الأخلاق كدليل على وجود الله – كيف تكشف المعايير والحجج الأخلاقية عن وجود الله – ترجمة: Patricia Michael

الأخلاق كدليل على وجود الله – كيف تكشف المعايير والحجج الأخلاقية عن وجود الله – ترجمة: Patricia Michael

الأخلاق كدليل على وجود الله – كيف تكشف المعايير والحجج الأخلاقية عن وجود الله – ترجمة: Patricia Michael

الحجة والمعيار الاخلاقي لوجود الله يعتبر برهان قوي على حقيقة هامة مفادها ان القيم الأخلاقية الموضوعية تشير مباشرة إلى وجود مشرّع للمبادئ والأسس الاخلاقية وهذا المشرّع ليس سوى الله. تؤكد هذه الحجّة أنه إذا كانت هناك قيم وواجبات أخلاقية موضوعية، فيجب أن يكون هناك مصدر لتلك القيم والواجبات الاخلاقية – مصدر يتجاوز المجتمع البشري والرأي الشخصي. وبما أن الأخلاق الموضوعية موجودة بالفعل، فإن الاستنتاج الأكثر منطقية هو أن الله موجود باعتباره المصدر الأساسي والنهائي لتلك الأخلاق.

يتحدث الكتاب المقدس بوضوح عن هذه الحقيقة، حيث يقدّم لنا الكتاب ضمن طياته شريعة الله الأخلاقية الادبية ليس كاختراع بشري، بل كحقيقة أبدية متأصلة في طبيعة الله ذاتها. يعكس القانون الأخلاقي والادبي، كما أعلنه الكتاب المقدس، شخصية الله البارّة وغير المتغيرة، وهذا القانون الإلهي هو بمثابة الأساس لكل الأخلاق البشرية.

 

كيف نحدد القيم الأخلاقية الموضوعية؟

عند مناقشة الحجة الأخلاقية، من الضروري أن نفهم ما هو المقصود بالقيم الأخلاقية الموضوعية. تعني الأخلاق الموضوعية أن بعض الأفعال والقيم يتم تحديد فيما إذا كانت صحيحة أو خاطئة من الناحية الأخلاقية بشكل مستقل عما يعتقده أو يعتنقه أي شخص عنها. على سبيل المثال، القيمة الأخلاقية للصدق صحيحة بغض النظر عما إذا كان شخص ما قرر الكذب أم لا. وبالمثل، فإن القتل جريمة وهذا لا يتغير بناءً على ما تفضله او تقتنع به ثقافة أو فرد معين.

يؤكد الكتاب المقدس أن المعايير الأخلاقية الموضوعية موجودة وأنها متجذرة في طبيعة الله. وكما يقول لاويين 19: 2، “«كَلِّمْ كُلَّ جَمَاعَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: تَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لأَنِّي قُدُّوسٌ الرَّبُّ إِلهُكُمْ.” (لا 19: 2).

تعلمنا هذه الآية بوضوح أن الأخلاق ليست مسألة عُرف بشري ولكنها ترتكز على قداسة الله. إن القيم الأخلاقية التي نتمسك بها هي انعكاسات لشخصية الله الكاملة، وبالتالي فهي لا تتغير مع التغيرات المجتمعية او وفقها.

وعلى النقيض من ذلك، إذا لم يكن الله موجودًا، فلن يكون هناك أساس نهائي او معياري للقيم الأخلاقية الموضوعية. ستكون الأخلاق ذاتية، وتعتمد فقط على التفضيلات والقناعات الشخصية أو المجتمعية، وما يعتبر “جيدًا” أو “سيئًا” سيصبح مسألة رأي. وهذه وجهة نظر تسبب إشكالية، لأنها لا توفر أساسًا ثابتًا لإدانة الأفعال الشريرة حقًا مثل الإبادة الجماعية، أو العبودية، أو غير ذلك من أشكال الظلم. وبدون الله، ستكون المعايير الأخلاقية نسبية تمامًا، مما يؤدي إلى الفوضى الأخلاقية.

 

كيف يدل وجود الواجبات والالتزامات الأخلاقية على وجود المشرّع؟

لا توجد قيم أخلاقية موضوعية فحسب، بل إننا ندرك أيضًا أن هناك واجبات أخلاقية والتزامات يتعين علينا الوفاء بها. على سبيل المثال، يتفق الناس بشكل عام على أنه من واجبنا أن نكون صادقين، وأن نعامل الآخرين بلطف، وأن نحمي الضعفاء. ولكن لماذا نشعر بأننا ملزمون بفعل الصواب، حتى عندما يكون صعبا أو غير مريح؟

يقدم لنا الكتاب المقدس الجواب: هذه الواجبات متجذّرة في وصايا الله. فكما أن القانون يحتاج إلى مشرّع، فإن الواجبات الأخلاقية تتطلب سلطة لها الحق في فرض الالتزامات علينا.

توضح رسالة رومية 14:2-15 هذه الحقيقة:

14 لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ،

15 الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً،”.

يشير هذا المقطع إلى أن جميع الناس، بغض النظر عن خلفياتهم، يمتلكون إحساسًا فطريًا بالالتزام الأخلاقي. هذه البوصلة الأخلاقية كتبها الله، المشرع الأعلى والأسمى، في قلوب البشرية.

ومن الأهمية بمكان أن نلاحظ أن الواجبات والالتزامات الأخلاقية لا تنشأ من مجرد الأعراف المجتمعية أو التفضيلات والرؤية الشخصية ; فإذا كانت الواجبات الأخلاقية مجرد نتاج لاتفاقية مجتمعية، فإنها تفتقر إلى السلطة الملزمة ووقتها ما الذي يمنع المجتمع من إعلان أن شيئًا مثل السرقة أو الكذب مقبول أخلاقياً؟ ولذلك نستطيع القول انه بما أن الواجبات الأخلاقية ترتكز على أوامر الله التي لا تتغير، فإنها تظل ملزمة لجميع الناس، بغض النظر عن الرأي الفردي أو الثقافي.

 

هل يمكن للإلحاد أن يوفر أساسًا للأخلاق؟

أحد التحديات المركزية للحجة الأخلاقية يأتي من الإلحاد. يؤكد الملحدون في كثير من الأحيان أن الأخلاق يمكن أن توجد بشكل مستقل عن الله. قد يجادلون بأن القيم والواجبات والالتزامات الأخلاقية تنشأ من العمليات التطورية، أو الإجماع المجتمعي، أو العقل البشري. ومع ذلك، عند الفحص الدقيق، فإن هذه التفسيرات لا توفر أساسًا كافيًا للأخلاق الموضوعية.

أولاً، إذا كانت الأخلاق نتاج التطور، فهي اذن مجرد غريزة بيولوجية تطورت لتعزيز البقاء. وهذا يعني أن القيم الأخلاقية ليست موضوعية حقًا، ولكنها مجرد سلوكيات مفيدة تمّ تناقلها لأنها تساهم في ازدهار الإنسان. ولكن إذا كانت الأخلاق مجرد آلية للبقاء، فلماذا ينبغي لنا أن نعتبر أفعال مثل الإيثار أو التضحية بالنفس جيدة من الناحية الأخلاقية؟ بعد هذا نصل الى ما مفاده ان مثل هذه الإجراءات لا تساهم دائما في تعزيز البقاء الذي ينشده الفرد. علاوة على ذلك، إذا كانت القيم الأخلاقية متجذرة في التطور، فإنها يمكن أن تتغير بمرور الوقت، مما يتركنا دون أساس ثابت للحقيقة الأخلاقية.

ثانياً، إذا كانت الأخلاق مبنية على الإجماع المجتمعي، فإنها تصبح ذاتية تماماً. يمكن للثقافات المختلفة أن تحدد الأخلاق بطرق معاكسة تماما، ولن يكون هناك معيار موضوعي يمكن من خلاله الحكم على أي ثقافة هي الصحيحة. على سبيل المثال، قد يعتبر مجتمع ما العبودية مقبولة أخلاقيا، في حين يدينها مجتمع آخر. وبدون معيار أخلاقي موضوعي، لن يكون لدينا أي أساس لإدانة الممارسات غير الأخلاقية للمجتمعات الأخرى.

يقدم الكتاب المقدس وجهة نظر مختلفة تمامًا. فهو يعلّم أن القيم الأخلاقية ليست نتيجة للتطور البشري أو الاتفاق الاجتماعي، بل أنشأها الله نفسه. يؤكد إشعياء 22:33، “فَإِنَّ الرَّبَّ قَاضِينَا. الرَّبُّ شَارِعُنَا. الرَّبُّ مَلِكُنَا هُوَ يُخَلِّصُنَا.” (إش 33: 22).” الله وحده لديه السلطة لتحديد ما هو صواب وما هو خطأ من الناحية الأخلاقية، وتعكس قوانينه الأخلاقية عدله وبرّه الكاملين. وبدون الله لا يمكن أن توجد القيم والواجبات الأخلاقية الموضوعية.

الأخلاق كدليل على وجود الله – كيف تكشف المعايير والحجج الأخلاقية عن وجود الله – ترجمة: Patricia Michael

كيف يقدم الكتاب المقدس الله كمصدر للقانون الادبي الأخلاقي؟

في جميع أنحاء الكتاب المقدس، يتم تقديم الله على أنه المصدر الاساسي والنهائي للقانون الأخلاقي. وصاياه ليست اعتباطية بل تنبع من طبيعته البارّة. وكما يعلن المزمور “بَارٌّ أَنْتَ يَا رَبُّ، وَأَحْكَامُكَ مُسْتَقِيمَةٌ.” (مز 119: 137). وصايا الله هي تعبير عن شخصيته الأخلاقية الكاملة، وهي تزود البشرية بمعيار واضح لكيفية العيش.

إن الوصايا العشر، التي أُعطيت لموسى على جبل سيناء (خروج 20)، هي مثال رئيسي لشريعة الله الادبية الأخلاقية. وتعكس هذه الوصايا حقائق أخلاقية عالمية، مثل تحريم القتل والسرقة والزنا. هذه ليست مجرد قواعد ثقافية لشعب اسرائيل في العهد القديم ؛ انما هي مبادئ خالدة تنطبق على جميع الناس، لأنها متجذرة في شخصية الله التي لا تتغير.

علاوة على ذلك، لخص يسوع الناموس الادبي الأخلاقي في متى 22: 37-40 عندما سُئل عن الوصية العظمى. فأجاب: “فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ».” (مت 22: 37-40). وهنا يؤكد يسوع أن محبة الله ومحبة الآخرين هي جوهر كل الالتزامات الأخلاقية. تعكس هذه الوصايا طبيعة الله، لأن “الله محبة” (يوحنا الأولى 4: 8)، وهي توضح لنا كيف نحيا بالطريقة التي تُرضي الله.

 

لماذا تُعتبر الحجة الأخلاقية دليلا هاما يُستخدم في الدفاعيات المسيحية؟

الحجة الأخلاقية فعالة بشكل خاص في الدفاعيات المسيحية لأنها تتوافق مع التجربة الحيّة لكل إنسان. يدرك البشر حول العالم حقيقة القيم والواجبات والالتزامات الأخلاقية، حتى لو كانوا يختلفون حول بعض التفاصيل. عند التعامل مع المتشككين، فإن الحجة الأخلاقية تشكّل تحديا لهم للنظر في أساس معتقداتهم الأخلاقية. فمثلا لماذا نعتقد أن بعض الأفعال صحيحة أو خاطئة بشكل موضوعي بغض النظر عن الرأي الفردي ؟ ما الذي يبرر إحساسنا بالواجب والالتزام الأخلاقي؟ تؤدي هذه الأسئلة بطبيعة الحال إلى استنتاج مفاده أن المشرّع الأخلاقي المتسامي – الله – لا بد أن يكون موجوداً.

علاوة على ذلك، توفر الحجّة الأخلاقية وسيلة لإثبات عيوب الإلحاد وغيره من وجهات النظر العالمية التي تنكر وجود إلله. بدون الله، لا يوجد أساس موضوعي للأخلاق. قد يحاول الإلحاد تفسير الأخلاق من خلال التطور، أو الأعراف المجتمعية، أو التفضيلات الفردية، ولكن لا يمكن لأي منها أن يوفر أساسًا صلبا ومناسبًا لحقيقة المبادئ الاخلاقية. إن وجود إله متسامي هو وحده القادر على تفسير السبب لماذا القيم والواجبات الأخلاقية مُلزمة لجميع الناس في جميع الأوقات.

تتحدث رسالة رومية 1: 20-22 عن هذه المسألة: “لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ. لأَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا اللهَ لَمْ يُمَجِّدُوهُ أَوْ يَشْكُرُوهُ كَإِلهٍ، بَلْ حَمِقُوا فِي أَفْكَارِهِمْ، وَأَظْلَمَ قَلْبُهُمُ الْغَبِيُّ. وَبَيْنَمَا هُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ حُكَمَاءُ صَارُوا جُهَلاَءَ،” (رو 1: 20-22).

يسلّط هذا المقطع الضوء على أن الدليل على وجود الله واضح، لكن كثير من الناس يقمعون هذه الحقيقة. والحجة الأخلاقية هي إحدى الطرق لتسليط الضوء على هذه الحقيقة، مما يساعد المتشككين على رؤية عدم اتساق نظرتهم للعالم ويقودهم إلى التفكير في وجود الله.

 

كيف تعكس الحجة الأخلاقية صورة الله في البشرية؟

يعلّمنا الكتاب المقدس أن البشر مخلوقين على صورة الله (تكوين 26:1-27)،

“وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ.” (تك 1: 26-27).

ولهذا السبب نمتلك الوعي والحس الأخلاقي. على عكس الحيوانات، التي تعمل على أساس الغريزة، يتمتع البشر بالقدرة على اتخاذ خيارات أخلاقية وتمييز الصواب من الخطأ. وهذا الوعي الأخلاقي يعكس الصورة الإلهية فينا، فالله هو الكائن الأخلاقي الأسمى.

ولأننا مخلوقون على صورة الله، فإننا مسؤولين أمامه عن أفعالنا. يحذر سفر الجامعة 12: 14 هذه النقطة بوضوح، “لأَنَّ اللهَ يُحْضِرُ كُلَّ عَمَل إِلَى الدَّيْنُونَةِ، عَلَى كُلِّ خَفِيٍّ، إِنْ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا.” (جا 12: 14).

هذه المسؤولية أمام الله تعزز حقيقة الأخلاق الموضوعية. إن خياراتنا الأخلاقية لها أهمية أبدية تتعلق بابديتنا، لأننا سنقف يومًا ما أمام الله لنقدم حسابًا عن حياتنا.

هذه الحقيقة الكتابية تظهر أيضًا في الضمير، الذي يصفه الرسول بولس في رومية 2: 15:”الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوبًا فِي قُلُوبِهِمْ، شَاهِدًا أَيْضًا ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً،” (رو 2: 15).

وعلى الرغم من أن الضمير غير كامل بسبب السقوط، إلا أنه لا يزال يعكس ناموس الله الأخلاقي ويشير إلى حقيقة وجود معيار أخلاقي له ابعاد.

والحجّة الأخلاقية لوجود الله هي برهان قوي على حقيقة القيم والواجبات الأخلاقية الموضوعية وكيف تشير مباشرة إلى وجود مشرّع لتلك المبادئ الاخلاقية. إن الأخلاق الموضوعية المرتكزة على شخصية الله التي لا تتغير، توفر الأساس الكافي الوحيد لفهم سبب كوْن بعض التصرفات صحيحة أو خاطئة متفق عليها عالميًا. يؤكد الكتاب المقدس هذه الحقيقة، ويكشف أن شريعة الله الأخلاقية ليست نتاج التقاليد البشرية ولكنها متجذرة في طبيعته البارّة والمقدسة.

المحاولات المتعددة التي يقوم بها الملحدون لتفسير الأخلاق من خلال العمليات التطورية، أو الأعراف المجتمعية، أو التفضيلات الشخصية لا ترقى إلى مستوى توفير أساس مناسب للقيم الأخلاقية الموضوعية. وبدون الله، تصبح الأخلاق ذاتية ونسبية، وتفتقر ان يكون لديها أي أساس ثابت لإدانة الشر أو دعم العدالة.

كمؤمنين، يمكننا أن نقدّم بثقة الحجة الأخلاقية كجزء من دفاعنا عن الإيمان المسيحي، ونوجه الناس إلى حقيقة وجود الله ومعياره البار والثابت. من خلال هذه الحجّة، يمكننا أن نُظهر للمتشككين أن أفضل تفسير لقناعاتهم الأخلاقية هو وجود الله المتسامي الذي كتب قانونه الادبي الأخلاقي على قلوب البشرية جمعاء.

ليكون للبركة

ترجمة: Patricia Michael

What Does the Moral Argument Reveal About the Existence of God?

الأخلاق كدليل على وجود الله – كيف تكشف المعايير والحجج الأخلاقية عن وجود الله – ترجمة: Patricia Michael

كيف نعلل وجود كائنات أولية بسيطة مثل الأميبا والبكتريا للآن بدون تطور؟

كيف نعلل وجود كائنات أولية بسيطة مثل الأميبا والبكتريا للآن بدون تطور؟

كيف نعلل وجود كائنات أولية بسيطة مثل الأميبا والبكتريا للآن بدون تطور؟

 249- لو كانت قصة التطوُّر حقيقية، فكيف نُعلّل وجود كائنات أولية بسيطة مثل الأميبا والبكتريا للآن بدون تطوُّر؟

ثانيًا: بقاء الكائنات الأولية البسيطة كما هي

ج: قال التطوُّريون أن التطوُّر شمل بعض وليس كل الأميبا، ولم يعللوا لماذا تطوَّرت بعض الأميبا منذ زمن بعيد بينما بقى الآخر كما هو زمانًا هذا مقداره بدون تطوُّر؟ إن بقاء الأميبا كما هي حتى الآن تفسد تمامًا قضية التطوُّر، ولاسيما أن التطوُّريّين جعلوا تطوُّر الأميبا هي نقطة الانطلاق للتطوُّر، ويقول هنري م. موريس ” ظل الكثير من الفصائل الحيوانية والنباتية كما هي دون أي ” تحوُّر ” خلال ملايين السنين، بينما المفروض أنها تمثل العصور الجيولوجية، ومن المؤكد أن هذا الحال كان ممكن أن ينطبق على الكثير غيرها.. بل أن من بين المخلوقات التي ظهرت كما هي بدون تحوُّر، الحيوانات وحيدة الخلية والتي من المفروض، حسب نظرية التطوُّر، أن التطوُّر بدأ بها”(1).

ورغم أن داروين قد اعترف بهذه الصعوبة، إلاَّ أنه صرَّح بأن هذه الصعوبة لا تلغي فكرة الانتقاء الطبيعي والبقاء للأصلح فقال ” والحقيقة القائلة بأنه لم يحدث تغيير -أو حدث تغيير بسيط- على هذه الحيوانات منذ العصر الجليدي، فإنها قد تكون لها بعض القيمة في مواجهة هؤلاء الذين يؤمنون بوجود قانون ارتقائي فطري (متأصل) وضروري، ولكنها عاجزة عن الوقوف أمام مبدأ الانتقاء الطبيعي أو البقاء للأصلح، والذي يقضي بأنه عندما يتصادف أن تحدث تغيرات أو اختلافات فردية ذات طبيعة مفيدة، فإنها سوف تصان”(2).

_____

(1) ترجمة نظير عريان ميلاد – الكتاب المقدَّس ونظريات العلم الحديث ص 67.

(2) أصل الأنواع ص 337.

