عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

الجزء الأول: عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

 

عيد الخمسين

عظة فى “عيد حلول الروح القدس”

للقديس يوحنا ذهبى الفم

ترجمها عن اليونانية د. جوزيف موريس فلتس

 

          4 ـ أين هم الآن الذين يجدفون على الروح القدس ؟ لأنه إن كان لا يمحو الخطية ، فستكون المعمودية بلا هدف ، وإن كان يمحو الخطايا ، فباطل إذن تجديف الهراطقة .

          وإن لم يكن هناك روح قدس، فلم نكن لنستطع الاعتراف بأن يسوع هو رب “ ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس ” (1كو3:12). ولو لم يكن الروح القدس موجودًا لما استطاع المؤمنون أن يتضرعوا قائلين ” أبانا الذى الذى فى السموات ” (مت9:6). ومثلما لم نكن نقدر (بدون الروح القدس) أن نشهد أن المسيح رب، هكذا أيضًا لم نكن نقدر بدونه (بدون الروح) أن ندعو الله أبانا . وبماذا نثبت قولنا هذا ؟ من قول الرسول نفسه ” وبما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب” (غلا6:4)، حتى أنك عندما تدعو الله قائلاً : ” أبانا ” فتتذكر أنك استحققت أن تدعو الله أباك بسبب أن الروح قد دفعك إلى هذا .

          وإن لم يكن الروح القدس موجودًا لما كان فى الكنيسة روح الحكمة والمعرفة “ لأنه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد ” (1كو8:12). ولو لم يكن الروح موجودًا فى الكنيسة لما كان فيها رعاة ومعلمين. إذ أن هؤلاء يقيمهم الروح القدس كما يقول بولس الرسول ” … ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه ” (أع28:20). وأنظر أيضًا فإنه حتى ما يحدث هنا هو من عمل الروح القدس . فإن لم يكن الروح القدس فى أبينا ومعلمنا هذا [1] والذى صعد منذ قليل على المنبر وبارككم جميعًا قائلاً “السلام لجميعكم ” لِما قلتم له جميعًا ” ولروحك أيضًا ” . وأنتم لا تجاوبونه هكذا فقط عندما يصعد إلى المنبر ، أو عندما يعظكم أو يصلى لكم ، ولكن أيضًا عندما يقف بجانب هذه المائدة المقدسة وهو مزمع أن يقدم عليها هذه الذبيحة المهوبة ، والمرتلين يعرفون ما أقوله . فهو لا يمس القرابين الموضوعة أمامه قبل أن يدعو لكم بنعمة الرب، وأنتم تجاوبونه قائلين “ومع روحك أيضًا ” . وبهذه الإجابة تذكرون أنفسكم بأن هذه الجواهر ليست من صنعه أو من صنع إنسان ، بل هى هكذا بواسطة نعمة الروح القدس ، الحاضر والذى يرفرف فوق الجميع، ليعد ذلك الذبيحة  السرية . لأنه حتى وإن كان الذى يقف هناك هو إنسان ، غير أن الله هو العامل فيه. فلا تنشغل إذن بالإنسان الذى تراه، بل اهتم بأن تعى عمل نعمة الله غير المنظورة . فلا شئ مما يحدث فى هذا الهيكل المقدس هو بشرى ، فلو لم يكن الروح القدس حاضرًا لما تأسست الكنيسة ، وطالما أنه توجد الكنيسة فهذا بفضل حضور الروح القدس.

          وربما يتساءل أحد، لماذا لا تحدث معجزات اليوم ؟ هنا أرجوكم أن تنتبهوا بشدة ، لأنى أسمع عن هذا الأمر من كثيرين وفى كل مكان وباستمرار يطلبون تفسيرًا له. لماذا كان الذين تعمدوا حينذاك يتكلمون بألسنة عديدة والآن لا يحدث نفس هذا الأمر ؟ فلنعرف أولاً ماذا يعنى أنهم كانوا يتكلمون بألسنة وبعد ذلك سنتحدث عن سبب ذلك. ماذا يعنى إذن أنهم كانوا يتكلمون بألسنة غريبة ؟. فالذى تعمد حينذاك كان يتكلم مباشرة بلغات الهنود والمصريين والفرس والعرب وكان الشخص الواحد منهم يتكلم عدة لغات. ولو كان الذين قد تعمدوا اليوم، قد تعمدوا حينذاك لسمعناهم يتكلمون مباشرة لغات مختلفة. لأن بولس يقول إنه تقابل مع جماعة كانوا قد تعمدوا بمعمودية يوحنا فقال لهم ” هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم ؟ فأجابوا : ولا سمعنا أنه يوجد روح قدس ” (أع2:19). فأشار عليهم مباشرة أن يتعمدوا “ ولما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس فطفقوا يتكلمون بألسنة ” (أع6:19).

          فلماذا إذن رُفعت هذه النعمة وغابت من بين البشر ؟ ليس بسبب أن الله لا يُكرّمنا ، بل على العكس لأنه يُكرّمنا جدًا ، كيف ؟ سأقول لكم .

          لقد كانت تصرفات البشر حينذاك أكثر مجونًا إذ كان لم يمض وقتًا طويلاً على تركهم لعبادة الأوثان، بل وكانت أذهانهم أكثر بُعدًا عن فهم الأمور الروحية بل وغير حساسة لما يحدث أمامهم فصاروا مندهشين لما يدور حوله. ولم يكن لديهم أى معرفة عن المواهب الروحية أو حتى عن ماهية النعمة الروحية التى يستطيع المرء بالإيمان فقط أن يدركها، ولهذا حدثت المعجزات. لأنه من بين العطايا، يوجد ما هو غير مرئى ويمكن إدراكه بالإيمان فقط، والبعض الآخر مصحوب بعلامات لكى يراها المؤمنين. وكمثال لما أقصده هو الآتى: غفران الخطايا، هو أمر روحى، هو عطية غير مرئية، إذ أننا لا نرى بعيون الجسد كيف نتطهر من خطايانا. لكن لماذا؟ لأن النفس هى التى تتطهر والنفس لا ترى بعيون الجسد.

          التطهير من الخطايا إذن، هى إحدى العطايا الروحية ولا يمكن رؤيتها بعين الجسد، وأن يتكلم شخص بألسنة غريبة هو بالطبع أيضًا عطية روحية من فعل الروح القدس، ولكنه يُعطى بعلامة حسية يدركها المؤمنين بسهولة . فاللغة لأننا نسمعها ، فهى إظهار ودليل على الطاقة غير المرئية التى تحدث داخل نفوسنا “  لكنه لكل واحد يعطى إظهار الروح للمنفعة ”   (1كو7:12). فأنا إذن لست بحاجة إلى دليل أو علامة، ولماذا؟ لأنى تعلمت أن أؤمن بالرب بدون أن يُعطينى أية آية، لأن ذلك الذى لا يؤمن يحتاج إلى ضمان، أما أنا فلا أحتاج إلى ضمان لأنى أؤمن، ولا حتى إلى علامة، ولكن حتى وإن كنت لا أتكلم بلسان غريب، فأنى أعرف أنى قد تطهرت من الخطية . فهؤلاء الذين تعمدوا حينذاك، لم يكن ليؤمنوا إن لم يكن قد حصلوا على علامة. لهذا فقد أعطاهم آية كضمان للإيمان الذى آمنوا به. وبالتالى فقد أعطاهم آية ليس لأنهم كانوا مؤمنين بل لأنهم كانوا غير مؤمنين ولكى يصيروا مؤمنين، هكذا يقول بولس الرسول ” إذًا الألسنة آية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين ” (1كو22:14). أرأيتم أن توقف الله عن عمل المعجزات هو دليل ليس على عدم تكريم الله لنا بل على تكريمه لنا؟. ولماذا فعل هذا معنا؟ لأنه يريد أن يُظهر إيماننا، إننا نؤمن به بدون ضمانات أو معجزات. إن أولئك الذين تعمدوا حينذاك، لو لم يكن قد حصلوا على بعض الضمانات والإثباتات أولاً، لَما كان فى استطاعتهم أن يؤمنوا بالله بواسطة أمور لا تُرى. أما أنا فبدون هذه الأمور (المرئية) فإنى أؤمن بكل قلبى. وهذا هو السبب إذن فى عدم حدوث معجزات الآن.

          5 ـ أود أن أتكلم أيضًا عن سبب هذا العيد وأن أبيّن بالضبط ما هو عيد الخمسين ولماذا أُعطيت مواهب الروح القدس على هيئة ألسنة نار فى ذلك اليوم، ولماذا كان ذلك بعد صعود المسيح بعشرة أيام .غير أنى أرى إنى أطلت الحديث، ولهذا سأتوقف بعد أن أضيف شيئًا صغيرًا ” ولِمّا حضر يوم الخمسين كان الجميع معًا بنفس واحدة ، وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم ” (أع1:2ـ3). ليست ألسنة من نار، لكن كأنها من نار، لئلا تعتقد أن الروح القدس هو شئ محسوس، مثلما فى نهر الأردن حيث حل، ليس كحمامة، لكن فى شبه حمامة. وهكذا هنا ظهر لا نار (فعلاً) بل فى شبه نار. وأيضًا يذكر سفر الأعمال أنه ” صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة” (أع2:2)، لا يقول إنه هبوب ريح ، بل يقول “ كما من هبوب ريح عاصفة ” .

          وما هو السبب فى أن حزقيال لم يأخذ موهبة النبوة بشكل مماثل وعلى هيئة نار لكن أخذه فى درج (حز9:2)، بينما أخذ الرسل المواهب بواسطة ألسنة كأنها من نار ؟

          بالنسبة لحزقيال، يقول الكتاب إن الله أعطى له درج مكتوب فيه مراثى ونحيب وعويل، وكان مكتوبًا من الداخل ومن قفاه (حز10:2). فأكل حزقيال الدرج فصار فى فمه كالعسل حلاوة (حز3:3). أما عن الرسل فلا يقول هكذا بل يقول “ وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار” . فلأى سبب إذن ظهر هناك درج وهنا ألسنة كأنها من نار ؟ لأن حزقيال كان سيذهب ليرثى خطايا اليهود وينتحب على خرابهم ، أما الرسل فإنهم كانوا سيذهبون فى شتات الأرض ليغفروا خطايا جميع الناس. ولهذا فإن حزقيال قد أخذ درجًا كتب فيه الخراب الذى كان مزمعًا أن يحدث لليهود، أما الرسل فقد أخذوا نارًا ليحرقوا خطايا البشر ويغفروها . لأنه كما أن النار تقع على الأشواك فتمحوها ، هكذا تمحو نعمة الروح القدس خطايا البشر .

          لكن اليهود ، عديمى الإحساس، عندما حدث هذا ، بينما كان عليهم أن يتعجبوا وفى رهبة يسجدون لذلك الذى منح هذه المواهب ، نراهم قد أظهروا مرة أخرى عدم فهمهم متهمين الرسل الذين نالوا بغنى مواهب الروح القدس ، بأنهم سكارى إذ قالوا “ وكانوا آخرون يستهزئون قائلين إنهم قد امتلأوا سلافة ” (أع13:2). لاحظ هنا كيف ينكر البشر المعروف وكيف يقدره الملائكة ، إذ أن الملائكة عندما نظروا باكورتنا[2] وهو صاعد إلى السماء ، فرحوا وقال “ ارتفعن أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد ” (مز8:24). أما البشر فعندما رأوا نعمة الروح القدس وهى تحل علينا قالوا إن هؤلاء الذين تقبلوا هذه النعمة سكارى . بل أن هؤلاء اليهود لم يعرفوا حتى مواسم السنة الزراعية، لأنه من غير الممكن أن يتواجد فى فصل الربيع (وقت الاحتفال بعيد الخمسين حينذاك) هذا النوع من العنب حلو المذاق الذى يصلح لعمل هذا النوع من الخمر .

          لكن لنترك هؤلاء ، ولنفحص نحن عطية الله محب البشر لنا . لقد أخذ المسيح طبيعتنا وأعطانا فى المقابل نعمة الروح القدس. وكما يحدث فى الحرب التى يطول مداها أنه عندما تتوقف المعارك ويحل السلام، فإن الأعداء يتبادلون الضمانات والأسرى، هكذا صار بين الله والبشر، فلقد أصعد المسيح باكورة طبيعتنا إلى السماء، إلى الله كعربون وضمان، وأرسل لنا الله الروح القدس كضامن. وما يبين أن ما لدينا هو عهد وضمان ما يأتى. المتعهد والضامن لابد أن يكونا من جنس ملوكى . ولهذا أرسل الروح القدس إذ هو من جوهر ملوكى فائق ، وأيضًا ما قُدم من جهتنا كان من جنس ملوكى ، إذ كان من نسل داود ولهذا فنحن لا نخاف بعد ، طالما أن باكورتنا هى فى السماء . وحتى إن هددنى شخص بالعذاب الأبدى وبالنار التى لا تُطفأ أو بأى عقاب آخر ، فلن أخاف إذن . أو بالحرى سأخاف غير أنى لن أكون يائسًا من خلاصى . لأنه لو كان الله لم يَرِد خيرات عظيمة للإنسان ، لما كان قد قَبِلَ باكورتنا فى السماء .

          فقبل ذلك ـ عندما كنا نتطلع إلى السماء ونفكر فى القوات السمائية غير المتجسدة، كنا نتأكد بالأكثرـ بالمقارنة مع هذه القوات ـ من ضعفنا. أما الآن، فعندما نريد أن نرى ما صار لنا من كرامة فإننا نتطلع عاليًا نحو السماء إلى عرش الله نفسه لأن هناك تجلس باكورتنا. وهكذا سيأتى ابن الله من السماء ليديننا. فلنستعد إذن لكى لا نخسر ذلك المجد لأن سيدنا قادم بالتأكيد ولن يتأخر . سيأتى ومعه قوات وطغمات الملائكة وأرباب ورؤساء ملائكة ، وأجيال الشهداء وجماعات الأتقياء ، وكثير من الأنبياء والرسل ووسط هذه الكوكبة سيظهر الملك بمجد لا يُوصف ولا يُعبر عنه .

          6 ـ لنفعل إذن كل ما فى جهدنا لكى لا نخسر ذلك المجد . أتريدون أن أقول لكم عن الأشياء المخيفة أيضًا ؟ لا لكى أحزنكم بل لكى أًصلِحَكم . حينذاك سوف يجرى نهر من نار قدامه (دانيال10:7) وسوف تُفتح الأسفار. وستكون محاكمة رهيبة . فكما فى المحكمة تُقرأ عرائض تخص أعمالنا، وهكذا يتكلم الأنبياء عن هذه الأسفار . فيقول موسى ” والآن إن غفرت خطيتهم . وإلاّ فامحنى من كتابك الذى كتبت ” (خر32:32). كما أن السيد المسيح قال لتلاميذه ” لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم بل افرحوا بالحرى أن أسماءكم كُتبت فى السموات ” (لو20:10) وداود أيضًا كتب قائلاً ” رأت عيناك أعضائى وفى سفرك كلها كتبت ” (مز16:138). وأيضًا قال “ليُمحو من سفر الأحياء ومع الصديقين لا يُكتبوا” (مز29:69).

          أترى أن البعض تُكتب أسمائهم والبعض تمحى أسمائهم ؟ أتريد أن تعلم أنه ليس فقط أسماء الأبرار هى التى تُكتب فى هذه الأسفار بل وأيضًا خطايانا؟

اليوم عيد واليوم نتعلم أمورًا تقدر أن تنجينا من الهلاك . الكلمات مرعبة لكنها مفيدة ونافعة ، إذ هى قادرة أن تنقذنا من التهاون فى حياتنا الروحية. ولنعلم إذن أن خطايانا تُسجل ، وأيضًا ما نقوله هنا فى الحال يُكتب هناك . لكن من أين عرفنا هذا ؟ لأنه ليس من اللائق أن نتكلم باستخفاف فى أمور هكذا . يقول ملاخى لليهود ” لقد أتعبتم الرب بكلامكم” وبأى طريقة ؟ يقول “بقولكم كل من يفعل الشر فهو صالح فى عينى الرب” (ملاخى17:2). هذه الكلمات هى أقوال عبيد ينكرون المعروف ومع هذا فقد قبلهم الله إذ يقول الكتاب إنه قَبِل هؤلاء الذين لم يخدموه بل قالوا عنه ” عبادة الله باطلة وما المنفعة من أننا حفظنا شعائره وأننا سلكنا بالحزن قدام رب الجنود والآن نحن مطوبون المستكبرين ” (ملاخى14:3ـ15)، أى يقولون إنهم طوال النهار يعملون وآخرين يتمتعون بالخيرات . مثل هذه الأقوال يرددها العبيد دائمًا أمام سادتهم . وأن يقولها إنسان لإنسان آخر مثله ، فهذا أمر ليس بهذه الخطورة ، أما أن يقول شخص مثل هذه الكلمات لرب الكون كله ـ الذى هو رحيم ومحب البشر ـ فهذا أمر خطير فعلاً ويفوق كل حكم ويستحق أشد العقاب. لكن لنعلم أن هذه الأقوال تُدون ، أسمع ما يقوله النبى “والرب أصغى وسمع وكتب أمامه سفر تذكرة للذين اتقوا الرب وللمفكرين في اسمه” (ملاخى16:3). وهذه الأقوال تُدون، لا لأن الله سيذكّرنا باليوم الذى قلناها فيه لكن لكى يحضر لنا السفر كشهادة علينا لإدانتنا .

          ربما أكون قد أثرت مشاعر الخوف فى نفوسكم ، وليس فقط نفوسكم بل بالحرى فى نفسى أنا أولاً أيضًا. وهيا لأختم عظتى، بل بالحرى لأوقف الخوف، والأفضل من ذلك، أنى لا أوقف الخوف فقط، بل أتكلم بكلمات معزية لنفوسكم. لأنه حتى إن بقى الخوف، فليبق ليطهر ولينقى نفوسنا، ولنجعله أكثر احتمالاً. فكيف سنستطيع إذن أن نحدّ من هذا الخوف؟ إن نحن بيّنا أن الخطايا لا تُدون فقط لكنها أيضًا تُمحى. ففى المحاكم هنا تدون الأقوال التى يُدان بها المتهم، فى صحائف فورًا، ولا يمكن أن تُمحى هذه الأقوال بعد ذلك . أما فى ذلك السفر حتى وإن فعلت بعض الشرور وأردت أن تمحى فإنها تُمحى .

          ومن أين نعرف هذا ؟ من الكتاب المقدس إذ يقول ” استر وجهك عن خطاياى وامح كل آثامى ” (مز9:51). ولن يستطيع شخص أن يمحو شيئًا لم يُكتب وبالتالى إذا كانت هذه الآثام قد دونت، فالآن هو يصلى أن تُمحى.

          وشخص آخر يعلّم كيف تُمحى هذه الآثام فيقول ” بالرحمة والحق يستر الإثم ” (أم6:16). فهى لا تُشطب فقط بل تُمحى تمامًا حتى أنه لا يتبقى لها أثر. وليست الخطايا التى عملناها بعد المعمودية فقط هى التى تُمحى ؛ بل والتى عُملت قبلها أيضًا . فكل الخطايا قد مُحيت بمياه المعمودية وبصليب المسيح. تمامًا كما يقول الرسول بولس ” إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدًا لنا وقد رفعه من الوسط مسمرًا إياه بالصليب ” (كو14:2). أرأيت كيف أن ذلك الصك قد مُحى ولم يُمح فقط بل قد تمزق إذ مزقته مسامير الصليب ، فأصبح بلا قيمة .

          فتلك الخطايا قد انمحت كلها بنعمة وقوة المسيح الذى صُلب عنا لأجل محبته لنا، أما خطايانا نحن بعد المعمودية فإنها تحتاج إلى جهاد عظيم لكى نتطهر منها، وإذ لا توجد معمودية ثانية، بل يتم ذلك بدموعنا، بتوبتنا، بأعمال الرحمة، بالصلاة وبكل سبل التقوى. وهكذا فبعد المعمودية تتنقى الخطايا بكثير من الجهد وبكثير من التعب. فلنحاول إذن بكل طريقة أن نتطهر منها فى هذه الحياة (هنا) حتى نفلت من الخجل والعقاب فى الدهر الآتى (هناك). لأنه وحتى إن كنا قد فعلنا خطايا لا تحصى، فإننا إن أردنا، نستطيع أن نلقى عنا كل حمل هذه الخطايا . فلتكن لنا هذه الإرادة إذن، لأنه من الأفضل جدًا أن نتعب قليلاً هنا وأن نعتق من العقاب الشديد بدلاً من أن نهمل أثناء فترة حياتنا القصيرة ونعبر إلى ذلك العقاب الأبدى .

          7 ـ والآن قد حان الوقت لنلخص ما قلناه: نلوم هؤلاء الذين يأتون إلى هنا مرة واحدة فى السنة (فى العيد) لأنهم يقبلون أن يعّروا أمهم (الكنيسة). وذكّرناهم بحدث قديم، ببركة ولعنة. تحدثنا عن أعياد اليهود ولماذا أعطاهم الرب وصية أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات فقط فى العام . وقلنا أن أعياد الخمسين والقيامة والظهور الإلهى هى أعياد دائمة . وشرحنا كيف أن العيد يُحتفل به بقلب نقى وليس بتحديدات زمنية .

          وبعد ذلك كان حديثنا عن العطايا التى أتت إلينا من السماء وبيّنا أنها دليل على المصالحة بين الله والإنسان . وأثبتنا أن الروح القدس هو العامل فى غفران الخطايا، فى جوابنا على قول الكاهن فى الصلاة ” السلام لجميعكم “، وفى كلام الحكمة (الإلهية) ، فى معرفتنا (لله) ، فى السيامات ، وفى الذبيحة السرائرية . وقلنا إن المسيح كباكورة لنا هو عربون، والروح القدس هو ضمان . ثم ذكرنا الأسباب التى من أجلها لا تحدث معجزات الآن . وبعد ذلك ذكّرناكم بالدينونة وبالأسفار التى ستُفتح وأن كل خطايانا تُدون ، كما بيّنا أنه لو أردنا فإن هذه الخطايا يمكن أن تُمحى أيضًا .

          فلتتذكروا كل هذا إذن ، وإن كان من الصعب تذكرها جميعًا ، فعلى الأقل فلتتذكروا الكلام عن تلك الأسفار (التى تُدون  فيها الخطايا). وبكل ما سوف تجيبون به وكأنكم أما شخص يدون ما تقولونه ، لذلك فليكن كلامكم بحذر ولتذكروا دائمًا ما قد قيل. حتى أن من كانت أسمائهم مسجلة فى سفر الأبرار يجاهدون بالأكثر، ومن كانت لديهم خطايا مدونة عليهم، يتطهرون منها هنا على الأرض بدون أن يعرف أحد ، حتى يتجنبوا التشهير بهم فى يوم الدينونة. لأنه، وحسبما بيّنا أنه من الممكن حقيقة أن نمحو بالصلاة والتقوى والجهاد كل الخطايا المدونة علينا .

          ولنهتم كل لحظة لكى نستطيع الحصول على الغفران الآن حتى أننا عندما نذهب إلى الحياة الأخرى، نتجنب كلنا العقاب الشديد ، ولنأمل أن نكون مستحقين لملكوت السموات بنعمة ربنا يسوع المسيح ومحبته للبشر الذى له المجد والقوة مع الآب والروح القدس ، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور . آمين.

 

3  ويقصد به الأسقف فلافيوس ، أسقف مدينة إنطاكية.

4 ويقصد الطبيعة البشرية فى شخص المسيح. أنظر القداس الغريغورى “أصعدت باكورتى إلى السماء ” .

 

عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

الجزء الثاني: عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

عيد الخمسين

عظة فى “عيد حلول الروح القدس”

للقديس يوحنا ذهبى الفم

ترجمها عن اليونانية د. جوزيف موريس فلتس

مقدمة

 

          ألقى القديس يوحنا ذهبى الفم عظتين عن عيد الخمسين فى إنطاكية ، وغير معروف بالضبط زمن إلقاء هاتين العظتين. ربما تكون قد أُلقيت بعد عام 386م حيث كان ذهبى الفم قد سيم كاهنًا وذلك لأنه يشير إلى حضور الأسقف فلافيوس أسقف إنطاكية وسماعه للعظة . ويمكن أيضًا افتراض أن العظتين قد أُلقيتا فى عيدين متتاليين أو ربما يكون الفارق الزمنى بينهما ليس كبيرًا .

          المحور الأساسى للعظتين هو حلول الروح القدس . غير أن ذهبى الفم لم يتناول هذا الموضوع بالطريقة نفسها فى العظتين مستخدمًا آيات مختلفة فى كل عظة من العظتين ليدلل على رأيه . ففى العظة الأولى يشرح لماذا لا تحدث معجزات الآن، كيف أن الخطايا تُدون فى كتاب. وفى الثانية يركز على ثمار الروح القدس ويحارب بدعة “مقاومى الروح” والمقدونيين الذين أنكروا ألوهية الروح القدس حاسبين إياه من المخلوقات.

          النص اليونانى للعظتين موجود فى سلسلة مجموعة النصوص اليونانية، باترولوجيا مينى الجزء الخمسين PG. 50, 453-470. وننشر هنا ترجمة للعظة الأولى منهما. ترجم هذه العظة عن اليونانية دكتور جوزيف موريس فلتس الباحث بالمركز.

                   ولإلهنا المحب الآب والابن والروح القدس الثالوث المساوى كل مجد وسجود وتسبيح الآن وإلى دهر الدهور . آمين .

الأحد الخامس من الخمسين المقدسة

المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية بالقاهرة

 

عيد الخمسين

عظة عن

عيد حلول الروح القدس

للقديس يوحنا ذهبى الفم

 

          1 ـ مرة أخرى نعيّد ، مرة أخرى نحتفل ، والكنيسة ، تلك الأم المحبة جدًا ـ كثيرة الأولاد ـ تفتخر بكل هذا العدد من أولادها . ولكن ما فائدة تلك المحبة، إذا كانت لا ترى الأوجه المحببة لأولادها باستمرار، بل تراها فى الأعياد فقط، مثل من يملك ثوبًا رائعًا ولكن لا يسمحون له بارتدائه باستمرار؟ لأن ثوب الكنيسة هو هذا الجمع الذى يأتى إلى الكنيسة، كما يقول النبى بالوحى الإلهى : ” إنك تلبسين كلهم كحلى وتتنطقين بهم كعروس” (إش18:49).

          وبالضبط كما أن المرأة العاقلة والحرة داخليًا تظهر أكثر احترامًا وأكثر احتشامًا عندما ترتدى الملابس الطويلة حتى أقدامها، هكذا فالكنيسة تبدو اليوم أكثر بهجة لأنها محاطة بالعدد الغفير من أجسامنا وردائها طويل، ولا يمكن أن ترى اليوم جزءً منها عاريًا (خاليًا منا)[1] كما فى الأيام السابقة، حيث كان الذين حضروا اليوم فقط سببًا فى عرى الكنيسة بالأمس، هؤلاء الذين لا يهتموا بالأمر . ولكى نعرف أنه ليس بالخطر البسيط أن تُترك الأم عارية، علينا أن نتذكر قصة قديمة . لنتذكر ذلك الذى نظر والده عاريًا وعُوقب من أجل هذا فقط (تك20:9ـ27) ومع أنه لم يكن هو الذى عرى أبيه بل فقط نظره وهو عارى فإنه مع ذلك لم يُعف من العقاب . لكن الذين أتوا اليوم فقط ولم يأتوا فى الأيام السابقة لم ينظروا الأم عارية، لكنهم هم الذين عروها . فإن كان ذاك الذى نظر العرى فقط لم يفلت من العقاب، فكيف يُصفح عن هؤلاء الذين كانوا سببًا فى العرى .

