الوسم: مصادر التوراة
هل تعرضت التوراة الحالية للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
هل تعرضت التوراة الحالية للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
313- كُتبت التوراة باللغة العبرية القديمة بأحرف أبجدية خالية من التشكيل والحروف المتحركة والتنقيط، وإن هذه اللغة خرجت عن الاستعمال الحي في القرن السادس قبل الميلاد، وعندما جاء المأزوريون (500 – 900 م) وضعوا التنقيط والتشكيل.. ألا تكون التوراة الحالية قد تعرضت للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
يقول فراس السواح ” وبما أن التوراة عبارة عن نصوص بالغة القدم كُتبت أصلًا بأحرف أبجدية خالية من الحركات والضوابط، ولأن لغة هذه النصوص خرجت عن إطار الاستعمال العام من زمن يعود إلى ما قبل القرن السادس والخامس قبل الميلاد.. فأنه لا يمكن لأحد أن يعرف كيف كانت هذه اللغة تلفظ وتصوَّت في الأصل لدى الشعب الذي تكلمها.. فأن النص المكتوب بالأحرف الساكنة للتوراة العبرية وصل إلينا من القدم دون أن يُمس تقريبًا، رغم أن إدخال الحركات والضوابط عليه، بصورة اعتباطية في أحيان كثيرة، قد غيَّر إعراب الجُمل وحوَّر المعاني، وأدخل على النص تحريفات هي أضخم بكثير مما يتصوَّره علماء التوراة. ذلك أن عمل الماسوريين قد بدأ بعد مضي ألف سنة على الوقت الذي كانت فيه العبرية لغة حيَّة ومتداولة”(1)(2).
ج:
1- لم ينقطع الشعب اليهودي عن قراءة التوراة سواء قبل السبي أو خلال فترة السبي أو بعد العودة من السبي، ولم يجدوا أي صعوبة في القراءة، فلا يصح الحكم على المرحلة قبل اختراع التشكيل والحروف المتحركة والتنقيط بمعيار اليوم، فبالرغم من أنه لم يكن هناك تشكيل ولا تنقيط لكنهم أجادوا القراءة باللغة العبرية، وهذا ما فعله عزرا الكاتب الماهر “وقرأوا في السفر في شريعة الله ببيان وفسروا المعنى وأفهموهم القراءة” (نح 8: 8) وحتى عندما دخل السيد المسيح له المجد مجمع الناصرة “فدفع إليه سفر إشعياء. ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبًا فيه روح الرب على..” (لو 4: 17 – 20).
ويقول جوش مكدويل ” كانت المخطوطات اليونانية تكتب بدون فواصل بين الكلمات، بينما كانت النصوص العبرية تكتب بدون حروف علَّة حتى أضافها المازوريون بين القرن الخامس والقرن العاشر الميلادي. وقد يبدو هذا مستغربًا بالنسبة للقارئ الحديث، ولكن بالنسبة للقدماء ممن كانوا يتحدثون اليونانية أو العبرية كان هذا أمرًا عاديًا، وكانت الكتابات مفهومة وواضحة، ولم يكن اليهود بحاجة إلى كتابة حروف العلَّة إذ أنهم تعلموا لغتهم وتعلموا كيف ينطقونها ويفسرونها. كذلك لم يكن لدى الشعوب المتحدثة باليونانية أي مشكلة في قراءة لغتها بدون مسافات فاصلة بين الكلمات”(3).
2- تم ترجمة العهد القديم في القرن الثالث قبل الميلاد من اللغة العبرية لليونانية لغة العالم كله، كما تُرجم العهد القديم أيضًا للغة الآرامية خلال المرحلة الأخمينية.
3- لم توضع التوراة في ركن مهمل، بل كان يوجد منها مئات النسخ التي انتشرت في طول البلاد وعرضها، وكانت في كل مجمع من مجامع اليهود، وكانت محل اهتمام كل اليهود وموضع دراستهم العميقة، ولا ننسى مثلًا “الهكسابلا” ذلك العمل العظيم الذي قام به العلامة أوريجانوس في القرن الثالث الميلادي، إذ وضع العهد القديم في ستة أعمدة تشمل:
1- النص العبري بحروف عبرية.
2- النص العبري بحروف يونانية.
3- الترجمة السبعينية.
4- ترجمة أكويلا.
5- ترجمة ثيؤدوثيون.
6- ترجمة سيماخوس.
4- الدكتور سيد القمني الذي قال بأن غياب التشكيل والتنقيط والحروف المتحركة أدى إلى لبس وأخطاء، يعترف بأنه قد تم معالجة هذا الأمر على أيدي الحشمونيين في القرن الثاني قبل الميلاد، فقال ” مدونات التوراة قد ظلت زمانًا طويلًا خالية من التنقيط والتشكيل، إضافة إلى اختلاف النطق في الحروف العبرية ذات المخرج الواحد: الشفاه، الأسنان، الحنجرة، اللسان، الحلق، مع غياب الأزمنة.. ناهيك عن غياب الحروف المتحركة، ولم يتم وضع ذلك كله إلاَّ في أيام الحشمونيين قبل الميلاد بحوالي قرنين من الزمان”(4)(5).
5- في مجمع “جامنيا” سنة 90م تم اعتماد النص العبري الساكن من بين عدَّة نصوص وترجمات، وهذا دليل على كفاءة وفاعلية هذا النص، فلو كانت ثمة مشاكل متعلقة بالنص، ما كان هذا المجمع التاريخي أكد على أهمية هذا النص العبري.
6- بدأ المازوريون عملهم نحو سنة 500م، فأنتجوا لنا النص المازوري، وكلمة مازوري مشتقة من كلمة ” مازورا ” أي تقليد، وبذلك وضع المازوريون الصيغة التقليدية لقراءة التوراة، فعندما بدأ المازوريون عملهم كان أمامهم النص العبري، وكان أمامهم ترجمات مختلفة مثل الترجمات اليونانية، السبعينية التي تمت في القرن الثالث قبل الميلاد، وترجمة أكويلا وترجمة سيماخوس وترجمة ثيؤدوسيون ويرجع كل منهم للقرن الثاني الميلادي، وأيضًا الترجمات السريانية مثل ترجمة البشيتا التي يرجع تاريخها للقرن الأول الميلادي، وغيرهم من الترجمات المختلفة.
ويقول فراس السواح ” والحقيقة أن النص العبري المُحرَّك قد اكتمل فعلًا على يد المازوريين في القرن العاشر الميلادي، غير أن النص الساكن قد تم تحريكه بصورة غير مباشرة في وقت مبكر، وذلك عن طريق الترجمة إلى لغة مصوَّته كاليونانية، التي تُرجم إليها أواسط القرن الثالث قبل الميلاد.. ولإعطاء مثل مبسط عما نعنيه بالتصويت غير المباشر، نقول أن كلمة ” كتب ” باللغة العربية، إذا وردت هكذا بدون تحريك وإلى جانبها ترجمتها الإنجليزية ” Wrote ” فإن الكلمة تعني الفعل ” كَتَبَ ” لا ” كُتبْ ” كجمع لكلمة كتاب.. لقد كان بين أيدي المازوريين عدد لا بأس به من الترجمات إلى لغات مصوَّتة ترشدهم في مواضع الأشكال، وهذه الترجمات قد صيغت في وقت مبكر كان خلاله واضعوها على صلة مباشرة باللغة الحيَّة أكثر من زملائهم المازوريين”(6).
ويقول جوش مكدويل ” المازوريون هم علماء اليهود الذين قاموا فيما بين 500-900 م. بإخراج الشكل النهائي لنص العهد القديم.. أولًا: لوضع نظام ثابت للنص الذي يعتمد على الحروف الساكنة، وثانيًا: لوضع نظام ثابت للترقيم واستخدام حروف العلَّة لضبط عملية النطق والقراءة.. وقد أُطلق عليهم اسم المازوريين لأنهم قاموا بحفظ التقليد الشفهي (المازورا) مكتوبًا..
وهناك مدرستان أو مركزان رئيسيان للنشاط المازوري -مستقل أحدهما عن الآخر- المدرسة البابلية والمدرسة الفلسطينية، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وأشهر المازوريين هم علماء اليهود الذين عاشوا في طبرية بالجليل، موسى بن أشير (وإبنه هارون) وموسى بن نفتالي في أواخر القرن التاسع والقرن العاشر.
والنص الذي دوَّنه ابن أشير هو النص العبري القياسي اليوم.. كان المازوريون على درجة عالية من العلم، وتعاملوا مع النص بأقصى درجات الاحترام والتبجيل ووضعوا نظامًا معقدًا لحفظه من زلات الكهنة، فعلى سبيل المثال قاموا بإحصاء عدد المرات التي ورد فيها كل حرف من حروف الهجاء في كل سفر، وحدَّدوا الحرف الأوسط من الأسفار الخمسة الأولى، والحرف الأوسط في الكتاب المقدَّس العبري كله، كما قاموا بحسابات أخرى أكثر دقة وتفصيلًا من هذه، ويقول ” ويلر روبنسون ” أنهم أحصوا كل ما هو قابل للإحصاء، وقد ألَّفوا عبارات قصيرة تيسر لهم تذكر الإحصاءات المختلفة”(7).
7- عندما قابل علماء اللغات التراجم القديمة لليونانية والسريانية واللاتينية والقبطية والأرمينية والحبشية والعربية.. إلخ لم يجدوا أية اختلافات إلاَّ في أمور عرضية، فمثلًا قد تجد اللفظ مُعرَّفًا وفي الأخرى بلا تعريف، أو يرد الحديث في بعضها بلفظ الفعل وفي غيرها بلفظ الاسم، أو وجود حرف العطف في الواحدة وحذفه في الأخرى(8).
8- أقول لأخوتي من الكتَّاب المسلمين الذين يهاجمون العهد القديم الذي طالما شهد له القرآن.. لماذا لم تسألوا أنفسكم: هل مشكلة التنقيط واجهت القرآن أيضًا أم لا..؟ لا أظن أنهم يجهلون إن تنقيط القرآن تم بعد كتابته بمائة وخمسين سنة، وكانت الصعوبة أكثر بما لا يقاس بالنسبة لتنقيط العهد القديم.. لماذا؟ لأن علماء اليهود عندما شكَّلوا الحروف ووضعوا عليها التنقيط لم يكن أمامهم النص منفردًا، بل كما رأينا كان أمامهم أيضًا الترجمات المختلفة إلى لغات حية، ولذلك تلاشى احتمال الخطأ تمامًا. أما القرآن فلم تتوفر له هذه الفرصة، ولذلك وقف علماء المسلمين أمام نص عثمان بمفرده، لأنه قد سبق حرق قرآن عبد الله بن مسعود، وكذلك قرآن أبي بن كعب، وقرآن علي بن أبي طالب، وقرآن ابن عباس.
