4. بعض التعليقات على التعليم الخريستولوجي للجانب الخلقيدوني:
كان كل من طومس ليو وتعريف الإيمان الخلقيدوني ـ كما سبق أن رأينا ـ قد صدَّق على العبارة الأنطاكية “طبيعتين بعد الاتحاد” وذلك من خلال تبنيهما لمفهوم أن يسوع المسيح “يُعترف به في طبيعتين”. والحقيقة أنه ليست لدينا أية وسيلة للتحقق من المعنى الذي كانت وفود مجمع عام 451م تراه في مصطلح ’طبيعة‘ في ذلك الوقت. وحسب ما لدينا من أدلة حتى الآن، لم يقم الجانب الخلقيدوني بتوضيح معنى ذلك المصطلح طوال القرن الخامس.
وأمام معارضة المنتقدين للمجمع، بدأ الجانب الخلقيدوني في التطرق لهذه المسألة في القرن السادس. ومن خلال ذلك التناول، نشأ تقليد يَعتبر مصطلح ’طبيعة‘ مرادفاً للـ ’أوسيا‘ ويأخذه بالمعنى العام المجرد. وفي الحقيقة، كان هذا التفسير هو المخرج الوحيد الملائم والمتاح للمهتمين بالدفاع عن مجمع خلقيدونية عند تعرضهم لعبارة “في طبيعتين”.
ولكن الجانب الخلقيدوني، من خلال تعريف مصطلح ’طبيعة‘ على هذا النحو، قد ابتعد عن الهدف الذي عبَّر عنه وهو الادعاء أن مجمع خلقيدونية قدَّم تركيباً (لاهوتياً) مكوناً من المبادىء اللاهوتية التي يتضمنها التقليد السكندري والأنطاكي والغربي.* كما أن الجانب الخلقيدوني بهذا أيضاً (أي من خلال ذلك التعريف) قد تبنى موقفاً أكثر تضاداً للنسطورية وأكثر تضاداً للأنطاكية من الموقف الذي اتخذه الجانب غير الخلقيدوني في أي وقت مضى.
وكان موقف الجانب الخلقيدوني هو الموقف الذي قدَّمه رجال مثل يوحنا الدمشقي من خلال عقيدة ’التأقنم‘ (enhypostasia) والتي تتكون من النقاط التالية:
يسوع المسيح هو تجسد الله الابن.
وهو هيبوستاسيس واحد يُعرف في طبيعتين.
وهذا الهيبوستاسيس الواحد هو الهيبوستاسيس الإلهي لله الابن
يشير مصطلح ’طبيعة‘ إلى الحقيقة العامة المجردة، وهذا يشير بتركيز خاص إلى ناسوت المسيح.
وكانت كلتا الطبيعتين كاملتين، وكل منهما لها خواصها وملكاتها الخاصة بدون أي نقصان. ولذلك كان للمسيح إرادتان طبيعيتان وفعلان طبيعيان.
وحيث إن الناسوت ليس له الهيبوستاسيس الخاص به (بحسب مفهوم الدمشقي عن الهيبوستاسيس)، فقد أعطاه الله الابن الهيبوستاسيس الخاص به، وبهذه الطريقة لا يكون الناسوت بدون أقنوم (anhypostatic) ولكنه متأقنم (enhypostatic).
وعلى الرغم من أن ناسوت المسيح كان بدون هيبوستاسيس خاص به، إلا أنه كان محدداً وخاصاً.
والحقيقة أن تلك النقطة الأخيرة قد أصابت ناسوت المسيح تماماً، ناهيك عن أن الواقع البشري الذي يقولون عنه هنا هو أبعد ما يكون عن الوضوح.
وعلى سبيل المثال، يذكرون أن تلك الطبيعة البشرية تستطيع أن ’تفعل‘ وأن ’تريد‘، ولكنهم مع ذلك يقرون بأنها ليست أقنومية (not hypostatic).* وكذلك يقولون عن تلك الطبيعة البشرية أنها حقيقة عامة مجردة، ورغم ذلك يتكلمون عنها بكونها محددة وخاصة. فكيف يمكن للبشرية التي يؤكدون أنها عامة ومجردة أن تصبح مرئية ومحددة من خلال تلازمها (اتحادها) في الله غير المرئي؟.
وكانت هذه هي بعض التساؤلات التي تحير كل من يريد أن يدرس الموقف الخلقيدوني بشكل دقيق ومتفحص. والحقيقة أنه إلى أن يتم تفسير تلك التساؤلات وتوضيحها، فإننا ينبغي أن نصر على أن التعليم الخريستولوجي الخلقيدوني كما شرحه التقليد ’التوماوي‘ (Thomistic tradition) ـ الذي أشار إليه سوليفان ـ ليس بعيداً عن القصور. وإذا كان الموقف الأنطاكي ضعيفاً فيما يخص تأكيد وحدة المسيح، فإن شرح التعليم الخريستولوجي الذي حفظته مدرسة توما الأكويني لا يقل عنه ضعفاً فيما يخص مسالة حقيقة المسيح البشرية من وجهة النظر التاريخية.
وكما سبق أن ذكرنا، إذا لم يكن يوحنا الدمشقي يقر بالحالة الأقنومية لناسوت المسيح، فإن الموقف اللاهوتي الذي قدَّمه سيكون معيباً بنفس المقدار، أما إذا كان يقر به ـ ولكنه يميل بصورة مفرطة تجاه اليوليانية ـ فإن شرحه اللاهوتي الخاص بشخص المسيح لن يحتوي عندئذ على أية فكرة ذات قيمة (أو إضافية) لم يكن البطريرك ساويروس بالفعل قد تمسك بها.
5. كلمة ختامية:
كان اللاهوتيون في التقاليد الثلاثة* يتفقون ـ على الأقل من جهة الهدف ـ على تأكيد كمال ألوهة وكمال بشرية المسيح ووحدته الحقيقية. وكان عدم الاتفاق بينهم يرجع فقط إلى الطريقة التي يشرحون بها تلك المفاهيم الثلاثة. فالتعليم الخريستولوجي الأنطاكي على سبيل المثال كان يؤكد الألوهة والبشرية على أنهما شخصين أو هيبوستاسيسين، ونتيجة لذلك كان تفسيرهم لوحدة المسيح ضعيفاً.
أما التعليم الخريستولوجي للجانب الخلقيدوني ـ بحسب ما قدَّمه لاهوتيو القرن السادس ـ فكان قوياً في تأكيده على ألوهة المسيح ووحدته، ولكن بالنسبة لحقيقته البشرية من الناحية التاريخية فإنه يظل في حاجة إلى إيضاح أكثر. وكانت هناك بالتأكيد نقاط اتفاق رائعة بين الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني.
ومن بين التقاليد الثلاثة الخريستولوجية، لم يكن التقليد الذي قدمه الجانب الخلقيدوني منذ القرن السادس هو الذي حفظ مفاهيم الألوهة والبشرية والوحدة (في المسيح) بشكل أكثر قبولاً وارضاءً من التقليدين الآخرين، ولكن الذي فعل ذلك في الحقيقة كان هو الموقف اللاهوتي الذي حفظه البطريرك ساويروس الأنطاكي والجانب غير الخلقيدوني.
وحتى إذا افترضنا أن مجمع خلقيدونية ـ كما يزعمون ـ قد نجح في تقديم تركيب (لاهوتي) مكوّن من التقاليد المتنوعة التي كانت قائمة في الكنيسة في ذلك الوقت، فإن الجانب الخلقيدوني (الذي قدَّم تعاليمه منذ القرن السادس) لم يتبع نفس هذا المسار، ولكنه على العكس في محاولته أن يؤكد أنه هو الوحيد الذي يمثل الأرثوذكسية، أهمل موقف المنتقدين للمجمع وأنشأ تعليماً خريستولوجياً تخلى حتى عن أي مساهمة ذات قيمة لمدرسة أنطاكيا.
ومن الضروري قبل أن نختم هذه المناقشة، أن نبحث الأساس الذي بنى عليه أندريه (Andre de Halleux) رأيه في تعليم مار فيلوكسينوس أسقف منبج حيث رأى فيه مفهوم ’المونوفيزيتيزم‘ (أي أصحاب الطبيعة الوحيدة). ويؤكد أندريه أنه بالنسبة لمار فيلوكسينوس كان الله الكلمة هو شخص التجسد، وأن هذا التعليم يشكل العنصر الرئيس لمفهوم ’المونوفيزيتيزم‘ في الفكر اللاهوتي لأسقف منبج.[1]
وأمام هذا الرأي يتعين علينا أن نذكر ملاحظتين هامتين. الملاحظة الأولى هي أن قراءة أندريه للتعليم الخريستولوجي لمار فيلوكسينوس في تلك النقطة تعتبر نوعاً من التبسيط المبالغ فيه إن لم تكن نوعاً من التحريف أو التشويه. فمن الحقيقي أن مار فيلوكسينوس قد يعترف ـ متتبعاً في ذلك تعليم الآباء السكندري* ـ أن الله الكلمة المتجسد هو شخص (أو الفاعل في) التجسد، ولكن تعليمه هنا لم يكن أن الله الكلمة في حالته غير المتجسدة (unincarnate) أو قبل المتجسدة (pre-incarnate) هو شخص (أو الفاعل في) التجسد.
وحيث إن الله الكلمة المتجسد هو شخص التجسد، فإن العنصر البشري كان هناك متحداً مع الله الكلمة في المسيح الواحد. ويتضح هذا الأمر جداً من خلال تأكيد مار فيلوكسينوس أن الله الكلمة هو فوق الألم والعذاب من ناحية، وأنه في التجسد من الناحية الأخرى تحمل الله الكلمة العذاب والخزي والموت بصورة أشد من أي واحد آخر.[2] وبجانب هذا أكد مار فيلوكسينوس أنه في التجسد لا الله الكلمة ولا الناسوت قد تغير إلى الآخر.[3]
وليس من الصعب تفسير هذا التعليم الذي قدَّمه مار فيلوكسينوس، لأن الاعتراف بحقيقة (وجود) شخص بشري في المسيح في مقابل الشخص الإلهي كان عند مار فيلوكسينوس هو إنكار للتجسد، لأن الرب المتجسد بالنسبة له هو وحدة (unity). وحيث إن الإنسان مخلوق على صورة الله، فقد أُعيد خلقته في الله الكلمة بواسطة الاتحاد الهيبوستاسي من خلال التجسد.
وبهذه الطريقة بلغ الناسوت إلى اتحاده النهائي مع الخالق، دون أن يفقد حالته الشخصية المخلوقة، لأن الله يظل الله، والإنسان يظل مخلوقاً كما هو. وحيث إن الإنسان قد خُلق على صورة الله، فمن الممكن أن يصير الله متجسداً، بدون أن يفقد الله أو الإنسان هويته الخاصة به.
ولكن في حالة التجسد، كل ما هو إلهي صار ينتمي للناسوت، وكل ما هو بشري أصبح يُنسب لله، وهذه الحالة من الاتحاد بين الله والإنسان هي ما تحققت في يسوع المسيح بواسطة التجسد. وكان مار فيلوكسينوس واضحاً في أنه من خلال توسط يسوع المسيح، سنبلغ نحن أنفسنا إلى الاتحاد مع الإلهي في الحياة الآخرة كما نستدل على ذلك في سريّ المعمودية والإفخارستيا المقدسة.
وهكذا لم يكن التعليم الخريستولوجي لمار فيلوكسينوس هو إصرار ساذج على أن الله الكلمة هو شخص التجسد، ولكنه في الحقيقة كان أكثر حذقاً من ذلك وكان دائم التأكيد على وحدة المسيح بثبات حقيقي.
وهناك ملاحظة ثانية يتعين علينا ذكرها أمام سعي أندريه لإثبات مفهوم ’المونوفيزيتيزم‘ في التعليم اللاهوتي لأسقف منبج. فكما رأينا[4] كان مفهوم أن الله الكلمة هو شخص التجسد هو تعليم الجانب الخلقيدوني نفسه منذ بداية القرن السادس على الأقل (وليس مفهوم مار فيلوكسينوس). وعلى سبيل المثال، كانت نظرية ’التأقنم‘ (enhypostasia) تشدد بالتحديد على ذلك المفهوم، حيث أصرت تلك النظرية على أن الله الكلمة أصبح هو شخص الناسوت بالإضافة إلى كونه شخص لاهوت الابن.
وكان هذا هو نفس الموقف ـ كما لاحظ سوليفان[5] ـ الذي تمسك به ’التوماويون‘ (نسبة إلى مدرسة توما الأكويني). وحسب سوليفان، كان ناسوت المسيح بالنسبة لتلك المدرسة عاماً ومجرداً، على الرغم من أنه كان في نفس الوقت محدداً وخاصاً. وقد لجأوا إلى ذلك التفسير ليتجنبوا افتراض وجود كيان بشري (مستقل) (human suppositum) في المسيح، فإذا لم يكن هناك كيان بشري (مستقل) في المسيح، فإنه ينبغي لناسوته أن يكون له شخصه في شخص الله الكلمة.
والسؤال الذي يحتاج هنا إلى توضيح هو: هل الخلقيدونية التي أشار إليها شارلز مولر في كتابه باسم ’الخلقيدونية المتشددة‘* (strict Chalcedonianism) والتي يبدو أن أندريه نفسه يثني عليها، كان لها تفسير مختلف لتلك النقطة عن ذاك الذي لنظرية ’التأقنم‘ أو لمفهوم ’التوماويين‘، ويبتعد في نفس الوقت عن التقسيم النسطوري؟. والحقيقة أن أندريه لم يقم بمناقشة تلك القضية.
وكان تعريف الإيمان الخليقدوني ـ كما رأينا ـ يتكلم عن ’شخص واحد‘ بكونه يُعرف ’في طبيعتين‘، وشخص التجسد ينبغي بكل يقين أن يكون ذلك الشخص الواحد. فمن هو ذلك الشخص الواحد؟ فلو أن الطبيعتين كانتا بحيث أن كل منهما هو شخص (فاعل) فسيصبح من العسير أن نفهم كيف استبعدت الخلقيدونية المتزمتة مشكلة النسطورية (وهي تعترف أن المسيح يُعرف في طبيعتين). وإذا أكدوا أن الشخص الواحد هو الذي يُفعِّل (activate) الطبيعتين، فلن يحل ذلك المشكلة.
فإذا كانت الخلقيدونية المتزمتة تريد بالحقيقة أن تستبعد النسطورية فإن عليها أن تختار بين التعليم الخريستولوجي للبطريرك ساويروس والجانب غير الخلقيدوني من ناحية وبين التعليم الخريستولوجي لنظرية ’التأقنم‘ من الناحية الأخرى.
وسواء كان لدى الخلقيدونية المتزمته إجابة شافية على ذلك السؤال أم لا، فإن الحقيقة التي ينبغي التسليم بها هي أنه لو كان التعليم الخريستولوجي لمار فيلوكسينوس يمكن أن يوصف بـ ’المونوفيزيتيزم‘ (بسبب الإدعاء أنه يؤمن أن الله الكلمة هو شخص التجسد)، فإن الموقف الذي أكدته نظرية ’التأقنم‘ يمكن أن يُوصف هو الآخر بـ ’المونوفيزيتيزم‘ بنفس المقدار إن لم يكن بدرجة أكبر.
* كان هذا الادعاء يعتمد على زعم الخلقيدونيين أنه إذا كان التقليد الأنطاكي يركز على كمال ألوهة وكمال بشرية المسيح (مع فشله في التأكيد على وحدته) وإذا كان التقليد السكندري يؤكد على وحدة المسيح بينما فشل في التأكيد على كمال بشرية المسيح (حسب زعمهم)، فإن مجمع خلقيدونية جمع التقليدين معاً إذ أكد على الوحدة من خلال الهيبوستاسيس الواحد، كما أكد على كمال الألوهة والبشرية من خلال عبارة في طبيعتين.
* كيف يمكن القول أن الطبيعة البشرية تستطيع أن تفعل وأن تريد بحق والفاعل والمريد فيها هو الهيبوستاسيس الإلهي وحسب؟.
* أي التقليد السكندري (غير الخلقيدوني) والتقليد الأنطاكي (الخاص بالمدرسة الأنطاكية) والتقليد الخلقيدوني (الذي نشأ منذ مجمع خلقيدونية وتطور في القرن السادس).
* ارجع إلى ق. كيرلس في رسالته الثالثة إلى نسطوريوس حيث يذكر أن كلا الأقوال الإنسانية والأقوال الإلهية قد قيلت بواسطة شخص واحد هو هيبوستاسيس الكلمة الواحد المتجسد (الهيبوستاسيس المركب).
* أي الجانب الخلقيدوني الذي لم يتجاوب مع التغيير الذي قام به الخلقيدونيون في الشرق في القرن السادس ولذلك سمي بالخلقيدونية المتزمتة، بينما سمي الجانب الخلقيدوني في الشرق بالخلقيدونية الجديدة.
الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج3
لابد وأنه قد أصبح واضحاً الآن، بعد كل الفحص السابق للتاريخ والفكر اللاهوتي، أن التقييم التقليدي للموقف غير الخلقيدوني من جانب الخلقيدونيين لم يعتمد على أي أساس حقيقي لا في تاريخ الصراع نفسه ولا في وجهة النظر العقائدية التي تمسك بها غير الخلقيدونيين. ويمكننا أن نرى هذه الحقيقة في أجلى صورها عندما نقارنها بالموقف الخريستولوجي الذي تبناه الجانب الخلقيدوني منذ القرن السادس.
وكما ذكرنا، كان الكيان الخلقيدوني وبالأخص في الشرق، قد حاول بطرق متعددة أن يُصلح العيوب التي أشار إليها معارضوه، ولكن بدون أن يعترف أن مجمع خلقيدونية ينبغي أن يُلام في أي شيء. وكان هذا هو الإطار الذي قدم فيه الجانب الخلقيدوني شرحه الخريستولوجي في القرنين السادس والسابع.
ويتعين علينا الآن أن ننظر بإيجاز في الموقف الذي تمسك به الجانب الخلقيدوني، ونرى إذا كان ـ بالرغم من دفاعه عن مجمع عام 451م ـ قد قدَّم بالفعل رؤية أكثر ملاءمة وقبولاً لبشرية المسيح من تلك التي أكدها الجانب غير الخلقيدوني، كما ادعى ذلك الباحثون المؤيدون لخلقيدونية.
وسوف نقوم في سبيل هذا البحث، بفحص الموقف العقائدي الذي تبناه مجمعا القسطنطينية عام 553م، وعام 680 – 681م على الترتيب، وهما اللذان يعتبرهما الكيان الخلقيدوني مجمعين مسكونيين،* وسوف نفحص أيضاً الفكر اللاهوتي الذي تمسك به لاهوتيو الجانب الخلقيدوني في كلا المجمعين.
وسنعتمد في هذا المجال على دراسة التفسيرات اللاهوتية لكل من يوحنا النحوي (John the Grammarian) ـ الذي انتقده ساويروس الأنطاكي في واحد من أكبر كتبه ـ ويوحنا الدمشقي (John of Damascus). وهناك أسباب دعتنا لتفضيل اختيار هذين الرجلين عن ليونتيوس البيزنطي (Leontius of Byzantium) ومكسيموس المعترف (Maximus the confessor).
فبالرغم من أن اللاهوتيين البيزنطيين الأرثوذكس يستشهدون بكل من ليونتيوس ومكسيموس كمرجعين مقبولين لديهم، وبالرغم من أن كثير من الباحثين الغربيين يعتبرونهما من اللاهوتيين الخلقيدونيين المعترف بهم، إلا أن ديفيد بيشر (David Beecher Evans) قد أظهر في دراسته عن ليونتيوس[1] أن ذلك اللاهوتي الذي ظهر في القرن السادس كان في الحقيقة هرطوقياً يتمسك بفكر خريستولوجي ينتمي إلى أوريجينوس، وأن مكسيموس كذلك الذي ظهر في القرن السابع من الممكن أن يكون أيضاً قد أخذ فكره المتحيز من نفس المصدر.[2]
وحيث إن مثل هذه الشكوك لم تُثار حول أي من يوحنا النحوي أو يوحنا الدمشقي، فسوف نقوم هنا بفحص موجز لتعاليمهما. وفي ظل غياب الكتاب الأصلي ليوحنا النحوي، سنعتمد في تلخيص فكره الخريستولوجي على مقتطفات من كتابه، كان البطريرك ساويروس الأنطاكي قد أوردها في رده عليه. أما بالنسبة ليوحنا الدمشقي فسنرجع في التعامل معه إلى أعماله التي نُشرت ضمن مجموعة “آباء الكنيسة” (The Fathers of the Church).[3]
2. مجمعا القسطنطينية:
لقد كان مؤلف كتاب ’الاقتباسات الكيرلسية‘[4] ويوحنا النحوي من أوائل الخلقيدونيين الذين ابتدئوا الفكر اللاهوتي الجديد في العقود الأولى من القرن السادس، وقد كُتب لهذا الفكر الانتصار في مجمع عام 553م، وهو الذي أسماه شارلز موللر[5] ’الخلقيدونية الجديدة‘ (neo-Chalcedonianism). وكما أظهرنا فيما سبق، فإن الموقف اللاهوتي الذي تبناه ذلك المجمع ـ ما عدا دفاعه عن مجمع خلقيدونية ـ كان في جوهره يقترب من نفس الموقف الذي يتمسك به الكيان غير الخلقيدوني.[6]
أما مجمع عام 680 – 681م فله تاريخ مختلف، لأنه هو الذي وضع نهاية عصر من الصراع بين فريقين داخل الكيان الخلقيدوني في الشرق. وكان أحد هذين الفريقين يتمسك بأن ’إرادة (will)‘ المسيح هي واحدة و’فعل (operation)‘ المسيح هو واحد في جميع الأحوال.
وحيث إن كاتب هذه الدراسة يشعر بأنه غير مؤهل لأن يوضح بالضبط وجهة نظر الرجال الذين دافعوا عن هذا التفسير، فلن يحاول السير في هذا الإتجاه.[7] وعلاوة على ذلك، بما أن اهتمامنا هنا هو فحص الفروق الحقيقية بين الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني حول هذا الأمر، فإن السؤال عن المفهوم اللاهوتي للرجال الذين أدانهم مجمع عام 680 – 681م يصبح ليس ذو أهمية لنا في السياق الحالي.
وقد صدَّق مجمع عام 680 – 681م على مجمع نيقية، والقسطنطينية، وأفسس، وخلقيدونية، والقسطنطينية الثاني.[8] وأشار المجمع إلى مجمع خلقيدونية بكونه مجمع “الآباء الستمائة والثلاثين الملهمين من الله ضد أوطيخا وديسقوروس المبغضين من الله”.[9]
وأكد المجمع (عام 680 – 681م) أن قانون إيمان نيقية والقسطنطينية يعتبر كافياً في حد ذاته، ولكن بما أن[10] الشيطان وجد رجالاً يستخدمهم كأدوات يقلق بهم الكنيسة، لهذا فقد أصبح إعلان الإيمان الذي أصدره المجمع ضرورياً. وهؤلاء الرجال (الذين استخدمهم الشيطان) كانوا يروجون هرطقة وجود “إرادة واحدة وفعل واحد في الطبيعتين اللتين للمسيح، إلهنا الحقيقي، الواحد من الثالوث القدوس”.
وزعم المجمع أنه اكتشف (وجود) تلك الهرطقة في عدد من القادة في الجانب الخلقيدوني[11] بما في ذلك أربعة بطاركة سابقين للقسطنطينية، وواحد من باباوات روما، وبطريرك واحد لكل من الإسكندرية وأنطاكيا. وذكر المجمع في حكمه أن تأكيد أولئك الرجال على وجود “إرادة واحدة” و”فعل واحد” إنما يتضمن اعتبارهم أن ناسوت المسيح كان بلا إرادة وبلا فعل[12] وهو موقف مشابه لموقف أبوليناريوس. وأصر المجمع أن هذه الهرطقة “تشبه الاعتقاد الجنوني والشرير الذي لعديمي التقوى أبوليناريوس وساويروس وثيميستيوس”.[13]
وكان المجمع قد أكد بايجابية على ما يلي:
إنه ينبغي الاعتراف أن المسيح إله حقيقي وإنسان حقيقي، وهو واحد من الثالوث القدوس، وأنه كامل في اللاهوت وكامل في الناسوت.
إنه يوجد فيه (أي في المسيح) إرادتان طبيعيتان وفعلان. والإرادتان لا تناقض إحداهما الأخرى، ولكن الإرادة البشرية تعمل وفق (conforms to) الإرادة الإلهية وتخضع لها على الدوام.
إن كل طبيعة ـ على الرغم من أنها متحدة مع الأخرى ـ تريد وتفعل بدون اختلاط ولا انقسام.
إن الطبيعتين متحدتان في الهيبوستاسيس (الأقنوم) الواحد الذي يتمم المعجزات ويتحمل الآلام في طبيعتي اللاهوت والناسوت على الترتيب.
“لذلك نحن نعترف بإرادتين وبفعلين يتزامنان بتطابق كامل فيه (في المسيح) من أجل خلاص الجنس البشري.”
وقد تعامل مجمع عام 680 – 681م مع مسألة ’إرادة‘ و’فعل‘ المسيح، على أساس مبدأ لاهوتي هام وهو أن الطبيعتين اللتين تكوَّن منهما المسيح كانتا حقيقيتين وكاملتين. وبكونهما طبيعتين حقيقيتين وكاملتين، فإن كلاً من اللاهوت والناسوت كانت له خواصه وملكاته الخاصة به بدون أي نقصان.
وكانت القدرة على الإرادة والفعل موجودة في اللاهوت وكذلك في الناسوت أيضاً، ولذلك كان الله الكلمة لديه في ذاته القدرة الإلهية على الإرادة والفعل، كما أن الناسوت الذي وحَّده بنفسه كانت لديه أيضاً القدرة البشرية على الإرادة والفعل. وكان اهتمام مجمع عام 680 – 681م الواضح هو أن يؤكد هذا المبدأ اللاهوتي الأساسي، وهو الأمر الذي لم يكن محل تساؤل الإطلاق سواء بالنسبة للجانب الخلقيدوني أو غير الخلقيدوني.
ومع التسليم بتلك الحقيقة، ينبغي لنا أن نقدم بعض الملاحظات الخاصة بمجمع عام 680 – 681م:
أولاً، سواء كان رجال الجانب الخلقيدوني ـ الذين أدانهم المجمع كهراطقة ـ يرون أن ناسوت المسيح كان خالياً من القدرة على الإرادة والفعل أم لا، فالحقيقة أن البطريرك ساويروس والجانب الذي كان يدافع عنه لم تكن لديهم تلك الرؤية على الإطلاق. وعلى الرغم من أنهم كانوا بالفعل يصِّرون على تعبير ’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘، إلا إنهم كانوا يؤكدون في نفس الوقت أن الطبيعتين كانتا حقيقيتين وكاملتين، بحيث أنه في المسيح الواحد كانت توجد كلتا الخواص والقدرات الإلهية والبشرية بدون أي نقصان، ويمكننا أن نميِّز بينهما على مستوى الذهن (الفكر).
كما أكدوا أيضاً أن طاعة المسيح لإرادة وعمل الآب كانت أمراً لا غنى عنه لأجل خلاص العالم. وعلاوة على ذلك كانوا يرون (أي البطريرك ساويروس وبقية الجانب غير الخلقيدوني) أن آلام المسيح وموته هي الوسيلة التي تمم بها فداء الجنس البشري. وبالإضافة إلى كل ما ذكرناه، أوضحوا أنه لا يوجد هناك اختلاط أو انقسام في المسيح الواحد، مما يعني أن الناسوت ظل ناسوتاً دون أن يختلط مع اللاهوت في المسيح الواحد، والعكس بالعكس.
وغني عن البيان هنا أنه لم يكن من الممكن لغير الخلقيدونيين أن يقدِّموا كل تلك التأكيدات بدون أن يكون لها أساس حقيقي. وهكذا فكما كانت عبارتهم “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” لا تتضمن أي تجاهل أو رفض لأي من الطبيعتين، فكذلك لم يكن القصد من تعبيري ’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘ هو تأكيد ضياع أو سلبية إحدى الحقيقتين اللتين دخلتا في الإتحاد.
وبحسب وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني، فإن ’الإرادة‘ و’الفعل‘ هما التعبير (expression) عن ملكة الاختيار وملكة العزم (على الفعل) (volitional and conative faculties)، المتأصلتين في كل طبيعة، ولكن الشخص أو الهيبوستاسيس هو الذي يظهرهما.
فملكتا الاختيار والعزم (على الفعل) لكل من اللاهوت والناسوت كانتا كاملتين بدون أي نقصان أو اختلاط في المسيح الواحد الذي يقوم أقنومه الواحد بالتعبير عنهما.* ولم يكن تقليد غير الخلقيدونيين (السكندري) يتحدث عن ’إرادتين طبيعيتين‘ و’فعلين طبيعيين‘ لأن ذلك من وجهة نظرهم يتضمن وجود شخصين، ولكن هذا لم يكن يعني أنهم أكدوا على وجود طبيعة إلهية ناقصة أو طبيعة بشرية متقلصة، بل قد أنكروا كلا الوضعين قطعياً. وكان اهتمامهم الأول هو الاعتراف بحقيقة الطبيعتين وكمال كل منهما، بدون التخلي عن تأكيد وحدة المسيح.
وقد يكون الإصرار على تعبيري ’إرادتين طبيعيتين‘ و’فعلين طبيعيين‘ جائزاً لدى اللاهوتيين المنتمين للتقليد المؤسس على الخطاب العقائدي للبابا ليو، ولكن هذان التعبيران بالنسبة للذين نشأوا على التراث اللاهوتي الكيرلسي، كانا من الممكن أن يتضمَّنا تقسيماً للمسيح الواحد إلى مركزين للوجود والفعل.
وهكذا مثلما كان مجمع خلقيدونية متعجلاً جداً في تبني عبارة ’في طبيعتين‘، كان مجمع عام 680 – 681م هو الآخر متسرعاً جداً في التأكيد على عقيدة ’إرادتين‘ و’فعلين‘، وإدانة عقيدة ’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘ بدون فحص مدقق للقضية محل النقاش.
ثانياً، زعم المجمع أنه يؤكد أن هيبوستاسيس المسيح هو واحد. وقد أصر المجمع في الحقيقة على أن كلاً من المعجزات والآلام هي لنفس الشخص أو الهيبوستاسيس، ولكنه ذكر في نفس الوقت أيضاً أن كل طبيعة تريد وتفعل الأشياء اللائقة بها. فما هو إذن الهيبوستاسيس؟ أليست الطبيعتان اللتان تريدان وتفعلان هما هيبوستاسيسين؟ وهل يختلف هذا الهيبوستاسيس الواحد (الذي تكلموا عنه) من أي ناحية عن البروسوبون الواحد الخاص بالمدرسة النسطورية؟
وينبغي علينا، ونحن نطرح هذه الأسئلة، أن نتذكر أن تلك كانت إحدى الأمور التي أشار إليها البطريرك ساويروس ضد مجمع خلقيدونية، وقد فشل مجمع عام 680 – 681م في الرد عليها. ولكن يزعم كل من يوحنا النحوي ويوحنا الدمشقي أن لديهما إجابات مرضية على تلك الأمور.
3. يوحنا النحوي:
يوحنا النحوي، هو أحد رجال الجانب الخلقيدوني في بدايات القرن السادس، وقد أخذ على عاتقه مهمة الدفاع عن مجمع عام 451م ضد البطريرك ساويروس الأنطاكي. ويعتبر يوحنا النحوي هو الشخص الذي وضع الأساس لكل تطور لاحق في التعليم الخريستولوجي الخلقيدوني.
(أ) تعريف المصطلحات:
إن الفقرات التي اقتبسها البطريرك ساويروس من كتاب يوحنا النحوي، لا تحتوي في الواقع على إشارات كافية نستطيع من خلالها أن نصل إلي تعريف شامل لمعاني المصطلحات عنده. ولكن كانت هناك فقرة واحدة قام فيها النحوي بتعريف مصطلحات ’أوسيا‘، و’هيبوستاسيس‘ و’فيزيس‘ نوردها فيما يلي:[14]
“يدل ’الأوسيا‘ على ما هو عمومي (the common) مثل اللاهوت الواحد الذي للثالوث القدوس أو مثل الناسوت بصفة عامة. أما ’الهيبوستاسيس‘ فيشير إلى ’البروسوبون‘ الواحد الذي للآب، و(البروسوبون) الذي للابن و(البروسوبون) الذي للروح القدس؛ أو أيضاً الذي لبطرس أو يوحنا أو أي رجل. وتُعرَّف ’الفيزيس‘ في بعض الأحيان مع الأوسيا وفي بعض الأحيان مع الهيبوستاسيس”.
ونلاحظ من التفسير المبدئي لتلك الفقرة الواضحة، أنه لا يوجد أي فرق ظاهر في تعريف المصطلحات اللاهوتية بين البطريرك ساويروس ويوحنا النحوي. وحتى يوحنا الدمشقي كان يمكنه أيضاً أن يتفق معهما في ذلك التعريف.
ولكن عند استخدام هذه المصطلحات في التفسيرات المتعلقة بشخص المسيح، نجد أن البطريرك ساويروس يختلف مع النحوي في أمرين على الأقل:
الإختلاف الأول: عندما يشير النحوي إلى ’العمومي‘ كمدلول للأوسيا فإنه يأخذه في المعنى المجرد، لذلك استطاع أن يعترف بإمكانية تصور ’الأوسيا‘ (لنوع ما) قائماً بذاته بعيداً عن كل الأعضاء الفردية لذلك النوع. وقد جعله هذا (التصور) يأخذ مصطلح ’طبيعة‘ أو ’فيزيس‘ في عبارتي “من طبيعتين” و”في طبيعتين” بمعنى ’الأوسيا‘ كحقيقة عامة مجردة (وليست مخصخصة).
ولذلك كتب النحوي: “وهكذا كان في المسيح اتحاد لإثنين من الأوسيا”.[15] وعلى النقيض من هذا، كان البطريرك ساويروس معارضاً لهذا الفهم،[16] حيث وجد ـ في ضوء تعريفه للمصطلحات السابقة ـ أنه إذا أخذنا الطبيعتين بمعنى ’الأوسيا‘ (كحقيقة عامة) فإنه من المستحيل أن نتصور إمكانية أن يتحدا ’هيبوستاسياً‘.[17]
الاختلاف الثاني بين النحوي والبطريرك ساويروس نراه في إدعاء الأول أن مصطلح ’طبيعة‘ الذي ورد في عبارة ق. كيرلس “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” لم يكن بمعني ’الأوسيا‘، رغم أن هذا كان هو معنى الكلمة في عبارتي “من طبيعتين” و”في طبيعتين”، وقد عبَّر النحوي عن ذلك بقوله:[18]
“ولذلك عندما يتكلم ق. كيرلس عن ’الطبيعة‘ بذاتها بدون إضافة كلمات “لله الكلمة”، فهو يشير إلى ’الأوسيا‘ وبالتحديد عمومية اللاهوت”.
ويصر البطريرك ساويروس في رده على النحوي في تلك النقطة على أن ق. كيرلس لم يأخذ مصطلح ’طبيعة‘ في الإشارة إلى المسيح، إلا فقط بمعنى حقيقة أقنومية (hypostatic reality). ولا توجد فقرة واحدة في الاقتباسات التي أوردها البطريرك ساويروس (من كتاب يوحنا النحوي) توضح المعنى الذي كان يراه يوحنا لكلمة ’طبيعة‘في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”.
ولكن يمكننا من سياق الكلام، أن نفترض أنه كان يأخذها بمعنى ’هيبوستاسيس‘. ويرى يوحنا الدمشقي أن كلمة ’طبيعة‘ التي في العبارة لا تعني ’العمومي‘ الذي نجده في أشخاص الثالوث الثلاثة ولا تعني شخص الله الكلمة، ولكنها هي “الطبيعة العمومية التي تعتبر بكمالها في شخص الكلمة”.[19]
وحيث إن الابن له نفس الأوسيا الواحد الذي للآب وللروح القدس، فإن عبارة الدمشقي تعتبر عبارة مضللة، لأنه على سبيل المثال ما هو الفرق بين ’العمومي‘الذي نجده في أشخاص الثالوث الثلاثة والطبيعة العمومية التي تعتبر بكمالها في شخص الكلمة أو الابن؟. ومع ذلك كان التمييز بين لاهوت الابن (أي الأوسيا) والابن نفسه (أي الهيبوستاسيس) يتضمن تعليماً ينبغي التسليم به، وكان البطريرك ساويروس وبقية اللاهوتيين غير الخلقيدونيين يؤيدون هذا المفهوم بدرجة لا تقل عما يفعله يوحنا الدمشقي.
وما يجب أن نؤكد عليه هنا هو إصرار البطريرك ساويروس الأنطاكي على أن كلمة ’فيزيس‘ أو ’طبيعة‘ عند ق. كيرلس ينبغي أن تؤخذ في جميع العبارات (التي تشير للمسيح) بمعنى حقيقة محددة (concrete reality) وليس بمعنى الحقيقة العامة المجردة.
ومن الثابت أن ق. كيرلس واللاهوتيين غير الخلقيدونيين وكذلك يوحنا الدمشقي نفسه كانوا يرفضون فكرة أن ناسوت المسيح أُحضر للوجود منتمياً لشخص بشري قبل أن يُوحَّد بالله الابن، ولكن البطريرك ساويروس كان يصر على أن الناسوت الذي اتخذه الكلمة في التجسد كان في الحالة الأقنومية أي أنه كان ناسوتاً مخصخصاً ومتفرداً (individuated manhood). وبهذا التأكيد حفظ البطريرك ساويروس الحالة الأقنومية للناسوت بدون الوقوع في عقيدة وجود شخصين في المسيح.*
أما بالنسبة لمصطلح ’بروسوبون‘، فلا تحتوي الاقتباسات (التي أوردها ساويروس عن النحوي) على كثير من الأدلة التي نستطيع من خلالها أن نحدد وجهة نظر النحوي. وقد ذُكر هذا المصطلح في فقرة واحدة جاء فيها:[20]
“والهيبوستاسيس الذي تكوَّن، ينبغي أن نفهمه كبروسوبون”. فهل يعني هذا أن ’الهيبوستاسيس‘ والبروسوبون‘ هما مترادفان عند النحوي؟ أم يعني أنه عندما يتكون الهيبوستاسيس يصبح له البروسوبون الخاص به؟ والمفهوم الأخير ـ كما ذكرنا ـ كان هو المفهوم الذي يتمسك به البطريرك ساويروس.
(ب) نقد الموقف غير الخلقيدوني:
كان يوحنا النحوي يتهم الموقف غير الخلقيدوني ـ الذي يعبِّر عنه البطريرك ساويروس ـ بالتمسك بخطأين:
أولاً: قام النحوي بتفسير مصطلح ’طبيعة‘ بمعنى ’الأوسيا‘، ثم أصر على أن البطريرك ساويروس والجانب غير الخلقيدوني عندما يؤكدون على “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” ويستبعدون “في طبيعتين”، فإنهم بذلك يعترفون بعقيدة (وجود) أوسيا واحد في المسيح، حيث يقول النحوي:[21]
“هو (أي ساويروس) يتكلم عن أوسيا واحد للجسد والروح. وبنفس الطريقة هو يعتبر أن الرب واحد مع جسده. فمن الجلي أنه يقصد أوسيا واحد وليس بروسوبون (واحد) كما يتضح من الأدلة التي أظهرها”.
ويكرر النحوي هذا الإدعاء مراراً فنجده يقول: “وهو (أي ساويروس) لا يتنازل عن (مفهوم) ’الأوسيا الواحد‘، ولكنه يخلط ويفسد كل الأشياء. فكل شيء (عنده) هو جسد فقط؛ وقد حاول التملص من الروح العاقل.[22]
وقد أورد البطريرك ساويروس العبارة السابقة مع العديد من الاقتباسات الأخرى من كتاب النحوي ـ كما ذكرنا سابقاً[23] ـ والتي وجه من خلالها النحوي نفس اتهامه. وقد تحدى البطريرك ساويروس منتقده إن كان يستطيع أن يريه مثلاً واحداً على الأقل، سواء في كتاباته أو كتابات أي واحد من المقبولين في الجانب غير الخلقيدوني، يؤيد اتهامه هذا. وهكذا أنكر البطريرك ساويروس بشدة المعنى الذي رآه النحوي عنده، وهو الاعتراف (بوجود) ’أوسيا واحد‘ في المسيح.
