الوسم: التوراة الأصلية
هل تعرض الكتاب المقدس للتحريف كما يدعي الكثيرون؟
314- هل تعرض الكتاب المقدس للتحريف كما يدعي الكثيرون؟
ونعرض هنا باختصار لآراء بعض النقاد والكتَّاب، ثم نرد بنعمة المسيح على هذه التهم الباطلة، خلال إجابة هذا السؤال، بالإضافة لإجابات الأسئلة الأربعة التالية، حتى تتضح الأمور تمامًا، فيقول الدكتور محمد بيومي مهران ” أن هذه التوراة الأصلية ببنودها ونصوصها وتعاليمها وموادها الكاملة لا وجود له بهذه الصورة الإلهية التي كانت عليها وقت موسى، فلقد امتدت إليها أيد أثيمة من يهود، فحرَّفت وبدَّلت ثم كُتبت سواها بما يتلاءم مع اليهود، ويتواءم من مخططاتهم، ثم زعموا -بعد كل هذا- أنها هي التوراة التي أنزلها الإله على موسى”(1).
ويقول د. موريس بوكاي ” أن مؤلفًا مثل سفر التكوين قد عُدّل على الأقل مرتين، وهذا على مدى ثلاثة قرون، فكيف ندهش حين نجد فيه أمورًا غير معقولة أو روايات يستحيل أن تتفق مع واقع الأشياء.. وإنه لمن المؤسف ألا يأخذ بهذا التفسير عامة المعلقين مسيحيين كانوا أو يهود”(2).
كما يعلق د. موريس بوكاي على تصريح المجمع الفاتيكاني الثاني بشأن العهد القديم فيقول ” وهناك جملتان من هذه الوثيقة الخاصة بالعهد القديم(3).. تقول {بالنظر إلى الوضع الإنساني السابق على الخلاص الذي وضعه المسيح، تسمح أسفار العهد القديم للكل بمعرفة من هو الله ومن هو الإنسان.. غير أن هذه الكتب تحتوي على شوائب وشيء من البطلان، مع ذلك ففيها شهادة عن تعليم إلهي} ليس هناك إذًا أحسن من كلمتي {الشوائب} و{البطلان} اللتين تنطبقًا على بعض النصوص.. إن هذا النص جزء من تصريح شامل صُوّت عليه نهائيًا بأغلبية 2344 صوتًا ضد 6 أصوات.. إن المجمع المسكوني للفاتيكان الثاني (1962 – 1965م) قد خفف شدة من هذا التصلب (التمسك بصحة نصوص التوراة) وذلك بإدخال تحفظ على ” أسفار العهد القديم ” التي ” تحتوي على الشوائب وشيء من البطلان”..”(4).
ويكرر بوكاي نفس المعنى في كتاب آخر(5) ويؤكد بوكاي أن الكتاب المقدَّس بعهديه قد حوى مقاطع باطلة، فيقول “وإننا نأسف حقًا لذلك الموقف الذي يهدف إلى تبرير الاحتفاظ في نصوص التوراة والإنجيل ببعض المقاطع الباطلة خلافًا لكل منطق. إن ذلك موقف يسيء كثيرًا إلى الإيمان بالله لدى بعض العقول المثقفة. ومع ذلك فقد أثبتت التجربة أنه إذا كان بعضهم قادرًا على فضح مواطن الضعف من هذا النوع، فإن الغالبية من المسيحيين لم تدرك حتى الآن وجود هذا الضعف، وظلت في جهالة تامة من أمر ذلك التناقض”(6).
وأيضًا قال بوكاي ” بهذا يتضح ضخامة ما أضافه الإنسان إلى العهد القديم وبهذا أيضًا يتبيّن القارئ التحولات التي أصابت نص العهد القديم من نقل إلى نقل آخر ومن ترجمة إلى ترجمة أخرى، بكل ما ينجم حتمًا عن ذلك تصحيحات، جاءت على أكثر من ألفي عام”(7).
ويقول السيد سلامة غنمي ” ويثير الدهشة حقًا تنوع ردود الأفعال لدى المعلقين المسيحيين إزاء هذا الكم المتراكم من الأخطاء والمتناقضات والأمور غير المعقولة:
(أ) بعضهم يقبل بعض الأخطاء ولا يتردد في مواجهة المسائل الشائكة فيما يكتب.
(ب) البعض الآخر يصرف النظر برشاقة عن دعاوي غير مقبولة، ويتقيد بالدفاع كلمة كلمة عن النص ويحاول الإقناع عن طريق تصريحات مديحية، يأمل بذلك أن يضفي ضبابًا من النسيان على ما يرفضه المنطق.
فمثلًا الأب ” ديفو ” في مقدمة ترجمته لسفر التكوين يقبل وجود هذه الانتقادات.. ويقول في ملاحظاته.. إنه إذا كان التراث قد ضخم أبعاد كارثة عالمية (الطوفان) فإن ذلك لا يهم. إنما جوهر المسألة هو أن الكاتب الديني حمَّل هذه الذكرى بتعاليم أزلية عن عدل ورحمة الله.. بهذا يبرر تحوُّل أسطورة شعبية إلى حديث إلهي.. إن هذا الموقف المديحي:
(1) يبرر كل تعسفات البشر فيما يختص بالأمور الإلهية.
(2) يغطي تعديلات البشر لتأليف نصوص التوراة..
لقد رأى عدد كبير من المعلقين المسيحيين أنه من اللباقة أن يشرحوا الأخطاء والأمور غير المعقولة وتناقضات روايات التوراة، وذلك بتقديم الاعتذار الذي يقول أن كتَّاب التوراة كانوا معذورين في تقديم تصريحات ترتبط بعوامل اجتماعية لثقافة أو لعقلية مختلفة”(8).
ويقول الأستاذ محمد قاسم عن التوراة ” إن الدارسين لها قد أثبتوا بها تحريفات بالزيادة والنقض، ولكن هذا لا يمنع من وجود الوقائع الصحيحة أيضًا، فإضافة آيات ومعلومات غير صحيحة، وحذف معلومات أخرى كان لتحقيق أغراض معينة هدف إليها مدونوا التوراة، ولو تأملنا أسلوب التدوين والهدف الذي سعى إليه مدونو التوراة لوجدنا ضوءًا يكشف عن الجزء الصحيح في هذا الخليط من الاختلافات والمتناقضات”(9).
أما الدكتور مصطفى محمود فيقول ” ويؤمن المسلمون بأن التوراة نزلت على موسى بوحي سماوي، ولكنهم يقولون أن التوراة الموجودة المتداولة قد دخل عليها التبديل والتحريف.. والقرآن يؤكد هذا الكلام بما ذكره من اليهود وكتابهم ” يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ” وروائه عنهم.. إنهم ” يحرفون الكلم عن موضعه”..”(10). كما يقول ” لا يحتاج من يريد إثبات التحريف والتغيّير والتبديل في التوراة إلى أدلة من الخارج.. فالتوراة ذاتها تعطيه المفتاح، وتعطيه الأدلة على تحريفها بصريح آياتها.. اسمع داود في المزامير.. الإصحاح 56: 4، 5 يقول {ماذا يصنعه بي البشر. اليوم كله يُحرّفون كلامي ْ وأرميا {قال الرب لي. بالكذب يتنبأ الأنبياء باسمي. لم أرسلهم ولا أمرتهم ولا كلمتهم. برؤيا كاذبة وعرافة باطلة ومكر قلوبهم هم يتنبأون لكم} (أر 14: 14).. {أما وحي الرب فلا تذكروه بعد. لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إذ قد حرفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا} (أر 23: 36) – {هاآنذا على الذين يتنبأون بأحلام كاذبة} (أر 23: 32)”(11).
وأيضًا يقول الدكتور مصطفى محمود ” يقول آدم كلارك في المجلد الثاني من تفسيره في شرح آيات من سفر صموئيل ما نصه {وقعت في كتب التواريخ من العهد العتيق تحريفات كثيرة.. والأحسن أن نُسلّم من أول وهلة بالأمر الذي لا سبيل إلى إنكاره وهو أن مصنفوا التوراة وإن كانوا ذوي إلهام فإن الناقلين لم يكونوا كذلك} وقال جان ملز في الصفحة 115 من كتابه الذي طبع في بلدة دربي سنة 1343م {اتفق أهل العلم على أن نسخ التوراة الأصلية وكذا نسخ كتب العهد العتيق ضاعت من أيدي عسكر بختنصر، ولما ظهرت نُقُولها الصحيحة بواسطة عزرا ضاعت تلك النُقول أيضًا في حادثة أنتيبوكس}.. ولا يعني هذا رفض التوراة برمتها، فهذا أمر لا ندعو إليه، وسوف تظل التوراة مصدر إلهام ديني بما فيها من العديد من الأسفار والصفحات المضيئة المشرقة”(12).