          وما أقوله هذا لا أريد به أن أوبخكم بل أريد أن أجنبكم العقوبة، لكى تتجنبوا لعنة “حام”، ولنتمثل بمحبة “سام” و”يافث” ونوقر نحن أيضًا أمنا دائمًا.

          إن التقاليد اليهودية كانت تحتم علي الشعب اليهودى أن يظهروا أمام الله ثلاث مرات فى السنة. فقد قال لهم الرب ” ثلاث مرات فى السنة يظهر جميع ذكورك أمام السيد الرب ” (خر7:23).

          أما نحن فالرب يريدنا أن نظهر أمامه دائمًا. فهؤلاء كانوا يجتمعون ثلاث مرات فقط بسبب بُعد المسافات إذ أن عبادة الله حينذاك كانت محدودة فى موضع معين ، ولهذا كان ظهورهم أمام الله قليلاً ، لأنه كان من الضرورى أن يحجوا لأورشليم وليس لموضع آخر . ولهذا فقد أعطاهم وصية أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات فى السنة ، وكان لديهم عذر بًعد المسافات . الأمر الذى لا نعانى نحن منه . فقد كانوا مشتتين فى كل أرجاء الأرض إذ يقول ” وكان يهود رجال أتقياء من كل أمة تحت السماء ساكنين أورشليم ” (أع5:2).

          أما نحن ، وإن كنا لا نقطن كلنا فى مدينة واحدة ، إلاّ أنه تجمعنا أسوار واحدة وفى كثير من الأحيان لا يفصلنا عن الكنيسة ولا حتى شارع ضيق ، ومع ذلك فنحن نأتى إلى هذا الاجتماع المقدس مرات قليلة مثل هؤلاء الذين كانت تفصلهم بحار.

          لهؤلاء أعطى الرب وصية أن يظهروا أمامه ثلاث مرات فى السنة، أما لنا نحن فقد أوصانا أن نعيّد دائمًا، لأن لدينا عيد دائم ولكى تعلموا أن لدينا عيد دائم سأقول لكم عن موضوع كل عيد وستعرفون أن كل يوم هو عيد عندنا .

          عيدنا الأول هو عيد الأبيفانيا: فما هو موضوع هذا العيد ؟ يقول باروخ النبى: ” وبعد ذلك تراءى على الأرض ومشى بين الناس ” (باروخ38:3)، لأن ابن الله الوحيد هو معنا وإلى الأبد لأنه يقول ” انظروا هاأنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت20:28) ، ولهذا فمن الممكن أن نعيّد الثيوفانيا (عيد الظهور الإلهى) كل الأيام .

          ولأى سبب نحتفل بالبصخة ؟ (عيد القيامة) وما الداعى لهذا العيد ؟ ،

          فى ذلك العيد نبشر الكل بموت الرب ، وهذا هو معنى البصخة، إلاّ أنه ولا حتى هذا نفعله فى وقت معين.

          والرسول بولس يريد أن يعفينا من التقيد بالتحديدات الزمنية، ولكى يبرهن لنا على أنه يمكننا أن نحتفل دائمًا بالبصخة فإنه يكتب قائلاً ” لأنه فى كل مرة تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس تبشرون بموت الرب ” (1كو26:11).

          فطالما نستطيع دائمًا أن نبشر علنًا بموت الرب ، فإننا نستطيع دائمًا أن نحتفل بالبصخة (بعيد القيامة).

          أتريدون أن تعلموا أنه يمكن الاحتفال كل يوم بالعيد الذى نعيّد له فى هذا اليوم؟ لنرى سبب هذا العيد ودواعى احتفالنا به : نحتفل بهذا العيد لأن الروح القدس قد أتى إلينا ، لأنه كما أن ابن الله الوحيد هو مع المؤمنين ، هكذا فإن الروح القدس هو أيضًا بالتمام معكم . ومن أين نعرف هذا ؟ يقول السيد المسيح إن “من يحبنى“، ويكمل قائلاً “سيحفظ وصاياى وأنا سأطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد ” (يو15:14ـ 17). كما قال السيد المسيح عن نفسه ” إنى سأمكث معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” ولهذا نستطيع أن نعيّد لعيد الظهور الإلهى[2]، هكذا قال عن الروح القدس إنه معكم إلى انقضاء الدهر ولهذا نستطيع أن نعيّد دائمًا عيد الخمسين .

          2 ـ أرأيت أنه لم يقيدك بوقت معين، لكنه يشجعك على أن يكون لك خمير نقى ؟

          وأريد أن أخصص كل عظتى لهذا الأمر لأن أولئك الذين يقبضون على آخرين بعد جهد كبير لا يخلون سبيلهم بسهولة. ولأنى أمسكتكم فى شباكى بعد زمن طويل ، أنتم الذين جئتم إلى هنا بعد غياب ، فإنى لا أريد أن أترككم اليوم . ولكى لا تمضوا بدون أن تسمعوا شيئًا عن هذا العيد ، فإنى سأخصص حديثى الآن عن سبب هذا العيد .

          لقد أُعطى الجنس البشرى كله خيرات كثيرة من السماء ولمرات عديدة، أما مثل خيرات هذا العيد فلم يُعطَ أبدًا قبل هذا اليوم .

          اعلموا إذن ما هى الخيرات السابقة وما هى خيرات اليوم لتعرفوا الفرق بينهما. يقول المزمور ” وأمطر عليكم منًا للأكل ، وبَرُّ السماء أعطاهم ” (مز24:78).

          إذن فقد أكل الإنسان خبز الملائكة. إن هذا الأمر عظيم وجدير بمحبة الله للبشر. ثم بعد هذا أرسل نارًا وأعاد شعب إسرائيل إلى طريق الرب بعد أن كانوا قد ابتعدوا عنه ، ثم أصعد ذبيحتهم من على المذبح. ثم سقط المطر مرة أخرى عندما كادوا يهلكون من الجوع وجعل حصاد ذلك العام وفيرًا .

          عظيمة هى هذه المعجزات ، لكن أعظم منها هى معجزات اليوم . لأن اليوم لم يسقط مَنّ ولا نار ولا مطر من السماء، لكن هطلت بركات روحية غزيرة. سقط من السماء مطر لا لكى يجعل الأرض تفيض بالأثمار، بل لكى يقنع الجنس البشرى فيقدم ثمار الفضيلة لفلاّح البشرية (المسيح). وهؤلاء الذين تقبلوا قطرة من هذا المطر السماوى، أنكروا ذواتهم على الفور ، وفجأة امتلأت الأرض كلها بملائكة، ملائكة ليست سماوية لكن مظهرين بأعمال أجسادهم البشرية فضائل القوات غير المتجسدة. لأن الملائكة لم تهبط من السماء، لكن الأمر الأكثر عجبًا هو أن البشر قد صعدوا إلى مرتبة فضائل الملائكة . وأعنى أنهم لم يتجولوا كنفوس مجردة عارية ، بسبب إهمالهم الاهتمام بأجسادهم، لكنهم وهم فى الجسد صاروا ملائكة فى الفضيلة .

          ولكى تعلم أن العقاب الأول (لآدم) لم يكن عقابًا، أى عندما قال الله “أنت تراب وإلى التراب تعود ” (تك19:3) فقد تركك لتبقى على الأرض، لكى تظهر بالأكثر قوة الروح القدس، وذلك حينما يصل هذا الجسد الترابى إلى مثل تلك الإنجازات (الروحية). (إذًا بواسطة عمل الروح القدس فى الإنسان) أمكن للمرء أن يرى لغة تخرج (من فم) ترابى وتقدر أن تشفى المرض، وأكثر من هذا، فإنه لم تُرَ اليد فقط، لكن أشياء أكثر أعجازًا ، فظلال الأجساد الذى هى من طين أمكنها أن تنتصر على الموت وعلى قوات الشر غير المتجسدة ، وأعنى الشياطين .

          لأنه كما ينقشع الظلام بشروق الشمس وكما تختبئ الوحوش الكاسرة داخل جحورها وكما يهرب القتلة واللصوص ونباّش القبور إلى قمم الجبال، هكذا عندما بدأ بطرس الرسول كلامه، انقشع ظلام الضلالة وهرب الشيطان، وفرت قوات الشر واختفت الأمراض الجسدانية، وشُفيت النفوس المريضة، وتلاشت كل الشرور وعادت الفضيلة إلى الأرض .

          وكما أنه إن استطاع أحد العاملين بالخزائن الملّكية التى تحوى الذهب والأحجار الكريمة أن يحصل بموافقة المختصين على إحدى هذه الجواهر أو الأحجار حتى ولو كانت صغيرة، فإنه يصير غنيًا جدًا. هكذا صار أيضًا للكلمات التى خرجت من أفواه الرسل، إذ أن أفواههم كانت خزائن ملكية حُفظ فى داخلها كنز شفى أمراضًا كثيرة . وكل كلمة خرجت كانت سببًا فى ثراء روحى كبير .

          فقد كان ممكنًا حينذاك أن يرى المرء بالفعل أن كلمات الرب كانت تمثل مشتهى كثيرين أكثر من الذهب والأحجار الكريمة . إذ أن الأمر الذى استعصى تنفيذه بواسطة الذهب والأحجار الكريمة تحقق بكلام بطرس الرسول . فبالفعل كم هى عدد الدراهم التى كان يمكن أن تشفى ذلك الذى كان مقعدًا منذ ولادته ؟ لكن استطاعت كلمات بطرس أن  تقيمه من عجزه الطبيعى هذا . فقد قال له “ باسم يسوع المسيح قم وامش ” (أع6:3) وقوله تحقق فى الحال .

أرأيت كيف أن كلمة الرب هى مشتهاة أكثر من الذهب والأحجار الكريمة؟ أرأيت كيف أن أفواه الرسل كانت خزائن ملكية .

بالفعل كان الرسل أطباء ، وزرّاع ، وربانية سفن ؛

كانوا أطباء ، لأنهم شفوا مرضى ،

وزرّاع ، لأنهم بذروا كلمة التقوى ،

وربانية ، لأنهم أسكتوا نوات الضلال .

          ولهذا فقد قال لهم الرب مرة ” أذهبوا واشفوا المرضى ” (مت8:15). كما لو أنه يتحدث إلى أطباء ،

          ومرة أخرى قال لهم ” أرسلكم الآن لتحصدوا ما لم تتعبوا فى غرسه ” (يو38:4)، كما لو كان يتكلم مع زرّاع ،

          وفى موضع آخر قال لهم ” سأجعلكم صيادى الناس ” (مت19:4) ، وقال لبطرس ” لا تخف ، من الآن تكون تصطاد الناس ” (لو10:5) وكأنه يتحدث إلى ربانية سفن وصيادين . وهكذا فقد كان من الممكن أن يرى المرء معجزة تلى معجزة .

          لقد صعدت الطبيعة البشرية قبل عشرة أيام إلى عرش الله الملوكى واليوم حلّ الروح القدس عليها. لقد أصعد الرب باكورتنا وأرسل لنا الروح القدس . والروح أيضًا هو رب ، وهو واهب هذه العطايا . فهو والآب والابن يدبرون كل احتياجاتنا .

          فقبل عشرة أيام صعد المسيح إلى السماء ، وأرسل لنا مواهب روحية ، وعطايا هذه المصالحة . ولكى لا يشك أحد إذن ، أو يتساءل : ” ماذا فعل المسيح عندما صعد إلى السماء، هل صالحنا مع الآب ؟ هل جعل الآب يسامحنا ؟ ولكى يُظهر لنا أنه قد صالح الجنس البشرى بالآب ، فقد أرسل لنا مباشرة عطايا هذه المصالحة، لأنه عندما يتصالح الأعداء ، فإنهم حالاً ما يتبادلون كلمات الأمنيات الطيبة والولائم والهدايا .

لقد قدمنا نحن إيماننا، وأخذنا عطايا سماوية، قدمنا طاعة، وأخذنا تبريرًا.

 

          3 ـ ولكى تعلموا أننا أخذنا الروح القدس كعطية تصالح الله معنا. سأحاول أن أقنعكم من الكتاب المقدس. وسأبدأ أولاً بمحاولة إثبات العكس وإثبات أن الله لا يرسل نعمة الروح القدس إذا كان غاضبًا منا ، لكيما إذا اقتنعت بأن غياب الروح القدس هو دليل غضب الله ، تتأكد أن إرساله مرة أخرى هو دليل المصالحة ، لأنه لو لم تكن المصالحة قد تمت لَما أرسل الروح القدس . من أين لنا أن نعرف ذلك ؟

          كان عالى (الكاهن) إنسانًا متقدمًا فى السن وكان صالحًا وتقيًا فى كل شئ، غير أنه لم يكن يعرف كيف يُصلح أخطاء أولاده، إذ كان يحبهم بطريقة مبالغ فيها، واسمعوا أنتم يا من لديكم أبناء، وليكن لديكم المعايير المناسبة فى محبتكم لأولادكم (حتى لا تفسدوهم) وليكون الاحترام قائم بينكم.

          لقد أثار عالى ، بفعله هذا ، غضب الله جدًا إلى الحد الذى جعل الله يصرف وجهه عن كل جنس عالى الكاهن. ولكى يُظهر كاتب السفر موقف الله الغاضب قال “ وكانت كلمة الرب عزيزة فى تلك الأيام لم تكن رؤيا كثيرًا ” (1صم1:3)، ومعنى أن الكلام عزيز هو ندرته، إذ بقوله هذا أوضح أن النبوات كانت نادرة . وشخص آخر كان يبكى وينتحب لأجل غضب الله ” ليس لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبي ولا قائد ولا محرقة ولا ذبيحة ولا تقدمة ولا بخور ولا موضع لتقريب البواكير أمامك ”      (دا38:3)، والإنجيلى يقول أيضًا “ لأن الروح لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد” (يو39:7). بمعنى أنه لم يكن ” قد صُلب ” بعد، فإن الروح لم يكن قد أُعطى بعد للبشر وذلك لأن ” قد صُلب ” معناها ” قد مُجد” ورغم أن عملية الصلب بطبيعتها عملية مهينة ، لكن لأنها تمت لأجل من أحبهم ، فلهذا يدعوها المسيح ” مجد “. لكن ما هو السبب فى أن الروح القدس لم يُعط قبل الصلب ؟ لأن البشرية كانت تعيش فى الخطية وفى العثرات، وفى البغضة والضلال، إذ أن الحمل الذى حمل خطايا العالم، لم يكن قد قُدم ذبيحة بعد. المسيح لم يكن قد صُلب، لذلك لم تكن هناك مصالحة، وبما أنه لم تكن هناك مصالحة ، كان من المناسب عدم إرسال الروح القدس. وبالتالى، بما أنه أرسل الروح القدس فهذا يعنى أن المصالحة قد تمت. ولهذا قال السيد المسيح ” إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ” (يو7:16). إن لم أنطلق ـ يقول ـ لا تتم المصالحة مع الآب ، ولذلك لن أرسل لكم المعزى .

          أرأيتم بكم من البراهين أشرنا إلى أن غياب الروح القدس من بين البشر كان علامة على غضب الله ؟ ” كانت كلمة الرب عزيزة ، ولم تكن رؤيا كثيرًا “، ” ليس لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبي ولا قائد ولا محرقة ولا ذبيحة ولا تقدمة ولا بخور ولا موضع لتقريب البواكير أمامك“، لماذا “لأن الروح لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد “. ” خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى“. وعندما ترى أن الروح القدس يأتى بغنى فلا تشك إطلاقًا فى أن هذه المصالحة قد تمت.

          ويمكن أن يسأل أحد : أين هو الروح القدس الآن؟. لأنه عندما كانت تحدث المعجزات، ويقوم الأموات ، ويتطهر البرّص، كان يمكن التحدث عن عمل الروح القدس ، أما الآن كيف نثبت أن الروح القدس معنا؟ لا تخافوا لأنى سأبين لكم كيف أن الروح القدس معنا الآن . كيف وبأى طريقة ؟ إن لم يكن الروح القدس معنا الآن بالفعل ، كيف يتطهر الذين تعمدوا من خطاياهم فى تلك الليلة المقدسة لأنه لا يقدر أحد أن يتخلص من خطاياه بدون فعل الروح القدس .

          واسمعوا الرسول بولس الذى يقول ” لأننا نحن أيضًا كنا أغنياء وغير طائعين ضالين مستعبدين لشهوات ولذّات مختلفة عائشين فى الخبث والحسد ممقوتين مبغضين بعضنا بعضًا، ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه لا بأعمال في بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس ” (تيطس3:3ـ5). وفى موضع آخر يقول ” لا تضلوا لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مابونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله ” (1كو9:6ـ10) ، أرأيت كل هذه الشرور “وهكذا كان أناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع و بروح إلهنا ” (1كو11:6).

          كيف تم هذا ؟ هذا ما نريد أن نعرفه . هل غُفرت الخطايا بعمل الروح القدس ؟ فلنسمع ” لكن اغتسلتم بل وتقدستم لأنكم اعتمدتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا“. أرأيت إذن أن الروح القدس يمحو كل هذه الخطايا؟

 

1  بسبب كثرة عدد المؤمنين المتواجدين بالكنيسة.

2  يقصد به عيد الميلاد .

 

عيد الخمسين – عيد حلول الروح القدس ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

عيد حلول الروح القدس العظة الأولى ليوحنا ذهبي الفم

عيد حلول الروح القدس العظة الأولى ليوحنا ذهبي الفم

عيد حلول الروح القدس العظة الأولى ليوحنا ذهبي الفم

1 ـ مرة أخرى نعيّد، مرة أخرى نحتفل، والكنيسة، تلك الأم المحبة جدًا ـ كثيرة الأولاد ـ تفتخر بكل هذا العدد من أولادها. ولكن ما فائدة تلك المحبة، إذا كانت لا ترى الأوجه المحببة لأولادها باستمرار، بل تراها في الأعياد فقط، مثل من يملك ثوبًا رائعًا ولكن لا يسمحون له بارتدائه باستمرار؟ لأن ثوب الكنيسة هو هذا الجمع الذي يأتي إلى الكنيسة، كما يقول النبي بالوحى الإلهي:” إنك تلبسين كلهم كحلى وتتنطقين بهم كعروس” (إش18:49).

وبالضبط كما أن المرأة العاقلة والحرة داخليًا تظهر أكثر احترامًا وأكثر احتشامًا عندما ترتدى الملابس الطويلة حتى قدميها، هكذا فالكنيسة تبدو اليوم أكثر بهجة لأنها محاطة بالعدد الغفير من أجسامنا ورداؤها طويل، ولا يمكن أن ترى اليوم جزءً منها عاريًا (خاليًا منا) [1] كما في الأيام السابقة، حيث كان الذين حضروا اليوم فقط سببًا في عرى الكنيسة بالأمس، هؤلاء الذين لا يهتموا بالأمر. ولكي نعرف أنه ليس بالخطر البسيط أن تُترك الأم عارية، علينا أن نتذكر قصة قديمة. لنتذكر ذلك الذي نظر والده عاريًا وعُوقب من أجل هذا فقط (تك20:9ـ27) ومع أنه لم يكن هو الذي عرى أبيه بل فقط نظره وهو عارٍ فإنه مع ذلك لم يُعف من العقاب. لكن الذين أتوا اليوم فقط ولم يأتوا في الأيام السابقة لم ينظروا الأم عارية، لكنهم هم الذين عروها. فإن كان ذاك الذي نظر العرى فقط لم يفلت من العقاب، فكيف يُصفح عن هؤلاء الذين كانوا سببًا في العرى.

وما أقوله هنا لا أريد به أن أوبخكم بل أريد أن أجنبكم العقوبة، لكي تتجنبوا لعنة “حام”، ولنتمثل بمحبة “سام” و”يافث” ونوقر نحن أيضًا أمنا دائمًا.

إن التقاليد اليهودية كانت تحتم على الشعب اليهودي أن يظهروا أمام الله ثلاث مرات في السنة. فقد قال لهم الرب” ثلاث مرات في السنة يظهر جميع ذكورك أمام السيد الرب” (خر7:23).

أما نحن فالرب يريدنا أن نظهر أمامه دائمًا. فهؤلاء كانوا يجتمعون ثلاث مرات فقط بسبب بُعد المسافات إذ أن عبادة الله حينذاك كانت محدودة في موضع معين، ولهذا كان ظهورهم أمام الله قليلاً، لأنه كان من الضروري أن يحجوا لأورشليم وليس لموضع آخر. ولهذا فقد أعطاهم وصية أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات في السنة، وكان بُعد المسافات عذرًا معقولاً بالنسبة لهم. الأمر الذي لا نعانى نحن منه. فقد كانوا مشتتين في كل أرجاء الأرض إذ يقول” وكان يهود رجال أتقياء من كل أمة تحت السماء ساكنين أورشليم” (أع5:2).

أما نحن، وإن كنا لا نقطن كلنا في مدينة واحدة، إلاّ أنه تجمعنا أسوار واحدة وفى كثير من الأحيان لا يفصلنا عن الكنيسة ولا حتى شارع ضيق، ومع ذلك فنحن نأتي إلى هذا الاجتماع المقدس مرات قليلة مثل هؤلاء الذين كانت تفصلهم بحار.

لهؤلاء أعطى الرب وصية أن يظهروا أمامه ثلاث مرات في السنة، أما لنا نحن فقد أوصانا أن نعيّد دائمًا، لأن لدينا عيدًا دائمًا ولكي تعلموا أن لدينا عيدًا دائمًا سأقول لكم عن موضوع كل عيد وستعرفون أن كل يوم هو عيد عندنا.

عيدنا الأول هو عيد الأبيفانيا: فما هو موضوع هذا العيد؟ يقول باروخ النبى:” وبعد ذلك تراءى على الأرض ومشى بين الناس” (باروخ38:3)، لأن ابن الله الوحيد هو معنا وإلى الأبد لأنه يقول” انظروا هاأنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت20:28)، ولهذا فمن الممكن أن نعيّد الثيوفانيا (عيد الظهور الإلهي) كل الأيام.

ولأي سبب نحتفل بالبصخة؟ (عيد القيامة) وما الداعى لهذا العيد؟،

فى ذلك العيد نبشر الكل بموت الرب، وهذا هو معنى البصخة، إلاّ أنه ولا حتى هذا نفعله في وقت معين.

والرسول بولس يريد أن يعفينا من التقيد بالتحديدات الزمنية، ولكي يبرهن لنا على أنه يمكننا أن نحتفل دائمًا بالبصخة فإنه يكتب قائلاً” لأنه في كل مرة تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس تبشرون بموت الرب” (1كو26:11).

فطالما نستطيع دائمًا أن نبشر علنًا بموت الرب، فإننا نستطيع دائمًا أن نحتفل بالبصخة (بعيد القيامة).

أتريدون أن تعلموا أنه يمكن الاحتفال كل يوم بالعيد الذي نعيّد له في هذا اليوم؟ لنرى سبب هذا العيد ودواعى احتفالنا به: نحتفل بهذا العيد لأن الروح القدس قد أتى إلينا، لأنه كما أن ابن الله الوحيد هو مع المؤمنين، هكذا فإن الروح القدس هو أيضًا بالتمام معكم. ومن أين نعرف هذا؟ يقول السيد المسيح إن “من يحبنى“، ويكمل قائلاً “سيحفظ وصاياى وأنا سأطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد” (يو15:14ـ 17). كما قال السيد المسيح عن نفسه” إنى سأمكث معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” ولهذا نستطيع أن نعيّد لعيد الظهور الإلهى[2]، هكذا قال عن الروح القدس إنه معكم إلى انقضاء الدهر ولهذا نستطيع أن نعيّد دائمًا عيد الخمسين.

2 ـ أرأيت أنه لم يقيدك بوقت معين، لكنه يشجعك على أن يكون لك خمير نقى؟

وأريد أن أخصص كل عظتى لهذا الأمر لأن أولئك الذين يقبضون على آخرين بعد جهد كبير لا يخلون سبيلهم بسهولة. ولأنى أمسكتكم في شباكى بعد زمن طويل، أنتم الذين جئتم إلى هنا بعد غياب، فإنى لا أريد أن أترككم اليوم. ولكي لا تمضوا بدون أن تسمعوا شيئًا عن هذا العيد، فإنى سأخصص حديثى الآن عن سبب هذا العيد.

لقد أُعطى الجنس البشرى كله خيرات كثيرة من السماء ولمرات عديدة، أما مثل خيرات هذا العيد فلم يُعطَ أبدًا قبل هذا اليوم.

اعلموا إذن ما هي الخيرات السابقة وما هي خيرات اليوم لتعرفوا الفرق بينهما. يقول المزمور” وأمطر عليكم منًا للأكل، وبَرُّ السماء أعطاهم” (مز24:78).

إذن فقد أكل الإنسان خبز الملائكة. إن هذا الأمر عظيم وجدير بمحبة الله للبشر. ثم بعد هذا أرسل نارًا وأعاد شعب إسرائيل إلى طريق الرب بعد أن كانوا قد ابتعدوا عنه، ثم أصعد ذبيحتهم من على المذبح. ثم سقط المطر مرة أخرى عندما كادوا يهلكون من الجوع وجعل حصاد ذلك العام وفيرًا.

عظيمة هي هذه المعجزات، لكن أعظم منها هي معجزات اليوم. لأن اليوم لم يسقط مَنّ ولا نار ولا مطر من السماء، لكن هطلت بركات روحية غزيرة. سقط من السماء مطر لا لكي يجعل الأرض تفيض بالأثمار، بل لكي يقنع الجنس البشرى فيقدم ثمار الفضيلة لفلاّح البشرية (المسيح). وهؤلاء الذين تقبلوا قطرة من هذا المطر السماوى، أنكروا ذواتهم على الفور، وفجأة امتلأت الأرض كلها بملائكة، ملائكة ليست سماوية لكن مظهرين بأعمال أجسادهم البشرية فضائل القوات غير المتجسدة.

لأن الملائكة لم تهبط من السماء، لكن الأمر الأكثر عجبًا هو أن البشر قد صعدوا إلى مرتبة فضائل الملائكة. وأعنى أنهم لم يتجولوا كنفوس مجردة عارية، بسبب إهمالهم الاهتمام بأجسادهم، لكنهم وهم في الجسد صاروا ملائكة في الفضيلة.

ولكي تعلم أن العقاب الأول (لآدم) لم يكن عقابًا، أى عندما قال الله” أنت تراب وإلى التراب تعود” (تك19:3) فقد تركك لتبقى على الأرض، لكي تظهر بالأكثر قوة الروح القدس، وذلك حينما يصل هذا الجسد الترابى إلى مثل تلك الإنجازات (الروحية). (إذًا بواسطة عمل الروح القدس في الإنسان) أمكن للمرء أن يرى لغة تخرج (من فم) ترابى وتقدر أن تشفى المرض، وأكثر من هذا، فإنه لم تُرَ اليد فقط، لكن أشياء أكثر أعجازًا، فظلال الأجساد التي هي من طين أمكنها أن تنتصر على الموت وعلى قوات الشر غير المتجسدة، وأعنى الشياطين.