كيف نعلل وجود كائنات أولية بسيطة مثل الأميبا والبكتريا للآن بدون تطور؟

السجل الجيولوجي غير كامل ولذلك يصعب أن نقرأ قصة التطور من خلاله

السجل الجيولوجي غير كامل ولذلك يصعب أن نقرأ قصة التطور من خلاله

السجل الجيولوجي غير كامل ولذلك يصعب أن نقرأ قصة التطور من خلاله

 

 244- رأى داروين أن السجل الجيولوجي غير كامل، ولذلك يصعب أن نقرأ قصة التطوُّر من خلاله

س244:

رأى داروين أن السجل الجيولوجي غير كامل، ولذلك يصعب أن نقرأ قصة التطوُّر من خلاله، فيقول ” هؤلاء الذين يؤمنون بأن السجل الجيولوجي كامل بأي درجة من الدرجات، سوف يقومون بدون أي شك برفض النظرية على الفور. أما من جانبي، وإتباعًا لكتابة ” لايل ” فإن قد نظرت إلى السجل الجيولوجي على أساس أنه تاريخ للعالم تمت المحافظة عليه بشكل غير كامل، وتمت كتابته بلهجة متغيرة، ونحن نمتلك من هذا التاريخ الجزء الأخير فقط، وهو المتعلق باثنين أو ثلاثة من الأقطار فقط.

ومن هذا الكتاب (الجيولوجي) فقد تم الحفاظ فقط على باب قصير هنا وهناك، ومن كل صفحة تم الحفاظ فقط على بعض الأسطر هنا وهناك”(1)

كما حاول داروين بأن يبرز نقص السجل الجيولوجي لصغر المساحة التي تم اكتشافها، وأيضًا تعرض هذا السجل للإزالة 

فيقول ” لقد حاولت أن أبين السجل الجيولوجي غير مكتمل إلى أقصى حد – وإن جزءًا صغيرًا فقط من الكرة الأرضية هو الذي قد تم استكشافه بدقة، وإن بعض الطوائف المعينة من الكائنات العضوية فقط هي التي قد تم حفظها على نطاق واسع في حالة أحفورية مستحجرة – وإن عدد كل من العينات أو من الأنواع الحيَّة المحفوظة في متاحفنا لا يمثل شيئًا على الإطلاق بالمقارنة بالعدد الخاص بالأجيال التي لا بُد وأنها قد هلكت حتى في أثناء تكوين واحد.. وإنه من المحتمل أنه كانت هناك إبادة على نطاق أكبر في أثناء الفترات الخاصة بالإزالة..

وفي أثناء هذه الفترات الأخيرة فإن السجل الجيولوجي سوف يكون قد تم الحفاظ عليه بشكل أقل اكتمالًا”(2).. فهل حقيقة أن السجل الجيولوجي غير كامل ولذلك لم يكشف عن قصة التطوُّر؟

ج: إن كان السجل الجيولوجي احتفظ لنا بأنواع لا حصر لها من الكائنات التي عاشت عبر العصور، حتى التي انقرضت منذ زمن طويل مثل الديناصورات، فكيف يخلو تمامًا من أي إشارات لقصة التطوُّر؟

ويقول الدكتور حليم سوريال عطية” إننا نعرف ما يقوله التحوُّليون بهذا الصدد – هم يقولون أن خلو الجيولوجيا من دليل قاطع يثبت نظرية التحوُّل سببه ضياع كثير من بقايا الحيوانات البائدة والجيولوجيا تشبه كتابًا قد تمزقت بعض أوراقه والزمن كفيل باستكشاف تلك الحقائق التي تؤيد نظريتنا – ولكن خصومهم يجيبون على ذلك بالقول اللاذع الذي قاله الأستاذ كاترفاج عالِم التاريخ الطبيعي المشهور فإنه يقول ” من الغريب أن الجيولوجيا لم تحفظ لنا في كتابها العظيم إلاَّ الحقائق التي تنقض نظرية التحوُّل..

ولم يُفقد من كتابها إلاَّ الصحائف التي بها ما يؤيد تلك النظرية”(3).

وقال الدكتور “أ. هـ. كلارك” في كتابه ” التطوُّر الحديث”(4) “مهما توغلنا في سجلات الحفريات الخاصة بالحياة الحيوانية السالفة على الأرض، فلن نجد من المجموعات الرئيسية المتنوعة أثرًا لأي شكل من الأشكال الحيوانية تتوسط كحلقة اتصال بين مجموعة وأخرى أرقى.. إن أعظم مجموعات الحياة الحيوانية لا تمت الواحدة بصلة إلى الأخرى، لقد كانت ثابتة على حالها منذ بدء وجودها.. وليس هناك سوى تفسير واحد لعدم وجود حلقات متوسطة بين مجموعات الحيوانات الرئيسية، هو أنه لا تطوُّر..”(5)(6).

ويقول عالِم الحفريات ” نيفيل جورج”.. لا داعي للاعتذار – الآن – عن فقر سجل الحفريات، فقد أصبح هذا السجل غنيًا لدرجة يكاد يتعذر معها السيطرة عليه..

ومع ذلك، مازال سجل الحفريات يتكون بشكل أساسي من فجوات”(7) بل نقول إنه حدث عكس ما توقعه داروين تمامًا، إذ جزمت الحفريات بأنه لا يوجد أي أثر لما يسمونه بتطوُّر الكائنات الحيَّة، ويقول ” ديريك آجر ” وهو من أحد دعاة التطوُّر ” تتمثل نقطة الخلاف في أننا إذا فحصنا سجل الحفريات بالتفصيل، سواء على مستوى الترتيب أو الأنواع، فسنكتشف – مرارًا وتكرارًا – عدم وجود تطوُّر تدريجي، بل انفجار فجائي لمجموعة واحدة على حساب الأخرى”(8) 

وصدق عالِم التطوُّر ” مارك سيزارنكي ” عندما قال ” إن المشكلة الأساسية في إثبات النظرية تكمن في سجل الحفريات، أي آثار الأنواع المنقرضة المحفوظة في التكوينات الجغرافية للأرض. ولم يتكشف هذا السجل قط أية أثار للأشكال المتوسطة التي إفترضها داروين، وعوضًا عن ذلك تظهر الأجناس وتختفي فجأة، ويدعم هذا الشذوذ حجة دعاة الخلق القائلة بأن الأنواع قد خلقها الله”(9)(10).

والآن يا صديقي دعنا نلقي الضوء على السجل الجيولوجي، ونتناول الحفريات من أدناها إلى أرقاها ليتأكد من لم يتأكد بعد من بطلان نظرية التطوُّر:

أ – العصر ما قبل الكمبري: (قيل أن لفظة كمبري مشتقة من كلمة ” كمبريا ” وهي المقاطعة الإنجليزية التي اُكتشفت فيها الحفريات أولًا) وفي هذا العصر نجد الحفريات لا تتعدى الطحالب والطفيليات والمخلوقات الشبيهة بالحشرات، وقال دكتور ” برسي ” أن العصور التي سبقت العصر الكمبري كانت بحق عصور مظلمة، وبالتالي فإنها لم تترك حفريات تُذكر.

ب – العصر الكمبري: وُجدت حفريات لنحو ألفي نوع من الكائنات الحيَّة تمثل فئات الحياة الحيوانية، ومتميزة بفئاتها وأجناسها وفصائلها، ولا يوجد أدنى دليل على تطوُّر الكائنات الحيَّة، وهذه الحفريات مثلت ضربة قاسية لنظرية التطوُّر…

حتى قال عالِم الحفريات السويسري ” ستيفن بنفستون ” وهو من دعاة التطوُّر ” هذا الوضع الذي أربك داورين، ومازال يبهرنا”(11) وقال ” ديفيد روب ” أستاذ الجيولوجيا في جامعات هارفرد وروتشستر وشيكاغو ” إن عيون ثلاثيات الفصوص تملك تصميمًا لا يستطيع الإتيان به سوى مهندس بصريات معاصر ذو قابليات كبيرة ومتدرب تدريبًا جيدًا”(12).

ويقول ” ريتشارد موناسترسكي ” المُحرّر في مجلة علوم الأرض التي تؤيد نظرية التطوُّر ” قبل نصف بليون سنة ظهرت – فجأة – أشكال الحيوانات التي نراها اليوم والتي تتسم بقدر لافت للنظر من التعقيد، وتُعد هذه اللحظة، عند بداية العصر الكامبري للأرض بالضبط.. وكانت شعب الحيوانات الكبيرة التي نراها اليوم موجودة بالفعل في أوائل العصر الكامبري، وكانت تتميز عن بعضها البعض بنفس القدر الذي تتميز به عن بعضها البعض اليوم(13)(14).

ويقول د. حليم عطية سوريال “يقول التحوُّليين أن الحيوانات الكبيرة تسلسلت من الحيوانات البسيطة.. ولكن علم الحفريات لا يؤيد هذا الرأي لأن أقدم الحيوانات التي نشاهدها أعني التي وجدت في التكوين الكمبري الأولي Pre-Cambuarian، ليست من نوع واحد، بل من أنواع متعددة.

وتحتوي على جميع الفصائل الأساسية للمملكة الحيوانية ماعدا الحيوانات الفقارية، أعني تحتوي على جميع فصائل الحيوانات اللافقارية مثل الحيوانات المفصلية والمحارية والرخوة وبعض الديدان، والفصائل الأسفنجية والنجمة المرجانية.. إلخ ولقد وجدت بعض الحيوانات الوحيدة الخلية معاصرة لتلك الفصائل وليس قبلها.

وجميع تلك الحيوانات على قدم عهدها يمكن بمجرد النظر إليها معرفة الفصيلة التي تنتمي إليها لأنها جميعًا حائزة من يوم ظهورها لمميزات تلك الفصيلة وجميعها منفصلة عن بعضها تمام الانفصال. ولم يتمكن الجيولوجيون من العثور على حيوانات يمكن اعتبارها حلقات تصل بعضًا من تلك الفصائل ببعض..

ولم توجد حلقات اتصال بين الحيوانات وحيدة الخلية وبين متعددة الخلايا، ولم يوجد أقل دليل على أن الأولى سبقت الثانية في تاريخ ظهورها، وهذا ينطبق على ما يدلنا عليه علم الحيوان لأن الحيوانات الوحيدة الخلية مثل الأميبا وغيرها تعيش على فضلات وبقايا الحيوانات والنباتات الكبيرة، فلا يُعقل أن تكون قد وُجدت قبلها.

كما إن الحقائق العلمية الراسخة والمشاهدات الصادقة تقول أن الكائنات الحيَّة وحيدة الخلية مثل الأميبا والبكتريا كائنات مستقلة مُقفلة وُجدت لتعيش معيشة خاصة، ولتؤدي عملًا خاصًا، ولها مكانة خاصة في عالم الحيوان وتتبع في توالدها ناموس الوراثة القائل أن كل نوع ينسل كجنسه، بل يمكن القول أن علم البكتريولوجيا ينهار من أساسه إذا قبلنا القول بإمكانية تحوُّل حيوان وحيد الخلية إلى حيوان عديد الخلايا لأن ذلك العلم العظيم الأهمية مؤسَّس على زرع تلك البكتريا واستنباتها وعلى تميّيز هيئاتها الخاصة التي تميزها بعضها عن بعض”(15).

جـ – طبقًا لتسلسل الحفريات بحسب الطبقات تأتي الفقاريات بعد الرخويات، وليس من المعقول أن الرخويات قد تطوَّرت إلى الفقاريات مثل الأسماك وغيرها. كما إن قولهم بأن الأسماك تطوَّرت من فصيلة حيوان صغير يدعى ” امفيوكسس ” قول مردود عليه، لأن الحفريات لم تثبت أن الأمفبوكسس كان موجودًا قبل الأسماك. كما أن الحفريات تُظهر بأن الفقاريات ظهرت ظهورًا فجائيًا بجميع أنواعها الأساسية، والدليل على هذا أنه لم يتم العثور على أية حفريات لحيوان يعتبر حلقة اتصال بين الرخويات والأسماك.

د – طبقًا لتسلسل الحفريات حسب الطبقات تأتي البرمائيات بعد الأسماك، وليس من المعقول أن الأسماك تطوَّرت إلى البرمائيات مثل الضفادع والسلامندر وغيرها، لأن الحفريات أظهرت البرمائيات كاملة التكوين حائزة لكل مميزات فصيلتها، ويعترف عالما التاريخ الطبيعي ” هرون ” و” جراس”..

” بأنهما عاجزان عن معرفة أي حيوان يمكن اعتباره أنه حلقة اتصال توضح كيفية تطوُّر زعانف الأسماك إلى أطراف البرمائيات ذات المفاصل والأصابع والعضلات والجلد. هذا فضلًا عما بينهما من الاختلافات الكثيرة في التركيب التشريحي لكل منها، وفي الوظائف الحيوية”(16)(17).

كما اعترف ” روبرت كارل ” وهو من دعاة التطوُّر قائلًا ” ليست لدينا حفريات متوسطة بين الأسماك الرايبدستية (التي يحبذ كارول اعتبارها أسلافًا للحيوانات التي تدب على أربعة أقدام) وبين البرمائيات الأولى”(18).

ورأى داورين أن هناك أسماكًا تستطيع أن تتنفس الهواء المذاب في الماء أو الهواء الجوي، وأن المثانة الهوائية فيها تحولت إلى رئة، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فقال ” فإنه توجد أسماك مزودة بالألغاد أو الخياشيم التي تستطيع أن تتنفس الهواء الذائب في الماء، وذلك في نفس الوقت تتنفس فيه الهواء الطلق الموجود في مثاناتها الهوائية، ويكون هذا العضو الأخير مُقسَّمًا بواسطة جدران داخلية فاصلة مشبعة بالأوعية الدموية بشكل كبير، وله قناة هوائية لإمداده بالهواء..

المثال الموضح الذي تم تقديمه عن المثانة الهوائية من الأسماك هو مثال جيد.. إن عضوًا ما كان قد تم تصميمه في الأصل من أجل غرض واحد، ألا وهو الطفو، من الممكن أن يتحوَّل إلى عضو يُستخدَم لغرض مختلف، ألا وهو التنفس.. ووفقًا لهذا المنظور فمن الممكن استنتاج أن جميع الحيوانات الفقارية ذات الرئات الحقيقة قد انحدرت عن طريق النشوء المألوف من نموذج بدائي قديم وغير معروف، والذي كان مزودًا بجهاز طفو أو مثانة هوائية”(19).

وقدم دعاة التطوُّر سمكة “كولاكانث – سايلاكانث” Coelacanth التي عاشت منذ حوالي 410 مليون سنة بوصفها الشكل الانتقالي بين الأسماك والبرمائيات حيث أنها تمتلك رئة بدائية، ودماغ متطور، وجهاز هضمي، وجهاز دوري يصلح للعمل على اليابسة، ولديها آلية بدائية للمشي، وأنها قد انقرضت منذ سبعين مليون سنة، وصدق الناس هذه الخدعة، ولكن في 22 ديسمبر سنة 1938م تم اصطياد سمكة حية من فصيلة الكولاكانث من المحيط الهندي، وبعد ذلك تم اصطياد نحو 200 سمكة كولاكانث من مختلف أنحاء العالم…

وبذلك ثبت أولًا أن هذه السمكة لم تنقرض منذ 70 مليون سنة، وثانيًا بتشريح هذه السمكة تم اكتشاف أنها لا تمتلك رئة بدائية، والعضو الذي ظنوه أنه رئة بدائية كان مجرد كيس دهني، ولا تمتلك دماغ كبيرة، وأنها من أسماك الأعماق التي تعيش في أعماق المحيطات ولا تظهر إلاَّ بعد عمق 180 مترًا من سطح الماء(20).

وأثبت العلماء استحالة تطوُّر الأسماك إلى الحيوانات البرمائية للأسباب الآتية:

أ – حمل الوزن: فالكائنات البحرية لا تواجه مشكلة في حمل الوزن، بينما تستهلك الكائنات البرية 40 % من طاقتها في حركتها وحمل وزنها.

ب- الاحتفاظ بالحرارة: فدرجة حرارة الماء تتغيَّر ببطء، لذلك فالكائن البحري لكيما يعيش على اليابسة التي تتميز بتذبذب درجة الحرارة وتغيُّرها بسرعة يحتاج إلى نظام وآلية تقاوم هذه التغيُّرات الكبيرة في درجة الحرارة.

جـ- استخدام الماء: يشعر الكائن البري بالعطش، ولذلك تجد جلده لا يسمح بفقد الماء إلاَّ بنسبة بسيطة، بعكس الكائنات البحرية التي لا تشعر بالعطش، وجلدها لا يناسب إلاَّ البيئة البحرية، ولا يناسب البيئة البرية.

د- الجهاز التنفسي: تتنفس الأسماك الأكسجين المذاب في الماء عن طريق الخياشيم، وتعجز عن الحياة على اليابس، فالكائنات البرية لها نظام رئوي كامل، ومن المستحيل أن تحدث مثل هذه التغيُّرات الفسيولوجية في نفس الكائن، فيتحوَّل من كائن بحري إلى كائن بري.

ويقول دكتور حليم عطية سوريال ” نذكر على سبيل المثال الأسماك الرئوية dipneust التي اعتبرها بعضهم حلقة اتصال بين الأسماك والحيوانات البرمائية لأن لها كيسًا هوائيًا، فقد ثبت أنها أسماك بكل معنى الكلمة كما يدل على ذلك تركيبها العظمي”(21).

هـ – طبقًا لتسلسل الحفريات حسب الطبقات تأتي الزواحف بعد البرمائيات، ويقول د. حليم عطية سوريال ” وفي الأحقاب الجيولوجية التالية لعصر الأميبا نصادف فصيلة الزواحف، وأقدمها ظهر خلال التكوين الكربوني، وكان من أنواع الورل (السحالي) وهذه الحيوانات لها أهمية جيولوجية عظيمة لطول المدة التي سادت فيها الأرض والهواء والماء، لأنها بقيت طوال الحقب الجيولوجي الثاني كله (الحياة الوسطى) …

وظهرت منها أنواع مختلفة وأشكال لا تقع تحت حصر، منها الصغير ومنها الكبير الحجم مثل الديناصور (الذي كان طوله نحو 30 مترًا) وكان بعضها آكل اللحوم، وبعضها نباتي، وبقاياها المتحجرة مازالت تملأ متاحف التاريخ الطبيعي، ولكن هذه الحيوانات بالرغم من اختلاف حجمها وطرق معيشتها واختلاف شكلها كانت كلها مُركَّبة على تصميم واحد.

وما الأنواع الباقية منها مثل التماسيح والسلاحف والثعابين إلاَّ صورة مصغرة لبعض الأنواع الكبيرة التي عاشت في خلال الحقب الثاني ويُقدَّر عصر الزواحف بنحو عشرة ملايين سنة، والعلماء لا يعرفون كيف تحوَّلت الحيوانات البرمائية إلى زاحفات لما بينها من فوارق جسيمة”(22).

أما قول البعض بأن الزواحف الحالية أكثر تعقيدًا من سابقتها، ويعد هذا دليلًا على التطوُّر، فإنه قول مردود عليه، لأن الزواحف الضخمة مثل الديناصورات التي انقرضت كانت أعظم حجمًا وأكثر تعقيدًا من الزواحف الحالية.

و – طبقًا لتسلسل الحفريات حسب الطبقات تأتي الطيور بعد الزواحف، فلما قاربت الزواحف الكبيرة أن تنقرض ظهرت فصائل الطيور (كما أن بعض الأشكال البدائية من الحيوانات الثديية ظهرت مع الزواحف) ويعتقد التطوُّريون أن الطيور تطوَّرت من الزواحف، ودلَّلوا على قولهم بـ”الأركيوبتركس” الذي يجمع بين الزواحف في صورة الأسنان والذيل الفقاري، وبين الطيور في صورة الجناحين والمنقار، والحقيقة أن “الأركيوبتركس” كان نوعًا من الزواحف الطائرة التي خُلقت هكذا، ولم يتطوَّر من الزواحف إلى الطيور كما رأينا من قبل.

