اختيار شريكة الحياة ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

اختيار شريكة الحياة ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

اختيار شريكة الحياة ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

اختيار شريكة الحياة

ضمن عظة بعنوان ”مديح لمكسيموس”

(في المخطوط اليوناني)

للقديس يوحنا ذهبى الفم

 

فضيلة الضيافة:

وكيف تبدو المرأة فاضلة؟.. يقول من العلامة التي وضعها. وما هي علامة هذه الفضيلة؟.. هي علامة الضيافة. لأن الضيافة هي سمة عظيمة للإختيار، لقد طلب فتاة مضيافة، حتى تستطيع أن تقدم خدمة لكل محتاج لها. ولم يطلب هذا الأمر مصادفة. بل أراد أن يأخذ امرأة لها نفس طريقة تفكير سيده، وأن تكون معينة داخل بيت مفتوح للغرباء. لأنه من قِبل الضيافة ننال كل الخيرات. هكذا سلك سيده وقدم ذبائح ورُزق ابنًا ونسله صار كنجوم السماء بحسب وعد الله. وطالما أننا نقتنى لأنفسنا ولبيوتنا كل الخيرات من قِبل الضيافة، فقد طلب هذه العلامة على وجه التحديد.

وما يجب الالتفات إليه، ليس فقط موضوع طلب الماء، ولكن الفضيلة التي تزين نفسها. وهي لم تعط فقط ما طُلب منها، بل إنها قد أعطت أكثر مما طلب منها. وأنت أيضاً عندما تنوى على إختيار زوجة لك لا تلجأ للناس ولا لنساء يتاجرون بنكبات الآخرين، ويطلبون شيئاً واحداً فقط، كيف يُكافئون، لكن الجأ إلى الله. والله نفسه وعد ” اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم” (مت33:6).

ولا تقل كيف يمكن أن أرى الله؟ هذا قول نفس غير مؤمنة. لأن الله يستطيع أن يحقق لك كل ما تريد دون أن تطلب.

وهذا هو ما تحقق في حالة هذا الخادم، لأنه لم يسمع صوت ولم ير رؤية. بل بينما هو واقف بجوار البئر، صلى وعلى الفور نجح في مسعاه  ” لأنه حدث إذ كان لم يفرغ بعد من الكلام إذا رفقه التي ولدت لبتوئيل إبن ملكه امرأة ناحور أخى إبراهيم خارجة وجرتها على كتفها وكانت الفتاة حسنة المنظر جداً وعذراء لم يعرفها رجل فنزلت إلى العين وملأت جرتها وطلعت” (تك15:24-17) لكي تدرك كم هي عظيمة طريقة التفكير هذه، وأن جمال النفس له أهمية في الاختيار، لم يقل مصادفة مرتين أنها عذراء، لأنه قال كانت عذراء ولم يعرفها رجل. لأن كثيرات من الفتيات يحفظن أجسادهن، بينما نفوسهن مليئة بالشرور، متزينات بأشياء كثيرة وعيون الشباب تلاحقهن، وهؤلاء الفتيات قد ينصبن شباكهن للإيقاع بالشباب. ويبين موسى النبى أن هذه المرأة كانت عذراء في الجسد والنفس فيقول: “عذراء لم يعرفها رجل” على الرغم من أنه توجد أسباب عدة لكي تعرف رجلا ـ وهي جمال الجسد، ثم طبيعتها المضيافة الخدومة.

لأنها لو لم تخرج من بيت أبيها وداومت الاستمرار في غرفتها كما تفعل بنات اليوم، ولم تخرج إلى السوق، لما كانت مستحقة لهذا المديح ” لم يعرفها رجل “.

فعندما تراها وهي خارجة إلى السوق كل يوم وهي مضطرة أن تحمل الماء مرة ومرتين وأحيانًا مرات كثيرة، وبعد كل هذا لم تعرف رجلا ـ وقتها ستدرك كم كانت مستحقة للمديح.

فلو ترددت فتاة على السوق عدة مرات حتى ولو لم تكن جميلة وليس فيها ما يجذب الانتباه، رغم غناها، يحدث أن يكون في هذا الخروج ما يفسد أخلاقها.

أما رفقه وهي تخرج كل يوم ليس فقط إلى السوق، ولكن أيضًا إلى البئر لتأخذ ماء، هناك حيث يجتمع كثيرون وكثيرات، فإنها بقيت عذراء النفس والجسد، فكيف لا تكون إذن مستحقة لكل تقدير واعجاب وبالأكثر جدًا أنها حفظت فكرها في نقاوة من اللواتي يجلسن في مجمع النساء، احتفظت في وسطهن بهذا النقاء.

كما قال الرسول بولس: ” لكي تكون مقدسة جسدًا وروحًا
(1كو34:7).

فنزلت إلى العين وملأت جرتها وطلعت فركض العبد للقائها وقال اسقينى قليل ماء من جرتك فقالت اشرب يا سيدى وأسرعت وأنزلت جرتها على يدها وسقته ولما فرغت من سقيه قالت أستقى لجمالك أيضاً حتى تفرغ من الشرب فأسرعت وأفرغت جرتها في المسقاه وركضت أيضاً الى البئر لتستقى فأستقت لكل جماله” (تك16:24ـ20).

 

الضيافة والحكمة:

ضيافة هذه المرأة هي بالتأكيد ضيافة عظيمة لكنهاأيضًا تتمتع بحكمة عظيمة. يمكننا أن نعرف هذين الأمرين جيدًا (الضيافة ـ الحكمة)، مما قالته ومما فعلته. أرأيت كيف أن الحكمة لم تُفسد الضيافة والضيافة لم تُفسد الحكمة؟

لأنها لم تذهب هي أولاً نحو الخادم ولم تبدأ الحديث معه، وهذا يُعد نموذجًا للحكمة، لكن هو الذي ترجاها، حينئذً لم ترفض طلبه وهذا علامة واضحة للضيافة ومحبة الناس.

أما لو سعت هي للتحدث معه دون أن يبدأ هو بالحديث معها فسوف يدل هذا على عدم الحياء. وأيضًا لو أن رجاء الخادم وطلبه قوبلا بالرفض لكان هذا علامة للفظاظة وقساوة القلب. لكن لم يحدث شئ من كل هذا. فهي لم ترفض الضيافة لأجل الحكمة، ولا لأجل الضيافة أضرت بالحكمة، لكنها قدمت كل هذا (الضيافة والحكمة) في صورتها الكاملة.

فالضيافة الكاملة كانت علامة واضحة، فقد أعطت كل ما تملكه، حتى وإن كان ما قدمته هو ماء. فقد كان هذا ما تملكه وقتها. فمن يقدم الضيافة لا يعطى من غنى، لكن يُقدم مما يملك. وهكذا فإن من قدم كأس ماء بارد مدحه الله وأيضاً المرأة التي قدمت الفلسين قدمت أكثر من الجميع لأنها قدمت كل ما تملك. ورفقة قدمت كل ما تملك إذ لم يكن لديها شئ آخر تقدمه.

ولم يرد تعبير أسرعت ـ وركضت مصادفة، فهي إشارة لسلامة النية التي بها تصرفت لا لأنه أجبرها ولا هي بدون ارادة صنعت هذا ولا هي مثقلة أو متضايقة. فمرات كثيرة يحدث أن يعبر إنسان حاملاً مشعلاً ونطلب منه أن ينتظر قليلاً لنستضئ وشخص آخر يحمل ماء ونطلب منه قليل لنشرب فلا هذا يستجيب ولا ذاك.

بينما رفقه لم تُنزل جرتها فقط ولكن سقته وسقت كل جماله، محتملة كل هذا الجهد وهذا التعب الجسدى وهي تقدم ضيافتها بكل ارتياح وحسن نية. وهي تفعل هذا مع إنسان لا تعرفه ولم تره ولو مرة واحدة.

كما أن إبراهيم حماها لم يسأل أولئك الذين عبروا ببيته من أنتم ومن أين أنتم وإلى أين تذهبون، هكذا أيضًا فعلت هذه المرأة.

فهي لم تسأله من أنت ومن أين أتيت ولأى سبب أتيت إلى هنا؟ لكنها قدمت ضيافة كاملة وربحت هذه الفضيلة. فكما أن هؤلاء الذين يتاجرون في أحجار كريمة، ويهدفون إلى الربح من المشترين، لا يفحصون من هم ومن أين أتوا، هكذا فعلت هذه المرأة، فقد ربحت ثمر هذه الضيافة. عرفت أن الغريب كان خجولاً ولهذا كانت تحتاج للياقة كبيرة وحكمة بدون فضول.

فقد فعلت كما فعل حماها الذي اهتم بالعابرين وربح الكثير، ولهذا فقد أستضاف ملائكة في وقت ما. لكن لو أنه جلس ليستطلع أمرهم لم يكن له أن يحصل على هذه المكافأة التي انتظرته. ولهذا فنحن نُعجب به لا لأنه استضاف ملائكة، ولكن لأنه استضافهم دون أن يعرف شيئًا عنهم. وهذا ما يستحق كل الإعجاب أنه اعتقد أنهم مسافرون ومع ذلك صنع معهم كل هذا المعروف. وهكذا أيضًا كانت هذه المرأة، لقد كانت رائعة في ضيافتها. لم تكن تعرف من يكون سيده، لكنها اعتقدت أنه غريب وعابر سبيل.

ولهذا فإن عظمة هذه المرأة تظهر من خلال ضيافتها بطيب خاطر وبحكمة عظيمة لهذا الغريب الذي لم تعرفه من قبل، لأنها فعلت كل هذا لا بعدم حياء ولا هي مجبره على ذلك ولا متضايقة، لكنها تصرفت بكل عناية وحكمة. هذا هو ما أعلنه موسى بالضبط ” والرجل يتفرس فيها صامتاً ليعلم أأنجح الرب طريقه أم لا” (تك21:24) وما معنى تفرس فيها صامتًا؟

إنه لاحظ الملبس ـ طريقة المشى ـ النظرة ـ الكلام، كل
هذه الأمور قد فحصها بعناية لكي يستطيع أن يفهم قيمة هذه النفس.

ولم يكتفي بهذا، لكنه أضاف اختبارًا آخر. فعندما أعطته ليشرب لم يتوقف عند هذا الحد ولكنه سألها ” بنت من أنت أخبرينى. هل في بيت أبيك مكان لنبيت” ماذا فعلت إذن؟ بوداعة ونقاوة تَكلمت عن أبيها ولم تغضب قائلة من أنت وماذا تريد أن تعرف عن بيتى ـ لكن ماذا قالت؟ ” أنا بنت بتوئيل إبن ملكه الذي ولدته لناحور وقالت له عندنا تبن وعلف كثير ومكان لتبيتوا أيضًا“.

وكما في موقف الماء الذي طلبه ليشرب أعطته أكثر مما طلب لأنها سقته وسقت جماله أيضًا، هكذا أيضاً في هذا الموقف، فالخادم طلب مكانًا للمبيت، لكنها وعدت بعلف وتبن للجمال وأمور أخرى كثيرة لكي تثمر هذه الضيافة مجازاة عظيمة.

كل هذه الأمور يجب ألا نسمعها بشكل عابر وسطحى، بل أن نضعها أمامنا ونقارن أنفسنا معها لكي نعرف ما هي فضيلة هذه المرأة. لأنه يحدث مرات كثيرة أن نستضيف أصدقاء أو معارف لنا وعندما يمكثون عندنا يوم أو يومين نتذمر ونتضايق. أما رفقه فبكل الود قادت العبد إلى بيتها وهو غريب وغير معروف لديها، وليس هذا فقط، بل أنها وعدت برعاية جماله.

 

حكمة الخادم:

ولنلاحظ حكمة تفكير الخادم الذي بمجرد دخوله إلى البيت ووصوله ليأكل قال: لا أكل حتى أتكلم وبماذا كلمهم عندما أعطوه الإذن؟ هل قال لهم أن سيدى له شهرة واسعة ولقب عظيم وأنه مُكّرم من الجميع وله وضع كبير بين أبناء وطنه؟ لم يقل شئ من كل هذا، على الرغم من أنه لو أراد أن يقول مثل هذا الكلام لكان هذا سهلاً عليه. لكنه ترك كل هذه الأمور البشرية جانباً وتزين بالموقف السمائى قائلاً: أنا عبد إبراهيم. والرب قد بارك مولاى جداً فصار عظيماً وأعطاه غنمًا وبقرًا وفضة وذهبًا وعبيدًا وإماءً وجمالاً وحميرًا، وهو قد ذكر الغِنَى لا لكي يُظهر أنه متيسر ولكن ليُظهر أنه مُحب لله. فقد أراد بهذا أن يمدحه لأن كل ما عنده هو بسبب رضا الله عليه. ثم تكلم بعد ذلك من جهة ” العريس” فقال: “وولدت سارة امرأة سيدى ابنًا لسيدى بعدما شاخت“.

وطريقة الميلاد هنا، هي أيضًا لها معنى. لكي يظهر أن الميلاد تم بسبب عناية الله بإبراهيم وأنه لم يتم كأمر طبيعى.

 

المحبة الإلهية قبل كل شئ:

إذن فأنت أيضًا سواء كنت عروس أم عريس يجب أن تبحث عن محبة الله ورضا السماء قبل كل شئ. لأنه لو وُجِدتْ هذه المحبة الإلهية وهذا الرضا السمائى فكل الأمور الأخرى ستنمو وتزداد، أما إذا لم توجد تلك المحبة وهذا الرضا السمائى فلن يخرج الإنسان بأي ربح، حتى وإن توافرت وسائل الراحة في هذه الحياة. ولكي لا يسألوا لأى سبب لم يأخذ زوجة من أبناء وطنه، أجاب لقد أقسم لى قائلاً: ” واستحلفني سيدى قائلاً لا تأخذ زوجة لابنى من بنات الكنعانين الذين أنا ساكن في أرضهم بل إلى بيت أبى تذهب وإلى عشيرتى وتأخذ زوجه لابنى” (تك37:24).

خلاصة الأمر بعدما أوضح كيف أنه وقف إلى جوار البئر وكيف ترجى الفتاة ليشرب وكيف أنها أعطته أكثر مما طلب وكيف صار الله وسيطًا ـ أنهي حديثه قائلاً أن أهل الفتاه سمعوا كل هذه الأمور ولم يدخلهم أى شك ولم يتهاونوا كما لو كانت قلوبهم عند الله. وبعدها وعدوه أن يأخذ الفتاه وأجاب لابان وبتوئيل ” من الرب خرج الأمر لا نقدر أن نكلمك بشر أو خير هوذا رفقه قدامك خذها وأذهب. فلتكن زوجة لإبن سيدك كما تكلم الرب“. كيف لا يندهش الإنسان إذن؟..

لأن عوائق كثيرة قد أُزيلت في لحظات قليلة.

فقد كان غريبًا وغير معروف ومسافة الطريق كانت بعيدة جدًا. وأيضًا لا “العريس” ولا “أبوه” ولا أى أحد من الأقارب كان معروفًا.

أمر واحد فقط من هذه الأمور كان كافيًا أن يمثل عائقًا لإتمام هذا الزواج. لكن لا شئ قد أعاق هذا الزواج وكل الأمور سارت على ما يرام، كما لو كان إنسانًا معروفًا لديهم أو جارًا لهم معه معاشرة. بكل هذه الثقة سلموه “العروس”. والسبب أن الله كان في الوسط.

 

 

بدون حضور الله سوف تفشل:

وهكذا فعندما نفعل شيئًا بدون حضور الله، فسوف نفشل ونُصاب بأحباطات كثيرة، حتى ولو كان هذا الشىء سهلاً وبسيطًا. لكن حضور الله واحتضانه لنا يجعل كل الأمور سهلة وبسيطة حتى وإن كانت غير ممهدة بالمرة.

كيف تَسلَّم “العروس” وكيف سار موكب الزواج؟ هل يا ترى بالبوق والموسيقى والرقص والطبل والناى؟ لم يحدث شئ من هذا، فقد أخذها ورحل وكان ملاك الله معه يقوده ويرافقه في الطريق، حيث أن سيده كان قد تضرع إلى الله ليرسل ملاكه معه عندما خرج من البيت. أخذ “العروس” دون أن تسمع آذانها صوت ناى أو قيثارة أو شئ من هذا القبيل، لكن كانت كل الأمور مباركة من قبل الله. وذهبت لا بملابس مُذهبة بل كانت لابسة للحكمة والتقوى والضيافة وكل الفضائل الأخرى.

 

زينة الفضيلة:

لم تذهب فوق عربة مغلقة، لكن فوق جمل. وكانت مزينة بالفضيلة. فتربية الأمهات لأولئك العذارى، لم تكن مثل تربية بنات اليوم اللواتى اعتدن على حمامات مستمرة ودهون وروائح. مع أنه كان يجب أن تكون تربيتهن أكثر صلابة واحتمالاً.

 

الجمال الحقيقي والقوة والنقاوة:

ولهذا فإن حيوية أولئك العذارى قد أزهرت بقوة ونقاوة لأن جمالهن كان طبيعيًا ولم يكن مصطنعًا أو كاذبًا. ولهذا تمتعن بصحة قوية وحرية وكن مستحقات للمحبة من قِبل أزواجهن. فاحتمال المشقات لم يجعل أجسادهن فقط أكثر قوة، بل أنفسهن أيضاً صارت أكثر حكمة. وعندما وصلت رفقة إلى البلدة بعد هذه الرحلة الطويلة، رفعت عينيها ورأت أسحق وقفزت إلى أسفل من على الجمل. أرأيت القوة؟ أرأيت الصحة الجيدة؟ لأنها قفزت إلى أسفل من على الجمل. وكانت قد سألت العبد ” من هذا الرجل الماشى في الحقل للقائنا فقال العبد هو سيدى فأخذت البرقع وتغطت” لاحظ أنها في كل مكان تُظهر حكمة.

كيف كانت خجولة ووقورة؟ ” وأدخلها أسحق إلى خباء سارة أمه وأخذ رفقه فصارت له زوجة وأحبها فتعزى أسحق بعد موت أمه“. وهو لم يحوز هذه المحبة وهذه التعزية بالمصادفة بعد موت سارة أمه، لكن بسبب رقة رفقة ومحبتها، وهي أساسيات تربت عليها في بيت أبيها. ومن منا لا يُقدّر ويُبجّل مثل هذه المرأة العاقلة جدًا والوقورة جدًا، المضيافة والمحبة للناس ذات القلب الطيب الرقيق.

 

اسمعوا الكلام لتحيوا به:

قد قلت لكم هذه الأمور كلها، لا لكي تسمعوها فقط، ولا لكي تسمعوها لتمدحوها، بل أيضًا لتدركوها وتحيوا بها.

كل مَن يريد الزواج، فليقتنِ هذه البصيرة التي أظهرها إبراهيم، لكي يأخذ امرأة غير مُتكلفة، دون النظر إلى أموال أو نسب معروف أو جمال جسدى أو أى شئ أخر، بل ينظر فقط إلى فضيلة نفسها. وكل رجل ينوى أن يتخذ له زوجه فلينظر إلى حكمتها ووقارها. أما الرقص، والضحكات، والكلام البذئ، فلنتجنبه. ترّجوا الله دومًا أن يصير وسيطًا في كل ما تفعلوه. فلو سارت أمورنا هكذا، فلن يكون هناك طلاق أو شك في زنا أو مشاحنات أو مشاجرات، بل سنتمتع بسلام عميق ووفاق عظيم. أما إذا تحدّت المرأة رجلها فلن يبقى شئ على استقامته في البيت حتى وإن كانت كل الأمور الأخرى مريحة وناعمة.

لكن عندما تكون الزوجة هادئة ومملوءة سلامًا سيكون كل شئ مريحًا حتى ولو كانت هناك أثقال ومتاعب يومية.

مثل أولئك الزوجات يستطعن أن يقدن أولادهن بسهولة إلى الفضيلة وعندما تكون الأم زوجة وقورة وعاقلة ومُزينة بكل فضيلة، فإنها تستطيع وبكل تأكيد أن تأسر زوجها بمحبتها. وعندما تأسره سيكون مستعدًا أن يصير لها معينًا في مساعدة الأبناء، والله سيعتنى بهم ويرعاهم. أما الأب فعندما يساهم في هذا العمل الجليل ويدرب أولاده على الفضيلة سينمو البيت كله، لأنه هكذا يجب أن يسلك القائمون على رعاية البيت. وهكذا فإن كل أحد يستطيع مع زوجته وأبنائه وخدامه أن يقضى كل حياته في هدوء وسلام. ويا ليتنا كلنا نكون مستحقين لملكوت الله بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة مع الآب والروح القدس المحيى الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور أمين.

 

اختيار شريكة الحياة ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

اختيار شريكة الحياة ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

اختيار شريكة الحياة ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

اختيار شريكة الحياة ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

اختيار شريكة الحياة

ضمن عظة بعنوان ”مديح لمكسيموس”

(في المخطوط اليوناني)

للقديس يوحنا ذهبى الفم

 

الكنيسة تكونت من جنب المسيح:

والكنيسة أيضًا تكونت من جنب المسيح، هذا الأمر يعرضه لنا الكتاب وذلك عندما رُفع المسيح على الصليب وسُمر ومات ” لكن واحد من العسكر طعن جنبه بحربه وللوقت خرج دم وماء” (يو34:19) من هذا الدم والماء تكونت الكنيسة. ويشهد هو بذلك قائلاً: ” أجاب يسوع الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله” (يو5:3) الدم يقول عنه (الروح). حيث تولد بماء المعمودية وتتغذى بالدم (التناول).

أرأيت كيف أننا من لحمه ومن عظامه. فهل من هذا الدم والماء صار لنا الميلاد والغذاء؟ فبينما نام آدم تكونت المرأة، هكذا عندما مات المسيح تكونت الكنيسة من جنبه.

ليس لهذا فقط يجب أن نحب زوجاتنا، أى ليس لأنها عضو من أعضائنا ومنا كانت بداية خلقتها، بل لأجل الوصية التي وضعها الله نفسه ” لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بإمرأته ويكونان جسداً واحداً” (تك24:2).

ومن أجل هذا فإن الرسول بولس قد قرأ علينا هذه الوصية، حتى أنه في كل الأحوال يدفعنا دفعاً نحو محبة الزوجة. وهذه حكمة رسولية.

فهو لا ينحصر في الوصايا الإلهية فقط ولا في الشرائع الإنسانية فقط، لكنه يأخذ من الاثنين لكي يحملنا على محبة الزوجة.

لهذا فهو يبدأ مما حققه المسيح ويعظ قائلاً: ” أحبوا نساءكم كما أحب المسيح الكنيسة“، وبعد ذلك يعود مرة أخرى للمسيح قائلاً: ” نحن أعضاء جسده لحم من لحمه وعظم من عظامه” ثم يكمل إنسانيًا ” من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته” وحين يقرأ علينا هذه الوصية يقول: “هذا السر عظيم“. كيف يكون عظيما؟

 

هذا السر عظيم:

فعندما تقضى الزوجة كل الوقت في حجرتها وترفض رؤية زوجها، فكيف تقبله كجسدها؟ وأيضًا الزوج الذي لا يرى زوجته ولا يحادثها ولا يأنس برفقتها، كيف يقبلها كجسده؟ يجب على الزوجة أن تتجاوز الكل، الأصدقاء والأقارب والوالدين أنفسهم.

أما فيما يخص الوالدين، فقد يقبلون لابنتهم شخصًا لم يعرفوه من قبل ولم يرونه قط، لكنهم يفعلون هذا الأمر بفرح دون تفكير في ضرر قد يحدث. وقد يعيش معها بعيداً عنهما، على الرغم من أنهما قد تعوّدا عليها، إلاّ أنهما لا يتذمران بل يقدمان الشكر لله ويتمنيان كل بركة لهذا الزواج. كل هذه الأمور قد فكر فيها الرسول بولس، حيث يترك الزوجان ذويهم ويرتبط الواحد بالآخر ويبدآن حياة جديدة تماماً. وهذا الأمر ليس أمراً إنسانيًا، بل هو نوع من المحبة قد زرعه الله في كليهما. إن هؤلاء الذين يقدمون (أي الوالدين) وهؤلاء الذين يأخذون (أى الأبناء) قد خلقهم الله ليفعلوا هذا الأمر (أى الزواج) بفرح، ولهذا فإنه يقول: ” هذا السر عظيم“.

هذا ما حدث بالضبط في حالة المسيح والكنيسة. ماذا حدث؟ فكما أن الرجل يترك أباه وأمه ويلتصق بامرأته، هكذا فإن المسيح ترك عرش أبيه وأتى إلى العروس “الكنيسة“. لم يدعونا إلى السماء، لكنه نزل هو إلى الأرض. وعندما نسمع ترك السماء، لا نظن أنه لم يعد في السماء ولكن ترك بمعنى التنازل. فبينما كان معنا كان مع أبيه أيضًا ولهذا قال إن هذا السر عظيم. عظيم أيضاً من الوجهة الإنسانية عندما نرى أن ما حدث في حالة المسيح والكنيسة يحدث في حالة الزواج، وهو أمر يثير الدهشة والإعجاب. ولهذا عندما قال أن هذا السر عظيم، أضاف لكننى أقول من نحو المسيح والكنيسة، حينئذٍ نستطيع أن ندرك كم هو عظيم سر الزيجة لأن النموذج الذي يتم على مثاله سر الزيجة هو عظيم.

لذلك لا تفكر في هذا الأمر بسطحية وتختار لك زوجة لديها أموالاً كثيرة. لأنه يجب التفكير في الزواج لا كتجارة بل كشركة حياة، لأننى أسمع من وقت لأخر أن فلان صار غنياً بزواجه ـ أى أخذ له زوجة غنية والآن هو يملك كل شئ.

ماذا تقول أيها الإنسان: أبمثل هذه الأساليب تحقق مكاسب؟ وهل هذا الحديث هو حديث رجولة؟

الأمر الوحيد الذي يجب أن تفكر فيه هو أن تختار لك زوجه قادرة على تدبير بيتها ورعايته حسناً. لقد أعطى الله للزوجة رعاية البيت والعناية به، وللرجل الأمور العامة، أى كل ما يختص بالمحاكم، البرلمان، الجيش والإدارة الحكومية. فالمرآة لا تستطيع أن ترمى حربة أو تقذف نبالاً، لكنها يمكن أن تغزل بالآلة وتقوم بكل احتياجات بيتها، وهي لا تستطيع أن تقدم اقتراحًا في البرلمان، لكنها تستطيع أن تبدى رأيها في كل الأمور التي تخص بيتها، وهي في هذا لها دراية أكثر بكثير من الزوج. لا تستطيع أن تدير حسنًا الأمور الخاصة بالدولة[1]، لكنها تستطيع حسنًا أن تربى أولادها، وهو عمل يُعد أفضل بكثير من كل المكاسب الأخرى. يمكنها مراقبة أعمال الخدم وتكاسلهم، وتهتم برعاية أسرتها، وتقديم كل وسائل الراحة لزوجها، وتريحه من كل هذه الأمور الخاصة بإدارة البيت، سواء كان غزل صوف، إعداد طعام، كى ملابس، ورعاية الأولاد، وكل الأمور الأخرى التي يعجز الرجل عن أن يباشرها، ولا هي بالأمر السهل عليه حتى وإن أراد أن يمارسها. هذا هو عمل الحكمة الإلهية ـ فالقادر على أن يفعل الأمور الهامه، يكون غير قادر على أن يقوم بالأمور الصغيرة حتى يكون للمرأة مكانة حقيقية ودور هام.

 

عمل الرجل وعمل المرأة:

فلو كان عمل الاثنين (الرجل والمرأة) يقوم به الرجل فقط وينجح في إنجازه وحده، لتعرض الجنس النسائى للازدراء.

ومن ناحية أخرى لو أوكل العمل المهم والأكثر نفعاً للمرآة لجعلها هذا أن تنتفخ وتتعظم على رجلها. ولهذا فقد قسم العمل فيما بينهما.

وذلك حتى لا تنتقص قيمة جنس عن الآخر، ويبدو كأنه بلا قيمة،
ولا أيضًا تُرك لأحدهما أن يقوم بالعمل وحده، حتى لا تحدث مشاحنات وطلب المساواة.

ولكي يتحقق السلام اللائق بينهما، حدد الله لكل واحد نظامًا يحافظ عليه، ووزع بينهما الأعمال لكي تستمر مسيرة الحياة. فقد أعطى الأمور الهامة للرجل والأقل أهمية للمرأة حتى لا تتعالى على الرجل. الأمر الأساسى الذي نطلبه ونبحث عنه في الزواج هو النفس الفاضلة والذهن النقى حتى يَعُمنا السلام ونقضى كل أوقاتنا في هدوء ومحبة ووفاق دائم. لأن من يختار امرأة غنية فقد أخذ سيدة ولم يأخذ زوجة.

أما من يختار زوجة مكافئة له بل وأقل منه، فقد نال مساعدًا ومعينًا له وأقتنى لبيته كل أمر حسن. فإن الإحتياج الناتج عن الفقر يحثها على التفكير كيف تخدم زوجها بعناية وتتنازل عن أمور كثيرة. هكذا تنقضى كل مسببات ودوافع المشاجرة، والمشاحنة، والشتائم ويكون هذا سببًا للسلام والوفاق والمحبة والتوافق والوئام، ومن أجل هذا يجب ألا يتجه الهدف نحو المال، بل نسعى نحو الحياة المملوءة سلامًا ومحبة حتى نتمتع بحياة هادئه ومفرحة.

 

شُرِّع الزواج عونًا وعزاءً وميناءً:

الزواج شُرّع لا لكي يكون سببًا للمشاحنات والمشاجرات ولا لكي يتحدى الواحد الآخر، فتصير الحياة مستحيلة، لكنه شُرّع لكي يكون عونًا وملجأ وميناء وعزاء في الأمور الصعبة التي تواجهنا في الحياة ويكون لنا شركة حقيقية وحوار جميل مع زوجاتنا.

فكم من الأغنياء اقتنوا لهم زوجات غنيات وازدادت ثرواتهم، لكنهم فقدوا الفرح الحقيقى بمشاجرات ومشاحنات يومية. وكم من أناس فقراء اقتنوا لهم زوجات أكثر فقرًا، لكنهم تمتعوا بسلام وفرح حقيقى. وهكذا فإن الأموال لا تفيدنا في شئ عندما نفشل في أن نقتنى لنا نفساً مُحبة للصلاح.