ويقول الدكتور أحمد حجازي السقا أستاذ مقارنة الأديان بجامعة الأزهر ” لما حرَّف ” عزرا ” وشيعته شريعة موسى بن عمران -عليه السلام- في مدينة بابل أيام الملك ” نبوخذ نصر ” ورجعوا إلى أورشليم بالتوراة التي كتبوها بأيديهم أشاعوا في الناس: أن شريعة موسى قد ضاعت أثناء تدمير ” أورشليم” و”هيكل سليمان ” على يد جنود ” نبوخذ نصر ” وأن ” عزرا ” بكى بكاءً شديدًا على ضياعها، وتأسف في قلبه على فقدانها، ولما رأى الله شفقته على دينه، وحرصه على أن يُعبَد في الأرض، تحنَّن عليه وأرسل إليه الذي يلقنه التوراة على الأصل الذي تركه موسى. وأشاعوا أن ” عزرا ” لما تلقى التوراة وأخبر الناس بها، طلبه علماء بني إسرائيل – الذين كانوا قد وجدوا التوراة الأصلية مُخبأة في الجبال، من أيام ” نبوخذنصر ” كما يزعمون – وقالوا له: أتل علينا التوراة التي لقنك الله إياها، فتلاها، فوجدوها مثل التوراة التي تركها موسى بدون زيادة ولا نقصان. هذا ما أشاعه ” عزرا ” وشيعته”(13).
ويقول أيضًا الدكتور أحمد حجازي السقا ” ومن عبارة ” ول. ديورانت ” وهي ” أن سفر التثنية من كتابة عزرا ” يتبين أن الذي حرَّف التوراة عمدًا في بابل من بعد سنة 586 ق.م. هو ” عزرا ” الذي جاء ذكره في القرآن الكريم باسم ” عزيز”.. أن الله صغَّر اسمه احتقارًا لشأنه.. وكل اليهود إلى يومنا هذا يعظمونه ويوقرونه ويقولون هو ابن الله.. يقولون هو ابن بمعنى القرب والمحبة كسائر بني إسرائيل.. وعزرا هذا الذي حرَّف التوراة عمدًا – يستحق اللعنة -.. إن كاتب التوراة هو عزرا الذي جاء ذكره في القرآن باسم عزيز، وإنه ليس نبيًا ولا وليًا، بل كان من العلماء الفاسقين الذين حرَّفوا كلام الله”(14).
كما يقول الدكتور السقا أيضًا ” والقرآن الكريم يشهد بأن التوراة مُحرَّفة عمدًا، بتغيير اللفظ، وبالتأويل الفاسد للفظ بعد تغيّيره. وعلى هذه الشهادة، فإن من قام بهذا العمل يعتبر ملعونًا من الله والملائكة والناس أجمعين، والذي قام بهذا العمل هو عزرا”(15).
ويقول الأستاذ الدكتور عبد القادر سيد أحمد ” أنزل الله التوراة على قلب موسى رسول الله (صلى الله عليه وسلَّم) وبعد زمان من موته حرَّفها علماء بني إسرائيل، فصارت ظلمات وقد كانت نورًا”(16).
ج:
1- بادئ ذي بدء نحن نشكر هؤلاء المشككون وأولئك المهاجمون لكتابنا المقدَّس المعصوم، لأنهم حفزونا لدراسة كلمة الله بعمق وتمعن، وفي هذا يقول الأب جورج سابا ” الحملات التي تعرَّض لها الكتاب المقدَّس قد عادت علينا بأجزل الفوائد، فليس في التاريخ من عصر كعصرنا هذا، أقبل فيه العلماء على درس الكتاب المقدَّس بمنتهى التمحيص العلمي وأشد الدقة، مستخدمين في سبيل ذلك ما أوضحته الحفريات المتتالية، والإطلاع الجدّيّ على لغات العالم القديم وآدابه وعاداته. حتى إنه يمكن القول أن كل كلمة من الكتاب قد دُرست ومازالت تُدرس وفق أرفع قواعد النقد الأدبي شأنًا”(17).
كما إننا نشكر علماء المسلمين المستنيرين الذين يترفعون عن البذاءات والاستفزازات والسخرية وعدم اللياقة، وخير مثال على ذلك الأستاذ “أحمد نون دنفر” الذي قال “إن أهمية حاجة المسلم لأن يدرس المسيحية لا تحتاج لتأكيد، فبيما يدرس كثير من التلاميذ المسيحيين الإسلام، فإن قليلين من المسلمين قد أخذوا على عاتقهم أن يدرسوا المسيحية بجدية. إن الحالة التي يجد المسلمون أنفسهم فيها اليوم تتطلب منهم أن يدرسوا المسيحية، وبالتأكيد فإن أحسن طريقة لدراسة المسيحية هي أن نستشير منابعها، وأن نحلل أفكار وآراء معتنقيها، بدلًا من الخوض في جدل رخيص كما فعل للأسف بعض الكتَّاب المسلمين في الماضي”(18)(19).
2- اختلف الأخوة المسلمون فيما بينهم في كيفية تحريف التوراة، فيقول الأستاذ أحمد أمين ” وقد اختلف أنظار المسلمين في التوراة على أحوال ثلاثة:
فقال قوم: إنها كلها أو أكثرها مبدَّلة مغيَّرة، ليست هي التوراة التي أنزلها الله على موسى، وتعرّض هؤلاء لتناقضها وتكذيب بعضها بعض (ابن حزم في الفصل) وذهبت طائفة أخرى من أئمة الحديث والفقه والكلام، إلى أن التبديل وقع في التأويل لا في التنزيل، وهذا مذهب البخاري. قال في صحيحه (يحرفون الكلم عن مواضعه) يزيلون وليس أحد يزيل لفظ كُتب من كتب الله تعالى، ولكنهم يتأولونه على غير تأويله، وهذا هو ما اختاره الرازي في تفسيره.
ومن حجة هؤلاء: أن التوراة قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها ولا يعلم عدد نسخها إلاَّ الله. ومن الممتنع أن يقع التواطؤ على التبديل والتغيير في جميع تلك النسخ، بحيث لا يبقى في الأرض نسخة إلاَّ مبدّلة مغيّرة، والتغيير على منهاج واحد، وهذا ما يخيله العقل ويشهد ببطلانه. قالوا: وقد بيَّن الله تعالى لنبيه عليه السلام محتجًا على اليهود بها {قل فأتوا بالتوراة فأتلوها إن كنتم صادقين}
وذهبت طائفة ثالثة: إلى أنه قد زيد فيها، وغُيّرت ألفاظ يسيرة، ولكن أكثرها باق على ما أنزل عليه، والتبديل في يسير منها جدًا. ومن اختار هذا القول ” ابن تيمية ” في كتابه ” الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح ” ومثل ذلك بما جاء فيها: أن الله -سبحانه وتعالى- قال لإبراهيم عليه السلام {أذبح ولدك بكرك -أو وحيدك- إسحق} فاسحق زيادة منهم في لفظ التوراة لأدلة ذكروها”(20)(21) فإن تحدث النُقَّاد المسلمون عن تحريف الكتاب المقدس، فأي تحريف يقصدون؟!
3- الكتاب المقدَّس بعهديه هو كلمة الله بشهادة الجميع مسيحيين وغير مسيحيين، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. ومما لا شك فيه أن الله يهتم بكلمته، وهو قادر بلا شك على الحفاظ عليها، فلو حدث تغيير وتبديل وتحريف، فمعنى هذا أن الله ضعيف وعاجز عن حماية كلمته، فالذي يتهم بالكتاب المقدَّس بالتحريف هو في الحقيقة يتهم الله بالعجز والضعف والتقصير والإهمال.
4- العهد القديم في يديّ أمتين هما اليهود والمسيحيين، وكان اليهود يناصبون المسيحيون العداء، فلو تجرأ فريق من اليهود أو من المسيحيين على التحريف.. تُرى هل كان الفريق الآخر يصمت، أم أنه يشهد أمام التاريخ ويُشهّر بهذا التحريف الذي فعله الطرف الآخر..؟! إذًا العهد القديم صحيح تمامًا، وأيضًا العهد الجديد مستورًا في العهد القديم، فلابد أن يكون صحيح تمامًا.
5- لو كان الكتاب المقدَّس قد تعرَّض للتحريف، فكيف أعطى الله المسيحية النصرة على أعظم فلسفة وهي الفلسفة اليونانية، وأعظم مدرسة وثنية وهي مدرسة إسكندرية؟ وأعظم قوة عسكرية وهي الإمبراطورية الرومانية؟!
6- نشأت المسيحية وهي محاطة بأربعة أعداء يتربصون بها، وهم اليهود، والوثنيون، والملوك والأباطرة، والهراطقة والمبتدعين، وكل منهم يريد لو يستطيع أن يهدم المسيحية.. تُرى، هل لو تجرأ المسيحيون على تحريف الإنجيل، هل كان يصمت كل هؤلاء؟!