ولو كانت الطيور تطوَّرت من الزواحف فكيف تغيَّر دمها؟! فالزواحف من ذوات الدم البارد، بينما الطيور من ذوات الدم الحار، وهذا يستدعي تغيُّر تركيب القلب والرئتين، وكيف تغيَّرت حراشيف الزواحف إلى ريش الطيور؟!

ويقول الدكتور حليم عطية سوريا ” والقول بأن الطيور نشأت من الزواحف يضع أمام التحوُّليين معضلة أخرى وهي كيفية تحوُّل حراشيف الزواحف إلى ريش الطيور، ذلك المميز الحيوي الذي لا يمكن الطائر أن يعيش بدونه مدة طويلة فإن الريش ليس مجرد غشاء للجسم بل هو عضو حيوي عظيم الأهمية، وقال الأستاذ طمسن {لا يعلم أحد كيفية نشوء الريش} وقال الأستاذ إيفارت {إننا كلما تعمقنا في درس تاريخ الريش تظهر لنا عدم معقولية تطوره من حراشف الزاحفات}”(23) 

والحقيقة أن تطوُّر الزواحف للطيور لا يتوقف على حد الدم والأجنحة فقط، بل أن الطائر يتميز عن الزواحف من جهة العظام، فعظام الطائر مجوَّفة وخفيفة، ومن جهة الرئة فإنها تعمل بشكل مختلف تمامًا، فرئة الزواحف يدخل فيها الهواء ويخرج من نفس الوعاء الهوائي، أما في الطيور فإن الهواء يدخل للرئة من الأمام ويندفع من الخلف، وذلك لأنها تحتاج إلى كمية أكبر من الأكسجين، كما أن هناك اختلافًا من جهة القلب والدورة الدموية، ومن جهة الجهاز العضلي.. ولماذا لم تنجح الجهود في العثور على حفرية واحدة بنصف جناح أو بجناح واحد؟!

ز- كيف تطوَّرت الزواحف التي تبيض وتفقس إلى الثدييات التي تلد وتُرضع..؟ من الصعب تصوُّر تطوُّر الزواحف إلى ثدييات للأسباب الآتية:

1- تغطي القشور أجسام الزواحف، بينما يغطي الفرو أجسام الثدييات.

2- تعتبر الزواحف من ذوات الدم البارد، بينما تعتبر الثدييات من ذوات الدم الحار.

3- تتكاثر الزواحف عن طريق وضع البيض، بينما تتكاثر الثدييات عن طريق التوالد، ويقول د. حليم عطية سوريال أن “مسألة نشوء الحيوانات الثديية (من الزواحف) من المعضلات الشائكة لا يمكننا درسها في عجالة قصيرة ولكننا نقتصر على ذكر بعض المعضلات التي يواجهها التحوليون بقولهم أنها نشأت من الزواحف. فإن تحول نوع من الزواحف إلى نوع من الحيوانات الثديية يستدعي تغيير دم الزواحف البارد إلى دم الطيور الحار، وهذا يتبعه تغييرات عظيمة في تكوين القلب والرئتين.

ويتبعه أيضًا تغيير حراشيف الزاحفات إلى شعر الثدييات إلى غير ذلك من التغيرات الخطيرة – كما إن التغيير الذي يحدث في كيفية نمو الجنين في حالات الثدييات المشيمية، أعني التي تلد ولا تبيض لا يمكن للعقل أن يتصوَّر حدوثه تدريجيًا ولا بُد أن يكون حدث هذا التغيير دفعة واحدة إذ لا يُعقل أن جنينًا ناميًا داخل البيضة (على نحو ما يحدث في الزاحفات) ابتدأ أن يفقد قشرة بيضته ويصنع مشيمة يتغذى عن طريقها من دم الأم (على نحو ما يحدث في الحيوانات الثديية) مع ما يتبع ذلك من تغييرات خطيرة أخرى مثل تكوين الثديين وغريزة الرضاعة وغيرها.

والتحوُّليون أنفسهم في حيرة من هذا الأمر، ويقرُّون بالعجز التام عن معرفة سبب هذه التغييرات وبعجزهم عن معرفة الأصل الذي تناسلت منه الحيوانات الثديية المشيمية”(24).

4- توجد ثلاث عظام صغيرة على جانبي الفك السفلي للزواحف، بينما يتكون الفك السفلي للثدييات من عظمة واحدة توضع على الأسنان.

5- توجد عظمة واحدة في الأذن الوسطى لكل الزواحف، بينما توجد ثلاث عظام في الأذن الوسطى لثدييات (المطرقة والسندان والركّاب) ولا يستطيع أحد أن يفسر كيف تطوَّرت العظمة الواحدة إلى ثلاث عظام مع الاستمرار في عملية السمع أثناء حدوث التطوُّر.

6- لم يحصل علماء الحفريات على حفرية واحد تحمل الشكل الانتقالي بين الزواحف والثدييات.

7- قال عالِم الحفريات ” روجر ليوين ” إن ” عملية التحوُّل إلى أولى الثدييات، التي حدثت – على الأرجح – في نسل واحد أو نسلين على الأكثر، مازالت تمثل لغزًا بالنسبة لنا”(25).

8- يقول “جورج جايلورد سيمبسون” وهو من أكبر مؤسسي النظرية الداروينية الجديدة…

“إن أكثر حدث محير في تاريخ الحياة على الأرض هو الانتقال الفجائي من العصر المازوريكي، أي عصر الزواحف، إلى عصر الثدييات، ويبدو الأمر وكأن الستار قد أُسدل فجأة على خشبة المسرح حيث كانت الزواحف، وخاصة الديناصورات، تلعب أدوار البطولة الرئيسية بأعداد كبيرة وتنوع مُحيّر، ثم أزيح الستار مرة أخرى في الحال ليكشف عن نفس المشهد، ولكن شخصيات جديدة تمامًا، شخصيات لا تظهر بينها الديناصورات على الإطلاق، في حين تلعب الزواحف الأخرى دور الكومبارس فقط، وأخذت الثدييات تلعب كل الأدوار الرئيسية علمًا بأننا لا نعثر على أي أثر لها في الأدوار والعهود السابقة”(26).

كما يقول أحد المناهضين لنظرية التطوُّر أن ظهور واختفاء الزواحف بكيفية مفاجئة في كل من الحالتين، وما أعقبه بنفس الكيفية من ظهور الثدييات والطيور، مع ما بين هذه الزواحف من تباين عظيم دون أي تدرج بينهما، هو أحد الألغاز التي حيَّرت عقول العلماء، فتطوُّر نوع من الزواحف إلى نوع آخر طائر أو ثديي بطريقة تدريجية بطيئة لم يقم عليه أي دليل حفري في الطبقات، وإنما يستنتجه أصحاب النظرية مجرد استنتاج، أو يفترضونه مجدر افتراض، أو يؤمنون مجرد إيمان.

لأن الحلقات التي يزعمون أنها تصل بين الأنواع، والتي كنا بداهة نتوقع توافرها بمقادير غير محدودة، لا وجود لها بالمرة”(27)(28).

9- وقال عالِم الحيوان التطوُّري ” أريك لومبارد ” في مقال بمجلة التطوُّر (Evalution).. ” ستكون خيبة الأمل حليفًا لأولئك الذين يبحثون عن أي معلومات حول أي علاقات تطوُّرية بين الثدييات”(29).

10- حفريات الخفاش التي يرجع عمرها إلى 50 مليون سنة تُظهر الخفاش كما هو اليوم، بدون أي عملية تطور طرأت عليه”(30)(31).

ح- والنتيجة النهائية أن علم طبقات الأرض أثبت عقيدة الخالق، فالله الخالق هو الذي خلق كل نوع ينسل كجنسه..

ويقول د. حليم عطية سوريال ” إن كثيرين من علماء الجيولوجيا يقولون أن ذلك العلم يؤيد عقيدة الخلق الخاص، أكثر مما يؤيد نظرية التحوُّل، ويقولون أن بارئ الحياة قد خلق كل فصيلة حيوانية في الوقت الذي كانت حالة الأرض تصلح لها، وإن كل انقلاب جيولوجي (غيَّر وجه الأرض) كان يتفق مع ظهور الحيوانات التي تستطيع أن تعيش في الحالة التي يحدثها ذلك الانقلاب، وإنه يبدو لنا أن هناك اتفاق وتدبير بين التغييرات الجيولوجية التي حدثت في الأرض والتغييرات التي حدثت في عالم الحياة سواء كان ذلك في المملكة الحيوانية أو المملكة النباتية، وهذا الاتفاق بين التغييرين يبدو لنا بصورة لا تدع مجالًا للشك في وجود عقل مدبر وعلم سابق وراء تلك الحوادث.

فإن الزاحفات تكاثرت في زمن كانت الأرض فيه تصلح لمعيشتها لكثرة مستنقعاتها وكان هواءها مشبعًا بثاني أكسيد الكربون، كما أن الحيوانات الثديية لم تكثر وتنتشر إلاَّ عندما أصبحت الحالة ملائمة لها عندما زادت نسبة الأكسجين وظهرت النباتات ذات الأثمار التي بدونها لا يمكن أن تعيش.

كما أن تاريخ ظهور أنواع النباتات الجيولوجي يؤيد هذا القول، لأن كل فصيلة حيوانية كانت تعاصرها النباتات التي تصلح لها، سواء كانت للتغذية أو للمعيشة فوقها. وهنا اقتبس عبارة توضح القول من الأستاذ Lull الجيولوجي المشهور فإنه يقول مشيرًا إلى اتفاق الانقلابات الجيولوجية مع ظهور أنواع جديدة في عالم الحياة {أن هذه الاتفاقات كثيرة ومضبوطة الارتباط (مُحكمة الارتباط) بحيث لا يمكننا القول بأنها حدثت عن طريق الصدفة، ولا يمكننا تعليل هذا الارتباط إلاَّ بالاعتقاد بأنها نتيجة مُسبب أو محرك وراءها”(32).

_____

(1) أصل الأنواع ص 536.

(2) المرجع السابق ص 575.

(3) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقدية الخلق ص 43، 44.

(4) ص 189.

(5) العلم الحديث والإيمان المسيحي ص 136.

(6) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 145.

(7) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 48.

(8) المرجع السابق ص 46.

(9) Mark Czarnecki ” The Revival of the Creationist Crusade ” Maclean’s P. 56.

(10) هارون يحيى – خديعة التطور ص 46.

(11) المرجع السابق ص 50.

(12) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 50.

(13) Richard Monastersky ” Mysteries of the Orient.

(14) المرجع السابق ص 50.

(15) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 30 – 32.

(16) عالم الحيوان ص 787.

(17) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 140.

(18) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 52.

(19) أصل الأنواع ص 300، 301.

(20) راجع هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 54.

(21) تصدع مذهب داروين ص 18.

(22) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 34، 35.

(23) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 36.

(24) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 36، 37.

(25) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 64.

(26) المرجع السابق ص 65.

(27) العلم الحديث والإيمان المسيحي ص 36، 37.

(28) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 142.

(29) أورده هارون يحيى – خديعة التطوُّر ص 65 .

(30) من مجلة ساينس ص 154.

(31) المرجع السابق ص 65.

(32) تصدع مذهب داروين والإثبات العلمي لعقيدة الخلق ص 39، 40.

 

السجل الجيولوجي غير كامل ولذلك يصعب أن نقرأ قصة التطور من خلاله

أدلة على التطور من الحيوان للإنسان

أدلة على التطور من الحيوان للإنسان

أدلة على التطور من الحيوان للإنسان

 237- قال التطوُّريون أن دم الإنسان يتشابه مع دم بعض الحيوانات، وأن المصل المأخوذ من دم الحيوان يتفاعل مع دم الإنسان، وإفرازات الهرمونات في الغدد الصماء متشابهة، ولذلك استخلص الإنسان الإنسولين من بنكرياس الماشية، واستخدمه في علاج مرضى البول السكري، وأن كل من الإنسان والحيوان يتعرض لنفس الميكروبات مثل السعار والكوليرا.. أليست هذه أدلة على التطوُّر من الحيوان للإنسان؟

ثانيًا: تشابه تركيب الدم، وقبول الإنسان مصل دم الحيوان

ج: لا يمكن الاستناد على هذه الأمور للتدليل على حدوث التطوُّر، وذلك للأسباب الآتية:

1- إذا قلنا أن تشابه تركيب الدم في الإنسان والحيوان يدل على التطوُّر، فإن نسبة الملح في الدم تماثل نسبتها في ماء البحر، فهل يعد هذا دليلًا على أن الدم تطوَّر من ماء البحر؟!

2- التفاعل الذي يحدث بين دم الإنسان والشمبانزي مثلًا هو نفس التفاعل الذي يحدث بين دم الإنسان ودماء الحوت والنمر والغزال والقرد، فهل هناك أصل واحد لكل هؤلاء؟!

3- الدم الإنساني ذو فصائل مختلفة (A – B – O – AB) فهل معنى هذا أن الإنسان له أصول متعددة بتعدد هذه الفصائل؟!

4- إن كان من الممكن حقن بعض الذين يتعرضون للنزيف بمصل دم الأرنب، فإنه لا يمكن حقنهم بمصل دم الثيران لأنه يؤدي إلى نتائج خطيرة، بينما ينادي التطوُّريون بأن الإنسان أقرب للثور منه إلى الأرنب.

وهذا ما أوضحه “بيتيت” قائلًا “مما يركن إليه أصحاب نظرية التطوُّر هو ما أنتجوه من التفاعل الكيميائي لمصل دم الحيوانات والأدميّين، وهذا التفاعل في نظرهم دليل على تطوُّر الإنسان من كائنات حيوانية، ونحن لا يمكننا أن نعتمد على دليلهم هذا لأسباب عدة منها:

1- أن التجارب المختلفة على مصل الدم تعطينا نتائج شديدة الاختلاف ومتناقضة، فمثلًا في إحدى سلاسل التجارب التي أجراها ” ناتول ” شاهد أنه يحدث رد فعل مماثل لدى الحوت والنمر والقرد والغزال والإنسان. فهل يطلب منا أصحاب هذه النظرية أن نعتقد أن هذا الاختبار يبرهن أن الإنسان على قرابة من كل هذه الحيوانات بنفس الدرجة، ويرجع أصله إلى كل منها؟

2- إذا قبلنا هذا المنطقي، فمن المنطق أيضًا أن نقبل أن الفأر والشاة والتمساح وطائر الكناري والإنسان جميعها من أصل واحد، لأن عظام كل منها يتكون من كربونات الكالسيوم.

3- من المشاهد أيضًا أن نسبة الملح العادي في الدم هو نفس النسبة في ماء البحر، فهل نستنتج بناءًا على هذا المنطق أن الدم تطوَّر من ماء البحر؟!

4- عندما يُحقن إنسان ما بدم إنسان آخر، تختلف فصيلة دم كل منهما عن فصيلة دم الآخر، تنشأ تفاعلات خطيرة وأحيانًا قاتلة. فهل يبرهن هذا على أن أحد الاثنين ليس عضوًا في الأسرة البشرية؟!

5- زيادة على ذلك فإنه يمكن حقن بعض الناس الذين ينزفون دمًا بمصل دم الأرنب، ويؤدي هذا إلى نتائج مفيدة، في حين أن مصل دم الثيران يُنتج رد فعل خطير إذا حُقن بها الإنسان، بينما تقول نظرية التطوُّر أن الإنسان أقرب إلى الثور منه إلى الأرنب”(1)(2).

_____

(1) فضح الهرطقات ص 88.

(2) أورده برسوم ميخائيل – حقائق كتابية جـ 1 ص 124.

أدلة على التطور من الحيوان للإنسان

طبيعة التطور ونطاقه – جون ليونكس

طبيعة التطور ونطاقه – جون ليونكس

طبيعة التطور ونطاقه – جون ليونكس

طبيعة التطور ونطاقه – جون ليونكس

«لا شيء في علم الأحياء له معنى إلى في ضوء التطور.»

“ثيودوشس دوبجانسكيTheodosius Dobzhansky

«ليس لدينا فهم واضح لما يظهر من أشكال تطورية جديدة كبرى.

ولم يخضع أي منها للملاحظة، ولسنا نعلم ما إذا كان

أي منها يتم حالياً. وليس لأي منها سجل حفري جيد.»

“روبرت وسون” Robert Wesson

«إذن الحكم المنطقي السليم يرجح أن النظرية الداروينية

صحيحة في صورتها الصغيرة لا في صورتها الكبيرة.

أي أن الأرانب تنشأ من أرانب أخرى تختلف عنها اختلافاً ضئيلاً،

لا من حساء [أساسي] ولا من البطاطس.

أما منشأ هذه الأشياء أصلاً مشكلة لا بد من حلها أولاً

مثل الكثير من المشكلات الضخمة.»

السير “فرد هويل”

تعريف التطور

إننا نستخدم هذا المصطلح حتى الآن كما لو كان له معنى وحيد متفق عليه. إلا أنه من الواضح أن الأمر ليس كذلك. فمناقشة التطور كثيراً ما يشوبها قدر من التشويش لعد إدراك الاستخدامات المختلفة للمصطلح. وبعض استخداماته لا يحتمل أي جدل حتى إن رفضه يعد دليلاً على شيء من الجهل أو الغباء (إلا أنه لا يعد دليلاً على الشر).

فما هو إذن التطور؟ فيما يلي بعض الأفكار التي تشير إليها مصطلح “التطور” “Evolution“:

1 – تغير، نمو، تنوع:

تستخدم الكلمة هنا للإشارة إلى التغيير دون أن تتضمن أي معنى يختص بوجود (أو عدم وجود) آلية أو مدخلات ذكية تحدث التغيير. فنحن نستخدم هذا المعنى لنصف “تطور السيارة” حيث لا غنى عن قدر كبير من المدخلات الذكية. ونستخدمه أيضاً لوصف “تطور الساحل” حيث تؤدي العمليات الطبيعية للبحر والرياح، والحياة النباتية والحيوانية إلى تشكيل الساحل على مر الزمن، بالإضافة إلى ما قد يقوم به المهندسون لمنع عمليات التعرية. وعندما يتحدث الناس عن “تطور الحياة” بهذا المعنى، كل ما يقصدونه أن الحياة نشأت وتطورت (بأي وسيلة كانت). ومصطلح “التطور” بهذا المعنى يعتبر محايداً، لا يسيء لأحد، ولا يثير أي جدل.

2 – التطور الصغير أو الميكرو تطور Microevolution: تنوع داخل أطر محددة من حيث درجة تعقيدها، تنوع كمي في أعضاء أو بنى موجودة أصلاً:

لاحظ داروين هذه العمليات في عصافي جزر جالاباجوس Galapagos finch (انظر أيضاً دارسة “جوناثان واينر” Jonathan Weiner التفصيلية). ونادراً ما يثير هذا الجانب من النظرة أي جدل لأن هذه التأثيرات كالانتخاب الطبيعي، والطفرة، والانحراف الجيني، وغيرها دائماً ما ترصد بالفعل وتقع في إطار الملاحظة. ومن أمثلتها الكلاسيكية المألوفة لنا في العالم أجمع للأسف هو ما تفعله البكتيريا من بناء مقاومة لمواجهة المضادات الحيوية.

وجدير بالذكر أن التغيرات في متوسط أطوال منقار العصفور التي خضعت للملاحظة أثناء موسم الجفاف سنة 1977 سارت عكسياً وعادت لما كانت عليه في فترة الأمطار سنة 1983، أي أن هذا البحث يعتبر نموذجاً للتغير التكراري بفعل الانتخاب الطبيعي، لا نموذجاً للتطور (ولا حتى التغير) الدائم. ومع ذلك، فالكتب المدرسية لا تذكر دائماً هذا التغيير العكسي Reversal.