لماذا نتكلم عن السلام والوفاق؟.. لأنه إن كان على الزوج التزام أمام أقارب الزوجة أن يرد كل ما أخذه في حالة وفاتها، هكذا فإن الموت المفاجئ للزوجة يقضى على كل هدف للزوج، تمامًا مثل تاجر جشع لا يشبع من طلب المال فيُحمّل مركبه فوق طاقته مما يُعَرّضه للغرق فيخسر كل شئ.

 

التحذير من طلب المال:

كل هذه الأمور يجب أن نضعها في اعتبارنا، ولا ننظر إلى كيفية الحصول على مزيد من الأموال، بل وعلينا أن نفكر كيف سنحيا حياة هادئة، نقية ومملوءة سلامًا. فإن المرأة العاقلة المتواضعة حتى وإن كانت فقيرة تستطيع أن تحوّل فقرها إلى مسيرة حياة أفضل من الغنى.

أما المرأة غير المتعقلة والتي تتشاجر حتى مع ذاتها، حتى وإن كانت تمتلك كنوزًا كثيرة، فسوف تبذرها وتنفقها بسرعة أشد من سرعة الرياح.

 

هدف الزواج:

من أجل هذا ينبغي عليك ألاّ تسعى نحو الغنى بل أطلب المرأة التي تدبر بيتها حسنًا. يجب أن نعرف ما هو هدف الزواج ولأى غرض شرع لحياتنا ولا تطلب شئ آخر غير ذلك.

إذن، ما هو هدف الزواج ولأى غرض منحنا الله إياه ؟

اسمع ماذا يقول الرسول بولس: ” ولكن لسبب الزنا ليكن لكل واحد امرأته” (1كو2:7) ولم يقل من أجل التخلص من المتاعب، ولكن لكي نتجنب الزنا ونطفئ الشهوة ونحيا بوداعة ونكون مرضيين أمام الله مكتفيين كل واحد بزوجته. وهذه هي عطية الزواج، هذا هو ثمره، وربحه. ولهذا شرع الزواج ليساعدنا على الهدوء والوداعة. يحدث هذا لو وقع اختيارنا على زوجات قادرات على مِلْء حياتنا بالتقوى والوداعة والكرامة. لأن جمال الجسد عندما يكون غير مقترن بنفس فاضلة، سيستمر لمدة عشرين أو ثلاثين يوماً، لكنه سيتوقف بعد ذلك، بسبب ظهور المشاكل وتزايد المتاعب وستُمحى كل محبة من القلب.

 

جمال النفس والمحبة الحقيقية بين الزوجين:

لكن أولئك اللواتى يُشرقن من خلال جمال أنفسهن، ومع مرور الزمن واكتساب الخبرة، يُقدّمن محبة أكثر دفئاً لأزواجهن.

وعندما يحدث هذا ويرتبط الزوجان بتلك المحبة الحقيقية، ينمحى كل فكر شائن، ويبقى الزوجان أمناء الواحد نحو الآخر في مناخ من المحبة والرقة والحنان، ويتمتعان برضا الله وحمايته. هكذا كان كل الرجال المشهورين، يتزوجون قديماً. هدفهم كان اقتناء النفس الفاضلة وليست الأموال الكثيرة. وسأذكركم على سبيل المثال بزواج مثل هذا. ” وشاخ إبراهيم وتقدم في الأيام. وبارك الرب إبراهيم في كل شئ وقال إبراهيم لعبده كبير بيته المستولى على كل ما كان له. ضع يدك تحت فخذى فأستحلفك بالرب إله السماء وإله الأرض أن لا تأخذ زوجه لأبنى من بنات الكنعانين الذين أنا ساكن بينهم بل إلى أرضى وإلى عشيرتى تذهب وتأخذ زوجه لأبنى أسحق“(تك1:24ـ4)

أرأيت بر الفضيلة والأهمية التي كانت للزواج وقتها؟ لأنه لم يذهب إلى مُسنات يعرفن أن يقولن أساطير، بل دعا خادمه الخاص وكلفه بهذا الأمر. وهو ما يُظهر تقوى إبراهيم، فهو بهذا الشكل أعد خادمه لكي يكون أداة مستحقة لتعهد عمل مثل هذا. وهو ولم يطلب زوجة غنية أو جميلة ولكن زوجة فاضلة في كل طرقها. ومن أجل هذا أرسله إلى رحلة بعيدة. لاحظ طريقة تفكير الخادم المتفقة مع تفكير سيده، لأنه لم يقل ما هذا الكلام؟ كل هذه الأمم القريبة منا وكل هؤلاء البنات من بيوت غنية، معروفين ومشهورين، وأنت ترسلنى إلى بلد بعيد وإلى أناسٍ مجهولين. مع مَن سأتكلم؟. من سيتعرف علىَّ؟. وماذا سيحدث لو أعدوا لى حيلة وخدعونى؟. لا شئ من كل هذا طرأ على باله، لكنه أظهر خضوعه ولم يُعارض سيده وأظهر حكمة ورؤية ثاقبة متفقًا مع سيده المتفرد في قوله.

إذن من يكون هذا؟. وماذا سأل سيده؟. ” فقال له العبد ربما لا تشاء المرأة أن تتبعنى إلى هذه الأرض. هل أرجع بابنك إلى الأرض التي خرجت منها. فقال له إبراهيم احترز من أن ترجع بابنى إلى هناك. الرب إله السماء الذي أخذنى من بيت أبى ومن أرض ميلادى والذي كلمنى والذي أقسم لى قائلاً: لنسلك أعطى هذه الأرض هو يرسل ملاكه أمامك فتأخذ زوجة لابنى من هناك“، أرأيت إيمان مثل هذا؟ لم يترجى أصدقاء أو أقارب ولا أى أحد أخر، لكن الله أعطاه وسيطًا ورفيقًا للطريق. وبعد هذا أراد أن يشجع خادمه فقال: ” الرب إله السماء والأرض الذي أخذنى من بيت أبى” ولم يشر إلى طول الرحلة وإلى الغربة، أى كيف تذهب لبلد غريب وتترك بلدنا، لكنه قال: ” الذي أخذنى من بيت أبى“، سنده الوحيد هو الله. ونحن مدينون له. والله هو الذي قال: ” لك ولنسلك أعطى هذه الأرض“.

حتى وإن كنا غير مستحقين، سيكون لنا عونا بسبب وعده، وسيجعل كل الأمور سهلة أمامنا وسيحقق لنا كل ما نتمناه. فعندما وصل الخادم إلى المدينة التي قصدها، لم يذهب لأحد من سكان المدينة ولم يتكلم مع الناس ولم ينادى نساء، لكنه كان أميناً للوصية التي أخذها من سيده وتمسك بها ووقف وصلى قائلاً: ” أيها الرب إله سيدى إبراهيم يسر لى اليوم…” ولم يقل أيها الرب إلهي، لكن إله سيدى إبراهيم. تكلم مُقدِّمًا سيده. لقد وصل وتمم كل الأمور الموكلة إليه. ولا تعتقد أنه يصنع هذا كدين عليه. اسمع ماذا يقول؟: ” وأصنع لطفاً إلى سيدى إبراهيم“.

لأننا لو استطعنا أن نحقق شيئًا، فهذا بسبب محبة الله للبشر، وليس بسبب التزام أو دين يمكن أن يؤدى بمعزل عن الله. ولذلك يقول: ” ها أنا واقف على عين الماء وبنات أهل المدينة خارجات ليستقين ماء فليكن أن الفتاة التي أقول لها اميلى جرتك لأشرب فتقول اشرب وأنا أسقى جمالك أيضًا هي التي عينتها لعبدك أسحق وبها أعلم أنك صنعت لطفاً الى سيدى” (تك13:24ـ14) أنظر إلى حكمة الخادم. أى علامة وضع. لم يقل إن رأيت إنسانة قادمة جالسة فوق حصان أو جالسة في عربة وخلفها خدام محملين بالذهب، ولديها كثير من الخدم، جميلة وجسدها ملئ بالشباب والحيوية، لكن ماذا قال؟.

فليكن أن الفتاة التي أقول لها اميلى جرتك لأشرب فتقول اشرب وأنا أسقي جمالك أيضًا، هي التي عينتها لعبدك اسحق. ماذا تصنع أيها الإنسان؟ أتطلب امرأة فقيرة لإبن سيدك، فتاة تحمل جرة ويمكن أن تتحدث معك؟ نعم. لأنه لم يرسلنى لأبحث عن أموال كثيرة ولا عن جنس معروف، ولكن عن نفس تحيا بالفضيلة. ويوجد كثيرات ممن يحملن جرارًا ويعشن في الفضيلة، بينما هناك أخريات ممن يسكن في بيوت معروفة، غير متعقلات ويحيون في الرذيلة.

 

 

 

[1]  لم يكن للمرأة في ذلك العصر (القرن الرابع) نصيب في المشاركة في الحياة العامة.

 

اختيار شريكة الحياة ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

اختيار شريكة الحياة ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

اختيار شريكة الحياة ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

اختيار شريكة الحياة ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

اختيار شريكة الحياة

ضمن عظة بعنوان ”مديح لمكسيموس”

(في المخطوط اليوناني)

للقديس يوحنا ذهبى الفم

 

مقدمة

          بدأ القديس يوحنا ذهبي الفم هذه العظة بمدح شريكه الخادم الذي قدم لشعبه خدمة الوعظ في غياب القديس يوحنا وشريك الخدمة هذا الذي يمدحه القديس يُدعى مكسيموس.

          وبعد أن أشار القديس يوحنا إلى عظته السابقة بدأ يكمل حديثه في هذه العظة بذكر الشروط الهامة والضرورية التي يلزم توافرها لتحقيق زواج ناجح ومستقر.

 

          وبعد ذلك يتحدث عن كيفية اختيار الزوجة. ويوجه حديثه بشكل أساسي للرجال ويشرح أهمية الزواج. ويطلب منهم ألاّ يركزوا اهتمامهم على الأمور العالمية وألاّ يكون سعيهم إلى طلب المال والجمال الجسدي فهذه أمور زائلة، بل يكون سعيهم هو لطلب النفس الفاضلة المملوءة بالحكمة والتعقل والوقار، لكي يتمتعوا بالسلام والهدوء العائلي، ويكونوا مؤهلين لتربية أولادهم تربية صالحة.

 

          ثم بعد ذلك يُقدّم نموذج زواج اسحق من رفقة الوارد بسفر التكوين كمثال للزواج الناجح، لأن الله كان هو الوسيط في هذا الزواج، مؤكدًا على أهمية الصلاة إلى الله لكي يسير أمامنا ويرشدنا ويعضدنا في اختيار الزوجة الصالحة. مشيرًا إلى الحكمة والبصيرة التي أظهرها ابراهيم عندما أراد أن يأخذ زوجة لابنه اسحق، فهو لم ينظر إلى أموال أو نسب معروف أو جمال جسدى أو أى شئ آخر، بل طلب فقط النفس المزينة بالفضيلة. هذه النفس تستطيع أن تأسر زوجها بمحبتها وتجعل من بيتها واحة للهدوء والسلام والفرح.

 هذه العظة موجودة في باترولوجيا Migne اليونانية تحت عنوان:

مديح لمكسيموس

PG51, 225-242

 

          فليبارك المسيح إلهنا في هذا الكتاب لبنيان شعبه بشفاعة العذراء مريم وصلوات جميع الآباء القديسين والقديس يوحنا ذهبي الفم وصلوات قداسة البابا الأنبا شنودة الثالث.

          والمجد والتسبيح والسجود للآب والابن والروح القدس الإله الواحد، الآن وإلى الأبد آمين.

المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية

 

اختيار شريكة الحياة

(أو مديح لمكسيموس)

 

          لقد حزنت بسبب تغيبي عن اجتماعكم السابق، ولكن بما أنكم تمتعتم بمائدة غنية، فقد سبّب هذا لي فرحًا عظيمًا، لأن شريكي في هذه الخدمة قد قام بنفس عملي، وألقى البذار بكلام دسم وخدم باهتمام كبير في حقل نفوسكم. فقد رأيتم اللغة النقية وسمعتم الكلمة الرصينة وتمتعتم بماء ينبع إلى حياة أبدية، رأيتم ينبوع تتحرك منه أنهار من ذهب. ويُقال إن هناك نهر يحمل نخالة ذهب لكل من  يسكنون حوله من البشر، لا لأن طبيعة الماء تنتج ذهبًا، لكن لأن منابع النهر تخترق الجبال التي تحمل في باطنها هذ المعدن (الذهب)، ومن بين هذه الجبال، يندفع النهر إلى أسفل، فيسحب معه الطين المُحمل بالذهب، فيصير كنزًا لكل الساكنين حوله، فيفيض عليهم بالغنى. لقد تمثل هذا المعلم (مكسيموس)، بذلك النهر، في الاجتماع السابق، إذ أنه نهل من الكتب المقدسة كما من جبل ملئ بالذهب، حاملاً إلى نفوسكم المعاني، التي هي أثمن من الذهب. وأنا أعرف طبعًا أن ما تحتاجونه اليوم هو ما أحتاجه أنا أيضًا، لأن من يتمتع عادة بمائدة فقيرة، إذا حدث في إحدى المرات أن جلس على مائدة غنية، ثم عاد بعد ذلك مرة أخرى إلى مائدته الفقيرة، حينئذٍ سيدرك جيدًا، النقص الشديد في محتويات هذه المائدة الفقيرة.

          لكن هذا السبب لن يجعلني أبدأ العظة اليوم بفتور، لأنكم تعرفون، وقد تعلمتم من الرسول بولس، أن تشبعوا، وأن تجوعوا، وأن يفضل عنكم، وأن تُحرموا، وأن تُعجبوا بالأغنياء، وألاّ تزدروا بالفقراء. وكما أن أولئك الذين يحبون النبيذ، يقبلون النبيذ الجيد، إلاّ أنهم لا يحتقرون النبيذ الأقل جودة. هكذا أنتم أيضًا، فإذ تشتهون سماع الكلمة الإلهية، فأنتم تقبلون المعلمين الأكثر حكمة، لكنكم تُظهرون أيضًا شوقًا ورغبة لسماع المعلمين الأقل حكمة. فالكسالي والفاسدون يشمئزون حتى أمام المائدة الغنية، أما من لديهم شهية ورغبة ويقظة روحية ـ فلأنهم جياع وعطاش إلى البر، فهم يركضون باشتياق كبير حتى نحو المائدة الفقيرة أيضًا. وما أقوله ليس تملقًا، فهذا ما أظهرتموه بأكثر مما ينبغي، في العظة السابقة التي قدمتها لكم.

          ففي تلك العظة كلمتكم كثيرًا عن الزواج، وأظهرت أنه إذا طلق الرجل امرأته، وأخذ امرأة مُطلقة، بينما زوجها السابق على قيد الحياة، فهذا يُعد زنى حقيقي. وقد قرأت لكم وصية المسيح التي تقول: ” من طلق امرأته إلاّ لعلة الزنى يجعلها تزنى ومن يتزوج بمطلقة فإنه يزنى” (مت32:5). وقد رأيت كثيرين يُنكسون رؤوسهم إلى أسفل، ويلطمون وجوههم، ولا يستطيعون بعد أن يرفعوا رؤوسهم. ثم بعد ذلك يرفعون عيونهم إلى السماء. فقلت، لتكن أنت مباركًا يا إلهي لأنني لا أكلم آذانًا صماء، لكن كل ما أقوله يحدث تأثيرًا قويًا في أذهان السامعين. طبعًا من الأفضل ألاّ يخطئ أحد مُطلقًا. لكن ينبغي على الخاطئ أن يحزن حزنًا عميقًا ويدين نفسه، ويقبل تأنيب ضميره ويحاسب نفسه بتدقيق، وهذا ليس بأمر هين من جهة خلاصه لأن هذه الإدانة للذات تقود إلى التبرير، وتؤدى بنا بالتأكيد في الاتجاه الذي يجعلنا لا نخطئ. ولهذا فإن القديس بولس بعدما حزن من أجل هؤلاء الذين سقطوا في الخطية، فرح، لا لأنه أحزنهم، لكن لأن حزنهم قادهم إلى التوبة، فقد فرح قائلاً: ” الآن أنا أفرح لا لأنكم حزنتم بل لأنكم حزنتم للتوبة. لأنكم حزنتم بحسب مشيئة الله لكي لا تتخسروا منا في شئ. لأن الحزن الذي بحسب مشيئة الله يُنشئ توبة لخلاص بلا ندامة” (2كو9:7ـ10). وسواء كنتم تحزنون لأجل خطاياكم، أو لأجل خطايا الآخرين، فإنكم تستحقون كل مديح. لأنه عندما يحزن أحد لأجل خطايا الآخرين، فإنه يُظهر بهذا، أن له قلب رقيق مثل الرسول بولس، هذا الإنسان القديس الذي يقول: ” من يضعف وأنا لا أضعف من يعثر وأنا لا ألتهب” (2كو29:11)، فلنتشبه به. فهو من جهة الأمور الخاصة به لم يتكلم، والعقوبة التي انتظرته، من جهة كل ما تجرأ وصنعه (أي اضطهاده للكنيسة) حتى وقت أي تحوله للمسيح، قد مُحيت، ومن جهة الأمور المستقبلة، فإن هذا الحزن ولّد عنده يقينًا شديدًا. ولهذا أنا أراكم تُنكسون رؤوسكم إلى أسفل، وتتنهدون، وتلطمون وجوهكم، ولذلك فرحت جدًا وصرت أفكر في الثمر الذي سيأتي من وراء هذا الحزن.

ولهذا فإنني سأحدثكم اليوم في موضوع الزواج ـ حتى أن كل من يرغب في التقدم للزواج عليه أن يبدى اهتماماً به في أوانه. فعندما يتعلق الأمر بشراء عبيد أو بيوت، فإننا نفحص بعناية أولئك الذين يبيعون وأيضًا نفحص العبيد أنفسهم الذين ننوى شراءهم وحالتهم النفسية والجسدية، وإذا تعلق الأمر بأحد المبانى فإننا نفحص حالة المبنى ومواصفاته بكل تدقيق.

فبالأحرى كثيرًا جدًا إذا تعلق الأمر باختيار زوجة، فإنه يجب علينا أن نبدى مثل هذا الاهتمام بكل عناية وتدقيق. لأنه إن كان البيت معيب يمكن الرجوع فيه، والخادم إذا ثبت أنه غير نافع يمكن رده لبائعه. لكن إذا تعلق الأمر باختيار زوجة، فإنك لن تستطيع أن تردها إلى أهلها مهما حدث. فقط إذا وقعت في خطية الزنا، تستطيع أن تنفصل عنها بحسب وصية الله. وإذا كنت تنوى اختيار زوجة لك، لا تقرأ فقط شرائع هذا العالم، لكن عليك قبل أن تلجأ إلى هذه الشرائع أن تطّلع على تعاليم الكنيسة. لأنك ستدان بهذه التعاليم في يوم الدينونة وليس بقوانين هذا العالم. إن تجاهل قوانين هذا العالم عادة ما يسبب ضرر مادى، أما تجاهل تعاليم الكنيسة فإنه يؤدي لعقوبات شديدة.

 

أهمية التدقيق في اختيار الزوجة:

وإذا أراد الإنسان إختيار زوجة له، نجده يُسرع نحو مُشرّعي هذا العالم ويفحص بكل تدقيق الأمور المتعلقة بالزواج، ويسألهم عن النتائج التي يمكن أن تحدث في حالة موت الزوجة التي لها أولاد، أو ماتت ولم تنجب؟ وكيف يكون الأمر لو كان والدها مازال على قيد الحياة؟ وما هو حجم الميراث الذي يؤول إلى أخوتها وحجم الميراث الذي يؤول الى الزوج، ومتى يكون له كل الحق في الميراث ومتى يخسر كل شئ؟ وأمور أخرى كثيرة يطلب معرفتها من مُشَرَّعى هذا العالم حتى يتأكد أن كل ممتلكات الزوجة تؤول إليه، ولا يذهب منها حتى ولو جزء صغير إلى أحد أقاربها.

 

صفات يجب توفرها عند الاختيار:

كيف لا يكون إذن، أمرًا غير منطقى أنه إذا تعلق الأمر بالأموال التي ستنتهي، أن نبدى كل هذا الاهتمام، أما بالنسبة للنفس، التي هي أثمن من كل شئ لا نوليها أى اهتمام ولو بجملة واحدة؟، بينما يجب علينا وقبل كل شئ أن نعرف كل ما يتعلق بالنفس من كل جوانبها. لذلك فإنى أنصح كل من يرغب في الزواج أن يقرأ ما كتبه القديس بولس، فيما يتعلق بوصايا الزواج الموجودة في رسائله. لكي يتعلم منها ماذا يجب عليه أن يفعل قبل أن يُقدْم على الزواج. فهل تستطيع أن تَقبل زوجة سيئة النية، خبيثة، مدمنة للخمر، غير متعقلة ولسانها غير مُنضبط؟ فإن كان غير مسموح أن تتخلص من الزوجة حتى ولو كانت تحمل كل هذه النقائص، إلاّ في حالة الزنا فقط كما تأمر الوصية، فعليك أن تفحص الأمر بالتدقيق وتبحث عن كل الطرق التي تضمن لك أن تختار زوجة مؤمنة لها فكر مستقيم وعلى جانب من التواضع. فلهذا عليك أن تختار بين أمرين، وهو أمر لا مفر منه، إما أن تأخذ لك زوجة سيئة وتحتملها، وإما أن ترفض احتمالها، وتتخلص منها فتقع في خطية الزنا. فالرب يقول: ” وأما أنا فأقول لكم أن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزنى ومن يتزوج مطلقة يجعلها تزنى” (مت 32:5).

فلو أنك فكرت في هذه الأمور جيدًا وأدركت أهمية هذه الوصايا، تستطيع أن تختار زوجة مناسبة وموافقة لحياتك.

 

المحبة للزوجة:

فلو عثرنا على الزوجة المناسبة، فلن ننفصل عنها أبداً وستكون محبوبة جداً لدينا. والرسول بولس يقول: ” أيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم ذاته لأجلها” (أف25:5). فهو لم يتوقف عند عبارة أحبوا نساءكم، بل أعطى معياراً للمحبة وهو كما أحب المسيح الكنيسة وأسلم ذاته لأجلها.

إذن، لو احتاج الأمر أن تموت من أجل زوجتك لا تتردد.

لأن السيد الرب قد أحب عبدته حتى أنه قدم نفسه لأجلها، فبالأولى جداً يجب أن تحب من هي شريكتك في العبودية. لكن ربما جمال العروس وفضيلة نفسها هي التي جذبت انتباه العريس. لا نستطيع أن نقول هذا. لأنها كانت قبيحة ودنسه، لأن الرسول بولس يقول: ” وأسلم نفسه لأجلها لكي يقدسها مظهراً إياها بغسل الماء بالكلمة” (أف26:5).

 

تمثل بالمسيح في معاملة زوجتك:

وطالما قدسها، أظهر أنها كانت دنسة وملوثة من قبل. هذا بالطبع لم يكن مصادفة، بل كانت نجسة بجملتها. ومع هذا لم يأنف من قبحها ولم يتقزز، وأعاد تشكيلها وأصلحها وغفر لها خطاياها. وأنت أيضاً يجب عليك أن تسير في خطى سيدك. فإذا أخطأت الزوجة من نحوك، فعليك أن تغفر لها وتسامحها عن هذه الخطايا. ولو أنك تزوجت وكانت زوجتك سيئة، أصلحها برقتك ووداعتك، كما أحب المسيح الكنيسة. لأنه لم يمسح عنها فقط دنسها، بل أعاد لها أيضاً شبابها، وحررها من الإنسان العتيق الذي شكّلته الخطية. لذلك يقول الرسول بولس “لكي يحضرها لنفسه كنيسة مجيده لا دنس فيها ولا غضن أو شئ من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب” (أف27:5). لأنه لم يجعلها فقط جميلة، بل جديدة، لا بحسب الطبيعة الجسدية، بل بحسب حرية الاختيار.

ليس هذا فقط ما يستحق الإعجاب، أنه أخذها قبيحة، بذيئة لكنه أسلم ذاته للموت، وأعاد صياغتها وصار لها جمال لا يعبر عنه.

وعلى الرغم من كل هذا، فمرات كثيرة يرى النفس تتسخ وتتلوث، ومع كل هذا لم يتركها، ولم ينفصل عنها، لكنه ظل بالقرب منها مداويًا لأوجاعها ومصححاً لمسيرتها.

لأن كثيرين أخطأوا بعد أن آمنوا. ومع هذا لم يتأفف منهم.

على سبيل المثال عندما وقع عضو من كنيسة كورنثوس في خطية الزنا لم يُقطع، ولكنه أُصلِحَ وعاد إلى وضعه الطبيعى. كل كنيسة الغلاطيين تقسّت ووقعت في التهود. حتى هذه لم يعزلها، لكنه شفاها بواسطة بولس، وأحضرها مرة أخرى لعلاقتها السابقة معه.

فكما أنه عند ظهور مرض ما في أحد أعضاء الجسد، فنحن لا نلجأ لبتر هذا العضو، بل نقاوم المرض. هكذا لابد أن نعامل الزوجة.

فلو بدا عليها أى خطأ، لا تُطلق، لكن يُقوّم هذا الخطأ.

مع الوضع في الاعتبار أن تقّويم الزوجة أمر ممكن، بينما العضو الجسدى عندما يفسد تماماً، لا نستطيع علاجه. ومع هذا، وعلى الرغم من التأكد من أن هذا العضو غير قابل للشفاء، فإننا نبقى عليه ولا نلجأ إلى قطعه. فهناك كثيرون مبتورى الرجل أو اليد أو ذوى عيون كفيفة، فلا العين يخلعها ولا الرجل يقطعها ولا أيديهم يلقونها عنهم. على الرغم من أنهم متأكدون أنه لا نفع من هذه الأعضاء، إلاّ أنهم مستمرون في معاملتها برفق بالنسبة لسائر الأعضاء.

 

لا طلاق:

كيف لا يكون أمرًا غير منطقي إذن ـ طالما لا يمكن إعادة حيوية العضو المريض والذي انعدمت منه كل منفعة ـ أن نجد مثل هذه الرعاية، وكيف لا يحدث الشفاء عندما يكون هناك رجاء مجيد ويوجد الأمل في التغيير؟ لأن الاختيارات غير المناسبة يمكن تصحيحها وتقويمها. ولو قلت لى أن حالتها لا يمكن علاجها، حيث عوملت برفق وعناية، ومع هذا لم تُغير من أسلوب حياتها، أجيبك بقولى إنه على الرغم من كل هذا لا يجب أن تُطلق، فكما أشرنا أن العضو غير القابل للشفاء لا يُقطع، والزوجة أيضًا عضو من أعضائك كقول الكتاب:”ويكونان جسداً واحداً” (تك24:2). فحتى ولو كانت مستعصية العلاج، يكفيك المجازاة العظيمة لصبرك واحتمالك الكثير. لأن مخافة الله تجعلنا نصبر ونحتمل بكل وداعة سوء حالة الزوجة. فهي كعضو من أعضائنا يجب أن نحبها، الأمر الذي علّم به الرسول بولس قائلاً: ” كذلك يجب على الرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم. من يحب امرأته يحب نفسه فإنه لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربيه كما الرب أيضاً للكنيسة لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه” (أف28:5ـ30). ويقول: كما أن حواء أتت من جنب آدم هكذا نحن من جنب المسيح ـ وهذا معنى الكلام من لحمه ومن عظامه. إن خروج حواء من جنب آدم هذا أمر نعرفه جميعًا وأكده الكتاب بوضوح، بأن أوقع الله ثبات على آدم وأخذ واحد من أضلاعه وبنى المرأة.

 

اختيار شريكة الحياة ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة المسيح وقيامة الأجساد ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة المسيح وقيامة الأجساد ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة المسيح وقيامة الأجساد ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

الجزء الأول: قيامة المسيح وقيامة الأجساد ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

كان

 المُطوب بولس من هذا النوع من الناس ولهذا قال: ” من سيفصلنا عن محبة المسيح أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عرى أم خطر أم سيف كما هو مكتوب إننا من أجلك نُمات كل النهار قد حسبنا مثل غنم للذبح ولأننا فى هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا ” (رو35:8ـ37). وهذا ما يعنيه هنا بالضبط ” إن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يومًا فيومًا“. أما الجسد فضعيف وأما الروح فقوى وأكثر قوة وأكثر حرية. فالجندى المُصاب بمرض ثقيل جدًا حتى ولو كان جسورًا وقادرًا فى الحرب لا يمثل لأعدائه أى انزعاج لأن ثقل المرض سيشكل عائق فى حرية حركته. هكذا فكل من يجعل جسده أكثر خفة بالأصوام والصلوات والصبر الكثير على الضيقات، يكون مثل طائر يحلق من أعلى وباندفاعة قوية يسقط على صفوف الشياطين وينتصر بسهولة على كل القوات المضادة ويخضعها. نفس الأمر حدث لبولس تلقى ضربات كثيرة أُلقى فى السجن رُبط فى آلة من خشب[*]، جسده كان ضعيفًا جدًا مُنهكًا من المتاعب الكثيرة، لكن نفسه كانت قوية ومُشرقة. هذا المُقيد كان قويًا جدًا وبصوته فقط كان يزعزع أساسات السجن، ويُحضر أمام قدميه حارس السجن المرتعب والأبواب المغلقة تُفتح. إذن فالرسول بولس يعطينا بهذا تعزية غير قليلة قبل القيامة، إننا نستطيع أن نصير أفضل وبفكر أكثر استنارة حتى داخل التجارب ولهذا يقول: ” الضيق ينشئ صبرًا والصبر تزكية والتزكية رجاء والرجاء لا يخزى” (رو4:5ـ5)، ويقول قديس آخر: [ إنسان لم يمر بتجربة هو غير مختبر وغير المختبر غير مستحق أبدًا للكلمة ].