7- لو كان الكتاب المقدَّس كتاب مُزيَّف مُحرَّف، فكيف قدم الملايين دمائهم رخيصة من أجل كتاب مُحرَّف؟ وكيف أيدت السماء كثير من هؤلاء الشهداء بالمعجزات العجيبة؟!
8- لو حرَّف المسيحيون كتابهم، أما كان بالأجدر أن يحذفوا كل ما لحق بإلههم من عار ولطم وبصاق وضرب على الرأس وسقطات حتى الصليب، وعري وصلب وسخرية وموت؟! ولو حرَّف اليهود العهد القديم، أما كان الأولى بهم حذف خطايا الآباء والأنبياء؟! ويقول نيافة الأنبا مكاريوس الأسقف العام ” يقع المسلمون – في مهاجمتهم للكتاب المقدَّس تحت تأثير الرغبة في إثبات أن الكتاب تنبأ بمجيء نبي الإسلام! وإذا حُرّف الكتاب فلقد كان بالأولى التخلص من سقطات نوح، ولوط، وداود، وسليمان، وقضية اللاوي والسرية… إلخ”.
9- الذين ينادون بالتحريف، هل يخبروننا: من الذي قام بالتحريف؟ ومتى؟ ولماذا؟ وكيف؟ هل أمكن جمع جميع النسخ من جميع أرجاء العالم وحرقها وإعداد نسخ جديدة؟ ألم تنجوا نسخة واحدة تفضح ما حدث؟! وهل صمت التاريخ عن تسجيل هذه الحادثة المأسوية؟ وهل صمت المسيحيون الأبطال الشجعان الذين سبق وتحدوا النار والوحوش الضارية ؟! وهل غيَّر المسيحيون معتقداتهم الجوهرية في التجسد الإلهي، وألوهية المسيح، وصلبه وقيامته في لحظة في غمضة عين ولا يوجد من يحتج ولا من يقاوم؟! ومن الذي قام بتحريف النسخ الكائنة في جوف الأرض (والإرادة الإلهية تكشف عنها يومًا فيومًا، فإذ هي مطابقة تماما لما بين أيدينا)؟!
10- إن كان على المدعي إقامة البينة، ألا يظهر لنا مُدعيّ التحريف البينة على حدوث هذا التحريف..؟! وما هي هذه البينة إلاَّ النسخة الأصلية التي لم تطلها أيدي المحرّفين المزورين الذي باعوا ضمائرهم للشيطان؟! ويقول نيافة الأنبا مكاريوس الأسقف العام ” ثم أين النسخة الحقيقية التي لديهم ليمكننا من خلالها نقد ومقارنة النسخ المحرفة!!”.
11- الذين ينادون بالتحريف ليس عليهم إلاَّ التأمل في الفن المسيحي منذ القرون الأولى إن كان لوحات فنية أو أقمشة ومنسوجات أو كتابات زخرفية.. إلخ ليجدوا فيها جميع العقائد المسيحية من تثليث وتوحيد، إلى تجسد إلهي، إلى ألوهية المسيح له المجد، إلى رحلة الصليب والقيامة، إلى المجيء الثاني والدينونة.. إلخ.
12- إن كان مشهود للمسيحيين بالأمانة في كل شيء، فكيف لا يكونوا أمناء في أغلى وأعز ما لديهم، وهو كلمة الله؟!
13- الذين يدَّعون التحريف، يا ليتهم يدرسون اقتباسات الآباء منذ القرون الأولى، فما زالت كتابات الآباء قائمة للآن تشهد بأن ما اقتبسه هؤلاء الآباء من الكتاب المقدَّس مطابق تمامًا تمامًا لما بين أيدينا.
14- كيف يشهد القرآن ويصدق على كتاب مُحرَّف مُزوَّر؟ ألم يعترف القرآن بأن التوراة والإنجيل نور وهدى للناس..؟ بلى (راجع السور القرآنية النحل 43، آل عمران 3، المائدة 44، 46).
ألم يؤكد القرآن على استحالة تحريف كلام الله..؟ بلى (راجع سورة يونس 64، سورة الأنعام 34، 115، سورة الحجر 19).
ألم يدعو القرآن اليهود والنصارى للعمل بأحكام التوراة والإنجيل..؟ بلى (سورة المائدة 43، 47، 68، سورة النساء 36، سورة الأنعام 156).
ألم يشهد القرآن لأمانة أهل الكتاب..؟ بلى (سورة البقرة 146)(31).
15- لو حرَّف اليهود التوراة، فكيف يتركون وصف الله لهم بأنهم شعب صلب الرقبة، قساة القلوب، أمة خاطئة، ثقيلة الإثم، نسل فاعلي الشر، أولاد مفسدون، يسلكون في عناد قلوبهم، عصاة متمردون..؟! وكيف يتركون سقطات آباؤهم وأنبيائهم، وسقوطهم في عبادة الأصنام مرارًا وتكرارًا، وتذمرهم المستمر على الله؟! وكيف يتركون النبوءات الواضحة الصريحة عن السيد المسيح وآلامه وقيامته؟!
16- نحن لا نوافق الكنيسة الكاثوليكية على انفتاحها على مدرسة النقد الأعلى، وتبني آراءها الخاطئة، مثل اتهامها للعهد القديم أنه يحوي شوائب وشيء من البطلان، وإدعاءها بأن موسى النبي لم يكتب التوراة، وأن التوراة حوت بعض الأساطير، ولا نعجب من المجمع الفاتيكاني الثاني الذي برأ اليهود من دم السيد المسيح، ونادى بعقيدة خلاص غير المؤمنين حتى ولو كانوا من عبدة الأصنام!!
وإن كنا نسجل اعتراضنا على بعض آراء المجمع الفاتيكاني والتي اتخذها بعض النقاد زريعة يطعنون بها إيماننا الأقدس بكلمة الله، فإنه من الأمانة أن نذكر أنه في مواضع أخرى أكد المجمع الفاتيكاني الثاني على الوحي المطلق للأسفار المقدَّسة، فجاء في دستور الوحي الإلهي – القسم الثاني من الفقرة 11 ” لما كان ينبغي أن تُعد جميع أقوال المُلهَمين، أو كتَّاب الأسفار المقدَّسة، أقوال الروح القدس، فإنه من الواجب الإقرار بأن أسفار الكتاب المقدَّس تُعلّم بثبات وأمانة من غير خطأ الحقيقة التي أراد الله أن تُودع من أجل خلاصنا في الأسفار المقدَّسة، لذلك فكل ما كُتب هو من وحي الله”(22) كما أشاد هذا المجمع الفاتيكاني بتعاليم العهد القديم السامية وكنوزه الرائعة، وصرح بأن أسفار العهد القديم ” تبين أسلوبًا تربويًا إلهيًا حقيقيًا، لذا على المسيحيين أن يقبلوها بكل احترام فهي تعبر عن إحساس حي بالله، وتشمل تعاليم سامية عن الله، وحكمة مفيدة عن حياة الإنسان، وكنوزًا رائعة من الصلوات، وفي طياتها أخيرًا يحتجب سر خلاصنا” (الفقرة 15)(23).
ويقول نيافة الأنبا مكاريوس الأسقف العام ” كلمة الله صادقة، وكل الكتاب هو مُوحى به.. ولكن يجب ملاحظة أن هناك:
أ – تعبير الله عن نفسه: “أنا هو.. أنا قلت.. يهوه.. “
ب- كلمة الله إلى البشر: “هكذا يقول الرب.. قل لبني يهوذا.. “
جـ- أحداث وقصص واردة حدثت بالفعل (لأنه كتاب معصوم) ومنها بعض الخطايا كالزنى والقتل، ويؤكد الكتاب والوحي أنها حدثت بالفعل وإن كان لا يؤيد الخطية..”.
وفي الرد على الأب ” ديفو ” الذي يظن أن الطوفان مجرد أسطورة، وتمسك السيد سلامة غنمي بمثل هذه الشهادة، نقول لهما لقد سبق مناقشة موضوع الطوفان وعما إذا كان أسطورة أم حقيقة(24).
17- ردًا على د. موريس بوكاي الذي ادعى بأن الإنسان أضاف الكثير والكثير للعهد القديم، كما أن العهد القديم تعرَّض لكثير من التحويرات والتحولات على أيدي النساخ والمترجمين خلال ألفي عام، نقول له وما رأيك في تطابق المخطوطات القديمة على ما بين أيدينا تمام المطابقة، ولا أظن أنه يجهل الاكتشافات العظيمة لمخطوطات وادي قمران، فبعد أن كانت أقدم نسخة للعهد القديم في العالم كله ترجع إلى القرن التاسع الميلادي عادت بنا مخطوطات وادي قمران للخلف أكثر من ألف سنة، حيث يرجع تاريخا إلى القرن الثالث والثاني قبل الميلاد، وتطابقها مع ما بين أيدينا يُسكت القائلين بالتحريف والتحوير والحذف والإضافات.. إلخ.