لأنه كما ينقشع الظلام بشروق الشمس وكما تختبئ الوحوش الكاسرة داخل جحورها وكما يهرب القتلة واللصوص ونباّش القبور إلى قمم الجبال، هكذا عندما بدأ بطرس الرسول كلامه، انقشع ظلام الضلالة وهرب الشيطان، وفرت قوات الشر واختفت الأمراض الجسدانية، وشُفيت النفوس المريضة، وتلاشت كل الشرور وعادت الفضيلة إلى الأرض.

وكما أنه إن استطاع أحد العاملين بالخزائن الملّكية التي تحوي الذهب والأحجار الكريمة أن يحصل بموافقة المختصين على إحدى هذه الجواهر أو الأحجار حتى ولو كانت صغيرة، فإنه يصير غنيًا جدًا. هكذا صار أيضًا للكلمات التي خرجت من أفواه الرسل، إذ أن أفواههم كانت خزائن ملكية حُفظ في داخلها كنز شفى أمراضًا كثيرة. وكل كلمة خرجت كانت سببًا في ثراء روحى كبير.

فقد كان ممكنًا حينذاك أن يرى المرء بالفعل أن كلمات الرب كانت تمثل مشتهى كثيرين أكثر من الذهب والأحجار الكريمة. إذ أن الأمر الذي استعصى تنفيذه بواسطة الذهب والأحجار الكريمة تحقق بكلام بطرس الرسول. فبالفعل كم هي عدد الدراهم التي كان يمكن أن تشفى ذلك الذي كان مقعدًا منذ ولادته؟ لكن استطاعت كلمات بطرس أن تقيمه من عجزه الطبيعى هذا. فقد قال له “ باسم يسوع المسيح قم وامش” (أع6:3) وقوله تحقق في الحال.

أرأيت كيف أن كلمة الرب هي مشتهاة أكثر من الذهب والأحجار الكريمة؟ أرأيت كيف أن أفواه الرسل كانت خزائن ملكية؟

بالفعل كان الرسل أطباء، وزرّاع، وربانية سفن؛

كانوا أطباء، لأنهم شفوا مرضى،

وزرّاع، لأنهم بذروا كلمة التقوى،

وربانية، لأنهم أسكتوا نوات الضلال.

ولهذا فقد قال لهم الرب مرة” اذهبوا واشفوا المرضى” (مت8:15). كما لو أنه يتحدث إلى أطباء،

ومرة أخرى قال لهم” أرسلكم الآن لتحصدوا ما لم تتعبوا في غرسه” (يو38:4)، كما لو كان يتكلم مع زرّاع،

وفى موضع آخر قال لهم “سأجعلكم صيادى الناس” (مت19:4)، وقال لبطرس” لا تخف، من الآن تكون تصطاد الناس” (لو10:5) وكأنه يتحدث إلى ربانية سفن وصيادين. وهكذا فقد كان من الممكن أن يرى المرء معجزة تلى معجزة.

لقد صعدت الطبيعة البشرية قبل عشرة أيام إلى عرش الله الملوكى واليوم حلّ الروح القدس عليها. لقد أصعد الرب باكورتنا وأرسل لنا الروح القدس. والروح أيضًا هو رب، وهو واهب هذه العطايا. فهو والآب والابن يدبرون كل احتياجاتنا.

فقبل عشرة أيام صعد المسيح إلى السماء، وأرسل لنا مواهب روحية، وعطايا هذه المصالحة. ولكي لا يشك أحد إذن، أو يتساءل:” ماذا فعل المسيح عندما صعد إلى السماء، هل صالحنا مع الآب؟ هل جعل الآب يسامحنا؟ ولكي يُظهر لنا أنه قد صالح الجنس البشرى بالآب، فقد أرسل لنا مباشرة عطايا هذه المصالحة، لأنه عندما يتصالح الأعداء، فإنهم حالاً ما يتبادلون كلمات الأمنيات الطيبة والولائم والهدايا.

لقد قدمنا نحن إيماننا، وأخذنا عطايا سماوية، قدمنا طاعة، وأخذنا تبريرًا.

3 ـ ولكي تعلموا أننا أخذنا الروح القدس كعطية تصالح الله معنا. سأحاول أن أقنعكم من الكتاب المقدس. وسأبدأ أولاً بمحاولة إثبات العكس وإثبات أن الله لا يرسل نعمة الروح القدس إذا كان غاضبًا منا، لكيما إذا اقتنعت بأن غياب الروح القدس هو دليل غضب الله، تتأكد أن إرساله مرة أخرى هو دليل المصالحة، لأنه لو لم تكن المصالحة قد تمت لَما أرسل الروح القدس. من أين لنا أن نعرف ذلك؟

كان عالى (الكاهن) إنسانًا متقدمًا في السن وكان صالحًا وتقيًا في كل شئ، غير أنه لم يكن يعرف كيف يُصلح أخطاء أولاده، إذ كان يحبهم بطريقة مبالغ فيها، واسمعوا أنتم يا من لديكم أبناء، وليكن لديكم المعايير المناسبة في محبتكم لأولادكم (حتى لا تفسدوهم) وليكون الاحترام قائم بينكم.

لقد أثار عالى، بفعله هذا، غضب الله جدًا إلى الحد الذي جعل الله يصرف وجهه عن كل جنس عالي الكاهن. ولكي يُظهر كاتب السفر موقف الله الغاضب قال “ وكانت كلمة الرب عزيزة في تلك الأيام لم تكن رؤيا كثيرًا” (1صم1:3)، ومعنى أن الكلام عزيز هو ندرته، إذ بقوله هذا أوضح أن النبوات كانت نادرة.

وشخص آخر كان يبكى وينتحب لأجل غضب الله” ليس لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبي ولا قائد ولا محرقة ولا ذبيحة ولا تقدمة ولا بخور ولا موضع لتقريب البواكير أمامك” (دا38:3)، والإنجيلي يقول أيضًا “ لأن الروح لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد” (يو39:7). بمعنى أنه لم يكن “قد صُلب” بعد، فإن الروح لم يكن قد أُعطى بعد للبشر وذلك لأن “قد صُلب” معناها” قد مُجد” ورغم أن عملية الصلب بطبيعتها عملية مهينة، لكن لأنها تمت لأجل من أحبهم، فلهذا يدعوها المسيح “مجد”.

لكن ما هو السبب في أن الروح القدس لم يُعط قبل الصلب؟ لأن البشرية كانت تعيش في الخطية وفى العثرات، وفى البغضة والضلال، إذ أن الحمل الذي حمل خطايا العالم، لم يكن قد قُدم ذبيحة بعد. المسيح لم يكن قد صُلب، لذلك لم تكن هناك مصالحة، وبما أنه لم تكن هناك مصالحة، كان من المناسب عدم إرسال الروح القدس. وبالتالى، بما أنه أرسل الروح القدس فهذا يعنى أن المصالحة قد تمت. ولهذا قال السيد المسيح” إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى” (يو7:16). إن لم أنطلق ـ يقول ـ لا تتم المصالحة مع الآب، ولذلك لن أرسل لكم المعزى.

أرأيتم بكم من البراهين أشرنا إلى أن غياب الروح القدس من بين البشر كان علامة على غضب الله؟” كانت كلمة الرب عزيزة، ولم تكن رؤيا كثيرًا“،” ليس لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبي ولا قائد ولا محرقة ولا ذبيحة ولا تقدمة ولا بخور ولا موضع لتقريب البواكير أمامك“، لماذا “لأن الروح لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد“.” خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى“. وعندما ترى أن الروح القدس يأتى بغنى فلا تشك إطلاقًا في أن هذه المصالحة قد تمت.

ويمكن أن يسأل أحد: أين هو الروح القدس الآن؟. لأنه عندما كانت تحدث المعجزات، ويقوم الأموات، ويتطهر البرّص، كان يمكن التحدث عن عمل الروح القدس، أما الآن كيف نثبت أن الروح القدس معنا؟ لا تخافوا لأنى سأبين لكم كيف أن الروح القدس معنا الآن. كيف وبأى طريقة؟ إن لم يكن الروح القدس معنا الآن بالفعل، كيف يتطهر الذين تعمدوا من خطاياهم في تلك الليلة المقدسة لأنه لا يقدر أحد أن يتخلص من خطاياه بدون فعل الروح القدس.

واسمعوا الرسول بولس الذي يقول” لأننا نحن أيضًا كنا أغبياء وغير طائعين ضالين مستعبدين لشهوات ولذّات مختلفة عائشين في الخبث والحسد ممقوتين مبغضين بعضنا بعضًا، ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه لا بأعمال في بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس” (تيطس3:3ـ5). وفى موضع آخر يقول” لا تضلوا لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مابونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله” (1كو9:6ـ10)، أرأيت كل هذه الشرور “وهكذا كان أناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو11:6).

كيف تم هذا؟ هذا ما نريد أن نعرفه. هل غُفرت الخطايا بعمل الروح القدس؟ فلنسمع” لكن اغتسلتم بل وتقدستم لأنكم اعتمدتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا“. أرأيت إذن أن الروح القدس يمحو كل هذه الخطايا؟

4 ـ أين هم الآن الذين يجدفون على الروح القدس؟ لأنه إن كان لا يمحو الخطية، فستكون المعمودية بلا هدف، وإن كان يمحو الخطايا، فباطل إذن تجديف الهراطقة.

وإن لم يكن هناك الروح القدس، فلم نكن لنستطع الاعتراف بأن يسوع هو رب “ ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس” (1كو3:12). ولو لم يكن الروح القدس موجودًا لما استطاع المؤمنون أن يتضرعوا قائلين” أبانا الذي الذي في السموات” (مت9:6). ومثلما لم نكن نقدر (بدون الروح القدس) أن نشهد أن المسيح رب، هكذا أيضًا لم نكن نقدر بدونه (بدون الروح) أن ندعو الله أبانا. وبماذا نثبت قولنا هذا؟ من قول الرسول نفسه” وبما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب” (غلا6:4)، حتى أنك عندما تدعو الله قائلاً:” أبانا” فتتذكر أنك استحققت أن تدعو الله أباك بسبب أن الروح قد دفعك إلى هذا.

وإن لم يكن الروح القدس موجودًا لما كان في الكنيسة روح الحكمة والمعرفة “ لأنه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد” (1كو8:12). ولو لم يكن الروح موجودًا في الكنيسة لما كان فيها رعاة ومعلمين. إذ أن هؤلاء يقيمهم الروح القدس كما يقول بولس الرسول” … ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه” (أع28:20). وأنظر أيضًا فإنه حتى ما يحدث هنا هو من عمل الروح القدس.

فإن لم يكن الروح القدس في أبينا ومعلمنا هذا[3] والذى صعد منذ قليل على المنبر وبارككم جميعًا قائلاً “السلام لجميعكم” لِما قلتم له جميعًا” ولروحك أيضًا”. وأنتم لا تجاوبونه هكذا فقط عندما يصعد إلى المنبر، أو عندما يعظكم أو يصلى لكم، ولكن أيضًا عندما يقف بجانب هذه المائدة المقدسة وهو مزمع أن يقدم عليها هذه الذبيحة المهوبة، والمرتلين يعرفون ما أقوله.

فهو لا يمس القرابين الموضوعة أمامه قبل أن يدعو لكم بنعمة الرب، وأنتم تجاوبونه قائلين “ومع روحك أيضًا”. وبهذه الإجابة تذكرون أنفسكم بأن هذه الجواهر ليست من صنعه أو من صنع إنسان، بل هي هكذا بواسطة نعمة الروح القدس، الحاضر والذي يرفرف فوق الجميع، ليعد تلك الذبيحة السرية.

لأنه حتى وإن كان الذي يقف هناك هو إنسان، غير أن الله هو العامل فيه. فلا تنشغل إذن بالإنسان الذي تراه، بل اهتم بأن تعي عمل نعمة الله غير المنظورة. فلا شئ مما يحدث في هذا الهيكل المقدس هو بشرى، فلو لم يكن الروح القدس حاضرًا لما تأسست الكنيسة، وطالما أنه توجد الكنيسة فهذا بفضل حضور الروح القدس.

وربما يتساءل أحد، لماذا لا تحدث معجزات اليوم؟ هنا أرجوكم أن تنتبهوا بشدة، لأني أسمع عن هذا الأمر من كثيرين وفى كل مكان وباستمرار يطلبون تفسيرًا له. لماذا كان الذين تعمدوا حينذاك يتكلمون بألسنة عديدة والآن لا يحدث نفس هذا الأمر؟ فلنعرف أولاً ماذا يعنى أنهم كانوا يتكلمون بألسنة وبعد ذلك سنتحدث عن سبب ذلك. ماذا يعنى إذن أنهم كانوا يتكلمون بألسنة غريبة؟

فالذي تعمد حينذاك كان يتكلم مباشرة بلغات الهنود والمصريين والفرس والعرب وكان الشخص الواحد منهم يتكلم عدة لغات. ولو كان الذين قد تعمدوا اليوم، قد تعمدوا حينذاك لسمعناهم يتكلمون مباشرة لغات مختلفة. لأن بولس يقول إنه تقابل مع جماعة كانوا قد تعمدوا بمعمودية يوحنا فقال لهم” هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم؟ فأجابوا: ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس” (أع2:19). فأشار عليهم مباشرة أن يتعمدوا “ولما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس فطفقوا يتكلمون بألسنة” (أع6:19).

فلماذا إذن رُفعت هذه الموهبة وغابت من بين البشر؟ ليس بسبب أن الله لا يُكرّمنا، بل على العكس لأنه يُكرّمنا جدًا، كيف؟ سأقول لكم.

لقد كانت تصرفات البشر حينذاك أكثر مجونًا إذ لم يكن قد مضى وقت طويل على تركهم لعبادة الأوثان، وكانت أذهانهم أكثر بُعدًا عن فهم الأمور الروحية بل وغير حساسة لما يحدث أمامهم فصاروا مندهشين لما يدور حوله. ولم يكن لديهم أى معرفة عن المواهب الروحية أو حتى عن ماهية النعمة الروحية التي يستطيع المرء بالإيمان فقط أن يدركها، ولهذا حدثت المعجزات. لأنه من بين العطايا، يوجد ما هو غير مرئى ويمكن إدراكه بالإيمان فقط، والبعض الآخر مصحوب بعلامات لكي يراها المؤمنين.

وكمثال لما أقصده هو الآتى: غفران الخطايا، هو أمر روحى، هو عطية غير مرئية، إذ أننا لا نرى بعيون الجسد كيف نتطهر من خطايانا. لكن لماذا؟ لأن النفس هي التي تتطهر والنفس لا ترى بعيون الجسد.

التطهير من الخطايا إذن، هي إحدى العطايا الروحية ولا يمكن رؤيتها بعين الجسد، وأن يتكلم شخص بألسنة غريبة هو بالطبع أيضًا عطية روحية من فعل الروح القدس، ولكنه يُعطى بعلامة حسية يدركها المؤمنين بسهولة. فاللغة لأننا نسمعها، فهى إظهار ودليل على الطاقة غير المرئية التي تحدث داخل نفوسنا “لكنه لكل واحد يعطى إظهار الروح للمنفعة” (1كو7:12).

فأنا إذن لست بحاجة إلى دليل أو علامة، ولماذا؟ لأني تعلمت أن أؤمن بالرب بدون أن يعطيني أية آية، لأن ذلك الذي لا يؤمن يحتاج إلى ضمان، أما أنا فلا أحتاج إلى ضمان لأني أؤمن، ولا حتى إلى علامة، ولكن حتى وإن كنت لا أتكلم بلسان غريب، فأنى أعرف أنى قد تطهرت من الخطية.

فهؤلاء الذين تعمدوا حينذاك، لم يكونوا ليؤمنوا إن لم يكونوا قد حصلوا على علامة. لهذا فقد أعطاهم آية كضمان للإيمان الذي آمنوا به. وبالتالي فقد أعطاهم آية ليس لأنهم كانوا مؤمنين بل لأنهم كانوا غير مؤمنين ولكي يصيروا مؤمنين، هكذا يقول بولس الرسول” إذًا الألسنة آية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين” (1كو22:14).

أرأيتم أن توقف الله عن عمل المعجزات هو دليل ليس على عدم تكريم الله لنا بل على تكريمه لنا؟. ولماذا فعل هذا معنا؟ لأنه يريد أن يُظهر إيماننا، إننا نؤمن به بدون ضمانات أو معجزات. إن أولئك الذين تعمدوا حينذاك، لو لم يكونوا قد حصلوا على بعض الضمانات والإثباتات أولاً، لَما كان في استطاعتهم أن يؤمنوا بالله بواسطة أمور لا تُرى. أما أنا فبدون هذه الأمور (المرئية) فإنى أؤمن بكل قلبى. وهذا هو السبب إذن في عدم حدوث معجزات الآن.

5 ـ أود أن أتكلم أيضًا عن سبب هذا العيد وأن أبيّن بالضبط ما هو عيد الخمسين ولماذا أُعطيت مواهب الروح القدس على هيئة ألسنة نار في ذلك اليوم، ولماذا كان ذلك بعد صعود المسيح بعشرة أيام.غير أنى أرى إنى أطلت الحديث، ولهذا سأتوقف بعد أن أضيف شيئًا صغيرًا” ولِمّا حضر يوم الخمسين كان الجميع معًا بنفس واحدة، وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم” (أع1:2ـ3).

ليست ألسنة من نار، لكن كأنها من نار، لئلا تعتقد أن الروح القدس هو شئ محسوس، مثلما في نهر الأردن حيث حل، ليس كحمامة، لكن في شبه حمامة. وهكذا هنا ظهر لا نار (فعلاً) بل في شبه نار. وأيضًا يذكر سفر الأعمال أنه” صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة” (أع2:2)، لا يقول إنه هبوب ريح، بل يقول “كما من هبوب ريح عاصفة “.

وما هو السبب في أن حزقيال لم يأخذ موهبة النبوة بشكل مماثل وعلى هيئة نار لكن أخذه في درج (حز9:2)، بينما أخذ الرسل المواهب بواسطة ألسنة كأنها من نار؟

بالنسبة لحزقيال، يقول الكتاب إن الله أعطى له درج مكتوب فيه مراثى ونحيب وعويل، وكان مكتوبًا من الداخل ومن قفاه (حز10:2). فأكل حزقيال الدرج فصار في فمه كالعسل حلاوة (حز3:3). أما عن الرسل فلا يقول هكذا بل يقول “ وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار”. فلأى سبب إذن ظهر هناك درج وهنا ألسنة كأنها من نار؟ لأن حزقيال كان سيذهب ليرثى خطايا اليهود وينتحب على خرابهم، أما الرسل فإنهم كانوا سيذهبون في شتات الأرض ليغفروا خطايا جميع الناس. ولهذا فإن حزقيال قد أخذ درجًا كتب فيه الخراب الذي كان مزمعًا أن يحدث لليهود، أما الرسل فقد أخذوا نارًا ليحرقوا خطايا البشر ويغفروها. لأنه كما أن النار تقع على الأشواك فتمحوها، هكذا تمحو نعمة الروح القدس خطايا البشر.

لكن اليهود، عديمى الإحساس، عندما حدث هذا، بينما كان عليهم أن يتعجبوا وفى رهبة يسجدون لذلك الذي منح هذه المواهب، نراهم قد أظهروا مرة أخرى عدم فهمهم متهمين الرسل الذين نالوا بغنى مواهب الروح القدس، بأنهم سكارى إذ قالوا “ وكانوا آخرون يستهزئون قائلين إنهم قد امتلأوا سلافة” (أع13:2). لاحظ هنا كيف ينكر البشر المعروف وكيف يقدره الملائكة، إذ أن الملائكة عندما نظروا باكورتنا[4] وهو صاعد إلى السماء، فرحوا وقال “ ارتفعن أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد” (مز8:24).

أما البشر فعندما رأوا نعمة الروح القدس وهى تحل علينا قالوا إن هؤلاء الذين تقبلوا هذه النعمة سكارى. بل أن هؤلاء اليهود لم يعرفوا حتى مواسم السنة الزراعية، لأنه من غير الممكن أن يتواجد في فصل الربيع (وقت الاحتفال بعيد الخمسين حينذاك) هذا النوع من العنب حلو المذاق الذي يصلح لعمل هذا النوع من الخمر.

لكن لنترك هؤلاء، ولنفحص نحن عطية الله محب البشر لنا. لقد أخذ المسيح طبيعتنا وأعطانا في المقابل نعمة الروح القدس. وكما يحدث في الحرب التي يطول مداها أنه عندما تتوقف المعارك ويحل السلام، فإن الأعداء يتبادلون الضمانات والأسرى، هكذا صار بين الله والبشر، فلقد أصعد المسيح باكورة طبيعتنا إلى السماء، إلى الله كعربون وضمان، وأرسل لنا الله الروح القدس كضامن.

وما يبين أن ما لدينا هو عهد وضمان ما يأتى. المتعهد والضامن لابد أن يكونا من جنس ملوكى. ولهذا أرسل الروح القدس إذ هو من جوهر ملوكى فائق، وأيضًا ما قُدم من جهتنا كان من جنس ملوكى، إذ كان من نسل داود ولهذا فنحن لا نخاف بعد، طالما أن باكورتنا هي في السماء. وحتى إن هددنى شخص بالعذاب الأبدى وبالنار التي لا تُطفأ أو بأى عقاب آخر، فلن أخاف إذن. أو بالحري سأخاف غير أنى لن أكون يائسًا من خلاصى. لأنه لو كان الله لم يَرِد خيرات عظيمة للإنسان، لما كان قد قَبِلَ باكورتنا في السماء.

فقبل ذلك ـ عندما كنا نتطلع إلى السماء ونفكر في القوات السمائية غير المتجسدة، كنا نتأكد بالأكثرـ بالمقارنة مع هذه القوات ـ من ضعفنا. أما الآن، فعندما نريد أن نرى ما صار لنا من كرامة فإننا نتطلع عاليًا نحو السماء إلى عرش الله نفسه لأن هناك تجلس باكورتنا. وهكذا سيأتى ابن الله من السماء ليديننا. فلنستعد إذن لكي لا نخسر ذلك المجد لأن سيدنا قادم بالتأكيد ولن يتأخر. سيأتى ومعه قوات وطغمات الملائكة وأرباب ورؤساء ملائكة، وأجيال الشهداء وجماعات الأتقياء، وكثير من الأنبياء والرسل ووسط هذه الكوكبة سيظهر الملك بمجد لا يُوصف ولا يُعبر عنه.

6 ـ لنفعل إذن كل ما في جهدنا لكي لا نخسر ذلك المجد. أتريدون أن أقول لكم عن الأشياء المخيفة أيضًا؟ لا لكي أحزنكم بل لكي أًصلِحَكم. حينذاك سوف يجرى نهر من نار قدامه (دانيال 10:7) وسوف تُفتح الأسفار. وستكون محاكمة رهيبة. فكما في المحكمة تُقرأ عرائض تخص أعمالنا، وهكذا يتكلم الأنبياء عن هذه الأسفار. فيقول موسى” والآن إن غفرت خطيتهم. وإلاّ فامحنى من كتابك الذي كتبت” (خر32:32). كما أن السيد المسيح قال لتلاميذه” لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم بل افرحوا بالحري أن أسماءكم كُتبت في السموات” (لو20:10) وداود أيضًا كتب قائلاً” رأت عيناك أعضائي وفى سفرك كلها كتبت” (مز16:138). وأيضًا قال “ليُمحو من سفر الأحياء ومع الصديقين لا يُكتبوا” (مز29:69).

أترى أن البعض تُكتب أسمائهم والبعض تمحى أسمائهم؟ أتريد أن تعلم أنه ليس فقط أسماء الأبرار هي التي تُكتب في هذه الأسفار بل وأيضًا خطايانا؟

اليوم عيد واليوم نتعلم أمورًا تقدر أن تنجينا من الهلاك. الكلمات مرعبة لكنها مفيدة ونافعة، إذ هي قادرة أن تنقذنا من التهاون في حياتنا الروحية. ولنعلم إذن أن خطايانا تُسجل، وأيضًا ما نقوله هنا في الحال يُكتب هناك. لكن من أين عرفنا هذا؟ لأنه ليس من اللائق أن نتكلم باستخفاف في أمور هكذا. يقول ملاخي لليهود” لقد أتعبتم الرب بكلامكم” وبأى طريقة؟ يقول “بقولكم كل من يفعل الشر فهو صالح في عينى الرب” (ملاخى17:2).

هذه الكلمات هي أقوال عبيد ينكرون المعروف ومع هذا فقد قبلهم الله إذ يقول الكتاب إنه قَبِل هؤلاء الذين لم يخدموه بل قالوا عنه” عبادة الله باطلة وما المنفعة من أننا حفظنا شعائره وأننا سلكنا بالحزن قدام رب الجنود والآن نحن مطوبون المستكبرين” (ملاخى14:3ـ15)، أى يقولون إنهم طوال النهار يعملون وآخرين يتمتعون بالخيرات. مثل هذه الأقوال يرددها العبيد دائمًا أمام سادتهم.

وأن يقولها إنسان لإنسان آخر مثله، فهذا أمر ليس بهذه الخطورة، أما أن يقول شخص مثل هذه الكلمات لرب الكون كله ـ الذي هو رحيم ومحب البشر ـ فهذا أمر خطير فعلاً ويفوق كل حكم ويستحق أشد العقاب. لكن لنعلم أن هذه الأقوال تُدون، أسمع ما يقوله النبي “والرب أصغى وسمع وكتب أمامه سفر تذكرة للذين اتقوا الرب وللمفكرين في اسمه” (ملاخى16:3). وهذه الأقوال تُدون، لا لأن الله سيذكّرنا باليوم الذي قلناها فيه لكن لكي يحضر لنا السفر كشهادة علينا لإدانتنا.

ربما أكون قد أثرت مشاعر الخوف في نفوسكم، وليس فقط نفوسكم بل بالحري في نفسي أنا أولاً أيضًا. وهيا لأختم عظتى، بل بالحري لأوقف الخوف، والأفضل من ذلك، أنى لا أوقف الخوف فقط، بل أتكلم بكلمات معزية لنفوسكم. لأنه حتى إن بقى الخوف، فليبق ليطهر ولينقى نفوسنا، ولنجعله أكثر احتمالاً.

فكيف سنستطيع إذن أن نحدّ من هذا الخوف؟ إن نحن بيّنا أن الخطايا لا تُدون فقط لكنها أيضًا تُمحى. ففى المحاكم هنا تدون الأقوال التي يُدان بها المتهم، في صحائف فورًا، ولا يمكن أن تُمحى هذه الأقوال بعد ذلك. أما في ذلك السفر حتى وإن فعلت بعض الشرور وأردت أن تمحى فإنها تُمحى.

ومن أين نعرف هذا؟ من الكتاب المقدس إذ يقول” استر وجهك عن خطاياى وامح كل آثامى” (مز9:51). ولن يستطيع شخص أن يمحو شيئًا لم يُكتب وبالتالى إذا كانت هذه الآثام قد دونت، فالآن هو يصلى أن تُمحى.

