التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

المقدمة العامة والفهارس

العهد القديم

 

العهد الجديد

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس 

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس 

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس

العهد القديم

 

العهد الجديد

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج2 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج2 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج2 – ق. ذهبي الفم

 

المقالة التفسيرية العاشرة

“بادر أن تجئ إلىَّ سريعاً لأن ديماس قد تركني إذ أحب العالم الحاضر وذهب إلى تسالونيكي، وكريسكيس إلى غلاطية، وتيطس إلى دلماطية، لوقا وحده معي. خذ مرقس وأحضره معك لأنه نافع لي للخدمة، أما تيخيكس فقد أرسلته إلى أفسس. الرداء الذي تركته في تراوس عند كاربس أحضره متى جئت والكتب أيضاً ولاسيما الرقوق”

(4: 9……… الخ)

التـــحـــليــل

1-قبل أن يدخل القديس بولس في العذابات الأخيرة دعا تلميذه تيموثيئوس ليحضر إليه ليعطيه تعليماته الأخيرة. القديس لوقا كان بجانبه بالحق.

2-يقول القديس بولس إن الله خلصه من فم الأسد، ويقصد بهذا الأسد الإمبراطور نيرون.

3-الرسل لم يستطيعوا أو لم يتحكموا في شفاء كل الأمراض. لا يجب النظر للرسل ككائنات فوق البشر.

 

1-قبل أن يدخل القديس بولس في التعذيب دعا تلميذه تيموثيئوس لكي يكون بجانبه ليعطيه تعليماته الأخيرة، والقديس لوقا البشير كان بجانبه في السجن.

يجب أن نتساءل لماذا استدعى القديس بولس تيموثيئوس ليكون بجانبه مع أن تيموثيئوس كان مشغولاً بإدارة الكنيسة ومسئولاً عن الرعاية كلها؟ لم يسلك القديس بولس هذا السلوك بدافع الأنانية أو الكبرياء، لأنه في رسالته الأولى له أبدى استعداده للذهاب بنفسه ليقابل تلميذه قائلاً له: “ولكن إن كنت أبطئ فلكي تعلم كيف يجب أن تتصرف في بيت الله” (1تي 3: 15).

 

فما هو السبب إذن في استدعائه؟

إن الرسول إذا كان معتقلاً في السجن بأمر من نيرون، ولم تكن له حرية التنقل، وكان مشرفاً على الموت، لم يرد أن يموت دون مشاهدة تلميذه الذي كان يلزم أن يعطيه تعليمات هامة ليقوم بها، لهذا يقول له: “بادر أن تجئ قبل الشتاء” (2تي 4: 21). 

“لأن ديماس تركني إذ أحب العالم الحاضر”. لم يقل بادر أن تجئ قبل موتي لأن هذه العبارة كانت ستحزن تيموثيئوس جداً، بل قال: تعال إلىَّ لأني وحدي ولم أجد من يبقى معي “لأن ديماس تركني إذ أحب العالم الحاضر وذهب إلى تسالونيكي”، هو فضل الحياة السهلة في بيته من أن يتعذب معي، والقديس بولس يتكلم متضرراً من ديماس ليس ليشنع به وبسمعته، بل ليقوينا نحن خوفاً من أن نضعف إذ تعرضنا للتجارب. هذا ما تعنيه عبارة “أحب العالم الحاضر”، أيضاً أراد القديس بولس بهذا أن يحدث تلميذه بصورة أقوى على الحضور ليراه.

“وكريسكيس إلى غلاطية، تيطس إلى دلماطية” لم يتكلم الرسول عن هؤلاء متضرراً، لأن تيطس كانت له فضائل عجيبة ومواهبه التي من أجلها أسند له القديس بولس رعاية الكنيسة بجزيرة كبيرة هي جزيرة كريت.

“لوقا وحده معي” لا يمكن أبداً الفصل بين القديس لوقا والقديس بولس، فهو الذي كتب الإنجيل الذي يحمل اسمه، وأيضاً هو الذي كتب سفر أعمال الرسل، وكان محباً للعمل والتعليم، وكان له صبر عجيب، وهو الذي قد قال عنه الرسول بولس “يُمدح من كل الكنائس بسبب الإنجيل” (2كو 8: 18).

 

“خذ مرقس وأحضره معك”

لـــمـــاذا؟

“لأنه نافع للخدمة” لم يقل لراحتي وخدمتي بل “للخدمة”، خدمة الإنجيل. مع أنه كان سجيناً إلا أنه لم يتوقف عن الكرازة والخدمة، ولهذا السبب أراد حضور تيموثيئوس، لصالح خدمة الإنجيل وليس لأي مصلحة خاصة بالرسول بولس. وحتى لا يستولى أي خوف على المؤمنين عند موته قصد أن يتواجد تلاميذه لتعزية المؤمنين ولإبعاد روح الحزن والقلق عنهم بسبب موته.

أني أتصور أن هناك أشخاص عظماء كانوا قد قبلوا الإيمان في روما.

“أما تيخيكس فقد أرسلته إلى أفسس. الرداء الذي تركته عند كاربس أحضره متى جئت والكتب أيضاً ولا سيما الرقوق” (12، 13).

الذي يسميه هنا “الرداء” يقصد به الثوب الذي كان يلبسه، والبعض يقول إنها كانت حقيبة توضع فيها الكتب.

ولكن ما هي حاجته للكتب وهو في طريقه للظهور أمام الله؟

كانت حاجته شديدة لهذه الكتب ليوصي بها المؤمنين لكي يحفظوها لتحل محل تعليمه لهم. إن موته كان صدمة قاسية على المؤمنين الذين كانوا يشهدون له ويستمتعون بوجوده معهم، لقد طلب الرداء لكي لا يحتاج إلى أن يقترض رداءً من أحد. وهذا المبدأ كان يتمسك به للغاية. فهو الذي قال مخاطباً أهل أفسس: “أنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجات الذين معي قد خدمتها هاتان اليدان” (أع 20: 34) ويقول في نفس الأمر “مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ” (أع 20: 35).

“إسكندر النحاس أظهر لي شروراً كثيرة، ليجازيه الرب حسب أعماله” (ع 14).

هنا يتكلم القديس بولس أيضاً عن الاضطهادات التي واجهها ليس لكي يشكو إسكندر هذا، ولا لكي يشهر به، وإنما لكي يشجع تلميذه على احتمال مثل هذه الاضطهادات بنفس الشجاعة أياً كان مصدرها، وإن كان عزاؤه سيكون أوفر بكثير إذا عُذب وأمتهن من شخص قوي ذي سلطة عما إذا عذب من شخص حقير، إذ سيكون شعوره حينئذ بمرارة المهانة أكثر وأقسى.

“اظهر لي شروراً كثيرة” أي كدرني بطرق كثيرة، لكنه لن يترك بدون عقاب، إذاً إن الرب سيجازيه حسب أعماله، وقد قال فيما سبق “أية اضطهادات احتملت ومن الجميع أنقذني الرب” (2تي 3: 11). هنا أيضاً يعطي تلميذه عزاء مزدوج: الأول هو أن هذه الآلام التي قد نالها ظلماً، والوجه الثاني هو أن الذين أوقعوا به هذه الآلام سوف يجازيهم الرب حسب أعمالهم. ليس معنى ذلك أن القديسين يفرحون لعذابات الأشرار، ولكن الالتزام بالكرازة يتطلب مواساة الضعفاء وتعزيتهم حتى يتشددوا.

“فاحتفظ منه أنت أيضاً لأنه قاوم أقوالنا جداً” (ع 15)

قاومها بالجهاد ومحاولة إثارة كل العالم ضدها. أنه لم يقل لتيموثيئوس أن يعاقب هذا الإنسان أو يضطهده، بل يعامله بالقدر الذي تعطيه إياه النعمة. يقول له احتفظ منه أنت وأترك لله المجازاة التي يجازيه بها، ويقول لتعزية الضعفاء “ليجازيه الرب حسب أعماله”. أنها عبارة تحمل معنى التنبؤ بمجازاة الرب وعقوبته لذلك الشخص. يتكلم هكذا ليشجع تلميذه، ولنسمع أيضاً القديس بولس حينما يتكلم عن اختباراته الشخصية ليقول:

“في احتياجي الأول لم يحضر أحد معي بل الجميع تركوني، لا يحسب عليهم”

تعجبوا يا أخوتي من هذا اللطف الذي يتكلم به الرسول عن أصدقائه الذين تركوه وقت الشدة مسببين له آلاماً. يوجد فارق كبير بين أن يُترك الإنسان من الغرباء، ومن أن يُترك من الأحباء، لذلك قد فاض به الحزن لأنه لم يجد العزاء في مشاركة أحبائه له في وقت الشدة.

“الكل تركوني” هذه الإساءة لم تكن خطورتها بسيطة. فإذا كان الجندي الذي يتخلى عن مساندة قائدة في مواجهة أخطار الحرب ويخونه بهروبه أثناء ضربات العدو يحق له الجزاء والعقوبة. فلماذا لا ينطبق هذا في ساحات الكرازة؟

ولكن ما هي تلك المرة الأولى التي أبدى فيها القديس بولس احتجاجه؟

كان قد استدعى أمام نيرون وخرج منتصراً سعيداً بعد هذا الاستدعاء، ولكن حدث بعد ذلك أنه هدى للإيمان المسيحي ساقي الإمبراطور، الأمر الذي جعل الإمبراطور يأمر بأن يقطع رأس هذا الساقي.

“ولكن الرب وقف معي” (ع 17) هذه تعزية أخرى لتلميذه، لأن الله يقف دائماً بجانب من تركه أهل العالم.

يقول القديس بولس “وقواني” أي أعطاني الجرأة ولم يتركني لضعفي، ليس لأني جدير بهذه النعمة، بل لأتمكن من إتمام الكرازة “لكي تتم بي الكرازة”.

تعجبوا من تواضع هذا الرسول العظيم! فهو يقول “قواني” لأقوم بإتمام الكرازة التي أنا مكلف بها من قبله، كما لو كان هو الشخص الذي يحمل تاج الملك ويلبس أرجوانه حتى يخلص بهذه العلامات من الخطر. “ويسمع جميع الأمم” أي لكي يصل نور الإنجيل لجميع الناس ويعرف الكل أن الرب يحرسني ويسهر علىَّ.

“فأنقذت من فم الأسد”

“وسينقذني الرب من كل عمل رديء” (ع 18)

تأملوا كيف كان الرسول قريباً جداً من الموت، إذ قد وصل تقريباً من فم الأسد، وهذا هو اللقب الذي أعطاه لنيرون نظراً لوحشيته وقساوته. يقول الرسول: “الرب أنقذني وسينقذني” كيف؟ فإذا كان الرب سينقذه فكيف يقول: “فأني الآن أسكب سكيباً”؟ لاحظوه وهو يقول: “أنقذني من فم الأسد وسينقذني” أي ليس من فم الأسد فقط.

مما إذن سينقذه؟

“من كل عمل رديء”.

سوف ينقذني الله من كل خطر بعد أن أكون قد أكملت ما هو ضروري لبشارة الإنجيل، سوف ينقذني الرب من كل خطية، لن يسمح لي الرب بخروجي من هذا العالم ملوثاً، بل سوف يهبني قوة مقاومة الشر والخطية حتى الدم، فأنقذ من أسود أخرى أكثر وحشية وهو الشيطان، هذا الإنقاذ الأخير هو الروحي، والأهم والذي لا يقارن بالأول الذي ينقذنا الله منه بالموت الجسدي.

“ويخلصني لملكوته السماوي الذي له المجد إلى دهر الدهور آمين” إننا لا نحصل على سلامنا الحقيقي إلا عندما نضئ بالمجد في الملكوت الإلهي.

ما معنى “ويخلصني لملكوته؟” يعني أنه يحفظني من كل خطأ في إقامتي في هذا العالم الذي ينبغي أن أموت عنه تماماً لأجل هذا الملكوت: “من يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية” (يو 12: 25). 

الذي له المجد إلى دهر الدهور آمين” وهذه هي ذو كصولوجية الابن.

“سلم على فرسكا وأكيلا وبيت أنيسيفورس” الذي كان وقتذاك في روما، كما لاحظنا في مقدمة الرسالة قوله:

“ليعط الرب رحمة لبيت أنسيفورس الذي لما كان في رومية طلبني بأوفر اجتهاد، ليعطيه الرب أن يجد رحمة من الرب” إن القديس بولس بتبليغ سلامة بهذه الكيفية يحث كل عائلته على السير على خطوات رب العائلة. 

“سلم على فرسكا وأكيلا” يتكلم القديس بولس دائماً عن هذين الشخصين الذين كان قد أقام عندهما، هنا نلاحظ أنه يذكر الزوجة قبل الزوج، ويبدو لي أنها كانت أكثر حماساً وإيماناً، فهي التي كانت قد أخذت بولس عندها، أو أنه يدعوهما هكذا بلا أي قصد. وهنا كانت تعزيته بالنسبة لهما ليست قليلة، بل كانت علامة على الحب والتقدير، وفي نفس الوقت محاولة للثناء وتقديم شكره لهما. ولم يكن لدى الرسول الطوباوي الكريم والعظيم ما هو أعظم من السلام الذي يعطيه مصحوباً بشكره لمن يراسله.

“أراستس بقى في كورنثوس، أما تروفيموس فتركته في ميليتس مريضاً”

لماذا لم تشفه أيها الرسول القديس؟ لماذا تركته؟

الرسل لم يتمكنوا من أن يفعلوا كل شئ، أو بالأحرى لم يريدوا الإسراف في النعمة التي أؤتمنوا عليها في كل حالة تقابلهم لئلا ينظر إليهم أنهم فوق مستوى البشر. نلاحظ ذلك بالنسبة لأبرار العهد القديم. موسى مثلاً، كان ثقيل اللسان، لماذا لم يتمكن من الخلاص من هذا العيب؟ كان معرضاً للحزن وللضعف، وهو لم يدخل أرض الموعد!

 

3-الرسل لم يستطيعوا أو لم يتحكموا في شفاء كل الأمراض

وهكذا رأينا أن الرسل لم يتحكموا أو بالأحرى قصدوا ألا يشفوا كل الأمراض عند جميع الناس، وهكذا سمح الله لهم وللقديسين جميعاً لكي يظهر فيهم ضعف الطبيعة البشرية، لأنه لولا هذه العيوب وهذا الضعف الذي ظهر منهم، لما تورع اليهود الأغبياء عن القول: أين هو موسى هذا الذي أخرجنا من أرض مصر؟ وكيف ستكون مشاعرهم تجاهه لو دخل بهم أرض الموعد؟ لو كان الله لم يسمح بارتباك موسى قبل مثوله أمام فرعون لكانوا اتخذوه كإله. ألم نر كيف أن سكان لسترة أرادوا تقديس بولس وبرنابا بسبب معجزة شفاء المقعد من بطن أمه حتى مزق الرسولان ثيابهما واندفعا إلى الجمع صارخين قائلين : “أيها الرجال لماذا تفعلون هذا، نحن أيضاً بشر تحت الآلام مثلكم” (أع 14: 14). وأيضاً القديس بطرس لما رأى اليهود قد ارتعبوا من معجزة شفاء الأعرج من بطن أمه قال لهم أيضاً: “أيها الرجال الإسرائيليون ما بالكم تتعجبون من هذا، ولماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي” (أع 3: 12).

اسمعوا أيضاً الرسول يقول: “لئلا ارتفع من فرط الإعلانات أعطيت شوكة في الجسد” (2كو 12: 7). قد يقال أن لتواضعه يتكلم هكذا، كلا لم تعط للرسول هذه الشوكة لكي يتواضع فقط، بل هناك أسباب أخرى. لاحظوا أن الله عندما أجابه لم يقل له: “تكفيك نعمتي حتى لا ترتفع، بل قال له “قوتي في الضعف تكمل” وهذا السلوك الذي يسلكه الله مع أصفيائه له فائدته.

فالمعجزات كانت تتفجر أمام أعين الجميع، والله كان يسندهم. لهذا يقول الرسول في موضع آخر “لكن لنا هذا الكنز في أواني خزفية ليكون فضل القوة لله لا منا” (2كو 4: 7). أي أننا بأجسادنا سريعي الانهيار وقابلين للتلف وللكسر، ولكن لماذا قصد الله ذلك؟

قصده حتى لا تُنسب لنا هذه القوة الكبيرة التي تظهر في أعمالنا، بل تُعرف أنها ليست منا ولا تخصنا، بل من الله وتخص الله، وهكذا قصد لأجسادهم أن تحمل الضعف بل والعاهات حتى لا تنسب إليهم المعجزات التي كانوا يجرونها. وأيضاً نرى في مكان آخر أن القديس بولس كان حزيناً لمرض أحد تلاميذه، وفي كلامه عن أبفرودتس يقول أنه كان مريضاً ومشرفاً على الموت ولكن الله قد تعطف عليه.

وأيضاً نرى أن هذا الرسول العظيم قد جهل أموراً كثيرة تتعلق به وبتلاميذه.

“وأما تروفيموس فتركته في ميليتس” وهي بلدة قريبة من أفسس. الرسول ترك تلميذه عندما توجه عن طريق البحر إلى اليهودية. وربما في وقت آخر. وبعد إن كان الرسول في روما سافر إلى أسبانيا. ولكننا نراه هنا وحيداً ومتروكاً من الجميع إذ يقول: “ديماس تركني، كريسكيس ذهب إلى غلاطية، وتيطس إلى دلماطية، أراستوس بقى في كورنثوس، وأما تروفيموس فتركته في ميليتس مريضاً”

“بادر أن تجئ قبل الشتاء يسلم عليك أفبولس وبوديس ولينس وكلافدية والأخوة جميعاً”.

ومن المعروف أن  ليس كان بعد القديس بطرس الأسقف الثاني لكنيسة روما. يذكر الرسول هنا كلافدية لأنها كانت من السيدات الفضليات، والمتوقدات مثل بريسكيلا، اللاوتي صلبن أنفسهن واستعددن للآلام، وقد ذكرهما بالذات دون باقي السيدات لأنهما بلا شك كانتا على مستوى من التربية الروحانية والتسامي على أمور هذا العالم، تلمعان بالفضائل وسبط كل التلاميذ. أنها هبة كبيرة من الله للمرأة ألا تقف طبيعتها عقبة أمام الفضائل، فإن كانت المرأة بطبيعتها ليس لها نصيب في الأعمال الإدارية فإن لها نصيب عظيم في أعمال منزلها وتربية أولادها. أما عن دورها في الروحانيات فهو لا يقل أبداً عن دور الرجل. وكم رأيناها لم تحرم من مجد الاستشهاد، والكثيرات منهم كُللن بأكاليل بهية من أجل الإيمان، بل واستطعن أن يحفظن عفتهن أكثر من الرجال لأنهن لا يندفعن بدافع الشهوات ووهجها العنيف. أيضاً يمكنهن ممارسة حياة البساطة والتواضع وسهولة الوصول إلى حياة القداسة التي بدونها لن ير أحد الرب (عب 12: 14).

“بادر أن تجئ قبل الشتاء” حتى يحول الجو الرديء دون حضورك.

“يسلم عليك أفبولس وبوديس ولينس وكلافدية والأخوة جميعاً” لم يذكر الآخرين فهو قد منح هذا الشرف للذين يستحقونه من أجل فضائلهم.

“الرب يسوع المسيح مع روحك” (ع 22)

ليست هناك تحية أعظم من هذه يقول له: لا تحزن لأنني سأموت قريباً، الرب معك. لكنه لا يقول له ببساطة “معك” وإنما يقول: “مع روحك” يطلب له المعونة الروحية المضاعفة. إن نعمة ومعونة الروح القدس لروح الإنسان هي نعمة ومعونة الله نفسه.

الله لا يمكن أن يكون معنا دون وجود الروح القدس، فإذا تركنا الروح القدس كيف يكون الله معنا؟

“النعمة معكم آمين” الرسول يقول أنه يجب علينا أن نعمل دائماً على أن نحوز رضاء الله كي ما تكون لنا نعمة وهباته، وتكون حياتنا بدون مشقات، إن الذي يتمتع برؤية الأمير ويحصل على نعمة، لا يشك في شئ ولا يقلق. فإذا تركنا من أصدقائنا أو وقعنا في خطر فلا نبالي بأي شئ طالما النعمة معنا تحوطنا بحمايتها.

 

الموعظة العاشرة

1-أحسن وسيلة لفائدتنا هي الانشغال بأعمال الله

فكيف نوفق للحصول على هذه النعمة؟ بالعمل والسلوك بما يرضى الله وبطاعته في كل شئ. في بيوت السادة نجد الذين يحوزون على نعمة أكبر من سيدهم، هم الذين ينسون أنفسهم مهتمين بأعمال خدمة سيدهم من كل قلبهم وبكل اجتهاد وحرارة. يضعون كل شئ في وضعه الحسن ليس خوفاً أو تنفيذاً للأوامر، وإنما بإرادة حسنة وحب. عيونهم دائماً ساهرة وشاخصة إلى ما يخص سيدهم وما يرضيه، وليس لهم مصلحة خاصة مطلقاً. الخادم الذي يسلك هكذا وبهذه المشاعر يكون عنده الشعور بأن كل ما يملكه سيده كأنه ملك خاص له. وفي إدارته لممتلكات سيده وعقاراته يعطي تعليماته كممتلكات خاصة به وملكه هو. وكل الخدم الآخرين يحترمونه، وسيده يؤيده في كل ما يقوله وما يفعل، فإذا كان الأمر هكذا في أمور هذا العالم كل من يهمل مصالحه الخاصة وسيهتم بأمور سيده، هو في الواقع لا يهمل أعماله ومصالحه، بل يرقى بها ويحققها له الله على أحسن وجه.

إذن فلتحتقروا مالكم لكي ما تحصلوا على ما هو من الله. الله نفسه يأمركم بذلك. احتقروا الأرض كي تربحوا السماء. عيشوا حياة الروح والقلب، ولا تتعلق أفكاركم بالأرض. اهتموا بالروحيات وليس بالماديات فتصيروا مرهوبين، لا يخشاكم الناس فقط بل والشياطين أيضاً.

أما إذا أردتم مهابة الناس وخشيتهم منكم وتعظيمهم لكم من أجل ثرائكم فسوف تكونون محل احتقار الشياطين والناس. إن ما تريدون الحصول عليه هنا في الأرض ما هو إلا مكافأة حقيرة ورديئة، أناشدكم أن تحتقروا كل هذا لتكونوا عظماء في قصر أبيكم السماوي.

هذا يا أخوتي ما فعله الرسل، احتقروا منازلاً، ازدروا بكل مقتنيات هذا العالم، وعاشروا مجتهدين كيف يديرون ويصدرون أوامرهم في ممتلكات ربهم وسيدهم، وبكل قوة يأمرون بسلطان سيدهم ليتخلص هذا من مرضه وذاك من شيطان قد دخله، يربطون هذا ويحلون ذاك. كل ما يحدث في الأرض يُصدق عليه في السماء “كل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً في السماء” (مت 18: 18). يسوع المسيح أعطى سلطاناً كبيراً لخدامه لكي يشابهوه، وقد حقق ما قاله: “من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو وأيضاً يعمل أعظم منها” (يو 14: 12). لأن ما يعمله الخدام يرجع إلى سيدهم، مثلما يحدث بين البشر إذ نرى أنه كلما كان الخدام أقوياء كلما كان سيدهم موقراً ومعتبراً.