ولندع الأستاذ سليم حسن يرد على بوكاي حيث يقول ” كُتبت التوراة في الأصل باللغة العبرية، وفي خلال القرن الثالث قبل الميلاد أمر ” بطليموس ” الثالث على ما يُقال بترجمة هذا الكتاب إلى اللغة الإغريقية، وهذه الترجمة تُعرف بالترجمة السبعينية نسبة إلى الكهنة السبعين الذين ترجموها، ومما يؤسف له جد الأسف أنه لم تصل إلينا نسخة واحدة من الأصل القديم الذي تُرجم عنه، وأقدم نسخة لدينا بالعبرية يرجع عهدها إلى القرن العاشر الميلادي(25)وبالموازنة بين النسختين وُجد أنه لم تحدث اختلافات كبيرة بين نسخة القرن الثالث قبل الميلاد المترجمة ونسخة القرن العاشر بعد الميلاد. وحينما وجدت فروق فإنها أتت عن طريق المترجمين الذين أرادوا أن يتصرفوا في ترجمتهم بدلًا من تتبع الترجمة الحرفية”(26).
18- بالنسبة للإدعاء بأن هناك نصوص قرآنية تثبت تحريف الكتاب المقدَّس نفرد له سؤالًا خاصًا وهو السؤال رقم 276، وأما بالنسبة للإدعاء بأن (مز 56: 4، 5، ار 14: 14، 23: 36، 23: 32) يثبت التحريف، فهذا قول جانبه الصواب.. لماذا؟
أ – قول الدكتور مصطفى محمود بأن لا يحتاج من يريد إثبات التحريف والتغيير والتبديل في التوراة إلى أدلة من الخارج.. فالتوراة ذاتها تعطيه المفتاح، وتعطيه الأدلة على تحريفها بصريح آياتها.. اسمع داود في المزامير.. الإصحاح 56: 4، 5 يقول ” ماذا يصنعه بي البشر. اليوم كله يحرفون كلامي”..
تعليق: السؤال هنا ” يحرفون كلامي”.. كلام من؟ يرى الدكتور مصطفى أنهم يحرفون كلام الله.. وما الدليل على ذلك..؟ لا دليل، والحقيقة أن الكلام هو كلام داود وليس كلام الله، وما الدليل؟ الدليل أن هذا المزمور يمثل تضرع من داود النبي لله لينجيه من الأعداء، وفيه تكلم داود عن كلام الله عندما قال ” الله أفتخر بكلامه ” أما ما قصده داود بـ”كلامي” فهو كلام داود ذاته.. أنظر إلى النص الكامل لتدرك يا صديقي مدى تلاعب النقاد، ومحاولاتهم إثبات تحريف الكتاب المقدَّس.. ” إرحمني يا الله لأن الإنسان يتهمني واليوم كله محاربًا يضايقني. تهممني أعدائي اليوم كله لأن كثيرين يقاومونني بكبرياء. في يوم خوفي أنا أتكل عليه. الله أفتخر بكلامه. على الله توكلت فلا أخاف. ماذا يصنعه بي البشر. اليوم كله يحرفون كلامي. عليَّ كل أفكارهم بالشر. يجتمعون يختفون يلاحظون خطواتي..” (مز 56: 1 – 6) ولا يمكن أن الناقد الذي استقطع هذه الآية حسن النية لأن الآيات التي تسبقها والتي تليها تعبر عن داود وليس الله.. وألم يلتفت لكل هذه الكلمات (أرحمني – يتهمني – يضايقني – تهممني – أعدائي – يقاومونني – خوفي – كلامي – خطواتي.. إلخ.) ويدرك أنها تعبر عن داود وليس عن الله؟!!
ب- الدليل الثاني الذي ساقه الدكتور مصطفى محمود لإثبات تحريف التوراة قول أرميا النبي ” قال الرب لي بالكذب يتنبأ الأنبياء باسمي. لم أرسلهم ولا أمرتهم ولا كلمتهم. برؤيا كاذبة وعرافة باطلة ومكر قلوبهم هم يتنبأون لكم” (آر 14: 14).
تعليق: قد سبق الرد عليه في إجابة السؤال 107 في الجزء الثاني من مدارس النقد ص 226، 227 ولتجنب التكرار نقول أن المقصود بالأنبياء الذي يتنبأون بالكذب وينسبون كلامهم لله هم الأنبياء الكذبة، والدليل واضح تمامًا إذا أخذنا المقطع (أر 14: 13 – 18). ننظر إلى كلام أرميا لله وجواب الله عليه ” فقلت آه أيها السيد الرب. هوذا الأنبياء يقولون لهم (للشعب) لا ترون سيفًا ولا يكون لكم جوع بل سلامًا ثابتًا أعطيكم في هذا الموضوع. فقال الرب لي: بالكذب تتنبأ الأنبياء باسمي. لم أرسلهم ولا أمرتهم..” (أر 14: 13، 14) وقد عاقب الله هؤلاء الأنبياء الكذبة ” هكذا قال الرب عن الأنبياء الذين يتنبأون باسمي وأنا لم أرسلهم.. بالسيف والجوع يفنى أولئك الأنبياء” (أر 14: 15) هل بعد هذا وضوح؟!!
جـ- الدليل الثالث الذي ساقه الدكتور مصطفى محمود لإثبات تحريف التوراة ” أما وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إذ قد حرفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا” (أر 23: 36).
كما يقول الدكتور أحمد حجازي السقا ” ثم أن شرذمة منهم جرؤت على كتاب الله، فأعادوا كتابته من جديد، وبدلوه تبديلًا، ولبَّسوا الحق بالباطل.. عمدوا إلى صياغة التوراة بحيث تكون شريعة لهم وحدهم، مستبعدين الأمم من الدخول في دينهم، ليحافظوا على كيانهم أبد الدهر. وقد اعترف أنبياؤهم بذلك التحريف المتعمد، فقد كتب أرميا في سفره {قد حرفتم كلام الإله الحي} (أر 23: 36) وكتب {من عند أنبياء أورشليم خرج نفاق في كل الأرض} (أر 23: 15)”(27).
تعليق: المقطع ككل (أر 23: 33 – 40) يتحدث عن الوحي الكاذب والأنبياء الكذبة.. ماذا فعل هؤلاء الأنبياء الكذبة؟ لقد حرَّفوا كلام ورسالة الله للشعب، فبينما كان أرميا ينذر الشعب بالعقاب الإلهي ووقوع السبي وحدد مكان السبي وهو بابل، وحدد مدة السبي وهي سبعين سنة، وكان يطالب الشعب بالتوبة، فإن هؤلاء الأنبياء الكذبة كانوا يطمئنون الشعب قائلين سلام سلام، حتى إن الشعب انساق إليهم وبدأوا يسخرون من أرميا النبي متهكمين عليه وهم يسألونه: ما هو وحي قضاء الرب؟ فقال له الرب ” إذا سألك هذا الشعب.. ما وحي الرب؟ فقل لهم أيُّ وحي. إني أرفضكم.. أما وحي الرب فلا تذكروه” (أر 23: 33 – 35) أي لا تذكروا وحي الرب مادمتم تبدلون فيه ليوافق هواكم، فواضح أن المقصود بوحي الرب هنا هو رسالة الله للشعب.. أما الوحي الحقيقي الذي أبلغه أرميا النبي للشعب فهو الذي سجله في سفره وهو الذي تحقق تمامًا.
أما الآية التي استقطعها الدكتور السقا (أر 23: 15) من سياقها، فإن الأمانة العلمية كانت تقتضي ذكر ما قبلها وما بعدها لكيما يتضح المعنى المقصود، وهو الأنبياء الفاسقين الكذبة الداعين للشر ” وفي أنبياء أورشليم رأيتُ ما يقشعرُّ منه. يفسقون ويسلكون بالكذب ويشددون أيادي فاعلي الشر حتى لا يرجعوا الواحد عن شره. صاروا لي كلهم كسدوم وسكانها كعمورة. لذلك هكذا قال رب الجنود عن الأنبياء. هأنذا أطعمهم أفسنتينًا وأسقيهم ماء العلقم لأنه من عند أنبياء أورشليم خرج نفاق في كل الأرض. هكذا قال رب الجنود لا تسمعوا لكلام الأنبياء الذين يتنبأون لكم. فإنهم يجعلونكم باطلًا. يتكلمون برؤيا قلبهم لا عن فم الرب” (أر 23: 14 – 16).
