إتباع المسيح بلا تردد – إنجيل لوقا 9 ج12 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إتباع المسيح بلا تردد – إنجيل لوقا 9 ج12 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إتباع المسيح بلا تردد – إنجيل لوقا 9 ج12 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو9: 59، 60) ” وَقَالَ لآخَرَ: اتْبَعْنِي. فَقَالَ:يَا سَيِّدُ، ائْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَوَّلاً وَأَدْفِنَ أَبِي. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ اللهِ “.

 

          المسيح هو لنا أصل ومُعلِّم كل فضيلة، لأننا ” نحن متعلمون من الله” كما يُعلن إشعياء النبي (إش54: 13 س). وأيضًا يشهد الحكيم بولس قائلا ” الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه ” (عب1:1، 2). فبماذا كلَّمنا خلال ابنه، فمن الواضح أن رسالة الإنجيل ترشدنا بنجاح إلى كل أنواع الفضائل، وبها نتقدم في الطريق الممدوح والرائع، طريق الحياة الأفضل، لكي باقتفائنا خطواته، نربح كنز مواهبه. والدرس الموضوع أمامنا الآن يُعلِّمنا بوضوح الطريق التي بها نتبعه ونُحسب مستحقين لهذه الأمجاد الفائقة الكاملة التي مُنحت أولاً للرسل لأن الإنجيل يخبرنا أنه: ” قال لآخر اتبعني” (لو9: 59).

فأول نقطة يجب أن نلاحظها الآن هي هذه: أننا في الفقرة السابقة تعلمنا أن واحدًا اقترب منه وقال له: ” يا معلم أتبعك أينما تمضى“. لكن المسيح رفضه، لأنه أولاً: يدعو نفسه ويقحمها في الأمجاد التي يهبها الله لمن يستحقها، فالمسيح يُتوِّج المشهود لهم بكل الخصائص الممتازة والحاذقين في ممارسة الأعمال الصالحة، ويدرجون ضمن جماعة المعلمين القديسين. وإذ لم يكن له هذا الميل، فقد وبَّخه المسيح، لأن عقله كان مسكنًا للأرواح الشريرة، ومملوءًا بكل نجاسة. فالمخلِّص لَمَس حالته بطريقة غير مباشرة فقال له: ” للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يُسنِد رأسه“.

ففي اجتماعنا الأخير ناقشنا الطريقة التي بها فهمنا هذا بصورة كافية. وأما الآن فالذي أمامنا لم يدعُ نفسه بنفسه، وليس هو متقدمًا بوقاحة ليقوم بأعمال ممدوحة، بل على العكس، فهو شخص دعاه المسيح إلى الرسولية كمَن هو لائق لها، لأنه قد نال الكرامة بواسطة القرار الإلهي، إذ هو بلا شك مقدَّس، ومكرَّم، وقادر أن يُشكِّل نفسه ليطابق قصد رسالة الإنجيل. ولكنه لم يكن يعرف بعد بوضوح بأي طريق يجب عليه أن يسلك في هذا الأمر العظيم، فربما كان له أب قد أحنته السنون، وقد ظن في نفسه أنه بتصرفه هذا يرضي الله جدًّا بإظهاره العطف والحب المناسب من نحو والده. فلقد عرف بالطبع مِن كُتُب الناموس أن إله الكل قد أعطى وصية بهذا قائلا: ” أكرم أباك وأمك ليكون لك خير ولكي تطول أيامك على الأرض” (خر20: 12س). لذلك حينما دُعيَ لهذه الخدمة المقدسة ولمهمة الكرازة برسالة الإنجيل ـ كما يتضح من أمر المسيح له أن يتبعه ـ فقد أعياه فهمه البشرى، وطلب مهلة ليجد الوقت الكافي كي يرعى والده في شيخوخته، لأنه يقول: ” ائذن لي أن أمضي أولاً وأدفن أبي“. فما نقوله عنه، ليس أنه طلب إذنًا ليدفن أباه، لكونه قد مات فعلاً، ولم يُدفن بعد ـ لأن المسيح لم يكن ليمنع ذلك ـ وإنما استخدم كلمة ” أدفن ” بدلاً مِن “أن أرعاه في شيخوخته حتى دفنه”.

فماذا كانت إجابة المخلِّص إذن؟ “دع الموتى يدفنون موتاهم، وأما أنت فاذهب ونادِ بملكوت الله”. فليس هناك من شك أن ثمة أقرباء ومعارف آخرين لأبيه، ولكن اعتبرهم أمواتًا، لأنهم لم يكونوا قد آمنوا بالمسيح بعد، ولم يستطيعوا أن يقبلوا الميلاد الجديد للحياة غير الفانية بواسطة المعمودية المقدسة. فالمسيح يقول: ” دعهم يدفنون موتاهم” لأن لهم في داخلهم عقل ميت، ولم يحيوا بعد مع هؤلاء الذين لهم الحياة التي في المسيح. فمن هنا إذن نتعلم أن مخافة الله يجب أن تسبق الاحترام والحب الواجبين للوالدين، لأن ناموس موسى أيضًا بينما يأمرنا أولاً أن ” تحب الرب إلهك من كل نفسك، ومن كل قدرتك، ومن كل قلبك” (تث6: 5)، يضع بعدها في المرتبة الثانية تكريم الوالدين قائلا: ” أكرم أباك وأمك“.

والآن هيا لنفحص الأمر ونبحث لماذا نعتبر التكريم والحب الواجبين للوالدين شيئًا لا ينبغي إهماله، بل على العكس يجب أن يراعَى باهتمام، وحينئذ ربما يقول واحد: إن هذا يرجع إلى أننا ننال وجودنا بواسطتهم، ولكن إله الكل هو الذي أوجدنا حينما كنا غير موجودين على الإطلاق. فالله هو خالق وصانع الكل، وهو الأصل والجوهر الأساسي لكل الأشياء. لأن وجود أي شيء إنما هو عطيته. فالأب والأم إذن كانا هما الوسيلة التي بواسطتها أتى نسلهما إلى العالم. أليس علينا إذن أن نُحب الموجِد الأول أكثر من الثاني أو التابع؟ أليس الله هو معطينا النعم الثمينة التي تستوجب منا الإكرام الأعظم له؟ فمساعينا إذن لإرضاء والدينا يجب أن تخضع لحبنا لله، والواجبات الإلهية. وقد علَّمنا المخلِّص نفسه هذا عندما قال: ” من أحب أبًا وأمًا أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنًا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني” (مت10: 37).

وهو لا يقول إنهم يدانون لأنهم ببساطة أحبوا، ولكن لأنهم أحبوهم ” أكثر مني“. فهو إذن يسمح للأبناء والبنات أن يحبوا آبائهم لكن ليس أكثر من حبهم له. لذلك عندما يلزم أن تفعل أي شيء يتعلق بمجد الله، فلا تدع أي عقبة تقف في الطريق، دع حماسك يكن بغير تعطل، اجعل جهودك الغيورة مشتعلة وغير قابلة للكبت. لذلك هيا حالاً ودع عنك الاهتمام بأبيك وأمك وأولادك، واجعل قوة العاطفة الطبيعية نحوهم تتوقف واجعل الغلبة لحب المسيح.

هكذا عاش إبراهيم المثلث الطوبى، لذلك فقد تبرر ودعِيَ ” خليل الله “، وحُسب أهلاً للكرامات الفائقة، فأي شيء يساوى كونه خليل الله؟ وماذا يستطيع العالم أن يقدم ما يمكن مقارنته بنعمة مجيدة وبديعة جدًّا؟ فقد كان له وحيد محبوب، أعطاه الله له بعد تأخير طويل وذلك في شيخوخته، ووضع فيه إبراهيم كل رجائه من جهة النسل، إذ قيل له: ” لأنه بإسحق يُدعَى لك نسل” (تك21: 12). لكن كما يقول الكتاب المقدس إن الله امتحن إبراهيم قائلاً: ” خذ ابنك حبيبك الذي تحبه إسحق واذهب إلى الأرض المرتفعة وأصعِده هناك محرَقَة على أحد الجبال الذي أقول لك” (تك22: 2 س). هل كان الله يمتحن إبراهيم، وكأنه لم يكن يَعلم مسبقًا ما سيحدث. وينتظر النتيجة؟ ولكن كيف يمكن أن يكون هذا صحيحًا؟ لأن الله يعرف كل الأشياء قبل أن تحدث، فلماذا إذن امتحن إبراهيم؟ وذلك لكي يمكننا بهذا الأمر أن نَعلَم أن الله جعله غير مستعد لهذا العمل لينال البطريرك تقديرًا جديرًا بالإعجاب، لكونه لم يُفضِّل أي شيء على إرادة ربه. فلم يقل له الله ببساطة خذ إسحق بل قال ” ابنك وحيدك الذي تُحبه“، فهذا يُقوِّي حركة العاطفة الطبيعية تجاه ابنه. آه ! يا له من اهتياج عنيف لأفكار مُرَّة ثارت في نفس الشيخ، فقوة العاطفة الفطرية الطبيعية تدعوه أن يحنو على ابنه. لقد تمنى أن يكون أبًا، إذ شكى عقمه لله عندما وعده الله أن يهبه كل الأرض التي أخبره بها، ” فقال أبرام أيها السيد الرب ماذا تعطيني وأنا ماضٍ عقيمًا” (تك15: 2) ـ فقانون العاطفة الطبيعية إذن يحثه أن يُنقذ الصبي، بينما قوة حبه لله تدعوه للطاعة المتأهبة. فقد كان أشبه بالشجرة التي يُحركها عنف الرياح للأمام وللخلف، أو كسفينة في بحر تتمايل وتترنح بضربات الأمواج… لكن ثمة فكرة واحدة صحيحة وقوية تمسَّك بها إبراهيم بشِدَّة،    ” لأنه آمن أن الله قادر على الإقامة من الأموات” (عب11: 19) حتى لو ذبح الصبي وراح ضحية النيران كمحرقة مرضية لله.

فإبراهيم إذن قد تعلَّم الكثير من هذه التجربة، فقد تعلم أولاً: أن الطاعة المستعِدَّة تؤدِّي إلى كل بركة، وهى الطريق المؤدِّي إلى التبرير، وعربون صداقة مع الله، وثانيًا: أن الله قادر على الإقامة من الأموات. وأكثر من ذلك فقد تعلم ما هو أهم وأكثر استحقاقًا للتقدير، أعني سر المسيح: إنه لأجل خلاص وحياة العالم فالله الآب سيُقدِّم ابنه الوحيد ذبيحة، الذي هو المحبوب بالطبيعة،  أي المسيح. والمبارَك بولس يؤكد لنا ذلك بقوله عن الله ” الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين” (رو8: 32).

فإبراهيم البطريرك تعلَّم إذن مدى عظم عدم اشفاقه على ابنه الوحيد الذي يحبه، لذلك فقد تبرر لأنه لم يُفضِّل أي شيء آخر على الأشياء التي تُرضي الله. فالمسيح يطلب منا أن نكون كذلك لكي نُحب ونُقدِّر كل ما يتعلق بمجده أكثر جدًّا من روابط قرابتنا الجسدية، ومرَّة أخرى لننظر إلى الأمر في ضوء آخر، فمن الصواب أن قوة حبنا لله يجب أن تفوق حتى حبنا لمن ولدونا بالجسد. لقد أعطانا الله نفسه كأب لأنه قال: “ولا تدعوا لكم أبًا على الأرض. لأن أباكم واحد، الذي في السموات. وأنتم جميعا إخوة ” (مت23: 9و8). وعنه يقول يوحنا الحكيم: ” إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله. وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله” (يو1: 11، 12). لذلك هل كان على هؤلاء الذين يعترفون به أنه الآب رب السماء والأرض، الذي يعلو كل المخلوقات، الذي يقف حوله الشاروبيم المقتدرون، والذي يفوق كل العروش والربوبيات، والرئاسات، والقوات، أقول هل كان من الضروري أن يسقط هؤلاء في هذا الحمق العظيم بألاَّ يجعلوه فوق كل قرابة طبيعية؟ فهل يمكن أن نكون مذنبين عندما نهمل التكريم الواجب لوالدينا والأولاد والإخوة، لكننا نتحرر من الذنب إذا لم نقدِّم الإكرام الواجب لرب الكل؟ فلنسمع ما يقوله الله لنا بوضوح ” الابن يكرم أباه والعبد يكرم سيده. فان كنتُ أنا أبًا فأين كرامتي وإن كنتُ سيدًا فأين هيبتي، قال رب الجنود” (ملا1: 16).

لذلك فالمسيح، جعل المدعو للرسولية على دراية بالسلوك الرسولي والرجولة الروحية التي تتطلَّبها الدعوة إذ يقول ” دع الموتى يدفنون موتاهم، وأما أنت فاذهب ونادِ بملكوت الله“. فخُدَّام الرسالة الإلهية يجب أن يكونوا كذلك. فلنلتصق إذن بتعاليمه الحكيمة في كل شيء متقدِّمين نحو المسيح الذي بواسطته ومعه لله الآب التسبيح والربوبية مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

 

(لو9: 61، 62) ” وَقَالَ آخَرُ أَيْضًا: أَتْبَعُكَ يَا سَيِّدُ، وَلكِنِ ائْذَنْ لِي أَوَّلاً أَنْ أُوَدِّعَ الَّذِينَ فِي بَيْتِي. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لَيْسَ أَحَدٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى الْمِحْرَاثِ وَيَنْظُرُ إِلَى الْوَرَاءِ يَصْلُحُ لِمَلَكُوتِ اللهِ “.

إننا نقول عن الغيرة في مساعينا الفاضلة، إنها تستحق كل مدح، لكن أولئك الذين قد وصلوا إلى هذه الحالة الذهنية يجب أن يكونوا أقوياء في تصميمهم، وليسوا ضعيفي العزم في صبرهم نحو الهدف الموضوع أمامهم. بل بالحري يجب أن يكون لهم ذهن غير متذبذب ولا ينثني، لأنهم بذلك سوف يبلغون الهدف، ويفوزون بالنصر، ويضفرون حول رؤوسهم إكليل المنتصر. ومخلِّص الكل يُشجِّعنا على هذا الإخلاص للهدف بوصفه خاصية تستحق الاقتناء، إذ يقول ” ومن منكم وهو يريد أن يبنى برجًا لا يجلس أولا ويحسب النفقة هل عنده ما يكفى لتكميله، لئلا يضع الأساس ولا يقدر أن يكمل، فيبدأ جميع الناظرين يهزأون به قائلين هذا الإنسان لم يقدر أن يكمل” (لو14: 28ـ30). فمن يتصرف هكذا لا يصبح إلاَّ موضوعًا للسخرية، لأن كل مسعى مُكرَّم وفاضل له خاتمة لائقة يجب أن تعقبه. وناموس موسى كي يُعلِم هذا الحق، أمر أولئك الذين كانوا يبنون بيتًا أن يقيموا فوقه حائطًا للسطح (انظر تث22: 8)، لأن من هو ليس كاملاً في الصلاح لا يخلو من اللوم. فكما كان البيت الذي ليس له حوائط سطح، يوصَم بالعار، هكذا فالفقرة التي قُرِئَت علينا من الإنجيل الآن تُعلِّمنا درسًا مشابهًا، لأن واحدًا اقترب قائلاً: ” أتبعك يا سيد ولكن ائذن لي أولاً أن أُودِّع الذين في بيتي“. فالوعد الذي تعهد به، إذن، يستحق التمثل به، وهو مملوء بكل مدح، ولكن حقيقة رغبته في توديع الذين في بيته تُوضِّح أنه منقسم على نفسه، وأيضًا أنه لم يدخل بعد الطريق بذهن غير مُقيَّد، فانظر كيف أنَّه مثل مُهر متحفِّز للسباق، هناك ما يعوقه كأن به لجام، هكذا فإن تيار الأمور العالمية، ورغبته في الاهتمام بمشاغل هذا العالم تعوقه بالمِثل، لأن ليس هناك أحد يمنعه من الإسراع إلى الهدف المشتهى إذا أراد وفقًا لميول عقله الحرة. ولكن الرغبة نفسها في استشارة أقاربه وجعلهم مستشارين له وهم لا يضمرون مشاعر مشابهة له، ولا يشاركونه مطلقًا في قراره، فتلك الرغبة تكشف وبصورة كافية أنه ضعيف ومتردِّد للوصول للهدف، والفوز بالنصر ونوال إكليل المنتصر، وليس له الاستعداد الكامل بعد ليتصرف وفقًا لرغبته في اتِّباع المسيح.