 

          فمن الضيقة نثمر الكثير ويكون لدينا نفسًا مختبرة وأكثر حكمة وأعمق فهمًا، وبهذا نتخلص من كل حيرة. لهذا يقول: “ إن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يومًا فيومًا” أخبرنى كيف يتجدد؟ يُطرح الخوف خارجًا، تُخمد الشهوة الرديئة وتتلاشى محبة المال والمجد الباطل وكل الأفكار الأخرى الفاسدة. أما النفس التي لا تثمر ولا تعمل، فتسيطر عليها الشهوات بسهولة. هكذا فإن النفس التي تنشغل بالجهاد من أجل الفضيلة بلا انقطاع ليس لديها وقت للتفكير فى هذه الشهوات، حيث إن الاهتمام بالجهادات المستمرة يُبعد النفس عن كل هذه الشهوات. ولهذا قال ” تتجدد يومًا فيومًا“. ثم بعد ذلك يعزى أيضًا النفوس التي تتألم بسبب المتاعب المنتظرة ولا تعرف أن تتقبل هذه المتاعب بحكمة، فهو يوجه نظرهم للرجاء نحو الأبدية قائلاً: ” لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبدى ونحن ناظرين للأشياء التي لا تُرى، لأن الأشياء التي تُرى وقتية وأما التي لا تُرى فأبدية” (2كو17:4ـ18). وحديثه هذا يحمل المعنى الآتى: أن الضيقة تفيد أنفسنا جدًا وتجعلها أكثر حكمة وأشد وعيًا ثم تكون سببًا لنصيب عظيم من الصلاح فى الدهر الآتى ليس كمقابل للأتعاب، لكن بالأكثر كمكافأة للجهاد الروحى الكثير والذي من كل القلب.

 

          إن هذين الأمرين يظهرهما بولس ويُقارن بين كثرة الأخطار وبين امتياز المكافأة. ويقابل بين الوقتى والأبدى، بين الهين والثقيل، بين الضيقة والمجد. لأنه كما يقول من ناحية، هناك الضيقة وهي وقتية وخفيفة، ومن ناحية أخرى هناك المجد وهو أكبر بكثير من مجرد الراحة بل هو أبدى ومستمر وعظيم. وهو لا يعنى بالثقل هنا شئ يثقل حمله ولكن يعنى شيئًا عظيمًا وعالى القيمة جدًا. ووفق عادة الكثيرين فإنهم يدعون كل ما هو ثقيل بالشيء القيم الفخم. إذن بقول ثقل مجد فهو يعنى مجد فائق.

 

          هكذا يقول لا تحتسب لهذا فقط، أنك تُضطهد وتُجلد، لكن أنظر إلى الأكاليل والمكافآت لأنها أفضل بكثير وأكثر إشراقًا من الأمور الحاضرة، فأمور الدهر الآتى ليس لها نهاية.

 

          لكن ربما تقول إن أمور العالم الحاضر نراها، وأمور الدهر الآتى نترجاها، وأن أمور العالم الحاضر هي واضحة وأما أمور الدهر الآتى هي غير ظاهرة. لكن على الرغم من أنها غير ظاهرة فهي أكثر وضوحًا من الأمور الظاهرة، ماذا أعنى بقولى أكثر وضوحًا؟ أمور الدهر الآتى نستطيع أن نراها أكثر من أمور هذا العالم، لأن أمور هذا العالم هي وقتية أما أمور الدهر الآتى فهي أبدية. “ ونحن ناظرين إلى الأشياء التي لا تُرى، لأن التي تُرى وقتية أما التي لا تُرى فأبدية “. لو قلت كيف أستطيع أن أرى الأشياء التي لا تُرى؟ سأحاول أن أتى بك إلى هذا الإيمان بواسطة أمور هذه الحياة. لأنه ولا حتى أمور هذا العالم الفانى يستطيع الإنسان أن يتلامس معها بسهولة إن لم يستطع أن يرى غير المنظور قبل أن يرى المنظور. على سبيل المثال فإن قبطان السفينة يتحمل عواصف كثيرة وأمواج تأتى عليه ومصاعب أخرى كثيرة جدًا، لكن عندما يصل إلى الميناء ويتصرف فى هذه الأحمال ويبيعها، فإنه يتمتع بالربح المادى. الأمر الواضح كانت العواصف والأمر غير الواضح كان الربح المادى. فإن لم ينظر أولاً إلى ما هو غير واضح والذي ينتظره بالرجاء، لم يكن يستطيع أن يتمتع بهذا الربح، لو لم يحتمل هذه الأمور الحاضرة والظاهرة.

 

          هكذا أيضًا فإن الفلاح يشقى ويحرث الأرض ويقلبها ويلقى البذور وينفق كل ما يملك ويصبر على البرد والصقيع والأمطار وعلى متاعب أخرى كثيرة، لكن بعد كل هذا التعب ينتظر أن يرى ظهور السنابل وأن يملأ أجرانه بالقمح. أرأيت إذن كيف يكون التعب أولاً ثم بعد ذلك المكافأة؟ من ناحية، فإن المكافأة هي أمر غير واضح، بينما التعب هو أمر واضح، المكافأة توجد داخل الرجاء (فى المستقبل) بينما التعب يوجد فى الحاضر.

 

          هكذا فإن الفلاح إن لم يتطلع إلى الأمور غير المنظورة، فإنه ليس فقط سيترك حرث الأرض وإلقاء البذور بل إنه لن يغادر منزله بالمرة لكي يعمل هذه الأمور.

 

كيف

 لا يكون إذن أمر غير معقول، أنه بينما فى أمور هذه الحياة يستطيع الإنسان أن ينظر إلى الأمور المحتجبة قبل أن يرى الأمور الظاهرة. فإنه يصبر على المتاعب ويتحمل كل المصاعب السابقة، ثم ينتظر الخيرات ويتلامس مع الأمور الظاهرة ناظرًا بالرجاء للأمور غير الظاهرة. بينما فيما يتعلق بالأمور المختصة بالله يتردد ويشك ويطلب المكافأة قبل أن يتعب ويظهر صغير النفس ويتضح أنه أقل من البحارة والفلاحين؟!

 

          ليس فى هذا فقط، لكن فى أمر آخر ستظهر أنك أسوأ من أولئك الذين يحزنون لأجل المستقبل. ما هو؟ إن أولئك الذين ليس لديهم إيمان يقينى بالآخرة لا يقبلون على التعب. أما أنت الذي لديك ضمان أكيد للأكاليل فكيف لا تتمثل بصبر هؤلاء البحارة والفلاحين واحتمالهم؟!

 

          فعلى الرغم من أنه فى مرات كثيرة عندما يبذر الفلاح أرضه ويزرعها وهو ينتظر أن يرى سنابل وفيرة يحدث العكس، بأن تصيب حقله مثلاً أمطار ثلجية أو يتعرض لجراد ويخسر كل شئ وبعد كل هذا الجهد يعود لبيته بأيدى فارغة. أيضًا القبطان عندما يشق البحار بسفينة مُحملة عن آخرها، يحدث مرات كثيرة أن تهاجمه الرياح فى مدخل الميناء ويرى السفينة تصطدم بصخرة وتنكسر ويُنقذ هو وحده مجردًا من كل شئ.

 

          بشكل عام فى أمور هذه الحياة، فمن المعتاد أن تحدث كوارث ويتعطل الهدف. لكن فى الجهاد الروحى ليس الأمر هكذا لأن من جاهد وبذر التقوى وجاز متاعب كثيرة سينجح فى هدفه مهما يكن الأمر. لأن الله لا يعلق مكافآته على تقلبات المناخ وضربات الرياح، لأن هذه المكافآت تنتظرنا فى أماكن الخيرات العتيدة التي لا تضمحل.

 

          لذلك فإن الرسول بولس يقول: ” الضيق ينشئ صبرًا والصبر تزكية والتزكية رجاء والرجاء لا يُخزى “. إذن لا تقل إن أمور الدهر الآتى غير ظاهرة لأنك لو قصدت أن تنظرها فهي أكثر وضوحًا من الأمور الملموسة باليد. وهذا بالضبط ما يوضحه لنا الرسول بولس، فهناك أمور يسميها أبدية، وأخرى يسميها وقتية، ويعنى بالوقتية الأمور الباطلة لأن هذه الأمور غير ثابتة وتحولاتها فجائية واكتسابها أمرٌ غير مؤكد. ونعنى بها الغنى والمجد والسلطة الأرضية والجمال الجسدى والقوة المادية، وبشكل عام كل أمور الحياة التي نظن أن لها قيمة. ولهذا فإن عاموس النبى يسخر من الذين يعيشون فى المتع ويشتهون الأموال وكل بريق عالمى آخر إذ يقول: ” إنهم يحسبون لبقائهم ولا يحسبون لرحيلهم ” (عا5:6س). وكما أنك لا تستطيع أن تتحكم فى الظل هكذا أمور الحياة الحاضرة. وهذه الأمور تُفقد بالموت وتُفقد أيضًا قبل الموت، وتذهب بسرعة أكثر من سرعة تيار جارف. بينما فى أمور الأبدية ليس الأمر هكذا، لأن الأمور الأبدية لا تعرف تغيرًا ولا تتعرض لفقدان ولا لشيخوخة ولا تفسد لكن تظل دائمًا فى ازدهار وإشراق وسمو.

 

          فإن كان من الواجب أن نتحدث عن بعض الأمور غير الواضحة وغير المؤكدة فإننا نعنى بها الأمور الحاضرة التي لا تبقى على حالها، لكنها تتغير من حين إلى آخر وتنتقل كل يوم من شخص إلى شخص. هذه الأمور أوضحها لنا الرسول بولس ولهذا، فأمور العالم الحاضر سماها بالوقتية وأمور الدهر الآتى بالأبدية.

 

          ويتكلم عن قيامة الأموات فيقول: ” لأننا نعلم إنه إن نُقض بيت خيمتنا الأرضى فلنا فى السموات بناءً من الله بيت غير مصنوع بيدٍ، أبدى ” (2كو1:5). ولاحظ كيفية استخدامه للكلمات بدقة وكشفه لقوة معانيها. لأنه لا يكتفى بأن يدعو الجسد بالخيمة، لكنه أوضح لنا أن الحياة الحاضرة هي حياة وقتية ثم بعد ذلك تأتى الحياة الأفضل. فكأنه يقول: لماذا تبكى وتئن أيها المحبوب، لأنك ضُربت واضطهدت وأُلقيت فى السجن؟ لماذا تتوجع بسبب بعض الإساءات بينما من الواجب أن تقبل انحلال الجسد؟ أو بالأحرى تلاشى الفساد الموجود فى الجسد. وهو يبين لنا أن هذه الإساءات البسيطة هي أبعد من أن تحزننا، بل على العكس يجب أن تفرحنا، وأن الانحلال الكامل والأخير هو غاية أملنا.

 

          ويقول: ” فإننا فى هذه أيضًا نئن مشتاقين إلى أن نلبس فوقها مسكننا الذي من السماء” (2كو2:5). وقبل كلامه هذا، عندما كان يتكلم عن الجسد قال: ” إن نُقض بيت خيمتنا الأرضى “. بيت خيمتنا أى البيوت التي نسكن فيها والمدن التي نعيش بها أى شكل الحياة الحاضرة. وهو لم يقل فقط: لأننى أعلم، ولكن ” لأننا نعلم”، لأنه يشعر بوحدته مع كل المؤمنين. وكأنه يقول لا أتكلم عن الأمور المشكوك فيها ولا عن أمور مجهولة ولكن عن الأمور التي تعلمتموها وآمنتم بها، إذ آمنتم بقيامة الرب. لذلك يسمى أجساد الذين ماتوا خيمة. لاحظوا مقدار الدقة فى استخدام الكلمة، لم يقل قُتل أو أُهلك ولكن نُقض، مبينًا أنه نُقض لكي يقوم بفرح أكثر وإشراق أكثر، كما قارن فيما بعد بين المتاعب والمكافآت، لاحظ الزمان والكيفية والمكان. فالجسد الذي ينحل يسميه خيمة والجسد الذي يقوم يسميه مسكن، ليس فقط مسكن بل أبدى، وليس فقط أبدى بل سماوى، مبينًا امتياز الجسد من جهة الزمن ومن جهة المكان فى القيامة. الواحد أرضى والآخر سماوى، الواحد وقتى والآخر أبدى. نحن الآن نحتاج إلى جسد وبيوت بسبب الضعف الجسمى، أما فى الأبدية سيكون نفس الشيء الجسد والمسكن لكن بدون احتياج إلى بيت ولا حتى إلى أغطية، حيث الخلود يغطى كل شئ.

 

          ثم بعد ذلك يبين الخيرات العتيدة التي تنتظرنا فيقول: ” فإننا فى هذه نئن مشتاقين إلى أن نلبس فوقها مسكننا“، ولم يقل: أئن، لكنه جعل الموقف مشتركًا لأنه يريد بذلك أن يجذبهم إلى فكره المستنير وأن يجعلهم شركاء فى رؤيته. لم يقل فقط: نلبس، ولكن: نلبس فوقها، وينتهي إلى “ إن كنا لابسين لا نوجد عراة “. ربما يبدو أن ما قاله فيه شئ من عدم الوضوح، لكنه صار أكثر وضوحًا فيما بعد عندما أضاف ” فإننا نحن الذين فى الخيمة نئن مثقلين إذ لسنا نريد أن نخلعها بل أن نلبس فوقها لكي يُبتلع المائت من الحياة ” (2كو4:5). أرأيت كيف انه لا يسمى هذا الجسد مسكن بل خيمة؟ ولا يقول نلبس مرة أخرى بل نلبس فوقها. وهنا استطاع أن يوجه ضربة قاضية لأولئك الذين يتكلمون بالسوء على الجسد، فقد قال     ” نئن إلى أن نلبس فوقها “، لكي لا يعتقد أحد أنه ينظر للجسد كشيء سيئ. أو أنه يعتبر الجسد شئ شائن أو عدو صريح. اسمع كيف يصحح هذه الشكوك. فهو يفعل ذلك أولاً بعبارة ” نئن مشتاقين أن نلبس فوقها مسكننا الذي من السماء“. وبالحقيقة من يكسو شيئًا فإنه يضع فوقه شيئًا آخر، لذلك يضيف ” نئن مثقلين إذ لسنا نريد أن نخلعها بل أن نلبس فوقها“.

 

          وهو بذلك يريد أن يقول إننا لا نرفض الجسد بل نرفض الفساد الذي فيه، لا نرفض الجسد بل نرفض الموت. الجسد شئ والموت شئ آخر، الجسد شئ والفساد شئ آخر. فلا الجسد هو فساد ولا الفساد هو جسد. ومن المؤكد أن الجسد فانٍ، لكن الفناء ليس هو الجسد، ومن المؤكد أيضًا فإن الجسد مائت، لكن الموت ليس هو الجسد. الجسد خلقه الله، أما الموت والفساد ليسا من الله بل دخلا بسبب الخطية.

 

          إذن فهو يريد أن يقول: إنى أخلع ما هو غريب عنى، والغريب ليس هو الجسد ولكن الفساد، ولهذا يقول: لسنا نريد أن نخلعها (أى خيمة الجسد) ولكن أن نلبس فوقها أى نلبس عدم الفساد. إذن نخلع الفساد ونلبس عدم الفساد. فهو يريد أن ينبذ ما جاء نتيجة للخطية، وفى الوقت نفسه يكتسب كل ما أعطته النعمة الإلهية. ولكي نعلم أن الخلع لا يقوله من جهة الجسد بل يقوله من جهة الفساد والموت. اسمع ما يقوله بعد ذلك مباشرة: ” إذ لسنا نريد أن نخلعها بل أن نلبس فوقها“، ولم يقل: لكي يُبتلع الجسدى من اللاجسدى، لكن ماذا يقول؟ ” لكي يُبتلع المائت من الحياة “. لهذا فهو لا يتحدث عن خلع الجسد بل عن خلع الموت والفساد. فالحياة التي تأتى إلى الجسد (بالقيامة) لن تبيد الجسد، بل الفساد والموت اللذين فى الجسد. إذن فالأنين ليس بسبب الجسد بل بسبب الفساد الموجود فى الجسد. فالجسد هو عبء ثقيل لا بسبب طبيعته ولكن بسبب الفساد الذي دخله فيما بعد. والجسد بحد ذاته لم يُجعل للفساد بل لعدم الفساد[†]. وهو يحمل تلك الخاصية حتى حين صار قابلاً للفساد. ولذلك فإن ظل الرسل كان يطرد القوات غير الجسدية، والملابس التي كانت تستر أجسادهم كانت تشفى المرضى وتعيدهم أصحاء. لا تحدثونى عن أمراض الجسد والأمور الأخرى التي يذكرها الذين يتكلمون ضد الجسد، لأن كل هذه الأمور لم تكن من طبيعة الجسد بل هي بسبب الفساد الذي دخل الجسد فيما بعد.

 

          لو أردتم أن تعرفوا حقيقة الجسد وقيمته، دققوا النظر فى خلق أعضاء الجسد وشكل هذه الأعضاء ودقائق أعمالها بتوافق وتناسق وانسجام، فإنك عندئذ ستتأكد أن أداء هذه الأعضاء والتوافق فيما بينها هو أمر أكثر مثالية وأكمل من مدينة تحترم قوانينها ومواطنيها جميعًا من الحكماء.

 

          فإن كنت أنت تتغافل عن كل هذه الأمور وترى فقط فساد الجسد وفنائه، فنحن نستطيع أن نستخرج منها دليل الدفاع عنه. فالبشر لم يخسروا شيئًا من فساد الجسد، بل كان هناك ربح كثير للجنس البشرى، وهذا يتضح من أن كل القديسين قد عاشوا فى الجسد، وتمكنوا أن يعيشوا كملائكة ولم يعطلهم هذا العبء الثقيل عن التقدم فى حياة الفضيلة. أما هؤلاء الذين اندفعوا نحو الطغيان والجحود، فإن فساد الجسد لا يمنعهم من السير خطوات أخرى فى طريق مخالفتهم. الخلاصة أن بعض الناس المعرضين للموت مع أنهم لابسون جسدًا قابلاً للآلام والفساد، يتوهمون أنهم معادلون لله. كم من أناس بسطاء كان يمكن أن يُخدعوا بأحاديثهم لو لم يفطنوا إلى أنهم يلبسون هذا الجسد الضعيف والفانى؟. فإذا كان ذلك الجسد القابل للفساد يعطى الفرصة للقديسين لكي يظهروا شجاعة وشهامة النفس، فأى مغفرة تكون لأولئك الذين يتكلمون ضد الجسد؟

 

          نستطيع القول من جهة حقيقة الجسد وقيمته، إنه قد صار لنا سببًا لمعرفة الله، لأن الكتاب يقول: “ لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العلم مُدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته ” (رو20:1).

 

          واضح إذن إن النفس اُقتيدت لمعرفة الله الذي خلقها بواسطة الأعين والآذان، ولهذا فإن بولس كرّم الجسد وهو يقول: “ لسنا نريد أن نخلعها بل أن نلبس فوقها ” (2كو4:5).

 

          لا تقل لى كيف يقوم الجسد مرة أخرى ويصير غير قابل للفساد؟ لأنه حين تعمل قوة الله، فكل شئ يصير ممكنًا. أنت نفسك قد خلقك الله قادرًا أن تصير مبدعًا، وأنتم تختبرون كل يوم أعمال قيامة، إما فى مزروعاتكم أو فى فنونكم، أو فى الصناعات المعدنية. فالبذور لا تُخرج السنابل إن لم تمت فى البداية وتتعفن وتفسد. إذن لديك دليل واضح، فكما ترى البذرة تتعفن وتتحلل ثم بعد ذلك تنمو، فلا تشك فى القيامة، لأن نفس الشيء يجب أن تفكر فيه من جهة جسدك. فحينما ترى الفساد قد دخل فيه، فهذا يجب أن يجعلك تفكر فى القيامة. لأن الموت ليس إلاّ إبطالاً للفساد، فالموت لا يُبطل الجسد، بل الفساد الذي فى الجسد. نفس الشيء يراه الإنسان فى المعادن. يأخذ الخبراء التراب المخلوط بالذهب ويسلمونه للمعمل لاستخراج الذهب منه. أيضًا يخلطون الرمل مع مواد أخرى لكي يصنعون زجاجًا نقيًا.

          أخبرنى إذن إن كانت النار تصنع هذا، أفلاّ تستطيع نعمة الله أن تصنعه؟ فكر فى كيفية خلقك منذ البداية ولا تشك بالأولى فى القيامة؟. أليس بقليل من التراب قد خلق الله أجسادكم؟. أيهما أصعب أن يخلق من الطين لحم وأوردة وجلد وعظام وأعصاب وشرايين، وأن يضع أعضاء الحواس كالعيون والآذان والأنوف والأرجل والأيدى، وأن يعطى كل عضو قوة خاصة به كما يعطيه أيضًا قوة تربطه بغيره من الأعضاء. أو أن يجعل القابل للموت غير مائت؟

 

          ألاّ ترون أن الطين هو مادة متساوية الأجزاء، بينما الجسد متنوع فى أعماله وألوانه وشكله وجوهره وفى كل شئ. لا تسأل كيف صنع الله الكواكب السماوية التي لا تُحصى، والملائكة ورؤساء الملائكة والطغمات الأعلى منهم؟ أنا لا أعرف كيف، أقول فقط إنه أراد أن يخلقها.

 

          إذن فالذي خلق كل هذه الكائنات الروحية ألاّ يستطيع أن يجدد جسد الإنسان مرة أخرى، وأن يجعل القابل للفساد غير قابل للفساد ويرفعه إلى أعلا مرتبة؟

 

من

 يفكر بأن الجسد لا يقوم هو عديم الفهم. فعدم قيامة الجسد تعنى عدم قيامة الإنسان. لأن الإنسان ليس نفس فقط بل نفس وجسد معًا. فلو أن النفس هي التي تقوم فقط فهذا معناه أن نصف الإنسان فقط هو الذي يقوم وليس كله. ومن ناحية أخرى فإن القيامة بالنسبة للنفس ليس لها معنى واضح. فالقيامة هي للذى سقط وتحلل، النفس لا تتحلل ولكن الجسد هو الذي يتحلل.

          لكن ماذا تعنى هذه الكلمات “ إن كنا لابسين لا نوجد عراة “؟ هنا يطرح علينا سر خفى وعظيم. ما هو هذا السر؟ لقد أعلنه فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس حينما قال: ” هوذا سرٌ أقوله لكم لا نرقد كلنا ولكننا كلنا نتغير فى لحظة فى طرفة عين عند البوق الأخير ” (1كو51:15ـ52). وما معنى هذا الكلام؟ يعنى اليهود والأمم وعبدة الأوثان والهراطقة وكل إنسان عاش فى هذا العالم سيقوم فى اليوم الأخير. فالقيامة هي عامة للجميع، للأتقياء وغير الأتقياء، للأشرار والأبرار، لكي لا تعتقد أن هناك دينونة ظالمة وتقول فى نفسك، ماذا إذن؟ أنا الذي جاهدت كل هذه الجهادات أقوم، وعابد الأوثان الذي طغى وسجد للأوثان ولم يؤمن بالمسيح هو أيضًا سيقوم ويستحق نفس الكرامة؟ اسمع ماذا يقول الكتاب: ” وإن كنا لا بسين لا نوجد عراة“، ويتساءل المرء كيف يحدث هذا؟ طالما يلبس الإنسان الخلود وعدم الفساد كيف يُوجد عاريًا؟ هذا يحدث عندما نكون مجردين من المجد ومحرومين من الدالة أمام الله. إن أجساد الخطاة تقوم وتكون خالدة ولكن هذه الكرامة تتحول بالنسبة لهم إلى وسيلة للعقاب والعذاب. وحيث إن هذه النار المُعدة لا تُطفأ، هكذا أجساد هؤلاء لا تفنى أبدًا. ولهذا قال ” إن كنا لا بسين لا نُوجد عراة “.

 

          لأنه أن نقوم ونلبس عدم الموت (الخلود) ليس هو الهدف، الهدف هو ألاّ نوجد عراة من المجد الإلهي حتى لا نُسلم للنار. ثم بعد ذلك يجعل حديثه من جهة القيامة أكثر تأكيدًا وكمالاً عندما قال ” يُبتلع المائت من الحياة ” ثم يضيف “ ولكن الذي صنعنا لهذا عينه هو الله ” وهو يعنى بهذا أنه منذ البداية قد خلق الإنسان لهذا الهدف، لا لكي يفنى ولكن لكي يحيا إلى الأبد أى خُلق للخلود.

          حتى حينما سمح أن تكونوا عرضة للموت، سمح بذلك لكي تنصلحوا بهذا العقاب، حتى حينما تحيون بالفضيلة تستطيعوا أن تصِلوا مرة أخرى للخلود. هذا كان قصد الله منذ البدء وإرادته فى خلق الإنسان الأول. فلو لم تكن هذه هي إرادته منذ البدء، بأن يفتح لنا أبواب الخلود، لما ترك هابيل يعانى هذه المعاناة وهو الذي أظهر كل فضيلة وصار صديقًا لله.

 

          والآن فإن الله يُظهر لنا أننا نسير نحو حياة أخرى، وأن هناك حياة أفضل للأبرار ينالون فيها المكافآت والأكاليل، وهابيل البار الأول الذي تبرهن على أنه بار، لم يُكافأ هنا عن أتعابه ورحل دون أن ينال مكافأة. لكن بعد هذه الحياة هناك يكون الأجر وتكون المكافأة. لهذا فإن أخنوخ وإيليا اختُطفا معلنين لنا حقيقة القيامة فهما مثالان لقيامة الموتى.

 

إذن

 

 يكفينا فقط أن نؤمن بقوة ذاك الذي يستطيع أن يصنع هذا. ولو وُجد إنسان ضعيف ويريد دليلاً آخر وتأكيدًا للقيامة الآتية فإن الله يعطيه نعمة الروح القدس بوفرة وسخاء ويعلن له هذه الحقيقة.

 

          لهذا فإن الرسول بولس فى معرض حديثه عن القيامة، أكد على علاقة قيامتنا بقيامة المسيح، وبقدرة الخالق الذي خلقنا، وباستخدامه عبارة ” أعطانا عربون الروح ” يشدد أكثر على تلك الحقيقة. والعربون الذي تشير إليه الآية هو الذي يُدفع مقدمًا، أو فى البداية كجزء من الكل. بالنسبة للكل (أى قيامة المجد) فإن الوعد أكيد. مثلما يحدث عند إجراء العقود، فإن الذي يأخذ العربون لا يكون قلقًا على بقية الثمن. وأنتم أيضًا أخذتم العربون بمعنى مواهب الروح، فلا تشكوا ولا ترتابوا أبدًا من نحو الخيرات التي تنتظركم. فأنتم أيضًا تقيمون أمواتًا، وتشفون عميانًا، وتطردون شياطين، وتطهرون برص وتشفون مرضى وتبطلون شوكة الموت. فإن كنتم تستطيعون أن تصنعوا كل هذا وأنتم فى هذا الجسد الفانى، فأى عذر لكم إن شككتم بعد ذلك فى قيامة الأموات؟.

 

          فإن كان الله قد اختصنا ونحن بعد فى زمن الشدائد والجهادات فوهب لنا فى هذه الحياة الحاضرة مثل هذه الأكاليل، وذلك قبل أن تأتى المكافآت المقبلة، فكم بالحرى تكون الخيرات التي سننالها عندما يحين موعد المكافآت؟.

 

          ولو قال أحد، نحن الآن لا نرى مثل هذه المعجزات وليس لدينا مثل هذه القوة لنصنع المعجزات، سأجيبه: إن الرسل كان لهم السلطان على صنع هذا، كما تشهد عليه الكنيسة الجامعة فى كل مكان، فالشعوب والأمم فى كل المدن انجذبوا بقوة نحو صيادى السمك. لأنه لم يكن لهؤلاء عديمى العلم والفقراء والمزدرى بهم أن يسودوا العالم، لو لم يكن لديهم معونة تلك المعجزات. أنتم أيضًا لستم مجردين من نعمة الروح القدس. يوجد الآن أمور كثيرة تشير إلى هذه النعمة وهذه العطية، وهي تفوق عمل المعجزات.

 

          فإقامة جسد من الموت هي أقل شأنًا من تخليص نفسٍ مائتة من الخطايا، وهذا ما يحدث بالمعمودية. وإزالة الأمراض الجسدية هي أدنى قيمة بكثير من رفع ثقل الخطية. وإعادة البصر إلى الأعمى هي أيسر جدًا من إنارة النفس المظلمة.

          فلو لم يكن لنا عربون الروح، لما كان لنا غفرانًا للخطايا ولا تبرير ولا تقديس، ولا كنا تمتعنا بالتبنى ولا اشتركنا فى الأسرار المقدسة. لأن الروح القدس هو الذي يقدس الجسد، والدم فى سر الإفخارستيا، ولما كان لدينا كهنوت مقدس، فالرسامات لا يمكن أن تتم بدون حلول الروح القدس.

 

          أمور أخرى كثيرة يستطيع الإنسان أن يذكرها، كإشارات لبيان نعمة الروح القدس. بالتالى فأنتم تأخذون عربون الروح القدس لتقيموا النفوس المائتة وتصححون الأفكار المريضة. وبما أننا قد نلنا تلك الضمانات، فيجب ألاّ يكون لدينا شك فى المستقبل (القيامة).

 

          لقد جمعنا كل الحجج والبراهين الخاصة بالقيامة، فلنُظهر إذن حياة مستحقة لهذا الإيمان، لكي نحصل على الخيرات الوفيرة الثابتة، والتي تتجاوز كل فكر إنسانى بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع أبيه الصالح والروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

[*]  أداة خشبية كانت تُربط بها أرجل المتهمين فلا يستطيعوا أن يحركوها أبدًا.

[†]  أنظر صلاة الصلح فى القداس الباسيلى: “يا الله العظيم الأبدى الذي جبل الإنسان على غير فساد..”.

 

قيامة المسيح وقيامة الأجساد ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة المسيح وقيامة الأجساد ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة المسيح وقيامة الأجساد ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة المسيح وقيامة الأجساد ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

الجزء الثاني: قيامة المسيح وقيامة الأجساد ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

1 ـ قيامة المسيح

اليوم

 

 تبتهج كل الملائكة وتفرح كل القوات السمائية لأجل خلاص كل الجنس البشرى. فإن كان هناك فرح فى السماء بخاطئ واحد يتوب، فبالأولى كثيرًا يكون هذا الفرح بخلاص كل البشرية.