كما إنه لم يكن مسموحًا بترجمة نصوص القرآن لأي لغة أخرى، وأترك الحكم لما جاء في صحيح البخاري ” حدثنا موسى حدثنا إبراهيم حدثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيقة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي (أي يقوم بغزوة) أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيقة اختلافهم في القراءة، فقال حذيقة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفظة، أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليكِ، فأرسلت بها حفظة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف من المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفظة، وأرسل إلى كل أفق بصحف ما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرَق“(9).
_____
(1) راجع أيضًا دكتور سيد القمني – قصة الخلق أو منابع سفر التكوين ص 8، 9.
(2) الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم ص 8، 9.
(3) برهان يتطلب قرارًا ص 65.
(4) د. حسن حنفي – هوامشه على ترجمة لكتاب اسبينوزا – رسالة في اللاهوت والسياسة – مراجعة د. فؤاد زكريا ص 38.
(5) قصة الخلق أو منابع سفر التكوين ص 128، 129.
(6) الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم ص 215، 216.
(7) برهان يتطلب قرارًا ص 114، 115.
(8) راجع القس صموئيل مشرقي – مصادر الكتاب المقدَّس ص 85.
(9) صحيح البخاري جـ 3 ص 225، 226.
هل تعرضت التوراة الحالية للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
هل أخذت التوراة من أدب وأساطير الحضارة الفرعونية؟
هل أخذت التوراة من أدب وأساطير الحضارة الفرعونية؟
269- هل أخذت التوراة من أدب وأساطير الحضارة الفرعونية؟
يرى “جيمس هنرى برستيد” James Henry Breasted أن التوراة أخذت من الأدب المصري القديم فيقول “أن التقدم الاجتماعي والخلقي الناضج الذي أحرزه البشر في وادي النيل الذي يُعد أقدم من التقدم العبري بثلاثة آلاف سنة، قد ساهم مساهمة فعالة في تكوين الأدب العبري الذي نسيمه نحن “التوراة ” وعلى ذلك فإن إرثنا الخُلقي مشتق من ماضِ إنساني واسع المدى أقدم بدرجة عظيمة من ماض العبرانيين، وأن هذا الإرث لم ينحدر إلينا من العبرانيين بل جاء عن طريقهم.
والواقع أن نهوض الإنسان إلى المُثل الاجتماعية قد حدث قبل أن يبدأ ما يسميه رجال اللاهوت بعصر الوحي بزمن طويل”(1).
كما يقول برستيد مؤكدًا نفس المعنى “يجب علينا إذًا أن نمهد أذهاننا إلى قول الحقيقة القائلة بأن الإرث الخلقي الذي ورثه المجتمع المتمدين الحديث يرجع أصله إلى زمن أقدم بكثير جدًا من زمن استيطان العبرانيين فلسطين، وإن ذلك الإرث قد وصل إلينا من عهد لم يكن فيه الأدب العبراني المدوَّن في التوراة قد وُحِد بعد”(2).
وأيضًا يقول برستيد “فكما أننا نجد الأدب الأوروبية الحديثة قد نمت مشبَّعة بما ورثناه من قديم أدب الإغريق والرومان، كذلك كان محتمًا أن يتأثر العبرانيون في فلسطين كل التأثر في أفكارهم وكتابتهم بآداب تلك الأمة العظيمة (مصر) التي قبضت على زمام فلسطين ووضعتها تحت سيطرتها الثقافية والسياسية.. وعلى ذلك فإن تراثنا الخُلقي الديني العظيم المُلهم الذي انحدر إلينا من العبرانيين يمكن التسليم بصفة قاطعة بأنه ميراث مزدوج:
فهو أولًا: قد تكوَّن من خبرة بضعة آلاف من السنين مارسها الشرق الأدنى القديم وبخاصة مصر، قبل ظهور الأمة العبرانية.
وثانيًا: أن تلك الخبرة قد رسَّخت قدميها بشكل مدهش وزيد عليها بما اكتسبه العبرانيون أنفسهم من التجارب الاجتماعية المتواصلة، على يد أولئك الأنبياء والحكماء الإسرائيليين”(3).
ويقول د. محمد بيومي “لقد رأينا فيما سبق أن العبرانيين قد اعتمدوا إلى حد كبير في أساطيرهم وقوانينهم على الحضارة السومرية والبابلية، أما في الأدب والأخلاق والدين والتفكير الاجتماعي بوجه عام، فقد اعتمدوا فيه – إلى حد كبير – على الحضارة المصرية.. فإن الإسرائيليين منذ بدء تاريخهم -كما تصوَّره توراتهم- وحتى السبي البابلي وكتابة التوراة إبانه، لم يبتعدوا أبدًا عن التأثير المصري في كل المجالات الفكرية والمادية، ومن هنا كان التأثير المصري في التوراة وفي العبادات ومجالات الحياة الأخرى الإسرائيلية”(4).
ويرى الخوري بولس الفغالي أن التوراة اغتنت من الأدب المصري القديم، فيقول “هذا بعض الغنى الذي عرفه الأدب المصري خلال ثلاثة آلاف سنة. بهذا الأدب تأثر الشرق كله بما فيه الشعب العبراني. وإن التوراة أخذت الكثير من عالم مصر فاغتنت، وستأخذ من عالم بلاد الرافدين فتجعل كل غنى الشرق القديم في إطار كلمة الله”(5).
وعلى نفس النهج يقول د. سيد القمني “يمكن لأي باحث -بقليل من الجهد- أن يجد في التوراة مآثر مصرية، وأخرى رافدية، وثالثة فينيقية.. ولا يبقى أمام الباحث سوى أن يلقى بنفسه وسط هذه الأحبولة ذات المائة وجه والآلف لون”(6).
ج:
1- نحن نعترف بسمو المبادئ الأدبية التي جاءت في الحضارة الفرعونية، وهذا يرجع لصوت الضمير الذي أودعه الله في الإنسان، فمثلًا جاء في الرواية الأولى من كتاب الموتى، أن المتوفى عند وصوله إلى قاعة الصدق ومثوله أمام الآلهة “يوجه نظره إلى وجه الإله ويقول: سلام عليك أيها الإله العظيم رب الصدق، لقد أتيتُ إليك يا إلهي وجئ بي إلى هنا حتى أرى جمالك. إني أعرف اسمك، وأعرف أسماء الاثنين والأربعين إلهًا الذين معك في قاعة الصدق.. أنظر.. إني لم أرتكب ضد الناس أي خطيئة..
إني لم آت سوءًا في مكان الحق.. وإني لم أعرف أية خطيئة.. إني لم أرتكب أي شيء خبيث.. وإني لم أفعل بما يمقته الإله.. وإني لم أبلغ ضد خادم شرًا إلى سيده.. إني لم أترك أحدًا يتضوَّر جوعًا.. ولم أتسبب في بكاء أي إنسان.. إني لم أرتكب الزنا.. إني لم أرتكب خطيئة تدنس نفسي.. إني لم أخسر مكيال الحبوب.. إني لم أنقض المقياس.. إني لم أُنقص مقياس الأرض.. إني لم أثقل وزن الموازين.. إني لم أحوّل لسان كفتى الميزان..
إني لم أغتصب ابنًا من فم الطفل.. إني لم أطرد الماشية من مراعاها.. إني لم أنصب الشباك لطيور الآلهة.. إني لم أتصيد السمك من بحيراتهم (أي بحيرات الآلهة).. إني لم أمنع المياه عن أوقاتها.. إني لم أصنع سدًا للمياه الجارية.. إني لم أطفئ النار في وقتها (أي وقت نفعها).. إني لم استولى على قطعان هبات المعبد..”(7).
2- لو كان موسى النبي الذي تحكَّم بكل حكمة قدماء المصريين أخذ من الحضارة الفرعونية، فلماذا لم يأخذ تعدد الآلهة، وتزاوجهم، وتناسلهم، وصراعاتهم؟! فقد تزوجت إيزيس من أوزيريس وأنجبت حورس .
3- لو أخذ موسى من آداب الحضارة الفرعونية، فلماذا لم يأخذ عنها السحر الذي تفشى في معظم مظاهر الحياة..؟ يصوّر جيمس هنري برستيد السحر الذي انتشر في كل مناحي الحياة في مصر، فيقول “ومن الصعب أن يفهم العقل الحديث كيف أن مرافق الحياة جميعها قد تسرَّب إليها الاعتقاد في السحر.. فكانت الأم لا يمكنها أن تهدئ من روع طفلها المتألم المريض وتجعله يضطجع طلبًا للراحة إلاَّ بعد الاستنجاد بالقوة الخفية لتقوم بتخليص الطفل من المرض ومن الحسد ومن سلطان أشباح الشر..
ونستطيع أن نسمع صوت الأم وهي تنحني على طفلها وتختلس النظر خلال ذلك الباب المفتوح في ظلمة المسكونة بقوى الشر هذه، وتقول.. هل أتيت لتلحق به ضررًا؟ إني لن أسمح لك بأن تضره.. هل أتيت لتأخذيه؟ إني لن أسمح لك بأن تأخذيه منى”(8).
كما استخدم المصري القديم الرقية السحرية التي تثبت براءته أمام محكمة العدل بعد موته، حتى قال برستد “وقد كان في مقدور الميت أن يحصل حتى على صيغة سحرية شديدة القوة والتأثير لدرجة تجعل ” إله الشمس “-الذي يعتبر القوة الحقيقية الكافية وراء تلك المحاكمة – يسقط من سماواته في النيل إذ لم يُخرج ذلك الميت برئ الساحة تمامًا في المحاكمة”(9)
كما يصف برستيد كتاب الموتى قائلًا أنه ليس “إلاَّ مثالًا آخر لأحكام الطرق السحرية بقصد تحسين أحوال الحياة الأخرى، والواقع أن كتاب الموتى نفسه -على وجه عام- ليس إلاَّ مثلًا مركَّبًا بعيد المرمى يوضح مدى اعتماد القوم المتزايد على السحر في الحياة الأخرى”(10).
