الوسم: نسخة من التوراة باللغة العربية
هل تعرضت التوراة الحالية للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
هل تعرضت التوراة الحالية للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
313- كُتبت التوراة باللغة العبرية القديمة بأحرف أبجدية خالية من التشكيل والحروف المتحركة والتنقيط، وإن هذه اللغة خرجت عن الاستعمال الحي في القرن السادس قبل الميلاد، وعندما جاء المأزوريون (500 – 900 م) وضعوا التنقيط والتشكيل.. ألا تكون التوراة الحالية قد تعرضت للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
يقول فراس السواح ” وبما أن التوراة عبارة عن نصوص بالغة القدم كُتبت أصلًا بأحرف أبجدية خالية من الحركات والضوابط، ولأن لغة هذه النصوص خرجت عن إطار الاستعمال العام من زمن يعود إلى ما قبل القرن السادس والخامس قبل الميلاد.. فأنه لا يمكن لأحد أن يعرف كيف كانت هذه اللغة تلفظ وتصوَّت في الأصل لدى الشعب الذي تكلمها.. فأن النص المكتوب بالأحرف الساكنة للتوراة العبرية وصل إلينا من القدم دون أن يُمس تقريبًا، رغم أن إدخال الحركات والضوابط عليه، بصورة اعتباطية في أحيان كثيرة، قد غيَّر إعراب الجُمل وحوَّر المعاني، وأدخل على النص تحريفات هي أضخم بكثير مما يتصوَّره علماء التوراة. ذلك أن عمل الماسوريين قد بدأ بعد مضي ألف سنة على الوقت الذي كانت فيه العبرية لغة حيَّة ومتداولة”(1)(2).
ج:
1- لم ينقطع الشعب اليهودي عن قراءة التوراة سواء قبل السبي أو خلال فترة السبي أو بعد العودة من السبي، ولم يجدوا أي صعوبة في القراءة، فلا يصح الحكم على المرحلة قبل اختراع التشكيل والحروف المتحركة والتنقيط بمعيار اليوم، فبالرغم من أنه لم يكن هناك تشكيل ولا تنقيط لكنهم أجادوا القراءة باللغة العبرية، وهذا ما فعله عزرا الكاتب الماهر “وقرأوا في السفر في شريعة الله ببيان وفسروا المعنى وأفهموهم القراءة” (نح 8: 8) وحتى عندما دخل السيد المسيح له المجد مجمع الناصرة “فدفع إليه سفر إشعياء. ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبًا فيه روح الرب على..” (لو 4: 17 – 20).
ويقول جوش مكدويل ” كانت المخطوطات اليونانية تكتب بدون فواصل بين الكلمات، بينما كانت النصوص العبرية تكتب بدون حروف علَّة حتى أضافها المازوريون بين القرن الخامس والقرن العاشر الميلادي. وقد يبدو هذا مستغربًا بالنسبة للقارئ الحديث، ولكن بالنسبة للقدماء ممن كانوا يتحدثون اليونانية أو العبرية كان هذا أمرًا عاديًا، وكانت الكتابات مفهومة وواضحة، ولم يكن اليهود بحاجة إلى كتابة حروف العلَّة إذ أنهم تعلموا لغتهم وتعلموا كيف ينطقونها ويفسرونها. كذلك لم يكن لدى الشعوب المتحدثة باليونانية أي مشكلة في قراءة لغتها بدون مسافات فاصلة بين الكلمات”(3).
2- تم ترجمة العهد القديم في القرن الثالث قبل الميلاد من اللغة العبرية لليونانية لغة العالم كله، كما تُرجم العهد القديم أيضًا للغة الآرامية خلال المرحلة الأخمينية.
3- لم توضع التوراة في ركن مهمل، بل كان يوجد منها مئات النسخ التي انتشرت في طول البلاد وعرضها، وكانت في كل مجمع من مجامع اليهود، وكانت محل اهتمام كل اليهود وموضع دراستهم العميقة، ولا ننسى مثلًا “الهكسابلا” ذلك العمل العظيم الذي قام به العلامة أوريجانوس في القرن الثالث الميلادي، إذ وضع العهد القديم في ستة أعمدة تشمل:
1- النص العبري بحروف عبرية.
2- النص العبري بحروف يونانية.
3- الترجمة السبعينية.
4- ترجمة أكويلا.
5- ترجمة ثيؤدوثيون.
6- ترجمة سيماخوس.
4- الدكتور سيد القمني الذي قال بأن غياب التشكيل والتنقيط والحروف المتحركة أدى إلى لبس وأخطاء، يعترف بأنه قد تم معالجة هذا الأمر على أيدي الحشمونيين في القرن الثاني قبل الميلاد، فقال ” مدونات التوراة قد ظلت زمانًا طويلًا خالية من التنقيط والتشكيل، إضافة إلى اختلاف النطق في الحروف العبرية ذات المخرج الواحد: الشفاه، الأسنان، الحنجرة، اللسان، الحلق، مع غياب الأزمنة.. ناهيك عن غياب الحروف المتحركة، ولم يتم وضع ذلك كله إلاَّ في أيام الحشمونيين قبل الميلاد بحوالي قرنين من الزمان”(4)(5).
5- في مجمع “جامنيا” سنة 90م تم اعتماد النص العبري الساكن من بين عدَّة نصوص وترجمات، وهذا دليل على كفاءة وفاعلية هذا النص، فلو كانت ثمة مشاكل متعلقة بالنص، ما كان هذا المجمع التاريخي أكد على أهمية هذا النص العبري.
6- بدأ المازوريون عملهم نحو سنة 500م، فأنتجوا لنا النص المازوري، وكلمة مازوري مشتقة من كلمة ” مازورا ” أي تقليد، وبذلك وضع المازوريون الصيغة التقليدية لقراءة التوراة، فعندما بدأ المازوريون عملهم كان أمامهم النص العبري، وكان أمامهم ترجمات مختلفة مثل الترجمات اليونانية، السبعينية التي تمت في القرن الثالث قبل الميلاد، وترجمة أكويلا وترجمة سيماخوس وترجمة ثيؤدوسيون ويرجع كل منهم للقرن الثاني الميلادي، وأيضًا الترجمات السريانية مثل ترجمة البشيتا التي يرجع تاريخها للقرن الأول الميلادي، وغيرهم من الترجمات المختلفة.
ويقول فراس السواح ” والحقيقة أن النص العبري المُحرَّك قد اكتمل فعلًا على يد المازوريين في القرن العاشر الميلادي، غير أن النص الساكن قد تم تحريكه بصورة غير مباشرة في وقت مبكر، وذلك عن طريق الترجمة إلى لغة مصوَّته كاليونانية، التي تُرجم إليها أواسط القرن الثالث قبل الميلاد.. ولإعطاء مثل مبسط عما نعنيه بالتصويت غير المباشر، نقول أن كلمة ” كتب ” باللغة العربية، إذا وردت هكذا بدون تحريك وإلى جانبها ترجمتها الإنجليزية ” Wrote ” فإن الكلمة تعني الفعل ” كَتَبَ ” لا ” كُتبْ ” كجمع لكلمة كتاب.. لقد كان بين أيدي المازوريين عدد لا بأس به من الترجمات إلى لغات مصوَّتة ترشدهم في مواضع الأشكال، وهذه الترجمات قد صيغت في وقت مبكر كان خلاله واضعوها على صلة مباشرة باللغة الحيَّة أكثر من زملائهم المازوريين”(6).
ويقول جوش مكدويل ” المازوريون هم علماء اليهود الذين قاموا فيما بين 500-900 م. بإخراج الشكل النهائي لنص العهد القديم.. أولًا: لوضع نظام ثابت للنص الذي يعتمد على الحروف الساكنة، وثانيًا: لوضع نظام ثابت للترقيم واستخدام حروف العلَّة لضبط عملية النطق والقراءة.. وقد أُطلق عليهم اسم المازوريين لأنهم قاموا بحفظ التقليد الشفهي (المازورا) مكتوبًا..