 

          اليوم تحرر الجنس البشرى من قبضة الشيطان وأُعيد الإنسان إلى رتبته الأولى، إذ أن المسيح انتصر على الموت. إننى لا أخاف بعد ولا أرتعب من الحروب الشيطانية. ولا أنظر إلى ضعفى، لكننى أتطلع إلى قوة ذاك الذي صار لي سندًا وعونًا، أتطلع إلى ذلك الذي هزم الموت ونزع طغيانه. اليوم يسود الفرح والابتهاج الروحي كل المسكونة.

 

          إذن، تأمل أيها الحبيب فى مقدار هذا الفرح العظيم، حيث القوات السمائية تحتفل معنا اليوم مبتهجين لأجل الخيرات التي تنتظرنا، لهذا فهم لا يخجلون أن يحتفلوا معنا.. ولماذا أقول هذا الكلام؟ لأن الرب نفسه يشتهي أن يحتفل معنا. وكيف عرفنا ذلك؟ أسمع ما يقوله الرب ” شهوة اشتهيت أن آكل الفصح معكم ” (لو15:22). فلو كان قد اشتهي أن يأكل الفصح، فمن الواضح أنه يشتهي أن يحتفل معنا اليوم.

 

          إذن عندما ترى أن الملائكة وكل القوات السمائية، بل وملك الملوك نفسه يحتفل معنا اليوم، إذن فماذا ينقصك لكي تفرح فرحًا عظيمًا؟

          اليوم يجب ألاّ يحزن أحد بسبب فقره، لأن الاحتفال اليوم هو احتفال روحى، وألاّ يفتخر الغنى بغناه لأنه ليس له أى فضل فى هذا الاحتفال.

          هناك احتفالات عالمية تُقام خارج الكنيسة مليئة بمظاهر الأبهة والموائد الغنية بالأطعمة، وهي تُعثر الفقير الذي لا يستطيع أن يصنع مثل هذه الأمور. ومن الطبيعي أن يتضايق ويحزن. فلماذا يرتدى الغنى ملابس زاهية ويقيم موائد مليئة بصنوف الطعام المختلفة، بينما لا يستطيع الفقير أن يصنع هذا بسبب فقره؟

 

          هذا ما يحدث بالخارج، بينما هنا داخل الكنيسة لا يحدث شئ من هذا كله، ولا يوجد هذا التمييز، بل توجد مائدة واحدة للغنى والفقير، للعبد والحر.

 

هل

 أنت غنى؟ حتى وإن كنت؛ فليس لك أفضلية على الفقير. هل أنت فقير؟ إنك لست أدنى من الغنى. فالفقر لن ينتقص من أفراح المائدة الروحية. لأن النعمة هي من الله وهي لا تميز بين الأشخاص. هذه هي العطايا الروحية، التي لا تقسم المجتمع بحسب المناصب، بل بحسب المستوى الروحى وبحسب استقامة أفكار كل أحد. ولهذا فإن الملك والفقير يتقدمان معًا نحو الأسرار الإلهية بنفس الثقة وبنفس الكرامة، لكي يتمتعا بالتناول منها. لأن لباس الخلاص هنا هو واحد للجميع أغنياء وفقراء، والرسول بولس يقول ” لأن كلكم الذين اعتمدتم للمسيح قد لبستم المسيح ” (غل27:3).

 

          أرجو أن لا تستهينوا بهذا الاحتفال، ولتكن لنا رؤية لائقة بتلك العطايا التي منحتنا إياها نعمة المسيح، وألاّ نسلّم أنفسنا للسكر والبطر. ما دمنا قد أدركنا المحبة الإلهية وسخاء إلهنا مع الجميع للفقراء والأغنياء، للعبيد والأحرارـ إذ أعطى للجميع نفس النعمة، فلنقدم المقابل إلى ذاك الذي أظهر تلك المحبة نحونا، والمقابل اللائق به هو السلوك المُرضى لله من نحونا، وأيضًا النفس الساهرة المتيقظة.

 

          لنحتفل إذن بهذا العيد ـ عيد قيامة المسيح ـ لأنه قام وأقام كل البشرية معه. لقد قام وكسر كل قيود الموت ومحا كل خطايانا.

 

          أخطأ آدم ومات، والمسيح لم يخطئ ولكنه مات. أمرٌ غريب وعجيب لماذا مات المسيح وهو لم يخطئ؟ حدث هذا لكي يستطيع الذي اخطأ ومات أن يتحرر من قيود الموت بمعونة ذاك الذي مات، رغم أنه لم يخطئ[1].

 

          فمثلاً يحدث مرات كثيرة أن يكون أحد مديونًا بمبلغ من المال لشخص آخر ثم يعجز عن السداد، فيأتى شخص ثالث لديه القدرة على تسديد هذا الدين، وعندما يدفعه فإنه يحرر هذا المدين. هذا ما حدث لآدم إذ كان محكوماً عليه بالموت، فآتي المسيح وحرره من قيود الموت مع أن المسيح لم يكن مداناً بأي شئ. أرأيت مفاخر القيامة؟ أرأيت محبة الله للبشر؟ أرأيت مقدار العناية العظيمة؟

 

  اليوم يجب أن ننشد مع داود النبي من يتكلم بجبروت الرب. من يخبر بكل تسابيحه؟(مز2:106).

 

   لقد بَلغَنا الاحتفال الخلاص الذي كنا نشتهيه. إنه يوم قيامة السيد المسيح، يوم السلام والمصالحة، اليوم الذي فيه بطل الموت وأنهزم الشيطان. في هذا اليوم انضم البشر إلى الملائكة. اليوم يقدم البشر تسابيحهم مع القوات الروحية. اليوم أبطلت أسلحة الشيطان وأنفكت قيود الموت وأُبيد جبروت الجحيم.

اليوم

 

 سحق ربنا يسوع المسيح الأبواب النحاسية وأزال شوكة الموت. اليوم نستطيع أن نقول مع النبي أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية(1كو55:15).

 

          لقد غيّر حتى اسم الموت، فلا يدعى بعد موتًا، بل نومًا ورقادًا. كان اسم الموت مُخيفًا قبل ميلاد المسيح وصلبه، لأن الإنسان الأول عندما خُلق سمع يوم تأكل من هذه الشجرة موتًا تموت(تك17:2). وداود النبي يقول الشر يميت الإنسان(مز21:34). كما كان انفصال النفس عن الجسد يُدعى موتًا وهاوية، ويقول يعقوب أبو الآباء تنزلوا شيبتي بحزن إلى الهاوية(تك38:42). وإشعياء يقول وسعت الهاوية نفسها وفغرت فاها بلا حدود(إش14:5). وأيضًا لأن رحمتك عظيمة نحوي وقد نجيت نفسي من الهاوية السفلي (مز13:85). هذا المفهوم عن الموت نجده في مواضع أخرى كثيرة من العهد القديم، غير انه منذ أن قدم المسيح ذاته ذبيحة من أجل كل البشرية، وقام من الموت ألغي كل هذه الأسماء وقدم للبشرية حياة جديدة لم تعرفها من قبل، فلا يُسمى بعد، الخروج من هذا العالم، موتًا بل نومًا أو انتقالاً.

 

          من أين يتضح هذا؟ اسمع المسيح يقول: “ لعازر حبيبنا قد نام لكني أذهب لأوقظه ” (يو11:11).

 

          فكما هو سهل بالنسبة لنا أن نوقظ نائمًا، فإنه سهل بالنسبة للمسيح أن يُقيم ميتًا. ولأن كلامه هذا كان غريبًا وجديدًا فإن التلاميذ أنفسهم لم يفهموه.

 

          ومعلم المسكونة القديس بولس يكتب إلى أهل تسالونيكى ” ثم لا أريد أن تجهلوا أيها الاخوة من جهة الراقدين لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم ” (1تس13:4). ويقول أيضًا: ” إننا نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب لا نسبق الراقدين ” (1تس15:4)، وأيضًا ” لأنه إن كنا نؤمن أن يسوع مات وقام فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم الله أيضًا معه ” (1تس14:4).

 

          أرأيت أن الموت يُسمى رقادًا أو نومًا؟!. إن الموت الذي كان له اسمًا مخيفًا صار الآن محتقرًا بعد القيامة. أرأيت بهاء مجد القيامة؟!

 

          بالقيامة اكتسبنا خيرات غير محدودة. بالقيامة أُبيدت حيل الشياطين وخداعهم. بالقيامة انتزعت شوكة الموت. لذلك، فالقيامة تجعلنا لا نتمسك بالحياة الحاضرة ونشتهي بكل قلوبنا خيرات الدهر الآتى.

 

          القيامة جعلتنا فى مستوى لا يقل عن القوات الروحية مع إننا موجودون فى الجسد. إذن فلنفرح كلنا ولنبتهج، لأن هذه النصرة، نصرة المسيح على الموت، هي نصرة لنا، لأنه صنع كل هذا لأجل خلاصنا.

 

2 ـ قيامة الأجساد

 

إن

 موضوع القيامة هو موضوع متعدد الجوانب، إذ يختص بتحديد ما يجب أن نؤمن به، وما ننظم به أمور حياتنا الحاضرة. فحينما لا نؤمن بالقيامة تنقلب حياتنا رأسًا على عقب، وتمتلئ بمتاعب كثيرة جدًا وتصير إلى فوضى. بينما الإيمان بالقيامة يدفعنا إلى الأمام لأنها دليل عناية الله، وهي تجعلنا قادرين على أن نهتم باقتناء الفضيلة، وأن نجاهد لكي نتجنب الشر وأن يسود الهدوء والسلام فى كل أمور حياتنا.

 

          ومن لا ينتظر القيامة العتيدة فى يوم الدينونة وهناك سيعطى حسابًا عن أعماله التي صنعها على الأرض، متصورًا أن الإنسان محصور فى الحدود الزمنية للحياة الحاضرة فقط، وأنه لا يوجد شئ بعد فى هذه الحياة الحاضرة، هذا الإنسان، لن يُبد اهتمامًا بالفضيلة. إذ كيف يُبدى هذا الاهتمام طالما أنه لا ينتظر أن يُعاقب عن شروره التي صنعها؟، وهو بهذا الاعتقاد سيُلقى بنفسه فى شهواته غير اللائقة، ويصير ذهنه ملوثًا بالخطية.

 

          لكن من يؤمن بالدينونة الأخيرة وقضاء الله العادل، فإنه يضع نصب عينيه ما يجب عليه أن يفعله، حكم الله المُنزه عن الخطأ. وسيحاول أن يسلك بوداعة واستقامة حياة، ساعيًا نحو كل فضيلة، متجنبًا الفساد وعدم اللياقة وكل أشكال الخطية الأخرى. أما هؤلاء الذين يحتجون بشدة موجهين اللوم لعناية الله، فإن الله منذ الآن قادر أن يسد أفواههم. بينما يرى بعضهم أن الحكماء والأبرار المكرمين، هم الذين عانوا محتملين وهُددوا ووُشى بهم حتى جفت أجسادهم، ومرارًا تعرضوا لأمراض مخيفة دون أن يتمتعوا بأية حماية (من قِبل الله). من ناحية أخرى، يروا أن أناس ذوى نفوس سوداء، ملوثين ومملوئين من كل شر، غارقين فى الغنى وفى متع الحياة لابسين ملابس زاهية يتبعهم خدم كثيرون، فخورين بإعجاب الناس مستمتعين بما لديهم من سلطة، وبما لهم من دالة كبيرة عند الملك. من يرى هذا، ينكر عناية الله، ويتساءل أهل هذه عناية الله؟ أهل هذه دينونة عادلة أن يحيا العاقل الأمين وسط المتاعب، بينما يحيا الفاسق وسط الخيرات؟. وهل يكون الواحد محطًا للإعجاب به والآخر يُحتقر؟ الواحد يستمتع بمباهج كثيرة والآخر يعانى المتاعب والمشقات؟.

 

          إن من لا يؤمن بالقيامة لن يستطيع أن يعطى إجابة على هذه التساؤلات. بل يبقى صامتًا لا تعليق لديه. وعلى العكس من ذلك. من يتناول موضوع القيامة بحكمة واهتمام، سيكون من السهل عليه أن يواجه التجديف، ويقول لكل من ثبطت عزيمتهم من نحو هذه الأمور: كفوا عن توجيه الاتهامات لله الذي خلقكم، لأن أمور الإنسان لا تنحصر فقط فى الحدود الزمنية للحياة الحاضرة، بل تمتد إلى حياة أخرى لا نهاية لها. ففى الدهر الآتى سينال من احتمل وسلك بتقوى جزاءه عن كل ما عاناه فى هذه الحياة، بينما سيُعاقب الفاسق والبائس على خطيئته ومتعه المحرمة التي اقترفها.

 

          ولهذا يجب ألا نبدي آراءنا فى عناية الله مكتفين بالنظر فقط للأمور الحاضرة، بل يجب أن ننظر أيضًا للمستقبل. لأن الأمور الحاضرة هي جهاد وسباق واختبار، أما الأمور المستقبلة فهي مِنَح وأكاليل وجوائز. وكما أنه يجب على لاعب القفز أن يبذل جهدًا وعرقًا ومشقة ليكون جديرًا للمنافسة، هكذا أيضًا الإنسان التقي يجب عليه أن يتحلى بالصبر فى مواجهة أمور كثيرة فى هذا العالم وأن يتحمل كل شئ بشجاعة، لأنه ينتظر أن يُتوج ببهاء فى الدهر الآتى. ونحن نرى أن اللصوص ونُباش القبور والقتلة والقراصنة فى البحار، يستمتعون بمباهج كثيرة على حساب الآخرين، بما يقتنوه من غنى محرم.

 

          غير أنهم يدفعون ثمن هذا غاليًا عندما يخضعون لحكم القضاء. هكذا فإن كل الذين يشترون نساءً ساقطات يقيمون موائد سافيرية[2] ويتفاخرون ويتباهون نابذين الفقراء، فعندما يأتي أبن الله الوحيد مع ملائكته ويجلس على العرش، وأمامه تنكشف الأعمال، سيؤتي بهم دون أن يكون لهم من يدافع عنهم. لهذا لا نعتبرهم محظوظين بسبب حياتهم المترفة في هذا الدهر, ولكن فلنبكِ عليهم لأجل العقاب الذي ينتظرهم, ولا نحزن على الإنسان النقي لاحتماله مشقات هذا العالم, بل يجب أن نطوبه لما ينتظره من خيرات الدهر الآتي.

 

عمّق

 في داخلك موضوع القيامة، فبهذا يمكنك أن تختبر حتى ولو كنت إنسانًا صالحًا ـ أن تصير أكثر عطاء, مكتسبًا استعدادًا أكبر بالرجاء, أيضًا أختبر لو كنت إنسانًا شريرًا ـ أن تتجنب الخطية وأن تجعل نفسك أكثر تعقلاً بالخوف من العقاب المنتظر.

 

          فبالرغم من أن بولس يحدثنا باستمرار عن القيامة قائلاً: “ لأننا نعلم أنه أن نُقض بيت خيمتنا الأرضي فلنا في السموات بناء من الله. بيت غير مصنوع بيدٍ أبدى. فإننا في هذه أيضًا نئن مشتاقين إلي أن نلبس فوقها مسكننا الذي من السماء ” (2كو1:5ـ2), إلا أنه من الأفضل لنا أن نرجع لما كتبه قبل هذه الآيات لنرى كيف انتهي إلى موضوع القيامة. فهو لا يتناول موضوع القيامة حقًا بدون هدف, لكنه يسند المجاهدين من أجل التقوى.

 

          نحن الآن نتمتع بسلام عظيم لأن الملوك أيضًا يحبون التقوى والرؤساء يعرفون الحقيقة جيدًا والشعوب وسكان المدن والأمم تخلصوا من الضلال والجميع عرفوا المسيح. أما في بداية الكرازة فبمجرد أن أُستعلن سر التقوى, اشتدت الحروب وكثرت النزاعات وتنوعت، لأن الرؤساء والملوك وأرباب البيوت جميعهم حاربوا المؤمنين, حتى الأقارب بالجسد شاركوا في اضطهادهم لأنه كان يحدث أن يُسلّم الأب ابنه والأم ابنتها والعبد يسلم سيده. لم تكن المدن والأقاليم فقط في المنازعات الداخلية لكن البيوت أيضًا, وكان القلاقل التي تسود في أعقاب الحروب الأهلية أمرًا مُخيفًا.

 

          فقد سُلبت الأموال واُنتهكت الحريات, بل كانت حياة البشر نفسها مهددة بالأخطار, لا من خلال هجمات وشرور البربر فقط ولكن بسبب الذين كانوا يحكمون ويقودون الشعب, لأنهم تعاملوا مع رعاياهم معاملة أسوأ من معاملة الأعداء. وهذا ما أعلنه بولس قائلاً ” ولكن تذكروا الأيام السالفة التي فيها بعدما أنرتم صبرتم على مجاهدة آلام كثيرة من جهة مشهورين بتعييرات وضيقات ومن جهة صائرين شركاء الذين تصرف فيهم هكذا لأنكم رثيتم لقيودى أيضًا وقبلتم سلب أموالكم بفرح عالمين فى أنفسكم أن لكم مالاً أفضل فى السموات باقيًا ” (عب32:10ـ34). وللغلاطيين يقول: ” أبهذا المقدار احتملتم عبثًا إن كان عبثًا ” (غل4:3)، وأيضًا إلى أهل تسالونيكى وإلى أهل فيلبى وبشكلٍ عام إلى كل من تلقوا رسائله يشهد فيها عن أمور كثيرة مثل هذه.

 

إن

 حربًا شديدة بلا توقف قد بدأت تتحرك من خارج لم تكن فقط هي الأمر المخيف، لكن حدث أن صارت عثرات ونزاعات ومشاحنات وغيرة حاقدة ضد المؤمنين. وهذا بالضبط ما أعلنه بولس قائلاً: “ من خارج خصومات من داخل مخاوف ” (2كو5:7). هذه الحرب كانت أكثر رعبًا من أى حرب أخرى ضد الرعية والرعاة. إذن فبولس لم يخف من سهام الأعداء بل أن مصدر خوفه كان السقوط فى العثرات التي من داخل والتي تأتى من الأقارب. على سبيل المثال عند سقوط واحد من أهل كورنثوس فى خطية الزنا فإن بولس قد قضى وقتًا حزينًا وأحشاءه  ممزقة بسبب هذا الأمر. لأن هذه الأمور الروحية بطبيعتها تتطلب مشقة وجهادات كثيرة. لأن الطريق الذي سار فيه الرسل لم يكن طريقًا سهلاً وهينًا، لكنه كان غير مستوٍ وغير ممهد يتطلب نفسًا ساهرة متيقظة من كل الجوانب. لهذا دعا المسيح هذا الطريق ضيق وكرب. وكان المؤمنون يحيون خاضعين لصوت ضميرهم وليس كما كان يحدث مع الوثنيين الذين كانوا يعيشون فى زنا وسكر ونهم ومُتع وغنى فاحش. أيضًا كان عليهم أن يقمعوا الغضب وأن يسيطروا على شهواتهم الرديئة وأن يحتقروا المال وأن يدوسوا المجد الباطل. ونحن نعلم كم من الجهد والتعب تتطلبه هذه الأمور. وهذا يعرفه كل من يجاهد يوميًا. وهل هناك ما هو أكثر رعبًا من الشهوة الرديئة، فهي مثل حيوان مسعور يهاجمنا باستمرار ولا يتركنا فى هدوء ويحتاج على الدوام إلى نفسٍ يقظة.

          لأنه وإن كان أمرًا مقبولاً أن يدافع الإنسان عن نفسه ضد كل من ظلمه، إلاّ أن هذا لم يكن سهلاً حينذاك وهذا ما يدعونى أن أتساءل هل لا يُسمح لإنسان أن يدافع عن نفسه ضد كل من ظلمه؟.

 

          كان يجب على الإنسان أن يفعل الخير تجاه كل من أحزنه وأن يبارك كل من يسئ إليه وألاّ يُخرج كلمة مُرة من فمه ولا يجرح أحد البتة. وكان عليه أيضًا أن يُظهر وداعة ليس فقط من جهة الأعمال لكن أيضًا يُظهر نقاوة الفكر. لأنه يجب على الإنسان أن يبتعد عن عمل الفجور مثل ما يبتعد عن مجرد رؤية هذه الأمور، وألاّ ينشغل بالنظر إلى النساء الحسناوات. لأنه بهذا يُعرض نفسه للعقاب فى الدينونة الأخيرة.

 

          ونظرًا لأن الحرب كانت شديدة من الخارج والمخاوف شديدة من الداخل، كان على الإنسان أن يبذل جهدًا كبيرًا لأجل الفضيلة. إلاّ أن ما يجب الالتفات إليه، هو عدم خبرة هؤلاء الذين قرروا أن يجاهدوا هذا الجهاد العظيم، لأن الرسل لم يكرزوا لأناس وارثين التقوى من أجدادهم، لكن انتشلوهم من الخمول والضعف والسكر والزنا والفجور مهذبين إياهم. لذلك لم تكن جهاداتهم بالأمر الهين، لأنهم لم يشبوا مهذبين من قبل آبائهم على هذا المنهج الجديد للحياة، ولهذا فإنهم يجوزون صعوبة هذه الجهادات لأول مرة. ونظرًا لأن الصعوبات كانت كثيرة فإن موضوع القيامة كان هو العزاء الدائم لقبول هذه الآلام. لهذا لم يكتفِ القديس بولس بالحديث عن القيامة وقوتها لكنه كان أيضًا يكلمهم عن آلامه الخاصة. ولهذا السبب قبل أن ينتهي إلى الكلام المتعلق بموضوع القيامة (الذي أشرنا إليه فى 2كو1:5ـ2) نجده أيضًا يتحدث عن آلامه الخاصة قائلاً: “مكتئبين فى كل شئ لكن غير متضايقين، متحيرين لكن غير يائسين، مُضطهدين لكن غير متروكين، مطروحين لكن غير هالكين ” (2كو8:4ـ9). بهذه الأمور أعلن أننا كأموات نُسلم للموت كل يوم. ولم يكتفِ القديس بولس بالحديث عن هذا فقط بل عندما كانت تأتى مناسبة للحديث عن آلامه كان يعود مرة أخرى لموضوع القيامة ” عالمين أن الذي أقام الرب يسوع سيقيمنا نحن أيضًا بيسوع ويحضرنا معكم لأن جميع الأشياء هي من أجلكم لكي تكون النعمة وهي قد كثرت بالأكثرين تزيد الشكر لمجد الله لذلك لا نفشل بل وإن كان إنسانا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يومًا فيومًا” (2كو14:4ـ16). ولهذا لم يقل لهم لا تخضعوا للشر ولكن ماذا قال؟ لذلك لا نفشل، مبينًا أنه هو نفسه كان فى جهادات مستمرة.

 

          وعلى سبيل المثال نجد أنه فى الألعاب الأوليمبية بينما يقوم الرياضى بمنافسة خصمه داخل الملعب، يجلس المدرب خارجًا ليوجهه بإرشاداته وعلى قدر التوجيه تعظم المساندة. أما أن يساعده عن قرب من داخل الملعب فهذا ما لا يسمح به أى قانون. لكن فيما يختص بجهادات التقوى فالأمر مختلف، فالقديس بولس هو نفسه المدرب واللاعب معًا وهكذا لا يجلس خارج الملعب لكنه يشارك فى نفس المباريات ويعد من يجاهدون معه قائلاً: ” لذلك لا نفشل ” ولم يقل لا أفشل. وهو يريد بهذا أن يقوّم اعوجاجهم ” بل وإن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يومًا فيومًا“. لاحظ كيف يصيغ الرسول بولس حديثه: يعظهم من نحو كل ما عانوه قائلاً: ” مكتئبين فى كل شئ لكن غير متضايقين “، ويعظهم من نحو قيامة المسيح بقوله: ” الذي أقام الرب يسوع سيقيمنا نحن أيضًا “، ثم بعد ذلك يبدأ فى الحديث عن أسلوب آخر للعزاء. فنحن نجد أن أغلب الناس هم من صغار النفوس واهنين وضعفاء، وعلى الرغم من أنهم مؤمنون بالقيامة فإنهم يفقدون رجاءهم بسبب طول الزمن الحاضر، ولذلك يتشتت ذهنهم فيتراجعون عن ثقتهم فى القيامة. لهؤلاء يعطى الرسول بولس أجر ومكافأة أخرى ما هي؟ ” إن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يومًا فيومًا ” إنسان الخارج يُسمى الجسد وإنسان الداخل يُسمى النفس. وهذا يعنى إنه من الآن وقبل القيامة وقبل التمتع بخيرات الدهر الآتى، فإن مكافأة هذه الأتعاب ليست بالمتع القليلة حيث تتجدد النفس فى وسط الضيق وتكتسب صبرًا أكثر وتصير أكثر قوة وأكثر إشراقًا.

 

          إن من يحققون أرقامًا قياسية فى الرياضة الجسدية نجد أنهم قبل التتويج وقبل الجوائز يحصلون على رضا وقناعة داخلية، وبهذا تكون أجسادهم بواسطة التريض والمنافسة أكثر صحة وأكثر قوة ومتجنبين كل مرض. هكذا أيضًا فى الجهادات من أجل الفضيلة فقبل أن تنفتح السماء وقبل أن يُستعلن ابن الله وقبل أن ننال الأكاليل، ستكون المكافأة من الآن كبيرة بأن تصير نفوسنا أكثر يقظة وأكثر حكمة.

 

          وهؤلاء الذين يشقون البحار مرات كثيرة ويواجهون أمواجًا عاتية ووحوش ضارية ويعانون مرات كثيرة من سوء الأحوال المناخية، فإنهم وحتى قبل الفوز المادى يحصلون على متعة تلك الرحلة البعيدة والتي هي ليست بقليلة. أى أنهم لا يبالون بالأمواج دون أى خوف بل بسعادة غامرة يشقون عرض البحر ذاهبين إلى أقصى حد لتحقيق مقصدهم. هكذا يحدث أيضًا فى هذه الحياة الحاضرة أن كل من عانى ضيقات كثيرة من أجل المسيح، كل من لاقى عذابات متنوعة سينال مكافأة كبيرة حتى قبل التمتع بخيرات الدهر الآتى. لأنه اكتسب من الآن دالة أمام الله وجعل نفسه ترتفع إلى أعلا وتتحدى المشقات. ولكي يكون ما أقوله أكثر وضوحًا فإنى أجعله جليًا من خلال المثل الآتى؛ القديس بولس نفسه عانى آلامًا كثيرة جدًا وأخذ مكافآت عديدة وهو فى الجسد مستهزئًا بالمشقات مواجهًا بثبات هوس الرعاع مستهينًا بكل آلام، أمام وحوش وسلاسل وأمواج وأحزان وهجمات وسهام فى كل هذه المتاعب، لم يكن يخاف من أى شئ. من يستطيع أن يتساوى معه؟

 

          إن الإنسان غير المدرب الذي لم يتعرض لمصاعب، من الطبيعى أن يرتبك من قِبَل الصعوبات العادية ليس فقط مما هو حادث، لكن أيضًا لما هو متوقع أو كما يُقال: ” إنه يخاف من ظله “. لكن كل من دخل فى أعمال صعبة وفى منافسات وتعرض لمتاعب فإنه من الطبيعى أن يرتفع فوق كل الصعوبات ويسخر من كل ما يهدده مثل طائر يطير ويصيح صيحة النصرة. ولأنه يجاهد للحصول على هذا الإكليل العظيم لذلك فإن أى ألم يتعرض له أثناء جهاده لن يكون عبئًا عليه لهذا فإن هذا الألم لا يستطيع أن يحزنه. هذه الأمور عندما تحدث للآخرين فهي تزعجهم، أما بالنسبة له فهي لا تعنى شيئًا. وإن كانت هذه الآلام سبب توتر وارتباك لهم، فهي له موضع استهانة واستهزاء. فهو يرتفع بنفسه بقوة الصبر الكثير إلى تلك الرؤية المستنيرة التي للقوات الملائكية. فلو أننا نطوب الجسد الذي يتحمل بلا تذمر البرد والحر الشديدين والجوع والعوز ومشقة الطريق ومتاعب أخرى، فبالأولى كثيرًا يجب أن نطوب النفس التي تستطيع بصبر واحتمال وأمانة أن تواجه كل المشقات والمتاعب.

 

          ومن خلال هذا تستطيع هذه النفس أن تحفظ فكرها حرًا نقيًا. ومن يفعل هذا هو ملك أكثر من الملوك أنفسهم. لأنه بالنسبة للملك يمكن أن يُصاب بضرر سواء من الحرس الخاص أو من الأصدقاء أو من الأعداء سرًا كان أم علانًا. أما من يملك نفسًا حرة ونقية، فلا ملك ولا حرس خاص ولا خادم ولا صديق ولا عدو ولا حتى الشيطان نفسه يستطيع أن يصنع به شرًا. كيف لا يكون فى مأمن من كل الضربات وهو الذي اعتاد ألاّ يبالى بشيء من المصاعب التي اعتاد غيره أن يعدها أسوأ البلايا واشدها هولاً؟.

[1]  هذا المفهوم هو ما يعبّر عنه نص اللحن الكنسى ” المسيح قام ” إذ تردد الكنيسة بإيمان: ” المسيح قام من بين الأموات، بالموت داس الموت وأعطى الذين فى القبور الحياة الأبدية.

[2]  سيفاري كانت مستعمرة يونانية في شمال إيطاليا. وسكان هذه المستعمرة عاشوا حياة مترفة وقد صارت حياتهم أمثولة.

 

قيامة المسيح وقيامة الأجساد ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

الجزء الأول: عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

 

عيد الخمسين

عظة فى “عيد حلول الروح القدس”

للقديس يوحنا ذهبى الفم

ترجمها عن اليونانية د. جوزيف موريس فلتس

 

          4 ـ أين هم الآن الذين يجدفون على الروح القدس ؟ لأنه إن كان لا يمحو الخطية ، فستكون المعمودية بلا هدف ، وإن كان يمحو الخطايا ، فباطل إذن تجديف الهراطقة .