وقد استغل كهنة ذلك العصر الفرصة لابتزاز أموال الناس، فضاعفوا من أخطار الآخرة وأهوالها، وادَّعوا أن في مقدورهم إنقاذ المتوفى عن طريق التعاويذ المختلفة التي تنجيه من فقدان فمه أو رأسه أو قلبه، وتعاويذ أخرى تساعده على استذكار اسمه، ومنها ما يمنع الماء الذي يشربه من أن يتحول إلى لهيب(11).
4- كثير من كتبة الأسفار المقدَّسة من البسطاء الذين لم يطَّلعوا على الحضارات الأخرى، ولم يجوبوا الأرض شرقًا وغربًا، ومعلوماتهم عن الحضارة المصرية بسيطة وهامشية، حتى الأنبياء الذين عاشوا في بابل وقت السبي لم يظهر في كتاباتهم أي تأثر بالأدب البابلي ولا المعتقدات البابلية، بل جاءت كتاباتهم منسجمة تمامًا مع كتابات الأنبياء الأولين الذين لم يذهبوا للسبي، وبذلك نقف خشوعًا أمام كتاب عجيب فريد له روح واحد، بلا أدنى تضارب ولا تناقض، وروح الله القدوس الذي نطق على أفواه الأنبياء وعزف على قيثارتهم، لم يكن فقيرًا يحتاج للاقتباس من الأدب المصري القديم أو غيره.
5- لا يمكن قصر أهمية العهد القديم على الأدب الأخلاقي فقط، ونغفل التاريخ المقدَّس للشعب المختار ومعاملات الله معه، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فالعهد القديم يحدثنا عن تاريخ البشرية جمعاء من خلقة فريدة، وحياة في الفردوس، وسقوط، وافتقاد الله لنا بالأنبياء. فضلًا عن مئات النبوءات التي وضعها الروح القدس على أفواه الأنبياء تخبرنا عن الخلاص المرتقب.. حقًا إن العهد القديم هو طريق النفس البشرية لله، وكم حوى من كنوز خلت منها كتب العالم كله؟!
6- الذين ينكرون الوحي الإلهي في التوراة مثل برستيد، من السهل عليهم أن يجعلوا الأدب هو محور الكتاب المقدَّس، وينظرون إليه ككتاب أخلاقي فقط، اقتبس من الحضارات المصرية والبابلية وغيرهما، والحقيقة أن عظمة الكتاب المقدَّس تتجلى في أنه الكتاب الوحيد المُوحى به من الله، فهو كتاب ذو طبيعة مزدوجة، إلهية وبشرية، هو نتاج شركة بين روح الله القدوس ورجال الله الذين دونوه..
أي حضارة بشرية تطوَّرت بفعل العقل، وأي أدب بشرى هو نتاج العقل وحده. أما الكتاب المقدَّس فيتميز بالجانب الإلهي، ولذلك حوى الأدب الرفيع الراقي بدون أية شوائب، بينما الأدب البشرى شابته النقائص والأخطاء.
7- لا يمكن أن نقبل رأى النقاد كأمر مسلَّم به، فمثلًا اعتقد برستيد أن عمر الإنسان على الأرض مليون سنة فيقول “أن الإنسان بصفته أقدم المخلوقات صنعًا للآلات، كان مُجدًا في صنع أسلحة منذ نحو مليون سنة، في حين أن الضمير لم يبرز في شكل قوة اجتماعية إلاَّ منذ مدة لا تزيد عن خمسة آلاف سنة”(12)..
لقد أنبهر برستيد بالحضارة الفرعونية لأنها تقدمت في زمن قصير يُقدَّر بنحو خمسة آلاف سنة، بينما عمر الإنسان على الأرض منذ مليون سنة، دون تقدم، وهذا يخالف الحقيقة، لأن كل عمر الإنسان على الأرض لا يتجاوز سبعة أو ثمانية آلاف سنة، فالعصر الجليدي ساد على الأرض منذ نحو عشرة آلاف سنة فقط.
8- ادَّعى بعض الأخوة المسلمين أن التوراة أُخذت من الحضارة المصرية القديمة لوجود بعض التشابهات بينهما، لماذا لم يطبقوا هذا على القرآن مع وجود تشابهات بينة، وبين الحضارة المصرية، وقد ضرب جيمس هنرى برستيد بعض الأمثلة على تلك التشابهات
فقال “يقول ذلك الوزير المسن العاقل (بتاح حتب) إن الزوج الكيَس هو الذي يجعل زوجته سعيدة أولًا بالمحبة التي تلزمه أن يفسح لها في قلبه الاعتبار الأول، ثم يأتي بعد ذلك بمستلزمات الجسم من غذاء وملابس، ثم بالكماليات كالعطور والدهان، فنراه يقول {اجعل قلبها فرحًا ما دمت حيًا، فهي حقل مثمر لسيدها} وهذه الملاحظة الأخيرة قد سبقت ما جاء في القرآن المُنزَّل على الرسول محمد صلعم بعد مضى خمسة وثلاثين قرنًا، وهو قوله تعالى {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثهم إن شئتم} (سورة البقرة 223)(13). ولم يعلق المُتَرْجِم(14) على هذا.
كما يقول برستيد “إن كاتبًا في أحد مخازن الخزانة في جبانة طيبة ” يدعو آمون فيقول: الذي يأتي إلى الصامت، وفي القرآن الكريم “وإذ سألك عبادي عنى فإني قريب أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون” (سورة البقرة 186)(15).
ويقول برستيد أيضًا (مقارنًا بين بعض ما جاء في الحضارة الفرعونية وما جاء في القرآن والأحاديث) إن الحكيم المصري يحذر ابنه الشاب من المعاملات ذات الوجهين قائلًا “لأن الله يمقت الرجل صاحب القول الكاذب.. وأكبر ما يمقته الرجل ذو القلبين، وجاء ذم المرآة في القرآن الكريم في مناسبات منها ” فويل للمصلين: الذين هم عن صلاتهم ساهمون. الذي هم يراءون” (سورة الماعون 3 – 6) وفي الحديث أيضًا كثير، ومنه: ملعون ذو الوجهين”(16).
ويعلق نيافة الأنبا بولا أسقف طنطا على هذا قائلًا “إن من يقبل هجوم مثل هؤلاء على الكتاب المقدَّس عليه أن يقبل هجومهم على القرآن الكريم وإذا قبل هذا وذاك فنحن لا نقبله “.
_____
(1) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص13.
(2) المرجع السابق ص33، 34.
(3) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص410.
(4) تاريخ الشرق الأدنى القديم – تاريخ اليهود (مذكرة كلية الآداب – جامعة الإسكندرية 1972م) ص306.
(5) المدخل إلى الكتاب المقدَّس ج1 ص 431.
(6) قصة الخلق أو ينابيع سفر التكوين ص147.
(7) جيمس هنرى برستيد – ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص272، 273.
(8) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص262، 263.
(9) المرجع السابق ص283.
(10) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص286.
(11) راجع فجر الضمير ص287.
(12) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص8.
(13) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير147.
(14) الدكتور سليم حسن.
(15) المرجع السابق ص237.
(16) المرجع السابق ص350، 351.
أخذت التوراة من أدب وأساطير الحضارة الفرعونية
الاعتراضات على كتابة موسى للتوراة .. والرد عليها – القمص عبد المسيح بسيط
الاعتراضات على كتابة موسى للتوراة .. والرد عليها – القمص عبد المسيح بسيط
الاعتراضات على كتابة موسى للتوراة .. والرد عليها – القمص عبد المسيح بسيط
عن كتاب: التوراة كيف كتبت وكيف وصلت إلينا؟ للقمص عبد المسيح بسيط
نسب النقاد الماديون كتابة التوراة لا لموسى النبى بل لكاتب عبقرى، كما زعموا، متأخر، وافترضوا أنه وجد فى زمن الملك شاول (1053ق.م.) أو داود (1000ق.م.) أو سليمان (950ق.م.)، أو فى زمن الملك الصالح يوشيا (640ق.م.)، أو فى الفترة التى سبقت السبى إلى بابل (586ق.م.)، أو فى أثناء السبى البابلى (586-538ق.م.)، أو فى زمن عزرا الكاتب والكاهن فى القرن الخامس ق.م. … الخ.
كما زعموا أن هذا الكاتب، المزعوم، كان بين يديه سجلات قديمة جاءت من أزمنة بدائية، يرجع بعضها إلى موسى النبى نفسه، ألف منها التوراة الحالية. وكان لكل واحد أو مجموعة من هؤلاء النقاد نظرياتهم وافتراضاتهم التى بنيت على أساس نظرى وعلى مجرد الاستنتاج، والتى بينا بطلانها فى الفصل التاسع.
وقد تصور هؤلاء النقاد أن بعض آيات ونصوص التوراة، التفسيرية، تؤيد وجهة نظرهم.
وهذه اعتراضاتهم واهم النصوص والآيات التى اعتمدوا عليها وردنا العلمى عليها :
1- الاعتراض الأول : افتراض مصادر متنوعة للتوراة :
زعموا أن التوراة كتبت من مصادر متنوعة على رأسها المصدر “الايلوهيمى” الذى يستخدم اسم الله “ايلوهم” والمصدر “اليهودى” الذى يستخدم اسم الله “يهوه” ثم المصدر “الكهنوتى” والمصدر “التثنوى” إلى جانب مذكرات وجزئيات صغيرة كثيرة !! وزعموا أن التوراة تحتوى على روايات متعددة لنفس الحدث الواحد، وروايات متناقضة إلى جانب وجود اختلاف فى اللغة والأفكار, وهذا الزعم، عمليا وأثريا وتاريخيا ودينيا وباطل من أساسه، للأسباب التالية :
- أثبتت الدراسات الأثرية والتاريخية الحديثة، فى الشرق الأدنى، أن هذا الأسلوب، المزعوم، فى كتابة التوراة لا مثيل له فى أدب تلك العصور سواء الدينى أو غير الدينى. كما أثبت اكتشاف الألواح الطينية، والتى ترجع إلى زمن إبراهيم، أن قصص الخليقة والطوفان وبرج بابل التى وردت بها والتى تقترب مع ما جاء فى التوراة بصورة إعجازية بطلان نظرية المصادر المتعددة.
- كما أن افتراضات ونظريات المصادر هى مجرد افتراضات استنتاجيه بنيت على مجرد الافتراض والظن بدون سند أو دليل واقعى أو منطقى سواء من التاريخ أو التقليد أو الآثار أو الإيمان الذين اجمعوا على أن موسى النبى هو كاتب التوراة. وهذه الافتراضات والنظريات متعارضة ومتناقضة للدرجة التى تؤدى إلى رفضها جميعا. إذ لا يعقل أن نترك الحق الظاهر ونجرى وراء أوهام.