وقد يقال إذا كانت هذه هي قوة الخادم الأمين، فكيف تكون قوة السيد مع خادمه المهمل الخائن؟ إذا كان الخادم هكذا مهملاً وخائناً في خدمة سيده، ولا يفكر إلا في نفسه وفي زوجته وأولاده، ويسعى دائماً ليغتني هو، فيسرق وينهب من خيرات سيده. أليس واضحاً أنه سيضيع هو أخيراً مع ثرواته التي حصل عليها زوراً وباطلاً؟

يا أخوتي ليت هذه الأمثلة توقظنا وتمنعنا من البحث عن مصالحنا الخاصة، وتحثنا أن نحتقرها، وذلك حتى نقدر أن نحصل عليها في أمان وبفائدة أكثر لأننا أهملناها نحن فالله سيهتم بها ويدبرها وأما إذا اهتممنا بها نحن فالله حينئذ سيهملها.

فلنعمل إذن فيما يخص الله وليس فيما يخصنا نحن، طالما أن الذي يخصه هو يخصنا نحن، لا نتكلم عن الأرضيات ولا نعمل فيما هو للماديات والعالميات، فكل هذه الاهتمامات ليست لائقة بنا نحن المؤمنين، وإنما تخص الغير مؤمنين، ما هي يا ترى تلك الخيرات التي قلت عنها أنها تخص الله وبالتالي تخصنا نحن؟ هي المجد الأبدي والملكوت السماوي.

إن القديس بولس يؤكد لنا قائلاً: “إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضاً معه” (2تي 2: 11)، “إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه، وأيضاً فإن كنا أولاد فإننا ورثة أيضاً” (رو    : 17). لماذا ننخفض إلى الأرض، والله يريد أن يرفعنا إلى السماء؟

إلى متى نظل بإرادتنا في فقرنا وبؤسنا؟

الله يعرض علينا السماء، ومع ذلك فأن أعيننا ورغباتنا لا تتجه إلا إلى الأرض.

الله يقدم لنا ملكوت السماء، ونحن نتجه إلى فقر الأرض.

يقدم لنا البيت السماوي، ونحن نفني ذواتنا في تراب وطوب وخشب الأرض.

تريد أن تصبح غنياً!! أنا لا أمنعك عن هذا، أعمل، أربح، أبدع، لا عيب في ذلك، لكن يوجد ربح نحن نذنب في عدم البحث عنه، بينما توجد سرقة بعد الامتناع عنها خطية! ما معنى ذلك.

يقول المخلص: “ملكوت السماوات يغتصب والغاصبون يختطفونه” (مت 11: 12). في هذا المجال لتكن مغتصباً عنيفاً، إن ما تغتصبه من هذا النوع لن يكون ناقصاً أبداً، فكما أن الفضيلة لا تُقسم كذلك التقوى وملكوت السماوات.

الفضيلة تنمو وتزيد باغتصابها بعكس الخيرات الجسدية. افترض أن مدينة بها 10000مواطن. ولو اغتصبوا كلهم البر والفضائل، فستنمو المدينة وتزدهر أضعافاً مضاعفة، على العكس تقاعسوا في هذا، فستسير مدينتهم إلى الانحدار.

 

2-ملكوت السماوات لا يعطى إلا للأقوياء.

هل تفهمون أن الخيرات الحقيقية تتضاعف بالسعي ورائها واغتصابها، أما الخيرات الزمنية فتتناقص؟ فليتنا لا نتراخى حتى لا نبقى فقراء بل نسعى لغني أنفسنا وأثراء أرواحنا.

إن ثراء الله يتضح بتوافر الأعداد الكبيرة التي ستستمتع بملكوته.

“غنياً لكل الذين يدعون به” (رو 10: 12). فزيدوا إذن من ثراء الله ومن ثروته بزيادة اغتصابكم لملكوته، وبزيادة جهادكم المتواصل لتربحوه، لماذا؟ لأنه توجد عقبات كثيرة يلزمكم التغلب عليها: النساء الأولاد، الهموم الزمنية، وأيضاً أجناد الشر الروحية ورئيسهم إبليس. لذلك يلزم الصراع هنا والصمود والمثابرة، فالذي يصارع يحيا حياة المشقة واحتمال الآلام والجهاد. إذا كان المصارعون يجاهدون حتى إلى بلوغ المستحيل، أفلا نجاهد نحن لنبلغ على الأقل ما هو في الإمكان لنحصل على نصيبنا من الخيرات السماوية الشهية؟ إن تعبير “الغاضبون يغتصبون الملكوت” يحفزنا أن نسرق السماء بكل قوة ممكنة وبكفاح، إذ لن نربحها بدون مشقة والمغتصب عادة ما يكون يقظاً ومتحفزاً ومقتنعاً تماماً بما سيغتصبه.

الذي يريد أن يحصل على بعض الغنائم في الحرب يسهر طوال الليل، فإذا كان لأجل اغتصاب خيرات هذا العالم يسهر هكذا الليل كله مسلحاً، فكم وكم إذا أردنا نحن اغتصاب الأمور التي هي أعظم بما لا يقاس؟ والأصعب في اقتنائها والأشهى في نوالها، أعني الخيرات الروحية.

كيف نتهاون ونحيا غافلين وغير مسلحين؟

إن الذي يعيش حياة الفتور، وحياة الخطية هو إنسان أعزل لا يملك سيفاً ولا درعاً، أما إنسان البر، إنسان الله، فهو مسلح من فمه رأسه إلى أخمص قدميه.

الصدقة مثلاً هي من أقوى أعمال البر، ومع هذا فإننا لا نرتديها كسلاح، كما إننا لا نحمل مشاعلنا مضيئة ومعده، ولا نزود أنفسنا بأسلحة روحية لنسير بها في طريق الجهاد المؤدي إلى السماء. ولذلك فنحن بحياتنا المتخاذلة هذه لا نغتصب نصيبنا في ملكوت السماوات.

الذي يكافح ليتوج بتاج أرضى تهون عليه المخاطرة حتى الموت، ونراه دائماً مسلحاً ومتأهباً للجهاد، أما نحن فنريد أن نغتصب تاج السماء ومجدها ونحن نيام متراخون!

دققوا النظر في المصارعين والمغتصبين القدماء كيف كانوا يركضون مسرعين غير مبالين بكل ما يعترض طريقهم بل يزيلونه متقدمين في مسيرتهم دائماً.

 

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج2 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج1 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج1 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج1 – ق. ذهبي الفم

 

الأصحاح الرابع

“أنا أناشدك إذاً أمام الله والرب يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات عند ظهوره وملكوته، أكرز بالكلمة”

(4: 1، 2)

سوف يدين الأشرار والأبرار، الأموات والأحياء وسيكون عددهم كبيراً. سبق أن أنذر الرسول تلميذه قائلاً “أوصيك أمام الله الذي يحيي الكل” (1تي 6: 13)، وهنا يعبر بطريقة أكثر رعباً بقوله: “الذي يدين الأحياء والأموات” أي يطالبهم بتقديم الحساب عن أعمالهم.

“عند ظهوره وملكوته”

متى ستكون هذه الدينونة؟ ستكون عند الظهور الممجد لابن الله، عند ظهوره الثاني، عندما يأتي بموكب ملك الكون. هذا الظهور سوف لا يكون مشابهاً للظهور الأول الذي جاء به في الجسد، وإنما سيكون محاطاً بالمجد، فهذا ما يعنيه النص.

 

الراعي لا يجب ألا يتوقف عن كرازته

“أكرز بالكلمة، أعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب، وبخ، انتهر عظ بكل أناة وتعليم” (4: 2)

ما معنى وقت مناسب وغير مناسب؟

يعني أنه لا يوجد وقت محدد، ليكن كل وقت هو وقتك، فتكرز ليس فقط في أوقات السلام والأمان، أو فقط في الكنيسة، وإنما حتى إذا كنت في السجن أو سلاسل، بل وحتى وأنت ذاهب إلى الموت لا تكف عن التعليم والتوبيخ. يقول له: “انتهر وعظ”، يجب على الراعي أن يسلك كما يسلك الطبيب. يضع إصبعه على الجرح، ويستأصل جزءاً منه، ثم يستعلم دواء للتخفيف، فإن نقصت واحدة من هذه العمليات يكون عمل الطبيب بلا نفع.

فإذا أنت وبخت شخصاً لكي تقنعه بالشر الذي ارتكبه، فستكون في نظره في موقف المتهور ولن يحتملك أحد، أما بمجرد أن يقتنع فإنه سيستفيد من تبكيتك له. وأنت أن أقنعت إنساناً ووبخته بشدة وبقسوة، دون الرقة والكلمة الطبية فسيضيع تعبك باطلاً.

“بكل أناة وتعليم”

الذي يرغب في إقناع سامعيه، هو في حاجة إلى صبر كثير، إذ أن السامع سوف لا يصدق بسرعة كل ما يقوله.

أما عن التأنيب فيلزم أن يكون مصحوباً باللطف حتى يُقبل. لماذا أضاف كلمة “تعليم” إلى “كل أناة” أي لا يوبخ وهو في غضب أو ثورة، أو كمن أمسك بعدوله، يجب أن تكون هذه الأمور بعيدة عنك تماماً.

فالمطلوب هو تعاملنا معه كمحبين له، ومتعاطفين معه، ونشاركه حاله، وننصهر معه في مشقاته.

“بكل أناة وتعليم”

ليس أي تعليم بل التعليم النافع والمفيد.

لأنه سيكون وقت لا يحتملون فيه التعليم الصحيح” (4: 3)

فقبل أن يملأهم اليأس أسرع أنت بإنذارهم. ولأجل ذلك يقول: “أعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب” لا تهمل شيئاً حتى تحصل على تلاميذ مطيعين وودعاء.

“بل حسب شهواتهم الخاصة يجمعون لهم معلمين مستحكة مسامعهم”

أي يطلبون لأنفسهم معلمين حسب أهوائهم، يطلبون ويجدون الكثير من المعلمين المنحرفين عن الحق، تستريح لهم قلوبهم. 

“فيصرفون مسامعهم عن الحق وينحرفون إلى الخرافات” (4: 4)

هو ينبئه بهذه الأمور ليس لكي يلقى به في الضعف، وإنما ليضعه في حالة يستقبل بها هذه الأمور بشجاعة. والسيد المسيح نفسه استعمل هذا التعبير عندما قال لتلاميذه: “لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس وفي مجامعهم يجلدونكم من أجلي” (مت 10: 17). وقديسنا الرسول يقول في مكان آخر: “بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية” (أع 20: 29) كان يعطي هذه الإنذارات للقسوس لكي يجعلهم متيقظين ولكي يحثهم على استغلال كل الأوقات الملائمة التي أعطاها الله لهم.

“وأما أنت فأصحُ في كل شئ واحتمل المشقات” (4: 5)

يسوع المسيح قبل موته بزمن قليل قال: “سيأتي من الأيام الأخيرة مسحاء وأنبياء كذبة”. والقديس بولس في عشية تركه هذا العالم قال بنفس الفكر: أما أنت فأصحُ في كل شئ احتمل المشقات، أي اشتغل، أنذر بالبلية قبل حدوثها، أسرع لوضع الخراف في أمان قبل أن تأتي الذئاب.

“أعمل عمل المبشر، تمم خدمتك”

وذلك لأن عمل البشير هو مواجهة المشقات، ومعاناة الضيقات لأجل الله ولأجل الآخرين.

“تمم خدمتك” وهذا سبب آخر يحفزه للعمل.

 

2-شهادة القديس بولس لنفسه بأنه أتم مهمته قبل موته مباشرة

فإني الآن أسكب سكيباً ووقت انحلالي قد حضر” (4: 6)

إنه لا يقول “وقت تقديم نفسي ذبيحة قد حضر، بل يستعمل تعبيراً أقوى، لأن الذبيحة التي تُقدم لا تُقدم كلها لله، أما السكب فيعني أنه يبذل نفسه بالكلية لله.

“قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان” (4: 7) غالباً إذا وضعت أمامي ما قاله الرسول وأتأمل عبارته هذه تأخذني الدهشة وأقول: بأي هدف كان الرسول يتحدث عن نفسه هكذا ويقول “جاهدت الجهاد الحسن” ولكنني بنعمة الله قد وجدت السبب، الذي من أجله قد تكلم هكذا. لقد كان مشتاقاً أن يعزي تلميذه المحبوب وينزع عنه كآبته، ويدعوه كي يبتهج لأنه ذاهب حيث يوجد إكليله بعد أن أنهى كل جهاده ووصل إلى نهاية مجيدة. أنه يقول له: يليق بك أن تفرح من أجلي ولا تحزن مطلقاً.

 

لماذا؟

“لأني جاهدت الجهاد الحسن”. الرسول كان كالأب الصالح والطيب، فلما رأى أن تلميذه وابنه سوف يحزن لأنه سينتقل قريباً وسيتركه، قال ليواسيه: لا تبك يا ابني، أنني عشت بكرامة وأمانة وشرف، ووصلت إلى شيخوخة سعيدة، أستطيع معها أن أفارقك. إنما أوصيك أن تحيا حياة مثالية ونقية. أنني عندما أرحل سيحل مجدي عليك، أن إلهي نفسه كثيراً ما يشهد لي لأني كنت أؤدي خدمته برغبة وكفاح وطيب خاطر، حتى أنني حصلت منه على انتصارات جعلت الأعداء يهربون.

إن هذا الرسول الأب الذي يتكلم هذا الكلام، لا يتكلم به بزهو أو خُيلاء، بل لكي يرفع نفسية تلميذه ويشجعه ويساعده على تقبل احتمال رحيله، إذ أنه لا يمكننا أن ننكر ما الفرق من قسوة ولوعة.

اسمعوا الطريقة التي يتكلم بها الرسول في رسالته إلى أهل تسالونيكي “قد فقدناكم زمان ساعة بالوجه لا بالقلب” (تي 2: 17). فإذا كان القديس بولس قد تألم لهذه الدرجة عندما فارق تلاميذه، فما بالكم بما يشعر به تيموثيئوس عندما يعلم أنه سيفقد معلمه؟

إن هذا التلميذ المحب لمعلمه قد سبق وزرف الدموع لمجرد بعده عن معلمه في حياته، وهذا ما قرره القديس بولس بنفسه حين قال: “مشتاقاً أن أراك ذاكراً دموعك” (2تي 1: 4). أنه تذكر دموعه تذكاراً قد ملأه فرحاً، فكم وكم من الدموع التي يتوقع له أن يذرفها عند موته ورحيله؟

إذاً لتعزيته كتب له هذا الكلام، بل أن هذه الرسالة بكليتها مليئة بالتعزيات والتعاهدات على أن يحتمل ويصمد ويجاهد.

“جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان”

ولكن كيف يكون هذا الجهاد حسناً وقد عانيت فيه يا رسولنا العظيم سجناً وقيوداً وآلاماً ثم موتاً؟

إن الجهاد الحسن بالحق هو معاناة العذاب والآلام من أجل يسوع المسيح، وهو الذي سيختتم بالتتويج، وذلك الإكليل الذي سيحصل عليه المجاهد لا يضمحل أبداً. هو تاج بهي لم يضعه على رؤوسنا أناس، ولم يمنح لنا جهاراً وسط جمهرة من الناس، وإنما يُمنح لنا في موكب من الملائكة. في العالم لم يجاهد الناس طويلاً محتملين المصاعب كل يكللوا ساعة أو ساعات قليلة بعدها تنتهي كل البهجة، أما هناك فالوضع ليس هكذا، بل الإكليل الذي سنحصل عليه سيضيء إلى الأبد بمجد وكرامة.

فالرسول كأنه يقول لتلميذه: افرح إذن لأني سأدخل الراحة الأمجاد الأبدية. سأترك المعارك والصراعات، وقد سبق أنني قلبت “لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً” (في 1: 23).

“أكملت السعي” فالجهاد بالسعي والجري والكفاح المتواصل وباحتمال الضيقات والآلام، أنه كفاح وجري ليس لأمور باطلة، ولكن لأهداف مجيدة ومفيدة، وبالحق هو جهاد ممتع، وليس ممتعاً فقط بل هو مفيد ومجزي أيضاً، ولا ينتهي سباقه إلى مجرد مظهر لإبراز القوة والمنافسة للحظات قليلة على الأرض، وإنما هي رفعة إلى السماء والخلود في أمجادها.

حقاً إن السباق المجيد والكفاح الذي دخله القديس بولس على الأرض كان أكثر نوراً ومجداً وبهاءً من الشمس حين تكتمل في السماء.

 

ولكن بأي طريقة قد أكمل الرسول سباقه؟

لقد طاف العالم مبتدءاً من الجليل إلى الغرب ذاهباً إلى أطراف العالم المعروف في وقته. يقول في رسالته إلى رومية: “حتى أني من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح” (رو 15: 19).

لقد طاف الأرض بسرعة النسر، بل بأكثر سرعة وأكثر إعجاباً، فإن النسور إنما تحلق فقط بأجنحتها، أما الرسول بولس فإذا كانت له أجنحة الروح القدس وكان يعبر أجواءً مليئة بالعوائق والميتات والكوارث، ومع ذلك فقد كان عبوره بأكثر خفة وسرعة.

حفظت الإيمان” لقد حفظ القديس بولس الإيمان رغم وجود مقاومات وعثرات كثيرة كان يمكن أن تفقده إيمانه. تخلى الكثير من أصدقائه ومعينيه عنه، وتهديدات آخرين له بالموت، والمعاملات السيئة والمؤذية التي كان يلقاها دائماً، ولكنه قد قاوم كل هذا بثبات عجيب.

ولكن بأي وسيلة؟ بالإيمان والرجاء والمحبة، وأيضاً باليقظة المستمرة. هذا الجهاد الذي ذكره القديس بولس كان لتعزية تلاميذه، ولكنه لم يكتف بذلك بل أراد أن يضيف المكافأة التي تنتظره إذ يقول:

“وأخيراً وضع لي إكليل البر” وهنا كلمة “البر” يقصد بها كل الفضائل. لا داعي للحزن طالما أنني ذاهب لأخذ الإكليل الذي سيضعه المسيح نفسه على رأسي. لو انتظرت في هذا العالم، فليس لي سوى التعب والبكاء والأنين والخوف من السقوط والضياع.

“إكليل البر الذي سيهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان والعادل ليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً”، وبذلك يزيد الرسول من ثقة تلميذه، لأن هذا الإكليل المحفوظ للجميع سيوهب بالأولى لتلميذه تيموثيئوس.

 

الموعظة التاسعة

كيف تكون الشهادة لمحبة ظهور المسيح؟ وما هو هذا الظهور؟

لامتلاك يسوع المسيح يجب التخلي عن هذا العالم والاحتمال بصبر كل ما يحدث لنا فيه هو والشهادة على محبتنا واشتياقنا لظهور المسيح له المجد هو أننا نسعد بسعادة حضوره معنا وحلوله وسطنا، فالذي يتذوق بفرح حضور المسيح معه بعيني قلبه يعمل جاهداً حتى يكون مستحقاً لفرح اللقاء به في ظهوره، بل هو مستعد أن يعطي حياته ذاتها من أجل هذا اللقاء المجيد في السحاب مع المسيح إذا لزم الأمر. ويحيا حياة الاستعداد التي تمكنه من رؤية الرب والبقاء معه إلى الأبد.

سوف تقول: وكيف أكون مستعداً؟

اسمع يسوع يقول: “إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً” (لو 15: 23). أرجوكم أن تترجوا دائماً هذه النعمة العظيمة وتنشدوها، إنه سيأتي للجميع، ولكل واحد منا! وهو القائل “نأتي عنده ونصنع منزلاً”. إن محبة المؤمن الحقيقي للمسيح تتيح له أن يكون مستعداً دائماً ومعايناً في حياته على الأرض، وبالتالي ستتيح له استعلان المسيح في مجيئه الثاني وظهوره للجميع.

أنني أتمنى ألا يوجد فينا من هو غير مستحق لمجيئه، فليهيئ كل منا قلبه ليكون مسكناً للرب من الآن.

هذا الظهور يعرف باللغة اليونانية “إبيفانيا” أي أنه ظهور من الأعالي، فلننظر دائماً إلى من هو في العلا، ولنوجه أبصارنا لضوء الأشعة الإلهية. إن الذي يخفض عينيه نحو الأشعة الأرضية، ويدفن نفسه في الأرض ويجر نفسه إلى وحل هذا العالم لا يقدر أن يحدق ببصره في شمس البر. فالرب لا يضئ قط على الذين غمروا أنفسهم في الظلمات الكثيفة.

ارفعوا أنظاركم إلى فوق، ارفعوها من هوة هذا العالم الذي جذبكم وابتلعكم، إذا أردتم بكل قلوبكم مشاهدة هذه الشمس وانجذبتم فعلاً إلى أشعتها الذهبية، وحققتم حضوره فيكم بهذه الكيفية، فسوف ترونه في ظهوره الثاني في معاينة مجيدة كاملة.

اسلكوا إذن بالحكمة، ولا تسمحوا لروح الكبرياء أن يسكن فيكم وتنفخكم وتصرعكم وتسقطكم. لا يكن قلبكم متحجراً أو مظلماً حتى لا تغرق سفينة حياتكم، وأحذروا الشراك والفخاخ التي هي الصخور المختفية في بحر هذا العالم. لا تغذوا الحيوانات المتوحشة، وأقصد بها الشهوات الساكنة فيكم والتي تثور بداخلكم، فلا يوجد حيوانات أكثر توحشاً منها.

لا تسندوا حياتكم على أشياء سائلة كالماء لتتمكنوا من أن تعيشوا راسخين، وتتأسسوا فوق الصخر. المياه هي أشياء هذا العالم. يقول داود النبي: “المياه غمرت نفسي” (مز 69: 1). إنها سبيل يجرى، أما الصخور فهي الأشياء الروحية، وقال أيضاً “وأقام على صخرة رجلي” (مز 40: 2). إن أشاء هذا العالم هي وحل وطين، لنخرج منها حتى نتمكن من الاستمتاع بظهور الرب يسوع المسيح، لنحتمل بصبر كل ما يحدث لنا، والعزاء الشافي والكافي لنا هو الآلام مع يسوع المسيح، فلا نكف عن الشعور بذلك في أنفسنا وكل ألم سوف يختفي تماماً.

سوف تقول: وما هي كيفية احتمال كل شئ من أجل المسيح؟

فمثلاً إنسان افترى عليك لسبب أو لآخر، وربما لم يكن لأجل يسوع المسيح، فماذا إذن؟ إذا احتملته بصبر ورددت هذا بخدمة تقدمها له، وصليت من أجل هذا الإنسان، سوف ينظر الرب يسوع إلى هذا وكأنك قد احتملته من أجله. وعلى العكس تماماً إذا رددت بالسخط وبالشر، محاولاً أن تنتقم لنفسك، فأنت لا تتألم من أجل المسيح، وستخسر بإرادتك الثمرة الحلوة التي كنت ستقطفها، فالأمر بتوقف علينا في استخدام الألم لخدمة أنفسنا أو لضررنا. إن طبيعة الألم لم تفعل فينا شيئاً، وإنما الأمر كله يتوقف على كيفية تقبلنا له وتعاملنا معه.