          وإن لم يكن هناك روح قدس، فلم نكن لنستطع الاعتراف بأن يسوع هو رب “ ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس ” (1كو3:12). ولو لم يكن الروح القدس موجودًا لما استطاع المؤمنون أن يتضرعوا قائلين ” أبانا الذى الذى فى السموات ” (مت9:6). ومثلما لم نكن نقدر (بدون الروح القدس) أن نشهد أن المسيح رب، هكذا أيضًا لم نكن نقدر بدونه (بدون الروح) أن ندعو الله أبانا . وبماذا نثبت قولنا هذا ؟ من قول الرسول نفسه ” وبما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب” (غلا6:4)، حتى أنك عندما تدعو الله قائلاً : ” أبانا ” فتتذكر أنك استحققت أن تدعو الله أباك بسبب أن الروح قد دفعك إلى هذا .

          وإن لم يكن الروح القدس موجودًا لما كان فى الكنيسة روح الحكمة والمعرفة “ لأنه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد ” (1كو8:12). ولو لم يكن الروح موجودًا فى الكنيسة لما كان فيها رعاة ومعلمين. إذ أن هؤلاء يقيمهم الروح القدس كما يقول بولس الرسول ” … ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه ” (أع28:20). وأنظر أيضًا فإنه حتى ما يحدث هنا هو من عمل الروح القدس . فإن لم يكن الروح القدس فى أبينا ومعلمنا هذا [1] والذى صعد منذ قليل على المنبر وبارككم جميعًا قائلاً “السلام لجميعكم ” لِما قلتم له جميعًا ” ولروحك أيضًا ” . وأنتم لا تجاوبونه هكذا فقط عندما يصعد إلى المنبر ، أو عندما يعظكم أو يصلى لكم ، ولكن أيضًا عندما يقف بجانب هذه المائدة المقدسة وهو مزمع أن يقدم عليها هذه الذبيحة المهوبة ، والمرتلين يعرفون ما أقوله . فهو لا يمس القرابين الموضوعة أمامه قبل أن يدعو لكم بنعمة الرب، وأنتم تجاوبونه قائلين “ومع روحك أيضًا ” . وبهذه الإجابة تذكرون أنفسكم بأن هذه الجواهر ليست من صنعه أو من صنع إنسان ، بل هى هكذا بواسطة نعمة الروح القدس ، الحاضر والذى يرفرف فوق الجميع، ليعد ذلك الذبيحة  السرية . لأنه حتى وإن كان الذى يقف هناك هو إنسان ، غير أن الله هو العامل فيه. فلا تنشغل إذن بالإنسان الذى تراه، بل اهتم بأن تعى عمل نعمة الله غير المنظورة . فلا شئ مما يحدث فى هذا الهيكل المقدس هو بشرى ، فلو لم يكن الروح القدس حاضرًا لما تأسست الكنيسة ، وطالما أنه توجد الكنيسة فهذا بفضل حضور الروح القدس.

          وربما يتساءل أحد، لماذا لا تحدث معجزات اليوم ؟ هنا أرجوكم أن تنتبهوا بشدة ، لأنى أسمع عن هذا الأمر من كثيرين وفى كل مكان وباستمرار يطلبون تفسيرًا له. لماذا كان الذين تعمدوا حينذاك يتكلمون بألسنة عديدة والآن لا يحدث نفس هذا الأمر ؟ فلنعرف أولاً ماذا يعنى أنهم كانوا يتكلمون بألسنة وبعد ذلك سنتحدث عن سبب ذلك. ماذا يعنى إذن أنهم كانوا يتكلمون بألسنة غريبة ؟. فالذى تعمد حينذاك كان يتكلم مباشرة بلغات الهنود والمصريين والفرس والعرب وكان الشخص الواحد منهم يتكلم عدة لغات. ولو كان الذين قد تعمدوا اليوم، قد تعمدوا حينذاك لسمعناهم يتكلمون مباشرة لغات مختلفة. لأن بولس يقول إنه تقابل مع جماعة كانوا قد تعمدوا بمعمودية يوحنا فقال لهم ” هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم ؟ فأجابوا : ولا سمعنا أنه يوجد روح قدس ” (أع2:19). فأشار عليهم مباشرة أن يتعمدوا “ ولما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس فطفقوا يتكلمون بألسنة ” (أع6:19).

          فلماذا إذن رُفعت هذه النعمة وغابت من بين البشر ؟ ليس بسبب أن الله لا يُكرّمنا ، بل على العكس لأنه يُكرّمنا جدًا ، كيف ؟ سأقول لكم .

          لقد كانت تصرفات البشر حينذاك أكثر مجونًا إذ كان لم يمض وقتًا طويلاً على تركهم لعبادة الأوثان، بل وكانت أذهانهم أكثر بُعدًا عن فهم الأمور الروحية بل وغير حساسة لما يحدث أمامهم فصاروا مندهشين لما يدور حوله. ولم يكن لديهم أى معرفة عن المواهب الروحية أو حتى عن ماهية النعمة الروحية التى يستطيع المرء بالإيمان فقط أن يدركها، ولهذا حدثت المعجزات. لأنه من بين العطايا، يوجد ما هو غير مرئى ويمكن إدراكه بالإيمان فقط، والبعض الآخر مصحوب بعلامات لكى يراها المؤمنين. وكمثال لما أقصده هو الآتى: غفران الخطايا، هو أمر روحى، هو عطية غير مرئية، إذ أننا لا نرى بعيون الجسد كيف نتطهر من خطايانا. لكن لماذا؟ لأن النفس هى التى تتطهر والنفس لا ترى بعيون الجسد.

          التطهير من الخطايا إذن، هى إحدى العطايا الروحية ولا يمكن رؤيتها بعين الجسد، وأن يتكلم شخص بألسنة غريبة هو بالطبع أيضًا عطية روحية من فعل الروح القدس، ولكنه يُعطى بعلامة حسية يدركها المؤمنين بسهولة . فاللغة لأننا نسمعها ، فهى إظهار ودليل على الطاقة غير المرئية التى تحدث داخل نفوسنا “  لكنه لكل واحد يعطى إظهار الروح للمنفعة ”   (1كو7:12). فأنا إذن لست بحاجة إلى دليل أو علامة، ولماذا؟ لأنى تعلمت أن أؤمن بالرب بدون أن يُعطينى أية آية، لأن ذلك الذى لا يؤمن يحتاج إلى ضمان، أما أنا فلا أحتاج إلى ضمان لأنى أؤمن، ولا حتى إلى علامة، ولكن حتى وإن كنت لا أتكلم بلسان غريب، فأنى أعرف أنى قد تطهرت من الخطية . فهؤلاء الذين تعمدوا حينذاك، لم يكن ليؤمنوا إن لم يكن قد حصلوا على علامة. لهذا فقد أعطاهم آية كضمان للإيمان الذى آمنوا به. وبالتالى فقد أعطاهم آية ليس لأنهم كانوا مؤمنين بل لأنهم كانوا غير مؤمنين ولكى يصيروا مؤمنين، هكذا يقول بولس الرسول ” إذًا الألسنة آية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين ” (1كو22:14). أرأيتم أن توقف الله عن عمل المعجزات هو دليل ليس على عدم تكريم الله لنا بل على تكريمه لنا؟. ولماذا فعل هذا معنا؟ لأنه يريد أن يُظهر إيماننا، إننا نؤمن به بدون ضمانات أو معجزات. إن أولئك الذين تعمدوا حينذاك، لو لم يكن قد حصلوا على بعض الضمانات والإثباتات أولاً، لَما كان فى استطاعتهم أن يؤمنوا بالله بواسطة أمور لا تُرى. أما أنا فبدون هذه الأمور (المرئية) فإنى أؤمن بكل قلبى. وهذا هو السبب إذن فى عدم حدوث معجزات الآن.

          5 ـ أود أن أتكلم أيضًا عن سبب هذا العيد وأن أبيّن بالضبط ما هو عيد الخمسين ولماذا أُعطيت مواهب الروح القدس على هيئة ألسنة نار فى ذلك اليوم، ولماذا كان ذلك بعد صعود المسيح بعشرة أيام .غير أنى أرى إنى أطلت الحديث، ولهذا سأتوقف بعد أن أضيف شيئًا صغيرًا ” ولِمّا حضر يوم الخمسين كان الجميع معًا بنفس واحدة ، وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم ” (أع1:2ـ3). ليست ألسنة من نار، لكن كأنها من نار، لئلا تعتقد أن الروح القدس هو شئ محسوس، مثلما فى نهر الأردن حيث حل، ليس كحمامة، لكن فى شبه حمامة. وهكذا هنا ظهر لا نار (فعلاً) بل فى شبه نار. وأيضًا يذكر سفر الأعمال أنه ” صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة” (أع2:2)، لا يقول إنه هبوب ريح ، بل يقول “ كما من هبوب ريح عاصفة ” .

          وما هو السبب فى أن حزقيال لم يأخذ موهبة النبوة بشكل مماثل وعلى هيئة نار لكن أخذه فى درج (حز9:2)، بينما أخذ الرسل المواهب بواسطة ألسنة كأنها من نار ؟

          بالنسبة لحزقيال، يقول الكتاب إن الله أعطى له درج مكتوب فيه مراثى ونحيب وعويل، وكان مكتوبًا من الداخل ومن قفاه (حز10:2). فأكل حزقيال الدرج فصار فى فمه كالعسل حلاوة (حز3:3). أما عن الرسل فلا يقول هكذا بل يقول “ وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار” . فلأى سبب إذن ظهر هناك درج وهنا ألسنة كأنها من نار ؟ لأن حزقيال كان سيذهب ليرثى خطايا اليهود وينتحب على خرابهم ، أما الرسل فإنهم كانوا سيذهبون فى شتات الأرض ليغفروا خطايا جميع الناس. ولهذا فإن حزقيال قد أخذ درجًا كتب فيه الخراب الذى كان مزمعًا أن يحدث لليهود، أما الرسل فقد أخذوا نارًا ليحرقوا خطايا البشر ويغفروها . لأنه كما أن النار تقع على الأشواك فتمحوها ، هكذا تمحو نعمة الروح القدس خطايا البشر .

          لكن اليهود ، عديمى الإحساس، عندما حدث هذا ، بينما كان عليهم أن يتعجبوا وفى رهبة يسجدون لذلك الذى منح هذه المواهب ، نراهم قد أظهروا مرة أخرى عدم فهمهم متهمين الرسل الذين نالوا بغنى مواهب الروح القدس ، بأنهم سكارى إذ قالوا “ وكانوا آخرون يستهزئون قائلين إنهم قد امتلأوا سلافة ” (أع13:2). لاحظ هنا كيف ينكر البشر المعروف وكيف يقدره الملائكة ، إذ أن الملائكة عندما نظروا باكورتنا[2] وهو صاعد إلى السماء ، فرحوا وقال “ ارتفعن أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد ” (مز8:24). أما البشر فعندما رأوا نعمة الروح القدس وهى تحل علينا قالوا إن هؤلاء الذين تقبلوا هذه النعمة سكارى . بل أن هؤلاء اليهود لم يعرفوا حتى مواسم السنة الزراعية، لأنه من غير الممكن أن يتواجد فى فصل الربيع (وقت الاحتفال بعيد الخمسين حينذاك) هذا النوع من العنب حلو المذاق الذى يصلح لعمل هذا النوع من الخمر .

          لكن لنترك هؤلاء ، ولنفحص نحن عطية الله محب البشر لنا . لقد أخذ المسيح طبيعتنا وأعطانا فى المقابل نعمة الروح القدس. وكما يحدث فى الحرب التى يطول مداها أنه عندما تتوقف المعارك ويحل السلام، فإن الأعداء يتبادلون الضمانات والأسرى، هكذا صار بين الله والبشر، فلقد أصعد المسيح باكورة طبيعتنا إلى السماء، إلى الله كعربون وضمان، وأرسل لنا الله الروح القدس كضامن. وما يبين أن ما لدينا هو عهد وضمان ما يأتى. المتعهد والضامن لابد أن يكونا من جنس ملوكى . ولهذا أرسل الروح القدس إذ هو من جوهر ملوكى فائق ، وأيضًا ما قُدم من جهتنا كان من جنس ملوكى ، إذ كان من نسل داود ولهذا فنحن لا نخاف بعد ، طالما أن باكورتنا هى فى السماء . وحتى إن هددنى شخص بالعذاب الأبدى وبالنار التى لا تُطفأ أو بأى عقاب آخر ، فلن أخاف إذن . أو بالحرى سأخاف غير أنى لن أكون يائسًا من خلاصى . لأنه لو كان الله لم يَرِد خيرات عظيمة للإنسان ، لما كان قد قَبِلَ باكورتنا فى السماء .

          فقبل ذلك ـ عندما كنا نتطلع إلى السماء ونفكر فى القوات السمائية غير المتجسدة، كنا نتأكد بالأكثرـ بالمقارنة مع هذه القوات ـ من ضعفنا. أما الآن، فعندما نريد أن نرى ما صار لنا من كرامة فإننا نتطلع عاليًا نحو السماء إلى عرش الله نفسه لأن هناك تجلس باكورتنا. وهكذا سيأتى ابن الله من السماء ليديننا. فلنستعد إذن لكى لا نخسر ذلك المجد لأن سيدنا قادم بالتأكيد ولن يتأخر . سيأتى ومعه قوات وطغمات الملائكة وأرباب ورؤساء ملائكة ، وأجيال الشهداء وجماعات الأتقياء ، وكثير من الأنبياء والرسل ووسط هذه الكوكبة سيظهر الملك بمجد لا يُوصف ولا يُعبر عنه .

          6 ـ لنفعل إذن كل ما فى جهدنا لكى لا نخسر ذلك المجد . أتريدون أن أقول لكم عن الأشياء المخيفة أيضًا ؟ لا لكى أحزنكم بل لكى أًصلِحَكم . حينذاك سوف يجرى نهر من نار قدامه (دانيال10:7) وسوف تُفتح الأسفار. وستكون محاكمة رهيبة . فكما فى المحكمة تُقرأ عرائض تخص أعمالنا، وهكذا يتكلم الأنبياء عن هذه الأسفار . فيقول موسى ” والآن إن غفرت خطيتهم . وإلاّ فامحنى من كتابك الذى كتبت ” (خر32:32). كما أن السيد المسيح قال لتلاميذه ” لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم بل افرحوا بالحرى أن أسماءكم كُتبت فى السموات ” (لو20:10) وداود أيضًا كتب قائلاً ” رأت عيناك أعضائى وفى سفرك كلها كتبت ” (مز16:138). وأيضًا قال “ليُمحو من سفر الأحياء ومع الصديقين لا يُكتبوا” (مز29:69).

          أترى أن البعض تُكتب أسمائهم والبعض تمحى أسمائهم ؟ أتريد أن تعلم أنه ليس فقط أسماء الأبرار هى التى تُكتب فى هذه الأسفار بل وأيضًا خطايانا؟

اليوم عيد واليوم نتعلم أمورًا تقدر أن تنجينا من الهلاك . الكلمات مرعبة لكنها مفيدة ونافعة ، إذ هى قادرة أن تنقذنا من التهاون فى حياتنا الروحية. ولنعلم إذن أن خطايانا تُسجل ، وأيضًا ما نقوله هنا فى الحال يُكتب هناك . لكن من أين عرفنا هذا ؟ لأنه ليس من اللائق أن نتكلم باستخفاف فى أمور هكذا . يقول ملاخى لليهود ” لقد أتعبتم الرب بكلامكم” وبأى طريقة ؟ يقول “بقولكم كل من يفعل الشر فهو صالح فى عينى الرب” (ملاخى17:2). هذه الكلمات هى أقوال عبيد ينكرون المعروف ومع هذا فقد قبلهم الله إذ يقول الكتاب إنه قَبِل هؤلاء الذين لم يخدموه بل قالوا عنه ” عبادة الله باطلة وما المنفعة من أننا حفظنا شعائره وأننا سلكنا بالحزن قدام رب الجنود والآن نحن مطوبون المستكبرين ” (ملاخى14:3ـ15)، أى يقولون إنهم طوال النهار يعملون وآخرين يتمتعون بالخيرات . مثل هذه الأقوال يرددها العبيد دائمًا أمام سادتهم . وأن يقولها إنسان لإنسان آخر مثله ، فهذا أمر ليس بهذه الخطورة ، أما أن يقول شخص مثل هذه الكلمات لرب الكون كله ـ الذى هو رحيم ومحب البشر ـ فهذا أمر خطير فعلاً ويفوق كل حكم ويستحق أشد العقاب. لكن لنعلم أن هذه الأقوال تُدون ، أسمع ما يقوله النبى “والرب أصغى وسمع وكتب أمامه سفر تذكرة للذين اتقوا الرب وللمفكرين في اسمه” (ملاخى16:3). وهذه الأقوال تُدون، لا لأن الله سيذكّرنا باليوم الذى قلناها فيه لكن لكى يحضر لنا السفر كشهادة علينا لإدانتنا .

          ربما أكون قد أثرت مشاعر الخوف فى نفوسكم ، وليس فقط نفوسكم بل بالحرى فى نفسى أنا أولاً أيضًا. وهيا لأختم عظتى، بل بالحرى لأوقف الخوف، والأفضل من ذلك، أنى لا أوقف الخوف فقط، بل أتكلم بكلمات معزية لنفوسكم. لأنه حتى إن بقى الخوف، فليبق ليطهر ولينقى نفوسنا، ولنجعله أكثر احتمالاً. فكيف سنستطيع إذن أن نحدّ من هذا الخوف؟ إن نحن بيّنا أن الخطايا لا تُدون فقط لكنها أيضًا تُمحى. ففى المحاكم هنا تدون الأقوال التى يُدان بها المتهم، فى صحائف فورًا، ولا يمكن أن تُمحى هذه الأقوال بعد ذلك . أما فى ذلك السفر حتى وإن فعلت بعض الشرور وأردت أن تمحى فإنها تُمحى .

          ومن أين نعرف هذا ؟ من الكتاب المقدس إذ يقول ” استر وجهك عن خطاياى وامح كل آثامى ” (مز9:51). ولن يستطيع شخص أن يمحو شيئًا لم يُكتب وبالتالى إذا كانت هذه الآثام قد دونت، فالآن هو يصلى أن تُمحى.

          وشخص آخر يعلّم كيف تُمحى هذه الآثام فيقول ” بالرحمة والحق يستر الإثم ” (أم6:16). فهى لا تُشطب فقط بل تُمحى تمامًا حتى أنه لا يتبقى لها أثر. وليست الخطايا التى عملناها بعد المعمودية فقط هى التى تُمحى ؛ بل والتى عُملت قبلها أيضًا . فكل الخطايا قد مُحيت بمياه المعمودية وبصليب المسيح. تمامًا كما يقول الرسول بولس ” إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدًا لنا وقد رفعه من الوسط مسمرًا إياه بالصليب ” (كو14:2). أرأيت كيف أن ذلك الصك قد مُحى ولم يُمح فقط بل قد تمزق إذ مزقته مسامير الصليب ، فأصبح بلا قيمة .

          فتلك الخطايا قد انمحت كلها بنعمة وقوة المسيح الذى صُلب عنا لأجل محبته لنا، أما خطايانا نحن بعد المعمودية فإنها تحتاج إلى جهاد عظيم لكى نتطهر منها، وإذ لا توجد معمودية ثانية، بل يتم ذلك بدموعنا، بتوبتنا، بأعمال الرحمة، بالصلاة وبكل سبل التقوى. وهكذا فبعد المعمودية تتنقى الخطايا بكثير من الجهد وبكثير من التعب. فلنحاول إذن بكل طريقة أن نتطهر منها فى هذه الحياة (هنا) حتى نفلت من الخجل والعقاب فى الدهر الآتى (هناك). لأنه وحتى إن كنا قد فعلنا خطايا لا تحصى، فإننا إن أردنا، نستطيع أن نلقى عنا كل حمل هذه الخطايا . فلتكن لنا هذه الإرادة إذن، لأنه من الأفضل جدًا أن نتعب قليلاً هنا وأن نعتق من العقاب الشديد بدلاً من أن نهمل أثناء فترة حياتنا القصيرة ونعبر إلى ذلك العقاب الأبدى .

          7 ـ والآن قد حان الوقت لنلخص ما قلناه: نلوم هؤلاء الذين يأتون إلى هنا مرة واحدة فى السنة (فى العيد) لأنهم يقبلون أن يعّروا أمهم (الكنيسة). وذكّرناهم بحدث قديم، ببركة ولعنة. تحدثنا عن أعياد اليهود ولماذا أعطاهم الرب وصية أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات فقط فى العام . وقلنا أن أعياد الخمسين والقيامة والظهور الإلهى هى أعياد دائمة . وشرحنا كيف أن العيد يُحتفل به بقلب نقى وليس بتحديدات زمنية .

          وبعد ذلك كان حديثنا عن العطايا التى أتت إلينا من السماء وبيّنا أنها دليل على المصالحة بين الله والإنسان . وأثبتنا أن الروح القدس هو العامل فى غفران الخطايا، فى جوابنا على قول الكاهن فى الصلاة ” السلام لجميعكم “، وفى كلام الحكمة (الإلهية) ، فى معرفتنا (لله) ، فى السيامات ، وفى الذبيحة السرائرية . وقلنا إن المسيح كباكورة لنا هو عربون، والروح القدس هو ضمان . ثم ذكرنا الأسباب التى من أجلها لا تحدث معجزات الآن . وبعد ذلك ذكّرناكم بالدينونة وبالأسفار التى ستُفتح وأن كل خطايانا تُدون ، كما بيّنا أنه لو أردنا فإن هذه الخطايا يمكن أن تُمحى أيضًا .

          فلتتذكروا كل هذا إذن ، وإن كان من الصعب تذكرها جميعًا ، فعلى الأقل فلتتذكروا الكلام عن تلك الأسفار (التى تُدون  فيها الخطايا). وبكل ما سوف تجيبون به وكأنكم أما شخص يدون ما تقولونه ، لذلك فليكن كلامكم بحذر ولتذكروا دائمًا ما قد قيل. حتى أن من كانت أسمائهم مسجلة فى سفر الأبرار يجاهدون بالأكثر، ومن كانت لديهم خطايا مدونة عليهم، يتطهرون منها هنا على الأرض بدون أن يعرف أحد ، حتى يتجنبوا التشهير بهم فى يوم الدينونة. لأنه، وحسبما بيّنا أنه من الممكن حقيقة أن نمحو بالصلاة والتقوى والجهاد كل الخطايا المدونة علينا .

          ولنهتم كل لحظة لكى نستطيع الحصول على الغفران الآن حتى أننا عندما نذهب إلى الحياة الأخرى، نتجنب كلنا العقاب الشديد ، ولنأمل أن نكون مستحقين لملكوت السموات بنعمة ربنا يسوع المسيح ومحبته للبشر الذى له المجد والقوة مع الآب والروح القدس ، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور . آمين.

 

3  ويقصد به الأسقف فلافيوس ، أسقف مدينة إنطاكية.

4 ويقصد الطبيعة البشرية فى شخص المسيح. أنظر القداس الغريغورى “أصعدت باكورتى إلى السماء ” .

 

عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

الجزء الثاني: عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

عيد الخمسين

عظة فى “عيد حلول الروح القدس”

للقديس يوحنا ذهبى الفم

ترجمها عن اليونانية د. جوزيف موريس فلتس

مقدمة

 

          ألقى القديس يوحنا ذهبى الفم عظتين عن عيد الخمسين فى إنطاكية ، وغير معروف بالضبط زمن إلقاء هاتين العظتين. ربما تكون قد أُلقيت بعد عام 386م حيث كان ذهبى الفم قد سيم كاهنًا وذلك لأنه يشير إلى حضور الأسقف فلافيوس أسقف إنطاكية وسماعه للعظة . ويمكن أيضًا افتراض أن العظتين قد أُلقيتا فى عيدين متتاليين أو ربما يكون الفارق الزمنى بينهما ليس كبيرًا .

          المحور الأساسى للعظتين هو حلول الروح القدس . غير أن ذهبى الفم لم يتناول هذا الموضوع بالطريقة نفسها فى العظتين مستخدمًا آيات مختلفة فى كل عظة من العظتين ليدلل على رأيه . ففى العظة الأولى يشرح لماذا لا تحدث معجزات الآن، كيف أن الخطايا تُدون فى كتاب. وفى الثانية يركز على ثمار الروح القدس ويحارب بدعة “مقاومى الروح” والمقدونيين الذين أنكروا ألوهية الروح القدس حاسبين إياه من المخلوقات.

          النص اليونانى للعظتين موجود فى سلسلة مجموعة النصوص اليونانية، باترولوجيا مينى الجزء الخمسين PG. 50, 453-470. وننشر هنا ترجمة للعظة الأولى منهما. ترجم هذه العظة عن اليونانية دكتور جوزيف موريس فلتس الباحث بالمركز.

                   ولإلهنا المحب الآب والابن والروح القدس الثالوث المساوى كل مجد وسجود وتسبيح الآن وإلى دهر الدهور . آمين .

الأحد الخامس من الخمسين المقدسة

المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة

 

عيد الخمسين

عظة عن

عيد حلول الروح القدس

للقديس يوحنا ذهبى الفم

 

          1 ـ مرة أخرى نعيّد ، مرة أخرى نحتفل ، والكنيسة ، تلك الأم المحبة جدًا ـ كثيرة الأولاد ـ تفتخر بكل هذا العدد من أولادها . ولكن ما فائدة تلك المحبة، إذا كانت لا ترى الأوجه المحببة لأولادها باستمرار، بل تراها فى الأعياد فقط، مثل من يملك ثوبًا رائعًا ولكن لا يسمحون له بارتدائه باستمرار؟ لأن ثوب الكنيسة هو هذا الجمع الذى يأتى إلى الكنيسة، كما يقول النبى بالوحى الإلهى : ” إنك تلبسين كلهم كحلى وتتنطقين بهم كعروس” (إش18:49).

          وبالضبط كما أن المرأة العاقلة والحرة داخليًا تظهر أكثر احترامًا وأكثر احتشامًا عندما ترتدى الملابس الطويلة حتى أقدامها، هكذا فالكنيسة تبدو اليوم أكثر بهجة لأنها محاطة بالعدد الغفير من أجسامنا وردائها طويل، ولا يمكن أن ترى اليوم جزءً منها عاريًا (خاليًا منا)[1] كما فى الأيام السابقة، حيث كان الذين حضروا اليوم فقط سببًا فى عرى الكنيسة بالأمس، هؤلاء الذين لا يهتموا بالأمر . ولكى نعرف أنه ليس بالخطر البسيط أن تُترك الأم عارية، علينا أن نتذكر قصة قديمة . لنتذكر ذلك الذى نظر والده عاريًا وعُوقب من أجل هذا فقط (تك20:9ـ27) ومع أنه لم يكن هو الذى عرى أبيه بل فقط نظره وهو عارى فإنه مع ذلك لم يُعف من العقاب . لكن الذين أتوا اليوم فقط ولم يأتوا فى الأيام السابقة لم ينظروا الأم عارية، لكنهم هم الذين عروها . فإن كان ذاك الذى نظر العرى فقط لم يفلت من العقاب، فكيف يُصفح عن هؤلاء الذين كانوا سببًا فى العرى .

          وما أقوله هذا لا أريد به أن أوبخكم بل أريد أن أجنبكم العقوبة، لكى تتجنبوا لعنة “حام”، ولنتمثل بمحبة “سام” و”يافث” ونوقر نحن أيضًا أمنا دائمًا.

          إن التقاليد اليهودية كانت تحتم علي الشعب اليهودى أن يظهروا أمام الله ثلاث مرات فى السنة. فقد قال لهم الرب ” ثلاث مرات فى السنة يظهر جميع ذكورك أمام السيد الرب ” (خر7:23).

          أما نحن فالرب يريدنا أن نظهر أمامه دائمًا. فهؤلاء كانوا يجتمعون ثلاث مرات فقط بسبب بُعد المسافات إذ أن عبادة الله حينذاك كانت محدودة فى موضع معين ، ولهذا كان ظهورهم أمام الله قليلاً ، لأنه كان من الضرورى أن يحجوا لأورشليم وليس لموضع آخر . ولهذا فقد أعطاهم وصية أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات فى السنة ، وكان لديهم عذر بًعد المسافات . الأمر الذى لا نعانى نحن منه . فقد كانوا مشتتين فى كل أرجاء الأرض إذ يقول ” وكان يهود رجال أتقياء من كل أمة تحت السماء ساكنين أورشليم ” (أع5:2).

          أما نحن ، وإن كنا لا نقطن كلنا فى مدينة واحدة ، إلاّ أنه تجمعنا أسوار واحدة وفى كثير من الأحيان لا يفصلنا عن الكنيسة ولا حتى شارع ضيق ، ومع ذلك فنحن نأتى إلى هذا الاجتماع المقدس مرات قليلة مثل هؤلاء الذين كانت تفصلهم بحار.

          لهؤلاء أعطى الرب وصية أن يظهروا أمامه ثلاث مرات فى السنة، أما لنا نحن فقد أوصانا أن نعيّد دائمًا، لأن لدينا عيد دائم ولكى تعلموا أن لدينا عيد دائم سأقول لكم عن موضوع كل عيد وستعرفون أن كل يوم هو عيد عندنا .

          عيدنا الأول هو عيد الأبيفانيا: فما هو موضوع هذا العيد ؟ يقول باروخ النبى: ” وبعد ذلك تراءى على الأرض ومشى بين الناس ” (باروخ38:3)، لأن ابن الله الوحيد هو معنا وإلى الأبد لأنه يقول ” انظروا هاأنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت20:28) ، ولهذا فمن الممكن أن نعيّد الثيوفانيا (عيد الظهور الإلهى) كل الأيام .

          ولأى سبب نحتفل بالبصخة ؟ (عيد القيامة) وما الداعى لهذا العيد ؟ ،

          فى ذلك العيد نبشر الكل بموت الرب ، وهذا هو معنى البصخة، إلاّ أنه ولا حتى هذا نفعله فى وقت معين.

          والرسول بولس يريد أن يعفينا من التقيد بالتحديدات الزمنية، ولكى يبرهن لنا على أنه يمكننا أن نحتفل دائمًا بالبصخة فإنه يكتب قائلاً ” لأنه فى كل مرة تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس تبشرون بموت الرب ” (1كو26:11).

