبراني. وإن التوراة أخذت الكثير من عالم مصر فاغتنت، وستأخذ من عالم بلاد الرافدين فتجعل كل غنى الشرق القديم في إطار كلمة الله”(5).
وعلى نفس النهج يقول د. سيد القمني “يمكن لأي باحث -بقليل من الجهد- أن يجد في التوراة مآثر مصرية، وأخرى رافدية، وثالثة فينيقية.. ولا يبقى أمام الباحث سوى أن يلقى بنفسه وسط هذه الأحبولة ذات المائة وجه والآلف لون”(6).
ج:
1- نحن نعترف بسمو المبادئ الأدبية التي جاءت في الحضارة الفرعونية، وهذا يرجع لصوت الضمير الذي أودعه الله في الإنسان، فمثلًا جاء في الرواية الأولى من كتاب الموتى، أن المتوفى عند وصوله إلى قاعة الصدق ومثوله أمام الآلهة “يوجه نظره إلى وجه الإله ويقول: سلام عليك أيها الإله العظيم رب الصدق، لقد أتيتُ إليك يا إلهي وجئ بي إلى هنا حتى أرى جمالك. إني أعرف اسمك، وأعرف أسماء الاثنين والأربعين إلهًا الذين معك في قاعة الصدق.. أنظر.. إني لم أرتكب ضد الناس أي خطيئة..
إني لم آت سوءًا في مكان الحق.. وإني لم أعرف أية خطيئة.. إني لم أرتكب أي شيء خبيث.. وإني لم أفعل بما يمقته الإله.. وإني لم أبلغ ضد خادم شرًا إلى سيده.. إني لم أترك أحدًا يتضوَّر جوعًا.. ولم أتسبب في بكاء أي إنسان.. إني لم أرتكب الزنا.. إني لم أرتكب خطيئة تدنس نفسي.. إني لم أخسر مكيال الحبوب.. إني لم أنقض المقياس.. إني لم أُنقص مقياس الأرض.. إني لم أثقل وزن الموازين.. إني لم أحوّل لسان كفتى الميزان..
إني لم أغتصب ابنًا من فم الطفل.. إني لم أطرد الماشية من مراعاها.. إني لم أنصب الشباك لطيور الآلهة.. إني لم أتصيد السمك من بحيراتهم (أي بحيرات الآلهة).. إني لم أمنع المياه عن أوقاتها.. إني لم أصنع سدًا للمياه الجارية.. إني لم أطفئ النار في وقتها (أي وقت نفعها).. إني لم استولى على قطعان هبات المعبد..”(7).
2- لو كان موسى النبي الذي تحكَّم بكل حكمة قدماء المصريين أخذ من الحضارة الفرعونية، فلماذا لم يأخذ تعدد الآلهة، وتزاوجهم، وتناسلهم، وصراعاتهم؟! فقد تزوجت إيزيس من أوزيريس وأنجبت حورس .
3- لو أخذ موسى من آداب الحضارة الفرعونية، فلماذا لم يأخذ عنها السحر الذي تفشى في معظم مظاهر الحياة..؟ يصوّر جيمس هنري برستيد السحر الذي انتشر في كل مناحي الحياة في مصر، فيقول “ومن الصعب أن يفهم العقل الحديث كيف أن مرافق الحياة جميعها قد تسرَّب إليها الاعتقاد في السحر.. فكانت الأم لا يمكنها أن تهدئ من روع طفلها المتألم المريض وتجعله يضطجع طلبًا للراحة إلاَّ بعد الاستنجاد بالقوة الخفية لتقوم بتخليص الطفل من المرض ومن الحسد ومن سلطان أشباح الشر..
ونستطيع أن نسمع صوت الأم وهي تنحني على طفلها وتختلس النظر خلال ذلك الباب المفتوح في ظلمة المسكونة بقوى الشر هذه، وتقول.. هل أتيت لتلحق به ضررًا؟ إني لن أسمح لك بأن تضره.. هل أتيت لتأخذيه؟ إني لن أسمح لك بأن تأخذيه منى”(8).