ولكن المسيح، وكأنه يستعمل توبيخات رقيقة، أصلحه، وعلَّمه أن يكون له غيرة أكثر تصميمًا قائلاً: ” ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله“. وتمامًا مثل الفلاح الذي قد بدأ في حرث أرضه بالمحراث، إذا تعب وترك عمله بعد إنجاز نصفه، فلن يرى حقله مملوء بسنابل القمح، ولا أرضه التي يدرسها مليئة بالحِزَم، وسيعاني بالطبع من الخسارة التي هي نتيجة طبيعية للتكاسل، وغياب المحصول، وما يتبعه من فقر، وأيضًا يجلب على نفسه سخرية أولئك الذين ينظرونه. لذلك فمن يرغب في الالتصاق بالمسيح، دون أن يُودِّع العالم، ويهجر كل حب للجسد، وينكر حتى أقربائه الأرضيين (إذ بفعله هذا يبلغ الشجاعة المصممة في كل المساعي الممدوحة)، فهو لا يصلح لملكوت الله. فمن لا يستطيع الوصول إلى هذا القرار، لأن عقله مقيَّد بالتكاسل: فليس بمقبول لدى المسيح، ولا هو لائق لصحبته، وبالضرورة لا يُصرِّح له أن يكون معه.

فعن هؤلاء تكلَّم المسيح عندما صاغ ذلك المثل في الأناجيل، لأنه قال: ” إنسان غني صنع عرسًا لابنه، أرسل عبيده ليدعوا المدعُوِّين، قائلاً ثيراني ومسمَّناتي قد ذبحت وكل شيء مُعَد” (مت22: 2). لكنهم كما يخبرنا الإنجيل لم يأتوا، لكن واحدًا قال لقد اشتريت حقلاً ولا أستطيع الذهاب. وقال ثان لقد اشتريت زوج بقر، وآخر لقد تزوجت بامرأة فاعذرني. فأنت ترى أنهم جميعا دُعُوا، وبينما كان في استطاعتهم أن يشاركوا في الحفل اعتذروا، وصاروا مستعبدين وبلا قيد لهذه الأمور الأرضية الوقتية،  التي سرعان ما تضمحل، و التي لابد أن نتخلَّى عن ملكيتها سريعًا. ولكن كان بالتأكيد من واجبهم أن يدركوا أن الزوجة والأراضي والممتلكات الأخرى ما هي إلاَّ لذَّات زائلة، قصيرة الوقت، وتضمحل كالظلال، وهى كأنها مرارة ممزوجة بشهد. ولكن أن يكونوا أعضاءً في كنيسة الله، تلك التي هربوا منها بغباء، وبطريقة لا أعرفها، فهذا كان سيسبب لهم فرحًا أبديًّا غير متغير. فأي شخص يتبع المسيح، دعهُ يكن ثابتًا تمامًا، هادفًا فقط إلى تلك الغاية، ولا يكن منقسمًا، ولا يستولى عليه الجهل أو الكسل، دعهُ يكن متحررًا من كل شهوة جسدانية، ولا يُفضِّل أي شيء على حبِّه له، فإذا لم يكن له مثل هذا الميل، أو ليس له هذا الإتجاه في إرادته، فحتى إذا اقترب، فسوف لا يُقبَل.

وناموس موسى قد علَّمنا أيضًا شيئًا مِن هذا القبيل بطريقة رمزية غير مباشرة، فإن بني إسرائيل حينما كانت تطرأ عليهم طوارئ، كانوا يخرجون ليحاربوا أعدائهم، وقبل أن يشتبكوا في القتال، كان المنادي ينادي فيهم قائلاً: ” الرجل الذي خطب امرأة ولم يأخذها، فليرجع إلى بيته لئلا يموت في الحرب فيأخذها رجل آخر. والرجل الذي قد بنى بيتًا جديدًا ولم يدشِّنه، فليرجع إلى بيته لئلا يموت في الحرب فيدشِّنه رجل آخر. فأي رجل خائف وضعيف القلب، ليرجع لئلا تذوب قلوب إخوته من الخوف مثل قلبه ” (تث20: 7و5و8) فأنت ترى أن الرجل الذي يُحب العالم أو الثروة والمملوء بالاعتذارات، ليس في مكانه، ولكنَّنا سنجد أن الرسل القديسين مختلفين تمامًا عن أمثال هؤلاء.

فعندما سمعوا المسيح يقول: ” هلم ورائي، تصيران صيادي الناس، فللوقت تركا السفينة وأباهم وتبعاه” (مر1: 17). وأيضًا الحكيم بولس يكتب “ ولكن لما سَرَّ الله أن يعلن ابنه فيَّ، للوقت لم أستشر لحما ودما” (غل1: 15). فأنت ترى أن العقل الشجاع والهدف القلبي الشجاع غير خاضع لرباطات الكسل، لكن يفوق كل جبن وكل شهوة جسديَّة، فهكذا ينبغي أن يكون أولئك الذين يتبعون المسيح، لا ينظرون إلى الوراء، لا يرجعون ولا يُحوِّلون وجوهم عن تلك الفضيلة الرجولية التي تليق بالقديسين ويعفون أنفسهم من واجب الجهد، غير محبِّين للأمور الوقتية، فهم ليسوا ذوى رأيين، ولكنهم يسرعون للأمام بالغيرة الكاملة إلى ما يرضى المسيح جدًّا، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسيادة والكرامة مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

إتباع المسيح بلا تردد – إنجيل لوقا 9 ج12 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أين يسكن المسيح؟ – إنجيل لوقا 9 ج11 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أين يسكن المسيح؟ – إنجيل لوقا 9 ج11 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

أين يسكن المسيح؟ – إنجيل لوقا 9 ج11 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو9: 57، 58) ” وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ فِي الطَّرِيقِ قَالَ لَهُ وَاحِدٌ: يَا سَيِّدُ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ، وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ “.

 

إنَّ اشتهاء المواهب النازلة من فوق من الله هو في الواقع أمر يستحق أن نسعى إليه، وهذا يجعلنا نربح كل خير. ولكن رغم أن رب الكل هو مُعطي سخي وكريم، إلاَّ أنه لا يعطي كل الناس هكذا ببساطة دون تمييز، بل يعطي بالحري لمن هم مستحقين لسخائه، لأنه كما أن أولئك المتوشِّحين بمجد الملوكية يمنحون كرامتهم، ووظائف الدولة المتنوعة ليس لأناس أجلاف وجُهال، الذين ليس عندهم شيئًا جديرًا بالإعجاب، بل بالحري يكرمون أولئك الذين يملكون نبلاً وراثيًّا، وقد أثبتوا بالاختبار أنهم جديرون بالقبول، ومن المتوقع أن يكونوا ناجحين في تأدية واجباتهم. هكذا الله أيضًا، الذي يعرف كل الأشياء فانه لا يمنح نصيبًا في عطاياه للنفوس المهمِلة التي تسعى للذة، بل للذين هم في حالة مناسبة لنوال هذه العطايا. إذن فأي واحد يريد أن يُحسب مستحقًّا لهذه الكرامات العظيمة، وأن يكون مقبولاً من الله، فدعه أولاً يُنقِّى نفسه من أدناس الشر، وخطية عدم المبالاة، لأنه هكذا يصير قادرًا على نوال هذه العطايا، ولكن إن لم يكن هذا اتجاه تفكيره فدعه يرحل بعيدًا.

 

وهذا هو المعنى الذي تعلمنا إياه آيات الإنجيل التي وُضعت أمامنا الآن، لأن إنسانًا ما اقترب من المسيح مخلِّصنا جميعًا وقال له: “ يا سيد أتبعك أينما تمضى“. ولكنه رفض هذا الإنسان وقال له ” للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما هو فليس له أن يُسنِد رأسه“. ومع ذلك فربما يسأل أحدهم ويقول: (إن ذلك الذي وعد أن يتبعه قد وصل إلى اشتهاء ما هو مكرَّم، وصالح، ونافع، لأن أي شيء يمكن مقارنته بالوجود مع المسيح واتِّبَاعه ؟ أو كيف لا تساعد هذه الشهوة على خلاصه ؟ فلماذا إذن يرفض المخلِّص مَن يرغب باشتياق أن يتبعه باستمرار؟ لأن المرء يمكن أن يتعلَّم من كلماته الخاصة     (أي المسيح)، أن اتِّبَاعه يؤدى إلى كل بركة، لأنه قال ” من يتبعني فلا يمشي في الظلمة، بل يكون له نور الحياة” (يو8: 12). فما هو الأمر غير اللائق في أن يعد بأن يتبعه، لكي يربح نور الحياة؟)

 

إذن فما هي إجابتنا على هذا؟ إجابتنا أن هذا لم يكن هو هدفه. كيف يمكن أن يكون له هذا الهدف؟ لأنه من السهل على أي واحد يفحص هذه الأمور بدقة أن يرى، أولا: أن طريقة اقترابه من المسيح كانت مملوءة بجهالة عظيمة، ثانيا: إنها كانت مملوءة باجتراء زائد جدًّا. لأن رغبته لم تكن مجرد أن يتبع المسيح كما فعل كثيرون آخرون من الجمع اليهودي، بل بالحري أن يقحم نفسه على الكرامات الرسولية. هذا هو إذن الإتَّباع الذي كان يسعى لأجله، إذ أنه دعا نفسه، بينما بولس المبارك يكتب “ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله كما هرون أيضًا” (عب5: 4). لأن هرون لم يدخل إلى الكهنوت من نفسه، بل بالعكس فقد كان مدعوًّا من الله، وهكذا نجد أن كل واحد من الرسل القديسين لم يرفع نفسه إلى الرسولية، بل بالحري نال الكرامة من المسيح، لأنه قال، ” هلم ورائي فأجعلكما تصيران صيادَيِ الناس” (مر1: 17) وأما هذا الإنسان ـ كما قلت ـ فإنه بجسارة يتخذ لنفسه مواهب كريمة بهذا المقدار، ورغم أن أحدًا لم يدعُهُ، فإنه يقحم نفسه إلى ما هو فوق رتبته. والآن، لو أن أي واحد اقترب من ملك أرضي وقال: ” سوف أرفع نفسي إلى هذه الكرامة أو تلك، حتى ولو لم تمنحني إياها، أيًّا كانت هذه الكرامة” فإن هذا يكون عملاً خطيرًا، بل قد يؤدي به إلى أن يفقد حتى حياته نفسها. ومَن يستطيع أن يشك أن هذه هي النتيجة بالتأكيد؟ لأننا في كل أمر، يجب أن ننتظر قرار ذلك الذي يملك السُّلطة المهيمِنة. فكيف إذن يكون مناسبًا لهذا الإنسان أن يُعيِّن نفسه بين التلاميذ، ويتوج نفسه بالسلطات الرسولية بدون أن يكون مدعوًّا إليها بالمَرَّة من المسيح؟

 

وهناك سبب آخر جعل المسيح يرفضه بصواب، ويحسبه غير مستحق لكرامة بارزة مثل هذه. لأن اتِّبَاع المسيح بحماس شديد هو بلا شك أمر نافع للخلاص، ولكن من يرغب أن يُحسب مستحقًّا لمجد عظيم مثل هذا، ينبغي أن يحمل صليبه ـ وما معنى أن يحمل الصليب؟ معناه أن يموت بالنسبة إلى العالم، بأن يتنكَّر لارتباكاته الفارغة، ويتخلَّى برجولة عن الحياة الجسمانية المُحِبَّة للذة، فإنه مكتوب: لا تحبوا العالم ولا الأشياء  التي في العالم، لأن كل ما في العالم هو شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتعظم المعيشة” (1يو2: 15). وأيضًا ” ألستم تعلمون أن محبة العالم هي عداوة لله ؟ لذلك فمن أراد أن يكون محبًّا للعالم فقد صار عدوًّا لله” (يع4: 4). لذلك فالإنسان الذي اختار أن يكون مع المسيح يحب ما هو جدير بالإعجاب وما هو نافع للخلاص، ولكنه يجب أن ينصت لكلماتنا: ابتعد بنفسك عن الشهوات الجسدية، تطهَّر من أدناس الشر، تنقَّ من البقع الناتجة عن الحب الدنيء للذة، لأن هذه تجعلك بعيدًا، ولا تسمح لك أن تكون مع المسيح. انزع عنك ما يفصلك، حطِّم العداوة، أُنقض الحاجز المتوسط، فإنك حينئذ تكون مع المسيح. أما إن كان الحاجز الذي يبعدك عن الشركة معه لم يهدم بعد، فبأي طريقة تستطيع أن تتبعه؟

 

وهو يوضح أن هذا هو الحال مع الإنسان الذي أمامنا، بالتوبيخ غير المباشر الذي أعطاه له، لا لكي يؤنبه، بل بالحري لأجل إصلاحه، لكي ينمو إلى الأفضل من تلقاء ذاته، ويصير مجتهدًا في اتِّبَاع طريق الفضيلة. لذلك يقول: ” للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، أما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه“. والمعنى البسيط والقريب لهذا المقطع هو كالآتي: إن الوحوش والطيور لها جحور ومساكن، أما أنا فليس عندي شيء لأقدمه من هذه الأشياء التي يسعى وراءها عموم الناس، إذ ليس لي مكان لنفسي لأسكن فيه وأستريح، وأسند رأسي. وأما المعنى الداخلي السِرِّي لهذا المقطع فيمكن الوصول إليه بواسطة أفكار أكثر عمقًا. لأنه يبدو أنه يقصد بالثعالب وطيور السماء تلك القوات الشريرة، والخبيثة، والنجسة، أي قطعان الشياطين، لأنهم يُلقَّبون هكذا في مواضع كثيرة في الكتب الموحَى بها. لأن المرنم المبارك يقول عن بعض الناس: “يكونون أنصبة للثعالب” (مز63: 10)، وفى نشيد الأناشيد مكتوب أيضًا ” خذوا لنا الثعالب، الثعالب الصغيرة المفسدة للكروم” (نش2: 15). والمسيح نفسه يقول في موضع ما عن هيرودس، الذي كان إنسانًا شرِّيرًا وماكرا في شرِّه،  ” قولوا لذلك الثعلب” (لو13: 32). وفى موضع آخر قال عن البذار التي سقطت على الطريق، ” جاءت طيور السماء وأكلتها” (لو8: 5) وهذا، نحن نؤكده أنه قال هذا ليس عن الطيور المادية المنظورة، بل بالحري عن تلك الأرواح النجسة الشريرة التي أحيانًا كثيرة، حينما تقع البذار السماوية على قلوب الناس فإنهم ينتزعونها وكما لو كان يحملونها بعيدًا لكي لا تأتي بأي ثمر. لذلك، فكما أن الثعالب والطيور لها أوجرة وأوكار فينا، فكيف يستطيع المسيح أن يدخل؟ أين يمكنه أن يستريح؟ فَأَي شركة هناك بين المسيح وبليعال؟ لأنه يستريح في القديسين، ويسكن في أولئك الذين يحبونه، ولكنه يبتعد عن النجسين وغير الأنقياء. فاطرد الوحوش، وامسك الثعالب، وشتِّت الطيور بعيدًا، وطهِّر قلبك من نجاستهم، لكي ما يجد ابن الإنسان مكانًا في داخلك ليسند فيه رأسه، أي الذي هو كلمة الله الذي تجسد وصار إنسانًا.لأن النور ليس له توافق مع الظلمة ولا النجس له توافق مع المقدَّس. إنَّه أمر لا يُصدق أن تختزن العطر والرائحة الكريهة في زجاجة واحدة، إنَّه من المستحيل على أي إنسان أن يتوشَّح بالكرامة الرسولية ويكون بارزًا بسبب فضائله وكل صفات صالحة ورجولية إن لم يكن قد قَبِل المسيح في داخله. وهكذا قد علَّمنا بولس الحكيم جدًّا قائلاً: ” هل تطلبون برهان المسيح فينا؟” (2كو13: 3) ولكن ذلك الذي يسكن فيه المسيح هو هيكل، ليس لواحد من تلك الآلهة الكاذبة، بل هيكل للذي هو بالطبيعة وبالحقيقة، الله. لأننا قد تعلَّمنا أن نقول ” إننا هيكل الله الحي” (2كو6: 16). أمَّا الهيكل الإلهي فيليق به البخور، الذي يكون من أطيب رائحة، وكل فضيلة هي بخور عقلي، مقبول تمامًا عند إله الكل.

 

لذلك، ” فلنُطهِّر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح” (2كو7: 1). “ ولنُمِت تلك الأعضاء التي على الأرض” (كو3: 5) دعونا نغلق المنافذ أمام الأرواح النجسة. ولا نَدَع الطيور المرفوضة والشريرة أن تسكن داخلنا. وليكن قلبنا مُقدَّسًا وغير مدنس، بأقصى ما هو مستطاع وممكن. لأننا هكذا نتبع المسيح، بحسب النعمة التي يعطيها لنا، وهو سيسكن فينا بفرح، لأنه حينئذٍ سيكون له أين يسند رأسه. ويستريح فينا كقديسين. لأنه مكتوب ” كونوا قديسين لأني أنا قدوس” (لا11: 45) وإذ نكرس أنفسنا لهذه المساعي الهامة جدًّا، فإننا سنصل إلى المدينة التي فوق بعون المسيح نفسه، الذي بواسطته ومعه لله الآب التسبيح والربوبية مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

أين يسكن المسيح؟ – إنجيل لوقا 9 ج11 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

انتهار روح الانتقام – إنجيل لوقا 9 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

انتهار روح الانتقام – إنجيل لوقا 9 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

انتهار روح الانتقام – إنجيل لوقا 9 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو9: 51ـ56) ” وَحِينَ تَمَّتِ الأَيَّامُ لارْتِفَاعِهِ ثَبَّتَ وَجْهَهُ لِيَنْطَلِقَ إِلَى أُورُشَلِيمَ، وَأَرْسَلَ أَمَامَ وَجْهِهِ رُسُلاً، فَذَهَبُوا وَدَخَلُوا قَرْيَةً لِلسَّامِرِيِّينَ حَتَّى يُعِدُّوا لَهُ. فَلَمْ يَقْبَلُوهُ لأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ مُتَّجِهًا نَحْوَ أُورُشَلِيمَ. فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا، قَالاَ: يَارَبُّ، أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ، كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضًا؟ فَالْتَفَتَ وَانْتَهَرَهُمَا وَقَالَ: لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ النَّاسِ، بَلْ لِيُخَلِّصَ. فَمَضَوْا إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى“.