إلا أن إحدى الدراسات الرئيسية التي تناقلتها الكتب الدراسية واحتفت بها باعتبارها من البراهين الأساسية على التطور تعرضت لنقد حاد في السنوات الأخيرة. وهي تتناول انتشار اللون الداكن Industrial Melanism بين الفراش المنقط Peppered moth (Biston Betularia) في المناطق الصناعية. وتزعم الدراسة أن الانتخاب الطبيعي أنتج تنوعاً في نسبة الفراش الفاتح للفراش الداكن في هذا النوع البيولوجي. فرؤية الفراش الفاتح أسهل على الكائنات المفترسة من رؤية الفراش الداكن على جذوع الأشجار الداكنة بفعل التلوث في البيئة الصناعية، وهكذا ستصبح غالبية أفراد النوع داكنة اللون. وبالطبع، إن كان هذا التفسير صحيحاً، فهو في أفضل حالاته لا يعد إلا مثالاُ على الميكرو تطور أو التطور الصغير ومن وجهة التغير التكراري فقط (لم تنتج فراشات جديدة أثناء هذه العملية حيث إن النوعين موجودان أصلاً). ومن ثم، فهي لا تثير الجدل إلى عندما تستخدم أمثلة الميكرو تطور باعتبارها دلائل كافية على الماكرو تطور أو التطور الكبير. على أن “مايكل ماجروس” Michael Majerus وهو خبير في الفراش بجامعة كامبريدج يقول: «قصة الفراش المنقط الأساسية خاطئة، أو غير دقيقة، أو ناقصة في معظم مكوناتها.» فضلاً عن ذلك، يبدو أنه ليس هناك دليل على أن الفراش المنقط يحط على جذوع الأشجار في الغابات. والكثير من الصور الفوتوغرافية في الكتب الدراسية التي تظهر الفراش في هذا الوضع تبدو غير واقعية. وفي مجلة “تايمز هاير إديوكشنل” Times Higher Educational Supplement تعبر عالمة الأحياء “لين ماجوليس” عن دهشتها من أن “ستيف جونز” Steve Jones ما زال يستخدم الفراش المنقط في كتابه “شبه حوت” Almost like a whale الذي يشرح داروين بصورة حديثة رغم معرفته بالشبهات التي تحوم حول هذا البحث، على حد اعتقادها. وعندما عرف عالم الأحياء “جري كوين” Jerry Coyne في “جامعة شيكاغو” University of Chicago بالمشكلات التي تحيط بقصة الفراش المنقط، كتب قائلاً: «رد فعل يشبه الإحباط الذي أصابني عندما اكتشفت في السادسة من عمري أن من يأتي بالهدايا ليلة الكريسماس لم يكن بابا نويل، بل كان أبي».

3 – الماكرو تطور أو التطور الكبير Macroevolution:

وهو ما يشير إلى ظهور أشكال جديدة على نطاق واسع، أي ظهور أعضاء، وبنى، وخرائط جسمانية body-plans جديدة ذات مادة وراثية جديدة مختلفة اختلافاً نوعياً عن سابقتها. ومن أمثلته تطور البنى متعددة الخلايا من البنى وحيدة الخلية. وبذلك يشتمل الماكرو تطور على زيادة كبيرة في درجة التعقيد. وهذا الاختلاف بين الميكرو تطور، والماكرو تطور هو موضوع خلاف كبير حيث إن الأطروحة التدرجية [1]Gradualist thesid ترى أنه يمكن تفسير الماكرو تطور بتطبيق العمليات التي تتسبب في حدوث الميكرو تطور ولكن على فترات زمنية أطول كما سنرى أدناه.

4 – الانتخاب الصناعي Artificial Selection كما في التهجين النباتي والحيواني:

نجح خبراء التهجين في إنتاج الكثير من الأنواع المختلفة من الورود، والخراف من سلالات أساسية باستخدام طرق تهجينية في منتهى الدقة. وتشتمل هذه العملية على درجة عالية من المدخلات الذكية. ولذلك، فهي لا تقدم في حد ذاتها دليلاً حقيقياً على حدوث التطور بعمليات غير موجهة، رغم أنها كثيراً ما تستخدم لهذا الغرض. وقد استخدمها داروين نفسه ليبين أن ما يفعله البشر في وقت قصير نسبياً تفعله الطبيعة في وقت طويل.

5 – التطور الجزيئي Molecular Evolution:

يرى بعض العلماء أن التطور يفترض، في واقع الأمر، وجود مادة وراثية قادرة على إنتاج نفسها Self-replicating genetic material. فقد رأى “دوبجانسكي” Dobzhansky مثلاً أنه ما دام الانتخاب الطبيعي يحتاج لوحدات تعيد إنتاج نفسها وتحدث طفرات Mutating Replicators، فهذا يعني بالضرورة أن «الانتخاب الطبيعي السابق لظهور الحياة Prebiological natural selection فكرة متناقضة». إلا أن مصطلح “التطور الجزيئي” شاع استخدامه حالياً للإشارة إلى تطور الخلية الحية من مواد غير حية. ولكن استخدام اللغة على هذا النحو من شأنه أن يحجب حقيقة واضحة، وهي أن كلمة “التطور” هنا لا تعني عملية داروينية بالمعنى الضيق.

ومصطلح “التطور” يضم طبعاً النظريات التي تتناول كيفية حدوث هذه الأشياء، وأكثرها انتشاراً هي التركيب الداوريني الحديث التي تقول بأن الانتخاب الطبيعي يعمل على أساس التنوعات التي تنشأ من الطفرات، والانحراف الجيني، وغير ذلك.

وفي ضوء الغموض الذي يكتنف معنى التطور، يمكننا أن نفهم اتهامات “ليونتن” واتهامات “دوكينز” بمزيد من الوضوح. فإن كان «الشك في التطور» يعني الشك في المعنى الأول أو الثاني أو الرابع، عندئذ يمكن أن تكون تهمة الغباء أو الجهل في محلها. وكما أوضحنا سابقاً لا يمكن لأحد أن يشك حقيقة في صحة عمليات الميكرو تطور والتغيير التكراري باعتبارها أمثلة على عمل الانتخاب الطبيعي.

ولذلك، يسهل حدوث الخلط خاصة عند استخدام التطور بمعنى الميكرو تطور. خذ مثلاً ما يقوله “إي. أو. ويلسون” عن التطور: «ربما يعد التطور عن طريق الانتخاب الطبيعي القانون الوحيد الصحيح الذي تنفرد به الأنظمة البيولوجية عن الأنظمة الفيزيائية غير الحية، وقد اكتسبت في العقود الأخيرة صلابة النظريات الرياضية. وهو يعني ببساطة إنه إذا كانت مجموعة كائنات حية من نوع معين في منطقة ما تحتوي عدداً من التنوعات الوراثية في صفة ما (مثلاً تنوع لون العين بين الأحمر والأزرق في مجموعة طيور من نوع معين)، وإذا نجح أحد تلك التنوعات في المساهمة بعدد أكبر من النسل في الجيل التالي مقارنة بغيره من التنوعات، ينتج عن ذلك حدوث تغير في التركيب العام لهذه المجموعة من الكائنات الحية، وهكذا نقول إنه حدث تطور. فضلاً عن ذلك، إذا ظهرت تنوعات وراثية جديدة بانتظام في هذه المجموعة من الكائنات (عن طريق الطفرة أو الهجرة)، فإن التطور يستمر دون توقف. تخيل طيوراً ذات عيون حمراء وأخرى ذات عيون زرقاء في مجموعة متكاثرة، وساعد الطيور ذات العيون الحمراء على التكيف على البيئة بشكل أفضل. ستجد أنه بمرور الزمن سيكون أغلب أفراد هذه المجموعة أو جميعهم ذوي عيون حمراء. ثم إذا حدثت طفرة أنتجت أفراداً Mutants ذوي عيون خضراء يتكيفون على البيئة أفضل من أصحاب العيون الحمراء، سيصبح النوع كله ذا عيون خضراء. وهكذا يكون التطور قد خطا خطوتين صغيرتين إضافيتين».

هذا التفسير صحيح إلى حد كبير. ولكن يبدو أنه لا يزيد عن كونه وصفاً للميكرو تطور. فإن كان لدينا طيور عيونها حمراء وأخرى عيونها زرقاء في المجموعة الأصلي، فكل ما يفعله “ويلسون” أنه يصف التغير التكراري الذي لا جدال عليه (المذكور أعلاه فيما يختص بعصافير داروين). وهكذا يتجنب “ويلسون” تماماً سؤال ما إذا كانت الآلية التي يصفها تتحمل كل المسؤولية الإضافية الملقاة عليها في أي محاولة لفهم التطور فهماً كاملاً. فكيف يجيب مثلاً عن سؤال: «من أين أتت الطيور أساساً؟» إنه يزعم في موضع آخر من مقاله أن الانتخاب الطبيعي مسؤول بالفعل عن ذلك. فهو يقول مثلاً: «كل العمليات البيولوجية نشأت بتطور هذه الأنظمة الفيزيائية – الكيميائية بواسطة الانتخاب الطبيعي.» ويقول أيضاً إن البشر «انحدروا من حيوانات بفعل القوة العمياء نفسها التي أنتجت تلك الحيوانات.»

وكما هو الحال في تعريف “ويلسون”، كثيراً ما يتردد أن الانتخاب الطبيعي نفسه واضح في حد ذاته ولا يحتاج لدليل. ويعبر “كولن باترسون” زميل الجمعية الملكية عن ذلك في مقولته النموذجية عن التطور على هيئة حجة استنباطية كما يلي:

– كل الكائنات الحية لا بد أن تتكاثر.

– كل الكائنات الحية تظهر فيها تنوعات وراثية.

– التنوعات الوراثية تختلف من حيث أثرها على التناسل.

– إذن التنوعات التي تنتج آثاراً مرغوبة على التناسل هي التي تنجح والتنوعات التي تنتج آثاراً غير مرغوبة تفشل، فيحدث تغير في الكائنات الحية.

ولذلك، فالانتخاب الطبيعي يصف عملية إزالة صفة ما تنتج نسلاً أضعف في مجموعة من الكائنات الحية، والإبقاء على الأقوى.

وحجة “باترسون” تتلخص في أن الانتخاب الطبيعي على هذا النحو ليس نظرية علمية في حقيقة الأمر، بل حقيقة ثابتة لا تحتاج أن نقولها لأنها معروفة للجميع. أي أننا إن اتفقنا على النقاط الثلاث الأولى، فالنقطة الرابعة تترتب عليها منطقياً. وقد قدم داروين نفسه حجة مشابهة في الفصل الأخير من كتاب “أصل الأنواع”. ويشير “باترسون إلى أن «هذا يوضح أن الانتخاب الطبيعي لا بد أن يحدث ولكنه لا يعني أن الانتخاب الطبيعي هو المسبب الوحيد للتطور، وعندما يعمم الانتخاب الطبيعي بحيث يمثل شرحاً لكل التغير التطوري أو لكل خاصية من خواص كل كائن حي، يصبح بذلك تفسيراً شاملاً مثل التنجيم وعلم النفس الفرويدي[2]». وبذلك يبدو أن “باترسون يشير إلى أن الانتخاب الطبيعي لا يفي بمعيار “بوير” المتعلق بقابلية أي فكرة لأن يثبت خطؤها، تماماً كما لا يمكن إثبات خطأ قول “فرويد” بأن سلوك الشخص الراشد ينتج عن صدمة في الطفولة. ويحذرنا “باترسون” من خطورة التسرع في إلصاق علامة “الانتخاب الطبيعي” بهذا المعنى التعميمي على عملية ما، معتقدين أننا بذلك نشرح تلك العملية.

ووصف “باترسون” يبرز شيئاً نغفل عنه بكل سهولة، ألا وهن أن الانتخاب الطبيعي لا يملك أي قدرات خلاقة. لكنه كما يقول “عملية إزالة تبقي على النسل الأقوى. والنسل الأقوى لا بد أن يكون موجوداً من الأصل، أي أنه لا ينتج من الانتخاب الطبيعي. بل إن كلمة “انتخاب” نفسها لا بد أن تلفت انتباهنا إلى أن: الانتخاب يتم بين كيانات موجودة أصلاً. وهي نقطة في غاية الأهمية لأن مصطلح “الانتخاب الطبيعي” غالباً ما يستخدم وكأنه يصف عملية خلاقة، ومن أساليب التعبير عن ذلك أن تبدأ كل كلمة في تعبير “الانتخاب الطبيعي” الإنجليزي بحرف كبير. وهو أسلوب مضلل للغاية كما يتضح من العبارة الثاقبة التي يقولها “جرد مولر” Gerd Muller الخبير في علم الأحياء النمائي التطوري[3] EvoDevo، وهي نظرية يتزايد تأثيرها تجمع بين نظرية التطور وعلم الأحياء النمائي وتهدف إلى ملء بعض الفجوات في الداروينية الحديثة النموذجية. ويكتب “مولر” قائلاً: «النظرية الداروينية الحديثة النموذجية لا تتناول سوى القليل من العمليات المذكورة أعلاه، وهي تعنى أساساً بالتكرارات الجينية Gene frequencies في مجموعات الكائنات الحية، وبالعوامل المسؤولة عن تنوعها وثباتها. ورغم أنها على مستوى النمط الظاهري[4] Phenotypic تتعامل مع ما يطرأ من تغير على الأجزاء الموجودة، فهي لا تهدف إلى تفسير منشأ هذه الأجزاء، ولا تركيبها Morphological organization، ولا ظهور شيء جديد. وفي عالم الداروينية الحديثة يعتبر الانتخاب الطبيعي هو العامل المحرك للتغير في التركيب، وهو أيضاً الذي يفسر تغير الأجزاء وفقدها. إلا أن الانتخاب الطبيعي لا يتمتع بأي قدرة خلاقة، ولكن كل ما يفعله أنه يمحو ما هو موجود أو يبقى عليه. ومن ثم فالجوانب التوليدية والتنظيمية في تطور التركيب لا وجود لها في نظرية التطور.»

وهكذا يؤكد “مولر” ما يمليه علينا المنطق، واللغة: الانتخاب الطبيعي، بطبيعته، لا يخلق أي جديد. وهو ما يتناقض كلية مع تصريح “ريتشارد دوكينز” الجريء الذي أوردناه سابقاً بأن الانتخاب الطبيعي يفسر شكل كل الأحياء ووجودها. وهذا التعارض الحاد في الآراء حول الأطروحة المحورية للداروينية الحديثة يثير أسئلة مزعجة حول متانة أساسها العلمي ويدفعنا لمزيد من البحث.

ننتقل الآن إلى الفكرة القائلة بأن التنوعات الوراثية التي يؤثر فيها الانتخاب الطبيعي هو طفرات عشوائية في المادة الوراثية للكائنات الحية. إلا أن “دوكينز” وغيرها حريصون على أن ينبهونا إلى أن التطور نفسه ليس عملية عشوائية محضة. فهو منبهر جداً بحسابات الاحتمالات الرياضية حتى إنه يرفض أي فكرة تلمح إلى أن العين البشرية مثلاً تطورت بمحض الصدفة في الزمن المتاح. وهو يكتب بأسلوبه منقطع النظير: «إنه أمر واضح وضوح الشمس لا يخفى على أحد ولا تخطئه عين وهو: لو كانت الداروينية حقاً نظرية صدفة، لا يمكن أن تنجح. فلا يشترط أن تكون عالم رياضيات أو فيزياء حتى تحسب أن عيناً أو جزيء هيموجلوبين يستلزم وقتاً من الآن إلى الأبد حتى يجمع نفسه بمحض الصدفة العشوائية الفوضوية». فما الحل إذن؟ إن الانتخاب الطبيعي عملية تشبه القانون تغربل الطفرات العشوائية بحيث يصبح التطور مزيجاُ من الضرورة والصدفة. وهم يقولون لنا إن الانتخاب الطبيعي سيجد طريقاً أسرع بفضل مدى الاحتماليات Space of possibilities. ومن ثم، تتلخص الفكرة في أن عملية الانتخاب الطبيعي التي تشبه القانون تزيد الاحتمالات لمستويات مقبولة على مدار الزمن الجيولوجي.

وللتعبير عن ذلك ببساطة أقول إن جوهر الحجة هو أن الانتخاب الطبيعي يفضل النسل القوي على الضعيف عندما تكون الموارد محدودة. وهو يساعد في الاحتفاظ بأي طفرة نافعة. والكائنات التي تحوي هذه الطفرة تبقى على قيد الحياة أما الكائنات الأخرى تندثر. إلا أن الانتخاب الطبيعي لا يحدث الطفرة. ولكنها تحدث بالصدفة. وكمية الموارد (الغذاء) المتاحة تمثل واحدة من القياسات المتغيرة في هذا الموقف. وقد خطر على بالي بصفتي عالم رياضيات أه من المثير أن نتخيل ما سيحدث لو سمح لهذا المتغير بالزيادة. وأنا أدعوك لإجراء تجربة فكرية. تخيل أن الموارد تتزايد أي أن الطعام متاح للجميع، للأقوياء والضعفاء على حد سواء. وتزايد الموارد يؤدي إلى تقليص دور الانتخاب الطبيعي لأن معظم النسل سيظل باقياً على قيد الحياة. فما قول الداروينيين الجدد في هذا الموقت؟ هل سيقولون إن احتمالات حدوث التطور ستتضاءل بناء على اعتقادهم بأن الانتخاب الطبيعي هو العامل الرئيسي وليس الصدفة؟ وذلك لأن الصدفة في هذا الموقف الافتراضي هي التي ستقوم بالمهمة كلها، والداروينيون الجدد يستبعدون الصدفة من القضية.

عندما فكرت في ذلك تيقنت أن هذه الفكرة لا بد أن تكون قد خطرت على بال أحد من قبل، وهو ما حدث فعلاً. فعالم الكيمياء البريطاني “آر. إي. دي كلارك” R. E. D. Clark لفت الأنظار سنة 1966 إلى أن داروين انزعج من خطاب أرسله إليه عالم النبات الشهير “جوزيف هوكر” Joseph Hooker سنة 1862 حيث طرح حجة تبين أن الانتخاب الطبيعي ليس عملية خلاقة بأي معنى من المعاني. إلا أن “كلارك” كان عليه أن يعيد بناء حجة “هوكر” من رد داروين لأنه اعتقد أن خطاب “هوكر” الأصلي فقد. ولكن خطاب “هوكر” لم يفقد، ويقول فيه: «أنا ما زلت مصراً على عجز عملية التهجين فيما يتعلق بأصل الأنواع. وإني أرى أن التنوع الوراثي Variation في [الحيوانات] بلا حدود. وعليك أن تتذكر أنه لا التهجين ولا الانتخاب الطبيعي أنتجا ما نراه بين البشر من اختلافات عديدة، بل ما أنتجه هو ببساطة التنوع الوراثي. مؤكد أن الانتخاب الطبيعي أسرع بالعملية وأكسبها قوة (إن جاز التعبير)، ونظم المسارات والأماكن…. إلخ التي اتخذتها العناصر البشرية، وعدد كل منها وما إلى ذلك، ولكن في وجود فردين يتمتعان بالقدرة على التكاثر، وإطار [زمني] متسع جداً للإنجاب، بحيث لا يفقد أي من التنوعات الوراثية على الإطلاق. وباختصار الانتخاب الطبيعي لا يطلب منه أن يلعب أي دور على الإطلاق. وإني أعتقد أنك بعد مئات الأجيال سترى أفراداً مغايرين مختلفين كلية بعضهم عن بعض، وكأن الانتخاب الطبيعي قضى على النصف.