وشخص آخر يعلّم كيف تُمحى هذه الآثام فيقول” بالرحمة والحق يستر الإثم” (أم6:16). فهى لا تُشطب فقط بل تُمحى تمامًا حتى أنه لا يتبقى لها أثر. وليست الخطايا التي عملناها بعد المعمودية فقط هي التي تُمحى ؛ بل والتي عُملت قبلها أيضًا. فكل الخطايا قد مُحيت بمياه المعمودية وبصليب المسيح. تمامًا كما يقول الرسول بولس” إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدًا لنا وقد رفعه من الوسط مسمرًا إياه بالصليب” (كو14:2). أرأيت كيف أن ذلك الصك قد مُحى ولم يُمح فقط بل قد تمزق إذ مزقته مسامير الصليب، فأصبح بلا قيمة.

فتلك الخطايا قد انمحت كلها بنعمة وقوة المسيح الذي صُلب عنا لأجل محبته لنا، أما خطايانا نحن بعد المعمودية فإنها تحتاج إلى جهاد عظيم لكي نتطهر منها، وإذ لا توجد معمودية ثانية، بل يتم ذلك بدموعنا، بتوبتنا، بأعمال الرحمة، بالصلاة وبكل سبل التقوى. وهكذا فبعد المعمودية تتنقى الخطايا بكثير من الجهد وبكثير من التعب. فلنحاول إذن بكل طريقة أن نتطهر منها في هذه الحياة (هنا) حتى نفلت من الخجل والعقاب في الدهر الآتى (هناك).

لأنه وحتى إن كنا قد فعلنا خطايا لا تحصى، فإننا إن أردنا، نستطيع أن نلقى عنا كل حمل هذه الخطايا. فلتكن لنا هذه الإرادة إذن، لأنه من الأفضل جدًا أن نتعب قليلاً هنا وأن نعتق من العقاب الشديد بدلاً من أن نهمل أثناء فترة حياتنا القصيرة ونعبر إلى ذلك العقاب الأبدى.

7 ـ والآن قد حان الوقت لنلخص ما قلناه: نلوم هؤلاء الذين يأتون إلى هنا مرة واحدة في السنة (فى العيد) لأنهم يقبلون أن يعّروا أمهم (الكنيسة). وذكّرناهم بحدث قديم، ببركة ولعنة. تحدثنا عن أعياد اليهود ولماذا أعطاهم الرب وصية أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات فقط في العام. وقلنا أن أعياد الخمسين والقيامة والظهور الإلهى هي أعياد دائمة. وشرحنا كيف أن العيد يُحتفل به بقلب نقى وليس بتحديدات زمنية.

وبعد ذلك كان حديثنا عن العطايا التي أتت إلينا من السماء وبيّنا أنها دليل على المصالحة بين الله والإنسان. وأثبتنا أن الروح القدس هو العامل في غفران الخطايا، في جوابنا على قول الكاهن في الصلاة” السلام لجميعكم”، وفى كلام الحكمة (الإلهية)، في معرفتنا (لله)، في السيامات، وفى الذبيحة السرائرية. وقلنا إن المسيح كباكورة لنا هو عربون، والروح القدس هو ضمان. ثم ذكرنا الأسباب التي من أجلها لا تحدث معجزات الآن. وبعد ذلك ذكّرناكم بالدينونة وبالأسفار التي ستُفتح وأن كل خطايانا تُدون، كما بيّنا أنه لو أردنا فإن هذه الخطايا يمكن أن تُمحى أيضًا.

فلتتذكروا كل هذا إذن، وإن كان من الصعب تذكرها جميعًا، فعلى الأقل فلتتذكروا الكلام عن تلك الأسفار (التي تُدون فيها الخطايا). وبكل ما سوف تجيبون به وكأنكم أما شخص يدون ما تقولونه، لذلك فليكن كلامكم بحذر ولتذكروا دائمًا ما قد قيل. حتى أن من كانت أسمائهم مسجلة في سفر الأبرار يجاهدون بالأكثر، ومن كانت لديهم خطايا مدونة عليهم، يتطهرون منها هنا على الأرض بدون أن يعرف أحد، حتى يتجنبوا التشهير بهم في يوم الدينونة. لأنه، وحسبما بيّنا أنه من الممكن حقيقة أن نمحو بالصلاة والتقوى والجهاد كل الخطايا المدونة علينا.

ولنهتم كل لحظة لكي نستطيع الحصول على الغفران الآن حتى أننا عندما نذهب إلى الحياة الأخرى، نتجنب كلنا العقاب الشديد، ولنأمل أن نكون مستحقين لملكوت السموات بنعمة ربنا يسوع المسيح ومحبته للبشر الذي له المجد والقوة مع الآب والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.

عيد حلول الروح القدس العظة الأولى ليوحنا ذهبي الفم

عيد حلول الروح القدس – عيد الخمسين

عيد حلول الروح القدس – عيد الخمسين

“ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع معاً بنفس واحدة. وصار بغتةً من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم. وأمتلأ الجميع من الروح القدس”. (اع1:2-4)

الوهية الروح القدس – القديس كيرلس الإسكندري – د. سعيد حكيم

مَولِد الكنيسة:

عشرة أيام كاملة هي ما بين الصعود والعنصرة لم يبرح التلاميذ أورشليم تنفيذاً لوصية رب المجد يسوع المسيح حينما قال لهم [وها أنا أرسل لكم موعد أبي فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تلبسوا قوة من الأعالي] (لو 24: 49)

وفى هذه الفترة فترة الـ1.أيام كانوا التلاميذ يعدون أنفسهم لقبول مواهب الروح القدس فكانوا مجتمعين معاً بنفسي واحدة في عليّه صهيون (بيت أم مار مرقس كاروز مصر) ويرجع السبب في أن السيد المسيح حذرهم أن لا يبرحوا أورشليم حتى ينالوا قوة من الأعالي وهذه القوة هي الروح القدس.

لأنهم لو برحوا أورشليم وكرزوا بدون أن يأخذوا قوة الروح القدس لفشلوا فشلاً ذريعاً فكيف كانوا يقدرون أن يقنعوا الأمم وغيرهم بسر الثالوث القدوس وسر التجسد الإلهي وسر الفداء وكافة الإيمان المسيحي لذلك حذرهم الرب إن لا يبرحوا أورشليم حتى ينالوا قوة الروح القدس الذي يُعد غير المؤمنين المستعدين لقبول الأيمان ويعطي قوة لكلمة المبشر وتأثيرا للسامعين فالإيمان المسيحي لا يمكن قبوله إلا بالروح القدس لذلك يقول القديس بولس الرسول ” أعرفكم أن ليس أحد وهو يتكلم بروح الله يقول يسوع أناثيما وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب ألا بالروح القدس” (1 كو 12 : 3)

ماذا حدث في مثل هذا اليوم:

“يدخل الروح إلى النفس ويجعلها مرتفعة عالية ملاصقة لله” (القديس الأنبا أنطونيوس).

وقت حلول الروح القدس

في تمام الساعة الثالثة بالتوقيت العبري (التاسعة صباحاً) بتوقيتنا في يوم الخمسين لقيامة رب المجد يسوع المسيح من بين الأموات. وهذا اليوم كان يحتفل فيه اليهود بعيد الخمسين وهو أحد أعياد اليهود الكبرى في أورشليم حل الروح القدس على التلاميذ.

مظاهر صاحبت حلول الروح القدس:

كان إعطاء الشريعة في سيناء مصحوباً برعود وبروق وسحاب ثقيل على الجبل، وصوت بوق شديد جداً، أرتعد منه كل الشعب الذي كان في المحلة (خر16:19)

لذا لا نتعجب إن جاءت كنيسة العهد الجديد إلى الوجود أيضاً بعلامات علنية ملأت المشاهدين دهشة وحيرة (اع6:2، 7)

التجديف على الروح القدس
  1. صوت كما من هبوب ريح عاصفة: الريح تشير إلى القوة الروحية الخلاقة

  • “كانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه” (تك2:1)
  • ورمزاً للعمل غير المنظور “الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب. هكذا كل من ولد من الروح” (يو8:3)
  • والحرية السامية التي للروح القدس (حيث روح الرب هناك حرية) (2كو17:3).
  1. ألسنة من نـار:

  • النار تشير إلى عمل التطهير الذي للروح القدس (اش6:6، 7) فقد حل الله على جبل سيناء بالنار (خر18:19)

أما في هذا اليوم فحل على التلاميذ بالنار.

  1. التكلم بألسنـة:

هو تصويب لما حدث قديماً عند برج بابل حيث بلبل الرب لسان الأشرار حتى لا يعرف الواحد لغة الأخر ولكن بالروح القدس بلبل ألسنة التلاميذ ليستطيعوا أن يكرزوا بشارة الملكوت في العالم أجمع لكي يجمعوا العالم أجمع ليكونوا واحداً لله الأب في المسيح يسوع بالروح القدس.

  1. حلول الروح القدس:

لكي يصير الأنسان هيكلا لروح الله وتجديد الطبيعة التي أفسدت بالخطية في العهد القديم. فكان حلول الروح القدس على التلاميذ بمثابة معمودية لهم معمودية الروح القدس ونار

  1. الروح القدس هو سر قوة الكنيسة الأول [مواهب الروح القدس]:

الروح القدس غمر كيان الكنيسة، فتعمدت في نهره المتدفق. وكانت النتيجة أن أعطاها الروح القدس العديد من المواهب اللازمة للخدمة والكرازة. أول هذه المواهب هي موهبة [التكلم بألسنة]..

(وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى، كما أعطاهم الروح أن ينطقوا..) (أع 4:2).

وهذه الموهبة كانت لغرض البشارة فقط وليس لشيء أخر. هذا بالإضافة إلى المواهب الأخرى الكثيرة، ومثل موهبة شفاء المرضى حتى أن ظل بطرس ومناديل وعصائب بولس تشفي الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة ومواهب أخرى كالوعظ، التعليم، والتدبير، والنبوة. هكذا كانت كلمة الرب تنمو، وتزداد، وتتقوى.. لأن الكنيسة كانت غنية بالروح القدس المدقق فيها.

عيد حلول الروح القدس – عيد الخمسين

عظة بطرس:

عظة القديس بطرس الرسول بالرغم من أنها كانت كلمات بسيطة وقليلة أعطى الله لهذه العظة أن تكون قوية ومؤثرة بقوة الروح القدس الذي عمل في الكلمة وأعطى تأثيرا جبارا في أذان السامعين حتى خلص في هذا اليوم وأنضم إلى الكنيسة 3… نفس ومازال الروح القدس يعمل في الكنيسة ويعطي تأثيرا لكلمات السيد المسيح في أذان السامعين.

وهذا ما حدث مع القديس بولس الرسول الذي كان بالروح القدس كان يستطيع أقناع أي أحد بالأيمان المسيحي “فقال أغريباس لبولس بقليل تقنعني أن أصير مسيحيا”

(أع 26: 28)

والقديس بولس الرسول لم يكن مع التلاميذ وقت حلول الروح القدس ولكنه حل عليه الروح القدس وقت مقابلته مع رب المجد يسوع المسيح.

شفاء الأعرج:

دخل بطرس ويوحنا الرسول إلى الهيكل وقت صلاة الساعة التاسعة، وعلى الباب وجد إنساناً أعرج يسأل صدقة ونظر إلى بطرس ويوحنا منتظراً أن يأخذ منهما شيئاً، ولكن بطرس فاجأه بمفاجأة جعلته (يمشى ويطفر فرحاً ويسبح الله) قال له بطرس ليس لي فضة ولا ذهب ولكن الذي لي فإياه أعطيك باسم يسوع المسيح الناصري قم وأمشى..) فوثب ووقف، وصار يمشى ودخل معهما الهيكل.. إنها قوة الروح القدس المعطى الشفاء.

الروح القدس أعطى التلاميذ قوة الاسم الإلهي.

هذا هو غنى الكنيسة بالروح القدس..

غنى يفوق كل غنى بالفضة والدهب. إن الروح القدس عندما حل على الكنيسة وحل في شكل ألسنة نار كعلامة للغنى. لهذا ستظل الكنيسة غنية بالروح القدس

الروح القدس هو الغنى الكامل في حياتنا (كل شيء).

وهذه هي المعجزة السماوية أن التلاميذ بالرغم إنهم كانوا بسطاء إلا إنهم بفعل الروح القدس أخزوا الحكماء لم يكونوا من أقوياء العالم ولا من حكمائه [بل أختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء وأختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء] (1 كو1: 27)

فصاروا بقوة الروح القدس إلى العالم أجمع ليكرزوا ببشارة الملكوت. وليصبح أغلبية العالم من المسيحيين وهذا بفعل الروح القدس.

وكلمة قوة من الأعالي (اع8:1) قوة التقديس

في اليونانية جاءت منها كلمة (ديثاميت) أو ديناميكية.. فقد أكد المخلص إلا يخرجوا للعمل دون أن يأخذوا هذه القوة الجبارة قوة الروح القدس الذي يفجر جبال الخطية الراسخة كما بديناميت إلهي لتتحول الجبال العائقة إلى مقدسات له. ليحملوا (ديناميكية) أو حركة العمل المستمر بروح الله الذي لا يعرف الخمول أو الاستكانة بل هو حركة حب عامل بغير انقطاع.

حقاً لقد قال القديس ديديموس الضرير (يستحيل أن يقتنى أحد نعمة الله ما لم يقتنى الروح القدس الذي فيه كل عطايا الله).

الروح القدس ما زال يعمل في الكنيسة وفينا فهو يعين ضعفاتنا ويرشدنا ويذكرنا بكل ما قاله لنا الرب يسوع ويعطينا فماً وحكمة أمام جميع مقاومينا ومعاندينا حتى لا يستطيعوا أن يقاوموها أو يناقضوها. الروح القدس هو الغنى الكامل في حياتنا. أعطى التلاميذ قوة الاسم الإلهي. هذا هو غنى الكنيسة بالروح القدس. غنى بفوق كل غنى بالفضة والذهب.

أخيراً [طوبى لمن كان كنزه في داخله، طوبى لمن كان استنشاقه عبير الروح القدس، وتمتزج رائحة جسده بذلك. طوبى لمن اصطبغت نفسه بحلاوة إلهه] (القديس يوحنا سابا).

عيد حلول الروح القدس – عيد الخمسين

عيد حلول الروح القدس ع2 – ذهبي الفم

عيد حلول الروح القدس ع2 – ذهبي الفم

عيد حلول الروح القدس ع2 – ذهبي الفم

العظة الثانية عن عيد حلول الروح القدس – ذهبي الفم

مواهب الروح القدس:

          يا أحبائى كم هى عظيمة مواهب الروح التى أغدقها علينا الله محب البشر، تلك المواهب التى تفوق العقل الإنسانى. لذلك، لنفرح جميعًا معًا ونبتهج مسبحين الرب. لأنه بالنسبة لنا، فإن هذا اليوم هو يوم عيد واحتفال عظيم. وكما تتتابع الفصول الواحد بعد الآخر، هكذا تأتى الاحتفالات فى الكنيسة الواحد تلو الآخر، فنذهب من الواحد إلى الآخر.

          منذ أيام قليلة احتفلنا بآلام المسيح وصليبه وقيامته، ثم بعد ذلك احتفلنا بصعود ربنا يسوع المسيح إلى السموات. اليوم وصلنا إلى قمة الخيرات، إلى تاج الأعياد، اليوم نتمتع بوعد الرب فى الإنجيل: ” لكنى أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ولكن إن ذهبت أرسله إليكم” (يو7:16).

          أرأيتم كم هو عظيم هذا الاعتناء الأبوى؟

          أرأيتم كم هى محبته التى لا توصف؟

          قبل أيام قليلة صعد المسيح إلى السموات وجلس على العرش الملوكى، عن يمين الآب، واليوم يرسل لنا مواهب الروح القدس. وبهذه الطريقة يهبنا الخيرات السماوية التى لا تُحصى. اخبرنى، هل يوجد أى خير من الخيرات التى تساهم فى خلاصنا لم تُعطَ لنا بواسطة الروح القدس؟ إننا بنعمته نتخلص من عبودية الشيطان وندخل إلى حرية المسيح، وننقاد إلى نعمة التبنى الإلهى، ونُولد ولادة ثانية، ونلقى عن كاهلنا ثقل خطايانا ونيرها الذى لا يُطاق.

بنعمة الروح القدس صار كثيرون كهنة وآخرون معلمون فى الكنيسة. كل التعاليم الغنية ومواهب الشفاء تنبع من هذا المصدر. نعم، كل النِعم الأخرى التى تزين كنيسة الله، تأتى من الروح القدس. لذا ينادى الرسول بولس قائلاً: ” ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء” (1كو11:12).

          يقول “كما يشاء”، أى لا يأخذ أمرًا من غيره بأن “يقسم” أو “لا يقسم”، الروح له سلطان ولا يتسلط عليه أحد. لأن بولس الرسول يقول كيف إن الروح القدس له نفس السلطان الذى للآب: ” ولكن الله واحد الذى يعمل الكل فى الكل“، هكذا أيضًا يقول عن الروح القدس: ” ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء“،

          أرأيت السلطة الكاملة التى للروح القدس؟ إذ أن الأقانيم الثلاثة التى لها نفس الطبيعة والجوهر هى أيضًا لها نفس السلطة والمكانة والقدرة الواحدة.

          إن قوة الروح القدس تخلصنا من الخطايا، بهذه القوة تغتسل نفوسنا من أى دنس. وبينما نحن بشر، صرنا بعطية الروح القدس ملائكة دون أن تتغير طبيعتنا. وهذا ما يستحق كل إعجاب، إن نعمة الروح القدس تعطينا أن نسلك سلوك الملائكة. بينما طبيعتنا البشرية لا يعتريها أى تغيير. كم هى عظيمة قوة الروح القدس!.

          وكما أن الفخّار الليّن عندما يتعرض للنار يصير قرميدًا صلبًا، هكذا بالضبط نار الروح القدس عندما تحل على النفس العاقلة تجعلها أقوى من الحديد حتى ولو كانت لينة وضعيفة، وأيضًا تصير أكثر نقاوة من الشمس. وقد أراد بولس الرسول أن يعلمنا هذه الحقيقة قائلاً: ” لا تضلوا. لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعوا ذكور ولا سارقون ولا طامعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله” (1كو9:6ـ10).

          وحيث إنه أحصى كل أنواع الشرور وعلّمنا أن كل الذين يفعلونها يبتعدون تمامًا عن ملكوت السموات، أضاف مباشرةً قائلاً: ” وهكذا كان أُناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو11:6).

          هل رأيت، يا عزيزى، قوة الروح القدس؟.

          هل رأيت أن الروح القدس يُزيل كل هذه الشرور، وأن أولئك الذين كانوا سابقًا مستعبدين لخطاياهم رفعهم إلى مكانة وكرامة سامية جدًا؟

 

ضد محاربى الروح:

          مَنْ يستطيع أن يبكى ويحزن حزنًا يتناسب مع هول الكارثة، على هؤلاء الذين شرعوا فى إهانة الروح القدس، هؤلاء الذين سقط عليهم هوس رهيب وأُصيبوا بعدم التبصر فبدلاً من تَذَكُّر إحسانات وخيرات الروح القدس تجرأوا على فعل كل ما يدمر هذه الخيرات محاولين بقدر استطاعتهم رفض الروح القدس، منكرين مكانته وسلطته منزلين إياه إلى مستوى مخلوقات الله؟

          وأنا أريد أن أسألهم: لأى سبب أنتم تحاربون الروح القدس بهذا الهوس؟ أو بالأحرى: لماذا تحاربون خلاصكم ولا تريدون فهم أقوال الرب التى قالها للتلاميذ ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت19:28).

          أرأيت الكرامة الواحدة التى لأقانيم الثالوث القدوس؟!

          أرأيت مدى التوافق الكامل فيما بينهم؟

          ربما رأيت اختلافًا ما أو شيئًا غائبًا فيما بينهم ؟!! لماذا تتجرأ على تزييف أقوال الرب ؟

          هل تجهل أنه فى المسائل البشرية إذا شَرِع شخص وتجرأ على إضافة شيئًا أو حذف شيئًا من أوامر ملك ما ـ الذى هو أيضًا مثلنا ـ يعاقبونه بأسوا عقاب ولا أحد يستطيع أن يخلصه من هذا العقاب؟ إذن طالما هناك أخطار كثيرة بالنسبة للمسائل البشرية، كيف يكون من الممكن أن يُغفر لأولئك الذين يظهرون البلادة محاولين أن يُحرِّفوا أقوال مخلصنا ولا يريدون أن يسمعوا حتى لبولس الذى كان يتحدث إليه المسيح بصوت واضح نقى فى داخله: ” ما لم تره عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه” (1كو8:2ـ9).

          إن كانت العين البشرية لا تستطيع أن ترى، ولا الأذن أن تسمع ولا الخاطر البشرى أن يتخيل كل الذى يعده الله لأولئك الذين يحبونه، كيف يكون فى استطاعتنا (يا بولس الطوباوى) أن نعرفها؟ لكن أقول: انتظر قليلاً وسوف تسمع الرسول بولس يعلن لك قائلاً: ” أعلنه الله لنا نحن بروحه” (1كو10:2) ولم يتوقف عند ذلك بل أظهر قوة الروح القدس وأنه مساوٍ للآب فى الجوهر قائلاً: ” لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله” (1كو10:2).

          ثم أراد الرسول بولس أن يجعلنا نفهم فهمًا صحيحًا فاستخدم أمثلة من الحياة البشرية وقال: ” لأن مَنْ مِن الناس يعرف أمور الإنسان إلاّ روح الإنسان الذى فيه، هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلاّ روح الله” (1كو11:2).

          ألا ترى أن ما قاله بولس هو تعليم كامل؟

          حقًا هذا هو البرهان الأعظم والأكثر قوة عن الروح القدس لأنه قدم لنا مثالاً يوضح لنا تمامًا أنه من المستحيل أن لا يعرف الإنسان ما يجول فى فكره. إذن طالما أن هذا لا يمكن أن يكون إلاّ هكذا، كذلك أيضًا فإن الروح القدس يعرف أعماق الله. لكننى لا أعرف لماذا لم يضع كلمات الرسول بولس هذه أولئك الذين بإرادتهم يؤذون أنفسهم صانعين حربًا ضد خلاصهم وضد الروح القدس، إذ يبعدونه بقدر ما يستطيعون من مكانته وسلطانه وينزلونه إلى مكانة أدنى مع مخلوقات الله.

لكن رغم أن هؤلاء يتصرفون بعداوة ويقاومون أقوال الكتاب المقدس، إلاّ أننا نحن الذين قَبِلنا الإيمان المُعلن إلينا من السماء نقدم إلى الرب المجد اللائق به ونبرهن على دقة التعليم الإلهى بالإيمان والحق المستقيم، وبالرغم من أن كل ما قلناه هو كافى للرد على أولئك الذين تجرأوا على المناداة بتعاليم مضادة لتلك التى قالها الروح القدس. إلاّ أننى أرى من الضرورى أن أقدم لكم أيها الأحباء، الإجابة على سؤالٍ: لماذا لم يرسل الرب الروح القدس بعد صعوده إلى السموات مباشرة؟

          هذا الأمر لم يحدث عبثًا وبدون سببٍ. إذ أن الرب يعرف أن الجنس البشرى لا يُقدِّر ـ كما ينبغى ـ الخيرات التى يملكها، ويعلّمنا دائمًا الأمور المفرحة اللائقة بوجود المتضادات وأستطيع أن أشرح هذه الحقيقة بطريقة أفضل.

          فذاك الذى هو مُعافى وقوى جسديًا لا يشعر بهذه العافية والقوة إن لم يختبر المرض والضعف الجسدى. وذاك الذى يرى النهار لا يُقدِّر النور كما يليق إن لم يعقب هذا النور ظلام الليل. حقًا، إن خبرة الأمور المتضادة هى دائمًا خبرة تربوية تعليمية نكتسبها بفرح. هكذا على نفس القياس استمتع التلاميذ بخيرات كثيرة عندما كان المسيح معهم وكانوا فرحين بالحياة معه. أيضًا شهد لهم سُكان فلسطين بأنهم أقاموا موتى وطهروا بُرص وطردوا شياطين وشفوا مرضى وتمموا معجزات كثيرة أخرى.

لذلك كان من الضرورى أن يتركهم فترة زمنية صغيرة بدون القوة التى كانت تعينهم حتى يدركوا بأنفسهم مدى أهمية عطية حضور الرب عندما كان بينهم، حينئذٍ يفهمون قيمة الخيرات السابقة ويقبلون بكل شوق واستعداد عطية المعزى.

          إذن عزّاهم الله فى ضيقتهم وأنارهم بنوره بينما كانوا عابسين ومكتئبين لانفصالهم عن معلمهم وبينما هم شبه موتى أقامهم وأزال سحابة الحزن، حينما سمعوا قول الرب: ” فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (مت19:28). وكانوا من قبل فى حيرة ولم يعرفوا أين ينبغى أن يذهب كل واحد منهم، وفى أى منطقة من الأرض يجب أن يكرز بكلمة الله، حتى جاء الروح القدس على شكل ألسنة نار وقسم لكل واحد المنطقة التى كان يجب أن يعلّم فيها وصار معروفًا باللغة التى أعطاها لكل واحد، لذلك حلّ الروح على شكل ألسنة نار، وبهذا أيضًا يذكرنا بقصة قديمة.

فعندما انحرف الناس ذهنيًا فى القديم وأرادوا أن يبنوا برجًا يصل إلى السماء، أحدث الله بلبلة فى ألسنتهم وهكذا أبطل تخطيطاتهم الغبية. لأجل هذا السبب يحلّق فوق رؤوسهم الروح القدس على شكل ألسنة نارية، لكى يوّحد ـ بهذه الطريقة ـ المسكونة التى كانت منقسمة. وهكذا حدث شئ غريب وغير معتاد، لأنه قديمًا كانت الألسنة تُفرِّق المسكونة، وأما الآن فالألسنة النارية توّحدها وتقود إلى الوفاق بين الأمور التى كانت متضادة ومنفصلة فيما بينها.

إذن، فقد حلّ الروح القدس على شكل الألسنة وحسنًا أخذ شكل ألسنة نارية وذلك لكى تُحرق أشواك الخطية التى نبتت داخل نفوسنا. لأنه كما أن الأرض التى هى غنية وخصبة ولا تُفلّح تمتلئ من الأشواك الكثيرة، هكذا يكون لنا نحن البشر نفس الأمر.

نحن الذين خلقنا الله صالحين وقادرين على أعمال الفضيلة ولكن بسبب أننا لم نقبل فلاحة التقوى ولا بذرة الإيمان بالله امتلأت نفوسنا من أشواك عدم الإيمان ونباتات أخرى غير مفيدة، وكما أنه فى مرات كثيرة يتغطى سطح الأرض ويختفى من جراء الأشواك الكثيفة والنباتات البرية، هكذا لا يظهر نقاء نفوسنا وتأدبها إذ قد غطتها أشواك الخطية، حتى أتى الكلمة خالق الجنس البشرى الذى وضع نار الروح القدس ليطهرنا من الأشواك ويجعلنا مناسبين لقبول بذرة السماء.