          أولئك الذين وُهِبَ لهم بوفرة غنى كثير، ويفتخرون بثرواتهم الوافرة، يجمعون أشخاصا مناسبين لولائمهم، ويضعون أمامهم مائدة مجهزة بسخاء وبواسطة أنواع مختلفة من الأطباق والتوابل يمتعونهم بلذة تفوق مجرد الإشباع من الجوع. ولكن لا فائدة تنشأ من هذا، بل بالحري ضرر كبير للآكلين، لأن ما يزيد عن الكفاية بعد إشباع نداءات الجوع هو دائمًا مؤذى.

 

أما أولئك الذين يملكون الغنى السماوي، ويعرفون التعاليم المقدسة، وقد استناروا بالنور الإلهي، فإنهم يُغذون أنفسهم بالاستمتاع بالأحاديث المنيرة، لكي يصيروا مثمرين نحو الله، كما أنهم يصيرون ماهرين في الطريق إلى كل فضيلة، وجادِّين في تكميل تلك الأمور التي بواسطتها يصل الإنسان إلى نهاية سعيدة. ولذلك فالكلمة المقدسة تدعونا إلى هذه المائدة العقلية والمقدسة، لأنها تقول: ” كلوا واشربوا، واسكروا يا أصدقائي” (نش5: 1). ولكن أصدقاء مَنْ؟ واضح أنهم أصدقاء الله: وجدير بالملاحظة أننا سنسكر بهذه الأمور، وأننا لا يمكننا أبدًا أن نشبع بما هو لأجل بنياننا. دعونا نرى إذن، أي نوع من المنفعة يقدمه أمامنا، درس الإنجيل في هذه الفرصة.

 

لأنه يقول: ” حين تمت الأيام لارتفاعه، ثبَّت وجهه لينطلق إلى أورشليم“. وهذا يعنى أنه بما أنه قد جاء الآن الوقت الذي يحمل لنا آلامه المخلِّصة ويصعد بعده إلى السماء ويقيم مع الله الآب، فإنه قرر أن يذهب إلى أورشليم. لأني أظن أن هذا هو معنى ” ثبَّت وجهه“. لذلك فهو يرسل رسلاً ليعدُّوا مسكنًا له ولرفاقه. وحينما جاءوا إلى قرية للسامريين، لم يقبلوهم. وهذا جعل التلاميذ المبارَكين ساخطين، ليس لأجلهم هم أساسًا، بل بالأكثر بسبب أنهم لم يكرموه وهو المخلِّص ورب الكل. وماذا بعد ذلك؟ أنهم دمدموا بشدة، ولأن جلاله وقوَّته لم تكن غير معروفة لديهم، قالوا: ” يا رب أتريد أن تنزل نار من السماء فتفنيهم؟” ولكن المسيح انتهرهم لأنهم تكلموا هكذا. وفى هذه الكلمات الأخيرة يكمن مغزى الدرس، ولذلك دعونا نفحص المقطع كله بدقة. لأنه مكتوب ” اعصر اللبن، وهو يصير زبدًا” (أم30: 33).

 

إذن سيكون أمرًا غير صحيح أن يؤكد أحد أن مخلِّصنا لم يعرف ما كان على وشك أن يحدث، فلأنه يعرف كل الأشياء، فقد عرف طبعًا، أن السامريين لن يقبلوا رسله. لا يمكن أن يكون هناك شك في ذلك. إذن فلماذا أمرهم أن يسبقوه؟ السبب في هذا أن عادته كانت أن يفيد الرسل القديسين بكل طريقة ممكنة: ولأجل هذا الهدف فقد كان أحيانا يعمل على أن يضعهم موضع الاختبار. كما حدث مثلاً، حينما كان في السفينة مرة على بحيرة طبرية مع التلاميذ، فأثناء ذلك نام عن قصد: وهبت ريح عاتية على البحارة، وبدأت عاصفة قوية غير عادية تثور، وكانت السفينة في خطر، وانزعج البحارة جدًّا. لأنه سمح عن قصد للريح وغضب العاصفة أن تثور ضد السفينة، لكي يمتحن إيمان التلاميذ ولكي تظهر عظمة قدرته. وهذه أيضًا كانت النتيجة، لأنهم في قلة إيمانهم قالوا: ” يا سيد نجنا، فإننا نهلك“. فقام في الحال وأظهر أنه رب العناصر، لأنه انتهر البحر والرياح، فصار هدوء عظيم. وهكذا أيضًا في هذه المناسبة، فإنه كان يعرف أن أولئك الذين ذهبوا أمامه لكي يعلنوا عن إقامته بينهم، لن يقبلهم السامريون، ولكنه سمح لهم أن يذهبوا لكي يكون هذا أيضًا وسيلة لفائدة الرسل القديسين.

فما هو إذن الغرض من هذا الحادث؟ لقد كان صاعدا إلى أورشليم، إذ أن وقت آلامه كان يقترب. كان على وشك أن يحتمل احتقار اليهود، وكان على وشك أن يتعرض للإعدام على يد الكتبة والفريسيين، وأن يحتمل تلك الأشياء التي أصابوه بها حينما تقدموا لكي يكملوا كل عنف وكل تهور شرير. لذلك، فلكي لا ينزعجوا حينما يرونه متألمًا، إذ يفهمون أنه يريدهم هم أيضًا أن يكونوا صابرين، وألاَّ يتذمروا كثيرًا، حتى لو عاملهم الناس بازدراء، فهو، كما لو كان قد جعل الاحتقار الذي تعرضوا له من السامريين، تدريبًا تمهيديًا في هذا المجال. فالسامريون لم يقبلوا الرسل. وكان من واجب التلاميذ، باقتفائهم آثار خطوات سيدهم، أن يحتملوا ذلك بصبر كما يليق بقديسين، وألاَّ يقولوا عنهم أي شيء بغضب ولكنهم لم يكونوا بعد مستعدين لهذا، ولكن إذ تملكهم سخط شديد، فإنهم كانوا يريدون أن يطلبوا نزول نارًا من السماء عليهم. ولكن المسيح انتهرهم لأنهم تكلموا هكذا.

 

فأرجو أن تنظروا هنا، ما أعظم الفرق بيننا وبين الله، لأن المسافة لا يمكن قياسها. فهو بطيء الغضب وطويل الأناة، ولطفه ومحبته لجنس البشر لا تضاهَى، أما نحن أبناء الأرض فنسرع إلى الغضب، فينفذ صبرنا سريعًا، ونرفض بسخط أن يديننا الآخرون حينما نرتكب  أي فعل خاطئ، بينما نحن نسرع إلى انتقاد الآخرين. لذلك فان الله رب الكل يؤكد قائلا: ” لأن أفكاري ليست أفكارهم، ولا طرقكم طرقي، لأنه كما عَلَت السموات عن الأرض هكذا علت طرقي عن طرقكم وأفكاري عن أفكاركم” (إش55: 8، 9) هكذا، هو إذن، الذي هو رب الكل، أما نحن، كما قلت، فإذ نغتاظ بسهولة، وننقاد بسرعة إلى الغضب، فإننا نَقدم على انتقام فظيع لا يُحتمل ضد أولئك الذين قد تسبَّبوا لنا في إزعاج تافه، ورغم أننا قد أُمِرنا أن نعيش بحسب الإنجيل، إلا أننا نعجز عن السلوك الذي أمر به الناموس. لأن الناموس في الواقع يقول: ” عين بعين وسن بسن ويد بيد” (خر21: 24)، وأمر أن العقوبة المساوية تكفى، أما نحن، فكما قلت، رغم أننا ربما نكون قد عانينا فقط من خطأ تافه، إلا أننا ننتقم بقسوة، غير متذكرين المسيح، الذي قال: ” ليس التلميذ أفضل من معلمه، ولا العبد أفضل من سيده” (مت10: 24)، الذي أيضًا ” إذ شُتم لم يكن يَشتم عوضًا وإذ تألم لم يكن يُهدد بل كان يُسلم لمن يقضى بعدل” (1بط2: 32). وأيوب الصابر كثيرًا هو أيضًا موضع إعجاب بحق بسيره في هذا الطريق، إذ كُتب عنه، أي إنسان كأيوب يشرب الهزء كالماء؟” ( أي 34ـ7).

 

لذلك، فقد انتهر الرب التلاميذ لأجل منفعتهم، كابحًا جماح غضبهم بلطف، ولم يسمح لهم أن يتذمروا بشدة ضد أولئك الذين أخطأوا، بل حثهم بالحري أن يكونوا طويلي الأناة، وأن يحتفظوا بقلب غير متحرك بواسطة أي شيء من هذا القبيل.

 

وهذا أفادهم أيضًا بطريقة أخرى. فهم كانوا سيصيرون معلِّمي العالم كله، ويتجولون في المدن والقرى مُبشِّرين بأخبار الخلاص السارة في كل مكان. ولذلك، فإنهم أثناء سعيهم لتتميم إرساليتهم، بالضرورة يلتقون مصادفة مع أناس أشرار، يرفضون الأخبار الإلهية، وكما لو كانوا، لا يقبلون يسوع ليسكن معهم. لذلك، فلو أن المسيح مدحهم لرغبتهم أن تنزل نار على السامريين ويأتي عليهم مثل هذا العذاب المؤلم ليصيبهم، لكانوا قد تصرفوا بطريقة مشابهة في مناسبات أخرى كثيرة، وحينما يحدث أن يتجاهل الناس الرسالة المقدسة فإنهم ينطقون بالدينونة عليهم، ويطلبون أن تنزل نار عليهم من السماء. وماذا تكون النتيجة عندئذ من مثل هذا السلوك؟ إن المتألمين يصيرون كثيرون جدًّا بلا عدد، ولا يعود التلاميذ يكونون أطباء فيما بعد، بل بالحري معذِّبين، ويصيرون غير محتَمَلين من الناس في كل مكان. لذلك، فلأجل خيرهم الخاص، انتهرهم الرب، حينما ثاروا أكثر من الحد بسبب احتقار السامريين، وذلك لكي يتعلموا، أنهم كمعلمين للأخبار الإلهية، ينبغي بالحري أن يكونوا مملوئين من طول الأناة واللطف، ولا يكونوا منتقمين ولا يستسلموا للغضب، ولا يهاجموا بقسوة أولئك الذين يسيئون إليهم.

 

ويعلِّمنا القديس بولس أن خُدام رسالة الله كانوا طويلي الأناة، إذ يقول: ” فإني أرى أن الله أبرزنا نحن الرسل آخِرين كأننا محكوم علينا بالموت، لأننا صرنا منظرًا للعالم للملائكة والناس… نُشتم فنبارِك، يُفترى علينا فنعظ، صرنا كأقذار العالم ووسخ كل شيء إلى الآن” (1كو4: 9ـ12). وكتب أيضًا إلى آخرين، أو بالحري إلى كل الذين لم يكونوا بعد قد قبلوا المسيح في داخلهم بل كما لو كانوا، لا يزالون مصابين بكبرياء السامريين، ” نطلب عن المسيح، تصالحوا مع الله” (2كو5: 20).

 

لذلك، عظيم هو نفع دروس الإنجيل لأولئك الذين هم كاملون في العقل بحق. وليتنا نحن أيضًا، إذ نتخذ هذه الدروس لأنفسنا، ننفع نفوسنا، مسبِّحين المسيح مخلِّص الكل دائمًا إلى الأبد، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والربوبية مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

انتهار روح الانتقام – إنجيل لوقا 9 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من ليس علينا فهو معنا – إنجيل لوقا 9 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من ليس علينا فهو معنا – إنجيل لوقا 9 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من ليس علينا فهو معنا – إنجيل لوقا 9 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو9: 49ـ50) ” فَأجَابَ يُوحَنَّا وَقَالَ: يَا مُعَلِّمُ، رَأَيْنَا وَاحِدًا يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ بِاسْمِكَ فَمَنَعْنَاهُ، لأَنَّهُ لَيْسَ يَتْبَعُ مَعَنَا. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لاَ تَمْنَعُوهُ، لأَنَّ مَنْ لَيْسَ عَلَيْنَا فَهُوَ مَعَنَا “.

 بولس يطلب منا أن ” نمتحن كل شيء” ويقول: ” كونوا حكماء” (1تس5: 21) ولكن المعرفة المضبوطة والمدققة لكل أمر بذاته، لا يمكننا أن نحصل عليها من أي مصدر آخر سوى مِن الكتب الموحى بها من الله. لأن داود، كما لو كان يخاطب المسيح مخلِّص الكل، في المزامير، يُعلن: ” سراج لرجلي شريعتك ونور لسبيلي” (مز118: 105س) وسليمان أيضًا يكتب: ” الوصية مصباح والشريعة نور” (أم6: 23). لأنه كما أن هذا النور المحسوس الذي في هذا العالم، حينما يسقط على عيوننا الجسدية يطرد الظلمة، هكذا أيضًا شريعة الله، حينما تدخل إلى ذهن الإنسان وقلبه فإنها تنيره كُليَّة، ولا تدعه يتعثر بعثرات الجهل، ولا أن تمسكه الخطية بشرورها.

   وأقول هذا من إعجابي بالمهارة التي تظهر في الدروس المأخوذة من الإنجيل الموضوع أمامنا الآن، والمعنى الذي تريدون بلا شك أن تعرفوه، وأنا أراكم قد اجتمعتم هنا بسبب محبتكم للتعاليم المقدسة، وقد كوَّنتم هذا الاجتماع الحاضر باشتياق كثير. لذلك، فما الذي يقوله التلاميذ الحكماء، أو ما الذي يرغبون أن يتعلموه من ذلك الذي يمنحهم كل حكمة، ويعلن لهم فهم كل عمل صالح؟ ” يا معلم، رأينا واحدًا يخرج الشياطين باسمك فمنعناه” فهل لدغة الحسد أزعجت التلاميذ ؟ هل هم يحسدون أولئك الذين أنعم عليهم؟ هل هم أدخلوا داخل نفوسهم شهوة رديئة جدًّا ومكروهة جدًّا من الله؟ فهم يقولون: ” رأينا واحد يخرج الشياطين باسمك فمنعناه“. أخبرني، هل أنت تمنع واحدًا يزعج الشيطان باسم المسيح، ويسحق الأرواح الشريرة؟ كيف لا يكون مِن واجبك أن تفكر أنه ليس هو فاعل هذه العجائب، بل إن النعمة التي فيه صنعت المعجزة بقوة المسيح؟ لذلك كيف تمنع الذي بالمسيح يربح النصرة؟ يقول: “نعم لأنه ليس يتبع معنا” آه، يا للكلام الأعمى! لأنه ماذا إن لم يكن معدودًا بين الرسل القديسين، ذلك الذي كُلل بنعمة المسيح، ومع ذلك فهو مُزين بالسلطات الرسولية بالتساوي معكم. فهناك أنواع كثيرة من مواهب المسيح، كما يُعلِّم بولس المبارك، قائلاً: ” فإنه لواحد يعطى كلام حكمة، ولآخر كلام عِلم، ولآخَر إيمان، ولآخر مواهب شفاء” (1كو12: 8، 9).

   إذن، فما هو معنى هذه العبارة: ” ليس يسير معنا”، أو ما هي قوة هذا التعبير؟ انظروا إذن، فإني سأخبركم بأفضل ما أستطيع. فقد أعطى المخلِّص للرسل القديسين سلطانًا على الأرواح النجسة، ليخرجوها، وليشفوا كل مرض وكل ضعف في الشعب (مت10: 1)، وهكذا فعلوا، ولم تكن النعمة المعطاة لهم غير فعالة. لأنهم رجعوا فرحين قائلين: ” يا رب، حتى الشياطين تخضع لنا باسمك” (لو10: 17). لذلك، فهم قد تخيلوا، أنه لم يمنح الإذن لأي شخص آخر غيرهم وحدهم، أن يتوشَّح بالسلطان الذي منحه لهم. ولهذا السبب فإنهم يقتربون، ويريدون أن يتعلَّموا، إن كان آخرون أيضًا ربما يمارسونه، حتى إن لم يكونوا قد اختيروا للرسولية، ولا حتى لوظيفة معلِّم.