- ويستحيل أن نتصور أنه كان لدى الكاتب مصادر عديدة وضعها فى أعمدة متجاورة ثم خلطها أو دمجها معا بمساعدة زيادات أخرى اخترعها ذاتيا ليكون بذلك رواية واحدة !! فهذا لا يتصوره إلا خيال الناقد فقط ولم يحدث بل ويستحيل أن يحدث فى الواقع. وعند النظر إلى ما حاول النقاد أن يصوروا أنها مصادر متعددة، نجد أن كل ما تصوروا أنه مصدر يكون رواية مستقلة، غير كامل وناقص وغير واضح المعانى وأن هناك حذفا فى الأقسام الجوهرية وفجوات لا يمكن تفسيرها والحدث فاقد الاستمرارية وبه أحداث تظهر بلا تعليل أو منطق. والمثال التالى للمصدر الايلوهى الذى تصوره النقاد فى خروج 20:13؛ 31:14 يوضح لنا ذلك :
“فلما أخبر ملك مصر أن الشعب قد هرب … وأخذ ست مائة مركبة ممتازة وجميع مراكب مصر وعلى كل منها ضابط … رفع بنى إسرائيل عيونهم فإذا المصريين ساعون وراءهم فخافوا جدا … وقالوا لموسى أمن عدم القبور فى مصر أتيت بنا لنموت فى البرية. ماذا صنعت بنا فأخرجتنا من مصر. أليس هذا ما كلمناك به فى مصر قائلين دعنا نخدم المصريين فإنه خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت فى البرية … ما بالك تصرخ إلى؟ … فأنتقل ملاك الرب السائر أمام عسكر إسرائيل فسار وراءهم … فكان الغمام مظلما من هنا وكان من هناك ينير الليل … وعطل دواليب المراكب فساقوها بشدة … ورأى إسرائيل المصريين أمواتا على شاطئ البحر …”.
فالجزء الأخير، على الأقل، من هذه الرواية ناقص وأحداثه غير مفهومة ومبهمة فلا نعرف من هو قائل “ما بالك تصرخ إلى؟!” ولا لمن قيلت؟! ولا دواليب من التى عطلت؟! ولا كيف وجد المصريين أمواتا ولا كيف ولا أين ماتوا؟!
ومما يدل على استحالة وبطلان هذه الافتراضات والنظريات هو الرسومات الإيضاحية التى تشبه اللوغاريتمات التي يحاول النقاد استخدامها لتصوير كيفية تكون رواية واحدة من مصادر عديدة فى عصور أتسم أسلوب كتابتها بالبساطة كما أجمع العديد من العلماء على أن بساطة أسلوب التوراة ينفى كل هذه الافتراضات والنظريات الوهمية.
- أن استخدام أسمى الله “ايلوهيم” و”يهوه” لا يدلان على أنهما جاءا من مصدرين مختلفين، بل يدلا على أن لله أسماء وألقاب متعددة تدل على صفاته المتعددة إذ أن “ايلوهيم” يعنى قدرته الكلية و”يهوه” يعنى وجوده المطلق كالواجب الوجود الدائم الوجود علة وسبب كل وجود، كما يعنى لقبه “ايلون” الأعلى، ولقبه “أيل شداى” ضابط الكل.
- وقد تصور النقاد أن فى قول الله لموسى “وأنا ظهرت لإبراهيم واسحق ويعقوب بأنى الإله القادر على كل شئ. وأما باسمى يهوه فلم أعرف عندهم(1)”، ما يعنى أن اسم يهوه لم يكن معروف عند الأباء الأولين. وتصوروا أن هذا يؤيد وجهة نظرهم بأن المصدر اليهودى جاء متأخرا عن المصدر الايلوهيمى. ولكن هذا الزعم باطل، أولاً : لأن كاتب التوراة، موسى النبى، كان يعرف الاسم يهوه جيدا، واستخدامه له فى التوراة لا يدل على مصدر متأخر لأنه هو نفسه الذى استخدم الاسمين معا فى وقت واحد وعصر واحد وكتاب واحد ورواية واحدة. ثانياً : يظهر جليا من سفر التكوين أن الأباء الأولين استخدموا اسم يهوه كثيرا سواء قبل الطوفان(2) أو بعده(3). ولا يعنى قول الله لموسى، هذا، سوى أن الآباء لم يعرفوا اسم يهوه بمعناه ومغزاه برغم استخدامهم له. فلم يكشف الله لهم عن مغزاه كما كشفه لموسى النبى(4). كان الاسم مستخدما منهم ولكن معناه لم يعرف فى زمنهم.
2- الاعتراض الثانى : الزعم بعدم تاريخية محتويات التوراة :
زعموا أن قصص الخليقة والطوفان والأعمال المعجزية لم تحدث تاريخيا وإنما هى مجرد نسخ عبرية مطابقة للأساطير البابلية والفارسية والهندية وغيرها من الأساطير القومية للشعوب.
ولكن البحث العلمى الصحيح يقول أن تشابه ما جاء بالتوراة مع أساطير الشعوب يدل على صحة ما جاء فى التوراة وليس العكس، للأسباب التالية :
1- وردت قصص الخليقة والطوفان فى معظم أساطير الشعوب قديما وحديثا وفى كل قارات الدنيا الست (آسيا وأفريقيا وأوربا وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأستراليا). وعلى سبيل المثال فقد وردت عند البابليين والمصريين والإغريق والهنود وقبائل أستراليا ونيوزلندة وتاهيتى وبورما وسيبيريا وجزر المحيط الهادى وقبائل الهند وسكان الفلبين وقبائل الباجوس والكوميكون والكوركوس بالهند وموندا فى شتانجبور والشريميون فى روسيا والشيلوك فى إقليم النيل الأبيض والايوى بتنجو وقبائل الإسكيمو وسكان المكسيك وقبائل الاسكا وأبيما والديجونيو والهوبى والمتشواكان بالأمريكتين، وغيرهم من القبائل. وذلك إلى جانب الديانات السماوية.
وهذا يدل على صحة وتاريخية مصدر هذه القصص، فقد نشأت فى الأصل وانتشرت عن مصدر واحد، هذا المصدر هو نوح الذى سلم أولاده الثلاثة، سام وحام ويافث، الذين تناسل منهم جميع سكان الأرض(5)، التقليد الذى استلمه عن جده متوشالح عن أخنوخ عن شيث عن آدم. ولما انتشر أحفاد نوح فى الأرض حملوا معهم هذا التقليد، عن الخليقة والطوفان، وبمرور الوقت تحولت قصص الخليقة والطوفان إلى أساطير وإن كانت قد احتفظت بسماتها الرئيسية وجوهر محتواها الأصلى وهو أن الإنسان خلق من طين وأنه كان هناك طوفان عم الأرض.
وكان بين أحفاد نوح رجال أتقياء لم يتلوثوا بالعبادات الوثنية مثل إبراهيم، خليل الله، الذى خرج، بدعوة من الله، من أور الكلدانيين(6) فيما بين النهرين (العراق القديم)، حاملا معه التقليد الصحيح الذى تسلمه عن جده سام بن نوح وحافظ عليه وسلمه بدوره إلى ابنه اسحق وحفيده يعقوب وأبنائه الاثنى عشر. ثم وصل هذا التقليد إلى موسى النبى عن جده لاوى بن يعقوب ودونه فى كتاب بوحى الروح القدس(7) وأمر الله المباشر له بالكتابة(8).
2- وعلى الرغم من أن هناك تشابها كبيرا بين ما جاء فى التوراة وبين هذه الأساطير، وبصفة خاصة البابلية، فهناك اختلافات واضحة وفروق جوهرية بينهما تدل على أن كاتب التوراة لم يستعن بأى من هذه الأساطير بالمرة. إذ تقول هذه الأساطير بتعدد الآلهة وتناحرها وتصارعها، كما تقول أن الأرض والسماء قد ظهرتا فى الوجود ولم يخلقا ولا تقول أن الله هو خالق الكون وعلته ومبدعه، بينما تقول التوراة أن الله واحد ولا يوجد إله أو آلهة معه، لا شريك له، فهو السرمدى، الأزلى الأبدى، واجب الوجود الدائم علة وسبب وخالق كل وجود.
كما تمتلئ الأساطير بالخرافات اللامعقولة وغير المنطقية وبصف خاصة حيت تقول بوجود علاقات جنسية وتناسلية بين الآلهة، فهناك الإله الذكر والالاهة الانثى، بل وتقول بوجود علاقات من هذا النوع بين الآلهة والبشر!! بينما تقدم لنا التوراة رواية منطقية بسيطة، خالية من التعقيد والخرافة، وقد اتفق معها معظم الفلاسفة والمفكرين إلى جانب الإنجيل والقرآن. ويؤيد ذلك مسز موندر عالمة الآثار البابلية الشهيرة والتى تقول : “أن من يقول بأن كاتب سفر التكوين قد تأثر بالأفكار البابلية يحكم على نفسه بالجهل بتلك الأفكار”.
3- وقد أثبتت أدق النتائج المؤكد للحفريات والبحث الجيولوجى، حتى الآن، اتفاق كبير مع قصة الخلق ونشأة الكون كما جاءت فى التوراة، كما أثبتت حقيقة وصحة ما جاء فى التوراة عن الطوفان.
4- وأثبتت الاكتشافات الأثرية الكلدانية، والتى تتفق مع ما جاء فى التوراة بصورة إعجازية، أن قصص الخليقة والطوفان … الخ قد وجدت فى شكل مكتوب من قبل عصر إبراهيم الذى عاش حوالى 2000 سنة ق.م. أى قبل موسى النبى بأكثر من 500 سنة. وقد يرجع هذا الاتفاق الإعجازي بين ما جاء من الآثار الكلدانية والتوراة إلى أن المصدر الذى استلم منه إبراهيم هذا التقليد هو نفس المصدر الذى استلم منه قدماء الكلدانيين هذا التقليد أيضا.
فقد خرج إبراهيم من أور الكلدانيين وكانت منطقة ما بين النهرين (العراق)، والتى تضم أور الكلدانيين وبابل، هى المستقر الأول للجنس البشرى بعد الطوفان(9). وهذا يدل على أن موسى هو كاتب التوراة، بل ويرى العلماء أن هناك احتمال أن يكون موسى قد اطلع على هذه الكتابات قبل إعداد عمله العظيم أو أنه كان بين يديه تقليد مكتوب جاءه من إبراهيم الذى تسلمه من أجداده، وبصفة خاصة جده سام، وكان معه عندما خرج من أور الكلدانيين.