 

المحبة هى الثمرة الأولى للروح القدس:

          لقد اكتسبنا فى هذا العيد خيرات كثيرة، لذلك أرجوكم أن نحتفل كما يليق بهذه الخيرات الصالحة التى حصلنا عليها ليس بتزيين المدينة بالأكاليل، لكن بتجميل نفوسنا بالفضيلة. أقول ليس بتزيين الأسواق بستائر ملونة لكن بأن نجعل نفوسنا تتلون وتلمع بالفضيلة حتى نستطيع هكذا قبول نعمة الروح القدس ونجنى ثماره التى سوف يقدمها لنا.

          لكن ما هى ثمار الروح القدس؟

          ليتنا ننصت إلى ما قاله بولس: ” أما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام…” (غل22:5).

          لاحظ بدقة إنه يقدم لنا هذا التعليم ويضع فى البداية المحبة وبعد ذلك يذكر فضائل أخرى. فهو زرع الشجرة وبعد ذلك أظهر لنا الثمرة. وضع الأساسات ثم بنى المبنى. بدأ من المنبع ثم جاء إلى الأنهار. لأنه ليس من الممكن أن يشعر المرء بالفرح إن لم يعتبر أولاً أن فرحه هو سعادة الآخرين، وإن لم يرى أن الصالحات والخيرات الخاصة قريبه كأنها خاصة به. فلكى نستمتع بكل الثمار يجب أن تتملك المحبة على نفوسنا.

          المحبة هى جذر  ومنبع وأم الصالحات،

          لأنها كجذر تُنبت آلاف الفروع من الفضائل،

          وكمنبع  يتدفق منها ماء كثير ونقى،

          وكأم تحتضن كل أولئك الذين يلجأون إليها.

          هذا بالتأكيد يعرفه جيدًا بولس الطوباوى، لذلك دعا المحبة ثمرة الروح القدس. واعتبرها أسمى جدًا، حتى دعاها تكميل الناموس ” المحبة هى تكميل الناموس” (رو10:13). لذلك اعتبر رب الجميع أن المحبة هى الملمح الصادق الذى يتصف به تلاميذه: ” بهذا يعرف الناس أنكم تلاميذى إن كان لكم حب بعضكم نحو بعض” (يو35:13).

          لذلك من فضلكم، دعونا جميعًا نسرع إلى المحبة ونحتضنها ونمسك بها بشدة ونُعيّد هذا العيد. لأنه حيث توجد المحبة تموت شهوات النفس. حيث توجد المحبة تتوقف حركات الشهوات الجامحة للنفس. فالمحبة كما يقول بولس الرسول: ” تتأنى وترفق. المحبة لا تحسد. المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها ولا تحتد ولا تظن السوء” (1كو4:13ـ5).

          المحبة لا تفعل شيئًا شرًا للآخر.

          حيث توجد المحبة لا يوجد أى قايين آخر يقتل أخاه.

          اخرج الحسد من قلبك فتكون قد أخرجت نهر الشرور.

          اقطع جذر شجرة الخطية وسوف تختفى ثمارها مباشرة.

          وأقول ذلك، بسبب أننى حزين جدًا على أولئك الذين يحسدون إذ يؤذون ذواتهم ويدمروها بينما من يقع عليهم فعل الحسد ينالون مكافأة من الله. لذا نمدح هابيل ونذكر دائمًا أنه بسبب الحسد اكتسب مجدًا. إذ أن قايين قتله وظلّ عائشًا هائمًا مرتعبًا من الفزع. لكن هابيل الذى قُتِلَ تحدث بأكثر شجاعة بعد موته ” وإن مات يتكلم بعد” (عب4:11). وكما جعلت الخطية قايين يحيا وهو أكثر عارًا من الأموات، هكذا جعلت الفضيلة هابيل ممجدًا بعد موته.

 

تحذيرات وتوصيات:

          إذن، لكى نكتسب ثقة أعظم فى هذه الحياة وفى الحياة الأخرى، ولكى نستمتع جدًا بالفرح الذى يقدمه لنا هذا العيد ليتنا نخلع عنا ملابس نفوسنا القذرة خاصة لباس الحسد. لأنه إن كنا نفعل أعمالاً صالحةً لا تحصى سوف نفقد كل شئ إن كان يوجد فى داخلنا هذا الخطأ المر والممقوت (الحسد)، والذى علينا أن نتجنبه كلنا، خاصة أولئك الذين خلعوا بالمعمودية اليوم لُباس الخطايا العتيق ويلمعون الآن باللباس الجديد مثل أشعة الشمس.

          إذن من فضلكم، يا من صرتم اليوم أبناء الله، أنتم الذين لبستم هذا الثوب البهى، احفظوا الفرح الذى نلتموه الآن، طالما أعقتم الشيطان وعلّيتم الجدار حتى لا يأتى إلى نفوسكم من الباب. وطالما أنتم تستمعون بغنى الروح القدس فإنكم ترون الثمار الروحية ثلاثون وستون ومائة، وبذلك تستحقون الحضور بدالة أمام الملك السماوى عندما يأتى ويُقسم الخيرات التى لا تُحصى على أولئك الذين عاشوا بتقوى وفضيلة هنا على الأرض بحسب وصايا ربنا يسوع المسيح الذى له المجد والقوة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.

 

عيد حلول الروح القدس ع2 – ذهبي الفم

العظة الأولى عن عيد حلول الروح القدس – ذهبي الفم

العظة الأولى عن عيد حلول الروح القدس – ذهبي الفم

العظة الأولى عن عيد حلول الروح القدس – ذهبي الفم

العظة الأولى عن عيد حلول الروح القدس – ذهبي الفم

1 ـ مرة أخرى نعيّد، مرة أخرى نحتفل، والكنيسة، تلك الأم المحبة جدًا ـ كثيرة الأولاد ـ تفتخر بكل هذا العدد من أولادها. ولكن ما فائدة تلك المحبة، إذا كانت لا ترى الأوجه المحببة لأولادها باستمرار، بل تراها فى الأعياد فقط، مثل من يملك ثوبًا رائعًا ولكن لا يسمحون له بارتدائه باستمرار؟ لأن ثوب الكنيسة هو هذا الجمع الذى يأتى إلى الكنيسة، كما يقول النبى بالوحى الإلهى: ” إنك تلبسين كلهم كحلى وتتنطقين بهم كعروس” (إش18:49).

 

وبالضبط كما أن المرأة العاقلة والحرة داخليًا تظهر أكثر احترامًا وأكثر احتشامًا عندما ترتدى الملابس الطويلة حتى قدميها، هكذا فالكنيسة تبدو اليوم أكثر بهجة لأنها محاطة بالعدد الغفير من أجسامنا ورداؤها طويل، ولا يمكن أن ترى اليوم جزءً منها عاريًا (خاليًا منا)[1] كما فى الأيام السابقة، حيث كان الذين حضروا اليوم فقط سببًا فى عرى الكنيسة بالأمس، هؤلاء الذين لا يهتموا بالأمر. ولكى نعرف أنه ليس بالخطر البسيط أن تُترك الأم عارية، علينا أن نتذكر قصة قديمة. لنتذكر ذلك الذى نظر والده عاريًا وعُوقب من أجل هذا فقط (تك20:9ـ27) ومع أنه لم يكن هو الذى عرى أبيه بل فقط نظره وهو عارٍ فإنه مع ذلك لم يُعف من العقاب. لكن الذين أتوا اليوم فقط ولم يأتوا فى الأيام السابقة لم ينظروا الأم عارية، لكنهم هم الذين عروها. فإن كان ذاك الذى نظر العرى فقط لم يفلت من العقاب، فكيف يُصفح عن هؤلاء الذين كانوا سببًا فى العرى.

 

وما أقوله هنا لا أريد به أن أوبخكم بل أريد أن أجنبكم العقوبة، لكى تتجنبوا لعنة “حام”، ولنتمثل بمحبة “سام” و”يافث” ونوقر نحن أيضًا أمنا دائمًا.

 

إن التقاليد اليهودية كانت تحتم علي الشعب اليهودى أن يظهروا أمام الله ثلاث مرات فى السنة. فقد قال لهم الرب ” ثلاث مرات فى السنة يظهر جميع ذكورك أمام السيد الرب” (خر7:23).

 

أما نحن فالرب يريدنا أن نظهر أمامه دائمًا. فهؤلاء كانوا يجتمعون ثلاث مرات فقط بسبب بُعد المسافات إذ أن عبادة الله حينذاك كانت محدودة فى موضع معين، ولهذا كان ظهورهم أمام الله قليلاً، لأنه كان من الضرورى أن يحجوا لأورشليم وليس لموضع آخر. ولهذا فقد أعطاهم وصية أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات فى السنة، وكان بُعد المسافات عذرًا معقولاً بالنسبة لهم. الأمر الذى لا نعانى نحن منه. فقد كانوا مشتتين فى كل أرجاء الأرض إذ يقول ” وكان يهود رجال أتقياء من كل أمة تحت السماء ساكنين أورشليم” (أع5:2).

 

أما نحن، وإن كنا لا نقطن كلنا فى مدينة واحدة، إلاّ أنه تجمعنا أسوار واحدة وفى كثير من الأحيان لا يفصلنا عن الكنيسة ولا حتى شارع ضيق، ومع ذلك فنحن نأتى إلى هذا الاجتماع المقدس مرات قليلة مثل هؤلاء الذين كانت تفصلهم بحار.

 

لهؤلاء أعطى الرب وصية أن يظهروا أمامه ثلاث مرات فى السنة، أما لنا نحن فقد أوصانا أن نعيّد دائمًا، لأن لدينا عيدًا دائمًا ولكى تعلموا أن لدينا عيدًا دائمًا سأقول لكم عن موضوع كل عيد وستعرفون أن كل يوم هو عيد عندنا.

 

عيدنا الأول هو عيد الأبيفانيا: فما هو موضوع هذا العيد؟ يقول باروخ النبى: ” وبعد ذلك تراءى على الأرض ومشى بين الناس” (باروخ38:3)، لأن ابن الله الوحيد هو معنا وإلى الأبد لأنه يقول ” انظروا هاأنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت20:28)، ولهذا فمن الممكن أن نعيّد الثيوفانيا (عيد الظهور الإلهى) كل الأيام.

ولأى سبب نحتفل بالبصخة؟ (عيد القيامة) وما الداعى لهذا العيد؟،

فى ذلك العيد نبشر الكل بموت الرب، وهذا هو معنى البصخة، إلاّ أنه ولا حتى هذا نفعله فى وقت معين.

والرسول بولس يريد أن يعفينا من التقيد بالتحديدات الزمنية، ولكى يبرهن لنا على أنه يمكننا أن نحتفل دائمًا بالبصخة فإنه يكتب قائلاً ” لأنه فى كل مرة تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس تبشرون بموت الرب” (1كو26:11).

فطالما نستطيع دائمًا أن نبشر علنًا بموت الرب، فإننا نستطيع دائمًا أن نحتفل بالبصخة (بعيد القيامة).

أتريدون أن تعلموا أنه يمكن الاحتفال كل يوم بالعيد الذى نعيّد له فى هذا اليوم؟ لنرى سبب هذا العيد ودواعى احتفالنا به: نحتفل بهذا العيد لأن الروح القدس قد أتى إلينا، لأنه كما أن ابن الله الوحيد هو مع المؤمنين، هكذا فإن الروح القدس هو أيضًا بالتمام معكم. ومن أين نعرف هذا؟ يقول السيد المسيح إن “من يحبنى“، ويكمل قائلاً “سيحفظ وصاياى وأنا سأطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد” (يو15:14ـ 17). كما قال السيد المسيح عن نفسه ” إنى سأمكث معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” ولهذا نستطيع أن نعيّد لعيد الظهور الإلهى[2]، هكذا قال عن الروح القدس إنه معكم إلى انقضاء الدهر ولهذا نستطيع أن نعيّد دائمًا عيد الخمسين.

2 ـ أرأيت أنه لم يقيدك بوقت معين، لكنه يشجعك على أن يكون لك خمير نقى؟

وأريد أن أخصص كل عظتى لهذا الأمر لأن أولئك الذين يقبضون على آخرين بعد جهد كبير لا يخلون سبيلهم بسهولة. ولأنى أمسكتكم فى شباكى بعد زمن طويل، أنتم الذين جئتم إلى هنا بعد غياب، فإنى لا أريد أن أترككم اليوم. ولكى لا تمضوا بدون أن تسمعوا شيئًا عن هذا العيد، فإنى سأخصص حديثى الآن عن سبب هذا العيد.

لقد أُعطى الجنس البشرى كله خيرات كثيرة من السماء ولمرات عديدة، أما مثل خيرات هذا العيد فلم يُعطَ أبدًا قبل هذا اليوم.

اعلموا إذن ما هى الخيرات السابقة وما هى خيرات اليوم لتعرفوا الفرق بينهما. يقول المزمور ” وأمطر عليكم منًا للأكل، وبَرُّ السماء أعطاهم” (مز24:78).

إذن فقد أكل الإنسان خبز الملائكة. إن هذا الأمر عظيم وجدير بمحبة الله للبشر. ثم بعد هذا أرسل نارًا وأعاد شعب إسرائيل إلى طريق الرب بعد أن كانوا قد ابتعدوا عنه ، ثم أصعد ذبيحتهم من على المذبح. ثم سقط المطر مرة أخرى عندما كادوا يهلكون من الجوع وجعل حصاد ذلك العام وفيرًا.

عظيمة هى هذه المعجزات، لكن أعظم منها هى معجزات اليوم. لأن اليوم لم يسقط مَنّ ولا نار ولا مطر من السماء، لكن هطلت بركات روحية غزيرة. سقط من السماء مطر لا لكى يجعل الأرض تفيض بالأثمار، بل لكى يقنع الجنس البشرى فيقدم ثمار الفضيلة لفلاّح البشرية (المسيح). وهؤلاء الذين تقبلوا قطرة من هذا المطر السماوى، أنكروا ذواتهم على الفور، وفجأة امتلأت الأرض كلها بملائكة، ملائكة ليست سماوية لكن مظهرين بأعمال أجسادهم البشرية فضائل القوات غير المتجسدة.

لأن الملائكة لم تهبط من السماء، لكن الأمر الأكثر عجبًا هو أن البشر قد صعدوا إلى مرتبة فضائل الملائكة. وأعنى أنهم لم يتجولوا كنفوس مجردة عارية، بسبب إهمالهم الاهتمام بأجسادهم، لكنهم وهم فى الجسد صاروا ملائكة فى الفضيلة.

ولكى تعلم أن العقاب الأول (لآدم) لم يكن عقابًا، أى عندما قال الله ” أنت تراب وإلى التراب تعود” (تك19:3) فقد تركك لتبقى على الأرض، لكى تظهر بالأكثر قوة الروح القدس، وذلك حينما يصل هذا الجسد الترابى إلى مثل تلك الإنجازات (الروحية). (إذًا بواسطة عمل الروح القدس فى الإنسان) أمكن للمرء أن يرى لغة تخرج (من فم) ترابى وتقدر أن تشفى المرض، وأكثر من هذا، فإنه لم تُرَ اليد فقط، لكن أشياء أكثر أعجازًا، فظلال الأجساد التى هى من طين أمكنها أن تنتصر على الموت وعلى قوات الشر غير المتجسدة، وأعنى الشياطين.

لأنه كما ينقشع الظلام بشروق الشمس وكما تختبئ الوحوش الكاسرة داخل جحورها وكما يهرب القتلة واللصوص ونباّش القبور إلى قمم الجبال، هكذا عندما بدأ بطرس الرسول كلامه، انقشع ظلام الضلالة وهرب الشيطان، وفرت قوات الشر واختفت الأمراض الجسدانية، وشُفيت النفوس المريضة، وتلاشت كل الشرور وعادت الفضيلة إلى الأرض.

 

وكما أنه إن استطاع أحد العاملين بالخزائن الملّكية التى تحوى الذهب والأحجار الكريمة أن يحصل بموافقة المختصين على إحدى هذه الجواهر أو الأحجار حتى ولو كانت صغيرة، فإنه يصير غنيًا جدًا. هكذا صار أيضًا للكلمات التى خرجت من أفواه الرسل، إذ أن أفواههم كانت خزائن ملكية حُفظ فى داخلها كنز شفى أمراضًا كثيرة. وكل كلمة خرجت كانت سببًا فى ثراء روحى كبير.

فقد كان ممكنًا حينذاك أن يرى المرء بالفعل أن كلمات الرب كانت تمثل مشتهى كثيرين أكثر من الذهب والأحجار الكريمة. إذ أن الأمر الذى استعصى تنفيذه بواسطة الذهب والأحجار الكريمة تحقق بكلام بطرس الرسول. فبالفعل كم هى عدد الدراهم التى كان يمكن أن تشفى ذلك الذى كان مقعدًا منذ ولادته؟ لكن استطاعت كلمات بطرس أن  تقيمه من عجزه الطبيعى هذا. فقد قال له “ باسم يسوع المسيح قم وامش” (أع6:3) وقوله تحقق فى الحال.

أرأيت كيف أن كلمة الرب هى مشتهاة أكثر من الذهب والأحجار الكريمة؟ أرأيت كيف أن أفواه الرسل كانت خزائن ملكية؟

بالفعل كان الرسل أطباء، وزرّاع، وربانية سفن؛

كانوا أطباء، لأنهم شفوا مرضى،

وزرّاع، لأنهم بذروا كلمة التقوى،

وربانية، لأنهم أسكتوا نوات الضلال.

 

ولهذا فقد قال لهم الرب مرة ” اذهبوا واشفوا المرضى” (مت8:15). كما لو أنه يتحدث إلى أطباء،

ومرة أخرى قال لهم ” أرسلكم الآن لتحصدوا ما لم تتعبوا فى غرسه” (يو38:4)، كما لو كان يتكلم مع زرّاع ،

وفى موضع آخر قال لهم “سأجعلكم صيادى الناس” (مت19:4)، وقال لبطرس ” لا تخف، من الآن تكون تصطاد الناس” (لو10:5) وكأنه يتحدث إلى ربانية سفن وصيادين. وهكذا فقد كان من الممكن أن يرى المرء معجزة تلى معجزة.

لقد صعدت الطبيعة البشرية قبل عشرة أيام إلى عرش الله الملوكى واليوم حلّ الروح القدس عليها. لقد أصعد الرب باكورتنا وأرسل لنا الروح القدس. والروح أيضًا هو رب، وهو واهب هذه العطايا. فهو والآب والابن يدبرون كل احتياجاتنا.

فقبل عشرة أيام صعد المسيح إلى السماء، وأرسل لنا مواهب روحية، وعطايا هذه المصالحة. ولكى لا يشك أحد إذن، أو يتساءل: ” ماذا فعل المسيح عندما صعد إلى السماء، هل صالحنا مع الآب؟ هل جعل الآب يسامحنا ؟ ولكى يُظهر لنا أنه قد صالح الجنس البشرى بالآب، فقد أرسل لنا مباشرة عطايا هذه المصالحة، لأنه عندما يتصالح الأعداء، فإنهم حالاً ما يتبادلون كلمات الأمنيات الطيبة والولائم والهدايا.

لقد قدمنا نحن إيماننا، وأخذنا عطايا سماوية، قدمنا طاعة، وأخذنا تبريرًا.

 

3 ـ ولكى تعلموا أننا أخذنا الروح القدس كعطية تصالح الله معنا. سأحاول أن أقنعكم من الكتاب المقدس. وسأبدأ أولاً بمحاولة إثبات العكس وإثبات أن الله لا يرسل نعمة الروح القدس إذا كان غاضبًا منا، لكيما إذا اقتنعت بأن غياب الروح القدس هو دليل غضب الله، تتأكد أن إرساله مرة أخرى هو دليل المصالحة ، لأنه لو لم تكن المصالحة قد تمت لَما أرسل الروح القدس . من أين لنا أن نعرف ذلك ؟

 

كان عالى (الكاهن) إنسانًا متقدمًا فى السن وكان صالحًا وتقيًا فى كل شئ، غير أنه لم يكن يعرف كيف يُصلح أخطاء أولاده، إذ كان يحبهم بطريقة مبالغ فيها، واسمعوا أنتم يا من لديكم أبناء، وليكن لديكم المعايير المناسبة فى محبتكم لأولادكم (حتى لا تفسدوهم) وليكون الاحترام قائم بينكم.

لقد أثار عالى، بفعله هذا، غضب الله جدًا إلى الحد الذى جعل الله يصرف وجهه عن كل جنس عالى الكاهن. ولكى يُظهر كاتب السفر موقف الله الغاضب قال “ وكانت كلمة الرب عزيزة فى تلك الأيام لم تكن رؤيا كثيرًا” (1صم1:3)، ومعنى أن الكلام عزيز هو ندرته، إذ بقوله هذا أوضح أن النبوات كانت نادرة.

وشخص آخر كان يبكى وينتحب لأجل غضب الله ” ليس لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبي ولا قائد ولا محرقة ولا ذبيحة ولا تقدمة ولا بخور ولا موضع لتقريب البواكير أمامك” (دا38:3)، والإنجيلى يقول أيضًا “ لأن الروح لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد” (يو39:7). بمعنى أنه لم يكن “قد صُلب” بعد، فإن الروح لم يكن قد أُعطى بعد للبشر وذلك لأن “قد صُلب” معناها ” قد مُجد” ورغم أن عملية الصلب بطبيعتها عملية مهينة، لكن لأنها تمت لأجل من أحبهم، فلهذا يدعوها المسيح “مجد”.

لكن ما هو السبب فى أن الروح القدس لم يُعط قبل الصلب؟ لأن البشرية كانت تعيش فى الخطية وفى العثرات، وفى البغضة والضلال، إذ أن الحمل الذى حمل خطايا العالم، لم يكن قد قُدم ذبيحة بعد. المسيح لم يكن قد صُلب، لذلك لم تكن هناك مصالحة، وبما أنه لم تكن هناك مصالحة، كان من المناسب عدم إرسال الروح القدس. وبالتالى، بما أنه أرسل الروح القدس فهذا يعنى أن المصالحة قد تمت. ولهذا قال السيد المسيح ” إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى” (يو7:16). إن لم أنطلق ـ يقول ـ لا تتم المصالحة مع الآب، ولذلك لن أرسل لكم المعزى.

أرأيتم بكم من البراهين أشرنا إلى أن غياب الروح القدس من بين البشر كان علامة على غضب الله ؟ ” كانت كلمة الرب عزيزة، ولم تكن رؤيا كثيرًا“، ” ليس لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبي ولا قائد ولا محرقة ولا ذبيحة ولا تقدمة ولا بخور ولا موضع لتقريب البواكير أمامك“، لماذا “لأن الروح لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد“. ” خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى“. وعندما ترى أن الروح القدس يأتى بغنى فلا تشك إطلاقًا فى أن هذه المصالحة قد تمت.

 

ويمكن أن يسأل أحد: أين هو الروح القدس الآن؟. لأنه عندما كانت تحدث المعجزات، ويقوم الأموات، ويتطهر البرّص، كان يمكن التحدث عن عمل الروح القدس، أما الآن كيف نثبت أن الروح القدس معنا؟ لا تخافوا لأنى سأبين لكم كيف أن الروح القدس معنا الآن. كيف وبأى طريقة؟ إن لم يكن الروح القدس معنا الآن بالفعل، كيف يتطهر الذين تعمدوا من خطاياهم فى تلك الليلة المقدسة لأنه لا يقدر أحد أن يتخلص من خطاياه بدون فعل الروح القدس.

 

واسمعوا الرسول بولس الذى يقول ” لأننا نحن أيضًا كنا أغبياء وغير طائعين ضالين مستعبدين لشهوات ولذّات مختلفة عائشين فى الخبث والحسد ممقوتين مبغضين بعضنا بعضًا، ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه لا بأعمال في بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس” (تيطس3:3ـ5). وفى موضع آخر يقول ” لا تضلوا لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مابونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله” (1كو9:6ـ10)، أرأيت كل هذه الشرور “وهكذا كان أناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو11:6).

 

كيف تم هذا ؟ هذا ما نريد أن نعرفه. هل غُفرت الخطايا بعمل الروح القدس ؟ فلنسمع ” لكن اغتسلتم بل وتقدستم لأنكم اعتمدتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا“. أرأيت إذن أن الروح القدس يمحو كل هذه الخطايا؟

4 ـ أين هم الآن الذين يجدفون على الروح القدس؟ لأنه إن كان لا يمحو الخطية، فستكون المعمودية بلا هدف، وإن كان يمحو الخطايا، فباطل إذن تجديف الهراطقة.

 

وإن لم يكن هناك الروح القدس، فلم نكن لنستطع الاعتراف بأن يسوع هو رب “ ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس” (1كو3:12). ولو لم يكن الروح القدس موجودًا لما استطاع المؤمنون أن يتضرعوا قائلين ” أبانا الذى الذى فى السموات” (مت9:6). ومثلما لم نكن نقدر (بدون الروح القدس) أن نشهد أن المسيح رب، هكذا أيضًا لم نكن نقدر بدونه (بدون الروح) أن ندعو الله أبانا. وبماذا نثبت قولنا هذا ؟ من قول الرسول نفسه ” وبما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب” (غلا6:4)، حتى أنك عندما تدعو الله قائلاً: ” أبانا” فتتذكر أنك استحققت أن تدعو الله أباك بسبب أن الروح قد دفعك إلى هذا.

 

وإن لم يكن الروح القدس موجودًا لما كان فى الكنيسة روح الحكمة والمعرفة “ لأنه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد ” (1كو8:12). ولو لم يكن الروح موجودًا فى الكنيسة لما كان فيها رعاة ومعلمين. إذ أن هؤلاء يقيمهم الروح القدس كما يقول بولس الرسول ” … ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه” (أع28:20). وأنظر أيضًا فإنه حتى ما يحدث هنا هو من عمل الروح القدس.

فإن لم يكن الروح القدس فى أبينا ومعلمنا هذا[3] والذى صعد منذ قليل على المنبر وبارككم جميعًا قائلاً “السلام لجميعكم” لِما قلتم له جميعًا ” ولروحك أيضًا”. وأنتم لا تجاوبونه هكذا فقط عندما يصعد إلى المنبر، أو عندما يعظكم أو يصلى لكم، ولكن أيضًا عندما يقف بجانب هذه المائدة المقدسة وهو مزمع أن يقدم عليها هذه الذبيحة المهوبة، والمرتلين يعرفون ما أقوله.

فهو لا يمس القرابين الموضوعة أمامه قبل أن يدعو لكم بنعمة الرب، وأنتم تجاوبونه قائلين “ومع روحك أيضًا”. وبهذه الإجابة تذكرون أنفسكم بأن هذه الجواهر ليست من صنعه أو من صنع إنسان، بل هى هكذا بواسطة نعمة الروح القدس، الحاضر والذى يرفرف فوق الجميع، ليعد تلك الذبيحة  السرية.

لأنه حتى وإن كان الذى يقف هناك هو إنسان، غير أن الله هو العامل فيه. فلا تنشغل إذن بالإنسان الذى تراه، بل اهتم بأن تعى عمل نعمة الله غير المنظورة. فلا شئ مما يحدث فى هذا الهيكل المقدس هو بشرى، فلو لم يكن الروح القدس حاضرًا لما تأسست الكنيسة، وطالما أنه توجد الكنيسة فهذا بفضل حضور الروح القدس.