          ونجد شيئًا مثل ذلك أيضًا في الكتب المقدسة القديمة. لأن الله قال مرة لموسى “معلِّم المقدَّسات” (Hierophant) ” اختر أنت سبعين رجلا من شيوخ إسرائيل…، وأنا آخذ من الروح الذي عليك وأعطي لهم” (عد11: 16، 17). وحينما اجتمع أولئك الذين اختيروا، عند الخيمة ـ فيما عدا اثنين فقط قد بقيا في المحلة ـ وحلَّ روح النبوة عليهم، فليس فقط الذين اجتمعوا في الخيمة المقدسة تنبأوا، بل أولئك أيضًا الذين بقوا في المحلة. فيقول إن: ” يشوع خادم موسى قال: ألداد وميداد يتنبآن في المحلة. يا سيدى موسى اردعهما. فقال موسى ليشوع هل تغار أنت لي؟ يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء، إذ جعل الرب روحه عليهم” (عد11: 27ـ29). والمسيح هو الذي جعل موسى “معلم المقدَّسات” (Hierophant) يتكلم هكذا في ذلك الوقت، بالروح القدس، وهو هنا الآن أيضًا بشخصه يقول للرسل القديسين ” لا تمنعوه” أي الذي يسحق الشيطان باسمه، ” لأنه ليس عليكم، لأن من ليس عليكم فهو معكم”، لأن كل الذين يريدون أن يعملوا لمجد المسيح، هم معنا نحن الذين نحبه، وهم مكلَّلون بنعمته، وهذا قانون بالنسبة للكنائس مستمر حتى هذا اليوم. لأننا نكرِّم فقط أولئك الذين يرفعون أيادي مقدسة، وبطهارة وبلا عيب ولا لوم، وينتهرون الأرواح النجسة باسم المسيح وينقذون الجموع من أمراض متنوعة لأننا نعلم أن المسيح هو الذي يعمل فيهم.

   ومع ذلك، ينبغي أن نفحص مثل هذه الأمور بعناية، فإن هناك أشخاص، هم في الحقيقة لم يُحسبوا مستحقين لنعمة المسيح، ولكنهم جعلوا من سمعة أنهم قديسين ومُكرَّمين، فرصة للربح. ويمكننا أن نقول عن هؤلاء إنهم مراؤون جسورون ولا يخجلون، الذين يقتنصون الكرامات لأنفسهم، رغم أن الله لم يَدعُهُم إليها، وهم يمدحون أنفسهم ويقلِّدون الأعمال الجسورة للأنبياء الكذبة في القديم، الذين قال الله عنهم: ” أنا لم أرسل الأنبياء، بل هم جروا، أنا لم أتكلم إليهم، بل هم تنبأوا” (إر23: 21 س). وهكذا أيضًا يمكن أن يقول عن هؤلاء: أنا لم أقدِّسهم، ولكنهم ينسبون الموهبة لأنفسهم كذبًا، فهم لم يُحسبوا مستحقين لنعمتي، ولكنهم بخبث يقتنصون تلك الأمور التي أمنحها لأولئك الذين هم وحدهم مستحقين لنوالها. فهؤلاء، إذ يصنعون مظهرًا للصوم يمشون بحزن وعيونهم ساقطة إلى أسفل، بينما هم مملوئون خداعًا ودناءةً، وكثيرا ما يفتخرون بأنهم لا يُقلِّمون أظافرهم وهم مغرمون بنوع خاص بأن تكون وجوهم شاحبة، ورغم أن أحدًا لم يجبرهم، فإنهم يحتملون مثل ذلك البؤس الذي يحتمله المسجونون، فيعلِّقون أطواقًا على رقابهم، وأحيانًا يضعون قيودًا في أيديهم وأقدامهم. مثل هؤلاء الأشخاص، قد أوصانا المخلِّص أن نتجنبهم، قائلاً: “ احترزوا من الأنبياء الذين يأتونكم بثياب الحملان، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة” (مت7: 15).

   ومع ذلك، ربما يعترض أحد على ذلك، ويقول: ” ولكن، يا رب من هو الذي يعرف قلب الإنسان؟ من هو الذي يرى ما هو خفي في داخلنا، إلاَّ أنت وحدك، أنت الذي خلقت قلوبنا بنفسك، والذي تمتحن القلوب والكلى؟” نعم يقول: ” من ثمارهم تعرفونهم” (مت7: 20)، وليس بالمظاهر، ليس بالشكل الخارجي، بل بالثمار. لأنه ما هو هدف ريائهم؟ واضح تمامًا أنهم يسعون إلى محبة الربح. لأنهم يحدقون في أيدي الذين يزورونهم، فإن رأوها فارغة يحزنون حزنًا عظيمًا ويلدغهم الانزعاج، لأن التقوى عندهم تجارة. فإن كنت تحب الغِنى، وتطمع في الربح القبيح، وقد أعطيت مكانًا في قلبك لتلك الشهوة الدنيئة جدًّا ـ أي محبة المال ـ فاخلع عنك جِلد الحملان، لماذا تتعب نفسك باطلاً، بالتظاهر بحياة متقشفة غير عالمية؟ تخلَّى عن هذه القسوة الزائدة في الحياة، وبدلاً من ذلك اطلب أن تكون شخصًا مكتفيًا بالقليل. اطلب هذا من الله، وانظر بِرَّه: ” ألق على الرب همَّك، فهو يعولك” (مز54: 22 س).
          بل هناك بعض الناس الذين يستعملون ـ من وقت إلى آخر ـ تعازيم وغمغمات معيَّنة كريهة، وبخبث يعملون تبخيرات[1] معيَّنة ويوصون باستعمال التمائم. ويقول واحد من الذين اشتركوا في هذه الممارسات بدون تفكير ” ولكنهم في تعزيمهم يستعملون اسم رب الصباؤوت“. فهل نبرئهم إذن من اللوم، لأنهم يطلقون على شيطان خبيث نجس تعبير يليق بالله وحده، ويسمُّون الشيطان الشرير رب الصباؤوت، طالبين منه ـ كمكافأة على التجديف ـ معونة في الأمور التي يسألونه إيَّاها؟ ليس أنه يساعدهم حقيقة، إذ هو بلا قوة، بل بالحري هو يُحدر أولئك الذين يدعونه إلى هوة الهلاك، لأن الرب لا يتكلم بغير الحق حيث يقول إن الشيطان لا يخرج شيطانا.
   لذلك فمن الضروري لخلاصنا، كما أنه أمر مرضي لله، أن نهرب بعيدًا من كل أمر مثل هذا، ولكن حينما ترى واحدًا قد تربَّى ونشأ في الكنيسة، وهو طاهر، وبسيط وبدون رياء، وطريقة حياته جديرة بالاقتداء، وهو معروف من كثيرين كصديق للرهبان القديسين، ويهرب من ملاهي المدينة، وهو مغرَم بالمناطق الصحراوية، ولا يحب الربح، ولا الانشقاقات، والى جوار كل هذا له إيمان صحيح، وبواسطة فعل الروح القدس يصير مكرَّمًا بواسطة نعمة المسيح[2]، ليكون قادرًا أن يعمل تلك الأمور التي هي بواسطة المسيح، إلى مثل هذا اقترب بثقة: فهو سيصلِّى لأجلك بنقاوة، ونعمته ستساعدك، لأن المخلِّص ورب الكل يستجيب لتوسلات الذين يسألونه، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والمُلك مع الروح القدس، إلى دهر الدهور. آمين.

 

[1] توجد ملاحظة في هامش المخطوط تشرح هذه العبارة بأنهم يصنعون دخانًا (بخورًا) مثل “أشخاص يحرقون أطيابًا”.

8 ليكون قادرًا أن يعمل تلك الأمور التي هى بواسطة المسيح.

من ليس علينا فهو معنا – إنجيل لوقا 9 ج9 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من هو أعظم – إنجيل لوقا 9 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من هو أعظم – إنجيل لوقا 9 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

من هو أعظم – إنجيل لوقا 9 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو46:9ـ49) ” وَدَاخَلَهُمْ فِكْرٌ مَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ فِيهِمْ؟ فَعَلِمَ يَسُوعُ فِكْرَ قَلْبِهِمْ، وَأَخَذَ وَلَدًا وَأَقَامَهُ عِنْدَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: مَنْ قَبِلَ هذَا الْوَلَدَ بِاسْمِي يَقْبَلُنِي، وَمَنْ قَبِلَنِي يَقْبَلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي، لأَنَّ الأَصْغَرَ فِيكُمْ جَمِيعًا هُوَ يَكُونُ عَظِيمًا “.

 

أنتم الذين تغارون للحذق الروحي، وتعطشون لمعرفة التعاليم المقدسة، تنالون مرة أخرى الأمور التي تحبونها. والذي يقودكم إلى الغنيمة المربحة ليس معلِّمًا أرضيًّا، ولا واحد مثلنا نحن الذين نرشدكم، بل هو كلمة الله، الذي نزل من فوق،  أي من السماء، وهو النور الحقيقي للسموات والأرض، لأن كل الخليقة العاقلة تستنير بواسطته، إذ هو واهب كل حكمة وفهم، ونحن ننال منه كل معرفة الفضيلة، والقدرة الكاملة على ممارسة الأعمال الصالحة كما يليق بالقديسين. لأنه، كما يقول الكتاب: ” نحن متعلمون من الله” (يو45:6، إش13:54س) والمقطع الموضوع أمامنا يشهد أيضًا لما قد قلته. إذ يقول: ” دَاخلهم ـ أي بين الرسل القديسين ـ من هو أعظم فيهم”.

 

والآن فالذي يظن أن يسوع كان مجرد إنسان، دعوه يعرف أنه على خطأ وأنه ضل بعيدًا عن الحق. مثل هذا فليعرف، أنه رغم أن كلمة الله صار جسدًا، إلا أنه لم يكن ممكنًا بالنسبة إليه أن يكف عن أن يكون ما كان عليه، وأنه استمر إلهًا كما كان. فأن يكون قادرًا أن يفحص القلوب والكلى، ويعرف أسرارها، هذه هي صفة الإله العلى وحده، وليست صفة أي كائن غيره مهما كان. ولكن ها هو المسيح يفحص أفكار الرسل القديسين، ويثبت عين اللاهوت على مشاعرهم الخفية. إذن فهو الله لكونه مكلل بالكرامات المجيدة جدًّا والإلهية.

 

ولكن دعونا الآن نبحث هذا السؤال، هل كان التلاميذ قد أصيبوا معًا بهذا المرض؟ وهل هذا الفكر دخل فيهم جميعًا مرة واحدة؟ في رأيي، إنه أمر لا يصدق بالمرة أن نفترض أنهم جميعًا صاروا فريسة مشتركة لنفس المرض في نفس اللحظة، ولكن، كما أتصور، حينما صار أحدهم فريسة للمرض، فإن الإنجيلي الحكيم لكي لا يُصوِّب اتهامًا لواحد بعينه بين زملاءه التلاميذ، لذلك يعبر بشكل غير محدد قائلاً: ” وداخلهم فكر من هو أعظم فيهم” وبهذا يُتاح لنا أن نرى كيف أن الشيطان ماكر في شرِّه. لأن هذه الحية هي متلوِّنة جدًّا ومملوءة بكل حيلة للأذى، متآمرًا بطرق متنوعة ضد أولئك الذين يثبتون أشواقهم نحو حياة مكرَّمة، والذين يسعون باجتهاد وراء الفضائل الممتازة. وإن كان يستطيع بواسطة اللذات الجسدية أن يسيطر على عقل أي واحد، فإنه يصنع هجومه بوحشية، ويجعل مهماز الشهوانية حادًّا، وبوقاحة هجماته، يذل حتى العقل الثابت إلى حقارة الشهوات الوضيعة. أما الذي يكون شجاعًا ويهرب من هذه الفخاخ، فحينئذِ يستعمل معه حِيَل أخرى ويخترع إغراءات ليجربه بأفكار مريضة، لأنه يزرع نوعًا أو آخر من البذار التي لا ترضى الله: وأولئك الذين فيهم شيئًا نبيلاً، ويُمدحون لحياتهم الممتازة، يثير فيهم شهوة المجد الباطل، محركًا إياهم قليلاً نحو عجرفة بغيضة. لأنه كما أن أولئك الذين يتهيئون بالزِّي الحربي لمحاربة الغزاة، يستعملون ضدهم حيلاً كثيرة، إمَّا بِلَوي الأقواس التي تطلق السهام، أو بقذف الحجارة من القلاع، أو بأن يهجموا عليهم برجولة بسيوف مسلولة، هكذا الشيطان يستعمل كل حيلة في محاربة القديسين بواسطة خطايا متنوعة.

 

لذلك، فإن ألم وشهوة المجد الباطل قد هجم على واحد من الرسل القديسين، لأن مجرد المجادلة في مَن هو أعظم بينهم، هو علامة على شخص طموح، متلهف أن يكون رئيسًا للباقين. ولكن الذي يعرف أن يخلِّص، أي المسيح، لم ينم، فقد رأي هذا الفكر في عقل التلميذ ـ يطلع، بحسب كلمات الكتاب، مثل نبات مُر (انظر عب15:12)، لقد رأى الزوان، عمل الزارع الشرير، وقبل أن ينمو عاليًا، قبل أن يصير قويًّا ويمتلك القلب، فإنه ينتزع الشر من جذوره. لقد رأي سهم البربري (أى الشيطان) الذي قد وجد مدخلاً، وقبل أن يسود ويخترق العقل، فإنه أعطى الدواء. لأن الشهوات حينما تكون في بدايتها، وكما لو كانت في طفولتها، ولم يكتمل نموها بعد ولا صارت لها جذور راسخة، يكون من السهل التغلب عليها. ولكن حينما تكون قد زادت ونمت، وصارت قوية، فمن الصعب خلعها أو اقتلاعها. لهذا السبب قال الحكيم: ” إن صعدَتْ عليك روح المتسلط فلا تترك مكانك، لأن الهدوء يشفى خطايا كثيرة” (جا4:10).

 

بأي طريقة إذن، يبتر طبيب النفوس مرض المجد الباطل؟ كيف يخلِّص التلميذ المحبوب من أن يكون فريسة للعدو، ومن أمر ممقوت من الله والإنسان؟ يقول الكتاب: ” أخذ ولدًا وأقامه عنده” وجعل هذا الحديث وسيلة لمنفعة الرسل القديسين أنفسهم، ولمنفعتنا نحن خلفائهم، لأن هذا المرض ـ كقاعدة عامة ـ يؤذى كل أولئك الذين هم في وضع أعلى من غيرهم من الناس من أي ناحية.

 

ولكن الولد الذي قد أخذه، لأي شيء جعله مثالاً ورسمًا؟ لقد كان مثالاً لحياة بريئة غير طامعة، لأن عقل الطفل خال من الخداع، وقلبه مُخلِص وأفكاره بسيطة، وهو لا يطمع في الدرجات، ولا يعرف معنى أن يكون إنسان أعلى من آخر في المركز، وهو ليس عنده عدم ترحيب بأن يُحسب أقل من غيره، وهو لا يضع نفسه فوق أي شخص آخر مهما كان. وحتى إن كان من عائلة شريفة فإنه لا يتشاجر بسبب الكرامة حتى مع عبد، حتى لو كان والداه غنيين، فهو لا يعرف أي فرق بينه وبين الأطفال الفقراء، بل على العكس فهو يحب أن يكون معهم، ويتحدث ويضحك معهم بلا أي تمييز… وفى قلبه وعقله توجد صراحة كبيرة ناشئة من البساطة والبراءة. والمخلص نفسه قال مرَّة للرسل القديسين، أو بالحري لكل الذين يحبونه: ” الحق أقول لكم، إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تقدروا أن تدخلوا ملكوت الله“. (متى3:18).

 

وفى مرة أخرى، حينما أحضرت النساء أطفالهن إليه، ومنعهم التلاميذ، قال:        ” دعوا الأولاد يأتوا إليَّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السموات” (لو16:18). وأيضًا بولس الحكيم جدًّا يريد أن أولئك الذين يؤمنون بالمسيح ينبغي أن يكونوا رجالاً ناضجين في الفهم، ” ولكن أطفالاً في الشر” (انظر 1كو20:14)، وأحد الرسل القديسين الآخرين قال: ” كأطفال مولودين الآن اشتهوا اللبن العقلي عديم الغش لكي تنموا به للخلاص، إن كنتم قد ذقتم أن الرب صالح” (1بط2:2).

 

وكما سبق أن قلت، فإن المسيح أحضر الولد كنموذج للبساطة والبراءة، ” وأقامه عنده”، مبينًا بذلك ـ كما في رسم توضيحي ـ أنه يقبل الذين مثل هذا الولد ويحبهم، ويحسبهم مستحقين أن يقفوا إلى جواره، لكونهم يفكرون مثله ويتوقون للسير في خطواته. لأنه قال: ” تعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب” (متى29:11). وإن كان الذي هو فوق الكل، والمُكلَّل بتلك الأمجاد الفائقة، متواضع القلب، فكيف لا تنطبق على أمثالنا تهمة الجنون المطبق، إن كنا لا نتصرف باتضاع نحو الفقراء، ونعرف ما هي طبيعتنا، بل نحب أن ننتفخ بأنفسنا فوق مقياسنا!

