الكرازة الرسولية ج3 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

الكرازة الرسولية ج3 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

الكرازة الرسولية ج3 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

إبراهيم سبق فرآه:

         44 ـ وأيضًا يقول موسى، إن ابن الله نزل بالقرب من إبراهيم وتكلّم معه ” وظهر له الرب عند بلوطات ممرا وهو جالس في باب الخيمة وقت حر النهار. فرفع عينيه ونظر وإذا ثُلثة رجال واقفون لديه. فلما نظر ركض لاستقبالهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض. وقال يا سيد أن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك[1]. وبعد ذلك تكلّم مع الرب والرب تحاور معه. اثنين من هؤلاء الأشخاص كانا ملاكين، لكن واحد كان ابن الله[2]، الذى تحدّث معه إبراهيم وهو يتوسط بأن لا يُدمر سكان سدوم، لو وجد فيها حتى عشرة أبرار على الأقل. وبينما هما يتحدثان، انتقل الملاكان إلى سدوم حيث قبلهما لوط، ثم بعد ذلك يضيف الكتاب: ” فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عند الرب من السماء[3]، أى أن الابن[4]، الذي تحدّث مع إبراهيم، وهو “الرب” أخذ سلطانًا أن يعاقب سكان سدوم وعمورة من رب السماء، الآب الذى هو سيد الكل. هكذا، كان إبراهيم نبيًا، ورأى[5] تلك الأمور التي سوف تحدث في المستقبل، أى أن ابن الله سيأتى في الشكل البشرى وأنه سوف يتحدّث مع البشر[6]، ويأكل معهم، وبعد ذلك يجلس ديّانًا لهم، هذا هو الذي أخذ من الآب ورب الكل سلطانًا ليعاقب سكان سدوم وعمورة.

 

يعقوب سبق فرآه:

         45ـ كذلك يعقوب وهو ذاهب إلى ما بين النهرين رآه في حلم واقفًا على سُلّم[7]، وكان السلم منتصبًا من الأرض إلى السماء، الذى هو كمثال الصليب. إذ يصعد المؤمنون به إلى السماء، حيث إن آلام ربنا هى بمثابة طريق صعودنا إلى فوق. كما أن الرؤى المتعددة تشير إلى ابن الله وهو يتحدّث مع البشر ويحيا بينهم. لأن الآب الذى لم يره أحد من العالم وخالق الكون ليس هو الذي قال: ” السموات كرسى والأرض موطئ قدمى. أين البيت الذي تبنون لى وأين مكان راحتى[8]. والذي ” كال بكفه المياه وقاس السموات بالشبر وكال بالكيل تراب الأرض ووزن الجبال بالقبان والآكام بالميزان[9]. وليس هو الذى نزل إلى ذلك الركن من الأرض لكى يتحدّث مع إبراهيم، بل إن كلمة الله، هو الذي كان دائمًا مع جنس البشرى، قد أعلن مسبقًا ما سوف يحدث في المستقبل وعلَّم البشر أمور الله[10].

 

الابن تحدّث مع موسى:

         46 ـ هكذا تحدث في العليقة المشتعلة[11] مع موسى قائلاً: ” إنى قد رأيت مذلة شعبى الذي في مصر وسمعت صراخهم من أجل مسخرينهم. إنى علمت أوجاعهم[12]. هذا هو الذي صعد ونزل لخلاص الحزانى (المتألمين)، لكى ينقذنا من استعباد المصريين، أى من كل عبادة للأوثان ومن كل فجور، لكى ينقذنا من البحر الأحمر، أى لكى يحفظنا من معارك الأمم الدامية، ومن عثرة تجديفاتهم المرّة. هكذا أتى كلمة الله[13] لكى يعايش ظروفنا، وأظهر لنا مسبقًا ما سوف يحدث في المستقبل، وهو نفسه الآن قد حرَّرنا من عبودية الأمم القاسية وفجَّر ماء بوفرة من الصخرة فى الصحراء، والصخرة كانت هو نفسه (المسيح)[14]. وأعطانا أيضًا اثنى عشر ينبوعًا، أى تعليم الرسل الاثنى عشر. فالذين لم يؤمنوا به قد ماتوا في الصحراء، أما الذين آمنوا، وكانوا أطفالاً في الشر، هؤلاء صاروا مقبولين في ميراث الآباء. هذا الميراث الذى أعطاه لنا يسوع ـ وليس موسى هو الذي حرَّرنا من عماليق ـ ببسط ذراعيه على الصليب، وهو أيضًا الذى يقودنا إلى ملكوت أبيه[15].

 

الآب والابن كلاهما ربٌ وإله:

         47 ـ فالآب إذًا رب والابن رب، الآب إله والابن هو إله، لأن الذي يُولد من إله هو إله[16]. هكذا إذن فبحسب كيانه وقوته وجوهره هو إله واحد. ولكن بحسب تدبير خلاصنا يوجد آب واحد وابن واحد. وحيث إن أبا الجميع هو غير منظور وغير مدرك من المخلوقات، فمن الضرورى على من يريدون أن يقتربوا إلى الله أن ينالوا نعمة القدوم إلى الآب بالابن[17].

 

الابن هو الله:

         ويتحدّث داود بوضـوح عن الآب والابن فيقـول: ” كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الاثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك[18]. طالما أن الابن هو إله بالحقيقة فهو يأخذ عرش الملكوت الأبدى من الآب أى من الله ويُمسح بدهن الابتهاج أكثر من رفقائه. “ودهن الابتهاج” أو زيت المسحة هو الروح الذى مُسح به، ورفقائه هم الأنبياء، والأبرار والرسل وجميع الذين ينالون شركة في ملكوته، أى تلاميذه.

 

الابن هو الرب:

         48 ـ ويقول داود أيضًا: ” قال الرب لربى[19] اجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك. يرسل الرب قضيب عزك من صهيون. تسلط في وسط أعدائك. شعبك منتدب في يوم قوتك في زينة مقدسة من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك. أقسم الرب ولن يندم. أنت كاهن إلى الأبد على رُتبة ملكى صادق. الرب عن يمينك يُحطم في يوم رجزه ملوكًا. يدين بين الأمم. ملأ جثثًا أرضًا واسعة سحق رؤوسها. من النهر يشرب في الطريق لذلك يرفع الرأس[20]. بهذه الكلمات يتضح تمامًا أن المسيح كائن قبل الكل، وأنه يسود على الأمم وأنه يدين كل البشر والملوك الذين يضطهدون اسمه الآن، لأن هؤلاء هم أعدائه، وإذ يدعوه كاهن الله الأبدى، فهذا إعلان بأنه الحى الذى لا يموت. وعندما يقول: “من النهر يشرب في الطريق لذلك يرفع رأسه” فهو يشير إلى تمجيد ناسوته وصعوده بعد المهانة والذل.

 

المسيح هو الابن والملك:

         49 ـ إشعياء النبى يقول: ” هكذا يقول الرب لمسيحه لكورش الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أممًا[21]، وأما كيف أن المسيح يُدعى ابن الله وملك الشعوب (الأمم)، أى ملك كل البشر، وأنه يُسمى ـ كما أنه هو فعلاً وبالحق ـ ابن الله وملك الأمم فهذا ما يتكلم عنه داود هكذا: ” الرب قال لى أنت ابنى أنا اليوم ولدتك. اسألنى فأعطيك الأمم ميراثًا وأقاصى الأرض مُلكًا لك[22]. هذه الأقوال لم تُوجه لداود، لأنه لم يملك على الأمم وعلى أقاصى الأرض، بل على اليهود فقط. إذن من الواضح أن الوعد المُعطى “للممسوح” بأن يملك حتى أقاصى الأرض إنما هو لابن الله الذي يعترف به داود نفسه قائلاً: ” قال الرب لربى اجلس عن يمينى…“. فهو يقول إن الآب يتحدث مع الابن، كما رأينا ذلك سابقًا في إشعياء، الذي تكلّم هكذا قائلاً: “هكذا يقول الرب لمسيحه… الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أممًا“. إن النبوءتين تتحدّثان عن نفس الوعد بأنه يكون ملكًا، وبالتالى فكلام الله مُوجه إلى شخص واحد بعينه، أى إلى المسيح ابن الله. وعندما يقول داود: ” قال الرب لربى“، فيلزم أن نعترف بأنه لا داود ولا غيره من الأنبياء، يتحدّث عن ذاته. لأن الإنسان لا ينطق بالنبوات، إنما روح الله، يتكلّم فى الأنبياء بكلمات تخص أحيانًا المسيح وأحيانًا أخرى الآب[23].

 

عبد الرب مجبول من البطن:

         50 ـ وهكذا فإن المسيح يقول بطريقة ملائمة جدًا بواسطة فم داود، إن الآب يتحدّث معه، ويكرز أيضًا بحقائق عن نفسه بواسطة الأنبياء. وهذا ما نقرأه على سبيل المثال في إشعياء: ” والآن قال الرب جابلى من البطن عبدًا له لإرجاع يعقوب إليه فينضم إليه إسرائيل فأتمجد في عينى الرب، وإلهى يصير قوتى. فقال قليل أن تكون لى عبدًا لإقامة أسباط يعقوب ورد محفوظى إسرائيل. فقد جعلتك نورًا للأمم لتكون خلاصى إلى أقصى الأرض[24].

         51 ـ إن الوجود الأزلى للابن يُستنتج من حقيقة أن الآب يتحدث معه وبهذا أُعلن عنه للبشر قبل ولادته. ثم بعد ذلك نستنتج أنه لابد له أن يولد إنسانًا بين الناس، طالما أنه سوف ينحدر من البشر[25] والله نفسه سيجبله من البطن، أى أنه سيُولد من العذراء بروح الله، وأنه سيكون رب جميع الناس ومخلّص المؤمنين به، اليهود والأمم. لأن الشعب اليهودى في اللغة العبرية يُدعى إسرائيل نسبة ليعقوب أب الآباء الذي كان هو أول من دُعى إسرائيل[26]، أما كل البشر فيدعوهم “الأمم”. وقد دُعى الابن “خادم” الآب، بسبب طاعته للآب، فهذا هو نفس ما يحدث بين البشر، أن كل ابن هو خادم لأبيه.

         52 ـ فَلنَر بعد ذلك ما تشهد به الكتب: أن المسيح الكلمة ابن الله الكائن أزليًا عند الآب، والذى لا يزال كائنًا عند الآب؛ قد ظهر بين البشر وكوَّن علاقة معهم، وهو ملك الكون كله، حيث إن الآب أخضع الكل تحت سلطانه وأنه هو مخلّص الذين يؤمنون به. كما أنه من الصعب أن نُحصى كل نصوص الكتاب المقدس التي تشير إلى هذا الموضوع، وهى كلها متشابهة، فينبغى عليك أن تؤمن بالمسيح وتطلب من الله فهمًا وحكمةً لكى تفهم ما قيل بواسطة الأنبياء.

         53 ـ المسيح الذي هو كلمة الله والذى كان عند الله، كان مزمعًا أن يتجسد، ويصير إنسانًا ويخضع لظروف الولادة البشرية، وأن يُولد من عذراء وأن يحيا وسط الناس[27]، وقد دبّر أبو الكل تجسده. إذ تنبأ إشعياء قائلاً: ” ويعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل، زبدًا وعسلاً يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير[28]. وهو يؤكد أنه سيُولد من عذراء، لأن قوله “يأكل” يشير إلى أنه سوف يكون إنسانًا حقيقيًا، وأيضًا بأنه سوف يأتى طفلاً[29] ويُعطى له اسم لأن هذه هى العادة بالنسبة للأطفال. وسيحمل اسمًا مزدوجًا، “فالمسيا” فى اللغة العبرية معناها المسيح، أما “يسوع” فمعناها المخلّص، والاثنان يُستخدمان فى التعبير عن الأعمال التي سوف يتممها. لقد دُعى مسيحًا؛ لأن الآب مسح (قدَّس) به الكل ولأنه في تأنسه قد مَسحه روح الله أبيه، كما يقول هو نفسه في موضع آخر على فم إشعياء ” روح الرب علىَّ لأنه مَسحنى لأبشر المساكين[30]. وقد دُعى مخلّص لأنه سبب خلاص لأولئك الذين حرَّرهم هو نفسه فى تلك الأزمنة من كل أنواع الأمراض ومن الموت، كما أنه هو مُعطِى الخيرات العتيدة والخلاص الأبدى لأولئك الذين آمنوا به بعد ذلك.

         54 ـ إذن فلأجل هذا دُعى مخلّص. أما بالنسبة لكلمة عمانوئيل فهى تعنى: الله معنا، وإذا قيلت من النبى فهى تأتى في صيغة التمنى أى: فليكن الله معنا! وفي هذه الحالة تكون شرحًا وإعلانًا للوعد الإلهى ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا“، ولأنه هو الله فسيكون الله معنا. وأمام هذا الحدث يتنبأ النبى بدهشة كاملة، بأن الله سيكون معنا. ويشير النبى نفسه في مكان آخر إلى الميلاد بقـوله: ” قبل أن يأخذها الطلق ولدت، قبل أن يأتى عليها المخاض ولدت ذكرًا[31]. وبهذه الطريقة، فهو يشير إلى الولادة العجيبة الفائقة الوصف من العذراء.

 

”يُولد لنا ولد”:

         نفس النبى يقول أيضًا: ” لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنًا ويُدعى اسمه عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا[32].

         55 ـ فهو يدعوه ” عجيبًا مشيرًا” للآب، لأنه بمشورته وبه خلق الآب كل شئ، كما هو مكتوب في سفر موسى الذي يُدعى التكوين:   ” نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا[33]. هنا يبدو أن الآب يتحدث مع الابن الذي هو ” المشير العجيب” للآب[34]. لكن في نفس الوقت هو مشيرنا الخاص لأنه يظل معنا، ينصحنا بدون أن يجبرنا[35] بسلطانه (كإله)، بالرغم من أنه “إله قدير”. فهو ينصحنا بأن نتخلى عن ظلام الجهل ونقبل نور المعرفة، وأن نبتعد عن الضلال ونأتى إلى الحق، وأن نطرح الفساد ونكتسب عدم الفساد[36].

         56 ـ ويقول إشعياء أيضًا: ” لأن كل سلاح المُتسلح في الوغى وكل رداء مُدحرج في الدماء يكون للحريق مأكلاً للنار. لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا وتكون الرياسة على كتفه ويُدعى اسمًا عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا أبًا أبديًا رئيس السلام. لنمو رئاسته وللسلام لا نهاية على كرسى داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد[37]. من هذه الأقوال يتضح أن ابن الله سوف يُولد (كإنسان) وسوف يُدعى ملكًا أبديًا. أما تعبير “يكون للحريق مأكلاً للنار” فيشير إلى أولئك الذين لم يؤمنوا به وفعلوا ضده ما فعلوه. هؤلاء سوف يصرخون في يوم الدينونة: ” كان الأفضل لنا أن نكون مأكلاً للنار قبل ميلاد ابن الله، عن أن نكون غير مؤمنين به”، لأنه يوجد رجاء للذين ماتوا قبل مجىء المسيح أن ينالوا الخلاص وذلك بعد قيامتهم أى في الدينونة. وينطبق ذلك على الذين كانوا يخافون الله وقد ماتوا في البر وكان عندهم روح الله فى داخلهم مثل البطاركة والأنبياء والأبرار. أما أولئك الذين لم يؤمنوا بالمسيح بعد مجيئه فإن عقابهم في يوم الدينونة سيكون بلا رحمة.

أن تعبير ” وتكون الرياسة على كتفه” يشير رمزيًا إلى الصليب الذي سُمِرت عليه يداه. فالصليب الذي كان له عارًا وبسببه كان عارًا لنا أيضًا، هذا الصليب نفسه يشهد لرياسته، وهو راية مملكته. وأنه كان بالنسبة للآب هو: “ ملاك المشورة العظمى“، كما يقول النبى، وهو الذي أعلن لنا الآب.

         57 ـ أما كون ابن الله سوف يُولد والطريقة التى بها سوف يُولد وعن ظهوره كمسيح، فهذا ما تحدث عنه الأنبياء الذين تنبأوا عنه، فأخبروا عن ولادته، وعن العائلة التي سيولد منها.

 

رئيس من يهوذا:

         فموسى يتحدّث في سفر التكوين قائلاً: ” لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتى شيلون وله يكون خضوع شعوب. رابطًا بالكرمة جحشه وبالجفنة ابن أتانه غسل بالخمر لباسه وبدم العنب ثوبه[38]. يهوذا جد اليهود كان ابن ليعقوب، ومنه أخذ اليهود التسمية[39]. ولم يحدث في أية فترة أنهم كانوا بدون رئيس أو قائد حتى مجىء المسيح[40]. لكن بعد مجىء المسيح فإن رجال حرب مقتدرون احتلوا بلادهم بالسلاح، وخضعت أرض اليهود للرومان، ولم يعد لديهم كأمة رئيس ولا ملك. لأنه أتى ذاك الذي له الملكوت فى السموات، ذاك الذي غسل ” في الخمر لباسه وبدم العنب ثوبه”. اللباس والثوب هما هؤلاء الذين آمنوا به والذين غسلهم، عندما خلّصنا بدمه. الذى هو “دم عنب”[41] لأنه، كما أن دم العنب لا يصير بواسطة إنسان، لكن من الله الذي صنعه وهو يُفرِّح مَنْ يشربه، بنفس الطريقة فإن جسد المسيح ودمه ليسا من صنع إنسان، بل من الله.

         الرب نفسه أعطى نبوة عن ميلاده العذرى (نبوة إشعياء 11:7ـ14)، أى أن هذا هو الذي وُلد من العذراء، عمانوئيل الذي أبهج هؤلاء الذين يشربون منه، أى يأخذون روحه، وبذلك ينالون الفرح الأبدى. لذلك فهو يُمثل مشتهى الأمم، للذين يأملون فيه وينتظروا تأسيس ملكوته.

 

كوكب من يعقوب:

         58 ـ ويقول موسى أيضًا: ” يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل[42]. هذا يعلن بوضوح أن تدبير ميلاده بحسب الجسد سيكون بين اليهود، وأن ذاك الذي سوف يولد من بيت يعقوب ويهوذا، سوف ينزل من السماء، هو الذى سيُتمم هذا التدبير. فقد ظهر “نجم” في السماء. و”قضيب” تعنى “ملك”[43] إذ هو ملك جميع المخلَّصين. وعند ميلاده ظهر النجم للمجوس الذين جاءوا من المشرق. وبظهور النجم عرفوا أن المسيح قد وُلِد، فأتوا إلى اليهودية منقادين بواسطة هذا النجم، إلى أن وصل إلى بيت لحم، حيث وُلِد المسيح. وعندما أتوا إلى البيت حيث كان الطفل مُقمطًا، توقف النجم فوق رأسه لكى يعلن للمجوس أن هذا الطفل المولود هو المسيح ابن الله[44].

 

قضيب من جذع يسى:

         59 ـ يعبّر إشعياء عن هذا قائلاً: ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله. ويحل عليه روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب. ولذته تكون في مخافة الرب فلا يقضى بحسب نظر عينيه ولا يحكم بحسب سمع اذنيه. بل يقضى بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائس الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويُميت المنافق بنفخة شفتيه. ويكون البر منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه. فيسكن الذئب مع الخروف. ويربض النمر مع الجدى، والعجل والشبل والمسمّن معًا ويلعب الرضيع على سرب الصل، ويمد الفطيم يده على جحر الأفعوان فلا يؤذيه… ويكون فى ذلك اليوم أن أصل يسى القائم ليسود على الأمم، وعليه يكون رجاء الأمم، ويكون قيامه مجدًا[45]. يتنبأ إشعياء بواسطة هذه الأقوال، إن المسيح سوف يُولد من العذراء التي هى من بيت داود وإبراهيم. لأن يسى كان من نسل إبراهيم وهو أبو داود. والعذراء التى حملت بالمسيح أتت من نفس العائلة. إذن هو المُشار إليه بـ”القضيب”. لذلك يستخدم موسى “العصا أو القضيب” لكى يصنع المعجزات أمام فرعون. والعصا في الشعوب الأخرى هى علامة السيادة. أما كونها قد أنبتت كقول إشعياء فهذا يشير إلى جسد المسيح الذي “نبت” بواسطة فعل الروح القدس كما قُلنا سابقًا.

         60 ـ الكلمات ” فلا يقضى بحسب نظر عينيه ولا يحكم بحسب سمع أذنيه. بل يقضى بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف لبائس الأرض” تُظهر بالأكثر ألوهيته. لأن برّ الله وحده هو الذى يحكم بالعدل، بدون تمييز للأشخاص وبدون محاباة للأشراف (العظماء)، ويعطى العدل للفقراء بالتساوى وبالحق وفق أوامر العلى وعدله الإلهى. لأن الله لا يخضع لأى تأثير ولا يعمل سوى عدل وحق. والرحمة هى أيضًا تليق بالله نفسه الذي في صلاحه يريد أن يقدِّم الخلاص. وتعبير ” بل يقضى بالعدل للمساكين… ويُميت المنافق بنفخة شفتيه[46]. يشير أيضًا إلى الله الذي خلق الكل بكلمة. ويقول: “ويكون البر منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه” فهو يشير إلى الشكل البشرى للمسيح، وإلى بره الحقيقى والفائق.

 

عندما يملك على الجميع:

         61 ـ كل ما يؤمن به الشيوخ (الحاملون التقليد الرسولى)[47] عن سيادة الوفاق والوحدة والسلام بين الحيوانات المعادية بعضها لبعض بحسب طبيعتها سيتحقق عند مجىء المسيح عندما يملك على الجميع. ويستخدم النبى صورًا رمزية لكى يُعلّم بأن جموع البشر من مختلف الأمم بالرغم من اختلاف عاداتهم سوف يعيشون في سلام ووفاق باسم المسيح. فقد شبّه الأبرار بالأبقار والحملان والجداء مع صغارها حيث لا أحد يؤذى الآخر، بينما الرجال والنساء فى العصور السابقة قد تشبّهوا بالحيوانات المتوحشة بسبب شهواتهم، حتى أنهم مثل الذئاب والأسود يفتكون بالضعفاء ويجرّون ويشعلون بينهم معارك عنيفة. وهذا سوف يحدث بالنسبة للنساء اللاتي هن أخطر من الدروع والمركبات، إذ هنّ قادرات أن يسكبن سُمًا مُميتًا على من يحبون ويميتونهم بسبب الغيرة. أما الناس المجتمعون في مكان واحد باسم الرب، سوف يكتسبون بواسطة نعمة الله سلوكًا مستقيمًا وسيقتلعون من ذواتهم النزعات الوحشية الطبيعية. وهذا قد حدث بالفعل لأن كل الذين كانوا سابقًا أشرارًا جدًا، حتى أنهم كانوا يفعلون كل شر عندما تعلّموا عن المسيح آمنوا به تغيّروا، حتى أنهم يتممون كل بر. ما أعظم التغيير الذى يعمل فى المؤمنين بواسطة الإيمان بيسوع المسيح ابن الله!. ويضيف النبى، أن المسيح عندما يقوم سوف يسود على الأمم، لذلك كان يجب أن يموت ويقوم لكى يعترف الجميع ويؤمنون بأنه هو ابن الله والملك. كذلك يقول النبى بعد ذلك: “ويكون قيامه كرامه“، أى المجد، لأنه عندما قام مُجد كإله.

 

خيمة داود:

         62 ـ وأيضًا يقول نبى آخر: ” وفي ذلك اليوم أقيم خيمة داود الساقطـة[48]، أى جسد المسيح، المنحدر من داود، كما قلنا سابقًا، أن المسيح بعد موته سيقوم من الأموات، لأن الجسد يُدعى خيمة. كل شهادات الكتاب تتنبأ بأن المسيح الذي أتى من نسل داود بحسب الجسد، سيدعى ابن الله، وأنه بعد موته سوف يقوم، وأنه فى الشكل سيكون إنسانًا[49] ولكنه هو الله ذو القدرة، وأنه هو نفسه سوف يدين العالم كله، كما كان هو وحده صانع البر والخلاص.

 

بيت لحم اليهودية:

         63 ـ وقد تنبأ النبى ميخا أن المسيح سيولد في بيت لحم اليهودية، قائلاً: ” وأنت يا بيت لحم، أرض يهوذا لست الصغرى بين رئاسات يهوذا، لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبى إسرائيل[50]. ولأن بيت لحم هى مدينة داود، فهذا برهان على أن المسيح هو ابن داود، ليس فقط لأنه وُلد من العذراء لكن لأنه وُلد في بيت لحم، مدينة داود.     

 

ثمرة بطن ” داود ”:

         64 ـ وداود تنبأ بأن المسيح سوف يُولد من نسله، هكذا: ” من أجل داود عبدك لا ترد وجه مسيحك. أقسم الرب لداود بالحق لا يرجع عنه. من ثمرة بطنك أجعل على كرسيك إن حفظ بنوك عهدى وشهاداتى التى أعلّمهم إياها فبنوهم إلى الأبد يجلسون على كرسيك[51]. لكن ولا واحد من أولاد داود مَلَك مُلكًا أبديًا، ولا كانت إلى الأبد مملكتهم لأنها قد تلاشت. ولكن المسيح وحده، المنحدر من نسل داود هو الملك الأبدى. كل هذه الشواهد تُظهر مرارًا وبوضوح نسل ابن داود بحسب الجسد وتظهر المكان الذى سيُولد فيه. فلا ينبغى البحث عن مجيء ابن الله بين الأمم أو في أى مكان آخر، إلاّ فى بيت لحم اليهودية، ومن نسل إبراهيم وداود.

         65 ـ ويصف إشعياء دخوله إلى أورشليم، عاصمة اليهودية ومركز رؤسائها والتى يوجد فيها هيكل الله قائلاً: ” قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك آتِ وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان[52]. فهو قد دخل إلى أورشليم راكبًا على جحش ابن أتان وفرش له الجموع ثيابهم. وقد دعا النبى أورشليم “ابنة صهيون”.

         66 ـ إذن، فطريقة ولادة ابن الله، ومكان ولادته وأنه هو المسيح الملك الأبدى ـ كل هذا قد تنبأ عنه الأنبياء. كما قالوا أيضًا، إن ابن الله سوف يشفى المرضى وحقًا قد شفاهم، إنه سيكون مكروهًا ومهانًا وسيُعذب، وسيُصلب ويموت، وبالفعل صار مكروهًا ومُحتقرًا وحُكِم عليه بالموت[53].

 

معجزات المسيح وآلامه وتمجيده:

         67 ـ دعونا نتحدّث عن معجزات شفائه. فإشعياء يقول: ” هو أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا[54] أى سيأخذ عنا خطايانا وسيحملها في ذاته. عادةً ما يتحدّث روح الله على فم الأنبياء عن الأمور العتيدة كأنها قد حدثت بالفعل. لأن الله يضع الخطة في ذهنه وقد اتخذ قرارًا للتنفيذ، ولكن الكتاب يذكرها على أنها حدثت بالفعل، والروح القدس وكأنه يرى زمن التحقيق، يستخدم كلمات إعلانية، بأن النبوة قد تحققت بالفعل. بالنسبة لمعجزات الشفاء يقـول: ” ويسمع في ذلك اليوم الصُم أقوال السفر وتنظر من القتام والظلمة عيون العُمى[55]. وأيضًا يقول: ” شددوا الأيادى المسترخية والرُكب المرتعشة ثبتوها. قولوا لخائفى القلوب تشددوا لا تخافوا هوذا إلهكم. الانتقام يأتى. جزاء الله. هو يأتى ويخلّصكم. حينئذٍ تتفتح عيون العمى وآذان الصُم تتفتح. حينئذٍ يقفز الأعرج كالأيل ويترنم لسان الأخرس[56]، وعن الموتى يقول: ” تحيا أمواتك، تقوم الجثث، استيقظوا ترنموا يا سكان التراب[57]. فالذي يعمل كل هذه الأمور يستحق أن نؤمن به أنه ابن الله[58].

68ـ وإشعياء يتنبأ بأنه سيُهان ثم يموت إذ يقول: ” هوذا عَبدي يَعقِلُ يتعالى وَيَرتَقي ويتسامَى جِداً. كَمَا اندَهش منكَ كَثِيرُون. كَان منظَره كَذَا مُفسدًا أكثَرَ مِن الرَّجُلِ وَصُورَته أكثَرَ مِنْ بَنِي آدَمَ. هَكذَا يَنضِحُ أُمَمًا كَثِيرِينَ. مِنْ أَجلِهِ يَسُدُّ ملوكٌ أَفوَاهَهُم لأنهم قَد أَبصَروا مَا لَم يُخْبَُوا بِهِ وَمَا لَمْ يَسْمَعُوهُ فَهِمُوهُ مَنْ صَدَّقَ خَبَرنا وَلِمَن استُعلِنَت ذِرَاعُ الربِّ؟. نَبَت قُدامَهُ كَفرخٍ وَكعِرقٍ مِنْ أَرضٍ يَابِسَةٍ لا صُورَة لهُ ولا جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِليه وَلاَ منظَرَ فَنَشتَهيه. محتَقَرٌ وَمَخذُولٌ مِنَ الناسِ رَجلُ أَوجَاعٍ وَمُختَبِرُ الحُزنِ وَكَمُستَّرٍ عَنهُ وُجُوهنَا مُحتَقرٌ فَلَم نَعتد به. لكن أَحزاننا حَمَلَهَا أوجاعنا تحمّلها. ونحنُ حسبنَاه مُصَابًا مَضروبًا مِنَ اللهِ ومذلولاً. وهو مَجروحٌ لأجل معاصينا مَسحوقٌ لأجل آثامنا. تَأدِيبُ سَلاَمِنَا عليه وبحُبُرهِ شُفِينَا[59].

         نرى هنا أن المسيح خضع للآلام التي سبق وقال عنها داود:       ” كنت مصابًا اليوم كله[60]، ليس داود بل المسيح هو ذاك الذي خضع للعذابات، عندما صدر الأمر بالصلب. وأيضًا يقول الله على فم إشعياء: ” بذلت ظهرى للضاربين وخدى للناتفين وجهى لم أستر عن العار والبصق[61]. وهذا يقوله النبى إرميا ” يعطى خده لضاربه، يشبع عارًا[62]. وقد تحمَّل المسيح كل هذا.

         69 ـ ويقول إشعياء: ” وبحبره شفينا. كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه اثم جميعنا[63]. إذن من الواضح أنه بمشيئة الآب حدث هذا لأجل خلاصنا ” ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تُساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه[64]. هنا يكرر بأنه خضع طوعًا للموت.

 

الدينونة:

         كلمات النبى ” من الضُغطة ومن الدينونة أُخذ[65] تعلن مدى تعرضه للإهانة ولأنه أخلى نفسه فقد قَبِلَ الدينونة. لقد صارت الدينونة مقبولة إذ أنها للبعض صارت للخلاص وللبعض الآخر صارت عذابًا للهلاك. وهكذا تظل الدينونة عقابًا للبعض ، بينما البعض الآخر تكون للخلاص. فالذين صلبوه جلبوا الدينونة على أنفسهم، وفعلوا هذا، لأنهم لم يؤمنوا به. لذلك بسبب هذه الدينونة هلكوا فى العذاب، بينما كل الذين آمنوا رُفعت عنهم الدينونة ولم يخضعوا لها. الدينونة التي ستصير بالنار سوف تجلب هلاكًا لغير المؤمنين في نهاية هذا العالم.

         70 ـ إذا كان النبى يقول: ” وفي جيله مَنْ كان يظن أنه قُطع من أرض الأحياء أنه ضُرب من أجل ذنب شعبى[66]، فإنه يقول هذا من خوفه أننا بسبب آلامه نكون شهود أحقاد ونعتبره نحن إنسانًا محتقرًا ومرذولاً. إن ذاك الذي عانى كل هذا له أصل ونسب لا يُوصف، أى أصله الذى هو أبوه، والذى لا يُوصف ولا يمكن التعبير عنه. اعرف إذن أن ذاك الذى خضع لهذه الآلام يمكن أن يسترد مجده الإلهى، فلا تحتقره بسبب العذابات التي تحملها لأجلنا، بالحرى فلنوقره ونكرّمه لأنه إله حقيقى بحسب طبيعته.

         71 ـ يقول إرميا في سياق آخر: ” نفس أنوفنا مسيح الرب أُخذ في حُفرهم الذي قلنا عنه في ظله، نعيش بين الأمم[67]. والكتاب يشهد بأن المسيح إذ هو روح (الله روح) سوف يصير إنسانًا متألمًا، وأيضًا إذ تعجب النبى لآلامه وللعذابات الكثيرة التي سيعانيها ـ شهد له قائلاً إننا سنحيا تحت ظله. فهو يدعو جسده “ظل”، لأنه كما أن الظِلّ يأتى من الجسد هكذا جسد المسيح يأتى من روحه. والظِلّ أيضًا يشير إلى التواضع وإلى تعرض جسده للاحتقار: لأنه كما أن ظِلّ الجسد المنتصب يكون على الأرض ويُداس تحت الأقدام، هكذا جسد المسيح، سقط على الأرض وقت آلامه وداسته الأقدام. وأيضًا ربما دعا النبى جسد المسيح “ظلاً” وكأنه كان يخفى مجد الروح ويغطيه. وأيضًا مرات كثيرة كانوا يوضعون المرضى على الطريق حيث يمر الرب والذين سقط ظله عليهم نالوا الشفاء[68].

72 ـ يقول النبى بخصوص آلام المسيح : ” باد الصديق وليس أحد يضع ذلك في قلبه ورجال الاحسان يُضمون وليس من يفطن بأنه من وجه الشر يُضم الصديق. دفنه يكون سلامًا. يستريحون في مضاجعهم. السالك بالاستقامة[69]. مَنْ هو الصديق البار والكامل إلاّ ابن الله الذي يقود إلى البر التام. وأولئك الذين يؤمنون به والذين يُضطهدون ويموتون مثله. عبارة “دفنه يكون”[70] يشير إلى الكرازة بموته لأجل خلاصنا. ” سلامًا ” تعنى “خلاصنا”. حقًا، بواسطة موته، كل مَنْ كانوا قبلاً أعداء بعضهم لبعض، فإنهم بإيمانهم به يحيون فى سلام فيما بينهم، فالإيمان المشترك به يجعلهم أصدقاء. أما قوله “رُفع من الوسط” أى أنه يعلن قيامته من بين الأموات، لأنه بعد قبره لم يره أحد ميتًا.

 

”حياة سألك”:

         كان لابد أن يقوم ويظل عديم الموت، هذا ما يعبّر عنه النبى قائلاً: ” حياة سألك فأعطيته. طول الأيام إلى الدهر والأبد[71]. فلماذا يقول ” حياة سألك” مادام مزمعًا أن يموت؟ إذن فالنبى يتكلّم هنا عن أنه سيقوم من الأموات وسيظل عديم الموت لأنه أُعطى حياة حتى يقوم، ” وطول الأيام إلى الدهر” لأنه سيكون في عدم فناء.

 

” اضجعت ونمت، ثم استيقظت ”:

         73 ـ وداود يتحدّث عن موت وقيامة المسيح هكذا: ” أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت لأن الرب عضدنى[72]. وداود لم يقل هذا عن نفسه، فهو لم يقم بعد موته، لكن روح المسيح ـ كما تحدث بواسطة الأنبياء الآخرين ـ يتحدّث الآن أيضًا عن المسيح بواسطة داود: ” أنا اضطجعت ونمت ثم استيقظت لأن الرب عضدنى“، هو يدعو الموت “نومًا” لأنه قام.

         74 ـ ويقول داود أيضًا عن آلام المسيح: ” لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب في الباطل. قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معًا على الرب وعلى مسيحه[73]. تحققت هذه النبوءة إذ أن هيرودس ملك اليهود وبيلاطس البنطى وكيل الإمبراطور الرومانى قد اتفقا على الحكم عليه بالصلب.

         إذ أن هيرودس خاف أن يصير المسيح ملكًا على الأرض فيأخذ منه عرشه. وأيضًا بيلاطس، فبتحريض من هيرودس واليهود المحيطين به، قد أُجبِر بالإكراه على تسليم المسيح للموت، على أساس أنه لو لم يفعل هذا لاعتبُرَ عدوًا لقيصر بتبرأته إنسانًا نصّبَ نفسه ملكًا.

 

رُفضت ورذلت:

         75 ـ ويقول النبى أيضًا عن آلام المسيح: ” لكنك رفضت ورذلت. غضبت على مسيحك. نقضت عهد عبدك، طرحت مقدسه في التراب، هدمت كل جدرانه، جعلت حصونه خرابًا. أخذه كل عابرى الطريق. صار عارًا عند جيرانه. رفعت يمين مضايقيه فرحت جميع أعدائه. أيضًا رددت حد سيفه ولم تنصره في القتال. أبعدته عن النقاوة، وألقيت عرشه إلى الأرض. قصرت أيام شبابه غطيته بالخزى[74]. فالنبى يعلن بوضوح أن المسيح سيتحمل هذه الآلام وأنها ستكون بحسب مشيئة أبيه، فبالحقيقة أن كل ما تحمله إنما قد تحمَّله بمشيئة الآب.

 

” اضرب الراعى”:

         76 ـ تنبأ زكريا: ” استيقظ يا سيف على راعىّ وعلى رجل رفقتى يقول رب الجنود اضرب الراعى فتتشتت الغنم[75]، وقد تحقق هذا عندما قُبض على المسيح بواسطة اليهود، فقد تركه تلاميذه، لخوفهم من الموت، فإيمانهم لم يكن قد تثبّت بعد إلى أن رأوه قائمًا من بين الأموات.

 

” أحضروه مقيدًا”:

         77 ـ ويقول في الأنبياء الاثنى عشر: ” وأحضروه مقيدًا كهدية للملك[76]. فقد كان بيلاطس هو والى اليهودية وكان يكن عداوة لهيرودس ملك اليهودية، فلما أحضروا يسوع مقيدًا أمامه، أرسله إلى محكمة هيرودس بقصد استجوابه لكى يحققوا فيمَنْ يكون هو. وهذه كانت فرصة مناسبة لمصالحة الوالى الرومانى مع هيرودس الملك[77].

 

النزول إلى الجحيم:

         78 ـ نجد في إرميا التنبؤ بموته ونزوله إلى الجحيم (الهاوية) إذ يقول: ” الرب قدوس إسرائيل تذّكر أمواته الراقدين في التراب ونزل إليهم مبشرًا إياهم بخلاصـه[78]. هنا يبيّن بوضوح سبب موته، وأن نزوله إلى الجحيم هو خلاص للأموات.

 

” بسطت يدىَّ”

         79 ـ وأيضًا إشعياء يقول عن صلبه: ” بسطت يدى طول النهار إلى معاند ومقاوم[79]. هذه الكلمات تشير إلى الصليب. ويتحدث داود بأكثر وضوح: ” لأنه أحاطت بى كلاب جماعة من الأشرار اكتنفتنى. ثقبوا يدىّ ورجلى[80]، ثم يقول: “ صار قلبى كالشمع. قد ذاب وسط أمعائى. انفصلت كل عظامى[81] ويقول أيضًا: ” أنقذ من السيف نفسى قد اقشعر لحمى من رعبك لأن جماعة الأشرار قاموا علىَّ[82]. بهذه الكلمات يُعلن أن المسيح سوف يُصلب، وهذا ما سبق وقاله موسى للشعب: ” وتكون حياتك معلّقة قدامك وترتعب ليلاً ونهارًا ولا تأمن على حياتك[83].

 

”اقتسموا ثيابى”:

         80 ـ وأيضًا داود يقول: ” اقتسموا ثيابى بينهم وعلى لباسى يقتـرعون[84]. وهذا ما حدث بعد الصلب فقد اقتسم الجنود ثيابه فيما بينهم، بينما القميص (الرداء) الذى كان منسوجًا ألقوا عليه قرعة لكى يأخذه من تقع عليه القرعة[85].

 

” أخذوا الثلاثين من الفضة”:

         81 ـ ويقول النبى أيضًا: ” وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بنى إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخارى كمـا أمرنى الرب[86]. حقًا كان يهوذا واحد من تلاميذ المسيح، ولأنه عَرِف أن اليهود يريدون أن يقبضوا على المسيح، اتفق معهم لكى يسلّمه إذ كان يحمل بغضة تجاهه، لأنه قد توبخ منه، استلم الثلاثين من الفضة وسلّمهم المسيح، لكنه ندم لأجل خيانته، وألقى الثلاثين من الفضة عند أقدام رؤساء اليهود، وشنق نفسه. أما الرؤساء فقد اعتبروا أنه ليس من اللائق أن يضعوا هذه (الفضة) في خزانتهم لأنها كانت ثمن دم، فاشتروا بها حقل الفخارى مقبرة للغرباء[87].

 

” أعطوه خلاًّ”:

         82 ـ وعندما رُفعوه على الصليب، عطش وأعطوه خلاًّ ممزوجًا بمرارة وهذا ما قد سبق أن قاله داود: ” ويجعلون في طعامى علقمًا وفي عطشى يسقوننى خلاًّ[88].

 

موت المسيح وقيامته وصعوده:

         83 ـ وعن أنه سيقوم من الأموات ويصعد إلى السموات، فقد سبق وتنبأ عنه داود بقوله: ” مركبات الله ربوات ألوف مكررة. الرب فيها. صهيون في القدس. صعدت إلى العلاء. سبيت سبيًا. قبلت عطايا من الناس[89]. و”السبى” يشير إلى إبطَال سلطة الملائكة الساقطين. كما أنه أظهر المكان الذي سيصعد منه على الأرض نحو السماء. لأن الرب يقول: ” من صهيون صعد إلى العلاء“، أى من الجبل الذي هو مقابل أورشليم ويُدعى جبل الزيتون. عندما قام الرب جمّع تلاميذه وتحدث إليهم عن ملكوت السموات، حيث صعد أمام أنظارهم ورأوا السموات تنفتح لكى تستقبله[90].

 

” ارفعوا أبوابكم”:

         84 ـ عن هذا يقول داود ” ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم، وارتفعى أيتها الأبواب الدهرية فيدخل ملك المجد[91]. الأبواب الدهرية هى السموات. ولكن لأن الكلمة الذى تجسد لم يكن منظورًا بالنسبة للمخلوقات، عندما نزل على الأرض، إلاّ أنه بسبب تجسده، قد صعد منظورًا فى الأعـالى، فقد رأته الملائكة وصاحوا إلى نظرائهم الذين فى الأعالى: ” ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم، وارتفعى أيتها الأبواب الدهرية فيدخل ملك المجد“، وعندما اندهشت الملائكة الذين في الأعالى وقالوا: ” مَنْ هو ملك المجد؟“، صرخ كل الذين سبق أن شاهدوه: ” الرب القدير الجبار هو ملك المجد[92].

         85 ـ ويتحدّث داود عن قيامته وجلوسه عن يمين الآب وانتظاره لليوم المُعيّن من أبيه الذي فيه سيدين الكل ويخضع له أعدائه. أعداؤه هم كل أولئك الذين تمردوا: الملائكة رؤساء الملائكة، السلاطين والكراسى، الذين استهانوا بالحق، فيقول: ” قال الرب لربى اجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك[93]. ويتحدّث داود عن صعوده إلى المكان الذي نزل منه: ” من أقصى السموات خروجها ومدارها إلى أقاصيها[94]، وبعد ذلك يشير إلى الدينونة فيقول: ” ولا شئ يختفى من حَرارته[95].

 

دعوة الأمم: شعب الله الجديد:

         86 ـ كل ما تنبأ به الأنبياء عن ابن الله، بأنه سوف يظهر على الأرض، أى في مكان محدد وكيف وفى أية ظروف سوف يظهر، جميع هذه الأمور تحققت في شخص ربنا. لذا فإيماننا به يستند على أساسات لا تتزعزع إذ أن تقليد الكرازة صادق وحق، الذى هو شهادة الرسل الذين أرسلهم الرب، وكرزوا في كل العالم، أن ابن الله أتى على الأرض وتحمل الألم لكى يبيد الموت ويمنح لنا الحياة[96].

         فهو إذ قد أبطل العداوة التى أوجدتها الخطية بيننا وبين الله، فإنه صالحنا مع الله وجعلنا أحباء له[97].

 

” ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام”:

وهذا ما تنبأ عنه الأنبياء: ” ما أجمل أقدام المبشرين بالسلام المبشرين بالخيرات[98]. بعد ذلك يتنبأ إشعياء، عن الرسل أنهم سوف يخرجون من اليهودية ومن أورشليم لكى يُعلنوا لنا كلمة الله التي هى قانون لنا بقوله: “ لأن من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرب[99]، وداود يقول، إنهم سوف يكـرزون في كل العالـم: ” في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم[100].

 

قضاء الرب فى كل الأرض:

         87 ـ أيضًا يتنبأ إشعياء بأن البشر سوف لا يكونوا تحت نير فرائض الناموس، بل سوف يحيون في بساطة الإيمان والمحبة ” قد قضى بفناء فائض بالعدل. لأن السيد رب الجنود يصنع فناء وقضاء في كل الأرض[101]، لذلك يقول الرسول بولس: ” لأن من أحب غيره فقد اكمل الناموس. المحبة هى تكميل الناموس[102]. وأيضًا عندما سُئل الرب عن أعظم وصية أجاب: ” تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك هذه هى الوصية الأولى والعظمى والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك بهاتين الوصيتين يتعلّق الناموس كله والأنبياء[103]. فبإيماننا به ازدادت محبتنا نحو الله وللقريب، وجعلنا أتقياءً وأبرارًا وصالحين، لأجل هذا صنع الرب “قضاء في كل الأرض”.

 

يُدعون باسم جديد

         88 ـ ويشير إشعياء، إلى أنه بعد صعوده سوف يتمجد مجدًا عاليًا فوق الكل ولن يكون هناك مَنْ يُقارن به: ” من هو صاحب دعوى معى، ليتقدم مقابلى. مِنْ هو الذى يسير مبررًا. فليقترب من ابن الله! ويل لك، لأن الكل كالثوب يبلون يأكلهم العث[104]. وأيضًا     “ توضع عينا تشامخ الإنسان وتخفض رفعة الناس ويسمو الـرب وحده[105]. ويشير إشعياء أنه في النهاية، الذين يخدمون الله سوف يخلصون باسمه إذ يقول: ” والذين خدمونى سوف يُدعون باسم جديد. فالذي يتبرك في الأرض يتبرك بإله الحق[106]. أخيرًا، فإن هو نفسه وفي شخصه تتحقق هذه النبوة إنه يفدينا بدمه إذ يقول إشعياء: ” ليس شفيع ولا ملاك بل الرب نفسه، لأنه خلّصهم وأحبهم وقد أشفق عليهم وفداهم بنفسه[107].

 

” هاأنذا صانع أمرًا جديدًا”:

         89 ـ وأيضًا يعرفنا إشعياء، أن الرب لا يريد للمؤمنين أن يرتدوا إلى ناموس موسى، لأن الناموس قد تحقق بالمسيح، لكن بواسطة الإيمان والمحبة نحو ابن الله نخلّص بجدة الحياة بمعونة الكلمة، بقوله: ” لا تذكروا الأوليات والقديمات لا تتأملوا بها. هأنذا صانع أمرًا جديدًا. الآن ينبت. ألاَ تعرفونه. اجعل في البرية طريقًا في القفر أنهارًا. يمجدنى حيوان الصحراء الذئاب وبنات النعام لأنى جعلت في البرية ماء أنهارًا في القفر لأسقى شعبى مختارى. هذا الشعب جبلته لنفسى، يُحدّث بفضائلى[108]. قبل دعوة الأمم، كانت حياتهم مثل صحراء جرداء، لأن الكلمة لم يكن أتى إليهم ولا الروح القدس قد سقاهم، فالكلمة الذى مهّد طريقًا جديدًا للتقوى نحو الله والبر، هو أيضًا جعل الأنهار (النعمة) تفيض بغزارة ويُسكب الروح القدس بوفرة على الأرض، كما وعد بواسطة الأنبياء، بأنه سوف يسكب الروح القدس في الأيام الأخيرة على الأرض[109].

اكتب شريعتى على قلوبهم:

         90 ـ دعوتنا، إذن، هى فى ” جدة الروح القدس وليس في حفظ عتق الحرف”[110]، وفق نبوة إرميا ” ها أيام تأتى يقول الرب وأقطع مع بيت إسرائيل ومع بيت يهوذا عهدًا جديدًا. ليس كالعهد الذي قطعته مع آبائهم يوم أمسكتهم بيدهم لأخرجهم من أرض مصر حين نقضوا عهدى فرفضتهم يقول الرب. بل هذا هو العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام يقول الرب. اجعل شريعتى في داخلهم وأكتبها على قلوبهم وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لى شعبًا، ولا يعلّمون بعد كل واحد صاحبه وكل واحد أخاه قائلين: اعرفوا الرب، لأن الجميع سيعرفوننى من كبيرهم إلى صغيرهم، لأنى أصفح عن إثمهم ولا أذكر خطيتهم بعد[111].

 

” يثق الإنسان بصانعه”:

         91 ـ سبق لإشعياء أن أشار إلى أن الأمم سوف يُدعون لكى يرثوا هذه الوعود ويأخذوا مكانًا في العهد الجديد، بقوله: ” في ذلك اليوم يثق الإنسان بصانعه وتنظر عيناه إلى قدوس إسرائيل. ولا يلتفت إلى المذابح صنعة يديه ولا ينظر إلى ما صنعتـه أصابعه[112]. هذه الأقوال قيلت بوضوح عن الذين هجروا عبادة الأصنام وآمنوا بالله خالقنا قدوس إسرائيل. وقدوس إسرائيل هو المسيح، الذي ظهر للبشر، والذى إليه تنظر عيوننا، إذ نحن لا نثق بذبائح الأصنام ولا بأعمال أيدينا.

 

” صرت ظاهرًا للذين لم يسألوا عنى”:

         92 ـ الكلمة نفسه كرز بواسطة إشعياء، بأنه سوف يظهر بيننا، وأنه هو نفسه ابن الله، سيصير ابن الإنسان، وأنه سوف يُوجد بيننا نحن الذين لم نكن نعرفه بعد، بقوله: ” صرتُ ظاهرًا لمِنْ لم يسألوا عنى، وُجدتُ من الذين لم يطلبوننى. قلت هاأنذا لأمة لم تسمَ باسمى[113].

 

” أعطيهم قلب لحم”:

         93 ـ وكون أن هذا الشعب سيكون شعبًا مقدسًا فهذا ما تنبأ به هوشع الذى هو من الأنبياء الاثنى عشر: ” سأدعو الذي ليس شعبى شعبى والتي ليست محبوبة محبوبة ويكون في الموضع الذي قيل لهم فيه لستم شعبى أنه هناك يدعون أبناء الله الحى[114]. ونفس الأمر قاله يوحنا المعمدان أيضًا: ” إن الله قادر أن يقيم من الحجارة أولاد لإبراهيم[115]. فإن قلوبنا تحرّرت من عبادة الأوثان ورُفعنا بواسطة الإيمان إلى رؤية الله، وبذلك صرنا أبناء إبراهيم، الذي تبرر بالإيمان. ولذلك يقول الله على فم حزقيال: ” وأعطيهم قلبًا واحدًا وأجعل في داخلكم روحًا جديدًا وأنزع قلب الحجر من لحمهم وأعطيهم قلب لحم لكى يسلكوا في فرائضى ويحفظوا أحكامى ويعملوا بها ويكونون لى شعبًا فأنا أكون لهم إلهًا[116].

         94ـ إذن، بواسطة الدعوة الجديدة تغيّرت قلوب الأمم بواسطة الكلمة الذي تأنس وحلّ بيننا، كما يقول تلميذه يوحنا: ” الكلمة صار جسدًا وحلّ فينا[117]. لهذا فالكنيسة تضم عددًا كبيرًا من المُخلّصين، لأن الذى يخلّصنا ليس شفيعًا مثل موسى ولا ملاكًا (مرسلاً) مثل إيليا بل هو الرب نفسه[118]، وهو الذي أعطى الكنيسة أبناءً أكثر من أبناء المجمع (اليهودى)، كما يقول إشعياء: ” ترنمى أيتها العاقر التي لم تلد أشيدى بالترنم أيتها التي لم تمخض لأن بنى المستوحشة أكثر من بنى ذات البعل قال الـرب[119]، “ العاقر التي لم تلد” هى الكنيسـة التي لم يكـن لديها أبنـاء من قبل، ولهذا ينطبق عليها النبوة: ” اهتفى واصرخى أيتها التي لم تتمخض فإن أولاد الموحشة أكثر من التي لها زوج[120]، أما المجمع القديم فله زوج وهو الناموس.

 

” بأمة غبية أغيظكم”:

         95 ـ ويقول موسى في سفر التثنية، إن الأمم سيصبحون هم “الرأس”، والشعب غير المؤمن هو “الذنب”[121]، ويضيف: ” أهم أغارونى بم ليس إلهًا أغاظونى بأباطيلهم فأنا أغيّرهم بما ليس شعبًا بأمة غبية أغيظهم[122]. حقيقةً لقد هجر اليهود الله الكائن لكى يسجدوا للآلهة الغريبة غير الموجودة، قتلوا الأنبياء وتنبأوا بواسطة بعل[123]، الذي إليه يقدّم الكنعانيون الأصنام، مُهينين ابن الله، الكائن، وأنكروه وفضلوا عليه باراباس، الذي كان لصًا مُدانًا بجريمة القتل، رفضوا الملك الأبدى، لكى يُنادوا بملك وقتى هو قيصر. لأجل هذا سُرَّ الله أن يهب الأمم أن يكونوا شركاء في الميراث، وهم الذين لم يكونوا منتمين لله ولم يكونوا يعرفون مَنْ هو الله. وحيث إن الله منح الحياة بواسطة هذه الدعوة ووهب لنا إيمان إبراهيم، فلا ينبغى أن نرتد إلى الناموس القديم، طالما قبلنا ابن الله الذى هو رب الناموس. وبواسطة الإيمان به علّمنا أن نحب الله بكل قلوبنا وقريبنا كنفسنا. لكن المحبة لله هى بعيدة عن كل خطية، والمحبة للقريب لا تصنع شًرا للقريب[124].

 

” كان الناموس مؤدبًا لنا”:

         96 ـ لذلك فنحن لا نحتاج للناموس كمُربى[125]. نحن أطفال من جهة الشر، لكن أقوياء في كل بر وطهارة، وها نحن نقف أمام الآب ونتحدّث معه. الناموس لا يمكن أن يقول ” لا تزن” لذاك، الذي لا يشتهى حتى امرأة آخر[126]، أو ” لا تقتل” لذاك، الذي نزع من قلبه أى شعور بالغضب والعداوة، و” لا تشتهى حقل قريبك أو ثوره أو حماره” لأولئك الذين لا يهتمون بالأمور الأرضية، بل يكنزون كنوزًا في السماء. ولا يمكن أن يقول ” عين بعين وسن بسن” لذاك، الذي ليس له عدو أبدًا، إنما يعتبر الجميع إخوة، وبالتالى من المستحيل أن يرفع يده للانتقام. الناموس سوف لا يطلب العشور من ذاك الذي كرّس كل خيراته لله وترك الأب والأم والإخوة والأخوات، لكى يتبع الكلمة. الناموس لن يفرض بأن يُحفظ يومًا معينًا لذاك، الذي عنده كل يوم هو كيوم السبت ويحيا في هيكل الله، الذي هو الجسد البشرى، مشغولاً بعبادة الله وممارسًا للبر. فالله يقول: ” أريد رحمة لا ذبيحة ومعرفة الله أكثر من محرقات[127]، أما الإنسان المتعدى على الشريعة ” الذى يذبح ثورًا لى فهو كمن ينحر كلبًا، ومن يُصعد تقدمة دقيق فهو كمن يُصعد دم خنزير[128]. ولكن ” كل مَنْ يدعو باسم الرب يخلص[129].

 

يسوع المسيح خلاصنا:

 ” وليس بأحد غيره الخلاص. لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص[130] إنه اسم يسوع، ابن الله الذي يخضع له حتى الشياطين والأرواح الشريرة والقوات المعادية.

         97 ـ بدعاء اسم يسوع المسيح، المصلوب على عهد بيلاطس البنطى[131]، يهرب الشيطان من البشر. يسوع المسيح يأتى ويبعد الشيطان عن البشر أينما وُجدوا. وحيث إنهم يؤمنون به ويحفظون إرادته ويدعون باسمه، فإنه يحضر معهم ويسمع توسلاتهم وطلباتهم المُوجهة إليه بقلب طاهر. وهو الذي بحكمته غير المتناهية وغير الموصوفة خلّصنا وبشرنا من السماء بالخلاص، بمجيئه بيننا، أى نعمة تجسده. فالبشر لا يستطيعون من أنفسهم أن يحصلوا على هذه النعمة، ولكن غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله. لذا يصرخ إرميا: ” مَن صعد إلى السماء فأمسكها ونزل بها من الغيوم؟ مَن عبر البحر فوجدها وحصل عليها بالذهب الابريز؟ ليس أحد يعرف طريقها ويرغب في سبيلها لكن العالِم بكل شئ يعلمها وبعقله وجدها، وهو الذي جهز الأرض للأبد، وملأها حيوانات من ذوات الأربع. والذي يُرسل النور فيذهب دعاة فأطاعه مُرتعدًا. أن النجوم أشرقت في محارسها وتهللت. دعاها فقالت: ” هاأنذا ” وأشرقت متهللة للذي صنعها. هذا هو إلهنا، ولا يُحسب غيرة تجاهه. اهتدى إلى كل طريق للمعرفة، وجعله ليعقوب عبده وإسرائيل حبيبه. وبعد ذلك رُئيت على الأرض وعاشت بين البشر. هى كتاب أوامر الله والشريعة القائمة للأبد. كل مَن تمسك بها فله الحياة والذين يُهملونها يموتون[132]. ويقصد بيعقوب وإسرائيل، ابن الله الذي أخذ من الآب السلطان لينزل على الأرض لكى ينقل لنا الحياة ويُصاحب البشر البعيدين عن الآب. لقد وَحّد روح الله بخليقة الله حتى أن الإنسان يظل على صورة الله ومثاله (أى التشبه بالله)[133].