أيوب مثلاً قد عاني من آلام كثيرة، وتحملها كلها بشكر وتسليم، لذلك أعلن الله عنه أنه بار، لأنه احتملها بصبر وشجاعة.

ترى كيف سيكون الوضع لو أن إنساناً آخر غير أيوب جاز كل هذه التجارب؟

قد يعاني شخص من تجارب أقل كثيراً، ومع ذلك فهو يجدف، ويغضب ويتمتم، ويلعن كل العالم وربما الله نفسه. هذا الإنسان يحاكم ويحاسب من الله، لأنه جدف بإداراته متخذاً الآلام سبباً لهذا التجديف. كان يمكن لأيوب أن يجدف، لكنه لم يفعل ذلك مع أنه كان تحت ثقل الآلام الشديدة التي كان يمكنه تحت وطأتها أن يتصرف بعكس ما تصرف به.

لابد أن يكون لنا قلب راسخ كريم، لا يجد في كل ما يسمح به الله لنا أمراً قاسياً. بل يرى فيه حقيقته وهي الخير والأكاليل والخلود حتى لو ظهر لنا مراً. إن إرادتنا هي التي تصور لنا الأمور ثقيلة أم خفيفة، فلنقّو فينا هذه الإرادة، ووقتها سنقبل كل شئ من يدي الله بارتياح وسهولة.

إذا تأصلت شجرة ما بجذورها عميقة في الأرض، فأعنف العواصف لا تقدر أن تخلعها، أما إذا كانت سطحية فأقل زوبعة تقبلها. وهذا هو حالنا. إذا كانت ثقتنا في محبة الله كبيرة ومخافته ساكنة بعمق فينا فلا شئ يقدر أن يهزنا أما إذا كانت علاقتنا بالله سطحية، فأقل صدمة تسقطنا.

لهذا أتوسل إليكم يا أخوتي أن تحتملوا كل شئ بشجاعة، ولنقتدي بالنبي القائل: “التصقت نفسي بك” (مز 63: 8)، لم يقل ببساطة نفسي اقتربت إليك، بل “التصقت بك”. وأيضاً في نفس المزمور يقول “عطشت نفسي إليك” فلم يقل مثلاً “نفسي ترغبك” بل عبر التعبير الأقوى. وقال أيضاً في موضع آخر: “قد اقشعر لحمي من رعبك” (مز 119: 120). الله يريدنا أن نلتصق به بقوة وبصورة لا نستطيع معها الانفصال.

إذا التصقنا بالله بهذه الكيفية وسخرنا له كل مشاعرنا وأفكارنا، إذا عطشنا إليه، وإذا سلكنا في كل هذا بإرادتنا ورغبتنا فسوف نحصل على الخيرات الروحية والبركات الأبدية في المسيح يسوع ربنا الذي له المجد والملك والكرامة من الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور كلها، آمين.

 

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص4 ج1 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص3 ج2 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص3 ج2 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص3 ج2 – ق. ذهبي الفم

 

المقالة التفسيرية الثامنة

“ولكن أعلم هذا أنه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة. لأن الناس يكونون محبين لأنفسه محبين للمال متعظمين متكبرين مجدفين غير طائعين لوالديهم غير شاكرين، دنسين بلا حنو بلا رضى ثالبين عديمي النزاهة شرسين غير محبين للصلاح خائنين مقتحمين متطفلين محبين للذات دون محبة الله”

(3: 1- 14)

التـــحـــلـــيل

1-في كل الأزمنة يحاول الشيطان الخلط بين الكذب والحقيقة، وبين الشر والخير.

2-حياة الإنسان جهاد مستمر دون هدف.

 

1-في كل الأزمنة يحاول الشيطان الخلط بين الكذب والحقيقة، وبين الشر والخير.

لا يستغرب أحد للهرطقات الموجودة اليوم، إذ أنها كانت منذ البدء وذلك لأن الشيطان يحاول بمهارة الخلط بين الكذب والحقيقة. وكما أن الله منذ البدء وعد الإنسان بخيرات كثيرة، كذلك الشيطان يغري دائماً بوعوده المخادعة. الله زرع لهم جنة عدن، وجاء الشيطان وقال لهم: “ستكونون مثل آلهة” وفي الواقع لم يقدر أن يعطيهم شيئاً، كل ما في الأمر أنه بهرهم بوعوده فقط، وهذا ما يفعله المخادعون.

بعد هذا جاء قايين وجاء معه هابيل.

أبناء شيث ومعهم بنات الناس.

حام ومعه يافث.

إبراهيم وفي أيامه وجد معه فرعون.

يعقوب ومعه عيسو.

وهكذا جاء موسى وهارون وقام الساحران.

الأنبياء ومعهم الأنبياء الكذبة.

الرسل الحقيقيون والرسل الكذبة.

المسيح وضد المسيح.

بعد مجيء المسيح المخلص وفي زمن الرسل رأينا ثوداس، سيمون الساحر، يهرموجينيس،فيليتوس وأخرين. لا تجدوا زمناً لم يخلط فيه الشيطان الكذب بالحقيقة. فلا نخجل إذا رأينا الهرطقات، فهي منذ زمن طويل وقد أُعلن عنها بنبوءات.

يقول القديس بولس: “أعلم هذا أنه في الأيام الأخيرة، ستأتي أزمنة صعبة لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم، محبين للمال، متعظمين، مستكبرين، مجدفين، غير طائعين لوالديهم، غير شاكرين ، دنسين………” (3: 1-2)

من الأمور البديهية أن عدم الشكر يدخل في عداد الآثام الكبيرة. لأن الذي لا يعرف الشكر لله لا يجيد السلوك تجاه الآخرين. الإنسان الناكر للمعروف هو إنسان بلا إيمان وبلا عواطف.

ثالبين” أي يتهمون الآخرين زوراً. الذين يشعرون بأنه ليس فيهم شئ صالح ويرتكبون خطايا ومعاصي كثيرة، يجدون تعزيتهم في تشويه الآخرين.

عديمي النزاهة” ليس لهم القدرة على ضبط النفس من جهة اللسان وشهوة البطن وخلافه.

شرسين” القسوة والوحشية غالباً ما تكون نتيجة محبة المال ومحبة الذات وإنكار الجميل والشهوانية.

“بلا حنو، خائنون للصداقة. فاسدون. متطفون” أي لا يخضعون لأية شريعة مشحونين بالكبرياء دون ترو “محبين للذات دون محبة الله، لهم صورة التقوى لكنهم منكرون قوتها” .

الرسول يعبر نفس التعبير في رسالته إلى رومية إذ يقول: “ولهم صورة العلم والحق في الناموس” (رو 2: 20).

نلاحظ أنه في الرسالة إلى رومية يمدحهم أما هنا فهو يوجه لهم لوماً شديداً.

من أين يأتي هذا الفرق في التعبير؟ يأتي من أن الكلمة لم تؤخذ بنفس المعنى، لأن كلمة صورة تستعمل في الكتاب المقدس، أحياناً للتشبيه وأحياناً للتعبير عن شئ فاقد الحياة لا يساوي شيئاً، على سبيل المثال. لما كتب الرسول لأهل كورنثوس قال: “فإن الرجل لا ينبغي أن يغطي رأسه لكونه صورة الله ومجده” (1كو 11: 7). والمرتل في المزمور يقول: “الإنسان يمشى كصورة” (مز 38: 7) هكذا كلمة الأسد تستعمل أحياناً للتعبير عن شئ ملكي ومعظم مثل: “حثا وربض كأسد وكلبوه من ينهضة” (تك 49: 9). وأحياناً للتعبير عن شئ رديء مثل: “كأسد مغتصب زائر” (مز 22: 13).

هكذا إذا أردنا أن نعبر عن إعجابنا بشخص جميل، نقارنه بصورة ونقول عن الصورة الجميلة أنها ناطقة. مع أن الحالتين مختلفتين. في الأولى نركز على التشبيه وفي الأخرى نركز على الجمال. هكذا الأمر بالنسبة لكلمة الصورة التي يستخدمها القديس بولس بقوله: “لهم صورة التقوى”، هذا التعبير عن صورة فاقدة للحياة، صورة ميتة وعرض باطل لا طائل منه.

الإيمان إذاً بدون أعمال ليس إلا مظهراً دون فاعلية، كجسم جميل مزين بأجمل الألوان لكنه بدون قوة، يشبه ما نراه على لوحات التصوير، هذا هو الإيمان الخالي من الأعمال.

لنفترض أن إنساناً كان بخيلاً، خائناً، وقحاً، ومع ذلك عنده هذا الإيمان الظاهري. ماذا يستفيد إن لم تكن له الصفات الأخرى التي تتطلبها المسيحية؟ إذا لم يمارس عملاً من أعمال التقوى، إذا كان أكثر سوءاً من الوثني، لا يعيش سوى لضرر الذين يصاحبونه، للتجديف على اسم الله، وسلوكه يشوه الإيمان الذي يتحلى به؟

يقول الرسول “فاعرض عن هؤلاء”.

ولكن إذا كان هؤلاء الناس سيأتون في الأزمنة الأخيرة، لماذا يأمر الرسول تلميذه أن يعرض عنهم؟

لأنه من المعقول أن يوجد منهم في الأزمنة الحالية، وإن كان بقدر قليل، والنصيحة التي أعطاها لتلميذه لا تخصه هو وحده بل تخصنا نحن أيضاً.

 

2-حياة الإنسان جهاد مستمر وبدون هدنة

“فإنه من هؤلاء هم الذين يدخلون البيوت ويسبون نسيات محملات خطايا منساقات بشهوات مختلفة، يتعلمن في كل حين ولا يستطعن أن يقبلن إلى معرفة الحق أبداً” (3: 6- 7).

دققوا النظر في هؤلاء الناس أنهم يستخدمون نفس الخدعة القديمة المغرية. نفس الآلة التي استخدمها الشيطان ضد آدم.

يقول الرسول: “يدخلون البيوت” مستخدماً تعبيراً يصور الوقاحة، الخسة، الخداع والتملق الدنيء.

“يسبون نسيات” النسيات هن النساء اللاتي يستسلمن للإغراء ويعوزهن الثبات والشجاعة، يستسلمن للخطأ .وهذه بالأحرى ليست خاصية النساء بل النسيات.

“محملات بالخطايا” هذا هو السبب الذي يجعلهن يستسلمن للإغراء فذلك ينتج عن تعدد خطاياهن وحالة ضمائرهن السيئة.

منساقات بشهوات مختلفة” الرسول لا يتهم جنس النساء بصفة عامة، لم يقل ببساطة النساء، بل يبرز أي نوع من النساء يقصده وهن النسيات.

“شهوات مختلفة” أية شهوات؟ هو يرى أمامه الرخاوة، الانحراف، الترف، الطمع، التفاخر، الكبرياء، وربما شهوات أخرى تثير الخجل أكثر من تلك التي ذكرناها.

“يتعلمن كل حين ولا يستطعن أن يقبلن إلى معرفة الحق أبداً” بولس الرسول لا يتكلم هذا لكي يتهمهن، بل لكي ينذرهن بشدة، لأنهن دفن أنفسهن تحت كثرة من الخطايا، وتفكيرهن أصبح مغلقاً.

“وكما قاوم ينيس ويمبريس موسى كذلك هؤلاء أيضاً يقاومون الحق” (3: 8).

من يكون هؤلاء الناس غير السحرة في زمن موسى؟

وكيف يحدث أننا لم نقرأ عنهم في أي مكان آخر؟

لابد وأن بولس أخذ أسمائهم من التقليد أو بإرشاد الروح القدس.

“ولذلك هؤلاء أيضاً يقاومون الحق” “أناس فاسدة أذهانهم ومن جهة الإيمان مرفوضون”، والنتائج التي سيحصلون عليها ستكون محدودة. جنونهم سيكون واضحاً للجميع مثل الذي للسحرة.

“ولكنهم لا يتقدمون أكثر” (3: 9). كيف ذلك والرسول سبق أن قال: “أنهم يتقدمون إلى أكثر فجور” (2تيمو 2: 16) فكيف التوفيق بين النصين؟

يقصد الرسول: إنهم بدءوا العمل وهم مستمرون في طريق ضلالهم، ويؤلفون دون تواني خدع وأساليب للكذب حديثة. وهنا يعلن أنهم لا يستمرون في خداعهم، ولا يستميلون الكل نحوهم وسقطاتهم لابد أن تكتشف قريباً. هذه كانت فكرته وما يلي يكشف ذلك.

“لأن حمقهم سيكون واضحاً للجميع، كما كان حمق ذينك أيضاً” في البدء تُغلف أفكارهم بشيء من الهيبة، ولكن هذا الغلاف سرعان ما يزول ولا يبقى للنهاية. هذا هو مصير الأشياء التي تبدو جميلة في مظهرها، وفي الحقيقة هي ليست جميلة، وأنتم تشهدون أن هذه ليست تعاليمنا، لأنها لا تستند على الخداع. الكذب ليس هو كرازتنا لأنه من يعرض نفسه للموت بسبب الكذب؟

“وأما أنت فقد تبعت تعليمي وسيرتي وقصدي وإيماني ومحبتي وصبري……….الخ” (3: 10) كن قوياً فإنك لم تكن حاضراً معي فحسب وإنما “تبعت تعليمي” عن قرب.

يشير الرسول بقوله هذه الأمور الإيمانية:

سيرتي” يشير إلى سلوكه.

وقصدي” يشير إلى غيرته وثبات نفسه.

“إيماني ومحبتي وصبري” يقصد أنه ليس شئ من هذه الأمر قد أقلقه، يتحدث عن محبته وإيمانه اللذان لا يتوافران لدى هؤلاء المفسدين. لقد أظهر طول أناته على الهراطقة، وأبرز صبره في الضيقات، وكأنه يقول له إنني لا أنطق بهذه الأمور دون أن أنفذها. لم أكن فيلسوفاً (حكيماً) بالكلام وحده.

“واضطهاداتي وآلامي” (3: 9). كثرة عدد الهراطقة وعدم القدرة على احتمال المآسي هما أمران كفيلان بأن يهزا المعلم في إيمانه.

تكلم الرسول كثيراً عن هؤلاء الهراطقة، قال عنهم إنهم كانوا دائماً وسيكونون أيضاً ولا يخلو زمن منهم، لكنهم لا يملكون أية وسيلة يمكن أن يضرونا بها.

يقول الرسول: “ما أصابني في إنطاكية وأيقونية ولسترة” لماذا لم يذكر سوى هذه الآلام دون الأحزان الكثيرة التي عاناها، هل لأن تلميذه يعرفها؟

ربما كان ينظر إلى هذه بتقدير خاص بسبب واحد أنها كانت حديثة. لم يف عن ذكر شدائده، لأنه كان عدو المجد الباطل والمظاهر الخارجية. وهو يتكلم لكي يشجع تلميذه، وليس لكي يتباهى بمتاعبه. يتكلم هنا عن أنطاكيا، أيقونية، ولستره.

ها يبرز الرسول أنه بذل مجهوداً كبيراً واحتمل اضطهادات كثيرة والله من جانبه أنقذه ولم يتركه. وهكذا كان الرسول ينال أكاليلاً أكثر ويتمجد كلما يتألم.

وجميع الذين يريدون أن يعيشوا بالتقوى في المسيح يسوع يضطهدون” (3: 12).

كلمة اضطهادات هنا يفهم منها الآلام ومتاعب الحياة. لا يمكن السير في طريق الفضيلة دون المعاناة من الأحزان والتجارب بكل أنواعها. كيف يكون الأمر غير ذلك طالما السير هو في الطريق الضيق، وقد قيل: “في العالم سيكون لكم ضيق” (يو 16: 33) وأيوب في زمانه قال: “حياة الإنسان على الأرض جهاد مستمر” (أيو 7: 1). ألا يكون هذا أكثر صدقاً في هذه الأيام.

“ولكن الناس الأشرار المزورين سيتقدمون إلى أردأ مضلين ومضلين” (3: 13).

لا تقلقوا إذا كان الأشرار في سعادة وأنتم في تجارب. طبيعة الأمور تتطلب ذلك. تاريخي يعلمكم أن الإنسان الذي يشن الحرب على الأشرار لا يمكنه أن يفلت من محاربتهم له. الرياضي لا يمكن على الأشرار في المتع، المناضل يدفع ثمناً رخيصاً. هل الجندي يعرف الراحة والملذات؟ الحياة الحاضرة هي حرب، هي قتال، شدائد مستمرة، ضيق بلا نهاية، اختبارات هي ملعب كبير صراعاته لا تنتهي. زمن الراحة يأتي في وقت متأخر، والوقت الحالي هو زمن العمل والتعب. هل الرياضي الذي دخل في المكان المعد للتمارين ولبس ملابسه (ودهن بالزيت) هل يطلب الراحة.

إذا كنتم تريدون الراحة لماذا دخلتم الملعب؟ ليس أمامكم الآن سوى أن تقاتلوا.

سوف تقول هل أنا لا أقاتل؟

أنت لا تقاتل طالما أنك تضبط شهواتك، ولا تقاوم ميول طبيعتك المنحرفة.

“أما أنت فأثبت على ما تعلمت وأيقنت عارفاً ممن تعلمت وأنك منذ الطفولة تعرف الكتب المقدسة القدرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع“. (3: 14، 15).

القديس بولس أعطى هنا نفس الإنذار الذي كان قد سبق وأعطاه داود “لا تغر من الأشرار” (مز 36: 1).

يقول له : وأما أنت فأثبت ليس فقط في الأمور التي تعلمتها، بل التي أيقنتها والتي فيها رأيت ما هي الحياة الحقة. لا تقلق إذا رأيت مظاهرها وتخالف اعتقادك. إبراهيم رأى أشياء عكس التي وعد بها، ومع ذلك لم يتردد. الله وعده أسحق هو الذي سيكون نسلاً له، ومع ذلك لما طلب منه الله أن يقدم أسحق ذبيحة لم يهتز ولم يقلق.

لا تستغربوا يا أخوتي من وضع الأشرار. فالكتاب المقدس أعلمنا بذلك منذ زمن طويل، وإلى ماذا يقودنا تفكيرنا إذا رأينا الأبرار يتمتعون بالسعادة والأشرار معاقبين؟

عقاب الأشرار أمر طبيعي، ولكن تمتع الأبرار هنا في العالم بنجاح مستمر هذا هو المستحيل.

القديس بولس لا يتساوي معه أحد. أمضى حياته في كدر، في دموع، في أنين وأوجاع ليلاً ونهاراً. “أني ثلاث سنين ليلاً ونهاراً لم أفتر عن أن أنذر بدموع كل واحد” (أ 20: 31)  وأيضاً “التراكم علىَّ كل يوم” (2كو 11: 28). لم يكن اليوم في سعادة وغداً في ألم، بل لم يمض يوماً دون أن يعاني من الآلام، ومع ذلك قال: إن الأشرار يتقدمون يوماً فيوماً في الشر.

نعم لم يقل أنهم سيجدون الراحة بل إلى السوء دائماً نتائجهم. لم يقل أنهم سيكونون في سعادة، وإذا حدث وعوقبوا فذلك ليك لا تعتقدوا أن الخطية غير معاقب عليها. ولما كان التهديد بجهنم لا يكفي لكي نكف عن خطايانا فإن الله بصلاحه يوقظنا من وقت لآخر بالعقوبات الأرضية.

إذا لم يعاقب الخاطئ لا يصدق أحد أن الله يراقب أعمال هذه الحياة، ولكن لو عوقب الكل لا ينتظر أحد القيامة مادام كل واحد سيأخذ جزءاه هنا في العالم، لذلك يعاقب الله البعض هنا، والبعض الأخر لا يعاقبه، وإذا ما أصيب الأبرار في الدنيا ببعض التجارب التي يتحملونها فأنها تفيد في تنقيتهم.

إننا نشكر الله لأنه دائماً يتعامل معنا بما فيه الخير لنا، ولا يتعامل لنا إلا بالمحبة، هو دائماً يهتم بنا ويعمل لمصلحتنا ولخيرنا دائماً بحكمته الإلهية.

اسمعوا ما قاله الله لأيوب: “هل تعتقد أنني عاملتك هكذا لأي سبب أخرى سوى أنني أريد أن أظهر برك” (أيوب 40: 3).

قال القديس بولس لتيموثيئوس أنه تربى بالكتب المقدسة منذ طفولته، فمادام قد تغذى بهذا الغذاء المقدس منذ طفولته لابد أن إيمانه يكون قد تقوى حتى أصبح راسخاً واستطاع بذلك مقاومة الهجوم الشرس الذي كان يواجهه.

يقول له: “هذه الكتب المقدسة هي قادرة أيضاً أن تجعلك حكيماً، أي أنها تحفظه من الانحرافات التي يعلم بها معظم الناس.

 

“كل الكتاب موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر. لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح”

(2تيمو 3: 16، 17).

التـــحـــلــيل

1-فائدة الكتب الموحي بها، الراعي يجب ألا يتوقف عن كرازته.

2-شهد القديس بولس لنفسه بأنه أتم مهمته قبل موته مباشرة.

 

1-فائدة الكتب الموحي بها، الراعي يجب ألا يتوقف عن كرازته.

بعد أن شجع القديس بولس تلميذه تيموثيئوس وعزاه بكل الوسائل المختلفة، يعطيه الآن العزاء الأقوى والأكمل من الكل وهو الكتب المقدسة. والأمر الذي دعا بولس إلى استعمال هذه الوسيلة القوية لتعزية تيموثيئوس هو أنه سوف يقول له أمراً خطيراً وشاقاً. لأنه إذا كان اليشع الذي مكث بجانب معلمه إيليا لآخر لحظة من حياته عندما رآه وهو يرتفع بمعجزة خارجة قد حزن لدرجة أنه مزق ثيابه، فكم وكم يكون حزن تيموثيئوس الذي أحب معلمه كثيراً. وكان محبوباً منه جداً عندما يعلم أن هذا المعلم المحب والمحبوب سوف يموت قريباً، وأنه لن يحضره في ساعته الأخيرة؟

لأننا لا نشعر بسعادة في الأوقات التي نمضيها بجانب أحبائنا في حياتهم، بقدر الحزن الذي نشعر به إذا لم نوجد بجانبهم في لحظات انتقالهم.

لذلك اهتم القديس بولس بتعزية تلميذه قبل الدخول معه في الحديث عن رحيله، فكلمه بعبارات معزية خاصة تعينه على الاحتمال. إنه قد قدم له موته على أنه ليس موتاً، وإنما هو ذبيحة وانتقال إلى مكان أفضل، فيقول له:

“فإني أنا الآن أسكب سكيباً” (2تي 4: 6). ثم يقول: “كل الكتاب هو موحي به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر” هذا ما يجب فهمه عن الكتاب المقدس الذي تعلم منه تيموثيئوس منذ طفولته.

هذا الكتاب موحي به من الله ومفيد، فمن يقدر أن يشك فيه أو يستهين به. “ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح”.

“نافعاً للتعليم”

إن الكتاب يعلمنا ما يجب أن نتعلمه، فإذا كانت لنا أفكار خاطئة، وآراء غير سوية تحتاج إلى إصلاح، فالكتاب المقدس هو الذي يمدنا بالمبادئ الصحيحة لتقويمها، وهو أيضاً نافع وصالح للتعزية وتقوية الرجاء وللتشجيع، وإن كان ينقصنا شئ فالكتاب يكمله لنا.