 

وربما يتساءل أحد، لماذا لا تحدث معجزات اليوم ؟ هنا أرجوكم أن تنتبهوا بشدة، لأنى أسمع عن هذا الأمر من كثيرين وفى كل مكان وباستمرار يطلبون تفسيرًا له. لماذا كان الذين تعمدوا حينذاك يتكلمون بألسنة عديدة والآن لا يحدث نفس هذا الأمر؟ فلنعرف أولاً ماذا يعنى أنهم كانوا يتكلمون بألسنة وبعد ذلك سنتحدث عن سبب ذلك. ماذا يعنى إذن أنهم كانوا يتكلمون بألسنة غريبة؟.

فالذى تعمد حينذاك كان يتكلم مباشرة بلغات الهنود والمصريين والفرس والعرب وكان الشخص الواحد منهم يتكلم عدة لغات. ولو كان الذين قد تعمدوا اليوم، قد تعمدوا حينذاك لسمعناهم يتكلمون مباشرة لغات مختلفة. لأن بولس يقول إنه تقابل مع جماعة كانوا قد تعمدوا بمعمودية يوحنا فقال لهم ” هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم ؟ فأجابوا: ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس” (أع2:19). فأشار عليهم مباشرة أن يتعمدوا “ ولما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس فطفقوا يتكلمون بألسنة” (أع6:19).

فلماذا إذن رُفعت هذه الموهبة وغابت من بين البشر؟ ليس بسبب أن الله لا يُكرّمنا ، بل على العكس لأنه يُكرّمنا جدًا، كيف؟ سأقول لكم.

لقد كانت تصرفات البشر حينذاك أكثر مجونًا إذ لم يكن قد مضى وقت طويل على تركهم لعبادة الأوثان، وكانت أذهانهم أكثر بُعدًا عن فهم الأمور الروحية بل وغير حساسة لما يحدث أمامهم فصاروا مندهشين لما يدور حوله. ولم يكن لديهم أى معرفة عن المواهب الروحية أو حتى عن ماهية النعمة الروحية التى يستطيع المرء بالإيمان فقط أن يدركها، ولهذا حدثت المعجزات. لأنه من بين العطايا، يوجد ما هو غير مرئى ويمكن إدراكه بالإيمان فقط، والبعض الآخر مصحوب بعلامات لكى يراها المؤمنين.

وكمثال لما أقصده هو الآتى: غفران الخطايا، هو أمر روحى، هو عطية غير مرئية، إذ أننا لا نرى بعيون الجسد كيف نتطهر من خطايانا. لكن لماذا؟ لأن النفس هى التى تتطهر والنفس لا ترى بعيون الجسد.

 

التطهير من الخطايا إذن، هى إحدى العطايا الروحية ولا يمكن رؤيتها بعين الجسد، وأن يتكلم شخص بألسنة غريبة هو بالطبع أيضًا عطية روحية من فعل الروح القدس، ولكنه يُعطى بعلامة حسية يدركها المؤمنين بسهولة. فاللغة لأننا نسمعها ، فهى إظهار ودليل على الطاقة غير المرئية التى تحدث داخل نفوسنا “  لكنه لكل واحد يعطى إظهار الروح للمنفعة” (1كو7:12).

فأنا إذن لست بحاجة إلى دليل أو علامة، ولماذا؟ لأنى تعلمت أن أؤمن بالرب بدون أن يُعطينى أية آية، لأن ذلك الذى لا يؤمن يحتاج إلى ضمان، أما أنا فلا أحتاج إلى ضمان لأنى أؤمن، ولا حتى إلى علامة، ولكن حتى وإن كنت لا أتكلم بلسان غريب، فأنى أعرف أنى قد تطهرت من الخطية.

فهؤلاء الذين تعمدوا حينذاك، لم يكونوا ليؤمنوا إن لم يكونوا قد حصلوا على علامة. لهذا فقد أعطاهم آية كضمان للإيمان الذى آمنوا به. وبالتالى فقد أعطاهم آية ليس لأنهم كانوا مؤمنين بل لأنهم كانوا غير مؤمنين ولكى يصيروا مؤمنين، هكذا يقول بولس الرسول ” إذًا الألسنة آية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين” (1كو22:14).

أرأيتم أن توقف الله عن عمل المعجزات هو دليل ليس على عدم تكريم الله لنا بل على تكريمه لنا؟. ولماذا فعل هذا معنا؟ لأنه يريد أن يُظهر إيماننا، إننا نؤمن به بدون ضمانات أو معجزات. إن أولئك الذين تعمدوا حينذاك، لو لم يكونوا قد حصلوا على بعض الضمانات والإثباتات أولاً، لَما كان فى استطاعتهم أن يؤمنوا بالله بواسطة أمور لا تُرى. أما أنا فبدون هذه الأمور (المرئية) فإنى أؤمن بكل قلبى. وهذا هو السبب إذن فى عدم حدوث معجزات الآن.

5 ـ أود أن أتكلم أيضًا عن سبب هذا العيد وأن أبيّن بالضبط ما هو عيد الخمسين ولماذا أُعطيت مواهب الروح القدس على هيئة ألسنة نار فى ذلك اليوم، ولماذا كان ذلك بعد صعود المسيح بعشرة أيام .غير أنى أرى إنى أطلت الحديث، ولهذا سأتوقف بعد أن أضيف شيئًا صغيرًا ” ولِمّا حضر يوم الخمسين كان الجميع معًا بنفس واحدة، وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم” (أع1:2ـ3).

ليست ألسنة من نار، لكن كأنها من نار، لئلا تعتقد أن الروح القدس هو شئ محسوس، مثلما فى نهر الأردن حيث حل، ليس كحمامة، لكن فى شبه حمامة. وهكذا هنا ظهر لا نار (فعلاً) بل فى شبه نار. وأيضًا يذكر سفر الأعمال أنه ” صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة” (أع2:2)، لا يقول إنه هبوب ريح، بل يقول “ كما من هبوب ريح عاصفة “.

وما هو السبب فى أن حزقيال لم يأخذ موهبة النبوة بشكل مماثل وعلى هيئة نار لكن أخذه فى درج (حز9:2)، بينما أخذ الرسل المواهب بواسطة ألسنة كأنها من نار؟

بالنسبة لحزقيال، يقول الكتاب إن الله أعطى له درج مكتوب فيه مراثى ونحيب وعويل، وكان مكتوبًا من الداخل ومن قفاه (حز10:2). فأكل حزقيال الدرج فصار فى فمه كالعسل حلاوة (حز3:3). أما عن الرسل فلا يقول هكذا بل يقول “ وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار” . فلأى سبب إذن ظهر هناك درج وهنا ألسنة كأنها من نار ؟ لأن حزقيال كان سيذهب ليرثى خطايا اليهود وينتحب على خرابهم ، أما الرسل فإنهم كانوا سيذهبون فى شتات الأرض ليغفروا خطايا جميع الناس. ولهذا فإن حزقيال قد أخذ درجًا كتب فيه الخراب الذى كان مزمعًا أن يحدث لليهود، أما الرسل فقد أخذوا نارًا ليحرقوا خطايا البشر ويغفروها . لأنه كما أن النار تقع على الأشواك فتمحوها ، هكذا تمحو نعمة الروح القدس خطايا البشر.

لكن اليهود ، عديمى الإحساس، عندما حدث هذا ، بينما كان عليهم أن يتعجبوا وفى رهبة يسجدون لذلك الذى منح هذه المواهب ، نراهم قد أظهروا مرة أخرى عدم فهمهم متهمين الرسل الذين نالوا بغنى مواهب الروح القدس ، بأنهم سكارى إذ قالوا “ وكانوا آخرون يستهزئون قائلين إنهم قد امتلأوا سلافة ” (أع13:2). لاحظ هنا كيف ينكر البشر المعروف وكيف يقدره الملائكة ، إذ أن الملائكة عندما نظروا باكورتنا[4] وهو صاعد إلى السماء ، فرحوا وقال “ ارتفعن أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد ” (مز8:24).

أما البشر فعندما رأوا نعمة الروح القدس وهى تحل علينا قالوا إن هؤلاء الذين تقبلوا هذه النعمة سكارى . بل أن هؤلاء اليهود لم يعرفوا حتى مواسم السنة الزراعية، لأنه من غير الممكن أن يتواجد فى فصل الربيع (وقت الاحتفال بعيد الخمسين حينذاك) هذا النوع من العنب حلو المذاق الذى يصلح لعمل هذا النوع من الخمر .

لكن لنترك هؤلاء ، ولنفحص نحن عطية الله محب البشر لنا . لقد أخذ المسيح طبيعتنا وأعطانا فى المقابل نعمة الروح القدس. وكما يحدث فى الحرب التى يطول مداها أنه عندما تتوقف المعارك ويحل السلام، فإن الأعداء يتبادلون الضمانات والأسرى، هكذا صار بين الله والبشر، فلقد أصعد المسيح باكورة طبيعتنا إلى السماء، إلى الله كعربون وضمان، وأرسل لنا الله الروح القدس كضامن.

وما يبين أن ما لدينا هو عهد وضمان ما يأتى. المتعهد والضامن لابد أن يكونا من جنس ملوكى . ولهذا أرسل الروح القدس إذ هو من جوهر ملوكى فائق ، وأيضًا ما قُدم من جهتنا كان من جنس ملوكى ، إذ كان من نسل داود ولهذا فنحن لا نخاف بعد ، طالما أن باكورتنا هى فى السماء . وحتى إن هددنى شخص بالعذاب الأبدى وبالنار التى لا تُطفأ أو بأى عقاب آخر ، فلن أخاف إذن . أو بالحرى سأخاف غير أنى لن أكون يائسًا من خلاصى . لأنه لو كان الله لم يَرِد خيرات عظيمة للإنسان ، لما كان قد قَبِلَ باكورتنا فى السماء .

 

فقبل ذلك ـ عندما كنا نتطلع إلى السماء ونفكر فى القوات السمائية غير المتجسدة، كنا نتأكد بالأكثرـ بالمقارنة مع هذه القوات ـ من ضعفنا. أما الآن، فعندما نريد أن نرى ما صار لنا من كرامة فإننا نتطلع عاليًا نحو السماء إلى عرش الله نفسه لأن هناك تجلس باكورتنا. وهكذا سيأتى ابن الله من السماء ليديننا. فلنستعد إذن لكى لا نخسر ذلك المجد لأن سيدنا قادم بالتأكيد ولن يتأخر . سيأتى ومعه قوات وطغمات الملائكة وأرباب ورؤساء ملائكة ، وأجيال الشهداء وجماعات الأتقياء ، وكثير من الأنبياء والرسل ووسط هذه الكوكبة سيظهر الملك بمجد لا يُوصف ولا يُعبر عنه .

 

6 ـ لنفعل إذن كل ما فى جهدنا لكى لا نخسر ذلك المجد. أتريدون أن أقول لكم عن الأشياء المخيفة أيضًا ؟ لا لكى أحزنكم بل لكى أًصلِحَكم. حينذاك سوف يجرى نهر من نار قدامه (دانيال 10:7) وسوف تُفتح الأسفار. وستكون محاكمة رهيبة . فكما فى المحكمة تُقرأ عرائض تخص أعمالنا، وهكذا يتكلم الأنبياء عن هذه الأسفار . فيقول موسى ” والآن إن غفرت خطيتهم . وإلاّ فامحنى من كتابك الذى كتبت” (خر32:32). كما أن السيد المسيح قال لتلاميذه ” لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم بل افرحوا بالحرى أن أسماءكم كُتبت فى السموات ” (لو20:10) وداود أيضًا كتب قائلاً ” رأت عيناك أعضائى وفى سفرك كلها كتبت ” (مز16:138). وأيضًا قال “ليُمحو من سفر الأحياء ومع الصديقين لا يُكتبوا” (مز29:69).

أترى أن البعض تُكتب أسمائهم والبعض تمحى أسمائهم ؟ أتريد أن تعلم أنه ليس فقط أسماء الأبرار هى التى تُكتب فى هذه الأسفار بل وأيضًا خطايانا؟

اليوم عيد واليوم نتعلم أمورًا تقدر أن تنجينا من الهلاك . الكلمات مرعبة لكنها مفيدة ونافعة ، إذ هى قادرة أن تنقذنا من التهاون فى حياتنا الروحية. ولنعلم إذن أن خطايانا تُسجل ، وأيضًا ما نقوله هنا فى الحال يُكتب هناك . لكن من أين عرفنا هذا ؟ لأنه ليس من اللائق أن نتكلم باستخفاف فى أمور هكذا . يقول ملاخى لليهود ” لقد أتعبتم الرب بكلامكم” وبأى طريقة ؟ يقول “بقولكم كل من يفعل الشر فهو صالح فى عينى الرب” (ملاخى17:2).

هذه الكلمات هى أقوال عبيد ينكرون المعروف ومع هذا فقد قبلهم الله إذ يقول الكتاب إنه قَبِل هؤلاء الذين لم يخدموه بل قالوا عنه ” عبادة الله باطلة وما المنفعة من أننا حفظنا شعائره وأننا سلكنا بالحزن قدام رب الجنود والآن نحن مطوبون المستكبرين ” (ملاخى14:3ـ15)، أى يقولون إنهم طوال النهار يعملون وآخرين يتمتعون بالخيرات . مثل هذه الأقوال يرددها العبيد دائمًا أمام سادتهم .

وأن يقولها إنسان لإنسان آخر مثله ، فهذا أمر ليس بهذه الخطورة ، أما أن يقول شخص مثل هذه الكلمات لرب الكون كله ـ الذى هو رحيم ومحب البشر ـ فهذا أمر خطير فعلاً ويفوق كل حكم ويستحق أشد العقاب. لكن لنعلم أن هذه الأقوال تُدون ، أسمع ما يقوله النبى “والرب أصغى وسمع وكتب أمامه سفر تذكرة للذين اتقوا الرب وللمفكرين في اسمه” (ملاخى16:3). وهذه الأقوال تُدون، لا لأن الله سيذكّرنا باليوم الذى قلناها فيه لكن لكى يحضر لنا السفر كشهادة علينا لإدانتنا .

 

ربما أكون قد أثرت مشاعر الخوف فى نفوسكم ، وليس فقط نفوسكم بل بالحرى فى نفسى أنا أولاً أيضًا. وهيا لأختم عظتى، بل بالحرى لأوقف الخوف، والأفضل من ذلك، أنى لا أوقف الخوف فقط، بل أتكلم بكلمات معزية لنفوسكم. لأنه حتى إن بقى الخوف، فليبق ليطهر ولينقى نفوسنا، ولنجعله أكثر احتمالاً.

فكيف سنستطيع إذن أن نحدّ من هذا الخوف؟ إن نحن بيّنا أن الخطايا لا تُدون فقط لكنها أيضًا تُمحى. ففى المحاكم هنا تدون الأقوال التى يُدان بها المتهم، فى صحائف فورًا، ولا يمكن أن تُمحى هذه الأقوال بعد ذلك. أما فى ذلك السفر حتى وإن فعلت بعض الشرور وأردت أن تمحى فإنها تُمحى .

ومن أين نعرف هذا ؟ من الكتاب المقدس إذ يقول ” استر وجهك عن خطاياى وامح كل آثامى ” (مز9:51). ولن يستطيع شخص أن يمحو شيئًا لم يُكتب وبالتالى إذا كانت هذه الآثام قد دونت، فالآن هو يصلى أن تُمحى.

وشخص آخر يعلّم كيف تُمحى هذه الآثام فيقول ” بالرحمة والحق يستر الإثم ” (أم6:16). فهى لا تُشطب فقط بل تُمحى تمامًا حتى أنه لا يتبقى لها أثر. وليست الخطايا التى عملناها بعد المعمودية فقط هى التى تُمحى ؛ بل والتى عُملت قبلها أيضًا. فكل الخطايا قد مُحيت بمياه المعمودية وبصليب المسيح. تمامًا كما يقول الرسول بولس ” إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدًا لنا وقد رفعه من الوسط مسمرًا إياه بالصليب” (كو14:2). أرأيت كيف أن ذلك الصك قد مُحى ولم يُمح فقط بل قد تمزق إذ مزقته مسامير الصليب، فأصبح بلا قيمة .

 

فتلك الخطايا قد انمحت كلها بنعمة وقوة المسيح الذى صُلب عنا لأجل محبته لنا، أما خطايانا نحن بعد المعمودية فإنها تحتاج إلى جهاد عظيم لكى نتطهر منها، وإذ لا توجد معمودية ثانية، بل يتم ذلك بدموعنا، بتوبتنا، بأعمال الرحمة، بالصلاة وبكل سبل التقوى. وهكذا فبعد المعمودية تتنقى الخطايا بكثير من الجهد وبكثير من التعب. فلنحاول إذن بكل طريقة أن نتطهر منها فى هذه الحياة (هنا) حتى نفلت من الخجل والعقاب فى الدهر الآتى (هناك).

لأنه وحتى إن كنا قد فعلنا خطايا لا تحصى، فإننا إن أردنا، نستطيع أن نلقى عنا كل حمل هذه الخطايا. فلتكن لنا هذه الإرادة إذن، لأنه من الأفضل جدًا أن نتعب قليلاً هنا وأن نعتق من العقاب الشديد بدلاً من أن نهمل أثناء فترة حياتنا القصيرة ونعبر إلى ذلك العقاب الأبدى.

 

7 ـ والآن قد حان الوقت لنلخص ما قلناه: نلوم هؤلاء الذين يأتون إلى هنا مرة واحدة فى السنة (فى العيد) لأنهم يقبلون أن يعّروا أمهم (الكنيسة). وذكّرناهم بحدث قديم، ببركة ولعنة. تحدثنا عن أعياد اليهود ولماذا أعطاهم الرب وصية أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات فقط فى العام. وقلنا أن أعياد الخمسين والقيامة والظهور الإلهى هى أعياد دائمة. وشرحنا كيف أن العيد يُحتفل به بقلب نقى وليس بتحديدات زمنية.

وبعد ذلك كان حديثنا عن العطايا التى أتت إلينا من السماء وبيّنا أنها دليل على المصالحة بين الله والإنسان. وأثبتنا أن الروح القدس هو العامل فى غفران الخطايا، فى جوابنا على قول الكاهن فى الصلاة ” السلام لجميعكم”، وفى كلام الحكمة (الإلهية)، فى معرفتنا (لله)، فى السيامات، وفى الذبيحة السرائرية. وقلنا إن المسيح كباكورة لنا هو عربون، والروح القدس هو ضمان. ثم ذكرنا الأسباب التى من أجلها لا تحدث معجزات الآن. وبعد ذلك ذكّرناكم بالدينونة وبالأسفار التى ستُفتح وأن كل خطايانا تُدون، كما بيّنا أنه لو أردنا فإن هذه الخطايا يمكن أن تُمحى أيضًا.

فلتتذكروا كل هذا إذن، وإن كان من الصعب تذكرها جميعًا، فعلى الأقل فلتتذكروا الكلام عن تلك الأسفار (التى تُدون  فيها الخطايا). وبكل ما سوف تجيبون به وكأنكم أما شخص يدون ما تقولونه، لذلك فليكن كلامكم بحذر ولتذكروا دائمًا ما قد قيل. حتى أن من كانت أسمائهم مسجلة فى سفر الأبرار يجاهدون بالأكثر، ومن كانت لديهم خطايا مدونة عليهم، يتطهرون منها هنا على الأرض بدون أن يعرف أحد، حتى يتجنبوا التشهير بهم فى يوم الدينونة. لأنه، وحسبما بيّنا أنه من الممكن حقيقة أن نمحو بالصلاة والتقوى والجهاد كل الخطايا المدونة علينا.

ولنهتم كل لحظة لكى نستطيع الحصول على الغفران الآن حتى أننا عندما نذهب إلى الحياة الأخرى، نتجنب كلنا العقاب الشديد، ولنأمل أن نكون مستحقين لملكوت السموات بنعمة ربنا يسوع المسيح ومحبته للبشر الذى له المجد والقوة مع الآب والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.

 

1 بسبب كثرة عدد المؤمنين المتواجدين بالكنيسة.

2  يقصد به عيد الميلاد .

3  ويقصد به الأسقف فلافيانوس، أسقف مدينة إنطاكية.

4 ويقصد الطبيعة البشرية فى شخص المسيح. أنظر القداس الغريغورى “أصعدت باكورتى إلى السماء ” .

 

العظة الأولى عن عيد حلول الروح القدس – ذهبي الفم

العنصرة – ماذا تعرف عن عيد العنصرة اليهودي؟ שבועות Shavu’ot

شافوت – ماذا تعرف عن عيد العنصرة اليهودي؟ שבועות Shavu’ot

شافوت – ماذا تعرف عن عيد العنصرة اليهودي؟ שבועות Shavu’ot

تعني كلمة شافوت أسابيع ولهذا يسمى أيضًا عيد الأسابيع وهو أحد أعياد الحجج الثلاثة. كان على بني إسرائيل في هذه الأعياد الصعود إلى أورشليم. ويسمى العيد أيضاً عنصرة الأمم. الاسم في اللغات الأوربية، مشتق من اللغة اليونانية أي “اليوم الخمسين”، إذ كان هذا العيد يقع بعد خمسين يوماً من عيد الفصح. إنه عيد زراعي، يتم فيه الاحتفال بنهاية الحصاد، الذي كان يبدأ في عيد الفصح. كان بنو إسرائيل يقدمون، في هذا العيد، سلتين من بواكير الخبز.

وبذلك كان يفتتح تقديم البواكير من القمح والشعير والعنب والزهور والرمان والزيتون والبلح، كان يمكن تقديم هذه البواكير ابتداءً من شافوت العنصرة وحتى سُكّوت المظال.

اختفت الطقوس الزراعية بعد هدم الهيكل، وتم ربط هذا العيد بإعطاء التوراة، وهي الإعلان العظيم، على جبل سيناء، وذلك في زمن الربيين، وبالتحديد حوالي 140 ق.م. المقصود هنا التوراة بمعنى الكلمة الحصريّ، وهو ما نسميه نحن، بطريقة غير دقيقة، الوصايا العشرة. تستعمل اللغة العبرية تعبير “كلمات” وليس “وصايا”، لأن التوراة لا تريد بأيّ حال ان تستعبد بني إسرائيل. إنه لا يمكن تشبيهها بأي حال من الأحوال بمعاهدة تبعية: فيكفل الله بالحماية مقابل خضوع الشعب له.

إنها تهدف لتحرير الشعب وإدخاله في بُعْد روحي في حياته بكاملها. إنها لا تؤسس ديانة، تقوم في تكريس بعض أوجه النشاط الإنساني للصلاة والأعمال الصالحة،إنما تؤسس علاقة شخصية بين الله وجميع أبنائه، وتقوم في حضور إلهي محب، ينعكس على كل مجالات الوجود. يؤكد هذا الأمر نص شماع “اسمعوا يا بني إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد، فأحبوا الرب إلهكم بكل قلوبكم وكل نفوسكم وكل قدرتكم، ولتكن هذه الكلمات التي أنا آمركم بها اليوم في قلوبكم. وافرضوها على بنيكم وكلموهم بها إذا جلستم في بيوتكم،وإذا مشيتم في الطريق، وإذا نمتم، وإذا قمتم. وأجعلوها وشماً على أيديكم وعصائب بين عيونكم. واكتبوها على قوائم أبواب بيوتكم وعلى مداخل مدنكم” (تثنية 6: 4-9).

تجسّد التوراة واللوح المقدس أيّ البُعد الإلهي في عالمنا العادي، وحلول الأبدية في الزمن، ايّا كان فقرنا وتعاستنا. أصبح إسرائيل، بعهد سيناء، شعب الله، وأصبح عروسه. تقوم الشريعة على وحدة الحب بين حريتين في احترام تام متبادل. لقد استعد الشعب لهذا الأمر، في البرية، عن طريق فعل تقديس: “قال له الرب” أذهب إلى الشعب وقل لهم: طهروا نفوسكم اليوم وغداً واغسلوا ثيابكم” (خروج 1:19).

كان لا غنى عن هذا التطهير لكي يستطيع بنو إسرائيل، وإن كان من على مسافة أن يكونوا في حضرة الرب. كان على الشعب أن يتطهر من كل آثار التمرد والعصيان. ويشهد حادث رفيديم على تمرد الشعب وتذمره على موسى وعلى الرب. عطش هناك بنو إسرائيل إلى الماء وألقوا اللوم على موسى وقالوا: “لماذا أصعدتنا من مصر لتميتنا نحن وبنونا ومواشينا بالعطش” (خروج 3:17).

يتهم الشعب الرب بأنه قاده إلى البرية ليهلكه، وذلك بعد كل الأعمال والآيات العظيمة التي عملها لصالحهم. ليخلصهم من عبودية مصر ويخرجهم منها، ما هي نواياه؟ هل يريد القضاء على أبناء إبراهيم؟ أليس هو المسؤول عن كل ما يعانيه الشعب من آلام؟ ما هي طبيعة هذا الإله؟ تظل هذه الأسئلة ضاربة بجذورها في قلب كل إنسان. تشي هذه الأسئلة بجهل الإنسان الروحيّ وعدم فهمه لخطط الله الخلاصية. يظهر إله التوراة كرد على كل هذه الأسئلة التي تؤرق الإنسان وتقلق قلبه. يؤكد أحد الريبيين: “اجتاح صوت الرب آلاف اللغات وفهمته أمم عديدة فامتلأت نفوسهم دهشة”.

هناك تشابه عجيب مع نص كتاب أعمال الرسل، الذي يصف عنصرة الكنيسة الأولى. كان الرسل، في هيكل أورشليم، قبل الشافوت يقومون بطقوس التطهير والتوبة.

ألم يترك كل منهم العنان لهذه الأسئلة في قلبه، بعد آلام المسيح؟

على قمة جبل سيناء، المكان الذي قابل فيه موسى الله في العليقة المشتعلة، ظهرت نار جديدة لامعة رآها الجميع. تجلى الرب، يوم العنصرة، على جبل صهيون في أورشليم. كانت العلية، مكان اجتماع الكنيسة الأولى، كما يقول التقليد، على جيل صهيون في أعلى مكان وأغناه، في قلب مدينة أورشليم. لقت النار التلاميذ على جبل صهيون، كما حدث في جبل سيناء، وسمع صوت دوي شديد آثار انتباه الجميع (راجع أعمال الرسل 2: 1-6)

تعتبر الكنيسة عنصرة أورشليم يوم ولادتها الحقيقيّ. يميز هذا الحدثَ عاملان أساسيان: إفاضة الروح القدس، الذي يؤهل الرسل لأداء الواجب الموكل إليهم، ووجود جمع غفير، جذبته هذه الظواهر الملموسة ولمسة تعليم الرسل. ينال إسرائيل، الذي صعد إلى أورشليم ليحتفل بالعنصرة، عطية الروح القدس، الذي يطبع شريعة الحب في القلوب. هكذا تنشأ الجماعة المسيحية الأولى، وتتكون من يهود، أتوا من ربوع الأرض كلها، ومن أمم كثيرة. أعترف هؤلاء أن يسوع هو المسيح الذي تنبأ به الأنبياء والذي يشهد له الرسل “ولكن الروح القدس يحل عليكم ويهبكم القوة وتكونون لي شهوداً في أورشليم واليهودية كلها والسامرة حتى أقاصي الأرض”. (أعمال الرسل 8:1).