وهناك مدرستان أو مركزان رئيسيان للنشاط المازوري -مستقل أحدهما عن الآخر- المدرسة البابلية والمدرسة الفلسطينية، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وأشهر المازوريين هم علماء اليهود الذين عاشوا في طبرية بالجليل، موسى بن أشير (وإبنه هارون) وموسى بن نفتالي في أواخر القرن التاسع والقرن العاشر.
والنص الذي دوَّنه ابن أشير هو النص العبري القياسي اليوم.. كان المازوريون على درجة عالية من العلم، وتعاملوا مع النص بأقصى درجات الاحترام والتبجيل ووضعوا نظامًا معقدًا لحفظه من زلات الكهنة، فعلى سبيل المثال قاموا بإحصاء عدد المرات التي ورد فيها كل حرف من حروف الهجاء في كل سفر، وحدَّدوا الحرف الأوسط من الأسفار الخمسة الأولى، والحرف الأوسط في الكتاب المقدَّس العبري كله، كما قاموا بحسابات أخرى أكثر دقة وتفصيلًا من هذه، ويقول ” ويلر روبنسون ” أنهم أحصوا كل ما هو قابل للإحصاء، وقد ألَّفوا عبارات قصيرة تيسر لهم تذكر الإحصاءات المختلفة”(7).
7- عندما قابل علماء اللغات التراجم القديمة لليونانية والسريانية واللاتينية والقبطية والأرمينية والحبشية والعربية.. إلخ لم يجدوا أية اختلافات إلاَّ في أمور عرضية، فمثلًا قد تجد اللفظ مُعرَّفًا وفي الأخرى بلا تعريف، أو يرد الحديث في بعضها بلفظ الفعل وفي غيرها بلفظ الاسم، أو وجود حرف العطف في الواحدة وحذفه في الأخرى(8).
8- أقول لأخوتي من الكتَّاب المسلمين الذين يهاجمون العهد القديم الذي طالما شهد له القرآن.. لماذا لم تسألوا أنفسكم: هل مشكلة التنقيط واجهت القرآن أيضًا أم لا..؟ لا أظن أنهم يجهلون إن تنقيط القرآن تم بعد كتابته بمائة وخمسين سنة، وكانت الصعوبة أكثر بما لا يقاس بالنسبة لتنقيط العهد القديم.. لماذا؟ لأن علماء اليهود عندما شكَّلوا الحروف ووضعوا عليها التنقيط لم يكن أمامهم النص منفردًا، بل كما رأينا كان أمامهم أيضًا الترجمات المختلفة إلى لغات حية، ولذلك تلاشى احتمال الخطأ تمامًا. أما القرآن فلم تتوفر له هذه الفرصة، ولذلك وقف علماء المسلمين أمام نص عثمان بمفرده، لأنه قد سبق حرق قرآن عبد الله بن مسعود، وكذلك قرآن أبي بن كعب، وقرآن علي بن أبي طالب، وقرآن ابن عباس.
كما إنه لم يكن مسموحًا بترجمة نصوص القرآن لأي لغة أخرى، وأترك الحكم لما جاء في صحيح البخاري ” حدثنا موسى حدثنا إبراهيم حدثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيقة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي (أي يقوم بغزوة) أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيقة اختلافهم في القراءة، فقال حذيقة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفظة، أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليكِ، فأرسلت بها حفظة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف من المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفظة، وأرسل إلى كل أفق بصحف ما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرَق“(9).
_____
(1) راجع أيضًا دكتور سيد القمني – قصة الخلق أو منابع سفر التكوين ص 8، 9.
(2) الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم ص 8، 9.
(3) برهان يتطلب قرارًا ص 65.
(4) د. حسن حنفي – هوامشه على ترجمة لكتاب اسبينوزا – رسالة في اللاهوت والسياسة – مراجعة د. فؤاد زكريا ص 38.
(5) قصة الخلق أو منابع سفر التكوين ص 128، 129.
(6) الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم ص 215، 216.
(7) برهان يتطلب قرارًا ص 114، 115.
(8) راجع القس صموئيل مشرقي – مصادر الكتاب المقدَّس ص 85.
(9) صحيح البخاري جـ 3 ص 225، 226.
هل تعرضت التوراة الحالية للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
هل أخذت التوراة من أدب وأساطير الحضارة الفرعونية؟
هل أخذت التوراة من أدب وأساطير الحضارة الفرعونية؟
269- هل أخذت التوراة من أدب وأساطير الحضارة الفرعونية؟
يرى “جيمس هنرى برستيد” James Henry Breasted أن التوراة أخذت من الأدب المصري القديم فيقول “أن التقدم الاجتماعي والخلقي الناضج الذي أحرزه البشر في وادي النيل الذي يُعد أقدم من التقدم العبري بثلاثة آلاف سنة، قد ساهم مساهمة فعالة في تكوين الأدب العبري الذي نسيمه نحن “التوراة ” وعلى ذلك فإن إرثنا الخُلقي مشتق من ماضِ إنساني واسع المدى أقدم بدرجة عظيمة من ماض العبرانيين، وأن هذا الإرث لم ينحدر إلينا من العبرانيين بل جاء عن طريقهم.
والواقع أن نهوض الإنسان إلى المُثل الاجتماعية قد حدث قبل أن يبدأ ما يسميه رجال اللاهوت بعصر الوحي بزمن طويل”(1).
كما يقول برستيد مؤكدًا نفس المعنى “يجب علينا إذًا أن نمهد أذهاننا إلى قول الحقيقة القائلة بأن الإرث الخلقي الذي ورثه المجتمع المتمدين الحديث يرجع أصله إلى زمن أقدم بكثير جدًا من زمن استيطان العبرانيين فلسطين، وإن ذلك الإرث قد وصل إلينا من عهد لم يكن فيه الأدب العبراني المدوَّن في التوراة قد وُحِد بعد”(2).
وأيضًا يقول برستيد “فكما أننا نجد الأدب الأوروبية الحديثة قد نمت مشبَّعة بما ورثناه من قديم أدب الإغريق والرومان، كذلك كان محتمًا أن يتأثر العبرانيون في فلسطين كل التأثر في أفكارهم وكتابتهم بآداب تلك الأمة العظيمة (مصر) التي قبضت على زمام فلسطين ووضعتها تحت سيطرتها الثقافية والسياسية.. وعلى ذلك فإن تراثنا الخُلقي الديني العظيم المُلهم الذي انحدر إلينا من العبرانيين يمكن التسليم بصفة قاطعة بأنه ميراث مزدوج:
فهو أولًا: قد تكوَّن من خبرة بضعة آلاف من السنين مارسها الشرق الأدنى القديم وبخاصة مصر، قبل ظهور الأمة العبرانية.
وثانيًا: أن تلك الخبرة قد رسَّخت قدميها بشكل مدهش وزيد عليها بما اكتسبه العبرانيون أنفسهم من التجارب الاجتماعية المتواصلة، على يد أولئك الأنبياء والحكماء الإسرائيليين”(3).
ويقول د. محمد بيومي “لقد رأينا فيما سبق أن العبرانيين قد اعتمدوا إلى حد كبير في أساطيرهم وقوانينهم على الحضارة السومرية والبابلية، أما في الأدب والأخلاق والدين والتفكير الاجتماعي بوجه عام، فقد اعتمدوا فيه – إلى حد كبير – على الحضارة المصرية.. فإن الإسرائيليين منذ بدء تاريخهم -كما تصوَّره توراتهم- وحتى السبي البابلي وكتابة التوراة إبانه، لم يبتعدوا أبدًا عن التأثير المصري في كل المجالات الفكرية والمادية، ومن هنا كان التأثير المصري في التوراة وفي العبادات ومجالات الحياة الأخرى الإسرائيلية”(4).