«ما أن تعتبر أن الانتخاب الطبيعي يمكنه أن يحدث اختلافاً، أي أن يخلق شخصية، ينهار تعليمك بالكامل. فالانتخاب الطبيعي عاجز عجز المسببات الفيزيائية عن إنتاج تنوع وراثي، وقانون أن “الشيء لا ينتج مثيله” هو ما يكمن وراء كل ذلك، وهو مبهم إبهام الحياة نفسها. وهذا هو ما أشعر أنا وكذلك “لايل” Lyell إنك فشلت في توصيله بوضوح كاف لنا وللعامة، وهذا ما يفسر خمسين في المئة من رفض الوسط العلمي لتعليمك. فقد كان حري بك أن تبدأ بمهاجمة التعاليم القديمة الزائفة التي تقول إن «الشيء ينتج مثيله.» وكان يجب أن تخصص الفصل الأول من كتابك لهذا الموضوع فقد دون غيره. ولكني الآن أرى أن الاعتراض عليك ينطوي على شيء من الصحة من حيث إنك تجعل من الانتخاب الطبيعي حلاً للمعضلة Deus ex machine لأنك تتجاهل التفكير في حقائق التنوع الوراثي المستمر بلا حدود. إن أبناءك الثمانية مختلفون تماماً عن بعضهم البعض، وليس بينهم وجه شبه واحد. كيف؟ ستجيب أنهم يظهرون الاختلافات الموروثة من أجدادهم المختلفين. حسناً، ولكن ارجع من الزمن للوراء، واستمر في الرجوع حتى تصل في النهاية إلى الزوجين الأصليين اللذين انحدرت منهما لتعرض أصل الاختلافات، ولا بد أن تسلم منطقياً إما بأن الاختلافات بين [الذكر] و[الأنثى] الأصليين في النوع الذي تنتمي إليه تساوي مجموع الاختلافات الشاسعة بين معظم أفراد نوعك الموجودين حالياً المختلفين بعضهم عن بعض، أو أن هؤلاء نتجوا عن قانون أصيل كان يحكمهم. والآن ألست قاسياً في إلقاء هذه المحاضرة عليك بهذه البساطة؟»

ومن المهم أن نلاحظ القوة التي يكتب بها “هوكر” عندما ينسب «خمسين في المئة من رفض الوسط العلمي» لداروين إلى فشله في التعامل مع هذه الحجة. وقد أتى رد داروين في خطاب (بعد 26 تشرين الثاني/نوفمبر ولكن محرر فعلياً بتاريخ 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1862). «ولكن الجزء الذي أدهشني فعلياً في خطابك وقلب كياني رأساً على عقب هو الذي ذكرت فيه أن كل اختلاف نراه يمكن أن يكون قد حدث دون أي انتخاب. وإني كنت وما زلت متفقاً تماماً في ذلك. ولكنك أحطت بالموضوع إحاطة تامة ورأيته من زاوية جديدة ومعاكسة كلية. وكم كانت دهشتي عندما أخذتني إلى هذه الزاوية. ولكني عندما أقول إني متفق، لا بد أن أشترك أنه بناءً على منظورك يبقى كل شكل متكيفاً على ظروف معينة ثابتة، وأن ظروف الحياة تتغير على المدى البعيد. وثانياً، وهو الأهم، أن كل شجرة على حدة هو كائن خنثوي ذاتي التخصيب. ومن ثم، كل تنوع قيد الشعرة لا يفقد عند تزاوج أفراد من عناصر أو سلالات مختلفة. إن أسلوبك في عرض القضية يمكن أن يكون أكثر إثارة مما هو عليه بالفعل إن تمكن العقل من التعامل مع هذه الأرقام، وهو ما يشبه التعامل مع ما لا نهاية. تخيل ألف بذرة تنتج كل منها نباتاً من نوعها، ثم ينتج كل منها ألفاً، سرعان ما ستغطي النباتات كرة أرضية ممتدة إلى أبعد نجم. ولكني لا أستطيع تتبع هذه الفكرة المعقدة ولا حتى مع سلالات الكلاب، أو المواشي، أو الحمام، أو الدواجن. وهنا على الجميع أن يعترفوا بما يميز مثالك التوضيحي من إحكام دقيق ويدركوه. ومن يظنون، مثلك ومثل “لايل” أني أبالغ في اتخاذ الانتخاب الطبيعي حلاً يصدرون ضدي حكماً نهائياً. ولكني لا أعرف كيف كان يتأتى لي أن أستخدم جملاً أقوى في كل أجزاء كتابي. فكان يمكن اختيار عنوان أفضل كما أشرت. ولكن ما من أحد يعترض على الزراعيين عندما يستخدمون أقوى لغة للتعبير عما يقومون به من عمليات انتخاب، ولكن كل من يربي النباتات يعلم أنه ينتخب التغيير ولكنه لا ينتجه. وقد كان التحدي الأكبر أمامي على مدى سنوات أن أفهم التكيف، وهو ما جعلني أصر بقوة على الانتخاب الطبيعي، وإني واثق من صواب اعتقادي. وليغفر لي الله إطالتي، ولكنك لا تتخيل ما أثاره لدي خطابك من اهتمام، ومدى اهتمامي بالتوصل لأفكار واضحة بعد صدور كتابي الحالي».

واضح أن داروين يشعر بقوة الحجة التي يطرحها “هوكر” لدرجة أنه يتفق معها رغم اندهاشه من طريقة عرضها. وترجع أهمية الحجة إلى أنها تثير أسئلة جادة جداً عن الحجة التي تهدف لجعل احتمالات الماكرو تطور (أو التطور الجزيئي) مقبولاً في حدود الإطار الزمني الذي يقدمه لنا علم الكون المعاصر.

إلا أن حجة “هوكر” ليست التحدي الوحيد الذي يواجه الحجج التي تشبه الانتخاب الطبيعي بالقانون. فبعيداً عن حجة “هوكر” تماماً، سنطرح في الفصل العاشر منظوراً رياضياً لبعض السيناريوهات التي وضعها “دوكينز” وغيره لمحاكاة عمل هذه القانون، وسنكتشف أنها قاصرة لأسباب مختلفة تماماً.

وحجة “هوكر” لا تؤثر طبعاً على تنوعات (الميكرو تطور) التي لاحظها داروين. ولذلك فالسؤال التالي الذي يمكن طرحه هو عما إذا كانت هناك حدود لما يمكن للميكرو تطور تحقيقه.

حدود التطور:

رغم أن بعض علماء الأحياء يرفضون التمييز بين الميكرو تطور والماكرو تطور، فالمصطلحان غالباً ما يستخدمان، إن جاز التعبير، للتمييز بين التطور على مستوى صغير لا ينتج أنواعاً بيولوجية جديدة والتطور على مستوى أعلى الذي ينتج أنواعاً بيولوجية، حيث يدور الجدل حول الخط الفاصل بينهما. وغالباً ما ترجع مقاومة هذه التفرقة إلى أن عملية التطور ينظر إليها بصفتها كلاً متكاملاً بلا فواصل، أي أن الماكرو تطور هو ببساطة ما ينتج من عمليات الميكرو تطور التي تتم على مدار فترا زمنية طويلة. وهذا هو مقف “التدرجيين” Gradualists أمثال “دوكينز” وكذلك “دنت”. وهو ما يثير السؤال الجوهري حول ما إذا كان التطور بالفعل كُلاً متصلاً بلا فواصل، أي مثلاً ما إذا كانت آليات الانتخاب التي تفسر التنوعات في أطوال منقار العصفور أو تفسر تكون مقاومة للمضادات الحيوية في البكتيريا، يمكنها أن تفسر وجود العصافير والبكتيريا أصلاً. وباختصار فالسؤال الجوهري هو: هل للتطور “حدود”؟

لقد أوجز “روبرت وسون” Robert Wesspon قيمة التمييز بين الميكرو تطور والماكرو تطور كما يلي: «ليس لدينا فهم واضح لما يظهر من أشكال تطورية جديدة كبرى. ولم يخضع أي منها للملاحظة، ولسنا نعلم ما إذا كان أي منها يتم حالياً. وليس لأي منها سجل حفري جيد». على النقيض من ذلك، تنوعات الميكرو تطور الناتجة عن الطفرات والانتخاب الطبيعي كانت وما زالت قابلة للملاحظة.

وأي شخص ذكي ينظر من الخارج لهذه القضية يرى فيها صعوبة كبرى. ويعبر عنها “إيه. بي. هندري” A. P. Hendry وكذلك “إم. تي. كينيسون” M. T. Kinnison كما يلي: «غالباً ما يقسم التطور إلى فئتين: الميكرو تطور والماكرو تطور. وواضح أن الأول يعني قدراً صغيراً من التغيير والأخير يعني قدراً كبيراً. وتكمن الصعوبة في تحديد الفاصل بين الإثنين، وما إذا كانا يمثلان العمليات نفسها (باختلاف الإطار الزمني الذي يعمل فيه كل منهما)، وما إذا كان الفصل مفيداً أو سليماً في الأساس… هل أحداث الماكرو تطور (التغيرات التركيبية الكبرى أو نشوء أنواع بيولوجية جديدة) مجرد نتاج تراكمي لآليات الميكرو تطور (الطفرة الصغيرة Micro mutation، الانتخاب، تدفع الجينات Gene flow، الانحراف الجيني) أم أن الماكرو تطور يتطلب آلية مختلفة نوعياً؟ وتاريخ هذا النقاش طويل ومعقد وأحياناً ما يثير غضب الأطراف بعضهم نحو بعض».

ومن المشكلات الواضحة هنا أن استنتاج ما هو غير قابل للملاحظة مما هو قابل للملاحظة محفوف بالمخاطر. ولذلك، يقول “س. ف. جيبرت” S. F. Gibbert وأيضاً “ج. م. أوبيتس” J. M. Opitz وكذلك “ر. أ. راف” R. A. Raff إن «الميكرو تطور يعنى بعمليات التكيف التي تختص فقط ببقاء الأصلح، وليس بقدوم الأصلح. كما يشير “جودوين” Goodwin (1995) قائلاً: «أصل الأنواع الذي هو مشكلة داروين، لم تحل حتى الآن». وكأنه يردد حكم عالم الوراثة “ريتشارد جولدشميت” Richard Goldschmidt: «الحقائق المختصة بالميكرو تطور لا تكفي لفهم الماكرو تطور». بل إن “جون مينارد سميث” John Maynard Smith ومعه “إي. ساتماري” E. Szathmary، وكلاهما دارويني أصيل يتخذان منحى مشابهاً: «ما من سبب نظري يسمح لنا أن نتوقع أن مسارات التطور ستزداد تعقيداً بمرور الزمن، وما من دليل تجريبي أيضاً على حدوث هذا الأمر.»

ويرجح “سيجفريد شيرر” Siegfried Scherer من “الجامعة التقنية” Technical University في ميونخ أنه يمكن تصنيف الكائنات الحية إلى أصناف أساسية Basic types معينة، وهو تصنيف أوسع قليلاً من تصنيف الأنواع البيولوجية Species. وتعريف “الصنف الأساسي” هو: مجموعة من الكائنات الحية المتصلة على نحو مباشر أو غير مباشر بالتزاوج مع أفراد من نوع مختلف، بصرف النظر عما إذا كان النسل الهجين عقيماً أم لا. وهذا التعريف يجمع بين المفاهيم الوراثية والتركيبية للنوع البيولوجي. ويرى “شير” أن الأبحاث حتى الآن تبين أنه «من المؤكد أن كل التنوعات الوراثية بقيت محصورة داخل حدود الأصناف الأساسية، وذلك بناء على عالم الميكرو تطور كله الخاضع للتجريب (بما في ذلك أبحاث التهجين الصناعي وتكوين الأنواع).»

وتؤكد هذه التعليقات رأي عالم الأحياء والفيلسوف “بول إريريش” Paul Erbrich: «آلية الطفرة – الانتقاء MutationSelection عبارة عن آلية لتحقيق الصورة المثلى Optimization.» أي أنها تمكن نظاماً حياً موجوداً أصلاً من أن يتكيف انتقائياً مع الظروف البيئية المتغيرة كما تعمل الخوارزميات الجينية على تحقيق الصورة المثلى في الهندسة. ولكنها لا تخلق شيئاً جديداً.

ومن علماء الأحياء البارزين الذين قادتهم أبحاثهم إلى الاقتناع بمحدودية الطفرة والانتخاب الطبيعي، ومن ثم إلى رفض الداروينية الحديثة هو “بيير جراسيه” Pierre Grasse بجامعة السوربون في باريس وقد كان رئيس “الأكاديمية الفرنسية” Academie Francaise ومحرر المرجع المكون من 28 جزءًا بعنوان “شرح متعمق لعلم الحيوان” Traite de Zoologie، وهو من المراجع الموثوقة. وقد عبر عالم الوراثة العظيم “ثيودوشس دويجانسكي” Theodosius Dobzhansky عن احترامه الشديد لرأي “جراسيه”: «يمكن للمرء أن يختلف مع “جراسيه”، ولكن لا يمكنه أن يتجاهله… فمعرفته بعالم الكائنات الحية معرفة موسوعية». وقد وصف كتاب “جراسيه” «تطور الكائنات الحية» L’evolution du vivant بأنه «ضربة قاصمة لكل أنواع الداروينية. وغرضه «تدمير أسطورة التطور باعتباره ظاهرة بسيطة مفهومة محددة» وإثبات أن التطور سر غامض لا يمكننا أن نعرف عنه إلا القليل». وأشار “جراسيه” في كتابه أن ذبابة الفاكهة تبقى ذبابة فاكهة رغم آلاف الأجيال التي تكاثرت منها وكل الطفرات التي دخلت عليها. فالحقيقة أن القدرة على التنوع في تجميعة الجينات Gene Pool تنضب في مرحلة مبكرة جداً من العملية، وهي ظاهرة يطلق عليها الاستتباب الوراثي Genetic Homeostasis. ويبدو أن هناك حاجزاً لا يستطيع التكاثر الانتقائي أن يتجاوزه إما لحدوث العقم أو لنفاذ القدرة على التنوع الجيني. فإن كان أمهر خبراء التكاثر لا يمكنهم إلا إنتاج قدر محدود من التنوع، فهذا يعني أن ما ينتجه الانتخاب الطبيعي أقل بكثير. ولذلك، بين أن الميكرو تطور لا يمكن أن يحمل العبء الذي غالباً ما يلقى على عاتقه.

والأبحاث التي أجريت مؤخراً على بكتيريا الإشريكيا القولونية E. Coli تؤيد هذا الموقف، حيث لم تلاحظ أي تغيرات جديدة حقيقة على مدى 25000 جيل في بكتيريا الإشريكيا. ويوضح عالم الكيمياء الحيوية “مايكل بيهي” أنه حتى الآن خضع أكثر من 30000 جيل من بكتيريا الإشريكيا للدراسة وهو ما يعادل نحو مليون سنة بشرية، والنتيجة النهائية تبين أن التطور أنتج «في الغالب تدهوراً. ورغم أن بعض التفاصيل الهامشية لبعض النظم تغيرت على مدار الثلاثين ألف جيل، فالبكتيريا تخلصت من كميات من إرثها الجيني، بما فيه القدرة على صنع بعض العناصر الأساسية في الحمض النووي الريبوزي RNA. ويبدو أن التخلص من آلة جزيئية معقدة ولكنها مكلفة يوفر طاقة البكتيريا. أنا لم أر شيئاً بهذه العظمة. والدرس الذي نتعلمه من الإشريكيا القولونية أن الأسهل على التطور أن يكسر الأشياء لا أن يصنعها».

وهذه الملاحظة التي تتفق تماماً مع الخلاصات التي نستنتجها من حسابات “هويل” الرياضية تمثل أحد الأدلة التي يقدمها “بيهي” لإثبات أن الدراسات البيولوجية تبين أن التطور له “حدود” أي أن قدرة الانتخاب الطبيعية والطفرة قدرة محدودة. وهو يرى أن الأجدر بالعلماء أن يؤكدوا تلك الحدود طالما أن الأساس الجيني للطفرة مفهوم. وهو يطبق تلك المعرفة على حالة معينة كانت موضع دراسة عميقة، ويكتب قائلاً: «إن أفضل اختبار على الإطلاق للنظرية الداوينية هو تاريخ الملاريا وذلك بفضل ضخامة عدد أفرادها. وسرعة تكاثرها، ومعرفتنا بجيناتها.» يوضح “بيهي” أن مئات الطفرات المختلفة التي تزود الإنسان بشيء من المقاومة ضد الملاريا حدثت في الجينوم البشري وانتشرت بين أفراد جنسنا بالانتخاب الطبيعي. وهو يذكر أن هذه الطفرات حظيت بما تستحق من القبول بصفتها من أفضل الأمثلة على التطور الدارويني، إلا أن الأدلة تبين أيضاً وجود «حدود جذرية لفاعلية الطفرة العشوائية». وقد أسفرت هذه الدراسات عن نتائج غير متوقعة:

1 – العمليات الداروينية غير متسقة ومقيدة للغاية.

2 – الصراع بين المفترس والفريسة (أو الطفيل والعائل) الذي غالباً ما صوره الكتاب الداروينين على أنه دورة من سباق التسلح المنتج الذي يسفر عن تطورات على كلا الجانبين، هو في الواقع دورة مدمرة أشبه بحرب الخنادق حيث تتدهور الظروف…

3 – الطفرة العشوائية العمياء كالمخمور الذي يسير مترنحاً وعيناه معصوبتان فيسقط بعد خطوة أو اثنتين، فأغلب الظن أن الطفرة العشوائية تتعثر وتسقط قبل أن تتمكن من قطع المسافة المطلوبة لتحقيق التطور.

4 – البيانات المتعلقة بطفيليات الملاريا التي لا حصر لها تتيح لنا أن نقدر تقريبياً، ولكن يقينياً، حدود التطور الداوريني لكل الأحياء على وجه الأرض على مر مليارات السنين الماضية».

لقد تمكنت الملاريا من بناء مقاومة لعقار الكلوروكوين Chloroquine عن طريق طفرة اشتملت على تحول حمضين أمينيين. واحتمالات عدم حدوث ذلك تعادل حوالي واحد إلى مائة مليار مليار مليار (واحد إلى 2010، ولكنه حدث بسبب وجود عدد ضخم من الخلايا الطفيلية في جسم الشخص المصاب (حوالي تريليون) وحوالي مليار شخص مصاب في العالم كل عام. ويطلق “بيهي” على الطفرات العنقودية Mutation Clusters التي تبلغ هذه الدرجة من التعقيد المجموعات العنقودية بدرجة تعقيد الكلوروكين CCC-clusters (chloroquinecomplexity clusters). وقد توصل بحساباته إلى أنه علينا أن ننتظر مئة مليون سنة مضروبة في عشرة ملايين سنة، أي أكثر من عمر الكون بمئات الآلاف من السنين، إلى أن يحدث هذا النوع من الطفرة في الجنس البشري الذي يقل إجمالي عدده عن عدد الملاريا بكثير.

ويستنتج أنه لا يمكن أن نتوقع حدوث CCC مزدوج. (أي طفرة عنقودية تبلغ درجة تعقيدها ضعف تعقيد طفرة CCC العنقودية) نتيجة لعملية داروينية في أي مرحلة من تاريخ الحياة على الأرض. فإن وجدنا بالفعل خصائص للحياة تتطلب طفرة عنقودية بضعف تعقيد طفرة CCC أو أكثر، يمكننا أن نستدل أن هذه الخصائص لم تنشأ نتيجة عملية داروينية.» ثم يستطرد قائلاً: «إن الحياة تعج بمثل هذه الخصائص» مدللاً على ذلك بواحد من أمثلته المبهرة، ألا وهو أنظمة التحكم المذهلة، أو شبكات التنظيم الجينية Genetic Regulatory Networks التي تقوم بدور في تكوين أجسام الحيوانات.