تضم هذه الكنيسة، التي ولدت في أورشليم عيد البواكير، بذور الكنيسة الجامعة. عيد العنصرة هو عيد الوفرة، وإفاضة الروح القدس على التلاميذ ما هي إلا علامة إلى ما كان مزمع الحدوث.

وكانت تتم، في عيد العنصرة، قراءة كتاب راعوث في المجامع. وتدور أحداث كتاب راعوث في زمن الحصاد. إن قصة هذه المرأة الموآبية الغريبة (غير اليهودية)، التي تدخل ضمن الشعب المختار بسبب تمسكها بحماتها وعدم تخليها عنها، تتخذ بُعداً خاصاً في عيد البواكير. تصبح هذه الموآبية جدة للملك داود، الذي ولد ومات، حسب التقليد اليهوديّ، في عيد العنصرة. تمثل راعوث الأمم، غير اليهود، الذين دخلوا ضمن الشعب المختار لا بل ضمن أجداد المسيح. إنها باكورة دخول الوثنيين ضمن من قبلوا وحي موسى ونالوا الخلاص.

يحتفل المسيحيون بعيد العنصرة ويعتبرونه أحد أكبر أعياد السنة الطقسيّة. ولكن هذه العنصرة تظل غير مكتملة. إنها تظل عيد البواكير، الذي يشير إلى اليوم الذي يفيض فيه الله الروح عن كل البشر، كما أعلن يوئيل النبي. إن هبة الروح هذه، التي تُفاض على كل البشر، هي علامة إتمام وجود الله.

شافوت – ماذا تعرف عن عيد العنصرة اليهودي؟ שבועות Shavu’ot

الخلقة الثانية الروحية والبحث عن دور المرأة فيها – القمص متى المسكين

الخلقة الثانية الروحية والبحث عن دور المرأة فيها

القمص متى المسكين

الخلقة الثانية الروحية والبحث عن دور المرأة فيها – القمص متى المسكين

الخلقة الثانية الروحية والبحث عن دور المرأة فيها – القمص متى المسكين

 

المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح ” (يو 3 :6).

نشاط الإنسان بدون الله:

إن أعظم صورة تعبر عن المصير المحتوم للمسيرة الجسدية للإنسان على الأرض، في سعيه النشيط نحو تحقيق الذات وبلوغ منتهى طموح العقل، بالعمل اليدوي والجهد والتعاون المشترك القائم على ما هو بشري فقط دون تدخل عنصر الروح أو الله؛ هي قصة برج بابل !!

ــ “…. وقال بعضهم لبعض هلم نصنع لبنا ً ونشويه شياً؛ فكان لهم اللبن مكان الحجر وكان لهم الحُمر مكان الطين. وقالوا هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجا ً رأسه بالسماء، ونصنع لأنفسنا اسماً لئلا تتبدد على وجه كل الأرض. فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما. وقال الرب: هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم وهذا ابتداؤهم بالعمل؛ والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه.

هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض، فكفوا عن بنيان المدينة؛ لذلك ُدعي اسمها بابل، لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض، ومن هناك بدّدهم على وجه كل الأرض” (تك 11:1-9).

 

إنها قصة مخيفة حقا ً، لأنها تعبر عن أعظم محاولة فاشلة للتعاون البشري، تمت على الأرض؛ وقد كانت على أعلى مستوى من التخطيط والتنفيذ بين الجماعة، إذ اتجه الفكر الواحد والرأي الواحد والمشيئة الواحدة ضد الله مباشرة، لتخليد الإنسان وارتفاعه نحو السماء بمبنى شاهق. هذا الجنوح نحو التأله، كان بسبب غياب الهدف الروحي أو الاتجاه القلبي نحو حب الله والقريب، ليس لبناء البرج بل النفس حتى تبلغ السماء.

 

إن ناطحات السحاب في المدن الحديثة، والأبراج المقامة في كل المدن العظمى، والصواريخ المتجهة نحو القمر والكواكب، وبقاء الإنسان معلقاً في الهواء فوق الأرض شهوراً طويلة، إنما تعبر عن استمرار عقدة برج بابل في قلب الإنسان القديم لتخليد نفسه؛ وهو مستمر في تنفيذ خطته بالتعاون المشترك وتبادل المعلومات في علوم الفضاء والتكنولوجيا الحديثة بين أقصى اليسار وأقصى اليمين، في الوقت الذي فشل فيه التعاون على المستوى الروحي والإنساني بين هذه الدول لصالح فقراء العالم وأمن البشرية.

وهذه المحاولات كلها تنتهي عند حقيقة واحدة هي أن الإنسان يحاول الهروب من واقعه الداخلي، لذلك يصمم على الانطلاق بعيداً عن ذاته وعن واقعه، وعن الأرض برمتها؛ فهو لا يريد أن ” يأتي ملكوت الله ” إليه، بل ينطلق هو إلى الفراغ ليحقق ملكوته هو في اللاوزن.

 

الخلقة الجديدة وميلاد الإنسان ثانية من فوق من الماء والروح:

إن الوجه المقابل لحادثة برج بابل ــ سواء التاريخية المسجلة في التوراة أو تلك النزعة الطبيعية الذاتية التي لا تزال تحرك عقل الإنسان وتوجه نشاطاته وتعاونياته؛ هو حادثة يوم الخمسين وحلول الروح القدس على الكنيسة المجتمعة، وبدء عمل الله في قلب الإنسان لبناء المدينة الروحية ليست ذات الأبراج الشاهقة على الأرض، بل ذات الأساسات السماوية غير المصنوعة بيد، تلك التي لها كل الصلاحيات للعمل على الأرض مدينة الإنسان ومدنيته للتصالح مع الله.

لقد قصد الله في يوم الخمسين ــ بحلوله في الإنسان بواسطة الروح القدس ــ أن يغير عنصرين أساسين في طبيعة الإنسان وحياته؛ الأول: عنصر القوة الذاتية، والثاني: عنصر الهدف الذي يعيش له الإنسان.

 

أما عن العنصر الأول فقد صار “الله (نفسه) هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا ” ( في 2: 13 )،

وذلك بحلول الروح القدس وسكناه داخل القلب لقيادة الإنسان وإرشاده وتعليمه.

وأما عن العنصر الثاني ــ هو الهدف الذي كان ينحصر في تحقيق سلطان الإنسان وطموحاته (الرجل بنوع خاص)، فبنوال الإنسان روح القيامة وقوتها صار “لا يعيش فيما بعد لذاته، بل للذي مات من أجله وقام” (2كو 5 :15) وصار هم الإنسان الأول لا أن يكتب سيرة عظمته على الأرض بالقوة والمجد الباطل ــ ليخلد نفسه وذريته وذكراه على مستوى برج بابل ــ بل ليكتب سيرته في السماويات التي منها ينتظر المخلص (في 3: 20).

وهكذا جاء المسيح ليصير المصدر الوحيد للقوة، والهدف الأخير للإنسان؛ وهكذا انتفت كل الأسباب التي فرقت بين الرجل والمرأة.

 

الرجل والمرأة هما في المسيح إنسان واحد كامل:

إن كان الله قد صار مصدر القوة الحقيقية للإنسان عموما ً( راجع أف 1: 19، أف 3: 7و 16 و20، أع 1: 8)، فقد بطلت حجة الرجل الأولى في اكتساب حقوق فائقة على المرأة بسبب قوته، وأصبحت المرأة بالروح القدس في وضعها المسيحي الجديد ــ أي بقوة المسيح واتحادها بالرجل ــ مساوية تماما ً للرجل في كل ما يخص بناء الإنسان الكامل الجديد وتكميل العمل لاستعلان ملكوت الله : ” لأجل تكميل القديسين، لعمل الخدمة، لبنيان جسد المسيح؛ إلى أن ننتهي جميعنا إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى إنسان كامل، إلى قياس قامة ملء المسيح” (أف 4: 12 )، حيث قامة ملء المسيح  ليس فيها “ذكر

 وأنثى ” بل إنسان (واحد) كامل “وهي هي الكنيسة وهي ” جسد المسيح”.

هكذا يشدد بولس الرسول ” …ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعا ً واحد في المسيح يسوع” (غل3: 28)، وهو لا يقول: ” رجل وامرأة” بل “ذكر وأنثى” قاصدا ً إلغاء مفهوم كل من التمايز والتعالي الجنسي من كافة الوجوه.

وهو بذلك يتغلغل إلى أعماق كل الأسباب التي فرقت بين الرجل والمرأة بسبب الجنس. ويعود بولس الرسول في موضع آخر ليؤكد التساوي المطلق والمتبادل في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة في الحياة المسيحية، بقوله: ” غير أن الرجل ليس من دون المرأة، ولا المرأة من دون الرجل في الرب” (1كو 11: 11)، ثم يعطي هذا التساوي بين الجنسين مفهوما ً آخر غير الذي يقال، على أساس أن حواء هي من آدم: ” فقال آدم هذه الآن عظم من عظمي، ولحم من لحمي …ويكونان جسداً واحدا ً ” (تك 2: 23 و24 ) إذ يقول بولس الرسول  كما أن المرأة هي من الرجل وهكذا الرجل أيضاً هو بالمرأة  ولكن جميع الأشياء هي من الله” (1كو 11: 12 ).

 

 وهكذا إذ يعيد بولس الرسول كل شيء إلى الله، كمصدر للحياة برمتها، يقرر أنه يمتنع التقديم والتأخير بين الرجل والمرأة في كل شيء، خاصة وان المسيح جعل الاثنين واحد كغاية ونهاية للحياة الحقيقية؛ فالمرأة حين تتحد بالمسيح تساوي الرجل تماما ً حينما يتحد بالمسيح وإذا اتحد الرجل بالمرأة في المسيح صارا في المسيح إنسانا واحدا كاملاً. وهكذا ترتفع مشكلة الجنس إلى المستوى السرائري لتصل إلى الوحدانية في طهارة الرؤية والتفكير وهنا لا يلغي الروح القدس جمال الخلقة الأولى بل يرفع منها العثرة، ويعيدها إلى كمالها.

لذلك يتحتم ألا يغيب عن البال قط، أنه بمجرد ذكر الإنسان الجديد المولود ثانية من فوق من الماء والروح، ينتفي التفريق بين الرجل والمرأة أمام الله في كل حقوق الأخذ الروحي من الله، وكل العطاء الروحي بالله، لأنها من الله وبالله.

كذلك بمجرد أن يخلع الرجل والمرأة من جهة التصرف السابق للإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور، ويتجددا بروح ذهنهما، فإنهما يلبسان الإنسان الجديد، ذا الشكل الواحد ـــ أمام الله وليس أمام الناس ــ حيث ليس ذكراً وأنثى، لأنه يكون “مخلوقا بحسب الله في البر وقداسة الحق” (أف 4: 22)؛ لأن الإنسان الجديد يعود ويأخذ صورة خالقه، حيث يصير المسيح فيه “الكل في الكل ” (كو3: 10 و11)، وهكذا نرى بصورة عملية كيف يصبغ الروح القدس الجنس ــ في المعمودية ــ بصبغة القداسة السرية جدا ً.

ولكن هذا التساوي الكامل والمطلق بين الرجل والمرأة في روحيات الإنسان الجديد ومواهبه الروحية وحقوقه في المسيح، لا يلغي التمايز الخلقي للجسد والفارق التكويني في وظائف الأعضاء والصفات والمميزات الخاصة بكل من الرجل والمرأة إلى الدرجة التي تبيح للمرأة مزاولة كل حقوق الرجل، في ممارسة الحياة الروحية ــ لاسيما داخل الكنيسة أو في وسط الجماعة. فأنوثة المرأة مهما انصبغت بالروح إلا أن بقاءها في الجسد يحدها في السلوك والحرية. وبالرغم من أننا نجد أنه أينما حل الروح

القدس فإنه يجمع بين الجنسين في حالة من القداسة نعتبر أنها هي القداسة الجنسية التي كان يعيشها آدم

وحواء قبل السقوط، إلا أن الرجل يبقى دائما ً رجلا ًوالمرأة مرآة، بكل مميزاتهما و فوارقهما الطبيعية.

 

حقوق وواجبات المرأة داخل الكنيسة وفي وسط الجماعة:

مع الرسل:

الملاحظ أن الرب لم يعين مع الاثني عشر أحداً من النساء، ولا حتى ضمن السبعين رسولاً، كما أننا لا نجد في إرسالية الرب للتلاميذ بعد القيامة آية إشارة بشأن إرسالية النساء، مع أن بشارة العهد الجديد تقوم أساساً على قيامة المسيح من بين الأموات، والنسوة كن أول من شاهدها وشهد لها وأبلغها !!

 

وكنا نظن أنه من المفيد والهام لنا جداً، أن نجد شهادة شخصية للعذراء مريم في الأمور الخاصة بيسوع المسيح فيما بعد ميلاده، تلك التي لا يعرفها أحد قط سواها، ولكن على الرغم من ذلك امتنع الإنجيل من تسجيل مثل هذه الشهادة المباشرة، ذاكرا ً لنا شهادة غير مباشرة من بشارة الملاك بالحبل البتولي المقدس وزيارة العذراء لأليصابات، وذلك عن فم آخر، أي كل من القديسين متى ولوقا.

 

لكن بالرغم من عدم تسجيل الشهادات المباشرة للنسوة المختارات، إلا أن دورهن في الإنجيل بارز وهام ــ  وإن كان مستتراً ــ سواء في بيت لحم أو قانا الجليل، أو عند بئر يعقوب، أو في بيت عنيا أو في منزل يوحنا مرقس بأورشليم، أو عند القبر، أو في العلية  يوم الخمسين؛ هذا بالإضافة إلى أنهن على مدى خدمة المسيح كلها، كن يتبعنه أينما سار و يعددن له كل ما كان يسمح لهن به من خدمة : “….ونسوة كثيرات كن يخدمنه من أموالهن” (لو 8: 1-3) .

وهنا يلزم الفكر المسيحي جداً، أن يكون له ولو مجرد دراية بوضع المرأة في العهد القديم، وبخاصة أيام المسيح وفي وسط المتدينين والفريسين:

  • الفريسي المتعبد التقي، كان يصلي كل يوم في فاتحة النهار شاكراً الله لأنه لم يولد “امرأة أو أبرص أو أممياً نجساً”. ويلاحظ هنا كيف توضع المرأة في مستوى الأبرص والأممي الكلب النجس الذي مجرد مصافحته تنجس!
  • والمتقدم في العبادة بين الفريسيين، كان ُيدعى “الفريسي ذا الجروح الدامية، ” لأن مثل هذا التقي كان يلتزم بالسير مطاطىء الرأس وعينه إلى الأرض لئلا تلمح امرأة، من أجل هذا كان معرضاً دائماً أن يصطدم بحائط أو شجرة أو عمود، فتنبطح رأسه أو جبهته فتدمى ــ لذلك كان ُيدعى “بالفريسي الدامي”
  • وقصة تعجب التلاميذ عند عودتهم ورؤيتهم معلمهم ــ الرب يسوع ــ جالساً يتحدث مع امرأة يوضح شيوع هذا الاعتبار من جهة انحطاط مستوى المرأة وعزلها عن المجتمع، حتى في نظر التلاميذ.
  • كذلك فإن المرأة لم تكن تحسب في عداد الشعب حسب التقليد اليهودي: ” وكان عددهم نحو خمسة آلاف رجل، عدا النساء والأولاد! حيث توضع المرأة في الاعتبار على مستوى الأطفال.

 

  • كذلك نجد بولس الرسول يحن إلى تقليده الفريسي، في ذكر حوادث ظهور الرب المختارين عقب قيامته، فهو يذكر أنه ظهر أولاً لبطرس، وهنا يسقط عمداً اسم مريم المجدلية، ثم يأتي بذكر كل من ظهر لهم المسيح دون أن يذكر امرأة واحدة.

 

  • لكن يأتي هيبوليتس المدعو بالروماني (وهو اسكندري الجنس بكل تأكيد) ويصحح هذا الاعتبار، فيدعو مريم المجدلية بلقب عجيب: “رسولة الرسل “، وذلك في شرحه لسفر نشيد الأناشيد.

 

لكن النساء بدأن دوراً هاماً في البشارة بالإنجيل، دورا مكملا ً لرسالة الرسل، لأن زوجات الرسل كن يجلن معهم كأخوات وليسوا كزوجات: “أ لعلنا ليس لنا سلطان أن نجول بأخت زوجة، كباقي الرسل وإخوة الرب، وصفا (بطرس) ” (1كو 9: 5)؛ذلك لأنهن كن حاضرات يوم الخمسين وامتلأن من الروح القدس: ” هؤلاء كلهم  كانوا يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبة مع النساء ومريم وأم يسوع وإخوته …وكان عدة أسماء معاً نحو مئة وعشرين …..ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع معاً بنفس واحدة …وامتلأ الجميع من الروح القدس” (أع1: 2،14 :1 ) .

ويلاحظ هنا بوضوح، اشتراك المرأة في الصلاة والطلبة بمواظبة مع جماعة الرسل، الأمر الذي ظل لاحقاً لها بعد ذلك داخل الكنيسة على مدى العصور. كذلك يلاحظ أن حلول الروح القدس ــ وهو أعلى هبة ــ لم يستثن المرأة، وكذلك الملء من الروح الذي كانت تتبعه المواهب. لذلك يلزمنا أن ننتبه إلى أن الروح القدس بحلوله على المرأة كحلوله على الرجل، وامتلاء المرأة منه كامتلاء الرجل؛ كان أول إشارة ذات فعالية استمرارية لدخول المرأة في مجال النعمة لنيل كل الحقوق المساوية لحقوق الرجل في ملكوت الله.

 

ويلاحظ أن حلول الروح القدس بنفس السرعة على النسوة، وامتلاءهن منه بنفس القوة، وحصولهن على مواهب الروح، لم يثر أية دهشة أو تساؤل بين التلاميذ أو الكنيسة عامة؛ وذلك بسبب المبادئ والأسس التي سبق أن أظهرها الرب في حياته كنموذج لهذا السلوك الأخلاقي الروحي المتسامي.

لقد وعى التلاميذ درس معلمهم اليومي، كيف كانت النسوة عذارى ومتزوجات يتبعن المسيح ويعددن له حاجاته؛ وكيف كان يخاطب الأجنبية الخاطئة تلك السامرية المنبوذة من بني جنسها، وتلك الخاطئة التي أمسكها الفريسيون في ذات الفعل مطالبين برجمها؛ كيف كان يبدي الحنان والعطف عليهن، ذلك العطف الإلهي الذي يستطيع أن يفدي والذي ليس هو على مستوى الجسد الذي تحركه الغرائز. بل كيف أعلن محبته الفائقة السمو رسمياً نحو مريم ومرثا أختي لعازر: ” وكان يسوع يحب مرثا وأختها ولعازر” (يو 11: 5).

وإن هذا السلوك الذي يسنده الفداء، لهو إلهي بالدرجة الأولى، إذ يخلو من أية عثرة لأي إنسان؛ ولو حاول أي رائد او قائد في الكنيسة أن يحذو حذوه لوقع تحت الدينونة والفضيحة، في الوقت الذي يظهر به المسيح أكثر تفوقاً في الطهارة المضيئة المشعة على أساس الفداء الذي أكمله بموته عن الخطأة والخاطئات.

لذلك تقبلت النسوة حلول الروح القدس وعمله، كامتداد لعمل المسيح وفدائه للمرأة.

وهكذا اقتبلت المرأة حقها لأول مرة في الوجود، وبدون مطالبة أو دفاع أو نزاع؛ ومن الله مباشرة، لتكون مساوية للرجل في كل ما هو لله !!

< p style=”text-align: justify;”>لقد كان الله يدرك ما آلت إليه حال المرأة من انحطاط وعزلة وامتهان على مدى عصور الناموس والحرف والضيق العقلي، فبادر بنفسه إلى أن يحل هذه القيود الحديدية التي وضعها المجتمع البشري حوله يدي المرأة كما حول يدي “عبد”. هكذا رأى بولس الرسول بعيني الروح كيف وهب الروح القدس للمرأة ــ كما للعبيد ــ هذه الحقوق الجديدة في الرب: “ليس عبد ولا حر، ليس ذكر وأنثى؛ لأنكم جميعاً واحد في المسيح” (غل3: 28).

وبصورة مجملة يضع بولس الرسول حرية المرأة في دائرة الروح القدس، وفي دائرة الروح القدس

فقط حيث روح الرب: “حيث روح الرب هناك حرية” (2كو 3: 17) حتى ينتفي التزييف البشري، لأن في غياب ملء الروح القدس، لا يمكن أن تبقى الحرية بدون خطيئة ودينونة.

 

لهذا، ولشدة الأسف، نجد أنه حينما تفتقد الكنيسة رجالاً ونساء ممتلئين وممتلئات من الروح، أي من فعالية الروح القدس العامل لتحرير الفكر والإرادة والسلوك والجنوح نحو الخطيئة، والداعي إلى وحدة العمل والهدف؛ تبدأ المرأة بالمطالبة بحقوقها، كأنما دخلت في قيودها من جديد؛ حتى أصبحت المطالبة بحرية المرأة هي المرادف الحساس للفراغ من فعالية الروح القدس وملئه، ولدى المرأة والمجتمع الجاحد لحقوقها.

ولا يمكن الآن أن نجد حلاً كلامياً، أو تخطيطا ً أو دراسة أو دورات مسكونية، أو حتى دفاعاً قضائياً، لإعطاء المرأة حقوقها الكاملة إلا بالعودة إلى الروح القدس وإدراك ما عمله المسيح فينا؛ فهو وحده الذي يفك القيود أولاً،ثم يطلق المرأة و الإنسان عموماً إلى الحرية الفائقة السمو و الإدراك، على مستوى المعدلات الخالية من أية تفرقة أو تمايز بشري، بقوة وفاعلية تكون هذه القوة بحد ذاتها البرهان المقنع لصدق الحصول على الحقوق الموهوبة من الله رأساً .

ويلزمنا هنا أن نؤكد أنه مهما بلغت المرأة من مكانة أو صيت عن حق؛ فهي تظل في حاجة إلى الروح القدس لتدرك سمو حقوقها في الله، ويكفينا أن نشير إلى العذراء القديسة مريم ــ أم

 واهب الروح القدس ــ وهي تقف وتصلي في العلية مع النساء لتقتبل حلول وملء الروح القدس، لتكميل مسيرة الحياة مع الله.

نعم لكي تتساوى المرأة مع الرجل في الحقوق، يتحتم أن تدرك هي أولاً سمو ميلادها الآخر الذي رفع عنها تدنيها بسبب أنوثتها: ” الذين ولدوا ليس من دم، ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل، بل من الله” (يو1: 13).

لذلك فطالما يعتمد منهج المرأة في الحصول على حقوقها، على فكرة اغتصابها مرة أخرى من الرجل الذي اغتصبها، فلن تبلغ حدود حريتها الحقيقية وحقوقها الأصيلة، الموهوبة لها من الله؛ إذ يلزم ألا يقوم المنهج على المطالبة، بل على إثبات الكفاءة القائمة على الحق شعوراً وعملاً.

 

المرأة في خدمة الكرازة:

ونحن إذا فحصنا الإنجيل نجد فيه دوراً هاماً وجليلاً للمرأة جاء مؤيداً بمواهب الروح القدس باعتباره صادراً من الله.

الخلقة الثانية الروحية والبحث عن دور المرأة فيها

عن الروح القدس

من كتاب الروح القدس وعمله فينا – البابا شنودة الثالث

من هو الروح القدس؟

الروح القدس هو ” روح الله القدوس ” (أف 4: 30) ؛ (2 كو 3: 3).

هو ” روح الله ” (تك 1: 2) (رو 15: 19) (1 كو 12: 3).

بل الروح القدس هو الله، لأن ” الله روح ” (يو 4: 24)

يقول القديس باسيليوس:

الروح القدس جوهر إلهى عاقل لا حدود لمقدرته، لا نهاية لعظمته، فوق الأحساس الزمنى وغير خاضع للدهور..

واهب لخيراته الخصوصية.. كل الخليقة تتجه نحوه فى عوز وفقر شديد لتقديسه..

كل الخلائق التى تتنفس الحق هى تابعة له بالضرورة وملتحقة به، ينعشها بالإلهام

ويقودها برفق حتى يبلغها غايتها الكاملة.

هو المتقن لكل الأشياء والساكب الحياة على العالم..

فى جوهره بسيط، فى طاقته متعدد ومتنوع!..

هو القوة التى تقيم الحياة..وهو الذى بواسطته اقتبل الأنسان حالة

التبنى وتحول لإيه الموت إلى عدم موت.

لاهوته

هذا المعزى، روح الله، حل على التلاميذ فى يوم الخمسين (أع 2: 1 – 4)

إنه روح الله، وهو ” روح أبنه ” (غل 4: 6) ” روح المسيح ” (1 بط 1: 11)

هو ” روح الرب ” (أش 11: 2) ” روح السيد الرب ” (أش 61: 1).

وهو ” روح الحق ” (يو 14: 17). قال عنه السيد المسيح ” روح الحق الذى من

عند الآب ينبثق ” (يو 15: 26). وقال أيضا ” متى جاء ذاك، روح الحق، فهو

يرشدكم إلى جميع الحق ” (يو 16: 13).

 

ويثبت لاهوت الروح القدس أنه فى الثالوث القدوس.

إنه واحد مع الآب والأبن، وفى ذلك يقول السيد الرب لرسله القديسين ” تلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والأبن والروح القدس ” (أع 28: 19). ونلاحظ هنا أنه يقول ” باسم ” وليس بأسماء ويثبت لاهوته أيضا أنه المحيى، ومعطى الحياة..

ولذلك يسمى ” روح الحياة ” (رو 8: 2). وقد ورد فى سفر حزقيال النبى، أنه هو الذى يحيى الموتى (حز 37: 9، 10).

الروح القدس هو أقنوم الحياة – هو مصدر الحياة فى العالم كله، سواء الحياة بمعنى الوجود أو البقاء، أو الحياة مع الله. ويصفه قانون الأيمان بأنه ” الرب المحيى “.

ويثبت لاهوت الروح القدس، أنه مصدر الوحى.

وقانون الأيمان يصف الروح القدس بأنه ” الناطق فى الأنبياء “.

صفات الروح القدس اللاهوتية

الروح القدس اشترك مع الآب والأبن فى عملية الخلق

” ترسل روحك فتخلق وتجدد وجه الأرض ” (مز 104: 30).

وقد ذكر الكتاب المقدس صفات إلهية له، منها الأزلية:

” فكم بالحرى دم المسيح، الذى بروح أزلى قدم نفسه لله بلا عيب ” (عب 9: 14).

ومن الصفات الإلهية للروح القدس، وجوده فى كل مكان.

قال داود النبى للسيد الرب الإله ” أين أذهب من روحك؟! ومن وجهك أين أهرب؟!

إن صعدت إلى السموات فأنت هناك وإن فرشت فى الهاوية فها أنت ” (مز 139: 7).