3- الاعتراض الثالث : الزعم بوجود معلومات خاطئة عن مصر :
زعم النقاد أن كاتب التوراة لو يرى مصر وأن معلوماته عنها عرفها بالسماع وغن كانت له معرفة بها، ودليلهم على ذلك أنه ارتكب خطأ عندما قال أن المصريين كانوا، فى زمن موسى، يبنون بالطوب الأحمر(10) “اللبن brick” مثل البابليين بدلا من الأحجار وانهم كانوا يستخدمون “حمير وجمال(11)” أيام إبراهيم مثل العرب وانهم كانوا يزرعون الكروم أيام يوسف(12) بالرغم من أن الكروم لم تزرع فى مصر إلا فى حكم بسماتيك بعد موسى بحوالى 800 سنة وبعد يوسف بحوالى أكثر من 1000 سنة.
وقد بينا فى الفصل السابق أن كاتب التوراة لا يمكن أن يكون غير موسى الذى ولد وتربى وعاش كل حياته فى مصر وشبه جزيرة سيناء وأن معلوماته عن مصر هى معلومات مصرى 100% لدرجة أن النقاد أنفسهم اعترفوا بأنه كان كاتب التوراة معرفة بأحوال وعادات وقوانين وديانة ومناخ وجغرافية مصر حتى أن أحدهم ذكر خمسة وعشرين مثالا على الأقل على أن معلومات الكاتب كانت صحيحة.
وقد أثبت البحث العلمى (الأثرى والتاريخى)، حتى الآن، صحة كل ما جاء فى التوراة وخطأ النقاد وبعدهم عن الصواب، فقد بينت المواد الأثرية التى جمعت ودرست بعد فك رموز اللغة الهيروغليفية أن كل ما جاء فى التوراة عن مصر صحيح بنسبة 100%، فأثبتت أن الحمير كانت من الحيوانات التى استخدمت فى مصر من قبل إبراهيم، وأن الجمال كانت موجودة ومستخدمة فى مصر قبل إبراهيم بحوالى 1000 سنة، إذ وجد فى رمال مصر سنة 1935 جمجمة جمل ترجع لسنة 2000ق.م. وحبل من شعر جمل يرجع لسنة 2500ق.م.
وقطعة فخار تحمل صورة راس جمل ترجع لسنة 3000ق.م. كما أثبتت الآثار، أيضا، أن المصريين القدماء كانوا يستخدمون الأحجار فى بناء المعابد والقصور الكبيرة بينما كانوا يستخدمون الطوب اللبن فى بناء المقابر وبيوت السكن وحوائط المدن بل وقد وجدث أمثلة على استخدامه فى أهرامات. كما أثبتت الدراسات الدقيقة شهادة المؤرخ الإغريقي هيردوتس (37:2) أن الخمر كان فى أيام يوسف هو امتياز الطبقة الكهنوتية، وتصور الآثار الكروم والعنب.
وهكذا كل يوم يثبت صحة كل ما جاء فى التوراة وخطأ النقاد الماديين.
4- الاعتراض الرابع : الكلام عن موسى بضمير الغائب :
زعم النقاد أن موسى النبى متكلم عنه دائما فى التوراة بضمير الغائب وصيغة الغائب(13) مما يدل على أنه ليس هو كاتب التوراة ويزعمون أنه لو كان هو الكاتب لتكلم بضمير المتكلم.
وقد فات هؤلاء النقاد، أو تجاهلوا، حقيقة أن موسى النبى تكلم واستخدم ضمير وصيغة المتكلم عشرات المرات فى أسفار الخروج واللاويين والعدد والتثنية. أما استخدام ضمير الغائب فلا يدل على أن الكاتب غير موسى، فقد كانت عادة المؤرخين والكتاب العظماء الكلام عن أنفسهم بضمير وصيغة الغائب، وهذه حقيقة أدبية مسلم بها، وكان هذا الأسلوب شائعا فى الكتابة المصرية فى عصر موسى النبى فكان الملوك يحيون ذكرى انتصاراتهم بنقشها على حوائط المعابد وكانوا يستخدمون ضمير الغائب أحيانا وضمير المتكلم فى أحيان أخرى.
فقد كتبت لوحة الكرنك الإحصائية وحوليات تحتمس الثالث التى نشرت فى كتاب “سجلات الماضى” جـ 19:2-18 وكذلك نقش بيانكى ميرامون فى نفس الكتاب (ص 81-104) بضمير وصيغة الغائب. وفى نقش تحتمس الثالث الطويل فى كتاب “سجلات الماضى” جـ 35:2-58 يتكلم بضمير الغائب والمتكلم وكذلك فى حوليات رمسيس الثالث (23:6-70) يتغير الضمير فى 34،50،52،59،69. وكانت النقوش التى وضعها الأفراد فى قبورهم تبدأ بضمير الغائب.
وكتب اكسنوفون وقيصر تواريخهم التى كانوا هم أنفسهم أبطالها بضمير الغائب، وتكلموا عن أنفسهم دائما بضمير الغائب. وكذلك نبوخذ نصر ملك بابل كان يخطب شعبه ويتكلم عن نفسه بضمير الغائب “نبوخذ نصر ملك بابل راعى الشعوب …”. لقد كان من غير الطبيعى أن يكتب أحد التاريخ بضمير المتكلم.
5- الاعتراض الخامس : لا يمكن أن يمدح موسى نفسه :
جاء فى خر 3:11 “وأيضا الرجل موسى كان عظيما جدا فى أرض مصر فى عيون عبيد فرعون وفى عيون الشعب”، وجاء فى عدد 3:12 “أما الرجل موسى فكان حليما جدا أكثر من جميع الناس على وجه الأرض”. وزعم النقاد أن موسى الذى اتصف بالوداعة والتواضع لا يمكن أن يمدح نفسه بهذه الصورة وأن استخدام ضمير الغائب فى هذين النصين يدل على أن الكاتب غير موسى. وقد بينا فى الرد على الاعتراض الرابع، أن الكلام عن موسى بضمير الغائب لا يدل على أن الكاتب غير موسى بل على العكس، فإن موسى قد تكلم عن نفسه فى التوراة بضمير المتكلم وضمير الغائب على السواء.
أما قوله عن نفسه أنه كان “عظيما جدا” و”حليما جدا” فهاتين العبارتين لا تدلان على أن الكاتب غير موسى أو أنهما تعنيان مجرد تمجيد موسى، بل كانت الأولى تعنى “تأثير موسى” الذى أصبح له فى مصر سواء عند فرعون والمصريين أو عند بنى إسرائيل وذلك بسبب الأعمال والمعجزات العظيمة التى صنعها الله بواسطته فى مصر، أنها تعنى تمجيد الله وعمله فى شخص موسى.
وتعنى الثانية وداعة موسى وحلمه بالمقارنة مع قساوة بنى إسرائيل وغلاظة قلوبهم وميلهم الدائم للابتعاد عن الله والارتداد عنه، أنها تعنى حلم موسى وتحمله فى قيادة هذا الشعب القاسى العنيد. ولا يوجد ما يمنع موسى أن يكتب مثل هذه العبارات التى تعبر عن أمر واقع لابد من التعبير عنه(14). ويجب أن لا ننسى أن موسى النبى كتب بوحى الروح القدس وإرشاده، وأنه لم يكتب لجيله فقط بل كتب لفائدة كل الأجيال كقول الوحى “لأن كل ما سبق فكتب كتب لأجل تعليمنا(15)”.
وقد فعل نفس الشئ بولس الرسول عندما قال عن نفسه “أهم خدام المسيح (الرسل). أقول كمختل العقل. فأن أفضل. فى الأتعاب أكثر. فى الضربات أوفر فى السجون أكثر … الخ(16)”.
ولا ننسى أن موسى ذكر كل أخطائه دون أن يبررها مثل قتل المصرى(17) وهروبه من وجه فرعون عقب اكتشاف قتله للمصرى(18) ورفضه، فى البداية قبول المهمة التى أوكلها الله إليه(19) وإهماله عهد الختان(20) وكسره للوحى الشريعة المكتوبين بإصبع الله فى لحظة غضبه(21) واحتقاره لنفسه “من أنا حتى أذهب إلى فرعون؟(22)”. أنه تكلم عن نفسه مادحا عمل الله بواسطته قليلا وذكر أخطاءه كثيرا وبرغم ذلك فقد مدحه يشوع تلميذه الذى أكمل سفر التثنية بصورة لا يمكن لموسى أن يتكلم بها عن نفسه بقوله “لم يقم بعد نبى فى إسرائيل مثل موسى الذى عرف الرب وجها لوجه.
فى جميع الآيات والعجائب التى أرسله الرب ليعملها فى أرض مصر بفرعون وبجميع عبيده وكل أرضه وفى كل اليد الشديدة وكل المخاوف العظيمة التى وضعها موسى أمام أعين جميع إسرائيل(23)”.
6- الاعتراض السادس : الزعم بوجود آثار من تاريخ متأخر عن موسى :
زعم النقاد أن هناك آيات ونصوص إيضاحية وتفسيرية تدل على أنها كتبت بعد موسى النبى. وفيما يلى نعرض هذه الآيات والنصوص والتفسير العلمى الصحيح لها.
1- جاء فى تك 6:12 “واجتاز ابر أم فى الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة. وكان الكنعانيون حينئذ فى الأرض” وفى تك 7:13 “فحدث مخاصمة بين رعاة مواشى ابرآم ورعاة مواشى لوط، وكان الكنعانيون والفريزيون حينئذ ساكنين فى الأرض”. وقد ظن النقاد أن فى قوله “وكان الكنعانيون حينئذ فى الأرض” ما يدل على أن الكنعانيين لوم يكونوا فى الأرض وقت كتابة السفر، وهذا لم يحدث إلا بعد موسى لا فى أيامه.
وقد فات النقاد أن الكنعانيين كانوا فى أرضهم قبل إبراهيم(24)، وفى زمن إبراهيم(25)، وكانوا موجودين أيام موسى(26) وأيام داود(27) وأيام سليمان(28)، كما كانوا موجودين أيام السبى(29) وأيضا أيام السيد المسيح(30).