للتقويم

إننا نجد في الكتاب ما يسد احتياجاتنا، وأيضاً نجد فيه ما يقوم أفكارنا ومفاهيمنا ويصلحها لتسير حياتنا كلها في الطريق الروحي السليم.

“لكي يكون إنسان الله كاملاً”

فالكتب المقدسة تقود إلى الصلاح وتشجيع الإنسان وتقويه وتقوده إلى الكمال، وبدونها لا يقدر على اقتناء الصلاح أو الكمال.

القديس بولس يريد أن يقول لتلميذه تيموثيئوس:

لديك الكتب المقدسة عوضاً عني، وهي التي تعلمك ما تريد أن تتعلمه.

إن كان هذا ما كتبه الرسول بولس لتلميذه تيموثيئوس الممتلئ من الروح القدس، فكم بالأكثر يكون احتياجنا نحن إلى كتاب الله؟

“متأهباً لكل عمل صالح”

أنه يجب بالحقيقة ألا نكتفي بمعرفة ما جاء بالكتاب المقدس، بل يجب معايشة وممارسة ما جاء به في حياتنا على الوجه الأكمل.

 

الموعظة الثامنة

الرسول القديس يدعو للقراءة في الكتاب المقدس، ويرجو من مستمعيه ألا يفحصوا بشدة وبفضول زائد أسرار الله.

في الواقع أن الإنسان الذي يعرف الكتب المقدسة كما يجب ينبغي ألا يتحير في نفسه مهما حدث، وألا يضعف وهو يواجه غموضاً في قراءة الأمور العالية والعميقة، وإنما بشجاعة يلجأ إلى الإيمان، ويطلب الإرشاد الإلهي لكشف هذه الأسرار الخفية، وأيضاً يسترشد بالأقوال والأمثلة المشابهة الواردة في الكتاب المقدس، فسيجدها توضح بعضها البعض.

إن ميزان المعرفة الحقيقية هو عدم الفضول  الزائد وعدم التشبث بمعرفة كل شئ.

وإذا أردتم سأوضح لكم الموضوع بمثل: إن الأنهار كثيرة ولكن ليست كلها بنفس العمق، البعض عميق والبعض الأخر أقل عمقاً البعض يمكن الغرق في مياهه وفي لججه بالنسبة لغير الحذرين، والبعض الآخر سهل العبور بدون خطر، لذلك فإن عدم التعرض بنفس الحذر لجميع الأنهار العميق منها وغير العميق إنما هو حكمة كبيرة.

فإذا رأيت نفسك قد وصلت إلى أعماق قريبة لبعض هذه الأنهار، فأحذر أن يغريك هذا إلى المجازفة بسبر أغوار أنهار أخرى أكثر عمقاً قد تغرقك وتُفقد في أعماقها.

بمعنى آخر أنه إذا كانت السهولة التي مررت بها بمكان أقل عمقاً تغريك على محاولة اقتحام الأماكن العميقة، فأنك سوف تُفقد.

وهكذا بالنسبة لله، فإن الرغبة في معرفة كل الأسرار الإلهية والمغامرة في اقتحام هذا الطريق تشيران إلى الجهل الكامل بمعرفة الله.

يبدو أن مقارنتي غير كافية ولزيادة الإيضاح أقول: إن معظم الأماكن في الأنهار قليلة العمق، أما الله فلا سبر لأغواره ومتابعة أثار أعماله. فلماذا نزج بأنفسنا في هوة عميقة؟

لتعلموا أن الله يقود الكل بعنايته الإلهية التي يمنحها الله للجميع ويترك لنا حرية إرادتنا.

الله لا يريد لنا الشر وإنما يسمح به متى تم بإرادتنا، أما الخير فيتم بنعمته ومشيئته وتوجيهه لإرادتنا فهو منبع كل الخيرات ولا يخفي عليه شئ. تعلموا هذه الحقائق الأساسية، ثم تعلموا بعد ذلك ما هو حسن، ما هو رديء، ما هو غير مهم: الفضيلة حسنة والخطيئة رديئة. الغنى أم الفقر، الحياة أو الموت هذه كلها أمور غير ذات أهمية. من خلال هذه التعاليم نخلص بالآتي.

الصالحون يتألمون حتى ينالوا أكيل المجد.

الأشرار يعاقبون بحسب أعمالهم.

لا يعاقب كل الأشرار في العالم حتى لا يظن بأنه ليست هناك قيامة.

لا يصاب كل الأبرار بالآلام خوفاً من محبة الإثم وكره الفضيلة.

وهكذا يختار كل إنسان الطريق الذي يسير فيه بحريته التي وهبها الله له.

والذي يتابع هذه التعاليم وينفذها فإنه لن يقابل مواقف مخجلة تعترض طريقه. الفضيلة حسنة أما الخطيئة فشريرة.

الأمراض والفقر والمشاكل والنكبات التي تقابلنا هي أمور يجب ألا نبالي بها.

الصالحون يُقاسون من الآلام في العالم وإذا وجدنا البعض منهم بدون متاعب فذل حتى لا تكون الفضيلة بغيضة دائماً.

وإذا وجدنا الأشرار في راحة وسعادة فذلك لأن الله يتحفظ لمعاقبتهم في مكان آخر، وإذا عاقب الله البعض ابتداء من هذه الحياة فهذا حتى لا تكون الخطيئة شيئاً خيراً وحتى لا يُعتقد أنه لا يوجد عقاب في العالم ويهمل سر عقيدة القيامة.

الناس الأكثر نمواَ في الفضيلة لا يخلون من بعض الأخطاء التي يتحررون منها هنا بالآلام. والأكثر فساداً يعملون بعض الأعمال الحسنة التي يكافئهم عنها الله في هذا العالم.

إن غالبية أعمال الله لا نستطيع أن نفهمها إذ أن علو الله عنا، لا نهائي.

لتكن هذه الأفكار دائماً حاضرة في عقولنا، ومهما حدث لا نقلق. لنقرأ الكتب وسوف نجد أمثلة كثيرة مشابهة، لنقرأها لأنها ستعلمنا كيف نحصل على السلام، إنها توضح لنا ما يجب علينا عمله وما لا يجب.

يقول الرسول الطوباوي في مكان آخر: “وتثق أنك قائد للعميان، ونور للذين في الظلمة، ومهذب للأغبياء ومعلم للأطفال” (رو 2: 19).

ألا ترون أن الناموس هو نور للذين في الظلمات، إذا كان يمكن القول عن الشريعة التي أعطتنا الحرف الذي يقتل بأنها نور، فكم وكم تكون البشارة التي أعطتنا الروح الذي يحيي؟ إذا كان العهد القديم هو نور، فكم يكون العهد الجديد الذي أمدنا بهذه الأسرار العظيمة؟ ماذا يقال عن أشخاص كانوا لا يعرفون سوى الأرض واكتشفوا فجأة السماء والعجائب التي تحتويها؟ ومع ذلك لا يوجد أي فرق بين العهد القديم والعهد الجديد، فالعهد الجديد أكد لنا عذابات النار وسعادة السماء، والدينونة ضد العرافين والزهو والإعجاب بنبؤاتهم.

لننزع الثقة من المنجمين فهم كذبة ومضللون ولا يوجد لديهم سوى المغالطة والخداع.

ستقول ومع ذلك إذا كان يحدث ما يقولونه؟

سيكون ذلك من قبيل الصدفة. فالدجال يتسلط عليك ويصبح سيداً على حياتك.

نرى مثلاً عندما يقع ابن الملك في يدي رئيس قُطاع الطرق حينئذ يكون تحت تصرفه فيستطيع أن يحدد ما إذا كان الابن سيموت أم سيحيا حيث أنه أصبح تحت سلطته وليس لأنه يعرف المستقبل.

للأسف نجد أن نسبة كبيرة من الناس تخضع لهؤلاء الدجالين مًصدقين ومعجبين بكلامهم خاصة إذا صدقوا صدفة دون النظر إلى أخطائهم.

لو كانوا حقيقة يعرفون المستقبل. أحضروهم إلىَّ لأني مؤمن. لا أتكلم هكذا بدافع الكبرياء فأنه ملئ بالخطايا، ولكن بنعمة الله أنا أسخر من كل هذه الوسائل المؤذية. إني أكررها لكم، احضروا لي واحداً من سحرتكم، وإذا كان له بعض المواهب النبوية ليقل لي ماذا سيحدث لي غداً وما هو مصيري. أنا واثق أنه لن يتكلم لأني تحت سلطان ملكي الشرعي. الطاغية ليس له أي سلطة عليَّ. أنا مستعد لمواجهة هذه الأماكن الخطرة لأني أعل في جيش الملك.

سوف تقولون شخص ما ارتكب سرقة واكتشفها ساحر. هذا ليس دائماً حقيقة. فهو ليس إلا نوع من الدجل والكذب.

لماذا لا يتنبأوا لكهنتهم عن الأوثان التي أُزيلت؟ وهم لا يعرفون شيئاً، لذلك لم يقدروا أن يقولوا كلمة واحدة ينقذون بها ثروتهم. ويتحاشون الحدائق التي التهمت هياكلهم، لماذا لم يهتموا أولاً بسلامة أنفسهم؟ أما نحن فلدينا أنبياء، لكنهم لا يخطئون. أنهم لا يصدقون أحياناً وأحياناً أخرى يكذبون، ولكنهم دائماً يقررون الحقيقة. إذا كنتم يا أخوتي مؤمنين حقاً بالمسيح ابعدوا عن هؤلاء، لماذا تنزلون من قدركم وتغالطون أنفسكم؟ إلى متى تعرجون بين الفرقتين؟ لماذا تذهبون إلى أولئك المنجمين، فإن مجرد ذهابكم إليهم يعني أنكم تصدقونهم. سوف تقول أنا لا أستشيرهم لأني أثق فيهم وإنما لأني أريد أن أختبرهم. أن مجرد فكرة اختبارهم يعني أنك تثق فيهم. حتى لو نصحوك بنصيحة يُطرد بها الشر الذي يهددك لا تستسلم لهم.

ولكن وقاحتهم لم تصل فقط إلى هذا الحد، بل تجاوزته إلى مضار أخرى. أنهم تنبأوا بأحداث سعيدة وتم ذلك صدفة فما الذي سيفيدك؟ وإذا تنبأوا لنا بأحداث سعيدة لم تحدث فإننا نصاب بالإحباط وخيبة الأمل لأن هذه الأنباء السعيدة التي علقنا عليها لم تحدث.

وإذا تنبأوا بأحداث سيئة فإننا نعيش في حزن وهم وكدر نحن في غنى عنها.

إذا كنت شغوفاً بمعرفة المستقبل، فالله لا يغضب من هذه الرغبة، بل هو فعلاً لم يحرمك منها، فهو قد أتاح لك فرصة معرفة أسرار السماء. أليس هو بنفسه أعلن لك قائلاً “لأني لا أعود أسميكم عبيداً لكني قد سميتكم أحباء لأني أعلمتكم بكل ما سمعته من أبي” (يو 15: 15).

قد تقولون لماذا لم يعلمنا الله بهذه الأمور؟ هل لأنه لا يريدنا أن ندخلها في حساباتنا، بينما قد أعطاها في القديم؟ ولنأخذ على سبيل المثال ما حدث في حادثة التعرف على أتُن قيس التي كان قد فقدها (1صم 9: 3- 20) أرد عليكم يا أخوتي وأقول:

إن الله كان يتعامل مع شعب لا يزال إدراكه في مرحلة الطفولة. أما بالنسبة لنا فهو يريدنا أن نعفى نفوسنا من هذه المتاعب ومن هذا البؤس.

 

تُرى ما هو البديل الذي يريدنا أن نعرفه؟

إنه عرفنا بحقائق لم يتح لليهود قديماً معرفتها. هذه التخمينات كانت تكشف لهم عن أمور تافهة، أما ما أتاح لنا معرفته فهي أمور فائقة الإدارك كالأتي:

إننا سنتمتع بالقيامة، والخلود الممجد الغير قابل للفساد. أن صورة هذا العالم ستزول وسوف نخطف في سحب السماء.

إن الأشرار  سوف يعانون من عقوبة عادلة، وكثير من أمور أخرى هامة وحقيقية وكلها مؤكدة.

أليس هذا كله أهم بما لا يقاس من معرفة جحش مفقود.

ها إنك قد عثرت على جحشك، ما هي الفائدة التي عادت عليك، هل لن تفقده ثانية بوسيلة أخرى؟

إذا لم يتركك هو فسوف تتركه أنت بالموت. أما عن الحقائق التي قلتها لكم إذا أردتم حفظها، فسوف تسعدون بها إلى الأبد. هذا هو ما يجب أن نبحث عنه، الخيرات الثابتة المؤكدة.

لنحتقر التنجيم والسحرة والدجالين من كل نوع، ولا نستمع إلا لله الذي يعرف كل شئ مؤكداً، الذي يملك ملء المعرفة لكل شئ. بذلك نعرف كل ما يجب معرفته، ونحصل على كل الخيرات آمين.

 

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص3 ج2 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص3 ج1 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص3 ج1 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص3 ج1 – ق. ذهبي الفم

 

الأصحاح الثالث

المقالة التفسيرية السابعة

“ولكن أعلم هذا إنه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم”

(3: 1، 2)

الـتـحـــليـــل

1-الأيام الأخيرة تظهر علاماتها. بهجوم الأشرار نبؤات كثيرة للقديس بولس الرسول.

2-لا نحتقر الغير. نحب الله والغير.

 

1-الأيام الأخيرة تظهر علاماتها بهجوم الأشرار. نبوءات كثيرة للقديس بولس الرسول.

يقول القديس بولس في رسالته الأولى إلى تيموثيئوس: “ولكن الروح يقول صريحاً أنه في الأزمنة الأخيرة يرتد قوم عن الإيمان” (1تيمو 4: 1) ويكرر نفس النبوءة في موضع آخر من نفس الرسالة، ويعلنها هنا مرة أخرى قائلاً: “ولكن أعلم هذا إنه في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة” ولم يكتف الرسول بمواجهة المستقبل فقط بل يأتي بشهادة الماضي، إذ في نفس المعنى يقول: “وكما قاوم ينيس ويمبريس موسى……… الخ” وحتى يؤيد نبوءته قال: “لكن في بيت كبير ليس آنية من ذهب وفضة فقط……… الخ” ولماذا والرسول يقول نبوءته هذه يأتي بهذه الشهادة لها من الماضي، ذلك حتى لا يضطرب تيموثيئوس ولا نحن أيضاً عندما نرى الأشرار ينتشرون في العالم. فكما قد تواجد الأشرار في عهد موسى وبعد موسى، فلا غرابة أن يتواجدوا في وقتنا هذا. “في الأيام الأخيرة ستأتي أزمنة صعبة”.

القديس بولس لا يلوم الزمان بل الأشخاص الذين يعيشونه. وهكذا نحن نعبر نفس التعبير بقولنا عن الأزمنة رديئة أو حسنة، فنحن نقصد أعمال الناس الذين يعيشون في هذا الزمان. والرسول من أول وهلة يكشف عن أسباب الشر وجذوره ومنابعه وكل مصادر الكبرياء التي أساسها الأنانية دائماً.

 

2-لا نحتقر الغير بل نهتم بهم

إن من يهتم بأمور الآخرين فهو يهتم بأموره الخاصة، ومن يستهين بأمور أخوته إنما هو يهمل ما يخصه، وذلك لأننا أعضاء في جسد واحد، فإن منفعة أخينا لا تعود عليه وحده إنما تشمل بقية الجسد كله، والضرر الذي يصيبه لا يقف عنده وحده إنما يصيب الجسد كله بالآلام.

فإذا كنا كلنا جسداً واحداً، فالجسد كله يتألم إذا تألم واحد منا، وبالمثل يصير سعيداً وقوياً كلما اكتسب واحد منا بركة أو قوة.

هكذا في الكنيسة إن كنت مستهيناً بأخيك فأنت تضر نفسك طالما أحد الأعضاء يعاني من المتاعب.

إذا كان من لا يساعد الفقراء من ماله مصيره جهنم، فكم وكم يكون مصير من لا يمد يده لأخيه إذا رآه في خطر روحي أقوى وأخطر من أي خطر جسماني.

“لأن الناس يكونون محبين لأنفسهم”

الإنسان الذي يحب نفسه هو لا يحب نفسه حقيقة، أما الذي يحب أخاه فهو يحب نفسه حقيقة.

يولد البخل من محبة الذات، هذه المحبة السيئة والغير نبيلة، هي التي تمنع الحب الحقيقي والمتسع والممتد لكل الناس.

“محبين المال متعظمين مجدفين غير طائعين لوالديهم”

إن كل خطية تتبعها الخطية التالية لها، فمحبة المال هي وليدة محبة الإنسان لذاته، ومحبة المال تتبعها محبة العظمة، وحب العظمة يتبعه الكبرياء، والكبرياء يتبعه التجديف، والتجديف يتبعه التحدي والعصيان.

 

حب الله والغير

من يتكبر على الناس يتكبر على الله، وهكذا ترون أن الخطايا تتوالد وتترفع من أسفل إلى أعلى متعاظمة باستمرار فمن يكون أميناً وتقياً في تعامله مع الناس يكون هكذا بالأكثر مع الله، ومن يكون متواضعاً مع العبيد زملائه يكون بالأكثر خاشعاً لسيده. إذا احتقر العبد زميله ينتهي به الأمر إلى التعالي على الله نفسه.

ليتنا لا نحتقر بعضنا البعض، لأن هذه نقيصة رديئة تقودنا إلى عدم احترام الله. أن احتقار الآخرين هو احتقار لله الذي أمرنا بمراعاة بعضنا لبعض. نوضح ذلك بمثل: قايين احتقر أخاه، وبعد ذلك احتقر الله، انظروا الإجابة الوقحة التي أجاب الله بها “هل أنا حارس لأخي؟” عيسو بالمثال احتقر أخاه ثم احتقر الله، لأجل هذا يقول الوحي الإلهي “أحببت يعقوب وأبغضت عيسو” (رو 9: 13). وقال أيضاً القديس بولس “لئلا يكون أحد زانياً ومستبيحاً كعيسو” (عب 12: 16). أخوة يوسف احتقروا يوسف أخاهم وفي نفس الوقت احتقروا الله. الإسرائيليون احتقروا موسى ثم احتقروا الله بعد ذلك بعد أن احتقر الشعب إليشع تلميذ إيليا احتقروا الله أيضاً.

ونرى العكس في أمثلة أخرى. إبراهيم اهتم بابن أخيه لوط، واهتم أكثر بالله وقد أوضح ذلك وأكده بتقديم أبنه ذبيحة، وكذلك بفضائله الأخرى الكثيرة. هابيل كان حلواً ومتواضعاً مع أخيه، وكان أكثر من ذلك مع الله. كذلك نحن ليتنا لا نحتقر أحداً ما، بل لنتبادل الكرامة حتى نعتاد على أن نكرم الله.

الذي يعامل الناس بوقاحة، فهو يسير في نفس الطريق في معاملته مع الله، ومتى تجمع البخل، ومحبة الذات والكبرياء في إنسان، فالضياع هنا لا مفر منه! بل والغرق أيضاً في وحل جميع الخطايا.

يقول الرسول: “غير شاكرين”

كيف يمكن للبخيل أن يكون شاكراً؟ هل يشعر الطماع بالعرفان بالجميل؟ كلا، بل هو يحسد الجميع وكل البشر أعداء ويشتهي كل مالهم، لو أعطيته كل ما تملك لا يشعر بالجميل لأنه يغضب لأنك لا تملك أكثر لكي تعطيه أكثر، ولو أقمته سيداً على العالم سيظن أنه لم ينل شيئاً. شهواته النهمة لا تشبع، لأنها رغبات مريضة. المصاب بالحمى لا يشعر بالارتواء بل يطلب الماء ويظل ظمأناً، هكذا من كان في جنون الغنى والطمع لا يشبع مهما أعطى له، ويبقى دائماً في حالة الشعور بعدم الاكتفاء، وبالتالي سوف لا يشكر أبداً.

لذلك تراه كمن يشن الحرب على كل البشر، بل يسخط لوجود البشر، وفي أخلاقياته المريضة يتمنى قائلاً: آه لو قامت هزة أرضية تفنى الجميع وكل من في المدينة، وأعيش أنا بمفردي متسلطاً وسيداً!!

لو يأتي طاعون يبيد الكل ما عدا المال! لو يأتي طوفان يغرق الأرض بالمياه! هذه هي تمنياته، وتمنيات أخرى مشابهة كثيرة. قل لي أيها العبد، بل ويا من هو أكثر حقارة من العبد، يا صاحب النفس البائسة، لو تغير كل شئ ليصير ذهباً، هل هذا الذهب سيحول دون موتك جوعاً؟ لو هزة أرضية ردمت كل آمالك. وأبادت كل ما هو على أرضك، لضعت أنت معها، طالما لم تجد على هذه الأرض التعسة ما يدعم وجودك. لو افترضنا أن هذه الهزة حدثت، وكل ذهب وفضة الأرض انصبت في بيتك وصارت بين يديك، ماذا ستربح؟ هل ستقدر أن تمنع الموت عنك عندما لا تجد شخصاً يصنع لك الخير ويخدمك أو يزرع حقلك؟ الشياطين هي التي ستبقى لترعبك وتذهب بعقلك وأخيراً سيقتنصك الموت.

تقول كنت أود لو بقى بعض الفلاحين والخبازين لخدمتي، إنهم حتى لو بقوا معك لقاسموك هذه الخيرات، وسوف لا تسمح لهم بهذا طالما أن طمعك لا يشبع أبداً.

إن البخيل يغتاظ إذا رأى حوله عدداً كبيراً يخدمونه، يخشى أن يصرف نقوده، هو دائماً جوعان وعطشان، لنعطف عليه يا أخوتي ونبكي لقدره.

لا يوجد مرض أقسى من هذا الجوع المتواصل الذي يسمى بالجوع الذي لا يشبع. أليس من المخجل يا أخوتي أن بعض الناس منا يحبون لمال أكثر من حبهم لله؟ ويتعلقون بالذهب بأقوى من علاقتهم بالله.

إنهم يعانون من السهر والأسفار البعيدة والمخاطر والفخاخ من أجل محبتهم للمال وجمعهم له. أما نحن فلا نتحمل أية مخاطرة لننشر كلمة الله. إذا تعرضنا لبعض الاضطهادات نهرب ونخشى من التصدي لشعور بعض الشخصيات الكبيرة، ونهرب من ظل الخطر، ونسارع إلى ترك الضحية البائسة فريسة للظلم! مع أن الله منحنا القدرة على إنقاذ من هم في حاجة إلى النجدة، ونحن نترك هذه القدرة تفلت من بين أيدينا هباءً حتى لا نتعرض لعدم رضا الناس علينا وكراهيتهم لنا.