ويلفت النظر إلى مشابهة طريقة إذ يقول «كما افترضت فيزياء القرن التاسع عشر أن الضوء ينتقل عبر الأثير، هكذا يفترض علم الأحياء الدارويني الحديث أن الطفرة العشوائية والانتخاب الطبيعي مسؤولان عن تكوين الآلة المعقدة للخلية. ولكن للأسف، العجز عن اختبار النظرة حال دون تقييمها بشكل نقدي وأطلق العنان للتخمينات. إلا أنه في الخمسين سنة الأخيرة فقط أجرت الطبيعة نفسها بلا هوادة المعادل البيولوجي للتجربة المعروفة باسم “تجربة مايكلسون ومورلي” Michelson-Morley experiment. سمها تجربة M-H (الملاريا – فيروس نقص المناعة البشرية malaria-HIV). لقد جابت هذه التجربة أنحاء الكوكب بقوة تعادل قوة معاملنا الفقيرة مليار مرة بحثاً عن قدرة الطفرة العشوائية والانتخاب الطبيعي على بناء آلة بيولوجية متسقة ولم تجد على الإطلاق. وهو ما لم نكن نتمنى أن تؤول إليه النظرية.

«فلماذا لا يوجد أثر لصانع الساعات الأعمى الضعيف؟ أبسط تفسير صانع الساعات الأعمى غير موجود، كالأثير».

ماذا يقول علماء الرياضيات؟

ازداد اهتمام علماء الرياضيات بعلم الأحياء، خاصة منذ ثورة علم الأحياء الجزيئي. وأصبح علم الأحياء الرياضي أحد العلوم التي تشهد نمواً سريعاً. ومن أولى المحاولات المهمة في هذا المضمار مناظرة رفيعة المستوى بين مجموعة من أبرز علماء الأحياء وعلماء الرياضيات المهتمين بعلم الأحياء. وقد تمت في “معهد ويستار” Wistar Institute في مدينة فيلادلفيا سنة 1966. وكانت محاولة عالم الرياضيات “ستانلي أولام” Stanley Ulam أن يعبر كمياً عن احتمالات إمكانية حدوث التطور التدريجي عن طريق تراكم الطفرات الصغيرة سبباً في استثارة حوار شيق بينه وبين عالمي الأحياء السير “بيتر مداوار” ورئيس المؤتمر “س. هـ. وادينجتون” C. H. Waddington. وكانت حجة “أولام” بناء على حساباته الرياضية أن احتمال تطور العين بواسطة عدد كبير جداً من التغيرات الطفرية الصغيرة هو احتمال مستبعد لأن الوقت المتاح غير متاح. فأجاب السير “بيتر مداوار” قائلاً: «أظن أن طريقتك في التعامل مع الموضوع هي عملية عكسية تثير اندهاشي حيث إنها تسير عكس عملية التفكير العلمي الطبيعية. فتطور العين هو حقيقة لا محالة، وتبين كما يقول “وادينجتون” أن هذه الصيغة [صيغة أولام] على ما أظن خاطئة.» ثم علق عالم الأحياء “إرنست ماير” Ernst Mayr قائلاً: «كل ما أقصده أن لدينا كمية كبيرة جداً من التنوع في كل هذه الأشياء حتى إننا إذا عدنا هذه الأرقام بشكل أو بآخر ستثبت صحة نظريتنا. وإننا لنشعر بارتياح لفكرة التطور».

يا له من حوار مذهل وكاشف. فبالتأكيد أنها «عملية عكسية تثير اندهاشي» تسير عكس العملية العلمية الطبيعية من حيث إنك تفترض مسبقاً أن ما تريد أن تثبت صحته هو صحيح من الأصل، وعلى أساس هذا الافتراض تكذب الأدلة المضادة له. وقد أظهر هذا الحوار أن علماء الأحياء في المؤتمر لم يحاولوا، بناء على الأدلة الرياضية، حتى أن يفكروا في احتمالية وجود أخطاء في افتراضاتهم التطورية.

ولكن حسابات “أولام” حظيت بتأييد “مارسيل – بول شوتسنبرجر” Marcel-Paul Schutzenberger أستاذ الرياضيات الفرنسي وعضو “أكاديمية العلوم الفرنسية” French Academy of Sciences. وقد اعترض على ما اعتبره قبولاً سهلاً جداً للتطور من جانب علماء الأحياء، حتى وإن “وادينجتون” تحداه قائلاً: «إن حجتك باختصار هي أن الحياة وجدت بالخلق الخاص»، وهو ما صاح ضده “شوتسنبرجر” وعدد من العلماء بالإجابة: “لا”. ويتضح من هذا الحوار أمران: أولاً، أن الرياضيين كانوا مصرين أن الدافع الوحيد وراء تفكيرهم هو العلم وليس أي شيء آخر. ثانياً، أن الحجج التي عرضوها تتفق مع الإيمان بوجود خالق، على الأقل حسب اعتقاد زملائهم بالبيولوجيين.

وقد أجرى عالم الرياضيات والفيزياء السير “فرد هويل” بعض الحسابات التي أدت به أيضاً إلى الشك في صحة تطبيق القواعد المختصة بالميكرو تطور على الماكرو تطور وخلص إلى أنه: «رغم أنه اتضح أن النظرية الداروينية لا يمكن أن تكون صحيحة في أهم جوانبها، ما زلت أرى صعوبة في قبول أن النظرية كلها خاطئة. فعندما تقوم الأفكار على ملاحظات، كما هو الحال في النظرية الداورينية، عادة ما تكون معقولة ومقبولة على الأقل في حدود الملاحظات. ولكن المشكلة تحدث عندما نتوصل إلى استنتاجات خارج إطار الملاحظات. ولذلك، فالقضية التي تطرح نفسها هنا هي تحديد مدى إمكانية قبول النظرية والسبب الذي أدى لعدم مقبوليتها عندما تجاوزت نقطة معينة».

والخلاصة التي توصل إليها “فرد هويل” من محاجاته الرياضية قاطعة بشكل لافت للنظر: «إذن الحكم المنطقي السليم يرجح أن النظرية الداورينية صحيحة في صورتها الصغيرة لا في صورتها الكبيرة. أي أن الأرانب تنشأ من أرانب أخرى تختلف عنها اختلافاً ضئيلاً، لا من حساء [أساسي] ولا من البطاطس. أما منشأ هذه الأشياء أصلاً فهو مشكلة لا بد من حلها أولاً مثل الكثير من المشكلات الضخمة».

وهكذا يكون “هويل” قد رفض الزعم الثاني لأنه لا يؤمن أن التطور يفسر وجود كل ما في الحياة من تعقيد.

سجل الحفريات:

تؤكد تعليقات “وسون” وغيره الفكرة القائلة بأن الميكرو تطور يعمل على نطاق محدود لدرجة أن سجل الحفريات لا يزودنا بأي نماذج قيمة للماكرو تطور. وهو ما يعد مدهشاً للكثيرين نظراً للانطباع السائد بين العامة أن سجل الحفريات من أقوى الأدلة على التطور. إلا أن هذا الانطباع لا يتفق مع كل ما تطالعنا به الكتابات العلمية. والحقيقة أنه من بادئ الأمر كان علماء الحفريات من أقوى معارضي داروين. وهو يشرح لنا بنفسه السبب وراء هذه المعارضة العنيفة، ألا وهو أن سجل الحفريات لا يحتوي على الأشكال الانتقالية التي قادته نظريته إلى توقعها. فقد كتب في “أصل الأنواع”: «عدد التنوعات المتوسطة Intermediate Varieties التي وجدت سابقاً على الأرض [يجب] فعلياً أن يكون عدداً يفوق الحصر. فلماذا لا يزخر كل تكوين جيولوجي وكل طبقة جيولوجية بمثل هذه الحلقات المتوسطة؟ مؤكد أن الجيولوجيا لا تكشف عن أي سلسلة عضوية متدرجة. يبدو أن هذا هو أوضح وأخطر الاعتراضات التي يمكن أن تثار ضد نظريتي». ويعلق عالم الحيوان “مارك ريدلي” Mark Ridley على هذا الموقف قائلاً: «إن سجل الحفريات الخاص بالتغير التطوري عبر أي سلسلة تطورية فقير للغاية. وإن كان التطور صحيحاً وإن كانت الأنواع تنشأ عن طريق تغيرات في أنواع أقدم، يجب أن نرى هذا في سجل الحفريات. ولكننا في الحقيقة نادراً ما نراه. وفي سنة 1859 لم يتمكن داروين من إيجاد نموذج واحد لذلك».

فما هي ثمرة هذا النشاط الدؤوب بعد قرابة قرن ونصف منذ عصر داروين؟ عالم الحفريات “دافيد روب” David Raup في “متحف فيلد للتاريخ الطبيعي” Field Museum of Natural History الذي يضم واحدة من أكبر المجموعات الحفرية في العالم يقول: «لقد مرة على داروين نحو 120 سنة ومعرفتنا بسجل الحفريات ازدادت بشكل ملحوظ. فنحن لدينا الآن ربع مليون من الأنواع البيولوجية المتحجرة في سجل الحفريات، ولكن الوضع لم يتغير كثيراً. أي أن سجل التطور ما زال متقطعاً على نحو مدهش، بل إن المضحك أن ما يتوافر لدينا الآن من نماذج للأشكال الانتقالية أقل مما وجد أيام داروين.»

وقد قال “ستيفن جاي جولد”: «ما زالت الأشكال الانتقالية في سجل الحفريات في منتهى الندرة، وكأنها ستظل دائماً سر المهنة في علم الحفريات». وقد أضاف نظيره “نايلز إلدردج” Niles Eldredge عالم الحفريات في “المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي” American Museum of Natural History: «عندما نرى بدايات عملية تطور جديدة، عادة ما يظهر فجأة، وغالباً دون دليل قوي على أن الحفريات لم تتطور في مكان آخر. والتطور لا يمكن أن يستمر إلى الأبد في مكان آخر. ولكن هذا هو ما صدم الكثير من علماء الحفريات في محاولاتهم اليائسة أن يعرفوا عن التطور من سجل الحفريات.»

والحقيقة أن “إلدردج” يعترف اعترافاً مذهلاً: «نحن علماء الحفريات قلنا إن تاريخ الحياة يؤيد [قصة التغير التكيفي التدريجي] رغم أننا كنا نعرف دائماً أنه لا يؤيدها.» فلماذا؟ ما السبب الذي يبرر لأعضاء مجتمع أكاديمي كتمان الحقيقة التي يعرفونها إلا إذا كانت تؤيد منظوراً فلسفياً قرروا من الأصل أن يرفضوه؟»

عما يكشف سجل الحفريات إذن؟ لقد كتب “جولد”: «يتميز تاريخ معظم الأنواع البيولوجية المتحجرة بخاصتين تتعارضان بشكل خاص مع فكرة التطور التدريجي لهذه الأنواع:

1 – السكون Stasis: معظم الأنواع البيولوجية لا يحدث فيها تغير يسير في اتجاه معين أثناء وجودها على الأرض. ويظل شكلها كما هو تقريباً منذ أن يظهر في سجل الحفريات وحتى تختفي، أي أن التغير التركيبي عادة ما يكون محدوداً ولا يسير في اتجاه محدد.

2 – الظهور المفاجئ Sudden Appearance: في أي منطقة لا ينشأ النوع البيولوجي تدريجياً بحدوث تغير مطرد في أسلافه، ولكنه يظهر بغتة ويكون “مكتمل التكوين”.

وعندما لاحظ “جولد” وكذلك “إلدردج” من قراءة سجل الحفريات فترات قصية من التغير السريع تتبعها فترات طويلة من السكون، قادهما ذلك لوضع نظرية “التوازن المتقطع” Punctuated Equilibrium في محاولة لتفسير هذا النمط. وتتلخص النظرية في أن فترات السكون الطويلة تقطعها “قفزات” كبيرة مفاجئة ونادرة من الماكرو تطور. ويقدم “جولد” مثالاً مدهشاً لهذه القفزات في كتابه الأكثر مبيعاً “الحياة العجيبة” Wonderful Life حيث يشرح أن كل الشعب (المستويات التصنيفية وفقاً لعلم الأحياء) الكبرى الموجودة اليوم بالإضافة إلى الكثير غيرها مما تعرض للانقراض ظهرت على نحو مباغت جداً فيما يعرف باسم “الانفجار الكامبري” Cambrian Explosion. وطبعاً السؤال عن مسبب هذه “القفزات” المفاجئة قصة أخرى وتزيد من المعضلات التي يواجهها من يتمنون أن يثبتوا أن عمليات الميكرو تطور وسيلة كافية للتطور على نطاق كبير.

ومما يلفت الانتباه وقد يدعو للسخرية نوعاً ما أن المفكرين الماركسيين تبنوا نظرية التوازن المتقطع قبل أن يكون لها أي أساس في علم الأحياء بزمن طويل لأنها تبدو متناسبة مع أسلوب تفكريهم الديالكتيكي. (ويقصد بهذا الأسلوب إنه عدم اصطدام أطروحة Thesis بأطروحة مضادة Antithesis فالأطروحة المركبة Synthesis الجديدة الناتجة عن هذا الصدام تحدث بسرعة على هيئة قفزة لا على هيئة عملية طويلة تدريجية. وهو ما يعد مثالاً آخر على تأثير المنظورات الفلسفية والأيديولوجيات على العلم.)

أما “سيمون كونواي موريس” الأستاذ بجامعة كامبريدج وزميل الجمعية الملكية فهو أقل تشدداً من “جولد” في استخدام فكرة الانفجار الكامبري في منهجه، ولكنه رغم ذلك يعتقد أن هذا الانفجار حدث بالفعل: «يمكننا أن نلاحظ اليوم الأشكال الانتقالية بين الأنواع البيولوجية، ويمكننا الاستدلال على وجودها في الماضي. إلا أن النتيجة النهائية أبعد ما تكون عن لوحة على نسيج متصل بلا فواصل تتيح للباحث أن يقرأ “شجرة الحياة”[5] Tree of Life ببساطة عن طريق العثور على الأشكال المتوسطة، سواء الحية منها أو المنقرضة، التي يفترض أنها تربط بين كافة الأنواع البيولوجية. بل على العكس، فمايز الأشكال العضوية بعضها عن بعض وغياب الأشكال المتوسطة بوجه عام يبهر علماء الأحياء».

ونظرية التوازن المتقطع تتناقض كلية مع المنهج التدرجي الذي يتبعه “الداروينيون المتشددون” Utlra-Darwinians مثل “جون مينارد سميث”، و”ريتشارد دوكينز”، و”دانيل دنت”. وقد كان السجال بين الفريقين ضارباً في بعض الأحيان، فالتدرجيون كما رأينا يؤمنون أن الميكرو تطرو بصبح مع الوقت ماكرو تطور. ومن ثم فهم يعتقدون أن التراكم البطيء للخطوات التطورية متناهية في الصغر على مدار الأزمنة الجيولوجية Aeons يمكن أن يكون خطوة كبيرة جديدة. وعالم الحفريات “نايلز إلدردج” يتهمهم بضعف معرفتهم في علم الحفريات. وحجته في ذلك أن التدرجيين مهتمون بفهم كيفية تغير المعلومات الوراثية عبر الزمن، ثم يؤكدون ببساطة أن «التاريخ التطوري نتاج عمل الانتخاب الطبيعي في التنوع الوراثي المتاح». أي أنهم يستنتجون ببساطة ما حدث عبر الزمن الجيولوجي الماضي مما يلاحظونه في الحاضر. ويستطرد “إلدردج” قائلاً: «وهذا في نظري، بصفتي عالم حفريات، أسلوب غير ناجح. فلا يصح التوصل ببساطة إلى استنتاجات عن حالة معينة بناء على معلومات معروفة مسبقاً عن حالة أخرى. وهو ما اكتشفه في ستينات القرن العشرين عندما حاولت عبثاً رصد أمثلة للتغير البطيء الذي يسير في اتجاه محدد الذي اعتقدنا به جميعاً منذ أخبرنا داروين أن الانتخاب الطبيعي يجب أن يترك هذه العلامة الواضحة الكاشفة على وجه التحديد… ولكن ما اكتشفه أنه عندما تظهر الأنواع البيولوجية في سجل الحفريات غالباً ما لا يطرأ عليها تغير يذكر. فالواقع أن الأنواع تظل حتى النهاية تقاوم التغير في سكون وثبات، وغالباً ما يستمر ذلك ملايين السنين.»

ويؤيد “كولن باترسون” زميل الجمعية الملكية هذا الحكم اللافت للنظر من حيث إنه يتناقض مع الفهم الشائع عن الحفريات: «أتجاسر وأؤكد عدم وجود مثل هذه الحفرية [حفرية تعبر سلفاً للأنواع أو نوعاً انتقالياً] يمكنني أن أبني عليها حجة محكمة». والمدهش أن “باترسون” صرح بذلك في سياق حديثه عن طائر الأركيوبتريكس Archaeopteryx الذي كانت بقاياه المتحجرة في عهدة “باترسون” في متحف التاريخ الطبيعي والتي غالباً ما يستشهد بها باعتبارها نوعاً انتقالياً بين الزواحف والطيور. وهذا هو أحد الأسباب التي تبين أهمية التمييز بين مفهومي الأشكال المتوسطة Intermediate والأشكال الانتقالية Transitional. فالشكل المتوسط هو تحديداً شكل يمكن وضعه “بين” بندين: البند (أ)، والبند (ب) من التصنيف نفسه، وفقاً لمعايير نمط معين في التصنيف، دون أن يعني ذلك أنه انحدر من (أ) وأنه سبق (ب). ولا يصبح الشكل المتوسط انتقالياً إلا إذا ثبت أنه انحدر من (أ) وأنه سلف (ب). وإثبات هذه العلاقات يتطلب طبعاً إثبات آلية معينة ضرورية لحدوث هذه العملية.

والآن كثيراً ما نقرأ أن سجل الحفريات قد يكون غير مكتمل، وخاصة لأن أعضاء الجسم الطرية لا تتحجر بسهولة لأسباب مفهومة. إلا أن علماء الحفريات على وعي تام بهذه الحقيقة، ولكنهم مع ذلك يعتقدون أن نقص سجل الحفريات لا يمكن أن يكون هو القصة الكاملة. فمثلاً “جيمز فالنتاين” James Valentine يكتب في دراسة مهمة بعنوان “في أصل الشُعب البيولوجية” On the Origin of Phyla: «الكثير من الفروع [في “شجرة الحياة”]، الكبير منها والصغير، مجهول الأصل (لا يمكن معرفة أسلافه). والمؤكد أن بعض هذه الفجوات نتجت عن نقص سجل الحفريات (الفصل الخامس)، إلا أنه ليس السبب الوحيد لعدم معرفتنا بأصل بعض الفصائل، والكثير من رُتب اللافقاريات، وكل طوائف اللافقاريات، وكل الشُعب الحيوانية.»