كما استخدم المصري القديم الرقية السحرية التي تثبت براءته أمام محكمة العدل بعد موته، حتى قال برستد “وقد كان في مقدور الميت أن يحصل حتى على صيغة سحرية شديدة القوة والتأثير لدرجة تجعل ” إله الشمس “-الذي يعتبر القوة الحقيقية الكافية وراء تلك المحاكمة – يسقط من سماواته في النيل إذ لم يُخرج ذلك الميت برئ الساحة تمامًا في المحاكمة”(9)
كما يصف برستيد كتاب الموتى قائلًا أنه ليس “إلاَّ مثالًا آخر لأحكام الطرق السحرية بقصد تحسين أحوال الحياة الأخرى، والواقع أن كتاب الموتى نفسه -على وجه عام- ليس إلاَّ مثلًا مركَّبًا بعيد المرمى يوضح مدى اعتماد القوم المتزايد على السحر في الحياة الأخرى”(10).
وقد استغل كهنة ذلك العصر الفرصة لابتزاز أموال الناس، فضاعفوا من أخطار الآخرة وأهوالها، وادَّعوا أن في مقدورهم إنقاذ المتوفى عن طريق التعاويذ المختلفة التي تنجيه من فقدان فمه أو رأسه أو قلبه، وتعاويذ أخرى تساعده على استذكار اسمه، ومنها ما يمنع الماء الذي يشربه من أن يتحول إلى لهيب(11).
4- كثير من كتبة الأسفار المقدَّسة من البسطاء الذين لم يطَّلعوا على الحضارات الأخرى، ولم يجوبوا الأرض شرقًا وغربًا، ومعلوماتهم عن الحضارة المصرية بسيطة وهامشية، حتى الأنبياء الذين عاشوا في بابل وقت السبي لم يظهر في كتاباتهم أي تأثر بالأدب البابلي ولا المعتقدات البابلية، بل جاءت كتاباتهم منسجمة تمامًا مع كتابات الأنبياء الأولين الذين لم يذهبوا للسبي، وبذلك نقف خشوعًا أمام كتاب عجيب فريد له روح واحد، بلا أدنى تضارب ولا تناقض، وروح الله القدوس الذي نطق على أفواه الأنبياء وعزف على قيثارتهم، لم يكن فقيرًا يحتاج للاقتباس من الأدب المصري القديم أو غيره.
5- لا يمكن قصر أهمية العهد القديم على الأدب الأخلاقي فقط، ونغفل التاريخ المقدَّس للشعب المختار ومعاملات الله معه، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فالعهد القديم يحدثنا عن تاريخ البشرية جمعاء من خلقة فريدة، وحياة في الفردوس، وسقوط، وافتقاد الله لنا بالأنبياء. فضلًا عن مئات النبوءات التي وضعها الروح القدس على أفواه الأنبياء تخبرنا عن الخلاص المرتقب.. حقًا إن العهد القديم هو طريق النفس البشرية لله، وكم حوى من كنوز خلت منها كتب العالم كله؟!
6- الذين ينكرون الوحي الإلهي في التوراة مثل برستيد، من السهل عليهم أن يجعلوا الأدب هو محور الكتاب المقدَّس، وينظرون إليه ككتاب أخلاقي فقط، اقتبس من الحضارات المصرية والبابلية وغيرهما، والحقيقة أن عظمة الكتاب المقدَّس تتجلى في أنه الكتاب الوحيد المُوحى به من الله، فهو كتاب ذو طبيعة مزدوجة، إلهية وبشرية، هو نتاج شركة بين روح الله القدوس ورجال الله الذين دونوه..
أي حضارة بشرية تطوَّرت بفعل العقل، وأي أدب بشرى هو نتاج العقل وحده. أما الكتاب المقدَّس فيتميز بالجانب الإلهي، ولذلك حوى الأدب الرفيع الراقي بدون أية شوائب، بينما الأدب البشرى شابته النقائص والأخطاء.