 

ويقول بعد ذلك: ” من قبل هذا الولد باسمي يقبلني، ومن قبلني يقبل الذي أرسلني“. حيث إن مكافأة أولئك الذين يكرمون القديسين هي نفس المكافأة الواحدة، سواء كان الذي يكرمونه من رتبة متواضعة أو من مركز عالي وكرامة كبيرة ـ لأنهم يقبلون المسيح، وبواسطته وفيه يقبلون الآب ـ فكيف لا يكون أمرًا شديد الحماقة منهم أن يتشاجروا فيما بينهم، ويسعون للترأُّس، ويكونون غير راغبين أن يحسبوا أقل من الآخرين، في حين أنهم سيُقبَلون من الآخرين على أساس متساوي!

 

ولكنه يجعل معنى هذا الإعلان أكثر وضوحًا بقوله: ” لأن الأصغر فيكم جميعًا هو يكون أعظم“. وكيف يكون المعتبر أصغر هو الأعظم؟ هل المقارنة من جهة الفضيلة؟ ولكن كيف يكون هذا؟ أي بأية طريقة يكون الأصغر هو الأعظم؟ إنه ربما يدعو الذي يُسر بالأمور المتواضعة، بالأصغر، وهو الذي ـ بسبب تواضعه ـ لا يفكر تفكيرًا عاليًا عن نفسه. مثل هذا يرضى المسيح، لأنه مكتوب: ” الذي يرفع نفسه سوف يوضع، والذي يضع نفسه سوف يرفع” (لو11:14). والمسيح نفسه يقول في أحد المواضع: ” طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات” (مت3:5). لذلك فإن زينة النفس التي تتقدس هي الفكر المسكين المتواضع، أما الرغبة في النظر إلى النفس نظرة عالية، والنزاع مع الإخوة بسبب الكرامة والمركز، والشجار معهم بحماقة، فهذا في المقابل هو عار عظيم. مثل هذا السلوك يُفرِّق الأصدقاء، ويجعل ذوي الميول المتشابهة أعداء. هذا السلوك يتغلب على قانون الطبيعة، ويقلب المحبة الفطرية التي نُكنها لإخوتنا. إنه يقسم المحبين أحيانًا، ويجعل حتى المولودين من رحم واحد، أعداء بعضهم لبعض. إنه يحارب بركات السلام ويقاومها. إنه بؤس عظيم ومرض اخترعه شر الشيطان. لأنه أي شيء هناك أكثر خداعًا من المجد الباطل؟ إنه يتلاشى مثل الدخان، مثل سحابة يزول، ومثل منظر الحلم يتحول إلى لا شيء، وبالكاد يساوى العشب في احتماله، ويذبل كالحشائش، لأنه مكتوب: ” كل جسد كعشب، وكل مجد إنسان كزهر عشب” (1بط24:1). لذلك فهو ضعف وهو محتقر في وسطنا، ويُحسب من أعظم الشرور. لأن مَن الذي لا يعتبر الإنسان المحب للمجد الباطل، والمنتفخ بكبرياء فارغة مزعجًا؟ مَن الذي لا ينظر باحتقار، ويعطى اسم “المتفاخر” لذلك الذي يرفض أن يكون على قدم المساواة مع الآخرين، ويقحِم نفسه في المقدمة كمَن يدًّعي أنه يحسب رئيسًا لهم؟ إذن، فليكن مرض محبة المجد الباطل بعيدًا عن أولئك الذين يحبون المسيح، ولنعتبر رفقاءنا بالحري أفضل من أنفسنا، ولنكن تَوَّاقِين أن نُزَيِّن أنفسنا بتواضع العقل ـ الذي يسر الله جدًّا. لأننا إذ نكون هكذا بسطاء الفكر، كما يليق بالقديسين، فإننا سنكون مع المسيح، الذي يكرم البساطة، الذي به ومعه، لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس، إلى دهر الدهور آمين.

من هو أعظم – إنجيل لوقا 9 ج8 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

سر المسيح – إنجيل لوقا 9 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

سر المسيح – إنجيل لوقا 9 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

سر المسيح – إنجيل لوقا 9 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو43:9ـ45) ” وَإِذْ كَانَ الْجَمِيعُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ كُلِّ مَا فَعَلَ يَسُوعُ، قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: ضَعُوا أَنْتُمْ هذَا الْكَلاَمَ فِي آذَانِكُمْ: إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي النَّاسِ. وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا هذَا الْقَوْلَ، وَكَانَ مُخْفىً عَنْهُمْ لِكَيْ لاَ يَفْهَمُوهُ، وَخَافُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ هذَا الْقَوْلِ “.

 

          عميق وعظيم هو بالحقيقة سر التقوى، بحسب تعبير بولس الحكيم (1تى16:3)، ولكن الله الآب يعلنه لمن يستحقون نواله. لأن المخلِّص نفسه أيضًا حينما كان يكلِّم اليهود قال: ” لا تتذمروا فيما بينكم، لا يقدر أحد أن يأتي إلىَّ، إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني” (يو43:6). فحينما حُسب بطرس المبارك أهلاً لنعمة مجيدة هكذا وعجيبة، إذ كان في نواحي قيصرية فيلبس، فإنه صنع اعترافًا بالإيمان به صحيحًا وبلا عيب قائلاً: ” أنت هو المسيح ابن الله الحي” وماذا كانت المكافأة التي حُسب مستحقًا لها؟ المكافأة هى أن يسمع المسيح يقول: ” طوبى لك يا سمعان بن يونا، إن لحمًا ودمًا لم يُعلن لك لكن أبى الذي في السموات” (مت16: 17،16)، ثم بعد ذلك نال كرامات فائقة، لأن المسيح ائتمنه على مفاتيح ملكوت السموات، وصار اعترافه بالإيمان هو الأساس الراسخ للكنيسة. إذ قال له: ” أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها“.

 

          لذلك، فلكي يعرف أولئك الذين سيعلِّمون العالم كله سرَّه بالضبط، فإنه يشرحه لهم مسبقًا بطريقة نافعة، وبوضوح، قائلاً: ” ضعوا أنتم هذا الكلام في قلوبكم[1]، إن ابن الإنسان سوف يُسلَّم إلى أيدي الناس“. وأظن أن السبب الذي جعل المسيح يتكلم هكذا، هو موضوع نافع كما أنه يستحق التفكير.

          فقد أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا وصعد إلى الجبل وتجلَّى أمامهم، وأضاء وجهه كالشمس، وأراهم مجده الذي سيرتفع به فوق العالم في الوقت المناسب. لأنه سيأتي ليس في حقارة مثل حقارتنا، ولا في وضاعة حالة الإنسان، بل في جلال اللاهوت وعظمته، وفى مجد فائق، وأيضًا حينما نزل من الجبل، فإنه أنقذ إنسانًا من الروح الشرير العنيف، ومع ذلك فقد كان مزمعًا بالتأكيد أن يحمل آلامه الخلاصية لأجلنا، ويحتمل خبث اليهود، وكما يقول خادم أسراره: ” يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل إنسان” (عب9:2). ولكن حينما حدث هذا، ليس هناك ما سيمنع الافتراض أن تلاميذه سينزعجون، وربما يقولون في أفكارهم الخفية: ” الذي  له كل هذا المجد، الذي  أقام الموتى بقوته الإلهية، الذي  انتهر البحر والرياح، الذي  سحق الشيطان بكلمة، كيف يُقبض عليه الآن كسجين، ويُمسك به في فخاخ القتلة؟ فهل كنا مخطئين حينئذ في تفكيرنا عنه أنه هو الله؟

 

          وهل سقطنا من المعرفة الحقيقية عنه؟ لأن كون أولئك الذين لم يعرفوا “السر”، أن ربنا يسوع المسيح سوف يحتمل الصليب والموت، سيجدون فرصة للتعثر، هذا أمر سهل أن ندركه، حتى مما قاله له بطرس المبارك. لأنه رغم أنه لم يكن قد شاهد آلامه بعد، ولكنه سمع فقط مسبقًا أن هذه الآلام ستحدث له، فإنه قاطعه، قائلاً: ” حاشاك يا رب، لا يكون لك هذا” (مت22:16).

 

          لذلك، فلكي يعرفوا ما سوف يحدث بالتأكيد، فهو ـ كأنه ـ يدعوهم أن يحتفظوا بالسر في عقلهم. لأنه يقول: ” ضعوا أنتم هذا في قلوبكم“. وكلمة “أنتم” تُميِّز بينهم وبين كل الآخرين. لأنه أراد في الحقيقة أنهم هم أنفسهم ينبغي أن يتعلموا فقط عن آلامه المقبلة، ولكن من الأفضل جدًّا، أن يقتنعوا في نفس الوقت بأنه سيقوم من القبر بقوة إلهية وأنه سيبيد الموت، وهكذا يتحاشى تعرضهم للعثرة. لذلك، فهو يقول، حينما يأتي الوقت الذي ينبغي أن أتألم فيه، فلا تسألوا، كيف أن واحدًا له كل هذا المجد، والذي صنع كل هذه الآيات، قد سقط كواحد منا، على حين غرة، في أيدي أعدائه، ولكن بالعكس، تأكدوا، حينما تتأملون في التدبير، أنني لا أنقاد بإجبار من الناس، بل أمضى إلى الآلام بإرادتي. لأن ما الذي يعوق ذلك الذي يعرف مسبقًا ما سوف يحدث ويعلنه بوضوح، أن يرفض أن يتألم إذا أراد ذلك؟ ولكن أنا أخضع للآلام، لكي أفدى كل الذين تحت السماء. لأن هذا هو ما يعلمه لنا بوضوح في موضع آخر، قائلاً:     ” ليس أحد يأخذ حياتي منى، بل أضعها أنا بإرادتي. لي سلطان أن أضعها، ولى سلطان أن آخذها أيضًا” (يو18:10).

 

          ولكنه يقول: ” أما هم فلم يفهموا هذا القول وكان مُخفى عنهم لكي لا يفهموه” والآن من الطبيعي أن يتعجب أي واحد، حينما يتأمل مع نفسه، كيف أن التلاميذ لم يعرفوا سر المسيح، فرغم أنهم ينتمون إلى جماعات اليهود، إلا أنهم لم يكونوا كسالى أو مزدرين، بل على العكس جادين جدًّا ومجتهدين. فرغم أنهم يعتبرون عمالاً يدويين، إذ كانت مهنتهم الصيد في البحيرة، إلا أنهم ـ كما قلت ـ كانوا متعلمين وعقلاء، ولم يكونوا يجهلون كتب موسى، لأنه لهذا السبب قد اختارهم المسيح، فكيف كانوا إذن يجهلون سر المسيح، حينما كان قد أُشير لهم عنه كظل في مواضع مختلفة بواسطة الناموس، وسبق التنبؤ به بطريقة جميلة في رموزه كما في رسم، ولكي أوضح ما أقصد بمثال، فإنهم لم يستطيعوا أن يهربوا من عبودية مصر، ولا أن يفلتوا من اليد التي اضطهدتهم، إلا عندما ذبحوا حملاً حسب ناموس موسى، وحينما أكلوا لحمه فإنهم مسحوا العتاب العليا بدمه، وهكذا انتصروا على المهلك. فالرموز تتمخض بالحق، وعملهم هذا، كان كما قلت، تنبؤًا، بواسطة ما تم في ظلال، عن الفاعلية الخلاصية لموت المسيح وعن إبطال الهلاك بواسطة دمه، وهو الذي يطرد أيضًا الطاغية القاسي، الشيطان، وينقذ من سيطرة الأرواح النجسة، أولئك الذين كانوا قد استُعبدوا، والذين، مثل الإسرائيليين الذين سخروا في عمل الطوب والبناء، قد صاروا ضحايا الاهتمامات الأرضية والشهوات الجسدية الدنسة، وارتباكات هذا العالم غير النافعة.

 

إن سر الآلام يمكن أن يُرى في أمر آخر، فإنه حسب ناموس موسى، كان يقدَّم تيسان، لا يختلفان في شيء أحدهما عن الآخر، بل هما متماثلان في الحجم والشكل. واحد من هذين التيسين كان يسمى ” للرب”، فإنه يُقدم ذبيحة، والآخَر “المُرسَل بعيدًا”. وحينما تخرج القُرعة على التيس الذي يُسمَّى: “للرب”، فإنَّه يُقدَّم ذبيحة بينما الآخر كان يُرسل بعيدًا عن الذبح، ولذلك كان يُسمى “المرسل بعيدًا”. ومن هو المُشار إليه بهذا؟ إنه “الكلمة”، الذي رغم أنه الله، فقد صار مثلنا، وأخذ شكلنا نحن الخطاة فيما يختص بطبيعة الجسد. ولكن كان الموت هو ما نستحقه نحن، إذ أننا بالخطية قد سقطنا تحت اللعنة الإلهية، ولكن حينما حمل مخلص الكل نفسه العبء، فإنه نقل الدين الذي كان علينا إلى نفسه، ووضع حياته لأجلنا، لكي نطلق نحن بعيدًا عن الموت والهلاك.

 

          لذلك فالسر سبق أن أُعلن بشكل غامض لليهود بواسطة ما أشير به كالظل في الناموس، لو أنهم كانوا فقط عارفين الكتب المقدسة. ولكن، كما كتب بولس المبارك “ إن العَمَى قد حصل جزئيًا لإسرائيل” (رو25:11)، ” وحتى اليوم حين يُقرأ موسى، البرقع موضوع على قلبهم، وهو لا ينكشف، لأنه يبطل في المسيح” (2كو14:3ـ15).

 

          فهم في الواقع يفتخرون بالناموس، ولكن هدفه مُخفى تمامًا عنهم، إذ أن هدفه أن يقودنا إلى سر المسيح. ولكن مخلِّصنا يوضح أنهم بلا فهم إذ يقول: ”  فتشوا الكتب، لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهى التي تشهد لي، ولا تريدون أن تأتوا إليَّ لتكون لكم حياة” (يو39:5و40). لأن الكتب الموحَى بها تقود الإنسان الذي له فهم إلى معرفة دقيقة لتعاليم الحق، ولكنها لا تنفع عديمي الحكمة والجهّال والمهملين. ليس لأنهم لا يستطيعون أن يفعلوا هذا، بل بسبب أن ضعف ذهنهم يجعلهم غير قادرين على استقبال النور الذي تعطيه الكتب المقدسة. لأنه كما أن نور شعاع الشمس غير نافع لأولئك المحرومين من البصر، ليس لأنه لا يستطيع أن يضئ، بل بسبب أن عيونهم غير قادرة على رؤية النور واستقباله. هكذا الكتب المقدسة، فرغم أنها موحى بها من الله، فهي لا تنفع الجهَّال والأغبياء شيئًا.

لذلك فواجبنا، هو أن نقترب إلى الله ونقول: ” افتح عينيَّ لكي أبصر عجائب من ناموسك” (مز18:118 السبعينية)، وهكذا فسوف يعلن لنا المسيح سره، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

[1] في نص الإنجيل الوارد في بداية العظة يستعمل القديس كيرلس” آذانكم” ولكن أثناء الشرح يستعمل كلمة “قلوبكم” بدلاً منها، ربما عن غير قصد، ولكنها تُبيِّن فهمه لكلمة آذان.

سر المسيح – إنجيل لوقا 9 ج7 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الثـقة بالمسيح – إنجيل لوقا 9 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الثـقة بالمسيح – إنجيل لوقا 9 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الثـقة بالمسيح – إنجيل لوقا 9 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو37:9ـ43) ” وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي إِذْ نَزَلُوا مِنَ الْجَبَلِ، اسْتَقْبَلَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ. وَإِذَا رَجُلٌ مِنَ الْجَمْعِ صَرَخَ قِائِلاً: يَا مُعَلِّمُ، أَطْلُبُ إِلَيْكَ. اُنْظُرْ إِلَى ابْنِي، فَإِنَّهُ وَحِيدٌ لِي. وَهَا رُوحٌ يَأْخُذُهُ فَيَصْرُخُ بَغْتَةً، فَيَصْرَعُهُ مُزْبِدًا، وَبِالْجَهْدِ يُفَارِقُهُ مُرَضِّضًا إِيَّاهُ. وَطَلَبْتُ مِنْ تَلاَمِيذِكَ أَنْ يُخْرِجُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ: أَيُّهَا الْجِيلُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِ وَالْمُلْتَوِي إِلَى مَتَى أَكُونُ مَعَكُمْ وَأَحْتَمِلُكُمْ؟ قَدِّمِ ابْنَكَ إِلَى هُنَا!. وَبَيْنَمَا هُوَ آتٍ مَزَّقَهُ الشَّيْطَانُ وَصَرَعَهُ، فَانْتَهَرَ يَسُوعُ الرُّوحَ النَّجِسَ، وَشَفَى الصَّبِيَّ وَسَلَّمَهُ إِلَى أَبِيهِ. فَبُهِتَ الْجَمِيعُ مِنْ عَظَمَةِ اللهِ.