د – الدليل الرابع الذي ساقه الدكتور مصطفى محمود لإثبات تحريف التوراة ” ها أنذا على الذين يتنبأون بأحلام كاذبة” (أر 23: 32) فهذه الآية مستقطعة من المقطع السابق للمقطع الذي ناقشناه عاليه، والمقطع ككل (أر 23: 23 – 32) يتحدث عن الرؤى الكاذبة ورفض الله لها، فذات الآية التي أوردها الدكتور مصطفى محمود لا تعد دليلًا على التحريف، بل على العكس تعد دليلًا على وقوف الله ضد الأنبياء الكذبة الذي يحرفون رسالة الله للشعب، ويعلن لهم ذاته على أنه العالم بكل شيء ” إذا إختبأ إنسان في أماكن مستترة أفما آراه أنا يقول الرب. أما أملأ أنا السموات والأرض يقول الرب” (أر 23: 24) ثم يقول الله عن هؤلاء الأنبياء الكذبة ” قد سمعت ما قالته الأنبياء الذين تنبأوا باسمي بالكذب قائلين حلمت حلمت.. بل هم أنبياء خداع قلبهم. الذين يفكرون أن ينسُّوا شعبي إسمي بأحلامهم.. النبي (الكاذب) الذي معه حلم فليقص حلمًا والذي معه كلمتي (النبي الصادق) فليتكلم بكلمتي بالحق. ما للتبن مع الحنطة يقول الرب.. لذلك هأنذا على الأنبياء (الكذبة) يقول الرب الذين يسرقون كلمتي بعضهم من بعض. هأنذا على الأنبياء (الكذبة) يقول الرب الذين يأخذون لسانهم ويقولون قال. هأنذا على الذين يتنبأون بأحلام كاذبة يقول الرب الذين يقصُّونها ويضلُّون شعبي بأكاذيبهم ومفاخراتهم وأنا لم أرسلهم ولا أمرتهم..” (أر 23: 25-33).
19- تقول الأخت الإكليريكية سامية صادق سمعان – إكليريكية طنطا ” يستند البعض في دعوى تحريف الكتاب المقدَّس على قول الله على لسان أرميا النبي {كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا. حقًّا إنه إلى الكذب حوَّلها قلم الكتبة الكاذب} (أر 8: 8) والحقيقة أن الكتبة كان لهم دورهم البارز في عصر يوشيا الملك وأرميا النبي حيث كانوا يتولون السجلات الرسمية لملوك يهوذا. كما كان لهم نشاطهم في تعليم التوراة ونساختها، ولكن خلال تعاليمهم الخاطئة وتفسيراتهم المغرضة حوَّلوا الحق الإلهي إلى الكذب، فقد اهتموا بالتوراة ككتاب أكثر من اهتمامهم بالله صاحب الكتاب، وقد أعمى الطمع عيون قلوبهم، فتجاهلوا الوصية الإلهية، وتنبأوا بنبوات كاذبة وكلمات ناعمة (أش 30: 10) حتى يهدأوا مخاوف الشعب ويكسبوا القيادات لصفهم، والمقصود بتحويل شريعة الله بقلم الكتبة إلى الكذب ليس تحريف النصوص الإلهية، بل المقصود هو تفسير الكتبة للنصوص الإلهية تفسيرًا كاذبًا على هواهم..
ومن أسانيد مُدعّي التحريف أيضًا ما جاء في سفر أرميا {هآنذا على الذين يتنبأون بأحلام كاذبة يقول الرب الذين يقصُّونها ويضلون شعبي بأكاذيبهم ومفاخراتهم وأنا لم أرسلهم ولا أمرتهم} (أر 23: 32) فقد بدأ المقطع من (أر 23: 23، 24) بتوبيخ الأنبياء الكذبة الذي يدَّعون أن الله يتحدث معهم في الأحلام، بينما الله الساكن في الأعالي يتطلع إليهم ويدرك كذبهم، فأحلامهم الكاذبة كالقش ليس له فاعلية أما كلمة الله فنار تحرق الشر. لقد نسبوا لله كلماتهم وأفكارهم قائلين {قال الرب..} والرب لم يقل، بل أنه يؤكد في هذا العدد أنه ضد الأنبياء الذين يخبرون بأحلام باطلة”(28).
20- اعتمد البعض في قضية التحريف على ضياع النسخ الأصلية للتوراة، فهل يعلموننا أين النسخ الأصلية لمؤلفات سقراط وأفلاطون؟ وأين النسخ الأصلية للشعر الجاهلي؟ وأين النسخ الأصلية للقرآن؟!(29).
ويقول الأستاذ محمد قاسم أن موسى النبي لم يكتب نسخة واحدة، بل كتب ثلاثة عشرة نسخة، وأعطى كل سبط نسخة -كما جاء في التلمود نقلًا عن آدم كلارك- ولما كان في أيدي اللاويين نسخ من التوراة فلذلك لم يتأثروا لضياع نسخة موسى، وإن اللاويين كانوا متفرقين في الأرض بين الأسباط لتعليم التوراة وظلت التوراة متداولة معهم إلى زمن السبي البابلي(30).
وخلال الأسئلة الأربعة التالية وإجاباتها نواصل الرد على قضية التحريف من وجهة نظر القرآن، ليدرك الأخوة المسلمون الحقيقة.
_____
(1) مذكرة تاريخ الشرق الأدنى القديم – تاريخ اليهود – كلية الآداب – جامعة الإسكندرية سنة 1972م ص 215.
(2) القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم ص 54.
(3) لفصل الرابع ص 53.
(4) المرجع السابق ص 59 – 62 .
(5) راجع ما أصل الإنسان؟ ص 155.
(6) القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم ص 10.
(7) المرجع السابق ص19.
(8) التوراة والأناجيل بين التناقض والأساطير ص 116، 117.
(9) التناقض في تواريخ وأحداث التوراة من آدم إلى سبي بابل ص 507.
(10) التوراة ص 11، 12.
(11) المرجع السابق ص 95، 96.
(12) التوراة ص 102، 103.
(13) نقد التوراة ص 178.
(14) المرجع السابق ص 155 – 158.
(15) نقد التوراة ص 179 .
(16) أورده د. أحمد حجازي السقا – نقد التوراة ص 3.
(17) على عتبة الكتاب المقدَّس ص 13.
(18) General And Introductor, Books And Christianit P. 4.
(19) راجع جون جلكرايست – نعم الكتاب المقدَّس هو كله الله.
(20) ضحى الإسلام جـ1 ص 327، 328 مطبعة الاعتماد بمصر سنة 1934.
(21) أورده د. أحمد حجازي السقا – أستاذ مقارنة الأديان جامعة الأزهر – نقد التوراة ص 213 جـ 1 2005 م.
(22) الأب جورج سابا – على عتبة الكتاب المقدَّس ص 152.
(23) المرجع السابق ص 22.
(24) راجع كتابنا: مدارس النقد والتشكيك جـ 4 ص 172 – 223.
(25) هذا يتفق مع الوضع قبل اكتشاف مخطوطات وادي قمران، والتي كشفت عن نسخ من العهد القديم ترجع للقرن الثاني قبل الميلاد، ووجدت مطابقة لما بين أيدينا.
(26) مصدر القديمة جـ 7 ص 127، 128.
(27) نقد التوراة ص 23، 24.
(28) من أبحاث النقد الكتابي.
(29) راجع كتابنا: أسئلة حول صحة الكتاب المقدَّس ص 40، 41.
(30) راجع التناقض في تواريخ وأحداث التوراة ص 553، 554.
(31) راجع كتابنا: أسئلة حول صحة الكتاب المقدَّس ص 102 – 116.
هل تعرض الكتاب المقدس للتحريف كما يدعي الكثيرون؟
هل تعرضت التوراة الحالية للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
هل تعرضت التوراة الحالية للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
313- كُتبت التوراة باللغة العبرية القديمة بأحرف أبجدية خالية من التشكيل والحروف المتحركة والتنقيط، وإن هذه اللغة خرجت عن الاستعمال الحي في القرن السادس قبل الميلاد، وعندما جاء المأزوريون (500 – 900 م) وضعوا التنقيط والتشكيل.. ألا تكون التوراة الحالية قد تعرضت للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
يقول فراس السواح ” وبما أن التوراة عبارة عن نصوص بالغة القدم كُتبت أصلًا بأحرف أبجدية خالية من الحركات والضوابط، ولأن لغة هذه النصوص خرجت عن إطار الاستعمال العام من زمن يعود إلى ما قبل القرن السادس والخامس قبل الميلاد.. فأنه لا يمكن لأحد أن يعرف كيف كانت هذه اللغة تلفظ وتصوَّت في الأصل لدى الشعب الذي تكلمها.. فأن النص المكتوب بالأحرف الساكنة للتوراة العبرية وصل إلينا من القدم دون أن يُمس تقريبًا، رغم أن إدخال الحركات والضوابط عليه، بصورة اعتباطية في أحيان كثيرة، قد غيَّر إعراب الجُمل وحوَّر المعاني، وأدخل على النص تحريفات هي أضخم بكثير مما يتصوَّره علماء التوراة. ذلك أن عمل الماسوريين قد بدأ بعد مضي ألف سنة على الوقت الذي كانت فيه العبرية لغة حيَّة ومتداولة”(1)(2).