ثانياً: اتهم يوحنا النحوي البطريرك ساويروس الأنطاكي أن تعــريفه لمصطلــح ’طبيــعة‘ بمعني واقـــــع خـــــــــاص محدد (concrete particular)، هو ضد تعليم الآباء. وقد كتب النحوي: “لقد تعلمنا من الآباء أن المسيح واحد في ذات الجوهر مع الله الآب وواحد في ذات الجوهر معنا. وهم لم يعلِّموا أن الابن له ذات الهيبوستاسيس مع الآب ولا أن له ذات الهيبوستاسيس معنا.”[24]
وفي رده على هذا الإتهام أقر البطريرك ساويروس ـ متفقاً مع النحوي ـ أن الآباء لم يعلِّموا أن الابن له ذات الهيبوستاسيس مع الآب ولا أن له ذات الهيبوستاسيس معنا.* وأكد البطريرك ساويروس أن تفسيره للعقيدة لم يتضمن أي من هذين المعنيين، وأضاف أن الآباء على النقيض من ذلك علَّموا أن:[25]
“المسيح هو واحد في ذات الجوهر مع الآب فيما يخص اللاهوت، وكذلك واحد في ذات الجوهر معنا نحن البشر فيما يخص الناسوت. وهذا لأنه بغير تغيير وبغير تقسيم هو واحد من كلا اللاهوت الذي للكلمة والجسد البشري الواحد الذي اتخذه من مريم الذي هو جسد مُحيَ بروح مفكر وعقل”.
فالله الابن هو الذي صار متجسداً، وحيث إن الابن واحد في ذات الجوهر مع الله الآب، لذلك فإن المسيح ’الابن المتجسد‘ هو واحد في ذات الجوهر مع الله الآب. وعلى نفس النحو، فإن ناسوت المسيح بكونه الأوسيا البشري الكامل الذي تفرد وتخصخص (individuated) في الاتحاد مع الله الابن، فهو يظل متواصلاً مع بشريتنا. ولهذا فإن يسوع المسيح هو في نفس الوقت له ذات الجوهر مع الآب وله ذات الجوهر معنا. وإذا أخذنا مصطلح ’طبيعة‘ بمعنى واقع خاص معين، فإن ذلك لا يتضمن معنى أن المسيح له ذات الهيبوستاسيس مع الآب وله ذات الهيبوستاسيس معنا.[26]
(ج) شخص يسوع المسيح:
لقد أكد النحوي على حقيقة لاهوت المسيح وناسوته. فبكونه الله، هو الابن الأقنوم الثاني من الثالوث القدوس، الذي له ذات الجوهر مع الآب ومع الروح القدس. ولذلك فإن الابن له نفس الأوسيا بكماله كما هو الحال بالنسبة للآب.
وكتب النحوي:[27] “نحن نعترف أن كل هيبوستاسيس هو يملك كل مضمون (فحوى) اللاهوت”. ولذلك عندما نقول أن “الثالوث له ذات الجوهر الواحد”، فنحن نعني أن “نفس الأوسيا مُتضمَّن بالكامل” في كل واحــد من الأقــــانيم الثـــلاثة. “فالآب له الأوســـيا بكمـــــاله (in perfection)، وكذلك أيضاً لكل من الابن والروح القدس الأوسيا بكامله. ولهذا فإن الآب هو إله كامل؛ والابن هو إله كامل؛ والروح القدس هو إله كامل.” وكان النحوي واضحاً في أن “الآب ليس هو الذي صار متجسداً”، لأن الابن ليس هو الآب، ولا هو الروح القدس. “إنه الابن هو الذي صار متجسداً”، وهو (أي الابن) الذي له ’أوسيا‘ اللاهوت كاملاً. ولذلك نحن نقول مع بولس الرسول أن كل ملء اللاهوت كان موجوداً في يسوع المسيح جسدياً.[28]
وبعد تأكيده على ألوهية المسيح، مضى النحوي ليشرح بشريته، وتساءل: “كيف يمكننا ونحن نعترف أنه إنسان تام كامل، ألاّ نقر أن فيه كل ’أوسيا‘ الناسوت؟ لأنه لم يتخذ جزءاً من الناسوت كما ادعى أبوليناريوس أي جسداً بدون روح عاقل، ولكنه اتخذ ’الأوسيا‘ بكامله أي جسد ممنوح روحاً عاقلاً ومفكراً. وحيث إن هذا هو الموجود تماماً في كل الكائنات البشرية كحقيقة عمومية، لذلك يشار إليه بـ ’الأوسيا‘. وهم (أي الكائنات البشرية) لا يتمايزون الواحد عن الآخر في ’الأوسيا‘، وإنما في الصفات الخاصة التي تصاحبهم أي الحجم واللون وتلك هي التي تُذكر كمواصفات للبروسوبون.”[29]
وهنا ينبغي علينا أن نلاحظ نقطتين أكد عليهما النحوي بالنسبة لناسوت المسيح. النقطة الأولى هي كمال ناسوت المسيح، وبالتالي فإن كل الخواص والقدرات (الملكات) التي تصاحب الناسوت الكامل كانت في ناسوت المسيح بدون أي نقصان. ولم تكن هذه النقطة محل خلاف بين النحوي والبطريرك ساويروس ولا بين الجانب الخلقيدوني وغير الخلقيدوني. أما النقطة الثانية فكانت اصراره على أن الأوسيا هو ’الحقيقة العمومية‘ التي في كل البشر.
وقد أخذ النحوي هنا ناسوت المسيح بمدلول ’الأوسيا‘ بالمعنى المجرد بدون التسليم بأنه (أي الناسوت) هو ’هيبوستاسيس‘. ومن الواضح أنه كان مهتماً بتجنب عقيدة وجود ’هيبوستاسيسين‘ أو شخصين في المسيح الواحد.
ويبدو أنه قد ميَّز بين ’الهيبوستاسيس‘ والحقيقة الخــــاصة المحددة (concrete particular)، لذلك اعترف أن ناسوت المسيح كان واقعاً خاصاً محدداً، أي جسداً أُعطي روح عاقل مفكر (ولكنه مع ذلك لم يعترف به كهيبوستاسيس).* وعلى الجانب الآخر كان البطريرك ساويروس يستطيع أن يعترف ليس فقط أن ناسوت المسيح كان واقعاً خاصاً محدداً، ولكنه أيضاً كان في الحالة الأقنومية (hypostatic).
وقد تجنب البطريرك ساويروس ـ كما ذكرنا ـ عقيدة وجود شخصين (في المسيح)، أولاً بالإصرار على أن الناسوت أصبح في الحالة الأقنومية فقط في الإتحاد مع الله الكلمة، وثانياً من خلال مفهومه عن ’الهيبوستاسيس المركب‘. ومن هنا نرى أن كلاً من الرجلين يوحنا النحوي والبطريرك ساويروس كانا متفقين مبدئياً في مفهومهما اللاهوتي حتى فيما يخص النقطة الثانية، ولكنهما كانا يختلفان في مسألة الحالة الأقنومية لناسوت المسيح.
أما بالنسبة للعبارات الخريستولوجية، فكان النحوي واضحاً في أن كلتا العبارتين “من طبيعتين” و”في طبيعتين” مقبولتين، وأن مصطلح ’طبيعة‘ يشير إلى ’العمومي‘. وحيث إن ناسوت المسيح لم يكن بالنسبة له ’هيبوستاسيس‘، فقد أصر النحوي على أنه لم يكن ناسوت إنسان (مستقل) معين (particular man)، وكان هذا أيضاً هو ما أكده مراراً كل من البطريرك ساويروس ومار فيلوكسينوس أسقف منبج.
وكان البطريرك ساويروس هو الذي ركز على مفهوم أن الناسوت كان ’في الحالة الأقنومية‘، أما مار فيلوكسينوس فقد أكد على الخاصية ’المركبة‘ (composite) التي للمسيح ولكنه لم يتناول الحالة ’الأقنومية‘ لناسوته. وكان مار فيلوكسينوس في الحقيقة يمثل موقفاً خريستولوجياً أقل نضجاً من البطريرك ساويروس الأنطاكي في تلك النقطة بالتحديد.
وهناك نقطة أخرى لها صلة بالموضوع نفسه يتعين علينا أن نذكرها هنا، وهي أن يوحنا النحوي قد يكون أول لاهوتي خلقيدوني ـ ممن وصلت كتاباتهم إلينا ـ يُسلِّم بأرثوذكسية عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”. وحينما أقر النحوي بهذا الأمر، كان يؤكد أيضاً أن المعنى الذي أستخدم فيه ق. كيرلس هذه العبارة لا يتعارض مع عبارة مجمع خلقيدونية “في طبيعتين”.
وفي الحقيقة حاول النحوي من خلال زعمه بسلطة وشرعية صيغة إعادة الوحدة ومن خلال الاعتماد على دفاع ق. كيرلس عن تعبير “طبيعتين” الوارد فيها، أن يدافع عن مجمع خلقيدونية من خلال الإدعاء بأن ق. كيرلس كان يعلِّم بأنه “لا فرق بين التأكيد على طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، وبين الاعتراف بأن عمانوئيل هو بغير تقسيم متحد في طبيعتين”.[30] وأقر النحوي ـ كما رأينا ـ أن صيغة “طبيعة واحدة” هي صيغة ضرورية بالضبط مثل صيغة ’طبيعتين‘ من أجل الحفاظ على الأرثوذكسية، فالأولى لأجل استبعاد النسطورية والثانية لنبذ الأوطيخية.[31]
ومن وجهة نظر البطريرك ساويروس، كانت الصيغتان تتناقضان مع بعضهما البعض، ولذلك فإنه من غير الممكن أن تكون كلتاهما أرثوذكسيتين في نفس الوقت. وهكذا انفصل البطريرك ساويروس الأنطاكي ويوحنا النحوي عن بعضهما (في الفكر) بدون أن يدركا أنهما كانا بطريقة أو بأخرى متفقين في جوهر الشرح اللاهوتي.
أما القضية الوحيدة بينهما التي كانت بالفعل تحتاج إلى تسوية فلم تكن مسألة ’المونوفيزيتيزم‘ (الطبيعة الوحيدة) في مقابل ’الديوفيزيتيزم‘ (الطبيعتين)، ولكن القضية كانت في التساؤل عن مَن يكون هيبوستاسيس المسيح الواحد. وقد حاول النحوي أن يؤكد أن الهيبوستاسيس الواحد كان هو هيبوستاسيس الله الكلمة الذي بالإضافة لطبيعته الإلهية وحَّد بنفسه ناسوتاً كطبيعة ثانية.
أما البطريرك ساويروس على الناحية الأخرى فكان يصر أنه (أي الهيبوستاسيس الواحد) كان هو الهيبوستاسيس المتجسد لله الكلمة* وهو بذلك كان هيبوستاسيس ’مركب (composite)‘.
* وهما المجمع الخامس والمجمع السادس في سلسلة المجامع السبعة التي يعترف بها الجانب الخلقيدوني والتي بدأت بمجمع نيقية عام 325م.
[1] David Beecher Evans: Leontius of Byzantium: An Origenist Christology, Dumbarton Oaks Studies, Thirteen, 1970.
[7] من الأسلوب الذى اتبعه هذا المجمع في تقييم اللاهوتيين غير الخلقيدونيين بشكل غير صحيح، يمكننا أن نتساءل عما إذا كان المجمع قد أخطأ أيضاً في تفسيره لموقف هؤلاء الرجال.
[8]Nicene and post-Nicene Fathers, sec. ser., vol. XIV, p. 344.
Theodorus of Pharan; Sergius, Pyrrhus, Paul and Peter of Constantinople; Honorius of Rome; Cyrus of Alexandria; Macarius of Antioch; Stephen; and Polychronius.
[12] هل من الممكن أن يكون هذا بالفعل هو إعتقادهم؟.
* إذاً كانت الإرادة والفعل من وجهة نظر الجانب الخلقيدوني هما من ملكات الطبيعتين، ولذلك كان يصر على أن المسيح له إرادتان وفعلان. ولكن من وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني، فإن الإرادة والفعل هما التعبير عن ملكتي القدرة على الاختيار والقدرة على الفعل، وحيث إن التعبير يخص الهيبوستاسيس الواحد لذلك فهو تعبير واحد، أي إرادة واحدة وفعل واحد. لأن الهيبوستاسيس هو الذي يستطيع فقط أن يُظهر الإرادة والفعل (أي يجعلهما واقعاً).
فالقدرة على الاختيار والقدرة على الفعل هما من الملكات العامة للطبيعة ولكن الهيبوستاسيس هو الذي يُظهر الإرادة ويعبر عنها ويظهر الفعل ويعبر عنه
* القول بأن الناسوت كان في الحالة الأقنومية لا يعني أنه كان أقنوماً مستقلاً أٌضيف إلى أقنوم الكلمة وإنما يعني أن الناسوت أُوجد في التجسد مخصخصاً ومتفرداً وليس بالمعنى العام المجرد.
* من الواضح أن مصطلح ’طبيعة‘ عند النحوي كان يعني نفس معنى الأوسيا (الحقيقة العامة المجردة)، ولذلك كان يفسر عبارة “في طبيعتين” بمعنى في جوهرين واعتبر أن طبيعة واحدة إنما تعني “أوسيا واحد”.
ويبدو أنه رأى أن عبارة واحد مع الآب في الجوهر وواحد معنا في الجوهر هي مرادف لواحد مع الآب في الطبيعة وواحد معنا في الطبيعة، لأنه حينما وجد تفسير ساويروس للطبيعة بأنها وجود خاص محدد، رأى أن هذا هو مدلول ’الهيبوستاسيس‘ وكان ذلك يعني بالنسبة له أن المسيح له نفس الهيبوستاسيس مع الآب وله نفس الهيبوستاسيس معنا.
* كان البطريرك ساويروس يتبع في ذلك تعليم ق. كيرلس الذي ذكر في رسالته الثالثة إلى نسطوريوس أن كلا الأقوال الإنسانية والأقوال الإلهية قد قيلت بواسطة شخص واحد هو هيبوستاسيس الكلمة الواحد المتجسد (الهيبوستاسيس المركب).
مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1
استمراراً للمناقشة التي بدأناها في الفصل السابق، سوف نكمل هنا كيف كان الجانب غير الخلقيدوني يشرح موقفه اللاهوتي من خلال العبـــارات المقبولة لديه. فبينما كانوا ـ كما رأينا ـ يرفضون العبارة الأنطاكية “طبيعتين بعد الاتحاد”، كانوا يصرون على عبارة “من طبيعتين”، وعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، وأثناء موافقتهم على هاتين العبارتين أكدوا كذلك على مصطلحات “الاتحاد الهيبوستاسي”، و”هيبوستاسيس واحد”، و”طبيعة واحدة مركبة أو هيبوستاسيس واحد مركب”.
والحقيقة أنه منذ القرن السادس قام الجانب الخلقيدوني ـ الذي في الشرق على الأقل ـ بالتسليم بأرثوذكسية كل تلك العبارات التي يتبناها الجانب غير الخلقيدوني. ومع ذلك فقد حاول الجانب الخلقيدوني أن يبين أن رفض الجانب غير الخلقيدوني لمجمع خلقيدونية وطومس ليو بالإضافة إلى رفضه لعبارة “في طبيعتين” إنما كان نتيجة تمســـكهم بهــرطقة الطبــيعة الوحــــيدة (monophysite heresy)، كما اعتبر الغرب أن دفاعهم عن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة”، يعد أساساً كافياً لوصفهم كلهم معاً بـ ’المونوفيزيتيين‘.
فهل من الممكن تبرير وإثبات هذا الرأي الخلقيدوني؟.
ولكي نقوم هنا ببحث هذا السؤال، سنعتمد على الرجوع إلى فهم الجانب غير الخلقيدوني نفسه لتلك العبارات التي يتبناها.
2. عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”:
لقد أكد الكثير من العلماء المعاصرين[1] أن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كانت قد صيغت في الأصل بواسطة المدرسة الأبولينارية. وحتى إذا سلمنا بهذا الاحتمال، فينبغي أن ننتبه إلى أن الأصل غير الأرثوذكسي لمصطلح ما أو وثيقة ما لا يُعد سبباً وجيهاً لرفضه بواسطة الفكر اللاهوتي الأرثوذكسي. وعلى سبيل المثال، كان التعبير النيقاوي ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘ (هوموأووسيوس تو باتري)، جزءاً من المفردات الفالنتينية (التي تخص أتباع فالنتين)،[2] بل والأكثر من ذلك أنها أُدينت بواسطة مجمع أنطاكيا الذي حرم بولس السموساطي عام 268م.
وبالرغم من ذلك قام مجمع نيقية عام 325م بتبني تلك العبارة، وبعد حوالي نصف قرن من الصراع العنيف قامت الكنيسة بالتصديق عليها في مجمع القسطنطينية عام 381م. ولهذا فإن الأمر محل الاهتمام بالنسبة لمصطلح ما، ليس هو كيفية نشوئه، وإنما المعنى الذي يُنسب إلي ذلك المصطلح والحاجة اللاهوتية لتأكيد فكرة ما (بواسطته).
وفي القرن الخامس، نُظر إلى عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كجزء من التراث اللاهوتي للبابا أثناسيوس، وقد تبناها البابا كيرلس كأداة لغوية لا غنى عنها لشرح الفهم الأرثوذكسي لشخص يسوع المسيح، وخاصة في مواجهة التعاليم النسطورية، ولذلك كانت تلك العبارة بالفعل أساسية وحاسمة بالنسبة لكيرلس والذين يتفقون معه في الفكر اللاهوتي.
وعلى الرغم من أن مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م وكذلك مجمع خلقيدونية قد تجاهلا بوضوح تلك العبارة، إلاّ أن المدافعين الشرقيين عن مجمع خلقيدونية في القرن السادس ادعوا أنه كان هناك اعتراف بها، وزعموا أن وضع تلك العبارة بجانب عبارة المجمع “في طبيعتين” كان له أهميته في استبعاد النسطورية.[3]
وعلى الجانب الآخر، أكد القادة غير الخلقيدونيين أن هاتين العبارتين أي “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” و “في طبيعتين” تتعارضان مع بعضهما البعض في المعنى، ولهذا لم يعطوا أهمية كبيرة لدفاع الجانب الخلقيدوني عن العبارة الأولى.
والحقيقة أن كل قادة الجانب غير الخلقيدوني قاموا بالدفاع عن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، ومن الواضح أيضاً أنهم وبينما هم يفعلون ذلك لم يتجاهلوا (أو ينكروا) ناسوت المسيح.
وعلى سبيل المثال، نجد أن البابا ديسقوروس يؤكد أن المسيح طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، ولكنه يصر في نفس الوقت على أنه يتركب من اللاهوت والناسوت، وأنه في المسيح الواحد استمرت الطبيعتان بدون اختلاط أو امتزاج من ناحية وبدون تقسيم أو انفصال من الناحية الأخرى.
وبكلمات أخرى، كانت الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة هي نفسها نتيجةً لاتحاد الطبيعتين اللتين كانتا حقيقيتين بلا أي تقسيم أو اختزال في المسيح الواحد. ولهذا فبالنسبة للبابا ديسقوروس، لم يكن هناك محل للتساؤل الخاص بمَنْ مِن الطبيعتين قد أُبعد أو أُهمل.
وكان البابا تيموثاؤس إيلوروس ـ كما رأينا ـ مدافعاً لا يلين عن وحدة المسيح، ولكنه في تبنيه لهذا الموقف لم يستبعد أياً من الطبيعتين، وإنما في الحقيقة أقر بالوجود الديناميكي للاهوت والناسوت ـ بدون اختلاط أو أنفصال ـ في المسيح الواحد، وكان تأكيده فقط ينصب على أن الناسوت لم يوجد بمفرده مستقلاً عن الله الابن.
أما مار فيلوكسينوس، اللاهوتي السرياني ـ الذي كان التجسد هو العقيدة المحورية في تعليمه اللاهوتي ـ فقد أصر هو الآخر بثبات على وحدة المسيح. وبينما كان يرفض التقسيم النسطوري (للمسيح)، استبعد بنفس القوة الاختزال الدوسيتي (للمسيح) عند الأبوليناريين والأوطيخيين. وقد نسب مار فيلوكسينوس للكلمة المتجسد ـ في تعبيرات قوية ـ كل القيود التي تخص الطبيعة البشرية ماعدا الخطية. وسنورد هنا فقرتين تؤيدان هذه الفكرة من كتابات أسقف منبج، هذا إلى جانب العديد من الفقرات التي ذُكرت قبلاً.[4]
“ولأن الرحم هو المكان الذي تتكوَّن فيه الكائنات البشرية، فقد نزل أيضاً وسكن هناك. وحيث إن الكائنات البشرية تنشأ وتُخلق من الجسد، فهو كذلك نشأ فيه وصار إنساناً. وقد حُبل به في الرحم، ونزل من البطن كرضيع؛ وحُمل كطفل على الركب والأيدي؛ واحتمل كل قيود الطبيعة البشرية، وضعفها ونحيبها وتوالدها وكل الأمور الأخرى المتعلقة بها”.
وقد نسب مار فيلوكسينوس الميلاد البشري لله الكلمة، لأن المسيح بالنسبة له هو وحدة (unity)، فإذا وضعنا هذه الحقيقة في أذهاننا يمكننا أن نقول إن ناسوت المسيح قد تكوَّن بالفعل وتشكَّل في الرحم. وهو قد وُلد كإنسان، وخضع لكل القيود البشرية والأرضية، ولهذا لم يكن هناك في ولادته أو في حياته في العالم أي اختزال (لبشريته).
ويركز مار فيلوكسينوس بنفس القوة في الفقرة التالية على الآلام والموت فيقول:[5]
“لقد تألم أكثر من أي واحد آخر، وكان خاضعاً للفقر والبؤس أكثر من الجميع؛ وتعرض للإهانة والاحتقار والسخرية والسب؛ وازدُري به وجُدِّف عليه؛ وحُسب كأحمق ومحتقر من هيرودس ومرافقيه ومن بيلاطس وخدامه”.
ومن هنا نرى أن مار فيلوكسينوس لم يكن لديه بالقطع أي اهتمام بأن يتجاهل أو ينكر ناسوت المسيح.
أما بالنسبة للقادة غير الخلقيدونيين، الذين قدَّموا اعتراف إيمانهم للإمبراطور جوستينيان عام 531م أثناء ذهابهم إلى القسطنطينية للاجتماع والتشاور، فقد دافعوا فيه أيضاً عن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”.[6] وأكدوا “أنه من الواجب علينا، كما فعل آباؤنا من قبل، أن نعترف بوضوح بطبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، لأنه صار إنساناً بالكمال”.
وهكذا لم يكن المقصود من تلك العبارة عند هؤلاء القادة هو استبعاد الناسوت (أو تجاهله) ولكن التأكيد أنه كان كاملاً وتاماً. ومثل مار فيلوكسينوس وآخرين كثيرين، أشار أولئك القادة في اعترافهم إلى نموذج الجسد – الروح، وأصروا على أن الأمور الفائقة واللائقة بالله من ناحية والأمور الضئيلة والبشرية من الناحية الأخرى هي كلها مظاهر وتعبيرات للطبيعة الواحدة المتجسدة والهيبوستاسيس الواحد لله الكلمة. إذاً التأكيد كان على وحدة المسيح، وليس على فقدان واحدة من الطبيعتين اللتين يتركب منهما المسيح بلا نقصان.
وكان الجانب الخلقيدوني ـ كما ذكرنا ـ يرى منذ البداية أن حركة مقاومة مجمع عام 451م تمثل تحدياً خطيراً له، ولذلك حاول أن يواجهها بطرق متعددة، ومن ضمن هذه الطرق اتهام معارضي المجمع بالهرطقة. وقد أشار البطريرك ساويروس الأنطاكي في كتابه “ضد النحوي” إلى عدد من الفقرات التي أوردها النحوي في مؤلفه وينتقد فيها الكيان غير الخلقيدوني لتمسكه بعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” فقط بدون الإقرار بعبارة “في طبيعتين” الخاصة بمجمع خلقيدونية.
ويزعم النحوي أن مجمع خلقيدونية “كان مهتماً بحرم أوطيخا مع أولئك الذين كافحوا بحماس لنشر تعليمه”، وكان ذلك التعليم متضمناً في تأكيدهم على “أن اللاهوت والجسد قد ألفا ’أوسيا‘ واحد وطبيعة واحدة”.[7] وفي الحقيقة كان فهم هذا المعنى في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة”، هو السبب وراء إطلاق وصف ’المونوفيزيتيين‘ (أصحاب الطبيعة الوحيدة) على الكيان غير الخلقيدوني.
ورد البطريرك ساويروس على اتهامات النحوي بقوله:[8] “إن اتهامك يبدو وكأنه موجهاً لي، كما لو كنت قد أكدت في أماكن عديدة في كتاباتي أن الجسد المحيَ بروح عاقلة، الذي اتخذه الله الكلمة من مريم العذراء والدة الإله ووحده بنفسه، هو واحد معه في ذات ’الأوسيا‘ (الجوهر)”. ويضيف البطريرك ساويروس أنه في الحقيقة، حينما كان يناقش موضوع تركيب الإنسان في كتابه الموجه إلى نِفاليوس (Nephalius)، قد أوضح بصورة قاطعة المعنى الحقيقي المقصود في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة”.
فالطبيعة المتجسدة هي ’واحدة‘[9] ليس بسبب أن الطبيعتين قد تقلصتا إلى طبيعة ’واحدة بسيطة‘، ولكن بسبب أن “التقاء الطبيعتين ـ بدون اختلاط ـ في ’وحدة‘، أي للشخص الواحد، هو دلالة على الوجود المتزامن لكليهما معاً”.[10] ولا تتضمن صيغة “طبيعة واحدة” أي اختزال (لأي من الطبيعتين)، ولكن هي فقط للتأكيد على الوحدة التي أحدثها التقاء الطبيعتين معاً. ومن هنا نرى أن البطريرك ساويروس لم يكن أبداً في الموقف الذي كان ينتقده يوحنا النحوي الخلقيدوني.
وبتطبيق الأمر على كل الجانب غير الخلقيدوني، استمر البطريرك ساويروس يقول: فإذا أراد النحوي أن يكون هذا الاتهام مفحِماً، فعليه أن يُظهر وجود هذا الخلل (الذي يدعيه) في الموقف اللاهوتي الذي أكده وتبناه مجمع صور.[11] ولكن حقيقة الأمر أن مجمع صور عبَّر بتعبيرات قاطعة عن معارضته لـ “للاختلاط والامتزاج والتغيير والاندماج في الجوهرين (الإثنين أوسيا)، وكذلك معارضته للخيال (أي أن إحدى الطبيعتين كانت وهماً أو خيالاً)”، وبنفس القوة استبعد المجمع “التقسيم والانفصال”.
كما أثبت البطريرك ساويروس أن نفس التأكيد قد حدث أيضاً من الجانب غير الخلقيدوني في مجمع آخر بمصر.[12] ولهذا “فليس مرة واحدة ولا اثنتين ولكن عدة مرات” تكتب مجامع في سوريا ومصر إلى بعضها البعض معترفة أن “المسيح هو كلمة الله الذي صار إنساناً بالحقيقة وأصبح متجسداً، وقد اتخذ جسداً له ذات الجوهر معنا ومُحيَاً بروح عاقلة، وجعل نفسه مثلنا في كل شيء ماخلا الخطية”.
وبالتالي لم يكن الجانب الذي ينتمي إليه البطريرك ساويروس (أي غير الخلقيدوني) يُعلِّم أن المسيح هو أوسيا واحد، وأنه واحد في الجوهر مع نفسه، ولكن كان يُعلِّم أن “الذي هو واحد في الجوهر مع الآب والروح القدس فيما يخص اللاهوت، صار واحداً في الجوهر معنا فيما يخص الناسوت”.[13]
وكرر البطريرك ساويروس نفس هذه النقطة مرات ومرات في كتابه “ضد النحوي” وفي أعماله الأخرى. والسؤال الوثيق الصلة بالموضوع هنا هو: هل أقر البطريرك ساويروس أن المسيح كان “في إثنين أوسيا”؟. وفي الواقع لم يتعرض اللاهوتي غير الخلقيدوني (ساويروس) لهذا الأمر، لأن ذلك السؤال من وجهة نظره لا يمكن أن يتطرق إلى العقل.
فالأوسيا وهو يعني العمومي أو المشترك (common)، ينبغي أن “يشمل في حالة اللاهوت الثلاثة أشخاص الآب والابن والروح القدس، وينبغي في حالة الإنسان أن يتضمَّن داخله كل أفراد البشر”،[14] ولذلك أكد البطريرك ساويروس بأن الله الكلمة الذي صار متجسداً ليس هو ’الأوسيا‘، ولكن واحداً من الثلاثة أشخاص (أقانيم)، وبالرغم من أن الأوسيا يتخصخص ويتفرد في ’الهيبوستاسيس‘، إلاّ أن الثلاثة ليسوا هم نفس الهيبوستاسيس.[15] ولذلك يكون الحديث عن المسيح بكونه ’في إثنين أوسيا‘ هو غير ذي معنى.
إذاً كيف فهم البطريرك ساويروس عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”؟
لقد ناقش البطريرك ساويروس هذا الأمر في كتابه”محب الحق” (Philalathes)[16] حيث ذكر أنه: حينما تحدث الآباء عن “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، أوضحوا تماماً أن الكلمة لم يتنازل عن طبيعته”؛ ولم يتعرض لأي “فقدان أو نقصان في الهيبوستاسيس الخاص به”. وعندما أكدوا أنه ’صار متجسداً‘ أوضحوا أن “الجسد لم يكن إلاّ جسداً، ولكنه لم يأتِ إلى الوجود بنفسه (منفرداً) بمعزل عن الاتحاد مع الكلمة”.
ولذلك يكون من الصحيح أن نقول أن ” الكلمة، قبل الدهور كان بسيطاً وغير مركب”، ولكن “عندما أراد أن يشابهنا بدون خطية، أُحضر الجسد إلى الوجود ولكن ليس مستقلاً أو منفصلاً”.
وتشير عبارة ’صار متجسداً‘ إلى أخذ الكلمة للجسد من العذراء، وهو الأخذ الذي به، وُلد مسيح واحد من مريم “من طبيعتين” أي اللاهوت والناسوت، وهو في آنٍ واحد الله وإنسان، كيان واحد له ذات الجوهر مع الآب فيما يخص اللاهوت وذات الجوهر معنا فيما يخص الناسوت.
وهكذا فإن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” تؤكد ثلاثة نقاط:
أن الله الكلمة نفسه هو الذي صار متجسداً، بدون أن يحدث له أي تغيير.[17]
وهو في تجسده، لم يتخذ ناسوتاً كان قد تكوَّن من قبل في رحم العذراء. فالناسوت تكوَّن فقط داخل الاتحاد.[18]
أن الكلمة المتجسد هو شخص واحد (مركب)، فالذي كان “بسيطاً منذ الأزل”، أخذ في نفسه ناسوتاً محدداً وبالتالي أصبح “مركباً”.[19]
واللاهوت (الله) هو خالق وليس مخلوقاً، ولكن الناسوت هو مخلوق، وقد التقى الإثنان في وحدة في يسوع المسيح. ولهذا توجد فيه (أي في المسيح) الأشياء الإلهية والأشياء البشرية في حقيقة وكمال كل منها.
وفي الواقع، يمكننا على مستوى التأمل في المسيح الواحد أن ندركها (أي ندرك كلاً من الأشياء الإلهية والأشياء البشرية)، ولكننا لا يجب أن نتمادى لنخصص لكل طبيعة حالة مستقلة عن الأخرى، لأننا هنا لن نستطيع أن نعترف بالتجسد الذي لم يأتِ فيه الناسوت إلى الوجود بصورة منفصلة أو مستقلة.
وفي مناقشته لهذا الأمر أشار البطريرك ساويروس إلى تعليم الآباء الذين سبقوه، ومن بينهم تعليم اللاهوتيين الكبادوك.[20] وكان الآباء الكبادوك في دفاعهم عن الإيمان النيقاوي ضد إفنوميوس (Eunomius) الأريوسي قد شرحوا كيف أن الابن المساوي مع الآب، يتكلم بكلمات تحمل معنى أنه أقل من الآب.
وأكد البطريرك ساويروس أن الآباء الكبادوك في تفسيرهم لهذا الأمر لم ينسبوا الأقوال والأعمال المتواضعة للطبيعة البشرية،[21] ولكنهم نظروا إلى التجسد كإخلاء (وتدبير) للابن، وأعزوا الأقوال والأعمال (كلها) إلى الابن المتجسد. وبعد اقتباس عدد من الفقرات التي تؤيد هذا المفهوم من كتابات الآباء الكبادوك، أكد البطريرك ساويروس أنهم تجنبوا بحرص فكرة تقسيم الابن المتجسد.
وأضاف أنه على هذا النحو “أكد ق. باسيليوس أنه أصبح متجسداً وصار إنساناً، وأن كل شيء يخص التجسد هو خاص به سواء كان كلمات أو أفعال، ولكنه فصل وقت التجسد عن الوقت الذي قبل التجسد”. وأظهر البطريرك ساويروس أن ق. باسيلوس قال كذلك “أن الأشياء المتواضعة لا يمكن تطبيقها على اللاهوت، ولكن على التجسد”.[22]
فهل يمكن أن يوصف هذا الموقف أنه ’مونوفيزايت‘ (أي موقف من يؤمن بالطبيعة الوحيدة)؟. وعلى الرغم من أن هذا الوصف لم يكن قد أُطلق بعد على التقليد اللاهوتي لغير الخلقيدونيين في القرن السادس، إلاّ أن البطريرك ساويروس كان قد أدرك مقدماً ذلك الاحتمال وحاول أن يحتاط له بتكرار فقرتين اقتبسهما من كتابات ق. كيرلس. ونورد هنا إحدى هاتين الفقرتين:[23]
“حينما كنا نؤكد أن طبيعة الكلمة هي واحدة، فهل قبلنا أن نقول ذلك فقط بدون أن نضيف (كلمة) ’متجسدة‘ ومن ثم نجعل التدبير كأنه شيء بلا أهمية. ومن المحتمل أنه كان لديهم أساس ـ له ما يبرره ـ في تساؤلهم الخاص بكمال الناسوت أو كيف تم الحفاظ على (تأكيدنا على) تمام (الطبيعة) البشرية ومدلول الأوسيا الخاص بنا (في المسيح)؟. وحيث إننا ذكرنا في اعترافنا كلمة ’متجسدة‘، فليطرحوا جانباً العصا التي قد رفعوها ضدنا”.
وهكذا فعند الإشارة إلى المسيح، لا ينبغي استخدام عبارة “طبيعة واحدة” بدون كلمة ’متجسدة‘. ومن ثم فإن كلمة ’واحدة‘ المذكورة في العبارة ليست هي ’واحدة بسيطة‘؛ ولكنها الواحدة التي تتضمن كمال اللاهوت والناسوت، فيسوع المسيح ليس ’ذو طبيعة وحيدة (single-natured)‘ ولكنه هو طبيعة واحدة ’مركبة (composite)‘.
وكان ق. كيرلس قد عبَّر عن هذا المفهوم بتعبيرات جلية لا تُخطئ، وقام البطريرك ساويروس باقتباسها مرات ومرات في كتاباته، ومنها على سبيل المثال:[24]
“ولا تُستخدم كلمة ’واحد‘ للإشارة فقط إلى تلك (الأشياء) البسيطة في طبيعتها، ولكنها تُستخدم أيضاً للإشارة إلى التي لها وجود مركب، والتي يُعتبر الإنسان مثالاً جيداً لها”.
ولا يكون من الصحيح اعتبار أن كلمة ’واحدة‘ المذكورة في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، مكافئة في المعنى لكلمة ’وحيدة‘ أو مونوس (monos)‘ التي في وصف ’مونوفيزايت (monophysite)‘ (أصحاب الطبيعة الوحيدة). ويقول البطريرك ساويروس نفسه ما يلي:[25]
“وعندما يعترف بأن عمانوئيل هو طبيعة واحدة، فإنه يدرك الاختلاف بين الحقيقتين (realities) اللتين دخلتا في الاتحاد. ولكنه لا يفصل خواص الناسوت وينسبها إلى الناسوت منفرداً؛ كما لا يعزي الأمور الملائمة لله إلى اللاهوت منفصلاً، وإنما على العكس تعتبر تلك التي تنتمي للجسد وتلك التي تنتمي للاهوت أنها كلها تخص الشخص (الواحد) ككل”.
وكما ذكرنا من قبل، فقد تم الاعتراف بأرثوذكسية عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” من جانب التقليد الخلقيدوني في الشرق. وسنولي اهتمامنا في وقت لاحق بالرد على السؤال: هل يختلف التفسير الذي قدَّمه الجانب غير الخلقيدوني لتلك العبارة عن التفسير الذي قدَّمه اللاهوتيون الخلقيدونيون المعروفون أمثال يوحنا الدمشقي؟.
ولكن ما ينبغي علينا ذكره في السياق الحالي، هو أن مصطلح ’طبيعة‘ في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كان يعني بالنسبة للبطريرك ساويروس كيان متفرد مخصخص أو ’هيبوستاسيس‘.
ومنذ عصر البطريرك ساويروس أضاف القادة غير الخلقيدونيين كلمتي “أو هيبوستاسيس” مباشرة بعد كلمة “طبيعة” (one incarnate nature or hypostasis of God the Word) ليوضحوا أنهم يعتبرون أن كلمة ’طبيعة‘ الواردة في العبارة إنما تشير إلى كيان خاص متفرد. ونستشهد هنا بعبارة واحدة للبابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية كان قد كتبها إلى بولس الأسود (Paul the Black) بطريرك أنطاكيا حيث يقول:[26]
“نحن نعترف أن الله الكلمة في الأيام الأخيرة قد صار متجسداً، بدون أن يطرأ عليه أي تغيير أو اختلاط؛ وبدون أن يخضع الجسد ـ الذي وحَّده بنفسه هيبوستاسياً ـ لأي اختلاط أو امتزاج بعد الاتحاد غير الموصوف وغير المنفصل.
ولم يؤثر الاتحاد الهيبوستاسي على الاختلاف والآخرية* (otherness) الذي للطبيعتين اللتين دخلتا معاً في الاتحاد، وكذلك لم تنقسم أي منهما أو تنفصل عن الأخرى. ولكن تكوَّن عمانوئيل من الإثنتين بلا انفصال من أجلنا، وطبيعته أي الهيبوستاسيس، واحد(ة)، وهي التي تكوّنت بالتركيب (in composition)”.#
وإذا أردنا أن نجمل كل ما سبق في كلمة واحدة، نقول أن التأكيد أن يسوع المسيح هو “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” إنما كان يعني بالنسبة للجانب غير الخلقيدوني أنه هو الله الابن في حالته المتجسدة (incarnate state).
3. عبارة “من طبيعتين”:
كانت الفكرة من وراء عبارة “من (κε) طبيعتين” هي التأكيد على أن “الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة” تتركب (composed) من طبيعتين.
ولكن تعبير “من طبيعتين” أصبح على الرغم من ذلك محل اعتراض بسبب المعنى المضلل الذي أُشير إلي وجوده في العبارة التي نطق بها أوطيخا في مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م. ولكن غير الخلقيدونيين ـ كما رأينا ـ لم يتبنوا هذا المعنى على الإطلاق، وفي الحقيقة قد يكون أوطيخا نفسه لم يقصد أن يؤكد ذلك المعنى في كلامه.
وكان اعتراض منتقدو مجمع خلقيدونية على عبارة “طبيعتين قبل الاتحاد”، هو أنها تحمل ضمنياً معنى أن الناسوت قد أتى إلى الوجود ككيان خاص حتى قبل الاتحاد، وكان هذا هو نفس المضمون الذي رأوه في عبارة الأنطاكيين “طبيعتين بعد الاتحاد”، ولذا كان اللاهوتيون غير الخلقيدونيين يرفضون تلك العبارة باستمرار. ونورد هنا فقرة إضافية (للبطريرك ساويروس) توضح تلك النقطة:[27]
“وليس الأمر أن هيبوستاسيسين قد تكونا (أولاً) ثم أتيا معاً بعد ذلك كهيبوستاسيس واحد. فهذا شيء معترض عليه بل وحتى غير ممكن؛ لأن اللذين تكوَّنا في انفصال وانفرادية، يبقيان إثنين. ولهذا فهو (أي المسيح) قد تكوَّن مركباً ـ بغير تغيير ـ من (الطبيعتين) المختلفتين اللتين كل منهما ليست واحدة في الجوهر مع الأخرى”.
ومن هنا نرى أن المقصود من عبارة “من طبيعتين” لم يكن هو التأكيد على الوجود الزمني المسبق للطبيعتين كحقيقتين متفردتين.
ومن خلال الفقرة التالية من كتاب البطريرك ساويروس الأنطاكي ضد النحوي (the grammarian)، ستتضح الفكرة التي كان يحاول التأكيد عليها باستخدام عبارة “من طبيعتين”:[28]
“وهو كان في أزلية مشتركة مع الآب والروح القدس، ولكنه عندما أراد أن يصير إنساناً من أجلنا ـ بينما يظل بغير تغيير كما هو عليه ـ سكن كما هو مكتوب في العذراء والدة الإله بطريقة فائقة للعقل. وبالروح القدس وحَّد بنفسه ـ من خلال اتحاد طبيعي متزامن ـ جسداً (مأخوذاً) منها له روح وعقل، وهذا الجسد هو واحد معنا في الجوهر.