         98 ـ أيها الصديق الحبيب، هذه هى كرازة الحق، وهذا هو قانون خلاصنا وهذا هو طريق الحياة. هذه الحقيقة تنبأ عنها الأنبياء، وقد ثبّتها المسيح ونقلها الرسل إلينا وقدّمتها الكنيسة إلى أبنائها[134]. ينبغى أن نحافظ عليها بحرص عظيم، مُرضين الله بأعمال صالحة وبذهن سليم.

         99 ـ لا ينبغى أن يُفهم بأنه يوجد إله آخر غير الله خالقنا، كما يظن الهراطقة[135]، الذين يحتقرون الله، الكائن، ويصنعون من الأصنام آلهة غير حقيقية، ويتمسكون “بأب” آخر أسمى من خالقنا. كل هؤلاء هم غير أتقياء ويجدفون على خالقهم وأبيهم، أيضًا برهنا على هذا في كتابنا ” نقد ودحض المعرفة الكاذبة”[136]. وهراطقة آخرون ينكرون مجيء ابن الله وتدبير تجسده، هذا الإيمان الذي سُلّم بواسطة الرسل وتنبأ عنه الأنبياء من أجل خلاص البشرية، كما أوضحنا هنا بإيجاز[137]. آخرون أيضًا لم يقبلوا عطايا الروح القدس وينكرون الموهبة النبوية، التي بواسطتها يصير الإنسان حاملاً الحياة الإلهية كثمرة. هؤلاء الذين يقول لهم إشعياء: ” لأنكم تصيرون كبطمة قد ذبل ورقها وكجنة ليس لها ماء[138]، هؤلاء لا نفع منهم عند الله إذ أنهم لا يحملون ثمارًا.

         100 ـ إذن، فالضلال المتعلق بالفهم المنحرف للبنود الأساسية لمعموديتنا[139]، يقود الكثيرين بعيدًا عن الحق، لأنهم إماَّ يحتقرون الآب أو لم يقبلوا الابن، رافضين تدبير تجسده، أو لم يقبلوا الروح القدس، أى أنهم احتقروا النبوة. وعلى كل حال ينبغى أن نحترس من هؤلاء الهراطقة ونهرب من أفكارهم والشركة معهم، إذا أردنا أن نُرضى الله حقًا ونحصل على الخلاص.

 

 

ختام المخطوط

شرح الكرازة الرسولية لإيرينيوس

المجد للثالوث القدوس، وللإله الواحد الآب والابن والروح القدس المحامى عن الجميع إلى دهر الدهور آمين

تذكار في الرب للقديس ومثلث البركات

رئيس الأساقفة يوحنا[140]،

ومالك هذا المخطوط

وأخو القديس باسيليوس

وأيضًا حقارتى الكاتب.

[1] تك1:18ـ3.

[2] هذا التفسير أيضًا عند يوستينوس فى حواره مع تريفو Di£logoj 56,22

[3] تك24:19.

[4] نفس الأمر يقوله القديس كيرلس الأورشليمى عن الكلمة فى العهد القديم مؤكدًا أن: [الرب (الكلمة) الذى هو مع الآب، عمل معه فى حالة سدوم أيضًا إذ يقول الكتاب المقدس “فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عند الرب من السماء” (تك24:19)] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقال العاشر، ص201.

[5] يعلق القديس إيرينيوس على قول الرب يسوع لليهود: ” إبراهيم أبوكم تهلل بأن يرى يومى فرأى وفرح” (يو56:8)، قائلاً: [ … وهكذا إبراهيم أيضًا، إذ عرف الآب من خلال الكلمة، الذى ابدع السماء والأرض، اعترف بإلوهيته، وإذ تعلّم باستعلان أن ابن الله سيصير إنسانًا بين البشر، وأنه بمجيئه سيصير نسله كنجوم السماء، اشتهى أن يرى ذلك اليوم، لكى يعانق هو نفسه أيضًا المسيح، وإذ رآه بروح النبوة، تهلّل…] (AH4:7:1).

[6] يؤكد العلامة أوريجينوس على أن المسيح قد افتقد البشرية قبل مجيئه فى الجسد، قائلاً: [لم يكن هناك البتة حقبة زمنية (فى تاريخ البشرية) فيها لم يفتقد المسيح العالم بالخلاص الإلهى، ويعلن عن ذاته لقديسيه. فكلمة الله تجسد وصار بشرًا فى آخر الأزمنة (أى الأزمنة المحددة لاستعلان الخلاص الكامل)، وأعلن عن نفسه فى يسوع المسيح. ولكن قبل هذا المجيء المنظور فى الجسد كان كائنًا، ولكن بدون أن يتخذ هيئة إنسانية (كما اتخذها فى سر التجسد)، فهو الوسيط الدائم بين الله والناس] تفسير إنجيل يوحنا 12:20، PG14, 1297.

[7] أيضًا يفسر القديس كيرلس الأسكندرى ما رآه يعقوب فى حلمه بأن المسيح هو الذى كان جالسًا فى أعلى السُلّم، معتمدًا فى هذا على قول المسيح: ” الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان” (يو51:1) انظر جلافيرا على سفر التكوين المقالة الرابعة تحت النشر.

[8] إش1:66.

[9] إش12:40.

[10] انظر يو8:1

[11] يقول القديس يوستينوس: [ فكلمة الله هو ابن الله، وقد دُعى ملاكًا ورسولاً، لأنه أعلن لنا ما ينبغى أن نعرفه، وقد أُرسل ليكشف كل ما يجب أن يُستعلن، كما قال الرب نفسه: ” الذى يسمع منى يسمع الذى أرسلنى” (لو16:10). ومن كتابات موسى أيضًا يظهر هذا الأمر واضحًا، لأنه مكتوب فيها “وخاطب ملاك الرب موسى من لهيب النار من وسط العليقة قائلاً: أنا الكائن بذاتى، إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب، إله آبائك. انزل إلى مصر واخرج شعبى من هناك“. وإذا أردت أن تعرف ما جاء بعد ذلك، فيمكنك أن تفعل ولكن ما أكثر المكتوب لكى يبرهن على أن يسوع المسيح هو ابن الله ورسوله الذى هو الكلمة منذ القدم، الذى ظهر أحيانًا فى هيئة نار وأحيانًا اخرى شبه ملاك، ولكنه الآن صار إنسانًا، بإرادة الله، من أجل جنس البشر] (ANF Vol. I, p. 184).

[12] خر7:3. راجع القديس إيرينيوس AH4:23:1.

[13] يقول القديس إيرينيوس فى موضع آخر: [ لا يوجد إلاّ إله واحد وحيد: هو الله الآب، وكلمته الفاعلة والحاضرة مع البشرية على الدوام، وإن كان بأنواع وتدابير مختلفة، أو بمعاملات متعدّدة الأشكال، مخلّصًا منذ البدء كل الذين شملهم الخلاص، أى أولئك الذين يحبون الله، والذين بحسب مقتضيات زمانهم ـ يتبعون كلمته..] (AH4:28:2) (SC.100, 758). كما يقول أيضًا بأكثر وضوح: [إن المسيح لم يأتِ فقط لأولئك الذين بدأوا يؤمنون به منذ أيام طيباريوس، والآب لم يفتقد بعنايته الإلهية أُناس اليوم (المسيحيين) فحسب. وإنما رعايته هى لكل البشر بلا استثناء، الذين منذ البدء كانوا، بقدر طاقتهم وإمكانيات عصرهم، يخافون الله ويحبونه، ويمارسون البر والعطف تجاه القريب (كل إنسان)، ويشتهون أن يروا المسيح ويسمعوا صوته] (AH4:27:2) (SC.100, 688).

[14] راجع خر 6:17. 1كو 4:10.

[15] يجمع الآباء على أن نزول الله إلى شعبه لكى يخلّصهم هو إشارة إلى تجسد الكلمة لكى يخلّص الجنس البشرى، فيقول مار افرآم السريانى: [قال الله: إنى نظرت تعب شعبى وضيقهم واستعباد المصريين لهم، ونزلت لكى اخلصهم. الله متعالٍ عن كل كذب، وقوله: “نزلت”، لا يمكن تحقيقه فى الطبيعة الإلهية، لأن الذى لا يسعه مكان ولا يخلو منه موضع ولا نهاية له ولا حدّ، كيف يمكن أن يصِح له نزول؟ لأن المكان الذى يُقال أنه نزل منه هو لم يزل فيه. بل كان هذا القول إشارة إلى تجسده وظهوره على الأرض من أجل خلاص جنس آدم ونجاتهم من استعباد المصريين العقليين، أعنى إبليس وجنوده الذين كانوا يستعبدونهم فى الأعمال الشريرة المُهلكة وبعد ذلك يحدرونهم إلى الجحيم. فتجسد الله الكلمة هو نزول حقيقى، وذلك أن الطبيعة غير المنظورة اتحدَّت فى الأقنوم بطبيعة منظورة. والطبيعة غير المحدودة اتحدَّت بطبيعة محدودة، وصار غير المنظور بالحقيقة منظورًا، وغير المحدود بالحقيقة محدودًا من حيث إنه صار جسدًا. وهذا هو نزول واتضاع حقيقى فعله لخلاصنا] فى تفسيره للخروج، المخطوطة رقم 112هـ بمكتبة اكسفورد.

[16] راجع أيضًا القديس إيرينيوس AH1:1:18. وعن كون أن الابن هو الله، يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [نقول إن الله حقيقى لا يلد إلهًا باطلاً، ولا هو تمعن وبعد ذلك وَلدَ، بل وَلدَ أزليًا بأكثر سرعة من ولادة كلماتنا وأفكارنا، إذ نحن نتكلّم فى زمان ونستهلك زمانًا، لكن بالنسبة للقوة الإلهية، فالميلاد هو بلا زمن…] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقالة الحادية عشر: 14، ص218.

[17] انظر أف18:2 و12:3.

[18] انظر مز6:45ـ7، عب8:1و9.

[19] يعلق القديس كيرلس الأورشليمى على هذه الكلمات مبرهنًا على إلوهية الابن، بقوله: [الرب قال هذا للرب، لا لعبد، بل لرب الكل، ابنه الذى أخضع كل شئ له: ” ولكن حينما يقول إن كل شئ قد أُخضِع فواضح أنه غير الذى أخضع الكل له” وماذا يلى هذا؟ ” كى يكون الله الكل فى الكل“. الابن الوحيد هو رب الكل، لكن ابن الآب المُطيع لم يحصل على لاهوته كأنه لم يكن له بل هو ابن بالطبيعة] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقالة العاشرة، ص203.

[20] مز109 (سبعينية).

[21] إش1:45.

[22] مز7:2ـ8.

[23] راجع الدفاع الأول ليوستينوس 36,2.

[24] إش5:49ـ6.

[25] يشرح القديس كيرلس الأورشليمى ـ بطريقة رائعة وواضحة ـ كيف أن الابن هو الإله الأزلى وكيف أنه بالتجسد صار ابن داود، قائلاً: [ هو ابن داود فى ملء الأزمنة، ولكنه ابن الله قبل الدهور بلا بداية. قد تقَبَل البنوة (لداود) إذ لم تكن له، أما البنوة للآب فهى له سرمديًا. إن له أبان؛ داود حسب الجسد، والآخر أى الله أباه فى اللاهوت (أى بالطبيعة). بكونه ابن داود يخضع للزمن وللتدبير والتنازل النسبى، لكن من جهة اللاهوت فلا يخضع لا لزمان ولا لمكان] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقالة العاشرة ص231.

[26] راجع تك28:32.

[27] انظر باروخ38:3.

[28] إش14:7ـ16.

[29] لقد صار المسيح طفلاً لكى يعيد للأطفال الشركة مع الله، كذلك صبيًا وفتى وشابًا ورجلاً ليعيد ذلك أيضًا للصبيان والفتيان والشبان والبالغين، لذا يقول القديس إيرينيوس: [ فإن المسيح كما قلنا قد وحَّدَ الإنسان مع الله… فقد كان لائقًا أن الوسيط بين الله والناس بحق قرابته الخاصة مع كل منهما، يعيد الألفة والتوافق بينهما ويقدم الإنسان إلى الله ويُظهر الله للإنسان… فإنه من أجل ذلك قد جاء مجتازًا فى جميع الأعمار لكى يعيد للجميع الشركة مع الله] (AH7:18:3).

[30] إش1:61 . لو 18:4.

[31] إش7:66.

[32] إش6:9.

[33] تك26:1.

[34] صيغة الجمع في تك26:1 كحوار داخل الثالوث تشير إليها رسالة برنابا5:5، ورسالة ثيوفيلوس= =الأنطاكى إلى أوتوليكوس18:2. وكيرلس الأسكندرى حوار حول الثالوث ج29:2: [ تعبيرا “لنعمل” وأيضًا “على صورتنا” يدلان على أن المتكلّم ليس شخصًا واحدًا بل أكثر من واحد وأكثر من اثنين]، ويقول القديس كيرلس بوضوح فى موضع آخر متسائلاً: [ فلو كان الله أقنومًا واحدًا بلا تعدد وليس ثلاثة أقانيم فمَنْ الذى كان يتكلم مع مَنْ؟ ويقول له ” نخلق الإنسان على صورتنا“، ولو كان الله أقنومًا واحدًا لقال: ” أخلق الإنسان على صورتى” لكن الكتاب لم يذكر ذلك، ولكن حيث إن صيغة الجمع استخدمت “صورتنا” فإنها تعلن بصوت قوى أن أقانيم الثالوث هى أكثر من واحد] شرح إنجيل يوحنا ج1، المرجع السابق، ص24.

[35] فى تعليقه على قول المسيح لأورشليم: ” كم مرة أردت ان أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا” (مت17:23)، يحدثنا القديس إيرينيوس عن حرية الإنسان قائلاً: [أوضح الرب بقوله هذا الشريعة القديمة لحرية الإنسان، لأن الله منذ البدء خلق الإنسان حرًا. فللإنسان سلطانه على قراره، كما أن له حياته الخاصة، حتى يتمم مقاصد الله بدون قسرٍ من الله لأن الله لا يستخدم القهر، بل هو فى كل الأزمنة يريد ما هو لخير الإنسان، ولهذا فإن تدبيره صالح للكل. لقد زوّد الإنسان بسلطان الاختيار، مثلما زوّد الملائكة به، حتى أن كل من يطيع ينال الصلاح حقًا، الصلاح المُعطى من الله، والمنوط بالبشر الاحتفاظ به. فإن كان هناك حقًا (كما يدعى البعض) مَنْ هم بالطبيعة أشرار ومَنْ هم بالطبيعة أخيار، فلا يكون الأخيار جديرين بالمدح على فعلهم الصلاح، لأنه داخل تركيبهم الطبيعى، ولا الأشرار يكونون مسئولين عن شرهم لأنهم هكذا خُلقوا. ولكن الكل فى الحقيقة لهم نفس الطبيعة، أى سلطان قبول  الصلاح وتنفيذه أو الازدراء وعدم تنفيذه] (AH4:27:1).

[36] عند القديس إيرينيوس نعمة عدم الفساد هى عطية الثالوث القدوس للمؤمن: [ الروح القدس يهيئ الإنسان لاقتبال ابن الله، والابن يأتى به إلى الآب، والآب ينعم عليه بعدم الفساد للحياة الأبدية] AH4:20:5.

[37] إش5:9ـ7.

[38] تك10:49ـ11.

[39] راجع يوستينوس الدفاع الأول 32,3..

[40] نفس هذا المفهوم يؤكد عليه القديس كيرلس الأورشليمى حين علّق على هذه النبوة قائلاً: [بهذا أعطى علامة لمجيء المسيح هو انقطاع الحكم من اليهود. فلو لم يكونوا تحت حكم الرومان لما كان المسيح قد جاء بعد. لو كان لليهود ملك من يهوذا من نسل داود لما جاء المسيح بعد…] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقالة الحادية عشر، ص235.

[41] غاية التجسد عند القديس إيرينيوس هى أن “يمتزج” الإنسان بالكلمة فيصير بذلك ابنًا لله وهذا= =الاتحاد بين الله والإنسان يشبّهه بقبول مزيج الخمر السماوى، فالهراطقة يفحصون شخص المسيح فى ذاته بمعزل عن عمله الخلاصى وبدون تفاعل داخلى مع هذا العمل الخلاصى: [ فباطل هو تعليم الإيبونيين الذين لا يقبلون فى نفوسهم بالإيمان اتحاد الله بالبشرية… فإن هؤلاء الهراطقة يرفضون مزيج الخمر السمائى ويتمسكون فقط بالماء العالمى ولا يريدون أن يقبلوا الإله (الذى جاء) ليمتزج (ليتحد) بهم] (AH5:1:3).

[42] عد 17:24.

[43] انظر مت2:2.

[44] انظر مت 1:2ـ11.

[45] إش1:11ـ10 سبعينية.

[46] إش4:11.

[47] انظر فقرة 3.

[48] عا11:9 ، أع 16:15. عن الخيمة المقدسة التى أمر الله موسى أن يبنيها يؤكد غريغوريوس النيسى أنها تشير ايضًا إلى المسيح، ويتساءل قائلاً: [ ما هى إذن هذه الخيمة “غير المصنوعة بيد”، التى أُظهرت لموسى على الجبل والتى تسلّم رسمها وشاهد ترتيب مثالها الأصلى، حتى يمكن أن يجعل هذه الاية العجيبة التى لم تُصنع بيد بشر مرئية فى هيئة خيمة مصنوعة بيد البشر؟.. فأى حقائق غير مرئية كانت هذه الأشياء (الموجودة فى الخيمة) رمزًا ومثالاً لها؟!.. انطلاقًا من إشارة بولس الرسول الذى أزاح الستار جزئيًا عن السر المكنون فى هذه الأشياء التى بُلغ بها موسى بالرمز مسبقًا عن سر الخيمة التى تشمل الكل، التى هى المسيح، فإنه هو  “قوة الله وحكمة الله”، الذى فى طبيعته الذاتية ليس مصنوعًا بيدٍ بشرية، ولكنه لبس جسدًا مخلوقًا لما صار ضروريًا أن ينصب خيمته بيننا] حياة موسى:2، 170و173.

[49] راجع في 7:2.

[50] ميخا1:5.

[51] مز 10:132ـ12.

[52] هذا النص من زكريا 9:9. راجع مت 5:21، إش11:62.

[53] هذه الفقرة (66) هى مُلخص لفقرات 53ـ65 وأيضًا تمهيدًا للفقرات القادمة (67ـ88).

[54] إش4:53 . راجع 17:8.

[55] إش18:29.

[56] إش3:35ـ6.

[57] إش19:26.

[58] والشهيد يوستينوس يرى أن الله برهّن على العهد الجديد بالتعليم والمعجزات قائلاً: [ لقد برهن الله على هذا العهد بالتعليم والمعجزات، ولذلك آمنا أنه (أى المسيح) هو الناموس الجديد والعهد الجديد. والذين آمنوا به جاءوا من كل الشعوب، وصار لهم رجاء صالح فى الله، وصار هو إسرائيل الروحى الذى من سبط يهوذا ويعقوب وإسحق، وإبراهيم الذى نال البركة وهو غير مختون بل دُعىَّ أب الشعوب، ونحن صرنا الذين أفرزهم الله من الشعوب بواسطة المسيح المصلوب] الحوار مع تريفو10.

[59] إش13:52ـ5:53.

[60] مز14:73.

[61] إش6:50.

[62] مراثى إر3:3.

[63] إش5:53ـ6.

[64] إش53:7.

[65] إش8:53.

[66] إش53:8.

[67] مراثى إرميا20:4.

[68] انظر أع 15:5.

[69] إش1:57ـ2.

[70] إش57:2 (الطبعة البيروتية) ” هلك البار ولم يُبال أحد وأزيل أهل التقوى ولم يفطن أحد بأنه بسبب الشر أزيل البار. لكن السلام سيأتى والسائرون بالاستقامة يستقرون في مضاجعهم“.

[71] مز4:21.

[72] مز6:3(س).

[73] مز 1:2ـ2. راجع أع 25:4ـ26.

[74] مز38:89ـ45.

[75] زك7:13. راجع مت 31:26. مر 27:14.

[76] هو6:10س.

[77] راجع لو6:23ـ12.

[78] هذا المقطع موجود باللغة اليونانية عند يوستينوس فى الحوار مع تريفو 4:74 الذي ينسبه إلى إرميا، ويقول إن اليهود قد حذفوه من نصوصهم العبرية. راجع:

  1. Bénoit, Ecriture et Tradition Chez st. Irénée, in Rev. d’ Hist. Et de philo.= =Religieuses, 1960, No1, p.82.

[79] إش2:65س، انظر رو21:10.

[80] مز17:22.

[81] مز14:22ـ15.

[82] هذا الشاهد مركب من: مز21:22س، مز120:119س، ومز17:22س، ومز14:86س.

[83] تث66:28.

[84] مز18:22.

[85] بشأن هذه النبوة يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [قد يقول آخر: اعطنى علامة أخرى تحققت بدقة. فأقول له: يسوع صُلِب، ولم يكن له سوى لباس واحد وثوب واحد. الثوب اقتسمه العسكر فيما بينهم إلى أربعة أجزاء، أما اللباس فلم يُقسم بينهم، إذ كان يفقد نفعه لو اُقتسم، فطرحوا قرعة عليه كقطعة واحدة… ويقول المزمور: ” اقتسموا ثيابى وعلى لباسى ألقوا قرعة“] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقال الثالث عشر، ص259.

[86] زكريا 12:11، 13، مت10:27 ومن المحتمل أن يكون مصدر إيرينيوس هو إنجيل متى.

[87] انظر مت 1:27ـ10.

[88] مز21:69. مت 34:27. يتأمل القديس كيرلس الأورشليمى التحقيق الواضح لهذه النبوة قائلاً: [ها أنت ترى وضوح النبوة وصفائها! لكن أى نوع من العلقم وضعوه فى فمه؟ أعطوه خمرًا ممزوجًا بمرٍ هذا المر طعمه كالعلقم شديد المرارة. أبهذا تجازى الرب أيتها الكرمة؟! أهذه تقدمتك له ؟! بالحقيقة قال إشعياء فى القديم مولولاً عليك: ” كان لحبيبى كرم على أكمة خصبة. فنقبه ونقى حجارته وغرسه كرمًا سورق.. فانتظر أن يصنع عنبًا (إذ عطش طالبًا عنبًا) فنع شوكًا” (راجع إش1:5و2)] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، المقال الثالث عشر، ص260.

[89] ” مز18:68ـ19.

[90] راجع أع 1:1ـ11.

[91] مز7:24. يعلّق القديس أثناسيوس على هذه الآية من المزمور قائلاً: [ فلم يكن الكلمة نفسه هو المحتاج لانفتاح الأبواب، إذ هو رب الكل ـ فلم تكن مخلوقاته مغلقة فى وجهه هو الذى خلقها ـ بل نحن الذين كنا فى احتياج إلى ذلك (أى إلى انفتاح الأبواب)، نحن الذين حملنا فى جسده الخاص. لأنه قدم جسده للموت عن الجميع، هكذا بنفس هذا الجسد، أعد الطريق للصعود إلى السموات] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 6:35.

[92] مز10:24س.

[93] مز1:110.

[94] مز6:19أ.

[95] مز6:19ب.

[96] يقول القديس كيرلس الأسكندرى: [قد صار الابن حقًا هو الخلاص والبر من الله الآب لأجلنا، إذ هو الحق، وهو الذى تبرّرنا به لأنه انتصر على الموت الذى كان متملكًا علينا منذ القديم، وأعادنا إلى عدم الموت، وأعاد تشكيلنا إلى الحالة التى كانت عليها طبيعتنا منذ البداية] تعليقات لامعة (جلافيرا)، المرجع السابق، الكتاب الشهرى أبريل2005، ص20.

[97] يوضّح القديس إيرينيوس مفهوم هذه المصالحة بأنها إقامة الشركة بين الله والإنسان، حين قال: [لقد فدانا الرب بدمه وبذل نفسه من أجل نفوسنا، وجسده من أجل أجسادنا، وأرسل لنا روح الآب ليقيم الوحدة والشركة بين الله والإنسان] AH5:1:1,10.

[98] إش7:52. راجع رو 15:10.

[99] إش3:2.

[100] مز4:19.

[101] إش22:10ـ23

[102] رو8:13و10.

[103] مت37:22ـ40. يؤكد القديس إيرينيوس على أن شريعة العهد الجديد جاءت لكى تكمّل وتحقق شريعة العهد القديم، وأن الإله الذى نؤمن به هو إله العهدين: [ بما أن الوصية الأولى والعظمى= =فى كل من الناموس والإنجيل، هى تحب الإله من كل القلب، والثانية مثلها، تحب قريبك كنفسك، فإنها تدل على أن واضع الناموس والإنجيل هو واحد. فبما أن مبادئ الحياة الكاملة واحدة فى كلا العهدين، فإنها تشير إلى إله واحد، الذى أوصى بلا ريب بوصايا محدّدة تتناسب مع كل عهد، بينما اعطى تزكيته الخاصة للوصايا الأعظم والأهم التى بدونها لا يمكن أن يكون هناك خلاص لأحد فى كلا العهدين] (AH4:12:3).

[104] إش8:50ـ9، 11:2 .

[105] إش11:2س.

[106] إش15:65ـ16س.

[107] إش9:63س. يشرح لنا القديس كيرلس كيف أن المسيح قد فدانا بدمه أى بذبيحة نفسه قائلاً: [إنه يمارس الكهنوت متخطيًا الناموس، لأنه هو نفسه الذبيحة والحمل الحقيقى، وهو بعينه أيضًا رئيس الكهنة الذى بلا شر وبلا لوم، الذى لا يكهن عن خطايا نفسه لأنه إله فوق الخطية، بل يكهن لكى يبطل خطايا العالم. فقد صار هو نفسه إذن الكاهن الذى يكهن بذبيحة نفسه] تفسير الرسالة إلى العبرانيين1:3، PG74: 969-972.

[108] إش18:43ـ20س.

[109] راجع يوئيل28:2ـ29؛ أع17:2ـ18.

[110] رو6:7.

[111] إر31:31ـ34، عب8:8ـ12. يؤكد القديس يوستينوس على الشريعة الجديدة قائلاً: [ لا يوجد خلاص (بوساطة) موسى أو الناموس مثلكم، ولكن كما قرأت فى الأسفار الإلهية أنه سيكون ناموس (شريعة) جديد أبدى هو نهاية أو كمال الناموس (الشريعة) القديم، وسيكون عهد يفوق العهد السابق، هذا العهد يدعو كل البشر إلى التمسك به، لأنه سيجعل الله نفسه هو الميراث. أما الناموس الذى أُعلِنَ على جبل حوريب فهو قديم ويخصكم أنتم فقط (اليهود)، وأنت تعلم أن القانون الذى يخلف قانونًا قديمًا يلغى القانون القديم، وهكذا ينطبق أيضًا على العهد. أما الناموس والعهد الأبدى فهو ما أعطاه المسيح لنا، وهو عهد جديد بالقبول والإيمان به، ولا يوجد بعده قانون أو وصايا أو فرائض] حواره مع تريفو اليهودى 10.

[112] إش7:17ـ8.

[113] إش1:65، وانظر رو20:10.

[114] رو25:9ـ26، انظر هو1:2و25.

[115] مت19:3.

[116] حز19:11ـ20.

[117] يو14:1.

[118] يعبّر القديس كيرلس عن هذا المفهوم قائلاً: [ لما صار إنسانًا ـ بحسب قول يوحنا إن الكلمة صار جسدًا ـ حينئذٍ جُِعل رسولاً من أجلنا ورئيس كهنة لاعترافنا ليرفع إلى الآب اعترافنا بالإيمان] الكنز فى الثالوث: 21.

[119] إش1:54.

[120] غلا27:4.

[121] انظر تث44:28.

[122] تث21:32. راجع رو 19:10.

[123] انظر إر8:2.

[124] راجع رو 10:13.

[125] هنا يشرح القديس إيرينيوس مدى تفوق شريعة العهد الجديد (النعمة) على شريعة الناموس وهو لا ينادى أبدًا بإلغاء الناموس ووصاياه الأخلاقية، فهى الحد الأدنى ـ بحسب رأيه ـ مقارنة بالحياة الروحية فى المسيح.

[126] انظر خر13:20، ومت27:5و28.

[127] هوشع6:6. راجع مت 13:9، 7:12.

[128] إش3:66.

[129] أع21:2.

[130] أع12:4.

[131] راجع يوستينوس الدفاع الثانى6:6.

[132] هذا النص ورد أيضًا في (AH5:35,1) وهو موجود فى سفر باروخ (29:3ـ104) وهذا النص هو مديح للحكمة.

[133] راجع فقرة 22و55. هدف التأنس بحسب إيرينيوس هو جمع الكل في المسيح  “anakefalaiwsij “ وإحضار الإنسان إلى الحالة الأولى قبل السقوط. وكل ما فقده الإنسان في آدم أى “التشبه” بالله، يمكن أن يكتسبه في المسيح وبالمسيح. هكذا “بحسب الصـورة” و”بحسب المثال ” تؤسس وفق إيرينيوس على الخريستولوجية (أى التعليم عن المسيح) ويشددّ إيرينيوس على أن “بحسب المثال” يتحقق بفعل عمل الروح القدس.

[134] انظر القديس أثناسيوس الرسولى: الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون، المرجع السابق الرسالة الأولى:28.

[135] الهراطقة التي يقصدهم إيرينيوس هم الغنوسيون ومنهم بالتأكيد ماركيون.

[136] الكتاب باللغة باليونانية باسم Elegcoj kai anatrop» tÁj yeudwnÚmou gnèsewj: المعروف بكتاب “ضد الهرطقات”.

[137] هنا يُفهم أن إيرينيوس أراد أن يتحدث في كتابه (ضد الهرطقات) عن اللاهوت أى التعليم عن الله (qeolog…a) أما في عمله الحالى ” شرح الكرازة الرسولية ” عن الخريستولوجية  “cristolog…an “ أى التعليم عن المسيح.

[138] إش30:1.

[139] يقصد قانون الإيمان الذى يقرّ به المقبل على العماد عندما يتجه ناحية الشرق.

[140] يقصد رئيس الأساقفة يوحنا الأخ الأكبر لباسيليوس كليكيا Hetum (1226-1270)، الذي صار أسقفًا عام 1259م ورحل عام 1289م.

 

الكرازة الرسولية ج3 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

الكرازة الرسولية ج2 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

الكرازة الرسولية ج2 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

الكرازة الرسولية ج2 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

 

الجزء الثانى

نص كتاب

”الكرازة الرسولية ” [1]

 

مقدمة:

          1ـ اعرف أيها المحبوب ماركيانوس[2] غيرتك وتقواك نحو الله، التي هى الطريق الوحيد الذى يقود الإنسان نحو الحياة الأبدية، كما أشاركك فرحك وأتمنى أن دخولك للإيمان وثباتك فيه يجعلك حسن القبول عند الله خالقك. ويا ليتنا كُنا معًا لكى يساعد الواحد منا الآخر ونتقاسم أمور هذه الحياة بالأحاديث اليومية في الموضوعات المفيدة. لكن طالما الواحد منا بعيد عن الآخر ـ فى الوقت الحاضر ـ  ولا يمكن أن نتواصل معًا إلاّ بواسطة الكتابة، لهذا أنوى أن أعرض لك كرازة الحق، بإيجاز، لكى تعضدك في الإيمان. وأرسل إليك “مذكرة ملخصة” فى شكل نقاط أساسية حتى تفهم أمورًا كثيرة بواسطة هذا القليل. وهذا العرض الموجز سوف يمدك بمحصلة “عن كل أعضاء جسد الحقيقة”[3] وبراهين العقائد الإلهية. أيضًا سيمكنك أن تقتنى ثمار الخلاص وتُفحم من يعيشون في الضلال. وبواسطة هذا العرض هنا ستتمكن من أن تنقل بأمانٍ تام كلمة مقدسة وبلا لوم إلى أولئك المشتاقين لمعرفة إيماننا.

 

سِر فى الطريق بالإيمان:

ولا يوجد سوى طريق واحد[4] فقط منير بواسطة النور الإلهى، لأولئك الذين يبصرون، أما الذين لا يبصرون، فهم يواجهون طُرقًا مُظلمة متعارضة فيما بينها. إذن، الطريق الأول يقود إلى ملكوت السموات بواسطة اتحاد الإنسان بالله، والطرق الأخرى تؤدى إلى الموت لأنها تُبعد الإنسان عن الله. وبالتالى فمن الضرورى لك ولكل الذين يعتنون بأمر خلاص نفوسهم أن يستمروا في مسيرتهم نحو نور الإيمان بتمسكهم بالإيمان بلا انحرافات وبغيرة وثبات. وإذا تكاسلتم وتوقفتم في الطريق فإنكم تسقطون فى شهوات جسيمة وتضلون وتبتعدون عن الطريق المستقيم[5].

 

 

قداسة الإنسان : النفس والجسد معًا:

          2 ـ إن الإنسان كائن حى مكوّن من: النفس والجسد، لهذا يجب أن يأخذ المرء في اعتباره هذا التكوين، لأنه يمكن أن يأتى السقوط من الاثنين[6]. فقداسة الجسد تتحقق بطرد الرغبات الوضيعة والابتعاد عن الأعمال الشريرة، بينما قداسة النفس تتحقق بسلامة الإيمان[7] بالله بدون إضافة أو حذف. لأن التقوى تذبل وتفسد بواسطة دنس الجسد ونجاسته، كما أن الضلال عندما يتسلّل إلى النفس يُجمّدها ويلوثها وتفقد سلامتها. وعلى العكس فإن التقوى تحفظ بهائها وجمالها طالما أن النفس تُوجد في الحق والجسد يحتفظ بالنقاوة[8].

          فما الفائدة أن يعرف الإنسان الحق بالكلام وهو يلوث الجسد ويسُلّمه إلى الأعمال الشريرة؟ وما الفائدة من قداسة الجسد لو أن الحق غير موجود في النفس؟ لأن هذان الاثنان (النفس والجسد) يفرحان معًا ويحاولان معًا أن يقودا الإنسان إلى حضرة الله. لذا يقول الروح القدس على فم داود: ” طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار[9]، أى مشورة الأمم الذين لا يعرفون الله. فالأشرار هم الأمم الذين لا يعبدون الله الكائن الحقيقى، إذ أن الكلمة أيضًا يقول لموسى: ” أنا هو الكائن[10]. إذن كل الذين لا يعبدون الله الكائن هم “أشرار”. ويكمل فى المزمور قائلاً: “ وفي طريق الخطاة لم يقف“. الخطاة هم الذين، بالرغم من أنهم يملكون معرفة الله، فإنهم لا يحفظون وصاياه بل يستهينون بها. ” وفي مجلس المستهزئين لا يجلس“، وهم الناس المملؤون من الكذب والتعليم الضال وينشرون المرض (الطاعون) ويفسدون لا ذواتهم فقط بل الآخرين أيضًا. إذ أن كلمة “مجلس” تعنى مدرسة أو مكان للتعليم. فكلام المزمور ينطبق على الهراطقة أيضًا الذين “يجلسون في مجلس المستهزئين” ينفثون سموم تعاليمهم فى الذين يسمعونهم.

 

حافظ على قانون الإيمان:

          3 ـ ولكى لا نتعرّض لمثل هذه الأمور لابد أن نتمسك بقانون الإيمان[11] الثابت ونحفظ فى إيمان وصايا الله، ونخافه كرب ونحبه كأب[12].

          إذن فإن حفظ الوصايا يأتى نتيجة للإيمان، لأن ” إن لم تؤمنوا ـ يقول إشعياء ـ فلا تفهموا[13]. فالحق يمنح الإيمان لأن الإيمان مؤسس على الأمور الموجودة حقًا، حتى إننا نؤمن بما هو حقيقى كما هو في الواقع، وإذ نؤمن بما هو موجود حقًا كما هو فعلاً، فإننا نحفظ اعتقادنا ثابتًا من جهة هذه الأشياء.

          إذن، طالما أن خلاصنا يعتمد على الإيمان، فمن الضرورى أن نبذل كل اهتمام لحفظ هذا الإيمان، وأيضًا كى يكون فهمنا لهذا الإيمان فهمًا صحيحًا وحقيقيًا.

 

الله والإنسان

          إذن ما الذي يخبرنا عنه الإيمان كما سُلم لنا من الشيوخ تلاميذ الرسل[14]. فإن الإيمان أول كل شئ يحثنا أن نتذكر أننا قبلنا المعمودية باسم الله الآب ويسوع المسيح ابن الله، الذي تجسد وصلب وقام، وروح الله القدوس، لغفران خطايانا، وأن هذه المعمودية هى ختم[15] الحياة الأبدية وميلادنا الثانى[16] من الله، حتى لا نكون بعد أولاد البشر المائتين، بل أولاد الله الأبدى. وعلينا دائمًا باستمرار أن نعمل لأجل أن نتسامى فوق كل الأشياء المخلوقة، فالكل موجود تحت سلطان الله، وكل ما هو موجود تحت سلطانه عليه أن يعمل لأجله، لأن الله هو رب الكل والكل ينتمى إليه. الله هو ذو السلطان المطلق والكل يأتى منه.

 

الله خلق الكل بكلمته وحكمته:

          4 ـ في الحقيقة، إن كل المخلوقات تستمد بالضرورة بداية وجودها من علة أولى عظيمة، وعلة كل الأشياء هو الله. الكل يأتى منه، أما هو فلم يُوجِده أحد. لذا فإنه من الاستقامة والحق أن نؤمن بأنه يوجد إله واحد، الآب، الذي خلق الكل[17]، وصنع كل ما لم يكن موجودًا من قبل، وهو يحوى “الكل”، هذا الذي هو نفسه غير المحوى من أى شئ. كما أن العالم يدخل في نطاق ذلك “الكل” الذي يحويه الله ومن بين هذا “العالم” الإنسان أيضًا، وبالتالى فإن الله خلق هذا العالم كله.

          5 ـ ويتضح تعليم إيماننا في الآتى: واحد فقط هو الله، الآب، غير مولود، غير منظور خالق الجميع، فوقه لا يوجد إله آخر[18]. ولأن الله هو ناطق فقد خلق كل الأشياء بكلمته. ولأن الله روح ولذلك فقد زيّن كل الأشياء بروحه، كما يقول النبى ” بكلمة الرب صُنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها[19]. وبينما الكلمة يؤسس أى يعطى الكائن جوهره ويمنحه الوجود، فإن الروح يمنح الشكل والجمال لهذه القوات المختلفة، لذا فإنه من الصواب أن يُدعى الابن كلمة الله، بينما يُدعى الروح حكمة الله[20]. لذلك بالصواب أيضًا يقول بولس: ” إله وآب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم[21]. فالآب هو ” فوق الجميع“، والكلمة “بالكل” “ di£ p£ntwn“، طالما أن كل الأشياء بواسطته[22] خُلقت من الله. الروح هو فينا جميعًا ” في كلنا ἐn pάsin hm‹n ” وهو يصرخ ” يا أبا الآب[23].

          كما أنه يمنح الإنسان أن يكون على صورة الله. والروح أيضًا يُظهر الكلمة[24]، لذلك تنبأ الأنبياء عن ابن الله. والكلمة أيضًا متحد بالروح. لذلك فهو يفسر[25] كتب الأنبياء ويُدخل الإنسان إلى الآب.

 

ثلاثة بنود لقانون الإيمان والمعمودية:

          6ـ إن البند الأول من قانون إيماننا، وقاعدة البناء وأساس الخلاص هى أن: ” الله الآب غير المولود، غير المُحوى، غير المرئى[26] إله واحد خالق الجميع”.

          والبند الثانى: هو أن كلمة الله ” ابن الله، يسوع المسيح ربنا، الذي تنبأ عنه الأنبياء[27]، الذى كل شئ به كان[28] وبتدبير الآب في الأيام الأخيرة صار إنسانًا بين البشر[29] وتراءى للكل[30] لكى يُبطل الموت[31] ولكى يجمّع[32] كل شئ ويُظهر الحياة ويصنع شركة بين الله والإنسان”.

          والبند الثالث هو أن: “الروح القدس هو الذي بواسطته تنبأ الأنبياء وتعلّم الآباء بأمور الله، والذي بواسطته دخل الأبرار إلى طريق البر، كما أنه انسكب في الأيام الأخيرة[33] بطريقة جديدة على جنس البشر مجددًا الإنسان لله”[34].

          7 ـ لأجل هذا، فإن المعمودية التي هى ميلادنا الثانى[35] تُجرى على اسم الثالوث[36]، وهى التى تضمن لنا الميلاد الثانى من الله الآب بابنه في الروح القدس[37]. لأن الذين يعتمدون ينالون روح الله الذي يقودهم نحو الكلمة، أى نحو الابن، بينما الابن يأتى بهم إلى الآب الذى يمنحهم عدم الفساد[38]. إذن فبدون الروح لا يمكن أن يرى هؤلاء كلمة الله وبدون الابن لا يمكن لأحد أن يصل إلى الآب، لأننا ننقاد إلى الآب من خلال معرفة الابن[39]، بينما معرفة ابن الله الكلمة تصير بواسطة الروح القدس. كما أن الابن يمنح الروح بحسب ما يريد الآب[40].

          8 ـ والروح القدس يدعو الآب كلّى القدرة ورب القوات، لكى يعلّمنا أن الله هو مبدع السماء والأرض والكون كله، خالق الملائكة والناس ورب الكل، ذاك الذي به توجد وتُحفظ كل الأشياء، إنه الرحوم، والرؤوف، والصالح، والبار، والكامل في المحبة، إله الجميع؛ اليهود والأمم والمؤمنين. ومع ذلك هو أب للمؤمنين أيضًا لأنه في آخر الأزمنة أعطى لهم عهد[41] التبنى. بينما لليهود هو سيد ومُشرِّع، لأنه عبر الأزمنة تناسى البشر الله وابتعدوا عنه وتمردوا عليه فساقهم للعبودية، ونير الناموس يعلّمهم أن لهم رب واحد، خالق وصانع كل شئ، الذي يمنح نسمة الحياة، وله يجب أن نقدم العبادة صباحًا ومساءً. هو البداية الخالقة وهو السيد. هو المعتنى بالكل وفي نفس الوقت هو المُربى، والملك والديَّان، لأنه لا يوجد أحد يمكنه أن يفلت من دينونته سواء يهودى أو أممى ولا خاطئ ولا ملاك. لكن الذين ـ في الوقت الحاضر ـ يرفضون الإيمان بصلاحه فسوف يعرفون قوته في يوم الدينونة، وفق كلمات بولس الطوباوى: ” غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة. ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة الذي سيجازى كل واحد حسب أعماله[42]. هذا هو الله الذي يدعوه الناموس إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب، إله الأحياء. وعلى الرغم من ذلك فإن عظمة وسمو هذا الإله لا تُوصف.

 

عالم الملائكة:

          9ـ والعالم[43] مُحاط بسبعة سموات، هناك تسكن قوات لا تُحصى، وملائكة، ورؤساء ملائكة الذين يتممون واجب العبادة لله كُلى القدرة وخالق الجميع. ليس لأن الله في احتياج[44] (لعبادة الملائكة)، لكن حتى لا يظلوا بلا عمل وبلا فائدة وبلا نفع. وروح الله له فعل متعدد الوجوه، وإشعياء النبى يحصى سبعة أشكال لخدمة الروح عندما يتحدث عن الروح الذي سوف يحل على ابن الله أى على الكلمة في زمن تجسده، لذا ” ويحل عليه روح الرب روح الحكمة روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب[45]، فالسماء الأولى، العليا المحاطة بالسموات الأخرى، هى سماء الحكمة، الثانية هى للفهم، والثالثة للمشورة ـ والرابعة من فوق إلى أسفل ـ هى للقدرة، الخامسة للمعرفة، والسادسة للتقوى، والسابعة ـ التي تمثل قبتنا الزرقاء ـ هى مملوءة من مخافة الروح الذي ينير السموات.

          10 ـ هذا الإله يُمجد بواسطة كلمته الذي هو ابنه الأزلى وبالروح القدس الذي هو حكمة[46] الآب الذى هو أب الجميع. هذان الأقنومان الإلهيان، الكلمة والحكمة لهما في خدمتهما طغمة من الأرواح الملائكية تُدعى الشاروبيم والسيرافيم الذين يمجدون الله بتسابيحهم التي لا تنقطع، وكل ما فى السموات المخلوقة يعطى مجدًا لله، آب الجميع، الذي بكلمته خلق العالم ـ بما فيه ـ الملائكة وأعطى قوانين (نواميس) لكل العالم، حتى أن الجميع يظلون في مكانهم ولا يتجاوزن حدودهم المرسومة لهم بواسطة الله، بل إن كل واحد منهم يتمم العمل المحدد له من قِبَل الله.

 

خلق الإنسان:

          11 ـ أما الإنسان، فقد خلقه بيديه[47] نفسها، آخذًا جزءً رقيقًا ونقيًا من الأرض ثم وحّده بجزء من قوته. بعد ذلك طبع صورته على خليقته[48] حتى يكون مميزًا تمييزًا واضحًا، بأنه مخلوق على صورة الله. ثم وضع الإنسان المخلوق على الأرض لكى يمثل صورة الله فيها[49]. ولكى ينقل الله الحياة إلى الإنسان نفخ في وجهه نسمة الحياة[50]، وهذه جعلت الإنسان شبيهًا بالله[51].

          لقد خُلق الإنسان حرًا وسيدًا[52] وعُين من قِبَل الله لكى يتسلط على كل ما على الأرض. وهذا العالم العظيم المخلوق من قِبَل الله، والذي أُعد قبل خلق الإنسان، أُعطى للإنسان كمسكن له، حتى يحيا متنعمًا فيه[53] ووضع الله، خالق الجميع، داخل هذا العالم خُدامًا، وحدَّد لكل واحد منهم خدمة خاصة. حارس هذا العالم هو الرئيس المدبر رئيس الربوات، ورئيس لأعوانه الآخرين. الخُدام كانوا الملائكة ورئيس الربوات كان رئيس الملائكة.

          12 ـ وإذ جعل الإنسان (آدم) سيدًا على الأرض وكل شئ فيها، فإنه جعله كذلك سيدًا على الكائنات التي كان ينبغى أن تخدمه. ولكن بينما كانت هذه الكائنات الأخيرة في قمة قوتها، كان سيدها أى الإنسان لا يزال صغيرًا، كان طفلاً عليه أن ينمو لكى يحقق كماله[54]. ولكى يمكنه أن يحيا في فرح وهناء، أعدّ الله له أفضل مكان في العالم من حيث توفر الهواء والجمال والنور والغذاء والنبات والثمار والمياه، لم ينقصه شيئًا من مستلزمات الحياة، لذا دُعى هذا المكان الفردوس. هذا الفردوس كان جميلاً وحسنًا، كلمة الله (ابن الله) كان يتمشى هناك باستمرار يتحدث مع الإنسان عن الأمور العتيدة، بل حاول بالحرى أن يوضح له أنه سيكون رفيقًا له ويتحدث ويتحاور معه، وأنه سوف يسكن مع البشر لكى يعلّمهم البر. لكن الإنسان كان طفلاً، لم يكن لديه بعد إرادة ناضجة، لذا خُدع بسهولة من المضلّل.

 

خلق المرأة:

          13 ـ بينما كان آدم يتمشى في الفردوس، أحضر الله أمامه كل الحيوانات وأمره بأن يعطى اسمًا لكل واحد منها، وأعطى آدم اسمًا لكل من الكائنات الحية[55]. وقرر الله أيضًا أن يعطى معينًا للإنسان، إذ يقول: ” ليس جيدًا أن يكون آدم وحده، فأصنع له معينًا نظيره[56]، لأنه من كل الكائنات الحية لم يكن هناك مُعين مساوٍ لآدم ونظير وشبيه له. فمن ثمَّ أوقع الله آدم في سُبات وأنامه. هكذا لكى يكمل الله خليقته، سمح الله لآدم بأن ينام مع أن النوم لم يكن يوجد سابقًا في الفردوس. ثم أخذ الله واحدة (ضلع) من جنب آدم، وأكمل المكان الذي أُخذ منه باللحم، ومن هذا الجنب خلق المرأة وأحضرها أمام آدم. عندما رآها آدم قال: ” هذه الآن عظم من عظامى ولحم من لحمى هذه تُدعى امرأة لأنها من امرءٍ أُخذت[57].

          14 ـ كان آدم وحواء ـ وهذا هو اسم المرأة ـ عريانين ولا يخجلان[58]، لأنهما كانا بريئين وأفكارهما كانت طاهرة كأفكار الأطفال، ولم يكن شئ يدخل في روحهما وعقلهما يسبّب لهما شهوات دنسة ومخزية في النفس، وحَفِظا نقاء وسلامة طبيعتهما، لأنه فى لحظة الخلق نُفخ فيهما نسمة الحياة[59]. ومن ثمَّ، فطالما هذه النسمة كانت باقية تسرى فيهم بقوة، كانت تحمى فكرهما وروحهما من الشر. لذا فقد كانا لا يخجلان عندما يتعانقان ويداعبان الواحد الآخر كالأطفال.

 

ناموس للحياة:

          15 ـ لكن لكى لا يتعاظم الإنسان ولا يهاجمه الغرور[60]، كأن لا رب له، ولكى لا يتصور تصورات خاطئة في علاقاته مع الله، خالقه، بسبب القوة والحرية المحيطين به ويتجاوز حدوده المعينة له، ولكى لا ينزلق بسبب أفكار التعالى ويتمرد على الله، أُعطى إليه ناموس من الله، لكى يعلّمه أن سيده وربه، هو رب الكل. الله وضع له حدودًا معينة، حتى يمكنه أن يظل دائمًا في هذه الحالة، أى غير مائت، لو حفظ وصايا الله، بينما لو ظل غير مؤمن، فسيدركه الموت وسيرجع إلى الأرض التي أُخذ منها. وكانت الوصية هى: “من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت[61].

 

التعدى:

          16 ـ ولكن الإنسان لم يحفظ هذه الوصية، ولا أطاع الله، لكن خُدع من الملاك (الساقط)[62] الذي حسده بسبب العطايا الكثيرة التي أعطاها الله للإنسان، وجلب له الدمار وجعله خاطئًا، مقنعًا إياه أن يخالف وصية الله. بنفس الطريقة، إذ صار الملاك (الساقط) بواسطة الأكاذيب أبًا ومدبرًا للخطية، فإنه طُرد لأنه كان مضادًا لله وصار سببًا في طرد الإنسان من الفردوس. وبواسطة هذا التصرف تمرد وانفصل عن الله ، دُعى فى اللغة العبرية شيطان الذى يعنى المتمرد، وقد دُعى أيضًا إبليس. ثم لعن الله الحية التي كانت إناءً لإبليس، وحلت اللعنة على الحيوان نفسه (الحية) كما على الملاك الذي اختفى فيها أى الشيطان. أما بالنسبة للإنسان، فطرده الله من حضرته، وأسكنه بالقرب من الفردوس، لأن الخطاة لا يُقبلون داخل الفردوس[63].

 

قايين وهابيل:

          17 ـ طُرد آدم من الفردوس وكذلك امرأته حواء، فأتت عليهما أحزان ومصاعب، وحياتهما في هذا العالم سادها حزن شديد وتطلبت عملاً شاقًا. حقيقةً، لقد أفلح آدم الأرض تحت أشعة الشمس، ولكنها أنبتت له شوكًا وحسكًا كعقاب للخطية. بعد ذلك نقرأ ” وعرف آدم حواء امرأته فحبلت وولدت قايين. وقالت اقتنيت رجلاً من عند الرب. ثم عادت فولدت هابيل[64]. لكن الملاك المتمرد (الشيطان)، الذي قاد الإنسان إلى العصيان وجعله خاطئًا وكان هو سبب طرده من الفردوس، لم يكتفِ بهذا الشر الأول، إذ ملأ روح الشر قايين وجعله يقتل أخيه. هكذا مات هابيل، مقتولاً من أخيه، وهذه إشارة بأنه منذ ذلك الوقت فإن بعض الناس سوف يُضطهدون ويُقهرون ويُقتلون، بينما الظالمون سوف يطردون ويقتلون الأبرار[65]. عندئذٍ غضب الله ولعن قايين ونتيجة لهذا، صارت قبيلته من جيل إلى جيل مثل أبيهم (يقصد صاروا قتلة مثل أبيهم قايين). وعوضًا عن هابيل المقتول أعطى الله ابنًا آخر إلى آدم[66].

 

تكاثر الشر:

          18 ـ واتسع الشر وانتشر[67] بلا انقطاع حتى سيطر على كل الجنس البشرى، لدرجة أنه لم يبقِ إلاّ القليل جدًا من الأبرار بينهم. حقيقةً صار هناك زيجات مخالفة على الأرض، ملائكة صنعوا علاقات زيجة مع بنات الناس وانجبوا منهم أبناء، الذين بسبب قامتهم غير المعتادة (في الطول) دُعوا جبابرة[68]. والملائكة أعطوا لزوجاتهم دروسًا للشر، لأنهم علّموهم عن كيفية استخدام الجذور والأعشاب فى أعمال السحر، واستخدام الألوان وتزيين الوجوه، واكتشاف طريقة البحث عن الكنوز، والسحر، والكراهية، والزنى، والشهوات، والإبداعات الشريرة، وأسرار السحر، وكل أنواع التنجيم وعبادة الأوثان، التي هى عداوة لله. كل هذا تفاقم داخل العالم فتزايد تيار الشر بينما البر كان يتناقص.

 

نوح والطوفان:

          19ـ بعد عشرة قرون من خلق الإنسان الأول أرسل الله الطوفان لكى يعاقب العالم، لأنه لم يجد إلاّ بارًا واحدًا فقط هو نوح[69]. وبسبب بره خلّصه مع امرأته وثلاثة من أبنائه وزوجاتهم الثلاثة[70]. وأغلق عليهم داخل الفلك مع كل الحيوانات التي أراها الله لنوح لكى تدخل معه. وعندما سقط هذا السوط المدمر على كل البشر والحيوانات التي وُجدت على الأرض، فإن بذرة الحياة حُفظت في الفلك. وبواسطة الثلاثة أبناء سام وحام ويافث، تكاثر الجنس البشرى من جديد ومنهم أخذ البشر بدايتهم بعد الطوفان.

 

لعنة حام:

          20 ـ أحد الثلاثة وقع تحت اللعنة بينما الاثنين الآخرين نالوا بركة بسبب أعمالهم. فالأصغر منهم المدعو حام أهان أبيه[71] وبسبب السلوك المشين تجاه أبيه أُدين لعدم تقواه واستحق اللعنة التي انتقلت إلى أحفاده، وهؤلاء كانوا يزدادون لعنة كلما انغمسوا في الخطية. وعلى العكس، فإن سام ويافث أخواه بسبب تقواهما كابنين وفيّين تجاه أبيهما أخذا بركة عظيمة. وكانت لعنة الأب نوح الموجهة إلى حام كالآتى: ” فقال ملعون كنعان. عبد العبيد يكون لإخوته[72]. فكان له أبناء وأحفاد كثيرون على الأرض، حتى أربعة عشر جيلاً في منطقتهم، حتى عاقبهم الله وأدانهم. فالكنعانيون والحثيون والفرزيون والحوريون والأموريون واليبوسيون، والجرجاسيون والسدوميون، والعرب والساكنون في فينيقية، والمصريون واللوديميون انحدروا من قبيلة حام[73]، كل هؤلاء وقعت عليهم لعنة الله التي استمرت لمدة طويلة على غير الأنقياء.

 

البركة لسام ويافث:

          21 ـ وكما أن اللعنة تعاقبت على هذه الأجيال الشريرة هكذا أيضًا استمرت البركة للأحفاد المُباركين، كل واحد بدوره. سام، الأول منهم نال بركة بالكلمات الآتية: ” مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبدًا له[74]. نتيجة هذه البركة صار سام يعبد الله سيد الكل. هذه البركة الممتدة ازدهرت حين وصلت إلى إبراهيم، الحفيد المطيع لسام في الجيل العاشر. ولذلك فإن الله أبو الجميع قَبِل أن يُدعى ” إله إبراهيم واسحق ويعقوب[75]، لأن بركة سام امتدت واتسعت ووصلت حتى إبراهيم. بالنسبة لبركة يافث كانت هكذا: ” ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام وليكن كنعان عبدًا لهم[76]. وقد حقق الرب هذه البركة في نهاية الأزمنة، إذ امتدت دعوته حتى الأمم بظهور الرب حسب المكتوب: ” في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم[77]. ليفتح الله ليافث يعنى دعوة الأمم أى الكنيسة، وعبارة ” فيسكن في مساكن سام” تعنى أن يسكن (الأمم) في إرث البطاركة في المسيح يسوع، ويحصلون على حقوق البكورية. هكذا كل واحد نال البركة بنفس الترتيب إذ قَبِل بواسطة أحفاده ثمار البركة[78].

العهد مع نوح:

          22 ـ قطع الله عهدًا بعد الطوفان مع كل الكون خاصةً الحيوانات والبشر ووعد بأنه سوف لا يدمر بالطوفان كل قائم على وجه الأرض مرة أخرى، وأعطاهم علامة: ” فيكون متى أنشر سحابًا على الأرض ويظهر القوس في السحاب. أنى أذكر ميثاقى الذي بينى وبينكم وبين كل نفس حية في كل جسد. فلا تكون أيضًا المياه طوفانًا لتهلك كل ذي جسد[79]. ثم غيّر غذاء البشر، إذ سمح بأكل اللحم، إذ أنه منذ خلق آدم حتى الطوفان تغذى البشر فقط بالخضروات وثمار الأشجار، ولم يكن مسموحًا لهم بأكل اللحم. ولأن الأبناء الثلاثة لنوح يمثلون جذور الجنس البشرى، باركهم الله قائلاً: ” وبارك الله نوحًا وبنيه وقال لهم اثمروا واكثروا واملأوا الأرض. ولتكن خشيتكم ورهبتكم على كل حيوانات الأرض وكل طيور السماء مع كل ما يدب على الأرض وكل أسماك البحر قد دُفعت إلى أيديكم. كل دابة حية تكون لكم طعامًا. كالعشب الأخضر دُفعت إليكم الجميع. غير أن لحمًا بحياته دمه لا تأكلوه. واطلب أنا دمكم لأنفسكم فقط. من يد كل حيوان أطلبه. ومن يد الإنسان أطلب نفس الإنسان. من يد الإنسان أخيه. سافك دم الإنسان بالإنسان يُسفك دمه. لأن الله على صورته عمل الإنسان[80]. صورة الله هى الابن[81]، والذى على صورته خُلِق الإنسان. لذلك ظهر الابن في الأيام الأخيرة[82] لكى يجعل الإنسان، الذى خُلِق على صورته، مشابهًا له[83].