ج:
1- لم ينقطع الشعب اليهودي عن قراءة التوراة سواء قبل السبي أو خلال فترة السبي أو بعد العودة من السبي، ولم يجدوا أي صعوبة في القراءة، فلا يصح الحكم على المرحلة قبل اختراع التشكيل والحروف المتحركة والتنقيط بمعيار اليوم، فبالرغم من أنه لم يكن هناك تشكيل ولا تنقيط لكنهم أجادوا القراءة باللغة العبرية، وهذا ما فعله عزرا الكاتب الماهر “وقرأوا في السفر في شريعة الله ببيان وفسروا المعنى وأفهموهم القراءة” (نح 8: 8) وحتى عندما دخل السيد المسيح له المجد مجمع الناصرة “فدفع إليه سفر إشعياء. ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبًا فيه روح الرب على..” (لو 4: 17 – 20).
ويقول جوش مكدويل ” كانت المخطوطات اليونانية تكتب بدون فواصل بين الكلمات، بينما كانت النصوص العبرية تكتب بدون حروف علَّة حتى أضافها المازوريون بين القرن الخامس والقرن العاشر الميلادي. وقد يبدو هذا مستغربًا بالنسبة للقارئ الحديث، ولكن بالنسبة للقدماء ممن كانوا يتحدثون اليونانية أو العبرية كان هذا أمرًا عاديًا، وكانت الكتابات مفهومة وواضحة، ولم يكن اليهود بحاجة إلى كتابة حروف العلَّة إذ أنهم تعلموا لغتهم وتعلموا كيف ينطقونها ويفسرونها. كذلك لم يكن لدى الشعوب المتحدثة باليونانية أي مشكلة في قراءة لغتها بدون مسافات فاصلة بين الكلمات”(3).
2- تم ترجمة العهد القديم في القرن الثالث قبل الميلاد من اللغة العبرية لليونانية لغة العالم كله، كما تُرجم العهد القديم أيضًا للغة الآرامية خلال المرحلة الأخمينية.
3- لم توضع التوراة في ركن مهمل، بل كان يوجد منها مئات النسخ التي انتشرت في طول البلاد وعرضها، وكانت في كل مجمع من مجامع اليهود، وكانت محل اهتمام كل اليهود وموضع دراستهم العميقة، ولا ننسى مثلًا “الهكسابلا” ذلك العمل العظيم الذي قام به العلامة أوريجانوس في القرن الثالث الميلادي، إذ وضع العهد القديم في ستة أعمدة تشمل:
1- النص العبري بحروف عبرية.
2- النص العبري بحروف يونانية.
3- الترجمة السبعينية.
4- ترجمة أكويلا.
5- ترجمة ثيؤدوثيون.
6- ترجمة سيماخوس.
4- الدكتور سيد القمني الذي قال بأن غياب التشكيل والتنقيط والحروف المتحركة أدى إلى لبس وأخطاء، يعترف بأنه قد تم معالجة هذا الأمر على أيدي الحشمونيين في القرن الثاني قبل الميلاد، فقال ” مدونات التوراة قد ظلت زمانًا طويلًا خالية من التنقيط والتشكيل، إضافة إلى اختلاف النطق في الحروف العبرية ذات المخرج الواحد: الشفاه، الأسنان، الحنجرة، اللسان، الحلق، مع غياب الأزمنة.. ناهيك عن غياب الحروف المتحركة، ولم يتم وضع ذلك كله إلاَّ في أيام الحشمونيين قبل الميلاد بحوالي قرنين من الزمان”(4)(5).
5- في مجمع “جامنيا” سنة 90م تم اعتماد النص العبري الساكن من بين عدَّة نصوص وترجمات، وهذا دليل على كفاءة وفاعلية هذا النص، فلو كانت ثمة مشاكل متعلقة بالنص، ما كان هذا المجمع التاريخي أكد على أهمية هذا النص العبري.
6- بدأ المازوريون عملهم نحو سنة 500م، فأنتجوا لنا النص المازوري، وكلمة مازوري مشتقة من كلمة ” مازورا ” أي تقليد، وبذلك وضع المازوريون الصيغة التقليدية لقراءة التوراة، فعندما بدأ المازوريون عملهم كان أمامهم النص العبري، وكان أمامهم ترجمات مختلفة مثل الترجمات اليونانية، السبعينية التي تمت في القرن الثالث قبل الميلاد، وترجمة أكويلا وترجمة سيماخوس وترجمة ثيؤدوسيون ويرجع كل منهم للقرن الثاني الميلادي، وأيضًا الترجمات السريانية مثل ترجمة البشيتا التي يرجع تاريخها للقرن الأول الميلادي، وغيرهم من الترجمات المختلفة.
ويقول فراس السواح ” والحقيقة أن النص العبري المُحرَّك قد اكتمل فعلًا على يد المازوريين في القرن العاشر الميلادي، غير أن النص الساكن قد تم تحريكه بصورة غير مباشرة في وقت مبكر، وذلك عن طريق الترجمة إلى لغة مصوَّته كاليونانية، التي تُرجم إليها أواسط القرن الثالث قبل الميلاد.. ولإعطاء مثل مبسط عما نعنيه بالتصويت غير المباشر، نقول أن كلمة ” كتب ” باللغة العربية، إذا وردت هكذا بدون تحريك وإلى جانبها ترجمتها الإنجليزية ” Wrote ” فإن الكلمة تعني الفعل ” كَتَبَ ” لا ” كُتبْ ” كجمع لكلمة كتاب.. لقد كان بين أيدي المازوريين عدد لا بأس به من الترجمات إلى لغات مصوَّتة ترشدهم في مواضع الأشكال، وهذه الترجمات قد صيغت في وقت مبكر كان خلاله واضعوها على صلة مباشرة باللغة الحيَّة أكثر من زملائهم المازوريين”(6).
ويقول جوش مكدويل ” المازوريون هم علماء اليهود الذين قاموا فيما بين 500-900 م. بإخراج الشكل النهائي لنص العهد القديم.. أولًا: لوضع نظام ثابت للنص الذي يعتمد على الحروف الساكنة، وثانيًا: لوضع نظام ثابت للترقيم واستخدام حروف العلَّة لضبط عملية النطق والقراءة.. وقد أُطلق عليهم اسم المازوريين لأنهم قاموا بحفظ التقليد الشفهي (المازورا) مكتوبًا..
وهناك مدرستان أو مركزان رئيسيان للنشاط المازوري -مستقل أحدهما عن الآخر- المدرسة البابلية والمدرسة الفلسطينية، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وأشهر المازوريين هم علماء اليهود الذين عاشوا في طبرية بالجليل، موسى بن أشير (وإبنه هارون) وموسى بن نفتالي في أواخر القرن التاسع والقرن العاشر.
والنص الذي دوَّنه ابن أشير هو النص العبري القياسي اليوم.. كان المازوريون على درجة عالية من العلم، وتعاملوا مع النص بأقصى درجات الاحترام والتبجيل ووضعوا نظامًا معقدًا لحفظه من زلات الكهنة، فعلى سبيل المثال قاموا بإحصاء عدد المرات التي ورد فيها كل حرف من حروف الهجاء في كل سفر، وحدَّدوا الحرف الأوسط من الأسفار الخمسة الأولى، والحرف الأوسط في الكتاب المقدَّس العبري كله، كما قاموا بحسابات أخرى أكثر دقة وتفصيلًا من هذه، ويقول ” ويلر روبنسون ” أنهم أحصوا كل ما هو قابل للإحصاء، وقد ألَّفوا عبارات قصيرة تيسر لهم تذكر الإحصاءات المختلفة”(7).
7- عندما قابل علماء اللغات التراجم القديمة لليونانية والسريانية واللاتينية والقبطية والأرمينية والحبشية والعربية.. إلخ لم يجدوا أية اختلافات إلاَّ في أمور عرضية، فمثلًا قد تجد اللفظ مُعرَّفًا وفي الأخرى بلا تعريف، أو يرد الحديث في بعضها بلفظ الفعل وفي غيرها بلفظ الاسم، أو وجود حرف العطف في الواحدة وحذفه في الأخرى(8).
8- أقول لأخوتي من الكتَّاب المسلمين الذين يهاجمون العهد القديم الذي طالما شهد له القرآن.. لماذا لم تسألوا أنفسكم: هل مشكلة التنقيط واجهت القرآن أيضًا أم لا..؟ لا أظن أنهم يجهلون إن تنقيط القرآن تم بعد كتابته بمائة وخمسين سنة، وكانت الصعوبة أكثر بما لا يقاس بالنسبة لتنقيط العهد القديم.. لماذا؟ لأن علماء اليهود عندما شكَّلوا الحروف ووضعوا عليها التنقيط لم يكن أمامهم النص منفردًا، بل كما رأينا كان أمامهم أيضًا الترجمات المختلفة إلى لغات حية، ولذلك تلاشى احتمال الخطأ تمامًا. أما القرآن فلم تتوفر له هذه الفرصة، ولذلك وقف علماء المسلمين أمام نص عثمان بمفرده، لأنه قد سبق حرق قرآن عبد الله بن مسعود، وكذلك قرآن أبي بن كعب، وقرآن علي بن أبي طالب، وقرآن ابن عباس.