وقد وضع موسى النبى هذه الجملة للتأكيد على أن هذه الأرض، الأرض الموعودة، أرض كنعان، كانت أرضا مأهولة ولم تكن خالية أو معزولة، بل كانت منطقة كثيفة بالسكان، وهذا ما يعطى للوعدة قوة عظيمة، لأن احتلالها يتطلب طرد السكان منها. وتكرار العبارة فى تك 7:3 “وكان الكنعانيون والفريزيون حينئذ فى الأرض” قصد به موسى النبى أنه لم يكن هناك موضع كاف لمواشى إبراهيم ومواشى لوط وذلك بسبب وجود الكنعانيين والفريزيين بمواشيهم فى الأرض.
2- جاء فى تك 31:36 “وهؤلاء هم الملوك الذين ملكوا فى أرض أدوم قبلما ملك ملك لبنى إسرائيل”. وتصور النقاد أن الكاتب الذى كتب ذلك لابد أن يكون قد عاش تحت حكم الملكية التى تأسست بعد موسى بمئات السنين.
وقد فات هؤلاء النقاد أن الله سبق أن وعد إبراهيم بقوله “وملوك منك يخرجون(31)”، وقال عن سارة “أباركها فتكون أمما وملوك وشعوب منها يكونون(32)”، وقال الله ليعقوب أيضا “وملوك سيخرجون من صُلبك(33)”. وقد سجل موسى النبى هذه الوعود بنفسه فى سفر التكوين وكان عارفا أن الله سيقيم ملوكا لبنى إسرائيل، وهو الذى كتب بنفسه الوصية الخاصة باختيار ملوك بنى إسرائيل “ومتى أتيت إلى الأرض التى يعطيك الرب إلهك وامتلكتها وسكنت فيها. فإن قلت أجعل على ملكا كجميع الأمم الذين حولى. فأنت تجعل عليك ملكا الذى يختاره الرب إلهك من وسط إخوتك تجعل عليك ملكا(34)”.
لقد كان موسى يعرف ويثق أن الوعد سيتحقق، فقد تحققت كل الوعود التى وعد بها الله، وكان يعرف أنه سيكون هناك ملكا على شعبه يوما ما، وعندما كتب الآية التى يحتج بها النقاد كان يقصد، أن الوعد قد تحقق لجزء من أبناء إبراهيم وهم الأدوميون، نسل عيسو بن إبراهيم، وصار لهم ملكا قبل أن يتحقق الوعد، أيضا، لبنى يعقوب “قبلما ملك ملك لبنى إسرائيل”.
3- جاء فى تك 5:40 قول يوسف “لأنى سرقت من أرض العبرانيين”. ويزعم النقاد أن تعبير “أرض العبرانيين” يستحيل استخدامه إلا بعد استيلاء بنى إسرائيل على أرض كنعان بالفعل، وهذا لم يتم إلا بعد موسى لا فى أيامه.
وهذه العبارة صحيحة تاريخيا، برغم مزاعم النقاد. فقد دعى الجزء الجنوبى من فلسطين، والمنحصر حول حبرون، بالأرض التى يعيش فيها العبرانيين. وقد دعى إبراهيم بعد عبوره نهر الفرات وسكناه فى أرض كنعان “العبرانى(35)”، ودعى يوسف عندما جاء إلى مصر “العبد العبرانى(36)”، كما سمى أخوة يوسف “العبرانيين(37)”، ودعيت النساء الإسرائيليات فى مصر “العبرانيات(38)”.
إذا فقد كان إبراهيم واسحق ويعقوب وأحفادهم معروفين بالعبرانيين، وقد عاش إبراهيم وعبيده وأحفاده من بعده إلى أن دخلوا مصر فى عهد يوسف وكانوا معروفين جيدا خاصة من الملوك المجاورين لهم، فقد كان لإبراهيم معهم معاهدات وحروب(39)، وكان أبنه اسحق متحالفا مع ملك جرار(40)، وكان يعقوب وأبناؤه وعبيدهم ذوى قوة ونفوذ وسلطان فى المنطقة وقال الكتاب عنهم “وكان خوف الله على المدن التى حولهم(41)”.
من هذا يتضح أن أسم “عبرانى” و”عبرانيين” و”عبرانيات” كان شائعا منذ أيام إبراهيم فى تلك المنطقة وكان الاسم مرافقا لهم سواء فى استقرارهم أو ترحالهم.
4- جاء فى خر 35:16 “وأكل بنو إسرائيل المن أربعين سنة حتى جاءوا إلى أرض عامرة. أكلوا المن حتى جاءوا إلى طرف أرض كنعان”. ويتصور النقاد أن هذه الفقرة كتبت بعد أن أنقطع المن والمن لم ينقطع بالفعل إلا فى زمن يشوع(42) وبعد موسى.
ولكن الكاتب هنا لا يتكلم عن توقف نزول المن أو انقطاعه بل يبين فقط أنهم أكلوا المن مدة أربعين سنة دون أن يذكر متى توقف. وقد عاش موسى بنفسه هذه المدة وكان يعرف أن مدة تيه بنى إسرائيل فى البرية هى أربعين سنة(43)، كما كان يعرف أن المن سيكون طعامهم طوال مدة التيه فى البرية، فقط، وأنه سينقطع بعد ذلك كما جاء فى خطابه الأخير : “وتتذكر كل الطريق التى فيها سار بك الرب إلهك هذه الأربعين سنة فى القفر …
فأذلك وأجاعك وأطعمك المن الذى لم تكن تعرفه(44)” وأمر هرون “خذ قسطا واحدا. وأجعل فيه ملء العمر منا(45)” وذلك للذكرى. كان موسى يعرف أن المن سينقطع بعد دخولهم الأرض الموعودة لذلك طلب من هرون أن يحتفظ بملء العمر “مكيال” للذكرى، لذا فلا يوجد ما يمنع كتابته للفقرة المحتج بها.
5- جاء فى عدد 32:15-36 “ولما كان بنو إسرائيل فى البرية … الخ”. ويفترض النقاد أن هذه الفقرة تدل أنها كتبت بعد أن صارت أيام البرية مجرد ذكرى وبعد أن كانوا مستقرين فى أرض كنعان. وهذه غير صحيح لأن موسى كتب هذه الفقرة فى نهاية حياته عندما كان الشعب معسكرا على أبواب موآب شرق البحر الميت.
6- جاء فى تث 12:2 “وفى سعير سكن قبلا الحوريون. فطردهم بنو عيسو وأبادوهم من قدامهم وسكنوا مكانهم كما فعل إسرائيل بأرض ميراثهم التى أعطاهم الرب”. ويزعم النقاد أن بنى إسرائيل، بحسب هذا النص، كانوا قد استقروا فى الأرض قبل ذلك بزمن.
ولكن أرض ملكية إسرائيل المقصود هنا هى الأرض التى تقع شرق نهر الأردن والتى غزاها بنو إسرائيل بقيادة موسى النبى نفسه وقسمت بين سبطين ونصف “للرأوبينيين والجاديين … ونصف سبط منسى(46)”.
7- الاعتراض السابع : فقرات توحى بأن الكاتب يكتب من فلسطين لا من شرق الأردن :
1- أفترض النقاد أن عبارة “عبر الأردن” التى تتكرر فى عدد 19:32، تث 1:1،5، 8:3، 41-49 تعنى أن الكاتب كان يتكلم من الضفة الغربية التى لم يدخلها موسى النبى عن الضفة الشرقية التى أقام بها موسى. وهذا يعنى أن الكاتب لا يمكن أن يكون موسى بل واحد من الذين عاشوا فى كنعان بالضفة الغربية.
ولكن عبارة “عبر” الأردن يمكن أن يقولها من يعيش على كلا الجانبين من نهر الأردن، فهى تعنى كلا الجانبين بحسب موقع المتكلم، فيمكن لمن كان فى شرق الأردن أو غربه على السواء أن يستخدمها(47). وبالنسبة لموسى الذى كانت يتكلم من شرق الأردن، كانت تعنى، الجانب الآخر، غرب الأدرن. وقد وردت عبارة “عبر الأردن” فى عدد 19:32 لتعنى أن المتكلم يتكلم من سهول موآب شرق الأردن وهو بالتالى يتكلم عن غرب الأردن “أننا لا نملك معهم فى عبر الأردن وما وراء لان نصيبنا قد حصل لنا فى عبر الأردن إلى الشرق(48)”.
كما يشير تك 8:3 إلى شرق الأردن الذى كان بالنسبة لموسى، المتكلم، “هذا الجانب”، كما أنه لا يوجد ما يمنع موسى النبى الذى لم يكتب لجيله فقط بل لكل الأجيال أن يتكلم من موقع سيظهر لبنى إسرائيل بعد دخول كنعان وباسم سيكون معروف منهم، كما لا يوجد ما يمنع أن يستخدم، موسى، التعبير الذى كان يستخدمه سكان الأرض الأصليون بصرف النظر عن الموقع الذى يتكلم منه هو.
2- جاء فى تك 8:12 وشواهد أخرى(49) والتى يشير فيها الكاتب إلى “البحر” فى الغرب و”النقب” فى الجنوب. ويفترض النقاد أن هذين الاتجاهين لا يمكن أن يستخدمهما إلا شخص يقيم فى فلسطين لا فى سيناء.
وقد فات النقاد أن موسى النبى كان يكتب باللغة العبرية للعبرانيين، وكان يكتب الأماكن بأسمائها العلم المعروفة بها لسكان فلسطين بصرف النظر عن موقعه هو منها. فقد كان يتكلم عن أسماء معروفة لسكانها ومواقع عرفها الآباء البطاركة من قبله بأسمائها التى ظلت كذلك بعد دخول كنعان وكان يتكلم عن الاتجاهات بالنسبة للآباء وكذلك بالنسبة لسكان مصر أيضا.
8- الاعتراض الثامن : استخدام أسماء أماكن ومقاييس مع إيضاحات متأخرة :
زعم النقاد أن ذكر أسماء المدن القديمة مقترنة بأسمائها المتأخرة وكذلك المقاييس يدل على أن الكاتب متأخر عن موسى. وهذه أهم الأسماء التى استخدموها وبيان صحتها :
- “بالع التى هى صوغر(50)”. وقد دعى أسم المدينة “صوغر” أيام لوط، أى قبل موسى. وكان الاسمان معروفين جيدا أيام موسى فاستخدمها كقولنا شارع 26 يوليو فؤاد سابقا.
- “عين مشفاط التى هى قادش(51)”. كان الاسمان معروفين جيدا أيام موسى(52).