          تكاثر الجنس البشرى المنحدر من الثلاثة أبناء بعد الطوفان، وكانت الأرض لها شفاه واحدة أى لسانًا واحدًا[84].

 

برج بابل:

          23ـ ارتحل البشر وابتعدوا من أرض المشرق ووصلوا إلى بقعة في أرض شنعار[85]. هناك شرعوا في بناء برج، وكان قصدهم أن يرتفعوا بواسطته حتى السماء، تاركين هكذا هذا البرج إلى الأجيال الآتية نصبًا تذكاريًا دائمًا لهم[86]. وعملوا البناء من اللبِن والحُمِر. ومما زاد تهورهم وجرأتهم أنه كان لهم فكر واحد وإرادة واحدة وساعدتهم وحدة اللغة أن يحققوا ما قصدوه. لكن الله إذ لم يَرِد أن يستمر هذا العمل، فإنه بلبل ألسنتهم[87]، بطريقة لا تُمكِّن الواحد من أن يفهم الآخر. هكذا انفصل الواحد عن الآخر وتبدَّدوا على كل وجه الأرض مرتحلين لينزلوا في أماكن مختلفة. وسكنوا في مجموعات حسب لغة كل مجموعة، ومن هنا صارت شعوب كثيرة ولغات مختلفة على الأرض. ثلاث قبائل (أجناس) من البشر سكنوا الأرض: واحدة منها حلّت عليها اللعنة، والاثنين الآخرين نالتا البركة، أعطيت البركة أولاً لسام الذي سكن أحفاده في الشرق وامتلكوا أرض الكلدانيين.

 

 

إبراهيم واسحق ويعقوب:

          24 ـ بعد مرور سنين كثيرة، في الجيل العاشر بعد الطوفان، أراد إبراهيم أن يعلم ما سوف يعود عليه من تحقيق النبوة المعطاة إلى جده، متشوقًا لمعرفه الله الذي ينتظره. وبسبب رغبة نفسه هذه طاف كل العالم باحثًا لعله يجد الله، وعندما نَفَدت محاولات البحث، رحمه الله. إذ بينما كان يطلبه في صمت ظهر الله له معلنًا نفسه بالكلمة كشعاع نور. إذ تحدث إليه من السماء وقال:” اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك[88]. آمن إبراهيم بصوت السماء وبالرغم من أنه كان متقدمًا في العمر إذ كان له سبعون عامًا وكان متزوجًا، خرج من بلاد ما بين النهرين مع امرأته، آخذًا معه لوط ابن أخيه المتوفى. عندما وصل إلى المكان المًسمى اليوم اليهودية والذي كانت تسكنه سبع قبائل من نسل حام، ظهر الله له وقال: ” لنسلك أعطى هذه الأرض[89]، وأخبره بأن نسله سوف يتغرّب في بلاد غريبة، وسوف يكابد شرًا فيها، ويعاني في عذاب وعبودية أربعة قرون وأنه في الجيل الرابع سوف يعود إلى الأرض، التي وُعد بها إبراهيم. وسوف يعاقب الله الأمم التي استعبدت نسله. ولكى يجعل الله إبراهيم عارفًا بمقدار كثرة نسله، دعاه في الليل وقال له: ” انظر إلى السماء وعِد النجوم إذ استطعت أن تعدها. هكذا يكون نسلك[90] ورأى الله أن إبراهيم لم يشك لكن آمن من كل نفسه فشهد له بواسطة الروح القدس قائلاً في الكتاب المقدس: ” فآمن بالرب فحسبه له برًا[91]. كان (إبراهيم) غير مختون، عندما أخذ هذه الشهادة، ثم أُعطِى له الختان كختم للبر الذي حققه بالإيمان إذ كان بعد غير مختون[92]. بعد هذا فإن سارة ـ التي كانت عاقرًا ـ ولدت اسحق، بحسب وعد الله لها وقام إبراهيم فختن إسحق، حسب العهد الذي قطعه الله معه، وإسحق ولد يعقوب[93].

          وهكذا البركة القديمة، المعطاة من البداية إلى سام، انتقلت من إبراهيم إلى اسحق ومن اسحق إلى يعقوب كميراث مُعطى لهم من الروح. لذا دُعى الله ” إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب“. ثم أن يعقوب ولد اثنى عشر ابنًا الذين بأسمائهم سُميت أسباط إسرائيل الاثنى عشر.

 

موسى والفصح والتحرر من العبودية:

          25 ـ لقد اجتاح الجوع في كل الأرض ولم يوجد بعد طعام إلاّ في مصر فقط. عندئذٍ هاجر يعقوب مع عائلته وأتى ليسكن في مصر[94]، وكان عدد المهاجرين خمسة وسبعون. وبعد مرور أربعمائة عام وبحسب النبوة التي أعطيت من قبل[95]، أصبح عددهم ستين ألفًا وستمائة نسمة. ولأنهم كانوا مقهورين[96] من المعاملات السيئة تحت نير العبودية القاسية تنهدوا وصرخوا إلى الله، إله البطاركة إبراهيم واسحق ويعقوب، فأخرجهم الله من مصر بواسطة موسى وهارون[97]، وضرب المصريين بعشرة ضربات. وأرسل فى الضربة الأخيرة الملاك المُهلك الذي قتل كل أبكار البشر والحيوانات[98]، لكنه أنقذ أبناء إسرائيل من الهلاك، معلنًا آلام المسيح فى سرٍ[99]، إذ أمرهم أن يذبحوا حملاً بلا عيب، ويدهنوا بدمه[100] أبواب بيوتهم لينجوا من العقاب. هذا السر يُدعى “فصح”[101]، وهو سبب التحرر. وقد شق الله البحر الأحمر، وقاد أبناء إسرائيل إلى الصحراء بكل أمانة. بينما حكم بالموت غرقًا في البحر على المصريين الذين أرادوا أن يلحقوا بهم[102]. وبهذه الطريقة عاقب الله هؤلاء الذين استعبدوا أبناء إبراهيم ظلمًا.

 

البرية والناموس:

          26 ـ استلم موسى الناموس من الله في الصحراء، أى الوصايا العشرة مكتوبة بإصبع الله على لوحى حجر[103]ـ بإصبع الله أى الروح القدس[104]ـ ثم بعد ذلك سُلّمت وصايا الناموس بواسطته إلى أبناء إسرائيل (ليحفظوها). وصنع موسى بأمر الله خيمة الشهادة وفق المثال الذي رآه وهى شبيهة بالأشياء الروحية وغير المنظورة التي في السموات وهى رمز لصورة الكنيسة[105] ونبوءة عن الأمور العتيدة. وتحتوى الخيمة أوانى للعبادة، والمذابح وتابوت العهد الذي وُضع داخله لوحا الشريعة. وعُيّن هارون وأولاده ككهنة وأُعطِى الكهنوت إلى السبط المنحدر من لاوى. وقد دعى هذا السبط بحسب أمر الله لكى توضع على عاتقه واجبات العبادة داخل هيكل الله، وأُعطى لهم شريعة اللاوى لكى يُظهر لهم الطريقة التى يجب أن يحيا بها الذين يقومون بخدمة الله داخل هيكل الله باستمرار[106].

 

تجسس الأرض، وتذمر الشعب:

          27 ـ عندما اقترب العبرانيون إلى الأرض التي وعد الله بها إبراهيم ونسله، فإن موسى اختار واحدًا من كل سبط وأرسلهم لكى يتجسسوا الأرض والمدن والساكنين فيها. عندئذٍ كشف الله له الاسم العتيد الذي يستطيع وحده أن يخلّص المؤمنين باسمه. ثم عمل موسى كل الترتيبات، واختار هوشع بن نون ودعاه يشوع[107]. ثم بعد ذلك أرسله بكل قوة الاسم مقتنعًا بأنه بقيادة هذا الاسم سوف يرجع إليه المُرسلون سالمين. وعندما رجع المُرسلون من مهمة التجسس حاملين معهم عناقيد العنب، فإن البعض من هؤلاء الاثنى عشر[108] أرعبوا كل الجماعة قائلين لقد رأينا مدنًا عظيمةً محصنةً بأسوارٍ وسكان هذه الأرض هم أبناء عمالقة[109]، لذا من المستحيل أن نأخذ هذه الأرض. عندئذٍ بدأ كل الشعب في البكاء وفقدان الأمل في أن يعطيهم الله القوة، وأن يُخضِع الكل تحت سلطانهم. وأضافوا قائلين بأن هذه الأرض لا تستحق المخاطرة لأجل الاستيلاء عليها. لكن اثنين من الاثنى عشر، يشوع بن نون وكالب بن يفُنّة، وهما ينظران النتيجة السيئة لهذه الأقوال، مزقا ثيابهما متوسلين إلى الشعب ألاّ يفقد شجاعته، لأن الله دفع كل شئ فى أيديهم، وأن هذه الأرض فائقة الخصوبة. لكن بسبب أن الشعب لم يصدقهما وبقى في يأسه، فإن الله غيّر مسارهم وسمح بأن يتوهوا داخل الصحراء كعقاب لهم. ولأن الجواسيس قد ظلوا يتجسسون الأرض لمدة أربعين يومًا، فإنه بالمثل أتاههم أربعين سنة، إذ استبدل الله كل يوم بسنة. حيث لم يكن أحد من المتقدمين في العمر والناضجين عقليًا كان مستحقًا أن يدخل هذه الأرض بسبب عدم إيمانهم، إلاّ الاثنين اللذين شهدا بحق عن الميراث الموعود، وهما يشوع بن نون وكالب بن يفُنّة، أما الذين كانوا صغارًا بعد، فلم يكونوا يميزون بعد يمينهم من شمالهم. وهكذا فإن كل الشعب غير المؤمن انقرض وهلك ومات فى الصحراء تدريجيًا. لكن خلال فترة الأربعين عامًا نما الأطفال وكبروا حتى وصلوا إلى الحد الذي يمكنهم أن يملأوا الفراغ  الناتج عن موت آبائهم.

 

التثنية:

          28 ـ بعد مرور أربعون عامًا، وصل الشعب بالقرب من الأردن وعسكروا أمام أريحا. هناك جمعّهم موسى وقصّ عليهم تاريخ كل ما حدث، إذ روى لهم كل الحوادث المعجزية التي صنعها الله بينهم، وكيف قاد أولئك الذين ترعرعوا في الصحراء حتى أرشدهم إلى مخافة الله وحفظ وصاياه، مستخدمًا تجاه هذا الشريعة التى أُعطيت لهم أولاً بالإضافة إلى ما يمكن ان يُسمى شريعة ثانية. وما يسمى بسفر التثنية الذي يحتوى أيضًا على نبوات كثيرة تشير إلى ربنا يسوع المسيح، وإلى الشعب، وإلى دعوة الأمم وإلى ملكوت الله.

 

أرض الموعد:

          29 ـ عندما وصل موسى إلى نهاية حياته، قال له الله ” اصعد إلى جبل… وانظر أرض كنعان التي أعطيتها لبنى إسرائيل… ومُت في الجبل الذي تصعد إليه وانضم إلى قومك…[110]. مات موسى بحسب كلام الرب، وخلفه يشوع بن نون، الذي عبر الأردن وقاد الشعب إلى أرض الميعاد، الذى طرح ودمر واستعبد الشعوب السبعة التي كانت تسكن هناك. وهناك كانت أورشليم التي صار داود ملكًا عليها وابنه سليمان الذي بنى الهيكل لتكريم الله على مثال خيمة الشهادة، التي صنعها موسى وفق صورة الأشياء السماوية الروحية.

 

الأنبياء:

          30 ـ هنا أرسل الله الأنبياء الذين بإلهام الروح القدس قادوا الشعب إلى إله الآباء، الكلى القدرة، وتنبأوا عن مجيء ربنا يسوع المسيح، ابن الله معلنين أنه سوف يأتى من نسل داود، بحسب الجسد وهكذا يكون المسيح هو ابن داود، الذى هو من خلال سلسلة من الأنساب من نسل إبراهيم، أما حسب الروح فهو ابن الله الكائن أزليًا، مولود من الآب قبل (كل الدهور) وكل الخليقة، ثم ظهر كإنسان في العالم في الأزمنة الأخيرة، فهو كلمة الله الذي يجمع في ذاته كل الأشياء ما في السماء وما على الأرض[111]

 

التجسد:

          31 ـ وهكذا وَحّدَ (اللوغوس المتجسد) الإنسان مع الله وصنع شركة بين الله والإنسان. فلو لم يكن قد أتى إلينا لكان من غير الممكن أن نشترك في عدم الفساد، لأنه لو كان عدم الفساد ظل غير منظور ومخفى عن أعيننا، لما كنا قد انتفعنا بأى شئ. لذلك فإن اللوغوس بواسطة تجسده جعل عدم الفساد منظورًا حتى يمكننا بكل الطرق أن نشترك فيه[112]. ولأن الجميع اقتيدوا إلى الموت بسبب عصيان أبونا الأول، آدم، كان مناسبًا وضروريًا أن يَبُطل نير الموت بواسطة طاعة ذاك، الذي صار إنسانًا من أجلنا. وبسبب أن الموت ساد على الجسد، كان من الضرورى أن يُهزم الموت بواسطة الجسد ويَخلُّص الإنسان من سطوته. وهكذا صار الكلمة جسدًا لكى بواسطة الجسد الذى استعبدته الخطية، يُخلّصنا (المسيح) من الخطية كى لا نعود نُستعبد من الخطية. لذلك أخذ ربنا جسدًا شبيهًا بجسد أبينا الأول، لكى بجهاده ـ  عوضًا عن أبوينا الأولين ـ ينتصر على ذاك الذي في آدم جرحنا جرحًا مميتًا[113].

 

الميلاد العذراوى:

32ـ لكن من أين يكون جسد أبينا الأول؟ ومن أين وُجِد؟   من إرادة وحكمة الله ومن الأرض البكر (العذراء) ” كل شجر البرية لم يكن بعد في الأرض وكل عشب البرية لم ينبت بعد. لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر على الأرض. ولا كان إنسان ليعمل الأرض[114]. أخذ إذن الله طينًا من الأرض، التي كانت بعد عذراء[115]، خلق الإنسان، كبداية للجنس البشرى. وهكذا إذ أراد الرب أن يُعيد الإنسان، اتبع بتجسده هذا التدبير، بأن وُلِدَ من العذراء بإرادة وحكمة الله، لكى يوضح أنه أخذ جسدًا مشابهًا لجسد آدم، وليكون هو الإنسان، الذي كُتب عنه في البداية بأنه خُلِق بحسب “صورة الله ومثاله”.

          33 ـ وكما أنه بسبب عذراء عاصية (حواء) جُرِح الإنسان وسقط ومات، هكذا أيضًا بسبب عذراء مطيعة لكلمة الله أُعيد الإنسان ثانيةً إلى الحياة (الولادة الثانية). الإنسان كان هو الخروف الضال الذي جاء الرب ليبحث عنه على الأرض. لأجل هذا أخذ جسدًا مشابهًا به البشر، مِن هذه (العذراء) التى من نسل داود. حقيقةً، كان ضروريًا أن يتجدّد آدم في المسيح لكى يُبتلع الموت من عدم الموت (الخلود)، وهكذا تصير العذراء (مريم) شفيعة لعذراء أخرى (حواء)[116] وتَمحِى عصيان العذراء الأولى بواسطة طاعتها العذراوية[117].

 

الموت على الصليب:

          34 ـ الخطية التي حدثت بواسطة الشجرة[118]، أُزيلت بواسطة الطاعة على الشجرة التي صُلِب عليها ابن الإنسان، مطيعًا لله، مبطلاً بهذا معرفة الشر ومُعطيًا للبشر معرفة الخير. لأن الشر يتمثل في عصيان الله، أما الخير فهو طاعة الله. لذا يتحدث الكلمة على فم إشعياء النبى معلنًا مسبقًا الأمور العتيدة التي سوف تحدث ـ فالنبى هو الذي يتنبأ بالمستقبل ـ ولهذا فإن الكلمة يقول ” وأنا لم أعاند إلى الوراء لم أرتد، بذلت ظهرى للضاربين وخدى للناتفين وجهى لم أستر عن العار والبصق[119]. هكذا بواسطة الموت، موت الصليب[120] وطاعته غفر العصيان الأول الذى حدث بواسطة الشجرة[121]. لأن كلمة الله كُلّى القدرة، والذي حضوره غير المنظور، هو يمتد حتى يملأ كل العالم، ويستمر تأثيره على العالم كله طوله وعرضه وعلوه وعمقه ـ لأنه بواسطة كلمة الله يوجد الكل تحت تأثير التدبير الخلاصى ـ لقد صُلب ابن الله لأجل الجميع، وطبع علامة الصليب على كل الأشياء. لأنه كان من الضرورى لذاك الذي صار منظورًا أن يُظهر علامة الصليب فى كل الأشياء. وهكذا بواسطته شكله المنظور (على الصليب) يصير تأثيره محسوسًا في كل الأشياء المنظورة. لأن هو الذى ينير “الأعالى” أى السماويات، ويضبط “الأعماق” أى ما تحت الأرض، وهو يمد “الطول” العظيم من المشرق إلى المغرب، ويجمع “العرض” الهائل من الشمال حتى الجنوب، داعيًا البشر[122] المشتتين من كل الأنحاء إلى معرفة أبيه.

 

تحقيق الوعد المُعطى لإبراهيم

          35 ـ المسيح هو ذاك الذي حقق الوعد المُعطى لإبراهيم من قِبَل الله، بأن نسله سيكون كنجوم السماء[123]. فإن المسيح هو الذى حقق الوعد بميلاده من العذراء التي من نسل إبراهيم، وبإظهاره للمؤمنين به “كأنوار في العالم”، وأعطى البر للأمم بالإيمـان مثل إبراهيم. لأن إبراهيم ” آمن بالله فحسب له برًا[124]. هكذا نحن تبررنا بالإيمان لأن   ” البار بالإيمان يحيا[125]. فإن الوعد أُعطى إلى إبراهيم بالإيمان وليس بواسطة الناموس. وحيث إن إبراهيم تبرّر بالإيمان “والناموس لم يُوضع للبار”، هكذا بالمثل نحن لا نتبرر بالناموس، بل بالإيمان الذى شُهِد له من الناموس والأنبياء[126]، هذا الإيمان الذى أعطاه لنا كلمة الله.

 

تحقيق الوعد المُعطى لداود:

          36 ـ هكذا أيضًا حقق الوعد لداود. الله وعده بأنه سيقيم من نسله مَلِكًا أبديًا، ليس لملكه نهاية[127]. هذا الملك هو المسيح، ابن الله، الذي صار إنسانًا، إذ أنه وُلِد من العذراء التي من نسل داود[128]. إذن الوعد المُعطى قد تحقق بواسطة ثمرة رحم العذراء. الملمح الخاص والفريد لهذه الولادة يتمثل في أن الطفل يمثل ثمرة حبل خاص وفريد لامرأة وليس ثمرة مشيئة رجل أو باختلاط دم[129]، بطريقة حتى يُعلن هذا الحدث الفريد والخاص أنه حُبِل ووُلِد بواسطة العذراء، التى من بيت داود، وأنه يملك على بيت داود إلى الأبد وأن ملكه ليس له نهاية.

          37 ـ هكذا دبّر خلاصنا بمجدٍ عظيم، وحقق الوعد المُعطى لآبائنا وأصلح العصيان القديم. إذن ابن الله صار ابن داود وابن إبراهيم وجمع الكل في ذاته، لكى يمنح لنا الحياة. كلمة الله صار جسدًا من العذراء، حتى يُبطل الموت ويُحيي البشر[130]. لأننا (قبله) كُنا مقيدين بالخطية، وكنا خطاة وخاضعين تحت سلطان الموت.

          38 ـ هكذا، فإن الله الآب، الغنى فى الرحمة، أرسل لنا الكلمة[131] لكى يخلّصنا. فجاء في نفس المكان ونفس الوضع الذى كنا فيه، حينما فقدنا الحياة وحطم القيود. أشرق علينا بنوره، فبدّد ظلام السجن وقدَّس ميلادنا وحياتنا، وأبطل الموت، إذ حطّم القيود التي كُنا مقيدين بها. وبقيامته صار البكر بين الأموات[132]، وأقام الإنسان الساقط فى ذاته ورفّعه إلى أعالى السموات، إلى يمين مجد الآب. هكذا سبق ووعد الله بالأنبياء قائلاً: “وأقيم خيمة داود الساقطة[133]، أى الجسد الذى من داود. هذا ما حققه ربنا يسوع المسيح متممًا خلاصنا بصورة مجيدة، إذ أقامنا بالحقيقة وخلّصنا للآب[134]. وإذا لم يقبل المرء وُلادته من عذراء، فكيف يمكن أن يقبل قيامته من بين الأموات؟ لأنه ليس بعجيب ولا غريب على الاطلاق أنه بدون أن يُولد، لا يقوم من الأموات، لأنه فى هذه الحالة سيكون من المستحيل أن نتكلّم عن قيامته، طالما أنه لم يولد وبالتالى لم يمت حتى يقوم، فمَن ليست له ولادة زمنية لا يمكن أن يموت. لأن ذاك الذي لم تكن له بداية كإنسان كيف يمكن أن تصير له نهاية كإنسان؟

 

المسيح متقدِّم فى كل شئ:

          39 ـ إذن، فإن كان لم يُولد، فإنه لم يمت، وإن كان لم يمت، فإنه لم يقم من الأموات[135]، وإذا كان لم يقم من الأموات، فلا يكون الموت قد غُلِب[136]، ولا تكون مملكته قد أُبيدت، فإن كان الموت لم يُهزم فكيف يكون ممكنًا أن نرتفع إلى الحياة، نحن الذين من البداية قد خضعنا للموت؟ وهكذا فأولئك الذين يرفضون خلاص الإنسان ولا يؤمنون أن الله سيقيمهم من الأموات، هؤلاء يحتقرون ولادة ربنا، كلمة الله الذى تجسد لكى يُظهر لنا قيامة الجسد ولكى يكون متقدمًا فى كل شئ. ففى السماء هو البكر في مشورة الآب و”الكلمة” الكامل، الذى يضبط ويحكم الكل، بينما على الأرض، هو بكر[137] العذراء، الإنسان البار، القدوس، الصالح، المُرضِى لله، الكامل في كل شئ، والذي أنقذ جميع الذين تبعوه من الهاوية، إذ هو بكر[138] بين الأموات وهو رئيس الحياة التى من الله[139].

          40 ـ وهكذا فإن كلمة الله متقدم فى كل شئ لأنه هو الإنسان الحقيقى، وهو في نفس الوقت ” عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا[140]، وهو الذى يدعو الإنسان من جديد ليكون له شركة قوية مع الله، لكى بهذه الشركة معه ننال شركة فى عدم فساده[141].

 

الناموس والأنبياء والرسل:

          من ثمَّ فإن ذاك الذي تنبأ عنه الناموس بواسطة موسى وأنبياء الله العلى والقدير، ابن أبى الجميع، الذى به كان كل شئ، وهو الذي تحدّث مع موسى، هذا أتى إلى اليهودية، وحُبِل به بواسطة الروح القدس ووُلِد من مريم العذراء، التى هى من نسل داود وإبراهيم، هو يسوع المسيح الذي تبرّهن أنه هو الذي تنبأ عنه الأنبياء.

          41 ـ يوحنا المعمدان[142]، السابق ومهيئ الطريق، الذي أَعدّ الشعب لقبول كلمة الحياة، شَهَد بأن الذي يستقر عليه روح الله بطريقة منظورة هو المسيح[143]. والرسل بصفتهم تلاميذ للمسيح وشهود لجميع أعماله وتعاليمه، وشهود لآلامه، وموته وقيامته وصعوده إلى السموات، هؤلاء أرسلهم المسيح إلى العالم بعد قيامته ـ مُعضَدين بقوة الروح القدس ـ لكى يدعوا الأمم، ويُظهروا للبشر طريق الحياة، ولكى يحوّلوهم من عبادة الأوثان، والزنى والشراهة والدعارة، ويطهروا نفوسهم وأجسادهم بمعمودية الماء والروح القدس[144]. لقد نقل الرسل الروح القدس إلى المؤمنين، ذلك الروح  الذي أخذوه هم أنفسهم من الرب، وبهذه الطريقة أسسوا الكنائس[145].

 

دعوة الأمم:

          كرز الرسل بالإيمان والمحبة والرجاء، وحققوا ما تنبأ به الأنبياء عن دعوة الأمم[146]. هكذا بواسطة عملهم ساهموا في ظهور رحمة الله التي تتمثل في قبول الأمم ليشتركوا في الموعد الذى أُعطى إلى البطاركة. لقد علّموا الذين قَبلوا كلمة الحق، أن يحبوا الرب ويحيوا في النقاوة والبر والصبر، وهكذا فإن الله سيمنحهم الحياة الأبدية بقيامتهم من الأموات، بفضل ذاك الذي صُلب وقام، يسوع المسيح، الذي أُعطيت له السيادة والمُلك على كل الأشياء، والسلطان على الأحياء والأموات والدينونة. لقد كرز الرسل بكلمة الحق، وعلّموا المؤمنين أن يحفظوا أجسادهم طاهرة لأجل القيامة ويحفظوا أرواحهم من كل دنس.

          42 ـ ولكى يفلح المؤمنون في هذا، يجب أن يبقى الروح القدس[147] متحدًا بهم اتحادًا قويًا، الروح القدس، المُعطى من الله بالمعمودية، ويظل الروح في الذي يأخذه، طالما هو يحيا في الحق، والقداسة والبر والصبر[148]. لأنه بواسطة هذا الروح سوف ينال المؤمنون القيامة، عندما يتحد الجسد من جديد مع النفس بقوة الروح القدس ويدخل إلى ملكوت الله. هكذا تكون ثمرة بركة يافث، أى دعوة الأمم، المُعلنة بواسطة الكنيسة التي تُدخِلهم لكى “يسكنون في بيت سام”، وفق وعد الله.

 

شرح الكرازة حسب الأنبياء:

          تنبأ الروح القدس بواسطة الأنبياء، أن كل هذا سوف يصير هكذا، لكى يؤكد إيمان أولئك الذين يعبدون الله بالحق. لأن كل ما هو غير ممكن إطلاقًا لطبيعتنا وهذا ما يثير عدم الإيمان بين البشر، سبق الله فتنبأ عنه بواسطة الأنبياء. ومن هذه الحقيقة: أن كل ما سبق التنبؤ عنه قبل حدوثه بأزمنة كثيرة تحقق أخيرًا، كما تنبأوا به بدقة مسبقًا، نستنتج أن الله هو الذى أعلن كل هذا مسبقًا لأجل خلاصنا.

 

الابن كان فى البدء مع الآب:

          43 ـ يجب أن نؤمن بالله في كل شئ لأنه صادق فى كل شئ. ويجب أن نؤمن بابن الله الذي هو كائن ليس فقط قبل زمن مجيئه إلى العالم، بل وقبل خلق العالم. فموسى، الذي هو الأول تنبأ، مُعبِّرًا باللغة العبرية قائلاً: “في البدء كان الابن، ثم خلق السماء والأرض”[149]. هذا ما يؤكده النبى قائلاً: ” قبل نجمة الصبح ولدتك واسمك قبل الشمس[150] أى قبل خلق العالم، طالما أن النجوم خُلقت في نفس الوقت مع العالم. هذا النبى يقول: ” طوبى، للذي كان قبل أن يصير إنسانًا[151]. فبالنسبة لله كان الابن موجودًا في البدء، فهو الذى خلق العالم، أما بالنسبة لنا فهو يُعتبر موجودًا الآن منذ اللحظة التى أُعلن فيها لنا، لأنه قبل ذلك لم يكن موجودًا بالنسبة لنا نحن الذين لم نكن نعرفه. لذلك فإن تلميذه يوحنا يخبرنا عن من هو ابن الله، الذى كان عند الله قبل خلق العالم، وأن به خُلق الكل، إذ يقول: ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان[152]، مظهرًا بوضوح، أن الكلمة الذى كان في البدء[153] عند الآب والذى به خُلِقت كل الأشياء، هذا هو ابنه.

 

[1] يذكر يوسابيوس المؤرخ الكنسى عنوان هذا العمل هكذا ” في (e„j) شرح الكرازة الرسولية” (تاريخ الكنيسة 1:26:5)، لكن لا يبدو أن (e„j) هى ضمن العنوان القديم لهذا العمل. كلمة epˆdeixij في اللاتينية ostensio وهى تعنى عند إيرينيوس عرض أو شرح تعليم الحقيقة. هذا العنوان موجود في الترجمة الأرمينية القديمة وبحسب اليونانية هو ” برهان أو شرح الكرازة الرسولية” وللسهولة سوف نشير إليه بعنوان “الكرازة الرسولية”.

[2] ماركيانوس المرسل إليه هنا هو غير ماركيون أحد أشهر الهراطقة الغنوسيين فى القرن الثانى.

[3] تعبير “جسد الحقيقة” sîma t»j alhqeˆaj تعنى الكرازة الرسولية والتي تمثل تعليم وعظى كامل، محتواه الإيمان المُسلّم للرسل القديسين من قِبل المسيح الذى تحققت فيه كل نبوات العهد القديم.

[4] يشرح لنا القديس أغسطينوس كيف أن المسيح هو “الطريق” قائلاً: [ المسيح هو “الطريق” الذى علينا أن نتبعه ونهتدى به، وهو فى نفس الوقت الهدف الذى نسعى لبلوغه] PL38, 1206.

[5] راجع (أم 18:4، 28:12، رسالة برنابا 1:18، ديداخى1).

[6] أى العنصر المادى: الجسد، والعنصر غير المادى: النفس، وهذه النفس تنال الروح من الله كما يعلّم القديس إيرينيوس (انظر تعليم القديس إيرينيوس عن الإنسان فى المقدمة).

[7] هنا يربط القديس إيرينيوس الإيمان المستقيم للنفس بالسلوك المقدس للجسد، أى بين قداسة النفس وقداسة الجسد. فالهرطوقى لا يسلك بنقاوة لأن نفسه تؤمن بإيمان غير مستقيم. وهنا نتذكر تعبير: أرثوذكسية العقيدة وارتباطها بأرثوذكسية السلوك العملى.

[8] هنا نتذكر صلوات سر مسحة المرضى التى تؤكد على أن الله هو الطبيب الذى يهتم بشفاء نفوسنا وأجسادنا، إذ يصلى الكاهن قائلاً: ” يا الله الآب الصالح طبيب أجسادنا وأرواحنا، الذى أرسل ابنه الوحيد يسوع المسيح ليشفى كل الأمراض وينقذ من الموت. أشف عبدك من أمراضه الجسدية. وامنحه حياة مستقيمة، ليمجد عظمتك ويشكر إحسانك وتكمل مشيئتك من أجل نعمة مسيحك” صلوات الخدمات فى الكنيسة القبطية، إصدار مكتبة المحبة، ص 159. والقديس أغناطيوس الأنطاكى يعظ قائلاً: [يوجد طبيب واحد نفسى وجسدى… يسوع المسيح ربنا] (ΒΕΠΕΣ2, 265). ويؤكد العلاّمة أوريجينوس فى تفسيره لسفر أيوب: [ إن المسيح أتى من السموات ليشفينا من الأمراض المستعصية، والتى ما كان لنفوسنا أن تُشفى منها بدونها] (ΒΕΠΕΣ15,287).

[9] مز1:1.

[10] خر14:3.

[11] راجع ضد الهرطقات. يقصد بقانون الإيمان هو الإيمان الذى تسلمناه وقبلناه فى المعمودية.

[12] راجع Kuprianoà, De Oratione, 15.

[13] إش9:7س.

[14] يعطى إيرينيوس أهمية كبرى لأصالة وشهادة الشيوخ الذين كانوا حاملين للتقليد الرسولى. وكشيوخ يصفهم أحيانًا بالتلاميذ المباشرين للرسل (AH5:5:1) وأحيانًا تلاميذ بوليكاربوس (AH3:3:4).

[15] يقول القديس كيرلس الأورشليمى عن المعمودية: [ إنها حدثٌ عظيم، فداء المأسورين، غفران الخطايا، فناء الخطية، ولادة ثانية للنفس، لباس النور، الختم المقدس الذى لا يُمحى، نعمة التنبى] PG33, 360A. والقديس غريغوريوس اللاهوتى يخبرنا بقائمة مُماثلة من الألقاب عن المعمودية: [المعمودية هى شركة اللوغوس، تحطيم الخطية، مركبة نحو الله، مفتاح لملكوت السموات، لباس عدم الفساد، حميم الميلاد الثانى، الختم] PG36, 361C.

[16] انظر تي5:3ـ6.

[17] راجع الراعى هرماس، الرؤيا الأولى I:6، III:4، الآباء الرسوليون، عربه عن اليونانية مطران حلب إلياس معوض، منشورات النور، 1970، ص174، 176.

[18] راجع الحوار مع تريفو6:5 أيضًا انظر ضد الهرطقات1:1:1، 3:28:1.

[19] مز6:33

[20] راجع AH2:47:2, 3:28:2.

[21] أف6:4 راجعAH4:34::2, 5:18:1 . نفس هذه الآية يستخدمها أيضًا القديس أثناسيوس فى رسائله عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون، قائلاً: [فالآب بالكلمة فى الروح القدس يعمل كل الأشياء، وهكذا تُحفظ وحدة الثالوث القدوس سالمة. وهكذا يُكرز بإله واحد فى الكنيسة ” الذى على الكل وبالكل وفى الكل” (أف6:4). “على الكل” كأب، وكبدء، وكينبوع، “وبالكل” أى بالكلمة. “وفى الكل” أى فى الروح القدس، هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام بل بالحق والوجود الفعلى] رسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون، ترجمة د. موريس تاوضروس ود. نصحى عبد الشهيد، مركز دراسات الآباء، القاهرة1994، الرسالة الأولى: 28 ص83.

[22] أيضًا القديس أثناسيوس فى كتابه “تجسد الكلمة” يؤكد فى الفصل الأول على أن [الآب الصالح يضبط كل الأشياء بالكلمة، وأن كل شئ به وفيه يحيا ويتحرك] تجسد الكلمة1:1 ترجمة د. جوزيف موريس، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة2002، أيضًا انظر3:3، 1:17، 4:42ـ6، وضد الوثنيين 1:41.

[23] غلا6:4

[24] وشرح القديس أثناسيوس هذا الأمر فيما بعد قائلاً: [الروح القدس لا يمكن أن يكون ملاكًا ولا مخلوقًا على الإطلاق، بل هو خاص بالكلمة] رسائل عن الروح القدس إلى الأسقف سرابيون، المرجع السابق، الرسالة الأولى: 27.

[25] إيرينيوس ينسب إلهام الأنبياء إلى الروح القدس (الكرازة الرسولية6و9و40و100)، وأيضًا ينسبه إلى اللوغوسAH4:34:4، انظر أيضًا الكرازة الرسولية73.

[26] هى نفس التعبيرات الواردة فى القداس الغريغورى: [أيها الواحد وحده الحقيقى. الله محب البشر الذى لا يُنطق به. غير المرئى، غير المُحوى، غير المبتدئ، غير الزمنى، الذى لا يُحد. غير المفحوص، غير المستحيل، خالق الكل، مخلّص الجميع] الخولاجى المقدس، لجنة التحرير والنشر لمطرانية بنى سويف والبهنسا، الطبعة الثالثة1710ش، 1993م، ص469.

[27] انظر 1بط10:1ـ12.

[28] انظر يو3:1 ويقول القديس كيرلس الأسكندرى: [الله المُبدع الأعظم خلق بواسطة ابنه كل المخلوقات لأنه مكتوب:” كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان“] (تعليقات لامعة “جلافيرا” المقالة الأولى على سفر التكوين،الكتاب الشهرى نوفمبر 2003، ص10، ترجمة د. جورج عوض.

[29] انظر يو14:1.

[30] وقد شرح القديس أثناسيوس فى كتابه “تجسد الكلمة” فصل43، السبب الذى جعل الكلمة يصير إنسانًا بين البشر، قائلاً: [ إن الرب لم يأتِ لكى يتظاهر أو يستعرض نفسه، بل جاء لكى يُشفي ويعلّم أولئك الذين هم تحت الآلام] (1:43) ص124، وهكذا تراءى للكل لا لكى يبهر الأنظار لكن لأن الإنسان وحده هو الذى أخطأ دون سائر المخلوقات.

[31] يشرح القديس أثناسيوس باستفاضة هذا الأمر فى كتابه “تجسد الكلمة” قائلاً: [وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلاً لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقط بذل نفسه للموت عوضًا عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر، أولاً: لكى إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يُبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد استُنفد فى جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر (المماثلة لجسد الرب). ثانيًا: وأيضًا فإن البشر الذين رجعوا إلى الفساد بالمعصية يعيدهم إلى عدم الفساد ويحييهم من الموت بالجسد الذى جعله جسده الخاص، وبنعمة القيامة يبيد الموت منهم، كما تبيد النار القش] تجسد الكلمة4:8 ص22.

            أيضًا يؤكد القديس كيرلس الأسكندرى على إبطال الموت بواسطة الابن قائلاً: [ عندما سقط الإنسان بعصيانه واستُعبِد لقوة الموت وفقد كرامته القديمة أعاده الآب وجدَّده إلى الحياة الجديدة بالابن كما كان فى البدءِ. وكيف جدَّده الابن؟ بموته بالجسد ذبح الموت وأعاد الجنس البشرى إلى عدم الفساد عندما قام من الموت لأجلنا] قيامة المسيح، للقديس كيرلس عمود الدين، تفسير يوحنا20، ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة 2003، ص27.

[32] الكلام هنا عن المصطلح الذى فضّله القديس إيرينيوس واقتبسه من الرسول بولس (أف10:1)، وهو “إنجماع (ανακεφαλίωση) الكل فى المسيح”. ويشرح أيضًا القديس كيرلس هذه الآية فى كلامه عن آدم فى كتابه “تعليقات لامعة” (جلافيرا) قائلاً: [إن بولس العارف الحقيقى للناموس قد فهم سر الخلاص بواسطة المسيح، إذ قال إنه فى شخص المسيح صار إنجماع (أف10:1) ما فى السموات وما فى الأرض، وفق محبة الله الآب وإرادته، موضحًا بكلمة إنجماع أنه قد حدثت عملية إصلاح للكل، كما ارتقت الطبيعة التى طالها الفساد إلى الحالة التي كانت عليها فى بداية الخليقة] (الكتاب الشهرى نوفمبر 2003، ص10).

[33] انظر يوئيل29:2، أع18:2.

[34] انظر الرسائل عن الروح القدس للقديس أثناسيوس، المرجع السابق، ص72، كما يخبرنا القديس كيرلس الأسكندرى بكل وضوح عن عمل الروح القدس فى تجديد الإنسان فى شرحه ليوحنا22:20ـ23: ” ولما قال هذا نفخ وقال لهم: اقبلوا الروح القدس…“، قائلاً: [ولكى نعلم أنه هو الذي في البدء خلقنا وختمنا بالروح القدس، لذلك يمنح مخلّصنا الروح القدس من خلال العلامة المنظورة أى “نفخته” للرسل القديسين لأنهم باكورة الطبيعة البشرية المجددة. وكما كتب موسى عن الخلق الأول أن الله نفخ في أنف الإنسان نسمة الحياة، يحدث نفس الشئ الذي حدث في البدء عندما يجدّد الله الإنسان وهو ما يسجله يوحنا هنا. وكما خلق الإنسان في البدء على صورة خالقه. كذلك الآن بالاشتراك في الروح القدس يتغير إلى صورة خالقه ويصبح على مثاله] قيامة المسيح، المرجع السابق، ص27.

[35] انظر يو3:3.

[36] هنا نعمة الميلاد الثانى تُمنح باسم الثالوث، وهذا التقليد يعرفه القديس أثناسيوس وينبه على خطورة إنكار أحد الأقانيم الثلاثة قائلاً: [ لأنه كما أن الإيمان بالثالوث ـ المُسلم إلينا ـ يجعلنا متحدين بالله، وكما أن ذلك الذى يستبعد أى واحد من الثالوث ويعتمد باسم الآب وحده، أو باسم الابن وحده، أو باسم الآب والابن بدون الروح القدس، لا ينال شيئًا، بل يظل غير فعّال وغير مكتمل… هكذا ذلك الذى يفصل فليس له الاب ولا الابن بل هو بدون إله، وهو أشر من غير المؤمن، ويمكن أن يكون أى شئ إلاّ أن يكون مسيحيًا]. الرسائل عن الروح القدس، المرجع السابق، الرسالة الأولى: 30، ص85ـ86.

[37] هكذا يعبّر القديس إيرينيوس عن التقليد الكنسى الذى استمر مع الآباء الذين اتوا بعده بخصوص أن الآب يفعل كل شئ بالابن فى الروح القدس، انظر القديس أثناسيوس على سبيل المثال، عندما= =شدد على وحدة عمل أقانيم الثالوث فى سياق شرحه لآية: ” نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس مع جميعكم” (2كو13:13)، حين قال: [لأن هذه النعمة والهبة تُعطى فى الثالوث من الآب بالابن فى الروح القدس. وكما أن النعمة المُعطاة هى من الآب بالابن، هكذا فإنه لا يكون لنا شركة فى العطية إلاّ فى الروح القدس] الرسائل عن الروح القدس، المرجع السابق، الرسالة الأولى ص 31.

[38] هنا يشرح القديس إيرينيوس عمل الثالوث فينا بوضوح، فالروح يقودنا إلى الابن، والابن يأتى بنا إلى الآب الذى يمنحنا عدم الفساد. راجعAH4:34:5.

[39] انظر يو6:14.

[40] يؤكد القديس كيرلس على هذه الحقيقة فى سياق حديثه عن إلوهية الابن وأنه واحد مع الآب فى الجوهر: [إذن فطالما أن كل عطية صالحة تأتى من فوق، من الآب وتوزع بواسطة الابن، الذى له السلطة الإلهية وليس كخادم، فبأى طريقة إذن لا يكون واحدًا فى الجوهر مع الآب الذى ولده، بمعنى كيف لا يكون إلهًا بالحق، وليس مزينًا من الخارج بكرامات مثل اللوحات المرسومة] حوار حول الثالوث، للقديس كيرلس عمود الدين، (الجزء الثانى ـ الحوار الثالث)، ترجمة د. جوزيف موريس، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة 2005، ص 73ـ74. وفى الحوار السابع يشرح القديس كيرلس عمل الروح القدس قائلاً: [ أليس هو الروح الذى ينقش صورة الله فينا، وهو الختم الذى يصنع فينا البر والجمال الفائق للعالم؟ قد يقولون: بلى، ولكن ليس باعتباره إلهًا، بل كموصل لنعمة إلهية فقط، فليس هو بنفسه الموسوم فينا، بل “نعمة” من خلاله. إذن، فإن كان الأمر كذلك، فكان ينبغى أن يُدعى الإنسان لا صورة الله بل صورة النعمة!] ΕΠΕ9, ΒΥΖΑΝΤΙΟΝ..

[41] مصطلح عهد Diαq»kh نجده في AH3:11:5, 3:18:1, 4:56:2, 5:9:4, 5:3:1.

[42] رو4:2ـ6.

[43] بدايةً من هذه الفقرة ينتقل القديس إيرينيوس من الكلام على الله (Θεολογία) ثيولوجيا إلى “الكلام عن العالم” (Κοσμολογία) الكوزمولوجيا. عن عدد السموات عند الغنوسيين انظر AH1:1:9, 1:19:1.

[44] يشرح لنا القديس غريغوريوس اللاهوتى سبب خلقة الملائكة قائلاً: [كان يجب أن يُسكب الصلاح وينتشر خارج ذاته، لكى يكثر الذين ينالون من إحسانه.. لذلك فإن الله فكر أولاً فى خلقة الملائكة والقوات السماوية] ثيوفانيا: ميلاد المسيح، ترجمة الدكتور نصحى عبد الشهيد، دكتور جورج عوض، المركز الأرثوذكسى للدراسات الابائية، يناير 2004، ص20.

[45] إش2:11.

[46] ينفرد القديس إيرينيوس بوصف الروح القدس بحكمة الله، الأمر الذى لا نجده فى كتابات الآباء بعد ذلك، انظر AH4:7:4.

[47] يقصد الابن والروح القدس، لأن القديس إيرينيوس ينفرد بتسمية الابن والروح القدس بيدى الله، الأمر الذى لا نجده أيضًا فى كتابات الآباء بعد ذلك انظر AH5:6:1، انظر أيضًا تعليم القديس إيرينيوس عن الثالوث فى المقدمة.

[48] نفس هذا المعنى نجده فى القداس الغريغوري: ” وكتبت فىَّ صورة سلطانك”، الخولاجى المقدس، المرجع السابق، ص478. يقول أيضًا القديس إيرينيوس موضحًا مفهوم “الصورة” و”الشبه”: [“الصورة” تتضمن المواهب الطبيعية، وعلى الأخص العقل وحرية الإرادة، وهذه لا يمكن أن تُفقد. و”الشبه” فائق للطبيعة وهو اقتناء الكلمة وشركة الروح، وهذا فقده آدم واسترجعه المسيح] (AH5:6:1).

[49] راجع تك26:1ـ27 . 1كو 7:11.

[50] انظر تك7:2. نفس الأمر يقوله القديس كيرلس الأسكندرى: [ الله الاب فى البدء بكلمته أخذ من تراب الأرض ـ كما هو مكتوب ـ وخلق الإنسان كائنًا حيًا له نفس عاقلة حسب إرادته وأناره بنصيب من روحه ” ونفخ فى أنفسه نسمة حياة” (تك7:2)] قيامة المسيح، للقديس كيرلس الأسكندرى، المرجع السابق، ص27.

[51] يتحدث القديس كيرلس الأسكندرى عن تميّز خلقة الإنسان عن سائر المخلوقات قائلاً: [فقد مضى في خلق الإنسان وجعل خلقته أسمى منها جميعًا، على الرغم من أن كل المخلوقات الأخرى صنعها بكلمته. ولأن الإنسان يعتبر وجودًا حيًا وعبقريًا بالحقيقة وشبيهًا جدًا بالله، وحتى لا يُعتبر أن هذا الذى كان شبيهًا جدًا بالمجد السماوى خُلِق بنفس الطريقة التى خُلِقت بها المخلوقات الأخرى التى لم تكن هكذا، كرّم خلقته وذلك بإرادته الإلهية فقط، وعلى الرغم من أنه قد خلقه من الطين، إلا أنه كائن حى عاقل ونفخ فيه مباشرة روح خالدة ومحيية، لأنه مكتوب: ” ونفخ فى وجهه نسمة حياة فصار آدم نفسًا حية” (تك7:2)] تعليقات لامعة (جلافيرا) نوفمبر 2003، ص13. وفى موضع آخر يقول القديس كيرلس: [ فالله قد خلق الإنسان، ذلك الكائن الحى، بطبيعة خاصة به كإنسان، مانحًا إياه غنى التشبع به. إذ قد رُسمت صورة الطبيعة الإلهية فى الطبيعة البشرية بنفخة الروح القدس. وحيث الله هو الحياة ـ بحسب الطبيعة ـ لذلك فهو يعطى نسمة الحياة] (السجود والعبادة بالروح والحق، الجزء الأول، ترجمة دكتور جورج عوض، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، القاهرة 2001، ص28).

[52] يقول القديس كيرلس بهذا الشأن: [وبعد أن وضعه فى الفردوس وأعطاه السيادة على كل المخلوقات الأرضية، وجعله سيدًا على كل أنواع الكائنات التى تحيا فى المياه والطيور، وأخضع له الوحوش المفترسة ومعها أجناس الحيات السامة، وألزمها بنواميس طبيعية أن تهابه، أصبح الإنسان يمثّل المجد الأسمى على الأرض وصورة للسيادة الملائمة لله] تعليقات لامعة (جلافيرا) نوفمبر 2003، ص13. وفى موضع آخر يقول القديس كيرلس: [ لا ينبغى أن يشك أحد فى أن الإنسان قد جاء إلى الوجود ليس لأجل أعمال مخزية بل لأجل عمل كل ما هو ممدوح، بما أنه ثمرة إبداع الله الصالح. ولكن تظل الحقيقة قائمة أنه قد خُلق سيدًا لنفسه وحرًا، وقادرًا على التحرك بواسطة قوة إرادته الخاصة نحو أى اتجاه يختاره سواء كان خيرًا أو شرًا] ضد يوليانوس الجاحد (PG76, 925). راجع أيضًا qeof…lou Antioce…aj, prÒj AutÒlukon 2,27.

[53] قال بعد ذلك غريغوريوس النزينزى أن الله خلق أولاً القصر ثم بعد ذلك أدخل الملك (الإنسان) فيه. Lόgoj MD/ eij t»j kain» kuriak»n, 84, P.G. 36, 612.

[54] راجع  AH4:62,63, 1 kai qeof…lou Antioce…aj prÒj AutÒlukon 2,25.

ففكرة أن الإنسان الأول كان طفلاً من جهة النضوج فى الإيمان ينفرد بها القديس إيرينيوس الذى أراد أن يشدّد على أن الإنسان الأول كان مدعوًا لمسيرة نحو الكمال. هذه الدعوة تحدث عنها القديس باسيليوس الكبير الذى نادى بأن الهبات الإلهية ترمى إلى إصعاد الإنسان إلى حالة الكمال، أى الصعود من الخلق بـ”حسب الصورة” إلى “حسب المثال”، بمعنى تحقيق كل إمكانيات الصورة. وهذا الصعود مستمر ودائم مثل عطايا الله التى هى دائمة ومتجدّدة بالروح القدس (انظر القديس باسيليوس الكبير، الله ليس مسببًا للشرور، PG31. 345، لاحظ نفسك PG31. 212B-213A، أيضًا عن الروح القدس PG32: 109BC.

[55] راجع تك19:2.

[56] تك18:2.

[57] تك23:2.

[58] تك25:2.

[59] انظر فقرة 11.

[60] نفس الفكر قاله القديس كيرلس بعد أكثر من 200 سنة: [ولأن هذا الإنسان الذى وصل الى مثل هذه الدرجة من المجد والسعادة، كان يجب عليه أن يعرف جيدًا إن سلطان الله الملك والرب يفوق كل ما يمتلكه، وحتى لا ينزلق سريعًا بسبب امتيازاته الكثيرة إلى الاعتقاد بأنه صار حرًا من سلطان الله وسموه، أعطاه الله على الفور وصية] تعليقات لامعة (جلافيرا) المرجع السابق، نوفمبر 2003، ص13.

[61] تك16:2ـ17.

[62] ويقصد ايريناوس أن الشيطان الذى هو ملاك ساقط.

[63] راجع تك24:3.

[64] تك1:4.

[65] وقد عبّر عن ذلك القديس كيرلس فيما بعد: [ هكذا صار قايين معلّمًا لطريق قتل البشر] تعليقات لامعة (جلافيرا)، المرجع السابق،  مارس 2004، ص25.

[66] راجع تك25:4.

[67] بحسب القديس كيرلس: [ انعطف الجميع ناحية الخطية الجامحة] تعليقات لامعة (جلافيرا)، المرجع السابق، مايو 2004، ص20و21

[68] راجع تك2:6ـ4.

[69] تك8:6. حكمة سيراخ 17:44.

[70] راجع 1بط20:3، وقد شرح القديس كيرلس هذا الأمر فيما بعد قائلاً: [أن نوحًا نفسه وعناية الله الحكيمة والسرية بالفلك يمثل صورة الخلاص بواسطة المسيح] تعليقات لامعة (جلافيرا)، المرجع= =السابق،  مايو 2004، ص23.

[71] انظر القديس كيرلس الأسكندرى، تعليقات لامعة (جلافيرا)، المرجع السابق، أغسطس2004 ص16-18.

[72] تك25:9.

[73] انظر تك6:10ـ20.

[74] تك26:9.

[75] خر6:3.

[76] تك27:9.

[77] مز5:18، رو18:10.

[78] يشرح القديس كيرلس التفسير الروحى للبركة التى أُعطيت للابنين قائلاً: [إن كل الشعوب كانت ثلاثة، الشعب الأول الذى يمثله سام والمتوسط يرمز له حام الملعون والثالث الأخير هو يافث الذى يفسر بمعنى “المتسع”. عندما أعلن لنا الله الآب ابنه الذى يُرمز إليه بجسد نوح العارى وبينما هو محتقر وتعيس من جهة الشكل البشرى، فهو من جهة المفهوم الروحى يشير إلى جمال الألوهة. كما يقول النبى: ” وكمستر عنه وجوهنا محتقر فلم نعتد به” (إش2:53) فهذا قد تم بالضبط كما تؤكده طبيعة الأمور: الشعبان الأول والأخير ـ أى الابنان (سام ويافث) اللذان فى البداية وبالطبع اللذان دعيا أخيرًا ـ نالا رحمة من عمانوئيل الذى بواسطته صارا مباركين من الله الآب. لكن ذاك الذى كان بينهما (أى حام) ـ فلأنه استهزأ بنوح (الذى يشير للمسيح) بسبب منظره المحتقر من جهة طبيعته البشرية، فإنه ظل فى العبودية وفقد الحرية التى كانت للآباء] تعليقات لامعة (جلافيرا)، المرجع السابق، أغسطس 2004، ص18.

[79] تك14:9ـ15.

[80] تك1:9ـ6.

[81] يدعى يسوع المسيح “صورة الله” في رسائل بولس الرسول (2كو4:4، كو15:1). آباء كثيرون للكنيسة يميزون بين “صورة الله” و” بحسب صورة الله” فالأولى للمسيح والثانية للبشر. راجع أوريجينوس، ضد كيلسوس63:6، أثناسيوس، ضد الآريوسيين 1, 20:2. 49:3,10

[82] راجع 1بط 21:1: ” ولكنه قد أُظهر في الأيام الأخيرة من أجلكم “

[83] راجع AH5:16:2. يوضح القديس أثناسيوس الرسولى نفس هذا المعنى قائلاً: [ ولم يكن ممكنًا أن يعيد خلق البشر ليكونوا على صورة الله إلاّ الذى هو على صورة الآب] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 1:20 ص56.

[84] راجع تك1:11: ” وكانت الأرض كلها لسانًا واحدًا ولغة واحدة“.

[85] راجع تك2:11ـ4.

[86] أو بحسب تعبير القديس كيرلس: [ أرادوا أن يفعلوا شيئًا للتفاخر] تعليقات لامعة (جلافيرا) الكتاب الشهرى أغسطس 2004، ص20.

[87] يقول القديس كيرلس فى تعليقه على بلبلة الألسنة، إن الله يظهر بلبلة الألسنة لأن الأفكار التى تتجاوز قدرات الإنسان لا يتركها الله بدون توبيخ، إذ بحسب قول القديس كيرلس: [بلبل الألسنة لأن هذه الأعمال التى تحتاج فقط لقوة الخالق، وأيضًا لسلطانه، ليس لأحد سلطان عليها إلا هو فقط] تعليقات لامعة (جلافيرا)، الكتاب الشهرى أغسطس 2004، ص20.

[88] تك1:12، يشرح القديس كيرلس الأسكندرى سر عن دعوة الله لإبراهيم بالهجرة من أرضه قائلاً: [إن الله عندما يدعو أُناسًا لكى يتبعوه روحيًا، يريد أن يبعدهم عن حياة العالم، وأيضًا بعيدًا عن حياة الملذات وحب الجسد، هؤلاء أراد الله أن يكرّمهم، فهل هناك شئ أفضل من هذا؟ فليتصاغر إذن أمام عيوننا، الوطن والعشيرة والبيت العائلى والتكالب على الخيرات الأرضية] السجود والعبادة بالروح والحق، المقالة الأولى، ترجمة الباحث جورج عوض، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ديسمبر 2001، ص 44.

[89] تك7:12، 15:13، 8:17. يقول القديس كيرلس الأسكندرى: [عندما كان (ابرآم) فى وطنه أُعطى له الأمر النافع والوحيد، أنه يجب أن ينتقل إلى أرض أخرى مهاجرًا من وطنه. لكن عندما وصل إلى أرض كنعان ومعه كل عائلته واحتياجاته، وصعد إلى الأرض المقدسة، أُعطيت له نعمة الرؤيا الإلهية وثقة الرجاء فى الحرية الثابتة، ثم التصريح له بعد ذلك ببناء مذبح] السجود والعبادة بالروح والحق، المرجع السابق ص46.

[90] تك5:15.

[91] تك6:15 ، رو3:4 ، غلا6:3.

[92] راجع رو 11:4.

[93] راجع تك1:21ـ4 ، 25:25.

[94] تك41:4 ، 6:46ـ7 ، أع 11:7ـ15.

[95] تك5:15.

[96] يفسر القديس كيرلس الأسكندرى هذا القهر تفسيرًا روحيًا قائلاً: [إن مشقة الإسرائيليين تمثل الصورة الواضحة المتكررة لأطماعنا الباطلة الدنسة هنا على الأرض، كما أن الشيطان وقواته الشريرة يمارسون ضغوطًا وهجومًا علينا] السجود والعبادة بالروح الحق، المرجع السابق، ص62.