كما إنه لم يكن مسموحًا بترجمة نصوص القرآن لأي لغة أخرى، وأترك الحكم لما جاء في صحيح البخاري ” حدثنا موسى حدثنا إبراهيم حدثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيقة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي (أي يقوم بغزوة) أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيقة اختلافهم في القراءة، فقال حذيقة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفظة، أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليكِ، فأرسلت بها حفظة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف من المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفظة، وأرسل إلى كل أفق بصحف ما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرَق“(9).
_____
(1) راجع أيضًا دكتور سيد القمني – قصة الخلق أو منابع سفر التكوين ص 8، 9.
(2) الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم ص 8، 9.
(3) برهان يتطلب قرارًا ص 65.
(4) د. حسن حنفي – هوامشه على ترجمة لكتاب اسبينوزا – رسالة في اللاهوت والسياسة – مراجعة د. فؤاد زكريا ص 38.
(5) قصة الخلق أو منابع سفر التكوين ص 128، 129.
(6) الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم ص 215، 216.
(7) برهان يتطلب قرارًا ص 114، 115.
(8) راجع القس صموئيل مشرقي – مصادر الكتاب المقدَّس ص 85.
(9) صحيح البخاري جـ 3 ص 225، 226.
هل تعرضت التوراة الحالية للتحريف في بعض مواضعها عن الأصل؟
هل أخذت التوراة من أدب وأساطير الحضارة الفرعونية؟
هل أخذت التوراة من أدب وأساطير الحضارة الفرعونية؟
269- هل أخذت التوراة من أدب وأساطير الحضارة الفرعونية؟
يرى “جيمس هنرى برستيد” James Henry Breasted أن التوراة أخذت من الأدب المصري القديم فيقول “أن التقدم الاجتماعي والخلقي الناضج الذي أحرزه البشر في وادي النيل الذي يُعد أقدم من التقدم العبري بثلاثة آلاف سنة، قد ساهم مساهمة فعالة في تكوين الأدب العبري الذي نسيمه نحن “التوراة ” وعلى ذلك فإن إرثنا الخُلقي مشتق من ماضِ إنساني واسع المدى أقدم بدرجة عظيمة من ماض العبرانيين، وأن هذا الإرث لم ينحدر إلينا من العبرانيين بل جاء عن طريقهم.
والواقع أن نهوض الإنسان إلى المُثل الاجتماعية قد حدث قبل أن يبدأ ما يسميه رجال اللاهوت بعصر الوحي بزمن طويل”(1).
كما يقول برستيد مؤكدًا نفس المعنى “يجب علينا إذًا أن نمهد أذهاننا إلى قول الحقيقة القائلة بأن الإرث الخلقي الذي ورثه المجتمع المتمدين الحديث يرجع أصله إلى زمن أقدم بكثير جدًا من زمن استيطان العبرانيين فلسطين، وإن ذلك الإرث قد وصل إلينا من عهد لم يكن فيه الأدب العبراني المدوَّن في التوراة قد وُحِد بعد”(2).
وأيضًا يقول برستيد “فكما أننا نجد الأدب الأوروبية الحديثة قد نمت مشبَّعة بما ورثناه من قديم أدب الإغريق والرومان، كذلك كان محتمًا أن يتأثر العبرانيون في فلسطين كل التأثر في أفكارهم وكتابتهم بآداب تلك الأمة العظيمة (مصر) التي قبضت على زمام فلسطين ووضعتها تحت سيطرتها الثقافية والسياسية.. وعلى ذلك فإن تراثنا الخُلقي الديني العظيم المُلهم الذي انحدر إلينا من العبرانيين يمكن التسليم بصفة قاطعة بأنه ميراث مزدوج:
فهو أولًا: قد تكوَّن من خبرة بضعة آلاف من السنين مارسها الشرق الأدنى القديم وبخاصة مصر، قبل ظهور الأمة العبرانية.
وثانيًا: أن تلك الخبرة قد رسَّخت قدميها بشكل مدهش وزيد عليها بما اكتسبه العبرانيون أنفسهم من التجارب الاجتماعية المتواصلة، على يد أولئك الأنبياء والحكماء الإسرائيليين”(3).
ويقول د. محمد بيومي “لقد رأينا فيما سبق أن العبرانيين قد اعتمدوا إلى حد كبير في أساطيرهم وقوانينهم على الحضارة السومرية والبابلية، أما في الأدب والأخلاق والدين والتفكير الاجتماعي بوجه عام، فقد اعتمدوا فيه – إلى حد كبير – على الحضارة المصرية.. فإن الإسرائيليين منذ بدء تاريخهم -كما تصوَّره توراتهم- وحتى السبي البابلي وكتابة التوراة إبانه، لم يبتعدوا أبدًا عن التأثير المصري في كل المجالات الفكرية والمادية، ومن هنا كان التأثير المصري في التوراة وفي العبادات ومجالات الحياة الأخرى الإسرائيلية”(4).
ويرى الخوري بولس الفغالي أن التوراة اغتنت من الأدب المصري القديم، فيقول “هذا بعض الغنى الذي عرفه الأدب المصري خلال ثلاثة آلاف سنة. بهذا الأدب تأثر الشرق كله بما فيه الشعب العبراني. وإن التوراة أخذت الكثير من عالم مصر فاغتنت، وستأخذ من عالم بلاد الرافدين فتجعل كل غنى الشرق القديم في إطار كلمة الله”(5).
وعلى نفس النهج يقول د. سيد القمني “يمكن لأي باحث -بقليل من الجهد- أن يجد في التوراة مآثر مصرية، وأخرى رافدية، وثالثة فينيقية.. ولا يبقى أمام الباحث سوى أن يلقى بنفسه وسط هذه الأحبولة ذات المائة وجه والآلف لون”(6).
ج:
1- نحن نعترف بسمو المبادئ الأدبية التي جاءت في الحضارة الفرعونية، وهذا يرجع لصوت الضمير الذي أودعه الله في الإنسان، فمثلًا جاء في الرواية الأولى من كتاب الموتى، أن المتوفى عند وصوله إلى قاعة الصدق ومثوله أمام الآلهة “يوجه نظره إلى وجه الإله ويقول: سلام عليك أيها الإله العظيم رب الصدق، لقد أتيتُ إليك يا إلهي وجئ بي إلى هنا حتى أرى جمالك. إني أعرف اسمك، وأعرف أسماء الاثنين والأربعين إلهًا الذين معك في قاعة الصدق.. أنظر.. إني لم أرتكب ضد الناس أي خطيئة..
إني لم آت سوءًا في مكان الحق.. وإني لم أعرف أية خطيئة.. إني لم أرتكب أي شيء خبيث.. وإني لم أفعل بما يمقته الإله.. وإني لم أبلغ ضد خادم شرًا إلى سيده.. إني لم أترك أحدًا يتضوَّر جوعًا.. ولم أتسبب في بكاء أي إنسان.. إني لم أرتكب الزنا.. إني لم أرتكب خطيئة تدنس نفسي.. إني لم أخسر مكيال الحبوب.. إني لم أنقض المقياس.. إني لم أُنقص مقياس الأرض.. إني لم أثقل وزن الموازين.. إني لم أحوّل لسان كفتى الميزان..
إني لم أغتصب ابنًا من فم الطفل.. إني لم أطرد الماشية من مراعاها.. إني لم أنصب الشباك لطيور الآلهة.. إني لم أتصيد السمك من بحيراتهم (أي بحيرات الآلهة).. إني لم أمنع المياه عن أوقاتها.. إني لم أصنع سدًا للمياه الجارية.. إني لم أطفئ النار في وقتها (أي وقت نفعها).. إني لم استولى على قطعان هبات المعبد..”(7).
2- لو كان موسى النبي الذي تحكَّم بكل حكمة قدماء المصريين أخذ من الحضارة الفرعونية، فلماذا لم يأخذ تعدد الآلهة، وتزاوجهم، وتناسلهم، وصراعاتهم؟! فقد تزوجت إيزيس من أوزيريس وأنجبت حورس .
3- لو أخذ موسى من آداب الحضارة الفرعونية، فلماذا لم يأخذ عنها السحر الذي تفشى في معظم مظاهر الحياة..؟ يصوّر جيمس هنري برستيد السحر الذي انتشر في كل مناحي الحياة في مصر، فيقول “ومن الصعب أن يفهم العقل الحديث كيف أن مرافق الحياة جميعها قد تسرَّب إليها الاعتقاد في السحر.. فكانت الأم لا يمكنها أن تهدئ من روع طفلها المتألم المريض وتجعله يضطجع طلبًا للراحة إلاَّ بعد الاستنجاد بالقوة الخفية لتقوم بتخليص الطفل من المرض ومن الحسد ومن سلطان أشباح الشر..