ويجب أن نشير أيضاً في هذا الصدد إلى أنه بالرغم من أن أعضاء الجسم الطرية نادراً ما تحفظ في سجل الحفريات، فقد ظهرت اكتشافات حديثة مذهلة تبين وجود أجنة الإسفنج في السجل في العصر ما قبل الكامبري Percambrian بالقرب من “تشنجيان” في الصين. ويرى عالم أحياء الحفريات البحرية “بول شين” Paul Chien وزملاؤه أن وجود هذه الأجنة يخلق مشكلة حقيقية: إن كانت طبقات ما قبل الكامبري قادرة على الاحتفاظ بأجنة طرية لبعض الكائنات، فلماذا لا تحتوي أيضاً على دلائل على حيوانات العصر الكامبري؟ فإن احتفظ السجل بأجنة رخوة، ألا يجب بالأحرى أن يحتفظ بحيوان كامل النضج؟

وبالطبع تجدر الإشارة أيضاً إلى أن تفسير سجل الحفريات يزداد تعقيداً بسبب الاعتبارات الوراثية. وحالياً تجرى دراسات مكثفة على الارتباط بين الجينات والتركيب Morphology (وخاصة الجينات الناحتة Hox genes) ويرجح البعض مثل “سيمون كونواي موريس” أنه بمجرد أن تظهر في حيز الوجود الحيوانات التي تتميز بدرجة كبيرة من التعقيد، عندئذ قد تستثير التغيرات الوراثية الصغيرة نسبياً تغيرات تركيبية كبيرة نوعاً ما. ولكنه مع ذلك يحذر قائلاً: «رغم أن القليلين يشكون أن الجينات تتسبب في تكوين الشكل، فنحن حالياً نكاد نجهل كيفية نشوء الشكل فعلياً في الشفرة الجينية». وهذه الملاحظات تؤكد أهمية مسألة أصل الشفرة الجينية نفسها في المناقشة بأكملها، وهو ما سنخصص له الفصل الثامن.

ولكن ماذا يستفيد غير المتخصصين من سجل الحفريات؟ مؤكد أنه ما دام عدد من المفكرين العظماء كالذين استشهدنا بهم يعبرون على الملأ عن شكوكهم في النواحي التأسيسية للنظرية، وخاصة فيما يتعلق بتطبيق قواعد الحاضر على الماضي، فهذا يبين على الأقل أن الحفريات لا تدعم النظرية الداروينية الحديثة على مستوى الماكرو تطور الذي غالباً ما يزعمه أنصار النظرية.

وبالتالي من المؤكد أنه يتضح من المناقشة السابقة أن أقل ما يقال عن الماكرو تطور إنه لا يمكن أن يوضع في الفئة التي يدعيها له “ليونتن”، وكذلك “دنت” وغيرهما. ولدينا الآن سببان مهمان يؤكدان أن الماكرو تطور لا يمكن أن يوضع في نفس مستوى دوران الأرض حول الشمس. السبب الأول أن الزعم القائل بدوران الأرض حول الشمس هو أمر ثبت بالملاحظة. وواضح أن هذا لا ينطبق على زعم “ليونتن” بأن «الطيور نشأت من “اللاطيور”» (أياً كانت الأخيرة). فهذه العملية لم تخضع للملاحظة مطلقاً. والسبب الثاني أن حقيقة دوران الأرض حول الشمس ليست مسألة ملاحظة فحسب، ولكنها أيضاً مسألة ملاحظة متكررة. ولكن زعم “ليونتن” عن أصل الطيور يرتبط بحدث ماض غير متكرر وغير قابل للملاحظة. ووضع ظاهرة غير قابلة للملاحظة أو التكرار في فئة الظواهر المتكررة والقابلة للملاحظة خطأ مشين حتى إن المرء لا يسعه إلا أن يستنتج أن خوف ليونتن من وجود بصمات إلهية، كما سبقت الإشارة، يلعب دوراً محورياً، وأن حكمه المادي المسبق يطغى على الحس (العلمي) السليم.

القرابة الوراثية: اعتراض مهول؟

بوصولنا لهذه المرحلة، إن لم يكن قبلها، لابد أن البعض بدأوا يتهموننا بأنه فاتنا أن نأخذ في الحسبان أكبر وأوضح اعتراض على فكرة محدودية التطور الدارويني. ويقوم هذا الاعتراض على بعض الأساليب الحسابية المعقدة التي تستخدم لمقارنة بينة سلاسل الـ DNA في مجموعة من الكائنات. وقد كشفت هذه الحسابات عن تماثلات مذهلة بين المحتويات الجينية Genomes، مع امتدادات طويلة من الـ DNA في كائنات مختلفة تكاد تكون متماثلة. ويقال إن هذه الدراسة التي تسير بالاستقلال عن سجل الحفريات والتشريح المقارن تكشف دون شك علاقة القرابة الوراثية Genetic Relatedness الحميمة بين كافة الكائنات الحية، وتمكننا من وضع هذه الكائنات على شجرة أسلاف واحدة. ويقال إن هذا النصر الساحق الذي حققه علم الأحياء الجزيئي يشكل أعظم دليل على صحة التركيب الدارويني الحديث.

إلا أنه لو كان ما ناقشناه حتى الآن في هذا الفصل يحمل أي شيء من الصحة، فالتصريح الأخير يتجاوز الدليل بكثير. فالقول بالقرابة الوراثية يختلف تماماً عن القول بأن الطفرة والانتخاب الطبيعي هما الآليتان الوحيدتان المسؤولتان عن إنتاج تلك القرابة. فمثلاً “بيهي” لا يبدي أدنى اعتراض على الزعم الأول، إلا أن أبحاثه والحجج السابقة تبين أنه بما أن التطور محدود، إذن العوامل المسؤولة عن تكوين القرابة الوراثية أكثر بكثير من الانتخاب والطفرة. أي أن التركيب الدارويني الحديث لا يمكنه أن يتحمل كل العبء الوراثي الملقى على عاتقه. ولكن مطلوب ما هو أكثر من ذلك، وهذا الأكثر هو مدخلات من ذكاء مصمم.

ولكن قبل الاسترسال في تلك المسألة يجب إبداء بضع ملاحظات على القرابة الوراثية. فعالم الحيوان “مارك ريدلي” يلفت النظر لملحوظة مهمة بخصوص القرابة في المطلق، وهي ملحوظة مألوفة لعلماء الرياضيات: «إن المبدأ البسيط الخاص بإمكانية تصنيف الأنواع بشكل هرمية إلى أجناس، وفصائل، وهكذا، لا يعتبر حجة مؤيدة للتطور. فمن الممكن تصنيف أي مجموعة أشياء تصنيفاً هرمياُ، سواء أكان ما بينها من تنوع هو تنوع تطوري أو غير ذلك». فالسيارات مثلاً يمكن ترتبيها هرمياً. ولكن كل السيارات تتشابه في أجزاء معينة لأن تلك الأجزاء أساسية لعملها، ولأنها مركبة وفقاً لتصميم مشترك، لا لأنها انحدرت من بعضها البعض.

ومن هذا المنظور، يمكن إذن قراءة التشابهات بين سلاسل الـ DNA منطقياً باعتبارها دليلاً على تصميم مشترك. والسلف المشترك يمكن أن يكون مصمماً أيضاً، أي أن المفهومين لا يلغي أحدهما الآخر. ورغم اختلاف “فرانسيس كولينز” مع “بيهي” فيما يختص بحدود التطور، فهو يرجح أنه رغم أنه من منظورنا «يبدو أن التطور مدفوع بالصدفة، ولكن الناتج محدد بدقة من منظور الله». وكذلك “سيمون كونواي موريس” عالم أحياء الحفريات التطوري بجامعة كامبريدج غير راض عن اختزالية الداروينيين المتشددين الذين «بعد أن شيدوا نظاماً طبيعياً لا يمكنه أن يحوز في نفسه أي غرض نهائي، وما زالوا يسمحون لفكرة المعنى أن تسلل ثانية إلى منظومتهم». ويعتقد “كونواي موريس” بوجود نوع من التشابه بين علم الأحياء والضبط الدقيق في الفيزياء الذي ناقشناه في الفصل الرابع، ويستشهد بتأكيد “فان تيل” Van Till أن “الدقة المتناهية” اللازمة لنشأة الحياة لا تقتصر على القيم الرقمية لقياسات معنية، ولكن مشروع تكوين الكون بأكمله لا بد أن يكون “في منتهى الدقة”. ويخلص “كونواي موريس” إلى أنه «ليس الكون فقط هو ما يتلاءم مع غرض معين بشكل مدهش، ولكن أيضاً قدرة الحياة على الإبحار تجاه الحلول الصحيحة، كما بينت عبر صفحات هذا الكتاب». ومؤكد أن هذا الوصف لا ينطبق على صانع ساعات أعمى، بل على بحار حاد البصر.

ويعالج “كونواي موريس” في كتاب أحدث ظاهرة التقارب التطوري Evolutionary Convergence: «حقيقة إنه كلما ازدادت معرفتنا وخاصة في الكيمياء الحيوية ووظيفة البروتين، ازدادت دهشتي. فإن كان صانع الساعات أعمى، فلا شك أنه يملك طريقة دقيقة جداً تمكنه من معرفة الطريق وسط متاهة الفضاء البيولوجي الشاسعة. وحتى إن لم يكن يعلم وجهته، فهل من كائن آخر أعلى يعلم؟» ومن ثم يعبر “كونواي موريس” عن ذهوله قائلاً: «ودائماً ما يميلون في مفرداتهم إلى استخدام الصفات المبهمة: “مدهش”، “مذهل”، “مثير”، “لافت للنظر”»، أو حتى “غريب”، “محير”، وكلها تعبر عن ردود الأفعال المتداولة في لغة العاملين في هذا المضمار. وكما أشرت في موضع آخر، أنه رغم شيوع هذه التعبيرات بين الداروينيين المخلصين، يبدو أنها تنم على شعور بعدم الارتياح. وهو ما أظن أنه يعكس على أقل تقدير شعوراً بأن التطور قد يسير في اتجاه محدد، وربما أن أكثر ما يخيف الباحث اليقظ هو عودة الغاية telos للظهور.»

أما الظاهرة التي تنتج عن ذلك أن الأدلة تتزايد داخل إطار النموذج التطوري نفسه على أن «التطور قد يكون بالفعل أقل عشوائية بما لا يقاس مما يظن غالباً». علاوة على ذلك، إن كان للتطور حدود كما يرجح “بيهي” وغيره، فالأدلة تشير إلى أن البحار لا يسير بالصدفة فقط فحسب (ويجب أن أضيف أنه لا يسير بالانتخاب الطبيعي أيضاً.) ولكن لا بد من وجود مدخلات معلوماتية (ذكية) لا غنى عنها.

وعندما نرجح أن القرابة الوراثية تشتمل على مدخلات معلوماتية، فهل هذا يعني أننا نعود إلى إله الفجوات؟ من وجهة نظر علمية، بالطبع لا، إن كان هذا ما تقتضيه الأدلة. فضلاً عن ذلك، أظن أن تجربة فكرية بسيطة قد تلقي بعض الضوء على القضية. تخيل عالم أحياء جزيئية في أحد الكواكب النائية بعد خمسة ملايين سنة يحلل بينة الـ DNA لأنواع مختلفة من القمح من أوائل القرن الحادي والعشرين عثر عليها علماء الآثار في قطعة صخرية صغيرة تائهة في الفضاء. ولنفترض أيضاً أنه لا يعلم أنها قطعة من الكوكب المعروف باسم الأرض بعد أن تحكم باصطدامه مع نيزك منذ مليون سنة.

وقد أجرى العالم تحليلاً جزيئياً تبين منه أن الأنواع البيولوجية المختلفة تبدو متقاربة من حيث أنها متشابهة جداً في الـ DNA، أو بالأحرى متماثلة عبر امتدادات طويلة. ومن ثم، يرجع الاختلافات إلى الانتخاب الطبيعي والطفرة العشوائية رغم أن الاختلافات حتى هذه اللحظة لم تطابق أي نمط تفسيري مفهوم حتى الآن. وبعد فترة قصيرة يكتشف علماء آثار الفضاء نصاً على صخرة أخرى تائهة في الفضاء ويتمكنون أخيراً من ترجمة لغته البدائية القديمة (بالنسبة لهم)، ويقول النصل: «لقد غير “سميث” بينة القمح بهدف زيادة المحصول.» فيأتون بهذا النص بعد فك رموزه لعالم الأحياء الجزيئية ويقولون له: «يبدو أن ذلك يرجح أن إحدى عينتي القمح لم ينتج بعملية طبيعية غير موجهة ولكنها تشتمل على طفرات غير عشوائية، أي أن لها تصميماً مقصوداً.» فيقول العالم: «كلام فارغ. إنها أسطورة من أساطير إحدى الحضارات البدائية المجهولة. انظروا إلى لغتها البدائية مقارنة بعلمنا المتقدم. هذا ليس علماً حقيقياً. على أي حال، بحثي يسير في اتجاه مبشر جداً وأظن أننا سنتمكن قريباً من التأكد من أن الصدفة والضرورة يمكن أن تفسرا بسهولة ما نلاحظه. ولست مستعداً أن أعتقد في “سميث” “الفجوات” الذي يمكن أن يقضى على العلم.»

إلا أننا نحن الذين نعيش في القرن الحادي والعشرين نعلم أن هذا “السميث” موجود فعلياً. فالذكاء البشري أنتج محاصيل معدلة وراثياً.

وتكمن أهمية هذه التجربة الفكرية في أنه إن أمكن منطقياً تقديم حجة تؤيد أن الصدفة والضرورة فقط هما السبب في إنتاج سلالة القمح الثانية، فالذكاء أيضاً لعب دوراً. أي أنه لا يمكننا حتى أن نستبعد تدخل ذكاء خارجي على ذلك المستوى.

وبالطبع إن أردنا أن ندخل ذكاءً فائقاً للطبيعة في العملية، علينا أن نجد مزيداً من الأدلة، مثل الأدلة المختصة بحدود التطور، بل الأهم منها الأدلة المتعلقة بأصل الحياة نفسها كما سنرى في الفصل التالي.

والمؤكد أننا لا بد أن نتوقع وجود تشابهات وراثية وتركيبية أياً كانت الفرضية التي نتبناها، سواء أكانت التصميم، أو السلف المشترك، أو مزيجاً منهما. ويقول “ستيفن ماير” Stephen Meyer إن فرضية السلف المشترك تساوي من الناحية المنهجية فرضية التصميم المشترك بحث إن وصف إحداهما بالعلمية أو اللاعلمية ينطبق بالتساوي على الأخرى. فمثلاً افتراض وجود مصمم غير مرئي ليس أقل علمية من افتراض وجود خطوات غير مرئية من الماكرو تطور. ومن الواضح جداً أن فكرة “تطور الفجوات” Evolution of the gaps لا تقل انتشاراً عن فكرة “إله الفجوات”.

وينهي “بيهي” دراسته المسحية للتفسيرات المتنوعة المطروحة لما نراه في الحياة من تعقيدات وفيرة قائلاً: «أستخلص أن احتمالاً آخر هو الأرجح: الأنظمة الدقيقة المتسقة الناجحة التي تعتمد عليها الحياة هي نتاج تصميم ذكي مقصود». ومنطقه أبعد ما يكون عن منطق “إله الفجوات”. فالحجة التي يطرحها هي أن تأثير الانتخاب الطبيعي على الطفرة العشوائية، حتى وإن كان مسؤولاً عن “تنويعات وراثية بسيطة في اللحن الأصلي» الموجود في العالم الحي[6]، إلا أنه لا يستطيع أن يفسر ما يظهر من أشكال وراثية جديدة أصيلة لا حصر لها لأنها تقع خارج حدود تلك التنويعات المرئية، في حين أن الذكاء هو الذي يستطيع تفسيره. وهي حجة تقوم على فهم علم الأحياء الجزيئي المعقد الذي يلعب دوراً في هذا المجال وليس على الجهل به.

ومن اللافت للنظر أن الملحد البارز “توماس ناجل” منبهر بهذه الحجج. فهو يشير إلى أن علماء الأحياء التطوريين دائماً ما يقولون إنهم واثقون أن الطفرات العشوائية كافية لتفسير النظم الكيميائية المعقدة التي نلاحظها في الكائنات الحية، إلا أنه يشعر أن حججهم يغلب عليها أسلوب بلاغي محض ويرى أن الأدلة لا تكفي لاستبعاد مدخلات الذكاء.

وكما ذكرت بعض علماء الأحياء البارزين الآن مثل “فرانسيس كولينز” وكذلك “سيمون كونواي موريس” يختلفون مع “بيهي” في مسألة حدود التطور. إلا أن هذا لا يعني أن هؤلاء العلماء يقبلون القصة التي تقترحها الفلسفة الطبيعية قبولاً تاماً. ولكنهم أبعد ما يكون عن ذلك. فمثلاً “فرانسيس كولينز” يعبر عن عدم ارتياحه لمصطلح “التطور الخلقي” Theistic Evolution على أساس أن «تقليص إيمان المرء بالله إلى مجرد صفة يوحي بأنه يأتي في مرتبة ثانية من حيث الأولوية، في حين تعطى المرتبة الأولى للاسم، أي لكلمة “التطور”.» وبعد أن رفض عدداً من الأوصاف المقترحة التي تشتمل على كلمات مثل “الخلق” أو “ذكي” أو “تصميم” استقر أخيراً على مصطلح “بيولوجوس” Bio Logos منعاً للخلط، ويعنى الأحياء في ضوء اللوجوس أي الكلمة. وهنا اتفق أن استخدام بعض المصطلحات يمكن أن ينشئ نوعاً من الخلط والتضليل لأنها تكون محملة بالكثير من المعاني المختلفة. لكن يبدو أن فكرة الذكاء المصمم الجوهرين ليست بعيدة عن هذا المصطلح إطلاقاً. بل من الصعب أن نتخيل وصفاً أنسب للفكرة وأكثر إيحاءً بها من كلمة “لوجوس”.

وإيجازاً للحجة التي طرحتها حتى الآن أقول إن الزعم بأنه يمكن تأسيس الإلحاد على علم الأحياء التطوري هو زعم خاطئ. وذلك لسببين، أولهما منطقي يتلخص في أنه لا يمكنك أن تستنتج منظوراً فلسفياً من علم. أما السبب الثاني فهو أن الاكتشافات منذ عصر داروين لا تؤيد فكرة أن صانع الساعات الأعمى المتمثل في الطفرة والانتخاب الطبيعي يفسر وجود الحياة برمتها وما بها من تنوع. صحيح أنه من المؤكد أن آلية الانتخاب والطفرة تفسر الكثير من التنوعات الوراثية التي لاحظها داروين ونلاحظها نحن، إلا أنها تعمل في نطاق محدود. فمن الواضح أن التطور له حدود، حدود لما يكن أن يؤديه صانع الساعات الأعمى.

بل إن حتى بعض أبرز العلماء ممن يتشككون في حقيقة هذه الحدود يعبرون عن ذهولهم من غرابة العمليات الطبيعية من حيث قدرتها على الإبحار تجاه حلول معقدة، مما يدلل على تدخل اللوجوس.

ولا شك أن تعقيد النظم الحية الذي يفوق الخيال وآلياتها المنظمة الذي يكشفه لنا علم الأحياء الجزيئي يحمل ختم الذكاء المصمم تماماً مثل الكون المادي المضبوط بدقة الذي تعتمد عليه هذه الآليات، إن لم يكن أكثر منه.

والآن من السهل أن ننسى أنه في كل ما تقدم وجود الحياة أمر مفترض مسبقاً. وذلك لأن “دوكينز” غالباً ما يوحي لنا في كتاباته (خاصة “الساعاتي الأعمى” The Blind Watchmaker) أن الآلية التي اكتشفها داروين تفسر كلاً من وجود الحياة وما بها من تنويعات وراثية. وهو بالطبع زعم خاطئ، كما يعترف بنفسه لاحقاً في كتاب “وهم الإله”. وأياً كان مزاعمه، الحقيقة أنه وفقاً للتركيب الدارويني الحديث، الانتخاب والطفرة يفترضان مسبقاً وجود وحدات تعيد إنتاج نفسها وتحدث طفرات. وحن هنا نزعم أن أصل الحياة نفسه يشكل تحدياً أمام الفلسفة الطبيعية أعقد بكثير من التحدي الذي تمثله حدود التطور. ولذا خصصت الفصل القادم لموضوع أصل الحياة.