          فطالما نستطيع دائمًا أن نبشر علنًا بموت الرب ، فإننا نستطيع دائمًا أن نحتفل بالبصخة (بعيد القيامة).

          أتريدون أن تعلموا أنه يمكن الاحتفال كل يوم بالعيد الذى نعيّد له فى هذا اليوم؟ لنرى سبب هذا العيد ودواعى احتفالنا به : نحتفل بهذا العيد لأن الروح القدس قد أتى إلينا ، لأنه كما أن ابن الله الوحيد هو مع المؤمنين ، هكذا فإن الروح القدس هو أيضًا بالتمام معكم . ومن أين نعرف هذا ؟ يقول السيد المسيح إن “من يحبنى“، ويكمل قائلاً “سيحفظ وصاياى وأنا سأطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد ” (يو15:14ـ 17). كما قال السيد المسيح عن نفسه ” إنى سأمكث معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” ولهذا نستطيع أن نعيّد لعيد الظهور الإلهى[2]، هكذا قال عن الروح القدس إنه معكم إلى انقضاء الدهر ولهذا نستطيع أن نعيّد دائمًا عيد الخمسين .

          2 ـ أرأيت أنه لم يقيدك بوقت معين، لكنه يشجعك على أن يكون لك خمير نقى ؟

          وأريد أن أخصص كل عظتى لهذا الأمر لأن أولئك الذين يقبضون على آخرين بعد جهد كبير لا يخلون سبيلهم بسهولة. ولأنى أمسكتكم فى شباكى بعد زمن طويل ، أنتم الذين جئتم إلى هنا بعد غياب ، فإنى لا أريد أن أترككم اليوم . ولكى لا تمضوا بدون أن تسمعوا شيئًا عن هذا العيد ، فإنى سأخصص حديثى الآن عن سبب هذا العيد .

          لقد أُعطى الجنس البشرى كله خيرات كثيرة من السماء ولمرات عديدة، أما مثل خيرات هذا العيد فلم يُعطَ أبدًا قبل هذا اليوم .

          اعلموا إذن ما هى الخيرات السابقة وما هى خيرات اليوم لتعرفوا الفرق بينهما. يقول المزمور ” وأمطر عليكم منًا للأكل ، وبَرُّ السماء أعطاهم ” (مز24:78).

          إذن فقد أكل الإنسان خبز الملائكة. إن هذا الأمر عظيم وجدير بمحبة الله للبشر. ثم بعد هذا أرسل نارًا وأعاد شعب إسرائيل إلى طريق الرب بعد أن كانوا قد ابتعدوا عنه ، ثم أصعد ذبيحتهم من على المذبح. ثم سقط المطر مرة أخرى عندما كادوا يهلكون من الجوع وجعل حصاد ذلك العام وفيرًا .

          عظيمة هى هذه المعجزات ، لكن أعظم منها هى معجزات اليوم . لأن اليوم لم يسقط مَنّ ولا نار ولا مطر من السماء، لكن هطلت بركات روحية غزيرة. سقط من السماء مطر لا لكى يجعل الأرض تفيض بالأثمار، بل لكى يقنع الجنس البشرى فيقدم ثمار الفضيلة لفلاّح البشرية (المسيح). وهؤلاء الذين تقبلوا قطرة من هذا المطر السماوى، أنكروا ذواتهم على الفور ، وفجأة امتلأت الأرض كلها بملائكة، ملائكة ليست سماوية لكن مظهرين بأعمال أجسادهم البشرية فضائل القوات غير المتجسدة. لأن الملائكة لم تهبط من السماء، لكن الأمر الأكثر عجبًا هو أن البشر قد صعدوا إلى مرتبة فضائل الملائكة . وأعنى أنهم لم يتجولوا كنفوس مجردة عارية ، بسبب إهمالهم الاهتمام بأجسادهم، لكنهم وهم فى الجسد صاروا ملائكة فى الفضيلة .

          ولكى تعلم أن العقاب الأول (لآدم) لم يكن عقابًا، أى عندما قال الله “أنت تراب وإلى التراب تعود ” (تك19:3) فقد تركك لتبقى على الأرض، لكى تظهر بالأكثر قوة الروح القدس، وذلك حينما يصل هذا الجسد الترابى إلى مثل تلك الإنجازات (الروحية). (إذًا بواسطة عمل الروح القدس فى الإنسان) أمكن للمرء أن يرى لغة تخرج (من فم) ترابى وتقدر أن تشفى المرض، وأكثر من هذا، فإنه لم تُرَ اليد فقط، لكن أشياء أكثر أعجازًا ، فظلال الأجساد الذى هى من طين أمكنها أن تنتصر على الموت وعلى قوات الشر غير المتجسدة ، وأعنى الشياطين .

          لأنه كما ينقشع الظلام بشروق الشمس وكما تختبئ الوحوش الكاسرة داخل جحورها وكما يهرب القتلة واللصوص ونباّش القبور إلى قمم الجبال، هكذا عندما بدأ بطرس الرسول كلامه، انقشع ظلام الضلالة وهرب الشيطان، وفرت قوات الشر واختفت الأمراض الجسدانية، وشُفيت النفوس المريضة، وتلاشت كل الشرور وعادت الفضيلة إلى الأرض .

          وكما أنه إن استطاع أحد العاملين بالخزائن الملّكية التى تحوى الذهب والأحجار الكريمة أن يحصل بموافقة المختصين على إحدى هذه الجواهر أو الأحجار حتى ولو كانت صغيرة، فإنه يصير غنيًا جدًا. هكذا صار أيضًا للكلمات التى خرجت من أفواه الرسل، إذ أن أفواههم كانت خزائن ملكية حُفظ فى داخلها كنز شفى أمراضًا كثيرة . وكل كلمة خرجت كانت سببًا فى ثراء روحى كبير .

          فقد كان ممكنًا حينذاك أن يرى المرء بالفعل أن كلمات الرب كانت تمثل مشتهى كثيرين أكثر من الذهب والأحجار الكريمة . إذ أن الأمر الذى استعصى تنفيذه بواسطة الذهب والأحجار الكريمة تحقق بكلام بطرس الرسول . فبالفعل كم هى عدد الدراهم التى كان يمكن أن تشفى ذلك الذى كان مقعدًا منذ ولادته ؟ لكن استطاعت كلمات بطرس أن  تقيمه من عجزه الطبيعى هذا . فقد قال له “ باسم يسوع المسيح قم وامش ” (أع6:3) وقوله تحقق فى الحال .

أرأيت كيف أن كلمة الرب هى مشتهاة أكثر من الذهب والأحجار الكريمة؟ أرأيت كيف أن أفواه الرسل كانت خزائن ملكية .

بالفعل كان الرسل أطباء ، وزرّاع ، وربانية سفن ؛

كانوا أطباء ، لأنهم شفوا مرضى ،

وزرّاع ، لأنهم بذروا كلمة التقوى ،

وربانية ، لأنهم أسكتوا نوات الضلال .

          ولهذا فقد قال لهم الرب مرة ” أذهبوا واشفوا المرضى ” (مت8:15). كما لو أنه يتحدث إلى أطباء ،

          ومرة أخرى قال لهم ” أرسلكم الآن لتحصدوا ما لم تتعبوا فى غرسه ” (يو38:4)، كما لو كان يتكلم مع زرّاع ،

          وفى موضع آخر قال لهم ” سأجعلكم صيادى الناس ” (مت19:4) ، وقال لبطرس ” لا تخف ، من الآن تكون تصطاد الناس ” (لو10:5) وكأنه يتحدث إلى ربانية سفن وصيادين . وهكذا فقد كان من الممكن أن يرى المرء معجزة تلى معجزة .

          لقد صعدت الطبيعة البشرية قبل عشرة أيام إلى عرش الله الملوكى واليوم حلّ الروح القدس عليها. لقد أصعد الرب باكورتنا وأرسل لنا الروح القدس . والروح أيضًا هو رب ، وهو واهب هذه العطايا . فهو والآب والابن يدبرون كل احتياجاتنا .

          فقبل عشرة أيام صعد المسيح إلى السماء ، وأرسل لنا مواهب روحية ، وعطايا هذه المصالحة . ولكى لا يشك أحد إذن ، أو يتساءل : ” ماذا فعل المسيح عندما صعد إلى السماء، هل صالحنا مع الآب ؟ هل جعل الآب يسامحنا ؟ ولكى يُظهر لنا أنه قد صالح الجنس البشرى بالآب ، فقد أرسل لنا مباشرة عطايا هذه المصالحة، لأنه عندما يتصالح الأعداء ، فإنهم حالاً ما يتبادلون كلمات الأمنيات الطيبة والولائم والهدايا .

لقد قدمنا نحن إيماننا، وأخذنا عطايا سماوية، قدمنا طاعة، وأخذنا تبريرًا.

 

          3 ـ ولكى تعلموا أننا أخذنا الروح القدس كعطية تصالح الله معنا. سأحاول أن أقنعكم من الكتاب المقدس. وسأبدأ أولاً بمحاولة إثبات العكس وإثبات أن الله لا يرسل نعمة الروح القدس إذا كان غاضبًا منا ، لكيما إذا اقتنعت بأن غياب الروح القدس هو دليل غضب الله ، تتأكد أن إرساله مرة أخرى هو دليل المصالحة ، لأنه لو لم تكن المصالحة قد تمت لَما أرسل الروح القدس . من أين لنا أن نعرف ذلك ؟

          كان عالى (الكاهن) إنسانًا متقدمًا فى السن وكان صالحًا وتقيًا فى كل شئ، غير أنه لم يكن يعرف كيف يُصلح أخطاء أولاده، إذ كان يحبهم بطريقة مبالغ فيها، واسمعوا أنتم يا من لديكم أبناء، وليكن لديكم المعايير المناسبة فى محبتكم لأولادكم (حتى لا تفسدوهم) وليكون الاحترام قائم بينكم.

          لقد أثار عالى ، بفعله هذا ، غضب الله جدًا إلى الحد الذى جعل الله يصرف وجهه عن كل جنس عالى الكاهن. ولكى يُظهر كاتب السفر موقف الله الغاضب قال “ وكانت كلمة الرب عزيزة فى تلك الأيام لم تكن رؤيا كثيرًا ” (1صم1:3)، ومعنى أن الكلام عزيز هو ندرته، إذ بقوله هذا أوضح أن النبوات كانت نادرة . وشخص آخر كان يبكى وينتحب لأجل غضب الله ” ليس لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبي ولا قائد ولا محرقة ولا ذبيحة ولا تقدمة ولا بخور ولا موضع لتقريب البواكير أمامك ”      (دا38:3)، والإنجيلى يقول أيضًا “ لأن الروح لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد” (يو39:7). بمعنى أنه لم يكن ” قد صُلب ” بعد، فإن الروح لم يكن قد أُعطى بعد للبشر وذلك لأن ” قد صُلب ” معناها ” قد مُجد” ورغم أن عملية الصلب بطبيعتها عملية مهينة ، لكن لأنها تمت لأجل من أحبهم ، فلهذا يدعوها المسيح ” مجد “. لكن ما هو السبب فى أن الروح القدس لم يُعط قبل الصلب ؟ لأن البشرية كانت تعيش فى الخطية وفى العثرات، وفى البغضة والضلال، إذ أن الحمل الذى حمل خطايا العالم، لم يكن قد قُدم ذبيحة بعد. المسيح لم يكن قد صُلب، لذلك لم تكن هناك مصالحة، وبما أنه لم تكن هناك مصالحة ، كان من المناسب عدم إرسال الروح القدس. وبالتالى، بما أنه أرسل الروح القدس فهذا يعنى أن المصالحة قد تمت. ولهذا قال السيد المسيح ” إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ” (يو7:16). إن لم أنطلق ـ يقول ـ لا تتم المصالحة مع الآب ، ولذلك لن أرسل لكم المعزى .

          أرأيتم بكم من البراهين أشرنا إلى أن غياب الروح القدس من بين البشر كان علامة على غضب الله ؟ ” كانت كلمة الرب عزيزة ، ولم تكن رؤيا كثيرًا “، ” ليس لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبي ولا قائد ولا محرقة ولا ذبيحة ولا تقدمة ولا بخور ولا موضع لتقريب البواكير أمامك“، لماذا “لأن الروح لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد “. ” خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى“. وعندما ترى أن الروح القدس يأتى بغنى فلا تشك إطلاقًا فى أن هذه المصالحة قد تمت.

          ويمكن أن يسأل أحد : أين هو الروح القدس الآن؟. لأنه عندما كانت تحدث المعجزات، ويقوم الأموات ، ويتطهر البرّص، كان يمكن التحدث عن عمل الروح القدس ، أما الآن كيف نثبت أن الروح القدس معنا؟ لا تخافوا لأنى سأبين لكم كيف أن الروح القدس معنا الآن . كيف وبأى طريقة ؟ إن لم يكن الروح القدس معنا الآن بالفعل ، كيف يتطهر الذين تعمدوا من خطاياهم فى تلك الليلة المقدسة لأنه لا يقدر أحد أن يتخلص من خطاياه بدون فعل الروح القدس .

          واسمعوا الرسول بولس الذى يقول ” لأننا نحن أيضًا كنا أغنياء وغير طائعين ضالين مستعبدين لشهوات ولذّات مختلفة عائشين فى الخبث والحسد ممقوتين مبغضين بعضنا بعضًا، ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه لا بأعمال في بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس ” (تيطس3:3ـ5). وفى موضع آخر يقول ” لا تضلوا لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مابونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله ” (1كو9:6ـ10) ، أرأيت كل هذه الشرور “وهكذا كان أناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع و بروح إلهنا ” (1كو11:6).

          كيف تم هذا ؟ هذا ما نريد أن نعرفه . هل غُفرت الخطايا بعمل الروح القدس ؟ فلنسمع ” لكن اغتسلتم بل وتقدستم لأنكم اعتمدتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا“. أرأيت إذن أن الروح القدس يمحو كل هذه الخطايا؟

 

1  بسبب كثرة عدد المؤمنين المتواجدين بالكنيسة.

2  يقصد به عيد الميلاد .

 

عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

ميلاد المسيح – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

ميلاد المسيح – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

ميلاد المسيح – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

مقدمة

          هذه العظة تحمل عنوان ” يوم ميلاد المخلص ” وقد أُلقيت كما هو واضح يوم عيد الميلاد، وفيها يعلّم القديس يوحنا ذهبى الفم عن ميلاد المسيح من العذراء، أى لماذا أخذ شكل إنسانى، وبأى طريقة أخذه، ولماذا اختار هذه الطريقة.

          وقد قدم فى هذه العظة تفسيرًا قيمًا مدعمًا هذا التفسير باقتباسات من العهدين القديم والجديد.

          غير معروف على وجه التحديد زمن إلقاء هذه العظة، لكنه واضح أن ذهبى الفم كان يقاوم الهرطقة الآريوسية دون أن يشير إليها صراحةً، والتى شغلت المجمع المسكونى الأول والمجمع المسكونى الثانى (325، 381م) ويبدو للمرء أنه فى جزء من العظة صار تحليل لجزء من قانون الإيمان الذى يتحدث عن ألوهية المسيح، وهذا يدعونا إلى الاعتقاد أن تاريخ هذه العظة ليس بعيدًا عن سنة 381م. ويرجح أنه ألقاها بعد سيامته كاهنًا فى إنطاكية سنة 386م، وربما فى سنة 387م بإنطاكية.

تُرجمت هذه العظة من باترولوجيا Migne الجزء 56 من ص 385 ـ 394.

ولإلهنا المحب الآب والابن والروح القدس الثالوث المساوى كل مجد وسجود وتسبيح الآن وإلى دهر الدهور . آمين .

المركز الأرثوذكسى

للدراسات الآبائية بالقاهرة

 

ميلاد المسيح

للقديس يوحنا ذهبي الفم

        أرى سرًا عجيبًا ومدهشًا، أسمع أصوات رعاة يصلوّن بتسبيح سماوي. ملائكة يرتلون، رؤساء ملائكة يمجدون، الشاروبيم يسبحون، والساروفيم يمجدون، الجميع يحتفلون برؤية الله على الأرض والإنسان في السماوات. وهذا الكائن أصلاً في السماء، يرونه بسبب تنازله ـ كائنًا على الأرض، وهذا الذي هو أصلاً على الأرض (أي الإنسان)، يرونه ـ بسبب محبة الله للبشر ـ موجودًا في السماء.

            اليوم تشبهت بيت لحم بالسماء وبدلاً من النجوم استقبلت الملائكة الذين يمجدون، وبدلاً من الشمس، قبلت شمس البر بأسلوب لا يوصف. ولا نطلب أن نعرف كيف حدث هذا. لأنه عندما يريد الله فإن القوانين الطبيعية تنهزم. لذلك فهو قد تمم ما أراده، نزل إلى الأرض, وخلّص الإنسان. اليوم وُلِدَ هذا الكائن منذ الدهور، والموجود منذ الأزل صار إنسانًا، دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. لأنه لم يصر إنسانًا متخليًا عن ألوهيته، ولا أيضًا صار إلهًا نتيجة تقدم أخلاقي، لكن بينما هو كلمة  الله صار إنساناُ دون أن يعاني أي تغيير في طبيعته (الإلهية).

          عندما وُلِدَ رفض اليهود ميلاده العجيب، والفريسيين أساءوا تفسير الكتب الإلهية، والكتبة تكلموا وقالوا عكس الناموس. هيرودس طلب أن يجد الطفل الذي وُلد لا لكي يُكرمه بل لكي يقتله (متى13:2). اليوم رأوا أمورًا مختلفة. لأنه كما يقول المزمور” لا تخفي عن بنيهم إلى الجيل الآخر مخبرين بتسابيح الرب وقوته وعجائبه التي صنع ” (مز4:78).

          والملوك أتوا وهم مملوئين بالدهشة من الملك السماوي، كيف أتى إلى الأرض بدون ملائكة،بدون عروش، بدون قوات، بدون سلطات، لكن سار في طريق عجيب، لم يعبر فيه أحد ودون أن يترك ملائكته محرومين من حمايته ولا أخذ جسدًا إنسانيًا وهو تارك لألوهيته. الملوك إذن سجدوا للملك السماوي، أتت الأجناد السماوية لكي تخدم رئيس القوات، أتت النساء لكي يسجدن للذي وُلِدَ من امرأة، لكي يحول فيما بعد حزن المرأة إلى فرح، وأتت العذارى لكي يسجدن لطفل العذراء، مندهشين كيف أن هذا الذي خلق الثدي واللبن وجعل الثدي يخرج لبن من نفسه، أخذ شكل طفل من أم عذراء. أتى الأطفال لكي يسجدوا لذاك الذي صار طفلاً، لكي يُنشد تسبيح المجد من أفواه الأطفال والرضعان. أتى الرجال لكي يسجدوا لذاك الذي صار إنسانًا وخلص العبيد من الشرور التي أصابتهم. أتى الرعاة لكي يسجدوا للراعي الصالح الذي قدم حياته من أجل الخراف. أتى الكهنة لكي يسجدوا لذاك الذي أخذ شكل العبد لكي يمنح الحرية للمستعبدين. أتى الصيادون لكي يسجدوا لذاك الذي حّول الصيادين إلى صيادين للناس. أتى العشارون لكي يروا ويسجدوا لذاك الذي حولهم من عشارين إلى مبشرين. أتت الزانيات لكي يسجدن لذاك الذي ترك قدميه لدموع زانية. كل الخطاة أتوا لكي يروا حمل الله الذي يحمل على كتفية خطية العالم، المجوس وضعوه نصب أعينهم، الرعاة باركوه، العشارون بشروا به، الزانيات قدمن طيبًا، السامرية عطشت لمصدر الحياة، الكنعانية أظهرت إيمانًا ثابتًا.

          إذن فطالما أن الجميع ارتكضوا من الفرح، أريد أنا أيضًا أن ارتكض، أريد أن أحتفل، وأرقص لا عازفًا على قيثارة ولا محركًا لأوتار، ولا لاعبًا على مزمار ولا ماسكًا لشموع مضيئة ولكن ماسكًا أقماط المسيح بدلاً من الآلات الموسيقية. لأن هذه الأقماط هي رجائي، هي حياتي، هي خلاصي، هي قيثارتي. ولهذا أنا آتي ممسكًا بهذه الأقماط لكي آخذ منها قوة أن أتكلم وأقول مع الملائكة ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة ” (لو14:2). ذاك الذي وُلِدَ من الآب بأسلوب لا يوصف، وُلِدَ اليوم من العذراء بأسلوب لا يُعبر عنه. فهو وُلِدَ من الآب قبل كل الدهور حسب قوانين الطبيعة الإلهية، تلك القوانين المعروفة من ذاك الذي وَلَدَه، بينما اليوم وُلِدَ أيضًا لا بحسب القوانين الطبيعية ولكن بنعمة الروح القدس.

          وهنا الميلاد السماوي هو حقيقي والميلاد الأرضي أيضًا هو حقيقي ـ غير كاذب ـ بالحقيقة وُلِدَ إله من إله، وبالحقيقة هو نفسه وُلِدَ إنسانًا من العذراء. هو وحدة في السماء الابن الوحيد الجنس الذى وُلِدَ من الآب، بينما على الأرض هو وحده بذاته الابن الوحيد الجنس الذي وُلِدَ من العذراء. وبالضبط كما أنه في حالة ميلاده السماوي، يعتبر كفراُ أن نسأل عن وجود أم له، هكذا فإنه يعتبر تجديف أن نقول إن له أب في ميلاده الأرضي. الآب وَلَدَ الابن بأسلوب يفوق الإدراك، بينما العذراء ولدته محتفظة بنقاوتها بغير فساد. الله ولده بدون زرع، لأنه ولده بأسلوب إلهي وليس كالبشر، والعذراء لم يصبها فساد لأنها ولدته بالروح القدس. وعليه فلا ميلاده السماوي يمكن أن يُشرح، ولا ظهوره في ملء الزمان كإنسان يقبل البحث لمزيد من الفهم. إذن فمن حيث إن العذراء ولدته اليوم، فهذا أعرفه، ومن حيث إن الله ولده قبل الدهور، فهذا أؤمن به، لكن تعلمت أن أكرم بصمت أسلوب ميلاده، وألا أشرع في فهم كل هذا واضعًا إياه تحت الفحص. لأنه في حالة ولادة الابن من الآب، لا يجب أن يفكر المرء في كيفية هذه الولادة، ولكن فقط أن يؤمن بقوة ذاك الذي وُلد. لأنه ناموس طبيعي أن تلد امرأة متزوجه من رجل، ولكن عندما ولدت العذراء والتي لم تعرف رجلاً وبقيت أيضًا عذراء، فإن هذا الحدث يظل فوق النواميس الطبيعية. هذا الذي يحدث وفقًا للقوانين الطبيعية يمكن أن نفحصه، بينما ما يحدث وفقًا لأسلوب يفوق الطبيعة فلنحترمه بصمت، لا كشيء يجب أن نتجنبه، ولكن كشيء لا يمكن شرحه، ولهذا يجب أن نحترمه بصمت.

          ولكن سامحوني من فضلكم، لأنني أريد أن أوقف حديثي والذي لا يزال في بدايته. لأنني أشعر بخوف أمام بحث الأمور الإلهية، ولا أعرف كيف أو أين أُغير دفة الحديث.

          لأنه ماذا أقول، أو عن أى شيء أتكلم ؟ أرى تلك التي ولدت وأرى ذاك الذي وُلد، لكن لا أستطيع أن أفهم أسلوب أو طريقه الميلاد. لأنه عندما يريد الله فإن الطبيعة تنهزم، ويُهزم ناموس النظام الطبيعي. إن هذا الحدث حقًا لم يصر وفقًا للنواميس الطبيعية، لكن هذه المعجزة هي أمر فوق الطبيعة، لأن الطبيعة لم تعمل، ولكن الإرادة الإلهية هي التي عملت. أقول أنها نعمه كبيرة غير موصوفة.

          وحيد الجنس الذي هو قبل الدهور، الغير مقترب منه، المتفرد والغير جسدي، أتى إلى جسدي الفاسد والمرئي. لماذا ؟

          لكي يعلمنا عندما ننظر إليه، وعندما يعلمنا يقودنا إلى ذاك الذي لا يُرى. لأن الناس يؤمنون أكثر مما ينظرون، أكثر مما يسمعونه. ويتشككون في تلك الأمور التي لا يرونها. ولهذا قَبِلَ أن يأخذ جسدًا إنسانيًا، وأن يعطي لعيوننا إمكانية أن نراه لكي يزيل هذا الشك.

          وُلِدَ إذن من عذراء، ذاك (السر) الذي كان غير معروف لديها، فهى لم تصنع هذه المعجزة، لكنها كانت فقط أداة لهذه القوة غير الموصوفة. واضعة في اعتبارها فقط هذا الذي سمعته من جبرائيل الملاك بعد السؤال الذي سألته ” كيف يكون لي هذا وأنا لم أعرف رجلاً ” ـ فأجاب الملاك وقال ” الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظلك ” (لو34:1).

          كيف وُجد داخل العذراء وبعد قليل كيف خرج منها ؟ تمامًا مثل فنان، وجد مادة مفيدة جدًا ويصنع منها إناءً جميلاً جدًا، هكذا فإن المسيح عندما وجد الجسد المقدس ونفس العذراء، صنع لنفسه هيكلاً عاقلاً داخل العذراء بالطريقة التي أرادها هو. واليوم يُستعلن للعالم، دون أن يشعر بخجل من ضعف الطبيعة الإنسانية التي لبسها. فإن لبس هيئة خليقته لا يُعتبر أهانه له.

          لكن ماذا أقول وعن ماذا أتكلم ؟ لأن المعجزة تملأني بالدهشة. قديم الأيام صار طفلاً، ذاك الذي يجلس على العرش العالي بعظمة وجلال يوضع في مزود. الذي لا يُقترب منه، غير الجسدي، قُمط بأيدي إنسانية. ذاك الذي يفك رُبط الخطية، لُف في لفائف، لأن هذه هي إرادته. لأنه أراد للهوان أن يتحول إلى كرامة، وللعار أن يكتسي بالمجد، ولحالة الهوان أن تتحول إلى حالة الفضيلة. ولهذا أخذ جسدي لكي أسع الكلمة في داخلي. وما دام قد أخذ جسدي فقد أعطاني روحه حتى يقدم لي كنز الحياة الأبدية. يأخذ جسدي لكي يقدسني ويعطيني روحه لكي يخلصني.

          ماذا أقول وعن ماذا أتكلم ؟ ” ها العذراء تحبل وتلد ابنًا ” (أش14:7). هذا لم يُكتب كشيء سيحدث، لكن أعجب له كشيء حدث. إنه تحقق لليهود الذى أُفرز من وسطهم ، لكن نحن آمنا به، رغم أنه لم يصر من عندنا كلام عنه(أى أن الأمم لم يتنبأوا عنه).

          ” ها العذراء تحبل ” هذه النبوءة هي للمجمع، أما تحقيق النبوءة فقد صار ميراثًا للكنيسة. المجمع وجد المخطوط القديم، الذي فيه كان مكتوبًا، بينما الكنيسة اكتشفت اللؤلؤة الكثيرة الثمن التي كانت مختبئة فيه. المجمع لبس الصوف المطلي، بينما الكنيسة ارتدت الرداء الملوكي.

          لأن اليهودية ولدت المسيح، بينما المسكونة قبلته. المجمع غذاه بالنبوات، والكنيسة أخذته وأثمرت فائدة منه. في المجمع نبت فرع الكرم، بينما نحن تمتعنا بالكرمة الحقيقية. المجمع قطف العنب، والأمم شربوا الشراب السري. المجمع بذر بذرة القمح في اليهودية، والأمم حصدوا السنابل بمنجل الأيمان. الأمم بالأيمان قطفوا الرمّان، أما اليهود فبقى لهم شوك عدم الإيمان، العصفور طار، بينما الأغبياء يجلسون ويحرسون العش. اليهود يمسكون بالحرف والأمم يحصدون ثمار الروح.

          ” ها العذراء تحبل “. أخبرني أيها اليهودي وقل لي من وَلَدتْ ؟

أظهر شجاعة مثل شجاعتك التي أظهرتها أمام هيرودس. لكن ليست لديك شجاعة. وأنا أعرف لماذا. بسبب مكيدتك ودسيستك. لأنك تكلمت إلى هيرودس لكي تقتله (الطفل). لكنك لا تتكلم لي أنا وذلك لكي لا تسجد له.

          إذن من وَلَدتْ ؟ من ؟ سيد الطبيعة. لأنه حتى لو صمْتَ أنت، فالطبيعة تصرخ. ولدته إذن كما أراد هو أن يُولد. ففي الطبيعة، لا توجد مثل هذه الإمكانية للميلاد (العجيب)، ولكن كسيد الطبيعة أبتكر أسلوب ميلاد عجيب، لكي يظهر أن ذاك الذي وُلد لم يولد كما يولد الإنسان، بل وُلِدَ كما يليق بالله. اليوم وُلِدَ من عذراء، والتي هزمت الطبيعة وتجاوزت قانون الزواج. لأنه كان يجب أن يأتي ملك البر بطريقة ميلاد طاهرة ومقدسة. لأنه هو الذي من البدء خلق آدم من أرض عذراء ومن آدم أيضًا خلق امرأة دون أن تكون هناك امرأة. تمامًا مثلما حصل آدم على زوجة دون أن تكون هناك زوجة، هكذا اليوم العذراء ولدت رجلاً بدون رجل. ولأن الجنس النسائي مدين بوجوده للرجال، فالمرأة خُلقت من آدم دون أن تتوسط امرأة، هكذا اليوم ولدت العذراء دون أن يتوسط رجل مسددة للرجال دين حواء. ولكي لا يفتخر آدم الذي بدون امرأة صارت له امرأة، هكذا فإن العذراء ولدت رجلاً بدون رجل، حتى أنه بالمعجزة المشتركة تصير المساواة في الطبيعة. لأنه كما أخرج الله المرأة من جنب آدم دون أن يُقلل أبدًا من آدم، هكذا صنع الهيكل الحي داخل العذراء دون أن يفسد عذراويتها.