[97] نفس المعنى يقوله القديس كيرلس الأسكندرى باستفاضة: [لكن الله أظهر حينذاك رحمته لهؤلاء الذين أصابهم شر بواسطة مقاصد المصريين الشريرة، لأن الله أعد موسى العظيم ليكون خادمًا لإحسانه نحوهم] السجود والعبادة بالروح والحق، المرجع السابق ص62.

[98] خر28:7 ، 3:12.

[99] أيضًا يُفضل القديس كيرلس الأسكندرى تعبير “سر المسيح”، إذ يقول: [ وأُمر أن يُحتفل بالفصح الذى يشير إلى سر المسيح قبل إعلان غضبه على أبكار المصريين] المسيح فصحنا الجديد،= =ترجمة د. جورج عوض إبراهيم، مراجعة د. نصحى عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، مايو 2005، ص9.

[100] دم الحمل هنا يشير إلى دم المسيح لأنه كان من المستحيل ـ بحسب قول القديس كيرلس ـ أن يُبطل الموت بواسطة موسى والناموس [ بل إن دم المسيح الكريم وحده هو الذى يُبعد المُهلِك ويحرر المُقدَّسين من هلاك الموت. لأن المسيح هو الحياة وهو إله الكل إذ أنه إله من إله] المسيح فصحنا الجديد، المرجع السابق ص9.

[101] كلمة “فصح” بمعنى عبور فى اللغة العبرية، ويشرح القديس كيرلس هذا المعنى قائلاً: [” إنه فصحٌ للرب” (خر12: 11)، أي العبور من الحياة الحاضرة إلى المدينة التي يُسرُّ بها الله] المسيح فصحنا الجديد، المرجع السابق، ص23.

[102] خر15:14ـ31

[103] خر31:18.

[104] لقد ترجم Wilson ” إصبع الله هو الروح القدس لأنه ينبثق من الآب “. لكن هذه الترجمة ـ بحسب رأى البروفيسور جون كارافيدبولس ـ لا تُفهم من سياق النص، طالما أن إيرينيوس هنا لا يتحدث عن انبثاق الروح القدس، بل عن قوة الله، المرموز لها بالإصبع. راجع متى 28:12، لو 20:11. إن البروفيسور L.M Froidevaux الذى قام بالترجمة الفرنسية التى نُشرت فى SC سنة 1959م، يرى أن إيرينيوس يقتبس هنا آية خروج18:31 لكن على أساس الترجمة السبعينية.= =ونص إيرينيوس نجده في رسالة برنابا (2:14) “لوحى (الحجر) مكتوبين بإصبع يد الرب في الروح”.

[105] يرى القديس إيرينيوس أن الخيمة رمزًا لأورشليم السماوية مسكن الله مع الناس: [عندما تزول هذه الأشياء من على الأرض، يقول يوحنا تلميذ الرب: إن أورشليم الجديدة العُليا سوف تنزل (من السماء) كعروس مزينة لرجلها (رؤ2:21)، فهذا هو مسكن الله حيث يسكن مع الناس… وهذا المسكن تَقبّل موسى مثاله على الجبل…] (AH4:35:2).

[106] أيضًا يشرح القديس إيرينيوس الهدف الذى من أجله أمر الله موسى ببناء الخيمة وتشييد الهيكل واختيار اللاويين، وتقديم الذبائح والقرابين، وسائر مطالب الناموس التشريعية، قائلاً: [بالرغم من أن الله نفسه لا يحتاج بالحقيقة لأى شئ منها، لأنه ممتلئ دائمًا بكل صلاح، وينبع منه كل عبيق الجود والسخاء، وكل عطر طيب، حتى قبل أن يأتى موسى إلى الوجود، إلاّ أنه قصد أن يوصى الشعب الذى كان ميالاُ بطبعه إلى عبادة الأوثان ـ مكررًا لهم تعليماته بين الحين والآخر لكى يثابروا على عبادة الله، داعيًا إياهم بواسطة الأمور الثانوية إلى الأشياء التى لها الأهمية الرئيسية، أعنى بذلك جذبهم إلى الأشياء الحقيقية بواسطة ما هو رمزى، وعن طريق الأشياء الزمنية يأتى بهم إلى الأبديات، وبالجسديات يقودهم إلى الروحيات، ومن الأرضيات يرفعهم إلى السمائيات، كما قال هكذا لموسى: انظر فاصنعها على مثالها الذى أُظهر لك فى الجبل (خر40:25)] (AH4:14:3).

[107] عد16:13.

[108] يقارن القديس كيرلس الأسكندرى بين هؤلاء الجواسيس الاثنى عشر وبين الاثنين والسبعين المبشرين بملكوت الله، حيث هناك نرى المناداة بالخوف والذعر من أشياء لا ينبغى الخوف منها، بينما نجد تلاميذ المسيح يتقبلون منه القدرة على هزيمة (كل قوة العدو) انظر تعليقات لامعة (جلافيرا) على سفر العدد PG69, 606-615.

[109] انظر عد20:24، تث17:25و18. الاسم “عماليق” معناه “شعب يدمر كل ما هو أمامه”. وقد دعاهم يوسيفيوس المؤرخ اليهودى من القرن الأول الميلادى “جوبوليتس Gobolitis”. ومازالت القبائل المقيمة فى برية سيناء حول منطقة دير سانت كاترين تُدعى باسم “الجُبلية”، مما يؤكد صحة التقليد اليهودى الذى نقل عنه يوسيفوس. واسم “عماليق” قد ذُكر فى تك12:36 فى قائمة أنساب عيسو (المُلقب أدوم). ويرى القديس كيرلس فى الجبابرة بنى عناق أنهم يرمزون إلى الرؤساء والسلاطين وولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية فى السماوات (انظر تعليقات لامعة (جلافيرا) على سفر العدد PG69, 606-615).

[110] تك49:32ـ52.

[111] راجع أف 10:1. انظر فقرة 6.

[112] وبحسب تعبير القديس غريغوريوس النيسى: [ وهكذا اتصلت البشرية بالله بواسطة ناسوت المسيح (الذى اتحد بلاهوته). فبجسدنا الذى حمله فى ذاته سرت القوة الإلهية فى كل الطبيعة البشرية] (ضد افنوميوس2 PG45, 533A).

[113] في هذه الفقرة لخص إيرينيوس جوهر تعليمه عن المسيح والخلاص. فتجسد المسيح له المجد كان ضروريًا لكى ينقل عدم الفساد إلى البشر ولكى يَبطُل الشر الآتى من عصيان آدم. وهذا الأمر قد شرحه فيما بعد القديس أثناسيوس فى كتابه “تجسد الكلمة”: [لأن المخلّص تمّم بتأنسه عمليتى المحبة: (أولاً): أنه أباد الموت من داخلنا وجدّدنا ثانية. (ثانيًا): أنه إذ هو غير ظاهر ولا منظور، فقد أعلن نفسه وعرّف ذاته بأعماله في الجسد، بأنه كلمة الآب، ومدّبر وملك الكون] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 5:16. والقديس أمبروسيوس أسقف ميلان يصف لنا المسيح بأوصاف توضح نتائج التجسد بالنسبة لنا: [المسيح هو لنا كل شئ… إذا أردت أن تبرئ جرحك، فهو الطبيب الشافى؛ إذا أردت أن تروى عطشك الشديد، فهو ينبوع الماء الحي؛ إذا كنت فى حاجة إلى معونة، فهو القوة الحية الفعّالة؛ إذا كنت ترهب الموت، فهو الحياة القاهرة للموت؛ إذا كنت تخشى الظلام، فهو “النور الحقيقى”؛ إذا كنت جوعانًا، فهو قوت الحياة] (PL16, 305).

[114] تك5:2.

[115] راجع فيلون: Πer… t¾j kat£ Mοãsša kosmopol…aj, 137.

[116] راجع أيضًا AH3:23:4, 5:19:1.

[117] كل الترجمات تُنهى الفقرة (33) هنا هكذا فيما عدا الترجمة الصادرة عن سلسلة “المصادر المسيحية”، فهى تُنهى هذه الفقرة بجزء من فقرة (34) الذى ينتهى بعبارة: ” أما الخير فهو طاعة لله”. Sources Chrétiennes, L. M . Frodievaux.

[118] الشجرة أو العصا فى العهد القديم تشير إلى الصليب (انظر على سبيل المثال يوستينوس، الحوار مع تريفو 1:86ـ6). أو كما يقول القديس إيرينيوس فى موضع آخر: [ قد جاء الرب إلى خاصته علانية وصارت خليقته الخاصة تحمله، وهى بعينها المحمولة منه. والمخالفة التى صارت بالشجرة عوضها بالطاعة (التى) أكملها على الخشبة (الصليب)، والغواية التى أُغويت بها العذراء حواء على نحو يُرثى له، وهى تحت طاعة رجل، قد انحلّت ببشارة الحق التى بُشرت بها العذراء مريم على نحو مفرح بواسطة الملاك، وهى تحت طاعة رجل أيضًا (يوسف). فكما ان تلك (حواء) أُغويت بكلمة الملاك (الساقط) لكى تحيد عن الله وتخالف كلمته، هكذا هذه (مريم) أيضًا بُشرت بكلمة الملاك لكى تحمل الله وتطيع كلمته. وكما أن تلك (حواء) أُغويت بأن تخالف الله؛ هكذا هذه (مريم) اقتنعت بأن تطيع الله لكى تصير العذراء مريم محامية عن العذراء حواء. وكما أن الجنس البشرى= =صار مُقيدًا بالموت بواسطة عذراء (حواء)، هكذا قد انحل أيضًا بواسطة عذراء (مريم)، وكأن المخالفة العذراوية قد عادلتها الطاعة العذراوية] (AH5:19:5)، (SC. 153,249-251).

[119] إش6:50.

[120] راجع في 8:2.

[121] والقديس يوحنا ذهبى الفم أيضًا فى عظته عن “الصليب” يقول: [إذا عرفت بأي طريقة انتصر المسيح، سوف يصير إعجابك أعظم. فبنفس الأسلحة التي غلب الشيطان بها الإنسان، انتصر المسيح عليه. واسمع كيف؟ عذراء وخشبة وموت هي رموز هزيمتنا. العذراء كانت حواء، لأنها لم تكن قد عرفت رجلها. الخشبة كانت الشجرة (التي أوصى الله آدم بألاّ يأكل منها) والموت كان عقاب آدم. لكن العذراء والخشبة والموت التى كانت رموزًا لهزيمتنا، صارت رموزًا للانتصار. لأن لدينا مريم العذراء بدلاً من حواء، ولدينا خشبة الصليب بدلاً من شجرة معرفة الخير والشر، ولدينا موت المسيح بدلا من موت آدم. هل رأيت، فالشيطان هُزم بنفس الأسلحة التي انتصر بها قديمًا؟!] انظر كتاب “الصليب” عظتان للقديس يوحنا ذهبى الفم، ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، ود. جورج عوض إبراهيم، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ابريل 2004، العظة الثانية، ص 28و29. أيضًا القديس كيرلس الأورشليمى يقول عن أبوينا الأولين: [ وإن كانا قد طُردا من الفردوس بسبب أكلهما منها أفلا يكون أسهل على المؤمنين الآن أن يدخلوا الفردوس بسبب شجرة يسوع] عظات للموعوظين 2:13، ΒΕΠΕΣ 39, 153.

[122] يشرح لنا القديس أثناسيوس لماذا تم الموت بالصليب من بين كل أنواع الموت؟ فيعطى لنا نفس معانى هذه الفقرة، قائلاً: [إن كان موت الرب هو فدية (lÝtron) عن الجميع وبواسطة موته هذا نقض “حائط السياج المتوسط” وصارت الدعوة لجميع الأمم، فكيف كان ممكنًا أن يدعونا إليه لو لم يكن قد صُلِبَ؟ لأنه على الصليب وحده يمكن أن يموت إنسان باسطًا ذراعيه. لهذا كان لائقًا بالرب أن يحتمل هذا الموت ويبسط ذراعيه، لكى بأحدهما يجتذب الشعب القديم وبالذراع الأخر يجتذب الذين هم من الأمم، ويوّحد الاثنين فى شخصه] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 25:3.

[123] تك5:15.

[124] تك6:15 ، رو 3:4 ، غلا6:3.

[125] حب4:2، رو 17:1، غلا7:3، 11، عب 38:1.

[126] يؤكد القديس كيرلس الأورشليمى أن إيماننا يستند على شهادة الأنبياء وليس على براهين بشرية قائلاً:  [ لا تبالِ ببراهين من عندى كى لا تضل الطريق، بل إن لم تتقبل شهادة الأنبياء فلا تصدقنى. ما لم تتعلّم من الكتاب المقدس بخصوص البتول وعن مكان الميلاد وزمانه وطريقته فلا تقبل شهادة إنسان (يو34:5)] كيرلس الأورشليمى، كنيسة مار جرجس بسبورتنج، الأسكندرية 1970، المقالة الثانية عشر لطالبى العماد، ص227.

[127] انظر مز11:132، 29:89، 35:89.

[128] انظر مت9:21، يو13:12.

[129] يوضّح القديس أثناسيوس نفس هذا المعنى قائلاً: [ أخذ (الكلمة) جسدًا من جنسنا، وليس ذلك فحسب، بل أخذه من عذراء طاهرة نقية لم تعرف رجلاً، جسدًا طاهرًا وبدون زرع بشر] تجسد= =الكلمة، المرجع السابق3:8. وكذلك يقول القديس كيرلس الأورشليمى: [ يليق بكلى الطهارة ومعلّمها أن يتجسد فى أحشاء عروس طاهرة… إنه يقول بنفسه فى المزمور ” اخرجتنى من الرحم” (مز1:22)، مُظهرًا أنه مولود بغير زرع رجل، وهو إنما يحمل الجسد من عذراء، الأمر الذى يختلف عن المولودين من زرع بشرى] كيرلس الأورشليمى، المرجع السابق، ص238.

[130] يقول القديس ميليتوس أسقف ساردس (القرن الثانى): [ الإله لبس جسدًا واتخذ صورة الإنسان. قًبِل الآلام عن كل متألم وحُوكم من أجل كل محكوم عليه. ودُفِن فى القبر من أجل كل المدفونين، ولكنه قام حيًا من بين الأموات (بقوة لاهوته) وأعلن قائلاً: مَنْ ذا الذى يمكنه أن يقاضينى؟ لقد خلّصت المديونين، وأعَدتُ الحياة للذين ماتوا، وأخرجتهم من قبورهم (بكامل قواهم)؛ مَنْ هو الذى سيحاججنى؟ لقد أبطلتُ الموت؛ وسحقتُ الهاوية، ثم رفعت البشرية إلى أعلى السموات، نعم، أنا هو المسيح، أنا هو ذبيحة كفارة غفرانكم، أنا هو فصح خلاصكم، أنا هو نوركم، أنا هو قيامتكم] (SC.123, p. 116, 120, 122).

[131] وعن الهدف الذى من أجله أرسل الله الكلمة وليس أحد آخر، يقول القديس أثناسيوس متسائلاً: [إذن فما هو الذى كان ممكنًا أن يفعله الله؟ وماذا كان يمكن أن يتم سوى تجديد الخليقة التي وُجدت على صورة الله، مرة أخرى، ولكي يستطيع البشر أن يعرفوه مرة أخرى؟ ولكن كيف كان ممكنًا لهذا الأمر أن يحدث إلاّ بحضور نفس صورة الله ـ مخلّصنا يسوع المسيح؟ كان ذلك الأمر مستحيلاً أن يتم بواسطة البشر لأنهم هم أيضًا خُلِقوا على مثال تلك الصورة.(وليس هم الصورة= =نفسها)، ولا أيضًا بواسطة الملائكة لأنهم ليسوا صورًا (لله) ولهذا أتى كلمة الله بذاته لكي يستطيع ـ وهو صورة الآب ـ أن يجدّد خلقة الإنسان، على مثال الصورة] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 7:13.

[132] رؤ5:1، كو18:1.

[133] عا11:9 . أع 16:15.

[134] نفس هذه المعانى القوية نجدها عند القديس هيلاريون أسقف بواتييه (+367م): [إن ابن الله قد وُلِد كإنسان من العذراء فى ملء الزمان لكى يرفع البشرية فى شخصه حتى إلى (الاتحاد) باللاهوت] (عن الثالوث PL 10, 284). وأيضًا: [ فقد صار كلمة الله جسدًا لكى يستطيع كل جسد بواسطة هذا الكلمة المتجسد أن يرتقى إلى الاتحاد بالله الكلمة] (PL10, 33)، لذا غاية التجسد عند هيلاريون هى: [ أن يأخذنا (الابن المتجسد) فى نفسه إلى داخل الله!] (PL10, 286).

[135] أو بحسب تعبير القديس أثناسيوس: [ فالموت لابد أن يسبق القيامة، لأنه لا يمكن أن تكون هناك قيامة ما لم يسبقها موت] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 1:23.

[136] أيضًا يؤكد القديس أثناسيوس هذا المعنى قائلاً: [فالموت الذى قَبِلَه واحتمله على الصليب قد أوقعه عليه آخرون ـ الذين هم أعداؤه، ظانين أن هذا الموت مرعب ومهين ولا يمكن احتماله ـ لكن المسيح أباد هذا الموت، فآمن الجميع أنه هو الحياة، الذي به تتم إبادة سلطان الموت كلية] تجسد الكلمة، المرجع السابق، 3:24.

[137] يشرح القديس كيرلس معنى ما قاله لو7:2 ” فولدت ابنها البكر” قائلاً: [ إن معنى البكر هنا ليس أنه الأول بين اخوة عديدين، بل هو ابنها الأول والوحيد] تفسير إنجيل لوقا، الجزء الأول، ترجمة د.نصحى عبد الشهيد، مايو 1990م، ص29.

[138] يقول القديس كيرلس الأسكندرى: [ بسبب محبة الآب لخلائقه قد دعا الابن نفسه بكرًا لكل خليقة (1كو15:1). فهو بكر من أجلنا نحن، حتى تصير الخليقة كلها مُطعّمة فيه، كما فى أصل جديد خالد، فتنبت من جديد من الكائن الأزلى نفسه!] الكنز فى الثالوث: 25.

[139] أع15:3.

[140] إش6:9.

[141] يشرح القديس كيرلس الأسكندرى حقيقة نوالنا نعمة عدم الفساد قائلاً: [(المسيح) يقول: “أنا حى، ولأنى أنا الحياة بالطبيعة، فقد أظهرت هيكل (جسدى) أنه حى. وبالرغم من أنكم ذوى طبيعة فاسدة، لكنكم حينما سترون أنفسكم أحياءً، كما أنى أنا حي، فسوف تعرفون بكل وضوح أنه بسبب كونى أنا الحياة بالطبيعة، فقد ربطتكم من خلال ذاتى بالله الآب؛ الذى هو نفسه الحياة بالطبيعة، وبهذا جعلتكم شركاء ومشاركين فى صفة عدم الفساد التى له… لقد جعلتكم شركاء الطبيعة الإلهية، لما وضعت روحى فيكم”. لأن المسيح فينا بالروح وقد استرجع ما هو فاسد بالطبيعة إلى عدم الفساد، وغيَّره من الموت إلى عدم الموت] شرح إنجيل يوحنا20:14 Pussey, Lib IX, Cap. I, p. 487-488.

[142] الذى يقول عنه القديس كيرلس الأسكندرى، إنه: [ كنور الفجر قبل ظهور نور المخلّص الساطع، وهو المقدمة لنور النهار الروحى] تفسير إنجيل لوقا، ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، مؤسسة القديس أنطونيوس القاهرة، 1990، العظة العاشرة، ص66.

[143] انظر لو30:1و33و34.

[144] انظر مت19:28.

[145] يقول القديس إيرينيوس: [ حيثما وجِدت الكنيسة وُجِد الروح القدس، وحيثما وُجِد الروح القدس وُجِدت الكنيسة] (AH3:24:1).

[146] يعلّق القديس أغسطينوس على وعد الله لإبراهيم المُؤكد بقسم ” ويتبارك فى نسلك جميع أمم= =الأرض، من أجل أنك سمعت لقولى” قائلاً: [ … وهكذا صار الوعد الخاص بدعوة الأمم فى نسل إبراهيم، مُؤكدًا بقَسمٍ من الله بعد هذه المحرقة (الكبش الذى قُدِّم عوضًا عن إسحق) التى ترمز للمسيح. لأنه كثيرًا ما وعد ولكنه لم يُقسِم قط. وماذا يكون قَسم الله الصادق والأمين إلاّ تأكيدًا للوعد وتوبيخًا مضاعفًا لغير المؤمن؟] (St. Augustine, The City of God, ch. 32).

[147] يقول القديس إيرينيوس فى موضع آخر: [ الرب قد وعد أن يُرسل لنا الباراقليط ليوّحِدنا مع الله. فكما أنه مستحيل أن تُعجن عجينة متماسكة من دقيق جاف بدون ماء ولا يمكن ابدًا أن تصير خبزة واحدة، هكذا أيضًا نحن الكثيرين لم يكن ممكنًا أن نصير واحدًا فى المسيح يسوع بدون الماء الذى من السماء (يقصد الروح القدس)] AH3:17:1-3.

[148] يؤكد القديس باسيليوس الكبير على هذا المفهوم قائلاً: [ إتحاد الروح بالنفس يحدث عندما تختفى الأهواء التى تنمو فى النفس بسبب اتحادها ومحبتها للجسد وهو ما يجعل النفس تتغرب عن الشركة مع الله. وعندما تتنقى النفس من عار الدنس الذى لحق بها بسبب فسادها وتعود إلى جمالها= =الطبيعى تتمسك بالصورة الملوكية (الإلهية) وتسترد شكلها الأول عند ذلك فقط يمكن أن تقترب من الباراقليط] الروح القدس:9.

[149] تك1:1.

[150] هذا المقطع مركب من مز 3:109 ، مز 17:71س.

[151] هذا العدد يتماثل مع المزمور 17:71.

[152] يو1:1ـ3.

[153] يفسر لنا القديس كيرلس الأسكندرى معنى ” فى البدء كان الكلمة” قائلاً: [لا يوجد ما سبق البدء. إذا ظل البدء بالحق بدأ، لأن بدء البدء مستحيل، وإذا تصورنا أن شيئًا ما سبق البدء تغير البدء ولم يعد بدءًا بالمرة. وإذا تصورنا أن شيئًا يمكن أن يسبق البدء، فإن اللغة الإنسانية سوف لا تمكننا من الكلام لأن ما سبق البدء هو البدء المطلق والحقيقي ويصبح ما بعد ذلك ليس بدءًا بالمرة. إذًا لا بدء للبدء حسب دقة المنطق، وتظل حقيقة البدء غير مدركة، لأن إدراكها يجعل البدء يفقد كونه أنه البدء. وحيث إننا مهما عدنا إلى الوراء فإننا نعجز عن الوصول إلى البدء مهما حاولنا، فإن هذا يعني أن الابن لم يخلق بالمرة، بل هو كائن مع الآب لأنه “كان في البدء”. وإذا كان في البدء فأين هو العقل الذي يستطيع أن يتخطى كلمة “كان” ويتصور أن الابن جاء إلى الوجود في الزمان، إن كلمة “كان” سوف تظل كما هي “كان” تتحدى وتسبق كل البراهين، بل تجوز أمام كل الأفكار التي تحاول عبثًا أن تدركها] شرح إنجيل يوحنا، الجزء الأول، مركز دراسات الآباء، القاهرة 1989، ص15ـ16.

الكرازة الرسولية ج2 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

الكرازة الرسولية ج1 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

الكرازة الرسولية ج1 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

الكرازة الرسولية ج1 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

كتاب

” الكرازة الرسولية ”

للقديس إيرينيوس

مع دراسة عن حياته وتعليمه

 

 

الجزء الأول

القديس إيرينيوس أسقف ليون

 

القديس إيرينيوس أو صانع السلام ـ كما يعنى اسمه ـ هو أشهر آباء القرن الثانى فى شهادته للإيمان الرسولى ودفاعه عن العقيدة المسيحية فى مواجهة البدع الغنوسية. ولذلك يستحق أن يُلقب بمؤسس علم اللاهوت المسيحى، ولُقب أيضًا بـ”أبو التقليد”.

 

نشأته:

         من الصعب تحديد تاريخ ميلاد إيرينيوس بالضبط، ولكن علماء الآباء يرجحون أنه وُلد ما بين 135 ـ 145م، إذ يخبرنا إيرينيوس نفسه أنه فى شبابه المبكر عرف القديس بوليكاربوس الذى كان تلميذًا ليوحنا الرسول، وأن القديس يوحنا الرسول هو الذى أقام بوليكاربوس أسقفًا على كنيسة سميرنا أو أزمير[1]، إذ سجل لنا يوسابيوس المؤرخ من بين ما سجل من كتابات القديس إيرينيوس الرسالة التى كتبها القديس إيرينيوس إلى فلورينوس:

[ لأننى لما كنت صبيًا رأيتك فى آسيا السفلى مع بوليكاربوس تتحرك فى عظمة الحاشية الملكية، ومحاولاً أن تنال رضاه. وإننى أتذكر حوادث ذلك الوقت بوضوح أكثر من حوادث السنوات الأخيرة. لأن ما يتعلّمه الصبيان يرسخ فى عقولهم. كذلك ففى إمكانى وصف نفس المكان الذى كان يجلس فيه المغبوط بوليكاربوس وهو يلقى أحاديثه، ودخوله وخروجه، وطريقة حياته، وهيئة جسمه، وأحاديثه للشعب، والوصف الذى قدمه عن عِشرته ليوحنا، والآخرين الذين رأوا الرب، ولأن بوليكاربوس كان متذكرًا كلماتهم، وما سمعه منهم عن الرب وعن معجزاته وتعاليمه لاستلامها من شهود شهدوا بأعينهم كلمة الحياة، فقد روى كل شئ بما يتفق مع الأسفار المقدسة. وإذ أصغيت إلى هذه الأمور برحمة الله بانتباه كبير مسجلاً إياها ليس على ورقٍ بل فى قلبى صرتُ أرددها على الدوام بأمانة بنعمة الله][2].

         ومن هذه الكلمات يتضح تمامًا أن إيرينيوس اتصل بالعصر الرسولى عن طريق القديس بوليكاربوس، وهذا ما أعده لكى يكون شاهدًا أمينًا للتقليد الرسولى الذى استلمه بواسطة بوليكاربوس الذى كان تلميذًا وصديقًا للقديس يوحنا الرسول وآخرين غيرهم من الذين رأوا الرب. وبعد عدة سنوات من استشهاد القديس بوليكاربوس فى سنة 156م، رحل إلى الغرب متجهًا إلى بلاد الغال (فرنسا حاليًا)، وربما يكون قد مكث بعض الوقت فى روما وهو فى الطريق إلى فرنسا، وقد يكون تتلمذ لبعض الوقت لمعلّمين مثل يوستينوس الذى كان فى روما فى تلك الفترة قبل استشهاده. ثم بعد ذلك انتهى به المطاف إلى الغال.

         وفى سنة 177م أرسله شهداء كنائس ليون وفيينا، الذين كانوا فى السجن، إذ كان قسيسًا لكنيسة ليون، للتوسط فى الصراع الذى نشأ بخصوص بدعة مونتانوس فى آسيا الصغرى. وكان يحمل رسالة كنائس فيينا وليون إلى كنائس آسيا وفريجية، والتى يرى بعض العلماء أنها من قلم إيرينيوس نفسه، وقد حُفظت أجزاء من هذه الرسالة فى تاريخ يوسابيوس الكتاب الخامس: 1ـ3.

         كما أن كنائس ليون وفيينا أرسلت رسالة أخرى إلى إليفثريوس أسقف روما (175ـ189) بواسطة إيرينيوس، وقد شهد هؤلاء المعترفون من السجن الشهادة التالية عن إيرينيوس فى هذه الرسالة:

         [ أيها الأب إليفثريوس إننا مرة أخرى نرجو لك السلام من الله على الدوام. ولقد طلبنا من أخينا ورفيقنا إيرينيوس أن يحمل هذه الرسالة إليك، ونتوسل إليك أن توقره وقارًا كبيرًا لأنه مملوء غيرةً على وديعة المسيح وعهده. فلو كان المركز يُضفى برًا على أى واحد لكنا أوصينا، فهو به أول من يستحقون التوصية لكونه قسيس الكنيسة وهذا هو مركزه][3].

         وبعد أن رجع إيرينيوس من روما، فإن أسقف ليون المُسن فوتيوس توفى شهيدًا، وصار إيرينيوس أسقفًا لليون خلفًا له.

 

إيرينيوس ومشكلة الأربعشرية (أى تعييد الفصح يوم 14 نيسان العبرى):

         فى سنة 190م حدث خلاف بين كنائس آسيا الصغرى وبين فيكتور الأول أسقف روما حول ميعاد تعييد الفصح المسيحى. وعقد فيكتور مجمعًا فى روما حرّم فيه أساقفة آسيا بسبب تعييدهم عيد القيامة يوم 14 نيسان. وطلب أسقف روما من كل كنائس العالم أن تتبع تقليد كنيسة رومية بخصوص عيد الفصح وهو أن يكون العيد المسيحى فى الأحد التالى للفصح اليهودى، فى حين أن كنائس آسيا الصغرى كانت تُعيّد عيد القيامة مع اليهود فى اليوم الرابع عشر من نيسان العبرى، فى أى يوم اتفق من أيام الأسبوع. قائلين إنهم تسلموا هذا التقليد من بوليكاربوس، وأنه بدوره استلمه من يوحنا الرسول.

         وفى هذا الموقف الصعب فى هذا العصر برز إيرينيوس وقام بدور هام لحفظ سلامة الكنيسة، فكتب عددًا من الرسائل إلى الأساقفة فى آسيا وإلى فيكتور أسقف روما نفسه، يحث فيها الجميع على السلام أو بحسب تعبير يوسابيوس المؤرخ فإنه قال: [ إن سر قيامة الرب يجب أن يُحفظ فقط فى يوم الرب]. ويضيف يوسابيوس قائلاً: [حقًا فعل (إيرينيوس) إذ نصح فيكتور بألاّ يقطع كنائس الله برمتها وهى حافظة تقليد عادة قديمة… وهكذا صار إيرينيوس صانعًا للسلام، وهذا هو معنى اسمه، إذ قدم النصائح وأرسل الرسائل اللازمة على هذا الوجه من أجل سلام الكنائس][4].

         بعد هذا الموقف الذى ظهر فيه دور إيرينيوس الرسولى فى إعادة السلام بين الكنائس مما جعل جيروم يسميه “الأسقف الرسولى والشهيد” وذلك فى سياق تفسيره لسفر إشعياء. ويذكر كواستن[5] أنه بعد هذا الدور البارز لصانع سلام الكنيسة كلها لم يرد ذكر لإيرينيوس فى المصادر التاريخية إلى أن ذكره غريغوريوس أسقف تور (573ـ594)[6]، الذى ذكر أنه مات شهيدًا سنة 202م. وهكذا يكون القديس إيرينيوس قد شهد خراب مدينة ليون الذى حدث سنة 197م.

 

كتابات إيرينيوس:

         بالإضافة إلى عمل إيرينيوس الرعائى كأسقف لإيبارشية، فإنه كرّس جزءً كبيرًا من وقته لمهمة دحض الهرطقات الغنوسية بواسطة الكتابات الكثيرة التى كتبها لهذا الغرض. وتظهر براعته وموهبته فى دحض التعاليم المنحرفة بنوع خاص فى الكتاب المشهور والضخم الذى كتبه القديس إيرينيوس وعُرِف باسم “ضد الهرطقات” فى خمس كتب. هذا ولقد جمع إيرينيوس بين معرفة واسعة وشاملة لمصادر الإيمان والتقليد مع روح جادة وحماس دينى كبير. فإن معرفته الشاملة بالتقليد الكنسى التى يدين بها لعلاقته بالقديس بوليكاربوس وغيره من تلاميذ الرسل الآخرين، هذه المعرفة بالتقليد الكنسى كانت مصدر قوة عظيمة جدًا فى كفاحه ضد الهراطقة.

         ومما يُؤسف له أن كتاباته باللغة اليونانية فُقدت فى وقت مبكر. ولم يتبق من كتاباته وأعماله الكثيرة التى كتبها بلغته اليونانية سوى كتابان:

         1 ـ أحد هذين الكتابين هو كتابه الذى يفوق كل الكتب الأخرى فى أهميته من جهة الإيمان. وهذا الكتاب هو ما اشتهر باسم “ضد الهرطقات”، ولكنه لم يصلنا فى لغته اليونانية الأصلية التى كُتب بها بل فى ترجمة لاتينية وهى ترجمة حرفية. وهذا الكتاب يتكون من جزءين رئيسيين. الجزء الأول يكشف أصول وتفاصيل الهرطقة الغنوسية. ويذكر فيه أسماء الهراطقة الغنوسيين ويعتبره العلماء أفضل مصدر لمعرفة الغنوسية وتاريخها. والجزء الثانى يدحض فيه تعاليم الغنوسيين خاصة فالنتينوس وماركيون، كما يوضّح عقيدة الكنيسة عن الآب والابن، وكل عقائد الإيمان الأساسية المُسلّمة من الرسل.

         2 ـ والكتاب الثانى الهام الذى كتبه القديس إيرينيوس هو “شرح الكرازة الرسولية” ولسهول الاستعمال سنذكره بعنوان “الكرازة الرسولية”. هذا الكتاب كان أصله اليونانى مفقودًا طوال القرون الماضية. ولم يكن لدينا سوى اسمه فقط، وقد حُفظ اسمه فى كتاب تاريخ الكنيسة ليوسابيوس (الكتاب الخامس فصل26)، وفى سنة 1904م أراد الله أن يُكتشف هذا الكتاب الهام كاملاً فى ترجمة باللغة الأرمينية، والذى اكتشفه هو “تيرمكيرتشيان” (Ter -Mekerttschian) الذى قام بنشره للمرة الأولى سنة 1907م.

 

 

التعليم اللاهوتى للقديس إيرينيوس:

         ترجع أهمية القديس إيرينيوس اللاهوتية لسببين:

السبب الأول: أنه رفع القناع الذى كانت البدعة الغنوسية تغطى به تعليمها، مدّعية أن تعاليمها هو الإيمان المسيحى الصحيح، وبرفع هذا القناع استطاعت الكنيسة فى عصره أن تستبعد هذه الهرطقة من الكنيسة.

والسبب الثانى: أنه نجح نجاحًا عظيمًا فى تحديد وتعريف عناصر إيمان الكنيسة الجامعة، الذى كان الغنوسيون ينكرونه أو يسيئون تفسيره، مما يجعله جديرًا بأن يُلقب بـ”مؤسس علم اللاهوت المسيحى”.

         كان إيرينيوس لا يميل إلى التفكير النظرى المجرد ولم يجتهد لكى يُبدع اكتشافات لاهوتية لم تكن مُسلّمة من الرسل، وبالعكس قد كان دائمًا يتشكك بسهولة فى أى نوع من المعرفة أو العِلم النظرى المجرد. ولذلك نجده يقول فى كتاب “ضد الهرطقات”: [من الأفضل للإنسان ألاّ يحصل على عِلم أو معرفة عن السبب الذى لأجله خُلق أى مخلوق من المخلوقات، بل بالحرى ينبغى أن تؤمن بالله وتستمر فى محبته أفضل من أن تنتفخ بمعرفة من هذا النوع وهذا يؤدى بك إلى السقوط من محبة الله، التى هى حياة الإنسان. ولا ينبغى للإنسان أن يسعى وراء أى معرفة أخرى سوى معرفة يسوع المسيح ابن الله الذى صُلِب من أجلنا، فمن يسعى وراء معرفة أخرى مستخدمًا أسئلة خبيثة وتعبيرات ماكرة ومُعقدة فإنه سيسقط فى الكفر وعدم التقوى] (AH2:26:1).

         وبالرغم من موقفه الحذر والمتشكك تجاه التعاليم اللاهوتية النظرية المجردة، كما يقول عالِم الآباء المشهور جوهانسن كواستن[7]، فإن إيرينيوس جدير بمكانة عظيمة وفضل لا يبارى على الإيمان المسيحى، لأنه أول من قام بصياغة المصطلحات العقائدية لكل تعاليم الإيمان المسيحى.

 

1ـ تعليم القديس إيرينيوس عن الثالوث:

         يتميز تعليم القديس إيرينيوس عن الثالوث بالتأكيد على أن الإله الواحد الحقيقى هو نفسه خالق العالم، وهو نفسه إله العهد القديم، وهو نفسه أبو الكلمة. ورغم أن إيرينيوس لا يبحث فى العلاقات بين الأقانيم الثلاثة أحدها بالآخر، إلاّ أنه مقتنع أن وجود الآب والابن والروح القدس ثابت بوضوح فى تاريخ الجنس البشرى. فالآب والابن والروح القدس موجودون قبل خلقة العالم لأنه كما يقول، فإن الكلمات: ” نصنع الإنسان على صورتنا ومثالنا” (تك26:1س) هى مُوجهة من الآب إلى الابن والروح القدس، هذين الأقنومين اللذين يدعوهما القديس إيرينيوس بلقب: “يدىّ الله” (انظر AH5:19:3، 5:28:1، 5:5:1). ويشرح القديس إيرينيوس بتكرار أن الروح القدس مع الكلمة يملأ الأنبياء بمسحة الوحى وكيف أن الآب هو الذى دبر كل هذه الأمور. ولذلك فإن كل تدبير الخلاص فى العهد القديم هو عند إيرينيوس درس ممتاز رائع عن الأقانيم الثلاثة فى الإله الواحد.

 

2ـ تعليم القديس إيرينيوس عن المسيح:

         أ ـ بخصوص علاقة الابن بالآب:

         يقول القديس إيرينيوس إنه لا يستطيع أحد أن يدرك كيفية ولادة الابن من الآب ولا يستطيع أحد أن يفهم طبيعة هذه الولادة الإلهية، وما هو الاسم الذى يطلقه عليها لأنها أمر يعلو على كل وصف أو شرح. ولا يوجد مَنْ يعرف هذه العلاقة سوى الآب الذى يلد الابن، والابن الذى وُلِدَ من الآب. ولذلك يقول القديس إيرينيوس: ” حيث إن هذه الولادة لا يمكن التعبير عنها بالكلام وتفوق الإدراك، لذلك فإن أولئك الذى يحاولون أن يضعوا ويرتبوا ولادات[8] وتوّلدات لا يمكن أن يكونوا عقلاء لأنهم يحاولون أن يصفوا أمورًا من المستحيل وصفها” (AH2:28:6).

         ويقدم لنا القديس إيرينيوس أول محاولة لإدراك العلاقة بين الآب والابن فيقول: ” الله قد أُعلِن من خلال الابن الذى هو فى الآب والذى له الآب فى ذاته” (AH3:6:2). كما يؤكد القديس إيرينيوس أن الآب هو نفسه خالق العالم وذلك ردًا على الغنوسيين. وهو أيضًا يعلّم أنه يوجد مسيح واحد حتى إن كنا نعطيه أسماء عديدة. لذلك فالمسيح هو ابن الله، وهو الكلمة، وهو يسوع الإله المتجسد، وهو مخلصنا وربنا.

 

ب ـ جمّع الكل فى المسيح:

         إن قلب تعليم إيرينيوس عن المسيح بل ومحور وقلب كل تعليمه اللاهوتى هو رؤيته الخاصة بـ ” جمّع الكل فى المسيح“. واضح أن القديس إيرينيوس استعار هذا التعبير من بولس الرسول فى رسالته إلى أفسس (10:1) ” لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شئ فى المسيح“. ثم امتد بهذه الفكرة امتدادًا كبيرًا حتى صارت فكرة ” جمع كل شئ فى المسيح” تحوى كل تعليمه عن التجسد والفداء وحلول الروح القدس وتأسيس الكنيسة، وكون المسيح رأس الجسد أى “الكنيسة”. فيقول إيرينيوس إن “جمع كل شئ فى المسيح” يشمل أخذ كل الأشياء منذ البداية وجعلها فى المسيح. فالله أعاد الخطة الإلهية الأولى الخاصة بخلاص الجنس البشرى التى انقطعت بسقوط آدم، وهو يجمع كل ما عمله منذ البداية لكى يجدّد، ولكى يرد، ولكى يعيد تنسيق كل شئ فى ابنه المتجسد، الذى يصير بهذه الطريقة هو آدم ثانٍ لأجلنا. وحيث إنه بسقوط الإنسان ضاع كل الجنس البشرى، فكان يلزم أن يصير ابن الله إنسانًا لكى يتمّم إعادة خلق جنس البشر: [المخلوقات التى هلكت كان لها جسد ودم لأن الرب صنع الإنسان من تراب الأرض، ولأجله حدثت كل تدبيرات مجيء الرب. لذلك أخذ لنفسه جسدًا ودمًا جامعًا فى نفسه ليس إنسانًا آخر معينًا بل ذلك الإنسان الأول الذى خلقه الآب، إذ انه كان يطلب ذلك الذى كان قد هلك] (AH5:14:2).

         وبهذا “الجمع” للإنسان الأصلى فى المسيح قد تم تجدّيد ورد ليس آدم الأول شخصيًا فقط بل وكل الجنس البشرى، إذ يقول: [حينما تجسد وصار إنسانًا، جمّع فى نفسه كل تاريخ الإنسان الممتد جامعًا إيانا ومعطيًا لنا الخلاص لكى ننال مرةً أخرى فى المسيح يسوع ما قد فقدناه فى آدم، أى صورة الله ومثاله] (AH3:18:1).

         وفى نفس الوقت فإن النتائج الشريرة لعصيان آدم الأول قد أُبيدت، إذ يقول: [الله جمّع فى نفسه صورة الإنسان القديمة، لكى يقتل الخطية ويجرد الموت من سلطانه ويحيى الإنسان] (AH3:18:7). وبهذه الطريقة فإن آدم الثانى قد جدَّد الصراع القديم ضد إبليس وهزمه، إذ يقول القديس إيرينيوس: [ لو أن الرب كان قد أتى من أب آخر غير الله الآب لما كان قد جمّع فى نفسه تلك العداوة الأولى ضد الحية، ولكن لأنه هو هو نفسه الذى هو واحد، وهو نفسه الذى صنعنا فى البداية ثم أرسل إلينا ابنه فى النهاية، فإن الرب تمّم هذا الأمر، مولودًا من امرأة، إذ أباد عدونا كما أنه أكمّل الإنسان على صورة الله ومثاله] (AH5:21:2).

         ولهذا جدَّد المسيح كل شئ بجمعه كل شئ فى نفسه. فيقول القديس إيرينيوس: [إذن فما الذى أحضره المخلّص عند مجيئه، اعلم أنه أتى بكل الجدة، بأن حضر بنفسه، وهو نفسه الذى سبق التنبؤ عنه. لأن هذا قد أُعلِن جهارًا، أن هناك جدة سوف تأتى، لتجدّد الإنسان وتعطيه الحياة] (AH4:34:1).

 

 

 

3ـ تعليم القديس إيرينيوس عن الكنيسة:

أ ـ تعليم القديس إيرينيوس عن الكنيسة أو ما يسميه العلماء بـ”الإكليسولوجى” مرتبط ارتباطًا وثيقًا بفكرته عن “جمع الكل فى المسيح”. فالله يجمع فى المسيح ليس الماضى فقط بل والمستقبل أيضًا. لذلك فقد جعله الآب رأس الكنيسة كلها لكى يواصل بواسطتها عمل التجدّيد إلى نهاية العالم. فيقول: [ لذلك إذ يوجد إله واحد هو الآب كما سبق أن أوضحنا، ومسيح واحد هو المسيح يسوع ربنا، الذى جاء بتدبير جامع وشامل لكى يجمع كل الأشياء فى نفسه، ومن ضمن كل هذه الأشياء (المخلوقة) الإنسان الذى هو خليقة الله؛ لذلك فهو يجمع الإنسان أيضًا فى نفسه. فغير المنظور صار منظورًا وغير المُدرك صار مُدركًا وغير المتألم صار متألمًا؛ والكلمة صار إنسانًا جامعًا كل الأشياء فى نفسه من جديد. وهكذا، فكما أنه هو الأول بين الكائنات السماوية والروحية غير المنظورة، هكذا أيضًا هو الأول بين الأشياء المنظورة والجسمانية، فهو يأخذ الرئاسة لنفسه وإذ جعل نفسه رأس الكنيسة، فهو سوف يجذب كل الأشياء إلى نفسه فى الوقت المحدد] (AH3:16:6).

ب ـ القديس إيرينيوس كان متيقنًا بثبات تام أن تعليم الرسل مستمر بغير تغيير فى الكنيسة. هذا التعليم أى التقليد هو مصدر الإيمان وقاعدته، فهو قانون الحق، وقانون الحق هذا عند إيرينيوس هو قانون إيمان المعمودية، لأنه يقول إننا نستلمه فى المعمودية (AH1:9:4). ويعطى القديس إيرينيوس وصفًا لإيمان الكنيسة بحسب قانون إيمان الرسل بالضبط، إذ يقول: [ رغم أن الكنيسة منتشرة فى كل العالم، منتشرة فى كل المسكونة من أقاصيها إلى أقاصيها، فقد استلمت من الرسل وتلاميذهم الإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، خالق السماء والأرض والبحار وكل ما فيها؛ والإيمان بالمسيح يسوع الواحد، الذى هو ابن الله، الذى تجسد لأجل خلاصنا؛ والإيمان بالروح القدس الذى أعلن التدبير بواسطة الأنبياء، أى بمجيء المسيح وميلاده العذراوى وآلامه وقيامته من بين الأموات، وصعود ربنا المحبوب المسيح يسوع إلى السماء جسديًا، وظهوره ثانيةً من السماء فى مجد الآب لكى يجمع كل الأشياء فى نفسه ولكى يقيم أجساد كل البشر إلى الحياة، لكى تجثو للمسيح يسوع ربنا وإلهنا ومخلصنا وملكنا كل ركبة، بحسب مشيئة الآب غير المنظور، ولكى يعترف كل لسان له، ولكى يجرى دينونة عادلة للجميع ولكى يطرد أرواح الشر والملائكة الذين تعدوا وصاروا مضادين وكذلك الأثمة والأشرار ومخالفى الناموس والدنسين، يطرح الجميع فى النار الأبدية؛ ولكن فى نعمته سوف يهب الحياة ومكافأة عدم الفساد والمجد الأبدى لأولئك الذين حفظوا وصاياه وثبتوا فى محبته سواء منذ بداية حياتهم أو منذ وقت توبتهم. هذه الكرازة وهذا الإيمان تحفظه الكنيسة باجتهاد رغم أنها مُشتتة فى كل العالم، تحفظه بكل اجتهاد كما لو كانت كلها تسكن فى بيت واحد، وهى تؤمن بهذا وكأن لها عقل واحد وتكرز وتعلّم وكأن لها فم واحد، ورغم أن هناك لغات كثيرة فى العالم، إلاّ أن معنى التقليد واحد، وهو هو نفسه. لأن نفس الإيمان تتمسك به وتسلّمه الكنائس المؤسسة فى ألمانيا، وأسبانيا، وقبائل قوط، وفى الشرق، وفى ليبيا، وفى مصر، وفى المناطق الوسطى من العالم. ولكن كما أن الشمس وهى مخلوقة من الله، هى واحدة، وهى هى نفسها فى كل المسكونة، هكذا أيضًا نور كرازة الحق، الذى يضيء على كل الذين يرغبون أن يحصلوا على معرفة الحق] (AH1:10:1-2).

ج ـ وعلّم القديس إيرينيوس أن الكنائس المُؤسسة من الرسل فقط هى التى يمكن أن يُعتمد عليها فى معرفة التعليم الصحيح للإيمان ومعرفة الحق، لأن تسلسل الأساقفة غير المنقطع فى هذه الكنائس هو الذى يضمن أن تعليمها هو الحق: [ أى شخص يريد أن يميز الحق، فإنه يمكن أن يرى التقليد الرسولى واضحًا وظاهرًا فى كل كنيسة فى العالم كله. ويمكننا أن نحصى أولئك الذين أُقيموا كأساقفة من الرسل فى الكنائس وكذلك خلفائهم حتى إلى يومنا الحاضر والذين لم يعرفوا أبدًا ولم يُعلّموا بتاتًا أى شئ يشبه التعليم الأحمق لهؤلاء (أى الغنوسيين). فلو كان الرسل قد عرفوا مثل هذه الأسرار الخفية التى يعلّمونها على انفراد وسرًا للكاملين لكانوا بالتأكيد قد استودعوا هذا التعليم للرجال الذين أقاموهم كمسئولين عن الكنائس، لأن الرسل كانوا يريدون أن هؤلاء الرجال الذين استلموا منهم السلطان أن يكونوا بلا لوم أو عيب] (AH3:3:1).

 

4 ـ تعليم القديس إيرينيوس عن الخلاص:

         محور تعليم القديس إيرينيوس عن الفداء هو حقيقة أن كل إنسان محتاج إلى الفداء ومُؤهل للفداء. وهذا نتج عن سقوط الأبوين الأولين الذى جعل كل نسلهم تحت الخطية والموت، وقد فقدوا صورة الله. فالفداء الذى صنعه ابن الله قد حرّر البشر من عبودية الشيطان وعبودية الخطية، وعبودية الموت. إضافة إلى ذلك، إن هذا الفداء استجمع كل البشرية فى المسيح، وقد أدى إلى إعادة الاتحاد بالله، وإلى التبنى لله، وإلى مشابهة الله. ولكن القديس إيرينيوس يتحاشى لفظة التأليه فى هذا المجال ولكنه يستخدم تعبيرات “الالتصاق بالله”، و”التعلق بالله” و”الاشتراك فى مجد الله”، ولكنه يتحاشى إلغاء الحدود الفاصلة بين الله والإنسان كما كان معتادًا فى الديانات الوثنية والهرطقات الغنوسية.

         والقديس إيرينيوس يميز بين صورة الله ومثال الله، فالإنسان عنده هو فى طبيعته ـ بروحه غير المادية ـ هو صورة لله. أما “مثال الله” فهو مشابهة لله من نوع فوق الطبيعة الذى كان آدم حاصلاً عليه بمبادرة من صلاح الله ونعمته. هذه المُماثلة لله تتحقق بفعل روح الله.

         فداء الشخص المفرد يتم بواسطة الكنيسة وأسرارها باسم المسيح، فالسر بالنسبة للطبيعة هو يقابل آدم الجديد بالنسبة للقديم. فالمخلوق ينال الكمال بالأسرار. فالسر هو ذروة جمع كل الخليقة فى المسيح. بالمعمودية يُولد الإنسان ثانية من الله. وعندما يتحدث عن المعمودية فإن إيرينيوس يشهد لأول مرة فى الكتابات المسيحية القديمة لمعمودية الأطفال: [ لقد جاء ابن الله ليخلّص الجميع بواسطة نفسه ـ أقول الجميع الذين يُولدون ثانية بواسطة الله ـ الرُضع، والأطفال ـ والصبيان، والشباب، والشيوخ] (AH2:22:4).

 

5ـ تعليم القديس إيرينيوس عن الإفخارستيا:

         القديس إيرينيوس كان عنده اقتناع تام بالحضور الحقيقى للمسيح بجسده ودمه فى الإفخارستيا لدرجة أنه يستنتج حقيقة قيامة الجسد الإنسانى من حقيقة كون هذا الجسد قد اغتذى بجسد المسيح ودمه:

         [ لذلك، حينما يحصل الكأس الممزوج والخبز المصنوع، على “كلمة الله”، وتصير الإفخارستيا جسد المسيح ودمه، هذه التى تنمى جسدنا وتسنده، فكيف يمكنهم أن يؤكدوا أن الجسد غير مهيأ لنوال موهبة الله، التى هى الحياة الأبدية؛ جسدنا هذا الذى يتغذى من جسد الرب ودمه، والذى هو عضو له؛ ذلك الجسد الذى يغتذى بالكأس التى هى دمه، وينال ازديادًا من الخبز الذى هو جسده. وكما أن الفرع المأخوذ من الكرمة عندما يُغرس فى أوانه، أو كما أن حبة الحنطة التى تسقط فى الأرض وتموت وتتحلل؛ تقوم بازدياد بأنواع كثيرة بقوة روح الله، وتصير هى الإفخارستيا التى هى جسد المسيح ودمه، هكذا أجسادنا أيضًا، إذ تتغذى منها، فإنها عندما توضع فى الأرض، وتتحلل وتموت، فإنها سوف تقوم فى وقتها المعين لها] (AH5:2:3). وفى موضع آخر يقول:

         [ وكيف يقولون إن الجسد يصير إلى فساد ولا يشترك فى الحياة، وهو الذى يتغذى على جسد الرب ودمه. فإما أن يغيروا رأيهم، أو فليكفوا أن يقدموا التقدمات التى ذكرتها. أما نحن فإن تعليمنا متفق مع الإفخارستيا، والإفخارستيا بدورها تثبت صحة تعليمنا. ونحن نقدم له التقدمات التى هى له، وبالتالى نكون مظهرين شركتنا واتحادنا، ومعترفين بقيامة الجسد والروح. لأنه كما أن الخبز الذى من الأرض، إذ ينال عطية الله، لا يبقى بعد خبزًا عاديًا بل إفخارستيا مكونة من عنصرين، واحد أرضى والآخر سماوى، هكذا أيضًا أجسادنا، إذ تنال من الإفخارستيا، لا تعود فيما بعد قابلة للفساد، بل يصير لها رجاء القيامة الأبدية] (AH4:18:5).

         ومن هذه الكلمات يتضح أن القديس إيرينيوس يؤمن بأن الخبز والخمر يتقدسان بصلاة استدعاء الروح. وكذلك يؤمن بأن الإفخارستيا ذبيحة، لأنه يرى فيها الذبيحة الجديدة التى تنبأ عنها ملاخى:

         [وإذ أعطى (الرب) توجيهات لتلاميذه أن يقدموا باكورات من كل الأشياء المخلوقة التى له ـ ليس كمن هو فى احتياج إليها، بل لكى لا يكونوا هم أنفسهم غير مثمرين، ولا غير شاكرين ـ لذلك أخذ ذلك الشئ المخلوق، أى الخبز، وشكر، وقال: ” هذا هو جسدى” وكذلك الكأس بالمثل، التى هى جزء من تلك الخليقة التى ننتمى نحن إليها، هذه الخمر اعترف بأنها دمه، وعلّم عن القربان الجديد الذى للعهد الجديد، والذى تقدمه الكنيسة لله فى كل العالم كما استلمته من الرسل، وهى تقدمة لذاك الذى يعطينا باكورة عطاياه للعهد الجديد كوسيلة للبقاء والوجود، تلك التقدمة التى تنبأ عنها ملاخى أحد الأنبياء الاثنى عشر قائلاً: ” ليست لى مسرة بكم قال رب القوات (الرب القدير)، ولا أقبل تقدمة من يدكم. لأنه من مشرق الشمس إلى مغربها اسمى عظيم بين الأمم، وفى كل مكان يُقرّب لاسمى بخور وتقدمة طاهرة لأن اسمى عظيم بين الأمم قال رب القوات (الرب القدير)” مبينًا بأوضح طريقة بهذه الكلمات، أن الشعب القديم (اليهود) سيكف عن أن يقدم تقدمات لله، ولكن سوف تُقدم له (لله) تقدمات فى كل مكان، تقدمات طاهرة، وأن اسمه سوف يتعظم بين الأمم] (AH41:17:5).

 

6 ـ تعليمه عن الإنسان:

         يتبنى القديس إيرينيوس فكرة تكوين الإنسان من جسد ونفس تنال الروح: فيقول: [ الجميع يعترفون أننا مكونون من جسد مأخوذ من الأرض، ونفس تلك التى تنال الروح من الله] (AH3:22:1).

         لذلك فالجسد البشرى الذى تحييه نفس طبيعية (أو حيوانية) فقط ليس إنسانًا كاملاً. ويبدو أن القديس إيرينيوس، مثل الرسول بولس، دائمًا يعتبر “الروح” الذى يكمل ويتوج الطبيعة البشرية، هو روح الله شخصيًا. فالمسيح وعد بهذا الروح كعطية لرسله ومؤمنيه، والرسول بولس يقول للمسيحيين مرة بعد مرة إنهم يحملون هذا الروح فى داخلهم كما فى هيكل. ويتضح تعليم إيرينيوس عن الإنسان من الفقرة التى يصف فيها الإنسان الكامل المخلوق على صورة الله:

         [ أنه بيدى الآب، أعنى بالابن والروح خُلِق الإنسان ـ وليس مجرد جزء من الإنسان ـ خُلِق على مثال الله. فالنفس والروح هما بالتأكيد جزء من الإنسان وبالتأكيد أيضًا ليس هما الإنسان؛ لأن الإنسان الكامل يتكوّن من مزيج واتحاد النفس بنوالها روح الآب، وخليط تلك الطبيعة اللحمية التى جُبلت أيضًا على حسب صورة الله.. لأنه إذا استبعد أحد الجسد من صناعة يدى الله، واعتبر الروح فقط صنعته، فإن هذا لا يكون إنسانًا روحيًا بل يكون روح إنسان أو روح الله. ولكن حينما تتحد الروح المندمجة مع النفس بالجسد، يصير الإنسان روحانيًا وكاملاً بسبب انسكاب الروح عليه، وهذا هو “الإنسان” الذى صُنِع على صورة الله ومثاله. ولكن إن كانت النفس بلا روح، فالذى يكون هكذا هو فى الحقيقة من طبيعة حيوانية وإذ يبقى لحميًا، فسيكون كائنًا ناقصًا حتى إن كان يملك صورة الله فى تكوينه، ولكنه غير حاصل على المماثلة بواسطة الروح؛ ولهذا يكون غير كامل. ولذلك أيضًا، إذا استبعد أحدٌ الصورة ووضع الجسد جانبًا فإنه لا يستطيع عندئذٍ أن يفهم أن هذا الكائن هو إنسان ـ كما قلت سابقًا ـ أو كشئ ما آخر غير الإنسان. لأن ذلك الجسد الذى قد جُبِل ليس هو إنسانًا كاملاً بذاته، ولكنه جسد إنسان وجزء من إنسان، وكذلك النفس ذاتها إذا اعتُبرت بذاتها فقط (أى بدون الجسد)، فهى ليس إنسانًا بل هى نفس الإنسان وجزء من الإنسان. وكذلك أيضًا فإن الروح ليست إنسانًا، لأنها تُدعى الروح، ولا تُدعى الإنسان؛ ولكن امتزاج الثلاثة معًا واتحادهم يكوّن إنسانًا كاملاً] (AH5:6:1).