[1] يعرفها “قاموس أكسفورد” بأنها الفرضية التي تقول بأن التطور يتم أساساً بتراكم تغيرات تدريجية (وذلك مقابل النموذج المتقطع Punctuationist model). (المترجم)

[2] نسبة إلى “فرويد” Freud الذي يعتبر أبا علم النفس الحديث. وقد ركز في نظريته على اللاوعي. ووضع أساليب العلاج بالتحليل النفسي. ورأى أن ما يحكم الإنسان هو طاقة جنسية (ليبيدو Libido) يولد بها وقسم عمر الإنسان إلى مراحل جنسية بناء على تطور هذه الطاقة. (المترجم)

[3] اختصار مصطلح Evolutionary developmental Biology.

[4] Phenotype يعني مجموعة صفات الفرد الظاهرة التي تنتج من تفاعل الوراثة مع البيئة (المترجم).

[5] تشبيه يصور العلاقة بين الكائنات، الحية منها والمنقرضة، وقد وضعه داروين للإشارة إلى أن كل الأنواع البيولوجية تنبثق من سلف واحد مشترك كما تنبثق فروع الشجرة من جذر واحد (http://www.sawtonline.org/evolution-creation-part4) تم الاطلاع عليه بتاريخ 24/6/2015 (المترجم)

[6] مثلاً الانتخاب الطبيعي يمكن أن يكون مسؤولاً عن الاختلافات الثانوية فيما بين الأسماك بأنواعها المختلفة. ولكن في النهاية كلها أسماك. أما إنتاج الأسماك من الأصل يتجاوز قدرات الانتخاب الطبيعي. (المترجم نقلاً عن الكاتب).

طبيعة التطور ونطاقه – جون ليونكس

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس (الجزء 6) تابع المقدمة (ب) العهد القديم تطور طقوس الذبائح، جوانب الذبيحة المختلفة.

دراسة في الذبائح والتقدمات في الكتاب المقدس
الذبيحة טֶבַח– ط ب ح ؛ θυσίαςσΦάζω
Sacrifice 166 – Sacrifices 142 – Sacrificing 12

 

تابع (1) مقدمـــــــــــــــة عامة
ب – العهــــــــــــدالقديـــــــم
أولاً: تطور طقوس الذبائح؛ ثانياً: جوانب الذبيحة المختلفة
للرجوع للجزء الخامس أضغط هنـا.
أولاً : تطور طقوس الذبائح
1 – من البساطة الأصلية: 
في حقبة بعيدة القدم، يُشير إليها تاريخ الكتاب المقدس، تتميز مجموعة الطقوس بالبساطة البدائية التي تناسب عادات البدو الرُحَّل، أو نصف الرُحَّل وهي تتسم بإقامة مذابح بسيط، ورفع الدعاء للاسم الإلهي ببساطة شديدة، وتقدم حيوانات أو محاصيل الأرض: ” وحدث من بعد أيام أن قايين قدَّم من أثمار الأرض قرباناً للرب…؛ وظهر الرب لإبرام وقال لنسلك أُعطي هذه الأرض فبنى هناك مذبحاً للرب الذي ظهر لهُ ثم نقل من هُناك إلى الجبل شرقي بيت إيل ونصب خيمته وله بيت إيل من المغرب وعاي من المشرق، فبنى هناك مذبحاً للرب ودعا باسم الرب ثم ارتحل إبرام ارتحالاً متوالياً نحو الجنوب ” ( تكوين 4: 3 ؛ 12: 7 – 9 )

ونلاحظ أنه لا يوجد أماكن ثابتة لتقديم الذبائح بل عادة تُقدم في المكان الذي يظهر الله فيه، والمذبح الترابي البدائي والبسيط جداً في مظهره، والخيام التي تفك وتُبسط، يشهدان بطريقتهما الخاصة على الطابع غير الثابت والمؤقت لأماكن العبادة القديمة: ” مذبحاً من تراب تصنع لي وتذبح عليه محرقات وذبائح سلامتك، غنمك وبقرك في كل الأماكن التي فيها أصنع لاسمي ذكراً آتي إليك وأُباركك ” ( خروج20: 24 )، ” تحفظ عيد الفطير، تأكل فطيراً سبعة أيام كما أمرتك في وقت شهر أبيب لأنهُ فيه خرجت من مصر ولا يظهروا أمامي فارغين ( ذكورك ) ” ( خروج 23: 15 )
وكذلك نلاحظ أنه لم يكن هناك خدام مخصصون لبناء المذبح أو تقديم الذبيحة أو العطايا لله، فرب الأسرة أو رئيس القبيلة، والملك في العهد الملكي، هم الذين يقدمون الذبائح. إلا منذ زمن مبكر، أخذ بعض الرجال المختارين خصيصاً ليقومون بهذه الخدمة والوظيفة الخاصة: ” وللاوي قال ( موسى ) تُميمُك وأُريمُك لرجلك الصديق الذي جربته في مسه وخاصمته عند مريبة، الذي قال عن أبيه وأمه لم أَرَهما وبإخوته لم يعترف وأولاده لم يعرف، بل حفظوا كلامك وصانوا عهدك يُعلمون يعقوب أحكامك وإسرائيل ناموسك، يضعون بخوراً في أنفك على مذبحك ” ( تثنية 33: 8 – 10 ) 
فكما أن الهيكل على عهد يوشيا سيصبح المركز الوحيد لكل نشاط خاص بالذبائح، كذلك الكهنة سيجعلون إقامة الذبائح وقفاً على أنفسهم، حسب أمر الله بالطبع.

2 – إلى تشعب الطقوس:

نلاحظ أن بعد ذلك أن الطقوس تشعبت بشكل كبير ومتسع جداً، وقد نجم هذا بسبب ما أتى به التاريخ من تجديدات متوالية وتطور العلاقة بين الشعب والله. ونلمس – في الواقع – تطوراً في الاتجاه نحو الكثرة والتنوع والتخصص في الذبائح، وهناك أسباب كثيرة توضح هذا التطور الذي حدث بعد البساطة التي كانت تقدم بها العبادة والذبائح:
فالانتقال من الحياة البدوية والرعوية وكثرة الترحال في خيام من مكان لآخر إلى حياة الاستقرار والزراعة، والتأثير الكنعاني وخطورة الكهنوت المتزايدة، فشعب إسرائيل نجده كثيراً ما يقتبس عناصر كثيرة من جيرانه المحيطين به والشعوب الذي اختلط بها: فهو ينقيها ويُصححها ويروحنها حسب وصية الله، ليقدم العبادة لله كبكر وسط الشعوب …

وبالرغم من التمادي في تقديم العبادة لله بتدقيق، إلى أن وصل لحد المبالغة المفرطة والخروج عن الوصية الإلهية، نجد أن إسرائيل قد وقع – عن عدم وعي – في خطر العبادة الباطلة والتي لا تُرضي الله، والذي أخذ تحذير بشأنها لكي لا يُشابه الشعوب الذي طردها الرب من أمامه:
” هل يُسرّ الرب بألوف الكباش، بربوات أنهار زيت، هل أُعطي بكري عن معصيتي ثمرة جسدي عن خطية نفسي ” ( ميخا 6: 7 )
” ونزر يفتاح نذراً للرب قائلاً: إن دفعت بني عمون ليدي فالخارج الذي يخرج من أبواب بيتي للقائي عند رجوعي بالسلامة من عند بني عمون يكون للرب وأصعده محرقة ” ( قضاة 11: 30 – 31 )
ويرفض إسرائيل حسب تحذير الرب أن يقدم ذبائح بشرية، فهو جرم عظيم، ولا يعتبر عبادة بل هو حرم وإيقاع شر أمام عيني الرب:
” لا تعمل هكذا للرب إلهك لأنهم قد عملوا لآلهتهم كل رجس لدى الرب، مما يكرهه، إذ أحرقوا حتى بنيهم وبناتهم بالنار لآلهتهم ” ( تثنية 12: 31 )
” لا يوجد فيك من يجيز ابنه أو ابنته في النار، ولا من يعرف عرافة ولا عائف ( ممارس سحر ) ولا متفائل، ولا ساحر، ولا من يرقي رقيه، ولا من يسأل جاناً أو تابعة ( امرأة تعمل في السحر )، ولا من يسأل يستشير الموتى، لأن كل من يفعل ذلك مكروه عند الرب. وبسبب هذه الأرجاس الرب إلهك طاردهم من أمامك ” ( تثنية 18: 10 – 12 )

عموماً، قد اغتنى شعب إسرائيل بالاقتباس من تُراث الشعوب الأخرى في العبادات، ممارساً بذلك وظيفته كوسيط، موجهاً من جديد نحو الإله الحق بعض ممارسات طرأ عليها تحريف المفاهيم الوثنية. فهو نقاها حسب أمر الله ووصيته، وبذلك أخذت الطقوس الأولية البسيطة في التكامل والتشعب، مع الأخذ في الاعتبار تحذيرات الله للخلط ما بين وصيته وما بين المبالغة إلى الحد الذي فيه يتم مشابهة الشعوب الأخرى التي لم تتقي الله ولم تخافه وتهابه. 

ثانياً : جوانب الذبيحة المختلفة
(1) أنواع مختلفة تظهر في التاريخ :
شهد الكتاب المقدس – منذ البداية – بوجود أنواع مختلفة من الذبائح. فالمحرقة ( عُوْلَه עֹלָה ) وهي تظهر في التقاليد القديمة، وفي عهد القضاة:
” وبنى نوح مذبحاً للرب. وأخذ من كل البهائم الطاهرة ومن كل الطيور الطاهرة وأصعد محرقات على المذبح ” ( تكوين 8: 20 )
” فدخل جدعون وعمل جدي معزى وإيفة ( 45 لتر ) دقيق فطيراً.. فقال لهُ ملاك الله خذ اللحم والفطير وضعهما على تلك الصخرة … ففعل ذلك. فمد ملاك الرب طرفي العُكاز الذي بيده ومس اللحم والفطير فصعدت نار من الصخرة وأكلت اللحم والفطير… ” ( قضاة 6: 19و20و21 )
” فأخذ منوح جدي المعزى والتقدمة وأصعدهما على الصخرة للرب. فعمل عملاً عجيباً ( ملاك الرب ) ومنوح وامرأته ينظران فكان صعود اللهيب عن المذبح نحو السماء أن ملاك الرب صعد في لهيب المذبح.. ” ( قضاة 13: 19 – 20 )
فكانت الذبيحة تُحرق بجملتها [[ ( ثور، خروف، جدي، طائر ) وذلك – كما رأينا في المقدمة – تعبيراً عن الهبة الكاملة التي لا رجعة فيها ]]

وهناك نوع آخر من الذبائح كثير الانتشار عند الساميين، كان يقوم أساساً على مأدبة مقدسة، ذبيحة سلامة ( ذَبحْ شيلميم – זֽבָחשׁלָמִים)، أو ذبيحة شركة، فيأكل المؤمن ويشرب ” أمام الرب “: ” بل أمام الرب إلهك تأكلها في المكان الذي يختاره الرب إلهك أنت وابنك وابنتك وعبدك وأَمَتك واللاوي الذي في أبوابك وتفرح أمام الرب… ” ( تثنية 12: 18 )
” وانفق الفضة في كل ما تشتهي نفسك في البقر والغنم والخمر والمسكر وكُل ما تطلب منك نفسك وكُل هناك أمام الرب إلهك وافرح أنت وبيتك ” ( تثنية 14: 26 )
وقد خُتم عهد سيناء بذبيحة من هذا النوع: ” فكتب موسى جميع أقوال الرب وبكَّر في الصباح وبنى مذبحاً في أسفل الجبل واثني عشر عموداً لأسباط إسرائيل الأثني عشر، وأرسل فتيان بني إسرائيل فاصعدوا محرقات وذبحوا ذبائح سلامة للرب ” ( أنظر خروج 24: 4 – 8 )

ومن المؤكد أن كل مأدبة مقدسة لا تفرض – بالضرورة – وجود ذبيحة، إلا أنه في الواقع، ولائم الشركة هذه، في العهد القديم، كانت تشتمل على ذبيحة، فجزء من الذبيحة ( سواء كانت حيوان صغير أم كبير )، كان يُصبح من حق الله – سيد الحياة – كدمٍ مراق والدهن ( بحرقه على المذبح )، في حين كان يُستخدم اللحم كطعام للمدعوين ( وهنا بالطبع تتضح روح الشركة بين الله والإنسان، والإنسان مع أخيه في محضر الرب )، ونرى ذلك مشروح في الطقس بكل دقة في لاويين 3، فيقول الطقس: يضع المقدم ( مقدم الذبيحة ) على رأس الحيوان ويذبحه. يرش الكاهن الدم على المذبح وحوله. تُنزع الأحشاء ويُحرق الدهن كرائحة رضا ليهوه…

وأيضاً هناك طقوس تكفيرية ( ذبائح كفارية – כַּפֵּר ): ” ولذلك أقسمت لبيت عالي إنه لا يُكفر عن شر بيت عالي بذبيحة أو بتقدمة إلى الأبد ” ( 1صموئيل 3: 14 )

وأيضاً توجد ذبيحة أساسية ورئيسية منذ القديم، وهي ذبيحة المحرقة: ” وبنى نوح مذبحاً للرب… وأصعد محرقات … فتنسم الرب رائحة – רֵיחַ– الرضا، وقال الرب في قلبه: لا أعود ألعن الأرض أيضاً من أجل الإنسان لأن تصورات قلب الإنسان شرير منذ حداثته، ولا أعود أيضاً أُميت كل حي كما فعلت ” ( تكوين 8: 20 – 21 )
وقد اعتبرت هذه الذبيحة: رائحة سرور، إذ أنها تُمثل الطاعة القلبية لله 
” وأما أحشاؤه وأكارعهُ فيغسلها بماء ويوقد الكاهن الجميع على المذبح محرقة وقود رائحة سرور للرب ” ( لاويين 1: 9 )
” ويوقدهن الكاهن على المذبح طعام وقود لرائحة سرور ( راحة )، كل الشحم للرب ” ( لاويين 3: 16 )

(2) نحو صورة جامعة في سفر اللاويين:
سفر اللاويين يعرض بأسلوب فني وصور نظامية العطايا المقدمة لله: أنظر من لاويين 1 إلى لاويين 7 
” وكلم الرب موسى قائلاً: كلم هارون وبنية وجميع بني إسرائيل وقُل لهم: كل إنسان من بيت إسرائيل ومن الغرباء في إسرائيل قرب قربانه من جميع نذورهم وجميع نوافلهم [ تبرعاتهم ( أي تقدمة غير مفروضة على الإنسان ) ] التي يقربونها للرب محرقة للرضا عنكم يكون ذكراً صحيحاً من البقر والغنم أو الماعز، كل ما كان فيه عيب لا تقربوه لأنه لا يكون للرضا عنكم ( لا يرضى به منكم ).
وإذا قرب إنسان ذبيحة سلامة وفاء لنذر أو نافلة ( تبرع ) من البقر أو الأغنام، تكون صحيحة للرضا ( ليرضى به الرب )، كل عيب لا يكون فيها، الأعمى والمكسور والمجروح والبثير ( ليس به بثور أو خُرَّاج ) والأجرب والأكلف ( من له بقع مختلفة في جسمه – مرض جلدي أو بقع لونية مختلفة عن طبيعة جلدة الطبيعي )، هذه لا تقربوها للرب، ولا تجعلوا منها وقوداً على المذبح للرب. وأما الثور أو الشاه ( غنم أو ماعز ) الزوائدي أو القزم فنافلة ( تبرعاً ) ( لـ ) تعمله، ولكن لنذر لا يرضى به، ومرضوض الخصية ومسحوقها ومقطوعها لا تقربوا للرب، وفي أرضكم لا تعملوها ومن يد ابن الغريب لا تُقربوها خُبز إلهكم من جميع هذه، لأن فيها فسادها. فيها عيب لا يُرضى بها عنكم ( لا يُرضى به منكم ).
وكلم الرب موسى قائلاً: متى وُلِدَ بقر أو غنم أو معزى يكون سبعة أيام تحت أمه، ثم من اليوم الثامن فصاعداً يُرضى به قُرباناً وقود للرب، وأما البقرة أو الشاه فلا تذبحوها وابنها في يومٍ واحد، ومتى ذبحتم ذبيحة شكر للرب فللرضا عنكم تذبحونها، في ذلك اليوم تؤكل، لا تبقوا منها إلى الغد. أنا الرب ” ( لاويين 22: 17 – 30 )

ومن الواضح أن سفر اللاويين يختص بتنظيم العطايا المقدمة لله: الدموية والغير دموية، وجميع أنواع العطايا بلا استثناء …
ونلاحظ دقة السفر في سرد العطايا وتقديمها بدقة بدون أن يطغي طقس التقديم على روح الطقس نفسه الذي تُقدم به العطايا لله، لأن الحركات الدقيقة في الطقس تحمل معنى مقدساً يعمل سراً في قلب الإنسان مقدمالعطية أو الذبيحة، مثل رفع الشكر لله القدوس، والرغبة في التكفير عن نفسه ليقدر أن يتقرب من الله ويتصالح معه ويُنشأ معه علاقة، وذلك يظهر في تقديم المحرقة: ” ويضع يده على رأس المحرقة فيُرضى عليه للتكفير عنه ” ( لاويين 1: 4 )
” وكان لما دارت أيام الوليمة أن أيوب أرسل ( أبناؤه ) فقدسهم، وبكر في الغد وأصعد محرقات على عددهم كلهم. لأن أيوب قال: ربما أخطأ بَنيَّ وجدفوا على الله في قلوبهم، هكذا كان أيوب يفعل كل الأيام ” ( أيوب 1: 5 )

وفي خلفية بعض الاصطلاحات، يُكشف شعور عميق بقداسة الله، مع خوف ملازم من الخطية ( التي تُدمر حياة الإنسان وتضعه في خصومة مع الله )، وحاجة داخلية مُلَّحه للتطهير والتنقية.

إن مفهوم الذبيحة في هذه المجموعة الطقسية – التي تظهر في سفر اللاويين – يتجه إلى التركيز حول فكرةالتكفير، والدم في ذلك يلعب دوراً هاماً، إلا أن فاعليته تتعلَّق في النهاية بالمشيئة الإلهية، وتفرض توفر مشاعر التوبة الصادقة من القلب:
[ التكفير عن النفس بالدم ] ” لأن نفس الجسد هي في الدم، فأنا أعطيتكم إياهُ على المذبح للتكفير ( Cover -כַּפֵּר ) عن نفوسكم. لأن الدم يُكفَّر عن النفس ” ( لاويين 17: 11 )
[ المشيئة الإلهية ] ” أنا أنا هوَّ الماحي ذنوبك لأجل نفسي وخطاياك لا أذكُرها ” ( إشعياء 43: 25 ) 

والتعويض عن النجاسات الطقسية والأخطاء غير المقصودة كان يدفع المؤمنين عملياً نحو تطهير قلوبهم، كما أن الشرائع الخاصة بالطاهر والنجس كانت توحي للنفوس بالابتعاد عن الشرّ واقتلاعه من جذوره. 
ووليمة الشيلميم ( السلامة ) تُتَرجَّمْ وتُحَقَق في الفرح والابتهاج الروحي وحدة الشركة بين المدعوين لهذه الوليمة، بعضهم مع بعض ومع الله، لأن الجميع يشتركون بالفرح والشكر في الذبيحة عينها ( كما سوف نرى أثناء شرحنا لذبيحة السلامة ).

_______________
 
وفي الجزء القادم سنتكلم عن
ثالثاً: من الطقوس إلى الذبيحة الروحية


Exit mobile version