هذا الجبن يعبر عنه بالمثل الشائع الذي يقول: “كن محبوباً بلا سبب، ولكن لا تكن مكروهاً بلا سبب”. هذا المثل شائع ويتردد على الشفاه دائماً. ماذا يا أخوتي لو تعرضنا لكراهية بعض الناس إذا ما بادرنا لإنقاذ أخوة لنا بؤساء؟

الصداقة التي نكتسبها لأجل الله، ألا تساوي كثيراً وتفوق بما لا يقاس البغضاء التي نحتملها من الناس لأجله؟

ولو أن الناس أحبونا لأجل الله، فهذا شرف نحن مدينون لله به، وعلى العكس إذا ما أبغضنا الناس بسبب الله فيكون هو المدين لنا وسيكافئنا على ذلك. حب البخلاء نحو الذهب ليس له حدود، ونحن أقل شئ نقدمه لله يبدو لنا كأننا قدمنا كل شئ. أنهم بلا شك مذنبون من أجل محبتهم الجنونية للذهب، ونحن أيضاً مذنبون لعدم إقدامنا الكافي نحو حب الله. إن هذه الأهمية التي يعطونها للذهب وهو لا يساوي سوى حفنة تراب، تضعنا في موضع البؤساء لعدم تقديم هذه الأهمية لسيد الكل.

لنتأمل يا أخوتي في هذا الولع المجنون، ولنخجل لعدم مبالاتنا. ماذا سنربح من كوننا مشتعلين حباً بالذهب وفاترين في صلواتنا لله. البخلاء يحتقرون زوجاتهم، أولادهم وحتى سلامهم، وهذا كله دون أن يعلموا إذا كانوا سينجحون في تضخيم أملاكهم أم لا، إذ أنهم يموتون دائماً خلال أحلى أمنياتهم حيث أنهم اشتغلوا دون طائل، ونحن المتأكدون من نوال أمنياتنا إذا أحببناه كما يجب علينا أن نحبه، فإننا لا نكرمه بهذا القدر. نحن باردون في كل شئ، في محبة الآخرين، في محبة الله، لأن عدم مبالاتنا بالله ناتجة عن عدم مبالاتنا بالآخرين.

المحبة هي أساس كل الفضائل. يقول الرب: المحبة يتعلق بها الناموس كله والأنبياء (مت 22: 40). كما أن النار إذا اندلعت في غابة من الشوك تحوله إلى رماد وتطهر الأرض، فهكذا نار المحبة تشتعل وتدمر كل ما هو مضاد لحصاد الله، وتطهر نفوسنا وتجعلها نظيفة لاستقبال البذور التي ينثرها الله. وحيث يوجد الحب، فالأمور الشريرة كلها تختفي، ولا يوجد الطمع الذي هو أساس جميع الشرور، ولا محبة الذات التي ترتفع فوق الصديق، لا شئ يجعلنا متواضعين سوى المحبة، المحبة تجعلنا لا نضن بأموالنا ولا بأنفسنا لأجل خير أصدقائنا حتى لو وصل الأمر إلى أن تقدم لهم حياتنا. المحبة الحقيقية صادقة لا تئن ولا تحسد ولا تذم، بعيدة عن الافتراء على الأصدقاء بل على العكس تغلق أفواهنا عن كل ما يؤدي إلى الافتراء عليهم. المحبة توجد السكينة والهدوء في كل مكان، تطرد النزاع والشجار، تعطي فرصة للسلام العميق أن يسود.

يقول القديس بولس: “المحبة هي تكميل الناموس” (رو 13: 10)، لا يوجد بها شئ كريه. كل الجرائم التي تقلق السلام: البخل، العنف، السلب، الحسد، الاتهامات، الغلظة، الكذب، كله يختفي في حضور المحبة، لأن سبب الغلظة هو سلب خير الآخرين.

من يفكر في سلب خير الصديق؟ لا أحد، بل على العكس فهناك استعداد لإعطائه كل ما نملك، ونعتقد أنه يجب علينا أن نشكره لقبوله إياه.

هل تفهمونني يا من لكم أحباء، ليس أحباء بالاسم فقط بل أحباء حقيقيين، تحبونهم المحبة المطلوبة. إذا جهل أحد هذه الأمور ليتعلمها ممن يعرفها.

اسمعوا نموذجاً للمحبة: يوناثان أبن الملك شاول كان يحب داود، فيقول الكتاب: “إن نفس يوناثان تعلقت بنفس داود” (1صم 18: 1). وعند موت يوناثان قال داود “قد تضايقت عليك يا أخي يوناثان محبتك لي أعجب من محبة النساء” (2صم 1: 26). هل يوناثان، حسد داود مع وجود الأسباب التي كانت تدعو إلى ذلك الحسد حيث أن داود كان سيتولى الملك بعد أبيه شاول، لكن يوناثان لم تظهر عليه أية بوادر للحسد. لم يقل قط: هذا الشخص سيطردني من عرش أبي بل ساعده في تولى الملك بعد أبيه، وقاوم أباه لصالح صديقه ولكنه لم يفكر أبداً في التآمر على قتل أبيه بل كان يوناثان محافظاً دائماً على الاحترام الواجب لأبيه. كان يكتفي بأن يمنع فخاخه وظلمه لداود، كان يقدم الاحترام  لوالده دون أن يخطئه، كما حاول دائماً أن يمنعه من ارتكاب جريمة قتل داود، كان دائماً يقدم نفسه للموت عوضاً عن حبيبه، لم يوجه أي اتهامات لداود بل كان يرفض اتهامات أبيه له. لم يكن حاسداً لحبيبه بل على العكس كان يساعده ليس فقط لخيره بل لإنقاذ حياته، قدم له ما يملكه، لأن شاول كان يخطط تخطيطاً شريراً يكرهه يوناثان. هذه هي محبة يوناثان لداود.

لنرى الآن محبة داود ليوناثان. لم يقدر داود على أن يسدد له كل ما فعله وقدمه من أجله، لأن هذا الصديق الخير مات قبله، وداود الذي قدم له صديقه هذه الخدمات أصبح ملكاً.

انظروا كيف عبر هذا البار عن محبته في حدود إمكانياته “قد تضايقت عليك يا أخي يوناثان كنت حلواً لي جداً” ونجد أيضاً علامات أخرى لحنانه. أنقذ ابنه وابن ابنه من الأخطار متذكراً والداهما. كان ينظر إليهم كأبناء له تماماً.

أتمنى لكم يا أخوتي الحنان المشابه نحو الأحياء والأموات.

 

الموعظة السابعة

كيف تكون حياة الأرملة المسيحية؟

لتسمع النساء هذا، لتسمعني التي تتزوج مرة ثانية هاتكة مضجع الزوج المتوفى، مضجع الذي أحبته أولاً، ومع ذلك لا أقول هذا لإدانة الزواج الثاني، أو ليعتقدن أنهن غير طاهرات إذا أتممن الزواج الثاني. القديس بولس لا يسمح لي بذلك، لكنه يغلق فمي عندما يقول: “إذا من زوج فحسناً يفعل”، ولكنه بعد ذلك قال: “ولكنها أكثر غبطة إن لبثت هكذا” (1كو 7: 28، 40). الترمل أفضل كثير من الزواج الثاني لعدة أسباب، لأنه إذا كان من الأفضل عدم الزواج، فيكون بالتالي الزواج مرة واحدة أفضل من الزواج عدة مرات. ربما تعترضون قائلين أن  كثيرات لم يحتملن الترمل ووقعن في مأساة كبيرة.

هن وقعن في هذه المأساة لأنهن لم يعرفن ما هو الترمل. إنه لا يعني فقط عدم الزواج، إنما ما يجب أن تتحلى به المتبتلة. التواضع، المواظبة على الصلاة المستمرة مع الامتناع عن الملذات، واختبار الخلوة والوحدة للامتلاء.

يقول القديس بولس: “أما المتنعمة فقد ماتت وهي حية” (1تيمو 5: 6). إذا كنت في ترملك لك نفس العظمة في ملابسك ونفس الترف ونفس الفخفخة التي كانت لك وقت حياة زوجك، فالأفضل لك هو الزواج مرة أخرى. ليس الاتحاد بالزواج هو الرديء، ولكن هي الخيلاء والزهو. أنت تهربين مما تظنيه رديئاً وتفعلين ما هو أسوأ منه.

لهذا السبب ضلت بعض الأرامل وراء الشيطان. لم يعرفن كيف يحافظن كما يجب على مظهر الترمل.

هل تردون أن تعرفون ما هو الترمل وما هو صفاته؟ اسمعن القديس بولس يقول: “مشهوداً لها في أعمال صالحة أن تكن قد ربت الأولاد أضافت الغرباء غسلت أرجل القديسين ساعدت المتضايقين اتبعت كل عمل صالح” (1تيمو 5: 10، 11). فإذا كان قد مات زوجك وتظهرين أنك دائماً محاطة بالزهو والثراء، فأنت لا تعيشين حياة الترمل.أتقلي ثراءك إلى السماء، وثقل ترملك سيصبح خفيفاً.

قد تقولين ولكن إذا كان عندي أولاد ويجب أن يرثوا من تركة والدهم؟

علميهم أن يحتقروا الثراء، دعي خيراتك تذهب إلى السماء، وأعطى كل منهم ما يكفيه، عليهم أن يكونوا فوق المال.

ستقولين، وإذا كان عندي عدد كبير من العبيد، وعندي مشغوليات كثيرة وذهب وفضة، كيف أتحمل كل إدارة هذا بدون رجل.

هذه أعذار باطلة، إذا كنت لا تحبين المال ولا ترغبين في زيادة خيراتك، لاختفت هذه الأسباب. توزيع هذه الخيرات يحتاج لمشقة أكثر من حفظها. إذا نزعت التظاهر، إذا أعطيت من خيراتك للفقراء، الله يحدق عليك بحماية من يده. إذا كان الدافع لكلامك هذا هو الرغبة في حفظ إرث الأولاد، فليس هذا سوى بخلك الذي يسعى بمهارة وحذق، فالله الذي يسبر أغوار القلوب يعرف جيداً كيف يحفظ في أمان خير الأولاد فهو الذي أمرك بتربية أولادك تربية صالحة.

من المستحيل أن البيت المؤسس على محبة الفقراء يعاني من أي أمر رديء وإذا قابلته بعض الآلام فستعوض بنهاية سعيدة.

انظروا ما قاله الشيطان نفسه لله بخصوص أيوب البار: “أليس أنك سيجت حوله وحول بيته وحول كل ماله من كل ناحية”؟

لماذا؟ أيوب نفسه سيجيبكم “كنت عيوناً للعمي وأرجلاً للعرج، أب أنا للفقراء” (أيو 1: 10، 29؛ 15: 16).

الذي يشارك في متاعب الآخرين يحتمل ما يقابله من متاعب، والذي يرفض مشاركة آلام الآخرين ستصيبه الآلام.

نلاحظ في الجسم أنه عندما يصاب الرجل بجرح ولا تقدم لها اليد أي إسعاف، لا تغسل الجرح لا تضع أي دواء لشفائها، سوف تصاب هي بنفس الألم، وهكذا إذ لم تقدم خدمة لأي عضو آخر مريض، ستكون هي أسيرة للآلم. الألم ينتشر في كل الجسم حتى يصل إلى اليد.

نفس الشيء لمن يرفض رحمة الآخرين بمساعدتهم في آلامهم، سيصاب هو بالآلام.

قال الشيطان لله بخصوص أيوب: “أليس أنك سيجت حوله أي عملت سوراً” حتى لا أقدر على مهاجمته.

سوف تقولون: ومع ذلك فإن هذا الإنسان جُرب بأحزان عميقة.

نعم، لكن هذه الأحزان كانت سبباً لخيرات كثيرة. تضاعفت ثروته، ارتفعت مكافأته، زاد صلاحه، تاجه تلألأ بأشعة جديدة، وما رُد له كان أكثر فخامة وعظمة. أيوب عاش في نمو في خيراته الروحية والزمنية. نعم لقد فقد أولاده، ولكن الله وهبه غيرهم وسوف يردهم جميعاً يوم القيامة. لو لم يفقد أيوب أولاده الأول لنقص عدد أولاده، لأن الله لما أعطاه أولاداً آخرين بدلاً من الذين فقدوا رد له الأولين والآخرين. كل خيراته رُدت له لأنه قدم صدقاته بفرح وسعادة. لنقدم نحن أيضاً يا أخوتي صدقاتنا بفرح حتى نحصل من الله على نفس النعيم، برحمة وصلاح ربنا يسوع المسيح، آمين.

 

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص3 ج1 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص2 ج3 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص2 ج3 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص2 ج3 – ق. ذهبي الفم

 

المقالة التفسيرية السادسة

“ولكن في بيت كبير ليس آنية من ذهب وفضة بل من خشب وخزف أيضاً وتلك للكرامة وهذه للهوان. فإن طهر أحد نفسه من هذه يكون إناء للكرامة مقدساً نافعاً للسيد مستعداً لكل عمل صالح”

(2: 20،21 ……… لأخر الأصحاح)

التــــحــلـــيل

1-لماذ1 يعذب الله الأشرار أثناء حياتهم، ولماذا لا يبيدهم؟

2-خادم الله يجب أن يمتنع عن النزاع.

 

1-لماذا يعذب الله الأشرار أثناء حياتهم، ولماذا لا يبيدهم؟

سؤال يدور في عقول الكثيرين ويأتي الرد عليه في عدة أسباب: منها على سبيل المثال: أن الله يريد هدايتهم، أو يريد بعقابهم أن يكونوا عبرة للآخرين.

وهنا القديس بولس يأتي بتفسير مقبول فيقول: “ولكن في بيت كبير ليس آنية من ذهب وفضة فقط بل من خشب وخزف أيضاً” وبهذا يعني أنه كما أن في منزل كبير لابد من وجود عدة أنواع من الأواني كذلك في العالم توجد أنواع مختلفة من الناس.

أما الكنيسة فهي قائمة وقوية لأنها جسد المسيح نفسه، الكنيسة عذراء طاهرة ليس بها تلوث قط، ولا تضعف ولا تفتر من وجود هذه الأواني الخشبية والخزفية.

يريد الرسول القول: “لا تضطربوا لوجود أشرار آثمة”.

قد تقولون كل هذه الأواني، ليست متساوية في الكرامة، فالبعض للاستعمال المشرف، والآخر للاستعمال المخجل.

أجل. ومع ذلك مهما كانت هذه الأواني خسيسة فهي لا تتخلى عن التمسك بمكانها واستعمالاتها في هذا البيت الكبير. هكذا يستخدم الله الخطاة بما يناسبهم.

على سبيل المثال: يوجد الشخص الذي يهوى المجد فيشيد القصور الشاهقة، كما يوجد صاحب الحانة. كل منهم له دور يقوم به في العالم. أما الآنية الذهبية فيقتصر استعمالها على مائدة الأمير فقط.

وليس معنى ذلك أن الرسول يقصد أن الشر مطلوب في العالم، بل يريد أن يقول أن الأشرار أنفسهم يجدون أعمالاً يقومون بها في العالم.

لو كان الجميع آنية من ذهب لما كانت الحاجة إلى وجود الأشرار. إذاً لم يكن هناك أحد عبد للشهوة، لما احتاج الأمر إلى هذا القدر من الاستعداد للأغذية، لو كان الكل يعرف الاكتفاء بالضروري، لما كانت الحاجة لمسكن فاخر.

أي شخص يتحرر من هذه الارتباطات سيصبح آنية مقدسة صالحة للاستعمال الرفيع.

تلاحظون أن الآنية إن كانت من ذهب أو من خزف فهذا الأمر لا تقتضيه الطبيعة ولا الضرورة المادية، بل إرادتنا هي الوحيدة التي تقرر ذلك، فلا يمكن للآنية الخزفية أن تتحول إلى آنية ذهبية والعكس إلا منذ اللحظة التي تعمل فيها الإرادة.

بولس كان قبلاً إناءً خزفياً، ثم صار إناء من ذهب. وكان يهوذا إناء من ذهب ولكنه صار إناء من خزف. إذن عدم النقاوة هي التي تصنع الأواني. الزاني والبخيل وغيرهم هم أواني خزفية.

إذا كان الأمر كذلك، فكيف يقول القديس بولس في مكان آخر: “ولكن لنا هذا الكنز في أواني خزفية” (2كو 4: 7) ألا يعني هذا القول أن الآنية الخزفية غير معدة للاحتقار مادامت تحتوي على كنز؟

في هذا الموضع يقصد الرسول المادة نفسها التي صنع منها جسدنا وليس جوهره، جسدنا يشترك مع الآنية الخزفية في إنهما مصنوعان من مادة واحدة وهي الطين. الآنية الخزفية دخلت النار فأصبحت صلبة، وأجسادنا أصبحت صلبة بحرارة الروح وقوة الإيمان.

وكما أن الآنية الخزفية معرضة للكسر، كذلك أجسادنا تتحلل بالموت “فإن طهر أحد نفسه من هذه يكون إناء للكرامة مقدساً نافعاً للسيد”.

الأواني الخزفية إن كان لها بعض الفوائد ولكنها غير مستعدة لكل عمل صالح مثل أواني الكرامة التي حتى لو لم تستخدم فهي صالحة ومفيدة. إذن يجب الاستعداد لكل شئ للموت، للاستشهاد، للبتولية ولكل هذه التضحيات معاً.

“أما الشهوات الشبابية فأهرب منها” (ع 22) لا يقصد الرسول هنا الشهوات التي هي ضد الطهارة فقط بل مختلف الشهوات الشاذة، ليتعلم الذين شاخوا ألا يستسلموا للشهوات الشبابية. السفاهة، حب القوة، حب المال، اللذة الشهوانية، هذه كلها شهوات شبابية، شهوات حمقاء غبية، رغبات تصدر من قلب لم يرسخ بعد، وعن فكر مذبذب ليس له أساس عميق يتأثر بكل زوابع العالم. أهرب من التصورات الشبابية حتى لا تؤخذ بشهواتها.

“اتبع البر والإيمان والمحبة والسلام مع الذين يدعون الرب من قلب نقي” بكلمة “البر” يقصد الرسول الفضيلة بوجه عام، التقوى والإيمان والمحبة والسلام.

وماذا يعني بقوله “الذين يدعون الرب من قلب نقي“؟ إنه كما لو كان يقول: افرحوا لا بالذين يدعون الرب فحسب، بل الذين يدعونه بصدق وإخلاص، الذين هم بلا خداع، الذين يقتربون إليه في سلام غير محبين للنزاع، ألتصق بمثل هؤلاء، أما بالنسبة للآخرين فلا تهادنهم، لكن هذا لا يمنع من أن تسالمهم بقدر ما تستطيع.

 

2-خادم الله يجب أن يمتنع عن النزاع

“والمباحثات الغبية والسخيفة اجتنبها عالماً إنها تولد خصومات” (ع 23)، تلاحظون كيف أن القديس بولس يحاول دائماً أن يبعد تيموثيئوس عن النزاع والمشاجرات، ليس لأنه لا يملك الحجج الكافية لدحض الخطأ، وإلا ما كان قال له: “لاحظ نفسك والتعليم لأنك إن فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضاً” (1تيمو4: 16)، بل لأنه يعلم أن هذه المشاجرات بلا جدوى، ولا تنتهي إلا بالنزاع والكراهية والشتائم، ولكن توجد منازعات تتعلق بالكتب المقدسة وبمسائل أخرى كثيرة. 

“وعبد الرب لا يجب أن يخاصم” (ع 24) عبد الرب يجب أن يكون دائماً مبتعداً عن كل أنواع الصراعات. الله إله سلام فكيف يعيش عبده في المنازعات؟

“بل يجب أن يكون مترفقاً بالجميع” كيف يتفق هذا مع ما قاله في مكان آخر: “وبخ بكل سلطان” (تي 2: 15).

وفي الرسالة الأولى يقول له: “لا يستهن أحد بحداثتك” (1تيمو 4: 12) وأيضاً “وبخهم بسلطان” (تي 2: 15)؟

الرسول هنا يريد أن يرجع إلى أسلوب الوداعة.

أعلموا ذلك جيداً، بأن لا شئ يؤثر في النفس أكثر من التأنيب الذي يتم باعتدال، وأن استخدام الرقة له تأثير أقوى من الضرب بقسوة.

إن يكون “صالحاً للتعليم” أي أن يكون قادراً على إجابة كل من يتوجه إليه للاستشارة.

أما عن المبتدع فيقول الرسول لتيطس: “الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه” (تي 3: 10).

ويجب أيضاً أن يكون “صبوراً على المشقات” فالمعلم في حاجة ماسة للصبر، إذاً بدونه لا يحقق شيئاً، فإذا كان الصيادون يلقون شباكهم كل يوم دون أن يأخذوا شيئاً، ومع ذلك لا تخور عزيمتهم، فمن باب أولى يجب علينا أن نتذرع نحن بنفس هذا الصبر، إذ في الواقع قد يحدث أنه بمواصلة التعليم، قد يخترق الحديث عمق النفس، مثل سلاح المحراث في الأرض، ليقطع جذور الشهوة الرديئة التي تمنعها من الثمار، فكلما كان الاشتياق لسماع كلمة الله كبيراً، كلما كانت النفس مثمرة. ولابد أن سماع الإنجيل بصفة متواصلة يعالج ما هو في حاجة إلى علاج. ربما أحد الناس اقتنع بكلامنا في وقت كناقد أوشكنا فيه على اليأس. نفس الشيء يحدث مع المزارع الجاهل، إذ أنه بعدما يزرع الأرض في السنوات الأولى والثانية والثالثة، منتظراً الحصاد، تخور عزيمته لعدم وجود ثمر خلال الثلاث سنوات، فيتوقف عن زراعة الكرم في السنة الرابعة، في الوقت الذي كان الكرم سيثمر فيه ويعوض كل مجهوداته.

“مؤدباً بالوداعة المقاومين” (ع 25)، القديس بولس لا يكتفي بالصفات التي عددها بل يضيف هذه الصفة. لأنه قبل كل شئ تلزم الوداعة في التعليم، النفس لا تستفيد شيئاً من التعليم إذا عوملت بقسوة، بل حتى لو كان لها بعض من الاستعداد في قبول التأديب، فإن الكدر الذي تسببه القسوة التي عوملت بها يفقدها كل فائدة كان ممكناً أن تحصل عليها، كما أنه للاستفادة من درس المعلم يجب قبل كل شئ أن يكون المستمع مقدراً لهذه النعمة، وإلا لا تحقق الكلمة أية ثمرة مفيدة.

إذا كانت هذه هي الوسيلة التي يجب أن نتعامل بها مع من يعاملنا معاملة خشنة ويشتمنا، فكيف يتحقق ذلك مع ما سبق ذكره، “الرجل المبتدع بعد إنذاره مرة أو مرتين أعرض عنه”؟

وهو يقصد بالمبتدع، الغير قابل للإصلاح، الفاسد الذي لا يُرجى علاجه.

“عسى أن يعطيهم الله توبة لمعرفة الحق فيستفيقوا من فخ إبليس” (ع 26) يريد أن يقول: ربما يهتدون، ربما تدل على الشك فالذين لا يرجى على وجه التأكيد إصلاحهم ولا رجوعهم عن طريقهم يجب الابتعاد عنهم “إذ قد اقتنصهم لإرداته” عبارة “اقتنصهم” جاءت في مكانها، تذكر بالسمك المحبوس في مياه راكدة. وهذه الفقرة تحتوي أيضاً على درس في التواضع، فهو لم يقل، ربما يستطيعون أن يصلحوا ذواتهم، لكن ربما ينعم الله عليهم بالإصلاح، فإذا تم شئ فهذا يكون من عمل الرب. أنتم تزرعون وتسقون، لكن الله هو الذي سوف يأتي بالثمرة، فلا نشيد بهداية شخص ما حتى لو تمت هدايته عن طريق كلامنا.