         وفى موضع آخر من نفس الكتاب يقول: [ إذن، يوجد ثلاثة عناصر ـ كما سبق أن أوضحت ـ يتكوّن منها الإنسان “الكامل” وهى: الجسد، والنفس، والروح[9]. أحد هذه الثلاثة هو الذى يُحفظ ويشكِّل، وهذا هو الروح. أما بالنسبة للعنصر الآخر فهو المتحد والمُشَكّل فذلك هو الجسد؛ والعنصر الثالث هو بين هذين الاثنين ذلك هو النفس التى فى بعض الأحيان حينما تسير وراء الروح تسمو  بواسطة الروح، ولكن فى أحيانٍ أخرى إن مالت ناحية الجسد فإنها تسقط فى الشهوات الجسدية. إذن فأولئك الناس الذين ليس عندهم ما يخلِّص ويشكِّل للحياة الأبدية وليس فيهم الوحدة فإنهم يكونوا “لحمًا ودمًا”[10]، وبذلك سيُدعون هكذا “لحمًا ودمًا”. لأن هؤلاء هم الذين ليس لهم روح الله فى أنفسهم ومثل هؤلاء تكلم عنهم الرب بأنهم أموات حين  قال ” دع الموتى يدفنون موتاهم” (لو60:10)، لأنه ليس عندهم الروح الذى يحيى الإنسان” (AH5:9:1).

         ويُفهم من تعليم القديس إيرينيوس عن الإنسان أن قبول العنصر الثالث وحفظه ـ أى الروح ـ والذى يتوقف عليه كمال الإنسان الجوهرى هو مشروط بإرادة الإنسان وسلوكه الروحى والأخلاقى. فحتى الوجود الأبدى للنفس يعتمد على سلوكها هنا على الأرض، لأن النفس ليست خالدة بطبيعتها. فإن خلودها أمر متصل بالنمو الروحى والأخلاقى. فالنفس يمكنها أن تصير خالدة إن كانت شاكرة لخالقها؛ وفى هذا يقول القديس إيرينيوس:

         [ لأنه كما أن السماء التى هى فوقنا، أى الجلد والشمس والقمر وبقية الكواكب، وكل عظمتها، ورغم أنها ليس لها وجود سابق، قد دُعيت إلى الوجود، وتستمر موجودة لفترة طويلة من الزمن بحسب إرادة الله، هكذا أيضًا فكل إنسان يفكر هكذا من جهة النفوس والأرواح وفى الواقع من جهة كل المخلوقات لن يضل فى تفكيره بأى حال. إذ أن كل الأشياء التى قد خُلقت لها بداية وذلك حينما صُنعت وتستمر موجودةً مادام الله يريد أن يكون لها وجود واستمرار … لأن الحياة لا تُنشأ منا ولا من طبيعتنا الخاصة، بل تُمنح لنا حسب نعمة الله. ولذلك فالإنسان الذى يحافظ على الحياة الممنوحة له ويشكر خالقه الذى وَهَبه إياها سوف ينال طول أيام إلى الأبد وإلى أبد الآبدين. أما ذلك الذى يرفض العطية (الحياة) ويبرهن على أنه غير شاكر لخالقه ـ إذ أن هذا الإنسان مخلوق ـ ولم يُقدِّر ذلك الذى منحه الحياة ولم يعرفه، فهذا الإنسان يحرم نفسه من امتياز الدوام إلى الأبد وأبد الآبدين] (AH2:34:3).

         ومن الجدير بالملاحظة كما يقول Massuet[11] إن عبارة القديس إيرينيوس “لذلك فهذا الإنسان يحرم نفسه من امتياز الدوام إلى الأبد”، ينبغى أن تُفهم بما يتفق مع تأكيدات القديس إيرينيوس المتكررة أن الأشرار سيكونون فى تعاسة إلى الأبد. فهذه العبارة إذن لا تشير إلى ملاشاة الأشرار كليةً بل الحرمان من السعادة.

 

كتاب ” الكرازة الرسولية ”

مقدمة:

         الهدف الذى من أجله كتب القديس إيرينيوس كتاب “الكرازة الرسولية”، واضحٌ بشكل صريح، إذ يذكر القديس إيرينيوس فى السطور الأولى للكتاب أنه يقصد أن يزود ماركيانوس بـ ” مذكرة مُلخصة” فى شكل نقاط أساسية يستطيع ماركيانوس بواسطتها “فهم كل أعضاء جسد الحقيقة”. وهكذا يكون كتاب “الكرازة الرسولية” هو اقدم ملخص للتعليم المسيحى، نجده معروضًا بطريقة غير جدليةٍ أو دفاعيةٍ بل بطريقةٍ إيجابية. ولهذا السبب فإن اكتشاف هذا الكتاب فى بداية القرن العشرين ولّد حماسًا وإثارة كبيرة؛ إذ أصبح بين ايدينا كتاب قام بتأليفه أسقف يعرّفنا عن نفسه بأنه قد عاشر أولئك الذين هم انفسهم قد عرفوا الرسل، كما أشرنا سابقًا. وهكذا يعرض إيرينيوس فى كتابه مضمون تعليم الرسل. ولقد وُصف هذا الكتاب بأنه مقالة “تعليمية وعظية”، يقدّم المسيحية فى خطوط عامة كما كان يشرحها فى ذلك العصر أسقف لرعيته. ولذلك، فإن قيمة مثل هذه الوثيقة تتجاوز ما يمكن أن نعرفه من تقدير وأهمية.

         الطريقة التى يعرض بها إيرينيوس المسيحية ليست هى المنهج الذى تعودنا عليه بتقديم المعتقدات اللاهوتية، ولكنه بدلاً من ذلك يتبع منهج العظات الكبيرة المُسجلة فى سفر الأعمال التى تروى كل أعمال الله الخلاصية التى تصل إلى ذروتها فى تمجيد ابنه المصلوب ربنا يسوع المسيح، وأيضًا انسكاب روحه القدوس وإعطاء قلب جديد، قلب لحم بدلاً من قلب الحجر.

         وأهم ما يلفت النظر فى كتابه أنه فى سرده لهذا التاريخ لا يستعمل كتابات العهد الجديد كمرجع لشرحه[12].

         من الواضح أن القديس إيرينيوس يعرف كتابات العهد الجديد، ويعتبرها جزءً من الكتاب المقدس، كما يتضح تمامًا من كتابه الآخر “ضد الهرطقات”، وأيضًا يتضح من كونه فى كتاب “الكرازة الرسولية” حينما يقتبس آية من العهد القديم ويُرجعها إلى المكان التى اقتُبست منه فى العهد القديم، فإنه كثيرًا ما يُعطى هذه الآية فى الصورة المكتوبة بها فى العهد الجديد (مثلاً، الآيات المنسوبة إلى إرميا النبى فى مت9:27ـ10 هذا الاقتباس فى فقرة81 من “الكرازة الرسولية”)، لكن من الجهة الأخرى فإنه يتحدث عن ولادة يسوع من العذراء وصُنعه للمعجزات مبينًا ذلك من إشعياء وغيره من الأنبياء، بينما أسماء بيلاطس البنطى وهيرودس مذكورة فى الأناجيل التى تقول إن المسيح قُيد وأُحضر أمامهما كما يبيّن هوشع، وأنه صُلِب وقام وتمجّد كما يشهد بذلك أنبياء آخرون. بل إن كل محتوى “الكرازة الرسولية” مُستقى فى نظر إيرينيوس من العهد القديم. وهذه الحقيقة بالتالى تتضمن الاعتراف بأصالة النصوص الكتابية، التى تحمل نفس أصالة الكرازة الرسولية.

 

التعليم الآبائى فى القرن الثانى قبل إيرينيوس:

         لكى نحصل على فهم أفضل لكتاب “الكرازة الرسولية” فمن المفيد أن نضع أمامنا باختصار بعض الكتابات المسيحية السابقة على إيرينيوس:

         إن أقدم كتابات مسيحية وصلتنا من عصر ما بعد الرسل، أى كتابات الآباء الرسوليين تشير بوضوح إلى أنهم كانوا يعرفون بدرجات متفاوتة بعضًا من كتابات الرسل ولكنهم فى أغلب الأحوال لم يكونوا يقتبسون من كتابات الرسل أو يستندون إليها كمصادر وحي يُعتمد عليها، أى باعتبارها أنها هى الكتاب المقدس. فعبارة “الكتب المقدسة” بالنسبة للآباء الرسوليين وهكذا بالنسبة للعهد الجديد نفسه إنما تشير إلى كتابات العهد القديم. فالبشارة الإنجيلية كانت إلى ذلك الوقت لا تزال فى معظم الأحوال فى مرحلة المناداة (أى الكرازة بالفم). فكتاب الديداخى (2:8، 5:9)، وكذلك رسالة اكليمندس الرومانى الأولى (13، 7:46ـ8) كلاهما يشيران صراحة إلى أقوال يسوع المسيح، ولكن ما يذكرانه وخاصة رسالة اكليمندس هى مجموعة من أقوال متنوعة معروضة بترتيب آخر غير المُدون فى الأناجيل. إضافة إلى ذلك فإن اكليمندس الرومانى يحث الكورنثيين أن “يتذكروا” هذه الأقوال، مما يُبيّن أن ما كان يشير إليه اكليمندس من المحتمل جدًا أن يكون تقليد شفهى مُسلّم احتفظ بأقوال الرب.

 

القديس أغناطيوس الأنطاكى:

         حالة القديس أغناطيوس الأنطاكى الذى عاش وكتب فى السنوات الأولى للقرن الثانى هى حالة مُلهمة بنوع خاص. فهو يشير إلى رسائل الرسول بولس (رسالة أغناطيوس إلى أفسس2:12) ولكنه لا يقتبس منها أبدًا، فعند أغناطيوس، المسيح هو محتوى إيماننا كما أنه المصدر المُطلق النهائى لإيماننا، كما سُلِّم إلينا بواسطة الرسل. فالقديس أغناطيوس يذهب بعيدًا جدًا أكثر من كل كُتّاب عصره فى تقديره لدور الرسل. ففى كل الرموز المتقابلة المُغرم بها فى كتاباته، يضع الأسقف والقسوس والشماس فى ناحية ويقابلهم بالآب والمسيح والرسل (انظر الرسالة إلى كنيسة تراليا3). ومن ناحية أخرى فالرسل عنده يُوضعون دائمًا فى المستوى الأرفع، مع المسيح وأبيه. هذا المستوى ينعكس بعد ذلك على الكنيسة، فى وجودها الخاص تاريخيًا وجغرافيًا، وذلك فى الرتب الثلاث: الأسقف، القسوس، الشماس، وتبعًا لذلك فإن أغناطيوس يُصرِّح أو يذكر بتكرار أنه هو كأسقف ليس مثل الرسل، لأنه ليس فى وضع يسمح له بأن يعطى أوامر أو يضع مبادئ أو تعاليم (عقائد) جديدة، فهذه التعاليم والعقائد تأتى فقط من الرب ورسله (انظر مغنيسيا13، رومية3:4، أفسس1:3،… إلخ). لقد كان أغناطيوس متشددًا  فى تأكيده لإعلان الرسل والأنبياء عن يسوع المسيح، كأساس لفهمه هو شخصيًا للكتاب المقدس (العهد القديم). فبحسب أغناطيوس فإننا ينبغى أن نعطى اهتمامًا كبيرًا للأنبياء، لأنهم هم أيضًا عاشوا بحسب يسوع المسيح وقد ألهمهم بنعمته (مغنيسيا2:8). وفى مقطع هام فى رسالته إلى كنيسة فلادلفيا فصلى 8و9، يسجل أغناطيوس مناقشة ربما يكون أجراها مع بعض أعضاء تلك الكنيسة. وبعد حثه لسامعيه أن لا يفعلوا شيئًا بعيدًا عما هو “بحسب تعليم المسيح”، فإنه يصف كيف أنه سمع البعض يقولون: “إن كنت لا أجد (هذا الكلام) فى “الكتب المقدسة” فلن أؤمن أنه يكون موجودًا فى الإنجيل”، أى أنهم سيقبلون الرسالة المسيحية فقط بمقدار ما تتفق مع “الوثائق المقدسة”، أى تتفق مع ما هو مكتوب قبل ذلك، أى كتاب العهد القديم. فكانت إجابة أغناطيوس أنها “مكتوبة”؛ مشيرًا بذلك ليس إلى نصوص العهد الجديد، بل يشير إلى يقينه الأكيد أن العهد القديم يحتوى بالفعل على الإعلان عن المسيح. ولكن معارضيه لم يقتنعوا بهذا التفسير للعهد القديم المتمركز حول المسيح. وفيما بعد حينما أدرك سبب الاختلاف فى الفهم، فإنه شرح موقفه بوضوح أكثر فى رسالته: [الوثائق بالنسبة لى هى يسوع المسيح، الوثائق المقدسة الثانية هى صليبه وموته وقيامته والإيمان الذى بواسطته. بهذا أريد أن أتبرر بصلواتكم… الكهنة مُكرّمون، ولكن رئيس الكهنة هو أعظم لأنه مُؤتمن على قدس الأقداس، وهو وحده أيضًا المؤتمن على أسرار الله. إذ أنه هو الباب المؤدى إلى الآب، الذى دخل منه إبراهيم وإسحق ويعقوب والأنبياء والرسل والكنيسة… كل هذه تؤدى إلى الوحدة مع الله. ولكن الإنجيل فيه شئ فريد: فيه مجيء المخلّص، ربنا يسوع المسيح، وآلامه وقيامته. فالأنبياء المحبوبون قد تنبأوا مشيرين إليه، أما الإنجيل هو اكتمال عدم الفساد] (فلادلفيا2:8ـ1:9).

         فبالنسبة لأغناطيوس، فإن يسوع المسيح، وآلامه وقيامته هو الإعلان الإلهى الوحيد والكامل؛ هذا الإعلان وحده هو الذى يخلّص. وهكذا فمن خلال هذا الباب وحده، يسوع المسيح صار الدخول للأنبياء، وللرسل وللكنيسة كلها إلى الآب. فحينما يقول أغناطيوس إن “الوثائق بالنسبة لى هى المسيح” فهو لا يعنى بذلك أن يسوع المسيح هو سلطة مختلفة تعلو الكتاب المقدس؛ بل بالحرى بالنسبة لأغناطيوس فإن العهد القديم هو ببساطة يسوع المسيح ـ الكلمة الذى صار جسدًا. فكل كتاب من العهد القديم يختص بإعلان الله هو مُطابق لإعلان الله المُعطَى فى المسيح كما كرز به الرسل؛ وبالعكس، فكل ما ينادى به الإنجيل قد سبق وكُتِب فى الكتاب المقدس. لكن هذا لا يقلل من قيمة إعلان المسيح نفسه كما يذكر أغناطيوس هذا بقوله؛ إن الإنجيل فيه شئ “فريد”، لأنه يذكر مجيء المسيح وآلامه وقيامته، بينما الأنبياء أشاروا فقط إليه. فبالنسبة لأغناطيوس والآباء الرسوليين الآخرين، اعتبروا الإنجيل المسيحى، الذى هو الإعلان الخاص بيسوع المسيح، وهو بصفة أساسية يُعتبر قراءة للكتاب المقدس متمركزة حول المسيح كما سُلِّم بواسطة الرسل، رغم أن كتابات هؤلاء الرسل لم يحدث أن اقتُبس منها لإثبات هذا التعليم، ولا تم الاقتباس منها باعتبارها كتاب مقدس.

 

يوستينوس الفيلسوف والشهيد:

         أهم شخصية سابقة على إيرينيوس، وكان له تأثير عميق بنوع خاص عليه هو القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد المدافع عن الإيمان، يوستينوس الذى كتب فى منتصف القرن الثانى هو أول كاتب من الآباء يستشهد بكتابات العهد الجديد، وهو يشير إليها على أنها “مذكرات” الرسل والتى يقول عنها أنها تُسمى “بالأناجيل” (الدفاع الأول3:66).

         واستعمال يوستينوس لمصطلح “مذكرات الرسل” لوصف الأناجيل تشير إلى أن هذه الكتابات كان لها بالنسبة له قيمة تاريخية فى المقام الأول، ربما أكثر من كونها إعلانًا مُوحى بها مما كان يقتضى عليه فى هذه الحالة أن يسمى هذه الكتابات “الكتاب المقدس”. ومع ذلك فهذا الاستخدام للمصطلح من جانب يوستينوس يوضح أن مذكرات الرسل المكتوبة كانت قد بدأت تأخذ بالنسبة ليوستينوس مصداقية الرسل أنفسهم، وهذه المصداقية هى التى بها يصير الإعلان أو الوحى المسيحى مُسلّمًا بطريقة فريدة.

          والأمر الأكثر أهمية جدًا من جهة فهمنا لكتاب إيرينيوس “الكرازة الرسولية” هو أنه رغم أن يوستينوس قد بدأ بالتأكيد يستخدم بعض الكتابات الرسولية، فهو يقتفى أثر الآباء الرسوليين فى رؤيتهم للإعلان المسيحى باعتباره قد سبق التنبؤ به فى كتب العهد القديم. وهذه النقطة لها عند يوستينوس قيمة دفاعية معينة ـ فما يؤمن به المسيحيون ليس مجرد إدعاءات حديثة، بل هو النبوات القديمة التى يستطيع أى إنسان أن يقرأها والتى تحققت الآن. هذا الكلام يتضمن تفسيرًا دائريًا للإعلان المسيحى: أى أن يوستينوس يقول إن النبوات قد تحققت فى المسيح وهكذا أيضًا فإن الإعلان المسيحى المُعطى من الرسل، هو المفتاح لفهم الرسالة التى سبق أن بشر بها الأنبياء:

         [ نجد فى كتب الأنبياء هذه، إذن يسوع مسيحنا يُخبر به على انه يأتى مولودًا من عذراء وينمو إلى قامة رجل، ويشفى كل مرض وكل ضعف ويقيم الموتى، وأنهم يبغضونه ولا يعترفون به، ويُصلب ويموت، ويقوم ثانية ويصعد إلى السماء، وإذ هو فى كيانه ابن الله ويُدعى ابن الله، وأنه يرسل أشخاصًا معينين إلى كل جنس من البشر مبشرين بهذه الأمور، والناس الذين من الأمم هم الذين يؤمنون به (أكثر من اليهود)] (الدفاع الأول7:31).

         أى أن تبشير الرسل ليس شيئًا آخر سوى النبوات التى نطقها الأنبياء، وقد بشر بها الرسل إذ أنها قد تحققت فى يسوع المسيح. وهذا يعنى أن الكرازة الرسولية هى من ناحية المفتاح لفهم العهد القديم، والتأكيد على تحقيقه، بينما من الناحية الأخرى فإن العهد القديم هو الذى يشكّل الإعلان المسيحى كله.

 

خطورة الغنوسية فى القرن الثانى:

         مما يساعدنا على تقدير قيمة كتاب إيرينيوس “الكرازة الرسولية” هو أن نبحث فى تعليم أولئك الهراطقة الغنوسيين الذين كشفهم إيرينيوس بكتاباته مما أدى إلى استبعادهم تدريجيًا من جسم الكنيسة الجامعة. وأبرز هؤلاء الغنوسيون هو ماركيون. فهؤلاء الغنوسيون استخدموا أجزاء من العهد القديم وأجزاء من الكتابات الرسولية مع عناصر أخرى عديدة مأخوذة من مصادر مختلفة. وكوّنوا من كل هذه العناصر أساطيرًا مُركبة وألفوا كُتبًا كثيرة، بعض هذه الكتب ادعوا أن لها أصالة تعليم الرسل. ولأن الغنوسيين لم يستطيعوا أن ينكروا الكتابات الرسولية المُعترف بها والتى لا يوجد بها أى أساس واضح لأساطيرهم، لذلك ادعوا أن الرب لم يعّلم هذه التعاليم الموجودة فى كتبهم علانية، بل بدلاً من ذلك علّم عددًا قليلاً من التلاميذ الأكثر جدارة بالثقة، وأعطاهم هذه المعرفة سرًا فى فترة ما بين القيامة والصعود أو فى فترة ما بعد التجلى؛ وأن هذه المعرفة السرّية انتقلت من شخص إلى آخر بالتقاليد الشفهية دون أن تظهر بوضوح فى الكتابات الرسولية المُعترف بها فى الكنيسة. بينما هذه المعرفة السرّية واضحة جدًا فى كتاباتهم الغنوسية. ومن الجدير بالذكر أن الغنوسيين كانوا يفسرون كتابات بولس الرسول وإنجيل القديس يوحنا بطريقة خاطئة ليدعموا أفكارهم. إذ يخبرنا القديس إيرينيوس أن شخصًا يُدعى بطلميوس كان تلميذًا لفلاندينوس الغنوسى الذى كان دائمًا ينادى بأن الإنجيل الرابع قد كتبه “يوحنا تلميذ الرب”، وذلك ليعطى مصداقية لتعاليمه الغنوسية التى كانت تعتمد على التفسير الخاطئ لهذا الإنجيل (AH1:8:5).

         وأيضًا هناك تلميذ آخر لفلاندينوس يُدعى هيراكليون هو الذى كتب تفسير لإنجيل يوحنا بين سنتى 170 ـ 180م تقريبًا. وهذا التفسير يكون بهذا الشكل الغنوسى ـ على قدر ما نعلم ـ أول تفسير مكتوب لأى سفر من أسفار العهد الجديد.

         وإن كان الخطر الذى مثلته الغنوسية هو الشمولية المتطرفة والجمع المُلفق بين عقائد دينية متعارضة، فإن التحدى الذى اثاره ماركيون هو العكس تمامًا فى تطرفه، وهو الاختصار وحذف بعض الأسفار من الكتب المقدسة. فقد أنكر ماركيون العهد القديم كله، وكذلك رفض معظم الكتابات الرسولية مُدعيًا أن أغلب الرسل قد أساءوا فهم الإعلان الحقيقى الأصلى ليسوع المسيح. فقد استند على تأكيد بولس الرسول فى غلاطية (6:1ـ10) أنه يوجد إنجيل واحد فقط ولكن الإخوة الكذبة غيّروه، وكان ماركيون يؤمن أن الرسل الآخرين قد أساءوا فهم يسوع المسيح باعتباره المسيا المنتظر المُرسل من إله العهد القديم الخالق، وهكذا شوُهوا رسالة الخلاص التى تعطى الحرية الحقيقية. هذا الخلاص الذى هو من الإله الحقيقى. لقد كان ماركيون مقتنعًا أن بولس هو الرسول الوحيد الذى فهم يسوع المسيح فهمًا كاملاً، يسوع المسيح الذى هو إعلان الإله الواحد الحقيقى ـ ولكن رغم هذا فإن ماركيون أعاد كتابة رسائل بولس وحذف منها وأدخل عليها تغييرات، فمثلاً فيما يخص إبراهيم ونسله عندما يتكلّم الرسول بولس فى (غلا16:3ـ6:4) عن المواعيد التى أُعطيت لإبراهيم وكيف أنها تحققت فى نسله أى المسيح نجد أن ماركيون قد قام بحذف هذا الجزء من غلاطية لأنه يتعارض مع اعتقاده بأن العهد القديم غير مُوحى به من الله. كما كان ماركيون لا يثق سوى فى إنجيل واحد هو إنجيل القديس لوقا تلميذ بولس. ولكن هذا لم يمنع ماركيون أيضًا من حذف بعض الأجزاء حتى من هذا الإنجيل.

 

منهج إيرينيوس فى كتاب ”الكرازة الرسولية”:

         يبنى القديس إيرينيوس كتابه على أعمال الكُتّاب المسيحيين السابقين له، وهو يتخذ موقفًا حاسمًا ومدروسًا ضد كل من ماركيون والغنوسيين. فإيرينيوس هو أول أب من آباء الكنيسة يستخدم الكتابات الرسولية ويقول إنها من الكتاب المقدس. فهو يعرف نصوص العهد الجديد كلها التى نعترف بها نحن الآن ويستخدمها بالفعل فى كتاباته. وهو يُصرّ على أن الأناجيل لا يمكن أن تكون أكثر أو أقل من أربعة أو بالأحرى إنجيل واحد له أربعة أوجه. وهو فى كتابه الكبير ” ضد الهرطقات” بعد أن يصف أنظمة الغنوسيين فى الجزء الأول من كتاب “ضد الهرطقات”، ثم يوضح تناقضاتهم الموجودة فيها فى الجزء الثانى، ثم ينتقل فى الأجزاء الثالث والرابع والخامس إلى الشرح من الكتاب المقدس، وأيضًا الشرح من الرسل الذين كتبوا الإنجيل، والذين سجلوا فيه التعليم عن الله، مبينين فيه أن ربنا يسوع المسيح هو الحق ولا يوجد فيه غش (ضد الهرطقات AH3:5:1). وبعد ذلك ينسج بمهارة مقاطع من العهد القديم مع مقاطع من العهد الجديد، لكى يوضح أنه لا يوجد سوى إله واحد الذى أعلن عن نفسه للجنس البشرى الواحد فى ابنه الوحيد يسوع المسيح بالروح القدس الواحد، وذلك بواسطة التدبير الإلهى الذى يخيّم على الكل على مدى التاريخ.

         وكما سبق أن أشرنا فإن إيرينيوس فى كتابه “الكرازة الرسولية”، لا يستخدم الكتابات الرسولية كثيرًا وبشكل صريح. هو يشير إلى الرسل فى الفصول 3و41و46و47و86و98و99، ويقتبس من الرسول بولس ثلاث مرات، ومرة يشير إليه على أنه رسول المسيح فى فصل 5و8و87، ويقتبس من تلميذ المسيح يوحنا مرتين فى فصلى 43و94. وفيما عدا هذه الإشارات القليلة، فإن إيرينيوس يشرح “الكرازة الرسولية” ببساطة ضمن إطار قراءة العهد القديم المتمركزة حول المسيح تلك القراءة التى ميّزت التعاليم المسيحية فى القرن الثانى.

         إن منهج القديس إيرينيوس الخاص فى كتابه “الكرازة الرسولية” سبق أن أشار إليه بوضوح كل من أغناطيوس الأنطاكى ويوستينوس، ونقصد هنا قراءة العهد القديم المتمركزة حول المسيح. وهذا المنهج فى الواقع يُنسب إلى يسوع المسيح نفسه بعد القيامة، الذى ” ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهم الأمور الخاصة به فى جميع الكتب” (لو27:24). وأكثر من ذلك فإن عددًا كبيرًا من النصوص الكتابية التى استخدمها إيرينيوس كان يوستينوس قد سبق باستخدامها لنفس الغرض. وفى أغلب الحالات بنفس تجميع الآيات مع بعضها وبنفس طريقة ترتيبها، فإما أن يكون إيرينيوس قد استقى فى كتابته كثيرًا من يوستينوس أو أن يكون كلاهما قد استقى من مصدر مشترك.

         ومع ذلك فإن فرادة إيرينيوس فى كتاب “الكرازة الرسولية” تكمن ليس فى التحليل النظرى للموضوع، بل فى عرضه الشامل والواضح الذى قدّمه. وبينما كان يوستينوس يتجول من موضوع إلى موضوع بدون تنسيق واضح، فإن إيرينيوس كان يعالج أو يقدم شرحًا للكرازة الرسولية بسهولة، بخصوص عمل الله منذ بداية الخليقة حتى يصل إلى تمجيد ابن الله بصعوده إلى المجد.

         ومما سبق أن قلناه بخصوص عرض “الإعلان المسيحى” فى كتابات القرن الثانى، يتضّح أنه كان هناك مشروعان مرتبطان معًا: الأول هو توضيح أو كشف محتوى الكتاب المقدس، العهد القديم فيما يختص بإعلان يسوع المسيح كما بشر به الرسل؛ والثانى هو الاعتراف بالإصالة الكتابية لتلك الكرازة الرسولية بإظهار أن كرازة الرسل التى كان مركزها يسوع المسيح كما صيغت فى الكتاب المقدس، قد سبق التنبؤ بها كما هى.

         هاتان المهمتان عبّر عنهما القديس إيرينيوس بكلمة واحدة هى επίδειξις أى شرح أو برهان للكرازة الرسولية.

 

محتوى كتاب ”الكرازة الرسولية”:

         يحتوى كتاب “الكرازة الرسولية” للقديس إيرينيوس:

أولاً: مقدمة قصيرة (فصول 1ـ3أ).

ثانيًا: قسمان كبيران:

         القسم الأول (فصول3ب ـ42أ).

         القسم الثانى (فصول 42ب ـ97)

ثالثًا: خاتمة (فصول98ـ100).

أولاً: مقدمة قصيرة:

         يبدأ القديس إيرينيوس كتاب “الكرازة الرسولية” بمقدمة قصيرة فى الفصول من (1ـ3أ)، ويذكر فى هذه المقدمة أنه بهذا الكتاب يرجو أن يقوى إيمان ماركيونوس، الشخص المُرسل له هذا الكتاب. وذلك بواسطة عرض مختصر “لكرازة الحق”. ويذكِّر إيرينيوس ماركيانوس أنه إذا أردنا أن نجتاز الطريق الوحيد نحو حضرة الله فإنه يلزمنا قداسة الجسد، أى الابتعاد عن مخالفة وصايا الله، وكذلك قداسة النفس، أى حفظ الإيمان بالله. وينبغى أن نتجنب الأنواع الثلاثة من الناس المذكورين فى (مز1:1):

         الأشرار، أى الذين لا يعرفون الله؛

         والخطاة، أى الذين يعرفونه ولكنهم لا يطيعون وصاياه؛

         والمستهزئون، وهم أولئك الذين يُضّلون أنفسهم والآخرين بواسطة تعاليمهم السامة.

         فلكى نخلص، من الضرورى أن نحفظ قاعدة الإيمان، وأيضًا أن نطيع وصايا الله، لأن الإيمان يتحقق فى العمل، والإيمان نفسه مُؤسس على ما هو حقيقى.

 

القسم الأول:

         وبعد هذه المقدمة القصيرة يأتى القسم الأول، وهو يحوى كما ذكرنا فصول (3ب ـ42أ). ويعطى إيرينيوس فى هذا القسم شرحًا للكرازة الرسولية. وهذا القسم ينقسم بدوره إلى ثلاثة أجزاء.

الجزء الأول: موضوعه “الله والإنسان”، وهو يحوى الفصول (3ب ـ16). وكما سبق أن أكد إيرينيوس فى نهاية المقدمة، فإن الإيمان يتأسس ويُبنى على ما هو صادق حقًا، وبذلك، فإننا يجب أن “نؤمن بما هو حقيقى كما هو فى الواقع”، حتى أننا “إذ نؤمن بما هو موجود حقًا كما هو فعلاً[13]، فإننا نحفظ اعتقادنا ثابتًا” (فصل3). والحق الكتابى بخصوص الإله الواحد، الاب: أنه هو خالق الكل؛ فهو يخلص كل الأشياء بكلمته ويزينها بروحه (فصل5). وهذا الاعتراف الثلاثى بالله الآب، والابن يسوع المسيح، والروح القدس، هو أساس إيماننا وسند سلوكنا (فصل6)؛ ومعموديتنا تتم بالاعتراف بهؤلاء الثلاثة، والمعمودية تجددنا لله بابنه بواسطة الروح (فصل7). فإن كان هذا هو الحق عن الله، فإن الحق من جهة الإنسان هو أنه “مخلوق”، “الله يخلق، أما الإنسان فمخلوق” (انظر AH4:11:2). وبعد أن يصف إيرينيوس السموات السبعة مع الجمع غير المُحصى الذى للقوات الملائكية (الفصلان9و10)، فإن إيرينيوس يصف الحق الخاص بالإنسان عن طريق شرح (تك3:1). فالله صنع من الطين مخلوقًا يحمل صورته فى جسده وفى روحه نسمة الحياة، كما صنع له معينًا ووضعهما معًا فى الفردوس (فصول 11ـ14). إن حقيقة العلاقة بين الخالق وخليقته تتضح من الوصية التى اعطاها الله للإنسان، والتى كان القصد منها أن يعلّمه “إن سيده وربه هو رب الكل” (فصل15). وكون أن الإنسان لم يحفظ هذه الوصية فهذه طبعًا هى الحقيقة الأخرى المختصة بالإنسان والتى تحدد حقيقة وضعه خارج الفردوس (فصل16).

الجزء الثانى: فصول (17ـ30)، يصف فيه القديس إيرينيوس تاريخ إعداد الله البشرية للخلاص الذى تمّ بابنه. فبعد موت قايين انتشر الشر فى الأرض كلها وفى أيام نوح لم يكن غيره وحده إنسان بار (فصول 17ـ18). ثم بعد تطهير الأرض بواسطة الطوفان، فإن ابن نوح الأصغر “حام” لُعن لعدم تقواه، واللعنة امتدت إلى كل نسله، بينما ابنا نوح الآخران سام ويافث، فقد نالا بركة ورثها أحفادهما (فصول19ـ23). وبركة سام ورثها إبراهيم، الذى طلب الله وتبرر بالإيمان، وبعد ذلك ورث إسحق هذه البركة وبعده ورثها يعقوب (فصل24). ثم أنقذ الله أحفاد إبراهيم من مصر بواسطة موسى، وهكذا كشف لهم سر الفصح، وأعطى الوصايا العشر لموسى (فصول25ـ26). وقبل دخول أرض الموعد هيأ موسى الشعب بأن أعاد تذكيرهم بأعمال الله العظيمة، ووضع لهم ناموسًا جديدًا وهو التثنية (فصل28). وأخيرًا فإن الله أتى بشعبه من البرية إلى أرض الموعد بواسطة يشوع بن نون الذى سُمى “يسوع”، ” الاسم الوحيد الذى يستطيع أن يُخلِّص” (فصول27 ـ29). وفى تلك الأرض، سكن داود الملك فى أورشليم؛ وفيها بُنى الهيكل على اسم الله، والأنبياء كانوا يحثون الشعب أن يرجعوا إلى إله آباءهم مُعلنين لهم أيضًا عن الإعلان الآتى الخاص بالرب يسوع المسيح، ابن داود وإبراهيم حسب الجسد، وابن الله بحسب الروح (فصول29ـ30).

الجزء الثالث فصول (31ـ40أ)، يواصل الحديث عن الخلاص الذى أتمه ابن الله، فإن الرب بفضل ولادته من عذراء كان له نفس الجسد مثل ابينا الأول آدم، من أرض عذراء، ولكن بينما كان الرب سالكًا بالطاعة فإن آدم كان عاصيًا، وهكذا فإن الرب أتى إلينا بالخلاص وقاد الإنسان إلى الشركة مع الله (فصل31ـ32)، كما يشير أيضًا للتقابل بين حواء ومريم، وبين الشجرة والصليب (فصلى33ـ34).

         وبواسطة العمل الخلاصى هذا تحققت المواعيد التى أُعطيت لإبراهيم ولداود (فصلى35ـ36)، ويؤكد إيرينيوس أن المسيح وُلد حقًا، ومات وقام مبينًا تقدمه فى كل شئ (فصول37ـ40أ).

         ثم يختم إيرينيوس القسم الأول فى الفصول (40ب ـ 42أ) لكى يلخص كيف أن الذى بُشر به بواسطة الناموس والأنبياء، أى ابن الآب، قد وُلِد من العذراء مريم بالروح القدس. هذه العذراء التى من نسل إبراهيم وداود، وأن يسوع الذى هو مسيح الله هو فى الحقيقة ذاك الذى سبق وأنبأ عنه الأنبياء (فصل 40ب). كما أن يوحنا المعمدان السابق له، قد أعدَّ الشعب لنوال كلمة الحياة. وقد أرسل المسيح تلاميذه ورسله والذين عاينوه إلى كل العالم لكى “يدعو الأمم ليسكنوا فى مساكن سام” ـ هذه هى ثمرة بركة يافث التى أُعلنت فى الكنيسة أى دعوة الأمم بحسب وعد الله (فصول41ـ42أ).

 

القسم الثانى:

         بعد أن استعرض القديس إيرينيوس تاريخ عمل الله الخلاصى، فإنه ينتقل إلى القسم الثانى من الكتاب، والذى يشمل كما ذكرنا الفصول (42ب ـ97). هذا القسم الثانى يختص بشرح “الكرازة الرسولية” عن طريق البرهنة عليها من الكتاب المقدس. وهذا واضحٌ تمامًا فى الفصل الافتتاحى (42ب) الذى يصف فيه إيرينيوس كيف أن كل الأشياء التى تمت فى يسوع المسيح سبق التنبؤ بها بواسطة الأنبياء، وأنها تحققت فى النهاية تمامًا كما سبق التنبؤ بها وذلك يجعلنا نوقن أن الله هو الذى أعلن لنا خلاصنا.

         ويمكن تقسيم هذا القسم الثانى إلى أربعة أجزاء متميزة:

الجزء الأول الفصول (43ـ52) يهتم فيه إيرينيوس بتوضيح الوجود الأزلى ليسوع المسيح. وهنا يستند على إصرار أغناطيوس على أن العهد القديم هو يسوع المسيح. فإن كانت الكرازة الرسولية الخاصة بيسوع المسيح هى إعلان الله الحاسم، أى كلمة الله، الذى تطلّع إليه كل رؤساء الآباء والأنبياء، فإنه يمكننا أن نرى الأمر بطريقة عكسية، ونؤكد أن الرب يسوع المسيح هو نفسه الذى ظهر وتحدث إلى إبراهيم وموسى (انظر ضد الهرطقات AH4:9:1). فبالنسبة لإيرينيوس توجد علاقة تبادلية بين رؤساء الآباء، الذين أُعطيت لهم المواعيد، وبين نسلهم الذين رأوا هذا الوعد يتحقق[14].

         وتبعًا لذلك ففى هذا الجزء من “الكرازة الرسولية” يوضح إيرينيوس من نصوص الكتاب المقدس كيف أن الابن، الذى نعرفه الآن ـ كواقع تاريخى ـ هو يسوع المسيح، وأنه كان فى البدء مع الآب (فصل43)، وكيف ظهر لإبراهيم (فصل44) ويعقوب (فصل45)، وتكلّم مع موسى من العليقة (فصل46)، وكيف يتكلّم داود وإشعياء عن الآب والابن (فصول47ـ51). ولكن بينما أن الابن بالنسبة لله هو كائن منذ البدء، قبل الخليقة فإنه صار معروفًا بالنسبة لنا الآن فقط، وذلك عندما كُشف لنا باسم يسوع المسيح (فصل43). وهكذا فإن كل الرؤى القديمة هى أحداث نبوية تنبأت بالأمور التى سوف تحدث (فصلى44ـ45). ويختم إيرينيوس بإعادة التأكيد بأن الكتاب المقدس يقول بوضوح إن المسيح هو ابن الله من قبل وجود العالم، وهو كائن مع الآب ومع الناس. وإنه هو يخلّص جميع الذين يؤمنون به (فصل52).

وفى الجزء الثانى من القسم الثانى (فصول53ـ66) يتحدث إيرينيوس عن ولادة المسيح بالجسد، مستندًا على شهادات من إشعياء (فصول53ـ57، 59ـ61، 65)، وعلى شهادات من موسى (فصلى 57ـ58)، وعاموس (فصل62)، وميخا (فصل63)، وداود (فصل64)، هذه الشهادات تؤكد أن ابن الله سيُولد، كما أنها تصف كيف يُولد، وأنه هو المسيح، وهو الملك الأبدى الوحيد (فصل66).

وفى الجزء الثالث من القسم الثانى، فإن إيرينيوس يوضح كيف أنه سبق التنبؤ (عن المسيح) بأنه سيُجرى معجزات وأشفية (فصل67 من مقاطع من سفر إشعياء)، وأنه سوف يُجلد (فصلى68ـ 69أ، من إشعياء وداود)، وأنه سوف يتألم، وسوف يُحكم عليه، وعن جيله الذى لا يستطيع أحد أن يخبر عنه (فصول69ب ـ 70، من إشعياء)، وأنه سيحضرونه مُقيدًا إلى الملك (فصل77، من هوشع)، وأن ثيابه ستُقسّم (فصل80، من المزامير)، وأنه سيُباع بثلاثين من الفضة (فصل81، من إرميا)، وأنه سيُعطى مُرًا ليشرب (فصل82، من مزامير داود)، وأنه يموت على الصليب (فصول71ـ76، 79، من إرميا، وإشعياء، وداود، وزكريا)، وأخيرًا يقوم ويتمجّد ويرتفع إلى يمين الآب (فصول 72ب، 83ـ85، من مزامير داود).

         ويختم إيرينيوس القسم الثانى من “الكرازة الرسولية” بالجزء الرابع (فصول86ـ97) موضحًا كيف أن دعوة الأمم بواسطة الرسل قد سبق وتنبأ عنها الأنبياء (فصل86). هذه الدعوة تحققت ليس بفرائض الناموس، بل بكلمة الإيمان البسيطة (فصل87). وأولئك الذين خلصوا دُعوا باسم جديد (فصل88)، ولذلك فلا ينبغى ان يعود أحد للوراء مرة أخرى إلى الناموس الذى قد تمَّ تحقيقه بواسطة المسيح (فصل89). إن ناموس الله الآب مكتوب على قلوبهم الجديدة التى من اللحم حتى أن الإنسان يستطيع الآن أن يثق فى خالقه (فصل 90ـ93). وبواسطة هذه الدعوة وتغيير القلب الذى يتم بالكلمة الصائر جسدًا والساكن بيننا، فإن التى كانت عاقرًا فى السابق قد ولدت عددًا كبيرًا من الأولاد أكثر من المجمع القديم (فصل94). فأولئك الذين لم يكونوا شعبًا هم الآن شعب الله الذين يعرفون رب الناموس، ليس لهم حاجة للمؤدب السابق (الناموس) (فصلى95ـ96) فالمسيح الذى قد ظهر على الأرض وتحدّث مع البشر قد أدمج روح الله مع خليقة الله (صنعة يدى الله) الذين كُوّنوا بحكمة من التراب، لكى يصير الإنسان فى النهاية حسب صورة الله ومثاله (فصل97).

 

الخاتمة:

         ويختم إيرينيوس كتابه “الكرازة الرسولية” بأن يكرر النصيحة التى أعطاها فى المقدمة: أننا يجب أن نتمسك بكرازة الحق التى أعلنها الأنبياء، والتى ثبّتها المسيح، والتى سلّمها الرسل ونتجنب كل المعاملات مع أولئك الذين يفكرون فى آلهة أخرى لأنفسهم، محتقرين الله الذى هو “الكائن” حقًا، ومنكرين مجيء ابنه وعطية الروح القدس.

 

منهج القديس إيرينيوس فى تفسير الكتاب المقدس:

         منهج القديس إيرينيوس فى تفسير الكتاب هو أنه ينبغى أن يُشرح على أساس الكتاب نفسه، وهو يذكر هذا المبدأ صراحة فى كتابه “ضد الهرطقات” بقوله: [تفسيرات نصوص الكتب المقدسة لا يمكن شرحها إلاّ من الكتب المقدسة نفسها] (ضد الهرطقات AH3:12:9)، وفى موضع آخر من نفس الكتاب يقول: [ فإن كانت بعض مقاطع الكتاب تبدو غامضةً، فيجب أن نحاول فهمها بواسطة ما هو واضح وظاهر فى الكتاب نفسه وليس بأى طريقة تفكير خارجية] (ضد الهرطقات AH2:27-28). ولهذا السبب بالتحديد انتقد إيرينيوس الغنوسيين لأنهم أسسوا تفسيرهم للكتب على أساس مبادئ غير كتابية، فبعد أن يفند القديس إيرينيوس بعض أساطيرهم، يقول:

         [ هذه هى طريقتهم التى لم يتنبأ بها الأنبياء، ولا الرب علّم لها، ولا الرسل سلّموها إلينا، فهم يفتخرون بصوتٍ عالٍ أنهم يعرفون أكثر من الآخرين. وهم يستندون فى هذا على مصادر خارج الكتاب المقدس، وكما يقول المثل الشعبى فهم يحاولون أن يضفروا حبالاً من الرمل. إنهم يحاولون أن يجعلوا أمثال الرب، أو أقوال الأنبياء، أو كلمات الرسل تتوافق مع أقوالهم بطريقة تجعل الناس يصدقونهم، حتى لا يبدو تلفيقهم أنه بدون مرجع. فهم يتجاهلون نظام الكتب المقدسة وترابطها مع بعضها. وبتجاهلهم لهذا الترابط فى الكتاب الذى يكمن فيه أساس الحق فإنهم يفككون أعضاء الحق] (ضد الهرطقات AH1:8:1).

         ويوضح إيرينيوس طريقة استعمال الكتاب، بأن يقارنها بما يفعله بشخص أو إنسان عندما يأخذ صورة جميلة من الفسيفساء لملك صنعها فنان ماهر من أحجار ثمينة، ثم يعيد ترتيب هذه الأحجار الكريمة التى فيها ليصنع منها صورة كلب أو ثعلب، ثم زعم أن هذه الصورة هى الصورة الأصلية التى صنعها الفنان الأول، ويعلّل قائلاً إن الحجارة أصيلة. والحق أن التصميم قد تهدم و”ضاع نموذج الإنسان الموضوع”. هذا بالضبط ما يفعله الهراطقة بالكتاب المقدس “ويقطعون أوصال الحقيقة”. إن كلماتهم وتعبيرهم وأمثالهم أصيلة، ولكن قياسهم (أو تصميمهم) مزاجى وخاطئ، فيقول: ” بنفس الطريقة فإن هؤلاء الناس يرقعون معًا خرافات العجائز ويقتلعون كلمات وأقوال وأمثال من هنا وهناك ويريدون أن يجعلوا كلمات الله تتكيف مع خرافاتهم” (ضد الهرطقات AH1:9:1).

         وفى مثال آخر، يصف إيرينيوس كيف أن بعض الناس يأخذون سطورًا متنوعة من كتابان هوميروس ثم يعيدون ترتيبها. وقد تخدع هذه السطور أولئك الذين ليس لهم سوى معرفة عابرة لهوميروس، لكنها لا تخدع أولئك المتمكنين جيدًا من معرفة أشعاره؛ وهؤلاء يستطيعون أن يعرفوا السطور المقتبسة تمامًا ويعرفون مكانها ثم يعيدونها إلى سياقها الصحيح (ضد الهرطقات AH1:9:4).

         وبنفس الطريقة يواصل إيرينيوس كلامه فيقول: [.. أى إنسان يحفظ فى نفسه قاعدة الحق غير المتغيّر الذى استلمه بواسطة المعمودية فإنه سيعرف الأسماء والأقوال والأمثال المأخوذة من الكتب المقدسة… لأنه إن عرف الجواهر، فإنه لن يقبل صورة الثعلب على أنها صورة الملك، بل هو سوف يعيد كل مقطع من المقاطع إلى مكانه الصحيح، إذ يكون منسجمًا ضمن جسم الحقيقة، وهكذا هو يفضح تلفيقهم ويبيّن أنهم بلا سند] (ضد الهرطقات AH1:9:4).

         وبعد ذلك يعطى إيرينيوس وصفًا شاملاً لـ”قانون الحق المُسلّم فى المعمودية”، الذى له ثلاثة بنود أساسية، وهى: الإيمان المُسلّم من الرسل بإله واحد الله الآب، والرب الواحد المصلوب والمُقام يسوع المسيح، والروح القدس” (انظر AH1:10:1).

         وقانون الحق المُعطى فى كتاب “الكرازة الرسولية” (فصلى6و7) رغم أنه مختصر عن ما ورد فى كتاب “ضد الهرطقات”، إلاّ أنه مبنى على البنود المحورية الثلاثة: الآب، والابن، والروح القدس، الذين باسمهم تتم معموديتنا.

         ومع ذلك، فإن هذه البنود الثلاثة هى جوهر  قانون الحق، وليست مجرد عناصر منفصلة لمعتقدات لاهوتية. ولذلك فهى عند إيرينيوس مرتبطة بلا انفصال مع ترتيب وترابط الكتب المقدسة (انظر AH1:8:1). وهذا الترتيب والارتباط هو طبعًا ما يصفه إيرينيوس بطريقة مختصرة فى كتاب “الكرازة الرسولية” لكى: “بواسطة هذا الكتاب الصغير يمكنك أن تفهم كل أعضاء جسد الحقيقة” (فصل1 من الكرازة الرسولية) التى هى الكتاب المقدس نفسه. وبكتابته لكتاب “الكرازة الرسولية” فإن إيرينيوس ـ الذى هو أكثر من أى كاتب آخر سابق له ـ حدّد وعرّف الكتاب المقدس كما نعرفه نحن الآن وثبته فى مكانه الصحيح والأساسى. وبهذا فإن القديس إيرينيوس قد أعطانا نموذجًا لا مثيل له عن كيف نقترب من الحقائق المُعلنة فى الكتاب وكيف نفهمها. وفى هذا تكمن الأهمية الفائقة لهذا الكتاب المختصر.

 

النص الأصلى لكتاب ”الكرازة الرسولية” وترجماته:

المخطوطات والطبعات والترجمات:

         كتاب “الكرازة الرسولية”  هو مقال فى صورة رسالة مُرسلة إلى شخص يُدعى ماركيانوس. وكان هذا المقال معروفًا منذ القديم إذ أن يوسابيوس المؤرخ أشار إليه فى كتابه “تاريخ الكنيسة” (كتاب36:5). ولكن بعد هذه الإشارة منذ القرن الرابع يبدو أن هذا الكتاب اختفى تمامًا، ولم يُعثر على أى آثار له. ولكن فى شهر ديسمبر سنة 1904م عثر الأرشمندريت الأرمنى “كارابت تيرمكيرتشيان” (Karapet Ter-Mekerttschian) على مخطوط فى مكتبة كنيسة والدة الإله فى إيرفان Erevan بأرمينيا، ثبت فيما بعد أنه يحوى ترجمة أرمينية قديمة للكتابين الرابع والخامس من كتاب “ضد الهرطقات” للقديس إيرينيوس، وأيضًا كتابه “الكرازة الرسولية”. وهذا المخطوط محفوظ الآن فى ماتينا داران بإيرفان (مخطوط رقم 3710). وبحسب ما وُجد مُسجلاً فى نهاية المخطوط فإن المخطوط كان مِلكًا لرئيس الأساقفة تير جوهانس  Ter Johannes” شقيق الملك المقدس” هذا الملك من المحتمل أن يكون Haïtoun I هايتون الأول (1226ـ1269م) الذى اشتهر شقيقه الأصغر بأنه كان عالمًا كبيرًا، وكان أسقفًا (1259م) إلى أن توفى سنة 1289م، لذلك يمكن أن يكون تاريخ المخطوط هو حوالى منتصف النصف الثانى من القرن الثالث عشر، رقم أن الترجمة ـ كما سنرى فيما بعد ـ قد تمت قبل هذا التاريخ بعدة قرون. ونص هذه المخطوط نُشر لأول مرة سنة 1907م مع ترجمة ألمانية ومُقدمة وملاحظات مختصرة قام بها العالِم اللاهوتى المشهور أدولف هارناك وهو الذى قسّم النص إلى مائة فصل.

         وبعد ذلك تُرجم النص الأرمنى إلى اللغة اللاتينية بواسطة       S. Weber، وحينما أُعيد طبع النص الأرمنى سنة 1919م صدرت معه ترجمة إنجليزية وأخرى فرنسية، وتضمنت هذه الطبعة التى صدرت سنة 1919م وصفًا للمخطوط، وتضمنت أيضًا بعض الملاحظات عن وجود تنقيحات فى المخطوط الأرمنى. وصدرت بعد ذلك ترجمات أخرى من بينها ترجمة إنجليزية ثانية قام بها          J. Armitage Robinson[15].

         وبعد فترة ركود لعدة عشرات من السنين ظهرت ترجمتان أخريتان ساهمت كلاهما فى ازدياد فهمنا للنص. الترجمة الأولى إلى الإنجليزية قام بها J.P. Smith واحتوت إلى جانب النص الأرمنى، ملاحظات كثيرة جدًا ملأت عدد صفحات أكثر من النص نفسه[16]، الأمر الذى جعل البروفيسور John Bher أستاذ علم الآباء بمعهد القديس فلاديمير الأرثوذكسى اللاهوتى بالولايات المتحدة الأمريكية أن يقول إن العالِم سميث قام بجهد كبير فى بحث المخطوطة الأرمينية وقيّم كل الترجمات السابقة واقترح تنقيحات للمخطوط.

         والترجمة الثانية التى تمت بعد الأولى بسنوات قليلة هى ترجمة فرنسية جديدة أعدّها L.M. Froidevaux وقد نُشرت فى سلسلة المصادر المسيحية بالفرنسية SC. 62 سنة 1959م. وقد أضافت هذه الترجمة ملاحظات كثيرة على ما قدمه سميث، إلاّ أن مساهمتها الهامة جدًا هى الملحق الموجود بها الذى يحوى مقارنة بين الترجمات، أعدّها Charles Mercier. هذه المقارنة موجودة أصلاً فى المخطوط P.O. 12:5 (مع ميكروفيلم لمخطوط إيرفان 3710).

         وقد اكتُشفت فيما بعد مخطوطتان بهما اقتبسات صغيرة من كتاب “الكرازة الرسولية”. المخطوط الأول يُسمى “ختم الإيمان”، اكتشفه نفس مُكتشف المخطوط الأول Bishop Karapet Ter-Mekerttschian لكن سنة 1911م فى دير القديس اسطفانوس بداراشامب Darachamb، وهذا المخطوط يرجع تاريخ كتابته إلى القرن الثالث عشر. والمخطوط الثانى يرجع إلى القرن الرابع عشر ويُعرف باسم “جالاطا54” وُجد فى دير القديس يعقوب للأرمن بأورشليم، وهو الآن محفوظ فى مكتبة البطريركية الأرمينية بإسطنبول.

         وأخيرًا بعد فترة ركود ثانية قام A. Rousseau بعد أن أكمل نشره لكتاب “ضد الهرطقات” فى سلسلة SC.، نشر ما يجب أن يُعتبر طبعة قياسية لكتاب “الكرازة الرسولية” باللغة الفرنسية طبعًا. وفى هذه الطبعة نشر روسو بالإضافة إلى النص الأرمنى نفسه، ترجمتين إحداهما لاتينية والأخرى فرنسية. ويرى روسو صاحب الترجمة الفرنسية أن النص الأرمنى قد تُرجم أصلاً  عن اللغة اليونانية بتصرف. وتحتوى أيضًا طبعة روسو التى نُشرت فى SC. سنة 1995، ملاحظات مستفيضة وصلت إلى عدد صفحات أكثر من النص نفسه، كما يختم طبعته هذه بستة ملاحق عن تعاليم القديس إيرينيوس اللاهوتية، ومقارنات بين الترجمات المختلفة للنص الأرمنى. وبهذا يكون عمل روسو حسب رأى جون بهر John Behr إنجازًا ملحوظًا فى مجال البحث الآبائى.

 

المراجع التى استُخدمت فى إعداد المقدمة عن

حياة القديس إيرينيوس وتعليمه اللاهوتى

  • JOHANNES Quasten: PATROLOGY, published 1950, reprinted by Christian Classic, INC., 1983, Westminster, Maryland S.A. Vol. I, ps. 287-315.
  • ANTE- NICENE FATHERS, 1884, reprinted by Hendrickson Publishers, INC., 1994, O. Box 3473, Peabody, Massachusettes 01961-3473. U.S.A. Vol. I, ps. 309-313.

3 ـ تاريخ الكنيسة ـ للأسقف يوسابيوس القيصرى،

                          الكتاب الرابع: فصل 21، ص 190

                          الكتاب الخامس: فصل 4، ص 217

                          الكتاب الخامس: فصل 8، ص 222.

تعريب القمص مرقس داود، نشر مكتبة المحبة، الطبعة الثانية، القاهرة 1970.

 

المراجع التى رجعنا إليها لترجمة

كتاب ”شرح الكرازة  الرسولية ”

1- ΙΩΑΝΟΥ Δ. ΚΑΡΑΒΙΔΟΠΟΥΛΟΥ Δ. Θ.,

            ΕΙΡΗΝΑΙΟΥ ΕΠΙΣΚΟΠΟΥ ΛΟΥΓΔΟΥΝΟΥ.

            ΕΠΙΔΕΙΞΙΣ ΤΟΥ ΑΠΟΣΤΟΛΙΚΟΥ ΚΗΡΥΓΜΑΤΟΣ

            ΕΙΣΑΓΩΓΗ- ΜΕΤΑΦΡΑΣΙΣ- ΣΧΟΛΙΑ ΕΝ

            ΘΕΣΣΑΛΟΝΙΚΗ, 1965.

 

2- St. Irenaeus of Lyons

            ON THE APOSTOLIC PREACHING

            Translated and Introduction by John Bher

            St. Vladimir’s Seminary Press, Crestwood, NY 1997.

 

3- ANCIENT CHRISTIAN WRITERS,

            St. Irenaaeus Proof of The Apostolic Preaching.

            Translated and Annotated by Joseph P. Smith, S.J.

            Professor in The Pontifical Biblical Instituite,

            Rome, Newman Press. No. 16.

 

 

الاختصارات

BEPES

:

Biblioq»kh ‘Ell»nwn Patšrwn ka… ‘Ekklhsiastikîn Suggrafšwn

(œkd.; ApostolikÁj Diakon…aj tÁj ‘Ekklhs…aj tÁj Ell£doj), AqÁvai 1955 ™x.

 

 

 

EPE

:

”Ellhnej Patšrej tÁj ‘Ekklhs…aj, Paterika… ™kdÒseij, « GrhgÒrioj Ð Palam©j » , Qessalon…kh 1972 ™x.

 

 

 

 

 

A.N.F

:

Ante- Nicene Fathers, Edited by Alexander Roberts, D.D. and James Dondaldson, LL.D. Hedrickson Publishers, Massashusetts 01961-3473, U.S.A. 1994.

 

 

 

AH

:

Against Heresies  كتاب ضد الهرطقات

 

 

 

P.L.