ولذلك نقول عن الاتحاد أنه هيبوستاسي (أقنومي)، لأن هذا الجسد تكوَّن وأتى إلى الوجود في الاتحاد ذاته مع الكلمة الذي هو قبل الأزمنة، وفي تزامنه معه (أي مع الكلمة) أخذ الجسد تفرده المحدد (concreteness) داخل الاتحاد. وعلى هذا النحو، ومن الإثنين ـ أي من اللاهوت والناسوت ـ يُعرف المسيح بغير تقسيم بأنه عمانوئيل واحد.
وهو قد حُبل به وولد في الجسد، مثل الروح التي تُولد مع الجسد في كل إنسان. فالأولى (أي الروح) هي من جوهر مختلف عن الأخير (الجسد)، ورغم ذلك يكتمل الإنسان في طبيعة واحدة وهيبوستاسيس واحد من كليهما. وبنفس الطريقة ـ كما هو مكتوب ـ اشترك الله الكلمة في اللحم والدم وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية”.
وهكذا تبدو الفكرة التي ركَّز عليها البطريرك ساويروس في غاية الوضوح، وهو في الحقيقة يؤكدها في العديد من كتاباته. فبكونه طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، فإن يسوع المسيح يتركب من طبيعتي اللاهوت والناسوت، اللتين تتحدان فيه بنفس الطريقة التي يتحد بها الجسد والروح في كل إنسان.
وقد استخدم كل اللاهوتيين غير الخلقيدونيين في العصور القديمة نموذج (الجسد – الروح) لشرح تلك الفكرة، ولكننا ينبغي أن نقول أن هذا النموذج في الحقيقة لا يُعتبر كافياً لشرح الفكرة بصورة كاملة. فأولاً هذا النموذج يأخذ بالتقسيم الثنائي للجسد والروح المستخدم في الأنثروبولوجي* اليوناني؛ وثانياً فإن التمييز الذي يرسمه بين الجسد والروح ليس مثل الفرق بين الإنسان والله.
ولكن مع تسليمنا بكل هذا، ينبغي علينا أن نتذكر حقيقة أن هذا النموذج كان قد استُخدم على نطاق واسع ـ كمثال توضيحي للإتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح ـ بواسطة اللاهوتيين القدامى في كل من الشرق والغرب على حدٍ سواء. ففي الغرب على سبيل المثال، استخدمه (Quinquenque Vult)، أما في الشرق فقد استخدمه رجال الجانب الخلقيدوني بنفس الكثرة التي استخدمه بها معارضوهم.
وإذا بحثنا عن الفكرة التي أراد اللاهوتيون غير الخلقيدونيين توضيحها من هذا النموذج، سنجد أنها التأكيد على وحدة المسيح، فكلمات وأفعال المسيح ـ على سبيل المثال ـ كانت بالنسبة لهم هي تعبيرات لـ ’الله – الإنسان‘ (الله المتأنس). وفي الإنسان، يكون لكل من الجسد والروح دوره الخاص في كل كلماته وأفعاله، ولكننا لا نستطيع أن نقول أن هناك أقوالاً وأفعالاً معينة تختص حصرياً بالجسد، وهناك أقوالاً وأفعالاً أخرى تختص بالروح، وإنما كل ما نستطيع قوله فقط هو أن كل كلمات وأفعال الإنسان هي ناشئة عنه (كوحدة أو ككل).
وبنفس الطريقة في المسيح، الحقيقتان الإلهية والإنسانية كائنتان بدون أي نقصان؛ ولكن بالنسة للأقوال والأفعال فإنها كلها تعبيرات للمسيح الواحد. ويعد استخدام نموذج (الجسد – الروح) على هذا النحو استخدام شرعي باعتراف الجميع.
ويتضمن تعبير “من طبيعتين” فكرتين أساسيتين:
أولاً، هو يؤكد أن “من طبيعتي اللاهوت والناسوت، اللتين كل منهما كاملة بحسب أصل مبدأها (جوهرها)، ظهر عمانوئيل بكونه واحداً، بكونه طبيعة واحدة أو هيبوستاسيس واحد لله الكلمة”.[29] وهكذا صار اللاهوت والناسوت بالفعل معاً في واحد. وبالضبط كما أن اللاهوت دخل في الإتحاد من خلال الله الابن، فإن الناسوت صار في الإتحاد في حالة مخصخصة متفردة (individuated state) . ويذكر البطريرك ساويروس هذه النقطة مراراً وتكراراً حيث يقول:[30]
“إن الله الكلمة هو هيبوستاسيس واحد، وقد وحَّد بنفسه ’هيبوستاسياً (أقنومياً)‘ جسداً خاصاً واحداً له روح عاقلة ومفكرة، وهذا الجسد أخذه من مريم والدة الإله (ثيؤطوكس)”.
إذن الطبيعتان اللتان التقيتا في الإتحاد كانتا هيبوستاسيسين (أي في الحالة الأقنومية المخصخصة)، هذا بالرغم من أن الناسوت أخذ الحالة الهيبوستاسية فقط في داخل الإتحاد.[31] ونجد هذا المعنى في كلمات البطريرك ساويروس التالية:[32]
“والطفل، على سبيل المثال، لم يتكوَّن في الرحم بمفرده ـ كما يُعلِّم الهراطقة ـ ولكن الله الكلــمة منذ عين البداية ـ أي منذ أول لحظة تكوَّن فيها الجسد المحيَ بروح وعقل داخل الرحم ـ كان متحداً به. وهكذا لم يكن هناك أي فاصل بين تكوّن الجسد (حضوره للوجود) وبين اتحاده مع الله الكلمة”.
ونتيجة لهذا الاتحاد، فإن يسوع المسيح قد حُبل به في رحم العذراء بكونه شخص واحد. وهذا الشخص الواحد لم يكن ببساطة هو الله الابن. لأنه بينما أن الله الابن هو إلهي فقط، فإن يسوع المسيح بشخصه الواحد قد تكوَّن من اتحاد اللاهوت مع الناسوت. وهكذا فإنه في ذات اللحظة، التي التقى فيها اللاهوت والناسوت في رحم العذراء فقد كوّنا معاً مركزاً بؤرياً (focal point) صار فيه كل ما هو إلهي بحسب الجوهر وكل ما هو إنساني بحسب الجوهر، هناك معاً في حالة إتحاد.
ولذلك كان تطابق المسيح مع الكائنات البشرية الأخرى هو تطابق حقيقي بكل ما تعنيه الكلمة، سواء في تكوينه في الرحم أو في ولادته كطفل بشري أو في حياته على الأرض بعد ذلك. ويقول البطريرك ساويروس في هذا الصدد:[33]
“وحيث إن المسيح الواحد هو طبيعة واحدة وهيبوستاسيس واحد من اللاهوت والناسوت ـ لله الكلمة المتجسد ـ فإن ذلك يؤدي بالقطع إلى أنه ـ في نفس الوقت ـ يُعرف بكونه واحد مع الآب في الجوهر فيما يخص اللاهوت وواحد معنا في الجوهر فيما يخص الناسوت. وهو نفسه ابن الله وابن الإنسان. وبالتالي فهو ليس ابنان ولكنه هو نفس الابن الواحد”.
إذن فيسوع المسيح هو وحدة (unity)منذ أول لحظة حُبل به فيها في الرحم.
ثانياً، كان المقصود من عبارة “من طبيعتين” هو التأكيد ـ كما ذكرنا قبلاً ـ على استمرار (وجود) اللاهوت والناسوت في المسيح الواحد طوال الوقت منذ تكوينه في رحم العذراء. ولذلك فعلى الرغم من أننا لا نستطيع أن نقسم الأقوال والأفعال بين اللاهوت والناسوت، إلا أننا قد نميِّز ـ في الفكر (contemplation) فقط ـ بعض الكلمات والأفعال بكونها إلهية والبعض الآخر بكونها بشرية.[34]
والحقيقة أن القضية ليست في أن الناسوت لم يكن له مكان في الحياة المتجسدة لابن الله، ولكنها في أن الناسوت كان متحداً مع اللاهوت. وبسبب الاتحاد كان يسوع المسيح مركباً من اللاهوت والناسوت طوال حياته على الأرض. ومن الواجب أن نضيف أيضاً أنه حتى بعد القيامة لم يتوقف عن كونه من طبيعتين.
وكما رأينا سابقاً، كانت النقطة الفعلية التي على أساسها رفض الجانب غير الخلقيدوني قبول تعريف إيمان مجمع خلقيدونية، تتعلق بعبارة “في طبيعتين”. فمن وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني، كانت عبارة “في طبيعتين” من الممكن أن تعني أن الله الابن والإنسان يسوع قد اتحدا في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘ فقط.
وبسبب هذا القلق من كلمة ’في‘ (التي في عبارة ’في طبيعتين‘) رأى الجانب غير الخلقيدوني أنه يمكن الحفاظ على المعنى من خلال عبارة “من طبيعتين” بالإضافة إلى كلمة ’متجسدة‘ في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” وكلمة ’مركبة أو مركب‘ في عبارة “طبيعة واحدة مركبة أو هيبوستاسيس واحد مركب”، وكذلك من خلال التأكيد على أن الاختلاف بين الطبيعتين يمكن رؤيته على مستوى الفكر (فقط).
وكان القصد من وراء كل هذه التفسيرات الدقيقة والفروق المحددة بعناية هو التأكيد على وحدة المسيح، ولم يكن القصد أبداً هو استبعاد أي من الطبيعتين.
4. عبارة “اتحاد هيبوستاسي (أقنومي)”:
كان اتحاد الطبيعتين (في المسيح) هو اتحاد هيبوستاسي (أقنومي). وقد أصَّر كل من ق. كيرلس والجانب السكندري على عبارة “إتحاد هيبوستاسي” في مواجهة نسطوريوس والأنطاكيين. وكان الجانب الأنطاكي يرفض تلك العبارة على الدوام، وهناك فقرة اقتبسها البطريرك ساويروس من ثيؤدوريت أسقف قورش يوضح فيها وجهة نظره بشدة، حيث قال:[35]
“ولكننا لا نعترف أبداً بالاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)، لأنه يتعارض مع الأسفار الإلهية، ومع الآباء الذين فسَّروها”.
وقد أقر مجمع خلقيدونية هذه العبارة ـ كما ذكرنا ـ من خلال اعترافه بـ “هيبوستاسيس واحد”، ومن خلال تبنيه للرسالة الثانية لكيرلس ضد نسطوريوس والتي تضمنت تلك العبارة.
ولكن الجانب غير الخلقيدوني مع ذلك، أكد أنه في سياق قبول المجمع لطومس ليو ولعبارة “في طبيعتين”، وفي ســـياق تبرئته لثيؤدوريت أسقف قورش ـ الذي كان يعتبر مصطلح هيبوستاسيس مرادفاً لمصطلح بروسوبون ـ وفوق كل ذلك في غياب إيضاح المعنى الذي كان يراه المجمع في مصطلح ’اتحاد هيبوستاسي‘، ففي ضوء كل ما سبق دفع الجانب غير الخلقيدوني بأن مجمع خلقيدونية لا يمكن أن يكون قد أخذ المصطلح بالمعنى الذي سعى الآباء أن يؤكدوه من وراء استخدامه. ولذلك أثناء مناقشة هذا الأمر، تساءل البطريرك ساويروس: ما هو معنى أن المسيح “هيبوستاسيس واحد” بالنسبة لمجمع خلقيدونية.[36]
ويذكر البطريرك ساويروس أن المدرسة النسطورية اعترضت على “الاتحاد الهيبوستاسي” لأن الاتحاد من وجهة نظر النساطرة كان اتحاداً لأقنومين كل منهما أتى بالفعل بشكل منفصل، وعلى أساس أن ’الطبيعة‘ بالنسبة لهم كانت تعني كائن محدد. وعلى سبيل المثال يذكر البطريرك ساويروس أن نسطوريوس كتب ما يلي:[37]
“إن الاتحاد لم يكن من (from) طبيعتين ولكن لـ (of) طبيعتين”.
والسؤال هنا هو كيف واجه مجمع خلقيدونية هذه المشكلة؟
الحقيقة إنه عند هذه النقطة بالتحديد، فشل كل من العالِمين ليبون (Joseph Lebon) وأندريه (Andre de Halleux) في ابراز وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني بموضوعية.[38]
فتعليق ليبون على سبيل المثال، بأن تعليمهم الخريستولوجي (أي تعليم الجانب غير الخلقيدوني) ينتمي إلى ما قبل خلقيدونية، يمكن الرد عليه بأن طومس ليو وتعريف الإيمان الخلقيدوني ينتميان إلى ما قبل أفسس (أي يفتقدان إلى تحديدات مجمع أفسس). وكانت وجهة نظر غير الخلقيدونيين ـ كما أوضحنا ـ هي أنه لا البابا ليو ولا مجمع خلقيدونية قد أخذا قرارات مجمع أفسس عام 431م والاتفاق الذي سبق إعادة الوحدة عام 433م بجدية كافية، كما أنهم كذلك لم يقوموا بتوضيح ما كانوا يقصدونه بادعائهم رفض النسطورية.
وكان الجدل النسطوري قد بدأ بالقضية التي أثارها نسطوريوس في تطبيق لقب ’والدة الإله‘ (ثيؤطوكس) على العذراء مريم. وهذا الأمر ذاته كان له تاريخ في التقليد الخريستولوجي لمدرسة أنطاكية، فكما رأينا من قبل[39] ـ وسوف نرى أكثر فيما بعد[40] ـ كان الفكر اللاهوتي للأنطاكيين الذي يصر على “طبيعتين بعد الاتحاد” هو الأساس الذي شكك في إمكانية إطلاق لقب ’والدة الإله‘ (ثيؤطوكس) على العذراء مريم.
وفي مواجهة هذه الخلفية، بدأ آباء الإسكندرية ومَنْ يتفقون معهم في بناء فكر لاهوتي يعترف بلقب ’ثيؤطوكس‘ ويستبعد مفهوم ’طبيعتين بعد الاتحاد‘. ولكن الغريب أن البابا ليو ومجمع خلقيدونية صدَّقا على لقب ’ثيؤطوكس‘ وعلى عبارة ’طبيعتين بعد الاتحاد‘ كليهما معاً، بدون أن يقدِّما تفسيراً عن كيف يمكنهما أن يجمعا بين الإثنين معاً.
وهذه في الحقيقة هي المشكلة المطلوب مواجهتها فيما يتعلق بالنزاع بين الجانب الخلقيدوني وغير الخلقيدوني، ولكن بدون افتراض مسبق بأن مجمع خلقيدونية عام 451م قدَّم بالفعل مساهمة (جديدة) ذات معنى وأن منتقديه كانوا على خطأ.
أما بالنسبة لعبارة ’اتحاد هيبوستاسي (أقنومي)‘، فقد كانت في الحقيقة تهدف إلى المحافظة على مفهومين على الأقل:
أولاً: هي تؤكد أن الله الابن، وهو هيبوستاسيس أزلي، وحَّد بنفسه ناسوتاً. وعلى الرغم من أن الناسوت لم يكن في ذاته هيبوستاسيس (مستقل) في مقابل (هيبوستاسيس) الله الابن، إلا أنه صار مخصخصاً ومتفرداً وبالتالي تقَبَّل حالته الهيبوستاسية في الاتحاد مع الله الابن.
ثانياً: تفيد هذه العبارة التأكيد على أن اتحاد الطبيعتين كان داخلياً وحقيقياً. ويمكننا أن نوضح هذه النقطة من خلال الرجوع إلى معاني المصطلحات التي ذكرناها سابقاً، فالهيبوستاسيس هو الأوسيا بكامله حينما يأخذ وجوده المحدد، والبروسوبون يدل على الهيئة الخارجية للشيء أو الشخص التي يتمايز بها كل هيبوستاسيس من نوع (class) معين عن الآخر الذي من نفس النوع.
وبناءً على هذه المعاني، نستطيع أن نقول أنه بالاتحاد الهيبوستاسي للاهوت والناسوت، كان هناك حضور للاهوت الابن والناسوت معاً في يسوع المسيح. ولكن هذا لم يُحدِث مع ذلك أي تغيير لا في الله الابن ولا في الناسوت الذي اتخذه. وهذا المعنى هو ما نجده في كلمات البطريرك ساويروس إلى نيفاليوس (Nephalius):[41]
“لقد بقي الجسد جسداً، وظل اللاهوت لاهوتاً. ولم يتحول أي منهما إلى طبيعة الآخر. ولكن اتحادهما وإلتقاءهما معاً قد حدث في تركيب الطبيعة الواحدة المتجسدة للابن”.
وهكذا فإنه في الاتحاد الهيبوستاسي، تظل سلامة الطبيعتين بكل خواصهما وقدراتهما (ملكاتهما) محفوظة بدون اختلاط أو انفصال. وحيث إن الطبيعتين تتحدان داخلياً (inwardly) فلذلك يكون هناك تبادل للخواص (exchange of properties).[42] ويكون الناسوت حاضراً مع لاهوت الله الابن، كليهما في شخص المسيح (الواحد المركب) وفي حياته في كل لحظة.
ومن هنا فإنه في كل كلمة تكلم بها (المسيح) وفي كل فعل قام به، كان الناسوت قائماً فيه في حالة الاتحاد. ولم يكن الناسوت مختلطاً مع اللاهوت، ولا كان سلبياً، بل على العكس اتخذه الله الابن ناسوتاً خاصاً به* (as his own) بكل ما له من حرية مخلوقة، ووعي إنساني وكل الوظائف والخواص المنتمية للناسوت، ولهذا فبدون أن يفقد الناسوت طابعه الجوهري، أصبح متقلداً بالمجد الإلهي.[43]
وقد تحتاج الجملة الأخيرة لبعض التوضيح، حيث إنها لا تعني أن ناسوت المسيح قد خضع لنوع من التحول إلى الألوهة، أو أن هدف الجنس البشري يكمن في بلوغ مثل هذا التغيير، ولكنها تعني في المقابل أن الإنسان بخلقته على صورة الله، كان له مصير نهائي يصبح فيه متشبهاً بالله (God-like) ممتلئاً بالمجد الإلهي. ويسوع المسيح وحده هو الذي حقق ذلك في حياته، واحتفظ بذلك كإنسان بدون أن يحدث أي نوع من التحول لناسوته على الإطلاق. وهذه هي الغاية النهائية التي يتطلع إليها الإنسان في إيمان ورجاء، معتمداً على نعمة وقوة الرب المتجسد كما أعلن في موته وقيامته.
وتبقى نقطة واحدة جديرة بالاهتمام في هذا الفكر اللاهوتي. فكما رأينا، كان الأنطاكيون يؤمنون بنظرية الإتحاد البروسوبي،[44] وبالتالي يؤكدون أن المسيح كان إنساناً سكنه الله الابن ولذلك كان كل شيء إنساني فيه متحداً باللاهوت. أما السكندريون فكانوا يؤمنون أن تلك النظرية غير كافية للاعتراف بالتجسد، ومن هنا كانوا يؤكدون على الاتحاد الهيبوستاسي.
ولكي نوضح هذا الأمر بطريقة أكثر نقول أن الاتحاد البروسوبي ـ الذي يؤمن به الأنطاكيون ـ يستطيع أن يفسر فقط العلاقة التي كانت قائمة في الأصل بين الله والإنسان. وحيث إن الإنسان لم يقدر أن يحافظ على تلك العلاقة؛ فإن الله الكلمة ـ برحمته ـ وحّد هيبوستاسياً (أقنومياً) بذاته ناسوتاً لكي ما يثبِّت الإنسان في حقيقة نعمة خلاصه للجنس البشري.[45]
وهكذا فإن العلاقة التي تأسست بين الله والإنسان في يسوع المسيح هي علاقة حميمية وشخصية أكثر من تلك التي كانت قائمة بين الله وآدم قبل سقوطه. وسيستمر يسوع المسيح إلى الأبد في حالة هذه العلاقة بكونه ’الله ـ الإنسان‘ (الله المتأنس).
5. عبارة “هيبوستاسيس واحد” وعبارة “طبيعة واحدة مركبة أو هيبوستاسيس واحد مركب”:
يعترف كل من اللاهوتيين الخلقيدونيين وغير الخلقيدونيين بأن يسوع المسيح هو “هيبوستاسيس واحد”، رغم أنهما لا يتفقان في تفسير ماهية الهيبوستاسيس الواحد. والهيبوستاسيس الواحد (للمسيح) عند اللاهوتيين غير الخلقيدونيين هو ’هيبوستاسيس مركب‘ وهم يعتبرون أن عبارة “هيبوستاسيس واحد مركب” هي مرادف لعبارة “طبيعة واحدة مركبة”. أما الجانب الخلقيدوني ـ على الأقل في الشرق ـ فيفصل بين العبارتين.
ونجد أن يوحنا الدمشقي ـ على سبيل المثال ـ يفضل عبارة “هيبوستاسيس واحد مركب”* وليس عبـــارة “طبيعة واحـــدة مركـبة”.[46] ويصـــر شــــــارلز مــوللر (Charles Moeller) على أن تعبير “هيبوستاسيس مركب” هو تعبير مبهم وغامض وغير مقبول من الكنيسة.[47] ولو كان مصطلح ’طبيعة‘ يُستخدم بمعناه العام المجرد، وليس كحقيقة محددة (مخصخصة)، لكان رفض الفكر اللاهوتي الخلقيدوني لعبارة “طبيعة مركبة” يصير مفهوماً.
ولكن السؤال هو: كيف يمكن لناسوت المسيح كحقيقة عامة مجردة أن يدخل حيز الزمان والمكان ما لم يكن في صورة شخص مرئي وملموس (أي في صورة محددة)؟. ويبدو أن الفكر اللاهوتي الخلقيدوني هنا كان قلقاً بشدة من أجل استبعاد احتمالية الاضطرار للاعتراف بأن الله هو ’رابوع‘ بدلاً من ثالوث. وهكذا نرى أنه كان هناك فرق بين التفسير الخلقيدوني وغير الخلقيدوني حول هذه النقطة.
وبواسطة عبارة “هيبوستاسيس مركب” أو “طبيعة مركبة” يؤكد الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني على الوجود المتزامن للاهوت والناسوت في المسيح الواحد. وهذا يعني أن شخص يسوع المسيح الواحد قد تكوَّن بواسطة اتحاد اللاهوت والناسوت. وكان تعريف الإيمان الخلقيدوني قد أكد أن طبيعتي اللاهوت والناسوت “يتواجدان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد”.
وقد أصر الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني على الطابع المركب لشخص المسيح، وكان هذا الفكر مؤسس على مفهوم سكندري الأصل. فإذا كان ’الهيبوستاسيس الواحد‘ ـ الذي جاء في اعتراف الإيمان الخلقيدوني ـ لم يؤخذ بكونه “هيبوستاسيس واحد مركب”، فإن هذا يعد إثباتاً إضافياً أن البطريرك ساويروس ومن يتفققون معه كانوا بالتأكيد على حق في حكمهم أن مجمع خلقيدونية لم يحافظ على مدلولات المفاهيم السكندرية التي قصدها الآباء.
ويؤكد الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني أن اتحاد اللاهوت والناسوت في يسوع المسيح لم يكن اتحاداً لطبيعتين في صورتهما العامة المجردة، ولكن اتحاداً لله الابن مع الناسوت الذي صار مخصخصاً (individuated) في الاتحاد. وبالرغم من أن الناسوت لم يكن هيبوستاسيس مستقل في مقابل (هيبوستاسيس) الله الابن، فقد صار (الناسوت) في الحالة الهيبوستاسية (hypostatic) في الاتحاد.
ومن هنا أصر كل من البطريرك ساويروس وتقريباً كل اللاهوتيين الآخرين المعترف بهم في الجانب غير الخلقيدوني، على أن الهيبوستاسيس الواحد ليس ’بسيطاً‘ (simple) ولكنه ’مركباً‘ (composite). وكان هذا المفهوم الكيرلسي ـ كما ذكرنا ـ يُظهر أن المقصود بمصطلح “طبيعة واحدة” ـ كما هو محفوظ في التقليد السكندري ـ لا يلائم وصفه كمكافئ لمصطلح ’الطبيعة الوحيدة‘ (monophysite).
وهيبوستاسيس يسوع المسيح الواحد ليس ببساطة هو هيبوستاسيس الله الابن، ولكنه هو هيبوستاسيس الله الابن في حالته المتجسدة. ولذلك كتب البطريرك ساويروس في كتابه “ضد النحوي”:[48]
“إن الطبيعتين والهيبوستاسيسين* الذي منهما تركب (المسيح)، قد أُدركا في الاتحاد بلا أي اختزال وبلا أي تغيير. ولكن من غير الممكن أن نميِّز بروسوبون لكل منهما، لأنهما لم يوجدا (في المسيح) منفصلين سواء في تحديد معين (specific concretion) أو في ثنائية. لأنه هو هيبوستاسيس واحد من كليهما، وبروسوبون واحد على نحو موحد* (conjointly)، وطبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد”.
وهكذا يصبح الأمر واضحاً جداً، فالهيبوستاسيس الواحد ليسوع المسيح هو من كلا اللاهوت والناسوت. ولم يكن على الإطلاق القصد من هذا التأكيد هو التقليل من السيكولوجية الإنسانية الخاصة بربنا، وإنما الاعتراف بها بدون الوقوع في موقف يتضمن تقسيماً للمسيح الواحد.
(R.V. Sellers: Two Ancient Christologies, London, 1954, p. 89, especially note 2)
[2] G. L. Prestige, God In Patristic Thought, London, 1952, p. 197.
[3] يقول يوحنا النحوي (بحسب إقتباس البطريرك ساويروس): “ولهذا السبب قَبِل المبارك كيرلس هؤلاء الذين أكدوا ’طبيعتين‘ لعمانوئيل، لكي يفلتوا من هرطقة أبوليناريوس. ومرة أخرى صدق على التأكيد على ’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘ لكي يدين نسطوريوس. فعندما يتم التأكيد على الأمرين فإنهما يشيران إلى الرأي الصواب، أما إذا تم استبعاد واحد منهما فقد يجعلنا هذا نقع في شر الآراء الهرطوقية”. انظر: (Contra Gr., I, p. 131).
[13] المرجع السابق صفحة 22. واستمر البطريرك ساويروس بعد ذلك في التأكيد على أن النحوي في إتهامه للكيان غير الخلقيدوني أنه يؤمن بنظرية ’أوسيا واحد‘ لم يقدم حتى دليلاً واحداً على صحة ذلك الإتهام. (انظر المرجع السابق صفحة 23).
[15] المرجع السابق صفحة 203. وفي تفنيده لرأي النحوي طالبه البطريرك ساويروس بأن يريه كيف يمكن أن نعترف أن المسيح ’في إثنين أوسيا‘ (لأن الأوسيا هو الحقيقة العامة المجردة). كيف يمكن على سبيل المثال أن يكون أوسيا الجسد حتى ولو كان موجوداً قبل الإتحاد بالله الكلمة أن يتخصخص ويتفرد ولايزال باقياً كأوسيا؟ وهل أن الله الكلمة قد وحَّد بنفسه ’هيبوستاسياً‘ الناسوت في عموميته (المجردة)؟ ألم يوحِّد بنفسه جسداً واحداً ذو روح وعقل ينتمي إلى الأوسيا البشري، أي إلى الجنس البشري بأكمله، وبهذا أصبح واحداً في الجوهر مع جنسنا؟ (المرجع السابق صفحة 267).
ويؤكد البطريرك ساويروس أن النحوي عليه أن يقر أن قصده الحقيقي ليس هو التأكيد على ’في إثنين أوسيا‘ وإنما ’في إثنين هيبوستاسيس‘ مما يحمل ضمنياً الاعتراف بأن الجنين قد تكون في الرحم بنفسه (مستقلاً) بمعزل عن الإتحاد بالله الكلمة. ويصر البطريرك ساويروس أنه لهذا السبب أكد النحوي على ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ والتي بها نكون من أصحاب عقيدة ’البروسوبونين‘ و’الابنين‘ و’المسيحين‘”. (المرجع السابق صفحة 268).
[17] “الله الكلمة الأبدي والذي بلا بداية، الذي ولد من الآب بغير ألم وبغير جسد، هذا قد صار متجسداً”. (المرجع السابق صفحة 131).
[18] كتب البطريرك ساويروس: “لقد صار متجسداً بواسطة الروح القدس من القديسة مريم الدائمة البتولية والدة الإله ’ثيؤطوكس‘، (وذلك بأن اتخذ) جسداً من نفس طبيعتنا ذو روح عاقلة مفكرة، وهذا الجسد لم يأتِ إلى الوجود قبل سكنى الله الكلمة في رحم العذراء”. وفي نفس الوقت أصر البطريرك ساويروس أن: “الله الكلمة وحَّد بنفسه الأوسيا الخاص بنا بأكمله ولم يترك أي شيء مما يتكون منه ناسوتنا”. (المرجع السابق صفحة 132).
[21] كتب البطريرك ساويروس: إن ق. باسيليوس قد عرَّف ذاك الذي صار متجسداً بأنه غير منقسم. وهو يرسم فاصلاً بين وقت ما قبل التجسد ووقت ما بعد التجسد، فقبل التجسد كان بغير جسد ولكنه بعد التجسد صار له جسد”. (المرجع السابق صفحة 117).
[34] هذا الأمر أكده البطريرك ساويروس مرات عديدة. ونقدِّم هنا مثالاً على ذلك حيث قال: “حينما نتأمل في الحقيقتين اللتين منهما تركب المسيح الواحد، سوف نرى في أذهاننا الطبيعتين اللتين التقيتا في الإتحاد غير المنقسم. أما بعد التفكير في الإتحاد، فليس من الصواب أن نؤكد على ’طبيعتين‘، لأن الطبيعتين لم تأتيا إلى وجودهما المحدد (داخل الإتحاد) منفصلتين، ولكن تكوَّن منهما معاً الهيبوستاسيس الواحد والطبيعة الواحدة لله الكلمة. (Contra Gr., I, p. 119)
* كثيراً ما كان ق. اثناسيوس يستخدم نفس هذا التعبير في حديثه عن تجسد الابن. (انظر ق. أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة، ترجمة د. جوزيف موريس، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة. فصل: 8، 10، 20، 25، 31)
[43] لقد تبنى الجانب الأنطاكي والجانب الخلقيدوني وجهات نظر متشابهة برغم وجود اختلافات طفيفة. أنظر صفحة 519 وصفحة 539.
[44] انظر صفحة 379. من أجل توضيح أكثر انظر صفحة 540.
[45] وكما ذكر ق. بولس أنه “حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً”. (رو 5: 20)، فقد أكد مار فيلوكسينوس أنه بالتجسد خلق الله الإنسان من جديد في داخل شخصيته الخاصة. انظر صفحة 448.
* وحتى بالنسبة لتعبير ’هيبوستاسيس واحد مركب‘ يختلف يوحنا الدمشقي في تفسيره تماماً عن البطريرك ساويروس الأنطاكي. انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب.
* يقول ق. كيرلس في رسالته إلى أكاكيوس أسقف مليتين: “لأنه يُعترف أن هناك طبيعة واحدة للكلمة، ولكننا نعرف أنه تجسد وصار إنساناً… وبناء على هذا فقط يُفهم إختلاف الطبيعتين أي الهيبوستاسيسين (الأقنومين)، لأن اللاهوت والناسوت ليسا هما نفس الشيء من جهة النوعية الطبيعية” (رسائل ق. كيرلس السكندري، الجزء الثالث، ترجمة وإصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة 1995م. رسالة 40: 15 صفحة 51).
* أي بروسوبون واحد للهيبوستاسيس الواحد الذي تركب من اتحادهما معاً
في الفكر اللاهوتي لكل من الخلقيدونيين وغير الخلقيدونيين، يسوع المسيح هو الله الابن الذي تجسد وصار إنساناً، والله الابن هو “الواحد من الثالوث”. وكان كلا الجانبان قد ورث الفكر اللاهوتي الكبادوكي الخاص بعقيدة الثالوث ولكنهما لم يتفقا كثيراً مع تعاليم ق. أغسطينوس.
ويؤكد الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني على وجه الخصوص (بحسب المفهوم الكبادوكي) أن الله هو ’أوسيا‘ واحد وثلاثة ’هيبوستاسيس‘، بما يعني أن اللاهوت الواحد يتفرد ويتخصخص (individuated) أزلياً وبالتساوي والكمال في الأشخاص الثلاثة الآب والابن والروح القدس. وبما أن الأوسيا بكليته يتفرد ويتخصخص في كل واحد منهم، لذلك فإن الآب هو إله كامل والابن هو إله كامل والروح القدس هو إله كامل، ولكن مع ذلك هم ليسوا ثلاثة آلهة لأن كل منهم له نفس الأوسيا فيه.*
والأوسيا أي اللاهوت هو غير منقسم، ولا يوجد بنفسه بعيداً عن الثلاثة أشخاص (هيبوستاسيس).
ومع ذلك لم يكن هذا التفسير لعقيدة الثالوث، في نظر اللاهوتيين غير الخلقيدونيين، كافياً تماماً لشرح سر الله المكنون، لذلك نرى البطريرك ساويروس على سبيل المثال يصر على أن “الثالوث القدوس لا يخضع للتعريفات الطبيعية، أو الأبحاث العقلانية، لأن ماهيته هي فوق إمكانية المعرفة”. فهو أبعد من كل شيء، ويعلو على كل فكر، ولا يمكن لعقولنا أن تدرك الثالوث القدوس.
وحتى المصطلحات ’أوسيا‘ و ’فيزيس‘ و ’هيبوستاسيس‘ وغيرها، هي غير كافية في الحقيقة لتشرح المعنى الحيقي لله، إلا أننا نستخدمها فقط لمساعدتنا على شرح بعض المفاهيم الفائقة.
والله هو الثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس. والعلاقة الأولية للابن مع الآب هي الوحدانية في ’الأوسيا‘، وهو الابن الفريد المولود من الآب وولادته هي في الأزل. والابن بلا بداية وقبل الزمن، وهو “حكمة الله وقوة الله”. وهو “مولود من الآب ـ مثل ’الكلمة‘ ـ بلا بداية وبلا ألم أو أي قيود جسدية”.
والابن مولود من الآب “قبل الزمن وقبل كل الدهور ومنذ الأزل”، وهو “بهاء مجده وصورة شخصه”. وهو “المولود الوحيد، والفريد من الفريد، والذي له في كيانه كل ما للآب دون أي نقصان. ولأنه مولود على هذا النحو، “فهو يسكن (أو كائن)” في أبيه بكونه “صورته غير المتغيرة”.[1]
إذن فالابن مولود من الآب والروح القدس ينبثق من الآب منذ الأزل، ولا يعني هذا أن الآب سابق على الابن والروح القدس، ولا أن الابن والروح القدس لاحقان للآب في الزمن، فالثلاثة أشخاص أزليون معاً ومتساوون معاً.
والآب والابن والروح القدس مشتركون في الطبيعة والإرادة والسلطة، ولذلك فإن الابن والروح القدس حاضران مع الآب في كل ما يفعله، وعلى نفس النحو يكون الآب والروح القدس حاضرين مع الابن في كل ما يفعله، ويكون الاب والابن حاضرين مع الروح القدس في كل ما يفعله. والآب يخلق بواسطة الابن ويكمِّل الخليقة في الروح القدس.
والآب يختلف عن الابن وعن الروح القدس فقط في كونه وحده هو آب، أو في كونه وحده له الأبوة؛ والابن يختلف عن الآب والروح القدس فقط كونه وحده له البنوة؛ والروح القدس يختلف عن الآب والابن فقط في كونه الرب الذي يسكن في الخلائق ويلهمهم لكي يعرفوا الله.*
والله غير قابل للتغير، ولذلك لا يخضع لأي تحول في طبيعته؛ وهو كامل في ذاته ولذا لا يقبل أية إضافة في كيانه؛ وهو يخلق ليس بسبب اضطرار موضوع عليه، ولكن كتعبير عن حبه اللانهائي.
وبعيداً عن الزمان والمكان وكافة القيود الأخرى يتصل الله بخلائقه وبالعالم. أما العالم فكائن في الزمان والمكان وبقية القيود الطبيعية، وقد صنعه الله شيئاً حقيقياً وخطط ليقوده نحو الكمال الذي قصده له، والعالم لم يضف أي شيء إلى الله الكامل أزلياً، والذي هو بالحقيقة وحده المستقل (غير الاعتمادي) والكائن ذاتياً (independent and self-existent).
وكان اللاهـوتيون غير الخلقـــيدونيين قد استبعدوا كلاً من: (1) السابلية، حيث أكــــدوا على أزلـــــية وكمـــال الثلاثة أقانيم؛ (2) الديناميزم (Dynamism) التي كان ينادي بها بولس السموساطي،# حيث اعترفوا أن الآب والابن والروح القدس هم ثلاثة أشخاص حقيقية أزلية؛ (3) الأريوسية، إذ قد إعترفوا مع آباء نيقية بأن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب؛ (4) المقدونية، حيث قد أكدوا أن الروح القدس له ذات الجوهر الواحد مع الآب والابن.
وكما أدان غير الخلقيدونيين هذه الهرطقات التي كانت ضد عقيدة الثالوث القدوس قبل مجمع خلقيدونية، فقد تصدوا كذلك لموقف الذين نادوا بثلاثة آلهة في القرن السادس ومحاولتهم لنشر هذا الفكر الخاطئ.[2]
وهكذا نجحوا في مقاومة كل من هرطقة الثلاثة آلهة من ناحية، والهرطقة السابلية ـ والتي تُعرف ايضاً بالشكلية (modalism) ـ من الناحية الأخرى، ففي مواجهة الأولى أصر غير الخلقيدونيين على أن الله أوسيا واحد وطبيعة واحدة وإرادة واحدة وسيادة واحدة، وفي مقاومة الثانية أكدوا أنه متى فكرنا في الآب أو الابن أو الروح القدس، فإننا يجب أن نقر أن كل واحد منهم هو أوسيا وطبيعة وإرادة وسيادة في ذاته.
هو صار إنساناً:
كان التأكيد الدائم المتكرر لكل اللاهوتيين غير الخلقيدونيين هو أن الله الابن، الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس، قد صار إنساناً. ويؤكد مار فيلوكسينوس أسقف منبج على سبيل المثال أن الله الكلمة أو الله الابن “صار جسداً في رحم العذراء”.[3] وهي قد حملته وهو صار جسداً؛ أو بصورة أدق: هو صنع لنفسه جسداً من رحم العذراء، جسداً له روح عاقلة ومدركة، وجعله جسده الخاص.[4]
ويصر مار فيلوكسينوس أنه (أي الابن) لم يتخذ لنفسه جسداً كان قد تكوّن من قبل؛ لأن هذا لا يعتبر تجسداً.[5] ومن هنا فإن الجسد ـ الذي كان يعني بالنسبة لأسقف منبج ’إنساناً كاملاً‘ ـ قد أُخذ من رحم العذراء.
وهناك أمران واضحان في كلام مار فيلوكسينوس: أولاً، كان تعبير ’صار جسداً‘ لا يعني أن الله الكلمة قد تغير إلى إنسان، ولكنه كان يعني فقط أنه قبل في نفسه وبإرادته إخلاءً ذاتياً، وولد من أم إنسانية.[6]
وهكذا فإن الذي وُلد أزلياً من الآب بحسب الطبيعة، وُلد كإنسان تحت ظروف الزمان والمكان لأجل خلاصنا،[7] ولكي يولد هكذا صنع الله الكلمة لنفسه جسداً من رحم العذراء. ثانياً، كان تعليم مار فيلوكسينوس يشير إلى تدبير إلهي حقيقي مطلق، اتخذ فيه الله الابن ناسوتاً، يتكون من كل شيء إنساني، بكل ما في ذلك من معنى حقيقي، باستثناء الخطية وحدها.[8]
وبالتالي فقد حُبل به، وولد كرضيع، ونما كطفل؛ وكان خاضعاً لكل قوانين الطبيعة، وتحمل الألم، والسخرية والخزي والعذاب ومات وقام ثانية من بين الأموات.[9]
وفي تأكيده على تجسد الله الابن، أوضح أسقف منبج أن أحد أهداف التجسد هو أن يعطينا معرفة عن طبيعة الله الحقيقية، ويقول مار فيلوكسينوس أنه بالتجسد عرفنا أنه يوجد (من يُدعى) الله الابن،* فلو لم يتجسد الابن لما كانت هذه الحقيقة قد كُشفت لنا.[10]
وكان للبطريرك ساويروس الأنطاكي فهماً أكثر تطوراً لعقيدة التجسد، فقد أكد أن الله الابن خصخص له ناسوتاً في الإتحاد معه، واتخذه ناسوته الخاص.[11] وقد تخصخص (individuated) ناسوت المسيح بنفس الطريقة التي تحدث بالنسبة لأي إنسان آخر، ماعدا أن الجسد في تلك الحالة أخذ وجوده في معية الله الكلمة.[12]
وقد تكوَّن الجسد أو الناسوت بالفعل من جسد الأم العذراء، وعندما “أكمل الوقت كجنين”[13] وُلد كطفل بشري. وفي تأكيده على أن الكلمة “صار جسداً”، كان ساويروس مهتماً بالاعتراف أن “الجسد اتخذ وجوده في ذات الطبيعة المتجسدة لله الكلمة”، وأن الجسد “خضع للنمو التدريجي” في أخذه صورة الإنسان.[14]
ومن الجدير بالذكر أن البطريرك ساويروس كان قد أكد نقطتين هامتين بخصوص ميلاد المسيح، النقطة الأولى هي أن الميلاد كان من عذراء بدون تدخل رجل، وقد ذُكرت هذه النقطة فيما قبل.[15]
والنقطة الثانية هي أن هذا الميلاد كان ميلاداً حقيقياً وتلا حبلاً حقيقياً ونمواً للجنين في رحم الأم. ولذلك كتب ساويروس خطاباً إلى أنطونينو أسقف أليبو[16] (Antonino of Aleppo) يقاوم فيه رجلاً كان يعلِّم أن “العذراء القديسة لم تحس بالولادة”، واحتوى هذا الخطاب على تأكيد البطريرك ساويروس أن “العذراء ولدت وهي تشعر” بحقيقة الولادة، وأن “هذه الولادة لم تكن خيالية”.