ونستطيع أن نسمع صوت الأم وهي تنحني على طفلها وتختلس النظر خلال ذلك الباب المفتوح في ظلمة المسكونة بقوى الشر هذه، وتقول.. هل أتيت لتلحق به ضررًا؟ إني لن أسمح لك بأن تضره.. هل أتيت لتأخذيه؟ إني لن أسمح لك بأن تأخذيه منى”(8).
كما استخدم المصري القديم الرقية السحرية التي تثبت براءته أمام محكمة العدل بعد موته، حتى قال برستد “وقد كان في مقدور الميت أن يحصل حتى على صيغة سحرية شديدة القوة والتأثير لدرجة تجعل ” إله الشمس “-الذي يعتبر القوة الحقيقية الكافية وراء تلك المحاكمة – يسقط من سماواته في النيل إذ لم يُخرج ذلك الميت برئ الساحة تمامًا في المحاكمة”(9)
كما يصف برستيد كتاب الموتى قائلًا أنه ليس “إلاَّ مثالًا آخر لأحكام الطرق السحرية بقصد تحسين أحوال الحياة الأخرى، والواقع أن كتاب الموتى نفسه -على وجه عام- ليس إلاَّ مثلًا مركَّبًا بعيد المرمى يوضح مدى اعتماد القوم المتزايد على السحر في الحياة الأخرى”(10).
وقد استغل كهنة ذلك العصر الفرصة لابتزاز أموال الناس، فضاعفوا من أخطار الآخرة وأهوالها، وادَّعوا أن في مقدورهم إنقاذ المتوفى عن طريق التعاويذ المختلفة التي تنجيه من فقدان فمه أو رأسه أو قلبه، وتعاويذ أخرى تساعده على استذكار اسمه، ومنها ما يمنع الماء الذي يشربه من أن يتحول إلى لهيب(11).
4- كثير من كتبة الأسفار المقدَّسة من البسطاء الذين لم يطَّلعوا على الحضارات الأخرى، ولم يجوبوا الأرض شرقًا وغربًا، ومعلوماتهم عن الحضارة المصرية بسيطة وهامشية، حتى الأنبياء الذين عاشوا في بابل وقت السبي لم يظهر في كتاباتهم أي تأثر بالأدب البابلي ولا المعتقدات البابلية، بل جاءت كتاباتهم منسجمة تمامًا مع كتابات الأنبياء الأولين الذين لم يذهبوا للسبي، وبذلك نقف خشوعًا أمام كتاب عجيب فريد له روح واحد، بلا أدنى تضارب ولا تناقض، وروح الله القدوس الذي نطق على أفواه الأنبياء وعزف على قيثارتهم، لم يكن فقيرًا يحتاج للاقتباس من الأدب المصري القديم أو غيره.
5- لا يمكن قصر أهمية العهد القديم على الأدب الأخلاقي فقط، ونغفل التاريخ المقدَّس للشعب المختار ومعاملات الله معه، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فالعهد القديم يحدثنا عن تاريخ البشرية جمعاء من خلقة فريدة، وحياة في الفردوس، وسقوط، وافتقاد الله لنا بالأنبياء. فضلًا عن مئات النبوءات التي وضعها الروح القدس على أفواه الأنبياء تخبرنا عن الخلاص المرتقب.. حقًا إن العهد القديم هو طريق النفس البشرية لله، وكم حوى من كنوز خلت منها كتب العالم كله؟!
6- الذين ينكرون الوحي الإلهي في التوراة مثل برستيد، من السهل عليهم أن يجعلوا الأدب هو محور الكتاب المقدَّس، وينظرون إليه ككتاب أخلاقي فقط، اقتبس من الحضارات المصرية والبابلية وغيرهما، والحقيقة أن عظمة الكتاب المقدَّس تتجلى في أنه الكتاب الوحيد المُوحى به من الله، فهو كتاب ذو طبيعة مزدوجة، إلهية وبشرية، هو نتاج شركة بين روح الله القدوس ورجال الله الذين دونوه..
أي حضارة بشرية تطوَّرت بفعل العقل، وأي أدب بشرى هو نتاج العقل وحده. أما الكتاب المقدَّس فيتميز بالجانب الإلهي، ولذلك حوى الأدب الرفيع الراقي بدون أية شوائب، بينما الأدب البشرى شابته النقائص والأخطاء.
7- لا يمكن أن نقبل رأى النقاد كأمر مسلَّم به، فمثلًا اعتقد برستيد أن عمر الإنسان على الأرض مليون سنة فيقول “أن الإنسان بصفته أقدم المخلوقات صنعًا للآلات، كان مُجدًا في صنع أسلحة منذ نحو مليون سنة، في حين أن الضمير لم يبرز في شكل قوة اجتماعية إلاَّ منذ مدة لا تزيد عن خمسة آلاف سنة”(12)..
لقد أنبهر برستيد بالحضارة الفرعونية لأنها تقدمت في زمن قصير يُقدَّر بنحو خمسة آلاف سنة، بينما عمر الإنسان على الأرض منذ مليون سنة، دون تقدم، وهذا يخالف الحقيقة، لأن كل عمر الإنسان على الأرض لا يتجاوز سبعة أو ثمانية آلاف سنة، فالعصر الجليدي ساد على الأرض منذ نحو عشرة آلاف سنة فقط.
8- ادَّعى بعض الأخوة المسلمين أن التوراة أُخذت من الحضارة المصرية القديمة لوجود بعض التشابهات بينهما، لماذا لم يطبقوا هذا على القرآن مع وجود تشابهات بينة، وبين الحضارة المصرية، وقد ضرب جيمس هنرى برستيد بعض الأمثلة على تلك التشابهات
فقال “يقول ذلك الوزير المسن العاقل (بتاح حتب) إن الزوج الكيَس هو الذي يجعل زوجته سعيدة أولًا بالمحبة التي تلزمه أن يفسح لها في قلبه الاعتبار الأول، ثم يأتي بعد ذلك بمستلزمات الجسم من غذاء وملابس، ثم بالكماليات كالعطور والدهان، فنراه يقول {اجعل قلبها فرحًا ما دمت حيًا، فهي حقل مثمر لسيدها} وهذه الملاحظة الأخيرة قد سبقت ما جاء في القرآن المُنزَّل على الرسول محمد صلعم بعد مضى خمسة وثلاثين قرنًا، وهو قوله تعالى {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثهم إن شئتم} (سورة البقرة 223)(13). ولم يعلق المُتَرْجِم(14) على هذا.
كما يقول برستيد “إن كاتبًا في أحد مخازن الخزانة في جبانة طيبة ” يدعو آمون فيقول: الذي يأتي إلى الصامت، وفي القرآن الكريم “وإذ سألك عبادي عنى فإني قريب أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون” (سورة البقرة 186)(15).
ويقول برستيد أيضًا (مقارنًا بين بعض ما جاء في الحضارة الفرعونية وما جاء في القرآن والأحاديث) إن الحكيم المصري يحذر ابنه الشاب من المعاملات ذات الوجهين قائلًا “لأن الله يمقت الرجل صاحب القول الكاذب.. وأكبر ما يمقته الرجل ذو القلبين، وجاء ذم المرآة في القرآن الكريم في مناسبات منها ” فويل للمصلين: الذين هم عن صلاتهم ساهمون. الذي هم يراءون” (سورة الماعون 3 – 6) وفي الحديث أيضًا كثير، ومنه: ملعون ذو الوجهين”(16).
ويعلق نيافة الأنبا بولا أسقف طنطا على هذا قائلًا “إن من يقبل هجوم مثل هؤلاء على الكتاب المقدَّس عليه أن يقبل هجومهم على القرآن الكريم وإذا قبل هذا وذاك فنحن لا نقبله “.
_____
(1) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص13.
(2) المرجع السابق ص33، 34.
(3) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص410.
(4) تاريخ الشرق الأدنى القديم – تاريخ اليهود (مذكرة كلية الآداب – جامعة الإسكندرية 1972م) ص306.
(5) المدخل إلى الكتاب المقدَّس ج1 ص 431.
(6) قصة الخلق أو ينابيع سفر التكوين ص147.
(7) جيمس هنرى برستيد – ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص272، 273.
(8) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص262، 263.
(9) المرجع السابق ص283.
(10) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص286.
(11) راجع فجر الضمير ص287.
(12) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير ص8.
(13) ترجمة د. سليم حسن – فجر الضمير147.
(14) الدكتور سليم حسن.
(15) المرجع السابق ص237.
(16) المرجع السابق ص350، 351.