 

          كل الكتاب هو مُوحى به من الله ونافع، ولكن بنوع خاص الأناجيل المقدسة، لأن ذلك الذي ـ في القديم ـ تكلم بالناموس للإسرائيليين بواسطة خدمة الملائكة، قد تكلم بشخصه إلينا، حينما أخذ شكلنا وظهر على الأرض وتجوَّل بين الناس. لأن بولس الحكيم جدًّا يكتب: ” الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة، كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه” (عب1:1). ويقول هو نفسه في موضع آخر بواسطة أحد أنبيائه القديسين ” أنا هو المتكلم قريب مثل البرق على الجبال، مثل قدمي المُبشِّر بالسلام، المُبشِّر بالخيرات” (إش6:52 سبعينية). لأنه ها هو يحررنا من طغيان العدو، لكيما نتبعه بنقاوة. وإذ قد أبطل ” ولاة العالم على ظلمة الدهر” (أف12:6)،  أي الأرواح الشريرة، فإنه يُقدِّمنا محفوظين بلا أذى إلى الله الآب.

          لأننا قد حصلنا بواسطته على الخلاص من سلطان الأرواح النجسة كما يتضح من هذا الفصل، لأننا سمعنا في القراءة أن رجلاً جرى نحوه من وسط الجمع وأخبره بمرض ابنه غير المحتمل، وقال الرجل إن روحًا شريرًا كان يمزق ابنه بقسوة ويصرعه بتشنجات عنيفة، ولكن طريقة حديثه لم تكن خالية من اللوم، لأنه اشتكى ضد صحبة الرسل القديسين قائلاً إنهم لم يستطيعوا أن ينتهروا الشيطان، بينما كان من المناسب أكثر أن يكرِّم يسوع وهو يسأل مساعدته ويطلب نعمته. لأن الرب يمنحنا سؤالنا حينما نكرمه ونثق فيه أنه هو بالحقيقة رب القوات، ولا يستطيع أحد أن يقاوم مشيئته، بل بالحري، فإن كل واحد قابـِل للحصول على أية قوة إنما يحصل منه على إمكانية وجوده كلية. لأنه كما أنه هو نفسه النور الحقيقي، فإنه يشرق بنوره على أولئك الذين لهم قابلية أن يستنيروا. وبنفس الطريقة كما أنه هو نفسه الحكمة والفهم الكامل، فهو الذي يمنح الحكمة لأولئك الذين يقبلونها. وهكذا أيضًا فكما أنه هو القوة، فهو يمنح القوة لأولئك الذين لهم قابلية لنوالها. لذلك فحينما نحتقر مجده بعدم إيماننا، ونزدري بعظمته الفائقة، فإننا لا نستطيع أن ننال منه شيئًا، لأننا ينبغي ” أن نطلب بإيمان غير مرتابين البتة“، كما يقول تلميذه (انظر يع6:1).

          ويمكننا أن ندرك أن هذا القول صحيح مما يحدث بيننا. لأن الذين يقدمون الالتماسات لأولئك الذين يترأسون الأعمال على الأرض ويحكمون العروش العظيمة، يوجِّهون طلباتهم بعبارات تكريم مناسبة، ويعترفون بسلطانهم الشامل وبعظمتهم، ويفتتحون خطابهم الذي يقدمونه هكذا: ” إلى سادة الأرض، والبحر، وكل شعب وجنس وسط البشر”، وبعد ذلك يضيفون موجزًا لما يطلبونه. لذلك، فوالد الصبي الذي به الروح الشرير، كان خشنًا وغير لطيف، لأنه لم يطلب ببساطة شفاء الولد، ويتوِّج الشافي بالمديح والشكر، بل بالعكس، تكلم باحتقار عن التلاميذ، ويعيب على النعمة المعطاة لهم إذ يقول: ” وطلبت من تلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا“. ومع ذلك فإنه بسبب نقص إيمانه فإن النعمة لم تعمل. لا يدرك هو أنه هو نفسه كان السبب في عدم إنقاذ الولد من مرضه الخطير؟

          لذلك، ينبغي أن يكون لنا إيمان حينما نقترب من المسيح، ومن أي واحد قد حصل منه على نعمة الشفاء، وهو يعلِّمنا هذا بنفسه بأن يطلب إيمانًا من أولئك الذين يقتربون منه راغبين أن يحسبوا مستحقين لأي عطية من عطاياه. فمثلاً، مات لعازر في بيت عنيا، ووعد المسيح أن يقيمه، وحينما شكَّت إحدى أختيه في هذا، ولم تكن تتوقع أن تحدث المعجزة، قال المسيح: ” أنا هو القيامة الحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا” (يو25:11). ونجد حادثًا مشابهًا في موضع آخر، لأن يايرس رئيس مجمع اليهود، حينما كانت ابنته تلفظ أنفاسها الأخيرة، وقد أمسكت في شباك الموت، توسل إلى يسوع أن ينقذ الصبية مما حدث لها، وبناءً على ذلك وعد المسيح أن يفعل ذلك عند وصوله إلى بيت السائل. ولكن بينما كان في الطريق، جاء رجل من أقرباء رئيس المجمع قائلاً، “ قد ماتت ابنتك، لا تُتعب المعلم” (لو49:8). فماذا كان جواب المسيح؟   ” آمن فقط، وهى ستحيا” (لو50:8).

 

          لذلك، كان من الواجب على والد الصبي أن يلقى باللوم على عدم إيمانه، بدلاً من أن يلقيه على الرسل القديسين. لهذا السبب قال المسيح بحق، ” أيها الجيل غير المؤمن والملتوي، إلى متى أكون معكم وأحتملكم؟” لذلك، فهو بحق يدعو ذلك الرجل نفسه وأولئك الذين على شاكلته “جيل غير مؤمن”. لأنه مرض رديء، وكل من يمسك به، فهو يكون ملتويًا، ولا معرفة عنده لكي يسلك باستقامة. لذلك فالكتب المقدسة تقول عن مثل هؤلاء الأشخاص: ” إن طرقهم معوجة وهم ملتوون في سبلهم” (أم15:2). وقد هرب داود الإلهي من هذا المرض، ولكي ينفعنا أيضًا، فهو يعلن لنا هدفه من هذا الهروب قائلاً: ” لم يلصق بي قلب معوج” (مز4:101)، أي أن ذلك الإنسان لا يستطيع أن يسلك باستقامة.

الثـقة بالمسيح – إنجيل لوقا 9 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

          وإلى مثل هؤلاء صرخ المعمدان المبارك، كسابق للمخلص قائلاً: ” أعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة” لذلك فالرجل كان، على وجه العموم، غير مؤمن، وملتوي، ورافضًا للطرق المستقيمة، ويضل عن الصواب، وينحرف عن السبل الصحيحة. والمسيح لا يتنازل ليتعامل مع هؤلاء الذين سقطوا إلى هذا الشر، وإذا تكلَّمنا بطريقة بشرية، فإنه يتعب ويسأم منهم وهذا هو ما قاله: ” إلى متى أكون معكم وأحتملكم؟” لأن ذلك الذي  يقول، إن أولئك الذين نالوا القوة بمشيئة المسيح أن يُخرجوا الأرواح الشريرة، ليس لهم قوة أن يطردوا هذه الأرواح، فهو يعيب على النعمة نفسها بالحري لا على الذين نالوا النعمة. لذلك فقد كان تجديفًا رديئًا، لأنه إن كانت النعمة بلا قوة، فلا يكون العيب أو اللوم عليهم هم الذين نالوها، بل بالحري يكون على النعمة نفسها. لأن أي واحد يريد أن يدرك يمكنه أن يرى أن النعمة التي عملت فيهم كانت نعمة المسيح. فمثلاً، الرجل المقعد الذي كان على باب الهيكل الجميل قد قام وصار صحيحًا، ولكن بطرس نسب المعجزة للمسيح قائلاً لليهود: ” لأن الذي صلبتموه أنتم الذي أقامه الله من الأموات، بذاك وقف هذا الإنسان أمامكم صحيحًا، وبواسطته أعطاه هذه الصحة” (أع10:4، 16:3). وفى موضع آخر فإن بطرس المبارك أعلن لأحد الذين شفاهم قائلاً: ” يا إينياس يشفيك يسوع المسيح” (أع34:9). لذلك، فواضح من كل ناحية أن الرجل وجَّه اللوم إلى قوة المسيح، بقوله عن الرسل القديسين، ” لم يستطيعوا أن يخرجوه“.

          وأكثر من ذلك، فإن المسيح يغضب حينما يُساء إلى المبشرين القديسين الذين اؤتُمنوا على كلمة إنجيله، واختارهم ليعلِّموها لكل الذين تحت السماء، إذ يشهد لهم بنعمته، أنهم تلاميذه وأنهم أناروا بنور معرفة الله الحقيقية على أولئك الذين اقتنعوا بتعاليمهم وبالمعجزات العجيبة التي أجروها في كل مكان. لأن المعجزة تقود إلى الإيمان. لذلك، فلو أن والد الصبي مضى خائب الأمل وقد مُنعت عنه العطية السخية، لكان مستحقًا لذلك، ولكن لكي لا يتصور أحد أن المسيح أيضًا كان غير قادر أن يصنع المعجزة، لذلك فقد انتهر الروح النجس، وهكذا أنقذ الصبي من هذا المرض وسلمه لأبيه. لأنه قبل ذلك لم يكن ملكًا لأبيه بل كان ملكًا للروح الذي  يتسلط عليه، أما الآن ـ إذ قد أُنقذ من يده القاسية، فقد أصبح مرة أخرى مِلكًا لأبيه، كهبة من المسيح، الذي  أعطى أيضًا للرسل القديسين أن يصنعوا معجزات إلهية، وينتهروا الأرواح النجسة بقدرة لا تُقاوم، ويسحقون الشيطان.

          ويقول البشير، إن الجموع بُهتوا من عظمة الله. إذن، فحينما يصنع المسيح معجزات، فإن الله هو الذي يتمجد، الله فقط والله وحده. لأنه هو الله بالطبيعة، وعظمته لا تُقارن، وعلوه لا منافس له وهو يشع بمجد الربوبية الكاملة التي لله الآب. لذلك يليق به أن نمجده بتسابيح، ولنقل له: ” أيها الرب إله القوات مَن مثلك؟ أنت قوي أيها الرب، وحقك من حولك” (مز8:88 سبعينية). لأن كل شيء مُستطاع لديه، وسهل عليه أن يتممه، وليس شيء عسير عليه أو عاليًا عنه، الذي به ومعه، لله الآب التسبيح والملك، مع الروح القدس، إلى دهر الدهور آمين.

 

الثـقة بالمسيح – إنجيل لوقا 9 ج6 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عيد الختان – عظة 3 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عيد الختان – عظة 3 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

عيد الختان – عظة 3 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو21:2ـ24) “وَلَمَّا تَمَّتْ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ لِيَخْتِنُوا الصَّبِيَّ سُمِّيَ يَسُوعَ، كَمَا تَسَمَّى مِنَ الْمَلاَكِ قَبْلَ أَنْ حُبِلَ بِهِ فِي الْبَطْنِ. وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامُ تَطْهِيرِهَا، حَسَبَ شَرِيعَةِ مُوسَى، صَعِدُوا بِهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيُقَدِّمُوهُ لِلرَّبِّ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: أَنَّ كُلَّ ذَكَرٍ فَاتِحَ رَحِمٍ يُدْعَى قُدُّوسًا لِلرَّبِّ. وَلِكَيْ يُقَدِّمُوا ذَبِيحَةً كَمَا قِيلَ فِي نَامُوسِ الرَّبِّ: زَوْجَ يَمَامٍ أَوْ فَرْخَيْ حَمَامٍ “.

الجمع الذي اجتمع هنا كثير جدًّا، والسامعون شغوفون ـ فنحن نرى الكنيسة ممتلئة ـ ولكن المُعلِّم فقير، ومع ذلك فالذي يعطي الإنسان فمًا ولسانًا، سوف ينعم علينا بأفكار صالحة. إذ يقول الرب نفسه في مكان ما ” أفغر فاك وأنا أملأه” (مز10:81) حيث إنكم جميعًا قد اجتمعتم معًا باهتمام بمناسبة هذا العيد المفرِح الذي للرب، لذلك فلنحتفل بالعيد بمشاعر البهجة وبأنوار ساطعة، ولنشغل أنفسنا في التفكير فيما تحقق في هذا اليوم بطريقة إلهية، جامعين لأنفسنا من كل ناحية ما يثبِّتنا في الإيمان والتقوى.

ولكننا ـ منذ فترة وجيزة رأينا عمانوئيل مضطجعًا كطفل في المذود وملفوفًا بشكل بشري في الأقماط، ولكنه مُجِّد كإله بتسابيح جمهور الملائكة القديسين، لأنهم بشَّروا الرعاة بميلاده، إذ أن الله الآب قد منح لسكان السماء الامتياز الخاص بأن يكونوا أول مَن يبشِّر به. واليوم أيضًا نراه مطيعًا لقوانين موسى، أو بالأحرى قد رأينا ذاك الذي هو المُشرِّع يخضع لقوانينه التي شرَّعها. والسبب في هذا يُعلِّمنا إياه بولس الحكيم جدًّا بقوله: ” لمَّا كنا قاصرين كنا مستعبَدين تحت أركان العالم، ولكن حين جاء ملءُ الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس” (غل3:4ـ5).

لذلك فالمسيح افتدى من لعنة الناموس أولئك الذين بوجودهم تحت الناموس كانوا عاجزين عن تتميم قوانينه. وبأي طريقة افتداهم؟ بتتميم الناموس أو بعبارة أخرى: إنه لكي يُكفِّر عن ذنب معصية آدم، فقد أظهر نفسه مطيعًا وخاضعًا من كل الوجوه لله الآب عوضًا عنه، لأنه مكتوب: ” كما بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرين خطاة هكذا أيضًا بإطاعة الواحد سيُجعل الكثيرون أبرارًا” (رو19:5). لذلك فقد أحنى عنقه للناموس مشترِكًا معنا. لأن هذا ما استلزمته خطَّة الخلاص. لأنه هكذا يليق أن يكمِّل كل بـِر. لأنه إذ قد اتخذ صورة عبد، وقد حُسب بين أولئك الخاضعين للنير بسبب طبيعته البشرية، بل أنه مرة دفع نصف الشاقل للذين يجمعون الجزية، رغم أنه حر بالطبيعة، وكابن لم يكن مفروضًا عليه أن يدفع ضريبة. لذلك حينما تراه يحفظ الناموس، فلا تتعثَّر، ولا تضع الحُر بين العبيد، بل بالحري تأمل في عمق تدبير الخلاص. لذلك فعند وصول اليوم الثامن، الذي جرت العادة أن يتم فيه الختان في الجسد بحسب أمر الناموس، نجده يُسمَّى باسم يسوع الذي تفسيره يشير إلى خلاص الشعب. لأنه هكذا أراد الله الآب أن يُسمِّي ابنه، حينما يولَد بالجسد من امرأة. لأنه عندئذ صار خلاص الشعب بنوع خاص، وليس خلاص واحد فقط، بل كثيرين، وبالحري كل الشعب بل والعالم كله. إذن فقد أخذ اسمه في نفس الوقت الذي خُتِن فيه.

ولكن تعالوا ودعونا نفتش ونرى، ما هو اللغز، وما هي الأسرار التي يقودنا إليها هذا الحادث. لقد قال بولس المبارك ” ليس الختان شيئًا، وليست الغرلة شيئًا” (1كو19:7). وربما يعترض البعض على هذا قائلين هل أَمَر إله الكل ـ بواسطة موسى الحكيم ـ بشيء لكي يُحفظ رغم أنه لا قيمة له، بل ويصحب الأمر بهذا الشيء عقاب على الذين يخالفون هذا الأمر؟ أقول نعم لأنه فيما يخص طبيعة ذلك الشيء الذي يتم في الجسد فهو ليس شيئًا، ومع ذلك فهو يحمل مثالاً جميلاً للسر، أو بالحري يحتوي على المعنى الخفي لإظهار الحق. لأن المسيح قام من بين الأموات في اليوم الثالث وأعطانا الختان الروحي. لأنه أوصى الرسل القديسين قائلاً: ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس“. ونحن نؤكد أن الختان الروحى يتم بصورة رئيسية في وقت المعمودية المقدسة حينما يجعلنا المسيح مشتركين في الروح القدس. وقد كان يشوع القديم الذي جاء بعد موسى مثالاً أيضًا لهذا، لأنه قاد بنى إسرائيل أولاً عبر الأردن، وبعد ذلك مباشرة ختنهم بسكاكين من صوان. هكذا نحن حينما نعبر الأردن فإن المسيح يختننا بقوة الروح القدس، ليس لتطهير الجسد بل بالحري لقطع النجاسة التي في نفوسنا.