“وإذ أراد أن يشترك بالحقيقة في كل شيء يخصنا مقدِّماً نفسه كواحد منا نحن أخوته في كل شيء ما خلا الخطية، وُلد باليقين في الجسد ميلاداً ظاهراً حقيقياً، جاعلاً تلك التي ولدته أن تشعر (بحقيقة الولادة)، وإن كانت قد تحررت من كل آلم أو معاناة”.
وأكد البطريرك ساويروس على أمرين بخصوص أم ربنا، أولاً أنها ولدته وهي عذراء، وثانياً أنها ثيؤطوكس (والدة الإله)، وحيث إننا قد تعرضنا للأمر الأول، فسنناقش الأمر الثاني باختصار في السياق التالي.
يعلق البطريرك ساويروس على فقرة من رسالة ق. كيرلس إلى الرهبان، ويؤكد أن السر الخاص بميلاد المسيح يشبه ذلك الخاص بميلادنا[17] فيقول: “حينما تقضي الأمهات على الأرض فترة حملهن الطبيعية، يتكون في أرحامهن الجسد الذي يأخذ شكله تدريجياً”، ويضع الله فيه روحاً بطريقة لا يعلمها إلاّ هو وحده، وبفعل الله ينمو الجسد إلى قوامه الكامل.
وفي الأساس الجسد مختلف عن الروح، “ولكن على الرغم من أن الأمهات على الأرض هن أمهات للأجساد فقط، فإنهن يلدن الكيان المركب من الجسد والروح بأكمله”. ولذلك لا يقول أحد أن “أليصابات حملت الجسد وليس الروح”. ونفس الشيء حدث بالنسبة لميلاد عمانوئيل، فالله الابن صار مثلنا “وولد في الجسد بواسطة امرأة. وبالرغم من أن العذراء كانت أماً لناسوت المسيح وحده، فلأن الناسوت قد أتى إلى الوجود وتكوَّن فقط، داخل الاتحاد مع الله الابن، فقد ولدت الله المتجسد، ولذلك صارت هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘”.
ولم يكن بالقطع تأكيد البطريرك ساويروس على الميلاد البتولي ولا على الاعتراف بالعذراء كثيؤطوكس، بقصد الانتقاص من حقيقة أو كمال ناسوت المسيح، بل كان القصد هو التأكيد على وحدة المسيح.
وكانت هناك أيضاً خمس أمور على الأقل أكدها البطريرك ساويروس الأنطاكي بخصوص ناسوت المسيح نوردها فيما يلي:
إن الناسوت لم يتغير إلى اللاهوت، وقد أصر ساويروس على أن “الجسد لم يتخلى عن طبيعته كجسد، بالرغم من أنه صار جسد الله”.[18]
إن اتحاد الطبيعتين لم يؤثر على الحـالة المخلوقية (creaturely status) للناسوت أو خواصه وملكاته.
إن الله الابن في حالته المتجسدة سمح للناسوت أن يمارس كل وظائفه المخلوقية من (داخل) حالة الاتحاد. وعلى هذا النحو نما الجنين في الرحم واكتمل كطفل بشري، وعندما حان الوقت وُلد في العالم. وبعد ولادتـــه نما الطفل وتقوّى، وامتلأ بالحكمة “وكانت نعمة الله عليه”.[19] كما كان للناســوت وعيه الذاتي (self-consciousness)، وحريته المخلوقة بكاملها، ولكن لأن الناسوت كان متحداً بغير انفصال مع اللاهوت، فالحقيقة في واقع الأمر أن تلك الملكات (الخاصة بالناسوت) لم تُستخدم على نحو خاطئ في عصيان الله.
كان للناسوت كل القيود الخاصة ببشريتنا ماعدا كونه بغير خطية، ولذلك أصبح من الممكن أن يكون محكوماً بوجود محدود؛ وأن يجوع ويعطش ويتعب جسمانياً؛ وأن يُرفض من خاصته ويُسلم إلى السلطة السياسية في عصره كمجرم؛ وأن يعاني التعذيب والألم والموت. وكانت كل خبرة من هذه الخبرات شديدة الوطأة جداً، ولم تكن لا خيالية ولا خادعة، بل في الواقع كانت حقيقة تلك الخبرات أمر أساسي لخلاصنا الذي أتى الرب لتتميمه.
كل الحقائق البشرية قد أخذها الله الابن كخاصته (أي جعلها خاصة به) في التدبير الخلاصي.
وفي محاولة البطريرك ساويروس توضيح التعليم الخريستولوجي لغير الخلقيدونيين، كانت له إجابة هامة على سؤال يختص بما حدث لناسوت المسيح بعد القيامة. وقد رد البطريرك ساويروس على هذا التساؤل في رسالته إلى كنيسة حمص[20] (Homs)، حيث كان هناك شخص يروج فكرة أن الله الكلمة الذي صار متجسداً، أصبح بعد القيامة بدون جسد لأنه “خلع ما كان متحداً به هيبوستاسياً”. وقد فند البطريرك ساويروس هذه الفكرة وأصر على أنها “أبعد من كل تقوى وأكبر من كل تجديف”.
وفي رسالته إلى كليدونيوس (Cledonius)، كتب البطريرك ساويروس أن غريغوريوس النزينزي كان قد أدان بالفعل الذين يقولون إن “الجسد قد طُرح (تُرك) الآن، وأصبح اللاهوت بدون الجسد”، وأضاف البطريرك ساويروس: إن الله الكلمة في طبيعته هو بدون لحم ودم، ولكن في تدبيره الخلاصي اتخذ لحماً ودماً، ولا يعني هذا أنه كان يعاني قصوراً في الكمال (ليأخذ شيئاً لم يكن فيه)، ولكنه أخذ لحماً ودماً لكي يتمم خلاص الجنس البشري في جسد بشري.
وهكذا فإن الطبيعة البشرية التي اتخذها لم تُبتلع (أو تتلاشى) في ’أوسيا‘ اللاهوت. ولذلك أصر البطريرك ساويروس على أن “الجسد بقي جسداً حتى بعد القيامة والصعود الإلهي، وهو يضيء في المجد الخاص بالابن الذي له هذا الجسد. وبكونه جسد الله فهو (جسد) إلهي، ولكنه لم يتغير إلى ’أوسيا‘ اللاهوت”. فالناسوت الذي أخذه الله الابن وجعله خاصاً به في التجسد هو ناسوت مخلوق، وسيبقى هكذا إلى الأبد وهو لم يمتص في الطبيعة الإلهية.
الكلمة صار إنساناً في يسوع المسيح:
إذاً كان المفهوم الذي شدد عليه غير الخلقيدونيين هو أن واحداً من الثالوث القدوس وهو الله الابن، قد صار متجسداً ومتأنساً. وكانت الفقرة الكتابية الحاسمة التي يُشار إليها هي التي جاءت في إنجيل يوحنا: “الكلمة صار جسداً وحل بيننا”،[21] وكان يُذكر معها أيضاً كلمات بولس الرسول: “الله أرسل ابنه مولوداً من امرأة”.[22]
وبينما كان البابا تيموثاؤس إيلوروس يؤكد على أن الناسوت كان حقيقياً، كان يصر أيضاً على أن الله الابن في التجسد صار “واحداً مع الجسد”. وقد عبَّر البابا تيموثاؤس عن وجهة نظره بصورة أوضح بواسطة فقرة اقتبسها ـ وهو متفق معها ـ من الأعمال الزائفة المنسوبة ليوليوس أسقف روما (Pseudo-Julius of Rome)، حيث قال:[23]
“إذاً، فإن كان الذي وُلد من العذراء يُدعى يسوع، فهو نفسه الذي بواسطته دُعيت كل الأشياء إلى الوجود. فالطبيعة هي واحدة، لأن الشخص هو واحد، وهو الذي لا يمكن أن ينفصل إلى إثنين: لأنه في التجسد، لم توجد طبيعة الجسد قائمة بذاتها (مستقلة)، ولم توجد طبيعة اللاهوت منفصلة عنها”.
لقد كان ناسوت المسيح حقيقياً، ولكنه لم يوجد قائماً بذاته منفصلاً عن اللاهوت.
ولكي يؤكد البابا تيموثاؤس حقيقة بشرية المسيح، أقتبس فقرة من يوحنا أسقف أورشليم ـ وهي التي قام البطريرك ساويروس باستخدامها مرة ثانية في كتابه ضد يوليان أسقف هاليكارنيســوس ـ وتبدأ هذه الفقرة بذكر أن ربنا وُلد من مريم العذراء بفعل الروح القدس، ثم تستمر كما يلي:[24]
“وأخذ جسداً حقيقياً وليس خيالياً من جسدها، وهذا الجسد له نفس طبيعة جسدنا. وفي (هذا) الجسد تحمل الآلام بالحقيقة لأجلنا، وتعب من السفر مثلنا بدون أي خداع، ومثلنا (أيضاً) نام وشعر بآلام الجروح التي أصابته بواسطة بيلاطس. وعندما لُطم على خديه تحمل الوجع؛ وحينما ثُقبت يداه ورجلاه بالمسامير، كان يشعر بالألم… ونحن نعترف كذلك أن له نفساً عاقلة تحملت (هي الأخرى) المعاناة مثلنا ولأجلنا. وقد تحمَّل حقيقة آلام النفس أي الحزن والكرب والتنهد”.
وقد أكد الكاتب ـ ومعه البطريركان تيموثاؤس وساويروس ـ أن كل هذا كان حقيقياً (وليس وهماً أو خيالاً أو خداعاً)، وهكذا فإن المسيح ذاته كان ـ في آنٍ واحد ـ له ذات الجوهر الواحد مع الله الآب ومع الله الروح القدس، وله ذات الجوهر الواحد معنا. وحيث إنه كان وحدة (unity)، فإن الناسوت لم يوجد فيه في حالة استقلال أو انفصال عن اللاهوت.
أما مار فيلوكسينوس فيقر أن قانون الإيمان النيقاوي يشرح الإيمان الإنجيلي بتأكيده على أن الله الابن نفسه هو الذي نزل من السماء، وولد من العذراء، وتألم، ومات، وقُبر، وقام ثانية… وينسب كل هذه الحقائق لله الابن المتجسد، وليس بعضاً منها إلى الله الابن وبعضاً منها إلى الطبيعة البشرية. فالإيمان إذاً هو أن الله الابن “بحلوله في الرحم وتجسده، فإن نفس الواحد قد أُعلن ـ في آنٍ واحد ـ أنه هو الكلمة والجسد، الله والإنسان، المُخفى والظاهر، صورة (هيئة) الله وصورة الإنسان”. وبكونه صورة الله، فهو الكلمة الأزلي الواحد مع الآب في الجوهر، وبكونه صورة الإنسان فإنه هو نفسه قد صار واحداً معنا في الجوهر.[25]
ويؤكد مار فيلوكسينوس أن التجسد هو عمل الله، وهو عمل من خلاله أصبح الله الكلمة “أحد أشخاص الثالوث” وبالتحديد “الشخص الأوسط (middle person)، وسيطاً بين الله والإنسان”.
وقد فعل ذلك “بتجسده في رحم العذراء”، و”بتأنسه لكي يخلق كل إنسان في نفسه من جديد”. ويؤكد مار فيلوكسينوس أنه طبقاً لذلك، فإن الله الذي خلق آدم في البداية خارجاً عن شخصه، قد قام الآن بإعادة خلقة طبيعة الإنسان في ذاته.[26] وهذا سر نعترف به بالإيمان وليس بالمنطق، فيسوع المسيح بالنسبة للعين المجردة هو إنسان عاش على مستوى التاريخ، ولكن بالنسبة لعين الإيمان فهو الله الكلمة الذي صار متجسداً.
وإذا انتقلنا إلى البطريرك ساويروس الأنطاكي فسنجد أنه قد ذكر خمسة ملاحظات في معرض تأكيده على أن يسوع المسيح هو الله الكلمة المتجسد سنوردها فيما يلي:
في التجسد، “لم تتغير الطبيعة الإلهية للكلمة إلى ما لم تكن عليه”، ولكنه (أي الكلمة) ظل كما هو. وحينما صار الكلمة جسداً، فإنه هو نفسه كان الإله الكامل والإنسان الكامل. فالكلمة الذي لا يُرى قد أصبح مرئياً. لأن ما كان هو عليه وما أصبح عليه ليسا اثنين، لأنه هو واحد.
لقد قبل الله الابن حالة التجسد كتدبير لأجل خلاص العالم. وقد اتخذ حياة بشرية كاملة، وجعل نفسه بالحقيقة مع الإنسان الساقط، وحقق خلاصه إلى الأبد.
إن تدبير الخلاص هو عمل إلهي، قبل فيه الله الابن ميلاداً ثانياً من أم بشرية، بالإضافة إلى ولادته الأزلية من الله الآب. ولكن هذا لم يؤثر على كيانه الأزلي، فبكونه الله هو يملأ كل شيء وفعله مدرك في كل مكان في الطبيعة وأيضاً في الإنسان. وهذه الأعمال تمثِّل ضبط الله وتوجيهه (للخليقة)؛ ولكن في التجسد تم إعلان الله عن ذاته.
إن التأكيد بأن الله الابن صار إنساناً لا يعني أن الكون أصبح محروماً من عنايته الإلهية أثناء حياته على الأرض. وكان البطريرك ساويروس ـ مثل مار فيلوكسينوس وبقية اللاهوتيين غير الخلقيدونيين ـ يصر على أن الله الابن لكي يصبح متجسداً كان لابد أن يقبل في نفسه إخلاءً ذاتياً، وهذا المفهوم له دلالاته الهامة التي سنلتفت إليها فيما بعد.
إن أساس مفهومنا عن التجسد هو اعتراف الكنيسة بأنه سر ينبغي قبوله بالإيمان. ونحن نؤمن أن “هيبوستاسيس الله الكلمة ذاته صار متجسداً، بحسب التقليد الرسولي للكنيسة الذي تسلمته منذ القديم”.
وهذا التأكيد على أن يسوع المسيح هو ابن الله المتجسد وأنه في آن واحد إله كامل وإنسان كامل، يمكننا أن نجده في أي عبارة لاهوتية تشير إلى شخص المسيح عند قادة الجانب غير الخلقيدوني. ونستطيع أن نذكر هنا عبارتين من تلك العبارات وضعهما الجانب غير الخلقيدوني في القرن السادس. وتظهر العبارة الأولى في الاعتراف الذي قدَّمه القادة غير الخلقيدونيين للإمبراطور جوستنيان عام 531م.[27]
فبعد التعبير عن إيمانهم بالثالوث القدوس، أكدوا أن واحداً من أشخاص الثالوث القدوس وهو الله الكلمة ـ بإرادة الله الآب ولأجل خلاص البشر ـ اتخذ في الأيام الأخيرة جسداً من القديسة العذراء مريم والدة الإله (ثيؤطوكس) بالروح القدس، وهذا الجسد له روح عاقلة مفكرة. ولأنه له نفس الطبيعة معنا، فقد كان الجسد قابلاً للألم.
وقد صار الله الكلمة إنساناً ولكنه “لم يتغير عما كان عليه، لذلك فهو واحد مع الآب في الجوهر فيما يخص اللاهوت، وأصبح واحداً معنا في الجوهر فيما يخص الناسوت. وبهذه الطريقة، أصبح الذي هو الكلمة الكامل ابن الله، إنساناً كاملاً بغير تغيير”.
وأكد القادة (في هذا الاعتراف) أن التجسد كان حقيقياً وليس ظاهرياً. “وقد تحمل عنا إرادياً الآلام البريئة الطبيعية في جسده القابل للألم، الذي هو واحد معنا في نفس الجوهر، وقبل كذلك موتنـــا لأجلــنا. كما وهب لنــــــا أيضاً الحيــــاة بقيامـــته اللائقــة بالله (God-befitting)، واستعاد لأول مرة عدم الفساد وعدم الموت للجنس البشري”.
وأضاف القادة أنه لا ينبغي أن نقسِّم الرب المتجسد إلى شخصين أو طبيعتين، كما فعل نسطوريوس ومؤيدوه، ولكنه “وهو الذي مثل الآب في كل شيء ماعدا الأبوة، قد صار له نفس الطبيعة معنا وأصبح يُسمى ابن الإنسان. وهو واحد، لأن هو نفسه أُظهر بكونه إلهاً وإنساناً (في آنٍ واحد)، وولد كما هو كطفل من أجلنا”. ولذلك “فإن الذي كان في السابق بسيطاً وليس مركباً، أي الله الكلمة، صار متجسداً من العذراء مريم والدة الإله، ووحد بنفسه (to himself) جسداً مُحيَاً بروح عاقلة، وأصبح مركباً في التجسد”.
وهذه العبارة في الحقيقة واضحة تماماً، وهي تؤكد في كلمات بسيطة جداً أن يسوع المسيح هو في آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل، وأنه وحدة (unity)، وأنه هو الله الابن الذي صار متجسداً بالمعنى الحقيقي الكامل.
أما الوثيقة الثانية فقد كُتبت عام 536م، لأنه بعد فشل المباحثات بين البطريرك ساويروس وجوستنيان طُرد الأول من المدينة، وقبل مغادرته تبادل هو وأنثيموس وثيؤدوسيوس الرسائل التي تعبر عن اتفاقهم في الإيمان.[28] وفيما يلي ملخص الرسالة التي بعث بها البطريرك أنثيموس إلى البطريرك ساويروس:
ذكرت الرسالة أن قانون إيمان نيقية حسبما فهمه وأقره مجمعا عام 381م وعام 431م، وكذلك حروم ق. كيرلس الإثني عشر، بالإضافة إلى منشور الإتحاد (هينوتيكون) لزينو ـ كلها وثائق إيمانية مقبولة. واستمر أنثيموس بعد ذلك يقول:
“إن الله الكلمة المولود من الآب قبل العالمين، الذي له ذات الطبيعة الواحدة وذات الأزلية الواحدة مع الآب، الذي به عُملت (خُلقت) كل الأشياء، هذا قد صار في الأيام الأخيرة متجسداً من العذراء مريم والدة الإله بالروح القدس”. “وقد وحَّد هيبوستاسياً (hypostatically) بنفسه جسداً له ذات الطبيعة معنا وله روح عاقلة مفكرة. وقَبِلَ أن يشابهنا بغير تغيير أو اختلاط أو خطية”، مجتازاً ميلاداً ثانياً.
والأم العذراء هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘، “والذي وُلد منها في الجسد هو إله كامل وإنسان كامل. وهو ابن واحد ورب واحد ومسيح واحد وطبيعة واحدة متجسدة للكلمة”. وتعبير ’طبيعة واحدة‘ لا يعني أن أي من الطبيعتين قد فُقد في الإتحاد. “لقد صار إنساناً بالتمام، بينما ظلت كل من الطبيعتين بدون اختلاط طبقاً للمبدأ (الأصل) الذي عليه كل من هاتين اللتين إلتقيتا معاً في اتحاد غير قابل للانفصال”. وبالتالي فإن كلاً من الطبيعتين استمرت في الإتحاد (ولم تُفقد).
وأصر أنثيموس على أن التجسد لم يحول الثالوث إلى ’رابوع‘ (Quaternity)، ولكن حيث إن الله الكلمة هو فوق التألم بطبيعته فقد اتخذ جسداً له ذات الطبيعة معنا لكي يشترك في معاناتنا. وقد تألم في الجسد، وبالرغم من أنه غير قابل للألم بلاهوته، إلاّ أنه تألم فيما اتخذه (أي في الجسد).
“إنه تألـــم بالحقيقة ـ وليس ظاهرياً ـ في الجسد الذي هو بالطبيعة قابل للألم”. وأكد أنثيموس أننا مع ذلك لا نفصل هاتين اللتين إلتقيتا معاً في الاتحاد؛ “ولا نتحدث عن من هو واحد، وفوق كل تعبير، بأنه طبيعتين أو نَصِفه بأنه في طبيعتين”. وفي نفس الوقت “لا نُدخِل أي اختلاط (في الاتحاد) بإلغاء الاختلاف بين اللاهوت والناسوت”.
التعليم عن المسيح (الخريستولوجي) والتعليم عن الخلاص (السوتيريولوجي):
لقد أجمع اللاهوتيون غير الخلقيدونيين على التأكيد بأن القصد من التجسد هو خلاص العالم، وقد حققه الله في ومن خلال حياة إنسانية. ومن أجل تتميم خلاص العالم، صار الله الابن ـ الذي بواسطته خُلق العالم ـ متجسداً حسب مشيئة ومشاركة الله الآب والله الروح القدس.
ويسوع المسيح الابن المتجسد هو الوسيط بين الله والإنسان، وهو يقف في الوسط لأنه في آنٍ واحد متواصل (في وحدانية الجوهر) مع الله الأزلي ومع الإنسان المخلوق، ولذلك فهو فريد في خواصه (sui generic)، وهو المخلِّص الواحد والوحيد للعالم. ولأنه الوسيط، فقد تمت فيه خلقة الجنس البشري من جديد، وهو آدم الثاني وأول عضو في البشرية الجديدة وسيستمر رأساً لها إلى الأبد.
وقد عالج البطريرك ساويروس بشكل مختصر جداً موضوع القصد من التجسد في كتابه “ضد النحوي” ، ونورد منه هنا هذه الفقرة الحاسمة:[29]
“لقد صار ابن الله الوحيد واحداً معنا في الجوهر، من خلال اتحاده هيبوستاسياً بجسد مُحيَ بروح عاقلة. وبسبب هذا، أصبح ’أوسيا‘ البشرية بكامله وكل الجنس البشري متحداً بالحب مع الطبيعة الإلهية التي كان غريباً ومُبعداً عنها فيما سبق. ولذلك ـ كما هو مكتوب ـ فنحن الذين جُبلنا مؤهلين للتوافق الأصلي (مع الأصل)، أصبحنا شركاء الطبيعة الإلهية. وبالمشاركة، تقبلنا العطايا الإلهية وعدم الموت الذي كان قد فُقد منا بسبب معصية آدم”.
ومن خلال هذه الفقرة يمكننا أن نضع تعليم البطريرك ساويروس على النحو التالي: لقد خلق الله الإنسان لكي يظل الإنسان في علاقة وثيقة معه ـ علاقة الحب. ولكن بسبب السقوط، لم يستطع الإنسان أن يحتفظ بهذه العلاقة ولم يكن من الممكن له أن يسترد حالته المفقودة مع الخالق.
وفي ذلك المأزق، عبَّر الله بنفسه عن حبه نحو الإنسان، وأعاد إلى الحياة عضواً من الجنس البشري متحداً به هيبوستاسياً، ومن خلال ذلك حقق الله الابن في وبواسطة هذا العضو الذي من العائلة البشرية خلاص الجنس البشري كله. وجعل الله الابن نفسه ـ في اتحاده بالناسوت ـ وسيطاً بين الله والإنسان لأنه هو نفسه وفي آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل. فبكونه إله هو الله الابن الواحد من الثالوث القدوس، وبكونه إنسان هو نفسه متواصل مع الجنس البشري كله.
ومرة أخرى نقول أن يسوع المسيح كإنسان هو فرد بشري، وبما أن كل الناسوت بكماله قد تفرد وتخصخص فيه، فهو يمثل كل البشر بشكل فردي وكل الجنس البشري بأجمعه. ويسوع المسيح، الوسيط، لم يتم ابتلاعه في الله الثالوث بل ظل في اتحاد غير قابل للانحلال مع الله، كما أن لاهوت الابن لم يُستنفذ (أو يتغير) في التدبير الإلهي الذي أُظهر في ذلك الوسيط.
* انظر: توماس. ف. تورانس، الإيمان بالثالوث، ترجمة المترجم، مراجعة د. جوزيف موريس، دار باناريون للنشر القاهرة، ط1 2007، صفحة 294. انظر أيضاً الملحق الموجود في نهاية الكتاب.
[1]Contra Grammaticum, op. cit., I, pp. 154-7; P.O., vol. VIII, p. 216.
* إن الروح القدس يختلف عن الآب والابن فقط في كونه وحده له الإنبثاق.
# كان بولس السموساطي ينادي بأن الابن هو قوة الآب دون أن يكون شخصاً حقيقياً، وأن هذه القوة سكنت في يسوع الإنسان، كما كان يرى أن الروح القدس ليس أقنوماً إلهياً، وإنما فقط نعمة الله التي أُعطيت للرسل.
[3] انظر المرجع رقم 15 صفحة 396. حيث تجد اعتراض مار فيلوكسينوس على الأوطيخية. وقد انتقد أسقف منبج الأوطيخية على أساس أنها رفضت التسليم بأن الله الابن قد اتخذ الجسد من رحم العذراء.
[4] يؤكد مار فيلوكسينوس: “وبالضبط مثل كل جسد يتم تكوينه إذ يحضر إلى الوجود في الرحم وينمو هناك ، فهكذا وبنفس الطريقة حينما أراد الكلمة بإعجاز أن يتجسد فإنه لم يأخذ جسده من أي مكان آخر سوى الرحم، حيث حُبل به فيه. لأنه لم يتحد بجسد أي واحد آخر ولكن بجسده الخاص”. (Tractatus…., op. cit., p. 40) .
ويقول مرة أخرى: “لأنه أخلى ذاته، ونزل بنفسه، ودخل في (رحم) العذراء؛ وقد أصبح متجسداً منها وصار إنساناً؛ وحُبل به وولد، وصار واحداً منا في كل شيء ماعدا الخطية. وكان هذا هو جسده هو وليس جسد أي واحد آخر”. (المرجع السابق صفحة 53).
[5] هذه النقطة كررها كل من مار فيلوكسينوس والبطريرك ساويروس مرات عديدة. وعلى سبيل المثال، أكد مار فيلوكسينوس: “إن إخلاء الذات (للابن) قد حدث أولاً، وعندئذ صار متجسداً. وذاك الذي أخلى ذاته، هو الذي صار جسداً”. (المرجع السابق صفحة 57).
[6] كتب مار فيلوكسينوس: “لقد تعلمنا أن لابن الله ميلادين، واحد بالطبيعة والآخر بالإرادة. واحد من الآب، والآخر من الأم. واحد أزلي يتجاوز الزمن، والآخر بشري وفي الزمن”. (المرجع السابق صفحة 70).
[7] إن الغرض الحقيقي للتجسد هو خلاصنا، وقد أكد مار فيلوكسينوس هذه الفكرة من خلال ربطها بالعماد. وقد كتب يقول: “وحيث إن ذاك الذي هو الابن بالطبيعة قد ولد من العذراء، فإننا صرنا أبناء الله بالنعمة بواسطة العماد”. (المرجع السابق صفحة 87).
[8] كان مار فيلوكسينوس يؤكد مراراً أن الله الابن وحَّد بنفسه ناسوتاً حقيقياً وكاملاً. وقد كتب إلى رهبان (Senoun) قائلاً: “إن الإنسان الكامل قد تم فداءه في الله. فحيث إن آدم كله قد صار تحت اللعنة والفساد، فقد اتخذه الله كله وجدده. إن الرب الذي صار متجسداً قد أعطى جسده للموت من أجل كل جسد، وروحه من أجل خلاص كل الأرواح. وبهذه الطريقة أُعيد خلقة كل طبيعتنا فيه لتكون إنساناً جديداً”.
(Lettre Aux Moines de Senoun, C. S. C. O. vol. 231, ed. Andre de Halleux, 1963, p. 9)
[11] كتب البطريرك ساويروس: “لم يتكون الطفل مستقلاً بذاته في رحم العذراء مريم، والدة الإله (ثيؤطوكس)، كما يظن الهراطقة بغرور. فالكلمة الذي قبل الدهور وحَّد بنفسه جسداً ذو روح وعقل منذ أول بداية تكوينه في الرحم”. (Contra Gr., op. cit., I, p. 184)
[14] إن الطفل الذي حبلت به العذراء قد أخذ في الرحم نموه (التدريجي) الطبيعي. فالاعتراف بأنه قد صار متجسداً إنما يعني أن الجسد قد تكون في ذات (تجسد) الكلمة الذي هو بالطبيعة غير متجسد. وقد نما بالتدريج وأخذ شكل البشر. لكن الجسد لم يأتِ إلى الوجود بمعزل عن الإتحاد مع الكلمة. (المرجع السابق صفحة 183).
[16] للإطلاع على الخطاب انظر: (P.O., vol. XII, pp. 260-61)
[17] للإطلاع على هذه المناقشة انظر: (Philalethes, op. cit., pp. 136-7). ونستطيع أن نرى من خلال هذا الفهم لمعنى لقب ’ثيؤطوكس‘ أن تخوف المدرسة الأنطاكية مردود عليه.
[18] ذكر البطريرك ساويروس هذا في: (Letter to Oecumenius, P.O. XII, p. 176)
واحد مع الآب في الجوهر فيما يخص اللاهوت، وواحد معنا في الجوهر فيما يخص الناسوت
1. بعض الملاحظات التمهيدية:
حينما كان الجانب غير الخلقيدوني يقوم برفض مجمع خلقيدونية وطومس ليو من ناحية، وكذلك الهرطقات التي ظهرت ضد الإيمان الأرثوذكسي من الناحية الأخرى، كان يقوم أثناء ذلك أيضاً بالمحافظة على موقف لاهوتي مؤسس على قانون إيمان نيقية حسبما فهمه وأكده مجمعا القسطنطينية عام 381م وأفسس عام 431م.
وبعد أن بحثنا في الأسباب التي دعت غير الخلقيدونيين إلى رفض مجمع خلقيدونية وطومس ليو، وتحققنا من الأسس التي اعتمدوا عليها في معارضتهم للهرطقات الخريستولوجية المتنوعة، يتعين علينا الآن أن نقوم بعرض تعاليمهم الإيجابية المختصة بشخص يسوع المسيح بصورة مباشرة أكثر من ذي قبل. وسنقوم أثناء هذا العرض بفحص معاني المصطلحات الحاسمة التي قاموا بتوضيحها، والتشديدات المحددة التي سعوا للحفاظ عليها من خلال العبارات السكندرية التي استخدموها في شروحاتهم العقائدية.
2. معاني المصطلحات اللاهوتية:
في الجدال الخريستولوجي ـ وبخلاف أي جدال لاهوتي آخر في الكنيسة الأولى ـ كان هناك قدر كبير من الغموض تسببت فيه المصطلحات التقنية اللاهوتية المستخدمة. وقد استعمل اللاهوتيون على اختلاف مواقفهم الفكرية المصطلحات الخمسة التالية:
-’أوسيا (Ousia)‘ في اللغة اليونانية، ويستخدم السريان كمقابل لها كلمة (Ithutho) أو نفس كلمة ’أوسيا‘.
– ’هيبوستاسيس (Hypostasis)‘ في اللغة اليونانية، والمكافئ لها في اللغة السريانية كلمة (Qnumo).
– ’فيزيس (Physis)‘ في اللغة اليونانية، وتُترجم في اللغة السريانية إلى كلمة (Kyono).
– ’بروسوبون (Prosopon)‘ في اللغة اليونانية، وتقابلها في اللغة السريانية كلمة (Parsupo).
– ’هيباركسيس (Hyparxis)‘ في اللغة اليونانية، ويكافئها في اللغة السريانية كلمة (Yotho).
وكان البطريرك ساويروس الأنطاكي قد قام بشرح معنى المصطلحات اللاهوتية الخمسة السابقة في كتابه ’ضد النحوي غير التقي‘ (Contra Impium Grammaticum) وفي العديد من رسائله العقائدية وكتاباته الأخرى.
وفي خطابه إلى يوسابيوس (the scholastic) قدَّم البطريرك ساويروس تعريفاً مختصراً للمصطلحين: ’أوسيا (Ousia)‘ و’هيبوستاسيس (Hypostasis)‘ حيث قال: “إن ’الأوسيا‘ يدل على ما هو عام، بينما يدل ’الهيبوستاسيس‘ على ما هو خاص*“.[1]
وناقش البطريرك ساويروس هذا الموضوع بصورة أكثر تفصيلاً في كتابه ’ضد النحوي غير التقي‘، حيث نجده يتبع ق. أثناسيوس[2] في أخذ مصطلح ’أوسيا‘ بمعنى الذي يكون (بذاته). وقد سجل سفر الخروج أن صوتاً أتى إلى موسى من الله قائلاً “أنا أكون الذي يكون(I AM HE WHO IS) ، وهكذا تقول لبني إسرائيل ’الذي يكون‘ أرسلني إليكم”.
وقد أقر آباء الكنيسة الملهمون بأن “الثالوث القدوس والمتعالي هو ’أوسيا‘ واحد”، وحيث إن “الآب كائن (بذاته)، والابن كائن (بذاته)، والروح القدس كائن (بذاته)، فإن لهم نفس الكينونة الواحدة، كما أن لهم نفس الكرامة ونفس الأزلية”. وعلى ذلك يكون ’الأوسيا‘ مشتق من الكينونة.[3]
وقام البطريرك ساويروس بتوضيح التعريف من خلال قوله إن “مصطلح ’إنسان‘ يدل على الجنس وعلى الانتماء العمومي لكل الجنس البشري”،[4] وأشار إلى دليل كتابي في سفر التكوين، حين تكلم الله إلى نوح وبنيه قائلاً: “سافك دم الإنسان، بالإنسان يُسفك دمه، لأن الله على صورته عمل الإنسان” (تك 9:6)، وأكد البطريرك ساويروس أنه في تلك الآية لم تكن الإشارة إلى إنسان محدد، ولكن إلى أي إنسان ينتمي إلى كل الجنس البشري.[5]
ولكن من الناحية الأخرى حينما ندعو شخصاً محدداً ـ مثل يعقوب أو ألقانه ـ بأنه إنسان، فنحن نقصد أنه ينتمي إلى الأوسيا وإلى الجنس (البشري).[6] وكل من يعقوب وألقانه هو هيبوستاسيس، لأن كل منهما أخذ وجوده المحدد (concrete existence) ’بصورة منفصلة وخاصة”.
ويؤكد البطريرك ساويروس أن نفس المبدأ ينطبق عند شرح الإيمان الأرثوذكسي عن الله، فاسم الله مشترك للآب والابن والروح القدس: “الآب هو الله؛ وهو أزلي وخارج الزمن، وكذلك الابن وكذلك الروح القدس أيضاً. ولم يبدأ الآب في أن يكون لأنه كائن على الدوام، وهكذا الحال بالنسبة للابن وبالنسبة للروح القدس أيضاً”.[7]
وعلى الرغم من أنه لا يوجد اختلاف من جهة الأوسيا، بين أي إثنين من الثلاثة أقانيم في الثالوث المبارك، إلاّ أنه بالإشارة إلى الهيبوستاسيس فإن الآب هو واحد والابن هو آخر والروح القدس هو آخر أيضاً. والتمايز الذي لكل منهم يكمن في الخصوصية التي له، فالآب مثلاً هو غير مولود؛ والابن مولود؛ والروح القدس منبثق من الآب. وبهذه الطريقة، بينما كل منهم هو الله بالكمال، فإنه يتمايز عن الإثنين الآخرين. وقد اقتبس البطريرك ساويروس من رسالة ق. باسيليوس أسقف قيصرية إلى أمفوليكوس، بعض الفقرات التي تؤيد شرحه.
ويمكن توضيح الفكرة التي وراء تعريف ساويروس لمصطلحي ’أوسيا‘ و’هيبوستاسيس‘ على النحو التالي: الأوسيا هو شيء حقيقي؛ وهو يشير إلى ما يمكن أن يُسمى كينونة (is-ness) أو جوهر الشيء (بصورة عامة ومجردة)، ولكن ’الأوسيا‘ على الرغم من ذلك ليس له وجود محدد (concrete existence)، لأن كل شيء له وجود محدد هو شيء خاص (particular).
وبالتالي فإن ’الأوسيا‘ هو الحقيقة (العامة) التي عندما تتخصخص أو تتفرد (individuated) ينشأ شيء خاص محدد أو ’هيبوستاسيس‘. فالناسوت مثلاً كأوسيا يمثل الأساس الميتافيزيقي (المجرد) لكل إنسان وللجنس البشري بأكمله.
وقد جمع البطريرك ساويروس في تعامله مع مصطلح ’أوسيا‘ بين فكرتين، فمن ناحية أخذ الكلمة بمعنى الحقيقة العامة الديناميكية ـ ومن المحتمل أن يكون بنفس معنى ’الحقائق‘ (eidos) التي وردت عند أفلاطون* والتي قننها الآباء الكبادوك في القرن الرابع ـ ولكن من الناحية الأخرى رأى البطريرك ساويروس في الكلمة، الاسم العمومي لكل أعضاء النوع أو الصنف (class) الواحد وحسب.
وتدل هذه الحقيقة على أن البطريرك ساويروس لم تكن له دراية كاملة بالفلسفة اليونانية،[8] ولكنه على الرغم من ذلك كان ضليعاً في الأدب الآبائي حتى أنه ذكر أن بعضاً من اللاهوتيين الأوائل استخدموا مصطلح ’أوسيا‘ بمعنى الوجود الخاص[9] (particular)، وأولئك قد أخذوا ’الأوسيا‘ بالمدلول الذي صار لمصطلح ’الهيبوستاسيس‘ فيما بعد، ويقر البطريرك ساويروس أن هذا القصور والتداخل قد انتهيا، وأن الفهم الذي يتبناه (ساويروس) لمعنى المصطلحين هو الذي أصبح مقبولاً بين جميع اللاهوتيين.
وتعد إشارة البطريرك ساويروس هنا في غاية الأهمية، حيث تُظهر أن اللاهوتيين المسيحيين في العصور الأولى كانوا يستخدمون مصطلح ’أوسيا‘ بمدلول ’الأوسيا الأساسي (primary ousia)‘ عند أرسطوتاليس، ولكن هذا التقليد قد تُرك فيما بعد، وكان ذلك على الأرجح منذ وقت الآباء الكبادوك.
وإذا انتقلنا إلى مصطلحي ’هيباركسيس (Hyparxis)‘ و’فيزيس (Physis)‘ فسنجد أنهما يتحركان معاً. ويشير مصطلح ’هيباركسيس‘ في اللغة الإنجليزية إلى معنى ’الوجود‘ (existence) ومصطلح ’فيزيس‘ إلى ’الطبيعة‘ (nature)، ووفقاً لذلك فإن كلا المصطلحين يمكن أن يُستخدم إما بالمعنى العمومي (common) أو بالمعنى الخاص (particular).
وعلى سبيل المثال، فإن أي ’أوسيا‘ يكون له ’الهيباركسيس‘ (الوجود) الخاص به من ناحية، كما أن له أيضاً ’الفيزيس‘ (الطبيعة) الخاصة من الناحية الأخرى. و’الهيبوستاسيس‘ كذلك بكونه ’الأوسيا‘ الذي تخصخص أو تفرد فإن له أيضاً ’الهيباركسيس‘ و’الفيزيس‘ الخاصين به. وقد دار جدال عنيف في الكنيسة حول مصطلح ’فيزيس‘ أو ’ طبيعة‘ أثناء الخلاف الخريستولوجي، ولذلك سوف نقوم بالتعمق بصورة أكبر في مدلول هذا المصطلح.
وكان البطريرك ساويروس قد تعامل مع معنى مصطلح ’فيزيس‘ أو ’الطبيعة‘ في أكثر من عمل من كتاباته، وفي كل مرة كان يقر أن هذا المصطلح يعني في بعض الأحيان ’الأوسيا‘ وفي البعض الآخر ’الهيبوستاسيس‘*.[10] فتعبير ’الطبيعة البشرية‘ مثلاً، يُستخدم في بعض الأحيان كمصطلح يتضمن كل الجنس البشري؛ ولكنه في أحيان أخرى يُستخدم للإشارة إلى كائن بشري معين واحد.
