السامرية – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

السامرية – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

السامرية – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

(1)

”الآب يحب الابن، وقد دفع كل شيء في يده. الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياةً بل يمكث عليه غضب الله”

(يو3: 35ـ36)

 

النمو فى الإيمان[1]:

     1ـ لا شك أن سير الأمور وتدرجها بشكل طبيعي يحقق فائدةً كبيرةً. فبهذه الطريقة يمكننا أن ننهي الكثير من الأعمال الفنية التي تحتاج إلى مهارة خاصة، دون أن يكون مطلوبًا منا أن نُلم بكل التفاصيل دفعةً واحدةً. وكما نبني المدن تدريجياً شيئًا فشيئًا بهذه الطريقة الهادئة، يمكننا أيضًا – بنفس الطريقة – أن نحفظ حياتنا، فلا تنهار في مواجهة صعاب الحياة، إذا ما أدرك المرء ما تنطوي عليه نفسه من قوة روحية.

     بهذه الطريقة، أمكن لليهود أن يتخلصوا من عبادة الأصنام، ولأنه لم يكن لديهم ـ منذ البداية ـ تعاليم سامية، ولا تعاليم عن العقائد، ولا حتى عن الحياة، فقد تم إنقاذهم تدريجيًا رويدًا رويدًا من هذه العبادة.

وهكذا بعد مجيء المسيح، حينما جاء ملء الزمان لظهور التعاليم السامية، دعا الرسلُ اليهودَ دون أن يكلموهم بما هو أعلى من مستواهم.

وقد استعمل المسيح أيضاً هذه الطريقة منذ البداية متحدثًا مع الأكثرية.

وهذا هو أيضًا ما انتهجه يوحنا المعمدان بخصوص المسيح، حيث عرض ما هو سامٍ في تعليمه بطريقة غامضة. فقد تحدث عنه – في البداية ـ كما لو أنه يتحدث عن مجرد إنسان، وإن كان جديرًا بالإعجاب، فيقول: ” لا يقدر إنسانٌ أن يأخذ شيئًا“، ثم يضيف إلى ذلك المعنى السامي، فيقول: ” الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع“. وإذ يتكلم ببساطة، يقول: ” ليس بكيلٍ يعطي الله الروح“، ومن ثمَّ يضيف: ” الآب يحب الابن وقد دفع كل شيء في يده“.

ولأن يوحنا المعمدان أدرك إن كثيرين لم يتأثروا لا بالوعود بالخيرات الصالحة، ولا بالتهديد بالمصاعب، فقد قدَّر أن حديثه عن الجحيم قد يأتي بالفائدة المرجوة، لذا نجده ينهي حديثه بالتشديد على أن: ” الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية، والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياةً بل يمكث عليه غضب الله“.

فهو هنا يغيِّر مستوى الحديث، فيرفعه من الكلام عن الجحيم إلى الكلام عن الآب. فلم يقل ” يمكث عليه غضب الابن“، رغم أن الابن هو الديَّان، بل يضعهم مباشرةً في مواجهة الآب، حتى ما يخيفهم بالأكثر.

ويمكنك أن تسأل: هل يكفي المرءُ الإيمانَ بالابن حتى تكون له الحياة الأبدية؟ إطلاقًا. اسمع كيف يحدد المسيح نفسه هذا الأمر:      “ ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السماوات” (مت 7: 21)، كما أن التجديف على الروح القدس، وحده كافٍ لأنْ يلقى المرءَ في جهنم.

وماذا يمكن أن نقول عن العقائد؟ فلو كان إيمان شخصٍ ما بالآب والابن والروح القدس مستقيمًا، فإن إيمانه هذا لن يخلِّصه لو كانت حياته غير مستقيمة. وعندما يقول المسيح إن: “هذه هي الحياة الأبدية، أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك” (يو 17: 3)، فلا يجب أن نظن أن هذا كافٍ أيضًا لخلاصنا؛ لأننا – بالإضافة إلى ذلك ـ في احتياج إلى سلوك أخلاقي طاهرٍ، وحياةٍ تقيةٍ. وبالرغم من أن يوحنا قال إنَّ: ” الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية“، إلاَّ أنه شدد بالأكثر على ما قاله بعد ذلك؛ لأنه لا يصيغ كلامه من العبارات الإيجابية فقط، بل من السلبيةِ أيضًا.