لذلك خُتن المسيح في اليوم الثامن وأخذ اسمه كما قُلت، لأنه حينئذ خَلُصْنا بواسطته وفيه كما هو مكتوب ” وفيه خُتنتم ختانًا غير مصنوع بيد بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح، مدفونين معه في المعمودية التي فيها أُقمتم أيضًا معه” (كو11:2). لذلك فإن موته كان من أجلنا. وهكذا أيضًا كانت قيامته وكان ختانه. لأنه قد مات حتى أننا نحن الذين مُتنا معه في موته لأجل الخطية، لا نعود نحيا للخطية. ولهذا السبب قيل: ” إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضًا معه” (2تى11:2). وقد قيل إنه قد مات لأجل الخطية ليس لأنه قد أخطأ، ” لأنه لم يفعل خطية ولا وُجِدَ في فمه غش” (1بط22:2). بل بسبب خطيتنا. لذلك فكما مُتنا معه حينما مات، هكذا أيضًا نقوم معه.

وأيضًا حينما كان الابن حاضرًا بيننا، فرغم أنه هو بالطبيعة الله ورب الكل، فإنه لا يحتقر حالتنا بسبب ذلك، بل يُخضِع نفسه معنا لنفس الناموس، رغم أنه كإله كان هو نفسه مشرِّع الناموس. وقد خُتِنَ ـ مثل اليهود ـ في سن ثمانية أيام لكي يبرهن على خروجه من نفس أصلهم. وذلك لكي لا ينكروه. لأن المسيح كان هو نسل داود المنتظََر، وقدم لهم البرهان على هذه العلاقة. ولكن إن كان رغم ختانه يقولون عنه “وأما هذا الإنسان فلا نعلم من أين هو” (يو29:9)، فربما كان يصير لهم بعض العذر في إنكارهم لو لم يكن قد خُتِنَ في الجسد وحَفظ الناموس.

ولكن بعد ختانه أبطل طقس الختان بمجيء ما كان يرمُز له وأعني به، المعمودية. ولهذا السبب فإننا لم نعد نختتن، لأنه يبدو لي أن الختان قد حقَّق ثلاثة أغراض: فأولاً ـ أنه أفرز نسل إبراهيم بنوع من العلامة والختم، وميَّزهم عن بقية الشعوب. وثانيًا أنه كان يشير مقدَّمًا إلى نعمة وفاعلية المعمودية الإلهية، لأنه كما كان في القديم، يُحسب المختون ضمن شعب الله بواسطة ذلك الختم، هكذا أيضًا فإن من يعتمِد يُدرَج ضمن عائلة الله بالتبنِّي، إذ قد تصوَّر في نفسه المسيح الختم. وثالثًا، أنه رمز للمؤمنين حينما يتأسَّسون في النعمة. حينما يقطعون ويميتون شغب اللذات الجسدية والشهوات بسكين الإيمان الحاد وبأعمال النسك، وهم لا يَقطعون الجسد، بل يُنقُّون القلب ويصيرون مختونين بالروح وليس بالحرف، الذي مَدْحه ليس من الناس بل من فوق كما يشهد بولس الإلهي (رو29:2).

وبعد ختانه تنتظر العذراء إلى وقت تطهيرها، وحينما تكتمل الأيام وتصل إلى ملء الأربعين يومًا، فإن الله الكلمة الجالس على عرش الآب، يُحمَل إلى أورشليم ويأتون به إلى حضرة الآب بطبيعة بشرية مثلنا وبواسطة ظل الناموس يُحسب في عداد الأبكار. لأنه منذ قبل التجسد كان الأبكار مقدَّسين، ومكرَّسين لله، ويقدَّمون لله بحسب الناموس. آه! كم هو عظيم وعجيب تدبير الخلاص! ” يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه” (رو33:11). فإن ذلك الذي هو في حضن الآب، الابن المشارِك له في عرشه والمساوي له في الأزلية، الذي به خُلقت كل الأشياء في الوجود نراه رغم ذلك يخضع لمقياس الطبيعة البشرية، بل ويُقدَّم كتقدمة لأبيه رغم أنَّه يُكرَّم ويُمجَّد معه من الجميع. وماذا قدَّم هو؟ إنه كبكر وذَكَر قدَّم زوج يمام أو فرخي حمام حسب أمر الناموس. ولكن إلى ماذا يشير اليمام؟ وأيضًا إلى ماذا يشير الحمام؟ تعالوا إذن ودعونا نبحث هذا الأمر، فالواحد منهم هو أكثر طيور الحقل في إصدارها للأصوات، أما الآخر فهو مخلوق هادئ ووديع. هكذا صار مخلِّص الكل بالنسبة لنا مُظهرًا أكمل وداعة ولطف من نحونا. وأيضًا مثل اليمام، فإنه يهدئ العالم، ويملأ حقله الخاص الذي هو نحن المؤمنين به بنغم صوته الحلو. لأنه مكتوب في نشيد الأنشاد ” صوت اليمامة سُمِع في أرضنا” (نش12:2)، لأن المسيح قد كلَّمنا برسالة الإنجيل الإلهية التي هي لخلاص العالم كله.

إذن فقد قدَّم اليمام أو الحمام حينما قُدِّم للرب. وفي هذا يمكن أن نرى التقاء الحقيقة والرمز معًا في نفس الوقت. والمسيح قدَّم نفسه رائحة طيِّبة لله، لكي يُقدِّمنا نحن بواسطة نفسه وفي ذاته لله الآب، وهكذا يلاشي العداوة الناشئة عن عصيان آدم، ويبطل الخطية التى استعبدتنا جميعًا، لأننا نحن الذين كنا نصرخ منذ زمن طويل قائلين: ” التفت إليَّ وارحمني” (مز16:25).

عيد الختان – عظة 3 – إنجيل لوقا 2 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

شرح انجيلي مرقس ولوقا – وليم إدي – الكنز الجليل في تفسير الإنجيل ج2 PDF

شرح انجيلي مرقس ولوقا – وليم إدي – الكنز الجليل في تفسير الإنجيل ج2 PDF

شرح انجيلي مرقس ولوقا – وليم إدي – الكنز الجليل في تفسير الإنجيل ج2 PDF

شرح انجيلي مرقس ولوقا – وليم إدي – الكنز الجليل في تفسير الإنجيل ج2 PDF

تحميل تفسير انجيلي مرقس ولوقا – وليم إدي PDF

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) – د. جوزيف موريس فلتس

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) – د. جوزيف موريس فلتس

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) – د. جوزيف موريس فلتس

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس [1] د. جوزيف موريس فلتس

 

 

مقدمة:

في محاولتنا لاستعراض أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس سوف نركز على ما قدمه فقط القديس كيرلس عمود الدين بابا الأسكندرية الرابع والعشرين (370ـ444م) كشارح ومفسر عظيم للكتاب المقدس.

ويجدر بنا أولاً إلقاء الضوء على شخصية القديس كيرلس كمفسر للكتاب وأيضًا على التوجهات الأساسية في المنهج الذي اتبعه في تفسيره الكتابي حتى يمكننا فهم الأمثلة التي سوف نوردها تباعًا من تفسيره للكتاب المقدس.

 

القديس كيرلس الأسكندرى كمفسر للكتاب المقدس[2]:

من المعروف عن القديس كيرلس عمود الدين أنه دافع عن إيمان الكنيسة ضد الهرطقة النسطورية وأنه عبّر عن عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية فيما يتعلق بطبيعة المسيح (الخريستولوجى) وفيما يخص إتحاد الطبيعتين الإلهية والبشرية اتحادًا أقنوميًا في شخص المسيح الواحد. وفي نفس الوقت تميّز القديس كيرلس بما قدّمه من شرح وتفسير للكتاب المقدس الأمر الذي جعله من أعظم المفسرين للكتاب المقدس في كل تاريخ الكنيسة.

وبينما إتبع الطريقة الرمزية (الروحية) لتفسير العهد القديم إلاّ أن اهتمامه وتركيزه على الأمور العقائدية قد حماه من سوء استخدام هذه الطريقة في التفسير كما فعل غيره من المفسرين.

ولهذا فإن تعاليمه العقيدية عن شخص المسيح له المجد ضد كل من هرطقة آريوس ونسطور وأبوليناريوس وأفنوميوس، كل هذه التعاليم تمثل الأساس لفهم كل شروحاته وتفسيراته للكتاب المقدس إذ هو يربط ربطًا محكمًا بين عقيدة الكنيسة وشرحه وتفسيره للكتاب المقدس ـ كما سنرى في الأمثلة ـ غير أن التوجه العقيدى لدى القديس كيرلس لم يحد من طريقة تفسيره وهدفه شرحه للآيات، لكن على العكس، فلقد أمد هذا التوجه العقيدى، القديس كيرلس بمعيار لا يخطئ كى يكتشف بواسطته المعنى الحقيقي والهدف النهائى للإعلان الإلهى المدون في الكتاب المقدس وهذا الربط المحكم بين التعاليم الخرستولوجية والتفسير الكتابى كان قائمًا باستمرار في الكنيسة، غير أننا نلاحظ عند القديس كيرلس تلك العلاقة المثالية بين التفسير الكتابى واحتياجات الكنيسة التعليمية، والتي تهدف في الأساس إلى البناء الحقيقي لها.

وعلى الجانب الآخر كان هناك التقليد الأنطاكى في التفسير والذي كان يشدّد على التفسير الحرفى ـ التاريخى لنصوص الإعلان الإلهى الكتابى. ولم يكن القديس كيرلس ـ بدون شك ـ منحازًا إلى هؤلاء المتطرفين في تفسيرهم الرمزى وفقًا للمنهج الأسكندرى في التعبير الرمزى، كما أنه لم يكن من المعادين لمدرسة أنطاكية في التفسير. فلقد عمل على استخدام كل من الطريقة الرمزية (الروحية) السكندرية (‘Allhgorik») مع الطريقة النماذجية (النمطية) أو المثالية (Tupolgik») الأنطاكية، مستفيدًا بذلك من كل من التقليدين الأسكندرى والأنطاكى. وهكذا يمكن النظر إلى أعمال القديس كيرلس التفسيرية على أساس هدفها النهائى والذي هو حماية وشرح التعاليم العقيدية للكنيسة. وبلا شك فإن هذا الهدف يعطى لهذه الأعمال التفسيرية قيمتها العظمى ويشكّل عطاء القديس كيرلس الدائم لكل تاريخ التفسير الكتابى.

 

كتابات القديس كيرلس التفسيرية:

إن كتابات القديس كيرلس التفسيرية تفوق باقى كتاباته الأخرى ومعظمها معروف لنا حتى الآن وهى:

 

1 ـ تفسيره لنصوص العهد القديم:

+ السجود والعبادة بالروح والحق:

هذا العمل يتكون من 17 جزء (مقال)[3] في صورة حوار مع شخص يدعى بلاديوس، كتبه القديس كيرلس قبل عام 429 بكثير ولكن بالتأكيد بعد عام 412م[4]. اتبع فيه القديس كيرلس الطريقة الرمزية (الروحية) النمطية allegorical – typological لشرح أجزاء مختارة من أسفار موسى الخمسة ولم يوردها في ترتيبها كما وردت بالعهد القديم، أثبتت من خلالها أن الناموس قد أُبطل بحسب الحرف فقط وليس بحسب الروح. وأن ما جاء في العهد القديم يجب أن يفهم كمثال للعبادة بالروح والحق.

+ جلافيرا (تعليقات):

يتكون هذا العمل من 13 فصل كتبه القديس كيرلس في نفس فترة كتابته للعمل السابق إذ هو مكمل له ويشير موضوع كل من الكتابين أحدهما للآخر وإن لم يكن هذا الكتاب في شكل حوار كسابقه وقد اختار أيضًا أجزاء من أسفار موسى الخمسة ليعلق عليها وإن كان قد أوردها في نفس ترتيبها التي وردت به في الكتاب المقدس.

+ شرح سفر إشعياء:

يتكون من خمسة كتب (أجزاء). في مقدمة العمل يوضح مهمة الشارح في عرض المعنى الحرفى ثم المعنى الروحى. وفي الخمسة أجزاء يشرح السفر كله مقسمًا إصحاحاته كالآتى: 1ـ10، 10ـ24، 25ـ42، 42ـ51، 52ـ66 ويشمل هذا العمل الكبير كل مجلد رقم (70) من سلسلة الآباء اليونانيين Migne ومن المحتمل أن يكون القديس كيرلس قد كتبه بعد العملين الأولين لكن قبل عام 429[5].

+ شرح لأسفار الأنبياء الصغار:

كتب 12 جزء لشرح أسفار الأنبياء الصغار الاثنى عشر ووضعهم في كتابين. في كل جزء مقدمة عن النبوءة ثم شرح كامل لها.

+ شرحه لسفر الملوك، نشيد الأنشاد، لحزقيال، إرميا، باروخ ودانيال، المزامير:

توجد ـ للأسف ـ مقتطفات فقط باقية من كل هذه الشروحات.

هذا ولقد اتبع القديس كيرلس في كل كتاباته التفسيرية هذه، منهج التفسير الأسكندرى. وأوصى بأن يترك المرء ما لا يفيده من التاريخ وأن ينزع “قشور” الحرف حتى يصل إلى “قلب” النبات بمعنى أن نفتش بكل تدقيق عن “الثمر” الداخلى المخفى وأن نتغذى به. لقد وضع القديس كيرلس بالفعل قانونًا للتفسير الكتابى وهو أنه من الضرورى أن نبحث عن “المعنى الروحى” وراء حروف النص الكتابى، ويجد هذا القانون صدى قويًا له عندما يُطبق ـ بصفة خاصة ـ على نصوص العهد القديم حيث يقول القديس. كيرلس ” لأن ما يُعطى من خلال الناموس هو فقط صورًا ورموزًا للحقيقة، هو ظلال”. ولذلك فإن الناموس قد أُبطل حسب الحرف فقط وليس حسب المحتوى أو المعنى الروحى له. لأن الناموس يحتفظ بفاعليته حتى اليوم لكن فقط بحسب مفهومه الروحى.

وفي كتاباته التفسيرية الأولى يكشف لنا القديس كيرلس عن هذه المعانى السرائرية الرمزية الثابتة في الناموس الموسوى مضيفًا إليها كل ما نجده في العهد القديم من ظلال تخدم البناء الروحى لنا. ويهتم بصفة خاصة بإظهار ما في العهد القديم من صور عن الكنيسة. وفي كتابه “جلافيرا ” ـ السابق الإشارة إليه ـ يعود لبحث نفس الموضوع بهدف أن يظهر أن في كل أسفار موسى الخمسة نجد صورًا ورموزًا عن سر المسيح[6].

 

2 ـ شرحه لنصوص العهد الجديد:

+ شرح إنجيل يوحنا [7]:

هو عمل ضخم يتكون من 12 كتاب مقسم إلى فصول. له طابع عقيدى دفاعى. كما يذكر في المقدمة أنه سيعطى اهتمامًا خاصًا للأمور العقائدية في مواجهة تعاليم الهراطقة ويشدّد القديس كيرلس من خلال شرحه للإنجيل الرابع على ألوهية المسيح له المجد وعلى المساواة في الجوهر بين الآب والابن المتجسد ويدحض الأفكار المنحرفة لكل من آريوس وأفنوميوس والتعاليم الخرستولوجية الخاطئة لأتباع مدرسة أنطاكية. ولمّا لم يذكر القديس كيرلس اسم نسطور أو لقب والدة الإله، كما فعل بعد ذلك في كتاباته الدفاعية الأخرى بعد عام 429م وظهور بدعة نسطور ، فقد حدّد العلماء زمن كتابة القديس كيرلس لهذا الشرح على أنه قبل عام 429م.

+ شرح إنجيل لوقا:

هذا العمل عبارة عن سلسلة من العظات لشرح إنجيل لوقا ولها طابع عملى أكثر من الطابع العقيدى. من كل النص اليونانى لهذا العمل بقيت فقط ثلاث عظات باللغة اليونانية وفقد الباقى. غير أنه توجد ترجمة سريانية من القرن السادس الميلادى لهذه العظات والتي عنها تمت الترجمة الإنجليزية[8]. ومن العظة رقم 63 من هذه العظات نعرف أن وقت كتابة هذه العظات كان أواخر عام 430م حيث تُذكر حرومات القديس كيرلس الاثنى عشر.

+ شرح إنجيل متى:

هذا الشرح لإنجيل القديس متى للقديس كيرلس كان معروفًا بين الآباء حتى القرن السادس، لكنه فُقد بعد ذلك وتوجد منه بعض المقتطفات فقط وتغطى كل إصحاحات الإنجيل وتوضح أنه كان شرحًا وافيًا للإنجيل ويشابه شرحه لإنجيل يوحنا. وعلى الأرجح كان قد كتبه بعد عام 428م[9].

+ يحوى كتاب ” شرح الآباء للكتاب المقدس ” والمعروف “بالسلاسل” Chains [10] على مجموعة من المقتطفات لشروحات القديس كيرلس لرسالة رومية وكورنثوس الأولى والثانية والرسالة إلى العبرانيين.