وقد اقتبس البطريرك ساويروس من كتابات ق. كيرلس السكندري ما يؤيد تعريفه لمصطلح ’فيزيس‘ أو ’الطبيعة‘، وكان ق. كيرلس قد كتب في مؤلفه ضد نسطوريوس في الخطاب الرابع، أن “طبيعة اللاهوت واحدة وهي تتفرد كآب، وكذلك كابن، وعلى نفس النحو كروح قدس” ويقول أيضاً: “إن طبيعة اللاهوت الواحدة تُعرف في الثالوث القدوس والواحد في ذات الجوهر”.
ويقول البطريرك ساويروس أن ق. كيرلس استخدم هنا مصطلح ’طبيعة‘ بمعنى ’الأوسيا‘، ولكن في خطابه إلى الأميرة استخدم ق. كيرلس نفس المصطلح كمرادف للهيبوستاسيس حيث كتب: “نحن نؤكد أن الكلمة، خالق العالمين، الذي فيه وبه يكون كل شيء، النور الحقيقي، ’الطبيعة‘ التي تعطي حياة للجميع، الذي هو ابنه الوحيد، قد ولد من جوهر الآب بطريقة لا توصف”.
وقد أكد البطريرك ساويروس أن ق. كيرلس يأخذ مصطلح ’طبيعة‘ بهذا المعنى الثنائي ليس فقط عند الإشارة لله، ولكن حينما يتكلم أيضاً عن الإنسان، فقد كتب ق. كيرلس في خطابه الثالث في مؤلفه ضد نسطوريوس:
“إنه بسبب خطية آدم، سقطت طبيعة الإنسان إلى اللعنة والموت” وهنا المصطلح يعطي معنى الأوسيا، ولكن في كتاب ق. كيرلس ضد أندراوس السموساطي استخدم مصطلح ’طبيعة‘ كبديل للهيبوستاسيس حيث قال: “وبالنظر إلى البروسوبون الواحد والطبيعة الواحدة، أي الهيبوستاسيس (الواحد)، فإننا حينما نفكر في هاتين (الطبيعتين) اللتين منهما يتركب طبيعياً، فإن العقل يجعلهما معاً ويميزه كواحد مركب، وليس كمنقسم إلى إثنين”.
ونستطيع القول إنه في أيام البطريرك ساويروس ـ ومن خلال الإشارات الواردة في كتاباته ـ لم يذهب معارضوه في الجانب الخلقيدوني في الشرق، إلى أبعد مما ذهب هو إليه في تعريف مصطلح ’طبيعة‘. وعلى سبيل المثال، اقتبس البطريرك ساويروس في تلك النقطة من كلام أحد منتقديه الخلقيدونيين ما يلي:
“يدل ’الأوسيا‘ على العمومي أو المشترك، مثل اللاهوت الواحد الذي للثالوث القدوس، أو مثل ما هو مشترك بيننا أي الطبيعة البشرية بصفة عامة. ويشير ’الهيبوستاسيس‘ إلى ’البروسوبون‘ الواحد الذي للآب، أو الذي للابن، أو الذي للروح القدس؛ أو أيضاً الذي لبطرس أو يوحنا أو أي إنسان. ولكن ’الطبيعة‘ تُستخدم في بعض الأحيان مكان ’الأوسيا‘ وفي البعض الآخر مكان ’الهيبوستاسيس‘”.[11]
وفي الحقيقة كما نرى، كان هناك فرق هام بين البطريرك ساويروس والكاتب الخلقيدوني، ففي الأغلب كان الأخير يرى في ’الأوسيا‘ المعنى المجرد العام، ولكن ساويروس كان يرى أنه إذا لم يصبح هذا المجرد (الحقيقة العامة)، محدداً (concrete) فلا يمكن أن يكون له وجود حقيقي (real existence) في عالم الزمان والمكان.
أما الفرق في المعنى بين مصطلحي ’هيبوستاسيس‘ و’بروسوبون‘، فهو أمر دقيق للغاية. وقد كتب البطريرك ساويروس: “إن آباء الكنيسة وصفوا ’الهيبوستاسيس‘ بأنه ’البروسوبون‘”،[12] ومع ذلك فإن هناك فرق في المدلول بينهما لأنه “حينما يصبح وجوداً محدداً خاصاً، فإن ’الهيبوستاسيس‘ ـ سواء كان بسيطاً أم مركباً ـ يعبِّر عن بروسوبون متمايز”.[13]
وستتضح هذه النقطة أكثر حينما نبين الفرق بين الهيبوستاسيس ’البسيط‘ و ’المركب‘. ولكي يشرح البطريرك ساويروس النوع ’البسيط‘ أشار إلى أشخاص الثالوث القدوس الثلاثة، فكل من الآب والابن والــــــــروح القــــدس هو هيبوسـتاســـيس بســـــيط (simple hypostasis)، أما الإنسان فهو هيبوستاسيس مركب (composite hypostasis)، لأنه يتكون من جسد وروح.[14]
وفي الإنسان، أوسيا الجسد وأوسيا الروح ـ كحقائق ديناميكية عامة مجردة ـ تخصخصا وتفردا (individuated) معاً في اتحاد بينهما، وكل منهما ظل ـ في الإنسان ـ بكماله الذي حسب أصل مبدأه (جوهره). والتقيا ’الاثنان أوسيا‘ معاً ليكونا الإنسان، وبالتالي فإن الإنسان هو هيبوستاسيس ’مركب‘.
وفي حالة الإنسان، فإن منذ أول لحظة من تزامن (وجود) أوسيا الجسد وأوسيا الروح، يأخذ الإنسان وجوده ككيان جسدي روحي، ويستلم ’بروسوبون‘. ولا يلتقي ’الاثنان أوسيا‘ معاً في صورة ’الأوسيا‘، ولكن منذ بداية وجودهما معاً يصبحان حقيقتين هيبوستاسيتين (hypostaticrealities).*
ويقول ساويروس: “يحافظ كل من الجسد والروح ـ اللذان يتركب منهما الإنسان ـ على الهيبوستاسيس الخاص به، دون أن يختلطا أو يتحول أي منهما إلى الآخر. وعلى الرغم من ذلك، فبما أنهما اتخذا وجودهما المحدد في الوضع المركب وليس بشكل منفصل مستقل، فلا يمكن أن يُخصص ’بروسوبون‘ متمايز لأي منهما (على انفراد)”.[15]
ويمكننا أن نُفسر كلام البطريرك ساويروس في هذه النقطة كما يلي: ’الهيبوستاسيس‘ هو الكيان المحدد (concrete being) الناتج من تخصخص أو تفرد (individuation) ’الأوسيا‘. وفي هذا التخصخص والتفرد يأخذ ’الأوسيا‘ بكماله وجوداً محدداً (concrete existence)، وعندما يحدث هذا يستلم الهيبوستاسيس، ’البروسوبون‘ الخاص به.
ومن هنا نستطيع أن نقول أن ’الهيبوستاسيس‘ ـ بكونه ’الأوسيا‘ الذي تفرد وتخصخص ـ فإنه يمثل الحقيقة الداخلية للشيء، و’البروسوبون‘ هو الهيئة الخارجية (أو الوجه الخارجي). وعلى سبيل المثال، كل عضو من أعضاء نوع (class) معين هو الأوسيا الذي تفرد وتخصخص بكامله، ومن ثم لا يمكن تمييزه كهيبوستاسيس عن أي عضو آخر من نفس النوع، ولكن أعضاء النوع (الواحد) تتمايز عن بعضها البعض بواسطة البروسوبون.
وكان ’الهيبوستاسيس المركب‘ بالنسبة للبطريرك ساويروس يُعامل معاملة ’الطبيعة المركبة‘،* وبالتالي فكل ما يُذكر عن المصطلح الأول ينطبق على الثاني أيضاً. وتتضح هذه النقطة بالإشارة ثانية إلى الإنسان الذي يتكون من جسد وروح، فيمكن أن نقول عن الإنسان إنه “من طبيعتين” أو “من هيبوستاسيسين”، لأن الجسد والروح لا يوجدان في الإنسان كـ ’إثنين أوسيا‘ ولكن كـ ’هيبوستاسيسين‘.
وحيث إن الإثنين أوسيا‘ قد أصبحا متفردين ومتخصخصين معاً في الإتحاد، لذلك لا يوجد الإنسان في ’طبيعتين‘ (بسيطتين منفصلتين). ولو كان يمكن للجسد في أي وقت ما، أن يأتي إلى الوجود بدون الروح أو الروح بدون الجسد، لأمكن أن يكون كل منهما ’طبيعة بسيطة‘ أو ’هيبوستاسيس بسيط‘ وأن يكون له ’البروسوبون‘ الخاص به وهو ما لم يحدث في حالة الإنسان.
ولكن ما حدث من الجهة الأخرى، هو أن ’أوسيا الجسد‘ و’أوسيا الروح‘ ـ كحقيقتين ديناميكيتين ـ التقيا معاً في تكوين ’طبيعة مركبة‘ أو ’هيبوستاسيس مركب‘ له بروسوبون (واحد)، وعلى هذا النحو يكون الإنسان ’هيبوستاسيس مركب‘.
ويمكننا أن نُظهر مفهوم ساويروس عن ’البروسوبون‘ بطريقة أوضح إذا رجعنا إلى الإجابة التي قدَّمها عن السؤال: لماذا لا يمكن أن نعترف بأن المسيح “من بروسوبونين” (from two prosopa)؟. وقد أصر البطريرك ساويروس أن المخلص “من طبيعتين” أو “من هيبوستاسيسين” ولكنه ليس “من بروسوبونين”، حيث كتب:[16]
“عندما تتخذ جموع ’الهيبوستاسيس‘ وجودها المحدد الخاص، وتكون منفصلة الواحد عن الآخر، فإن كل واحد منها يكون له ’البروسوبون‘ الخاص به. ولكن حينما يلتقي ’هيبوستاسيسان‘ في إتحاد طبيعي ويكملان إتحاد للطبيعتين والهيبوستاسيسين بدون أي اختلاط ـ كما نرى في حالة الإنسان ـ فلا يمكن أن يُنظر إلى هذين الإثنين اللذين حدث منهما الإتحاد، بكونهما (وجودين) محددين مستقلين، أو أن يُعتبرا كبروسوبونين، وإنما ينبغي أن يُؤخذا كـ (بروسوبون) واحد”.
وفي تطبيق هذا المفهوم على المسيح، يشرح البطريرك ساويروس وجهة نظره كما يلي: إن الله الكلمة الذي هو قبل العالمين، حينما وحَّد بنفسه (to himself) ناسوتاً بدون تغيير، لم يكن من الممكن أن يُنسب بروسوبون خاص (مستقل) لا إلى لاهوت المولود الوحيد* ولا إلى الناسوت الذي اتحد به، لأنهما أُدركا (معاً) وهما في الوضع المركب وليس كما لو كانا قد اخذا وجودهما المحدد (في المسيح) بصورة منفصلة.
وبالتقاء اللاهوت والناسوت معاً، تكوَّن هيبوستاسيس واحد (مركب) من الإثنين ومعه أصبح للكلمة المتجسد البروسوبون الخاص به. وقد استمر اللاهوت والناسوت اللذين تركب منهما عمانوئيل كل في حالته الهيبوستاسية التي له بدون تغيير.[17] ويحتاج هذا الشرح إلى توضيح أكثر، خاصة في ضوء تعليم البطريرك ساويروس بأن الله الابن هو هيبوستاسيس وبروسوبون أزلي، وسوف نتعرض لهذا الأمر لاحقاً في هذه الدراسة.[18]
ويُظهر لنا هذا الملخص السابق لمعاني المصطلحات اللاهوتية، أن أحد أسباب الجدال الخريستولوجي كان يرجع إلى قصور الوضوح في مدلول تلك المصطلحات الحاسمة، حيث كانت التعريفات التي قدَّمها كل من البطريرك ساويروس ومعارضه الخلقيدوني تفتقد إلى الوضوح في عدة نقاط. فالبطريرك ساويروس ـ كما ذكرنا ـ قد جمع فكرتين معاً في تفسيره لمعنى ’الأوسيا‘، ولكن استخدامه للمصطلح في كثير من المواضع لم يكن يُفهم إلا إذا أُخذ بمعنى الحقيقة المجردة.
كما أن معارضه الخلقيدوني ذكر بوضوح أنه يفهم كلمة ’طبيعة‘ في عبارة “في طبيعتين” بمعنى اللاهوت والناسوت في معناهما المجرد، ولكنه أقر في نفس الوقت أن الله الابن الذي هو هيبوستاسيس وبروسوبون أزلي هو الذي صار متجسداً، وبالتالي فلم تكن واحدة على الأقل من الطبيعتين (في عبارة “في طبيعتين”) في صورتها المجردة.
ولذلك كانت المشكلة قائمة لدى كلا الطرفين، وكان معنى مصطلح ’فيزيس‘ أو ’طبيعة‘ غير واضح عند كلا الجانبين، وقد اعتقد كل منهما أن المشكلة يمكن أن تُحل بأخذ هذا المصطلح تارة بمعنى ’الأوسيا‘ وتارة بمعنى ’الهيبوستاسيس‘.
ومع أخذنا هذه المشاكل في الاعتبار، ومع بقائنا كذلك قدر الإمكان قريبين من التعريفات التي قدَّمها كلا الطرفين، نستطيع أن نتصور العرض التالي: يدل مصطلح ’أوسيا‘ على الحقيقة الديناميكية التحتية (underlying) لكل ما هو عام وخاص. وبهذا المعنى يتضمن ’الأوسيا‘ كل من ’الكينونة‘ أو الوجود من ناحية، و’الخصائص‘ (properties) التي تعطي الأوسيا طابعها وهويتها من الناحية الأخرى، وهذان الإثنان هما ’الهيباركسيس‘ و ’الفيزيس‘ على التوالي، وهما من الممكن أن يؤخذا سواء بمحمل ’عمومي‘ بالمعنى المجرد، أو بمحمل ’خاص‘ بالمعنى المحدد.
و’الهيبوستاسيس‘ هو الشخص المتفرد، والمعنيِ بالأفعال (subject of actions) الذي فيه يأخذ الأوسيا ـ بما له من ’هيباركسيس‘ و ’فيزيس‘ ـ وجوده المحدد. وعندما يتفرد ويتخصخص الأوسيا مُوجداً هيبوستاسيس، فإن الهيبوستاسيس يستلم سمته المميزة والتي بها يختلف (يتمايز) عضو (member) من أعضاء نوع (class) معين عن عضو آخر من نفس النوع، وهذا هو ’البروسوبون‘.
* انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب عن “التطور التاريخي لمدلول المصطلحات المستخدمة في الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى”.
[1]Patrologia Orientalis, op. cit., vol. XII, p. 195.
* كان أفلاطون قد استخدم هذا المصطلح ليفيد ماهية الخواص العليا أو الحقائق في مقارنتها بالمظاهر التي نراها على الأرض حيث أن المثل هي وحدها الحقائق أما المظاهر المادية فما هي إلاّ تقليد أو مجرد اشتراك يجعل الأشياء منظورة لنا.
[8] ويؤكد البطريرك ساويروس نفسه هذه الحقيقة. انظر:
(Ad Nephalium, p. 167, and Antijulianistica, p. 94).
* كان مصطلح ’أوسيا‘ عند البطريرك ساويروس يعني الحقيقة الديناميكية العامة، بما تتضمنه من الوجود (هيباركسيس)، والطبيعة (فيزيس) التي تميزها.
وعلى ذلك يكون الهيبوستاسيس هو ’الأوسيا‘ الذي تفرد وتخصخص بما له أيضاً من وجود (هيباركسيس) ومن طبيعة (فيزيس). ولذلك حين كان البطريرك ساويروس يتكلم عن الطبيعة بمعناها العام فقد كان يعني الطبيعة التي يتضمنها الأوسيا، وحين كان يتكلم عنها بمعناها الخاص فقد كان يعني الطبيعة التي يتضمنها الهيبوستاسيس.
[10] See P. O. XII, p. 196; Contra Grammaticum, I, pp. 68f.
[14] كان البطريرك ساويروس، مثل بقية اللاهوتيين في عصره، يعتبر أن الجسد والروح في الإنسان كيانين مستقلين خلقهما ووحدهما الله في كل كائن بشري.
* لأن ’الأوسيا‘ عند البطريرك ساويروس هي الحقيقة المجردة (abstract) التي ليس لها وجود حقيقي (real existence) في عالم الزمان والمكان، ما لم توجد في شكل محدد (concrete) أي في الحالة الهيبوستاسية.
* لأن ’الهيبوستاسيس‘ عند ساويروس كان يتضمن ’الطبيعة‘ (فيزيس) مع الوجود (هيباركسيس). وفي كل المرات التي استخدم فيها البطريرك ساويروس مصطلح ’طبيعة‘ وهو يتحدث عن أي كيان مخصخص ومتفرد سواء كان بسيطاً أم مركباً فكان يقصد به مدلول ’الهيبوستاسيس‘.
* بالطبع كان للاهوت الابن الوحيد، البروسوبون الخاص به قبل التجسد، ولكن المقصود هنا هو أنه من غير الممكن أن يكون للاهوته البروسوبون الخاص المستقل وهو في حالة الاتحاد مع الناسوت.
لقد ذكرنا فيما سبق[1] الخلاف الذي نشأ بين البطريرك ساويروس الأنطاكي ويوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘ (Halicarnassus)، ونستطيع أن نقول إن البطريرك ساويروس، من خلال رده على الأمور التي أثارها يوليان، قد نجح في التعبير عن بعض من أعمق تعاليمه الخريستولوجية. ولكي نتمكن من فهم تلك التعاليم ينبغي علينا أولاً أن نستعرض باختصار أفكار يوليان التي قام البطريرك ساويروس بتفنيدها.
يذكر يوليان في خطابه الثاني[2] لساويروس، أن المسيح بإرادته تألم ومات (suffered and died) لأجل الجنس البشري وأعطى حياة للمائتين. ولكن يوليان كان حريصاً أن يتجنب الاضطرار للتسليم بأن ناسوت الفادي كان محتاجاً لهذا العمل الخلاصي. وفي نفس الوقت، كان يوليان واضحاً في إصراره على أن آلام المسيح وموته كانا حقيقيين، وأنه اختارهما بفعل إرادته الحرة، بدون أي يكون مجبراً بالطبيعة، وذلك لكي يمنحنا عدم قابلية الفساد (incorruptibility) بواسطة القيامة.
وزعم أسقف ’هاليكارنيسوس‘ أن بعض الناس اعتبروا أن هذه الآلام الإرادية علامة على أن جسد المسيح كان قابلاً للفساد، ولكن يوليان أكد أن الحقيقة هي أنه “من أجل أن يدبر عدم الفساد بالقيامة، أخذ عدم الفساد حتى في حياته”.[3]
وادعى يوليان أن جسد المسيح كان غير قابل للفساد، ليس منذ وقت القيامة فقط، ولكن حتى منذ تكوينه في رحم الأم، وهنا ذكر يوليان الحبل البتولي لتأييد موقفه. كما أكد يوليان كذلك أنه لا يوجد فرق بين جسد المسيح بعد القيامة وجسده قبل القيامة، فيقول: “وبنفس الحال الذي كان عليه ذلك الجسد حين تألم، قام في اليوم الثالث بدون أي تغيير”.[4]
لا يعني هذا ـ على الرغم من ذلك ـ أن يوليان كان يرى أن ناسوت المسيح لم يكن هو ناسوتنا، أو أن آلامه وموته ليسا حقيقيين. وقد كتب يوليان ـ كما جاء في اقتباس البطريرك ساويروس ـ ما يلي:[5]
“ولذلك نحن نعترف أن الرب تحمل بإرادته الآلام والموت، في جسده الذي (أخذه) منا والذي له نفس الطبيعة معنا. ولا نقــر أنــــه فعـــــــل ذلك بســبب ضــــــــرورة طبيــعـــية (natural necessity)، لأن المسيح كما يقول بطرس قد تألم لأجلنا في الجسد. وذاك الذي تألم لأجلنا لم يسلِّم نفسه (عن ضعف)، بل حرَّر آخرين دون أن يكون هو تحت الضرورة.
ومرة أخرى (أقول) إنه لا ينبغي على من يسمع أن المسيح تألم من أجلنا في الجسد، أن يعتقد أنه تألم من أجل نفسه. لأنه إذا كان تألمه وموته هو بسبب ضرورة طبيعية، لكان قد سعى بالتأكيد إلى تحرير نفسه”.
واعترف يوليان أن ناسوت المسيح كان غير قابل للفساد لأن الله الابن اتخذ ناسوت آدم قبل السقوط. وتعتبر هذه الفكرة من أساسيات تعليم يوليان، حيث قال إن الفساد والموت قد حلا بالجنس البشري نتيجة السقوط، ولذلك لم يكن ناسوت آدم قبل السقوط خالياً من الخطية فقط ولكن كان أيضاً غير قابل للألم والفساد.[6]
ألم يتخذ الله الابن ناسوتاً من مريم؟ فإذا كان ناسوت العذراء هو من نفس الناسوت الساقط لآدم، وبالتالي قابلاً للفساد، فكيف يمكن لجسد المسيح أن يكون غير قابل للفساد؟. ويجيب يوليان عن هذا السؤال بإسلوب إيضاحي،[7] فيقول أن أطفال الآباء العميان أو المصابين بأي نوع، عادة ما يكونون خاليين من نوع العجز الذي كان عند سلفهم، وأكد يوليان أنه بنفس الطريقة وُلد المسيح من مريم بدون أن يتأثر بالعجز الناتج عن السقوط من خلال والدته.
والخلاصة إذن هي أن تركيز يوليان الخاص كان في تأكيده على أن ناسوت المسيح هو ناسوت آدم قبل السقوط؛ وبالتالي كان المسيح في إنسانيته واحداً معنا في الجوهر بمعنى أن ناسوته كان هو الناسوت الأساسي الذي فينا؛ ولكن تألمه وموته كانا باختياره الإرادي لأجلنا، دون أي ضرورة طبيعية بالنسبة إلى ناسوته.
وحيث إن تلك النقطة كانت هي النقطة الحاسمة في تعليم يوليان، فيجدر بنا في هذا السياق أن نشير إلى ما قدمه ر. دراجيه[8] (R. Draguet) عن الفكر اللاهوتي لأسقف ’هاليكارنيسوس‘. وقد توصل دراجيه إلى أن رؤية يوليان كان لها من يؤيدها في كلا الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني، وهذا استنتاج يحتاج إلى وقفة.
وفي الحقيقة ـ كما رأينا ـ قيل أن الإمبراطور جوستنيان نفسه آمن بمعتقدات يوليان وهو في سن متقدمة،[9] وسوف نرى فيما بعد أن أفكار يوليان دخلت في الفكر اللاهوتي للجانب الخلقيدوني أكثر مما حدث مع الجانب غير الخلقيدوني.[10] كما ينبغي أيضاً التسليم دون أي تردد بأن اهتمام يوليان كان هو التأكيد على خلو المسيح المطلق من الخطية، ومن المؤكدأنه انطلاقاً من هذا الاهتمام أقر أن ناسوت المسيح هو الناسوت الأساسي (essential)، وهو ناسوت آدم قبل السقوط.
ومع ذلك فإن رأى دراجيه في أن نظرية يوليان لا يمكنها أن توضح حقيقة ناسوت المسيح، هو رأي لا يمكن قبوله إلاّ بشروط، ولكن وجهة نظره (أي دراجيه) التي تقول أن الفرق بين يوليان والبطريرك ساويروس لا يتعدى الاختلاف اللفظي في المصطلحات، فهي بالقطع وجهة نظر خاطئة تماماً.[11]
وإذا انتقلنا إلى التفنيد الذي قدَّمه البطريرك ساويروس، فسنبدأ بالسؤال الذي وجهه إلى يوليان قائلاً: “كيف يمكنه (أي المسيح) وهو لم يتألم في الجسد مثلنا ـ بالرغم من كونه بغير خطية ـ أن يكون قد اشترك بالفعل في آلامنا؟”.[12] فإذا كان ذلك مستحيلاً، فينبغي على يوليان أن يسلِّم ـ على الرغم من أنه كان يؤكد عكس ذلك ـ أن تألُّم المسيح كان وهمياً. ولكن الأسفار المقدسة تعلِّمنا أن المسيح كان البكر من الأموات، مما يعني أنه تألَّم ومات مثلنا في الجسد.
وعند الإشارة إلى السؤال عن: هل كان جسد المسيح قابلاً للفساد أم غير قابل للفساد؟، بدأ البطريرك ساويروس كلامه بتعريف معنى كلمة ’عدم قابلية الفساد (incorruptibility)‘،[13] حيث أكد إنها تتضمن معنيين متباينين.
أولاً: تعني ’الخلو من الخطية (sinlessness)‘، وبما أن كلاً من يوليان والبطريرك ساويروس كانا يتفقان على أن المسيح كان خالياً تماماً من الخطية، فمن الضروري أن ننظر في المعنى الآخر.
ثانياً: تشير ـ كما ذكر ساويروس ـ “إلى عدم امتلاك إمكانية الخضوع للآلام البريئة (guiltless) مثل الجوع، العطش، التعب من السفر….. وباختصار التألم والموت”.* وينبغي علينا هنا أن نتذكر أنه بالنسبة للبطريرك ساويروس كانت كل تلك الأمور هي خواص طبيعية للناسوت.
وعلق البطريرك ساويروس بأنه لم يوجد أحد من الذين علَّموا بأرثوذكسية، أقر أن “عمانوئيل تألم ومات بجسد غير قابل للموت وغير قابل للألم”.[14] ويؤكد الآباء على العكس من ذلك، أن المسيح تألم في الجسد الذي كان قابلاً لأن يعاني الشعور بوجع وعذاب الآلام، وأنه تحمل حزن وكمد الروح،[15] ومن هنا فإن جسد المسيح كان بالطبيعة قابلاً للألم وقابلاً للموت، ولكنه أصبح غير قابل للألم وغير مائت فقط بعد القيامة.
وبالتالي فبحسب المعنى الثاني لكلمة ’عدم قابلية الفساد (incorruptibility)‘، كان جسد المسيح قابلاً للفساد قبل القيامة، ولكنه نال عدم قابلية الفساد مع القيامة. وكتب البطريرك ساويروس: “كان جسد المسيح ربنا على الدوام مقدساً وغير مدنس بالخطية. ولكنه صار غير قابل للألم وغير قابل للموت منذ وقت القيامة. لأن الكلمة غير القابل للألم وحَّد بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) جسداً قابلاً للتألم والموت”.[16]
وبالنسبة لادعاء يوليان أن ناسوت المسيح كان هو ناسوت آدم قبل السقوط، أوضح البطريرك ساويروس نقطتين هامتين: النقطة الأولى، لم يذكر ساويروس أي تمييز أساسي بين الناسوت قبل وبعد السقوط (من جهة المعنى الثاني الذي ذكره لكلمة قابلية الفساد، أي قابلية الخضوع للآلام البريئة)، وذلك على عكس ما فعله يوليان. ويقول البطريرك ساويروس:[17]
“عرف آدم الأول ـ وهو قابل للموت* ـ زوجته حواء: وأصبح أباً لنا نحن الأولاد، القابلين للموت، الذين وُلدنا منه. ولكن آدم الثاني……… أخذ جسداً قابلاً للألم، حيث وحَّده بنفسه للشفاء بدون أي عيب أو خطية. وقد تركه ليظل قابلاً للألم والموت حتى يمكن أن يبدد سلطان الموت بكلمات العدل وليس بالقوة الخاصة بالله”.
أي أن الله الابن وحَّد بنفسه الناسوت الذي كان يحتاج إلى شفاء.
النقطة الثانية، رفض البطريرك ساويروس نظرية يوليان بأن آدم قبل السقوط كان غير قابل للألم وغير قابل للموت، وأنه أصبح قابلاً للموت وللفساد كنتيجة لعدم الطاعة والخطية. وأكد البطريرك ساويروس أن الإنسان خُلق منذ البداية قابلاً للألم وللموت،[18] ولكنه أُعطي وعداً بعدم الموت وعدم الألم كهبة إلهية تُمنح له بنعمة الله، وبالسقوط فقد الإنسان هذه النعمة الإلهية، على الرغم من أنه لم يُجرد من طبيعته.[19]
ولم تكن حقيقة أن ربنا وُلد من عذراء، تحمل ضمنياً أن جسده كان منذ البداية غير قابل للفساد. وقد أصر البطريرك ساويروس[20] أن “كون المسيح إلهنا ومخلصنا وُلد في الجسد من الدائمة البتولية مريم بالروح القدس، لا يعني أن ننكر الطبيعة التي هي واحدة معنا في الجوهر، ولا أن ننكر (عليه) آلام مثل التي لنا.
كما لا يعتبر هذا الأمر سبباً في أن ننسب النجاسة أو تلوث الخطية للزواج أو العلاقة الجسدية بين الزوج والزوجة، ولكنه يدلنا ـ نحن الذين وُلدنا من الروح القدس في العماد المقدس ـ أننا مُنحنا بغسيل التجديد ثقة الولادة الثانية في القيامة، وهي الكامنة في الولادة الروحية الذي كان هو أول من أخذها. وحيث إنه هو الذي وُلد أولاً، فقد صار آدم الثاني من أجلنا نحن الذين ولدنا ثانية وأُعيد تشكيلنا”. ومن هنا لا يمكن التسليم بإشارة يوليان إلى الولادة البتولية (للمسيح) كتأييد لنظريته.
وكان هدف التجسد، بحسب البطريرك ساويروس، هو استعادة النعمة الإلهية للإنسان، ومن ثم يمكنه أن يستعيد الوعد بعدم قابلية الموت وعدم قابلية الألم الذي فقده آدم بالسقوط. ويقول البطريرك ساويروس: ولذلك “فإن الله الكلمة، الابن المولود الوحيد، غير المخلوق الذي هو قبل كل العالمين، أخذ جسداً مخلوقاً له روح عاقل، من زرع داود وإبراهيم”.[21]
ومع ذلك يؤكد البطريرك ساويروس “أنه ليس كافياً لنا، أن الله صار إنساناً بدون تغيير “، ولكن من الضروري أيضاً أن “المسيح ينبغي أن يتألم ويموت من أجلنا، وبذلك يصير أول الذين قاموا من الأموات”.[22] فالتألم والموت كانا الضرورة المسبقة لقيامته، والأمور الثلاثة (أي التألم والموت والقيامة) هي كلها أساسية لأجل خلاصنا. لقد فقد آدم الأول النعمة الإلهية من خلال فشله في طاعة الله؛ ولكن آدم الثاني استعادها من خلال نجاحه.[23]
إن الله الابن في طبيعته هو غير قابل للموت وغير قابل للألم، وقد تجسد بأن وحَّد بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) جسداً مُحيَاً بروح عاقل، وهذا (الجسد) هو بالطبيعة قابل للألم وقابل للموت، وذلك لكي يمكنه أن ينتصر على التألم والموت. ومن هنا ترك الله الابن الجسد حراً ليخضع لكل ما هو طبيعي بالنسبة للجسد، كما تركه ليتألم ويموت.[24] وقد أخذ الله الابن التألم والموت اللذين اجتازهما الجسد ـ الذي جعله جسده الخاص ـ باعتبارهما أمرين خاصين به في حالته المتجسدة. ويؤكد البطريرك ساويروس أنه “على هذا الأساس نعترف أن الله الابن الذي تجسد، قد تحمل الآلام والموت من أجلنا”.[25]
ويقر البطريرك ساويروس أنه كان بالفعل عملاً من (أعمال) التنازل الإرادي من جانب الله الابن، أن يتخذ ناسوتاً ويجعله خاصاً به، وأن يدع التألم والموت يُنسبان إليه في حال تجسده. ومع ذلك حين نقول أن المسيح تألم بإرادته فنحن لا نرجع ذلك إلى ناسوته ولكن إلى الله الابن (المتجسد).[26]
لأنه قبل على نفسه الإخلاء وصار متجسداً، وبذلك يُتمم التدبير الفدائي لأجل الجنس البشري. وعندما نتأمل في ناسوت المسيح في فكرنا، سوف نرى أنه خضع للآلام الطبيعية البريئة (sinless). ويقول البطريرك ساويروس في ذلك:[27]
“لأنه ليس بسبب أنه (أي الله الابن) غير قادر أن يجعله (أي الجسد) فجأة غير قابل للموت وغير قابل للألم، فلذلك تركه قابلاً للألم وللموت، ولكن لأنه رأى أنه لا ينبغي أن ينتصر على الموت بممارسة القوة الخاصة بالله، فأراد أن يقبل في ذاته معركتنا في (الجسد) الذي هو بالطبيعة قابل للألم.
وقد فعل هذا بخلط القوة مع الحكمة، ومن ثم نضمن هذا الانتصار من خلال موت حقيقي وقيامة حقيقية. وبهذه الطريقة أمكن استعادة آدم الأول الذي سقط بواسطة انتصار آدم الثاني”.
إن خلاص الإنسان هو عمل الله، ولكنه لم يتم بفعل إلهي محض (بعيداً عن الإنسان)، لأن هذا يتعارض مع مبدأ عدل الله، لأن الإنسان خُلق وله هبة الحرية. وحيث إن الإنسان أساء استخدام تلك الهبة الإلهية وسقط من نعمة الله، فلذلك ينبغي أن يتم الخلاص داخل حياة إنسانية حقيقية وكاملة.
ولكي نوضح الأمور بإيجاز نقول أن الله خلق الإنسان منذ البداية ومنحه حرية مخلوقة فأساء أبونا الأول استخدام هذه الحرية. وبتجسد الله الابن أصبح ممكناً لواحد من الجنس البشري أن يمارس عطية الحرية بالطريقة الصحيحة، ومن ثم يفتح طريق الخلاص لكل الجنس البشري.[28] وهكذا ترك الله الابن للناسوت ـ الذي وحَّده بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) ـ أن يقوم بدوره الطبيعي حتى في العمل الفدائي الذي أتمه من أجل الجنس البشري.[29]
وفي الإجمال كان هذا هو ما قدَّمه البطريرك ساويروس في معارضته لتعليم يوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘. ويمكننا أن نذكر ما قصده ساويروس كما يلي: كان ناسوت المسيح هو ناسوتنا في حقيقته وكماله وسلامته؛ وبالرغم من أنه لم يُمس بالخطية إلا أنه كان متضمَّناً في أثر الخطية المشتركة للجنس البشري؛* وقد اكتسب (الناسوت) عدم قابلية الألم وعدم قابلية الموت، بواسطة القيامة فقط، بعد حياة من الطاعة الكاملة والتألم والموت.[30]
وكانت هذه بالفعل هي الحياة البشرية الخاصة بالله الابن في حالته المتجسدة، والتي من خلالها مُنحت الحياة الأبدية للجنس البشري. ولذلك كان يسوع المسيح هو الله المتأنس، الذي هو في آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل، المخلص الأزلي للجنس البشري.
ومن الجدير بالذكر، أننا لا نجد في كتابات البطريرك ساويروس الأنطاكي أو أي من قادة التقليد الكنسي غير الخلقيدوني، ما كان نورمان بيتنجر (Norman Pittenger) يبدو أنه مقتنعاً به،[31] لأنه كان يرى أن غير الخلقيددونيين كانوا في معارضتهم لمجمع خلقيدونية وطومس ليو، يحركهم “الشعور بأنه لم يكن لائقاً بالمسيح على نحو ما”، أن تكون له طبيعة بشرية “بأقصى ما في الكلمة من كمال المعنى”.
ولكن الحقيقة ـ على العكس من ذلك ـ أن ناسوت المسيح عند أولئك الرجال، كان (ناسوتاً) حقيقياً وديناميكياً تماماً “بأقصى ما في الكلمة من كمال المعنى”، ولم يكن الناسوت مجرد مستقبِل سلبي للمجد الإلهي. وقد قام غير الخلقيدونيين ـ كما رأينا ـ بمعارضة مجمع خلقيدونية وطومس ليو لأنهم كانوا قد ورثوا تقليداً لاهوتياً أُعتبرت فيه عبارة “طبيعتان بعد الاتحاد” أنها عبارة هرطوقية وتمت إدانتها.
5. الفكرة التي تعارض إدراك مبدأ الإختلاف (بين اللاهوت والناسوت) في المسيح الواحد:
إن يسوع المسيح هو واحد، مركب من اللاهوت والناسوت، وكل منهما بكامل حقيقته وكماله. وكان المقصود من كلمة ’واحد‘ في عبارة ’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘ وكذلك في عبارة ’هيبوستاسيس واحد‘، هو تجنب خطر تقسيم الطبيعتين بين الله الكلمة والإنسان يسوع، ورؤية إتحادهما في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘ فقط؛ ولكن لم يتضمن ذلك المفهوم خطأ الخلط بين الطبيعتين.
وقد تكرر هذا التأكيد مراراً وبدون استثناء من كافة القادة غير الخلقيدونيين أمثال الآباء ديسقوروس وتيموثاؤس إيلوروس وفيلوكسينوس وساويروس، ومن كل الذين تمسكوا بتقليدهم اللاهوتي منذ ذلك الحين.
ومع ذلك كان هناك رجال في الشرق، حاولوا أن ينشئوا فكراً لاهوتياً يتجاهلون فيه هذا المفهوم. وفي الحقيقة، كان القادة غير الخلقيدونيين ـ في أغلب الحالات ـ هم الذين يبادرون باستبعاد أولئك الرجال وتعاليمهم، وقد رأينا بالفعل كيف قاموا بذلك العمل في القرنين الخامس والسادس. ومن أمثلة هذه الحالات ما حدث في أيام البابا داميان (Damian) بطريرك الإسكندرية.[32]
كان هناك رجل سوفسطائي أسمه ستيفن (Stephen)، بدأ يعبر عن وجهة نظره بأن اللاهوت والناسوت كانا متحدين في المسيح الواحد إلى درجة أنه لا ينبغي أن نصِّر على مبدأ (وجود) إختلاف بين الأشياء التي تخص اللاهوت والأشياء التي تخص بالناسوت. وقد عارض البابا داميان هذا التعليم ونصح ستيفن بالتراجع عن موقفه لأنه يتعارض مع تعليم الكنيسة. ولكن الرجل لم يرغب في الاستجابة للنصيحة فتمت إدانته مع كل الذين يتفقون معه في الرأي.
وقد أوضح البابا داميان أن في المسيح اللاهوت هو اللاهوت والناسوت هو الناسوت، ولا أحد منهما قد تغير إلى الآخر أو ابتُلع في الآخر، ولذلك فإن اللاهوت والناسوت يستمران (ديناميكياً) في المسيح الواحد. وكان تأكيد مبدأ وجود اختلاف بين اللاهوت والناسوت (في المسيح الواحد) هو جزء من التقليد العقائدي للكنيسة.
6. كلمة ختامية:
قام الجانب غير الخلقيدوني في رفضه للهرطقات المتنوعة، بالمحافظة على الأمور الآتية:
في التجسد، وحَّد الله الابن بنفسه ناسوتاً مأخوذاً بالحقيقة من أم بشرية، وهذا الناسوت كان واحداً معنا في الجوهر.
كان لهذا الناسوت كل الخصائص والملكات الطبيعية، بدون أي نقصان أو تغيير أو اختلاط.
إن الخصائص والملكات البشرية استمرت في المسيح الواحد ديناميكياً.
كان المسيح ـ من الوجهة التاريخية ـ عند غير الخلقيدونيين إنساناً مثل أي إنسان آخر يعاني الألم والموت بالحقيقة.
وهنا نأتي إلى السؤال التالي: هل حافظ اللاهوتيون الأنطاكيون أو اللاهوتيون الخلقيدونيون في أي وقت من الأوقات، على مفهوم يخص ناسوت المسيح أفضل من المفهوم الذي حافظ عليه غير الخلقيدونيين؟.
[11] يبدو أن دارجيه كان متأثراً بصورة مفرطة بفكرة أن الألم والموت قد أتيا على الإنسان كنتيجة للسقوط، ومن ثم فإن ناسوت آدم قبل العصيان والخطية كان أساساً غير قابل للفساد. وعلى الرغم من أن هذه الرؤية كان لها من يؤيدها في آباء ما قبل خلقيدونية، وبرغم أن اللاهوتيين الخلقيدونيين قاموا بتطويرها بعد ذلك منذ القرن السادس، لكن البطريرك ساويروس لم يكن يشاركهم في ذلك.