          لقد بقى آدم صحيحًا بعد أن أخذ ضلعًا من جنبه، وبقيت العذراء طاهرة بعد أن ولدت الطفل. ولهذا لم يخلق لنفسه هيكلاً من مكان آخر ولا خلق جسدًا آخر ولبسه، حتى لا يبدوا أنه يحتقر الطينة التي صنع منها آدم. لأن الإنسان عندما أنخدع صار أداة للشيطان، وأهان هذا الهيكل الحي الذي دُمِرَ، والله لأجل علاقته الحميمة مع الإنسان الذي خلقه أراد أن يبعده عن معاشرة الشيطان. والذي وُلد (من العذراء) لم يُولد مثل أي إنسان، لكن وُلد كإله. لأنه لو وُلد كما يولد الجميع، مثلما أُولد أنا بالضبط، سيعتبر من الكثيرين أكذوبة، ولهذا وُلد من العذراء. وبعد الميلاد بقيت الأم عذراء ونقية. حتى تصير طريقة الحمل العجيب سبب إيمان كبير. فلو سألني اليوناني أو اليهودي: هل المسيح الذي بحسب طبيعته إله يصير إنسانًا، بطريقة تفوق الطبيعة ؟. سأجيبه نعم، وأستدعي كشاهد على قولي هذا، الختم غير الدنس للعذراوية. لأنه هكذا هزم الله نواميس النظام الطبيعي. هكذا خلق بطن المرأة وخلق العذراوية، وابتكر طريقة غير دنسه لميلاده، وبنى لنفسه هيكلاً بطريقة لا يُعبّر عنها كما أراد هو.

          أخبرني أيها اليهودي إذن هل العذراء ولدت أم لا؟ لأنه إن كانت قد ولدت، اعترف بطريقة الميلاد العجيب، ولو أنها لم تلد، فلماذا تخدع هيرودس ؟ لأنة عندما أراد أن يعرف أين يولد المسيح، قلت له في بيت لحم اليهودية (متى4:2). فهل أنا الذي عرفت المدينة أو الطريقة؟ وهل أنا علمت بقيمة ذاك الذي وُلد؟ ألم يتكلم إشعياء عنه أنه هو الله؟ لأنه يقول “وتلد ابنًا وتدعوا اسمه عمانوئيل” (أش14:7). هل تستطيعوا أيها الكتبة والفريسيين أن تعرفوا وأنتم حراس الناموس كل ما يتعلق به في الناموس ؟ وهل نحن نعرف لغة العبرانيين؟ ألم تفسروا أنتم الكتب؟ ألستم أنتم الذين ـ عندما ولدت العذراء وسألكم هيرودس ـ قدمتم شاهدًا من النبي ميخا لكي تؤكدوا كلامكم ؟ لأنه يقول ” أما أنت يا بيت لحم أفراته وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطًا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (ميخا2:5).

          حسن جدًا قال النبي ” فمنك يخرج ..” فكما أنه أتى منكم، وقُدم فيما بعد للأمم، هكذا فإن الله موجود وهو قبل الوجود وهو موجود على الدوام كإله ضابط الكل، ولكنه أتى منكم كإنسان يحكم الشعب، وكإله يخلص المسكونة.

          هؤلاء هم الذين أظهروا أن الذي وُلِدَ هو الله، هم الذين أظهروا ذاك الذي أختبئ في المزود كسيد،هم الذين دون أن يقصدوا أعلنوا عن ذاك الذي وُجد في المغارة، ودون أن يقصدوا صنعوا به خيرًا، من حيث أنهم أظهروه، بينما هم أرادوا ألا يعلنوا عنه. أرأيت أيها المعلم الجاهل. أولئك الذين يعلّمون لم يعرفوا، وبينما هم جوعي يقدمون غذاء للآخرين، وبينما هم عطشي يسقون الآخرين، وبينما هم فقراء يغنون الآخرين.

          إذن تعالوا بنا نحتفل ونفرح. بالحقيقة هو أمر عجيب أسلوب هذا العيد لأنه عجيب سبب الميلاد هذا، لأن اليوم حُلت رُبط الأزمنة البعيدة، إبليس خجل، الشياطين هربت، الموت بطل، الفردوس فُتح، واللعنة اختفت، الخطية طُردت بعيدًا، الخداع ابتعد، والحقيقة عادت مرة أخرى، وكلمة التقوى انتشرت في كل مكان، أسلوب الحياة السماوي نبت في الأرض، الملائكة يلتقون بالناس، والناس بلا خوف يتحدثون مع الملائكة. لماذا ؟

          لأن الله أتى إلى الأرض والإنسان صعد إلى السماء، والله بكليته يوجد على الأرض. وإذ هو الإله صار إنسانًا دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. إذ هو الكلمة غير المتحول، أخذ جسدًا، نعم أخذ جسدًا إنسانيًا لكي يسكن فينا. وبالتأكيد هو لم يصر إلهًا لأنه كان إلهًا ثم أخذ جسدًا إنسانيًا. حتى أن ذاك الذي لا تسعة السموات، يستقبله المزود. حتى أن ذاك الذي يعول الكون، يأخذ طعام الأطفال من الأم العذراء. ولهذا فأب الدهور الأبدية قبل أن يُحِملَ في الأحضان العذراوية كطفل يرضع، لكي يستطيع المجوس الاقتراب منه. اليوم أتى المجوس إلى المسيح، وضعوا بداية لرفضهم للطاغية (هيرودس)، وتباهت السماء لأن نجمها أظهر سيدها، والسيد يأتى فى الجسد، كما فوق سحابة رقيقة تسير نحو مصر. وواضح طبعًا أنه ذهب إلى هناك لكي يتجنب تسلط هيرودس، لكن في الحقيقة أكمل هذا الذي قيل من أشعياء ” في ذلك اليوم يكون إسرائيل ثلثًا لمصر ولأشور بركة في الأرض، بها يبارك رب الجنود قائلاُ مبارك شعبي مصر وعمل يدي أشور وميراثي إسرائيل ” (أش24:19).

          ماذا تقول أيها اليهودي ؟ أنت الذي كنت أولاً صرت ثالثًا. المصريون والأشوريون وُضعوا في الأمام وإسرائيل البكر حُسِبَ بعد هؤلاء. نعم حقًا إن الأشوريين سيصيرون أولاً لأنهم سجدوا أولاً مع المجوس للمسيح، بينما المصريين سيوضعون بعد الأشوريين، لأنهم استقبلوه عندما لجأ إلى مصر هاربًا من طغيان هيرودس. وفي النهاية يوضع الشعب الإسرائيلي، لأنهم عرفوه بواسطة الرسل بعد عودته من الأردن. أتى إلى مصر وأربك أوثان مصر لا مصادفة، ولكن لأنه أغلق أبواب مصر بفقدان الأبكار. ولهذا فهو اليوم أتى كبكر، لكي يمحو حزن ذلك الحدث القديم الشنيع. أما أن المسيح دُعي بكرًا، فهذا يؤكده اليوم لوقا الإنجيلي قائلاً “ فولدت أبنها البكر وقمطته وأضجعته في المزود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل ” (لو7:2). لجأ إذن إلى مصر لكي ينهي حزن ذلك الحدث القديم الشنيع، مانحًا بدلاً من الضربات، فرح، وبدلاً من الليل والظلام، نور الخلاص. كانت مياه النهر ملوثة وقتها بسبب ذبح الرضعان. أتى لمصر إذن ذاك الذي جعل ماء النهر في العصر السابق أحمر بالدم، وحول مياه النهر وسيلة الخلاص، منقيًا بقوة الروح هذه المياه الملوثة غير النقية. تعذب المصريون وساد عليهم الهوس ورفضوا أن يؤمنوا بالله. أتى إذن إلى مصر وملأ النفوس المتقية لله من معرفة الله. وبمياه هذا النهر صار هناك شهود للرب  كسنابل القمح.

          ولأن الوقت ضيق أريد أن أتوقف هنا عن الكلام، وأقول كيف وهو الكلمة غير المتألم، أخذ جسدًا، وبقيت طبيعته غير متغيرة. ماذا أقول أو كيف أتكلم ؟ أرى خالق، ومزود، وطفل، وأقمطة، وعذراء نفساء، دون أن يكون لديها ولا حتى الأمور الأكثر احتياجًا، كل شيء مليء بالعوز.

          هل رأيت غنى وسط الاحتياج الشديد ؟ كيف وهو الغني، افتقر لأجلنا؟ كيف وُضع في مزود خشن ولا يوجد به سرير ولا فراش. أقول هو الفقر الذى هو ينبوع للغنى، وأقول الغنى الذى لا يحد، الذي يحمل غطاء الفقر. داخل المزود يرقد ويحرك الكون. داخل اللفائف قُمِطَ وهو الذي فك رُبط الخطية قبل أن ينطق بكلمة، علّم المجوس وحّركهم أن يعودوا إلى الله.

          ماذا أقول وعن أي شيء أتحدث ؟ ها هو طفل ملفوف داخل أقمطة، موضوع في مزود، بالقرب منه توجد مريم التي هي عذراء وأم. وأيضًا بالقرب منه يوجد يوسف الذي يُدعى أبوه. يوسف يسمى رجل وهي تسمى امرأة، أسماء قانونية ولكن بدون رباط الزواج. فليذهب فكرك فقط حتى حدود الكلمات ولكن ليس إلى الحدث نفسه. قد خطبها فقط والروح القدس قد ظلّلها، ولهذا فإن يوسف مملوء بالدهشة ولم يعرف كيف يسمي الطفل. لم يستطع أن يقول كلمة تجديف ضد العذراء، ولم يقبل أن يجعله ابنه، لأنه لم يعرف كيف ومن أين وُلِدَ الطفل، ولذلك وهو في هذه الحيرة من نحو هذا الحدث تلقى إجابة من السماء برسالة من الملاك الذي قال ” يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لأن الذي حبل فيها هو من الروح القدس ” (متى20:1) لأن الروح القدس ظلل العذراء.

          لكن لماذا وُلِدَ من عذراء وترك عذراويتها بغير فساد ؟ لأن الشيطان قديمًا خدع حواء بينما كانت عذراء، ولهذا فإن جبرائيل حمل إلى مريم البشرى المفرحة بينما كانت عذراء.

          حواء حينما خُدِعت خرجت منها كلمة صارت سببًا للموت، بينما العذراء مريم بعدما قبلت البشارة المفرحة، ولد منها كلمة الله بجسد إنساني، وهو الذي صار لنا سبب حياة أبدية.

          الكلمة الذي أتي من العذراء أظهر الصليب، الذي به قاد اللص إلى الفردوس لخلاص أدم والبشرية. ولأن اليونانيون واليهود والهراطقة التابعين لهم لم يؤمنوا أن الله وَلَدَ ابنه بطريقة لا يُعبّر عنها وبدون أي تحول, لهذا وُلِدَ اليوم من جسد مُعرض للألم وحفظ الجسد الذي يعاني بلا تأثر لكي يظهر كيف وُلِدَ من عذراء ولم يفسد عذراويتها ، وهكذا بقى جوهر الله غير متغير و مقدس، وكإله ولد بطريقة إلهية.

          ولأن البشر هجروا الله وصنعوا لأنفسهم أوثانا وعبدوها، محتقرين هكذا الخالق، لهذا فإن اليوم كلمة الله ـ بينما هو إله ـ ظهر على هيئة إنسان حتى يبطل الضلال ويعيد الإنسان إلى العبادة الحقيقية. فلنعطِ إذن المجد للمسيح الذي فتح الطريق الذي لم يكن أحد يستطيع العبور فيه من قبل. الذي له المجد مع أبيه الصالح، و الروح القدس الآن و كل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

ميلاد المسيح – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج2 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج2 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج2 – ق. ذهبي الفم

 

المقالة التفسيرية العاشرة

“بادر أن تجئ إلىَّ سريعاً لأن ديماس قد تركني إذ أحب العالم الحاضر وذهب إلى تسالونيكي، وكريسكيس إلى غلاطية، وتيطس إلى دلماطية، لوقا وحده معي. خذ مرقس وأحضره معك لأنه نافع لي للخدمة، أما تيخيكس فقد أرسلته إلى أفسس. الرداء الذي تركته في تراوس عند كاربس أحضره متى جئت والكتب أيضاً ولاسيما الرقوق”

(4: 9……… الخ)

التـــحـــليــل

1-قبل أن يدخل القديس بولس في العذابات الأخيرة دعا تلميذه تيموثيئوس ليحضر إليه ليعطيه تعليماته الأخيرة. القديس لوقا كان بجانبه بالحق.

2-يقول القديس بولس إن الله خلصه من فم الأسد، ويقصد بهذا الأسد الإمبراطور نيرون.

3-الرسل لم يستطيعوا أو لم يتحكموا في شفاء كل الأمراض. لا يجب النظر للرسل ككائنات فوق البشر.

 

1-قبل أن يدخل القديس بولس في التعذيب دعا تلميذه تيموثيئوس لكي يكون بجانبه ليعطيه تعليماته الأخيرة، والقديس لوقا البشير كان بجانبه في السجن.

يجب أن نتساءل لماذا استدعى القديس بولس تيموثيئوس ليكون بجانبه مع أن تيموثيئوس كان مشغولاً بإدارة الكنيسة ومسئولاً عن الرعاية كلها؟ لم يسلك القديس بولس هذا السلوك بدافع الأنانية أو الكبرياء، لأنه في رسالته الأولى له أبدى استعداده للذهاب بنفسه ليقابل تلميذه قائلاً له: “ولكن إن كنت أبطئ فلكي تعلم كيف يجب أن تتصرف في بيت الله” (1تي 3: 15).

 

فما هو السبب إذن في استدعائه؟

إن الرسول إذا كان معتقلاً في السجن بأمر من نيرون، ولم تكن له حرية التنقل، وكان مشرفاً على الموت، لم يرد أن يموت دون مشاهدة تلميذه الذي كان يلزم أن يعطيه تعليمات هامة ليقوم بها، لهذا يقول له: “بادر أن تجئ قبل الشتاء” (2تي 4: 21). 

“لأن ديماس تركني إذ أحب العالم الحاضر”. لم يقل بادر أن تجئ قبل موتي لأن هذه العبارة كانت ستحزن تيموثيئوس جداً، بل قال: تعال إلىَّ لأني وحدي ولم أجد من يبقى معي “لأن ديماس تركني إذ أحب العالم الحاضر وذهب إلى تسالونيكي”، هو فضل الحياة السهلة في بيته من أن يتعذب معي، والقديس بولس يتكلم متضرراً من ديماس ليس ليشنع به وبسمعته، بل ليقوينا نحن خوفاً من أن نضعف إذ تعرضنا للتجارب. هذا ما تعنيه عبارة “أحب العالم الحاضر”، أيضاً أراد القديس بولس بهذا أن يحدث تلميذه بصورة أقوى على الحضور ليراه.

“وكريسكيس إلى غلاطية، تيطس إلى دلماطية” لم يتكلم الرسول عن هؤلاء متضرراً، لأن تيطس كانت له فضائل عجيبة ومواهبه التي من أجلها أسند له القديس بولس رعاية الكنيسة بجزيرة كبيرة هي جزيرة كريت.

“لوقا وحده معي” لا يمكن أبداً الفصل بين القديس لوقا والقديس بولس، فهو الذي كتب الإنجيل الذي يحمل اسمه، وأيضاً هو الذي كتب سفر أعمال الرسل، وكان محباً للعمل والتعليم، وكان له صبر عجيب، وهو الذي قد قال عنه الرسول بولس “يُمدح من كل الكنائس بسبب الإنجيل” (2كو 8: 18).

 

“خذ مرقس وأحضره معك”

لـــمـــاذا؟

“لأنه نافع للخدمة” لم يقل لراحتي وخدمتي بل “للخدمة”، خدمة الإنجيل. مع أنه كان سجيناً إلا أنه لم يتوقف عن الكرازة والخدمة، ولهذا السبب أراد حضور تيموثيئوس، لصالح خدمة الإنجيل وليس لأي مصلحة خاصة بالرسول بولس. وحتى لا يستولى أي خوف على المؤمنين عند موته قصد أن يتواجد تلاميذه لتعزية المؤمنين ولإبعاد روح الحزن والقلق عنهم بسبب موته.

أني أتصور أن هناك أشخاص عظماء كانوا قد قبلوا الإيمان في روما.

“أما تيخيكس فقد أرسلته إلى أفسس. الرداء الذي تركته عند كاربس أحضره متى جئت والكتب أيضاً ولا سيما الرقوق” (12، 13).

الذي يسميه هنا “الرداء” يقصد به الثوب الذي كان يلبسه، والبعض يقول إنها كانت حقيبة توضع فيها الكتب.

ولكن ما هي حاجته للكتب وهو في طريقه للظهور أمام الله؟

كانت حاجته شديدة لهذه الكتب ليوصي بها المؤمنين لكي يحفظوها لتحل محل تعليمه لهم. إن موته كان صدمة قاسية على المؤمنين الذين كانوا يشهدون له ويستمتعون بوجوده معهم، لقد طلب الرداء لكي لا يحتاج إلى أن يقترض رداءً من أحد. وهذا المبدأ كان يتمسك به للغاية. فهو الذي قال مخاطباً أهل أفسس: “أنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجات الذين معي قد خدمتها هاتان اليدان” (أع 20: 34) ويقول في نفس الأمر “مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ” (أع 20: 35).

“إسكندر النحاس أظهر لي شروراً كثيرة، ليجازيه الرب حسب أعماله” (ع 14).

هنا يتكلم القديس بولس أيضاً عن الاضطهادات التي واجهها ليس لكي يشكو إسكندر هذا، ولا لكي يشهر به، وإنما لكي يشجع تلميذه على احتمال مثل هذه الاضطهادات بنفس الشجاعة أياً كان مصدرها، وإن كان عزاؤه سيكون أوفر بكثير إذا عُذب وأمتهن من شخص قوي ذي سلطة عما إذا عذب من شخص حقير، إذ سيكون شعوره حينئذ بمرارة المهانة أكثر وأقسى.

“اظهر لي شروراً كثيرة” أي كدرني بطرق كثيرة، لكنه لن يترك بدون عقاب، إذاً إن الرب سيجازيه حسب أعماله، وقد قال فيما سبق “أية اضطهادات احتملت ومن الجميع أنقذني الرب” (2تي 3: 11). هنا أيضاً يعطي تلميذه عزاء مزدوج: الأول هو أن هذه الآلام التي قد نالها ظلماً، والوجه الثاني هو أن الذين أوقعوا به هذه الآلام سوف يجازيهم الرب حسب أعمالهم. ليس معنى ذلك أن القديسين يفرحون لعذابات الأشرار، ولكن الالتزام بالكرازة يتطلب مواساة الضعفاء وتعزيتهم حتى يتشددوا.

“فاحتفظ منه أنت أيضاً لأنه قاوم أقوالنا جداً” (ع 15)

قاومها بالجهاد ومحاولة إثارة كل العالم ضدها. أنه لم يقل لتيموثيئوس أن يعاقب هذا الإنسان أو يضطهده، بل يعامله بالقدر الذي تعطيه إياه النعمة. يقول له احتفظ منه أنت وأترك لله المجازاة التي يجازيه بها، ويقول لتعزية الضعفاء “ليجازيه الرب حسب أعماله”. أنها عبارة تحمل معنى التنبؤ بمجازاة الرب وعقوبته لذلك الشخص. يتكلم هكذا ليشجع تلميذه، ولنسمع أيضاً القديس بولس حينما يتكلم عن اختباراته الشخصية ليقول:

“في احتياجي الأول لم يحضر أحد معي بل الجميع تركوني، لا يحسب عليهم”

تعجبوا يا أخوتي من هذا اللطف الذي يتكلم به الرسول عن أصدقائه الذين تركوه وقت الشدة مسببين له آلاماً. يوجد فارق كبير بين أن يُترك الإنسان من الغرباء، ومن أن يُترك من الأحباء، لذلك قد فاض به الحزن لأنه لم يجد العزاء في مشاركة أحبائه له في وقت الشدة.

“الكل تركوني” هذه الإساءة لم تكن خطورتها بسيطة. فإذا كان الجندي الذي يتخلى عن مساندة قائدة في مواجهة أخطار الحرب ويخونه بهروبه أثناء ضربات العدو يحق له الجزاء والعقوبة. فلماذا لا ينطبق هذا في ساحات الكرازة؟

ولكن ما هي تلك المرة الأولى التي أبدى فيها القديس بولس احتجاجه؟

كان قد استدعى أمام نيرون وخرج منتصراً سعيداً بعد هذا الاستدعاء، ولكن حدث بعد ذلك أنه هدى للإيمان المسيحي ساقي الإمبراطور، الأمر الذي جعل الإمبراطور يأمر بأن يقطع رأس هذا الساقي.

“ولكن الرب وقف معي” (ع 17) هذه تعزية أخرى لتلميذه، لأن الله يقف دائماً بجانب من تركه أهل العالم.

يقول القديس بولس “وقواني” أي أعطاني الجرأة ولم يتركني لضعفي، ليس لأني جدير بهذه النعمة، بل لأتمكن من إتمام الكرازة “لكي تتم بي الكرازة”.

تعجبوا من تواضع هذا الرسول العظيم! فهو يقول “قواني” لأقوم بإتمام الكرازة التي أنا مكلف بها من قبله، كما لو كان هو الشخص الذي يحمل تاج الملك ويلبس أرجوانه حتى يخلص بهذه العلامات من الخطر. “ويسمع جميع الأمم” أي لكي يصل نور الإنجيل لجميع الناس ويعرف الكل أن الرب يحرسني ويسهر علىَّ.

“فأنقذت من فم الأسد”

“وسينقذني الرب من كل عمل رديء” (ع 18)

تأملوا كيف كان الرسول قريباً جداً من الموت، إذ قد وصل تقريباً من فم الأسد، وهذا هو اللقب الذي أعطاه لنيرون نظراً لوحشيته وقساوته. يقول الرسول: “الرب أنقذني وسينقذني” كيف؟ فإذا كان الرب سينقذه فكيف يقول: “فأني الآن أسكب سكيباً”؟ لاحظوه وهو يقول: “أنقذني من فم الأسد وسينقذني” أي ليس من فم الأسد فقط.

مما إذن سينقذه؟

“من كل عمل رديء”.

سوف ينقذني الله من كل خطر بعد أن أكون قد أكملت ما هو ضروري لبشارة الإنجيل، سوف ينقذني الرب من كل خطية، لن يسمح لي الرب بخروجي من هذا العالم ملوثاً، بل سوف يهبني قوة مقاومة الشر والخطية حتى الدم، فأنقذ من أسود أخرى أكثر وحشية وهو الشيطان، هذا الإنقاذ الأخير هو الروحي، والأهم والذي لا يقارن بالأول الذي ينقذنا الله منه بالموت الجسدي.

“ويخلصني لملكوته السماوي الذي له المجد إلى دهر الدهور آمين” إننا لا نحصل على سلامنا الحقيقي إلا عندما نضئ بالمجد في الملكوت الإلهي.

ما معنى “ويخلصني لملكوته؟” يعني أنه يحفظني من كل خطأ في إقامتي في هذا العالم الذي ينبغي أن أموت عنه تماماً لأجل هذا الملكوت: “من يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية” (يو 12: 25). 

الذي له المجد إلى دهر الدهور آمين” وهذه هي ذو كصولوجية الابن.

“سلم على فرسكا وأكيلا وبيت أنيسيفورس” الذي كان وقتذاك في روما، كما لاحظنا في مقدمة الرسالة قوله:

“ليعط الرب رحمة لبيت أنسيفورس الذي لما كان في رومية طلبني بأوفر اجتهاد، ليعطيه الرب أن يجد رحمة من الرب” إن القديس بولس بتبليغ سلامة بهذه الكيفية يحث كل عائلته على السير على خطوات رب العائلة. 

“سلم على فرسكا وأكيلا” يتكلم القديس بولس دائماً عن هذين الشخصين الذين كان قد أقام عندهما، هنا نلاحظ أنه يذكر الزوجة قبل الزوج، ويبدو لي أنها كانت أكثر حماساً وإيماناً، فهي التي كانت قد أخذت بولس عندها، أو أنه يدعوهما هكذا بلا أي قصد. وهنا كانت تعزيته بالنسبة لهما ليست قليلة، بل كانت علامة على الحب والتقدير، وفي نفس الوقت محاولة للثناء وتقديم شكره لهما. ولم يكن لدى الرسول الطوباوي الكريم والعظيم ما هو أعظم من السلام الذي يعطيه مصحوباً بشكره لمن يراسله.

“أراستس بقى في كورنثوس، أما تروفيموس فتركته في ميليتس مريضاً”

لماذا لم تشفه أيها الرسول القديس؟ لماذا تركته؟

الرسل لم يتمكنوا من أن يفعلوا كل شئ، أو بالأحرى لم يريدوا الإسراف في النعمة التي أؤتمنوا عليها في كل حالة تقابلهم لئلا ينظر إليهم أنهم فوق مستوى البشر. نلاحظ ذلك بالنسبة لأبرار العهد القديم. موسى مثلاً، كان ثقيل اللسان، لماذا لم يتمكن من الخلاص من هذا العيب؟ كان معرضاً للحزن وللضعف، وهو لم يدخل أرض الموعد!

 

3-الرسل لم يستطيعوا أو لم يتحكموا في شفاء كل الأمراض

وهكذا رأينا أن الرسل لم يتحكموا أو بالأحرى قصدوا ألا يشفوا كل الأمراض عند جميع الناس، وهكذا سمح الله لهم وللقديسين جميعاً لكي يظهر فيهم ضعف الطبيعة البشرية، لأنه لولا هذه العيوب وهذا الضعف الذي ظهر منهم، لما تورع اليهود الأغبياء عن القول: أين هو موسى هذا الذي أخرجنا من أرض مصر؟ وكيف ستكون مشاعرهم تجاهه لو دخل بهم أرض الموعد؟ لو كان الله لم يسمح بارتباك موسى قبل مثوله أمام فرعون لكانوا اتخذوه كإله. ألم نر كيف أن سكان لسترة أرادوا تقديس بولس وبرنابا بسبب معجزة شفاء المقعد من بطن أمه حتى مزق الرسولان ثيابهما واندفعا إلى الجمع صارخين قائلين : “أيها الرجال لماذا تفعلون هذا، نحن أيضاً بشر تحت الآلام مثلكم” (أع 14: 14). وأيضاً القديس بطرس لما رأى اليهود قد ارتعبوا من معجزة شفاء الأعرج من بطن أمه قال لهم أيضاً: “أيها الرجال الإسرائيليون ما بالكم تتعجبون من هذا، ولماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي” (أع 3: 12).

اسمعوا أيضاً الرسول يقول: “لئلا ارتفع من فرط الإعلانات أعطيت شوكة في الجسد” (2كو 12: 7). قد يقال أن لتواضعه يتكلم هكذا، كلا لم تعط للرسول هذه الشوكة لكي يتواضع فقط، بل هناك أسباب أخرى. لاحظوا أن الله عندما أجابه لم يقل له: “تكفيك نعمتي حتى لا ترتفع، بل قال له “قوتي في الضعف تكمل” وهذا السلوك الذي يسلكه الله مع أصفيائه له فائدته.

فالمعجزات كانت تتفجر أمام أعين الجميع، والله كان يسندهم. لهذا يقول الرسول في موضع آخر “لكن لنا هذا الكنز في أواني خزفية ليكون فضل القوة لله لا منا” (2كو 4: 7). أي أننا بأجسادنا سريعي الانهيار وقابلين للتلف وللكسر، ولكن لماذا قصد الله ذلك؟

قصده حتى لا تُنسب لنا هذه القوة الكبيرة التي تظهر في أعمالنا، بل تُعرف أنها ليست منا ولا تخصنا، بل من الله وتخص الله، وهكذا قصد لأجسادهم أن تحمل الضعف بل والعاهات حتى لا تنسب إليهم المعجزات التي كانوا يجرونها. وأيضاً نرى في مكان آخر أن القديس بولس كان حزيناً لمرض أحد تلاميذه، وفي كلامه عن أبفرودتس يقول أنه كان مريضاً ومشرفاً على الموت ولكن الله قد تعطف عليه.

وأيضاً نرى أن هذا الرسول العظيم قد جهل أموراً كثيرة تتعلق به وبتلاميذه.

“وأما تروفيموس فتركته في ميليتس” وهي بلدة قريبة من أفسس. الرسول ترك تلميذه عندما توجه عن طريق البحر إلى اليهودية. وربما في وقت آخر. وبعد إن كان الرسول في روما سافر إلى أسبانيا. ولكننا نراه هنا وحيداً ومتروكاً من الجميع إذ يقول: “ديماس تركني، كريسكيس ذهب إلى غلاطية، وتيطس إلى دلماطية، أراستوس بقى في كورنثوس، وأما تروفيموس فتركته في ميليتس مريضاً”

“بادر أن تجئ قبل الشتاء يسلم عليك أفبولس وبوديس ولينس وكلافدية والأخوة جميعاً”.

ومن المعروف أن  ليس كان بعد القديس بطرس الأسقف الثاني لكنيسة روما. يذكر الرسول هنا كلافدية لأنها كانت من السيدات الفضليات، والمتوقدات مثل بريسكيلا، اللاوتي صلبن أنفسهن واستعددن للآلام، وقد ذكرهما بالذات دون باقي السيدات لأنهما بلا شك كانتا على مستوى من التربية الروحانية والتسامي على أمور هذا العالم، تلمعان بالفضائل وسبط كل التلاميذ. أنها هبة كبيرة من الله للمرأة ألا تقف طبيعتها عقبة أمام الفضائل، فإن كانت المرأة بطبيعتها ليس لها نصيب في الأعمال الإدارية فإن لها نصيب عظيم في أعمال منزلها وتربية أولادها. أما عن دورها في الروحانيات فهو لا يقل أبداً عن دور الرجل. وكم رأيناها لم تحرم من مجد الاستشهاد، والكثيرات منهم كُللن بأكاليل بهية من أجل الإيمان، بل واستطعن أن يحفظن عفتهن أكثر من الرجال لأنهن لا يندفعن بدافع الشهوات ووهجها العنيف. أيضاً يمكنهن ممارسة حياة البساطة والتواضع وسهولة الوصول إلى حياة القداسة التي بدونها لن ير أحد الرب (عب 12: 14).

“بادر أن تجئ قبل الشتاء” حتى يحول الجو الرديء دون حضورك.