ومن الدلالة على وجوده فى كل مكان عمله فينا.

ومما يثبت لاهوته أيضا، أنه عالم بكل شىء

يقول القديس بولس “.. لأن الروح يفحص كل شىء حتى أعماق الله ” (1 كو 2: 11).

الروح القدس قادر على كل شىء:

من صفات الروح فى نبوءة أشعياء أنه ” روح القوة ” (أش 11: 2).

 

اقنومه

شهود يهوه لا يعتقدون أن الروح القدس أقنوم (شخص)، بل يرونه مجرد قوة!!

وللرد على ذلك نقول إن ما ورد عن الروح القدس فى الكتاب المقدس، يدل أنه شخص

فهو يتكلم: ” لأن لستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم الذى يتكلم فيكم ” (مت 10: 20).

وهو يعلم، ويذكر، ويرشد، ويخبر، ويبكت: يقول الرب لتلاميذه ” يعلمكم كل شىء، ويذكركم بكل ما قلته لكم ” (يو 14: 26).

وهو يقود المؤمنين جماعات وأفراد: يقول الرسول ” لأن الذين ينقادون بروح الله، فأولئك هم أبناء الله ” (رو 8: 14).

وهو يقيم الرعاة: قال القديس بولس لأساقفة أفسس ” احترزوا إذن لأنفسكم ولجميع الرعية التى أقامكم الروح القدس عليها أساقفة ” (أع 20: 28).

والروح القدس يعزى المؤمنين ويشفع فيهم.

يقول السيد الرب ” وأنا أطلب من الآب، فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد ” (يو 15: 26).

كذلك أيضا ورد فعل يعزى بصيغة الأمر فى العهد القديم فى افتتاحية الجزء الثانى من سفر أشعياء هكذا: ” عزو عزو شعبى ” هذه النبوة بالذات كان لها رنين، روحى عجيب فى قلوب الأنبياء وقد امتد صدى رنينها حتى سمعان الشيخ ” وكان رجل فى أورشليم إسمه سمعان وهذا الرجل كان بارا تقيا ينتظر تعزية اسرائيل ” (لو 2: 25).

 

إنبثاقه

نحن نؤمن بأن الروح القدس ينبثق من الآب

ولكن الكاثوليك يقولون ” المنبثق من الآب والأبن “.

وقد لاقت هذه الأضافة معارضة من الكاثوليك فى القرون الأولى

ولم تستقر اضافة ” والأبن ” عند الكاثوليك اللاتين إلا فى القرن الحادى عشر

وقد سببت انقسامات كثيرة بلا داع..

وهى أيضا ضد مفهومنا للثالوث القدوس، وكما قال البعض إنها تجعل فى الثالوث

أبنين وأبوين، إن كان الروح القدس يعتبر ابنا للأبن، إن كان منبثقا منه،

ويكون الأبن أبا له أيضا..!!

رموز الروح القدس: هى خمسة: الحمامة، الماء، النار، الزيت، الريح العاصف

الحمامة

قيل عن يوحنا المعمدان إنه ” رأى روح الله نازلا مثل حمامة وآتيا عليه ” (مت 3

: 16).

 

الماء

يرمز الماء إلى الروح فى أنه سبب الحياة، والله ذاته شبه نفسه بينبوع الماء الحى.

والرمز واضح جدا وصريح فى قول الرب:

” من آمن بى – كما قال الكتاب – تجرى من بطنه أنهار ماء حى. قال هذا عن الروح الذى كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه. لأن الروح القدس لم يكن قد أعطى بعد ” (يو 7: 38، 39)

 

الزيت

واضح رمز الزيت إلى الروح القدس، من سر المسحة المقدسة، أو سر الميرون. ما هو الزيت فى مثل العذارى العشر؟

العذارى الجاهلات لم يكن معهن زيتا فى آنيتهن، إشارة إلى أنهن لم يحتفظن بعمل الروح القدس فيهن..

 

النار

واضح فى يوم البندكستى أن حل الروح القدس على التلاميذ كألسنة كأنها من نار ” (أع 2: 3).

 

الريح

الكلمة اليونانية ” ابنفما ” تعنى الريح والروح فى نفس الوقت.. ومع ذلك نرى حلول الروح القدس فى يوم الخمسين، قيل فى مقدمته ” وصار بغتة من السماء صوت كما من ريح عاصفة، وملأ كل البيت.. وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم.. وامتلأ الجميع من الروح القدس ” (أع 2: 2- 4).

 

عن الروح القدس:

من كتاب: الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر

للقمص: تادرس يعقوب الملطى

صدر عام 1981 – بمناسبة مرور 16 قرنا على مجمع القسطنطينية.

 

الحاجة إلى الروح القدس

بالبشارة بالتجسد الإلهى دخلت البشرية عصرا جديدا هو ” العصر المسيانى ” أو العصر الذهبى لخلاص العالم كله، حيث نزع البرقع عن موسى، وانسحبت الرموز لتقدم المرموز إليه، وتحولت الظلال إلى الحق، وتحققت النبوات، وجاء المسيح مشتهى الأمم، كله حلاوة وحلقه مشتهيات.. أحبه المؤمنون وحملوا اسمه فصاروا ” مسيحيين ” أحب المسيح العالم كله وبذل نفسه من أجلهم، وأحب المؤمنون المسيح واشتهوا الموت من أجله كل يوم!

والعجيب أن مسيحنا هذا الذى أحبنا حتى الموت لكى يخلصنا ويدخل بنا إلى الأتحاد معه، يقدم لنا فى ليلة آلامه معزيا آخر، إذ يقول: ” وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيا آخر ليمكث معكم إلى الأبد، روح الحق الذى لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه، أما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم. لا أترككم يتامى..

” وأما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شىء ويذكركم بكل ما قلته لكم ” (يو 14: 16 – 18، 26).

” ومتى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذى من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى ” (يو 15: 26).

” لكنى أقول لكم الحق أنه خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى. ولكن إن ذهبت أرسله إليكم.

ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة ” (يو 16: 7، 8).

” أما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية.

ذاك يمجدنى لأنه يأخذ مما لى ويخبركم ” (يو 16: 13، 14).

يليق بنا أن نتوقف طويلا عند الكلمات الوداعية التى تحدث بها السيد معنا ليلة آلامه، وكأنه يسلم كنيسته كل الميراث، أنه يقدم لها شخص الروح القدس يمكث معها ويكون فيها يعزيها ويعلمها ويرشدها إلى الحق، ويبكت كل ضعف يحل بأولادها ويمجدها بما للمسيح لتحمل مجده فيها.

كثيرون يتحدثون عن الصداقة الإلهية التى صارت لنا فى المسيح يسوع، بكونه قد صار لنا الأخ البكر والعريس والصديق كما هو الرب والمخلص والملك.. نحبه ونصادقه، نسأله ونتضرع إليه ونعاتبه، نشعر بالقرب الشديد إليه لأنه حمل طبيعتنا وصار كواحد منا، أما عن الروح القدس إذ يظهر على شكل حمامة كما فى عمادالسيد المسيح أو على شكل ألسنة نارية خلال هبوب ريح عاصف كما فى يوم العنصرة، دعى قوة الله وحكمته وروح الحب الألهى.. لهذا لا ينشغل البعض بالدخول معه فى علاقات شخصية، بل ينظرون إليه مجرد سمة إلهية خفية. لقد أراد السيد المسيح وأكدت الكنيسة التزامنا بقبول الروح القدس لندخل معه فى صداقة كشخص نعيش به ومعه: يتحدث معنا ونحن نحدثه (مر 13: 11)، نسمع صوته (رؤ 2: 7)، يعلن لنا ويرشدنا (أع 13: 2)، يقوم بالشهادة معنا (أع 5: 32)،

ويشهد لحسابنا (رو 8: 6)، يقدم لنا المعرفة (1 كو 2: 10، 11)، يهبنا الحياة (يو 6: 36)، ويحزن أيضا (أف 4: 30)، ويدبر أمور الخدمة ويقيم الخدام (أع 20: 28)..

فالروح القدس المعزى الذى أرسله لنا الأبن من عند الآب ليس مجرد سمة إلهية لكنه أقنوم إلهى نصادقه ونحبه ونعيش به ومعه، ونسأله أيضا كما تفعل الكنيسة فى تسبحة الساعة الثالثة يوميا: ” أيها الملك السمائى المعزى، روح الحق، الحاضر فى كل مكان، والمالىء الكل، كنز الصالحات ومعطى الحياة، هلم تفضل وحل فينا، وطهرنا من كل دنس أيها الصالح وخلص نفوسنا ” إن كانت الكنيسة قد تعلقت بالسيد المسيح كعريسها الذى أحبها وأسلم نفسه لأجلها، فأنها تعلقت بروحه القدوس فتذكر حلوله عليها يوميا فى تسبحة الساعة الثالثة، واهتمت بعيد البنطقستى الذى هو عيد حلول الروح القدس على التلاميذ بكونه عيد ميلادها بالروح القدس، إنها تدرك تماما إنها تحت قيادة الروح القدس الذى يعمل فيها فى ليتورجياتها كما فى كرازتها وفى تبكيت النفوس كما فى تبريرها وتقديسها حتى يدخل بها إلى ملء قامة المسيح.

إننا نلتقى مع الروح القدس فى مياة المعمودية كمجدد لنفوسنا وواهبنا الغفران من الخطايا والولادة الجديدة والعضوية فى جسد السيد المسيح السرى.. ثم نعود فنقبله فى داخلنا خلال سر التثبيت، نقبله كسر حياتنا يلازمنا كل أيام غربتنا لكى ينمى فينا الأنسان الجديد ويقويه ويسنده كما يرشدنا ويعزينا ويقدسنا إلى أن يدخل بنا إلى الأمجاد الإلهية فى أروع صورة باتحادنا المستمر مع المسيح ودخولنا إلى حضن الاب.

فى هذا يقول القديس أكليمنضس الأسكندرى: ” إن المربى يخلق الأنسان من تراب ويجدده بالماء وينميه بالروح “.

الروح القدس هو الروح النارى الذى يلهب الأنسان الجديد بالنار الإلهية ليجعله مؤهلا على الدوام لأتحاد أعمق مع الله – النار الآكلة (تث 4: 24، 9: 3، عب 12: 29) – فى المسيح يسوع، فيشترك مع الشاروبيم الملتهبون نارا فى تسابيحهم

 

الروح القدس كنز الصلاح

من الصعب الكتابة عن عمل الروح القدس فى حياة الناس:

أولا: لأن أعماله فائقة للوصف لا يمكن التعبير عنها، يقدم لنا شركة فائقة مع الآب فى إبنه، ويقدس نفوسنا على الدوام خلال تبكيتنا على الخطية والضعف وتثبيتنا فى الأبن الوحيد الجنس واعلان مجد إبن الله فينا، ينطلق بنا كجناحى حمامة إلى السموات فينير بصيرتنا الداخلية للتعرف على الأسرار الإلهية غير المدركة واكتشاف الأمجاد الإلهية، يهبنا مواهب روحية لنمونا الروحى والشهادة للسيد المسيح والخدمة، مكرسا القلب كمقدس إلهى للقدوس.. الخ، أمور عالية تعجز اللغات البشرية أن تتحدث عنها أو أن تحصرها فى عبارات بشرية

ثانيا: أن أعمال الروح القدس فى حقيقتها هى عمل واحد متكامل لا يمكن تجزئته ولا وضع خطة بالمنطق البشرى عن فاعليته فينا.. فهو اللهيب النارى الإلهى الذى يعمل بغير حصر أو حدود.

ثالثا: أن عمل الروح القدس فى الحقيقة ليس منفصلا عن عمل الآب أو الأبن حتى وان نسبنا لكل اقنوم عمله، إذ يقول القديس كيرلس الأسكندرى: ” إن التجديد فى الحقيقة هو من عمل الثالوث القدوس، حتى وإن أظهرنا أننا ننسب لكل أقنوم على حده عملا مما يحدث لنا أو للخليقة، ولكن علينا أن نؤمن أن كل شىء هو من الآب خلال الأبن فى الروح القدس “. يتحدث القديس باسيليوس عن عمل الروح القدس فينا، قائلا: ” بالروح القدس استعادة سكنانا فى الفردوس، صعودنا إلى ملكوت السموات، عودتنا إلى البنوة الألهية، دالتنا لتسمية الله ” أبانا “، تسميتنا أبناء النور، حقنا فى المجد الأبدى، – وبكلمة واحدة حصولنا على ملء البركة فى هذا الدهر وفى الدهر الآتى “.

ويحدثنا القديس ديديموس الضرير عن الروح القدس كسر كل صلاح فينا، إذ يقول: ” الروح القدس بكونه الله يجددنا فى العماد، وفى اتحاد مع الآب والأبن يردنا من حالة التشوه إلى جمالنا الأصلى، وهكذا يملأنا بنعمته حتى أننا لا نقدر بعد أن نترك مجالا لشىء لا يليق بحبنا.

إنه يحررنا من الخطيئة والموت والأمور الأرضية، ويجعلنا روحيين، شركاء المجد الإلهى، أبناء الله والآب وورثته. ويحولنا إلى صورة ابن الله ويجعلنا اخوته وشركاءه فى الميراث، فنتمجد ونملك معه، يهبنا السوات عوض الأرض، ويمنحنا الفردوس بيد سخية، ويجعلنا أكثر كرامة من الملائكة، ويطفىء لهيب نار الجحيم غير النطفىء فى المياة الإلهية لجرن المعمودية “.

ويحدثنا القديس غريغوريوس النزينزى عن عمل الروح القدس فى حياتنا كينبوع صلاحنا، قائلا:

” يدعى روح الله وروح المسيح.. وهو نفسه الرب. روح البنوة والحق والحرية، روح الحكمة والفهم والمشورة والقدرة والمعرفة والصلاح ومخافة الله، إنه صانع كل هذه الأمور، يملأ الكل بجوهره، ويحوى كل الأشياء، يملأ العالم فى جوهره ومع هذا فلا يمكن للعالم أن يدرك قوته، صالح ومستقيم، ملوكى بطبيعته وليس بالتبنى. يقدس ولا يتقدس، يقيس ولا يقاس، يهب شركة ولا يحتاج إلى شركة، يملأ ولا يمُلأ، يحوى ولا يحُوى، يورث ويمجد.. مع الآب والأبن. هو أصبح الله، نار كالله (الآب).

وفى حديث للقديس يوحنا الذهبى الفم فى عيد العنصرة يقول:

” اليوم قد بلغنا إلى القمة ذاتها، إلى رأس الأعياد، وذلك تحقيقا لوعد الرب القائل: ” لأنه ان لم أنطلق لا يأتيكم المعزى، ولكن ان ذهبت أرسلته إليكم ” (يو 16: 7).

أنظروا قلقه علينا! تأملوا حنوه غير المنطوق به!

 

الروح القدس والتبكيت على الخطيئة

الروح القدس الذى يجد له فينا مسكنا فى سر التثبيت يقوم بعمل التبكيت المستمر على كل خطيئة نرتكبها، إنه الروح القدس الذى لا يطيق النجاسة والشر.. الروح القدس يفضح خطايانا أمام بصيرتنا الداخلية.. الروح القدس لا يقف فى عمله هذا عند حدود الكشف والتبكييت، لكنه أيضا يقوم بدور ايجابى فى توبتنا المستمرة بالتشفعات الإلهية التى يصنعها عنا لدى الآب فى استحقاقات دم الأبن.. باراكليت ؛ تعنى معزى أو محامى..

لقد دعى محاميا أو شفيعا، لأنه يتوسط لدى الآب من أجل الخطاة، وقد دعى الروح ذاته ” المعزى “، لأنه ينهض رجاء الغفران فى اولئك الذين يحزنون على خطاياهم التى يرتكبونها. · تحتاح النفس إلى السراج الالهى، وهو الروح القدس، الذى ينير البيت المظلم، وإلى شمس البر الساطعة التى تضىء وتشرق فى القلب.. · وهذا هو معنى الأرملة التى أضاعت الدرهم فأنارت السراج أولا (لو 15: 8) ثم كنست البيت. وهكذا إذ كنست البيت والسراج مضىء وجدت الدرهم بعد أن كان مدفونا فى التراب والوسخ. هكذا النفس أيضا لا تستطيع أن تجد أفكارها وتميزها، لكنها متى أضاءت السراج الألهى فأنه ينير البيت المظلم، وحينئذ تنظر أفكارها كيف كانت مدفونة فى دنس الخطيئة ووحلها، ثم تشرق الشمس فترى النفس هلاكها وتبدأ فى استداد افكارها المشتتة والمختلطة بالوسخ والدنس، لأن النفس أضاعت صورتها حين خالفت الوصية (تك 1: 26، أف 4: 24، كو 3: 10).

 

الروح القدس وأعمال التوبة:

التوبة هى حياة عملية يمارسها الأنسان كقول القديس يوحنا المعمدان: ” اصنعوا أثمارا تليق بالتوبة ” (مت 3: 7). هذه الأعمال ليس من عملنا البشرى لكنها هى عطية الروح القدس الذى يسند المجاهد فى حربه ضد شهوات الجسد وخطايا النفس.

 

الروح القدس والتقديس المستمر

حدثنا السيد المسيح عن الروح القدس كمعلم إلهى يبكت الناس على الخطية (يو 16: 8) ليدفع نفوسنا إلى التوبة الصادقة المستمرة، مقدما لها تعزية (يو 16: 7) . سرها أن ينتقل بنا دوما من ضعفنا إلى الحياة المقدسة فى المسيح يسوع ربنا . لهذا دعاه السيد بالمعزى (يو 14: 26، 15: 26، 16: 7).

 

التقديس والتثبيت:

الروح القدس يقوم بتثبيتنا فى الأصل (الأبن القدوس) لكى تنتقل فينا عصارة الحياة المقدسة من الأصل إلى الأغصان. حدثنا السيد المسيح عن حاجتنا إلى الثبوت فيه بالروح القدس، بقوله: ” كما أن الغصن لا يقدر أن يأتى بثمر من ذاته إن لم يثبت فى الكرمة كذلك أنتم أيضا إن لم تثبتوا فى. أنا الكرمة وأنتم الأغصان الذى يثبت فى وأنا فيه يأتى بثمر كثير، لأنكم بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئا. إن كان أحدلا يثبت فى يطرح خارجا كالغصن فيجف ويجمعونه ويطرحونه فى النار فيحترق ” (يو 15: 4 – 6).

 

روح التقديس والجهاد:

الروح القدس لا يبخل علينا بالتقديس لكنه لا يعمل فينا بغير إرادتنا أو نحن متكاسلون.

· أيها الجسدانى الذى صار بالمياة روحانى، قدس نفسك لتكون هيكلا للاهوت.

· لا تدنسوا المعمودية التى كلها نور، بالأعمال غير الحسنة..

· ياإبنة حواء إحفظى طهارة المعمودية لأن صك الحية قد محى بمياة الحياة..

· أيها المعتمد الذى لبس حلة المجد المملؤة نورا أهرب من الوسخ لتكون منظورا من

الملائكة. لا تطرح لباسك البهى بالرذائل النتنة لئلا يضحك بك المبغضون

الحاسدون

(القديس مار يعقوب السروجى)

 

الروح القدس وتكريس القلب

فى القديم – النار المادية – حولت الأدوات الذهبية التى بين يدى شعب اسرائيل إلى العجل الذهبى الصنم الذى كان قائما فى قلوبهم يتعبدون له خفية ؛ فظهرت نيتهم الداخلية وأعلن معبودهم الخفى (خر 32: 24). وفى أيام بختنصر إذ دخل الثلاث فتية أتون النار المنظور من أجل برهم: أعُلن إلههم الخفى الذى كان يعمل فى قلوبهم، إذ ظهر شبيه بأبن الآلهه يتمشى معهم وسط الأتون، يحتضنهم ويحميهم من النار المنظورة، هكذا أرسل الله ناره الإلهية، روحه القدوس، الأقنوم الإلهى، لكى يعلن السيد المسيح المخفى فى قلوبنا.

إن عمل الروح القدس النارى فينا هو أنه يختمنا بالختم الملوكى فى أعماق النفس الداخلية، فنحمل صورة السيد المسيح فينا، وتصير النفس والجسد بكل إمكانياتهما وتصرفاتهما ملك الرب، هذا هو مفهوم التكريس: إننا نحمل الختم الإلهى معلنا أن كل ما فينا هو له.

يحدثنا الرسول بولس عن هذا الختم الإلهى، قائلا:

” والذى يثبتنا معكم فى المسيح وقد مسحنا، هو الله الذى ختمنا أيضا ومنحنا عربون الروح فى قلوبنا ” (2 كو 1: 21، 22).

” وفيه بعد أن آمنتم ختمتم بروح الموعد القدوس الذى هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى ” (أف 1: 13، 14).

” لا تحزنوا روح الله القدوس الذى ختمتم به ليوم الفداء ” (أف 4: 30).

وجاء فى أوامر الرسل: ” أيها الأسقف أو القس قد رتبنا سابقا والآن نقول أن تمسح أولا بزيت ثم تعمد بماء وأخيرا تختم بالميرون “.

· إننا نقبل أولئك الهراطقة الذين يرجعون إلى الأرثوذكسية.. ويختمون أولا بالميرون المقدس على جباههم وعيونهم وأنوفهم وأفواههم وآذانهم.

(ق 7 مجمع القسطنطينية المسكونى)

 

الروح القدس والأستنارة الدائمة

يقدم لنا الروح القدس فى المعمودية ” استنارة روحية ” فتنفتح بصيرتنا الداخلية لإدراك بنوتنا لله وعضويتنا فى جسد المسيح ونتعرف على أسرار محبة الله وتدبيره لخلاصنا. وفى سر الميرون يقدم لنا الروح القدس نفسه لنقتنيه داخلنا سراجا إلهيا يضيىء بصيرتنا على الدوام لنتعرف من يوم إلى يوم حقائق الله والعالم والنفس البشرية والسماء.

بالروح القدس نتعرف على أسرار الله: لأن الروح يفحص كل شىء حتى أعماق الله. يُنسب للروح القدس عطية الشركة، فهو سر الشركة بين الآب والأبن، إذ هو منبثق من الاب مستقر فى الأبن، روح الآب وروح الأبن، وكما يقول القديس اغسطينوس: ” الآب ليس أبا للروح القدس بل للأبن، والأبن ليس إبنا للروح القدس بل للآب، أما الروح القدس فليس روح الآب وحده ولا روح الأبن وحده، بل روح الآب والأبن

 

الروح القدس والتعزيات الإلهية

قبيل الصليب أعلن السيد المسيح لتلاميذه أنه لا يتركهم يتامى (يو 14: 18) إنما يرسل لهم الروح القدس المعزى (يو 14: 16 ؛ 16: 7). وقد وصف سفر الأعمال الكنيسة الأولى وسط آلامها وأتعابها كيف كانت تنمو وتتكاثر مملوءة سلاما داخليا وتعزيات الروح: ” وأما الكنائس فى جميع اليهودية والجليل والسامرة فكان لها سلام وكانت تبنى وتسير فى خوف الرب وبتعزية الروح القدس كانت تتكاثر”.

 

ثمار الروح:

عوض ثمار الخطيئة، ينعم المؤمنون بثمار الروح: فكما اقتطف الأنسان من روح الظلمة ثمار الخطيئة التى هى بغضة ومرارة واضطرابات وخصام وغضب وسخط وشر وجحود ونجاسة.. هكذا يقدم الروح القدس ثمره للمؤمنين: ” محبة فرح سلام طول أناه لطف صلاح إيمان وداعة تعفف “. (غلا 5: 22).

 

الروح القدس والأمجاد السماوية

فى ليلة الآمه قدم السيد المسيح لنا روحه القدوس كمعلم فريد، ” روح الحق ” الذى يرشدنا إلى جميع الحق (يو 16: 13)، يعلمنا كل شىء ويذكرنا بكل ما قاله السيد لنا، هذا المعلم الإلهى يقدم لنا ما هو للمسيح ويعلنه لنا وفينا، إذ يقول السيد المسيح: ” لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية. ذاك يمجدنى، لأنه يأخذ مما لى ويخبركم، كل ما للآب هو لى، لهذا قلت أنه يأخذ مما لى ويخبركم ” (يو 16: 13 – 15). إنه ليس معلما بشريا يستعرض أفكارا ومعرفة تعطى لذة لعقولنا، بل المعلم الإلهى الذى يسكن أعماق النفس فى الداخل، ليعلن فيها أمجاد المسيح كخبرة حياة نعيشها ونمارسها، فيتمجد المسيح فينا، ونحن أيضا نحمل أمجاده فى داخلنا، فنتغير داخليا من مجد إلى مجد لعلنا بالروح القدس نبلغ إلى ملء قامة المسيح. هذا ما لمسه القديس بولس حين قارن بين عمل الناموس فى أيام موسى النبى وعمل الروح القدس فى ظل العهد الجديد، إذ يقول: ” ثم إن كانت خدمة الموت المنقوشة بأحرف فى حجارة قد حصلت فى مجد حتى لم يقدر بنو اسرائيل أن ينظروا إلى وجه موسى لسبب مجد وجهه الزائل، فكيف لا تكون بالأولى خدمة الروح فى مجد؟!.. ولكن حتى اليوم حين يقرأ موسى البرقع موضوع على قلوبهم، ولكن عندما يرجع إلى الرب يرفع البرقع. وأما الرب فهو الروح وحيث روح الرب هناك حرية. ونحن جميعا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما فى مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح ” (2 كو 3: 7 – 7).

 

الروح القدس والمواهب الروحية

الروح القدس وهو يختم النفس لتصير فى ملكية الله، مقدسة له، تجاهد للشهادة له تنعم بالتعزيات الروحية كما تتمتع بالمواهب الروحية حسبما يقدم لها الروح فيما يناسب ظروف الكنيسة واحتياجاته وشخصية المؤمن ومواهبه، لكى تضرم هذه المواهب كسر مجد لله وبنيان الكنيسة وخلاص للنفس وبركة للكثيرين.

يقول القديس بولس: ” فأنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد.. ولكنه لكل واحد يعطى إظهار الروح للمنفعة. فإنه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد، ولآخر إيمان بالروح الواحد، ولآخر مواهب شفاء بالروح الواحد، ولآخر عمل قوات، ولآخر نبوة، ولآخر تمييز الأرواح، ولآخر أنواع ألسنة، ولآخر ترجمة ألسنة، ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسما

لكل واحد بمفرده كما يشاء، (1 كو 12: 4 – 11).

هذه المواهب فى تعددها تعطى للكنيسة كمالا وتنسيقا ووحدانية، إذ يدرك كل مؤمن بالروح القدس أنه عضو للآخر، ويتكامل الكل بأتحادهم معا فى الرأس ربنا يسوع المسيح

كتاب تأملات في عيد حلول الروح القدس للأنبا يؤانس أسقف الغربية المتنيح

كتاب تأملات في عيد حلول الروح القدس للأنبا يؤانس أسقف الغربية المتنيح

كتاب تأملات في عيد حلول الروح القدس للأنبا يؤانس أسقف الغربية المتنيح

للتحميل: كتاب تأملات في عيد حلول الروح القدس للأنبا يؤانس أسقف الغربية المتنيح

 

Exit mobile version