[12] اقتبس البطريرك ساويروس فقرة من يوليان يقول فيها: “وهو لم يكن قابلاً للفساد قبل (القيامة)، ولكنه بدا فقط كأنه قابل للفساد. وبعد القيامة أظهر ذاته فقط بكونه بالحقيقة غير قابل للفساد”. Polemique…. I, p. 50). (La وفي رده على ذلك، تساءل ساويروس: ” لو أنه كان غير قابل للفساد، وغير قابل للألم، وغير مائت، فكيف تقول أنت أنه قد تألم؟، لقد كان يجب عندئذ أن يكون موت ربنا هو نوع من الخيال وغير حقيقي”. (La Polemique… I, p. 51)
[13] ذكر ساويروس هذه النقطة عدة مرات. (Ibid., pp. 80-1, 233, II A, p. 27).
* يوجد معنيان آخران لكلمة ’عدم قابلية الفساد‘ بالإضافة للمعنيين اللذين ذكرهما البطريرك ساويروس، ولكن يوليان لم يكن يقصد أي منهما في تعاليمه. المعنى الثالث يُقصد به أن جسد المسيح بعدما قُبر لم يخضع للتحلل والفساد بل قام ثانية من الأموات ، وهذا المعنى ورد في العهد الجديد (أنظر مز 10:16، أع 2: 27، 35:13)، وكان هذا هو تعليم الكنيسة المعترف به شرقاً وغرباً.
أما المعنى الرابع فيأتي في شرح الآباء لطبيعة آدم، حيث إن هذه الطبيعة قد فسدت بالخطية (يا الله العظيم الأبدي الذي خلق الإنسان على غير فساد)، والمقصود هنا بفساد الطبيعة هو تشوه الصورة الإلهية في الإنسان بالإضافة إلى عجز تلك الطبيعة الساقطة عن البقاء بعدما فقدت علاقتها مع الله مصدر وجودها (وهذا هو الفساد الطبيعي لأنها مخلوقة من العدم). وهذا الفساد ليس هو الخطية ولكنه نتيجة الخطية والسقوط، وهو الذي انتقل من آدم إلى كل الجنس البشري (انظر هذا المعنى عند ق. أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة).
[15] كتب البطريرك ساويروس: “فلو أن عمانوئيل أراد أن يتحد بجسد غير قابل للموت وغير قابل للألم ليخوض فيه المعركة لأجلنا، وإذا كان بالطبيعة هو الله الذي يملك عدم التألم وعدم الموت، فماذا كانت الحاجة عندئذ للتجسد؟ لذلك فقد وحَّد بنفسه جسداً كان واحداً معنا في الجوهر وتألم مثلنا، وكان عرضة للتألم وللموت ومات كمحارب منتصر”
* قابلية الموت هنا هي بسبب مخلوقية آدم من العدم (وهي تعني قابليته للفناء أي الفساد الطبيعي) والذي كان من الممكن أن ينجو منه، كما يقول ق. أثناسيوس، إذا أبقى الله في معرفته (تجسد الكلمة 4: 6).
[18] كتب البطريرك ساويروس: “إن الإنسان فانٍ بالطبيعة، لأنه أتى إلى الوجود من العدم…. ولكنه مع ذلك لو كان قد استمر موجهاً نظره نحو الله، لكان قد تجاوز قابليته الطبيعية للفساد وبقي غير فاسد”.
(La Polemique…. I, p. 30). ويؤكد البطريرك ساويروس أن كل شئ مخلوق بما في ذلك الملائكة هو قابل للتغير، وقدم البابا ساويروس مثال الشيطان ليدعم وجهة نظره. وبالنسبة للإنسان، أشار إلى الكلمات التى تكلم بها الله مع آدم “أنت تراب، وإلى التراب تعود”، وأكد أن الله لم يقل لآدم “لقد صرت الآن تراباً” مما يعني ضمناً أن آدم قد خلق في الأصل قابلاً للموت والفناء. (La Polemique…. I, p. 34).
[19] A. Sanday: Anti Julianistica, Beyrout, 1931, Syriac, p. 69.
[20] هذه الفقرة مأخوذة من: (La Polemique…. I, pp. 166-7). وقد ذكر ساويروس هذه النقطة عدة مرات. انظر:
(La Polemique …. II A, pp. 35-6; II B, p. 222).
[21] يؤكد البطريرك ساويروس أن الإنسان سقط من نعمة الله، وأن الله الكلمة تجسد لكي يستعيد النعمة الإلهية الخاصة بعدم الموت للجنس البشري. واقتضى العدل الإلهي أن “الذي سقط ينبغي يحارب معركته مرة ثانية وأن يحرز الانتصار”. (La Polemique…. I, pp. 36-7)
[22] “لقد ترك الجسد هكذا بحيث يمكنه أن يعاني الآلام البريئة والموت، لأنه كما قلنا أراد أن يحسم أمر هزيمتنا بعدل، و’كأول‘ يبدأ بقيامته بالجسد الذي وحَّده بعدم التألم وعدم الموت وعدم قابلية الفساد والمجد، من أجل الجنس البشري كله هذا الذي صار هو باكورته”.
(La Polemique…. I, p. 70)
[23] وتساءل البطريرك ساويروس: “لو أن الجسد الذي تجسد به، كان غير قابل للفساد وغير قابل للتألم وغير مائت، فكيف أمكنه إذاً أن يدمر سلطان الموت؟ وعندئذ سيكون صلب المسيح بلا مبرر، ويصبح قول الرسول “لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت” بلا أي معنى، لأنه (أي الشيطان) لا يمكن أن يُهزم بالكامل إلا فقط إذا تألم الجسد ومات بدون خطية” (المرجع السابق صفحة 51).
ومن الجدير بالذكر أن السؤال عن أين بدأت الخليقة الجديدة، قد أجاب عليه يوليان بالإشارة إلى الميلاد البتولي لربنا، أما البطريرك ساويروس فقد أرجعه إلى القيامة. انظر: (La Polemique…. II B, pp. 222f)
[24] “وليس السبب أن الله الكلمة لم يكن قادراً على جعل الجسد غير قابل للموت وغير قابل للتألم منذ لحظة إتحاده بنفسه ولذلك تركه ليبقى قابلاً للتألم وللموت، ولكن بسبب أنه أراد أن يأخذ في نفسه معركتنا نحن”. (La Polemique…. I, p. 235)
[25] “لأنه أخذ جسداً قابلاً للموت وقابلاً للفساد، والذي لهذا السبب كان قابلاً للتألم. ومن خلال الجسد جعل آلامه (أي آلام الجسد) خاصة به أيضاً. فبينما كان الجسد يتألم، صار يقيناً أن الكلمة ذاته يتألم (أي نُسب هذا التألم للكلمة ذاته)، وعلى هذا النحو نحن نعترف أنه (أي الكلمة المتجسد) صُلب وأنه مات. فعندما تحمل الجسد الآلام، لم يكن الكلمة (بعيداً) هناك وحده”
(La Polemique…. I, p. 233)
[26] “وبالرغم من أن آلام وموت الله مخلصنا كانت إرادية وتهدف إلى شفاء أمراضنا، فإنها كانت مع ذلك تنتمي بالطبيعة للجسد الذي كان قابلاً للتألم والذي تألم بالحق”. (المرجع السابق، صفحة 133).
[27] الفكرة التي وراء هذه الفقرة، عبَّر عنها البطريرك ساويروس مرات ومرات. وهذه الفقرة مأخوذة من مخطوط المتحف البريطاني: (British Museum M.S., op. cit., p. 30). والنص السرياني للعبارتين اللتين في الوسط غير ملائم للمعنى، ولكننا نعتقد أن الترجمة التي قدمناها هنا تبين النقطة التي كان يقصدها الكاتب.
[28] واحدة من الأفكار التي كررها البطريرك ساويروس بكثرة في كتابه ’ضد النحوي‘ هي أن ناسوت المسيح كان ناسوتاً مخصخصاً ومتفرداً ومن ثم فهو كإنسان كان إنساناً محدداً. انظر صفحة 441.
[29] هذه الفكرة أيضاً شدد عليها البطريرك ساويروس مرات عديدة.
* يقول ق. أثناسيوس: “لهذا فمن الصواب أن يُدعى أيضاً ’أخانا‘ و’بكرنا‘ لأنه بما أن البشر قد هلكوا بسبب مخالفة آدم، فإن جسده كان أول من خُلِّص وحُرر بكونه جسد الكلمة، وهكذا نحن من خلال إتحادنا بجسده نخلص على مثال هذا الجسد” (ضد الأريوسيين، 2: 61).
[30] من الجدير بالذكر هنا أن البطريرك ساويروس كان يصر على أن الخليقة الجديدة قد بدأت في القيامة، على عكس نظرية يوليان الذي كان يرى أنها تبدأ بالميلاد البتولي. انظر المرجع رقم 59 صفحة 413.
[31] Norman Pittenger: The Incarnate Word, Harper and Brothers, New York, 1959, pp. 12-3.
حينما كان الجانب غير الخلقيدوني يقوم بمعارضة مجمع خلقيدونية وطومس ليو، كان يهتم أيضاً (في نفس الوقت وبنفس الحماس) بإدانة عدد من الهرطقات المتنوعة.
وقد شملت قائمة الهراطقة عند غير الخلقيدونيين نفس الرجال الذين رفضهم الجانب الخلقيدوني قبل مجمع عام 451م ـ بسبب تعاليمهم غير الأرثوذكسية ـ كما شملت أيضاً أولئك الذين جاءوا لاحقاً ولم تكن أفكارهم تطابق التقليد العقائدي لغير الخلقيدونيين. ولكي نتعرف على ذلك التقليد العقائدي، ينبغي علينا أن ننظر إلى المواقف (اللاهوتية) التي رفضوها، والأسباب التي ذكروها في تبنيهم لهذة التصرفات.
وقد كانت الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ـ والمتعلقة بدراستنا هذه ـ هي الهرطقات المتصلة بعقيدة الثالوث وبعقيدة التجسد. وبالنسبة للنوع الأخير كان غير الخلقيدونيين قد استبعدوا بعضاً منها بسبب أنها لا تؤكد وحدة المسيح بشكل صحيح، ورفضوا البعض الآخر لأن تفسيرها للاستمرار الديناميكي للاهوت والناسوت في المسيح الواحد كان تفسيراً معيباً.
وقد اهتم اللاهوتيون في الكيان غير الخلقيدوني ـ في كل البيانات العقائدية التي أصدروها ـ بأن يذكروا قائمة بالرجال الذين يعتبروهم من الهراطقة بدءاً من سمعان الساحر وانتهاءً بنسطوريوس من ناحية، ومن فالنتينوس إلى أبوليناريوس وأوطيخا من الناحية الأخرى. وكان غير الخلقيدونيين هم الذين بادروا باستبعاد وتفنيد مجموعة من التعاليم الخاطئة التي ظهرت بعد مجمع خلقيدونية والمتعلقة بعقيدة الثالوث وعقيدة التجسد.
2. الأوطيخية:
كان أوطيخا قد نُفي إلى (Doliche) بشمال سوريا ـ كما ذكرنا ـ فور تولي بولخريا السلطة عام 450م، ولم يُعرف أي شيء عن الرجل منذ ذلك الحين. وسواء كان أوطيخا بالفعل يؤمن بالأفكار التي رأها فيه الذين أدانوه أم لا، فالحقيقة أنه كان هناك رجال في الشرق في ذلك الوقت يتمسكون بمثل هذه الأفكار.
ويذكر زكريا المؤرخ[1] أنه في أيام ثيؤدوسيوس أسقف أورشليم (تنيح عام 457م)، قام رجل خطيب من الإسكندرية يُدعى يوحنا بتقديم نظرية أُشير إليها بـ ’الأوطيخية‘، حيث سعى يوحنا بحكم دراسته الفلسفية أن يربط تخميناته الغيبية ببعض الأفكار المستعارة من المسيحية، ليقدم تفسيراً عن شخص المسيح. وقد اعتبر يوحنا ناسوت المخلص ’ظاهرة فريدة‘ لا توجد طبيعة من نفس نوعها، على أساس أنه وُلد من عذراء،[2] وبالتالي فإذا كان يسوع المسيح هو إنسان بدون طبيعة ’بشرية‘، فقد زعم يوحنا أنه كان طبيعة وحيدة.
ويذكر المؤرخ أن يوحنا الخطيب كتب عدداً من المقطوعات الأدبية ونسبها إلى أشخاص مثل بطرس الأيبيري وثيؤدوسيوس نفسه الذي عندما سمع بأفكار يوحنا وتصرفاته قام بإدانة الرجل وتعاليمه،[3] وأرسل حكمه هذا إلى فلسطين وسوريا والإسكندرية.
ومما يُذكر بواسطة نفس المؤرخ أنه بينما كان ثيؤدوسيوس في السجن اتصل به الخلقيدونيون والأوطيخيون ليحاول كل منهما أن يستميله إليه ولكن هذه المحاولات لم تأتِ بفائدة. ويقال إن ثيؤدوسيوس أخبر الأوطيخيين أن أفكارهم هي نفس تعاليم فالنتينوس وماني وماركيون، ويجب أن تُعرف أنها هرطقة أسوأ من هرطقة “بولس السموساطي، وأبوليناريوس ونسطوريوس”.[4]
أما بالنسبة للبابا تيموثاؤس إيلوروس بطريرك الإسكندرية، والذي يعد أكثر مَن عبَّروا عن انتقادهم لمجمع خلقيدونية بعد وقت ثيؤدوسيوس، فقد عارض أيضاً الموقف الأوطيخي بشدة. ويُذكر أنه عندما كان في نفيه، كتب رسائل إلى الإسكندرية وفلسطين يعارض فيها أولئك الذين يرفضون أن يؤكدوا أن المسيح، الذي هو واحد مع الآب في الجوهر بحسب اللاهوت، هو أيضاً وفي نفس الوقت واحد معنا في الجوهر بحسب الناسوت.[5]
وبالإضافة إلى ذلك، هناك حادثتان في حياة البابا تيموثاؤس إيلوروس تؤكدان معارضته للأوطيخية. الحادثة الأولى أثناء منفاه، حيث كان هناك رجلان من الإسكندرية ـ إشعياء من هرموبوليس، وقس يُدعى ثيؤفيلوس ـ اتخذا إقامتهما في القسطنطينية وزعما أن لهما نفس رؤية البابا تيموثاؤس أيلوروس،[6] ولكن في الحقيقة كانت الأفكار التي ينشرانها هي نفس الأفكار التي اعتُقد أن أوطيخا كان يتمسك بها.
وحينما وصلت هذه الأنباء إلى البابا تيموثاؤس في منفاه أرسل خطابات إلى كل من الإسكندرية والقسطنطينية، يحذر فيها الناس مما يفعله هذان الرجلان.[7] وأرسل البابا تيموثاؤس خطابين إلى القسطنطينية، ينصح في الأول منهما الرجلين (إشعياء وثيؤفيلوس) بالإقلاع عن تلك الأفكار، وعندما لم يتقبل الرجلان الخطاب بصورة جيدة أرسل خطابه الثاني[8] الذي كان عملاً عقائدياً يشرح الإيمان ويحتوي على عدد كبير من الاقتباسات من كتابات الآباء.
ورفض إشعياء وثيؤفيلوس هذا الخطاب أيضاً فقام البابا تيموثاؤس في النهاية بحرمهما بعلة الهرطقة.[9]
وقد ناقش البابا تيموثاؤس في خطابه الثاني موضوع الإيمان بهدف فضح تعاليم إشعياء وثيؤفيلوس اللذان روَّجا أفكارهما في ربوع القسطنطينية. ولذلك أكد البابا تيموثاؤس في خطابه أن ربنا يسوع المسيح في التجسد كان واحداً في الجوهر معنا، وأصر أن “أي واحد يجل الله لن يسمح (لنفسه) أن يحتقر رحمته برفضه الإخلاص لتعليم آبائنا القديسين الذين اعترفوا أن ربنا يسوع المسيح صار واحداً معنا في الجوهر في الجسد”.[10]
وكما فعل البابا ديسقوروس، استمر البابا تيموثاؤس ـ معتمداً على الرسالة إلى العبرانيين ـ ليؤكد أنه “إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما، لكي يبيد بموته سلطان الموت أي ابليس……. وهو لم يأخذ الطبيعة من الملائكة، ولكن من نسل إبراهيم. و (من ثمَّ) كان ينبغي أن يشبه أخوته في كل شيء لكي يكون رحيماً……. لأنه فيما هو قد تألم وجُرب يقدر أن يعين المجربين”.
ويعلق البابا تيموثاؤس على عبارة ’ يشبه أخوته في كل شيء‘ ويقول: إن الأسفار “تعلم كل أولئك الذين يرغبون في بركات السماء وفي الخلاص، أنه ينبغي عليهم أن يعترفوا أن تجسد ربنا يسوع المسيح كان من مريم…….؛ وهو الذي له ذات الطبيعة مع الآب بحسب لاهوته، صار كذلك له ذات الطبيعة معها (أي مع العذراء مريم) ومعنا في الجسد”.
وبهذه الطريقة شرح البابا تيموثاؤس في خطابه إيمان الكنيسة بخصوص التجسد مفنداً تعاليم إشعياء وثيؤفيلوس الخاطئة. وقد أرسل نسخة من هذا الخطاب إلى الإسكندرية، ووجهه “إلى الإكليروس، والرهبان، والأخوات الراهبات في المسيح، والمؤمنين……. لكي تعرفوا أنني قد كتبت هذه الأشياء”.[11]
ثم حذرهم بأن “الذي لا يؤمن بحسب التقليد الخاص بربنا يسوع المسيح ابن الله ، كما علَّم به آباؤنا القديسون، فليكن محروماً”.[12] ويتضح من هذه الحادثة أن البابا تيموثاؤس إيلوروس لم يكن مؤيداً لوجهة النظر التي أدانها ليو بابا روما ومجمع خلقيدونية على أنها تعليم أوطيخا، كما أن معارضته للمجمع وللطومس لم تكن نتيجة تردده في الاعتراف بكمال بشرية ربنا.
أما الحادثة الثانية التي تثبت أن البابا تيموثاؤس إيلوروس كان يرفض التعليم المنسوب إلى أوطيخا، فقد حدثت في القسطنطينية عام 475م. وكان الإمبراطور باسيليسكوس ـ كما ذكرنا ـ قد أعاد البطريرك تيموثاؤس من منفاه، وعندما زار البابا تيموثاؤس القسطنطينية[13] شجع الإمبراطور ليصدر منشوره العام الذي يلغي مجمع خلقيدونية.
وقد أدان هذا المنشور أولئك الذين يتمسكون بفكرة أن التجسد كان شبهاً خارجياً فقط، فعارض بعض الرجال في القسطنطينية هذا الأمر، واتصلوا بتيموثاؤس ليتفقوا معه لكي يعارض هو الآخر هذه الفكرة، ولكن على عكس توقعاتهم ثار البابا تيموثاؤس ضدهم قائلاً:[14]
“إن الأسفار تعلمنا عن المسيح أنه تشابه معنا في كل شيء، وأنه صار بالكمال بنفس الطبيعة (البشرية) معنا ما عدا الخطية. وهو قد وُلد بطريقة فائقة بدون اتصال زيجي، ولكنه صار إنساناً كاملاً، إذ حُبل به في مريم العذراء وولد منها بالروح القدس، وهو نفسه ظل باستمرار الله المتجسد بدون أي تغيير”.
ومن الواضح هنا أن البابا تيموثاؤس إيلوروس قد أكد أن ناسوت ربنا كان حقيقياً وكاملاً، وأنه (أي البابا تيموثاؤس) استبعد الأوطيخية بنفس التصميم والحماس الذي كان لدى الجانب الخلقيدوني.
وإذا انتقلنا إلى مار فيلوكسينوس أسقف منبج، فسنجد أنه كان ـ كما ذكرنا ـ معارضاً قوياً للنسطورية، وكان يؤمن أنها قد عادت من جديد بمكر من خلال مجمع خلقيدونية وطومس ليو. ويتضح من كتابات مار فيلوكسينوس أنه كان يرفض الأوطيخية أيضاً بنفس الحماس الذي كان يعارض به النسطورية.
ويؤكد مار فيلوكسينوس أن الأوطيخية تؤمن فقط أن الله الابن أخذ لنفسه مظهر وشبه الإنسان[15] بدون أن يأخذ أي شيء من العذراء، وهذا التعليم يضعف من مدلول التجسد ولهذا ينبغي أن ترفضه الكنيسة. وكان فلافيان أسقف القسطنطينية وليو بابا روما قد وجدا ـ كما ذكرنا ـ في أوطيخا نفس هذه الرؤية، وقد عبَّر مار فيلوكسينوس عن موافقته لكليهما أثناء اعلانه عن هرطوقية هذه الأفكار.
وفي الحقيقة ذهب مار فيلوكسينوس في شرحه إلى القول بأن التعليم الأوطيخي لم يقع فقط في خطأ الدوسيتية* ـ كما هو شائع عنه ـ ولكنه وقع أيضاً في الثنائية المانية التي تعتبر أن المادة شر،[16] لأنه إذا كانت الأوطيخية تنكر أن ربنا قد صار متجسداً من العذراء وأنه واحد معنا في الجوهر، أفلا يتضمن هذا رفضاً منها (أي من الأوطيخية) بالاعتراف أن الله من الممكن أن يصير إنساناً على أساس الفرض المسبق بأن الطبيعة البشرية هي شر؟
ويرى مار فيلوكسينوس أن هناك تشابهاً بين النسطورية والأوطيخية حيث يقول:[17]
“وقد يبدو أن الموقف النسطوري والموقف الأوطيخي يضاد كل منهما الآخر، ولكنهما في الواقع يتمسكان بنفس وجهة النظر، لأن كليهما ينكر أن الله وُلد من مريم. فلو كان الله قد اتخذ فقط مظهر وشبه الجسد ولم يأخذ بالحقيقة جسدنا من العذراء، فلا تكون الحقيقة القائلة أن والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ قد ولدت، هي أمر واقعي (على الإطلاق)”.
وبينما يستنكر أسقف منبج الأوطيخية على هذا النحو، نجده أيضاً يكتب عن النسطورية قائلاً:[18]
“إن النسطورية لا تعترف أن الكلمة صار جسداً، ولكنها تعترف فقط أن الجسد تكون (أولاً) ثم أتُخذ بواسطة الكلمة. وبالتالي فلا تكون مريم هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘، بل هي فقط والدة الجسد أو بالتحديد الإنسان الذي سكن فيه الله”.
وعند مار فيلوكسينوس ـ كما سنرى بصورة أوضح فيما بعد ـ كان الله الابن قد تجسد بالفعل بأن وحَّد بنفسه ناسوتاً حقيقياً وكاملاً من رحم العذراء، وأي عقيدة تنكر أو تقلل من هذه الحقيقة كانت بالنسبة له هرطقة ينبغي إدانتها.
أما بالنسبة للبطريرك ساويروس الأنطاكي، فقد كان ناقداً قوياً للموقف (اللاهوتي) الذي سُمي بـ ’الأوطيخية‘. وفي إشارته إلى عبارة أن المسيح ’طبيعتان قبل‘ و ’طبيعة واحدة بعد الاتحاد‘[19] كتب البطريرك ساويروس: “لم يقم أحد على الإطلاق من الذين يتمسكون بالتفكير السليم ـ ولا حتى على مستوى الخيال ـ بإقرار تعبير: طبيعتين قبل الإتحاد”.[20] لأن ذلك يعني من وجهة نظر ساويروس أن الطفل الإنساني قد تكوَّن في رحم العذراء قبل اتحاد الطبيعتين.
وبالنسبة لكافة القادة غير الخلقيدونيين، كانت فكرة أن الطفل قد تكوَّن في الرحم قبل الإتحاد لا تعني إلا نفس تعليم نسطوريوس ومؤيديه. وقد عارض البطريرك ساويروس هذه الفكرة في أماكن عديدة في كتاباته ـ بالإضافة إلى ما أوردناه قبلاً ـ ونذكر على سبيل المثال ما كتبه إلى أكيومنيوس (Oecumenius)[21] حيث قال:
“بالرغم من أن هيبوستاسيس (أقنوم) الله الكلمة كائن قبل كل الدهور والأزمنة وهو منذ الأزل مع الله الآب والله الروح، فإن الجسد ذو الروح العاقل (الذي أخذه) لم يوجد قبل اتحاده به”. ومرة ثانية يؤكد البطريرك ساويروس في إحدى عظاته: “ولم يكن الأمر أن هناك طفلاً قد تكوَّن أولاً في رحم العذراء ثم على الفور وحَّد الله الكلمة نفسه به من خلال اتحاد الإرادة واقتران الحب”.[22]
ويتضح من كل ما سبق، أنه بينما كان الجانب غير الخلقيدوني يعارض مجمع خلقيدونية وطومس ليو، إلا أنه كان واعياً تماماً أيضاً للهرطقة ’الأوطيخية‘، وقد قام باستبعادها بمنتهى القوة والحماس مثلما فعل الجانب الخلقيدوني. ومن ثم لم يكن رفض الجانب غير الخلقيدوني لمجمع خلقيدونية هو بسبب تعاطف سري أو علني مع الموقف الذي سُمي بـ ’الأوطيخية‘ في مجمع عام 451م.
ويبقى سؤال هام ينبغي علينا أن نواجهه في إطار هذا السياق، وهو:
إذا كان البابا ديسقوروس والجانب غير الخلقيدوني يعارضون ’الأوطيخية‘ بالفعل، فكيف قام مجمع عام 449م بتبرئة أوطيخا الذي عُرفت تلك الهرطقة باسمه؟. وهذا السؤال في الحقيقة له أهميته من وجهة النظر التاريخية، فالبطريرك ساويروس الأنطاكي ـ الذي كان يعتبر أوطيخا هرطوقياً بشكل مؤكد ـ لا يجد صعوبة في الاعتراف بأن البابا ديسقوروس هو “شهيد المسيح، الذي لم يحنِ وحده ركبته للبعل في مجمع الشر”.[23]
وكما أظهرنا قبلاً، كان البابا ديسقوروس قد أقر في مجمع خلقيدونية أن الأفكار التي قيل عنها أنها لأوطيخا هي بالفعل أفكار هرطوقية، ولكنه أقر أيضاً أنه لا يوجد أي سند في محاضر الجلسات المسجلة لمجمع عام 448م يفيد أن أوطيخا كان بالفعل يتمسك بتلك الأفكار.[24] ومن الجدير بالذكر أن الأساقفة المصريين لم يذكروا أوطيخا بالاسم كهرطوقي في التماسهم الذي قدموه لمجمع خلقيدونية يوم 17 أكتوبر عام 451م.[25]
وحتى بعد مجمع خلقيدونية، لم يتضمن منشور باسيليسكوس اسم أوطيخا في قائمة الهراطقة التي أوردها على الرغم من أن المنشور أدان الهرطقة المنسوبة إليه.[26] أما منشور الإتحاد (الهينوتيكون) الذي أصدره زينو عام 482م فقد أعلن أوطيخا كهرطوقي،[27] وكان ذلك المنشور مقبولاً من الكيان غير الخلقيدوني.
وقد ناقش البطريرك ساويروس الأنطاكي هذا الأمر في عدد من رسائله، فإذا نظرنا إلى هذه الرسائل معاً سنجد أنه أورد فيها ثلاث نقاط أساسية:
أولاً، ذكر البطريرك ساويروس أن مجمع أفسس الثاني عام 449م كان قد أبرأ أوطيخا على أساس أمرين:
-قام المجمع (عام 449م) بإصدار حكمه بعد فحص “محاضر الجلسات التي دُونت في المدينة الملكية (القسطنطينية) والتي تضمنت الشهادات (الأقوال) التي بُنيت عليها إدانة أوطيخا”. وقد حكم المجمع بأنه لم يكن مستحقاً الإدانة.
-قام أوطيخا نفسه بتقديم التماس يحرم فيه ماني وفالنتينوس وأبوليناريوس، وأولئك الذين يقولون أن جسد ربنا قد نزل من السماء، كما أضاف أوطيخا أيضاً بعض النقاط التي ـ كما أشار ساويروس ـ لم تتم قراءتها في مجمع خلقيدونية، وذكر البطريرك ساويروس أنه أورد هذه الكلمات في رسالته إلى سرجيوس الطبيب والمفكر.[28]
وقد فُقدت هذه الكلمات من رسالة البطريرك ساويروس التي نُشرت في ’كتابات الآباء الشرقيين‘ (Patrologia Orientalis)، ومن المحتمل أن تكون هذه العبارات هي نفس العبارات التي سبق أن ذكرناها فيما قبل.[29] وعلى أي حال، فإن دفاعات البطريرك ساويروس انتهت إلى تأكيده بأن أوطيخا لم يُبرَّأ في مجمع عام 449م على أساس نفس الأسباب التي تمت إدانته بسببها في مجمع خلقيدونية.
ثانياً، يؤكد البطريرك ساويروس أنه “بعد هذه الأمور، رجع أوطيخا نفسه إلى قيء رأيه الشرير”.
ثالثاً، إن ارتداد أوطيخا هذا لا “يأتي باللوم” على مجمع عام 449م، ولا على البابا ديسقوروس.[30]
ونستطيع أن نستنبط ملاحظتين على الأقل من الرأي الذي كان يصر عليه البطريرك ساويروس:
الملاحظة الأولى هي أن البطريرك ساويروس لم يذكر بوضوح متى قام أوطيخا بالفعل بتعليم الأفكار التي نُسبت إليه. كما أن كلمات البطريرك ساويروس “رجع إلى رأيه الشرير” تحمل ضمنياً معنى أن أوطيخا كان من الأصل هرطوقياً، ولكننا رأينا أن مجمع عام 449م قد برَّأه وحكم بأن الأساس الذي تمت عليه إدانته في مجمع عام 448م لا يمكن تبريره، كما أعلن أن اعتراف الإيمان الذي قدَّمه أوطيخا كان أرثوذكسياً؛ ومع ذلك وعلى الرغم من هذه الرأفة عاد أوطيخا (بحسب رأي ساويروس) إلى آرائه الأولى.!
وفي الحقيقة، أنه لا يمكن أن يُستنتج تفسير من هذا النوع من محاضر جلسات مجمع عام 449م، لأن فحص المجمع لقضية أوطيخا ـ كما رأينا[31] ـ لم يُظهر أنه كانت لدى الوفود المجتمعة أي شبهة تتعلق بالموقف اللاهوتي (السابق) للرجل، وبالتالي فإن اتهام أوطيخا بأنه عاد إلى رأيه الشرير، لا يمكن ـ لو كان قد حدث ـ أن يكون قد تم قبل وقت انعقاد ذلك المجمع، فإذا افترضنا أنه حدث في الفترة بين وقت انعقاد المجمع عام 449م ونفي أوطيخا عام 450م فيكون من الغريب حقاً أن هذه الأخبار لم تصل في حينها إلى البابا ديسقوروس والأساقفة المصريين، ولا حتى إلى أولئك الذين وضعوا مسودة منشور باسيليسكوس عام 475م.*
وفي الواقع لم يقم البطريرك ساويروس بالإجابة على هذه التساؤلات في تقييمه لأوطيخا، ولا يوجد أمامنا غير احتمال واحد في مواجهة هذه الملابسات التاريخية وهو أنه كان يوجد رجال في تلك الأيام الماضية يعتنقون الأفكار التي نُسبت لأوطيخا، وأن بعضاً منهم على الأقل كان يعتبر الراهب العجوز رائداً لهم. وهكذا يظل السؤال عن هل قام أوطيخا نفسه بتعليم الأفكار التي نُسبت إليه، سؤالاً مطروحاً. أما فيما يخص الأفكار نفسها، فإننا لدينا دلائل قاطعة على أن كلا الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني قد استبعدها منذ بداية الصراع بينهما.
الملاحظة الثانية، هي أن البطريرك ساويروس لم يقدم في دفاعه عن مجمع أفسس الثاني عام 449م أي تبرير للطريقة التي عالج بها المجمع تردد أوطيخا في الإقرار بعبارة “واحد معنا في الجوهر”. وعلى الرغم ـ كما ذكرنا[32] ـ من أن المعنى الذي وراء تلك العبارة كان متضمناً في اعتراف أوطيخا بالإيمان إلاّ أنه كان متردداً في الإقرار بالعبارة نفسها، ولكن مجمع عام 449م لم يعطِ اهتماماً كافياً لتلك النقطة.
وما يهمنا هنا ـ من وجهة نظر هذا البحث ـ هو التأكيد على حقيقة أن الجانب غير الخلقيدوني كان منذ البداية يدين الأفكار التي يصفها الجانب الخلقيدوني بـ ’الأوطيخية‘. وإذا أضفنا إلى ذلك ما قدَّموه في هذه الأثناء من شروحات لموقفهم اللاهوتي، فسوف يتضح بأجلى بيان أن غير الخلقيدونيين يؤمنون بأن الطبيعتين اللتين اتحدتا في المسيح قد استمرتا فيه بدون أي إضمحلال.
3. فكرة أن المسيح له خصوصية واحدة:
ظهرت هذه الفكرة في أيام البطريرك ساويروس الأنطاكي بواسطة رجل يُدعى سرجيوس النحوي، حيث كتب خطاباً حول هذا الأمر وأرسله إلى البطريرك ساويروس يسأله عن رأيه.[33] وقد أكد النحوي:
“إن اللاهوت والجسد ’هما جوهران‘. الأزلية هي خصوصية الأول، وإمكانية الفساد هي خصوصية الأخير*“، وحين صار الله الابن إنساناً، اتخذ جسداً “وولد بطريقة فائقة للطبيعة (supernaturally)” كما أنه “لم يرى فساداً”. ومن هنا يؤكد سرجيوس أنه “بسبب الاتحاد، زالت خصوصية الجسد”، ولذلك “من الأفضل أن نقول أنه توجد خصوصية واحدة (للمسيح)”، ويكمل سرجيوس بقوله “فلماذا إذن نقول أنه توجد هناك خصوصيتان؟”.[34]
وبدأ البطريرك ساويروس مناقشته للأمر بقوله أن التأكيد على وجود فرق في الخصوصيتن هو تعليم الآباء، فقد أكدوا على أن الطبيعتين اللتين اتحدا في المسيح الواحد هما مختلفتان “لأن واحدة غير مخلوقة، والأخرى مخلوقة”.[35] ولكن بينما “يظل الاختلاف بين خواص الطبيعتين قائماً”، “فإن الطبيعتين اللتين يتكون منهما المسيح الواحد” اتحدتا “بدون اختلاط”، وبهذه الطريقة “يُقال إن كلمة الحياة قد أصبح مرئياً وملموساً”.*
ويؤكد البطريرك ساويروس إننا عندما نفكر في عمانوئيل سنرى أن اللاهوت والناسوت هما مختلفان، وبينما نعترف بالاتحاد فإننا لا ننكر الاختلاف الذي بين الطبيعتين اللتين يتكون منهما المسيح الواحد”، وهذا بالرغم من أننا نستبعد وجود أي انقسام بسبب ’الاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)‘.[36]
وهكذا ظلت خواص كلتا الطبيعتين باقية في المسيح الواحد مع الطبيعتين نفسيهما، بدون اختلاط ولا انقسام. وحيث إن الطبيعتين اتحدتا، فقد حدث تبادل للخواص والذي به أصبح “الكلمة يُعرف في خواص الجسد”، كما أن الخواص البشرية أصبحت “تنتمي للكلمة، وخواص الكلمة (تنتمي) للجسد”.[37] وهذا الاتحاد هو بدون اختلاط، حيث لم تُفقد فيه أي من الطبيعتين ولا أي من خواصهما أو ملكاتهما.
ويمكننا أن نميِّز هذا الموقف ذاته ،الذي تبناه البطريرك ساويروس، عند كل القادة المعترف بهم في الجانب غير الخلقيدوني من الكنيسة. وهذا يُظهر أنهم لم يؤكدوا فقط على استمرار الطبيعتين في المسيح الواحد وإنما حافظوا أيضاً على مبدأ عدم فقدان أو اضمحلال أي خصوصية أو ملكة من أي من هاتين الطبيعتين.
[2] لقد أكد يوحنا ـ كما يقول زكريا المؤرخ ـ أن “الله الكلمة ذاته أصبح الجسد وتألم فيه، هذا إذا كان قد تألم، وبهذا أنكر أنه كان متحداً بجسد بشري”. (المرجع السابق، 1: صفحة 163).
[7] للإطلاع على الخطابات انظر (المرجع السابق صفحة 186).
[8] للإطلاع على هذا الخطاب انظر (المرجع السابق صفحة 186-202).
[9] للإطلاع على خطاب البابا تيموثاؤس الذي يحرم فيه إشعياء وثيؤفيلوس انظر (زكريا الخطيب، المرجع السابق صفحة 202-205). وقد كتب البابا تيموثاؤس أن إشعياء وثيؤفيلوس يؤمنان بأن “جسد ربنا كان واحداً في الجوهر مع نفسه وليس معنا. وأنه (أي الكلمة) لم يصر إنساناً بالحقيقة”. (نفس المرجع صفحة 203). وفي هذا الخطاب ثبَّت البابا تيموثاؤس مدة التوبة للعائدين من الهرطقة بسنة واحدة متتبعاً في ذلك وصية سلفيه البابا كيرلس والبابا ديسقوروس.
[14] المرجع السابق صفحة 215-216. وهذه الحادثة مذكورة في دراستنا الحالية صفحة 207.
[15] كتب مار فيلوكسينوس: “إن الأوطيخيين يؤمنون فقط بأن الله اتخذ شكل وشبه الإنسان، بينما يرفضون تأكيد أنه أخد أي شيء من مريم حينما أخذ الجسد. وظنوا أنهم إذا افترضوا شيئاً مثل هذا (أي إذا افترضوا أنه أخذ جسداً من مريم العذراء) فإن ذلك سيقودهم إلى القول بأن التجسد قد أحدث إضافة إلى الثالوث” انظر: (Philoxenos, op. cit., p. 154)
* الدوسيتية (أي الخيالية) هي بدعة تنادي بأن جسد المسيح لم يكن جسداً حقيقياً بل قد بدا كذلك، أي كان جسداً وهمياً (أو خيالياً).
[16] أكد مار فيلوكسينوس أنه “لو كان الأوطيخيون يؤمنون مثلنا بأن كل شيء عُمل وخاصة طبيعة الإنسان هو خليقة الله، فما كانوا قد تحدثوا مثل المانيين (Manichaean) بأن جسد الله هو ليس من طبيعتنا…. إن خليقة الله حسنة، ولهذا صار الخالق إنساناً منها. فإذا كانوا مترددين في التسليم بذلك، فدعهم يقولون بوضوح أن طبيعة الإنسان هي من الشر، ليظهروا أنفسهم أنهم ليسوا فقط خياليين ولكن أيضاً مانيين”. (المرجع السابق، صفحة 42-43).
* لأن منشور باسيليسكوس لم يتضمن اسم أوطيخا في قائمة الهراطقة التي أوردها على الرغم من أن المنشور أدان الهرطقة المنسوبة إليه.
[32] انظر صفحة 55 وما يليها والمرجعان 156، 157 صفحة 81.
[33] للإطلاع على الخطابات المتبادلة بين سرجيوس والبطريرك ساويروس انظر:
(Ad Nephalium, op. cit., pp. 70f)
* كان سرجيوس يفهم ’خصوصية‘ بأنها تعني التميز المتفرد للشيء ككل (أو للطبيعة ككل)، وبالتالي فكل طبيعة لها تميز محدِّد واحد. ويقول سرجيوس حيث إن الله له تميزه الخاص وهو الأزلية والإنسان له تميزه الخاص وهو إمكانية الفساد، فبما أن المسيح ليس أزلياً (حيث ولد في الزمن بطريقة فائقة) كما إنه لم يرى فساداً، فلذلك تكون له خصوصيته الفريدة التي ليست هي خصوصية الله ولا خصوصية الإنسان ولكنها خصوصية فريدة تخص المسيح وحده. وكما أن المسيح هو طبيعة واحدة من طبيعتين لذلك يمكننا أن نقول أيضاً أنه خصوصية واحدة من خصوصيتين.
* يذكر إيان تورانس في كتابه “التعليم عن المسيح بعد مجمع خلقيدونية” والذي يحتوي على ترجمة إنجليزية للمراسلات بين ق. ساويروس الأنطاكي وسرجيوس النحوي، أن ق. ساويروس كان يفهم الخصوصية بثلاث معانٍ متباينة ظهرت في خطاباته الثلاث إلى سرجيوس: (1) خواص الشيء (2) سمة مخصوصة بشيء معين ـ أو طبيعة معينة ـ تخصه وحده دون غيره، مثل أن الضحك سمة مخصوصة بالإنسان دون غيره (3) الهوية الخاصة بشيء ما، فالجسد هو جسد وليس حجراً وذلك ببساطة لأنه هو جسد، وقد يَسوَّد لونه أو يتحطم أو يتم طهيه، ولكنه مع ذلك يظل جسداً، أي يظل محتفظاً بهويته الخاصة كجسد وليس شيئاً آخراً.