“إذ قد اقتنصهم لإدراته” هذه العبارة لا تتعلق فقط بالعقائد بل تختص أيضاً بالحياة والسلوك. الله يريد أن تكون حياتنا مستقيمة وإذا حدث ودخل البعض في شباك الشيطان بسبب سلوكه، فهؤلاء غير ميئوس منهم إذ “عسى أن يعطيهم الله توبة” وكلمة “عسى أن” تدل دلالة كافية على وجوب التذرع بطول الأناة. إن شبكة الشيطان تعمل دائماً لعدم تنفيذ إرادة الله.

 

الموعظة السادسة

الذي يخضع للشيطان في بعض الأمور يخضع له في الكل

العصفور عند اصطياده لا يحتاج الأمر لدخول جسمه كله داخل الشبكة يكفي أن تقتنص الشبكة رجله فقط، فهذا لا يعطل من سيطرة الصياد عليه.

هكذا الشيطان إذ أراد أن يدخلنا في شباكه فليس من الضروري أن يسيطر على سلوكنا وإيماننا، بل يكفيه في البدء السيطرة على سلوكنا. “ليس كل من يقول لي يارب يارب يدخل ملكوت السماوات بل الذي يفعل ……… فحينئذ أصرح لهم أني لم أعرفكم قط. اذهبوا عني يا فاعلي الإثم” (مت 7: 12، 13). إن الإيمان وحده لا ينفع بشيء دون الأعمال مادام لا يؤدي إلى معرفة الرب لنا، وأيضاً هذا النص “لا أعرفكم” قال الرب أيضاً للعذارى  في (مت25: 12) ، أية فائدة حصلن عليها من بتوليتهن ومن أعمالهن طالما أن الرب لم يعرفهن؟ قد نجد أشخاصاً غير ملومين بالنسبة للإيمان، ومعاقبين لأجل سلوكهم فقط. ونرى أيضاً العكس تماماً، فنرى البعض يهلكون بسبب عدم الإيمان المستقيم مع أن سلوكهم غير ملوم. هنا أمران يجب أن يتمم أحدهما الآخر. ترون أننا نقع في شباك الشيطان لعدم  إتمام إرادة الله. قد نُلقى في جهنم ليس لأن حياتنا كلها رديئة، بل يكفينا نقص واحد لعدم وجود صفات صالحة توازنه.

 

الحث على الصدقة

فاتهام العذارى بالجهل لم يكن بسبب الزنى أو الغش، أو الحسد، أو الغيرة، أو السكر، ولا حتى لعدم الإيمان المستقيم أتهمن لنقص زيتهن، أي أنهن لم يقدمن الصدقة فهذا ما يعنيه الزيت. وأيضاً الذين سيدانون في اليوم الأخير بسماعهم الصوت القائل: “اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية” سوف يكون سبب إدانتهم هو أنهم لم يطعموا المسيح. 

ألا تعلمون يا أخوتي أن إهمال الصدقة والرحمة سيؤدي إلى الحكم عليهم بجهنم؟

كيف تكونون ذوي فائدة وأنتم لا تتصدقون؟

هل تصومون كل الأيام؟

ماذا استفدن العذارى الجاهلات مما فعلن؟

لا شئ يفيد دون الصدقة، دون الصدقة كل شئ يكون غير نقي. يقول الوحي الإلهي: “من لا يحب فليس من الله” (1يو 3: 10). كيف تقول أنك تحب أخاك وأنت لا تريد أن تقاسمه في أشياء خسيسة؟ ربما تقول أنك تعيش بعفة وطهارة. ما هو السبب الذي يدفعك إلى ذلك؟ هل خوفاً من العقوبة، أو بحكم مزاجك الطبيعي؟ إذا كان الخوف من العقاب هو الذي يجبرك على العفة، وعلى مقاومة نيران الدعارة، ألست بالأحرى أنت ملتزم بعمل الصدقة؟ إن مشقة احتقار المال أخف من مشقة ضبط الشهوة لأن الأخيرة مولودة معنا، ومغروسة بعمق في جسدنا، فمحبتنا للمال لا تكون بهذا القدر أخيراً ليس هناك شئ يجعلنا مشابهين لله سوى الصدقة والرحمة، فإذا فقدناهما فقدنا كل شئ. يسوع المسيح لا يقول لكم إذا صمتم إذا حفظتم على بتوليتكم، إذا صليتم تكونون مشابهين لله، لأن الله لا يفعل ذلك بحكم طبيعته، لكنه يقول: “كونوا رحماء لأن أباكم أيضاً رحيم” (لو 6: 36). هذا هو عمل الله ، فإذا لم تفعلوه فماذا يبقى لكم؟ ويقول أيضاً: “أريد رحمة لا ذبيحة” (هوشع 6: 6). الله صنع السماء والأرض، والبحر، هذا شئ عظيم جداً وجدير بحكمته ولكن لا شئ من كل هذا أثر في الإنسان قدر محبته اللانهائية وحنانه الغير مدرك. بالتأكيد أن خلق العالم من عمل الحكمة، والقوة، والصلاح، لكن الأكثر من ذلك كله هو أن الله صار عبداً لأجلنا. وهذا على الأخص هو الشيء الذي يثير دهشتنا وإعجابنا. الأنبياء لم يكفوا عن التحدث عن رحمة الله منذ البداية.

وعندما أتكلم عن الرحمة لا أتكلم قط عن الصدقة بالمسروقات وما نحصل عليه بالسلب والنهب، فلا توجد هنا رحمة قط. الزيت لا يخرج من جذور الشوك، لا يخرج إلا من شجرة الزيتون، هكذا الصدقة لا يمكن أن تصدر من جذور البخل والظلم ولا بوسائل السلب أياً كانت. لا تقللوا من قيمة الرحمة، لا تعرضوها للاحتقار. إذا اغتصبتم لعمل الرحمة، تكون صدقتكم من أكثر الأعمال رداءة، كل ما يأتي من السلب لا يدعى قط رحمة، بل قسوة، وعدم إنسانية وبربرية لا تهين الإنسان فقط بل الله نفسه. إذاً كان قايين قد أساء إلى الله لأنه قدم له أقل ما عنده، فكيف لا يسيئه الذي يقدم له خير الآخرين. التقدمة لا تقل عن الذبيحة، أنها وسيلة للتطهير وليس للتلوث. أنتم لا تجسرون على الصلاة بأيدي قذرة، وتعتقدون بأنكم حينما تقدمون تقدمات من الخيرات التي سلبتموها ظلماً، أن الله سيحتمل عدم نقاوة هذه التقدمات. أنتم لا تحتملون قذارة أيديكم وهما بلا جريمة، وتحتملون قذارة أنفسكم المليئة بالجرائم.

ليكن اهتمامنا بأن تكون عطايانا من الأعمال النقية الطاهرة أكثر من اهتمامنا بتقديم عطايانا وصلواتنا بأيادي نظيفة.

ما رأيكم في مائدة مسحت جيداً لتكون نظيفة تماماً، ثم توضع عليها أشياء قذرة جداً، ألا يكون الأمر غير لائق ويدعو للسخرية؟ لنبادر بنظافة أيدينا، ولكن ليست هي نظافة ناتجة عن غسلها بالماء، فهذا لا يساوي شيئاً كثيراً، لتكن لنا الطهارة التي يعطيها الصلاح وحده، والتي هي بالحق نقاوة. لو كانت أياديكم ملآنة بالظلم، اغسلوها ألف مرة إذا أردتم ولن تستفيدوا شيئاً. يقول أشعياء النبي “اغتسلوا تنقوا” (أش 1: 16)، اذهبوا إلى النافورات، إلى الحمامات، إلى الأنهار، كل هذا لا شئ، لكن انزعوا الخبث من نفوسكم فهنا الطهارة، التطهر من التلوث، النظافة التي يطلبها الله. النظافة الخارجية تفيد قليلاً، لكن النظافة الداخلية تساعدنا على العبور إلى الله، وتملأنا من الثقة المقدسة. الطهارة الخارجية يمكن أن تجدها عند الزناة، اللصوص، القتلة، الوقحاء، كل هؤلاء يعتنون بإفراط بنظافة الجسد الذي يعبدونه عبادة الأوثان، يتعطرون بالروائح الجذابة، يهتمون بنظافة جسدهم الذي ما هو إلا قبر، طالما يحوي نفساً ميتة، فهم يملكون الطهارة الخارجية ولا يستطيعون احتواء الطهارة الداخلية. ماذا أخذتم من أمور عظيمة بتنظيفكم لأجسادكم؟ طالما الطهارة الداخلية تنقصكم، فتلك الطهارة اليهودية الزائدة لا تجديكم شيئاً. كرجل تحلل جسمه وامتلأ بالقروح، فغسله لجسده لا طائل تحته. فإذا كانت المياه لا تفيد بشيء ظاهري في جسد فاسد وملئ بالعفن، فهل تفيد في غسل النفس المليئة بالفساد؟

يلزمنا صلوات طاهرة، فطالما النفس التي تنبع منها الصلوات ملوثة، فلا يمكن للصلوات أن تكون طاهرة. لا شئ يدنس النفس قدر البخل والسلب. ومع ذلك فالكثير من الناس بعد أن يرتكبوا أثناء النهار جرائم لا نهاية لها، يغتسلون في المساء، ويدخلون بجرأة إلى الكنيسة، ويرفعون أيديهم للصلاة، كما لو كانت هذه المياه ستمحو التلوثات. يا للأسف! لو كان هذا سليماً والحمامات التي تترددون عليها يومياً قد أتت بفوائد كثيرة لكم، لكنت أنا نفسي قد تواجدت فيها بصفة مستمرة، إذا كانت لها فائدة التطهير من خطايانا. ولكن هنا توجد الأمور المضحكة، لأن الله لا يبغض الإنسان لعدم طهارة الجسد بل لعدم طهارة النفس “طوبى لأنقياء القلب” (لتعلموا إنها نقاوة القلب وليس الجسد) “لأنهم يعاينون الله” (مت 2: 5، 8).

وماذا يقول المرنم؟ “قلباً نقياً أخلق فيا يا الله” (مز 51). يقول ارميا النبي: “اغسل من الشر قلبي” (ار 4: 14). من المفيد جداً أن ببكر بالاعتياد على الأعمال الحسنة. إنها أمور تافهة هي تلك الاغتسالات، ومع ذلك فذلك الإنسان لا يجسر أن يتقدم أمام الله قبل أن يكون قد قدمها. فمثلاً نحن نغتسل ثم نصلي، كما لو كان غير مسموح لنا أن نصلي قبل أن نغتسل. نحن لا نرفع طلباتنا أمام الله إن لم نكن قد طهرنا قبلاً أيدينا، ويخيل إلينا أننا نهين الله ونلوث ضميرنا إن لم نتمم ذلك. ليتنا نتخذ نفس العادة في تقديم الصدقة بعزم ثابت بأن لا ندخل بأيادي فارغة إلى بيت الله، ونسدد ما علينا بنفس الأمانة والسهولة، لأن العادة لها قوتها سواء في الخير، أم في الشر، وإذا جذبتنا لا تكلفنا شيئاً.

كثيرون اتخذوا عادة رشم أنفسهم بالصليب بصفة مستمرة ومن ذلك الحين لم يعودوا في حاجة لإنذارهم برشمه، فهم يرشمونه بصفة طبيعية. ودائماً عندما يكونون في أماكن متفرقة، نجد أن هذه العادة التي اتخذوها بمثابة المعلم المتحرك الذي ينذرهم ويقود أياديهم إلى هذه العلامة المقدسة.

آخرون تعودوا على ألا يحلفوا أبداً، لا بإرادتهم، ولا بالقوة. لنعتاد نحن أيضاً على تقديم الصدقة، فلن نجد فيها أية مشقة.

لماذا لا نعطى خيراتنا بسخاء؟ إذا كان في الأمراض المستعصية يُقال عن أشخاص كثيرين، هذا الشخص مستعد أن يعطي كل ماله في سبيل إنقاذه من الموت، فكيف لا يقرر ذلك وبأكثر سرعة لينقذ نفسه من شدة المحاكمة العليا؟

تعجبوا من محبة الله. هو لم يعطيكم الوسائل لإنقاذكم من الموت العالمي، بل هو يعمل على إنقاذكم من موت أكثر رعباً منه، هو الموت الأبدي، على أن الأمر يتوقف عليكم في ذلك.

يقول: لا تعتقدوا بأنكم ستحصلون على حياة قصيرة وبائسة اعملوا لكي تحصلوا على حياة سعيدة لا تنتهي أبداً. فهذه هي التي أريد أن أبتاعها لكم وليست الأخرى. لا أريد أن أخدعكم. أنا أعلم بأنكم إذا حصلتم على هذه الحياة القصيرة البائسة فكأنكم لم تحصلوا على شئ، لكني أعلم بقيمة تلك الحياة التي احتفظ بها لكم. أنا لا أشبه هؤلاء التجار الذين لا يفكرون سوى في الغش والخداع، ويبيعون بثمن غالي ما لا يساوي إلا القليل. أنا لست هكذا، فأنا أعطى الكثير بثمن قليل.

قل لي إذا دخلت عند بائع مجوهرات ووجدت عنده فصين، واحد منهما عادي منتشر وثمنه ضئيل، والثاني يحتاج لثروة لتغطى ثمنه، فأنت إذا دفعت ثمن الحجر الضئيل، لكن البائع سلمك الحجر الثمين، فهل ارتكب بائع المجوهرات جريمة بكرمه هذا؟ كلا، بل على العكس سوف تحبه. هكذا أنت تُعامل من الله بنفس هذه المعاملة، يعرض عليك نوعان من الحياة، واحدة زمنية والأخرى لا نهاية لها. الله هو البائع ويروق له أن يعطينا الأخيرة وليست الأولى، فلماذا نغضب كالأطفال الصغار وبدون تفكير لأننا أخذنا الثمينة والقيّمة ولم نأخذ الأخرى الزمنية والرخيصة؟

قد تقولون هل شراء الحياة الباقية يكون بالمال؟

ممكن إذا أعطينا من مالنا وليس من مال الآخرين.

قد تقول لي أن مالي هو لي أنا.

لتعلم أن ما تسرقه هو ليسلك، حتى لو قلت مائة مرة أنك سيد له فهو ليس ملكك. إذا وضعت وديعة بين يديك لحفظها في فترة غياب صاحبها، هل لأجل هذا تقول إنك تملكها؟

إذا شجعت صديقك على حفظ شئ يملكه هو، بصفة وديعة عندك أثناء غيابه، فهل تجرؤ على القول أنها ملكك في فترة وجودها في منزلك؟

فعلى الأقل لا تقدر أن تقول هذا عن مال اغتصبته من الآخرين رغماً عنهم وبعنف، إنه يخصهم مهما قلت أو فعلت. ليس لنا شئ هنا نملكه حقيقة سوى الفضيلة. أما عن المال فحتى مالنا لا يخصنا، هو لنا اليوم، وغداً ليس لنا. أما الفضيلة، هي على العكس فهي ملكنا ولا تضيع مثل المال، بل ستبقى كاملة لمن يمتلكها. لنقتنيها ونحتقر الثراء، حتى نتمكن من الوصول إلى الخيرات الحقيقية التي يعطينا الله أن نكون أهلاً لها بنعمة ورأفة ربنا وإلهنا ومخلصنا المسيح الذي له المجد إلى الأبد. آمين.

 

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص2 ج3 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص2 ج2 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص2 ج2 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص2 ج2 – ق. ذهبي الفم

 

المقالة التفسيرية الخامسة

“صادقة هي الكلمة أنه إن كنا قد متنا معه فسنحيا أيضاً معه. إن كنا نصبر فسنملك أيضاً معه. إن كنا ننكره فهو أيضاً سينكرنا. إن كنا غير أمناء فهو يبقى أميناً لن يقدر أن ينكر نفسه. فكر بهذه الأمور مناشداً أقدام الرب أن لا يتماحكوا بالكلام. الأمر غير النافع بشيء. لهدم السامعين”

(2: 11- 14)

التـــحــليـــل

  • نتألم مع المسيح لكي نملك معه.
  • ملاحظة تعاليم الإنجيل النقية. تجنب الأقوال الباطلة الدنسة.
  • ما هي الصفات التي تميز الناس المرتبطين بالإيمان ارتباطاً قوياً.

 

1-نتألم مع المسيح لكي نملك معه

كثيرون من الضعفاء، يتوقفون عن جهاد الإيمان ولا يستطيعون انتظار مهلة الرجاء، فيتعلقون بالحاضر، ويبنون عليه افتراضات للمستقبل، وهذا الحاضر المليء العذابات والسجن والموت يجعلهم يشكون في كلام الرسول عندما يعدهم بالحياة الأبدية.

ولما كان من المتوقع أن يقابل الرسول أناساً غير مؤمنين يوجهون إليه الاستفسارات الآتية: كيف أكون ميتاً وأنا حي، وكيف أكون حياً بينما أنا ميت. 

 

أنت تعدنا بالكثير ولا تعطينا حتى القليل؟

لماذا لا تعدنا بشيء على الأرض بينما وعودك كلها تخص السماء؟

لقد سبق الرسول وأجاب على هذه الأسئلة مستنداً على عدة براهين كتابية منها على سبيل المثال قال: “اذكر يسوع المسيح المقام من الأموات” (2تيمو 2: 8) أي أن موته وآلامه يسبقان قيامته أيضاً يؤكد نفس المعنى بقوله “صادقة هي الكلمة” أن الذي يعيش حياته بسيرة سماوية سيحصل على الحياة الأبدية.

 

ما هو البرهان على ذلك؟

“إن كنا قد متنا مع المسيح يسوع فسنحيا أيضاً معه”

هل ممكن مشاركته في آلامه وأتعابه، ولا نشاركه في سعادته.

 

كيف نموت معه؟

إنه يقصد الموت الذي يتم في الجرن (المعمودية) وفي الآلام إذ يقول: “حاملين في الجسد إماتة الرب يسوع” (2كو 4: 10) “دفنا معه بالمعمودية للموت” (رو 6: 4) “إنساننا العتيق قد صلب معه” “متحدين معه بشبه موته” (رو 6: 5، 6).

لكنه هنا أيضاً يتحدث عن الموت بواسطة المحاكمات، خاصة وأنه كان يعاني منها أثناء كتابته هذه الرسالة. هذا هو ما يقصده بقوله هنا: “إن كنا قد متنا معه فسنحيا معه” هذا أمر لا شك فيه.

“إذا كنا نتألم معه فسنملك أيضاً معه” لم يقل ذلك بصفة مطلقة، بل بشرط هو: “إن كنا نتألم معه” مبيناً بذلك أنه لا يكفي الموت مرة واحدة (هذا الرسول الطوباوي كان يموت كل يوم)، الأمر يستلزم صبراً طويلاً، فضيلة نافعة على الأخص لتيموثيئوس.

“إن كنا ننكره فهو أيضاً سينكرنا” تكلم الرسول عن جزاء الأبرار الذين يتألمون مع المسيح ثم يقومون ويملكون معه، أما الذين لا يتألمون معه ليس لهم نصيب في هذا الجزاء، لأنه لو كان للخطاة نفس الجزاء، لما كانت هناك تعزية للأبرار.

ولما كان الذين يرفضون الآلام مع المسيح لا يتأثرون كثيراً بحرمانهم من القيامة والملك معه، لجأ الرسول إلى نوع أشد من التهديد فقال: “إن كنا ننكره فهو أيضاً سينكرنا” تطبيقاً لقول المسيح: “من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضاً قدام أبي الذي في السماوات” (مت 10: 33). وهكذا يكون الجزاء لمن يعمل صلاحاً وأيضاً لمن لا يعمل الصلاح. تخيلوا مقدار الآلام التي سوف تصيب الإنسان الذي ينكره ابن الله في ملكوته. وهنا فرق كبير بين إنكارنا له وإنكاره لنا في ملكوته، فنحن لسنا إلا بشر بينما هو الإله، هذا كل ما يقال للتعبير عن الفرق بين الإنكاريين.

هذا ومن ناحية أخرى نحن نضر أنفسنا أما هو فلا يصيبه ضرر وقد أوضح ذلك بقوله: “إن كنا غير أمناء فهو يبقى أميناً لن يقدر أن ينكر نفسه” بمعنى أنه إن كنا لا نؤمن أنه قام من الأموات فعدم إيماننا لن يضره، وأنه لا يرغب في اعترافنا به إلا لنفعنا نحن.

 

2-ملاحظة تعاليم الإنجيل

وحتى لا يعتقد أن تيموثيئوس فقط هو المحتاج لهذه التعاليم يضيف الرسول: “فكر بهذه الأمور مناشداً قدام الرب أن لا يتماحكوا بالكلام. الأمر غير النافع لهدم السامعين”

 

ماذا تعني “مناشداً”؟

هو يدعو الله أن يكون شاهداً على ما سوف يقوله ويفعله. أنه لأمر خطير، لأنه إذا كانت شهادة الإنسان لها قيمتها فكم وكم بالنسبة لله؟ وعلى سبيل المثال، يستدعى شخص شهوداً جديرين بالتصديق لحضور كتابة عقد أو وصية فهل يمكن لهؤلاء الشهود أن يفشوا يوماً ما هذا الذي أؤتمنوا عليه؟ كلا، فطالما هم أمناء فلابد أن يظلوا حافظين للسر الذي أؤتمنوا عليه كشهود.

“أن لا يتماحكوا بالكلام، الأمر غير النافع لشيء، ويضيف سوي لهدم النافعين” هذه الممحاكات لا تنتج أية فائدة بل خسائر كبيرة. نبه بهذه الإنذارات وسوف يحاكم الله الذين يحتقرونها.

 

ولماذا هذه النصيحة بعدم المماحكة؟

هو يعرف ميل الطبيعة البشرية للنزاع والمناقشات، ولكي يقاومها لا يكتفي بالقول: بعدم المماحكة بل يضيف حتى يكون كلامه أكثر قوة “لهدم السامعين”.

“اجتهد أن تقيم نفسك لله مزكي عاملاً لا يخزى مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة”.

عدم الخزي وصية تتردد دائماً.

لماذا هذا الإلحاح من بولس عن الخجل؟

لأنه كان يوجد كثيرون كانوا يخجلون من القديس بولس نفسه، الذي لم يكن سوى صانع خيام، وأيضاً يخجلون من الإنجيل نفسه، حينما يرون هلاك الذين يبشرون به. المسيح مات بالصلب، القديس بولس قطعت رأسه، القديس بطرس صلب منكس الرأس، والذين كانوا ينفذون ذلك هم أحقر الناس وأكثرهم سفاهة. السلطة كانت في يد هؤلاء الناس، هذا هو سبب هذه الوصية “لا يخزى” أي لا تخجل من أن تنفذ كل ما تتطلبه التقوى، حتى لو كان هذا يعرضك للعبودية وكل أصناف العذابات.

 

وكيف نحصل على التزكية؟

بالعمل الذي بلا خجل، بنشر الإنجيل واحتمال كل شئ لأجله.