:

Patrologia Latina.

 

 

 

P.O.

:

Patrologia Orientalis.

 

 

 

S.C.

:

Sources Chrétiennes, Les Edition du Cref, BD De Latour MAUBOURG, Paris

 

 

 

س : سبعينية

 

 

 

[1] انظر Against The Heresies (=AH) 3:3:4، وأيضًا يوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة.

[2] يوسابيوس القيصرى: تاريخ الكنيسة، ترجمة القمص مرقس داود، ك5 فصل5:20ـ7، الطبعة الثانية، مكتبة المحبة القاهرة 1970، ص272ـ273.

[3] يوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة، 2:4:5، ص 247.

[4] يوسابيوس القيصرى، تاريخ الكنيسة11:24:5، 18.

[5] Quasten, Patrology Vol. I, 288.

[6] انظر Historia Francorum, !, 27، وانظر Murray Dictionary of Christian Biography, Vol. 2, p. 771, London 1880.

[7] Quasten, Patrology Vol. I, 294.

[8] يقصد الغنوسيين الذين كانوا يؤمنون بوجود عدة ولادات للدهور والأزمنة.

[9] يشدد القديس إيرينيوس على أن الإنسان الكامل يتكون من الجسد والنفس والروح، والروح عنده تناله النفس من الله.

[10] 1كو5:15، وهنا  يرد القديس إيرينيوس على الغنوسيين الذين نادوا بأن الجسد لا يخلص لأنه شرير فى ذاته بتفسيرهم الخاطئ لهذه الآية ” فإن لحمًا ودمًا لا يرث ملكوت السموات”.

[11] ملاحظة Massuet هذه أوردها ناشر المجلد رقم 1 من مجموعة A.N.F الذى يحوى كتاب “ضد الهرطقات”  للقديس إيرينيوس وجاءت الملاحظة فى هامش صفحة 412 من المجلد رقم 1 تعليقًا على العبارة المقتبسة أعلاه من الكتاب الثانى من ضد الهرطقات (AH2:34:3).

[12] علينا أن نلاحظ أن القديس إيرينيوس لم يكن يستعمل تعبيرات “العهد القديم” و”العهد الجديد” كعهدين منفصلين. بل بعكس أولئك الذين وضعوا فارقًا شديدًا بين الإعلان الجديد (أى إعلان إله آخر وبين الإعلان القديم) ـ نموذج هؤلاء ماركيون الهرطوقى فى القرن الثانى ـ بعكس هؤلاء فإن القديس إيريناوس هو أول من كتب من الآباء مؤكدًا على وحدة  معاملات الله مع الجنس البشرى طوال التاريخ. أى أنه يقول إنه يوجد تدبير إلهى واحد فقط. فحينما يكتب إيريناوس عن مراحل أو عصور مختلفة فهو يفضل أن يتكلّم عن أربعة مواثيق: عهد مع آدم، عهد مع نوح، عهد بواسطة موسى، وأخيرًا عهد الإنجيل (AH3:11:8)، وحينما يشير إلى الكتاب المقدس فهو كثيرًا ما يميز بين ثلاثة أقسام هى: الكتب النبوية (ويقصد بها كل العهد القديم)، والكتابات الإنجيلية (أى الأناجيل) والكتابات الرسولية (أى الرسائل). انظر Y.M. Blanchard, Aux Sources du canon: Le Témoignage d’ Irénée (Paris: Cerf, 1993) p. 132-145.

[13] وهذا الإصرار على أننا ينبغى أن نرى ونقبل ما هو موجود كما هو، يتكرر كثيرًا فى كتابه “ضد الهرطقات”، حيث يذكر أن هذا الكتاب الأخير يخص الحق عن الله والإنسان. ويشرح إيرينيوس اننا ينبغى “أن نعرف ما هو الذى يستطيع الله أن يفعله؟ وما هى الفوائد التى يمكن أن ينالها الإنسان؟، وذلك لكى لا نضل بالمرة عن الإدراك الصحيح للأمور كما هى فعلاً فيما يخص الله والإنسان” ضد الهرطقات AH5:2:3 .

[14] [إن تهليل إبراهيم نزل على ذريته الذين جاءوا منه… ومن الجهة الأخرى يوجد تهليل متبادل انتقل من الأبناء إلى إبراهيم الذى اشتهى أن يرى يوم المسيح أن يأتى. إذن فبصواب شهد ربنا لإبراهيم قائلاً: ” أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومى فرأى وفرح“] (ضد الهرطقات AH4:7:1 وانظر يو56:8).

 

[15] J. Armitage Robinson, St. Irenaeus: The Demonstration of the Apostolic Preaching (London & NY: SPCK, 1920).

[16] J.P. Smith, St. Irenaeus: Proof of the Apostolic Preaching (ACW16; London& Maryland: Westminster, 1952). A Further English version was prepared by J. Sparks (Brookline, MA: Holy Cross Orthodox Press, 1987), on the basis of the earlier translation.

 

الكرازة الرسولية ج1 – ق. إيرينيوس – د. نصحى عبد الشهيد

الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي

 سأتحدث عن مفهوم الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي، تلميذ القديس بوليكاربوس أسقف أزمير، الذي كان تلميذًا للقديس يوحنا الحبيب بن زبدي، أحد تلاميذ الرب. ولكننا أثناء البحث في كتابات ق. إيرينيؤس لم نجد أية إشارات إلى موضوع وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج كما عند أوغسطينوس ومن بعده لاهوت العصر الوسيط والإصلاح.

وبالتالي هذا يؤكد على أن التعليم بوراثة الخطية الأصلية لم يكن تعليمًا رسوليًا من الأساس، والدليل أن ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي لم يأت على ذكره في كتاباته، بل الأدهى إنه كان يرى التعليم بالشر الطبيعي، أو الذنب الطبيعي، أو خطية الطبيعة هو تعليم غنوصي صرف يؤدي إلى الثنائية الغنوصية في طبيعة الله. لذا حارب ق. إيرينيؤس التعليم بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج كتعليم غنوصي غير أرثوذكسي كما سنرى.

 يؤكد ق. إيرينيؤس على رفضه لموضوع خطية الطبيعة أو الذنب الطبيعي، وأننا مخلوقون خطأةً، حيث يقول التالي:

“ولكن لو أن البعض خُلقوا أشرارًا بالطبيعة*، وآخرون خُلقوا صالحين، فإن هؤلاء الأخرين لن يكونوا مستحقين للمديح لكونهم صالحين، لأنهم خُلقوا هكذا، ولا الأولون مستحقون للتوبيخ، لأنهم خُلقوا هكذا أصلاً.

ولكن بما أن جميع البشر هم من نفس الطبيعة، قادرون أن يمسكوا بالحق وأن يعملوه – فالبعض بعدلٍ ينالون المديح بين الناس الذين هم تحت ضبط قوانين صالحة (وبالأكثر من الله)، ويحصلون على شهادة جديدة بسبب اختيارهم الصلاح عمومًا وثباتهم فيه، أما الآخرون يُلامون وينالون دينونة عادلة بسبب رفضهم كل ما هو جميل وصالح”. (ضد الهرطقات ٤: ٣٧: ٢)

 ويرفض ق. إيرينيؤس بشدة موضوع وراثة الخطية أو الذنب من الآباء إلى الأبناء في سياق حديثه عن معجزة شفاء السيد المسيح للمولود أعمى، حيث يقول التالي:

“أما الإنسان المولود أعمى فأعطاه البصر، ليس بكلمة بل بعمل خارجي، وقد فضل ذلك ليس بدون سبب، أو أنه حدث هكذا، بل لكي يبين يد الله، تلك التي شكلت الإنسان في البداية. ولذلك حينما سأله تلاميذه عن سبب ولادة هذا الرجل أعمى، هل بسبب خطيته* هو أم بسبب خطية أبوية*، أجاب: ‘لا هذا أخطأ ولا أبواه، بل لكي تظهر أعمال الله فيه’ (يو٩: ٣).

والآن إن عمل الله هو خلق الإنسان، لأن الكتاب يقول إنه صنع الإنسان بنوع من عملية: ‘وجبل الرب الإله الإنسان ترابًا من الأرض’ (تك٢: ٧)، ولذلك فإن الرب بصق على الأرض وصنع طينًا، وطلى بالطين عيني الأعمى مشيرًا إلى جبلة الإنسان الأصلية كيف تمت، ومظهرًا يد الله لأولئك الذين يمكنهم أن يفهموا بأي يد صنع الإنسان من التراب”. (ضد الهرطقات ٥: ١٥: ٢)

 وفي خضم حديثه عن معمودية الأطفال، لم يأت ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي على ذكر أن معمودية الأطفال كانت في العصر الرسولي لمغفرة خطية آدم الأصلية، بل تحدث عن أن معمودية الأطفال هي ولادة ثانية من الله وتقديس لهم من المسيح الذي قدسهم ببشريته المقدسة بأن مر بنفس مراحل سن الإنسان مقدسًا كل مرحلة من مراحل عمر الإنسان في نفسه كالتالي:

“لذلك لكونه معلم، فكان له عمر ثلاثون سنة، دون أن يحتقر أو يتجنب أي حالة من حالات البشرية*، ولم يهمل ذلك الناموس الذي كان قد وضعه للجنس البشري، بل قدس كل سن بواسطة المرحلة المقابلة لها في نفسه*، لأنه جاء ليخلص الكل من خلال نفسه*. أقول الكل، الذي من خلاله يُولد الأطفال ثانيةً لله*، والأولاد، والفتيان، والشبان، والكبار.

إذًا، فهو قد عبر بكل عمر، فصار طفلاً للأطفال، وهكذا قدس الأطفال*، وولدًا للأولاد وبذلك قدس أصحاب هذا السن، وصائرًا في نفس الوقت في البر والتقوى والخضوع، وصار شابًا للشبان، صائرًا مثالاً للشبان، وصار بالمثل كامل السن لكاملي السن لكي يكون معلمًا كاملاً للجميع، ليس فقط بأن يعلن الحق، بل أيضًا من جهة السن، مقدسًا في نفس الوقت كاملي السن، صائرًا مثالاً أيضًا”. (ضد الهرطقات ٢: ٢٢: ٤)

 ويستطرد ق. إيرينيؤس في حديثه عن مصير أطفال بيت لحم الذين استُشهدوا قبل موت المسيح على الصليب وقيامته، حيث يؤكد ق. إيرينيؤس على أنهم صاروا شهداءً من أجل المسيح المولود في بيت لحم، لذا نصيبهم السعيد هو الملكوت، على العكس من أوغسطينوس الذي يؤكد أن الأطفال الذين يموتون قبل المعمودية بسبب وراثتهم للخطية الأصلية لا يدخلون الملكوت، بل يدخلون الجحيم للعقاب والهلاك الأبدي. وبالتالي نرى الفرق واضحًا بين تعليم ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي وتعليم أوغسطينوس بخصوص مصير الأطفال الذين يموتون قبل المعمودية، حيث يقول التالي:

“ولهذا السبب أيضًا، أخذ هو فجأة أولئك الأطفال – الذين من بيت داود – الذين كان نصيبهم السعيد* أن يُولدوا في ذلك الوقت لكي يرسلهم مسبقًا إلى ملكوته*، وحيث أنه كان طفلاً، فقد رتب أن يصير الأطفال شهداءً، يُذبحون حسب الكتب لأجل المسيح المولود في بيت لحم اليهودية في مدينة داود (مت٢: ١٦)”. (ضد الهرطقات ٣: ١٦: ٤)

 كما يؤكد ق. إيرينيؤس على أن خصائص الأطفال البشريين أنهم لا يعرفون الخير من الشر، بسبب طبيعتهم البريئة، حيث يقول التالي:

“إذًا، فالروح القدس قد أشار بعناية بواسطة ما قيل إلى ميلاده من عذراء وإلى جوهره، أي أنه الله، لأن اسم عمانوئيل يوضح ذلك، ويبين إنه إنسان، حينما يقول: ‘زبدًا وعسلاً يأكل’، ومن قوله عنه أنه طفل يقول: ‘قبل أن يعرف الخير والشر’، فكل هذه هي خصائص الطفل البشري*، وأما أنه لا يوافق على الشر، وإنه يختار الخير، فهذا ما يخص الله”. (ضد الهرطقات ٣: ٢١: ٤)

 كما يتحدث ق. إيرينيؤس عن أن الشيطان أورث آدم الأول الموت، حيث يقول التالي:

“لأن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت*. لأنه بينما وعد بأنهم ينبغي أن يكونوا آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت عليهم: لذلك، فهذا الذي أسر الإنسان، أسره الله بدوره بعدلٍ، بل وقد تم فك الإنسان المأسور من رباطات الدينونة”. (ضد الهرطقات ٣: ٢٣: ١)

 وهكذا يؤكد ق. إيرينيؤس أن الموت لم يكن عقوبة من الله على عصيان الإنسان، بل سمح به إشفاقًا على الإنسان، لئلا يصير خاطئًا للأبد، وتصير الخطية مؤبدة، حيث يقول التالي:

“لذلك أيضًا طرد الله الإنسان من الفردوس، ونقله بعيدًا عن شجرة الحياة، ليس لأنه يحسده على شحرة الحياة*، كما يزعم البعض، بل لأنه أشفق عليه*، ولم يرغب له أن يستمر خاطئًا إلى الأبد، ولا تكون الخطية التي أحاطت به خالدةً، ولا يكون الشر غير متناهٍ وعديم العلاج*. ولكنه وضع حدًا لخطيئته* بأن أدخل الموت، وهكذا أوقف الخطية* بأن وضع لها نهاية بإنحلال الجسد، الذي يحدث في داخل الأرض، حتى أن الإنسان، إذ يكف عن الحياة في الخطيئة، ويموت عنها يبدأ أن يحيا لله”. (ضد الهرطقات ٣: ٢٣: ٦)

 ويستطرد ق. إيرينيؤس مؤكدًا على نوال الإنسان لمعرفة الخير والشر قبل السقوط، ولكنه بعد العصيان والسقوط اختبر بقوته العقلية والإدراكية نتائج العصيان، لكي ما يتعلم أن يختار فيما بعد الأمور الأفضل. وهكذا يؤكد على وجود حرية الإرادة وحرية الاختيار قبل السقوط وبعده داحضًا بذلك التعليم بالإرادة المقيدة بالشر والخطية عند أوغسطينوس، حيث يقول التالي:

“الإنسان قد نال معرفة الخير والشر. فهو خير أن تطيع الله، وتؤمن به، وتحفظ وصاياه، وهذه هي حياة الإنسان، فعدم الطاعة شر، وهذا هو موت الإنسان. لذلك، حيث أن الله أعطى الإنسان مثل هذه القوة العقلية*، عرف الإنسان أن الطاعة خير كما عرف شر العصيان*، وأن عين الذهن إذ تنال اختبار الاثنين يمكن بالتمييز أن تختار الأشياء الأفضل، لكي لا يصير أبدًا متراخيًا أو مهملاً لأمر الله*.

وإذ يتعلم بالاختبار أن عصيان الله هو أمر شرير يحرمه من الحياة*، فلا يحاول أبدًا أن يعصى الله، بل إذ يعرف ما يحفظ حياته أي أن طاعة الله صالحه، فإنه يحفظ الطاعة باجتهاد وبكل جدية. لذلك، فهو يملك أيضًا اختبارًا مزدوجًا*، إذ له معرفة النوعين*، حتى بالتدريب يمكن أن يختار الأمور الأفضل”. (ضد الهرطقات ٤: ٣٩: ١)

 وهكذا نستنتج من عرض مفهوم الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي، عدم وجود التعليم بوراثة الخطية الأصلية أو الذنب الموروث، لأن هذا التعليم بالنسبة للقديس إيرينيؤس هو تعليم غنوصي صرف دأب طوال حياته على محاربته هو وباقي العقائد الغنوصية الخاطئة.

الخطية الجدية عند القديس إيرينيؤس أبو التقليد الكنسي – د. أنطون جرجس

كتاب الكرازة الرسولية – القديس إيرينيوس (مع دراسة عن حياته) PDF مركز دراسات الآباء

كتاب الكرازة الرسولية – القديس إيرينيوس (مع دراسة عن حياته) PDF مركز دراسات الآباء

كتاب الكرازة الرسولية – القديس إيرينيوس (مع دراسة عن حياته) PDF مركز دراسات الآباء

كتاب الكرازة الرسولية – القديس إيرينيوس (مع دراسة عن حياته) PDF مركز دراسات الآباء

تحميل الكتاب PDF

التقوى في الفكر الكنسي

التقوى في الفكر الكنسي

التقوى في الفكر الكنسي

الإيمان في الكنيسة الجامعة

التقوى (εσέβεια) كما نجدها واضحة في الفكر اللاهوتي النيقي، كانت تشير إلى الفهم الأرثوذكسي القويم “للحق” الذي في الإيمان والعبادة المسلَّمة من الرسل. ويتعين علينا أن نقتفي أثر التقوى من خلال العودة إلى الرسائل الرعوية في العهد الجديد، حيث كانت “التقوى” كلمة تدل نوعًا ما إلى ما كان يُشار إليه ب “الطريق” في سفر أعمال الرسل[1]، أي “طريق” الإيمان والعبادة الذي ميَّز الذين اتبعوا المسيح الذي من أجله كان لا بد لهم أن يتألموا.

وكانت السمة المميّزة للتقوى، أنها تجسيد للإيمان أو معرفة “لحق” الإنجيل، في تطابقٍ مع أسلوب الحياة والعبادة في خدمة الله بورع[2]. ومما كان له دلالة هامة، هذا التأكيد الشديد على العلاقة الثابتة (المتلازمة) والمتبادلة بين “التقوى” و”الإيمان” و”الحق”، أي التأكيد على “التعليم الذي هو حسب التقوى”[3]، أو على “التعليم الصحيح”[4] والذي جاء كرد فعل حاد لظهور تحريف للإنجيل على أساس خرافات وظنون عقلية[5].

فبينما اعتُبرت “التقوى” كمرادف “للإيمان” و”الحق”، اعتُبر عدم التقوى مرادفاً لعدم الإيمان والضلال، وكان هذا التباين هو الذي حدد الاسلوب والنمط لصراع الكنيسة مع الهراطقة على مدى الأربعة قرون الأولى.

ومن الواضح أن ما ذكره القديس بولس الرسول من علاقة بين “السر العظيم للتقوى” وبين التجسد، كان هو النص الكتابي الذي تحكَّم في فهم التقوى في الكنيسة الأولى. وكان الرسول يكتب لتيموثيئوس ليُعرِّفه كيف يجب أن يتصرف في بيت الله “الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته. وبالإجماع عظيم هو سر التقوى εσεβείας μυστήριον) (τό τς: الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى لملائكة، كُرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رُفع في المجد”[6].

فمن جانب نجد في هذا النص الكتابي، أن التقوى تُعَرَّف على أنها النفاذ إلى السر الداخلي للإيمان، وإلى الحقيقة الموضوعية “لإعلان الله لذاته” بالتجسد، في حين على الجانب الآخر نجد أيضًا في النص الحديث عن الكنيسة على أنها تؤيد “الحق” الإلهي وتتمسك به. وإذا عبَّرنا عن هذا المعنى بطريقة عكسية فإننا نقول إن “الحق” الإلهي المُعلن، هو مؤسس وراسخ في حياة البشر وفي المجتمع، بحسب ما يُكشَف ويُؤمَن به وبحسب ما يُعرَف ويُعلّم بوَاسطة الكنيسة، وذلك بأسلوب يدعو إلى التقوى ويقود إليها.

ولذلك (وبحسب هذا النص الكتابي) فإن السر العظيم الذي للتقوى والظاهر جليًّا في يسوع المسيح ونعمته الخلاصية، صار مجسَّدًا ومتضمَّنًا في الكنيسة كقرينها، وهو ما يتمشى مع ما أشار إليه القديس بولس على أنه السر العظيم من نحو المسيح وكنيسته التي هي جسده[7].

وعلى هذا فإن إعلان الله الخلاصي في يسوع المسيح، وقبول وفهم الرسل لهذا الإعلان بإيمان، قد ساهما معًا في تأسيس الكنيسة، حتى أنه وحسب قصد الله “التدبيري” صار “الحق”، كما استُعلن في يسوع، في متناول أيدي الناس من خلال تعليم ووعظ الرسل الخاص بالإنجيل، وبتواصل حي لتقليدهم “التقويّ” في الكنيسة عبر التاريخ.

“وديعة الإيمان” المسلَّمة هي “حياة التقوى حسب الإيمان” أو هي “الحياة حسب جوهر الإيمان أو حسب الحق” هذا بالتأكيد ما كانت تعنيه الرسائل الرعوية ب “وديعة الإيمان” (παραθήκη)، التي استؤمنت عليها الكنيسة لحفظها والدفاع عنها ونقلها في تقوى إلى الآخرين[8].

إن “الإيمان” الذي استؤمنت عليه الكنيسة، في معناه الأَوَّلي، هو الإيمان بيسوع المسيح واستعلانه لنا وعمله الخلاصي من أجلنا، هذا العمل الذي يفسِّر نفسه ويكشف عن نفسه داخل الكنيسة. غير أن “الإيمان” في معناه الثانوي يشير إلى المضمون الإنجيلي للرسالة الرسولية والتقليد، كما هو منقول إلينا من خلال كتاب العهد الجديد ومن خلال الاشتراك في “سر التقوى” في وسط الكنيسة، حيث يستمر المسيح في التعريف بذاته وفي عمله الخلاصي من خلال القوة المنيرة لروحه القدوس.

لذلك ففقط بالاعتماد على الشهادة الرسولية والتعليم الرسولي، وبالاعتماد على المعنى الثانوي الذي ذكرناه “لوديعة الإيمان” (أي الحياة حسب الإيمان)، والذي يعترف ويشير دائمًا إلى يسوع المسيح كرب ومخلِّص، تمكن البشر عبر التاريخ من فهم واقتناء الجوهر (المضمون) العقيدي للإيمان، وهو ما كانت تعنيه منذ البداية كلمة “الوديعة”. وعلى أية حال، فإن كل هذا يحدث فقط داخل التكامل البنياني بين “الحق” و”الإيمان” و”التقوى” في تقليد الكنيسة الحي بكونها جسد المسيح أو بكونها الشكل الأرضي-التاريخي لوجوده في العالم.

وإذا قمنا بمحاولة لتقدير علاقة وتأثير هذا التعليم الإنجيلي على الفكر اللاهوتي النيقي، فإن ذلك سوف يساعدنا على أن ندرك كيف استفادت الكنيسة الأولى منه في الفترة ما بين عصر الرسل ومجمع نيقية، وهو ما نراه منعكسًا على فكر كل من القديس إيرينيوس والعلاّمة أوريجينوس.

وديعة الإيمان في فكر القديس إيرينيوس

لقد كان لدى القديس إيرينيوس إحساس قوي بوجود “حق الإنجيل” (مجسمًا) داخل الأساس الرسولي للكنيسة، كما كان لديه أيضًا إحساس قوي بطبيعة بناء الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين والمنقول بواسطة التقليد الرسولي. وقد فهم تعبير “وديعة الإيمان” فهمًا عميقًا، فلم يكن يعتبرها مجرد مجموعة مقولات عقائدية، بل الحق الإنجيلي الموضوعي (المُعاش) الذي يعيد للكنيسة شبابها باستمرار من خلال قوة الروح القدس وهكذا تتجدد روابطها بالمصدر الخلاَّق لكيانها.

كما أن وديعة الإيمان تُشكِّل أيضًا حياة الكنيسة المتواصلة ورسالتها لتكون وفقًا لصورة المسيح ابن الله المتجسِّد وطبقًا لنموذج “الحق” الإلهي المجسَّد فيه[9]. ولذلك فكنيسة يسوع المسيح استلمت إيمانًا “واحدًا وثابتًا على الدَّوام”، لأنه مؤسس على حقيقة المسيح غير المتغيرة، وعلى إعلان الله فيه الذي أُعطي مرة واحدة وللكل[10].

إننا لا نستطيع على الإطلاق أن ندرك الله أو نصفه، لأن عظمته الفائقة وجلاله السامي يفوقان بما لا يُقاس قدرة البشر على معرفته ووصفه كما هو في طبيعته الذاتية. غير أن الله بغير انتهاك لسر جوهره الذاتي قد اختار أن يجعل نفسه معروفًا لنا، وذلك من خلال حركة حب وتنازل فائق اقترب بها إلينا من خلال ظهوره في الجسد في المسيح يسوع، وهكذا جعل نفسه في نطاق المعرفة البشرية[11].

وبهذا المعنى فإن يسوع المسيح يُمثِّل الطريق الموصل بين الله والإنسان، بين غير المرئي والمرئي، بين غير المُدرَك والمُدرَك، بين غير المحدود والمحدود. إذن ففي يسوع المسيح ومن خلال الاتحاد و”الشركة” معه في الحب، فإننا نستطيع أن نعرف الله بطريقة راسخة ومؤكدة، لأن هذه المعرفة تكون مثبتة ومستقرة في حقيقة الله الأزلي[12].

ولم يكن هذا الأمر ممكنًا بدون الدور الذي يقوم به روح الله، حيث في الرب يسوع المسيح ومن خلاله، “عوَّد” الله روحه القدوس أن يسكن في الطبيعة البشرية، وفي نفس الوقت هيأ الطبيعة البشرية لقبول الروح القدس، ومن خلال عطية الروح القدس نستطيع أن نشارك في علاقة المعرفة المتبادلة بين الآب والابن وبالتالي نشارك في معرفة الله وفقًا لما هو في ذاته[13].

وفي الشركة مع الله بالمسيح في الروح القدس، كما فهمها القديس إيرينيوس والتي صارت بالمصالحة وشفاء بشريتنا بواسطة اتحاده بجسدنا تأخذ الكنيسة بالضرورة دورًا هامًّا في تحقيقها، لأن الكنيسة هي التي ائتمنها الله على وديعة الإيمان، وقد أعطى روحه القدوس للكنيسة، وفي الكنيسة منحنا الله خدمة الإنجيل وجميع الوسائط الأخرى التي يعمل الروح من خلالها.

ولذلك استطاع القديس إيرينيوس أن يقول “حيثما توجد الكنيسة فهناك يوجد روح الله، وحيثما يوجد روح الله فهناك توجد الكنيسة وتوجد كل نعمة: لأن الروح هو الحق”[14]. وبينما أشار القديس إيرينيوس إلى الكنيسة على أنها مكان المعرفة الراسخة “للحق”، إلاّ أنه كان يؤكد على أن إعلان الله عن ذاته بواسطة المسيح وفي الروح القدس هو المصدر الحقيقي لمعرفتنا “للحق”[15]. وجاء تأكيده القاطع هذا واضحًا، عندما وبالإشارة إلى كلمة القديس بولس عن الكنيسة بكونها “عمود الحق وقاعدته”[16] تكلَّم بقصد عن “الإنجيل وروح الحياة” على أنه “عمود الكنيسة وقاعدتها”: (στύλος δέ κα στήριγμα κκλησίας, τ εγγέλιον κα πνεμα ζως)[17].

ومن ناحية أخرى، كان إيرينيوس يعتقد أنه فقط في إطار الإيمان الذي استؤمنت عليه الكنيسة والمتضمَّن في التقليد الرسولي، يمكن “للكلمة” الخاصة بالإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، أن تُفسَّر بأمانة بدون انحراف أو تجاوزات متجاسرة أو عديمة التقوى، وحينئذٍ يمكن للمسيح ذاته الكنز المخفي في هذه الكتب أن يُعرف معرفة حقيقية[18].

إن معرفة “الحق” الإلهي أو “الحق” الإنجيلي بالنسبة للقديس إيرينيوس لا تُعطى بشكل مجرد أو بشكل منفصل، ولكن تُعطى بشكل واقعي ملموس في داخل الكنيسة، حيث إن هذا “الحق” يجب أن يُفهم داخل إطار الإيمان المُسلَّم للكنيسة من خلال تعليم الرسل، وبالتالي يجب أن يُفهم فقط في الوحدة والعلاقة غير المنفصلة مع الإيمان والعبادة وحياة التقوى لكل من هم متَّحدون (متضمَّنون) في المسيح كأعضاء في جسده.

وقد اعتبر القديس إيرينيوس “الحق” المعلن في الكتب المقدسة على أنه تركيب عضوي أسماه “جسم الحق”، والذي تتمايز في داخله حقائق ومعتقدات متنوعة (كأعضاء هذا الجسم)، ولكنها تكوِّن “كلاًّ متماسكًا” (أي وحدة كاملة متماسكة) ولا يمكن لإحدى هذه الحقائق والمعتقدات أن تنفصل عن هذا الكل، بالضبط كما أنه لا يمكن لأطراف الجسد الحي أن تنفصل عن الجسد دون أن تسبب تدميرًا وتمزيقًا لوحدة هذا الجسد[19].

وبالرغم من ذلك فان المهمة الأساسية التي كلَّف القديس إيرينيوس نفسه بها، كانت إظهار وكشف النظام المتضمَّن في داخل “وديعة الإيمان” وتوضيح الترتيب الداخلي ل “جسم الحق والتوافق المتناغم بين أعضائه”، وذلك بما يتفق مع “قانون الحق” المسلَّم بالتقليد في المعمودية[20]، ليكون كل هذا مرشداً في تفسير الكتب المقدسة. ومن ثم يكون إيرينيوس قد قدَّم عرضًا واضحًا للكرازة الرسولية (kerygma) في مواجهة انحراف وضلال الهراطقة[21].*

وفي هذا الصدد، كان عمل القديس إيرينيوس يعكس بوضوح نشاط الكنيسة العام في القرنين الثاني والثالث في محاولتها لتوضيح المضمون العقيدي للإيمان في ضوء نظامها الخاص القائم على أسس موضوعية، حيث إنه في سياق هذه المحاولة ظهرت صيَغ محددة للإيمان وهي التي أخذت في وضعها النهائي شكل قوانين الإيمان الأولى[22].

ومن الطريقة التي تناول بها القديس إيرينيوس نفسه هذه الصيغ القانونية الأولية للإيمان، يتضح أنها لم تكن افتراضات عقائدية مرتبطة معًا من خلال نظام “منطقي استنتاجي” للتفكير، بل كانت تأكيدات إيمانية منظومة معًا بصورة فائقة لذاتها، بفضل أساسها المشترك في وديعة الإيمان الرسولي، وبالأحرى بفضل إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح، “الحق” الإلهي الواحد المتجسِّد والذي تنبع منه كل الحقائق الإنجيلية.

وبالتالي فإن هذه الصيغ القانونية للإيمان لم يكن الحق الذي فيها نابع منها، بل من ذلك “الحق” الأعلى الذي تشير هي إليه والذي فيه أيضًا تنحصر. وبينما تحدث القديس إيرينيوس عن تلك الصيغ (القانونية) على أنها مرتبطة ب “قانون الحق”، إلاّ أنه أوضح أن قانون الحق الفعلي أو المركز الذي يمكن الرجوع إليه هو “الحق” ذاته[23].

وكان يُنظر إلى هذه التأكيدات (الصيغ) الإيمانية، على أنها تملك قوة ضابطة في ذاتها بقدر صحة انتمائها لذلك “الحق” وبقدر خضوعها لسلطانه الأسمى؛ إذ إن كل معرفتنا عن الله (theology) هي فقط “معرفة جزئية” لأن هناك الكثير الذي يخص الله لا بد أن ندعه له بخشوع، بل إن مجرد التفكير في اقتحامه يعتبر من عدم التقوى[24]. وتكمن أهمية هذه الصيغ ليس في “نوع الكلمات الصحيحة” المستخدمة فيها، بل في إسهامها في إخضاع ذهن الكنيسة لما يستوجبه الحق الإلهي، وفى إرشادها للكنيسة في رسالتها لحماية “الإيمان الرسولي والإنجيلي”، والدفاع عن هذا الإيمان الذي ائتُمنت عليه، لتسلِّمه للآخرين وفقًا “لسر التقوى”.

معرفة الحق والتقوى في فكر أوريجينوس

هذا العرض لما أسهم به القديس إيرينيوس، في كشف البعد اللاهوتي ل “اعتراف الإيمان” الخاص بالكنيسة، يحتاج إلى تكملته بعرض آخر لبعضٍ من مساهمة أوريجينوس الواسعة النطاق في الفهم اللاهوتي والكتابي، والذي كان له أثره البالغ على الكنيسة وحتى مجمع نيقية.

لقد كان أوريجينوس عالِمًا فذًا ودارسًا إنجيليًّا لا يُضاهى في الكنيسة الأولى، ولكنه كان لاهوتيًّا صاحب فكر مُفرط في التأمل رغم إخلاصه ويشعر بضرورة نقل فكره إلى ما هو أبعد من المضمون الحرفي للأقوال الإنجيلية، أي إلى الحقائق الإلهية التي تدل عليها هذه الأقوال.

ورغم أنه كان يشارك القديس إيرينيوس الرأي بأن المرجع الذي يمكن الاستناد إليه في معرفتنا لله هو في النهاية “الحق” ذاته كما هو معلن في يسوع المسيح، وليس في أية صيَغٍ بشرية لمعرفتنا نحن “للحق”[25] إلاّ أنه وبخلاف القديس إيرينيوس عمل من خلال إطار ثنائي للفكر، وهو الفصل الأفلاطوني بين عالم الحسيّات (الأشياء المحسوسة) κόσμος) (ασθητς وعالم المدرَكات (الأشياء التي تُدرك بالعقل) κόσμος) (νοητς [26]، وكان لهذا المنهج الثنائي في التفكير، تداعيات بعيدة المدى لدى أوريجينوس إلى درجة قوله بأن: “الأشياء غير المرئية وغير المادية في السماء هي حقيقية، أما الأشياء المرئية والمادية على الأرض فهي نسخ من تلك الأشياء الحقيقية وليست هي حقيقية بذاتها”[27].

وقد أثرت وجهة النظر هذه بشدة في فهمه للكتب المقدسة، فرأى أنها وسائط وفرتها العناية الإلهية داخل عالم الحسيّات، والتي بواسطتها يُهيئ “اللوغوس” الإلهي اتصاله بالضعف البشرى ويغلف أسرار الإعلان الإلهي في صورة أشكال وأرقام يسهل فهمها، وهذا فقط حتى يمكنه من خلالها (الكتب المقدسة) أن يرفع العقول المؤمنة إلى مستوى أعلى حيث تستطيع فهم الحقائق الروحية أو الإلهية في العالم العقلاني (عالم الأمور الحقائق) البعيد عنهم[28].

ولقد اعتقد أوريجينوس أن المصطلحات البشرية الموجودة في الوحي الإلهي في الكتاب المقدس، تحكمها طبيعة (φύσει) “الحقائق” التي تدل عليها هذه المصطلحات، وأنها ليست مجرد متصلة بها فقط بصورة تقليدية (θέσει). ومن هنا فإن هذه المصطلحات ينبغي أن تُفهم من خلال القبول الإيماني لما تفرضه (καταληπτικός) تلك “الحقائق” على عقل المفسِّر، مما يعني أنه لا بد له من أن ينهمك في بحث دقيق للتأكد من أن هذا القبول الإيماني (لمعاني المصطلحات) يتفق بالفعل مع الحقيقة[29].

هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فقد أصرَّ أوريجينوس على أن التفسير الروحي للكتب المقدسة طبقًا للطبيعة الروحية لهذه “الحقائق”، لا بد وأن يَعبر في الفكر من مستوى أدنى للمعنى “المادي” أو الحرفي إلى مستوى أعلى للمعنى “الروحي” أو السري حيث تشرق الحقيقة بنورها العقلاني والشاهد لذاته[30]. إلاّ أن هذا (العبور) يحتاج إلى قدر كبير من التدريب الروحي للعقل علي البصيرة اللاهوتية (θεωρία) ونوع من الحس الإلهي (θεία ασθησις) يتناسب مع معرفة الله[31].

هذا الجمع بين البحث الدقيق والتدريب الروحي كان سمة مميزة جدًّا لأوريجينوس، رغم علمه بالمخاطر التي ينطوي عليها هذا الاتجاه، والذي قاده للفصل بين الإنجيل “الجسدي الحسي” وبين الإنجيل “الروحي الفكري”، أو بين ما يُسمى بالإنجيل “الزمني” وما يُسمى بالإنجيل “الأبدي”, والذي اعتقد أوريجينوس أنه يوازي الفرق بين مجيء المخلِّص في حالة “التواضع” عندما أخذ شكل العبد من أجلنا، وبين مجيء المسيح في المجد في المستقبل عندما ستفسح ظلال “الإنجيل الزمني” المجال للحقائق المطلقة التي “للإنجيل الأبدي”[32].

وينتج عن هذا، اعتبار المسيح الذي جاء في التاريخ على أنه هيئة مشروطة بفترة زمنية محددة، والذي فيها ينتقل “الحق” الأبدي إلى المخلوقات الساقطة، ولكن بمجرد أن تتم معرفة هذا “الحق” الأبدي، فإن ذلك الوسيط “التاريخي” سوف يكون وجوده نسبيًّا[33].

وكان هذا هو السبب وراء تأكيد أوريجينوس على أهمية “التفسير المجازي” وعلى غرس “الإحساس” الروحي نحو الله، والذي قد يساعد المؤمن على اختراق قشور وظلال الإعلان “التاريخي الزمني” والوصول إلى حقائق الله الأبدية “غير المرئية” والتي يمكن فهمها فقط بأسلوب بسيط ومباشر ولا يمكن التعبير عنها بكلمات بشرية[34].

هذا الامتداد التأملي للعقل الروحي، إلى ما وراء مجال المعرفة الذي يخضع لمعايير الحقيقة التي عملت بها العلوم والفلسفة اليونانية[35] كان بدون شك أمرًا خطيرًا، ولكن بالرغم من ذلك كان أوريجينوس منبهرًا به وبالأخص لأنه ارتبط برجال الله في العهد القديم مثل ملكي صادق رائد العبادة السماوية، أو موسى الذي تكلم مع الله وجهًا لوجه، أو حين ارتبط باختبار التلاميذ على جبل التجلي أو ما كتبه القديس بولس عن اختباراته المجيدة، والتي تشير جميعها إلى نوع من الرؤية السامية لله والتي من الممكن أن تكون مفتوحة أمام “البصيرة الصوفية التي تفوق التعبير”[36].

وثمة جانب آخر لاسلوب أوريجينوس ضمن لفكره اللاهوتي (θεολογεν) الحماية ضد التحول للفكر الأسطوري الخيالي (μυθολογεν)، كما وفَّر إطارًا معياريًّا للإيمان والعبادة يساعد على جعل “معرفة الله” كمركز للحياة وللتقليد الحي الذي “للكنيسة العظيمة”، وهذا (الجانب الآخر) هو الذي كان يفرض على أوريجينوس أن يعمل بالأسلوب الذي فيه يؤثر “البحث الدقيق” و”التدريب على التقوى” كل منهما على الآخر.

وطبقًا لمفهوم “المعرفة العلمية” (πιστήμη) الذي قد ساد طويلاً في الإسكندرية، وهو أن المعرفة الصحيحة هي التي تكون وفقًا لطبيعة (κατά φύσιν) الشيء الذي تجري معرفته، فقد ركز أوريجينوس على تطوير طريقة لمعرفة الله تكون متمشية تمامًا مع طبيعة الله كما قد أعلنها لنا بنفسه، أي طريقة تتسم بالتقوى؛ فقد هيأ نفسه لتنمية التقوى الشخصية بالاعتماد على نعمة المسيح وقوة روحه القدوس، حتى يستطيع أن يعوِّد العقل على التقوى التي تلائم معرفة الله.

إذن فإن “معرفة الله” والتي في معناها الدقيق هي “معرفة الثالوث القدوس”، و “التقوى الإلهية التي تُحدد بواسطة يسوع المسيح ابن الله المتجسِّد، قد اعتبر أوريجينوس أن كلاًّ منهما متوقف على الآخر، وذلك في مجال (عملية) تعميق البحث اللاهوتي[37].

فكلما عُرف الله بحق وفقًا لطبيعته، زاد مستوى التقوى؛ وكلما زاد مستوى التقوى، زادت إمكانية معرفتنا لله بصورة تقوية تليق بطبيعة الله[38]. وعمومًا فإن “الهدف هو أن نقترب من “الحق” على قدر المستطاع وأن نشكِّل إيماننا طبقًا لقاعدة التقوى”[39]. وهكذا صارت “التقوى” و “قانون الحق” متكافئين عمليًّا.

ولقد كان أوريجينوس يفكر ويعمل في إطار احترامه البالغ للكتب المقدسة وإخلاصه “الكهنوتي” لكلمة الله وحق الله اللذين تنقلاهما لنا هذه الكتب[40]، والتي رأى أوريجينوس أنها يجب أن تُبحث على أنها من نتاج وحي الروح القدس، كما يجب أن تُفسَّر وفقًا “لسمتها الإلهية” بطريقة ورعة ووقور إدراكًا منا أن لها من عمق المعنى ما يفوق إدراك البشر مما لا يدع مجالاً للفهم المتسرع[41].

فالكتب المقدسة في صميم طبيعتها تستلزم الدراسة العميقة والتأمل والصلاة والجهد الشاق[42]، وهذا هو بالضبط ما أظهره أوريجينوس نفسه في إنتاجه الضخم من التفاسير الإنجيلية، التي تشهد شهادة رائعة على معالجته للنص بضمير حي في كل تفاصيله اللغوية والنحوية الدقيقة، كما تشهد أيضًا على بحثه الدؤوب لتوضيح الملابسات والخلفيات التاريخية التي قد تؤثر على المعنى، ولكنه سعى أيضًا لتوضيح مدى تأثير الإعلان الإلهي الكتابي بأكمله وكل تقليد الإيمان والفهم المسيحي في الكنيسة، مدى تأثير كل هذا على كل سفر وكل فقرة في الكتاب، وبذلك يمكن أن تُفهم الكتب المقدسة بقدر المستطاع خارجًا عن نفسها في ضوء القصد الإلهي الذي احتوته هي وأظهرته في ترابطها وتواصلها الداخلي[43].

وبما أن الكتب المقدسة هي نتيجة وحي الروح القدس بإرادة من الآب وبواسطة يسوع المسيح*، وبما أن “كلمة” الله الذي يتكلم في كل الكتب المقدسة قد تجسَّد في شخص يسوع المسيح، لذلك فإن يسوع المسيح ذاته هو الذي يشكِّل المحور الحاكم لكافة التفسيرات الصحيحة للكتاب المقدس.

وقد ذهب أوريجينوس إلى القول بأن تفسير الكتاب المقدس، وحتى الأناجيل، بهذه الطريقة أي من خلال وجود وحضور “فكر المسيح” يعني الحفاظ على “قانون كنيسة يسوع المسيح السماوية متمشيًا مع التعاقب الرسولي”[44]، فيسوع المسيح هو نفسه الذي أعطى للمسيحيين تعريفًا للتقوى الحقيقية[45] لأنه هو نفسه “سر التقوى العظيم الظاهر في الجسد” والذي في نفسه ومن خلال نفسه حقَّق التلاقي بين تنازل الله الكريم إلينا واقترابنا نحن إلى الله، أي بين كُلٍّ من إعلان الله عن ذاته لنا ومعرفتنا نحن لله وعبادتنا له[46].

إذن ففي كل بحث عن “الحق” ينبغي علينا أن نجاهد أكثر وأكثر لكي نحافظ بكل الطرق على موقف التقوى نحو الله ومسيحه[47]. ولكي نكون أمناء “لفكر المسيح” في كل تفسيرنا للكتب المقدسة “فإننا لا بد أن نحافظ على قانون التقوى”[48].

ومن المهم جدًا أن نلاحظ أنه بالنسبة لأوريجينوس، كانت “التقوى” تُعرَّف وتتحدد ليس فقط بكونها “بحسب يسوع المسيح” (κατ Іησον Хριστόν) بل أنها “من خلال يسوع المسيح نفسه” (δι Іησο Хριστ)، من جهة علاقته الفريدة بالآب كابن الله وأيضًا من جهة علاقته الفريدة بنا كرئيس كهنتنا الذي فيه ومن خلاله نعبد الآب[49].

وإذ هو بذبيحته يشفينا، ويطهرنا بقدرته الإلهية الذاتية، لذلك نحن نعبده كما نعبد الآب، لأنه هو والآب واحد. ولكن لأنه هو أيضًا في نفس الوقت واحد معنا كما هو واحد مع الآب، فنحن نصلي له “كوسيط لنا وكرئيس كهنة وكشفيع” طالبين منه أن يقدِّم رغباتنا وتوسلاتنا وتشفعاتنا التي نرفعها إليه إلى الآب، وهكذا فإننا نعبد الآب ونحن في اتحاد به ومن خلاله.

وكابن الله المتجسِّد وكرئيس كهنة، فإن يسوع المسيح قد عرَّف الجنس البشري الطريقة النقية لعبادة الله وهذه هي التقوى الحقيقية التي بها يثبت إيماننا وفهمنا في الله[50].

ومما لا شك فيه أن ما كتبه أوريجينوس عن عبادة الآب التي مركزها المسيح والتي يتوسط فيها المسيح، إنما يعكس الفكر السائد للكنيسة في إيمانها القائم على التقليد الحي، وفي خدمتها لأجل خلاص الجنس البشري: حيث كان الانبهار المصحوب بالتوقير في معرفة الله، والشكر والتسبيح لأجل أعمال الله الخلاصية في تجسد يسوع المسيح وموته وقيامته، وأيضًا التقوى في القول والفعل، كل هذه مُضفَّرة معًا وملتحمة بغير انفصال في عبادة الكنيسة كما يتضح ذلك في ليتورجية المعمودية والإفخارستيا[51].

وكان تقديس اسم الله، والتفكير فيه والتكلم عنه بصورة لائقة، وكذلك التوقير العميق لكشف الله لذاته كآب وابن وروح قدس هذه كلها كانت من العلامات الجوهرية “للفكر المسيحي” بل وكما اعتقد أوريجينوس “للفكر الكنسي”، وذلك نتيجة البصمة التي تركها الرسل عليه. لذلك فعندما شرع أوريجينوس في إعداد وطبع مؤلف عن المبادئ الأساسية للإيمان، بقصد زيادة الترتيب والتناغم في فهم العقيدة المسيحية، وضع أولاً “خطًّا محددًا وقاعدة واضحة”، وهى أن شرح الإيمان ينبغي أن يبقى داخل حدود تعليم الكنيسة المتفق عليه بالإجماع كما تسلَّمته من الرسل، وذلك في ضوء العقائد التي اعتبرها الرسل ضرورية للغاية.

ولكن بالنظر لاحتمال حدوث الخطأ والاختلاف في الرأي فيما بعد، شعر أوريجينوس أنه يتعين عليه المزيد من البحث في “دوافع وخلفيات الأقوال التي وعظ بها الرسل عن الإيمان بالمسيح” أملاً في تأسيس القاعدة الأولية للإيمان المسيحي، ومن ثم يحدد الارتباطات المنطقية “للحق” المعلَّن، وذلك لبناء كيان متماسك وثابت للعقيدة المسيحية[52].

وفي خلال مشروعه هذا والذي كان الأول من نوعه، سعى أوريجينوس لإدراك “الحق” الإلهي بكل ما أوتي به من إخلاص، وكان يحرص خاصةً بالنسبة “للنقاط الأكثر صعوبة” على أن يسترشد بقانون التقوى، أي قاعدة البر. وكان يسمح فقط باستخدام المفاهيم اللاهوتية التي يشعر أنها تليق بالله والمصوغة طبقًا لما يتطلبه ويحتِّمه كيان الله وطبيعته الفائقة الإدراك.

ونتيجة لشدة افتراضاته الفلسفية المسبقة، والتي لم يخضعها بصورة كافية للنقد وعلى الرغم من التزامه بما أعلنه الكتاب المقدس فإن فكر أوريجينوس التأملي تجاوز قاعدة التقوى في عدد من النقاط الحاسمة، مما أدى إلى اصطدام تعليمه مع فكر الكنيسة الجامعة.

ومع ذلك فإن أوريجينوس، بجمعه بين البحث العلمي لأسس الإيمان الموضوعية والإصرار على مراعاة مبدأ التقوى (εσέβεια / θεοσέβεια) في معرفة الثالوث القدوس، كان له تأثير بالغ على اللاهوتيين في نيقية وما بعد نيقية، حيث أصبح المبدأ الفعَّال فيما بينهم هو ما عُرف فيما بعد بقانون التقوى – قانون الإيمان (lex orandi – lex credendi)[53].

دور التقوى في حفظ الإيمان

وعبر تاريخ الكنيسة، قُدِّمت مرارًا وتكرارًا أفكار عن الله ناتجة عن تجاسر وعدم توقير، وقد رفضتها الكنيسة بصورة بديهية بسبب احترامها العميق لسر الله وجلاله، هذا الاحترام العميق الذي كان قد تأسس ونما داخل نسيج الإيمان بواسطة الصلاة والعبادة.

وكان هذا هو بالضبط ما حدث بسبب الهرطقة الأريوسية في فترة حرجة من تاريخ الكنيسة، حيث شككت هذه الهرطقة في وحدانية الثالوث القدوس بإصرارها على أن الابن مخلوق، وبالتالي فصله عن جوهر الآب وإدخال نوع من التضارب في الألوهية. وكان رد فعل الأساقفة بنيقية هو الفزع الشديد لتلك الإهانة التي إنما تنم عن “عدم التقوى” و”عدم الورع” (ασέβεια) الأريوسي، وهذا قد جعلهم يقدمون ضد تلك البدعة “مجادلات تتسم بالتقوى” (πόδειις εσεβείας)[54].

وقد أخبر القديس أثناسيوس أساقفة مصر بأنه عندما كان يدوِّن تعبيرات الأريوسيين المنحرفة والعديمة التقوى، كان يتعين عليه أن يطهر نفسه بالتفكير في عكس هذا الاتجاه تمامًا، وأن يتمسك “بذهن التقوى” (τν τς εσεβείας διάνοιαν)[55].

وبالإشارة إلى حقيقة أن مجمع نيقية اضطر إلى استخدام التعبير غير الكتابي (أي الذي لم يرد في الكتاب المقدس) “هوموأووسيوس” (μοούσιος) لشرح ما كان يعنيه الكتاب المقدس في حديثه عن المسيح (بكونه كابن) “ل الله” أو “من الله”، أوضح القديس أثناسيوس أنه لا يهم إذا استخدم المرء أو لم يستخدم تعبيرًا غير كتابي طالما أن له “ذهن تقوّي” (εσεβ τν διάνοιαν)، كما أوضح القديس أثناسيوس أيضاً حقيقة أن الآباء بنيقية كانوا بعيدين كل البعد عن التحدث عن المسيح بدون توقير، فهم تحدثوا عنه بوقار “وبذهن متسامٍ وتقوى تنم عن محبة للمسيح”

 (υψηλ διάνοια κα φιλόχριστος εσέβεια). [56]

وفي فترة لاحقة، عندما تجاسر بعض رجال الكنيسة من دعاة الأريوسية على القول بأن الروح القدس مخلوق، وتجرأوا على إخضاع العلاقات الداخلية للثالوث القدوس حيث “يبسط الشاروبيم أجنحتهم للتغطية” للفحص الوقح، قدَّم القديس أثناسيوس حججًا مضادة بنفس أسلوب نيقية (الورع)، وكان يفعل هذا بروح التقوى المتمركزة حول المسيح. فالتعليم الذي سبق أن سُلِّم يجب أن يُقبَل بخبر الإيمان، ويجب أن يُشرَح “بنمط فكري يتسم بالتقوى” (εσέβε λογισμ μετ ̉ ελαβείας)[57] وليس بمجادلات لغوية تفتقر للوقار.

وكان القديس أثناسيوس يصرُّ دائمًا على أن إطاعة الإيمان تؤدي إلى أسلوب شرعي في التفكير والتحدث عن الله، وذلك بفضل الاتزان الداخلي الذي يتولد نتيجة عبادة الله. ففي كل محاولة للفهم وإعطاء تعبير عن أسرار الإيمان، يكون المطلوب هو انضباط خشوعي وترتيب للعقل وصل إلى حالة الانسجام “بواسطة صلاة دائمة لله، ومعرفة تتسم بالتقوى، وتضرعات مقدمة ليس بشكل عرضي ولكن بتسليم كامل للقلب”.

هكذا يمكن أن يكون الدخول إلى الله، والذي فيه الإيمان والتقوى كل منهما يحكم الآخر في معرفتنا لله “لأن (كلمتي) الإيمان والتقوى مرتبطتان، وهما أختان: فمن يؤمن بالله لا ينفصل عن التقوى، ومَن يملك التقوى فهو حقًّا يؤمن”[58].

وقد لعب نفس مبدأ (lex orandi – lex credendi) أي “قانون التقوى قانون الإيمان” دورًا هامًّا في فكر القديس هيلاري، وكما قد رأينا فإن القديس هيلاري كانت تزعجه بالأكثر الطريقة التي استغل بها الهراطقة “المجال المفتوح” للإيمان لإقحام أفكارهم الخاصة الوقحة في معرفة الله، كما أقلقه أيضًا في الرد على الهراطقة الحاجة إلى فكر لاهوتي مستقيم (أرثوذكسي)، لصياغة اعترافات محددة أبعد من تصريحات الكتاب المقدس عن أمور هي في الأساس تفوق الوصف.

واعتقد القديس هيلاري أنه في هذه الظروف، ينبغي علينا أن نعتمد على ذلك النوع من الإدراك والفهم لله، المتضمَّن في الإيمان الذي يزداد بالعبادة، كما نعتمد على تلك العبادة التي يدخلنا فيها الله بنفسه؛ إذ إننا قد أُعطينا قدومًا إلى الآب من خلال الابن[59]. فإننا مهما حاولنا تطويع لغتنا لتعرب عن عظمة الله، فهي تبقى قاصرة بصورة لا حد لها في التعبير عن “ماهية الله” في كيانه وطبيعته السرمدية. ولكن رغم هذا فإن لغتنا يمكن توجيهها والتحكم فيها من جانبنا بواسطة أعمال العبادة الرئيسية التي يطلبها الله منا، من خلال إعلانه عن ذاته في الإنجيل.

وهكذا فإن القديس هيلاري عمل بمفهوم للإيمان مؤسس على التقوى الإنجيلية، وبمفهوم للتقوى التي تتسع بالإيمان بحقيقة الله التي لا تستنفذ. وفي هذا يقول القديس هيلاري: “ينبغي علينا أن نصدِّقه وندركه ونعبده وأن نسمح لأعمال العبادة هذه أن تكون الطرق الأساسية التي نتحدث بها عن الله”[60].

وبهذا الأسلوب لم يكن القديس هيلاري يعني أن نرتد في ذعر أمام جلال الله الفائق الإدراك، ونتراجع تمامًا إلى التوقير القلبي الصامت (فقط)، ولكن بالأحرى كان يعني أننا يجب أن نفكر في الله، فقط بالطريقة التي بها ندرك أنه يفوق بصورة لا نهائية إمكانيات الفكر والكلام البشرى؛ إذ يجب أن نجعل عبادتنا لله من خلال الابن والذي فيه ينكشف سر الآب غير المدرك هي التي تحكم كل ما نعترف به في الإيمان أو ما نعبِّر عنه في صياغات لاهوتية[61].

لأن الفكر اللاهوتي، كما سعى فيه القديس هيلاري نفسه، لا بد أن يمتزج ويتشابك مع الصلاة بصفة دائمة، حتى إنه في كل محاولاتنا للتعبير عن إيماننا واعترافنا بإله واحد الآب، ورب واحد يسوع المسيح حسب ما قد تعلمناه بالأنبياء والرسل فإن الله سوف يهبنا ما نريده من معنى في اللغة، ونور في الفهم، ووقار في التعبير والعرض، وإخلاص وأمانة للحق[62].

كيف تشكَّلت البصيرة اللاهوتية في الكنيسة في القرن الرابع؟

في كل ما سبق، كنا نفحص بعمق في الطريقة التي يجب بها البحث في جذور قانون الإيمان النيقي، في محاولة للعودة إلى ما كانت عليه الأمور عند التأسيس الرسولي للكنيسة، حين صار الإيمان الخلاصي بالله الآب والابن والروح القدس مصوغًا (مجسمًا) فيها مرة وإلى الأبد.

وأيضًا كنا نبحث في الطريقة التي بدأ فيها هذا الإيمان يكشف عن محتواه اللاهوتي وهو في طريقه للوصول إلى قانون نيقية، مسترشدًا بالأساس الإنجيلي للتقليد الرسولي العامل في حياة الكنيسة الجامعة في القرون الأولى وفي رسالتها وعبادتها حيث اتضح هذا الأساس في طريقة تفسير الكنيسة للكتب المقدسة وفي طريقة تعبيرها عن التعليم المسيحي.

ولقد وجدنا في هذه القرون تقليدًا متواصلاً يتميز بكون الإيمان والتقوى والفهم والعبادة مضفَّرة معًا بعمق، تحت التأثير الخلاَّق للقناعات الإنجيلية التي انطبعت في ذهن الكنيسة، في التزامها بإعلان الله عن ذاته بواسطة الابن المتجسِّد وفي الروح القدس. وهذه القناعات المصحوبة بتنسيق وترتيب للعقل مركزه المسيح، ظلت تتولد وتُغذَّى معًا داخل الحياة والشركة المتنامية للكنيسة من خلال التأمل المنتظم في الكتب المقدسة والمشاركة في العبادة الليتورجية.

وهذا هو الذي كوَّن القالب الذي تشكَّلت داخله البصيرة اللاهوتية والرأي الذي يتصف بالتقوى، واللذان ساهما في تحديد صياغة أكثر رسمية للمعتقدات في داخل حدود ما طالب به المسيح الكنيسة من طاعة وخدمة.

ومن هنا برز إطار فهم عام للحياة والتقوى، وإطار خاص تحددت فيه المعتقدات التي نشأت من المعمودية المقدسة ومن خلالها، و”المتضمَّن فيها كل جوهر الإيمان بالثالوث” على حد تعبير القديس أثناسيوس[63].