[37] المرجع السابق صفحة 79. ويقر البطريرك ساويروس بما هو أكثر من ذلك إذ يقول:
“ولذلك فبينما نحرم أولئك الذين يؤكدون أن عمانوئيل بعد الاتحاد هو طبيعتين بما لهما من فعلين وخواصين، فإننا لا نضعهم تحت الإدانة بسبب قولهم بالطبيعتين أو الفعلين أو الخواصين؛ ولكن لأنهم بينما يؤكدون على الطبيعتين بعد الاتحاد، ينسبون الأفعال والخواص لكل طبيعة على حدة، وبذلك هم يفصلونهما”. (المرجع السابق، صفحة 80).
يعتبر البطريرك ساويروس الأنطاكي بالفعل هو اللاهوتي الأبرز في الجانب غير الخلقيدوني في القرن السادس، وربما أيضاً في كل الكنيسة في الشرق، إذا لم يكن في الكنيسة بأكملها في عصره.
وفي اثنين من أكبر كتبه ـ ’محب الحق‘ (philalethes) و’ضد النحوي غير التقي‘ (Contra Impium Grammaticum) ـ وكذلك في العديد من رسائله وعظاته العقائدية، دافع البطريرك ساويروس بشدة وبثبات ضد كل من طومس ليو ومجمع خلقيدونية. وقد ذكر البطريرك ساويروس لتأييد موقفه اللاهوتي، حججاً من التقليد ومن الأسس اللاهوتية، وأصر على أن المفهوم الأنطاكي ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ ـ الذي تبناه المجمع من خلال استخدامه لعبارة ’في طبيعتين‘ ـ هو مفهوم بغيض ومرفوض.
أولاً: في ضوء التقليد
لقد أقر البطريرك ساويروس أنه من الممكن أن نجد دليلاً على استخدام تعبير ’طبيعتين‘[1] في أعمال الآباء الأولين، ولكنه دفع بأن استخدام أولئك الآباء لم ينطوي على أي فكرة للتقسيم؛ ولكنهم كانوا يقصدون فقط من ذلك أن المسيح هو إله وإنسان في آنٍ واحد. ومع ذلك فمنذ ظهور النسطورية تغيرت الأمور تماماً، فتم استبعاد التعبيرات غير المحددة والبريئة التي كانت تُستخدم في الماضي (قبل ظهور النسطورية)، وتم ترسيخ تقليد لاهوتي مؤسس على قانون الإيمان النيقاوي حسبما أكده وفسره مجمع عام 381م، ومجمع عام 431م.[2]
ورغم هذا الموقف، أصر ليو بابا روما ـ وبدون أن يعير أي اهتمام للتقليد الذي اتُفق عليه في الكنيسة ـ على استخدام عبارة ’في طبيعتين‘ في الطومس الخاص به، وتبناها مجمع خلقيدونية بعد ذلك معتمداً على مرجعية هذا الطومس.[3] ومن هنا كان البابا ليو ومجمع خلقيدونية مذنبين في تعديهما على التقليد العقائدي المستقر في الكنيسة.
وفي ضوء هذا السياق، نستطيع أن نفهم الاقتباسات من كتابي’محب الحق‘ و’ضد النحوي غير التقي‘ اللذين وضعهما البطريرك ساويروس في وضعها الصحيح. وقد أكد البطريرك ساويروس في كلا الكتابين ـ مستشهداً بآباء الكنيسة من ق. إغناطيوس الأنطاكي وق. إيرينيوس أسقف ليون وصولاً إلى ق. كيرلس السكندري ـ أن الفكرة التي وراء عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ تتعارض بشدة مع تعاليم الآباء.
وأكد البطريرك ساويروس[4] أن جميع الآباء قد أقروا أن المسيح هو وحدة (unity)، وفي كتابه ’محب الحق‘ على سبيل المثال، اقتبس ساويروس فقرات من عدد من هؤلاء الآباء وانتهى إلى قوله:[5]
“انظر إلى آباء الكنيسة، فإن جميعهم يعترفون باتفاق، أن الله الكلمة قد حُبل به في رحم العذراء ’والدة الإله‘، وأنه اتحد هيبوستاسياً (أقنومياً) مع الجسد الذي كان يُحبل به في ذلك المكان. وبينما ظل هو نفسه بلا تحول ولا تغيير، فإنه جعل الجسد خاصاً به (جسده الخاص)، دون أن يكون هناك أي وقت كان فيه هذا الجسد منفصلاً عنه”.
ولهذا فإن المسيح هو شخص واحد، الله الكلمة المتجسد. وكان هذا هو تعليم الآباء الذي أكد بنفس القوة أن الكلمات والأعمال التي سُجلت عنه في البشائر ينبغي أن تُنسب كلها للشخص الواحد. ولذلك كتب البطريرك ساويروس:[6]
“فأن يمشي جسدياً على الأرض ويتحرك من مكان لمكان فهذا بالفعل (أمر) بشري، ولكن أن يجعل أولئك العرج الذين لا يستطيعون أن يستعملوا أرجلهم يمشون فهذا (أمر) لائق بالله. ورغم ذلك فإنه نفس الله الكلمة المتجسد* هو الذي كان يعمل في كليهما. وكان هذا هو الأساس المنغرس في التقليد والذي وضعه الآباء، وهو ما قد تم انتهاكه في عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘”
وكان البطريرك ساويروس ـ كما ذكرنا ـ قد وضع مؤلفه ’محب الحق‘[7] لكي يفند كتاباً خلقيدونياً يحتوي على اقتباسات من كتابات البابا كيرلس السكندري جُمعت من أجل إظهار أن اللاهوتي السكندري الكبير كان قد سبق مجمع خلقيدونية[8] (في تبنيه لنفس الفكر والتعبير اللاهوتي الذي تبناه المجمع).
وأوضح البطريرك ساويروس في كتابه ’محب الحق‘ أمرين رئيسين، أولاً أكد على أن مؤلف الكتاب الخلقيدوني بذل جهده في وضع الكتاب وهو متوهم أن الجانب غير الخلقيدوني لا يقبل مبدأ وجود اختلاف بين اللاهوت والناسوت في المسيح الواحد، وهذا ليس بالأمر الصحيح على الإطلاق؛[9] لأننا بالفعل لا نقول أن الله الكلمة قد تغير إلى إنسان مكوَّن من جسد وروح.
ولكننا على العكس من ذلك نعترف أنه بينما يظل كما هو، وحَّد بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) جسداً له روح عاقل،[10] وبالتالي فإن اتحاد الطبيعتين لم يؤثر على حقيقة وكمال وسلامة أي من الطبيعتين اللتين استمرتا بصورة ديناميكية[11] في المسيح الواحد.
وقد اتفق الآباء على هذه النقطة بدون الإقرار بـ ’طبيعتين بعد الإتحاد‘، وبالتالي لا يكون ضرورياً بأي حال من الأحوال استخدام عبارة “في طبيعتين” من أجل التأكيد على تلك الفكرة، ويكون إدعاء الخلقيدونيين أن البابا كيرلس قد سبق المجمع (في قوله هذا) ليس له أساس من الصحة.[12]
أما الأمر الثاني الذي دفع به ساويروس في كتابه، فهو أن المؤلف الخلقيدوني في محاولته إثبات نظرية أن ق. كيرلس قد سبق المجمع في تبنيه لنفس الفكر والتعبير ـ والتي هي بالفعل أبعد من أي دليل ـ قام في مواضع عدة بتشويه أو تحوير الفقرات التي اقتبسها، عن أصلها الموجود في كتابات البابا كيرلس.[13]
وماذا إذاً عن صيغة إعادة الوحدة عام 433م، والتي اعترف فيها البابا كيرلس بتعبير ’طبيعتين‘؟ ألا يعد هذا الموقف تغييراً عن التقليد الراسخ الذي أشار إليه ساويروس؟.
لقد اهتم البطريرك ساويروس في إجابته على هذه النقطة بالسياق التاريخي لتلك الوثيقة بالإضافة إلى المعنى الفعلي للفقرة موضع التساؤل التي ورد فيها ذلك التعبير. وقد أكد البطريرك ساويروس[14] أن صيغة إعادة الوحدة عام 433م كانت قد وضعت في ظروف وجود شقاق في الكنيسة، وكان هذا الشقاق نفسه نتيجة عدم استطاعة الجانب الأنطاكي فهم الإيمان على نحو سليم.
وفي هذا السياق ومن أجل استعادة الوحدة في الكنيسة ـ وبالتالي مساعدة الأنطاكيين لكي يدركوا تدريجياً التقليد الآبائي في تفسير العقيدة ـ قام ق. كيرلس، كطبيب حكيم، بقبول الوثيقة التي أُرسلت إليه من يوحنا الأنطاكي. وكانت تلك الوثيقة هي التي تحوي العبارة محل السؤال، والتي أيَّدها البابا كيرلس من أجل السلام داخل الكنيسة.
وأكد البطريرك ساويروس أن ق. كيرلس على الرغم من ذلك، لم يوافق على تلك الصيغة إلا بعد صون كل المبادئ الأساسية التي يتعين المحافظة عليها. وهكذا رأى البابا كيرلس فيها أن الأنطاكيين قبلوا مجمع عام 431م دون أي شروط، ووقعوا على إدانة نسطوريوس بتعبيرات قاطعة وواضحة، وأكدوا أن العذراء هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ بدون إضافة أنها كانت أيضاً والدة الإنسان ’أنثروبوطوكس‘ أو والدة المسيح ’خريستوطوكس‘.
وبناءً عليه لا تكون صيغة إعادة الوحدة قد قدمت أي أساس لاستخدام عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘، وبتعبير آخر فإن البطريرك ساويروس أصر على أنه لا يمكن الاستشهاد بمرجعية وسلطة صيغة إعادة الوحدة، إلاّ بعد أن نأخذ في الاعتبار بنود الاتفاق الأخرى التي رافقتها.
وأضاف البطريرك ساويروس[15] أن هذه الحقيقة ستتضح أكثر إذا نظرنا إلى المعنى الفعلي للعبارة موضع التساؤل، فقد ذكرت أن اللاهوتيين يأخذون بعضًا من أقوال وأعمال ربنا باعتبارها تشير إلى البروسوبون الواحد، ويقسّمون الأخرى بين الطبيعتين.
ولم يكن القصد هنا هو تقسيم الأقوال والأفعال “بين الطبيعتين بحيث أن بعضاً منها تُنسب إلى الطبيعة اللاهوتية بمفردها، وبعضاً منها تُنسب إلى الطبيعة البشرية وحدها: لأنها كلها للطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة، وإنما نحن ندرك الاختلاف في الكلمات والأفعال؛ فالبعض لائق بالله والبعض لائق بالإنسان والبعض يليق باللاهوت والناسوت معاً”.[16]
والحقيقة أن تلك العبارة الواردة في صيغة إعادة الوحدة لا تتعارض مع المبدأ الكيرلسي في رؤية الفرق بين اللاهوت والناسوت في المسيح الواحد ’على مستوى الفكر والتأمل فقط‘. وكان البطريرك ساويروس يريد أن يؤكد أن مجمع خلقيدونية قد ذهب إلى أبعد مما يتضمنه هذا الفكر بإقراره لعبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘.
ثانياً: في ضوء الأساس اللاهوتي
كان البطريرك ساويروس قد أكد مرات ومرات أن عبارة “’طبيعتين بعد الإتحاد‘ تحمل ضمنياً مفهوم أن الجنين البشري قد تكوَّن بذاته أولاً في الرحم ثم اتخذه الله الكلمة فيما بعد.”[17]
وطبقاً لهذا المفهوم، فإن الإنسان يظل إنساناً والله الابن يظل الله الابن في حالة من التواجد المشترك، ولكن بدون أن يكونا متحدين بالمعنى الحقيقي في يسوع المسيح. وقد أكد ساويروس والقادة غير الخلقيدونيين الآخرين أن هذا الموقف اللاهوتي كان هو الموقف الذي أقره رجال مدرسة أنطاكيا والذي أُعلن أنه موقف هرطوقي بواسطة مجمع عام 431م.[18]
ولكي يثبت البطريرك ساويروس أن الأنطاكيين كانوا بالحقيقة يتمسكون بذلك الموقف نفسه، اقتبس بصورة مكثفة من كتابات رجال أمثال ديودور الطرسوسي، وثيؤدور الموبسويستي، ونسطوريوس، وثيؤدوريت أسقف قورش وغيرهم. وسنقوم فيما يلي بعرض فقرة واحدة من كتابات كل من أولئك الرجال:
“وحيث إن الجسد كان من مريم قبل أن يُتخذ، فهو من الأرض وغير مختلف عن أي جسد آخر بأي شكل من الأشكال. ومثل لاوي الذي أخذ الأعشار بينما كان في صلب أبيه ثم تقبل هذه الكرامة حين وُلد،* فإن الرب أيضاً حين كان في رحم العـــذراء كان من جـوهرها (her ousia) ولم يكن له كرامة البنوة، ولكن حين تكوَّن وأصبح هيكل الله الكلمة واقتبل المولود الوحيد، فقد مُنح كرامة الاسم وبالتالي استلم أيضاً منه المجد”.
وذكر البطريرك ساويروس أن البابا كيرلس السكندري كان قد عارض هذه الفقرة في الكلمات التالية:[20]
“إنك تعبِّر بكلمات تدل على الجهل وهي ضارة جداً، فذلك الجسد المقدس كان بالفعل من مريم، ولكنه منذ أول بداية تكوينه، أي منذ (لحظة) وجوده في الرحم، كان مقدساً بكونه جسد المسيح، ولا أحد يتصور أنه كانت هناك لحظة واحدة لم يكن فيها (ذلك الجسد) جسده. ولكن مع كل ما ذكــرت، فإنه ـ كما تقول أنت ـ كان (جسداً) عاماً مثل أي جسد آخر”.
ومن الواضح أن كلاً من ق. كيرلس والبطريرك ساويروس قد فهم الفقرة المأخوذة من ديودور على أنها تؤكد أن الطفل البشري قد تكوَّن في رحم العذراء بمعزل عن اتحاده مع الله الكلمة، ومن ثم كان هناك وقت ـ بصرف النظر عن قصر فترة ذلك الوقت ـ كان فيه ذلك الطفل في الرحم كائناً (مستقلاً) بذاته بدون أن يكون متحداً مع الله الابن.
ولا يستطيع موقف لاهوتي مثل هذا أن يعترف باتحاد إلاّ في نطاق (أو على مستوى) البروسوبون فقط، كما أنه لا يعتبر موقفاً لاهوتياً كافياً لتأكيد المفهوم الحقيقي للتجسد. وفي ضوء هذه النظرة (للتجسد) قام الأنطاكيون برفض تعبير والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ عند الإشارة إلى العذراء مريم. وقد وجد البطريرك ساويروس نفس الفكرة عند كل من ثيؤدور الموبسويستي ونسطوريوس وثيؤدوريت أسقف قورش.
“وعندما يسألون هل كانت مريم ’والدة الإنسان – أنثروبوطوكس‘ أو ’والدة الإله – ثيؤطوكس‘، نجيب بأنها كانت كلتيهما ـ (اللقب) الأول بسبب طبيعة ما حدث بالفعل، أما الثاني فعلى أساس الإعلاء. فبالطبيعة كانت ’أنثروبوطوكس‘ لأن ذاك الذي كان في رحم مريم كان إنساناً وهو قد وُلد من هناك، كما أنها كانت ’ثيؤطوكس‘ لأن الله كان في الإنسان الذي وُلد. وهذا ليس معناه أن الله انحصر فيه بالطبيعة، وإنما كان فيه بواسطة شركة الإرادة”.
“إن مريم لم تلد اللاهوت، ما أعظمه. فالذي وُلد من الجسد هو جسد، والمخلوق لا يلد غير المخلوق. والآب لم يلد الله الكلمة ثانية من العذراء، ولكنها ولدت الإنسان الذي كان أداة للاهوت. والروح القدس لم يخلق الله الكلمة حيث إن الذي كان فيها قيل إنه من الروح القدس، ولكن الروح القدس كوَّن من العذراء هيكلاً لله الكلمة. والله لم يمت بكونه صار إنساناً، ولكنه أقام ذاك الذي فيه صار إنساناً”.
“ومن الصحيح بنفس الطريقة أن نعترف ببروسوبون واحد، المسيح والابن، ولكن (بـ) هيبوستاسين إثنين وهما اللذين اتحدا،أي الطبيعتين”.
“نحن نشير إلى المسيح بكونه إنساناً يلبس الله، ليس بمعنى أنه تقبل العطية الإلهية جزئياً، ولكن بكونه واحداً اتحد به كل اللاهوت”.
وبناءً على تلك الفقرات والعديد من الفقرات الأخرى المقتبسة من كتاباتهم، توصل البطريرك ساويروس إلى أن رجال التقليد الأنطاكي لم يقروا بإتحاد حقيقي للطبيعتين؛ ولكنهم اعترفوا فقط بالوجود المشترك لله الابن والإنسان، في المسيح، ولكي يؤكدوا هذا الموقف أصروا على ’طبيعتين بعد الإتحاد‘. ومن ثم لا يمكن لمجمع خلقيدونية ـ في سياقه التاريخي هذا ـ أن يكون قد عني بعبارة ’في طبيعتين‘ أي شيء أكثر مما أكده التقليد الأنطاكي.[24]
ومن الجدير بالذكر أننا هنا لسنا بصدد الدفاع عن وجهة نظر ساويروس، ولكن ما أردنا تأكيده فقط هو أن البطريرك ساويروس والقادة غير الخلقيدونيين في انتقادهم لعبارة ’في طبيعتين‘ ـ الواردة في تعريف الإيمان الخلقيدوني ـ لم يكونوا متبنين موقفاً ’مونوفيزايت‘ (أي موقفاً ينادي بطبيعة وحيدة للمسيح). ويتضح لنا من السياق التاريخي لمجمع خلقيدونية أن القادة الذين تربوا على التقليد اللاهوتي السكندري كانت لديهم الفرصة ليعبِّروا عن اعتراضهم على عبارة ’طبيعتين بعد الاتحاد‘ أو عبارة ’في طبيعتين‘، ولكن الحقيقة الجلية هي أن الجانب الخلقيدوني لم يتعامل مع تلك الاعتراضات بصورة جدية على الإطلاق.
وقد أكد البطريرك ساويروس أنه على أحسن الأحوال يمكن لعبارة مجمع عام 451م ’في طبيعتين‘ أن تعني ’طبيعتين متحدتين بعد الاتحاد‘،[25] وكان هذا التفسير مقبولاً حتى من نسطوريوس نفسه ومن مؤيديه. ولذلك لا يستطيع مجمع خلقيدونية ـ الذي يزعم بأنه قد استبعد النسطورية ـ أن يبرر نفسه في تبنيه لعبارة ’في طبيعتين‘.
وماذا أيضاً عن الاتحاد الهيبوستاسي، والهيبوستاسيس الواحد؟ هل لم يوافق مجمع خلقيدونية عليهما، مع أن النسطورية كانت قد رفضتهما؟.
يقول البطريرك ساويروس، إنه من الصحيح أن مجمع خلقيدونية تكلم عن ’هيبوستاسيس واحد‘، ولكن ماذا كان يعني المجمع بذلك التعبير؟، وهنا يصر ساويروس أن تعبيري ’الاتحاد الهيبوستاسي‘ و ’الهيبوستاسيس الواحد‘ لا يمكن أن يتفقا مع عبارة ’في طبيعتين‘ أو ’طبيعتين بعد الإتحاد‘.[26]
ولهذا السبب فإن مجمع خلقيدونية في تأكيده على هذين التعبيرين (أي الإتحاد الهيبوستاسي والهيبوستاسيس الواحد) لم يستطع أن يحافظ على المعنى الحقيقي الذي قصده الآباء منهما. وأشار البطريرك ساويروس كتأييد لحجته إلى خطاب أرسله ثيؤدوريت أسقف قورش إلى يوحنا أسقف (Agae)، كما أشار كذلك إلى طومس ليو.
ويُظهر خطاب ثيؤدوريت إلى يوحنا أسقف (Agae)[27] كيف كان كاتبه يفهم معنى تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘ الوارد في تعريف الإيمان الخلقيدوني. وكان يوحنا هذا متمسكاً بالتقليد الأنطاكي، لذلك اعترض على تبني مجمع خلقيدونية لتعبير ’هيبوستاسيس واحد‘. فكتب له ثيؤدوريت خطاباً جاء فيه:
“ومن هنا فإن أولئك الذين أشاروا إلى طبيعتين، (قد أكدوا) الاتحاد غير المختلط. ومن الواضح أيضاً أنهم لم يأخذوا تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘ بمعنى الجوهر (الأوسيا) ولا بمعنى الطبيعة (الفيزيس)، ولكن بمعنى البروسوبون”. وفي فقرة ثانية كتب ثيؤدوريت: “وهكذا أكد المجمع المقدس على تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘، ولكنه ـ كما قلت ـ لم يأخذ كلمة ’هيبوستاسيس‘ بمعنى ’الطبيعة‘ ولكن بمعنى ’البروسوبون‘، وهذا يتضح من تعريف الإيمان لأن ’بروسوبون‘ و’هيبوستاسيس‘ هما مصطلحان شقيقان”.[28]
ويذكر البطريرك ساويروس أن “طومس ليو قد أشار إلى ’الإتحاد‘ ثلاث مرات، ولكنه لم يصون في أي مرة منها المعنى الذي يفيد الاتحاد الهيبوستاسي أو أن الطبيعتين الإلهية والبشرية قد إنجمعا معاً في وحدة، ولم يقر الطومس إلا بالاتحاد في (نطاق) البروسوبون فقط.[29] ومن الواضح على أية حال أن طومس ليو لم يُظهر فهمه للإتحاد الهيبوستاسي، وبالتالي ناقض التقليد العقائدي للكنيسة.
وارتكب مجمع خلقيدونية نفس الخطأ، لأنه من غير الممكن تبرير استخدامه لعبارة ’في طبيعتين‘ لا في ضوء التقليد ولا في ضوء المبادئ اللاهوتية المستقرة.
ولم تكن حجج البطريرك ساويروس التي ساقها ضد مجمع خلقيدونية ـ كما ذكرنا قبلاً ـ هي نتيجة تمسكه بهرطقة ’المنوفيزايت‘ (أو هرطقة الطبيعة الوحيدة)، ولكن أي واحد في القرنين الخامس والسادس من الذين تربوا على التقليد السكندري ـ وغير منساق في الدفاع عن مجمع خلقيدونية ـ كان يستطيع أن يتبنى بسهولة نفس وجهة النظر التي تمسك بها البطريرك ساويروس.
(هـ) القادة غير الخلقيدونيين الآخرين:
وبعد عصر البطريرك ساويروس وحدوث الانقسام الدائم بين الخلقيدونيين وغير الخلقيدونيين، صدرت سلسلة من الوثائق من جانب غير الخلقيدونيين.[30] ونجد أنه في جميع تلك الوثائق، حينما كانت تأتي الإشارة إلى مجمع خلقيدونية، كان أحد أسباب رفض المجمع التي يذكرها الشخص أو المجموعة أن المجمع تعدى تقليد الكنيسة الثابت. وكان الدليل الذي يُذكر على ذلك هو تبني عبارة ’في طبيعتين‘ وطومس ليو الذي أعلنه المجمع كوثيقة للإيمان.
(و) بعض الملاحظات الختامية:
إن الفحص الدقيق للشروح اللاهوتية وتصريحات الإيمان التي أصدرها القادة غير الخلقيدونيين منذ وقت مجمع خلقيدونية، يُظهر بوضوح الحقائق التالية:
لا يمكن لأي ناقد أن يشير إلى فقرة واحدة في الإنتاج الضخم لغير الخلقيدونيين، ويثبت من خلالها أنه في وقت ما كان هناك واحد من القادة ـ الذين يعتبرهم التقليد غير الخلقيدوني لاهوتيين وآباء للكنيسة ـ قد انتقد مجمع خلقيدونية بسبب تأكيد المجمع على كمال وحقيقة ناسوت المسيح.
لقد عارض القادة غير الخلقيدونيين عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ بسبب خوفهم الصادق من كونها عبارة غير كافية لتأكيد وحدة المسيح.
لم يزد اعتراض غير الخلقيدونيين عن مجرد طلب تعديل في الصياغة العقائدية التي تبناها مجمع خلقيدونية. ولكن لا القوى التي سيطرت على المجمع، ولا القيادة الخلقيدونية بعد ذلك، أظهرت من طول الأناة ما يسمح بالاستماع لما تعين على غير الخلقيدونيين أن يقولوه ثم اقتراح طريقة لعلاج انقسام الكنيسة.
وأمام النقد الذي واجهه الخلقيدونيون من معارضيهم، شرعوا في إعطاء تفسير لعبارة’في طبيعتين‘، وأوضحوا أن تلك العبارة إنما تؤكد: الاستمرار الديناميكي للطبيعتين ـ مع كمال وحقيقة وسلامة خواصهما وملكاتهما ـ في المسيح الواحد بغير اختلاط. وحيث إن هذا التفسير كان هو نفس الموقف الذي طالما أكده الجانب غير الخلقيدوني، فلم يرى القادة غير الخلقيدونيين أي داعٍ لعبارة ’في طبيعتين‘ التي وضعها المجمع.
3. الاعتراضات الأخرى على المجمع:
أما الأسباب الأخرى التي أشار إليها الجانب غير الخلقيدوني في رفضه لمجمع خلقيدونية، فكانت تؤخذ في الأغلب كدليل إضافي يؤيد حجتهم في أن المجمع كان مخطئاً بالفعل ومتسرعاً في قراراته. وكانت هذه الأسباب تدور حول:
– قبول المجمع لطومس ليو
– صياغة المجمع لتعريف (جديد) للإيمان
– تبرئة المجمع لثيؤدوريت أسقف قورش وإيباس
وقد قام الجانب الخلقيدوني بالتسليم ضمنياً بقناعته بكل تلك الاعتراضات، فعلى سبيل المثال أدى التفسير الذي قدَّمه الجانب الخلقيدوني لعبارة ’في طبيعتين‘، إلى توضيح المعنى الذي يجب أن يؤخذ عليه طومس ليو. كما أظهرت حقيقة كون الجانب الخلقيدوني لم يحاول على الإطلاق استبدال قانون إيمان نيقية بصيغة مجمع خلقيدونية، أن خوف الجانب غير الخلقيدوني في هذا الشأن لا ينبغي أن يدوم.
هذا بالإضافة إلى أن قرار مجمع عام 553م بخصوص ’الثلاثة فصول‘، كان إقراراً واضحاً بأن مجمع عام 451م قد ارتكب خطأ في قضية ثيؤدوريت وإيباس. ولو كان الجانب الخلقيدوني والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية، مستعدون فقط للاعتراف صراحة بأن مجمع خلقيدونية يحتاج إلى مراجعة، لكان من الممكن لتاريخ الكنيسة في الشرق أن يكون مختلفاً.
[2] يشير البطريرك ساويروس إلى التعبيرات غير المحددة التي استخدمها الآباء أمثال ق. أثناسيوس وق. غريغوريوس النزينزي وحتى ق. كيرلس قبل إندلاع الجدل النسطوري. انظر:
(Severi Antiocheni Orationes ad Nephalium, C. S. C. O. Tomus VII, ed. J. Lebon, 1949, Syriac, pp. 3f and Contra Grammaticum, op. cit., III, pp. 1f).
[3] هذه النقطة يكررها البطريرك ساويروس بإستمرار في كل كتاباته تقريباً التي تتعرض لهذا الموضوع.
[4] يرى الباحثون المعاصرون أن الفقرات التى اقتبسها البطريرك ساويروس والقادة غير الخلقيدونيين الآخرين هي من مصادر أبولينارية ملفقة. وهذا الأمر لم نتجاهله هنا، ويمكن الرجوع إلى تعليقاتنا عليه في صفحة 350 وما يليها.
[11] لقد كرر البطريرك ساويروس هذه النقطة مراراً، ففي كتابه ’محب الحق‘ على سبيل المثال، وبعد شرحه لعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، كتب البطريرك ساويروس: “وهذا يدل على الوحدة غير المنقسمة، لأن الجسد استمر على ما هو عليه بدون أن يتحول إلى طبيعة الكلمة؛ ولا تغيرت طبيعة الكلمة إلى الجسد، ولكن التجسد حدث حقاً بدون أي تغيير أو خيالية”. (المرجع السابق صفحة 133).
وفي كتابه ’ضد النحوي‘ حينما كان يناقش معنى مصطلحي ’هيبوستاسيس‘ و’بروسوبون‘، وبعد إشارته إلى تشبيه ’الجسد – الروح‘، كتب البطريرك ساويروس: “وبنفس الأسلوب، من اللاهوت والناسوت، أي من الجسد البشري المحيَّ بنفس عاقلة، وكل (منهما) بكماله وحسب أصل مبدأه، فإن عمانوئيل هو ’بروسوبون‘ واحد من خلال الوجود المتزامن لكليهما في الإتحاد بدون تغيير أو اختلاط”. (مرجع سابق، 1: صفحة 77).
[12] ينبغي أن نتذكر أن جهود المؤيدين لخلقيدونية في القرن السادس من أجل الدفاع عن مجمع عام 451م، كانت ترتكز على الإدعاء بأن مجمع خلقيدونية قد تبنى نفس تعليم ق. كيرلس الذي كان قد استبق المجمع بهذا التعليم.
[13] لقد شكا البطريرك ساويروس “أن مؤلف الكتاب قد شوّه بمكر كلمات ق. كيرلس، حيث قام في بعض المواقف بإضافة أشياء وفي البعض الآخر بحذف أشياء أخرى”. انظر:
(Philalethes, op. cit., p. 129)
[14] ناقش البطريرك ساويروس مسألة إعادة الوحدة عام 433م بالتفصيل في كتابيه ’محب الحق‘ و’ضد النحوي‘، وأشار إلى رسائل البابا كيرلس إلى أكاكيوس أسقف ميليتين وفالريان أسقف إيقونيوم وسكسينسوس أسقف ديوقيصرية. انظر:
(Philalethes, pp. 197f, and Contra Grammaticum, II, pp. 10f)
[15] للرجوع إلى هذا الموضوع انظر صفحة 36 وما يليها. وقد اقتبس البطريرك ساويروس الفقرة محل التساؤل في كتاب ’محب الحق‘ صفحة 201 وفي كتاب ’ضد النحوي‘ 2: صفحة 33.
[17] كتب البطريرك ساويروس: “إن عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ تعني بالنسبة للمتمسكين بها أن الإنسان قد تكوَّن بنفسه أولاً في الرحم، ثم سكنه الكلمة فيما بعد. وهم يصفون هذه السكنى بكلمة ’الاتحاد‘، وطبقا لهذا هم ينسبون طبيعتين لعمانوئيل، ويستخدمون عبارة “طبيعتين بعد الإتحاد” للتعبير عن ذلك”. انظر: (Philalethes, op. cit., p. 138).
[18] ولم تكن نظرة البطريرك ساويروس للموقف الأنطاكي ـ كما سنرى ـ نظرة خاطئة.
[19]Philalethes, p. 140 and Contra Grammaticum, I, p. 182.
* يشير ديودور في هذه العبارة إلى (عب 7: 7 – 10)، حيث قيل أن لاوي قبل ولادته كان له نفس وضعه الذي ناله فيما بعد، لأنه أُعتبر أنه كان في صلب أبيه إبراهيم حتى قبل الولادة.
[24] يؤكد البطريرك ساويروس أنه إذا أُخذ تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘ الذي ورد في تعريف الإيمان الخلقيدوني بمعنى ’بروسوبون واحد‘، فلن يكون هناك عندئذ أي شيء يمكن أن يرفضه نسطوريوس.
اقتبس البطريرك ساويروس قول نسطوريوس: “أنا أجسد الكنيسة، وأتحدث عن نفس الشيء لكل واحد. أنا، المسيح، إله كامل وإنسان كامل، ليس كطبيعتين مختلطتين الواحدة مع الأخرى، ولكن كطبيعتين متحدتين”. (ص 119).
[26] هذا التأكيد كان البطريرك ساويروس قد شدد عليه في أماكن عديدة. انظر على سبيل المثال: (Contra Grammaticum, I, pp. 178f)
[27] للإطلاع على إشارة البطريرك ساويروس للخطاب انظر: (Philalethes, pp. 177-78).
[28] يشير سيلرز إلى خطاب ثيؤدوريت إلى يوحنا أسقف (Agae)، في كتابه:
(The Council of Chalcedon, op. cit., p. 213, n. 2).
وقد علق بأن ثيؤدوريت حاول أن يقنع يوحنا بأن مصطلح ’هيبوستاسيس واحد‘ الخلقيدوني لم يعني ’جوهر واحد‘ (one substantia)، ولكن سيلرز مع ذلك لم يبين ماذا كان يعني هذا المصطلح عند أسقف قورش. ويرى شارلز موللر أن محاولة ثيؤدوريت لجعل معنى ’هيبوستاسيس‘ يتوازى مع معنى ’بروسوبون‘ هي مساهمة لاهوتية منه. انظر: (Das Konzil Von Chalkedon, op. cit., I, p. 658)
كان مجمع خلقيدونية ـ كما رأينا ـ قد رفض مسوَّدة التعريف الذي قدَّمه الأساقفة الشرقيون في جلسة يوم 22 أكتوبر، وذلك على أساس أنه لا يتوافق مع طومس ليو. وتم تكليف لجنة من المجمع لكتابة صيغة جديدة غير تلك المسوَّدة. وسوف نرى من خلال فحصنا لهذا التعريف أنه لم يكن من الضروري على الإطلاق أن يكون البابا ديسقوروس والذين تبعوه في رفض مجمع عام 541م، من أصحاب “بدعة الطبيعة الوحيدة” حتى يتبنوا هذا الموقف.
(أ) ملخص مختصر لتعريف الإيمان الخلقيدوني:
بدأ تعريف الإيمان الخلقيدوني[1] بمقدمة توضح السياق الذي كُتب فيه، وبعد ذلك أورد التعريف نص قانون نيقية متبوعاً برمز (قانون) الإيمان المنسوب إلى مجمع عام 381م، ثم أشارت الوثيقة إلى “رسائل المطوَّب كيرلس المجمعية إلى نسطوريوس وإلى الشرقيين”، ولم تعلق على رسالة البابا كيرلس إلى نسطوريوس التي تحوي الحروم الإثني عشر، كما أشارت كذلك إلى “رسالة رئيس الأساقفة الأقدس ليو”، باعتبارها كلها وثائق إيمانية متفق عليها.
وبعد ذلك ذكرت الوثيقة أن: المجمع يرفض “أولئك الذين … يمزقون سر التجسد إلى ثنائية في البنوة (ينادون بابنين)”؛ “أولئك الذين يجترئون أن يقولوا إن لاهوت المولود الوحيد قابل للتألم”؛ “أولئك الذين يتخيلون (وجود) امتزاج أو اختلاط لطبيعتي المسيح”؛ و”أولئك الذين يتوهمون أن شكل العبد الذي أخذه منا هو من طبيعة مختلفة أو طبيعة سماوية”؛ كما أن المجمع يحرم “أولئك الذين يتصورون طبيعتين للرب قبل الاتحاد وطبيعة واحدة جديدة الشكل بعد الاتحاد”.
وبصورة إيجابية استمر تعريف الإيمان ليقول أن “ربنا يسوع المسيح هو بالنسبة لنا نفس الابن الواحد، هو نفس الكامل في اللاهوت، ونفس الكامل في الناسوت؛ إله حقيقي وإنسان حقيقي…؛ هو نفس المسيح الواحد، والابن الواحد، والرب الواحد، والمولود الوحيد؛ يُعترف به في طبيعتين بغير اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال؛ ولم يلغِ الاتحاد اختلاف الطبيعتين أبداً بل بالأحرى حُفظت خواص كل طبيعة.
و(هما) يتواجدان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد؛ وليس كما لو كان قد تجزأ أو انقسم إلى بروسوبونين، ولكنه نفس الابن الواحد والمولود الوحيد، الله الكلمة الرب يسوع المسيح …”. وأكد تعريف الإيمان أن ربنا يسوع المسيح هو إله تام كامل وإنسان تام كامل، وهو كإله له ذات الجوهر الواحد مع الله الآب، وكإنسان أيضاً له ذات الجوهر الواحد معنا. وهو يختلف عنا فقط في كونه بدون خطية على الإطلاق.
كان تعريف الإيمان الخلقيدوني يحوي عناصراً مأخوذة من كلا التقليدين السكندري والأنطاكي، ومع ذلك ذهب أبعد من حدود التقليد الأنطاكي في تأكيده أن “الطبيعتين متواجدتان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد”، كما ذهب أبعد من حدود التقليد السكندري في إصراره أن المسيح ينبغي “أن يُعترف به في طبيعتين”.[2]
وكانت عناصر التقليد السكندري التي أقرها تعريف الإيمان الخلقيدوني هي في الأساس أربعة:
أن ’الرسائل المجمعية‘ للقديس كيرلس هي وثائق إيمانية مقبولة.
أن مجمع عام 431م هو مجمع رسمي له سلطته (الكنسية).
أن اتحاد الطبيعتين هو اتحاد أقنومي ’هيبوستاسي‘ (hypostatic).
أن المسيح هو هيبوستاسيس واحد، وأنه واحد في ذات الجوهر مع الله الآب وواحد في ذات الجوهر معنا في آنٍ واحد.
وسوف نقوم بمناقشة هذه العناصر بتناول العنصرين الثالث والرابع قبل النظر إلى العنصرين الأول والثاني.
لم يكن تعريف الإيمان الخلقيدوني نفسه يحتوي على عبارة ’الاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)‘ (hypostatic union)، ولكن يمكننا أن نفترض حقيقة أن المجمع كان يقبل هذا المصطلح من خلال تأكيده أن الطبيعتين متواجدتان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد،* وكذلك من خلال تأييد المجمع لرسائل ق. كيرلس. وكما رأينا كانت كلتا الرسالتان إلى نسطوريوس تصران على أن اتحاد الطبيعتين في المسيح هو ’اتحاد هيبوستاسي‘ (أقنومي).
وكان هذا الإصرار (على الاتحاد الهيبوستاسي) هو أحد الأمور التي يشدد عليها التقليد السكندري، وهو ما كان يعارضه الأنطاكيون بقوة إلا أنهم اضطروا للإقرار به منذ وقت صيغة إعادة الوحدة عام 433م حيث اعترفوا برسالة كيرلس الثانية إلى نسطوريوس بدون أي تحفظ.
ولكن إذا كان الأنطاكيون في قبولهم لعبارة ’الإتحاد الهيبوستاسي‘ في خلقيدونية قد أخذوا ’الهيبوستاسيس‘ بالمعنى المحض ’للبروسوبون‘ وحسب ـ كما فعل ثيؤدوريت[3] بالتأكيد ـ فإن هذا يعني بوضوح أنهم رأوا في الاتحاد ’الهيبوستاسي‘ مجرد مدلول الاتحاد ’البروسوبي‘ (prosopic) فقط.
وفيما يتعلق بالعنصر الرابع، لم يوضح تعريف الإيمان ما هو المقصود بعبارة “بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد”. وقد أكد التعريف أن الطبيعتين تتواجدان معاً في تكوين البروسوبون الواحد والهيبوستاسيس الواحد، ومع ذلك لو أُخذت الكلمتين ’بروسوبون‘ و’هيبوستاسيس‘ كمترادفتين، فهذا يعني أن تعريف الإيمان لم يذهب إلى أبعد من الموقف الأنطاكي.
أما العنصر السكندري الأول (في تعريف الإيمان) فيعتبر أوضح مثال على غموض المجمع، لأن المجمع قبل “رسائل المطوَّب كيرلس المجمعية إلى نسطوريوس وإلى الشرقيين” وأكد تعريف الإيمان الخلقيدوني ذلك، فهل كانت رسالة كيرلس التي تحوي الحروم متضمنة هنا أيضاً؟.
الحقيقة أن تعريف الإيمان لم يكن واضحاً، ويمكننا مقارنة ذلك مع كلمات مندوبي الإمبراطور في مجمع خلقيدونية عن “الرسالتان القانونيتان لكيرلس”.[4] والمعروف أنه في خلقيدونية ـ وكذلك في مجمع عام 448م ـ تم تجاهل حروم البابا كيرلس، والإشارة الوحيدة التي وردت عليها في هذين المجمعين جاءت في مطلب أتيكوس أسقف نيكوبوليس (Nicopolis) في عام 451م عندما طالب بوقت ليقارن طومس ليو مع هذه الحروم.
ولكن مجمع عام 553م سار على الافتراض أن مجمع خلقيدونية قد أعلن أن تلك الحروم هي وثيقة مقبولة من المجمع، ولذلك حكم بإدانة كتابات ثيؤدوريت وإيباس ـ التي حاولت تفنيد تلك الحروم ـ واعتبرها كتابات هرطوقية.[5] وعلى الرغم من إنكار كثير من العلماء الغربيين في الوقت المعاصر لقبول مجمع خلقيدونية لتلك الحروم،[6] فإن الموقف الذي تبناه مجمع عام 553م لاحقاً كان له مؤيدون منذ مجمع عام 451م.