“مفصلاً كلمة الحق بالاستقامة” هذا النص يجب ألا يخرج عن عما قصده الرسول. يوجد كثيرون يحاولون تحريفه وتزويره بخلطة بأفكارهم الخاصة بهم. هو يريد أن يقول: اقطع ما هو غريب، أمسك بسيف الروح القدس واقطع كل ما هو زائد، كل ما هو غريب عن الكرازة.

 

تجنب الأقوال الباطلة الدنسة

“وأما الأقوال الباطلة الدنسة فأجتنبها” الخطأ لا يعرف التوقف، هم لا يقفون عند هذا الحد، فإنهم إذ يبتدعون شيئاً جديداً ينتجون وراءه بدعاً جديدة على الدوام.

يوجد أيضاً من يجد العسل مراً، ويتذوق بلذة الأغذية المؤذية والضارة.

السبب ليس في طبيعة الأشياء، بل في فساد حاسة التذوق.

الميزان الغير سليم لا يعطي مؤشراً صحيحاً. هكذا النفس البشرية إن لم تتبع الشريعة الإلهية وتسير حسب تعاليمها فلا يمكنها وضع الأمور في نصابها الصحيح.

إذاً فحصنا جيداً الظلم سنقتنع أنه يحتوى على الكثير من مرارة النفس، ليس فقط بالنسبة للذين يعانون منه، بل على الأخص بالنسبة للذين يسببون لهم هذه المعاناة.

ألا يولد الظلم الشجار والشتائم، والعداوة والكراهية التي تؤدي إلى القضايا والمحاكم؟

أليس هو السبب في تأنيب الضمير الذي يُعذب النفس دون توقف؟ كنت أود لو كان ذلك ممكناً أن أخرج. ولو للحظة، النفس الظالمة من غلافها الجسدي، وسوف ترون كم هي في شحوب داكن، ترتعش مغطاة بالخجل والارتباك، قلقة تحاكم نفسها. ولكن على العكس النفس الصالحة لا تعاني من هذه المتاعب، فمع الصلاح لا يوجد المتملقون، ولا قضاة فاسدون تغريهم النقود فتفسد أحكامهم، بل يمنح الجميع حكماً عادلاً من الله، حكماً لا يدع نور العدالة يظلم.

 

الموعظة الخامسة

1-الضمير السيئ لا يعرف الراحة.

2-لا يوجد إنسان لا يخشى الدينونة.

3-يعاقب الله أحياناً الأشرار ابتدأ من حياة الإنسان هنا.

 

1-الضمير السيئ لا يعرف الراحة

صاحب الضمير السيئ لا يعرف الراحة، نومة بمشقة، وصور مزعجة لا تفارق خياله، تذكر الشر الذي ارتكبه يقلق راحته، وعلى سبيل المثال: اغتصب شخص منزلاً لآخر ظلماً، فليس المظلوم هو وحده الذي يتألم بل الظالم أيضاً يئن ويتوجع عندما يتذكر فعله، ويفكر في المحاكمة التي تنتظره، يحيا في قلق دائم، ومن لا يشعر بهذا الشعور فهو على الأقل لا يخلو من الارتباك والخجل والخزى.

 

 

2-لا يوجد شخص لا يخشى الدينونة

في الواقع أنه لا يوجد شخص سواء يوناني أو يهودي أو هرطوقي لا يخشى المحاكمة، فإن لم يقلقه المستقبل فقد يرتعش لتذكره لعقوبات الحاضر، فهو يخشى أن يؤذي ويعاقب في خيراته، في نفسه وصحته، في أولاده، لأن الله لا يمكن أن يترك أولئك الظالمين بدون عقاب عما اقترفوه.

 

3-يعاقب الله الأشرار ابتداء من هذه الحياة هنا

لما كان الاعتقاد بالقيامة وحده غير كافي ليجعلنا نحيا بحكمة وبأمانة، فقد أعطانا الله ونحن في هذه الحياة الدنيا براهين وعلامات وإشارات مميزة تظهر عدالة أحكامه.

هذا اغتنى ظلماً، ولا يوجد عنده أولاد، وذاك فُقدت حياته في الحرب، وآخر فقد عضواً من جسمه فيها، وثالث فقد ولده، هكذا يعيش الإنسان متفكراً في كل ما حدث حوله من مختلف هذه الآلام، وكأنه يتلقى الإنذارات المستمرة.

هل أدركتم الآن ما يعانيه الذين يرتكبون الظلم؟ ألا توجد مرارة في هذه الأمور؟ ولو افترضنا أنه لم يحدث لهم شئ من هذا، ألا يتابعهم باستمرار تأنيب ولوم ومقت وازدراء الناس لهم؟ حتى يضعونهم في مرتبة أقل من مرتبة الحيوانات المتوحشة.

فأي لذة إذن يمكن أن تعطيها ممارسة الظلم؟ لا شئ بالمرة سوى الهم والقلق والمتاعب التي تسببها شهوة الحرص والحفاظ على مقتنيات الظلم! في الواقع إننا كلما زدنا من الثراء كلما زادت أسباب القلق عندنا.

الله لا يهمل حقوق المظلومين الذين أضيروا، ولا ينسى صرخاتهم المستمرة لرفع الظلم عنهم، والتي تسبب قلقاً وفزعاً للظالم، حتى ما إذا أصيب بمرض على غير انتظار فسيقلق من أجل ظلمه ولا سيما عندما يصل بمرضه إلى حالة العجز، وهو في صحته السابقة واستسلامه لشهواته لم يكن يشعر بأي مرارة، ولكن عند اقتراب لحظة خروج نفسه من جسده، يخال نفسه في دهليز المحكمة العنيف، فيستولي عليه الفزع. فاللصوص طالما هم في حجز السجن لا يرتعبون، ولكنهم حالما يُؤتى بهم أمام المحكمة وبمواجهة القاضي، يرتعدون خوفاً.

حقاً إن الخوف من لحظة الموت واستمرار التفكير فيها، إنما هو كالنار التي تبيد كل الأفكار الرديئة في النفس، وتقود الإنسان وتحكمه ليكون حكيماً ويقظاً ليفكر برزانة في الحياة الأخرى الباقية، ويستبعد حب المال، والولع بالثراء وبسائر الرغبات الشهوانية.

إن قسوة القلب ذاتها تلين تحت ضغط الآلام، والحكمة ليس لها عدو مقاوم مثل الملذات والشهوات، وليس لها مساعد ومُدعم أفضل من الألم.

تأملوا حالة البخيل الذي اغتنى ظلماً من خير الآخرين وهو يقترب من ساعته الأخيرة، كيف تكون حالته النفسية عندما يتذكر الذين ظلمهم وسرقهم، وأيضاً كلما يعرف ويدرك أن الآخرين هم المستفيدون من مال ظلمه هذا، وهو الذي سيقدم الحساب ويُعاقب!

إنه في فراش ينزعج، بل يرتعب ويخاف.

فلنفكر يا أخوتي في هذا الرعب الذي سيحدث بالضرورة وقت مرض الموت.

ولنفكر جيداً ونتأمل بعمق كلما نرى آخرين معاقين ومحمولين بالموت وذلك حتى نرحم أنفسنا من الحسرات، ونندم على ما سلمنا نفوسنا له من ملذات وشهوات، يقول الحكيم:

“شر ساعة يُنسى الملذات” (يشوع بن سيراخ 11: 29) هذا بالنسبة لهذه الحياة الحاضرة، أما عن عقوبات الحياة الأخرى، انتقامها عذاباتها، فسوف نكلمكم عنها فيما بعد.

“من له إذنان للسمع فليسمع” (لو 8: 8) نحن نعود لهذا الموضوع ليس لأنه يعجبنا، لكن لأنه مطلوب منا، كما أننا لا نقدر أن نعفي أنفسنا من الكلام معكم في هذه الأمور، نحن نعطيكم الدواء بجرعات خفيفة لكي تشفي نفوسكم من الخطية، طالما أنتم مستمرون في مرضكم، ولن يحدث لنا إحباط في استعمال وسيلة العلاج هذه بصبر شديد.

إذا كان الأطباء عندما يقطعون الأمل في شفاء المريض فإنه يتوسل إليهم ويقول لهم: لا تتوقفوا قط، استعملوا كل الوسائل حتى يصل المريض إلى أن تنهك قواه، ويتنهد التنهدات الأخيرة، أليس بالأحرى أن يُطبق هذا على النفوس المريضة؟ النفس يمكنها أن تصل حتى أبواب جهنم، تصل حتى آخر حدود الرذائل، وتعود بعد ذلك إلى الاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الحق، وتنصلح، وتعود إلى الخير وتحصل على الحياة الأبدية. ألم نرى أن عشرة مواعظ لم تأت بنتيجة والعظة الحادية عشر هي التي حولتهم للمسيحية، وإن كانت العشرة عظات الأولى لم تلمسهم ظاهرياً إلا أنها وضعت في نفوسهم بذرة أتت أخيراً بثمرة. مثل شجرة تضرب بالفأس عشر ضربات دون أن تتزعزع وفي الضربة الحادية عشر تسقط، ومع ذلك نرى أن الشجرة لم تسقط بسبب الضربة الأخيرة، فإذا كانت قد سقطت فالفضل للعشرة الأولى.

وهنا نفس الأمر، الأطباء يستخدمون أحياناً أدوية كثيرة دون الوصول لأي نتيجة، والشفاء يتم في النهاية باستعمال الدواء الأخير. فمع ذلك ليس الدواء الأخير هو الذي تسبب وحده في الشفاء. فالأدوية السابقة كانت قد أعدت للشفاء الذي تم أخيراً. وأنا أثق كل الثقة في أنه إذا كانت التعاليم التي نسمعها لا تعطي في الحال ثمرها، فسوف تعطيها بعد ذلك. لا يمكن أن تكون رغبتكم في سماع كلمة الله بلا أي نتيجة. ليتنا نحن الذين استحققنا سماع تعاليم يسوع المسيح، نحصل على الخيرات الأبدية! آمين.

 

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص2 ج2 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص2 ج1 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص2 ج1 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص2 ج1 – ق. ذهبي الفم

 

الأصحاح الثاني

المقالة التفسيرية الرابعة

“فتقو أنت يا أبني بالنعمة التي في المسيح يسوع وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناساً أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضاً. فاشترك أنت في احتمال المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح. ليس أحد وهو يتجند يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضي من جنده، وأيضاً إن كان أحد يجاهد لا يكلل إن لم يجاهد قانونياً. بحسب أن الحارس الذي يتعب يشترك هو أولاً في الأثمار. افهم ما أقول. فليعطك الرب فهماً في كل شئ…….”

(2: 1- 10)

التـــحــليـــل

  • حفظ وديعة الإيمان النفيس.
  • مُقارنات بالجندي والرياضي والفلاح.
  • كلام الله غير مقيّد.

 

1-حفظ وديعة الإيمان النفيس

“فتقوّ أنت يا أبني بالنعمة التي في المسيح يسوع”

كان لابد للقديس بولس بعد أن عرّف تلميذه بالتجارب التي مر هو فيها، أن يختم حديثه بهذه العبارة “فتقوّ أنت يا أبني بالنعمة التي في المسيح يسوع” والتلميذ الذي يعلم جيداً أن معلمه سبق له أن خاض تجارب قاسية أثناء خدمته وانتصر عليها لابد أنه يمتلئ بالإيمان الذي يعطيه الثقة بأنه سوف ينتصر هو أيضاً على مثل هذه التجارب، ويعلم أيضاً أن العواصف التي تقابله ليست نتيجة ضعفه بل هي من طبيعة الأمور نفسها.

الضابط الذي في مؤخرة الصف أثناء الحرب، يتشجع عندما يرى قائدة الذي بعدما جُرح، استعاد قواه في القيادة.

هكذا كان عزاء المؤمنين أن يروا الرسول قد تغلب على الآلام التي قابلها دون أن يهتز إطلاقاً.

ماذا تقول أيها الرسول القديس؟ لقد جعلتنا نرتعش خوفاً، لقد قلت لنا أنك كنت في الحديد والمحن، وإن الكل قد تحول عنك، والآن تبدو على العكس وكأنك لم تُعذب قط، إذ تختم بالقول: “فتقوّ أنت يا أبني” فهل هذه هي النتيجة التي وصلت إليها؟

أجل بالتأكيد لأن تجارب الرسول هذه تعمل على تقوية تلميذه أكثر منه هو نفسه. إذ يبدو كما لو كان يقول له: إذا كنت أنا قد احتملت هذه الأمور فيجب عليك أن تحتملها أنت أيضاً.

فهل المعلم يتعذب والتلميذ يعفى من العذاب؟ المعلم يشجع التلميذ بحنان كبير بدعوته أبناً له إذ يقول له “ابني” أي اتبع إذن أباك، إذا كنت أبني تقو بكلامي.

“بالنعمة التي في المسيح يسوع” إنما بالأحرى ليس بكلامي بل بنعمة الله، أي نعمة ربنا يسوع المسيح. يريد أن يقول له: كن راسخاً، أنت تعلم ما هي المعركة التي خُصصت لها وأُسندت إليك. وعندما يقول في مكان آخر: “فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم” (ف 6: 2). هو لا يقصد الهدم، بل ليرفع من شجاعة المؤمنين يريد أن يقول له: كن إذن صامداً، اسهر، احمل نعمة المسيح لتعاونك في معاركك، اعمل ما يتعلق بك في حماس شديد وبإرادة صالحة “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناس أمناء“. “وما سمعته” أي ليس الذي وصلت إليه بأبحاثك الخاصة.

بشهود كثيرين” تعني أن هذه التعاليم لم نأخذها سراً ولا في الخفاء، بل في حضور أناس كثيرين وبوعظ صريح.

أودعه” ككنز لا يودعه ويحفظه إلا بعناية كبيرة ولدى أناس أمناء يحافظون على الوديعة ويعملون حسب تعاليمها.

“يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضاً” أي لدى أناس أمناء لا يحفظونه فقط بل يعلمونه لآخرين بأمانة وكفاءة. لأنه ماذا يفيد أن يكون الإنسان أميناً فقط دون أن يسلم الإيمان لآخرين، لأن الاكتفاء بحيازة الإيمان دون العمل به لا يمكن أن يصنع مؤمنين آخرين.

يلزم إذن شرطان لتكوين المعلّم: أن يكون أميناً، وأن يكون قائداً ليعلم الآخرين.

 

2-مقارنات بالجندي والرياضي والفلاح

“أشترك أنت في احتمال المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح” يا للعظمة الكبيرة التي لجندي يسوع المسيح! تأملوا ملوك الأرض، وانظروا كم من وقار يقدم لهم من الذين يخدمونهم.

جندي الملك العظيم لابد له من الألم ومن لا يتألم فهو ليس بجندي. أذن في مشاقكم لا تفقدوا صبركم، الجندي الصالح لا يشكو من الألم بل يشكو من عدم الألم.

“ليس أحد وهو يتجند يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضي من جنده، وأيضاً إن كان أحد يجاهد لا يكلل إن لم يجاهد قانونياً” ماذا يعني هذا النص، “إن لم يجاهد قانونياً”؟

يعني أنه لا يكفي الدخول في ساحة المصارعات، والتشابك بالأيدي، بل يلزم أيضاً حفظ كل قوانين الرياضة، والنظام الغذائي، الاعتدال والعفة، وتنظيم المصارعة. في كلمة واحدة يلزم ملاحظة كل الوصايا الخاصة بالرياضيين، والإكليل هو ثمن ذلك كله ومكافأته.

“يجب أن الحراث الذي يتعب يشترك هو أولاً في الأثمار” إنه قد ذكر مثل الرب.

قدم الرسول بولس ثلاث أمثلة للجهاد الروحي: الجندي الأمين، والمشترك في الألعاب الرياضية، والحراث.

يشير القديس بولس إلى أن مكافأة الجندي هي أن يرضى من جنده، هو الإكليل[1] . المثلان يتناسبان مع المؤمنين البسطاء، أما مثل الحراث، فهو يتناسب بوجه خاص مع المعلم. فلا تكونوا كالجندي والرياضي فقط بل أيضاً مثل الحّراث (الفلاح).

الحرّاث لا يعتني فقط بنفسه، بل أيضاً بثمار الأرض. لذلك يأخذ مكافأة كبيرة.

لم يقل ببساطة: الحراث، بل الحراث الذي يشتغل،الذي يتعب. يتكلم هكذا حتى يمنح الصبر لمن نفذ صبره في انتظار المكافأة، كما لو كان يقول: أنتم قد حصدتم، والجزاء من نفس العمل. وبعد هذه الأمثلة عن الجندي والرياضي والحراث يضيف الرسول: أفهم ما أقول “فليعطك الرب فهماً في كل شئ”.

 

“أذكر يسوع المسيح المقام من الأموات من نسل داود بحسب إنجيلي، الذي فيه احتمل المشقات حتى القيود كمذنب”

 

لماذا يذكر هنا هذه الأمور؟

لأنه يريد في الوقت نفسه أن يقذف بدعاية الهرطقة، لكي يقوي تيموثيئوس، لكي يظهر فائدة الآلام، مادام معلمنا المسيح قد قهر الموت بالآلام. يقول له: تذكر هذا وسوف تحصل على العزاء الكافي. لأن البعض كان قد أنكر التجسد، ناسباً إلى الله صلاحاً كبيراً. وهذا الصلاح من جهة نظرهم يدعهم لا يتجاسرون على تصديق التجسد وكيف يتنازل الله إلى هذه الدرجة لأجلنا.

“بحسب إنجيلي” هكذا كان تعبيره دائماً في رسائله، سواء لكي يفهمهم أنه بحسب طاعته، أو لأن الآخرين كانوا يعظون بشيء آخر.

” الذي فيه احتمل المشقات حتى القيود كمذنب” وها هو يعود أيضاً ويتخذ من نفسه عزاءاً وتشجيعاً، حتى يتعلم تلميذه أن معلمه تألم وأن آلامه لم تكن بلا جدوى. فيمتلئ بالشجاعة وحب النضال، وتحقيق الربح، هذا إذا سار في نفس الطريق، أما إذا اتبع طريقاً مخالفاً فلاشك أنه سيخسر.

 

3-كلمة الله غير مقيدة

“لكن كلمة الله لا تقيد” يوضح القديس بولس أنه لو كان من جنود هذا العالم، ووجد في الحرب، فالحديد الذي يربط يديه يمكنه أن يفعل شيئاً، ولكن بصفته من جنود الله، فقد جعله من طبيعة معينة، بحيث لا يمكن لأحد أن يهزمه. ويضيف أيضاً: اليدان مقيدتان وليس اللسان، لا يوجد شئ يعقد اللسان، سوى الخجل ونقص الإيمان. إذا كنا غير جبناء ولا متأرجحين في الإيمان، فمهما قيدتم أيدينا فالوعظ سيبقى حراً ولا يتوقف.

على سبيل إذا قيدت فلاحاً فأنت تمنع البذور لأنه يزرع بيديه، ولكن متى قيدت المعلم لا تقدر أن توقف الكلام الذي يزرعه لأنه لا يزرعه باليدين بل باللسان. كلامنا لا يتوقف ولا يخضع للأغلال فبينما نحن مقيدون ينطلق لساننا بحرية. وها هو البرهان، نحن نعظ والقيود في أيدينا. وهذا تشجيع لكم أيها الأحرار، فإن كنا نعظ ونحن مقيدون فكم بالحرى أنتم مكلفون بالوعظ وأنتم أحرار.

لا تخوروا عندما تسمعونني أتكلم كمن يعاني من أعمال رديئة عملتها، بل يجب أن تعجبوا برجل مقيد يعمل عمل رجل حر طليق، رجل مقيد ويهزم الكل، بل ويقهر الذين قيدوه. وذلك يرجع إلى أن الكلام الذي  نكرز به هو كلام الله وليس كلامنا، فإذا كان الأمر كذلك فأية عقبة يمكن أن تقف أمامنا؟

“لأجل ذلك أنا أصبر على كل شئ لأجل المختارين، لكي يحصلوا هم أيضاً على الخلاص الذي في المسيح يسوع مع مجد أبدي” هنا أيضاً تشجيع أخر. يقول الرسول: ليس لأجل نفسي أعاني من هذه الأمور، بل لأجل خلاص الآخرين. كنت أستطيع أن أعفى من المخاطر، كنت أستطيع أن أنجو من كل هذه المشقات، لو كنت أهتم بما هو لي وحدي.

 

لكن لماذا أصبر على كل هذه الأوجاع؟

لأجل خير الآخرين لكي يحصلوا على الحياة الأبدية.

لم يقل: أنا أتألم لأجل أي شخص كان، بل لأجل “المختارين”. إذا كان الله نفسه قد اختارهم، فيحسن بنا أن نتألم جميعاً لأجلهم، “لكي يحصلوا هم أيضاً على الخلاص”.

 

ماذا تعني “هم أيضاً”؟

تعني أنهم يحصلون على ما نحصل نحن أيضاً عليه لأن الله قد اختارنا أيضاً. وكما أن الله تألم لأجلنا، هكذا يليق بنا أن نتألم نحن أيضاً لأجلهم. إذن فهو دين علينا ندفعه وليس تفضل منا. من جانب الله كان تفضلاً، فدورنا أن نتألم نحن أيضاً من أجل مختاريه حتى يحصلوا على الخلاص.

ماذا تقول؟ أي خلاص هذا الذي تتكلم عنه وأنت لم تقدر أن تخلص نفسك، فكيف تقدر أن تكون سبباً لخلاص الآخرين؟

ولكي يسبق هذا الاعتراض يضيف: “الخلاص الذي في المسيح يسوع مع مجد أبدي”. الحاضر قاسي لكنه لا يتخطى الأرض، الحاضر بائس لكنه لا يدوم، هو ملئ بمرارة النفس، لكنه لا يمكن سوى للغد.

 

 

 

الموعظة الرابعة

1-المجد الحقيقي والخيرات الحقيقية لا يوجدان على الأرض.

2-مقارنة بين القديس بولس الرسول ونيرون.

 

1-المجد الحقيقي والخيرات الحقيقية لا يوجدان على الأرض

الخيرات الأرضية ليست هي الخيرات الحقيقية، فالخيرات الحقيقية هي الأبدية التي في السماء. هناك المجد الحقيقي، أما مجد هذا العالم فهو عار. فإذا أردت أن تعيش في الأمجاد السماوية أطرد هذا العار (الملذات الأرضية) وتقبل الإهانات والمتاعب والظلم وكل ما هو مؤقت. قد يكون العار مجداً، والمجد عاراً، لنضع هذه الحقيقة أمامنا حتى نرى أخيراً الوجه الحقيقي للمجد. لم يُعط الإنسان أن يجد المجد في الأرض، ولكن بالعار تقدر أن تحصل عليه. لنفحص هذه الحقيقة بالمقارنة بين شخصين هما القديس بولس الرسول ونيرون.

 

2-مقارنة بين القديس بولس الرسول ونيرون

الإمبراطور نيرون كان نصيبه مجد العالم، والقديس بولس كان نصيبه العار. الإمبراطور نيرون قد فعل الكثير من المآثر، وأقام الكثير من النصب التذكارية. أمتلك أكبر مساحة من الأرض مع جيوش عديدة كانت تتلقى أوامره. عاصمة العالم كانت تحت قدميه، كل مجلس الشيوخ كان ينحني أمامه، في الحرب كان يحمل أسلحة من ذهب وأحجار كريمة، وفي وقت السلم كان يجلس على الأرجوان. كان يحمل لقب سيد الأرض والبحر، ولقب بالإمبراطور، وأغسطس قيصر وبألقاب أخرى كثيرة اخترعتها أساليب التملق والمداهنة. لم ينقصه شئ من أمجاد العالم. يرتبك أمامه الحكماء والملوك. كان معلوماً عنه أنه مفترس ودون حياء.