- “عمق شوى الذى هو عمق الملك(53)”. كان الاسمان معروفين جيدا أيام إبراهيم، ودعى “عمق شوى” بـ “عمق الملك” لأنه، كما يقول العلماء، كان مناسبا للرياضيات الملكية والتدريبات العسكرية، ويرى بعض العلماء أن قصر أو معسكر ملكى صادق كانا به.
- “قرية أربع التى هى حبرون(54)”. كان الاسمان معروفين أيام موسى، فقد كان اسم المدينة قديما “قرية أربع” نسبة إلى رجل عظيم فى العناقيين(55)، ثم دعيت بعد ذلك “حبرون” وهذا الاسم كانت معروفة به جيدا أيام موسى(56).
- “افراتة التى هى بيت لحم(57)”. “افراتة” هو الاسم القديم للمدينة و”بيت لحم” كان اسما معروفا أيام موسى والقضاة بعده(58).
- يتكلم تكوين 14:14 وتثنية 1:34 عن مدينة اسمها “دان”، ويقول النقاد أن أسم المدينة كان فى زمن موسى “لايش(59)”، ويقولون أن هذه المدينة لم تحمل اسم “دان” إلا بعد عصر موسى وبعد انتصار الدانيين الذين أسموها باسم أبيهم “دان”. يقول مورفى Murphy أن دان هو الاسم الأصلى للمدينة والذى تغير تحت حكم الصيدونيين إلى “لايش” واستعيدت بعد ذلك بالغزو. ويرى كثيرون من العلماء أنه من المحتمل ألا تكون هذه “دان” التى غزاها الدنيون بل هى “دان ين” المذكورة فى 2صم 6:24 والتى أشار إليها يوسيفوس (عادات 10:1) وأنها كانت واحدة من منابع الأردن، والتى هى بخلاف لايش. ويقول رافين Raven أنه ليس من الضرورى أن تكون “دان” المذكورة فى تك 14:14 هى لايش بل يحتمل أن تكون مدينة أخرى تحمل نفس الاسم. أما “دان” المذكورة فى تث 1:34 فيجب أن لا ننسى أن كاتب الفصل الأخير من سفر التثنية هو يشوع تلميذ موسى.
- جاء فى خر 36:16 “وأما العمر فهو عشر الايفة” وزعم النقاد أن “العمر” لم يعرف فى زمن موسى.
ويقول العلماء يجب أن نميز بين “العمر” Omer و”الـ homer” الذى جاء فى أزمنة متأخرة. فقد كان “العمر” مقياس مصرى مثل “الايفة” ونظرا لأن “الايفة” كانت أكثر استخداما من “العمر” فقد فسر موسى النبى بالايفة. ويؤكد العلماء استحالة أن تكون عبارة “أما العمر فهو عشر الايفة” إضافة تفسيرية سواء من يشوع أو عزرا للفرق بين “العمر” المصرى الذى كان يعرفه الذين عاشوا فى مصر وخرجوا منها و الـ homer المتأخر.
- جاء فى 13:30، 24:38-26 “نصف الشاقل بشاقل القدس” ويتصور النقاد أن هذه العبارة تعنى أن الهيكل قد أقيم وأوزانه استخدمت لمدة.
ولكن القدس أو المقدس كان يعنى وقت موسى النبى، خيمة الاجتماع أو القدس بخيمة الاجتماع. والشاقل استخدم فى العصور القديمة، قبل اختراع العملة، كمقياس معيارى للوزن. وشاقل القدس كان الوزن المعيارى الذى فى حوزة الكهنة. وكان استخدامه جديدا أيام موسى وقد أوضحته التوراة ثلاث مرات (خر 13:30؛ لا 25:27؛ عد 47:3) ولم يكن قد استخدم قبل موسى النبى.
9- الاعتراض التاسع : جوانب تاريخية تعطى إيحاء بأن الكاتب غير موسى :
جاء فى عدد 14:21،15 “كتاب حروب يهوه” الذى كان موجودا بين يدى كاتب التوراة والذى يوحى بأنه جاء من أزمنة أقدم مع أنه لم يتألف قبل العصر الأخير من رحلات بنى إسرائيل فى البرية مما جعل النقاد يتصورون أن كاتب التوراة متأخر عن موسى.
يدل قدم اللغة العبرية المستخدمة فى النص المقتبس من هذا الكتاب على أنه مكتوب فى زمن موسى ويرى بعض النقاد أنه كتب قبل موسى بقرون عديدة ويرى بعضهم، أيضا، أنه كتب أيام موسى فى السنة الأخيرة من التيه. وقد كان فى إسرائيل شعراء لهم أناشيدهم التى تغنت بانتصاراتهم فى الحروب، وهذا كان شائعا بين قادة إسرائيل (عدد 26:11). وسواء كتب، هذا الكتاب، قبل موسى أو أيامه فقد كان بين يديه واستشهد بهذه الفقرة منه.
والكتاب، كما هو واضح عبارة عن مجموعة من القصائد الشعرية. وهذه الفقرة لا يمكن أن تأخذ كدليل ضد كتابة موسى للتوراة بل على العكس تماما، تؤكد أنه هو كاتب التوراة.
10- الاعتراض العاشر : صيغة “حتى هذا اليوم”:
وردت هذه الصيغة “حتى هذا اليوم”، بصفة رئيسية فى (تك 37:19،8؛ 33:26؛ 33:32؛ 20:35؛ 26:47؛ تث22:2؛ 14:3؛ 8:10؛ 4:11؛ 4:29؛ 6:34). وقد تصور بعض النقاد أنها تدل على زمن متأخر عن موسى النبى.
ويرى العلماء، منهم دى ويت De Wette وكيلKeil وغيرهم، أن هذه العبارة تشرح زمن متغير من سنين قليلة إلى قرون قليلة(60)،وأنها لا يمكن أن تكون من آثار موسى فهى تستخدم فى سفر التكوين دائما لتعبر عن أحداث حدثت قبل موسى النبى بعدة قرون(61). وقد حدث لبس فى استخدام هذه العبارة فى سفر التثنية 14:3 بسبب عبارة “باشان حؤوت يائير إلى هذا اليوم” وسبب اللبس أن مثل هذه العبارة قد وردت فى سفر القضاة 3:10،4 مما جعل بعض النقاد يتصورون أنها مكتوبة بعد موسى النبى.
وبرغم التشابه بين العبارتين فى سفرى التثنية والقضاة إلا أن كل منهما غير ما تعنيه الأخرى. فـ “حؤوت يائير” أى قرى يائير، المذكورة فى سفر التثنية ترجع إلى “يائير بن منسى” الذى كان فى زمن موسى النبى(63)، بينما “حؤوت يائير” المذكورة فى سفر القضاة ترجع إلى يائير القاضى الجلعاوى الذى كان له ثلاثون ولدا ولهم ثلاثين مدينة يدعونها “حؤوت يائير” مثل المذكورة فى سفر التثنية.
11- الاعتراض الحادى عشر : الزعم بوجود تشابه بين سفر التثنية والأسفار المتأخرة :
يرى بعض النقاد أن هناك تشابه كبير بين سفر التثنية وسفر أرميا النبى فى اللغة والأفكار وأسلوب الكتابة، وأن هناك أيضا اختلافا بين سفر التثنية وبقية أسفار التوراة الأخرى، أيضا، فى اللغة والأفكار وأسلوب الكتابة، ويفترضون أن هذا يبرهن على أن السفر قد وجد فى أيام أرميا أن لم يكن ارميا النبى هو كاتبه !!
وللرد على الاعتراض نقول لمثل هؤلاء النقاد ومن سار على دربهم لقد فاتكم الآتي :
- أن هناك تشابها كبيرا وتماثلات كثيرة بين سفر التثنية وبقية أسفار التوراة الأخرى فى اللغة والفكر وأسلوب الكتابة وفى الآيات والنصوص التى حوتها أسفار التوراة الخمسة. ويرجع تفرد سفر التثنية إلى أنه اختص بالأمور التشريعية، القانونية، الناموسية، وقد كتبه موسى النبى فى أيامه الأخيرة وهو على مشارف أرض كنعان وقد سجل فيه آخر خطاباته التى ألقاها على بنى إسرائيل وآخر وصاياه لهم.
- كان فى إمكان موسى الذى قضى أربعين سنة فى قصر فرعون كأمير، وتعلم حكمة المصريين وآدابهم وعلومهم، وأربعين سنة فى البرية كراعى غنم حميه يثرون، وأربعين سنة كقائد للشعب فى البرية يتلقى فيها الوصايا والنواميس من الله مباشرة ويتكلم معه “فما لفم” ويكتب مسوقا من الروح القدس، أن يكتب كلمة الله، بحسب إرادة الله وإرشاد روحه القدس، بأكثر من أسلوب، سواء تعليمى أو كهنوتى أو تشريعى. ومع ذلك فليس موسى النبى وحده هو الذى كتب بأكثر من أسلوب وفى أكثر من موضوع واحد، فهناك العديد من الكتاب الذين كتبوا، قديما وحديثا، بأكثر من أسلوب وفى أكثر من موضوع واحد(63).
- ويرجع وجود تشابه بين سفر التثنية وسفر ارميا إلى أن التوراة كلها أو سفر التثنية وحده قد اكتشف فى الهيكل، أيام حلقيا الكاهن ويوشيا الملك الصالح(64)، وذلك قبل تكليف أرميا برسالته النبوية بقليل.فكان هذا السفر مع بقية أسفار التوراة الأخرى بين يدى أرميا النبى فتأثر به واستشهد بما جاء فيه كما تأثر أيضا ببقية أسفار التوراة الأربعة الأخرى والتى كان لها تأثير واضح على سفره(65).
- ومما يدل على أن سفر التثنية كتب قبل زمن أرميا بمئات السنين وأن كاتبه هو موسى النبى هو وجود السفر بين يدى جميع الأنبياء الذين عاشوا فى الفترة بين أرميا وموسى النبى، فقد تأثروا به واستشهدوا بآياته ونصوص واقتبسوا منه(66).
- وما يدل أيضا على قدم سفر التثنية وأن كاتبه موسى النبى استخدام الكلمات والألفاظ القديمة التى لا مثيل لها إلا فى بقية أسفار موسى الخمسة فقط مثل الضمير “هو” الذى استخدم لكلا الجنسين، المذكر والمؤنث، وتكرر 36 من 195 مرة تكررت فى الأسفار الخمسة، وكذلك كلمة “نعر” التى استخدمت للفتاة كما للفتى ولم تستخدم كلمة “نعرة” المؤنث إلا فى فقرة واحدة فقط(67).