فكما هو واضح أن أتيكوس أسقف نيكوبوليس لم يكن يعتبر حروم كيرلس مجرد وثيقة رسمية ذات سلطة وحسب وإنما وثيقة تحوي المعيار اللاهوتي التي يمكن أن يُحكم من خلالها حتى على طومس ليو، وكان أتيكوس بالفعل أحد الرجال الذين تشكلت منهم اللجنة المجمعية التي وضعت تعريف الإيمان الخلقيدوني.
والاستنتاج الذي يصعب تجاهله من كل هذه الحقائق هو أن تلك الكلمات الخاصة برسائل كيرلس قد تُركت غامضة عن عمدٍ، لكي ترضي مختلف الأطراف ولكي تُمكِّن أناس مثل أتيكوس من أن يدافعوا عن وجهة نظرهم لاحقاً حين تتاح لهم الفرصة لذلك.
وكان الغموض المتضمن في عبارة: “الرسائل المجمعية” لكيرلس إلى نسطوريوس، ممتداً أيضاً إلى العنصر الثاني الخاص بتصديق خلقيدونية على مجمع أفسس عام 431م، حيث أقر تعريف الإيمان أن المجمع يحفظ “النظام والقوانين الخاصة بالإيمان التي أقرها المجمع المقدس” في أفسس عام 431م. والسؤال الذي يحتاج إلى إجابة هنا هو:
ماذا كانت تعني تلك العبارة؟، فكما رأينا أنه بعد إعادة الوحدة عام 433م صار مجمع أفسس عام 431م مقبولاً رسمياً من كلا الجانبين السكندري والأنطاكي على الرغم من وجود معارضة في بعض الجماعات الأنطاكية. ولكن الجانبان لم يفسرا مجمع عام 431م بنفس الطريقة، وكانت هذه هي المشكلة القائمة بين الطرفين والتي تحتاج بالفعل إلى حل جذري.
ولكن مجمع خلقيدونية لم يعر هذا الأمر أدنى اهتمام، وترك المسألة الخاصة برسائل ق. كيرلس غامضة كل الغموض، وبدون أية محاولة لحل المشكلة الفعلية التي تواجه الكنيسة في الشرق.[7]
ويتبين من الحقائق السابقة أنه لا يوجد هناك تفسير واحد متفق عليه بالنسبة لأي من العناصر السكندرية الأربعة التي تضمنها تعريف الإيمان الخلقيدوني. ومن المحتمل أن يكون بعض الأساقفة الذين ينتمون للفكر اللاهوتي السكندري ـ داخل اللجنة المجمعية التي صاغت التعريف ـ هم الذين نجحوا في وضع تلك العناصر، آملين أن يكونوا بهذا قد حافظوا على موقفهم التقليدي. ولكن يبدو أن مندوبو روما والوفود المنتمية للتقليد اللاهوتي الأنطاكي قد أخذوا معاني تلك العبارات في ضوء التفسير الأنطاكي لمجمع عام 431م وصيغة إعادة الوحدة عام 433م.
وعلى الجانب الآخر تبنى تعريف الإيمان الخلقيدوني عنصراً واحداً فقط من التقليد الأنطاكي وهو أن المسيح “يُعترف به في طبيعتين”. ويتفق سيلرز مع الرأي القائل أن المجمع قد تبنى هذا التعبير من باسيليوس أسقف سلوكيا الذي كان قد اقترحه في مجمع عام 448م،[8] بينما يعتقد جريلماير أن هذا التعبير كان بالفعل موجوداً في التقليد اللاهوتي الآبائي.[9]
ومع ذلك فإننا إذا نظرنا بتدقيق في السياق الذي تم فيه إقناع الوفود الشرقية باستبدال مسودة الوثيقة التي كانت معهم ـ والتي كانت تحوي تعبير “من طبيعتين” ـ بوثيقة إيمان أخرى، فسنجد أن مصدر تعبير “في طبيعتين” كان هو طومس ليو نفسه،[10] حيث أكد البابا ليو في الطومس أن وحدة شخص المسيح “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين” (unitatem personae in utraque naturam intelligendam).
وتعتبر الطريقة التي كافح بها الأساقفة الشرقيون، في سبيل إقرار مسوَّدة الوثيقة التي كانت معهم، مؤشراً واضحاً على أن تعبير “في طبيعتين” ـ أينما كان مصدره ـ لم يكن قد أصبح جزءاً من مفردات لغتهم اللاهوتية.
ولا ننسى في نفس الوقت حقيقة أن الجانب الخلقيدوني كان يتمسك بعبارة “طبيعتين بعد الاتحاد”، وأن تعبير “في طبيعتين” لم يكن إلا طريقة أخرى للتعبير عن نفس المعنى. ومن هنا كان العنصر الأنطاكي داخل تعريف الإيمان الخلقيدوني هو بمثابة تبني مباشر للموقف اللاهوتي الذي يؤيده التقليد الأنطاكي. وإذا أُخذ تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘ كمرادف لـ ’بروسوبون واحد‘ وتعبير ’طبيعتين‘ كمرادف لـ ’هيبوستاسيسين‘ فإن تعريف الإيمان الخلقيدوني يكون بهذا قد أكد التقليد الأنطاكي وحفظه.
ومن الصعب علينا أن نخمن الطريقة التي فسَّر بها القادة المنتمون للتقليد السكندري تعريف الإيمان الخلقيدوني، ولكن أغلب الظن أن ما حدث في خلقيدونية هو أنه استناداً فقط على مجموعة واحدة من العبارات التي قالها أوطيخا، تم تصوير تعليمه على أنه يحمل خطر مهلك على إيمان الكنيسة. ومع تغير السلطة الإمبراطورية لم يعد هناك للذين كانوا يتبنون قراءة مختلفة للحقائق (الخاصة بأوطيخا) أي قوة، لذلك استطاع مجمع خلقيدونية أن يؤكد ـ ومنذ بدايته تماماً ـ على أن أوطيخا هو بالفعل هرطوقي وأنه أنكر حقيقة ناسوت المسيح.
وفي ذلك السياق كان من السهل على قادة المجمع أن يزعموا بأن ليو بابا روما هو الرجل الذي نجح في استبعاد الأوطيخية من خلال إصراره على عبارة ’في طبيعتين‘. وهكذا أخذ القادة المنتمون للجانب السكندري هذه العبارة كأداة فعالة ضد الهرطقة المنسوبة للراهب العجوز، حيث من المحتمل أن يكونوا قد رأوا في عبارة ’في طبيعتين‘ نفس فكرة استمرار اللاهوت والناسوت بصورة ديناميكية في المسيح الواحد.
ومن هنا نستطيع أن نقول أنه إذا كان تصورنا لما حدث في خلقيدونية صحيحاً، فسنجد أنه لم يكن هناك اختلاف في الأساس اللاهوتي ـ في هذا الأمر بالذات ـ بين البابا ديسقوروس ومجمع خلقيدونية على الرغم من عدم اتفاقهم في المصطلحات اللاهوتية المستخدمة، لأن الاستمرار الديناميكي للاهوت والناسوت في المسيح بلا اختلاط ولا انقسام كان هو الموقف الذي أكده البطريرك السكندري ديسقوروس بتعبيرات واضحة في مجمع خلقيدونية نفسه.
وكانت الحسنة الكبرى في تعريف الإيمان الخلقيدوني تكمن في أنه بتبنيه لبعض عناصر التقليد السكندري استطاع أن يرضي معظم المشاركين في المجمع. فيمكن للسكندريين على سبيل المثال، أن يجيزوا ذلك التعريف ويبنوا عليه فكرهم اللاهوتي الخاص، كما فعل الخلقيدونيون الشرقيون في القرن السادس.
كما يمكن أيضاً للأنطاكيين وبنفس المقدار أن يؤيدوا التعريف وهم متمسكون تماماً بتقليدهم كما فعل رجال مثل ثيؤدوريت أسقف قورش. والغرب كذلك يمكنه أن يشعر بالرضا لأن تشديده على أن ’الشخص الواحد‘ كائن ’في طبيعتين‘ قد تم إدراجه في تعريف الإيمان الخاص بالمجمع.
وكانت تلك المرونة هي نفسها نقطة الضعف الواضحة في تعريف الإيمان الخلقيدوني. ففي الشرق، كان هناك قادة متأصلون بعمق في التقليد السكندري، وهؤلاء قد وجدوا أن التعريف الخلقيدوني غير كافٍ للحفاظ على تراث الكنيسة العقائدي الراسخ، كما رأوا كذلك نقائصاً كثيرة في مجمع خلقيدونية فقرروا أن يرفضوه ويقاوموه.
(ج) الدفاع عن تعريف الإيمان الخلقيدوني:
قدَّم كل من ر. ف. سيلرز[11] (R. V. Sellers) وأ. جريلماير[12] (Aloys Grillmeier) دفاعاً معاصراً شديداً عن مجمع خلقيدونية وعن تعريف الإيمان الخاص به. وحيث إنه لدينا تحفظات قوية على استنتاجاتهما حول الموضوع، فنرى أنه من المناسب أن نعرض وجهة نظرنا أثناء تقديمنا للنتائج التي توصلا إليها.
وكان الدفاع الذي قدمه كل من هذين العالمين يعتمد في الأساس على ثلاثة افتراضات مشكوك فيها.
أولاً: لقد زعما أن أوطيخا كان بالحقيقة هرطوقياً بصورة مؤكدة. وقد أوضحنا فيما قبل أنه بالرغم من أن التحالف بين روما والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية ـ بتأييد من الجانب الأنطاكي وفريق فلافيان ـ كان يؤكد في كل الأوقات أن الراهب العجوز كان بالفعل هرطوقياً وجعل كل واحد يصدق أن هذه هي الحقيقة، إلا أن مجمع خلقيدونية لم يحاول على الإطلاق مجرد تأكيد تلك الحقيقة تجاه الرجل.
وبالتالي فإن أي عرض للتعاليم التي نُسبت لأوطيخا على مدى التاريخ منذ زمن مجمع خلقيدونية، ينبغي أن يتضمن أولاً إثبات صحة نسبها له. وبدون أخذ هذه الحقيقة في الاعتبار، لا يكون لدينا الحق ونحن في القرن العشرين ـ حيث نطلب الدقة العلمية في تقييمنا حتى للمعلومات الكتابية ـ أن نفترض أن أوطيخا كان هرطوقياً. ومن ثم يجب علينا أن نرفض الافتراض الأول لسيلرز وجريلماير لأنه يعتبر تأكيد غير مثبت أو محقق.
ثانياً: يفترض هذان العالمان أن تعريف الإيمان الخلقيدوني قد قُبل بالإجماع من أعضاء المجمع من خلال قرار تلقائي توصلوا إليه بسبب ضرورة لاهوتية. والحقيقة الواضحة من استنتاج سيلرز وجريلماير، أنهما لم يجهدا نفسيهما في (فحص وتحليل) وقائع المجمع عند مناقشته لتعريف الإيمان، لأن الأغلبية العظمى من المشاركين في المجمع ـ كما رأينا ـ كانت تتمسك بشدة بمسودة الوثيقة التي تحوي عبارة ’من طبيعتين‘.
وقد كافحوا بكل قوتهم من أجل تبني الوثيقة بدون تغيير تلك العبارة، ولكن مندوبو الإمبراطور أجبروهم في النهاية على التخلي عن مقاومتهم، بل وأصروا على أنه ينبغي على الأساقفة أن يختاروا بين البابا ديسقوروس الذي صدَّقوا على عزله وبين ليو الذي أيَّدوا الطومس الخاص به.* ولم يكن لدى هؤلاء الأساقفة ـ الذين كان كثير منهم قد أقر أن أوطيخا هرطوقي ـ أي تحفظ على تفسير الإيمان بطريقة تحافظ على وحدة المسيح من جهة، وتميز بين اللاهوت والناسوت فيه من جهة أخرى.
والحقيقة أنه إذا أخذنا ما حدث يوم 22 أكتوبر عام 451م بجدية (وحيادية)، فإن الشيء المنطقي الوحيد الذي يمكننا قوله هو أن تعريف الإيمان الخلقيدوني كان من صنع الفريق الذي تسانده الدولة، وتحت قيادة مندوبي روما الذين أرادوا أن يكون (ذلك التعريف) متفقاً مع طومس ليو. ومن أجل إرضاء الغالبية من أعضاء المجمع ـ الذين ظلوا يؤيدون مسودة الوثيقة الأولى من الجهة اللاهوتية ـ وافق الجانب الأقوى (في المجمع) على إدراج عدد من عناصر التقليد السكندري داخل تعريف الإيمان.
وكانت هذه العناصر في الحقيقة، هي نفس العناصر التي أيدها الجانب الأنطاكي بالفعل وقت إعادة الوحدة عام 433م حسب تفسيرهم الخاص لتلك العناصر. ولم يكن مندوبو روما وحلفاؤهم بهذا التصرف يعيرون أي انتباه لشروط الاتفاق التي رافقت صيغة إعادة الوحدة عام 433م.
وعلى أي الأحوال، فمن المحتمل أن يكون أعضاء المجمع (المنتمون للتقليد السكندري) قد أحسوا أنه يمكنهم لاحقاً أن يبنوا فكراً لاهوتياً يتفق مع تقليدهم، استناداً على الأفكار السكندرية التي تم إدخالها في اعتراف الإيمان، ولعلهم بهذا الأمل وافقوا على قبول اعتراف الإيمان مع قدر من التحفظ.
ثالثاً: تستند الجهود الحديثة في الدفاع عن تعريف الإيمان الخلقيدوني على زعم قوي مفاده أن المنتقدين لمجمع خلقيدونية يتخذون موقفهم المعارض من خلال الاعتماد على اقتباسات آبائية مزيفة هي في الحقيقة فقرات أبولينارية الأصل. وكان هذا في الواقع أحد المزاعم الدائمة لسيلرز، لذلك ينبغي علينا أمام هذا الادعاء أن ننتبه للحقائق التالية:
من الناحية العملية، لم يرى أي أحد في القرنين الخامس والسادس أن هذه الاقتباسات ـ محل التساؤل ـ ذات أصل هرطوقي. وكان كلا الجانبين يقتبسان نفس هذه الفقرات.
كان قادة الجانب غير الخلقيدوني أمثال البطريرك ساويروس الأنطاكي يشيرون إلى تقليدهم باعتباره تقليد راسخ ومتأصل من خلال اقتباس فقرات مأخوذة من الآباء بدءاً من إغناطيوس الأنطاكي ونهاية بكيرلس السكندري، لكي يُظهروا أن مجمع خلقيدونية ابتعد عن ذلك التقليد لمصلحة موقف هو في جوهره نسطوري.
وحتى لو افترضنا جدلاً أنه كانت هناك فقرات أبولينارية (في تلك الاقتباسات)، فلا يمكن ولا لسيلرز نفسه أن يزعم أن كل الفقرات التي اقتبسها القادة غير الخلقيدونيين أُخذت من تلك المصادر.
لم يكن هناك على الإطلاق أحد من القادة، الذين يقبلهم الجانب غير الخلقيدوني، تمت إدانته بالتمسك بتعليم خريستولوجي أبوليناري. وهذه الحقيقة يقرها سيلرز نفسه مع كثيرين غيره.
وهكذا فإن الحقيقة هي أن قادة الكيان غير الخلقيدوني في رفضهم لمجمع خلقيدونية كانوا يعتمدون على تقليد لاهوتي بناه آباء الكنيسة في الشرق ـ في مواجهة الهرطقة النسطورية ـ على أساس مفاهيم: ’من طبيعتين‘ و’إتحاد هيبوستاسي‘ و’هيبوستاسيس واحد مركب‘ و’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘. وأياً كان مصدر هذه العبارات، فإن الآباء الشرقيين قد فسَّروها بمفهوم بعيد عن كل معنى هرطوقي ممكن.
ومن وجهة نظرهم، كان مجمع عام 451م ـ تحت قيادة الوفد الروماني والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية ـ قد تجاهل وأهمل كل هذه العبارات (أو المفاهيم) وأنشأ تعريفاً للإيمان يمكن حتى لنسطوريوس أن يقبله كتأييد لتعليمه اللاهوتي. وكانت هذه هي النقطة التي أثارها منتقدو مجمع خلقيدونية، ولا نعتقد أن أياً من سيلرز أو جريلماير قد قام بالإجابة عليها.
وكان جريلماير يتفق مع الرأي القائل أن “مجمع خلقيدونية قد سعى لاكتشاف وتقديم الإجابة على سؤال واحد فقط متنازع عليه وهو: كيف يتم التوفيق بين الاعتراف بـ ’مسيح واحد‘ وبين الإيمان (في نفس الوقت) بأنه ’إله حقيقي، وإنسان حقيقي‘ وبأنه ’كامل في اللاهوت وكامل في الناسوت‘”. ويصر جريلماير على أن خلقيدونية قد عالج تلك المشكلة:
فبالنسبة لمسألة ’المسيح الواحد‘، فقد أقرها من خلال الاعتراف بأن “ربنا يسوع المسيح هو نفس الابن الواحد”؛ وبالنسبة لمسألة أنه ’إله حقيقي، وإنسان حقيقي‘، فعالجها من خلال عبارة “في طبيعتين”. ويضيف جريلماير قائلاً: أن اعتراف الإيمان توصل إلى هذه الصياغة بالاعتماد على:
(1) رسالة البابا كيرلس الثانية إلى نسطوريوس؛ (2) صيغة إعادة الوحدة عام 433م؛ (3) طومس ليو؛ (4) اعتراف الإيمان (Professio fidei) الخاص بفلافيان[13]؛ (5) خطاب خاص بثيؤدوريت. ويعترف جريلماير بعد ذلك أن “الصياغات السكندرية …. قد تعين تقليل أهميتها وإزاحتها إلى الوراء”، وحل محلها “طومس ليو، وقد لعب الأنطاكيون دوراً خاصاً بصيغة إعادة الوحدة عام 433م”، والسبب ـ في رأي جريلماير ـ وراء تصرف مجمع خلقيدونية بهذا الشكل كان هو الخوف من الأوطيخية.
ونحن نعتقد أن استنتاجات جريلماير تلك، ينبغي أن تكون قد قادته ليظهر تعاطفاً أكبر ، على الأقل تجاه الصعوبة التي يمكن لرجال مثل البابا ديسقوروس أن يكونوا قد شعروا بها نحو تعريف الإيمان الخلقيدوني.
ويحتاج دفاع جريلماير عن صيغة ’في طبيعتين‘ ـ التي احتواها تعريف الإيمان ـ إلى بعض التعليقات من جانبنا، فقد زعم أن السكندريين كانوا يصيحون في المجمع مطالبين بعبارة ’طبيعة واحدة‘ الخاصة بهم، وكذلك كان الأنطاكيون ينادون بعبارة ’طبيعتين‘، وهنا قدَّم المجمع صيغة ’في طبيعتين‘ لكي يعبِّر عن كلا ’التمايز‘ و’الكمال‘ اللذين للاهوت والناسوت.
وعلى الرغم من أن هدف المجمع من وراء صيغة ’في طبيعتين‘ ـ الذي ذكره جريلماير ـ ليس محل جدال، إلاّ أن شرح جريلماير لخلفيات مجمع خلقيدونية كان غير دقيق تماماً. فمن ناحية لم يكن السكندريون يصرون على مجرد عبارة ’طبيعة واحدة‘، ولكنهم كانوا يصرون على تقليدهم اللاهوتي الذي كانت عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” تشكل عنصراً أساسياً فيه.
ومن ناحية أخرى ـ وبنفس القدر من الأهمية ـ لم يكن مفهوم التمايز في المسيح، المبني على تأكيد الاستمرار الديناميكي للطبيعتين في المسيح الواحد بدون اختلاط ولا انقسام، هو موضع خلاف بين البابا ليو والبابا ديسقوروس أو بين الجانب الخلقيدوني وغير الخلقيدوني، ولكن نقطة النزاع بينهما كانت تدور حول كيفية التعبير عن هذا الاستمرار الذي للطبيعتين بطريقة تتناغم مع الاعتراف بالاتحاد الهيبوستاسي.
وكان البابا ديسقوروس يرى أن عبارة “من طبيعتين” هي الصيغة السليمة، ولكن المجمع ـ بدون أن يناقش الأمر على الإطلاق، واعتماداً فقط على سلطة طومس ليو ـ قام بتبني صيغة “في طبيعتين”. ويحتاج هذا التصرف بالفعل إلى تفسير مقنع مصحوب بالدليل، وهذا هو ما لم يقم به أحد على الإطلاق حتى الآن.
[1] للاطلاع على تعريف الإيمان انظر: (ACO. II, i. p. 326: 30-34.). الأصل اليوناني مع الترجمة الإنجليزية موجودة في (T. H. Bindley, op. cit.).
[2] يذكر جريلماير في (op. cit., p. 458, n. I) أن عبارة “في طبيعتين” قد استُخدمت بواسطة بعض الآباء حتى قبل زمن مجمع خلقيدونية. وهذه الحقيقة لم يجادل فيها اللاهوتيون غير الخلقيدونيين أمثال ساويروس الأنطاكي، ولكن البطريرك ساويروس أكد أن تلك كانت عبارات عشوائية لم ينتج عنها أي تقليد راسخ (انظر المرجع رقم 18 صفحة 374).
ولكن مع نشوب الجدال النسطوري، تم ترسيخ التقليد المؤسس على عبارة “من طبيعتين” في الكنيسة. وقد انتهك مجمع خلقيدونية هذا المبدأ بدون أي داع حقيقي، لأن الهرطقة الأوطيخية كان من الممكن تجنبها في ضوء التقليد الموجود نفسه.
* هناك فرق بين مفهوم الإتحاد الهيبوستاسي عند ق. كيرلس والبطريرك ساويروس من ناحية وعند يوحنا الدمشقي من الناحية أخرى. انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب.
[3] كما ذكرنا قبلاً (انظر صفحة 43) كان ثيؤدوريت لا يأخذ مصطلح ’هيبوستاسيس واحد‘ الخاص بخلقيدونية إلا بمعنى ’بروسوبون واحد‘. ويشير شارلز موللر إلى هذه الحقيقة باعتبارها المساهمة اللاهوتية لثيؤدوريت. انظر مقال:
(Le Chalcedonisme…, in Das Konzil Von Chalkedon, op. cit., vol. I, p. 658f)
[5] للإشارة إلى مجمع عام 553م انظر صفحة 272. ونستطيع أن نقول في ضوء الأدلة المتاحة، أنه بعد مجمع 451م رأى القادة الشرقيون الذين كانوا يشاركون أتيكوس (Atticus) في نفس التقليد أنهم يتفقون مع المنتقدين للمجمع في تلك النقطة.
وقد عبَّر عن هذه الحقيقة مرسوم زينو ’هينوتيكون‘ عام 482م ـ الذي من المحتمل ألا يكون قد صاغه غير أكاكيوس بطريرك القسطنطينية ـ حيث يؤكد أن حروم ق. كيرلس كانت وثيقة رسمية. وبعد هذا الموقف، أعلن الجانب الخلقيدوني في الشرق قبوله للوثيقة الكيرلسية. وكانت هذه هي وجهة النظر التي أكدها مجمع عام 553م.
[6] يتمسك شارلز موللر بأن حروم ق. كيرلس لم تكن مقبولة في مجمع خلقيدونية، وأن المجمع كان يؤيد الفكر اللاهوتي للقديس كيرلس بقدر ما قد تقنن في صيغة إعادة الوحدة عام 433م، وأن روما كانت قد تجاهلت تلك الحروم حتى عام 519م. وقد أظهر شارلز أيضاً أن كل هذه الأمور قد تغيرت مع مجمع عام 553م.
(انظر المقال في مرجع سابق صفحة 645). وتدعيماً لهذه النظرة، يمكن الرجوع إلى الموقف الذي كان يتبناه بثبات ممثلو الإمبراطور في مجمع عام 451م. ومن الجدير بالملاحظة أنه إذا كان هذه هو الموقف الذي فُرض في خلقيدونية، فإن المجمع لم يصل بالفعل إلى الإجماع الذي كان يبتغيه، لأن قسماً كبيراً من أعضاء المجمع كانوا تابعين مخلصين لتعليم ق. كيرلس.
وأولئك هم الذين تركوا (عن قصد) بعض الأمور مبهمة وغامضة في خلقيدونية، ومكنوا خلفاءهم من إعادة تأكيد موقفهم في القرن السادس.
[7] إن الموضوع الخاص بحروم ق. كيرلس، هو بالفعل موضوع خطير للغاية، والحقائق التالية حولها جديرة بالانتباه:
(1) لقد أرسل ق. كيرلس تلك الوثيقة إلى نسطوريوس في صورة إنذار، وحيث إن ق. كيرلس كان هو المنتصر فى مجمع عام 431م، لذلك فعلى الأرجح أن تلك الوثيقة لم تكن مهملة من قبل المجمع.
(2) قام المجمع المضاد الذي ترأسه يوحنا الأنطاكي بإدانة ق. كيرلس وممنون أسقف أفسس وكل الذين قبلوا حروم البابا كيرلس (مما يعني أنها كانت بالفعل مقبولة).
(3) كتب إيباس أسقف الرها بوضوح في رسالته إلى ماريس أن مجمع عام 431م قبل حروم ق. كيرلس، وأن إيباس نفسه كان كراهب مصاحباً للوفد السرياني الذي حضر المجمع.
(4) إن جهود الأنطاكيين في وقت المفاوضات التي سبقت إعادة الوحدة عام 433م لكي تجعل ق. كيرلس يتنازل عن الحروم لا يمكن تفسيرها ما لم تكن الوثيقة قد تم بالفعل تقنينها بواسطة المجمع.
(5) كان هناك رجال من الذين حضروا مجمع خلقيدونية مثل أتيكوس أسقف نيكوبوليس اعتبروا الوثيقة لها سلطة ملزمة، كما أن الذين قاموا بانتقادها لم يشككوا على الإطلاق في تلك النظرة.
(6) لم يحدث في الأزمنة القديمة أن أحداً من الذين انتقدوا الحروم، حاول أن يتجاهلها بحجة أنه ليس لها تقنين مجمعي.
(7) أقر نسطوريوس أيضاً في كتابه ’بازار‘ أن مجمع عام 431م قد صدق على تلك الحروم.
عندما نقوم بفحص الأسباب التي جعلت المسيحيين في مصر وفي أجزاء كثيرة في الشرق يعارضون مجمع خلقيدونية، ستتضح أمامنا حقيقة واحدة من خلال وثائق القرنين الخامس والسادس، ألا وهي أنهم رفضوا الاعتراف بذلك المجمع على أسس لاهوتية جوهرية.
وبالرغم من أنه ليس من المستبعد أن يكون لدى أولئك المسيحيين شكوى عنيفة ضد مجمع عام 451م بسبب الطريقة التي عُومل بها البابا ديسقوروس وبسبب القرار الخاص بالقسطنطينية، إلا أن تلك الأمور لم يأتِ ذكرها في أي من الوثائق سوى بطريقة غير مباشرة، حيث ظل السبب الرئيس المعلن لرفض المجمع هو سبب لاهوتي.
وفي محاولتنا لفهم وجهة نظر أولئك المعارضين، يتعين علينا أن نتذكر حقيقة أنهم كانوا يتمسكون بإخلاص بالتقليد اللاهوتي السكندري الذي كان بالنسبة لهم هو التقليد الأرثوذكسي الوحيد.
ولم يكن هذا التقليد يقتصر على الإسكندرية أو مصر، ولكنه في الحقيقة كان منتشراً في جميع المناطق في الشرق، ومنذ إدانة نسطوريوس ازداد التقدير لهذا التقليد بصورة كبيرة كما صار البابا كيرلس ـ أكثر من أي شخص آخر ـ هو الرجل اللاهوتي الذي يعبِّر عن الأرثوذكسية بكل إمتياز.
وهذه الشعبية التي نالتها تعاليم آباء الإسكندرية لم تكن شعبية مطلقة أو كليةً إذ كان لها معارضون في الجانب الأنطاكي. وكان المؤيدون للتقليد الأنطاكي ـ كما رأينا ـ يحاولون بشتى الطرق تقوية موقفهم، وكانوا في سعيهم هذا يحرِّفون ـ عن قصدٍ أو عن غير قصدٍ ـ وجهة نظر الجانب السكندري.
وكانت هذه بالفعل هي طبيعة التوتر في الشرق التي على خلفيتها عُقدت المجامع الكنسية الثلاثة عام 448م وعام 449م وعام 451م. وبالنسبة للمنتمين للتقليد السكندري، اعتُبر مجمع عام 448م أنه دافع عن التقليد الأنطاكي وقد تم تصحيح ذلك من خلال مجمع عام 449م، ولكن مجمع خلقيدونية عام 451م قام بإلغاء قرارات مجمع عام 449م.
ولكي نستطيع تقدير وجهة النظر تلك، لابد أن نقوم ببحث الموقف اللاهوتي الذي أقره مجمع خلقيدونية. ومن أجل هذا، سنقوم بفحص الفكر اللاهوتي الذي أكده طومس ليو من جهة، والفكر اللاهوتي الذي أكده تعريف الإيمان الخلقيدوني من الجهة الأخرى. وبعد ذلك سنناقش تعليم البابا ديسقوروس لكي نرى ما هي بالتحديد الأمور التي كان يريد التشديد عليها.
2. الفكر اللاهوتي لطومس ليو:
كان الأمر المركزي في مجمع خلقيدونية ـ كما سبق وأوضحنا ـ هو قبول أو عدم قبول طومس ليو. ولذلك سيكون من المناسب هنا أن نعطي ملخصاً مختصراً لهذه الوثيقة، لكي نرى مدى الصعوبة التي يمكن أن يجدها (الشخص) اللاهوتي السكندري في تقبل وهضم الفكر اللاهوتي لتلك الوثيقة.
(أ) ملخص مختصر لطومس ليو:
كانت الوثيقة مؤلفة لغرض محدد هو تأييد إدانة أوطيخا التي أعلنها مجمع عام 448م. وقد أخذ الطومس في عرض الموضوع من بدايته الأولى،[1] حيث ذكر أنه: بدلاً من أن يتعلم أوطيخا من أولئك الأكثر منه حكمة اعتمد على فهمه الناقص للإيمان، ولو كان قد توقف فقط ليفحص بعناية العبارة الواردة في قانون الإيمان “أؤمن بالله الآب الضابط الكل، وبابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا الذي وُلد من الروح القدس ومن مريم العذراء”،[2] لما كان قد وقع في تلك الهرطقة الحمقاء.
وعندئذ بدأت الوثيقة تقدم أدلة من الأسفار لتبين بها أن “المولود الوحيد الأزلي نفسه الذي من الآب الأزلي، هو ذاته الذي وُلد من الروح القدس ومن مريم العذراء”.
وبهذه الطريقة أخذ الله الابن طبيعتنا لأجل شفائنا، ولكن أوطيخا ـ على عكس هذا التعليم الواضح ـ استعمل “كلمات مضللة” وقال إنه “قد حُبل به في رحم العذراء”، وأن المسيح “أخذ شكل إنسان بدون جسد حقيقي مأخوذ من أمه”. والحق هو أن “الروح القدس جعل العذراء تحبل وتلد، ولكنه كان جسد حقيقي مأخوذ من جسدها” ذاك الذي ولدته.
وقد اتخذ الله الابن الأزلي ناسوتاً بحيث إن “خواص كلتا الطبيعتين والجوهرين محفوظة ومتواجدة معاً في شخص واحد”. إن ابن الله “نزل من عرشه السماوي” ولكنه في نفس الوقت “بدون أن يتنحى عن مجد الآب”، ودخل في هذا العالم وولد بطريقة جديدة.
وبهذا الميلاد (الزمني) لم يتغير اللاهوت إلى ناسوت، ولا ابتُلع الناسوت في اللاهوت، ولكنهما كانا متحدين تماماً بحيث إن “كل طبيعة تقوم بما هو ملائم (proper) لها (أو مختص بها) وهي في شركة (communion) مع الأخرى؛ فعلى سبيل المثال كان الكلمة يقوم بما هو ملائم للكلمة، وكان الجسد ينفذ ما هو ملائم للجسد”.
فكإنسان كان يمكنه أن يشعر بالجوع والعطش وأن يتعب وينام؛ ولكن كإله أشبع الآلاف من الناس بخمس خبزات كما صنع معجزات أخرى. والحق أنه “في الرب يسوع المسيح، يوجد شخص واحد لله والإنسان، ومع ذلك فإنه من حيث التألم الذي هو مشترك لكليهما فإن هذا شيء، ومن حيث المجد الذي هو مشترك (أيضاً) لكليهما فإن هذا شيء آخر؛ لأن الناسوت الذي أدنى من الآب هو له منا، واللاهوت المساوي للآب هو له من الآب”.
ومن هنا فإن وحدة الشخص “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين”، ولذلك يمكننا أن نقول أن ابن الإنسان أتى من السماء، وأن ابن الله أخذ جسداً وولد من العذراء.
واستمر الطومس ليبين أنه طبقاً لشهود العهد الجديد، فإن المسيح هو إنسان وإله معاً، والرسول بطرس على سبيل المثال أوضح ذلك بصورة جلية في اعترافه التاريخي في قيصرية فيلبس، وبالتالي كان هناك سبب وجيه لكي “يعلن الرب طوباويته” وأن “يشتق (الرب) ثبات قوته واسمه من الصخرة الأصلية”.
وكانت ظهورات ربنا بعد القيامة من أجل تأكيد هذه الحقيقة العظمى للتلاميذ. وقد فشل أوطيخا في إدراك هذا، لأنه لم يميِّز “طبيعتنا في (الابن) المولود الوحيد، لا في حالة تواضع الموت ولا في حالة مجد القيامة”، وبهذه الطريقة تجاهل حقيقة الصليب وبالتالي أنكر المعنى الحقيقي لخلاصنا.
وقام البابا ليو بتوبيخ فلافيان أسقف القسطنطينية لأنه لم يُسكِت الراهب أوطيخا حين قال: “أنا أعترف أن ربنا من طبيعتين قبل الاتحاد، ولكن بعد الاتحاد أنا أقر أنه بالحق طبيعة واحدة”.[3]
(ب) بعض الملاحظات على طومس ليو:
كان البابا ليو قد وضع هذا الطومس في ضوء افتراضٍ مبدئي بأن أوطيخا قد فشل في تأكيد حقيقة ناسوت المسيح وميلاده البشري، ولذلك ركز البابا ليو في الطومس على ثلاثة نقاطٍ بقصد استبعاد الخطر المتضمَّن في الموقف الذي نُسب لأوطيخا. وهذه النقاط هي:
(1) إن ناسوت المسيح كان حقيقياً ـ فقد وُلد كإنسان من الأم العذراء، وكان له كل الخواص الإنسانية الجوهرية، ومات وقام ثانية من بين الأموات.
(2) من خلال ميلاد وحياة وتدبير يسوع المسيح، دخل الله الكلمة ـ الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس ـ بنفسه في الوجود التقليدي للجنس البشري وتمم خلاصه.
(3) إن لاهوت الكلمة والناسوت الذي اتخذه، قد استمرا في شخصه الواحد بدون تغيير.
وفي الحقيقة كان التقليدان اللاهوتيان السكندري والأنطاكي يقران بكل هذه التأكيدات (الواردة في الطومس) بدون أي تحفظ. ولكن الصدام بينهما كان قد حدث نتيجة تخوف الجانب السكندري من أن الجانب الآخر لا يؤكد على وحدة شخص المسيح بالمعنى الحقيقي، وكذلك تخوف الجانب الأنطاكي من أن الجانب الآخر يتجاهل حقيقة ناسوت المسيح. وكان طومس ليو بالفعل يقدم العقيدة بالطريقة التي تحقق الرضاء التام للجانب الأنطاكي.
فماذا إذن عن اهتمامات الجانب السكندري؟. لقد تحدث طومس ليو عن ’شخص واحد‘، فماذا كان يعني البابا بهذا التعبير؟ ولكي نقدم السؤال بهذا الشكل ينبغي علينا أن نتذكر أولاً أنه في السياق التاريخي للقرن الخامس كان اللاهوتيون الشرقيون يستخدمون الكلمتين ’بروسوبون‘ و ’هيبوستاسيس‘ اليونانيتين كمرادف يكافئ كلمة ’برسونا‘ عند اللاتين. وكان الأنطاكيون ـ كما ذكرنا سابقاً ـ يؤكدون على اتحاد الطبيعتين في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘، وعلى هذا الأساس كانوا يعلِّمون أن المسيح هو طبيعتين متحدتين في بروسوبون واحد.
ولكن السكندريون أصروا على أن اتحاد الطبيعتين كان بحسب ’الهيبوستاسيس‘ وأن المسيح هو هيبوستاسيس واحد وبروسوبون واحد،* لأن الطبيعتين الإلهية والإنسانية كانتا متحدتين إلى درجة أن المسيح لم يكن “طبيعتين بعد الاتحاد”؛ وهو كان دائماً “من طبيعتين” ولكنه مع ذلك “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”.
وفي الحقيقة كانت تلك الرؤية السكندرية هي الأساس اللاهوتي الذي تمت على أساسه إدانة نسطوريوس كهرطوقي في مجمع عام 431م. ومن ثم يصبح السؤال عن المعنى الذي كان البابا ليو يقصده من تعبير ’شخص واحد‘، هو سؤال وثيق الصلة بالموضوع. فهل كان يعني بتعبير ’شخص واحد‘ أنه ’هيبوستاسيس واحد‘ أم ببساطة مجرد ’بروسوبون واحد‘؟.
من الواضح من الطومس أن البابا ليو لم يتطرق إلى تلك الأمور (أو الفروق) الدقيقة الخاصة بالشرق، وفي أغلب الظن أنه لم يكن ملماً بها، ولذلك حينما كان يؤكد وحدة شخص المسيح أصر على أن “كل طبيعة تقوم بما هو ملائم (proper) لها (أو مختص بها) وهي في شركة (communion) مع الأخرى؛ فعلى سبيل المثال كان الكلمة يقوم بما هو ملائم للكلمة، وكان الجسد ينفذ ما هو ملائم للجسد”، وأن وحدة الشخص “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين”.
ورأى القادة الذين تربوا على التقليد اللاهوتي السكندري في عبارة ’شخص واحد كائن في طبيعتين‘ ما يتضمن فقط معنى ’البروسوبون‘، كما رأوا في عبارة ’أن كل طبيعة تقوم بما هو ملائم لها وهي في شركة مع الأخرى‘ ما يحمل معنى ’الهيبوستاسيس‘، وهذا بالتحديد ما كان الأنطاكيون يعلِّمون به طوال الوقت. وهكذا فهم السكندريون أن ليو يؤمن أن ’الهيبوستاسيسين‘ أي الله الابن ويسوع الإنسان اتحدا في ’بروسوبون‘ واحد.
وإذا قارنوا الطومس مع رسائل البابا كيرلس التي أرسلها إلى نسطوريوس وبالأخص الرسالة التي احتوت على الحروم، فسيجدون تناقضاً حقيقياً بين تعليم اللاهوتي السكندري وتأكيدات البابا ليو. لأن ق. كيرلس على سبيل المثال كان قد أوضح تماماً أن الأقوال والأفعال يقوم بها الهيبوستاسيس المتجسد الواحد، بينما يذكر الطومس أن الأقوال والأفعال تقوم بها الطبيعتان،[4] فإذا أُخذ مصطلح ’الطبيعة‘ بمعنى ’الهيبوستاسيس‘ ـ وهو المعنى الوحيد المعقول والمنسجم مع سياق النص ـ سيكون هذا الموقف بالتحديد هو ما لا يمكن قبوله على الإطلاق.
[1] للاطلاع على الطومس انظر: (ACO. II, i. pp. 10f.). الأصل اللاتيني مع الترجمة الإنجليزية موجودة في (T. H. Bindley, op. cit.).
[2] هنا اقتبس ليو بابا روما من قانون الإيمان الروماني القديم وليس من قانون نيقية.
“Confiteor ex duabis naturis fuisse Dominum nostrum ante adunationem post adunationem vero unam Confiteor”
والحقيقة أن الأصل اليوناني الذى عبَّر فيه الراهب عن هذه الكلمات ليس فيه كلمة تتطابق مع كلمة (vero) التي ذُكرت باللاتينية التي كتب بها الطومس. (وهذه الكلمة تعني بالحق أو بالتأكيد أو في الواقع)
* انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب عن “التطور التاريخي لمدلول المصطلحات المستخدمة في الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى”.
[4] كان هذا هو الاختلاف بين البابا كيرلس والبابا ليو، والذي يبدو أن بول جالتييه قد تجاهله في محاولته التوفيق بين الرجلين. وكما سنرى فلم تكن صيغة إعادة الوحدة تبرر التعليم الذي قدمته روما أثناء النزاع. انظر:
(Galtier’s essay on Le Saint Cyrile d’Alexandrie et Saint Leon le Grand a Chalcedon, in Das Konzil Von Chalkedon, op. cit., vol. I)