ويرى الخوري بولس الفغالي أن التوراة اغتنت من الأدب المصري القديم، فيقول “هذا بعض الغنى الذي عرفه الأدب المصري خلال ثلاثة آلاف سنة. بهذا الأدب تأثر الشرق كله بما فيه الشعب العبراني. وإن التوراة أخذت الكثير من عالم مصر فاغتنت، وستأخذ من عالم بلاد الرافدين فتجعل كل غنى الشرق القديم في إطار كلمة الله”(5).
وعلى نفس النهج يقول د. سيد القمني “يمكن لأي باحث -بقليل من الجهد- أن يجد في التوراة مآثر مصرية، وأخرى رافدية، وثالثة فينيقية.. ولا يبقى أمام الباحث سوى أن يلقى بنفسه وسط هذه الأحبولة ذات المائة وجه والآلف لون”(6).
ج:
1- نحن نعترف بسمو المبادئ الأدبية التي جاءت في الحضارة الفرعونية، وهذا يرجع لصوت الضمير الذي أودعه الله في الإنسان، فمثلًا جاء في الرواية الأولى من كتاب الموتى، أن المتوفى عند وصوله إلى قاعة الصدق ومثوله أمام الآلهة “يوجه نظره إلى وجه الإله ويقول: سلام عليك أيها الإله العظيم رب الصدق، لقد أتيتُ إليك يا إلهي وجئ بي إلى هنا حتى أرى جمالك. إني أعرف اسمك، وأعرف أسماء الاثنين والأربعين إلهًا الذين معك في قاعة الصدق.. أنظر.. إني لم أرتكب ضد الناس أي خطيئة..
إني لم آت سوءًا في مكان الحق.. وإني لم أعرف أية خطيئة.. إني لم أرتكب أي شيء خبيث.. وإني لم أفعل بما يمقته الإله.. وإني لم أبلغ ضد خادم شرًا إلى سيده.. إني لم أترك أحدًا يتضوَّر جوعًا.. ولم أتسبب في بكاء أي إنسان.. إني لم أرتكب الزنا.. إني لم أرتكب خطيئة تدنس نفسي.. إني لم أخسر مكيال الحبوب.. إني لم أنقض المقياس.. إني لم أُنقص مقياس الأرض.. إني لم أثقل وزن الموازين.. إني لم أحوّل لسان كفتى الميزان..
إني لم أغتصب ابنًا من فم الطفل.. إني لم أطرد الماشية من مراعاها.. إني لم أنصب الشباك لطيور الآلهة.. إني لم أتصيد السمك من بحيراتهم (أي بحيرات الآلهة).. إني لم أمنع المياه عن أوقاتها.. إني لم أصنع سدًا للمياه الجارية.. إني لم أطفئ النار في وقتها (أي وقت نفعها).. إني لم استولى على قطعان هبات المعبد..”(7).
2- لو كان موسى النبي الذي تحكَّم بكل حكمة قدماء المصريين أخذ من الحضارة الفرعونية، فلماذا لم يأخذ تعدد الآلهة، وتزاوجهم، وتناسلهم، وصراعاتهم؟! فقد تزوجت إيزيس من أوزيريس وأنجبت حورس .
3- لو أخذ موسى من آداب الحضارة الفرعونية، فلماذا لم يأخذ عنها السحر الذي تفشى في معظم مظاهر الحياة..؟ يصوّر جيمس هنري برستيد السحر الذي انتشر في كل مناحي الحياة في مصر، فيقول “ومن الصعب أن يفهم العقل الحديث كيف أن مرافق الحياة جميعها قد تسرَّب إليها الاعتقاد في السحر.. فكانت الأم لا يمكنها أن تهدئ من روع طفلها المتألم المريض وتجعله يضطجع طلبًا للراحة إلاَّ بعد الاستنجاد بالقوة الخفية لتقوم بتخليص الطفل من المرض ومن الحسد ومن سلطان أشباح الشر..
ونستطيع أن نسمع صوت الأم وهي تنحني على طفلها وتختلس النظر خلال ذلك الباب المفتوح في ظلمة المسكونة بقوى الشر هذه، وتقول.. هل أتيت لتلحق به ضررًا؟ إني لن أسمح لك بأن تضره.. هل أتيت لتأخذيه؟ إني لن أسمح لك بأن تأخذيه منى”(8).
كما استخدم المصري القديم الرقية السحرية التي تثبت براءته أمام محكمة العدل بعد موته، حتى قال برستد “وقد كان في مقدور الميت أن يحصل حتى على صيغة سحرية شديدة القوة والتأثير لدرجة تجعل ” إله الشمس “-الذي يعتبر القوة الحقيقية الكافية وراء تلك المحاكمة – يسقط من سماواته في النيل إذ لم يُخرج ذلك الميت برئ الساحة تمامًا في المحاكمة”(9)
كما يصف برستيد كتاب الموتى قائلًا أنه ليس “إلاَّ مثالًا آخر لأحكام الطرق السحرية بقصد تحسين أحوال الحياة الأخرى، والواقع أن كتاب الموتى نفسه -على وجه عام- ليس إلاَّ مثلًا مركَّبًا بعيد المرمى يوضح مدى اعتماد القوم المتزايد على السحر في الحياة الأخرى”(10).
وقد استغل كهنة ذلك العصر الفرصة لابتزاز أموال الناس، فضاعفوا من أخطار الآخرة وأهوالها، وادَّعوا أن في مقدورهم إنقاذ المتوفى عن طريق التعاويذ المختلفة التي تنجيه من فقدان فمه أو رأسه أو قلبه، وتعاويذ أخرى تساعده على استذكار اسمه، ومنها ما يمنع الماء الذي يشربه من أن يتحول إلى لهيب(11).
4- كثير من كتبة الأسفار المقدَّسة من البسطاء الذين لم يطَّلعوا على الحضارات الأخرى، ولم يجوبوا الأرض شرقًا وغربًا، ومعلوماتهم عن الحضارة المصرية بسيطة وهامشية، حتى الأنبياء الذين عاشوا في بابل وقت السبي لم يظهر في كتاباتهم أي تأثر بالأدب البابلي ولا المعتقدات البابلية، بل جاءت كتاباتهم منسجمة تمامًا مع كتابات الأنبياء الأولين الذين لم يذهبوا للسبي، وبذلك نقف خشوعًا أمام كتاب عجيب فريد له روح واحد، بلا أدنى تضارب ولا تناقض، وروح الله القدوس الذي نطق على أفواه الأنبياء وعزف على قيثارتهم، لم يكن فقيرًا يحتاج للاقتباس من الأدب المصري القديم أو غيره.
5- لا يمكن قصر أهمية العهد القديم على الأدب الأخلاقي فقط، ونغفل التاريخ المقدَّس للشعب المختار ومعاملات الله معه، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فالعهد القديم يحدثنا عن تاريخ البشرية جمعاء من خلقة فريدة، وحياة في الفردوس، وسقوط، وافتقاد الله لنا بالأنبياء. فضلًا عن مئات النبوءات التي وضعها الروح القدس على أفواه الأنبياء تخبرنا عن الخلاص المرتقب.. حقًا إن العهد القديم هو طريق النفس البشرية لله، وكم حوى من كنوز خلت منها كتب العالم كله؟!
6- الذين ينكرون الوحي الإلهي في التوراة مثل برستيد، من السهل عليهم أن يجعلوا الأدب هو محور الكتاب المقدَّس، وينظرون إليه ككتاب أخلاقي فقط، اقتبس من الحضارات المصرية والبابلية وغيرهما، والحقيقة أن عظمة الكتاب المقدَّس تتجلى في أنه الكتاب الوحيد المُوحى به من الله، فهو كتاب ذو طبيعة مزدوجة، إلهية وبشرية، هو نتاج شركة بين روح الله القدوس ورجال الله الذين دونوه..