كان يريد أن يكون إلهاً يُعبد، وضع نفسه فوق كل أصنام الوثنيين.

أي مجد أكبر من هذا؟ أو بالأحرى أي شئ أردأ من ذلك العار؟ وحتى تكمل المقارنة سنضع في مواجهته القديس بولس: إنه كان من كيليكية، وكل الألم يعرف الفرق بين كيليكية وروما. كان يعمل في صناعة الخيام، هو إنسان يعرف الجوع والعطش، كان يلبس ما هو ضروري، يقول هو نفسه “في برد وعرى” (2كو 11: 27). وليس هذا فقط بل إنه كان في الأغلال مع اللصوص والقتلة وحكم عليه بأمر نيرون وضرب من السلطة كأردأ ساقط.

نوجه الآن سؤالاً من هو الأكثر شهرة ومجداً من الاثنين؟

هل الذي كان محبوساً في سلسلة من حديد وكان يمشي خارج سجنه بالسلسلة التي كانت تقيده، أم الذي كان مرتدياً الأرجوان، وكان يتقدم في عظمة خارج قصره؟

أجيب دون تردد أنه الأسير.

 

لـــمــــاذا؟

لأن الأمير بكل جيوشه وترفهه لا يستطيع أن يفعل كل ما يريد بينما الأسير بملابسه البسيطة يمارس سلطة أكثر منه.

 

كيف وبأي وسيلة؟

يقول نيرون: لا تنثر بذور الإنجيل، ويجيب القديس بولس: لا أستطيع عدم نثره لأن كلام الله لا يقيد.

إذن من هو الأكثر مجداً، هل الذي كان يعطي أوامر لا تنفذ، أم الذي كان لا يعبأ بالأوامر التي تلقى إليه؟ الذي كان مهزوماً وسط جيوش عديدة، أم الذي كان هازماً، مع أنه كان بمفرده دون نجدة بشرية؟

إذن الإمبراطور قد تخلى عن النصر للأسير. وقد نسيت غالبية الناس اسم الإمبراطور، بينما يحتفل الكثير من الشعوب باسم الرسول. وإذا ذكر الإمبراطور لا يذكر إلا باحتقار حتى من الوثنيين أنفسهم، لأنه كان ملحداً، أما القديس بولس فسيرته العطرة كانت دائماً مصحوبة بالمباركة. عندما تضئ الحقيقة، الأعداء أنفسهم لا يقدرون على رفضها. فإذا لم يعجبوا بإيمان القديس بولس، قد يعجبوا بصراحته وجرأته وشجاعته وتمسكه بما يؤمن به.

لعدم علمي، لم أمدح في الأسد سوى نصرته، بدلاً من أن أتكلم عن الأكثر أهمية.

 

ما هو الأكثر أهمية؟

سعادة السماء، العظمة التي سيظهر بها بولس عندما يجئ مع ملك السماوات، والحالة البائسة التي سيظهر بها نيرون.

لم نصل بعد إلى زمن الأكاليل، ومع ذلك انظروا الكرامة التي يتمتع بها المجاهد الشجاع الذي للمسيح. إذا كان الرسول بولس محل إعجاب، وهو الغريب بين الغرباء، فكم وكم تكون سعادته عندما يوجد بين أخصائه؟ “لأن حياتنا مستترة مع المسيح في الله” (كو 3: 3).

إذا كان القديس بولس قد احتقر مجد العالم عندما كان في الجسد، فكم وكم يكون احتقاره لهذا المجد الباطل وهو الآن قد تحرر من الجسد.

لنؤمن إذن بالمستقبل، لأنه إذا كان معنا في العالم قد حصل على هذا القدر من الكرامة رغم المعاملة الرديئة التي عومل بها، وما قاساه من الاضطهاد، فماذا يكون الوضع حينما يأتي المسيح مخلصنا؟ إذا كان قد حصل على هذا القدر من المجد مع أنه لم يكن سوى عاملاً بسيطاً للخيام، فماذا سيكون الوضع عندما يأتي مرتدياً العظمة السماوية؟

من لا يتأثر عندما يرى صانع الخيام محاطاً بكرمة أكثر من كبار ملوك الأرض؟

فإذا كنا نرى في الدنيا أموراً تفوق الطبيعة، فلماذا لا يكون نفس الأمر في المستقبل؟

أيها الإنسان صدّق الحاضر، إذا كنت لا تريد أن تصدق المستقبل، صدق الأشياء المرئية، إذا كنت ترفض الغير مرئية. إذا ظللت عنيداً في عدم إيمانك يصح عليك القول: “إني برئ من دم الجميع” (أع 20: 26).

شهدنا بكل وسيلة، ولم نغفل شيئاً مما وجب علينا قوله، وأنتم لا تعملون حساباً لأنفسكم، لا تعملون حساباً لعذاب جهنم الذي سيكون في المستقبل.

لنتبع يا أولادي الأعزاء القديس بولس، ليس فقط في إيمانه، بل في سلوكه أيضاً. لندوس بأقدامنا مجد العالم لنحصل على مجد السماء. لا ندع أي شئ من الأشياء الحاضرة تربطنا. لنحتقر الخيرات المرئية حتى نحصل على غير المرئية آمين.

 

[1] (حالياً الكأس والميداليات).

 

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص2 ج1 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص1 ج3 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص1 ج3 – ق. ذهبي الفم

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص1 ج3 – ق. ذهبي الفم

المقالة التفسيرية الثالثة

“تمسك بصورة الكلام الصحيح الذي سمعته منى في الإيمان والمحبة التي في يسوع المسيح. احفظ الوديعة الصالحة بالروح القدس الساكن فينا. أنت تعلم هذا أن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني الذين منهم : فيجلس وهرموجانس. ليعط الرب رحمة لبيت انيسيفورس، لأنه مراراً كثيرة أراحني ولم يخجل بسلسلتي، بل لما كان في رومية طلبني بأوفر اجتهاد فوجدني. ليعطه الرب أن يجد رحمة من الرب في ذلك اليوم. وكل ما كان يخدم في أفسس أنت تعرفه جيداً”

(1: 13- 18)

التـحـليــل

  • الروح القدس هو الذي يحفظ الوديعة.
  • نحن في حاجة إلى رحمة للحصول على السلام.
  • الروح القدس هو الذي يحفظ الوديعة.

لم يكتف الرسول في توجيه تلميذه بالخطابات فقط بل أضاف إليها التعاليم الشفوية. أنها التعاليم التي يذكره بها بواسطة هذه الكلمات: تمسك بصورة الكلام الصحيح الذي سمعته مني”.

ماذا يقصد بهذه العبارة؟

يريد أن يقول له لقد رسمتك، كما يرسم رسام صورة للفضيلة! احتفظ بهذه الصورة، وطبقها على كل ما يتعلق بشئون الخدمة، ومتى قررت شيئاً يتعلق سواء بالإيمان، أو الإحسان، أو النقاء. خذ منها أمثلتك، وسوف تجد كل ما أنت في احتياج إليه، ولا تحتاج إلى استشارة الآخرين.

“احفظ الوديعة الصالحة بالروح القدس الساكن فينا” ليس في قدرة النفس البشرية أن تحفظ أموراً كهذه.

لـــمــــاذا؟

لأنه يوجد لصوص كثيرون يتربصون بها، وظلمة كثيفة وشيطان على الأبواب يُدبر خططاً ضدها فلا يمكننا أن نحفظها إلا بالروح القدس، بمعنى أنه إن كان الروح ساكناً فينا، إن كنا لا نطرد النعمة فسوف لا ينقصنا عملها فينا “فإن لم يبن الرب البيت فباطلاً تعب البناءون، وإن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً يسهر الحراس” (مز 127: 1). هذا هو حصننا، هذه هي قلعتنا وهذا هو ملجأنا!

إن كان الروح ساكناً فينا وهو حارسنا، فما هي الحاجة للوصية؟

لكي نتمسك بالروح ولا ندعه يهجرنا بسوء تصرفاتنا.

ثم يذكر الرسول تجاربه ليس ليهبط من عزيمة تلميذه، بل ليقويه وينير له الطريق إذا ما تعرض يوماً لهذه التجارب، متأملاً معلمه ومتذكراً كل ما حدث له. فلما كان من المحتمل أنه فور القبض عليه يترك ويحرم من كل عطف من جانب البشر، وسيواجه خيانة من المؤمنين أنفسهم ومن أصدقائه، يقول هذه الكلمات: “أنت تعلم هذا أن جميع الذين في آسيا ارتدوا عني” ومن المحتمل أنه كان في روما الكثير من الأسيويين. يقول: ولا واحد منهم ساعدني، ولا أحد تعرّف علىَّ، الكل تحول عني.

لنتأمل ونعجب برفعة نفس القديس بولس، لقد اكتفى بالإشارة إلى ما حدث ولم يضف عبارة واحدة بها لوم. فالذي ساعده أثني عليه وتمنى له آلاف البركات. أما بالنسبة للآخرين فلم يلعنهم، بل يقول ببساطة: “الذين منهم فيجلس وهوموجانوس”.

 

 

2-نحن في حاجة إلى رحمة للحصول على السلام

“ليعط الرب رحمة لبيت أنيسيفورس، لأنه مراراً كثيرة أراحني ولم يخجل بسلسلتي، بل لما كان في رومية طلبني بأوفر اجتهاد فوجدني”. ومع أن حياة الرسول كانت مليئة بالمخاطر إلا أنه لا يشير إليها في حديثه مع تيموثيئوس حتى لا يزعجه، بل كان يكتفي بالتركيز في كلامه عن الخجل. فيقول: إنه عند وصوله إلى روما لم يرفض أنيسيفورس مقابلته بل طلبه بأوفر اجتهاد فوجده.

“ليعطيه الرب أن يجد رحمة من عند الرب في ذلك اليوم وكل ما كان يخدم في أفسس أنت تعرفه جيداً”. هذا ما كان يجب أن يكون عليه المؤمنون. يجب ألا يتوقفوا لا بالخوف، ولا بالخجل، ولا بالتهديد، بل يتعاونون ويساعدون بعضهم بعضاً، يستنجدون فيما بينهم، كما يتعاون جنود الجيش الواحد في الحرب. وربما البعض منهم لا يتعرض للمخاطر ولكنه يشارك في المشاق، لذلك يستحق أيضاً أن يشارك في الأكاليل. اسمعوا ما يقوله الرسول في رسالة أخرى: “غير أنكم فعلتم حسناً إذ اشتركتم في ضيقتي” وأيضاً “فإنكم أيضاً في تسالونيكي أيضاً أرسلتم إلىَّ مرة ومرتين لحاجتي” (في 4: 14، 16).

كيف يتمكن الغائبون من أن يقاسموه ضيقاته؟

يرد على ذلك القديس بولس بنفسه قائلاً: “أرسلتم إلىَّ مرة ومرتين لحاجتي” وقال أيضاً عن أبفرودتس: “لأنه من أجل عمل المسيح قارب الموت مخاطراً بنفسه لكي يُجبر نقصان خدمتكم لي” (في 2: 30). وهكذا ليس فقط ملوك الأرض الذين يحاربون هم المكرمين، بل أيضاً الذين يحرسون الأمتعة لهم أيضاً نصيب في المكافآت، وأحياناً نصيباً مساوياً للآخرين، مع أنهم لم يقدموا أياديهم، ولم يمسكوا السيف، لم يشاهدوا حتى صفوف الأعداء، فهم يعتبرون وبحجة قوية أنهم في خدمة الله. الذي نجد المحارب الذي يموت جوعاً، ويشجعه بكلماته، الذي يقدم كل معونة يمكنه تقديمها، هذا يحصل على نفس الجزاء الذي يحصل عليه المقاتل.

لا تتصوروا أن في كلامي عن القديس بولس بأنني أعرضه عليكم كشخص لا يقهر، بل هو شخص مثل أي شخص، وربما لو لم يكن مسنداً بشدة، وحظى بتشجيع كبير من المؤمنين لما بقى راسخاً وربما رفض النضال. فلا تندهش إذا كان من بين الأحياء شخص قد ساهم في المعركة ودعى ليشارك في مكافأة المقاتلين الذين ماتوا ودفنوا في القبر وكُللوا. فإذا كانت المكافأة لم تحرم على الأموات الذين قد كُللوا وليس هم في حاجة لشيء، فما هو وجه الغرابة في أن يشارك فيها الأحياء أيضاً. والرسول بولس نفسه يقول ذلك: “مشتركين بذكرى القديسين”.

سوف تقولون كيف يكون هذا؟ عندما تعجبون بقديس، عندما تقلدون شخصاً في تصرفاته الجميلة التي كللته، عندئذ تقاسمونه في جهاده وأكاليله.

ماذا يقصد بقوله ليعطيه الرب أن يجد رحمة من الرب في ذلك اليوم. يريد أن يقول: إنه كان عطوفاً وشفوقاً علىَّ، إذن بدوره سوف يحصل على رحمة في ذلك اليوم المرعب المخيف، اليوم الذي نكون فيه في حاجة إلى رحمة واسعة.

يقول “ليعطيه الرب أن يجد رحمة من الرب” كيف! هل يوجد ربان؟

إطلاقاً ليس لنا سوى رب واحد وإله واحد الذي هو يسوع المسيح. إنها من العبارات التي يسئ استعمالها وفهمها المارقيونيون، ليعلموا أن الكتاب المقدس كثيراً ما يستعمل هذا النهج المألوف. مثلما يقول: “قال الرب لربي” وأيضاً: “قلت للرب أنت سيدي” (مز 16: 2) وفي موضع آخر “فأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتاً وناراً من عند الرب” (تك 19: 24). هذه الطريقة في الكلام تدل على الاتحاد في الجوهر، وليس هناك فرق في الطبيعة. الكتاب لا يتكلم عن جوهرين مختلفين الواحد عن الآخر، بل عن شخصين من نفس الجوهر، الواحد كالأخر.

لنلاحظ يا أخوتي: إنه إذا كان أنيسيفورس الذي تعرض للمخاطر في حاجة إلى الرحمة ليخلص، أليس نحن لأسباب أقوى نكون في حاجة أكثر منه؟

“كل ما كان يخدم في أفسس أنت تعرفه جيداً” فهو قد أعطاني العزاء ليس في أفسس فقط، بل أيضاً في روما. هكذا يجب أن يكون الشخص المتيقظ يجب أن يعمل لا مرة واحدة، ولا اثنتين ، ولا ثلاثة، بل يعمل كل حياته. فكما أن جسدنا لا يكتفي بالتغذية مرة واحدة لكي يقتات عليها البقية من حياته، بل هو في حاجة إلى غذاء يومي، هكذا تقوانا يجب أن تكون محفوظة بممارسة الأعمال الصالحة. نحن في حاجة ماسة إلى الرحمة. كل ما عمله الله الصالح، عمله لكي يشفينا من خطايانا، بالنسبة له فهو ليس في حاجة لشيء، بل ما صنعه، صنعه لأجلنا. لأجل هذا قد أوضح وشرح لنا كل شئ، ليس فقط بالأقوال بل أيده بالأعمال. فبالتأكيد أقواله مصدقة.

الموعظة الثالثة

لتكن أحكام الله موضع خوف

يا أخوتي إن الحساب الذي سنقدمه للرب سوف يكون مرعب للغاية. سوف نكون في حاجة إلى الكثير من المغفرة حتى لا نسمع الصوت القائل: “إني لم أعرفكم قط اذهبوا عني يا فاعلي الإثم” وأيضاً “اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته” (مت 25: 41) وأيضاً “بيننا وبينكم هوة عظيمة” وأيضاً هذه الكلمة المليئة بالفزع والخوف: “خذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية” (مت 22: 13). ليس هناك أكثر رعباً وخوفاً من هذه المحكمة، ومع ذلك الله رفيق وحليم. وهو يسمى الرحمة وإله العزاء، هو طيب، ولا يتساوى معه أحد في طبيعته، هو مملوء بالشفقة، والوداعة والحنو ولا يسر بموت الشرير وإنما برجوعه عن طرقه فيحيا (مز 18: 23).

ما الذي يجعل هذا اليوم مليئاً بالمخاوف؟

إنه نهر من النار يجري، الكتب المكتوبة فيها أعمالنا ستكون مفتوحة في هذا اليوم مثل فرن كبيرة متوهجة بالنار، الملائكة تطوف في كل أنحاء العالم، النيران تشتعل في كل مكان.

 

كيف إذن يمكن القول بأن الرب رقيق رحوم وطيب؟

حتى بهذا الشكل هو طيب، بل هذا يشير إلى عظمة طيبته. لأنه بهذه الوسيلة يشعرنا بخوف كبير، ويحثنا على الجهاد لأجل الوصول إلى ملكوت السماوات.

وحتى لا يتخيل أحد أن جهنم مبالغ في التعبير عنها، أكد الله أقواله بالتجارب العملية.

كيف ذلك؟

بتوقيع العقوبات على الأخصاء (اليهود) والأمم. هذا البرهان العملي قد أعطاه لكم تارة بتدفق مياه الطوفان، وتارة بإغراق المدن الآثمة بالنار وتارة أخرى بعقاب فرعون. ولازلنا نرى الأشرار يعاقبون في العالم الحاضر. كل هذه مؤشرات على وجود عقاب أيضاً في الآخرة أي وجود جهنم.

ولكي تستيقظ من نوم الإهمال، وتنفتح عيون قلوبنا، ونضع دائماً أمامنا قول الله، يرينا الله وقائع تمر بنا في هذا العالم، فنرى المحاكمات والأحكام والعقوبات توقع يومياً. والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، منها: رب العائلة في بيته يحاكم خدمه على أخطائهم، القبطان على سفينته، قائد الجيش في معسكره. فنرى العدالة تطبق في الأماكن العامة، في الحقول، في المدارس، في المصانع، فنرى كل مسئول عن إدارته يعاقب المخطئ ويصفح عن البريء.

كيف! هل هؤلاء يهتمون بسرعة الكشف عن العادل والظالم ويسرعون بتطبيق العدالة والله نفسه ملك التشريع وصاحب العدالة لا يبالي ويحتمل أخطاءنا بهذا القدر من الصبر ولا يعاقب في الحال؟

طالما أنتم هنا في هذا العالم يعاملكم الله بصبر طويل حتى يسترعي انتباهكم للعقاب، فإن لم ترجعوا عن قساوة قلوبكم سوف “تدخرون لأنفسكم غضباً في يوم الغضب” (رو 2: 5). لأن الله بعدله يرد لكل واحد استحقاقه، ولا يترك ضحايا عدم العدالة دون أن ينتقم لهم، لأن هذا من عمل العدالة نفسها، وأيضاً بسلطانة يطبق عدالته حتى بعد الموت، وفي يوم القيامة.

وإذا كان صبوراً ومتساهلاً فهذا لا يدعنا نرتبك ونتساءل لماذا لا يعاقب الآن؟

لو كانت الأمور تجرى كما تطلبون، بأن نكفر عن ذنوبنا حال وقوعها، لكان الجنس البشري قد تعرض للانقراض وما تمكن إنسان من أن يبلغ العشرين من عمره، ولكن الله بطبيعته وصبره يمنحنا الفرصة الكافية لنتوب، ثم يمحو لنا خطايانا، إذ لا يوجد في حياتنا يوم واحد غير ملوث بالخطية.

ليمتحن إذن كل واحد نفسه بضمير مستقيم فاحصاً أعماله، وليحكم بنفسه إذا كان لا يستحق آلاف العقوبات، وإذا شعر بالسخط تجاه شخص أقترف آثاماً كثيرة ولم يعاقب عنها على الملأ، ليفكر فيما عمله هو وسيكف عن السخط في الحال. توجد بعض أنواع من الظلم تبدو لك جسيمة لأنها ترتكب في أمور هامة وتحت أنظار الجميع، ولكن إذا فحصت جيداً ظلمك أنت للآخرين سوف تصل إلى أنه أخطر بكثير. سلب خير الآخرين لا تختلف فيه الجريمة سواء كان المسلوب ذهب أو فضة. إذن هنا نرى نفس الاستعداد ونفس النية في الحالتين. ومن يتعدى على القليل لا يتردد في التعدي على الكثير. وإذا لم يجد الفرصة لسرقة الكثير، فهذا لا يرجع إليه، بل إلى فعل الصدفة، الفقير الذي يسلب من هو أكثر منه فقراً، لا يتردد في أن يحتك بشخص أكثر منه غنى إذا استطاع، وإذا لم يفعل ذلك، فهذا يرجع إلى ضعفه وليس لإرادته.

سوف تقول إن هذا الذي يحكم يأخذ ما يخص الذين تحت سلطته. قل لي هل أنت لا تأخذ شيئاً؟

لا تقل إن هذا يسلب الأموال الذهبية وأنت لا تسلب سوى فلسين. تذكر أنه قيل في الإنجيل إن الآخرين كانوا يعطون الذهب، وأن الأرملة التي لم تعطي سوف الفلسين لم تكن صدقتها أقل منهم بل أكثر.

لماذا هذا؟

لأن الله يحكم على الإرادة وليس  على قيمة العطية. وإذا كان بالنسبة للصدقة فالله يحكم على الفلسين المقدمين من فقير يساويان آلاف العملات الذهبية المقدمة عن ثراء، هل تعتقد أنه يختلف في حكمه عندما يتعلق الأمر بما يخص خير الآخرين الذي يُُختلس. الأرملة التي أعطت الفلسين تساوت مع عطاء الآخرين بإرادتها الحسنة، هكذا أنتم بأخذكم الفلسين لستم أقل من الذين يأخذون وزنات الذهب بل أنتم أكثر إثماً.

الذي يزني مع زوجة الملك يتساوى في فعله مع من يزني مع زوجة رجل فقير، أو حتى زوجة عبد، لأن ثقل الخطية لا يوزن بفارق الأشخاص، بل بقدر ميال الذي يرتكبها إلى الشر. وأجد أن الذي يرتكب الزنى مع أي شخص كان، يكون خطأه أكبر ممن يرتكبه مع الملكة. لأن هنا الثراء والجمال وأمور أخرى تجذبه، أما مع هذا لا يوجد ما يشابه ذلك، بمعنى أن الذي يرتكب الزنى مع الحالة الأولى فهو أكثر زنى من الآخر.

قل لي إذا وقف السارقان أمام القضاء، أحدهما سرق فقيراً والآخر سرق غنياً، ألا يحاكما الاثنان بنفس المحاكمة؟ والقاتل ألا يحاكم بنفس العقوبة سواء قتل فقيراً مخلعاً أو قتل ثرياً جميلاً؟

لنبتعد يا أخوتي عن الخطايا حتى نحصل على الخيرات المستقبلة في يسوع المسيح ربنا الذي له مع الآب والروح القدس، المجد، والسلطان، والكرامة، الآن وكل أوان، وإلى دهر الدهور. آمين.

تفسير رسالة2 تيموثاوس ص1 ج3 – ق. ذهبي الفم

Exit mobile version