- ويتكلم السفر فى أغلب الأحيان بأسلوب الحاضر (المضارع) عن أحداث كانت مستمرة فى أيام الكاتب(68)، ويعطى المتكلم البركة واللعنة من على جبل جرزيم(69) مما يدل على أن الكابت هو موسى، ويتكلم عن أحداث سوف تحدث فى المستقبل، أى بعد أيام الكاتب، مثل اختيار ملك(70)، ويحدث الرب الشعب فى ص 19 عما يجب أن يفعلوه عند الدخول فى أرض كنعان، وفى معظم أجزاء السفر يتكلم عن نفسه وعن الشعب باعتبارهم موجودين بالفعل فى البرية بخبرات أهل البرية(71).
- كما يدل أسلوب السفر على أن الكاتب كان بين الواقفين على حدود الأرض الموعودة ولم يدخلها وان دخول كنعان واحتلال الأرض كان على وشك الوقوع، وكان أعداءه الرئيسيين الكنعانيون الذين لم يعودوا كذلك فى أيام القضاة، كما يدل أسلوب السفر على أن الكاتب كان من الخارجين من أرض مصر وانه هو موسى النبى تأثره الشديد بمصر وعطفه على الخدم المأخوذين منها وإشارته إلى أمراض خاصة بمصر عند التهديد بالعقوبات(72)، والإشارة إلى الخلاص من مصر عند الوعود(73) وكذلك رفعة مكانتهم التى ستكون فى كنعان بالمقارنة بمصر(74)، وكذلك استخدامه أسلوب مصر فى الكتابة على قوائم المنازل(75) أو على الحجارة(76)، وأيضا العقاب بالعصى (الفلقة)(77)، وطريقة الرى(78)، ووظيفة الكاتب فى الترتيب العسكرى المصرى(79).
ونختم هذا الفصل بالفقرتين التالتين لنوضح أن الكاتب هو موسى النبى الذى كان يكلم أناسا على مشارف كنعان وهم أنفسهم الذين خرجوا من مصر وعاشوا مدة التيه فى البرية : “فالآن يا إسرائيل اسمع الفرائض والأحكام التى أنا علمتكم لتعملوها لكى تحيوا وتدخلوا وتمتلكوا الأرض … أعينكم قد أبصرت ما فعله الرب ببعل فغور(80). أن كل من ذهب وراء بعل فغور أباده الرب إلهكم وأما أنتم الملتصقون بالرب إلهكم فجميعكم أحياء اليوم” (تث 1:4-4)، “ومتى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التى حلف لآبائك إبراهيم واسحق ويعقوب أن يعطيك .. فاحترز لئلا تنسى الرب إلهك الذى أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية … إذا سألك أبنك(81)”.
فهرس الكتاب:
-
الإعلان الإلهى في العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط
-
الأنبياء والإعلان الإلهى – القمص عبد المسيح بسيط
-
الكتابة والعهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط
-
كتاب العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط
-
الوحى – القمص عبد المسيح بسيط
-
ترجمات العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط
-
قانونية أسفار العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط
-
الكتاب المقدس والنقد الحديث – القمص عبد المسيح بسيط
-
التوراة والنقد الحديث – القمص عبد المسيح بسيط
-
النقد النصى وصحة أسفار العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط
-
التوراة العبرية والسامرية والترجمة السبعينية والترجمات الحديثة – القمص عبد المسيح بسيط
-
النقد الأعلى وقانونية أسفار العهد القديم – القمص عبد المسيح بسيط
-
من هو كاتب التوراة ؟ – القمص عبد المسيح بسيط
(1) خر 2:6
(2) تك 1:4؛ 26:5؛ 26:9
(3) تك 22:14؛ 12:15؛ 2:16؛ 30:18؛ 4:20؛ 31:24 … الخ.
(4) حز 2:3-15
(5) أنظر تك 10،11
(6) تك 1:12-3
(7) 2بط 21:1
(8) أنظر ف 4
(9) أنظر تك 30:10
(10) خر 14:1
(11) تك 16:12
(12) تك 9:40،10
(13) وعلى سبيل المثال قوله فى خر 26:6،27 “هذان هما موسى وهرون اللذان قال الرب لهما أخرجا بنى إسرائيل من مصر … هما اللذان كلما فرعون … هذان هما موسى وفرعون”.
(14) يرى فريق من العلماء وبعض أباء الكنيسة مثل ترتليان واكليمندس الاسكندرى وجيروم وغيرهم أن هناك بعض العبارات التفسيرية والتوضيحية التى وضعها عزرا الكاهن والكاتب فى القرن الخامس قبل الميلاد بين أقواس عند مراجعته للعهد القديم دون أن تؤثر على النص الأصلى بأى حال من الأحوال. كما يرى البعض أنه يشوع بن نون أو صموئيل النبى ومدرسة الأنبياء. وجميع هؤلاء الأنبياء كان يوحى إليهم ولهم كتبهم الموحى بها (15-رو 5:4).
(15) رو 5:4
(16) 2كو 23:11
(17) خر 12:2
(18) خر 14:2،15
(19) خر 1:4-3
(20) خر 24:4-26
(21) خر 19:32
(22) خر 11:3
(23) 10:34-12
(24) تك 19:10
(25) تك 6:12
(26) تث 17:20
(27) 2صم 7:24
(28) 1مل 16:9
(29) عز 1:9
(30) مت 22:15
(31) تك 6:17
(32) تك 16:17
(33) تك 11:35
(34) تث 14:17،15
(35) تك 13:14
(36) تك 17:39
(37) تك 32:43
(38) خر 16:1
(39) تك 1:14-24
(40) تك 26:26-30
(41) تك 5:35
(42) يش 10:5-33
(43) عدد 32:14-34
(44) تث 2:8،3
(45) حز 33:16
(46) تث 12:3،13
(47) أنظر تث 20:3،25؛ يش 1:9؛ عدد 1:22؛ 32:32؛ تك 10:50،11
(48) أنظر عدد 1:22
(49) تك 14:28؛ خر 19:10؛ 18:26،22؛ عد 18:2؛ 23:3؛ تث 7:1؛ 27:3
(50) تك 2:14،8
(51) تك 7:14
(52) عدد 1:20،16
(53) تك 17:14
(54) تك 2:23
(55) يش 15:14
(56) تك 18:13؛ 2:23،19
(57) تك 19:35؛ 7:48
(58) أنظر تك 19:35؛ 7:48؛ قض 19:17؛ راعوث 11:4
(59) يش 47:19؛ قض 19:18
(60) أنظر تك 13:48؛ خر 6:10؛ عد 39:22؛ يش 3:22
(61) كما فى تك 33:26؛ 20:35،47
(63) عدد 40:32،41
(63) كتب المرحوم د. رؤوف عبيد مراجع ضخمة فى القانون كما كتب مراجع ضخمة فى علم الروحيات والأرواح، أنظر مثلا كتابه الضخم “مفصل الإنسان روح لا جسد”. والقانون عبارة عن نصوص تحكم سلوك المجتمع وتعاقب على الجرائم وعلم الروحيات يبحث فيما وراء الطبيعة ولا علاقة بين هذا وذاك.
(64) 2مل 8:22؛ 2:23؛ 2أى 14:34 … الخ
(65) أنظر مثلا تك 22:1؛ 11:35 مع أر 16:3؛ 3:33؛ تك 15:32،18 مع أر 2:4؛ تك 3:38 مع أر 9:1؛ لا 28:19 مع أر 6:6؛ عد 28:21،29 مع أر 45:48،46
(66) قارن بين ما جاء فى أش 2:1،10،17؛ 11:27؛ 8:41،10؛ 2:42؛ 8:46؛ 1:50؛ 14:58؛ 10:49؛ 8:62 .. الخ مع تث 1:32،32؛ 27:28؛ 28:32؛ 6:7؛ 2:14؛ 6:31؛ 15:32،7؛ 1:24؛ 13:32؛ 29:28،31. وما جاء فى عاموس 6:4-10؛ 11:5؛ 10:4؛ 12:6؛ 14:8؛ 14:9،15 مع تث 15:28 … الخ، 21:28،27،26،30،39؛ 18:29؛ 3:30. وما جاء فى هوشع 14:4؛ 10:5،14؛ 1:6؛ 13:8؛ 13:12؛ 6:13،9 مع تث 17:23،18؛ 14:19؛ 17:27؛ 39:32؛ 18:18؛ 14:8؛ 5:32؛ 26:33.
وما جاء فى 1ملوك 15:8؛ 1:17؛ 40:18؛ 10:21؛ 11:22 مع تث 20:4؛ 16:11،17؛ 15:13،16؛ 5:17،6،7؛ 15:19؛ 17:33؛ 17:21. وما جاء فى 2ملوك 9:2؛ 28:6-30؛ 16:14؛ 6:18 مع تث 17:21؛ 53:28،57،58؛ 16:24؛ 2:10.
وما جاء فى 2صموئيل 6:7، 23:7 مع تث 14:23؛ 8:7. وما جاء فى 1صموئيل 2:2،6،29؛ 1:8؛ 1:10،25؛ 2:15؛ 3:28 مع تث 35:4؛ 39:32،15؛ 18:16؛ 9:32؛ 14:17؛ 17:25؛ 10:18،11.
وما جاء فى قضاة 20:15؛ 2:2،3،15،18؛ 14:4؛ 4:5،8؛ 15:11؛ 3:14 مع تث 36:1؛ 2:7؛ 3:12؛ 16:7؛ 15:28 … الخ، 36:32؛ 3:9؛ 2:33؛ 17:32؛ 9:2،19؛ 3:7. وأيضا ما جاء فى راعوث 2:4-12 مع تث 5:25-10. وأنظر أيضا سفر يشوع الذى هو استمرار طبيعى لسفر التثنية.
(67) تث 19:22
(68) تث 9:25؛ 1:7 … الخ، 17:25؛ 16:20-8؛ 14:17 … الخ، 1:19-10
(69) تث 14:17-20
(70) تث 11:27-26
(71) أنظر ص 1-3؛ 3:4،4؛ 44-49؛ 1:7؛ 1:8؛ 1:9؛ 8:11 … الخ، 31:30؛ 12:13؛ 9:18؛ 1:19؛ 2:27
(72) تث 15:5؛ 15:15؛ 12:16؛ 18:24
(73) تث 27:28،35
(74) تث 15:8؛ 60:28
(75) تث 10:11
(76) تث 20:11
(77) تث 17:28
(78) تث 2:25،3
(79) تث 10:11
(80) تث 5:20
(81) عد 4:25 … الخ.