أي حضارة بشرية تطوَّرت بفعل العقل، وأي أدب بشرى هو نتاج العقل وحده. أما الكتاب المقدَّس فيتميز بالجانب الإلهي، ولذلك حوى الأدب الرفيع الراقي بدون أية شوائب، بينما الأدب البشرى شابته النقائص والأخطاء.
7- لا يمكن أن نقبل رأى النقاد كأمر مسلَّم به، فمثلًا اعتقد برستيد أن عمر الإنسان على الأرض مليون سنة فيقول “أن الإنسان بصفته أقدم المخلوقات صنعًا للآلات، كان مُجدًا في صنع أسلحة منذ نحو مليون سنة، في حين أن الضمير لم يبرز في شكل قوة اجتماعية إلاَّ منذ مدة لا تزيد عن خمسة آلاف سنة”(12)..
لقد أنبهر برستيد بالحضارة الفرعونية لأنها تقدمت في زمن قصير يُقدَّر بنحو خمسة آلاف سنة، بينما عمر الإنسان على الأرض منذ مليون سنة، دون تقدم، وهذا يخالف الحقيقة، لأن كل عمر الإنسان على الأرض لا يتجاوز سبعة أو ثمانية آلاف سنة، فالعصر الجليدي ساد على الأرض منذ نحو عشرة آلاف سنة فقط.
8- ادَّعى بعض الأخوة المسلمين أن التوراة أُخذت من الحضارة المصرية القديمة لوجود بعض التشابهات بينهما، لماذا لم يطبقوا هذا على القرآن مع وجود تشابهات بينة، وبين الحضارة المصرية، وقد ضرب جيمس هنرى برستيد بعض الأمثلة على تلك التشابهات
فقال “يقول ذلك الوزير المسن العاقل (بتاح حتب) إن الزوج الكيَس هو الذي يجعل زوجته سعيدة أولًا بالمحبة التي تلزمه أن يفسح لها في قلبه الاعتبار الأول، ثم يأتي بعد ذلك بمستلزمات الجسم من غذاء وملابس، ثم بالكماليات كالعطور والدهان، فنراه يقول {اجعل قلبها فرحًا ما دمت حيًا، فهي حقل مثمر لسيدها} وهذه الملاحظة الأخيرة قد سبقت ما جاء في القرآن المُنزَّل على الرسول محمد صلعم بعد مضى خمسة وثلاثين قرنًا، وهو قوله تعالى {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثهم إن شئتم} (سورة البقرة 223)(13). ولم يعلق المُتَرْجِم(14) على هذا.
كما يقول برستيد “إن كاتبًا في أحد مخازن الخزانة في جبانة طيبة ” يدعو آمون فيقول: الذي يأتي إلى الصامت، وفي القرآن الكريم “وإذ سألك عبادي عنى فإني قريب أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون” (سورة البقرة 186)(15).
ويقول برستيد أيضًا (مقارنًا بين بعض ما جاء في الحضارة الفرعونية وما جاء في القرآن والأحاديث) إن الحكيم المصري يحذر ابنه الشاب من المعاملات ذات الوجهين قائلًا “لأن الله يمقت الرجل صاحب القول الكاذب.. وأكبر ما يمقته الرجل ذو القلبين، وجاء ذم المرآة في القرآن الكريم في مناسبات منها ” فويل للمصلين: الذين هم عن صلاتهم ساهمون. الذي هم يراءون” (سورة الماعون 3 – 6) وفي الحديث أيضًا كثير، ومنه: ملعون ذو الوجهين”(16).
ويعلق نيافة الأنبا بولا أسقف طنطا على هذا قائلًا “إن من يقبل هجوم مثل هؤلاء على الكتاب المقدَّس عليه أن يقبل هجومهم على القرآن الكريم وإذا قبل هذا وذاك فنحن لا نقبله “.
_____
(1) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص13.
(2) المرجع السابق ص33، 34.
(3) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص410.
(4) تاريخ الشرق الأدنى القديم – تاريخ اليهود (مذكرة كلية الآداب – جامعة الإسكندرية 1972م) ص306.
(5) المدخل إلى الكتاب المقدَّس ج1 ص 431.
(6) قصة الخلق أو ينابيع سفر التكوين ص147.
(7) جيمس هنرى برستيد – ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص272، 273.
(8) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص262، 263.
(9) المرجع السابق ص283.
(10) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص286.
(11) راجع فجر الضمير ص287.
(12) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص8.
(13) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير147.
(14) الدكتور سليم حسن.
(15) المرجع السابق ص237.
(16) المرجع السابق ص350، 351.
أخذت التوراة من أدب وأساطير الحضارة الفرعونية
ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا
ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا
ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا
مقدمة
هل ترجم الإنجيل (والكتاب المقدس بعهديه) إلى اللغة العربية، قبل الإسلام أم بعده؟ سؤال شغل الكثيرين من الباحثين ماضيا وحاضرا، وما زال يطرحه المعاصرون من العاملين في هذا الميدان. حقا، هذا الموضوع شائك، وقد تضاربت الآراء فيه. نحاول بهذه الإلمامة المتواضعة أن نوضح هذه المشكلة.
آراء متنوعة
من المعلوم أنه لم تصل إلينا أي ترجمة عربية سابقة للإسلام، إلا أن هذا الواقع ليس دليلا على عدم ترجمة الكتاب المقدس في الجاهلية؛ وإليك عرض سريع لأهم الآراء:
الأب لويس شيخو اليسوعي، دافع عن وجود ترجمة للكتاب في الجاهلية، مؤيدا رأيه بأدلة عديدة[1]، وتبعه عبد المسيح المقدسي في مقال قيم ظهر في مجلة المشرق البيروتية[2]. ثم نشر المستشرق أنطون باو مشتارك عددا من المقالات ابتداء من العام ۱۹۲۹ حتى ۱۹۳۸ لإثبات الرأي نفسه.
أما جورج غراف الألماني، فقد أثبت أن الترجمات العربية التي وصلت إلينا لا ترجع إلى أيام الجاهلية. ولكنه يفترض وجود ترجمة عربية للكتاب المقدس (أو الأجزاء منه) قبل الإسلام.
ثم ذكر ألفريد غليوم نضا من «السيرة النبوية» لإبن إسحق يستدل به على وجود ترجمة عربية لإنجيل يوحنا في بداية القرن السابع الميلادي.
وعالج آرثر فويس الموضوع باختصار، فتوصل إلى النتيجة ذاتها التي كان قد توصل إليها جورج غراف وكذلك فعل رابين في مقاله، عن «اللغة العربية التي كتبها لدائرة المعارف الاسلامية الجديدة. فأكد أن بعض أجزاء الكتاب المقدس كانت متداولة في الجاهلية، وأن واضعها من النصارى لا اليهود. وقدم جوزيف هنجر نظرة سريعة عن بعض الآراء، وأيد أخيرا رأي جورج غراف.
ثم جاء يوشع بلاو فأنكر وجود ترجمة عربية للكتاب المقدس سابقة للإسلام، اعتمادا على أدلة لغوية، وردا على أنطون بو مشتارك.