7- لا يمكن أن نقبل رأى النقاد كأمر مسلَّم به، فمثلًا اعتقد برستيد أن عمر الإنسان على الأرض مليون سنة فيقول “أن الإنسان بصفته أقدم المخلوقات صنعًا للآلات، كان مُجدًا في صنع أسلحة منذ نحو مليون سنة، في حين أن الضمير لم يبرز في شكل قوة اجتماعية إلاَّ منذ مدة لا تزيد عن خمسة آلاف سنة”(12)..
لقد أنبهر برستيد بالحضارة الفرعونية لأنها تقدمت في زمن قصير يُقدَّر بنحو خمسة آلاف سنة، بينما عمر الإنسان على الأرض منذ مليون سنة، دون تقدم، وهذا يخالف الحقيقة، لأن كل عمر الإنسان على الأرض لا يتجاوز سبعة أو ثمانية آلاف سنة، فالعصر الجليدي ساد على الأرض منذ نحو عشرة آلاف سنة فقط.
8- ادَّعى بعض الأخوة المسلمين أن التوراة أُخذت من الحضارة المصرية القديمة لوجود بعض التشابهات بينهما، لماذا لم يطبقوا هذا على القرآن مع وجود تشابهات بينة، وبين الحضارة المصرية، وقد ضرب جيمس هنرى برستيد بعض الأمثلة على تلك التشابهات
فقال “يقول ذلك الوزير المسن العاقل (بتاح حتب) إن الزوج الكيَس هو الذي يجعل زوجته سعيدة أولًا بالمحبة التي تلزمه أن يفسح لها في قلبه الاعتبار الأول، ثم يأتي بعد ذلك بمستلزمات الجسم من غذاء وملابس، ثم بالكماليات كالعطور والدهان، فنراه يقول {اجعل قلبها فرحًا ما دمت حيًا، فهي حقل مثمر لسيدها} وهذه الملاحظة الأخيرة قد سبقت ما جاء في القرآن المُنزَّل على الرسول محمد صلعم بعد مضى خمسة وثلاثين قرنًا، وهو قوله تعالى {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثهم إن شئتم} (سورة البقرة 223)(13). ولم يعلق المُتَرْجِم(14) على هذا.
كما يقول برستيد “إن كاتبًا في أحد مخازن الخزانة في جبانة طيبة ” يدعو آمون فيقول: الذي يأتي إلى الصامت، وفي القرآن الكريم “وإذ سألك عبادي عنى فإني قريب أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون” (سورة البقرة 186)(15).
ويقول برستيد أيضًا (مقارنًا بين بعض ما جاء في الحضارة الفرعونية وما جاء في القرآن والأحاديث) إن الحكيم المصري يحذر ابنه الشاب من المعاملات ذات الوجهين قائلًا “لأن الله يمقت الرجل صاحب القول الكاذب.. وأكبر ما يمقته الرجل ذو القلبين، وجاء ذم المرآة في القرآن الكريم في مناسبات منها ” فويل للمصلين: الذين هم عن صلاتهم ساهمون. الذي هم يراءون” (سورة الماعون 3 – 6) وفي الحديث أيضًا كثير، ومنه: ملعون ذو الوجهين”(16).
ويعلق نيافة الأنبا بولا أسقف طنطا على هذا قائلًا “إن من يقبل هجوم مثل هؤلاء على الكتاب المقدَّس عليه أن يقبل هجومهم على القرآن الكريم وإذا قبل هذا وذاك فنحن لا نقبله “.
_____
(1) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص13.
(2) المرجع السابق ص33، 34.
(3) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص410.
(4) تاريخ الشرق الأدنى القديم – تاريخ اليهود (مذكرة كلية الآداب – جامعة الإسكندرية 1972م) ص306.
(5) المدخل إلى الكتاب المقدَّس ج1 ص 431.
(6) قصة الخلق أو ينابيع سفر التكوين ص147.
(7) جيمس هنرى برستيد – ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص272، 273.
(8) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص262، 263.
(9) المرجع السابق ص283.
(10) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص286.
(11) راجع فجر الضمير ص287.
(12) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص8.
(13) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير147.
(14) الدكتور سليم حسن.
(15) المرجع السابق ص237.
(16) المرجع السابق ص350، 351.