+ الرسائل الفصحية:

اعتاد آباء الأسكندرية البطاركة إرسال رسائل فصحية لتحديد موعد بدء الصوم الكبير والاحتفال بعيد القيامة وذلك حسب قرارات مجمع نيقية المسكونى 325[11]. ولقد كتب القديس كيرلس 30 رسالة فصحية. وبالرغم من الطابع الاحتفالى والوعظى لهذه الرسائل بصفة عامة، إلاّ أن رسائل القديس كيرلس الفصحية حوت الكثير جدًا من شروحاته للكتاب المقدس.

+ كتاباته الدفاعية والعقائدية:

وللتعرف الكامل على كل عطاء القديس كيرلس في مجال شرحه وتفسيره للكتاب المقدس لابد وأن ندرس كتاباته العقائدية والدفاعية إذ هى تحوى شرحًا وافيًا لمقاطع كثيرة من الكتاب المقدس والأخص العهد الجديد والتي تشير في المقام الأول إلى شخص يسوع المسيح الإله المتجسد وإلى غاية التدبير وعلى الأخص كتابه ” الكنز في الثالوث “، وأيضًا كتابه ” حوار حول الثالوث “[12].

 

التوجهات الأساسية في منهج تفسير القديس كيرلس للكتاب المقدس:

قبل أن نتحدث عن التوجهات الأساسية في منهج تفسير القديس كيرلس للكتاب المقدس لابد وأن نوضح ـ حسب تعليم القديس كيرلس ـ دور الإيمان في فهم وتفسير الكتاب المقدس. فهو يعلّم بأن الحقيقة تعلن من داخل الكتاب المقدس بدون أى نقصان، فقط في حالة التمسك بها في حياتنا ومن خلال إيماننا، ويقول ” إن المعرفة الأصيلة للكتاب المقدس هى مستحيلة بدون نعمة فيّاضة واستنارة “، والمعنى الحقيقي لكلام الله يُستعلن فقط من داخل خبرة الإيمان.

فالإيمان وحده وليس البحث العقلى هو الذي يقودنا خارج محدوديتنا كمخلوقات ” فالإيمان يجب أن يسبق البحث ” ويمكننا أن نتأكد من استقامة معرفتنا إن كنا نبنى معرفتنا هذه على قاعدة الإيمان. وبدون استنارة الروح القدس لا يقدر المرء أن يصل لمعرفة الحقيقة الإلهية أو أن ينجح في فهم أكيد للعقائد الإلهية، ويرى القديس كيرلس أن الآب لا يمنح معرفة المسيح لغير الأنقياء لأنه ـ حسب تفسيره ـ لا يمكن أن تُسكب قارورة طيب كثيرة الثمن في داخل قبر.

ومعرفتنا ـ لله على كل حال ـ هى معرفة محدودة بعكس أى معرفة خارجية أخرى. ومعرفتنا الحالية عن الله هى معرفة غير تامة “معرفة جزئية” لكنها مع ذلك هى معرفة حقيقية وأصيلة. وفي الحياة العتيدة فإن معرفتنا الجزئية هذه ستختفى إذ أننا حينئذٍ “سنرى بكل وضوح وكمال مجد الله الذي ينقل إلينا معرفته الواضحة كل الوضوح “. وكما يختفى لمعان النجوم بظهور نور الشمس القوى هكذا فإن معرفتنا الحالية غير الواضحة ستختفي أمام النور الفائق للمجد الإلهى.

ثم نأتى إلى التوجهات الأساسية في المنهج التفسيرى للقديس كيرلس حيث يمكن الحديث على توجهات ثلاثة وهى:

1 ـ التوجه الخرستولوجى في التفسير. 2 ـ التوجه الروحى في التفسير.

3 ـ التوجه الكنسى في التفسير.

 

1 ـ التوجه الخرستولوجى في التفسير:

حسب فكر القديس كيرلس فإن الإيمان القويم بسر التجسد الإلهى هو ضرورة أساسية للتفسير. وفي مجال شرحه لإنجيل يوحنا 6:14 نجده يشير إلى أن يسوع المسيح هو “مصداقية الإيمان وهو المعيار والقانون الذي يقاس عليه معرفتنا بالله “[13]، وأيضًا في شرحه لمتى 13:23 وربطها بما جاء في إنجيل لوقا 2:11 ” ويل لكم أيها الناموسيون لأنكم أخذتم مفاتيح المعرفة، ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم، فيقول: إن كل كلمة من كلمات الكتاب الموحى به تشير إليه وتظهره “[14]، ويقصد أن المسيح هو مفتاح المعرفة كلها.

ولهذا نجد أن القديس كيرلس قد عمل على إظهار تعاليمه الخرستولوجية في كل كتاباته التفسيرية والعقائدية، تلك التعاليم التي وضّح فيها أن المسيح هو واحد من بعد الإتحاد أى بعد تجسده، فقد ظل هو الله الكلمة وفي هذا الإتحاد الأقنومى اتحدت الطبيعة الإلهية والبشرية بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا افتراق.

إن هذه الوحدة بين الطبيعتين الكاملتين في شخص المسيح الواحد ليست مجرد اعتراف نظرى بقدر ما أنها حدث واقعى في تاريخ التدبير الإلهى نؤمن به على أساس التفسير القويم للنصوص الكتابية وتعاليم الكنيسة الأصيلة. وبخلاف ذلك فحقيقة أن الكلمة قد صار جسدًا لها علاقة مباشرة وجوهرية من حيث فهمنا لكل ما قاله الرب يسوع وما فعله. فالكلمة المتجسد لم يكن ببساطة إنسان “حامل لله” (qeofÒroj) مثلما اعتقد وعلّم نسطور ولكن على العكس، فكل ما قاله وما فعله المسيح له المجد هو صادر عن شخص الكلمة المتجسد الذي هو الله بالحقيقة.

لقد كان من نتاج الإتحاد بين الطبيعتين فى طبيعة واحدة والذي تم بدون اختلاط أو ما يسمى “بتبادل الخصائص” بين الطبيعتين كما يقول القديس كيرلس إن ” ناسوته قَبِلَ المجد الإلهى”[15]. وعلى هذا فكل أعمال وأقوال السيد المسيح تنسب إلى شخصه الواحد المتحد فيه الطبيعتين إتحادًا أقنوميًا كما سبق القول. ومن خلال هذه الأقوال والأفعال نعترف بشخص الإله المتجسد وكلمة الله.

وبهذا المفهوم يكون التجسد الإلهى هو معيار التفسير الأساسى للفهم القويم لشخص وعمل يسوع المسيح[16]. بمعنى أنه لكى نفهم أقوال وأعمال المسيح له المجد كما دونت في الأناجيل يجب علينا أن نضع أمامنا باستمرار حالة الإتحاد الأقنومى بين الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص المسيح الواحد والتي اتحدت فيها هاتين الطبيعتين بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. فلا يجب أن ننسب أعمال المسيح التي أتمها لطبيعته الإلهية فقط ولا للطبيعة الناسوتية فقط، بل لشخص المسيح الواحد، أى للإله المتجسد[17].

ولقد طبق القديس كيرلس هذا التعليم الخرستولوجى عندما شرح المعجزات التي أتمها المسيح له المجد، فمع أنها تمت بطريقة بشرّية إلاّ أنها ليست من أعمال البشر. فهى إذًا أعمال إلهية لكنها تمت بواسطة الجسد[18].

وبنفس القياس يجب علينا أن نعرف متى تنسب الأقوال للطبيعة الإلهية ومتى تنسب ـ تدبيريًا ـ للطبيعة البشرية، وبالطبع بدون أن نفصل الطبيعتين[19]. فمثلاً عندما قال المسيح” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن ” (يو8:14) وأيضًا ” أنا والآب واحد ” (يو3:10) واضح أن هذه الكلمات منسوبة للاهوت أما قوله مثلاً: ” ولكنكم تسعون إلى قتلى وأنا إنسان كلمتكم بالحق الذي سمعته من الله ” (يو40:8) هنا الكلام منسوبًا ـ تدبيريًا ـ لإنسانيته الكاملة[20].

وبخلاف ذلك فإن أفعال وأقوال المسيح له المجد لا تؤكد وتظهر فقط الحدث الفعلى للتجسد، لكنها تمثل الشرط الوحيد لكى يستطيع الإنسان حسب مقاييس طبيعته أن يعرف ويفهم المسيح الإله المتجسد[21]. فلكى يستطيع الإنسان أن يدرك ـ بحسب معايير الإدراك البشرى ـ سر التدبير الإلهى، نجد أن المسيح قد تحدّث وفق معايير “تدبير التجسد” مؤديًا أفعالاً تليق بسر اخلاؤه. إذًا كان من اللائق ألاّ يتخلى عن الكلام اللائق بعملية الاخلاء طالما أنه قد أخلى ذاته بإرادته[22].

فالرب له المجد أظهر بأعماله التي تمت بالجسد حقيقة إتحاده الكامل بالطبيعة البشرية في شخصه المبارك وفي نفس الوقت كمال إنسانيته[23].

ولو لم يصر الكلمة إنسانًا كاملاً لما استطاع أن يتكلم مع البشر بطريقة بشرية وبناء على ذلك فإن من ينكر أقوال وأفعال المسيح في الجسد هو في الواقع ينكر سر تدبير التجسد[24].

والجدير بالذكر أن القديس كيرلس كان قد رفض إدعاء نسطور بأن أقوال وأفعال المسيح تنقص من شأن المجد الإلهى. لكن القديس كيرلس يرى بأنه بسبب أن هذه الأفعال والأقوال تنسب لشخص الإله المتجسد فنحن نستطيع بواسطتها التعرف على عظمة ورفعة الجوهر الإلهى مثلما أيضًا نعرف رفعة الألوهة من خلال تواضع الإله[25].

ومما سبق يتضح أهمية التوجه الخرستولوجى كأساس في تفسير القديس كيرلس للكتاب المقدس، إذًا كلما صار التقليد والتعليم الخرستولوجى للكنيسة واضحًا وثابتًا كلما صارت مبادئ التفسير الكتابى للآباء واضحة أيضًا وثابتة، فبديهى أن العهد الجديد هو نتيجة أساسية لتجسد الكلمة، واللوغوس قبل تجسده كان غير منظور وغير مكتوب، وبالتجسد صار ـ بحسب طبيعته البشرية مدركًا ومنظورًا ومكتوبًا.

والكتاب المقدس يؤكد على حقيقة وتاريخية تجسد كلمة الله. الكتاب المقدس مثل شخص يسوع المسيح بلاهوته وناسوته. فالصياغة المكتوبة للكتاب تتوافق مع ناسوته في حين أن المفهوم الروحى له يتوافق مع لاهوته، وكما أن ناسوت المسيح يؤكد على ألوهيته ويرفعنا إليه. هكذا أيضًا الكتاب، فالصياغة المكتوبة تؤكد على الذهن الروحى وترفعنا إليه. وبالتالى فإن الكتاب ينبغى أن يُفسر وفق هذين الوجهين. وهنا لابد وأن ننبه إلى أن الآباء لم يقبلوا مفهومًا ثنائيًا للكتاب بل نادوا بعلاقة جوهرية بين المفهومين حيث لا يوجد مفهوم بدون الآخر فكما هو في حالة الإتحاد الأقنومى بين الطبيعتين في شخص المسيح الواحد، هكذا فإن المفهومان لا يجب أن يصير مزج بينهما أو انفصال. وهكذا بالتقليد الخرستولوجى حُددت طبيعة وعمل الكلمة الكتابية تحديدًا صارمًا “[26].

ونختم هذه النقطة بقول واضح كل الوضوح للقديس كيرلس جاء ضمن حروماته الاثنى عشر ضد نسطور الذي لم يفسر أقوال المسيح كما جاءت في الأناجيل تفسيرًا قويمًا لأن تعاليمه الخرستولوجية لم تكن وفق إيمان وتقليد الكنيسة الذي علّم به القديس كيرلس عمود الدين.

يقول إذًا القديس كيرلس في الحرم الرابع “من ينسب الأقوال ـ التي في الأناجيل والكتابات الرسولية سواء تلك التي قالها القديسون عن المسيح أو التي قالها هو عن نفسه ـ إلى شخصين أى إلى أقنومين، ناسبًا بعضها كما إلى إنسان على حده منفصلاً عن كلمة الله، وناسبًا الأقوال الأخرى، كملائمة لله، فقط إلى الكلمة الذي من الله الآب وحده، فليكن محرومًا”[27].

وأيضًا في رسالته إلى يوحنا الأنطاكى يوضّح نفس هذا التوجه الخرستولوجى في تفسير العهد الجديد فيقول ” ونحن نعرف أن اللاهوتيين ينسبون بعض أقوال البشيرين والرسل عن الرب باعتبارها تشير بصفة عامة إلى شخص واحد ويقسمون أقوالاً أخرى بأنها تشير إلى طبيعتين، فتلك التي تليق بالله ينسبوها للاهوت المسيح أما تلك الأقوال المتواضعة فينسبوها إلى ناسوته[28].

(يتبع)

 

[1] نص المحاضرة التى أُلقيت بمؤتمر تثبيت العقيدة السابع بالفيوم، عام 2004.

[2] مرجع رئيسى لهذا الجزء هو كتاب:

 Iwannou Panagopoulou: H ™rmhneia tÁj Ag…aj Graf»j st»n ™kklhs…a tîn patšrwn, Aqhnai, 1991, tomoj A/.6: 379-381.

[3] ترجم الباحث جورج عوض سبعة مقالات إلى اللغة العربية وصدرت في أربع أجزاء عن المركز الأرثوذكسى لدراسات الآباء.

[4] Quasten, Patrology vol: III. S. 121.

[5] Quasten المرجع السابق ص122.

[6] Gewrgiou Florofίskh: oi buzantiuoί paterέj toῦ 5ou aἴwna, qessalonίkh 1992.6.478.

[7] تمت ترجمة شرح القديس كيرلس للإصحاحات العشرة الأولى من إنجيل يوحنا ونشر على أجزاء من المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية. وجارى ترجمة باقي هذا العمل الضخم.

[8] عن هذه الترجمة الإنجليزية قام المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة بترجمة هذه العظات إلى اللغة العربية ونشرها في خمسة أجزاء.

[9] انظر Quasten المرجع السابق، ص124.

[10] ويسمى باللغة اللاتينية Catena ويرجع إلى القرن الخامس الميلادى ويجمع في سلسلة شرح الآباء لنفس الآية من الكتاب المقدس. ومن أشهر مَن قاموا بعمل Catena للعهد الجديد هو توما الأكوينى وتسمى Catena Aurea.

[11] للمزيد راجع: رسائل الأرطستيكا: تاريخيًا عقيديًا. د. جوزيف موريس فلتس. في دورية دراسات آبائية ولاهوتية عن المركز الأرثوذكسى لدراسات الآباء. السنة السادسة العدد الرابع يوليو 1999، ص25.

[12] هذا الكتاب مكون من (7) مقالاات في صورة حوار مع شخص يدعى إرميا ويدحض فيه القديس كيرلس الأفكار الآريوسية ويوضح ألوهية الابن المسيح من خلال شرحه لآيات كثيرة من الكتاب المقدس وخصوصًا العهد الجديد. ولقد قام المركز الأرثوذكسى لدراسات الآباء بنشر المقالتين 1، 2. وقام د. جوزيف موريس فلتس بترجمة المقالة الثالثة وهى تحت الطبع

[13] P.G 74.189C.

[14] P.G 72.721C

[15] PG. 75. 1244-1249.

[16] PG. 74.524D: 11انظر شرحه ليوحنا

[17] PG. 72, 509D في تفسير إنجيل لوقا

لمزيد من الأمثلة انظر د. جوزيف موريس فلتس ” التعاليم الخرستولوجية للقديس كيرلس في شرحه لإنجيل لوقا ” بحث قدم لمؤتمر الدراسات اللاهوتية باليونان تحت عنوان ” القديس كيرلس وتعاليمه الخرستولوجية “. ونشر في كتاب بنفس العنوان أثينا عام 2003، ص103.

[18] PG. 75. 388C كتاب الكنز في الثالوث 33

[19] 388D المرجع السابق

[20] PG 72. 672C. في تفسير إنجيل لوقا

[21] PG. 73. 293C شرح يوحنا 4:2

[22] PG. 77.116BC رسالة 17

[23] PG 72. 672C شرح إنجيل لوقا

[24] PG. 76. 413 CDالدفاع

[25] PG 75. 120 AB الكنز في الثالوث

[26] انظر د. جورج عوض: الكتاب المقدس والتقليد. مذكرة تحضيرية، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ص7.

[27] رسائل القديس كيرلس لنسطور ويوحنا الأنطاكى (الرسالة 17): ترجمة المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية ج1 ص36.

[28] المرجع السابق، رسالة 39 ص43ـ44.

أمثلة من تفسير الآباء لآيات الكتاب المقدس (1) – د. جوزيف موريس فلتس

Exit mobile version