بعد هذا العرض لأهم الآراء نرى أن نختمه بتقديم رأي الدكتور جواد علي، لإحاطته موضوع الجاهلية فيقول:
ويظهر من بعض روايات الإخباريين أن بعض أهل الجاهلية كانوا قد اطلعوا على التوراة والإنجيل، وأنهم وقفوا على ترجمات عربية للكتابين. أو إن هذا الفريق كان قد عرب بنفسه الكتابين كلا أو بعضا، ووقف على ما كان عند أهل الكتاب من كتب في الدين، فذكروا مثلا أن ورقة بن نوفل: «كان يكتب الكتاب العبراني، ويكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب». وقالوا: «وكان أمرؤ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي من الإنجيل ما شاء الله أن الكتاب المقدس واللغة العربية يكتب». وذكروا مثل ذلك عن أمية بن أبي الصلت. فقالوا: إنه كان قد قرأ الكتب المقدسة، وقالوا مثل ذلك عن عدد من الأحناف.[3]
وبعد ذكر هذه الأمثلة، أبدى المؤلف رأيه قال:
ولا يستبعد وجود ترجمات للكتاب المقدس في الحيرة. ولما عنها من تقدم في الثقافة وفي التعليم والتعلم، ولوجود النصارى المتعلمين فيها بكثرة. وقد وجد المسلمون فيها حينما دخلوها عددا من الأطفال يتعلمون القراءة والكتابة، وتدوين الأناجيل؛ وقد برز نفر منهم وظهروا في علوم اللاهوت، وتولوا مناصب عالية في سلك الكهنوت في مواضع أخرى من العراق، فلا غرابة، إذا ما قام هؤلاء بتفسير الأناجيل وشرحها للناس للوقوف عليها، ولا يستبعد تدوينهم لتفاسيرها أو لترجمتها، لتكون في متناول الأيدي، ولا سيما بالنسبة إلى طلاب العلم المبتدئين، ولا يستبعد أيضا توزيع بعض هذه الترجمات والتفاسير إلى مواضع أخرى لقراءتها على الوثنيين وعلى النصارى للتبشير.[4]
ونحن إذ نؤيد رأي الدكتور جواد علي ونحبذه، نقول بهذا الصدد:
إن عدة قبائل من العرب أخذت تدين بالنصرانية منذ أواخر القرن الثالث وأوائل الرابع، بعضها في العراق کالعباديين، وبعضها في بادية الشام كغسان، وبعضها في اليمن والحجاز كبني الحرث (الحارث) وأهل نجران [5]
افلا يقبل العقل أن هذه القبائل العديدة بقيت نحو مائتين وثلاثمائة سنة دون أن يطلع أصحابها على الأناجيل في اللغة العربية. أفليس عن بني غسان وإنجيلهم قال النابغة:
“بمجلتهم ذات الإله ودينهم قويم فلا يرجون غير الوقوف”.
ومن هذه الدلائل أيضا ما جاء في شعر بعض الأقدمين أمية بن أبي الصلت، وعدي بن زيد، وغيرهما من شعراء النصرانية في الجاهلية؛ فإنك ترى في دواوينهم إشارات واضحة إلى نصوص من الإنجيل بل قطع مطولة من التوراة والإنجيل.
وكذا جاء عن البراق أنه كان تعلم تلاوة الإنجيل على أحد الرهبان.[6] وفي سيرة ابن هشام نصوص أخرى من الإنجيل بالعربية نقلها ابن هشام عن محمد بن إسحق. وتراه هناك قد استشهد بالآية الواردة في إنجيل يوحنا (15: 26) على هذه الصورة: “فلو قد جاء المْنَحْمَنَا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب وروح القسط، الخ”؛ وفي لفظتي “مْنَحْمَنَا و «روح القسط» ما يدل على أن الترجمة العربية التي يشير إليها نقلت عن النسخة السريانية الفلسطينية.
ومن البراهين المقنعة أيضا أن القرآن ذكر الإنجيل مرارا، وقال عنه إن فيه نورا وهدى؛ ففي إشارته إلى الإنجيل ومضمونه دليل بين على أن هذا الكتاب كان معروفا عند العرب منقولا إلى لغتهم.[7]
على أن هذا التعريب القديم للإنجيل المقدس أخذته يد الضياع لما شاعت بعد ظهور الإسلام ترجمات محكمة. وأول نقل جاء ذكره في التاريخ أثبته ابن العبري (1226 – 1286) في تاريخه الكنسي بالسريانية، فروى هناك أن الأمير عمرو بن سعد بن أبي وقاص أرسل فاستقدم إليه البطريرك يوحنا (۱۳۱ – 64۹)، وأمره بأن ينقل له الإنجيل إلى العربية بشرط أن يحذف منه ما يختص باسم المسيح الاله والعماد والصليب. فأجابه يوحنا أنه يفضل الموت على أن يترك منه ياء أو نقطة، فلما رأى عمرو عزيمته قال: «اذهب واكتب ما تشاء». فترجمه بمساعدة من بني لحم المسيحيين.[8]
تنامي حركة التعريب قبل الإسلام
ومضى المسيحيون في حركة تعريب كتابهم المقدس إلى اللغة العربية – منذ انتشار المسيحية بينهم في القرن الرابع – ومن بينها الترجمة التي وضعت في نهاية القرن التاسع الميلادي، وقد استشهد بهذه الترجمة الجميلة الامام الزيدي أبو القاسم الطبطبائي في رده على النصارى.
وإذا اعتبرنا وعرفنا أن من أهم شعائر الدين المسيحي في كنائس المشرق وأحبها إلى الشعب كان أن تقرأ كل يوم مساء وصباحا، وإلى يومنا هذا، قطع من الكتب المقدسة[9]، وأن هذه العادة كانت قديمة عندهم، فيجوز لنا أن نفترض أن الحاجة الكنائسية اضطر رؤساء الدين المسيحي في البلاد العربية إلى نقل، ولو هذه القطع فقط، إلى لغة الشعب من يوم أصبح للعرب بيع يقيمون فيها صلواتهم وطقوسهم الدينية، و إلا اضطررنا أن نفرض أن هذه الطقوس وتلك القراءات كانت تقام وتقرأ[10] في بيعهم وبيوتهم وأديرتهم في إحدى اللغات الأجنبية، وهذا محال لا يقبله العقل ولا يتفق مع الشواهد العقلية.
على أن البيع والأديرة والصوامع إلى غير ذلك من بيوت العبادة، لم تقم في كل بلدة أو قرية دخلتها النصرانية من بلاد العرب، إما لقلة من دخل في النصرانية في بعض المدن والقرى، أو لفقر أهاليها وتفرق كلمتهم وآرائهم الدينية بين کسائية وأبيونية وأريوسية وصابئية وحنيفية ونسطورية ونصرانية[11]، وإما لأسباب أخرى بجهلها. إلا أن هذه العراقيل لم تكن لتمنع أصحاب النحل المسيحية وأهل التقوى والعبادة منهم أن يؤلفوا حلقات دينية كانت تجتمع في بيوت الخاصة لقراءة بعض الكتب والأسفار المزورة التي شاعت بين العرب خاصة، أو كتب أخرى منقولة عن السريانية واليونانية.
ويؤيد هذا الفكرة ما نعرفه عن حلقة الحنيفيين في مكة الذين عناهم محمد، كما يخال لي، في سورة النحل (آية 45) حيث سماهم أهل الذكر»، والذين كان محمد يتردد إليهم قبل إظهار دعوته[12] ليسمع قراآتهم، ويشترك معهم في إعتكافاتهم الدينية، وتلاوتهم للكتب المنزلة أو المزورة. فقد ذكر صاحب الأغاني عن ورقة بن نوفل، أحد هؤلاء الحنيفيين وابن عم خديجة زوج محمد الأولى، “أنه كان أمرا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء أن يكتب”.
وقد جاء في مروج الذهب: «وكان ورقة قرأ الكتب ورغب عن عبادة الأوثان، ولم يذكر أسماء الكتب التي كان يقرأها، وهل كانت عربية أو عبرانية، كما قد يؤخذ من عبارة صاحب كتاب الأغاني، على أننا نعتقد أنها كانت عربية مكتوبة بأحرف عبرانية، كما يجب أن تفهم عبارة الأغاني، إن لم يكن وقع فيها تحريف، وحجتنا على ذلك أن العرب كانوا – قبل أن تشيع بينهم الأحرف النبطية – يكتبون بأحرف عبرانية أو سريانية أو يونانية، وأن صحيحي البخاري و مسلم اللذين نرجح أن صاحب الأغاني أخذ عبارته عنها لم يذكروا العبرانية بل العربية، وهذه عبارة البخاري بنصها: «وكان ورقة امرءًا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء أن يكتب.