“يسلم عليك أفبولس وبوديس ولينس وكلافدية والأخوة جميعاً” لم يذكر الآخرين فهو قد منح هذا الشرف للذين يستحقونه من أجل فضائلهم.

“الرب يسوع المسيح مع روحك” (ع 22)

ليست هناك تحية أعظم من هذه يقول له: لا تحزن لأنني سأموت قريباً، الرب معك. لكنه لا يقول له ببساطة “معك” وإنما يقول: “مع روحك” يطلب له المعونة الروحية المضاعفة. إن نعمة ومعونة الروح القدس لروح الإنسان هي نعمة ومعونة الله نفسه.

الله لا يمكن أن يكون معنا دون وجود الروح القدس، فإذا تركنا الروح القدس كيف يكون الله معنا؟

“النعمة معكم آمين” الرسول يقول أنه يجب علينا أن نعمل دائماً على أن نحوز رضاء الله كي ما تكون لنا نعمة وهباته، وتكون حياتنا بدون مشقات، إن الذي يتمتع برؤية الأمير ويحصل على نعمة، لا يشك في شئ ولا يقلق. فإذا تركنا من أصدقائنا أو وقعنا في خطر فلا نبالي بأي شئ طالما النعمة معنا تحوطنا بحمايتها.

 

الموعظة العاشرة

1-أحسن وسيلة لفائدتنا هي الانشغال بأعمال الله

فكيف نوفق للحصول على هذه النعمة؟ بالعمل والسلوك بما يرضى الله وبطاعته في كل شئ. في بيوت السادة نجد الذين يحوزون على نعمة أكبر من سيدهم، هم الذين ينسون أنفسهم مهتمين بأعمال خدمة سيدهم من كل قلبهم وبكل اجتهاد وحرارة. يضعون كل شئ في وضعه الحسن ليس خوفاً أو تنفيذاً للأوامر، وإنما بإرادة حسنة وحب. عيونهم دائماً ساهرة وشاخصة إلى ما يخص سيدهم وما يرضيه، وليس لهم مصلحة خاصة مطلقاً. الخادم الذي يسلك هكذا وبهذه المشاعر يكون عنده الشعور بأن كل ما يملكه سيده كأنه ملك خاص له. وفي إدارته لممتلكات سيده وعقاراته يعطي تعليماته كممتلكات خاصة به وملكه هو. وكل الخدم الآخرين يحترمونه، وسيده يؤيده في كل ما يقوله وما يفعل، فإذا كان الأمر هكذا في أمور هذا العالم كل من يهمل مصالحه الخاصة وسيهتم بأمور سيده، هو في الواقع لا يهمل أعماله ومصالحه، بل يرقى بها ويحققها له الله على أحسن وجه.

إذن فلتحتقروا مالكم لكي ما تحصلوا على ما هو من الله. الله نفسه يأمركم بذلك. احتقروا الأرض كي تربحوا السماء. عيشوا حياة الروح والقلب، ولا تتعلق أفكاركم بالأرض. اهتموا بالروحيات وليس بالماديات فتصيروا مرهوبين، لا يخشاكم الناس فقط بل والشياطين أيضاً.

أما إذا أردتم مهابة الناس وخشيتهم منكم وتعظيمهم لكم من أجل ثرائكم فسوف تكونون محل احتقار الشياطين والناس. إن ما تريدون الحصول عليه هنا في الأرض ما هو إلا مكافأة حقيرة ورديئة، أناشدكم أن تحتقروا كل هذا لتكونوا عظماء في قصر أبيكم السماوي.

هذا يا أخوتي ما فعله الرسل، احتقروا منازلاً، ازدروا بكل مقتنيات هذا العالم، وعاشروا مجتهدين كيف يديرون ويصدرون أوامرهم في ممتلكات ربهم وسيدهم، وبكل قوة يأمرون بسلطان سيدهم ليتخلص هذا من مرضه وذاك من شيطان قد دخله، يربطون هذا ويحلون ذاك. كل ما يحدث في الأرض يُصدق عليه في السماء “كل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء” (مت 18: 18). يسوع المسيح أعطى سلطاناً كبيراً لخدامه لكي يشابهوه، وقد حقق ما قاله: “من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو وأيضاً يعمل أعظم منها” (يو 14: 12). لأن ما يعمله الخدام يرجع إلى سيدهم، مثلما يحدث بين البشر إذ نرى أنه كلما كان الخدام أقوياء كلما كان سيدهم موقراً ومعتبراً.

وقد يقال إذا كانت هذه هي قوة الخادم الأمين، فكيف تكون قوة السيد مع خادمه المهمل الخائن؟ إذا كان الخادم هكذا مهملاً وخائناً في خدمة سيده، ولا يفكر إلا في نفسه وفي زوجته وأولاده، ويسعى دائماً ليغتني هو، فيسرق وينهب من خيرات سيده. أليس واضحاً أنه سيضيع هو أخيراً مع ثرواته التي حصل عليها زوراً وباطلاً؟

يا أخوتي ليت هذه الأمثلة توقظنا وتمنعنا من البحث عن مصالحنا الخاصة، وتحثنا أن نحتقرها، وذلك حتى نقدر أن نحصل عليها في أمان وبفائدة أكثر لأننا أهملناها نحن فالله سيهتم بها ويدبرها وأما إذا اهتممنا بها نحن فالله حينئذ سيهملها.

فلنعمل إذن فيما يخص الله وليس فيما يخصنا نحن، طالما أن الذي يخصه هو يخصنا نحن، لا نتكلم عن الأرضيات ولا نعمل فيما هو للماديات والعالميات، فكل هذه الاهتمامات ليست لائقة بنا نحن المؤمنين، وإنما تخص الغير مؤمنين، ما هي يا ترى تلك الخيرات التي قلت عنها أنها تخص الله وبالتالي تخصنا نحن؟ هي المجد الأبدي والملكوت السماوي.

إن القديس بولس يؤكد لنا قائلاً: “إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضاً معه” (2تي 2: 11)، “إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه، وأيضاً فإن كنا أولاد فإننا ورثة أيضاً” (رو    : 17). لماذا ننخفض إلى الأرض، والله يريد أن يرفعنا إلى السماء؟

إلى متى نظل بإرادتنا في فقرنا وبؤسنا؟

الله يعرض علينا السماء، ومع ذلك فأن أعيننا ورغباتنا لا تتجه إلا إلى الأرض.

الله يقدم لنا ملكوت السماء، ونحن نتجه إلى فقر الأرض.

يقدم لنا البيت السماوي، ونحن نفني ذواتنا في تراب وطوب وخشب الأرض.

تريد أن تصبح غنياً!! أنا لا أمنعك عن هذا، أعمل، أربح، أبدع، لا عيب في ذلك، لكن يوجد ربح نحن نذنب في عدم البحث عنه، بينما توجد سرقة بعد الامتناع عنها خطية! ما معنى ذلك.

يقول المخلص: “ملكوت السماوات يغتصب والغاصبون يختطفونه” (مت 11: 12). في هذا المجال لتكن مغتصباً عنيفاً، إن ما تغتصبه من هذا النوع لن يكون ناقصاً أبداً، فكما أن الفضيلة لا تُقسم كذلك التقوى وملكوت السماوات.

الفضيلة تنمو وتزيد باغتصابها بعكس الخيرات الجسدية. افترض أن مدينة بها 10000مواطن. ولو اغتصبوا كلهم البر والفضائل، فستنمو المدينة وتزدهر أضعافاً مضاعفة، على العكس تقاعسوا في هذا، فستسير مدينتهم إلى الانحدار.

 

2-ملكوت السماوات لا يعطى إلا للأقوياء.

هل تفهمون أن الخيرات الحقيقية تتضاعف بالسعي ورائها واغتصابها، أما الخيرات الزمنية فتتناقص؟ فليتنا لا نتراخى حتى لا نبقى فقراء بل نسعى لغني أنفسنا وأثراء أرواحنا.

إن ثراء الله يتضح بتوافر الأعداد الكبيرة التي ستستمتع بملكوته.

“غنياً لكل الذين يدعون به” (رو 10: 12). فزيدوا إذن من ثراء الله ومن ثروته بزيادة اغتصابكم لملكوته، وبزيادة جهادكم المتواصل لتربحوه، لماذا؟ لأنه توجد عقبات كثيرة يلزمكم التغلب عليها: النساء الأولاد، الهموم الزمنية، وأيضاً أجناد الشر الروحية ورئيسهم إبليس. لذلك يلزم الصراع هنا والصمود والمثابرة، فالذي يصارع يحيا حياة المشقة واحتمال الآلام والجهاد. إذا كان المصارعون يجاهدون حتى إلى بلوغ المستحيل، أفلا نجاهد نحن لنبلغ على الأقل ما هو في الإمكان لنحصل على نصيبنا من الخيرات السماوية الشهية؟ إن تعبير “الغاضبون يغتصبون الملكوت” يحفزنا أن نسرق السماء بكل قوة ممكنة وبكفاح، إذ لن نربحها بدون مشقة والمغتصب عادة ما يكون يقظاً ومتحفزاً ومقتنعاً تماماً بما سيغتصبه.

الذي يريد أن يحصل على بعض الغنائم في الحرب يسهر طوال الليل، فإذا كان لأجل اغتصاب خيرات هذا العالم يسهر هكذا الليل كله مسلحاً، فكم وكم إذا أردنا نحن اغتصاب الأمور التي هي أعظم بما لا يقاس؟ والأصعب في اقتنائها والأشهى في نوالها، أعني الخيرات الروحية.

كيف نتهاون ونحيا غافلين وغير مسلحين؟

إن الذي يعيش حياة الفتور، وحياة الخطية هو إنسان أعزل لا يملك سيفاً ولا درعاً، أما إنسان البر، إنسان الله، فهو مسلح من فمه رأسه إلى أخمص قدميه.

الصدقة مثلاً هي من أقوى أعمال البر، ومع هذا فإننا لا نرتديها كسلاح، كما إننا لا نحمل مشاعلنا مضيئة ومعده، ولا نزود أنفسنا بأسلحة روحية لنسير بها في طريق الجهاد المؤدي إلى السماء. ولذلك فنحن بحياتنا المتخاذلة هذه لا نغتصب نصيبنا في ملكوت السماوات.

الذي يكافح ليتوج بتاج أرضى تهون عليه المخاطرة حتى الموت، ونراه دائماً مسلحاً ومتأهباً للجهاد، أما نحن فنريد أن نغتصب تاج السماء ومجدها ونحن نيام متراخون!

دققوا النظر في المصارعين والمغتصبين القدماء كيف كانوا يركضون مسرعين غير مبالين بكل ما يعترض طريقهم بل يزيلونه متقدمين في مسيرتهم دائماً.

 

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج2 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج1 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج1 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج1 – ق. ذهبي الفم

 

الأصحاح الرابع

“أنا أناشدك إذاً أمام الله والرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته، أكرز بالكلمة”

(4: 1، 2)

سوف يدين الأشرار والأبرار، الأموات والأحياء وسيكون عددهم كبيراً. سبق أن أنذر الرسول تلميذه قائلاً “أوصيك أمام الله الذي يحيي الكل” (1تي 6: 13)، وهنا يعبر بطريقة أكثر رعباً بقوله: “الذي يدين الأحياء والأموات” أي يطالبهم بتقديم الحساب عن أعمالهم.

“عند ظهوره وملكوته”

متى ستكون هذه الدينونة؟ ستكون عند الظهور الممجد لابن الله، عند ظهوره الثاني، عندما يأتي بموكب ملك الكون. هذا الظهور سوف لا يكون مشابهاً للظهور الأول الذي جاء به في الجسد، وإنما سيكون محاطاً بالمجد، فهذا ما يعنيه النص.

 

الراعي لا يجب ألا يتوقف عن كرازته

“أكرز بالكلمة، أعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب، وبخ، انتهر عظ بكل أناة وتعليم” (4: 2)

ما معنى وقت مناسب وغير مناسب؟

يعني أنه لا يوجد وقت محدد، ليكن كل وقت هو وقتك، فتكرز ليس فقط في أوقات السلام والأمان، أو فقط في الكنيسة، وإنما حتى إذا كنت في السجن أو سلاسل، بل وحتى وأنت ذاهب إلى الموت لا تكف عن التعليم والتوبيخ. يقول له: “انتهر وعظ”، يجب على الراعي أن يسلك كما يسلك الطبيب. يضع إصبعه على الجرح، ويستأصل جزءاً منه، ثم يستعلم دواء للتخفيف، فإن نقصت واحدة من هذه العمليات يكون عمل الطبيب بلا نفع.

فإذا أنت وبخت شخصاً لكي تقنعه بالشر الذي ارتكبه، فستكون في نظره في موقف المتهور ولن يحتملك أحد، أما بمجرد أن يقتنع فإنه سيستفيد من تبكيتك له. وأنت أن أقنعت إنساناً ووبخته بشدة وبقسوة، دون الرقة والكلمة الطبية فسيضيع تعبك باطلاً.

“بكل أناة وتعليم”

الذي يرغب في إقناع سامعيه، هو في حاجة إلى صبر كثير، إذ أن السامع سوف لا يصدق بسرعة كل ما يقوله.

أما عن التأنيب فيلزم أن يكون مصحوباً باللطف حتى يُقبل. لماذا أضاف كلمة “تعليم” إلى “كل أناة” أي لا يوبخ وهو في غضب أو ثورة، أو كمن أمسك بعدوله، يجب أن تكون هذه الأمور بعيدة عنك تماماً.

فالمطلوب هو تعاملنا معه كمحبين له، ومتعاطفين معه، ونشاركه حاله، وننصهر معه في مشقاته.

“بكل أناة وتعليم”

ليس أي تعليم بل التعليم النافع والمفيد.

لأنه سيكون وقت لا يحتملون فيه التعليم الصحيح” (4: 3)

فقبل أن يملأهم اليأس أسرع أنت بإنذارهم. ولأجل ذلك يقول: “أعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب” لا تهمل شيئاً حتى تحصل على تلاميذ مطيعين وودعاء.

“بل حسب شهواتهم الخاصة يجمعون لهم معلمين مستحكة مسامعهم”

أي يطلبون لأنفسهم معلمين حسب أهوائهم، يطلبون ويجدون الكثير من المعلمين المنحرفين عن الحق، تستريح لهم قلوبهم. 

“فيصرفون مسامعهم عن الحق وينحرفون إلى الخرافات” (4: 4)

هو ينبئه بهذه الأمور ليس لكي يلقى به في الضعف، وإنما ليضعه في حالة يستقبل بها هذه الأمور بشجاعة. والسيد المسيح نفسه استعمل هذا التعبير عندما قال لتلاميذه: “لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس وفي مجامعهم يجلدونكم من أجلي” (مت 10: 17). وقديسنا الرسول يقول في مكان آخر: “بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية” (أع 20: 29) كان يعطي هذه الإنذارات للقسوس لكي يجعلهم متيقظين ولكي يحثهم على استغلال كل الأوقات الملائمة التي أعطاها الله لهم.

“وأما أنت فأصحُ في كل شئ واحتمل المشقات” (4: 5)

يسوع المسيح قبل موته بزمن قليل قال: “سيأتي من الأيام الأخيرة مسحاء وأنبياء كذبة”. والقديس بولس في عشية تركه هذا العالم قال بنفس الفكر: أما أنت فأصحُ في كل شئ احتمل المشقات، أي اشتغل، أنذر بالبلية قبل حدوثها، أسرع لوضع الخراف في أمان قبل أن تأتي الذئاب.

“أعمل عمل المبشر، تمم خدمتك”

وذلك لأن عمل البشير هو مواجهة المشقات، ومعاناة الضيقات لأجل الله ولأجل الآخرين.

“تمم خدمتك” وهذا سبب آخر يحفزه للعمل.

 

2-شهادة القديس بولس لنفسه بأنه أتم مهمته قبل موته مباشرة

فإني الآن أسكب سكيباً ووقت انحلالي قد حضر” (4: 6)

إنه لا يقول “وقت تقديم نفسي ذبيحة قد حضر، بل يستعمل تعبيراً أقوى، لأن الذبيحة التي تُقدم لا تُقدم كلها لله، أما السكب فيعني أنه يبذل نفسه بالكلية لله.

“قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان” (4: 7) غالباً إذا وضعت أمامي ما قاله الرسول وأتأمل عبارته هذه تأخذني الدهشة وأقول: بأي هدف كان الرسول يتحدث عن نفسه هكذا ويقول “جاهدت الجهاد الحسن” ولكنني بنعمة الله قد وجدت السبب، الذي من أجله قد تكلم هكذا. لقد كان مشتاقاً أن يعزي تلميذه المحبوب وينزع عنه كآبته، ويدعوه كي يبتهج لأنه ذاهب حيث يوجد إكليله بعد أن أنهى كل جهاده ووصل إلى نهاية مجيدة. أنه يقول له: يليق بك أن تفرح من أجلي ولا تحزن مطلقاً.

 

لماذا؟

“لأني جاهدت الجهاد الحسن”. الرسول كان كالأب الصالح والطيب، فلما رأى أن تلميذه وابنه سوف يحزن لأنه سينتقل قريباً وسيتركه، قال ليواسيه: لا تبك يا ابني، أنني عشت بكرامة وأمانة وشرف، ووصلت إلى شيخوخة سعيدة، أستطيع معها أن أفارقك. إنما أوصيك أن تحيا حياة مثالية ونقية. أنني عندما أرحل سيحل مجدي عليك، أن إلهي نفسه كثيراً ما يشهد لي لأني كنت أؤدي خدمته برغبة وكفاح وطيب خاطر، حتى أنني حصلت منه على انتصارات جعلت الأعداء يهربون.

إن هذا الرسول الأب الذي يتكلم هذا الكلام، لا يتكلم به بزهو أو خُيلاء، بل لكي يرفع نفسية تلميذه ويشجعه ويساعده على تقبل احتمال رحيله، إذ أنه لا يمكننا أن ننكر ما الفرق من قسوة ولوعة.

اسمعوا الطريقة التي يتكلم بها الرسول في رسالته إلى أهل تسالونيكي “قد فقدناكم زمان ساعة بالوجه لا بالقلب” (تي 2: 17). فإذا كان القديس بولس قد تألم لهذه الدرجة عندما فارق تلاميذه، فما بالكم بما يشعر به تيموثيئوس عندما يعلم أنه سيفقد معلمه؟

إن هذا التلميذ المحب لمعلمه قد سبق وزرف الدموع لمجرد بعده عن معلمه في حياته، وهذا ما قرره القديس بولس بنفسه حين قال: “مشتاقاً أن أراك ذاكراً دموعك” (2تي 1: 4). أنه تذكر دموعه تذكاراً قد ملأه فرحاً، فكم وكم من الدموع التي يتوقع له أن يذرفها عند موته ورحيله؟

إذاً لتعزيته كتب له هذا الكلام، بل أن هذه الرسالة بكليتها مليئة بالتعزيات والتعاهدات على أن يحتمل ويصمد ويجاهد.

“جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان”

ولكن كيف يكون هذا الجهاد حسناً وقد عانيت فيه يا رسولنا العظيم سجناً وقيوداً وآلاماً ثم موتاً؟

إن الجهاد الحسن بالحق هو معاناة العذاب والآلام من أجل يسوع المسيح، وهو الذي سيختتم بالتتويج، وذلك الإكليل الذي سيحصل عليه المجاهد لا يضمحل أبداً. هو تاج بهي لم يضعه على رؤوسنا أناس، ولم يمنح لنا جهاراً وسط جمهرة من الناس، وإنما يُمنح لنا في موكب من الملائكة. في العالم لم يجاهد الناس طويلاً محتملين المصاعب كل يكللوا ساعة أو ساعات قليلة بعدها تنتهي كل البهجة، أما هناك فالوضع ليس هكذا، بل الإكليل الذي سنحصل عليه سيضيء إلى الأبد بمجد وكرامة.

فالرسول كأنه يقول لتلميذه: افرح إذن لأني سأدخل الراحة الأمجاد الأبدية. سأترك المعارك والصراعات، وقد سبق أنني قلبت “لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً” (في 1: 23).

“أكملت السعي” فالجهاد بالسعي والجري والكفاح المتواصل وباحتمال الضيقات والآلام، أنه كفاح وجري ليس لأمور باطلة، ولكن لأهداف مجيدة ومفيدة، وبالحق هو جهاد ممتع، وليس ممتعاً فقط بل هو مفيد ومجزي أيضاً، ولا ينتهي سباقه إلى مجرد مظهر لإبراز القوة والمنافسة للحظات قليلة على الأرض، وإنما هي رفعة إلى السماء والخلود في أمجادها.

حقاً إن السباق المجيد والكفاح الذي دخله القديس بولس على الأرض كان أكثر نوراً ومجداً وبهاءً من الشمس حين تكتمل في السماء.

 

ولكن بأي طريقة قد أكمل الرسول سباقه؟

لقد طاف العالم مبتدءاً من الجليل إلى الغرب ذاهباً إلى أطراف العالم المعروف في وقته. يقول في رسالته إلى رومية: “حتى أني من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح” (رو 15: 19).

لقد طاف الأرض بسرعة النسر، بل بأكثر سرعة وأكثر إعجاباً، فإن النسور إنما تحلق فقط بأجنحتها، أما الرسول بولس فإذا كانت له أجنحة الروح القدس وكان يعبر أجواءً مليئة بالعوائق والميتات والكوارث، ومع ذلك فقد كان عبوره بأكثر خفة وسرعة.

حفظت الإيمان” لقد حفظ القديس بولس الإيمان رغم وجود مقاومات وعثرات كثيرة كان يمكن أن تفقده إيمانه. تخلى الكثير من أصدقائه ومعينيه عنه، وتهديدات آخرين له بالموت، والمعاملات السيئة والمؤذية التي كان يلقاها دائماً، ولكنه قد قاوم كل هذا بثبات عجيب.

ولكن بأي وسيلة؟ بالإيمان والرجاء والمحبة، وأيضاً باليقظة المستمرة. هذا الجهاد الذي ذكره القديس بولس كان لتعزية تلاميذه، ولكنه لم يكتف بذلك بل أراد أن يضيف المكافأة التي تنتظره إذ يقول:

“وأخيراً وضع لي إكليل البر” وهنا كلمة “البر” يقصد بها كل الفضائل. لا داعي للحزن طالما أنني ذاهب لأخذ الإكليل الذي سيضعه المسيح نفسه على رأسي. لو انتظرت في هذا العالم، فليس لي سوى التعب والبكاء والأنين والخوف من السقوط والضياع.

“إكليل البر الذي سيهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان والعادل ليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً”، وبذلك يزيد الرسول من ثقة تلميذه، لأن هذا الإكليل المحفوظ للجميع سيوهب بالأولى لتلميذه تيموثيئوس.

 

الموعظة التاسعة

كيف تكون الشهادة لمحبة ظهور المسيح؟ وما هو هذا الظهور؟

لامتلاك يسوع المسيح يجب التخلي عن هذا العالم والاحتمال بصبر كل ما يحدث لنا فيه هو والشهادة على محبتنا واشتياقنا لظهور المسيح له المجد هو أننا نسعد بسعادة حضوره معنا وحلوله وسطنا، فالذي يتذوق بفرح حضور المسيح معه بعيني قلبه يعمل جاهداً حتى يكون مستحقاً لفرح اللقاء به في ظهوره، بل هو مستعد أن يعطي حياته ذاتها من أجل هذا اللقاء المجيد في السحاب مع المسيح إذا لزم الأمر. ويحيا حياة الاستعداد التي تمكنه من رؤية الرب والبقاء معه إلى الأبد.

سوف تقول: وكيف أكون مستعداً؟

اسمع يسوع يقول: “إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً” (لو 15: 23). أرجوكم أن تترجوا دائماً هذه النعمة العظيمة وتنشدوها، إنه سيأتي للجميع، ولكل واحد منا! وهو القائل “نأتي عنده ونصنع منزلاً”. إن محبة المؤمن الحقيقي للمسيح تتيح له أن يكون مستعداً دائماً ومعايناً في حياته على الأرض، وبالتالي ستتيح له استعلان المسيح في مجيئه الثاني وظهوره للجميع.

أنني أتمنى ألا يوجد فينا من هو غير مستحق لمجيئه، فليهيئ كل منا قلبه ليكون مسكناً للرب من الآن.

هذا الظهور يعرف باللغة اليونانية “إبيفانيا” أي أنه ظهور من الأعالي، فلننظر دائماً إلى من هو في العلا، ولنوجه أبصارنا لضوء الأشعة الإلهية. إن الذي يخفض عينيه نحو الأشعة الأرضية، ويدفن نفسه في الأرض ويجر نفسه إلى وحل هذا العالم لا يقدر أن يحدق ببصره في شمس البر. فالرب لا يضئ قط على الذين غمروا أنفسهم في الظلمات الكثيفة.

ارفعوا أنظاركم إلى فوق، ارفعوها من هوة هذا العالم الذي جذبكم وابتلعكم، إذا أردتم بكل قلوبكم مشاهدة هذه الشمس وانجذبتم فعلاً إلى أشعتها الذهبية، وحققتم حضوره فيكم بهذه الكيفية، فسوف ترونه في ظهوره الثاني في معاينة مجيدة كاملة.

اسلكوا إذن بالحكمة، ولا تسمحوا لروح الكبرياء أن يسكن فيكم وتنفخكم وتصرعكم وتسقطكم. لا يكن قلبكم متحجراً أو مظلماً حتى لا تغرق سفينة حياتكم، وأحذروا الشراك والفخاخ التي هي الصخور المختفية في بحر هذا العالم. لا تغذوا الحيوانات المتوحشة، وأقصد بها الشهوات الساكنة فيكم والتي تثور بداخلكم، فلا يوجد حيوانات أكثر توحشاً منها.

لا تسندوا حياتكم على أشياء سائلة كالماء لتتمكنوا من أن تعيشوا راسخين، وتتأسسوا فوق الصخر. المياه هي أشياء هذا العالم. يقول داود النبي: “المياه غمرت نفسي” (مز 69: 1). إنها سبيل يجرى، أما الصخور فهي الأشياء الروحية، وقال أيضاً “وأقام على صخرة رجلي” (مز 40: 2). إن أشاء هذا العالم هي وحل وطين، لنخرج منها حتى نتمكن من الاستمتاع بظهور الرب يسوع المسيح، لنحتمل بصبر كل ما يحدث لنا، والعزاء الشافي والكافي لنا هو الآلام مع يسوع المسيح، فلا نكف عن الشعور بذلك في أنفسنا وكل ألم سوف يختفي تماماً.

سوف تقول: وما هي كيفية احتمال كل شئ من أجل المسيح؟

فمثلاً إنسان افترى عليك لسبب أو لآخر، وربما لم يكن لأجل يسوع المسيح، فماذا إذن؟ إذا احتملته بصبر ورددت هذا بخدمة تقدمها له، وصليت من أجل هذا الإنسان، سوف ينظر الرب يسوع إلى هذا وكأنك قد احتملته من أجله. وعلى العكس تماماً إذا رددت بالسخط وبالشر، محاولاً أن تنتقم لنفسك، فأنت لا تتألم من أجل المسيح، وستخسر بإرادتك الثمرة الحلوة التي كنت ستقطفها، فالأمر بتوقف علينا في استخدام الألم لخدمة أنفسنا أو لضررنا. إن طبيعة الألم لم تفعل فينا شيئاً، وإنما الأمر كله يتوقف على كيفية تقبلنا له وتعاملنا معه.

أيوب مثلاً قد عاني من آلام كثيرة، وتحملها كلها بشكر وتسليم، لذلك أعلن الله عنه أنه بار، لأنه احتملها بصبر وشجاعة.

ترى كيف سيكون الوضع لو أن إنساناً آخر غير أيوب جاز كل هذه التجارب؟

قد يعاني شخص من تجارب أقل كثيراً، ومع ذلك فهو يجدف، ويغضب ويتمتم، ويلعن كل العالم وربما الله نفسه. هذا الإنسان يحاكم ويحاسب من الله، لأنه جدف بإداراته متخذاً الآلام سبباً لهذا التجديف. كان يمكن لأيوب أن يجدف، لكنه لم يفعل ذلك مع أنه كان تحت ثقل الآلام الشديدة التي كان يمكنه تحت وطأتها أن يتصرف بعكس ما تصرف به.

لابد أن يكون لنا قلب راسخ كريم، لا يجد في كل ما يسمح به الله لنا أمراً قاسياً. بل يرى فيه حقيقته وهي الخير والأكاليل والخلود حتى لو ظهر لنا مراً. إن إرادتنا هي التي تصور لنا الأمور ثقيلة أم خفيفة، فلنقّو فينا هذه الإرادة، ووقتها سنقبل كل شئ من يدي الله بارتياح وسهولة.

إذا تأصلت شجرة ما بجذورها عميقة في الأرض، فأعنف العواصف لا تقدر أن تخلعها، أما إذا كانت سطحية فأقل زوبعة تقبلها. وهذا هو حالنا. إذا كانت ثقتنا في محبة الله كبيرة ومخافته ساكنة بعمق فينا فلا شئ يقدر أن يهزنا أما إذا كانت علاقتنا بالله سطحية، فأقل صدمة تسقطنا.

لهذا أتوسل إليكم يا أخوتي أن تحتملوا كل شئ بشجاعة، ولنقتدي بالنبي القائل: “التصقت نفسي بك” (مز 63: 8)، لم يقل ببساطة نفسي اقتربت إليك، بل “التصقت بك”. وأيضاً في نفس المزمور يقول “عطشت نفسي إليك” فلم يقل مثلاً “نفسي ترغبك” بل عبر التعبير الأقوى. وقال أيضاً في موضع آخر: “قد اقشعر لحمي من رعبك” (مز 119: 120). الله يريدنا أن نلتصق به بقوة وبصورة لا نستطيع معها الانفصال.

إذا التصقنا بالله بهذه الكيفية وسخرنا له كل مشاعرنا وأفكارنا، إذا عطشنا إليه، وإذا سلكنا في كل هذا بإرادتنا ورغبتنا فسوف نحصل على الخيرات الروحية والبركات الأبدية في المسيح يسوع ربنا الذي له المجد والملك والكرامة من الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور كلها، آمين.

 

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج1 – ق. ذهبي الفم

Exit mobile version