وفي إطار هذا الفهم وعمله المعياري، ومع الرجوع المستمر للإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، فإن فهم الكنيسة وصياغتها “للحق” الإنجيلي أخذ يتسع ويتعمق. ولذلك حدث في الكنيسة الجامعة في فترة ما قبل نيقية، تعمق متزايد داخل بناء مفاهيم الإيمان المسيحي، والذي بالرغم من أنه أخذ يتزايد في الفهم والدقة إلاّ أنه كان لا يزال في نطاق “المقدمات” لمعتقدات الكنيسة النهائية المتضمنة في وديعة الإيمان الرسولي.

تطابق “العقيدة الداخلية” و”العقيدة المعلَنة” في مجمع نيقية

ومن الجدير بالذكر أنه عندما بدأت تظهر صياغات صريحة للعقيدة نابعة من “كيان متكامل” للإيمان الرسولي، فإنها عادة ما كانت تحتوي على “عبارات عن “الكنيسة”، وهو ما نجده قد ترسَّخ نهائيًّا في الصورة الناضجة ل “قانون الرسل” و”قانون نيقية”[64]، وهذا يعبِّر عن حقيقة أنه عندما تبلورت القوانين الرسمية، فإنها ظلت مرتبطة بالتركيب الضمني الداخلي للإيمان و”المجسم” في الأساس الرسولي للكنيسة، وبالتالي كانت هذه القوانين ستصبح معيبة للغاية لو أنها جُردت من هذا الارتباط.

وهكذا فإن التكامل العميق بين العقيدة الداخلية (الحياة التقوية الداخلية التي بحسب جوهر الإيمان) والعقيدة الصريحة المعلنة (الصياغة المحددة للإيمان) لم يكن منسيًّا أبدًا، بل أن هذا التكامل قد تم تحويله إلى اعتراف كامل للإيمان الجامع.

ورغم أنه في مجمع نيقية نفسه لم تُدرج عبارة صريحة عن الكنيسة في قانون الإيمان، إلاّ أن إعطاء الشكل القانوني الواضح والمحدد للإيمان، كان معروفًا أنه اعتمد على ما كانت تؤمن به الكنيسة الجامعة على الدوام، وما عرفته بالبديهة أنه “حق”[65]. ومن خلال هذا النوع من الصياغة الرسمية، فإن كل جسم “الإيمان الداخلي” المضمر في التقليد الرسولي للكنيسة قد تم تدعيمه وإمداده بالشكل “النظامي” الذي وسّع في قوته الضابطة داخل حياة الكنيسة ورسالتها.

وكان هذا كله يعتمد على مبدأ “معرفة الحق بحسب التقوى”[66] الذي تضمَّنه ميراث الكنيسة، والإحساس الفطري بالله الذي انطبع في ذهن الكنيسة بواسطة الإعلان الإلهي؛ كما اعتمد أيضًا على بصيرة معطاة كعطية إلهية لإدراك العلاقات الفائقة في الله بكونه آب وابن وروح قدس، وهو الذي ينبغي له السجود والتعبد أكثر مما ينبغي التعبير عنه.

[1] أع 2:9؛ 9:19، 23؛ 4:22؛ 14:24، 22.

[2] 1تي 2:2؛ 16:3؛ 7:4، 8؛ 3:6، 5؛ 2تي 5:3؛ تي 1:1؛ 2بط 3:1، 6؛ 11:3.

[3] 1تي 3:6؛ تي 1:1؛ 2 تي 7:3.

[4] 1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2.

[5] 1تي 4:1؛ 7:4؛ 3:6-6؛ 2تي 4:4؛ تي 14:1؛ 2بط 16:1.

[6] 1تي 15:3-16؛ وعلى سبيل المثال: Hilary, De Trin., 11:9.

[7] أف 32:5.

[8] 1تي 20:6؛ 2تي 12:1؛ 2:2، 4؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 2تس 15:2؛ 6:3؛ غل 9:1؛ 2:2، 9؛ 1كو 23:11؛ 3:15؛ 2كو 3:11؛ رو 17:6؛ 1تي 6:4؛ عب 1:3؛ 14:4؛ 23:10.

62 Irenaeus, Adv. haer. (edit. By Harvey, 1897), 3. praef., 1-5, vol. 2, pp. 22ff; 3.38.1, pp. 131f; 4.40.2, p. 236. for this and what follows see, T.F. Torrance, ‘The Deposit of Faith’, Scottish Journal of Theology, 1983, vol. 36.1, pp. 1-28.

63 Irenaeus, Adv. haer., 1.3, vol. 1, p.94; 3.1-4, vol. 2, pp. 1ff; 3.11.1, p.47; 3.12.9, p.62; 4.4ff, pp. 234ff; 5.20, pp. 377ff.

64 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.4, vol. 1, pp. 282f; 2.39.1f, pp. 345f; 2.40-43, pp. 349-358; 3.38.1f, vol. 2, pp. 131f; 4.22.2, p. 178; 4.34.4, pp. 215-219.

65 Irenaeus, Adv. haer., 3.11f, vol. 2, pp. 43f; 3.17.6, p. 87f; 4.6, p.153; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.1, 4-6, pp. 212, 215f; 4.6.1, p. 291; 5.praef., 1-2, pp. 313ff; 5.27.2, pp. 398f.

66 Irenaeus, Adv. haer., 2.3.7, 1-4, vol. 1, pp. 342-344; 3.6.2, vol. 2, pp. 22f; 3.18.1, p. 92; 3.19.6, pp. 100f; 3.21.2, p. 107; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.5, 7, pp. 210, 218f.

67 Irenaeus, Adv. haer., 3.38, vol. 2, p. 132.

68 Irenaeus, Adv. haer., 3.38.1-2, vol. 2, pp. 131f; 4.53.1f, pp. 261ff; 5.20.1, pp. 378ff.

[16] اتي 15:3.

70 Irenaeus, Adv. haer., 3.11.11, vol. 2, p. 47.

71 Irenaeus, Adv. haer., 1. praef., vol. 1, pp. 1ff; 1.15, p. 67; 1.1.19-4.1, pp. 80-97; 2.7-9, pp. 271-274; 2.40-43, pp. 349-358; 3.1-5, vol. 2, pp.1-20; 3.38, pp. 131-3; 4.40-42.1, pp. 234-238; 4.53-54, pp. 261-264; 5. praef., pp. 313f; 5.20.1f, pp. 377ff.

72 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.15, vol. 1, pp. 66f; 1.18, pp. 80ff; 2.40-45, pp. 347-358.

73 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.14, vol. 1, p. 67; cf. 1.1.20, pp. 87ff; 1.3, pp. 93f; and Tertullian, De virg. vel., 1.

74 Irenaeus, Adv. haer., 1.19f, vol. 1, pp. 80-90; 2.37-43, pp. 342-358; 3.12.11, vol. 2, p. 65; 3.38, pp. 131f; Dem., 1-6.

* كان للهراطقة منهج مخالف لهذا المنهج في تفسير الكتاب المقدس. (المترجم)

75 Irenaeus, Adv. haer., 1.2, vol. 1, pp. 90f; 3.1f, 4, vol. 2, pp. 2ff, 25ff; 4.1, pp. 146ff; 4.53. 1, pp. 261f; 5.20.1, pp. 377f; Dem., 6.

76 Irenaeus, Adv. haer., 2.41, p. 349.

وهذه النقطة ذاتها كان القديس كليمندس السكندري قد طرحها عندما تكلم عن “النفاذ إلى الحق عن طريق أخذ قانون الحق من داخل الحق ذاته” – Strom, 7.16.

77 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.3f, vol. 1, pp. 282f; 2.41ff, pp. 349-358.

78 Origen, De prin., praef., 1.2, 6.

وكان أوريجينوس قد تكلم عن المسيح بكونه “الحق الذاتي” أو “الحق ذاته” انظر:

In Jn., 6.6; cf. 1.27; 2.4; and Con. Cel. 8.12.

79 See especially Origen, In Jn. 1.25-28 with 1.8.

80 Origen, In Cant. 2; Con. Cel., 7.31, 376.

81 Origen, In Jn. 1.7; In Matt., 10.1; In Deut., 1.21; In Jer., 18.6; Con. Cel., 4.71, etc.

82 Origen, Con. Cel., 1.2, 9f, 13, 24f, 42, 71; 3.23, 39, 42, 86; 4.2; 5.45; 6.27; 7.10; De prin., 4.3.16.

83 Origen, De prin., 1.1.1f; 1.3.3; 2.2.2; 2.4.4; 2.5.2; 2.7.2; 2.11.2ff; 3.5.1; 3.12.4; 4.2.1ff, 15. Origen sometimes distinguished between three meanings – cf. 4.2.4.

84 Origen, Con. Cel., 1.48; 6.23; 7.34; De prin., 1.1.9; 4.4.10; LXX Prov. 2.5.

85 Origen, In Jn., 1.8-10; 2.6; De prin., 3.6.8; 4.2.6; 4.3.13.

86 Cf. Origen, In Matt., 1.14. See also In Jn., 10.4, 18, 22; 20.3, 10, etc.

87 Origen, De prin., 4.3.15.

88 Origen, Con. Cel., 1.2; 8.32.

89 Origen, In Jn., 13.24; 32.25-29.

90 Cf. Origen, In Luc., 14.28.

91 Origen, Con. Cel., 3.8, 34, 60, 78; 5.33; 7.40, 49; 8.13, 75.

92 Origen, De prin., 1.5.4

93 Origen, In Jn., 1.3.

94 Origen, De prin., 4.1.1f; 4.2.2.

95 Origen, Ep. ad Greg., 3; Ep. ad Afr., 2-5.

96 Origen, Con. Cel., 7.11; De prin., praef.; 4.2.4, 7-9; 4.3.5.

* حيث إن كل ما يعمله الله يكون من الآب بالابن في الروح القدس. (المترجم)

97 Origen, De prin., 4.2.3; cf. praef. 1-2; In Jer., 3.22-4.

98 Origen, Con. Cel., 1.27; 3.60, 81; 5.33; 7.46; 8.20; De prin., 4.1.2, 5;

In Jn., 28. 23.

99 Origen, In Jn., 6.5f; De prin., 4.1.2, 5; Con. Cel., 2.4; 3. 34, 81; 5.4;

 8.13, 26, 59.

100 Origen, De prin., 3.1.17.

101 Origen, De prin., 1.5.4; 2.6.2; 3.1.17, 23; 3.5.3; 4.3.14; cf. Praef. 2;

 3.3.4; 4.2.2, 4; 4.3.15.

102 Origen, Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.46; 8.13; De or., 10.2; 13.1; 15.1-4.

103 Origen, In Jn., 1.33, 35; 2.34; Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.41, 46, 49; 8.12f, 26, 75; De prin., 1.3.4.

104 Origen, Con. Cel., 3.60; 5.4; 7.46; 8.57; 75; De or., 14-16, 20, 31; In Jn., 32.24; In Mat., 11.14. See also Origen“s Dialogue with Herakleides, SC, 67, ed. By J. Scherer, 1960, pp. 62, 64.

105 Origen, De prin., praef., 2, 3, 10; cf. 1.4.4; 4.4.5.

106 See Prosper of Aquitaine, De gratia Dei et libero voluntatis arbitrio, 8: legem credendi lex statuat supplicandi, MPL, 8, 209. Lex orandi-Lex credendi represents a telescoped form of Prosper of Aquitaine’s thought, found in the Ineffabilis Deus of Pius IX, and the Munificentissimus Deus of Pius XII, AAS, 1947, pp.540f.

107 Athanasius, De decr., 1-3; cf. Ep. Enc., 1 (ευ̉σέβεια α̉πό α̉σεβείας διώκεται)

وهنا تكلم القديس أثناسيوس عن التقوى التي تُضطهد بواسطة عدم التقوى

108 Athanasius, Ad episc. Aeg., 13; cf. 4, 9, 12.

109 Athanasius, De syn., 39.

110 Athanasius, Ad Ser., 1.17, 20; 4.4.

111 Athanasius, Ep., 11.9-11.

112 Hilary, De Trin., 5.18, 20.

113 Hilary, De Trin., 2.6f, 11.

114 Hilary, De Trin., 2.2, 5-8, 10-11.

115 Hilary, De Trin., 1.38.

116 Athanasius, Con. Ar., 4.21.

117 See the Der Balyzeh papyrus, cited by J.N.D. Kelly, Early Christian

 Creeds, 1950, p.89; or Epistola Apostolorum, ibid., p.82.

[65] ارجع إلى الحروم التي أُلحقت بقانون نيقية والتي ذُكرت باسم “الكنيسة الجامعة”.

[66] 1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2 وما بعدها.

التقوى في الفكر الكنسي

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة: ” نؤمن … “

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

 

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة*

يحتل مجمع نيقية 325م مكانًا فريدًا في تاريخ الكنيسة المسيحية باعتباره ’المجمع الكبير والمقدس‘ أو ’المجمع المسكوني الكبير‘، الذي اتخذته كافة المجامع اللاحقة كمعيار رئيس لها. وهذا لأن قانون الإيمان الذي وضعه الآباء في نيقية قد حمى بشكل حاسم الإيمان الرسولي الجامع من أي تحريف مخرِّب للإنجيل، مما أدى في آخر الأمر إلى ضبط وتوحيد فكر الكنيسة كلها وتثبيتها بشكل لا لبس فيه في الإيمان بأن الله الآب كشف عن ذاته من خلال ابنه يسوع المسيح وفي روح واحد[1].

كذلك فإن الارتباط الجوهري بين نص الإنجيل وبين “الإيمان المُسلَّم مَرَّةً للقديسين”[2]، قد ظهر بوضوح في نيقية بطريقة بسيطة وموجزة، حتى إنه صار يُنظر إلى ما حدث في نيقية فيما بعد، برهبة ووقار بكونه عملاً من الروح القدس، الأمر الذي يدعو للدهشة في ظل ما كان قائمًا ـ في ذلك الوقت ـ من تباين كبير في الآراء وفي الصيّغ الإيمانية.

ومع انقضاء القرن الرابع وبقاء وصمود الكنيسة رغم الهجمات الشرسة من قِبل الهراطقة ـ والتي كادت تهدد لب الرسالة الإنجيلية التي اؤتمنت عليها ـ فإن التقليد أخذ يكرِّم قانون إيمان نيقية بصورة متزايدة على أنه هو ’التحديد الكنسي غير القابل للتغيير‘ (imperturbata constitutio)، أو ’الحدث العظيم الذي لا رجعة فيه في حياة الكنيسة‘[3]، والذي يأتي مباشرةً بعد الأساس الواحد الذي وضعه المسيح نفسه في الرسل والأنبياء[4]، بل إن قانون الإيمان نفسه، كان يخدم ذلك الأساس ويبني عليه ويشاركه ـ بشكل ما ـ في طبيعته غير القابلة للتكرار.

ومما يذكر أن القديس غريغوريوس النزينزي الذي رأس الجلسة الافتتاحية لمجمع القسطنطينية عام 381م كرئيس أساقفة، كتب إلى كليدونيوس أحد كهنة نزينزا يقول: “نحن من جانبنا لم نعتبر ولن نعتبر أي تعليم مفضَّل على إيمان الآباء القديسين الذين اجتمعوا بنيقية لهدم الهرطقة الأريوسية، ونحن بمعونة الله لا نحيد ولن نحيد عن هذا الإيمان، مكمِّلين ما قد تركوه بخصوص الروح القدس”[5].

وكان القديس غريغوريوس النزينزي يُعبِّر عن التقليد السائد، عندما تحدث في ’عظته عن أثناسيوس الكبير‘ ذاكرًا ’مجمع نيقية المقدس‘ واجتماع الثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً ’المختارين‘ بكونهم قد “وحَّدهم الروح القدس”[6]. كما كان القديس غريغوريوس يمثل رأي الكثيرين أيضًا، في إعطائه القديس أثناسيوس الدور الحاسم في أعمال المجمع؛ إذ قال: “وعلى الرغم من أنه لم يكن بعد في ترتيب صفوف الأساقفة، إلاّ أنه احتل الترتيب الأول بين أعضاء المجمع، لأن الأفضلية كانت للتميّز بنفس القدر الذي كانت به للمنصب.

وكرجل الله الذي نطق بقوة للحق، حافظ القديس القديس أثناسيوس بلباقة على وحدة اللاهوت إذ علَّم بإخلاص عن الثالوث تعليمًا اشتمل على العلاقات الأقنومية: بغير ضياع للأقانيم الثلاثة في داخل الوحدة، ولا تقسيم للجوهر فيما بين الأقانيم الثلاثة؛ بل ظل القديس أثناسيوس داخل حدود التقوى متجنبًا الميل الزائد أو المعارضة الزائدة لأحد الرأيين”[7].

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين

كان القديس أثناسيوس يعتبر أن الآباء في مجمع نيقية لم يبتكروا شيئًا جديدًا، بل إنهم تنفَّسوا روح الكتب المقدسة واعترفوا بالإيمان الإلهي والرسولي بدقة شديدة، حتى إنه (أي القديس أثناسيوس) استطاع بعد سنوات كثيرة أن يكتب إلى أساقفة إفريقيا قائلاً: “إن كلمة الرب التي جاءت عن طريق مجمع نيقية المسكوني باقية إلى الأبد”[8]، ولم يكن يعني بهذا أن الله قد أعطى أساقفة نيقية كشفًا جديدًا، بل إنهم كانوا فقط أداة في يد الله، وذلك بتسليمهم (لمن بعدهم) ـ بشكل صادق وأمين ـ كلمة الله ذاتها، وهي عينها التي كانوا قد تسلَّموها بأنفسهم من تعاليم الرسل في الكتب المقدسة فيما يتعلق بالله الآب والابن والروح القدس.

وفي الواقع كان التقليد الرسولي، والتعاليم المعطاة في الكتب المقدسة، بالنسبة للقديس أثناسيوس شيئًا واحدًا تمامًا، حيث لا يوجد عدة تقاليد “للحق” سواء مكتوبة أو غير مكتوبة، بل هو التقليد الواحد المتضمَّن في الكتب المقدسة المُعترف بها، وهو إيمان الكنيسة الحقيقي الذي تسلَّموه، والذي كان عليهم أن يحافظوا عليه ويسلِّموه مرة أخرى[9].

هكذا فهم القديس أثناسيوس عمل الآباء بمجمع نيقية المسكوني، لذلك كتب لأساقفة إفريقيا في خطابه المجمعي لهم يقول: “إن الإيمان السليم المُعطى لنا من المسيح والذي أعلنه الرسل، قد سلَّمه للأجيال التالية الآباء الذين اجتمعوا في نيقية من كافة أنحاء العالم”[10].

وعندما أُثير التساؤل حول التعليم الرسولي التقليدي عن الروح القدس، أصر القديس أثناسيوس على ضرورة وضع تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة في الاعتبار من البداية، هذا الذي أعطاه الرب، وأعلنه الرسل، وحافظ عليه الآباء. وقد استطاع القديس أثناسيوس، وهو يتحدث عن نفسه، أن يقول: “طبقًا للإيمان الرسولي المُسلَّم لنا من الآباء بواسطة التقليد، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتكار أي شيء خارجًا عنه. وما تعلَّمته هذا قد سجلته وفقًا للكتب المقدسة”[11]. فالمهم كان هو تقديم الكتب المقدسة بدقة وبإخلاص، بالإضافة إلى تناول التقليد بأمانة[12].

وكان القديس أثناسيوس دائم الإشارة إلى قانون إيمان نيقية على أنه “الإيمان الذي اعترف به الآباء بنيقية” طبقًا للكتب المقدسة وتقليد الكنيسة السليم، وكان يقول عنه إنه هو هو “الإيمان المسلَّم من مخلِّصنا بواسطة رسله”، وقد اعتبر أن صياغة قانون الإيمان كانت في الأساس عملاً إيمانيًّا ورعًا ومخلصًا قام به المجمع المسكوني “باعتباره في حضرة الله”[13].

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

إقرأ أيضًا: الشك ف الكمين – هل مجمع نيقية هو من قرر أن المسيح هو الله وأهم العقائد المسيحية؟

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة

لقد كان هناك سببان لانعقاد مجمع نيقية: أولاً التوصل إلى اتفاق مسكوني حول يوم الاحتفال بعيد القيامة، وثانيًا الحكم على الهرطقة الأريوسية التي كانت تخل بتناغم الكنيسة، إلاّ أن نوع القرار الذي اتخذه المجمع في كل حالة ـ كما أوضح القديس أثناسيوس ـ كان مختلفًا تمامًا. فبالنسبة لعيد القيامة، كتب الآباء: “يبدو حسنًا ما يلي”، لأنه كان بالفعل يبدو حسنًا أن يكون هناك اتفاق عام. ولكن بالنسبة للإيمان فإنهم لم يكتبوا “يبدو حسناً”، بل كتبوا: “هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة”، ليؤكدوا بذلك أنهم إنما كانوا يعترفون بما يؤمنون به، ولكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست جديدة بل هي تعاليم رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم، بل كان هو نفسه ما علَّم به الرسل[14].

بل والأكثر من ذلك، أن آباء نيقية عبَّروا عن هذا التعليم بدقة شديدة لدرجة أن كل من يقرأ هذه النصوص بأمانة، فإنها لا بد وأن تعيده إلى التقوى والإيمان بالمسيح (ες Χριστν εσέβειαν) المُعلَن عنه في الكتب المقدسة[15]. أي أن قانون إيمان نيقية ينبغي أن يُفهم كصياغة كرازية للإيمان، حسب مبادئ الإنجيل الأولى البسيطة، لأن الإيمان الذي سُلَّم للكنيسة مرة واحدة يمكن تسليمه فقط بالإيمان، من إيمانٍ إلى إيمان[16].

ومن الواضح أن القديس أثناسيوس كان يرى أن مجمع نيقية ـ من خلال اعترافه بالإيمان بشكل موجز وبسلطان مسكوني ـ قد حقق الغرض الذي كان قد تصوره هو نفسه قبل المجمع، والذي ذكره في بيانه عن”أساس الإيمان” (κεφάλαιον τς πίστεως)، ألا وهو إدراك العمل الخلاصي لابن الله المتجسِّد[17]، مرتبطًا بدراسة الكتب المقدسة وبفهم أعمق لرسالتها[18].

 

علاقة الإيمان بالتقوى

ومن العلامات المميِّزة لتوجه مجمع نيقية، أنه ربط بين الإيمان وبين الخشوع أو التقوى (εσέβεια / θεοσέβεια)، والذي يعني استخدام أسلوبٍ ورعٍ للعبادة والسلوك والفكر، يليق بالله الآب والابن والروح القدس. وكان هذا الارتباط بين الإيمان والتقوى طريقًا مسيحيًّا مميزًا للحياة، حيث كان فكر الكنيسة (διάνοια / φρόνημα) مختومًا بختم الثالوث القدوس الذي لا يُمحى، فلم يكن هناك فصل بين التقوى والتعليم اللاهوتي، أو بين العبادة والإيمان، حيث كان الاهتمام الثابت موجهًا: لتفسير الكتب المقدسة بوقار، ولاستخدام المنطق بوقار ولاتباع طرق للمناقشة بوقار، وفي كل ذلك بغير تدخلٍ حادٍّ في سر الله وبغير تعليمٍ خارج عن الوقار في الأمور التي تخص الله.

وحتى حين يتناول علم اللاهوت العلاقات الداخلية للثالوث في الله نفسه، كانت الكنيسة تُصرّ على التحفظ والخشوع سواء في الأسلوب أو في صياغة الفكر أو في اللغة المستخدمة؛ إذ كان ينبغي أن يتم كل شيء بتقوى أمام وجه صاحب الجلال والمجد الإلهي مثل ما يفعل الشاروبيم الذين يغطون وجوههم أمام عرش الله بشكل يليق بقداسة الله الفائقة.

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

إقرأ أيضًا: آباء الكنيسة الأولى (ما قبل مجمع نيقية) وحقيقة إيمانهم بلاهوت المسيح

الإيمان الذي حفظه الآباء في نيقية

إن إدراك آباء مجمع نيقية لمضمون التعليم الرسولي، بالإضافة إلى التقوى الإنجيلية في الاعتراف بالإيمان، قد أدّيا معًا إلى ظهور أسلوب مميَّز للتعبير ترك بصمته الدائمة على ذهن الكنيسة. وكان هذا الأمر واضحًا للغاية في مجمع القسطنطينية عام 381م حيث أُعيد التأكيد بشكل نهائي وحاسم على قانون الإيمان النيقي، مما جعله قانون الإيمان المسكوني الأسمى في العالم المسيحي. فالتعليم اللاهوتي الخاص بمجمع نيقية لم ينل فقط قوة داخلية وحركة دفع ذاتي في عصره، ولكنه ترسَّخ ضمن الأساسات الإنجيلية للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، بحيث صار القاعدة التي انطلقت منها المجامع الأخرى ـ الواحد تلو الآخر ـ لتكمل عملها في القرون اللاحقة، بالرجوع دائمًا إلى “مجمع الثلاثمائة وثمانية عشر”.

وهكذا كان يُنظر لقانون إيمان نيقية، على أنه المحور الرئيس والمتحكم في الرسالة المتنامية للكنيسة، وكإعلان إنجيلي يؤدي إلى الإيمان بالمسيح، كما كان يُنظر إليه أيضًا بكونه صياغة تعليمية لكبرى حقائق الإنجيل، لذلك يمكن أن يُعتبر كمرشد موثوق به وذو سلطان في قراءة وتفسير الكتب المقدسة. أي أنه في قانون الإيمان النيقي وبواسطته، عقدت الكنيسة العزم على الدفاع عن جوهر الإيمان والحفاظ عليه، كأمانة مقدسة تسلَّمتها لكي تسلِّمها إلى الآخرين متكاملة إنجيليًّا، وبالتالي تستطيع أن تعطي الله حساب وكالتها على سرائر الله[19].

وكان هذا هو قصد الكنيسة الذي أوضحه القديس أثناسيوس في خطابه إلى أساقفة إفريقيا عندما قال: “ليكن فقط الإيمان، الذي اعترف به الآباء بنيقية، قانونًا ساريًا بينكم، حتى يستطيع الرسول أن يقول عنا أيضًا: ’فأمدحكم أيها الإخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء، وتحفظون التعاليم كما سلَّمتها إليكم‘”[20].

إقرأ أيضًا:  ايمان الاباء بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية – القمص عبد المسيح بسيط

 

نؤمن …

وبتعبير “نؤمن”، الذي استهلت به الكنيسة الجامعة نص اعترافها ـ في نيقية عام 325م ـ فإنها أوضحت أن ما كان يهمها هو أن تعترف بحقائق الإنجيل الأساسية، داعية إلى الالتزام بالإيمان (نؤمن)، أكثر من مجرد وضع مراسيم (قوانين للإيمان) (δόγματα) مطلوب إطاعتها كأنها قرارات رسولية[21] أو أوامر إمبراطورية[22].

ولكن بالطبع قدَّم آباء نيقية بعض الدلالات التي توضح كيف يجب أن تُفهم المصطلحات التي استخدموها، كما أشاروا أيضًا إلى “الحدود الفاصلة” (ρισθέντα) في اعتراف (قانون) الإيمان، والتي لا يجوز تعديها وإلاّ انحرف المرء إلى ضلال الهرطقة أو إلى خطورة التناقض[23].

وقد حدد الآباء أيضًا عددًا من “القوانين” أو “القواعد” الكنسية التي يجب أن تُراعى من أجل الحفاظ على الوحدة في الكنيسة كلها في تعليمها وتوجيهها المنتظم، وفي تنظيم الخدمة الكنسية[24]. غير أن هذه الأوامر “الناهية” والقواعد الرسمية، قد تم وضعها فقط كملحقٍ لنص قانون الإيمان، ولم تدخل في صلب التعبير عن الإيمان ذاته. وهكذا كان حرص الآباء ينصب كله على الحفاظ على سمة قانون الإيمان “كإعلان إنجيلي” للإيمان الخلاصي، الذي اضطرت الكنيسة إلى وضعه بإلزام من الحق الإلهي الذي وصل إليها من خلال الكتب المقدسة.

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

نظرة الآباء إلى ’الإيمان‘

ومن هنا، فإن الأولوية القصوى التي أعطاها مجمع نيقية ’للإيمان‘ على هذا النحو كانت لها دلالة كبيرة للغاية، لأنها تمثِّل التحوُّل الجذري في فهم شعب الكنيسة ـ حيث استنارت عقولهم بحقيقة الله الحي وتحرروا من الأسر في ظلمة التحيُّزات الشخصية والتخمينات والأوهام التي لا أساس لها ـ وهو تحول من أن يكون مركز الفكر في داخل المنطق البشري (πίνοια) الشخصي (الغريب عن الله)، إلى أن يكون هذا المركز هو في إعلان الله (عن ذاته)، وفي فعل المصالحة الذي تم في يسوع المسيح ’كلمته‘ المتجسِّد داخل حيز الزمان والمكان في عالمنا المخلوق.

هذه الاستنارة بحقيقة الله كانت هي السبب وراء الثقة الراسخة في ’إيمان‘ الكنيسة بالله، لأن الكنيسة قد أدركتها محبة الله الثابتة والأمينة، وقد أمسكت الكنيسة بهذه المحبة من خلال “كلمة حق الإنجيل”[25]، كما أن الله ذاته كان على الدوام يسند الكنيسة ويقويها. وهذه الأهمية القصوى التي أولاها قانون نيقية، ’للإيمان‘ إنما تعكس الفكر الآبائي الراسخ عن ’الإيمان‘ بأنه اقتناع للعقل لا يقوم على أساس منظور ’شخصي‘ بل على أساس ’موضوعي‘، وهذا الاقتناع تسنده ـ أبعد من حدوده نفسه ـ ’الحقيقة‘ الموضوعية أو الأقنومية (πόστασις) التي لله ذاته، كما أعلن لنا عن نفسه في يسوع المسيح.

ويعبِّر القديس هيلاري عن ذلك بقوله “في الإيمان، يتخذ الإنسان موقفه على أساس كيان الله ذاته (in substantia dei)”[26].

إقرأ أيضًا: مجرد إله؟ القضية الحقيقة في مجمع نيقية

 

علاقة ’الإيمان‘ بالمعرفة

وكان الآباء ’اليونان‘ (الذين كتبوا باليونانية) ينظرون إلى المعرفة العلمية (πιστήμη)، على أنها وقوف أو رسوخ العقل (διάνοια) على الحقيقة الموضوعية، وعلى أنها أيضًا الفهم اليقين والمؤكد. ولتعضيد هذا الرأي من الكتاب المقدس، كثيرًا ما كان الآباء يستشهدون بما جاء في الترجمة السبعينية “إن لم تؤمنوا فلن تفهموا” أو “فلن تثبتوا”[27]، حيث كانوا يؤكدون على أنه بالإيمان، تتلامس عقولنا مباشرة مع الحقيقة مستقلة عن ذواتنا، لأنه من خلال الإيمان تتقبل عقولنا الإدراك الباطني (البديهي) للأشياء وتخضع لقوتها الشاهدة لذاتها، كما تتكيَّف وتتهيأ لتعرف هذه الأشياء في طبيعتها الذاتية (الخاصة بها) (κατά φύσιν)[28].

وعلى هذا النوع من الاتصال الأساسي (المباشر) مع الحقيقة، ترتكز كل معرفة مؤكدة ويرسخ كل فهم صادق أصيل، كما أنه هو أيضًا الطريق الصحيح لكل بحث جديد ولكل محاولة لتعميق فهمنا للأمور. وكما أن هذه العلاقة بين الإيمان والفهم تنطبق على كل معرفة علمية، فهي تنطبق بنفس القدر بل وبأكثر تحديد على معرفتنا لله، الذي هو الأساس والمصدر المطلق لكل قدرة على المعرفة والإدراكٍ وكل حق[29]، مثلما كان القديس أغسطينوس يقول دائماً: “نحن لا نسعى لفهم ما نؤمن به، ولكننا نؤمن لكي يمكننا أن نفهم”[30].

إذن ينبغي أن يكون واضحًا الآن، أن ’الإيمان‘ حسب الفكر اللاهوتي النيقي، لم يكن نوعًا من علاقة غير مدركة أو غير مفهومة مع الله، بل كان إيمانًا يتضمن عمليات المعرفة والفهم والإدراك، إيمانـــًا له طـــابع فطـرى (بديهي) للغــاية في تقبـــل العقـــل ـ بشكل مسئول ـ ’للحق‘ الكامن في إعلان الله لذاته للجنس البشري. فالإيمان ينشأ فينا نتيجة التأثير الخلاَّق لشهادة الله لذاته، ولكشف الله عن ذاته في “كلمته”، كما أنه ينشأ كذلك كاستجابة لمطالب ’الحقيقة‘ الإلهية علينا، والتي لا نقدر أن نقاومها بمنطق العقل أو الضمير[31].

ويأخذ الإيمان شكل الطاعة (πακοή τς πίστεως)[32] المنصتة لدعوة ونداء “كلمة” الله، كما أن المعرفة التي تتولد داخلنا، تتطلب في صميمها قبول ذهني وإدراكي (πιστημονική συγκατάθεσις) ’للحق‘ الإلهي، وتصبح مغلقًا عليها في داخل هذا الحق[33].

وقد أكد القديس هيلاري أنه حقًّا بهذه الطريقة عينها فقط، يتشابك الإيمان والفهم (الإدراك) وهو ما قد حدث في حالة الرسل أنفسهم، عندما “التحم ’الحق‘ الذي سمعوه لأول مرة مع يقينهم الداخلي”[34]، وحين تحدث القديس هيلاري عن اعتراف الرسل ’بأن المسيح هو ابن الله‘ على أن ذلك هو ’صخرة الإيمان‘ التي بنيت عليها الكنيسة[35]، كان فهمه لهذه الحقيقة فهمًا موضوعيًّا، لأن الكنيسة بنيت على ’الحق‘ الإلهي الذي اعترف به الرسل، وليس على اعترافهم في حد ذاته، هذا ’الحق‘ الذي لا تزال الكنيسة تعتمد عليه في إيمانها.

وبالطبع كان من الأمور المُسلَّم بها أن اعتراف الرسل ’بالإيمان‘ وفهمهم ’للحق‘ محفوظ في الكتب المقدسة التي سلَّمها لنا الرسل، ولذا ينبغي أن نقول إن “الإيمان وكل جزء منه مُنطبع فينا بواسطة برهان الأناجيل وتعليم الرسل”[36].

إقرأ أيضًا: مجمع نيقية، هل إخترع عقائد جديدة أم أكَّدَ على العقائد المستقرة من عصر الرُسل؟ عرض ونقد ورد

 

الله هو الذي يعلن عن ذاته

وفي نهاية الأمر، فإننا لا بد أن نتعلم من الله ذاته، ما الذي يجب أن نفتكره عنه “لأن الله لا يمكن أن يُفهم إلاّ من خلاله هو ذاته”[37]. كما أن إيماننا يجب أن يرتكز على نفس ’الحق‘، الذي بنى عليه الرسل الأولون إيمانهم وفهمهم، مما يعنى أننا حينما نلجأ إلى أقوال الكتاب المقدس فعلينا أن نخضع عقولنا مباشرةً ’للحق‘ الذي تشهد له الكتب المقدسة، لأن نصوص (dicta) الكتاب المقدس يجب أن تُفسَّر في ضوء الأمور أو الحقائق (res) التي تشير إليها والتي بسببها كُتبت هذه الأقوال وليس العكس؛ إذ إن هذه الأقوال تحقق الغرض الإلهي المقصود منها عندما تنقل شهادة الله عن ذاته.

وبالتالي تمكِّننا من الإيمان بالله والتفكير فيه بالطريقة الوحيدة المتاحة، والتي تتمشى مع الطريقة التي يقدِّم هو بها نفسه لنا[38]. ومن هنا يتضح أن الأهمية القصوى المعطاة ’للإيمان‘ في معرفتنا لله، تعكس الأفضلية المطلقة لدور الله (حين يعلن هو عن ذاته و يجعلنا ندرك شيئًا عنه) على كل فكر بشري عن الله (نعتمد فيه على ذواتنا)، بل وحتى على الوسائط البشرية التي أوجدها الله لتخدم إعلانه عن ذاته[39].

إقرأ أيضًا: الثالوث قبل مجمع نيقية – الأدلة الآبائية

 

البعد المزدوج للإيمان

إن الإيمان الذي ينشأ بالتزام واعٍ بما أوجبه الله في إعلانه عن ذاته في يسوع المسيح، والمرتبط بأولوية الله المطلقة على كل فكر أو حديث عنه، هذا الإيمان له سمة ذات شقين: الشق الأول يظهر فيه الإيمان بأنه مقيد ومحدد وملتزم بشكل دقيق بما أعلنه ’الحق‘ الإلهي في تجسد ’الكلمة‘ (أي بما أعلنه الابن المتجسِّد)، ومع ذلك يظهر الإيمان في الشق الآخر بأنه غير مقيَّد وغير محدَّد من خلال علاقته بحقيقة الله اللانهائية والتي تفوق كل فهم محدود.

إذن فمن جانب، يتميز الإيمان باليقين الثابت الذي يستمد قوته من حقيقة الله ذاته الكامنة في هذا الإيمان، ولكن من الجانب الآخر هذا الإيمان يتميز بوجود مجال مفتوح دائم الاتساع ليستجيب مع سر الله غير المدرك وطبيعته التي لا تُحدّ[40]. وهذه بلا شك هي القوة المزدوجة التي تكمن في كلمة “نؤمن” (πιστεύομεν) الواردة في اعتراف الإيمان النيقي بالله الآب والابن والروح القدس، وهي التي تحكم أيضًا الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها كل عبارات هذا الاعتراف (القانون)، تلك القوة المزدوجة تعني كلاًّ من التحديد والقصر (exclusiveness) من جهة، بجانب اتساع المجال (open range) من الجهة الأخرى، وهذان الأمران معًا هما اللذان يميزان الإيمان.

 

التحديد والالتزام في الإيمان المؤسس على الحق

وفي التزامه بالإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، يمنع قانون (إيمان) نيقية، الإيمان بأي إله آخر غير الله الآب، كما يمنع الإيمان بأي إعلان آخر عن هذا الإله الواحد غير ابنه الوحيد المولود منه. مما يعبِّر بوضوح عما أكده الكتاب المقدس بجزم، بأن الإيمان بإله واحد يلغي إمكانية وجود أية آلهة أخرى، وأن الإيمان بأن يسوع المسيح هو “الطريق والحق والحياة” يستبعد الوصول إلى الآب بأية طريقة أخرى غير تلك التي قدَّمها الله ذاته في تجسد ’كلمته‘ في يسوع المسيح، أي في ’ما هو‘ يسوع المسيح في كيانه الأقنومي الخاص.

وكان من العسير أن يصبح الأمر هكذا، لو أن الإيمان كان قد تأسس فقط ـ وبشكل شخصي وغير موضوعي ـ على القناعة الداخلية للعقل البشري، وليس كما هو الحال من أنه مؤسس بشكل موضوعي على ’حقيقة‘ الله ـ الملزمة كليًّا ـ المجسمة في المسيح بكونه عطاء الله الذاتي الفريد واتصاله الذاتي الفريد بالجنس البشرى كرب وكمخلِّص. وفي طاعة غير مشروطة لهذا الإعلان الإلهي، نجد أن الإيمان المسيحي قد تبنى مدخلاً إلى الله يطرح جانبًا أي مدخل بديل، وأصدر حكمًا يستبعد به أي معتقد منحرف، وصدَّق على إقرار ’للحق‘ رافضًا بذلك أي ادعاءات أخرى معتبرًا إياها باطلة.

ومن هنا كان الأمر الجوهري في إيمان الكنيسة، هو ’الحق‘ الإلهي الذي أدركته الكنيسة في المسيح وفي إنجيله ولم ولن تفرط فيه. هذا الحق ليس تحت تصرف وتحكم الكنيسة، ولكنه هو (أي الحق) الذي يحررها ويثبتها في محبة الله، ولهذا فإن الكنيسة لا تستطيع إلاّ أن تعترف بإيمانها بالله، أمام الله، وتقر بغير تحفظٍ بتصديقها ويقينها في ’الحق‘ الخاص بالمسيح وإنجيله، حيث إن هذا الحق هو الذي ترتبط به بصميم كيانها باعتبارها الكنيسة، جسد المسيح الواحد.

إن ما حدث في مجمع نيقية، كان اعترافًا مسكونيًّا بالإيمان، أعلنه الآباء في مواجهة إنكار الهراطقة للوحدة المطلقة بين الله وبين إعلانه عن ذاته في شخص يسوع المسيح. فقانون الإيمان النيقي كان عملاً مهيبًا للكنيسة مجتمعة، وفي حضور الله، وتم بالتزام ثابت ’للحق‘ الخاص بالإعلان الإلهي الذي من الآب بالابن في الروح القدس، وبإدراكٍ تام بأن صميم وجود الكنيسة المسيحية وصحة رسالتها الإنجيلية الداعية للخلاص الإلهي كانت معرضة للخطر.

ولو لم تكن هناك علاقة الوحدة في الجوهر والعمل، بين ما هو الله الآب ـ في ذاته ـ وبين ما هو نحونا في نعمة ربنا يسوع المسيح، لصارت الكرازة بالإنجيل (kerygma κήρυγμα) مفرغة من مضمونها الخلاصي، ولكانت تعاليم (διδαχή) الرسل مجردة من شرعيتها الإلهية. لكن إذا كانت نعمة الرب يسوع المسيح هي بعينها نعمة الله ذاته، وإذا كان في المسيح يسوع العطية الإلهية والمعطي هما واحد، فليس للكنيسة ـ أمانة منها للإنجيل ـ إلاّ أن تكرس نفسها لتأكيد هذه النعمة بشكل إيجابي وأن تستبعد أي احتمال آخر[41].

وكانت هذه هي القضية الحاسمة التي دعا القديس بولس كنيسة غلاطية لمواجهتها في القرن الأول، حيث كانوا مهدَّدين بتعاليم تفسد إنجيل المسيح وتحوله إلى ’إنجيل آخر‘ والذي ليس هو إنجيلاً بالمرة، وولذلك كتب يقول “إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما”[42]. وكان هذا هو النموذج الرسولي الذي اتبعه آباء نيقية في موقفهم الحاسم، عندما ألحقوا باعتراف الإيمان عبارة تحرم هؤلاء الذين يعلِّمون بأن ابن الله لم يكن منذ الأزل واحداً مع الآب، بل له ’جوهر‘ مختلف عن الذي للآب، فينكرون بذلك لب الإيمان الجامع ذاته[43].

إذن فمجمع نيقية قد عبَّر عن العقائد الرئيسية ـ التي رأى ضرورتها حسب الإنجيل ـ في قانون إيمان، تم الاعتراف به لاحقًا في الكنيسة في كل العالم، وهو القانون الذي يستبعد ببنائه الداخلي أية عقيدة بديلة (نتيجة لاستنتاجات عقلية منحرفة)، في مقابل إعلان الله الوحيد عن ذاته في يسوع المسيح، أو بمعنى آخر هو الذي يمنع أي انحراف هرطوقي عن ’الحق‘[44].

 

المجال المفتوح والمتسع للإيمان

وهناك وجه آخر لما سبق أن ذكرناه (أي غير الوجه المقيد والمحدد للإيمان)، لأنه في حين يعبِّر قانون الإيمان النيقي عما ينبغي علينا أن نعترف به ـ داخل الإطار العام لالتزام الكنيسة تجاه ’حقيقة‘ إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح ـ فإن كل هذا قد جاء مسبوقًا بكلمة “نؤمن” (πιστεύομεν)، مما يعني أن كل ما تم إقراره في هذا القانون يقع داخل دائرة ’الإيمان‘ ومرتكزًا على ’الحقيقة‘ الموضوعية لله التي تسمو تمامًا فوق كل ما يمكننا أن نفتكره أو نقوله عنها.

وتحديدًا، بما أن هذا الإيمان مستمد من إعلان الله في يسوع المسيح ومؤسس فيه ـ والذي يتطابق مع ما هو الله أزليًّا في جوهره الذاتي ـ فإن الإيمان يكون ’مفتوحًا‘ لما يمكن أن يُعرف، من خلال روح المسيح المُرسل من الآب باسم الابن، ليقودنا على الدوام إلى فهم أعمق ’للحق‘. إذن فالإيمان المسيحي في صميم طبيعته يحاول باستمرار استقصاء الأعماق السحيقة التي لا تستقصى ’للحق‘، والذي تفوق دائمًا ما يمكن أن ندركه من إعلانات هذا الحق لنا؛ غير أن الإيمان الذي يمتد بهذا الشكل إلى أبعد من ذاته بغير حدود، يتسم بالضرورة بأن له رؤية ’ذات مجال مفتوح ومتسع‘ (open range in its focus ‘σκοπός’) وهذا الإيمان لا يمكن أن يختصر دون أن يتحول إلى شيء آخر.

وقد أكد على مفهوم ’مجال الإيمان المفتوح‘ كل من القديس أثناسيوس والقديس هيلاري بالإضافة إلى القادة البارزين الآخرين من شارحي الفكر اللاهوتي النيقي. وأوضح القديس أثناسيوس أنه كان كلما تقدم إلى الأمام في سعيه لإدراك الله، كلما وجد أن معرفة الله تفوق إدراكه، ولم يستطع أن يعبِّر كتابةً عما بدا له أنه يفهمه، وما كتبه كان يقل بكثير حتى عن الظل العابر للحقيقة في ذهنه[45].

فالأمر الوحيد الثابت، وموضوع الإيمان كله، بل وهدف الكتب المقدسة أو ’الحق‘ الذي نؤمن به، كان هو يسوع المسيح ذاته، لأنه في إعلان الله الفريد عن ذاته في المسيح ومن خلال هذا الإعلان، يصبح الإيمان راسخًا في حقيقة كيان الله ذاته، وأيضًا يتوفر للإيمان ’الضابط المعياري‘ الذي يحتاجه في علاقته بما يفوق طاقة الإدراك البشري[46]. إن إيمانًا من هذا النوع هو الذي يسبق ويرشد كل بحث أو تفسير لاهوتي، لأنه يشكل الأساس المعرفي السليم الذي يعطى القوة لكل حجة صحيحة[47].

ولم يكن القديس هيلاري أقل من القديس أثناسيوس في تأكيده حقيقة أنه بالإيمان علينا أن ندرك الله بطريقة لا تحصره داخل الحدود الضيقة لما يمكننا أن نفهمه أو نعبر به عنه، بل إن هذا الإيمان عليه أن يمتد باستمرار ليكون تحت سلطان قدرة الله على إعلان ذاته[48]. إذن فالإيمان بالله ـ في صميم طبيعته ـ يتميز بنوع من ’اللانهائية‘، لأنه في حين أن الله “ككل” يفوق إدراكنا، فإن ما يسمح لنا بإدراكه عن نفسه لا ينفصل عما هو “ككل”، وبذلك فإن الإيمان يخترق الحدود الضيقة لإدراكنا، وهذا ما يفسر أنه في صميم عملية فهم ’شيء‘ عن الله، فإن الإيمان يجعلنا نعترف بالعجز عن الإدراك الكليّ لله.

وهكذا في حين يفوق الله قدرات العقل البشري بشكل لانهائي، فإنه بالرغم من ذلك يمكن أن يُعرف عن طريق حركة ’إيمان‘، حيث ينفتح العقل على لانهائية الله وسموه الذي لا يوصف[49]. وهذا يعني أنه من خلال الإيمان تكون لنا صلة بالله بطريقة تمكِّننا من أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نعبِّر عنه بشكل واضح بالأفكار أو بالكلام، وأنه في الإيمان ومن خلال الإيمان ننشغل بالله في بحث لا يسبر غوره، لأن ’الحق‘ الذي نسعى إلى معرفته له من العمق ما لا نستطيع أن نصل إلى نهايته، وهذا ما يقلل من قدرتنا على تحديد معرفتنا له في صيغة وافية ملائمة[50].

 

الهرطقات هي التي دفعت الآباء للتعبير ـ بكلام بشري ـ عن ’الحق‘ الذي لا يُنطق به

إن المعنى المعرفي المتضمَّن في هذا المجال ’المفتوح والمتسع بلا حدود‘ للإيمان، كان واضحًا تمامًا أمام لاهوتيي نيقية، وذلك في إدراكهم أن البحث اللاهوتي يُحمل من خلال الإيمان إلى ما هو أبعد من النطاق القاصر للمنطق العادي ـ الذي يُعرف بالأشياء المرئية والملموسة في الواقع المخلوق ـ وحتى إلى ما هو أبعد من العبارات الصريحة في الكتب المقدسة، أي يُحمل إلى ’الحق‘ الإلهي الذي تشير إليه تلك العبارات بغير اعتماد على ذاتها. ولذا نجد أن مجال الإيمان ’المفتوح‘ قد ترتب عليه ظهور حالة خطيرة، حيث صار الباب وكأنه مفتوح لكل شكل من أشكال النظريات المفتقرة للوقار والتفكير السليم[51].

ولهذا السبب عينه، لم يستطع لاهوتيّو الكنيسة أن يظلوا صامتين، بل في خوف ورعدة وصلاة إلى الله، وجب عليهم أن يسعوا للتعبير ـ على قدر ما تسمح به إمكانيات اللغة البشرية الضعيفة ـ عن ’الحق‘ الإلهي الذي ترشدهم الكتب المقدسة إليه، وحتى ولو كان ذلك لمجرد مقاومة الأثر المدمر لدخول أنماط من الفكر البشري ـ التعسفي والاعتباطي ـ غير المتدين في طريقة ’معرفة‘ الله.

هذا بالتحديد كان الموقف الذي وجد آباء نيقية أنفسهم فيه عندما اضطروا لاستخدام مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (μοούσιος) من خارج الكتاب المقدس ليعطوا تعبيرًا واضحًا ولا لبس فيه عن ’الحقيقة‘ الكتابية والإنجيلية. وكان هذا الحدث الخطير في ذهن القديس هيلاري عندما قال: “نحن مضطرون بسبب أخطاء الهراطقة والمجدفين، لأن نعمل ما هو غير مُباح، وأن نتسلق المرتفعات، وأن نُعبِّر عن الأشياء التي لا يُنطق بها، وأن نتناول أمورًا محظورة.

ومع أنه ينبغي علينا أن ننفِّذ الوصايا من خلال الإيمان وحده، عابدين الآب وساجدين للابن معه وفرحين في الروح القدس، فنحن مضطرون لتوسيع قدرة لغتنا الضعيفة، للتعبير عن الحقائق التي لا تُوصف، كما أننا مجبرون بسبب تجاوزات الآخرين أن نتجاوز نحن في محاولة محفوفة بالمخاطر حين نضع في كلام بشري ما كان يجب أن يُحفظ في عقولنا برهبة مقدسة … إن عدم أمانتهم قد جرتنا إلى هذا الموقف الخطير والمريب حيث قد تعين علينا أن نضع عبارات محدَّدة تذهب أبعد مما قد وصفته السماء عن أمور سامية للغاية ومخفية في الأعماق”[52].

 

أهمية التقوى مع الإيمان

وإلى جانب الإيمان الذي أولاه الفكر اللاهوتي النيقي أهمية قصوى، كان هناك عنصر رئيس آخر ـ له نفس الأهمية التي للإيمان ومرتبط به ومتداخل معه بغير انفصال ـ يجب علينا أن نأخذه أيضًا في الاعتبار، ألا وهو ’التقوى‘ (θεοσέβεια, εσέβεια). فالإيمان في حد ذاته هو عمل من أعمال التقوى داخل العبادة والطاعة المقدمة لله بكل تواضع وخضوع. والتقوى هي العلاقة السليمة مع الله، من خلال الإيمان الذي يعطي اتجاهًا مميزًا للعقل ويُشكِّل الفكر والحياة وفقًا “لكلمة وحق الإنجيل”[53].

التقوى إذن تعتبر من المكونات الجوهرية في التقليد الحيّ للكنيسة الملتزمة بالإيمان بإعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح. والتقوى ومعرفة ’الحق‘ ينتميان كلاهما إلى البناء الإنجيلي الذي “للإيمان المسلَّم مرة للقديسين”.

إن التقوى التي من هذا النوع هي التي تُشكِّل القوة التي توجِّه كل “تعليم صحيح”، وهى التي يجب أن يُسمح لها بتوجيه فهمنا اللاهوتي خاصةً في مجال الإيمان ’المفتوح‘، حيث نكون مضطرين أن نكوِّن مفاهيم وننطق بعبارات عن ’الحق‘ تتجاوز العبارات الصريحة التي وردت في الكتب المقدسة.* لذلك وفي هذا المجال بعينه ـ حيث تحوي الكتب المقدسة سر الله الذي لا يُوصف، والذي يظل سرًّا حتى في صميم إعلانه عن ذاته ـ فإنه ينبغي علينا أن نحذر من الوقوع في الاقتحام بلا توقير وبغير ورع فيما أبقاه الله سرًّا في جوهره الأزلي الذاتي.

 

التقوى في الفكر الكنسي

والتقوى (εσέβεια) كما نجدها واضحة في الفكر اللاهوتي النيقي، كانت تشير إلى الفهم الأرثوذكسي القويم ’للحق‘ الذي في الإيمان والعبادة المسلَّمة من الرسل. ويتعين علينا أن نقتفي أثر التقوى من خلال العودة إلى الرسائل الرعوية في العهد الجديد، حيث كانت ’التقوى‘ كلمة تدل نوعًا ما إلى ما كان يُشار إليه بـ “الطريق” في سفر أعمال الرسل[54]، أي ’طريق‘ الإيمان والعبادة الذي ميَّز الذين اتبعوا المسيح الذي من أجله كان لا بد لهم أن يتألموا.

وكانت السمة المميّزة للتقوى، أنها تجسيد للإيمان أو معرفة ’لحق‘ الإنجيل، في تطابقٍ مع أسلوب الحياة والعبادة في خدمة الله بورع[55]. ومما كان له دلالة هامة، هذا التأكيد الشديد على العلاقة الثابتة (المتلازمة) والمتبادلة بين ’التقوى‘ و’الإيمان‘ و’الحق‘، أي التأكيد على “التعليم الذي هو حسب التقوى”[56]، أو على “التعليم الصحيح”[57] والذي جاء كرد فعل حاد لظهور تحريف للإنجيل على أساس خرافات وظنون عقلية[58].

فبينما اعتُبرت ’التقوى‘ كمرادف ’للإيمان‘ و’الحق‘، اعتُبر عدم التقوى مرادفاً لعدم الإيمان والضلال، وكان هذا التباين هو الذي حدد الاسلوب والنمط لصراع الكنيسة مع الهراطقة على مدى الأربعة قرون الأولى.

ومن الواضح أن ما ذكره القديس بولس الرسول من علاقة بين ’السر العظيم للتقوى‘ وبين التجسد، كان هو النص الكتابي الذي تحكَّم في فهم التقوى في الكنيسة الأولى. وكان الرسول يكتب لتيموثيئوس ليُعرِّفه كيف يجب أن يتصرف في بيت الله “الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته. وبالإجماع عظيم هو سر التقوى εσεβείας μυστήριον) (τό τς: الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى لملائكة، كُرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رُفع في المجد”[59].

فمن جانب نجد في هذا النص الكتابي، أن التقوى تُعَرَّف على أنها النفاذ إلى السر الداخلي للإيمان، وإلى الحقيقة الموضوعية ’لإعلان الله لذاته‘ بالتجسد، في حين على الجانب الآخر نجد أيضًا في النص الحديث عن الكنيسة على أنها تؤيد ’الحق‘ الإلهي وتتمسك به. وإذا عبَّرنا عن هذا المعنى بطريقة عكسية فإننا نقول إن ’الحق‘ الإلهي المُعلن، هو مؤسس وراسخ في حياة البشر وفي المجتمع، بحسب ما يُكشَف ويُؤمَن به وبحسب ما يُعرَف ويُعلّم بوَاسطة الكنيسة، وذلك بأسلوب يدعو إلى التقوى ويقود إليها.

ولذلك (وبحسب هذا النص الكتابي) فإن السر العظيم الذي للتقوى والظاهر جليًّا في يسوع المسيح ونعمته الخلاصية، صار مجسَّدًا ومتضمَّنًا في الكنيسة كقرينها، وهو ما يتمشى مع ما أشار إليه القديس بولس على أنه السر العظيم من نحو المسيح وكنيسته التي هي جسده[60]. وعلى هذا فإن إعلان الله الخلاصي في يسوع المسيح، وقبول وفهم الرسل لهذا الإعلان بإيمان، قد ساهما معًا في تأسيس الكنيسة، حتى أنه ـ وحسب قصد الله ’التدبيري‘ ـ صار ’الحق‘، كما استُعلن في يسوع، في متناول أيدي الناس من خلال تعليم ووعظ الرسل الخاص بالإنجيل، وبتواصل حي لتقليدهم ’التقويّ‘ في الكنيسة عبر التاريخ.

إقرأ أيضًا: مجمع نيقية – المجامع المسكونية المقدسة

 

’وديعة الإيمان‘ المسلَّمة هي ’حياة التقوى حسب الإيمان‘ أو هي ’الحياة حسب جوهر الإيمان أو حسب الحق‘

هذا بالتأكيد ما كانت تعنيه الرسائل الرعوية بـ “وديعة الإيمان” (παραθήκη)، التي استؤمنت عليها الكنيسة لحفظها والدفاع عنها ونقلها في تقوى إلى الآخرين[61]. إن ’الإيمان‘ الذي استؤمنت عليه الكنيسة، في معناه الأَوَّلي، هو الإيمان بيسوع المسيح واستعلانه لنا وعمله الخلاصي من أجلنا، هذا العمل الذي يفسِّر نفسه ويكشف عن نفسه داخل الكنيسة.

غير أن ’الإيمان‘ في معناه الثانوي يشير إلى المضمون الإنجيلي للرسالة الرسولية والتقليد، كما هو منقول إلينا من خلال كتاب العهد الجديد ومن خلال الاشتراك في ’سر التقوى‘ في وسط الكنيسة، حيث يستمر المسيح في التعريف بذاته وفي عمله الخلاصي من خلال القوة المنيرة لروحه القدوس.