فإذا صح هذا الافتراض، جاز لنا أن نستنتج منه أن الأناجيل، أو قسما منها، نقلت إلى العربية قبل الإسلام، إذ يصعب علينا أن نسلم بأن نصارى الحيرة وسورية واليمن وشبه جزيرة سينا (الآيلة) وفلسطين ويثرب والطائف يقرأون في كنائسهم وأديرتهم الأناجيل والمزامير وغيرها من كتب العهدين بلغات غير مفهومة، أو لا يقرأونها في هذه اللغات – هذا إن فرضنا أنهم كانوا يقرأونها فيها في بادئ الأمر – زمنا طويلا، وبعد أن شاعت بينهم الأحرف العربية الحاضرة التي صاروا يدونون فيها تاريخ بيعهم وأهم حوادئهم المدنية والكنائسية[13]، وكتاباتهم على أبواب أديرتهم[14]، وضرائحهم.[15]
زد على ذلك ما ذكره أحد المؤرخين من أن ملك الحبشة إيلا إسبيبا، أرسل سنة ۵۲۰ ميلادية إلى إمبراطور بيزنطية قسما من إنجيل لنصارى بحران نجا من الحريق. نعم، إن صاحب هذا الخبر لم يذكر لغة هذا الإنجيل، على أننا – استنادا إلى ما قدمنا من الاعتبارات – نرجح أنها كانت العربية[16]حيث النجرانيون عرب أقحاح.
أما وقد ترجح عندنا أن بعض الكتب المقدسة نقل إلى العربية قبل الإسلام، فطبيعي أن نتساءل عن اللغات التي نقلت عنها هذه الكتب، وعن أسمائها، لعلنا نجد في الجواب عن هذين السؤالين دعامة أخرى ندعم بها أو نقوي فكرتنا الأساسية، التي نحاول تأييدها في هذه العجالة[17].
التعريب بعد الإسلام
بعد الفتح الإسلامي للعراق وبلاد الشام، تعددت الترجمات العربية وانتشرت في كل أنحاء المشرق[18]. وهذه النسخ عديدة، منها نسخة في المكتبة الفاتيكانية، يرقى عهدها إلى القرن الثامن للمسيح، والذين سعوا في هذه الترجمة هم رهبان دير القديس سابا بقرب القدس. وفي ديرهم نسخ قديمة محفوظة فيه حتى الآن، وكذلك في دير الصليب المجاور للقدس. وهناك نسخ منقولة إلى العربية عن الأصل السرياني المعروفة بـ “البسيطة”، “بشيطو”، أقدمها النسخة التي وصفها غلومیستر، ورقى عهدها إلى ما بين سنتي ۷۵۰ – ۸۰۰ م.
وجدير بالذكر أن الأناجيل المقدسة ترجمت في نهاية القرن التاسع الميلادي، وقد استشهد بهذه الترجمة الجميلة الإمام الزيدي أبو القاسم الطبطبائي في رده على النصارى (في القرن العاشر الميلادي).
أما مزامير داود فقد ترجمها شعرا الأسقف الأندلسي الحفص بن البر القوطي في منتصف القرن العاشر الميلادي، وهي جوهرة الأدب المسيحي العربي.
وهنا يسرنا أن نورد نموذجا من ترجمة الحفص الموضوعة سنة ۸۸۹ م، نقلا عن الخطوط الفريد المحفوظ في ميلانو.
المزمور الأول
قد أفلح المرء الذي لم يذهب في رأي أهل الجرم فعل المذنب
ولم يقم على سبيل الآثمة ولا يكن يجلس بين الظلمة
في مقعد الأزراء والتداهي لاكن هواه في كتاب الله،
کان، وفیه تالیَا مردَدًا نهاره وليله مجتهدا
مثاله شجرة قد غرست على سواقي الماء حين نقلت
ثمارها لوقتها قد تثمر وليس منها ورق ينتثر
وكل ما يفصله قد يصلح وفعله فعل صعيد مفلح
ليس كذلك الكفار بالتصحيح بل كغبار ذاهب بالريح
لذلك لن يبعث أهل الفضل ويوم القصاص والجزا والفصل
عرف سبل الصالحين الرب والكافرون لهم تتب
المزمور الثامن
يارب يا مالكنا ما أعظم في كل أرض اسمك المكرم
قد اعتلا على السماء عزّك وفوق كل شامخ علوك
جعلت من السنة الأطفال والمرضعين الحمد ذا الكمال
لأجل شأني، ليهدي المبغض والواثر المخالف الممرض
أرى السماء ما برت أصابعك والبدر فيها من مصانعك
والأنجم الزهر التي جعلت، مشرقة فيها كما قدرت
ماذا هو الإنسان حتى تذكره؟ وما ابنه، إذا بالبلا تختبره
نقصته القليل عن الله وستحليه بتاج باه
عزا وقدرا وعظيم الجاه مقدماله بلا إشتباه
جعلت كل مابرت يداك من تحت رجليه جميع ذاك
من بقر ومن صنوف الشاء، ومن مواشي القفر في الصحراء
ومن طيور الجو والحيتان اللاتي في الموج وفي القيعان
السالكات سبل البحار جريا بلا حث ولا آثار
يا رب، يا مالكنا، ما أعظم في كل أرض اسمك المكرم
تاتيان وإنجيل “الدياطسرون”
تاتيان، ولد وثنا حول سنة ۱۱۰ م، ودرس الأدب والخطابة والتاريخ والفلسفة باليونانية. راق له كتاب التوراة، فتنصر ولزم القديس يوستينوس، ثم أنشأ أو اتبع شيعة الانکراتیت (الأعفّة الغلاة)، فأبسلته (حرمته) الكنيسة. قضى تحبه حول سنة 180م.
أما الدياطسرون فهو لفظ يوناني مركب، مدلوله «من خلال الأربعة)، وهو اسم الإنجيل الموحد الذي يشتمل على سيرة السيد المسيح، جمعه في خمسة وخمسين فصلا طيطانوس الحديابي المولد، المعروف بالآثوري، وذلك في حدود سنة 172 م، ووقع الدياطسرون عند السريان في الرها وولايتي الفرات وما بين النهرين أجمل موقع لسهولته وجودة إنشائه وترتيبه التاريخي، فأطلقوا عليه اسم «الأناجيل المختلطة»، وتبسطوا في نشره، واستشهد به أفراهاط، وفشره مار أفرام السرياني.
ودام استعمال الدياطسرون حتى الربع الأول من المئة الخامسة، إذ ألغاه رابولا مطران الرها، حرصا على سلامة الكتاب، وأحل محله الأناجيل المفردة. فزال تداوله من الكنيسة، وبقي منه نسخ للمطالعة. ووجد منه في أواسط المئة التاسعة نسخة بخط عيسى بن على المتطيب، تلميذ حنين بن إسحق، وهي التي نسب نقلها إلى العربية إلى القس الراهب أبي الفرج عبد الله ابن الطيب المتوفي سنة 1043. فتكون هذه الترجمة العربية من أوائل القرن الحادي عشر[19]. ولكن في خاتمة الصفحات الأربع أن هذه الترجمة العربية أقدم عهدا، وهذا نصها:
“كمل. معونة الله الإنجيل المقدس الذي جمعه طيطانوس من الأناجيل الأربعة المعروف بدیاطاسارون (كذا) والحمد لله كما هو أهله ووليّه والمجد لله دائما أبدا سرمدا. وكان الفراغ منه لست وعشرون (كذا) ليلة خلون من أبيب سنة ثمان وأربعون (كذا) وألف للشهداء وافق من الشهور العربية الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة سنة اثنان وثلثون (كذا) وسبع مائة للهجرة العربية (1132 م) بسلام من الرب آمين”
أفلا يجوز أن نستنتج أن الترجمة العربية كانت قبل القرن الحادي عشر، أعني قبل أبي الفرج ابن الطيب، لا سيما أننا لم نجد في قائمة كتب أبي الفرج المذكور ذكر ترجمته لدياطاسرون طيطانوس.
الإنجيل المسجع
ولما انتشر السجع، وأصبح من ضروريات الأدب الفتي، أخذ الأدباء المسيحيون يؤلفون مواعظ دينية مسجعة، وقد اشتهر في هذا الفن الجاثليق المشرقي النسطوري إيليا الثالث المعروف بأبي حليم بن الحديثي في القرن الثاني عشر الميلادي.
وهناك أربع ترجمات مسجعة للأناجيل وضعت في القرن العاشر الميلادي، واحدة منها لابن دادیشوع، وثلاث منها أغفل مترجموها عن أسمائهم، وما زالت مخطوطة في مكتبات أوروبا.
ثم جاء عبديشوع الصوباوي، مطران نصيبين على السريان المشارقة النساطرة، فوضع ترجمته الشهيرة الأناجيل الآحاد والأعياد سنة ۱۲۹۹ م، وهي جيدة بليغة، وكل إنجيل بقافية واحدة. وهذا نموذج من ترجمة الأناجيل العبد يشوع الصوباوي:
- وقال المخلص لتلاميذه والرفاق.
- لا تظنوا أني أتيت لأوقع في الأرض الصلح والوفاق.
- لم آت لأوقع السلام، بل الحرب والشقاق.
- فإني أتيت لأجعل الرجل المؤمن يخالف عن أبيه ذي النفاق.
- وأباعد بين الابنة وأمها الكافرة، والكنة وحماتها بالفراق.
- – وأعداء الرجل آل بيته الفاق.
- فمن أحب أبا أو أما أفضل مني، فليس هو لي بأهل الإعتلاق.
- ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر مني، فلا يستحقني بإطلاق.
- – ومن لا يحمل صليبه ويتبعني، فما هو لي من أهل الميثاق.
- من وجد نفسه، فقد أهلكها، وعرضها للانمحاق.
- ومن أهلك نفسه، فسوف يجدها بجوار الخلاق.
- ومن تقبلكم، فإياي تقبل، بالنية والاشتياق.
- ومن تقبلني، فقد تقبل الذي أرسلني، باعثا على مكارم الأخلاق.
- ومن تقبل نبيا باسم نبي في الطراق،
- فأجر نبي يأخذن وما لمسعاه إخفاق،
- ومن تقبل صديقا، صديق صداق،
- فأجر صديق يأخذ، ولا عاق.
- وكل من سقى أحد هؤلاء الأصاغر شربة ماء بارد عذب المذاق.
- باسم تلميذ ذي استشراق،
- الحق أقول لكم: إنه لا يضيع أجره الذي فاق،
- من شاء أن يتبعني، فليكفر بنفسه ويولي الدنيا الطلاق
- وليأخذ صليبه، وليكن من اقتفاء أثرى على لحاق،
- إن من أحب أن يحيي نفسه، فقد أبادها وإلى الهلاك انساق،
- ومن أهلك نفسه من أجلي، سيجدها في نعيم باق
- فما الذي يستقيده المرء من الحذاق،
- إذا كسب الدنيا وخسر نفسه بعد المشاق؟
- أو ماذا يعطي الإنسان فدية عن نفسه، إذ نزل به البلاء وحاق؟
ترجمة الكتاب المقدس الموصلية الدومينيكية
كانت فكرة طبع الكتاب المقدس بالعربية تراود أذهان رجال الدين منذ مطلع القرن التاسع عشر؛ فقد كان مسيحيو العراق يقرأون الكتاب المقدس في ترجمته المعروفة (بالبسيطة)، وهي ترجمة ضعيفة وغير سليمة من الناحية اللغوية تتغلغل فيها العامية بكثرة، غير أن الإمكانيات كانت محدودة والطباعة لم تدخل العراق آنذاك. إضافة إلى عدم وجود من يستطيع الاضطلاع بهذا العمل الكبير ذي المسؤوليات الكبيرة..
أما في بلاد الشام فقد تم طبع الكتاب المقدس بعهديه العتيق والجديد في المطبعة الأميركية، وذلك بإشراف بطرس البستاني، ومصحح لغوي كبير هو الشيخ ناصيف اليازجي والشيخ يوسف الأسير، غير أن هذه الطبعة كانت خاصة بالبروتستانت، فلم يحبذها الكاثوليك، لذا فقد بدأ اليسوعيون مشروعهم الخاص بترجمة الكتاب المقدس سنة 1872، وعهدوا إلى الشيخ إبراهيم اليازجي بالإشراف اللغوي، واستمر العمل بطبعه من سنة 1876 وحتى سنة 1882، فظهر في ثلاثة مجلدات مزينا بالصور ومتقنا من حيث الطباعة والإخراج.[20]
وفي هذه الفترة تهيأ لنا في العراق من يستطيع القيام بهذا العمل، فقد عهد الآباء الدومنيكان إلى القس (المطران يوسف داود (+ 1890) القيام بترجمة وطبع الكتاب المقدس، فباشر بالعمل سنة 1897، فبدأ أولا بقراءة ترجمات الكتاب المقدس السابقة مقارنا ومدققا بين النصوص المقبولة في الكنيسة كالسريانية والعبرانية واليونانية واللاتينية، مستفيدا من معرفته وإتقانه لهذه اللغات.
وقد اعتمد الترجمة الشرقية القديمة التي كانت أساسا لترجمة الكتاب المقدس وطبعه أول مرة في رومة سنة 1671، وربما اعتمد أيضا على طبعة عربية قديمة ظهرت في حلب سنة 1706[21]، غير أنه لم يذكرها.
شرع الآباء الدومنيكان بطبع الكتاب المقدس، الذي استغرق ثماني سنوات: وتعتبر هذه الطبعة من الطبعات الفريدة اليوم بجودتها وشكلها وحروفها، والمعتمد عليها إلى اليوم في الكنيسة السريانية الكاثوليكية.
وقام بعد ذلك بعمل الحواشي لشرح الآيات والكلمات الغامضة، واستغرق في عمله هذا أربع سنوات متوالية، إلى أن استطاع إنجازه، فبوشر بالطبع سنة ۱۸۷۱ واستمر حتى سنة ۱۸۷۸، فظهر في أربعة مجلدات كانت تظهر تباعا، وبلغ مجموع صفحاته 2507 صفحة.
وسنة 1873، كتبت مجلة العالم الدومنيكي تقول: “… وإلى منتصف عام 1872 طبعوا العهد الجديد، طبعتين، الأولى أوكتافو (الحجم الكبير)، والأخرى أصغر بلا مراجع ولا ملاحظات أو شروحات، وهذا هو القسم الأول من الكتاب المقدس الذي طلب الكردينال بونابرت أن يطبع، والترجمة كانت للقس داود، والمعاون له المطران بهنام بي، رئيس أساقفة الموصل للسريان الكاثوليك؛ ولقد أبدت سرورها مع إبداء إعجابها أكاديمية الآداب في باريس لجودتها ورونقها”.[22]
وقد عهد للبطريرك عبديشوع الخياط (المطران آنذاك) وإلى راهب دومنيكي اسمه يوحنا، كان يتقن العربية بفحص الترجمة للتأكد من سلامتها من الناحيتين الفقهية والدينية، فأبديا شهادتهما في أنها تمت على وجه صحيح ولا شائبة فيها.
ثم ظهرت مشكلة النفقات الكثيرة لطبعه، وقد حلت المشكلة بأن تبرع الكردينال لوقيان بونابرت بنفقات الطبع على شرط أن يوزع مجانا، ولذلك نرى في الطبعة الأولى كلمة Gratis، ومعناها “مجانا”.[23]
وفي سنة 1875، أرسل الآب دوفال رسالة إلى رئيس الجمعية الخيرية للمدارس الشرقية في باريس رسالة يخبره فيها وشارحا له أحوال المطبعة فيقول: (… ونأمل أن ننتهي من طبع الكتاب المقدس (العهد القديم هذه السنة. وسنطبع طبعة ثانية من الأناجيل، إذ إن الطبعة الأولى قد وزعناها مجانا، وذلك بطلب من الكردينال بونابرت، ولذا فقدت هذه الطبعة…”[24].