لذلك ففقط بالاعتماد على الشهادة الرسولية والتعليم الرسولي، وبالاعتماد على المعنى الثانوي الذي ذكرناه ’لوديعة الإيمان‘ (أي الحياة حسب الإيمان)، والذي يعترف ويشير دائمًا إلى يسوع المسيح كرب ومخلِّص، تمكن البشر عبر التاريخ من فهم واقتناء الجوهر (المضمون) العقيدي للإيمان، وهو ما كانت تعنيه منذ البداية كلمة ’الوديعة‘. وعلى أية حال، فإن كل هذا يحدث فقط داخل التكامل البنياني بين ’الحق‘ و’الإيمان‘ و’التقوى‘ في تقليد الكنيسة الحي بكونها جسد المسيح أو بكونها الشكل الأرضي-التاريخي لوجوده في العالم.

وإذا قمنا بمحاولة لتقدير علاقة وتأثير هذا التعليم الإنجيلي على الفكر اللاهوتي النيقي، فإن ذلك سوف يساعدنا على أن ندرك كيف استفادت الكنيسة الأولى منه في الفترة ما بين عصر الرسل ومجمع نيقية، وهو ما نراه منعكسًا على فكر كل من القديس إيرينيوس والعلاّمة أوريجينوس.

إقرأ أيضًا: لاهوت الروح القدس عند اباء ما قبل نيقية أ/ أمجد بشارة

 

وديعة الإيمان في فكر القديس إيرينيوس

لقد كان لدى القديس إيرينيوس إحساس قوي بوجود ’حق الإنجيل‘ (مجسمًا) داخل الأساس الرسولي للكنيسة، كما كان لديه أيضًا إحساس قوي بطبيعة بناء الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين والمنقول بواسطة التقليد الرسولي. وقد فهم تعبير “وديعة الإيمان” فهمًا عميقًا، فلم يكن يعتبرها مجرد مجموعة مقولات عقائدية، بل الحق الإنجيلي الموضوعي (المُعاش) الذي يعيـد للكنيسة شبابها باستمرار ـ من خلال قوة الروح القدس ـ وهكذا تتجدد روابطها بالمصدر الخلاَّق لكيانها.

كما أن وديعة الإيمان تُشكِّل أيضًا حياة الكنيسة المتواصلة ورسالتها لتكون وفقًا لصورة المسيح ابن الله المتجسِّد وطبقًا لنموذج ’الحق‘ الإلهي المجسَّد فيه[62]. ولذلك فكنيسة يسوع المسيح استلمت إيمانًا ’واحدًا وثابتًا على الدَّوام‘، لأنه مؤسس على حقيقة المسيح غير المتغيرة، وعلى إعلان الله فيه الذي أُعطي مرة واحدة وللكل[63].

إننا لا نستطيع على الإطلاق أن ندرك الله أو نصفه، لأن عظمته الفائقة وجلاله السامي يفوقان ـ بما لا يُقاس ـ قدرة البشر على معرفته ووصفه كما هو في طبيعته الذاتية. غير أن الله ـ بغير انتهاك لسر جوهره الذاتي ـ قد اختار أن يجعل نفسه معروفًا لنا، وذلك من خلال حركة حب وتنازل فائق اقترب بها إلينا من خلال ظهوره في الجسد في المسيح يسوع، وهكذا جعل نفسه في نطاق المعرفة البشرية[64].

وبهذا المعنى فإن يسوع المسيح يُمثِّل الطريق الموصل بين الله والإنسان، بين غير المرئي والمرئي، بين غير المُدرَك والمُدرَك، بين غير المحدود والمحدود. إذن ففي يسوع المسيح ومن خلال الاتحاد و’الشركة‘ معه في الحب، فإننا نستطيع أن نعرف الله بطريقة راسخة ومؤكدة، لأن هذه المعرفة تكون مثبتة ومستقرة في حقيقة الله الأزلي[65].

ولم يكن هذا الأمر ممكنًا بدون الدور الذي يقوم به روح الله، حيث في الرب يسوع المسيح ومن خلاله، ’عوَّد‘ الله روحه القدوس أن يسكن في الطبيعة البشرية، وفي نفس الوقت هيأ الطبيعة البشرية لقبول الروح القدس، ومن خلال عطية الروح القدس نستطيع أن نشارك في علاقة المعرفة المتبادلة بين الآب والابن وبالتالي نشارك في معرفة الله وفقًا لما هو في ذاته[66].

وفي الشركة مع الله بالمسيح في الروح القدس، كما فهمها القديس إيرينيوس ـ والتي صارت بالمصالحة وشفاء بشريتنا بواسطة اتحاده بجسدنا ـ تأخذ الكنيسة بالضرورة دورًا هامًّا في تحقيقها، لأن الكنيسة هي التي ائتمنها الله على وديعة الإيمان، وقد أعطى روحه القدوس للكنيسة، وفي الكنيسة منحنا الله خدمة الإنجيل وجميع الوسائط الأخرى التي يعمل الروح من خلالها.

ولذلك استطاع القديس إيرينيوس أن يقول “حيثما توجد الكنيسة فهناك يوجد روح الله، وحيثما يوجد روح الله فهناك توجد الكنيسة وتوجد كل نعمة: لأن الروح هو الحق”[67]. وبينما أشار القديس إيرينيوس إلى الكنيسة على أنها مكان المعرفة الراسخة ’للحق‘، إلاّ أنه كان يؤكد على أن إعلان الله عن ذاتـه بواسطـة المسيـح وفي الـروح القـدس هـو المصـدر الحقيقي لمعرفتنــا ’للحــق‘[68].

وجاء تأكيده القــاطع هـذا واضحًا، عندما ـ وبالإشارة إلى كلمة القديس بولس عن الكنيسة بكونها “عمـود الحق وقاعدتـه”[69] ـ تكلَّم بقصد عن “الإنجيل وروح الحياة” على أنه “عمود الكنيسة وقاعدتها”: (στύλος δέ κα στήριγμα κκλησίας, τ εγγέλιον κα πνεμα ζως)[70].

ومن ناحية أخرى، كان إيرينيوس يعتقد أنه فقط في إطار الإيمان الذي استؤمنت عليه الكنيسة والمتضمَّن في التقليد الرسولي، يمكن ’للكلمة‘ الخاصة بالإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، أن تُفسَّر بأمانة بدون انحراف أو تجاوزات متجاسرة أو عديمة التقوى، وحينئذٍ يمكن للمسيح ذاته ـ الكنز المخفي في هذه الكتب ـ أن يُعرف معرفة حقيقية[71].

إن معرفة ’الحق‘ الإلهي أو ’الحق‘ الإنجيلي بالنسبة للقديس إيرينيوس لا تُعطى بشكل مجرد أو بشكل منفصل، ولكن تُعطى بشكل واقعي ملموس في داخل الكنيسة، حيث إن هذا ’الحق‘ يجب أن يُفهم داخل إطار الإيمان المُسلَّم للكنيسة من خلال تعليم الرسل، وبالتالي يجب أن يُفهم فقط في الوحدة والعلاقة غير المنفصلة مع الإيمان والعبادة وحياة التقوى لكل من هم متَّحدون (متضمَّنون) في المسيح كأعضاء في جسده.

وقد اعتبر القديس إيرينيوس ’الحق‘ المعلن في الكتب المقدسة على أنه تركيب عضوي أسماه “جسم الحق”، والذي تتمايز في داخله حقائق ومعتقدات متنوعة (كأعضاء هذا الجسم)، ولكنها تكوِّن ’كلاًّ متماسكًا‘ (أي وحدة كاملة متماسكة) ولا يمكن لإحدى هذه الحقائق والمعتقدات أن تنفصل عن هذا الكل، بالضبط كما أنه لا يمكن لأطراف الجسد الحي أن تنفصل عن الجسد دون أن تسبب تدميرًا وتمزيقًا لوحدة هذا الجسد[72].

وبالرغم من ذلك فان المهمة الأساسية التي كلَّف القديس إيرينيوس نفسه بها، كانت إظهار وكشف النظام المتضمَّن في داخل ’وديعة الإيمان‘ وتوضيح الترتيب الداخلي لـ “جسم الحق والتوافق المتناغم بين أعضائه”، وذلك بما يتفق مع ’قانون الحق‘ المسلَّم بالتقليد في المعمودية[73]، ليكون كل هذا مرشداً في تفسير الكتب المقدسة. ومن ثم يكون إيرينيوس قد قدَّم عرضًا واضحًا للكرازة الرسولية (kerygma) في مواجهة انحراف وضلال الهراطقة[74].*

وفي هذا الصدد، كان عمل القديس إيرينيوس يعكس بوضوح نشاط الكنيسة العام في القرنين الثاني والثالث في محاولتها لتوضيح المضمون العقيدي للإيمان في ضوء نظامها الخاص القائم على أسس موضوعية، حيث إنه في سياق هذه المحاولة ظهرت صيَغ محددة للإيمان وهي التي أخذت ـ في وضعها النهائي ـ شكل قوانين الإيمان الأولى[75].

ومن الطريقة التي تناول بها القديس إيرينيوس نفسه هذه الصيغ القانونية الأولية للإيمان، يتضح أنها لم تكن افتراضات عقائدية مرتبطة معًا من خلال نظام ’منطقي استنتاجي‘ للتفكير، بل كانت تأكيدات إيمانية منظومة معًا بصورة فائقة لذاتها، بفضل أساسها المشترك في وديعة الإيمان الرسولي، وبالأحرى بفضل إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح، ’الحق‘ الإلهي الواحد المتجسِّد والذي تنبع منه كل الحقائق الإنجيلية. وبالتالي فإن هذه الصيغ القانونية للإيمان لم يكن الحق الذي فيها نابع منها، بل من ذلك ’الحق‘ الأعلى الذي تشير هي إليه والذي فيه أيضًا تنحصر.

وبينما تحدث القديس إيرينيوس عن تلك الصيغ (القانونية) على أنها مرتبطة بـ “قانون الحق”، إلاّ أنه أوضح أن قانون الحق الفعلي أو المركز الذي يمكن الرجوع إليه هو ’الحق‘ ذاته[76]. وكان يُنظر إلى هذه التأكيدات (الصيغ) الإيمانية، على أنها تملك قوة ضابطة في ذاتها بقدر صحة انتمائها لذلك ’الحق‘ وبقدر خضوعها لسلطانه الأسمى؛ إذ إن كل معرفتنا عن الله (theology) هي فقط “معرفة جزئية” لأن هناك الكثير الذي يخص الله لا بد أن ندعه له بخشوع، بل إن مجرد التفكير في اقتحامه يعتبر من عدم التقوى[77].

وتكمن أهمية هذه الصيغ ليس في ’نوع الكلمات الصحيحة‘ المستخدمة فيها، بل في إسهامها في إخضاع ذهن الكنيسة لما يستوجبه الحق الإلهي، وفى إرشادها للكنيسة في رسالتها لحماية “الإيمان الرسولي والإنجيلي”، والدفاع عن هذا الإيمان الذي ائتُمنت عليه، لتسلِّمه للآخرين وفقًا “لسر التقوى”.

إقرأ أيضًا: المعمودية علي إسم الثالوث القدوس قبل مجمع نيقية

 

معرفة الحق والتقوى في فكر أوريجينوس

هذا العرض لما أسهم به القديس إيرينيوس، في كشف البعد اللاهوتي لـ ’اعتراف الإيمان‘ الخاص بالكنيسة، يحتاج إلى تكملته بعرض آخر لبعضٍ من مساهمة أوريجينوس الواسعة النطاق في الفهم اللاهوتي والكتابي، والذي كان له أثره البالغ على الكنيسة وحتى مجمع نيقية.

لقد كان أوريجينوس عالِمًا فذًا ودارسًا إنجيليًّا لا يُضاهى في الكنيسة الأولى، ولكنه كان لاهوتيًّا صاحب فكر مُفرط في التأمل ـ رغم إخلاصه ـ ويشعر بضرورة نقل فكره إلى ما هو أبعد من المضمون الحرفي للأقوال الإنجيلية، أي إلى الحقائق الإلهية التي تدل عليها هذه الأقوال.

ورغم أنه كان يشارك القديس إيرينيوس الرأي بأن المرجع الذي يمكن الاستناد إليه في معرفتنا لله هو في النهاية ’الحق‘ ذاته ـ كما هو معلن في يسوع المسيح، وليس في أية صيَغٍ بشرية لمعرفتنا نحن ’للحق‘[78] ـ إلاّ أنه وبخلاف القديس إيرينيوس عمل من خلال إطار ثنائي للفكر، وهو الفصل الأفلاطوني بين عالم الحسيّات (الأشياء المحسوسة) κόσμος) (ασθητς وعالم المدرَكات (الأشياء التي تُدرك بالعقل) κόσμος) (νοητς [79]، وكان لهذا المنهج الثنائي في التفكير، تداعيات بعيدة المدى لدى أوريجينوس إلى درجة قوله بأن: “الأشياء غير المرئية وغير المادية في السماء هي حقيقية، أما الأشياء المرئية والمادية على الأرض فهي نسخ من تلك الأشياء الحقيقية وليست هي حقيقية بذاتها”[80].

وقد أثرت وجهة النظر هذه بشدة في فهمه للكتب المقدسة، فرأى أنها وسائط وفرتها العناية الإلهية داخل عالم الحسيّات، والتي بواسطتها يُهيئ ’اللوغوس‘ الإلهي اتصاله بالضعف البشرى ويغلف أسرار الإعلان الإلهي في صورة أشكال وأرقام يسهل فهمها، وهذا فقط حتى يمكنه ـ من خلالها (الكتب المقدسة) ـ أن يرفع العقول المؤمنة إلى مستوى أعلى حيث تستطيع فهم الحقائق الروحية أو الإلهية في العالم العقلاني (عالم الأمور الحقائق) البعيد عنهم[81].

ولقد اعتقد أوريجينوس أن المصطلحات البشرية الموجودة في الوحي الإلهي في الكتاب المقدس، تحكمها طبيعة (φύσει) ’الحقائق‘ التي تدل عليها هذه المصطلحات، وأنها ليست مجرد متصلة بها فقط بصورة تقليدية (θέσει). ومن هنا فإن هذه المصطلحات ينبغي أن تُفهم من خلال القبول الإيماني لما تفرضه (καταληπτικός) تلك ’الحقائق‘ على عقل المفسِّر، مما يعني أنه لا بد له من أن ينهمك في بحث دقيق للتأكد من أن هذا القبول الإيماني (لمعاني المصطلحات) يتفق بالفعل مع الحقيقة[82].

هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فقد أصرَّ أوريجينوس على أن التفسير الروحي للكتب المقدسة طبقًا للطبيعة الروحية لهذه ’الحقائق‘، لا بد وأن يَعبر في الفكر من مستوى أدنى للمعنى ’المادي‘ أو الحرفي إلى مستوى أعلى للمعنى ’الروحي‘ أو السري حيث تشرق الحقيقة بنورها العقلاني والشاهد لذاته[83]. إلاّ أن هذا (العبور) يحتاج إلى قدر كبير من التدريب الروحي للعقل علي البصيرة اللاهوتية (θεωρία) ونوع من الحس الإلهي (θεία ασθησις) يتناسب مع معرفة الله[84].

هذا الجمع بين البحث الدقيق والتدريب الروحي كان سمة مميزة جدًّا لأوريجينوس، رغم علمه بالمخاطر التي ينطوي عليها هذا الاتجاه، والذي قاده للفصل بين الإنجيل “الجسدي ـ الحسي” وبين الإنجيل “الروحي ـ الفكري”، أو بين ما يُسمى بالإنجيل “الزمني” وما يُسمى بالإنجيل “الأبدي”, والذي اعتقد أوريجينوس أنه يوازي الفرق بين مجيء المخلِّص في حالة ’التواضع‘ عندما أخذ شكل العبد من أجلنا، وبين مجيء المسيح في المجد في المستقبل عندما ستفسح ظلال “الإنجيل الزمني” المجال للحقائق المطلقة التي “للإنجيل الأبدي”[85].

وينتج عن هذا، اعتبار المسيح الذي جاء في التاريخ على أنه هيئة مشروطة بفترة زمنية محددة، والذي فيها ينتقل ’الحق‘ الأبدي إلى المخلوقات الساقطة، ولكن بمجرد أن تتم معرفة هذا ’الحق‘ الأبدي، فإن ذلك الوسيط ’التاريخي‘ سوف يكون وجوده نسبيًّا[86]. وكان هذا هو السبب وراء تأكيد أوريجينوس على أهمية ’التفسير المجازي‘ وعلى غرس ’الإحساس‘ الروحي نحو الله، والذي قد يساعد المؤمن على اختراق قشور وظلال الإعلان ’التاريخي ـ الزمني‘ والوصول إلى حقائق الله الأبدية ’غير المرئية‘ والتي يمكن فهمها فقط بأسلوب بسيط ومباشر ولا يمكن التعبير عنها بكلمات بشرية[87].

هذا الامتداد التأملي للعقل الروحي، إلى ما وراء مجال المعرفة ـ الذي يخضع لمعايير الحقيقة التي عملت بها العلوم والفلسفة اليونانية[88] ـ كان بدون شك أمرًا خطيرًا، ولكن بالرغم من ذلك كان أوريجينوس منبهرًا به وبالأخص لأنه ارتبط برجال الله في العهد القديم مثل ملكي صادق رائد العبادة السماوية، أو موسى الذي تكلم مع الله وجهًا لوجه، أو حين ارتبط باختبار التلاميذ على جبل التجلي أو ما كتبه القديس بولس عن اختباراته المجيدة، والتي تشير جميعها إلى نوع من الرؤية السامية لله والتي من الممكن أن تكون مفتوحة أمام “البصيرة الصوفية التي تفوق التعبير”[89].

وثمة جانب آخر لاسلوب أوريجينوس ضمن لفكره اللاهوتي (θεολογεν) الحماية ضد التحول للفكر الأسطوري الخيالي (μυθολογεν)، كما وفَّر إطارًا معياريًّا للإيمان والعبادة يساعد على جعل ’معرفة الله‘ كمركز للحياة وللتقليد الحي الذي “للكنيسة العظيمة”، وهذا (الجانب الآخر) هو الذي كان يفرض على أوريجينوس أن يعمل بالأسلوب الذي فيه يؤثر ’البحث الدقيق‘ و’التدريب على التقوى‘ كل منهما على الآخر.

وطبقًا لمفهوم ’المعرفة العلمية‘ (πιστήμη) الذي قد ساد طويلاً في الإسكندرية، وهو أن المعرفة الصحيحة هي التي تكون وفقًا لطبيعة (κατά φύσιν) الشيء الذي تجري معرفته، فقد ركز أوريجينوس على تطوير طريقة لمعرفة الله تكون متمشية تمامًا مع طبيعة الله كما قد أعلنها لنا بنفسه، أي طريقة تتسم بالتقوى؛ فقد هيأ نفسه لتنمية التقوى الشخصية بالاعتماد على نعمة المسيح وقوة روحه القدوس، حتى يستطيع أن يعوِّد العقل على التقوى التي تلائم معرفة الله.

إذن فإن “معرفة الله” والتي في معناها الدقيق هي ’معرفة الثالوث القدوس‘، و “التقوى الإلهية التي تُحدد بواسطة يسوع المسيح ابن الله المتجسِّد، قد اعتبر أوريجينوس أن كلاًّ منهما متوقف على الآخر، وذلك في مجال (عملية) تعميق البحث اللاهوتي[90]. فكلما عُرف الله بحق وفقًا لطبيعته، زاد مستوى التقوى؛ وكلما زاد مستوى التقوى، زادت إمكانية معرفتنا لله بصورة تقوية تليق بطبيعة الله[91]. وعمومًا فإن “الهدف هو أن نقترب من ’الحق‘ على قدر المستطاع وأن نشكِّل إيماننا طبقًا لقاعدة التقوى”[92]. وهكذا صارت ’التقوى‘ و ’قانون الحق‘ متكافئين عمليًّا.

ولقد كان أوريجينوس يفكر ويعمل في إطار احترامه البالغ للكتب المقدسة وإخلاصه ’الكهنوتي‘ لكلمة الله وحق الله اللذين تنقلاهما لنا هذه الكتب[93]، والتي رأى أوريجينوس أنها يجب أن تُبحث على أنها من نتاج وحي الروح القدس، كما يجب أن تُفسَّر وفقًا “لسمتها الإلهية” بطريقة ورعة ووقور إدراكًا منا أن لها من عمق المعنى ما يفوق إدراك البشر مما لا يدع مجالاً للفهم المتسرع[94].

فالكتب المقدسة في صميم طبيعتها تستلزم الدراسة العميقة والتأمل والصلاة والجهد الشاق[95]، وهذا هو بالضبط ما أظهره أوريجينوس نفسه في إنتاجه الضخم من التفاسير الإنجيلية، التي تشهد شهادة رائعة على معالجته للنص بضمير حي في كل تفاصيله اللغوية والنحوية الدقيقة، كما تشهد أيضًا على بحثه الدؤوب لتوضيح الملابسات والخلفيات التاريخية التي قد تؤثر على المعنى، ولكنه سعى أيضًا لتوضيح مدى تأثير الإعلان الإلهي الكتابي بأكمله وكل تقليد الإيمان والفهم المسيحي في الكنيسة، مدى تأثير كل هذا على كل سفر وكل فقرة في الكتاب، وبذلك يمكن أن تُفهم الكتب المقدسة ـ بقدر المستطاع ـ خارجًا عن نفسها في ضوء القصد الإلهي الذي احتوته هي وأظهرته في ترابطها وتواصلها الداخلي[96].

وبما أن الكتب المقدسة هي نتيجة وحي الروح القدس بإرادة من الآب وبواسطة يسوع المسيح*، وبما أن ’كلمة‘ الله الذي يتكلم في كل الكتب المقدسة قد تجسَّد في شخص يسوع المسيح، لذلك فإن يسوع المسيح ذاته هو الذي يشكِّل المحور الحاكم لكافة التفسيرات الصحيحة للكتاب المقدس.

وقد ذهب أوريجينوس إلى القول بأن تفسير الكتاب المقدس، وحتى الأناجيل، بهذه الطريقة ـ أي من خلال وجود وحضور “فكر المسيح” ـ يعني الحفاظ على “قانون كنيسة يسوع المسيح السماوية متمشيًا مع التعاقب الرسولي”[97]، فيسوع المسيح هو نفسه الذي أعطى للمسيحيين تعريفًا للتقوى الحقيقية[98] لأنه هو نفسه “سر التقوى العظيم الظاهر في الجسد” والذي في نفسه ومن خلال نفسه حقَّق التلاقي بين تنازل الله الكريم إلينا واقترابنا نحن إلى الله، أي بين كُلٍّ من إعلان الله عن ذاته لنا ومعرفتنا نحن لله وعبادتنا له[99].

إذن ففي كل بحث عن ’الحق‘ ينبغي علينا أن نجاهد أكثر وأكثر لكي نحافظ بكل الطرق على موقف التقوى نحو الله ومسيحه[100]. ولكي نكون أمناء “لفكر المسيح” في كل تفسيرنا للكتب المقدسة “فإننا لا بد أن نحافظ على قانون التقوى”[101].

ومن المهم جدًا أن نلاحظ أنه بالنسبة لأوريجينوس، كانت ’التقوى‘ تُعرَّف وتتحدد ليس فقط بكونها ’بحسب يسوع المسيح‘ (κατ Іησον Хριστόν) بل أنها ’من خلال يسوع المسيح نفسه‘ (δι Іησο Хριστ)، من جهة علاقته الفريدة بالآب كابن الله وأيضًا من جهة علاقته الفريدة بنا كرئيس كهنتنا الذي فيه ومن خلاله نعبد الآب[102].

وإذ هو بذبيحته يشفينا، ويطهرنا بقدرته الإلهية الذاتية، لذلك نحن نعبده كما نعبد الآب، لأنه هو والآب واحد. ولكن لأنه هو أيضًا في نفس الوقت واحد معنا كما هو واحد مع الآب، فنحن نصلي له “كوسيط لنا وكرئيس كهنة وكشفيع” طالبين منه أن يقدِّم رغباتنا وتوسلاتنا وتشفعاتنا التي نرفعها إليه إلى الآب، وهكذا فإننا نعبد الآب ونحن في اتحاد به ومن خلاله. وكابن الله المتجسِّد وكرئيس كهنة، فإن يسوع المسيح قد عرَّف الجنس البشري الطريقة النقية لعبادة الله ـ وهذه هي التقوى الحقيقية التي بها يثبت إيماننا وفهمنا في الله[103].

ومما لا شك فيه أن ما كتبه أوريجينوس عن عبادة الآب التي مركزها المسيح والتي يتوسط فيها المسيح، إنما يعكس الفكر السائد للكنيسة في إيمانها القائم على التقليد الحي، وفي خدمتها لأجل خلاص الجنس البشري: حيث كان الانبهار المصحوب بالتوقير في معرفة الله، والشكر والتسبيح لأجل أعمال الله الخلاصية في تجسد يسوع المسيح وموته وقيامته، وأيضًا التقوى في القول والفعل، كل هذه مُضفَّرة معًا وملتحمة بغير انفصال في عبادة الكنيسة كما يتضح ذلك في ليتورجية المعمودية والإفخارستيا[104].

وكان تقديس اسم الله، والتفكير فيه والتكلم عنه بصورة لائقة، وكذلك التوقير العميق لكشف الله لذاته كآب وابن وروح قدس هذه كلها كانت من العلامات الجوهرية ’للفكر المسيحي‘ ـ بل وكما اعتقد أوريجينوس ـ ’للفكر الكنسي‘، وذلك نتيجة البصمة التي تركها الرسل عليه. لذلك فعندما شرع أوريجينوس في إعداد وطبع مؤلف عن المبادئ الأساسية للإيمان، بقصد زيادة الترتيب والتناغم في فهم العقيدة المسيحية، وضع أولاً ’خطًّا محددًا وقاعدة واضحة‘، وهى أن شرح الإيمان ينبغي أن يبقى داخل حدود تعليم الكنيسة المتفق عليه بالإجماع كما تسلَّمته من الرسل، وذلك في ضوء العقائد التي اعتبرها الرسل ضرورية للغاية.

ولكن بالنظر لاحتمال حدوث الخطأ والاختلاف في الرأي فيما بعد، شعر أوريجينوس أنه يتعين عليه المزيد من البحث في “دوافع وخلفيات الأقوال التي وعظ بها الرسل عن الإيمان بالمسيح” أملاً في تأسيس القاعدة الأولية للإيمان المسيحي، ومن ثم يحدد الارتباطات المنطقية ’للحق‘ المعلَّن، وذلك لبناء كيان متماسك وثابت للعقيدة المسيحية[105].

وفي خلال مشروعه هذا والذي كان الأول من نوعه، سعى أوريجينوس لإدراك ’الحق‘ الإلهي بكل ما أوتي به من إخلاص، وكان يحرص خاصةً بالنسبة “للنقاط الأكثر صعوبة” على أن يسترشد بقانون التقوى، أي قاعدة البر. وكان يسمح فقط باستخدام المفاهيم اللاهوتية التي يشعر أنها تليق بالله والمصوغة طبقًا لما يتطلبه ويحتِّمه كيان الله وطبيعته الفائقة الإدراك.

ونتيجة لشدة افتراضاته الفلسفية المسبقة، والتي لم يخضعها بصورة كافية للنقد ـ وعلى الرغم من التزامه بما أعلنه الكتاب المقدس ـ فإن فكر أوريجينوس التأملي تجاوز قاعدة التقوى في عدد من النقاط الحاسمة، مما أدى إلى اصطدام تعليمه مع فكر الكنيسة الجامعة. ومع ذلك فإن أوريجينوس، بجمعه بين البحث العلمي لأسس الإيمان الموضوعية والإصرار على مراعاة مبدأ التقوى(εσέβεια / θεοσέβεια) في معرفة الثالوث القدوس، كان له تأثير بالغ على اللاهوتيين في نيقية وما بعد نيقية، حيث أصبح المبدأ الفعَّال فيما بينهم هو ما عُرف فيما بعد بقانون التقوى-قانون الإيمان (lex orandi – lex credendi)[106].

إقرأ أيضًا: هل أسس مجمع نيقية قانونية أسفار الكتاب المقدس؟ ترجمة: زاهي جندي

 

دور التقوى في حفظ الإيمان

وعبر تاريخ الكنيسة، قُدِّمت مرارًا وتكرارًا أفكار عن الله ناتجة عن تجاسر وعدم توقير، وقد رفضتها الكنيسة بصورة بديهية بسبب احترامها العميق لسر الله وجلاله، هذا الاحترام العميق الذي كان قد تأسس ونما داخل نسيج الإيمان بواسطة الصلاة والعبادة. وكان هذا هو بالضبط ما حدث بسبب الهرطقة الأريوسية في فترة حرجة من تاريخ الكنيسة، حيث شككت هذه الهرطقة في وحدانية الثالوث القدوس بإصرارها على أن الابن مخلوق، وبالتالي فصله عن جوهر الآب وإدخال نوع من التضارب في الألوهية.

وكان رد فعل الأساقفة بنيقية هو الفزع الشديد لتلك الإهانة التي إنما تنم عن ’عدم التقوى‘ و’عدم الورع‘ (ασέβεια) الأريوسي، وهذا قد جعلهم يقدمون ضد تلك البدعة “مجادلات تتسم بالتقوى” (πόδειις εσεβείας)[107].

وقد أخبر القديس أثناسيوس أساقفة مصر بأنه عندما كان يدوِّن تعبيرات الأريوسيين المنحرفة والعديمة التقوى، كان يتعين عليه أن يطهر نفسه بالتفكير في عكس هذا الاتجاه تمامًا، وأن يتمسك “بذهن التقوى” (τν τς εσεβείας διάνοιαν)[108].

وبالإشارة إلى حقيقة أن مجمع نيقية اضطر إلى استخدام التعبير غير الكتابي (أي الذي لم يرد في الكتاب المقدس) “هوموأووسيوس” (μοούσιος) لشرح ما كان يعنيه الكتاب المقدس في حديثه عن المسيح (بكونه كابن) “لـ الله” أو “من الله”، أوضح القديس أثناسيوس أنه لا يهم إذا استخدم المرء أو لم يستخدم تعبيرًا غير كتابي طالما أن له “ذهن تقوّي” (εσεβ τν διάνοιαν)، كما أوضح القديس أثناسيوس أيضاً حقيقة أن الآباء بنيقية كانوا بعيدين كل البعد عن التحدث عن المسيح بدون توقير، فهم تحدثوا عنه بوقار “وبذهن متسامٍ وتقوى تنم عن محبة للمسيح” (υψηλ διάνοια κα φιλόχριστος εσέβεια). [109]

وفي فترة لاحقة، عندما تجاسر بعض رجال الكنيسة من دعاة الأريوسية على القول بأن الروح القدس مخلوق، وتجرأوا على إخضاع العلاقات الداخلية للثالوث القدوس ـ حيث “يبسط الشاروبيم أجنحتهم للتغطية” ـ للفحص الوقح، قدَّم القديس أثناسيوس حججًا مضادة بنفس أسلوب نيقية (الورع)، وكان يفعل هذا بروح التقوى المتمركزة حول المسيح. فالتعليم الذي سبق أن سُلِّم يجب أن يُقبَل بخبر الإيمان، ويجب أن يُشرَح “بنمط فكري يتسم بالتقوى” (εσέβε λογισμ μετ ̉ ελαβείας)[110] وليس بمجادلات لغوية تفتقر للوقار.

وكان القديس أثناسيوس يصرُّ دائمًا على أن إطاعة الإيمان تؤدي إلى أسلوب شرعي في التفكير والتحدث عن الله، وذلك بفضل الاتزان الداخلي الذي يتولد نتيجة عبادة الله. ففي كل محاولة للفهم وإعطاء تعبير عن أسرار الإيمان، يكون المطلوب هو انضباط خشوعي وترتيب للعقل وصل إلى حالة الانسجام “بواسطة صلاة دائمة لله، ومعرفة تتسم بالتقوى، وتضرعات مقدمة ليس بشكل عرضي ولكن بتسليم كامل للقلب”.

هكذا يمكن أن يكون الدخول إلى الله، والذي فيه الإيمان والتقوى كل منهما يحكم الآخر في معرفتنا لله “لأن (كلمتي) الإيمان والتقوى مرتبطتان، وهما أختان: فمن يؤمن بالله لا ينفصل عن التقوى، ومَن يملك التقوى فهو حقًّا يؤمن”[111].

وقد لعب نفس مبدأ (lex orandi – lex credendi) أي ’قانون التقوى ـ قانون الإيمان‘ دورًا هامًّا في فكر القديس هيلاري، وكما قد رأينا فإن القديس هيلاري كانت تزعجه بالأكثر الطريقة التي استغل بها الهراطقة ’المجال المفتوح‘ للإيمان لإقحام أفكارهم الخاصة الوقحة في معرفة الله، كما أقلقه أيضًا ـ في الرد على الهراطقة ـ الحاجة إلى فكر لاهوتي مستقيم (أرثوذكسي)، لصياغة اعترافات محددة ـ أبعد من تصريحات الكتاب المقدس ـ عن أمور هي في الأساس تفوق الوصف.

واعتقد القديس هيلاري أنه في هذه الظروف، ينبغي علينا أن نعتمد على ذلك النوع من الإدراك والفهم لله، المتضمَّن في الإيمان الذي يزداد بالعبادة، كما نعتمد على تلك العبادة التي يدخلنا فيها الله بنفسه؛ إذ إننا قد أُعطينا قدومًا إلى الآب من خلال الابن[112]. فإننا مهما حاولنا تطويع لغتنا لتعرب عن عظمة الله، فهي تبقى قاصرة بصورة لا حد لها في التعبير عن ’ماهية الله‘ في كيانه وطبيعته السرمدية. ولكن رغم هذا فإن لغتنا يمكن توجيهها والتحكم فيها من جانبنا بواسطة أعمال العبادة الرئيسية التي يطلبها الله منا، من خلال إعلانه عن ذاته في الإنجيل.

وهكذا فإن القديس هيلاري عمل بمفهوم للإيمان مؤسس على التقوى الإنجيلية، وبمفهوم للتقوى التي تتسع بالإيمان بحقيقة الله التي لا تستنفذ. وفي هذا يقول القديس هيلاري: “ينبغي علينا أن نصدِّقه وندركه ونعبده وأن نسمح لأعمال العبادة هذه أن تكون الطرق الأساسية التي نتحدث بها عن الله”[113].

وبهذا الأسلوب لم يكن القديس هيلاري يعني أن نرتد في ذعر أمام جلال الله الفائق الإدراك، ونتراجع تمامًا إلى التوقير القلبي الصامت (فقط)، ولكن بالأحرى كان يعني أننا يجب أن نفكر في الله، فقط بالطريقة التي بها ندرك أنه يفوق بصورة لا نهائية إمكانيات الفكر والكلام البشرى؛ إذ يجب أن نجعل عبادتنا لله من خلال الابن ـ والذي فيه ينكشف سر الآب غير المدرك ـ هي التي تحكم كل ما نعترف به في الإيمان أو ما نعبِّر عنه في صياغات لاهوتية[114].

لأن الفكر اللاهوتي، كما سعى فيه القديس هيلاري نفسه، لا بد أن يمتزج ويتشابك مع الصلاة بصفة دائمة، حتى إنه في كل محاولاتنا للتعبير عن إيماننا واعترافنا بإله واحد الآب، ورب واحد يسوع المسيح ـ حسب ما قد تعلمناه بالأنبياء والرسل ـ فإن الله سوف يهبنا ما نريده من معنى في اللغة، ونور في الفهم، ووقار في التعبير والعرض، وإخلاص وأمانة للحق[115].

إقرأ أيضًا: الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

 

كيف تشكَّلت البصيرة اللاهوتية في الكنيسة في القرن الرابع؟

في كل ما سبق، كنا نفحص بعمق في الطريقة التي يجب بها البحث في جذور قانون الإيمان النيقي، في محاولة للعودة إلى ما كانت عليه الأمور عند التأسيس الرسولي للكنيسة، حين صار الإيمان الخلاصي بالله الآب والابن والروح القدس مصوغًا (مجسمًا) فيها مرة وإلى الأبد. وأيضًا كنا نبحث في الطريقة التي بدأ فيها هذا الإيمان يكشف عن محتواه اللاهوتي وهو في طريقه للوصول إلى قانون نيقية، مسترشدًا بالأساس الإنجيلي للتقليد الرسولي العامل في حياة الكنيسة الجامعة في القرون الأولى ـ وفي رسالتها وعبادتها ـ حيث اتضح هذا الأساس في طريقة تفسير الكنيسة للكتب المقدسة وفي طريقة تعبيرها عن التعليم المسيحي.

ولقد وجدنا في هذه القرون تقليدًا متواصلاً يتميز بكون الإيمان والتقوى والفهم والعبادة مضفَّرة معًا بعمق، تحت التأثير الخلاَّق للقناعات الإنجيلية التي انطبعت في ذهن الكنيسة، في التزامها بإعلان الله عن ذاته بواسطة الابن المتجسِّد وفي الروح القدس. وهذه القناعات المصحوبة بتنسيق وترتيب للعقل مركزه المسيح، ظلت تتولد وتُغذَّى معًا داخل الحياة والشركة المتنامية للكنيسة من خلال التأمل المنتظم في الكتب المقدسة والمشاركة في العبادة الليتورجية.

وهذا هو الذي كوَّن القالب الذي تشكَّلت داخله البصيرة اللاهوتية والرأي الذي يتصف بالتقوى، واللذان ساهما في تحديد صياغة أكثر رسمية للمعتقدات في داخل حدود ما طالب به المسيح الكنيسة من طاعة وخدمة.

ومن هنا برز إطار فهم عام للحياة والتقوى، وإطار خاص تحددت فيه المعتقدات التي نشأت من المعمودية المقدسة ومن خلالها، و”المتضمَّن فيها كل جوهر الإيمان بالثالوث” على حد تعبير القديس أثناسيوس[116]. وفي إطار هذا الفهم وعمله المعياري، ومع الرجوع المستمر للإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، فإن فهم الكنيسة وصياغتها ’للحق‘ الإنجيلي أخذ يتسع ويتعمق.

ولذلك حدث في الكنيسة الجامعة في فترة ما قبل نيقية، تعمق متزايد داخل بناء مفاهيم الإيمان المسيحي، والذي بالرغم من أنه أخذ يتزايد في الفهم والدقة إلاّ أنه كان لا يزال في نطاق ’المقدمات‘ لمعتقدات الكنيسة النهائية المتضمنة في وديعة الإيمان الرسولي.

إقرأ أيضًا: دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية بقلم اثناسيوس الرسولي

 

تطابق ’العقيدة الداخلية‘ و’العقيدة المعلَنة‘ في مجمع نيقية

ومن الجدير بالذكر أنه عندما بدأت تظهر صياغات صريحة للعقيدة نابعة من ’كيان متكامل‘ للإيمان الرسولي، فإنها عادة ما كانت تحتوي على ’عبارات عن “الكنيسة”‘، وهو ما نجده قد ترسَّخ نهائيًّا في الصورة الناضجة لـ “قانون الرسل” و”قانون نيقية”[117]، وهذا يعبِّر عن حقيقة أنه عندما تبلورت القوانين الرسمية، فإنها ظلت مرتبطة بالتركيب الضمني الداخلي للإيمان و’المجسم‘ في الأساس الرسولي للكنيسة، وبالتالي كانت هذه القوانين ستصبح معيبة للغاية لو أنها جُردت من هذا الارتباط.

وهكذا فإن التكامل العميق بين العقيدة الداخلية (الحياة التقوية الداخلية التي بحسب جوهر الإيمان) والعقيدة الصريحة المعلنة (الصياغة المحددة للإيمان) لم يكن منسيًّا أبدًا، بل أن هذا التكامل قد تم تحويله إلى اعتراف كامل للإيمان الجامع. ورغم أنه في مجمع نيقية نفسه لم تُدرج عبارة صريحة عن الكنيسة في قانون الإيمان، إلاّ أن إعطاء الشكل القانوني الواضح والمحدد للإيمان، كان معروفًا أنه اعتمد على ما كانت تؤمن به الكنيسة الجامعة على الدوام، وما عرفته بالبديهة أنه “حق”[118].

ومن خلال هذا النوع من الصياغة الرسمية، فإن كل جسم ’الإيمان الداخلي‘ المضمر في التقليد الرسولي للكنيسة قد تم تدعيمه وإمداده بالشكل ’النظامي‘ الذي وسّع في قوته الضابطة داخل حياة الكنيسة ورسالتها. وكان هذا كله يعتمد على مبدأ “معرفة الحق بحسب التقوى”[119] الذي تضمَّنه ميراث الكنيسة، والإحساس الفطري بالله الذي انطبع في ذهن الكنيسة بواسطة الإعلان الإلهي؛ كما اعتمد أيضًا على بصيرة معطاة ـ كعطية إلهية ـ لإدراك العلاقات الفائقة في الله بكونه آب وابن وروح قدس، وهو الذي ينبغي له السجود والتعبد أكثر مما ينبغي التعبير عنه.

إقرأ أيضًا: بارت إيرمان حبيب الإخوة المسلمين، يرد على إدعاء الإخوة المسلمين بشأن مجمع نيقية وألوهية المسيح

 

* العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[1] أف 18:2.

[2] يهوذا 3.

3 Hilary, Con. Const., 27. See also Athanasius, De syn., 9; Ad Ant., 15; Ad Afr., 10; Ep., 55, 56; Basil, Ep., 125.1; 127.2; 140.2; 159.1; 204.6; 251.4; Theodoret, Hist. eccl., 2.15, 18.

 [4] 1كو10:3-11؛ أف 20:2.

 5 Gregory Naz., Ep. ad Cled., 102.

6 Gregory Naz., Or., 21.14; Ep. ad Cled., 102.1; Theodoret, Hist. eccl., 2.15; Socrates, Hist. eccl., 1.9; Eusebius, Vita Const., 3.20.

7 Gregory Naz., Or.,21.13, 14; cf. also 19.33-35.

8 Athanasius Ad Afr., 1f; cf. 4-6, 9-11; De syn., 5f, 9, 43; Ad Adel., 6; Ad Ser., 1.28, 33; Ep. 55 & 56.

9 Athanasius Ad Adel., 6; cf. Ep., 2.6f; 39.1-7.

10 Athanasius Ad Afr., 1.

11 Athanasius Ad Ser., 1.28, 33.

12 Athanasius De decr., 4f, 18ff, 31ff; Con. Ar., 1.8, 10; 2.33f, 40; De syn., 3, 6, 7, 33f, 39ff, 45f; Ad Afr., 4ff; Ep., 2.4-7, 59; Ad Epict., 3; cf. also Con. gent., 1; De inc., 5.

13 Athanasius Ap. Con. Ar., 23f; Ad Ep. Aeg., 5, 18, 20, 21; De syn., Ad Ant., 3.5; Ad Afr., 10f; Ep., 51; 55; 56.1-4; 59.1; 61.5; 62.

14 Athanasius De syn., 5 ; cf. 3f.

15 Athanasius De syn., 6 ; cf. De decr., 18-22 ; 31f.

16 Athanasius Ad Ser., 1.17, 20 ; De vita Ant., 16, 77-80, etc.

17 Athanasius De inc., 19.3 ; cf. Exp. Fidei ; Con. Ar., 4.21 ; and Socrates, Hist. Eccl., 2.30.

18 Athanasius De inc., 56.1.

[19] 1كو1:4؛ انظر كذلك: Athanasius, Ep. Enc. 1.

 [20] 1كو2:11؛ انظر كذلك: Athanasius, Ad Afr., 10.

 [21] انظر أع 28:15 وما بعدها؛ وكذلك 4:16.

 [22] انظر لو 1:2؛ وكذلك أع 7:17.

 [23] Athanasius De decretis ـ العنوان اللاتيني المتداول هو ترجمة خاطئة للكلمة: (ο̉ρισθέντα) . انظر كذلك Cf. De syn., 5, and Hilary, De Trin., 4.1-7.

[24] بعد مجمع نيقية، أصبح استخدام مصطلح ’قانون‘ يرتبط بالتأديبات الكنسية. وقد استخدم ق. أثناسيوس هذا المصطلح ليشير إلى القوانين التي ترجع إلى الرسل. انظر:

Athanasius Ep. Enc., 1.6 ; Ap. con. Ar., 25, 29, 31f ; Hist. Ar., 36, 51.

[25] كو 5:1.

26 Hilary, De Trin., 1.18

[27] إش 9:7. ولذلك نجد ق. إيرينيئوس يقول في (Dem., 3) “والإيمان ينتج عن الحق؛ لأن الإيمان يقف أو يرتكز على الأشياء الحقيقية (أو التي هي بالحقيقة كائنة). ونحن نؤمن في أشياء حقيقية (أو بالحقيقية كائنة)، وبالإيمان في أشياء حقيقية، نظل واثقين بشدة فيها”؛ انظر أيضاً: Clement of Alex., Strom., 1.1; 2.2, 4; 4.21; Cyril of Jer., Cat., 5.4, etc.

[28] انظر استخدام مصطلح ’طبيعة‘ (φύσις) في الفكر الإسكندري:

See my Theology in Reconciliation, 1975, pp. 241f, 247ff; Archbishop Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.

29 Cf. Hilary, De Trin., especially books 1-4,

وفي هذه الكتب الأربعة، يعرض ق. هيلاري المعرفة اللاهوتية بشكل مميز جداً.

30 Augustine, De Trin., 7.5; In Jn. Ev., 27.9; 29.6; 40.9; De lib. arb.,

2.2.6; De div. quaest., 48; In Ps., 118, 18.3; Ep., 120.1, 3, etc.

31 Hilary, De Trin., 1.18; 2.6f; 3.9f, 23; 4.14, 36; 5.20f; 6.13-16; 8.52.

[32] رو 5:1؛ 26:16.

33 Cf. Clement Alex., Strom., 2.2ff, 6, 11f; 8.3; and Augustine, De spir. et litt., 21.54; 34.60.

34 Hilary, De Trin., 6.34; see also 4.6.14.

35 Hilary, De Trin., 6.36f; cf. 2.22f; 6.20f; and ‘The Liturgy of St James’

E. Brightman, Liturgies of Eastern and Western Churches, 1896, p. 54:

حيث إن ’الكنيسة الجامعة الرسولية‘ هي أيضاً تقول أنها تأسست على ’صخرة الإيمان‘.

36 Hilary, De Trin., 2.22.

37 Hilary, De Trin., 5.20f.

38 Hilary, De Trin., 4.14; 5.4, 7; 8.52.

39 Hilary, De Trin., 1.6, 16; 2.2ff, 12, 24ff, 52ff.

40 Cf. Clement Alex., Strom., 7.16.

41 Athanasius, Con. Ar., 4.12:

“لأن ما يُعطى إنما يُعطى من خلال الابن؛ ولا يوجد شيء ما يعمله الآب إلاّ من خلال الابن؛ ولهذا فإن النعمة محفوظة (ومؤمنة) لذاك الذي يقبلها”.

[42] غل 9:1.

43 Athanasius, Ap. con. Ar., 49; De decr., 2.5; Ad Ep. Aeg., 2; Ep., 2.6; Theodoret, Hist. eccl., 1.3; 2.6; 5.10.

44 Hilary, De syn., 61-64.

45 Athanasius, Ad. mon., 1.1-3.

46 Athanasius, Con. Ar., 2.15; 3.28, 35, 58; cf. also my discussion of this in Reality and Evangelical Theology, 1982, pp. 106ff.

47 Athanasius, De vit. Ant., 77-80.

48 Hilary, De Trin., 1.7-16; 2.5-11; 3.1-6, 18-26.

49 Hilary, De Trin., 1.8, 12; 2.5ff, 11.

50 Hilary, De syn., 65; De Trin., 3.18; 10.53; 11.44-47; 12.24-37.

51 Hilary, De Trin., 2.1-5; 10.51-53.

52 Hilary, De Trin., 2.2, 5.

53 Cf. G. Florovsky, Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox View, 1972, on ‘the scriptural mind’ and ‘the catholic mind’, pp. 9ff, 57f.

* إن الإيمان المسلَّم للكنيسة لم يكن مجرد مقولات عقيدية، ولكن كان هو الحياة الجديدة في المسيح، أي الحياة التقوية بحسب الحق المؤسس عليه هذا الإيمان، وهو ما سُمي ’وديعة الإيمان‘. إذن ففي الإيمان الصحيح تكون هناك المعرفة الصحيحة والتقوى السليمة، وهذه التقوى بدورها تقوم بحفظ الإيمان السليم والتعليم الصحيح من أي انحراف. (المترجم)

[54] أع 2:9؛ 9:19، 23؛ 4:22؛ 14:24، 22.

[55] 1تي 2:2؛ 16:3؛ 7:4، 8؛ 3:6، 5؛ 2تي 5:3؛ تي 1:1؛ 2بط 3:1، 6؛ 11:3.

[56] 1تي 3:6؛ تي 1:1؛ 2 تي 7:3.

[57] 1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2.

[58] 1تي 4:1؛ 7:4؛ 3:6-6؛ 2تي 4:4؛ تي 14:1؛ 2بط 16:1.

[59] 1تي 15:3-16؛ وعلى سبيل المثال: Hilary, De Trin., 11:9.

[60] أف 32:5.

[61] 1تي 20:6؛ 2تي 12:1؛ 2:2، 4؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 2تس 15:2؛ 6:3؛ غل 9:1؛ 2:2، 9؛ 1كو 23:11؛ 3:15؛ 2كو 3:11؛ رو 17:6؛ 1تي 6:4؛ عب 1:3؛ 14:4؛ 23:10.

62 Irenaeus, Adv. haer. (edit. By Harvey, 1897), 3. praef., 1-5, vol. 2, pp. 22ff; 3.38.1, pp. 131f; 4.40.2, p. 236. for this and what follows see, T.F. Torrance, ‘The Deposit of Faith’, Scottish Journal of Theology, 1983, vol. 36.1, pp. 1-28.

63 Irenaeus, Adv. haer., 1.3, vol. 1, p.94; 3.1-4, vol. 2, pp. 1ff; 3.11.1, p.47; 3.12.9, p.62; 4.4ff, pp. 234ff; 5.20, pp. 377ff.

64 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.4, vol. 1, pp. 282f; 2.39.1f, pp. 345f; 2.40-43, pp. 349-358; 3.38.1f, vol. 2, pp. 131f; 4.22.2, p. 178; 4.34.4, pp. 215-219.

65 Irenaeus, Adv. haer., 3.11f, vol. 2, pp. 43f; 3.17.6, p. 87f; 4.6, p.153; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.1, 4-6, pp. 212, 215f; 4.6.1, p. 291; 5.praef., 1-2, pp. 313ff; 5.27.2, pp. 398f.

66 Irenaeus, Adv. haer., 2.3.7, 1-4, vol. 1, pp. 342-344; 3.6.2, vol. 2, pp. 22f; 3.18.1, p. 92; 3.19.6, pp. 100f; 3.21.2, p. 107; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.5, 7, pp. 210, 218f.

67 Irenaeus, Adv. haer., 3.38, vol. 2, p. 132.

68 Irenaeus, Adv. haer., 3.38.1-2, vol. 2, pp. 131f; 4.53.1f, pp. 261ff; 5.20.1, pp. 378ff.

[69] اتي 15:3.

70 Irenaeus, Adv. haer., 3.11.11, vol. 2, p. 47.

71 Irenaeus, Adv. haer., 1. praef., vol. 1, pp. 1ff; 1.15, p. 67; 1.1.19-4.1, pp. 80-97; 2.7-9, pp. 271-274; 2.40-43, pp. 349-358; 3.1-5, vol. 2, pp.1-20; 3.38, pp. 131-3; 4.40-42.1, pp. 234-238; 4.53-54, pp. 261-264; 5. praef., pp. 313f; 5.20.1f, pp. 377ff.

72 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.15, vol. 1, pp. 66f; 1.18, pp. 80ff; 2.40-45, pp. 347-358.

73 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.14, vol. 1, p. 67; cf. 1.1.20, pp. 87ff; 1.3, pp. 93f; and Tertullian, De virg. vel., 1.

74 Irenaeus, Adv. haer., 1.19f, vol. 1, pp. 80-90; 2.37-43, pp. 342-358; 3.12.11, vol. 2, p. 65; 3.38, pp. 131f; Dem., 1-6.

* كان للهراطقة منهج مخالف لهذا المنهج في تفسير الكتاب المقدس. (المترجم)

75 Irenaeus, Adv. haer., 1.2, vol. 1, pp. 90f; 3.1f, 4, vol. 2, pp. 2ff, 25ff; 4.1, pp. 146ff; 4.53. 1, pp. 261f; 5.20.1, pp. 377f; Dem., 6.

76 Irenaeus, Adv. haer., 2.41, p. 349.

وهذه النقطة ذاتها كان ق. كليمندس السكندري قد طرحها عندما تكلم عن “النفاذ إلى الحق عن طريق أخذ قانون الحق من داخل الحق ذاته” – Strom, 7.16.

77 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.3f, vol. 1, pp. 282f; 2.41ff, pp. 349-358.

78 Origen, De prin., praef., 1.2, 6.

وكان أوريجينوس قد تكلم عن المسيح بكونه ’الحق الذاتي‘ أو ’الحق ذاته‘ انظر:

In Jn., 6.6; cf. 1.27; 2.4; and Con. Cel. 8.12.

79 See especially Origen, In Jn. 1.25-28 with 1.8.

80 Origen, In Cant. 2; Con. Cel., 7.31, 376.

81 Origen, In Jn. 1.7; In Matt., 10.1; In Deut., 1.21; In Jer., 18.6; Con. Cel., 4.71, etc.

82 Origen, Con. Cel., 1.2, 9f, 13, 24f, 42, 71; 3.23, 39, 42, 86; 4.2; 5.45; 6.27; 7.10; De prin., 4.3.16.

83 Origen, De prin., 1.1.1f; 1.3.3; 2.2.2; 2.4.4; 2.5.2; 2.7.2; 2.11.2ff; 3.5.1; 3.12.4; 4.2.1ff, 15. Origen sometimes distinguished between three meanings – cf. 4.2.4.

84 Origen, Con. Cel., 1.48; 6.23; 7.34; De prin., 1.1.9; 4.4.10; LXX Prov. 2.5.

85 Origen, In Jn., 1.8-10; 2.6; De prin., 3.6.8; 4.2.6; 4.3.13.

86 Cf. Origen, In Matt., 1.14. See also In Jn., 10.4, 18, 22; 20.3, 10, etc.

87 Origen, De prin., 4.3.15.

88 Origen, Con. Cel., 1.2; 8.32.

89 Origen, In Jn., 13.24; 32.25-29.

90 Cf. Origen, In Luc., 14.28.

91 Origen, Con. Cel., 3.8, 34, 60, 78; 5.33; 7.40, 49; 8.13, 75.

92 Origen, De prin., 1.5.4

93 Origen, In Jn., 1.3.

94 Origen, De prin., 4.1.1f; 4.2.2.

95 Origen, Ep. ad Greg., 3; Ep. ad Afr., 2-5.

96 Origen, Con. Cel., 7.11; De prin., praef.; 4.2.4, 7-9; 4.3.5.

* حيث إن كل ما يعمله الله يكون من الآب بالابن في الروح القدس. (المترجم)

97 Origen, De prin., 4.2.3; cf. praef. 1-2; In Jer., 3.22-4.

98 Origen, Con. Cel., 1.27; 3.60, 81; 5.33; 7.46; 8.20; De prin., 4.1.2, 5;

In Jn., 28. 23.

99 Origen, In Jn., 6.5f; De prin., 4.1.2, 5; Con. Cel., 2.4; 3. 34, 81; 5.4;

 8.13, 26, 59.

100 Origen, De prin., 3.1.17.

101 Origen, De prin., 1.5.4; 2.6.2; 3.1.17, 23; 3.5.3; 4.3.14; cf. Praef. 2;

 3.3.4; 4.2.2, 4; 4.3.15.

102 Origen, Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.46; 8.13; De or., 10.2; 13.1; 15.1-4.

103 Origen, In Jn., 1.33, 35; 2.34; Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.41, 46, 49; 8.12f, 26, 75; De prin., 1.3.4.

104 Origen, Con. Cel., 3.60; 5.4; 7.46; 8.57; 75; De or., 14-16, 20, 31; In Jn., 32.24; In Mat., 11.14. See also Origen’s Dialogue with Herakleides, SC, 67, ed. By J. Scherer, 1960, pp. 62, 64.

105 Origen, De prin., praef., 2, 3, 10; cf. 1.4.4; 4.4.5.

106 See Prosper of Aquitaine, De gratia Dei et libero voluntatis arbitrio, 8: legem credendi lex statuat supplicandi, MPL, 8, 209. Lex orandi-Lex credendi represents a telescoped form of Prosper of Aquitaine’s thought, found in the Ineffabilis Deus of Pius IX, and the Munificentissimus Deus of Pius XII, AAS, 1947, pp.540f.

107 Athanasius, De decr., 1-3; cf. Ep. Enc., 1 (ευ̉σέβεια α̉πό α̉σεβείας διώκεται)

وهنا تكلم ق. أثناسيوس عن التقوى التي تُضطهد بواسطة عدم التقوى

108 Athanasius, Ad episc. Aeg., 13; cf. 4, 9, 12.

109 Athanasius, De syn., 39.

110 Athanasius, Ad Ser., 1.17, 20; 4.4.

111 Athanasius, Ep., 11.9-11.

112 Hilary, De Trin., 5.18, 20.

113 Hilary, De Trin., 2.6f, 11.

114 Hilary, De Trin., 2.2, 5-8, 10-11.

115 Hilary, De Trin., 1.38.

116 Athanasius, Con. Ar., 4.21.

117 See the Der Balyzeh papyrus, cited by J.N.D. Kelly, Early Christian

 Creeds, 1950, p.89; or Epistola Apostolorum, ibid., p.82.

[118] ارجع إلى الحروم التي أُلحقت بقانون نيقية والتي ذُكرت باسم “الكنيسة الجامعة”.

[119] 1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2 وما بعدها.

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

Exit mobile version