وقد توالت فيما بعد طبعات الكتاب المقدس، حيث ظهرت طبعة أخرى في ستة مجلدات بين سنتي 1874 – 1878، بلغت عدد صفحاتها ۳۸۰ صفحة. ثم أعيد طبعه كاملا أو متفرقا بعد ذلك عدة مرات وكلما دعت الحاجة.
وفي رسالة أخرى من الأب كورماتشيك[25] الذي كان في رومه سنة 1888، والتي كتبها للأب دوفال[26] يوم ۲۸ تشرين الثاني من تلك السنة يقول فيها: “…أرسلتم الكتاب المقدس باللغة الكلدانية للحبر الأعظم[27]، وقد وصلتنا مساء البارحة. وحبذا لو ترسلون لقداسته كتاب الفرض (الفنقيت) للسريان، وقداسته يرسل لكم كأسا كعربون الشكر لكم وتثمينا لجهودكم…”.[28]
ومن المعروف أن الخوري يوسف راجع الترجمة البسيطة السريانية للكتاب المقدس، وطبعها في المطبعة نفسها بأحرف كلدانية، ولا يخفى أن هذه الترجمة كانت قد عبثت بها أيدي النساخ كما هو دأب كل الكتب المخطوطة باليد، فعهد إليه إصلاحها نظرا لبراعته في اللغة السريانية والعربية، فانكب على العمل بنشاط وافر حسبما يقتضيه شرف هذه النسخة المعتبرة للغاية في الكنيسة الكاثوليكية وأعادها إلى رونقها القديم.
والذي يعنينا في هذا المجال أن نذكر شيئا عن الأسلوب، والطريقة التي اتبعها يوسف داود في إنجاز هذا العمل الكبير بالعربية؛ ويكفي أن ننقل في هذا الخصوص شهادة من الأب أنستاس الكرملي (1947+) العالم اللغوي الشهير نقلا عن اثنين من الثقات، وكلاهما من خاصة أصدقائي، وهما الأستاذ کورکیس عواد (1993+) المؤرخ من النواحي اللغوية والأدبية والدينية، ويعدها من أحسن الترجمات التي ظهرت للكتاب المقدس في تلك الفترة، وحتى يومنا هذا يعترف الكثير من المتخصصين بأنها من أحسن الترجمات في اللغة العربية للكتاب المقدس، وذلك لسلامة لغتها وقوة سبكها وبساطتها. ولا زالت كنائسنا تستعمل هذه الترجمة حتى الآن.
المصادر والمراجع
- سهیل قاشا، تاريخ التراث العربي المسيحي، منشورات الرسل، مطبعة الكريم (2004).
- سهیل قاشا، أوتار الكنارة والعود المطران إقليميس يوسف داود، منشورات مطبعة السائح، طرابلس 2005.
- هنام عفاص، إقليميس يوسف داود، بغداد، 1985.
- سهيل قاشا، “مطبعة الآباء الدومنيكان وتراثها الفكري”، مجلة بين النهرين، 18، ص 55-73.
- لويس شيخو اليسوعي، شعراء النصرانية، الجزء الأول.
- لويس شيخو، “نسخ عربية قديمة في الشرق من الإنجيل الطاهر”، مجلة المشرق، السنة الرابعة، العدد 3.
- عبد المسيح المقدسي، «نقل الكتب المقدسة الى العربية، مجلة المشرق، كانون الثاني 1933، ص1-112.
[1] شيخو، مجلة المشرق، ص ۲۰ – ۲۲، ۲۹۰ – ۳۰، ۳۰-۳۰۱، ۳۱۳ – ۳۲۲.
[2] عبد المسيح المقدسي، «نقل الكتب المقدسة إلى العربية، قبل الاسلام»، المشرق ۱۳۱(۹۳۳)6.
[3] د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، جزء 6، ص 980.
[4] د. جواد علي، المفصل، ۹۸۱: ۹.
[5] راجع التفاصيل في كتابنا: صفحات من تاريخ العرب المسيحيين قبل الاسلام، منشورات المكتبة البولسية (۲۰۰۰).
[6] شیخو، شعراء النصرانية،1: 141.
[7] راجع أيضا قاموس الاسلام، 630.
[8] طبعة أبلوس ولافي، الجزء الأول، ص ۲۲۰.
[9] ) المعروفة بأل Kathismata وهي القراآت أو القرآن، كما كان يسميها السريان، ومنها أخذ محمد اسم کتابه؛ ولعله عناها بقوله: “فاقرأوا ما تيسر من القرآن” (73: 20)
[10] ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله أثناء الليل وهم يسجدون (القرآن 3: 113).
[11] نرجح أن كلمة «نصراني» كانت تدل في بادئ الأمر، وفي القرآن نفسه، على أصحاب إحدى النحل المسيحية، سيما “الأبيونية” أو “الأريوسية”، وليس على المسيحية على الإطلاق.
[12] راجع كتابنا: صفحات من تاريخ العرب المسيحيين قبل الاسلام.
[13] راجع ما ذكره الطبري عن كنائس الحيرة (1: 770) وابن خلدون (2: 363).
[14] راجع الكتابة على عتبة البيعة التي أقامتها هند بنت الحارث في معجم البلدان لياقوت 2: 709.
[15] راجع الكتابة على ضريح امرئ القيس التي عثر عليها في سورية.
[16] عبد المسيح المقدسي، “نقل الكتب المقدسة إلى العربية” المشرق 1933.
[17] نحن في صدد وضع دراسة واسعة بعنوان: “السريان ولغة القرآن”، سترى النور قريبا ان شاء الله.
[18] من بحثوا عن هذه النسخ العربية وأصلها وتاريخها العلامة الشهير أغناطيوس غويدي في مقالة مستوفية طبعت عام ۱۸۸۸، بين فيها ما تحتويه الخزائن الأوروبية من نسخ الإنجيل القديمة، فقسمها ستة أقسام، من حيث القدم والترجمة.
[19] ما زال السريان الأرثوذكس والكاثوليك يستعملون هذا الإنجيل (المربع) في قراءاتهم الفرضية لزمن الآلام، وخاصة يوم الجمعة العظيمة (جمعة الصلبوت).
[20] الفكر العربي في مئة سنة، بيروت 1967 ص 59.
[21] وردت معلومات عن هذه الطبعة في مجلة لغة العرب، مجلد لغة العرب، مجلد ۲، ص 462.
[22] مجلة العالم الدومنيكي لسنة 1873، ص 346.
[23] العهد الجديد لربنا يسوع المسيح، موصل، مطبعة الدومنيكان، ۱۸۷۹. استقينا هذه المعلومات من المقدمة التي كتبها المترجم يوسف داود ومن شهادات الفاحصين.
[24] الرسالة محفوظة في دير الآباء الدومنيكان بالموصل.
[25] الرسالة محفوظة في دير الدومنيكان بالموصل. والأب كورماتشيك قدم إلى الموصل في 7 كانون الأول ۱۸۷۱ وتركها عام ۱۸۱۵.
[26] الأب دوفال (۱۸۳۳- ۱۹۰) خدم في العراق (1857- 1895.
[27] هو الحبر الأعظم قداسة البابا كون الثالث عشر (1878- 1903).
[28] النظر مقالنا، “مطبعة الآباء الدومنيكان بالموصل”، مجلة بين النهرين، عدد ۱۷، ص 55-73.
ترجمات الكتاب المقدس العربية قبل الإسلام – الأب سهيل قاشا
هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!