ولعلك تنتبه إلى الطريقة التي يتبعها يوحنا في ذلك، فقد أضاف:   ” الذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياةً، بل يمكث عليه غضب الله“. وبالرغم حتى من هذا القول، فإننا لا نقبل أن يكون الإيمان ـ وحده ـ كافيًا للخلاص، بينما نهمل كل ما كُتب في مواضع كثيرة في الأناجيل عن الحياة الصالحة. فلأجل هذا لم يقل ـ بالتحديد ـ إن هذه هي فقط الحياة الأبدية، ولم يقل إن من يؤمن بالابن فقط تكون له الحياة الأبدية، لكنه هنا وهناك يشدد على أن تكون الحياة الصالحة هي واقع الحياة الحاضرة؛ ولو لم يحيا المرء هذه الحياة، فعقابه كبير، ولذلك لم يقل ” يمكث له“، بل “يمكث عليه”؛ لكي يؤكد على أنه لن يتخلَّص إطلاقًا من غضب الله.

وحتى لا تظن أن عبارة ” لن يرى حياةً” تعني الموت المؤقت، بل تتأكد من ديمومة الجحيم، يستخدم الفعل “يمكث” مريدًا أن يؤكد على أن الغضب دائمًا ما يتربص به.

هكذا صنع يوحنا لأنه أراد أن يدفع سامعيه دفعًا تجاه المسيح، فهو لم يُرد مجرد نصحهم بطريقة معينة، بل أراد أن يؤثِّر فيهم بالأكثر بحديثه؛ ولذلك لم يقل لهم إذا آمنتم، وإذا لم تؤمنوا، بل تحدث بشكل مباشر حتى لا يسبب كلامه أي شبهة. وبالتالي كان كلامه بالصرامةٍ بالمقارنة مع كلام المسيح.

فالمسيح قال: ” الذي لا يؤمن قد دِين بالفعل“، بينما يوحنا قال:    ” لن يرى الحياة بل يمكث عليه غضب الله“. ولا شك أن يوحنا محقٌ في صرامته؛ لأن الطريقة التي يتكلم بها المسيحُ عن نفسه تختلف عن الطريقة التي يتكلم بها عنه آخر. فقد يظنون أن المسيح قال هذا طلبًا للمجد أو محبةً للتباهي. أمَّا يوحنا، فكان بعيدًا عن أن تلحقه هذه الشبهة.

 

ترك اليهودية ومضى إلى الجليل:

وإن كان المسيح قد استخدم فيما بعد أسلوبًا أكثر صرامةً. فعندما كوَّن هؤلاء رأيًا قاطعًا عنه، تحوَّل عنهم وترك اليهودية ومضى إلى الجليل.

فلما عَلِمَ الربُ أنَّ الفريسيين سمعوا أنَّ يسوع يُصيِّر ويُعمِّد تلاميذ أكثر من يوحنا. مع أن يسوع نفسه لم يكن يُعمِّد بل تلاميذه، ترك اليهوديةَ ومضي أيضًا إلى الجليل وكان لابد أن يجتاز السامرة” (يو4: 1ـ4). فالمسيح لم يكن يُعمِّد، بل كان الكارزون (التلاميذ) هم الذين يُعمِّدون، إلاَّ أنهم (أي اليهود) قالوا هذا لأنهم أرادوا أن يُثيروا كُره السامعين ضده.

وقد نتساءل: لماذا ترك المسيح اليهودية ومضى إلى الجليل؟

لم يمضِ المسيحُ بسبب الخوف منهم؛ لأنه كان يستطيع أن يواجههم، ولكن لأنه أراد أن ينـزع كُرههم ويُبطل حسدهم. فالمسيحُ لم يكن دائم الانسحاب والمضي من أمامهم حتى لا يدفعهم ذلك نحو الشك في ولادته بحسب الجسد؛ لأنه لو كان دائمَ الانسحاب باستمرار كلما أرادوا القبض عليه لَسبَّبَ ذلك ارتياب الكثيرين[2]، ولهذا تصرَّف بشكل يتفق وما اعتاد البشر أن يفعلوه؛ لأنه أراد ـ تحديدًا ـ أن يُؤمنوا به على أنه كان ومازال هو الإله بالرغم من أنه اتخذ جسدًا، ولذلك قال لتلاميذه بعد قيامته: “جسوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي” (لو24: 39).

وهذا، أي حرص المسيح على أن يُؤمنوا به على أنه الإله رغم أنه اتخذ جسدًا، كان محل اهتمام كبير من بطرس الأمر الذي دعاه إلى رفض تألم المسيح وموته، فقال له: “حاشاك يا رب لا يكون لك هذا” (مت 16: 22).

2ـ إن التشديد على حقيقة تجسده وميلاده الحقيقي هو أساس تعليم الكنيسة، وهذه الحقيقة تمثل رأس خلاصنا الذي من خلاله (التجسُّد) يصير الكل ويكمتل. لأن الموت قد أُبطل، والخطية غُفِرت، واللعنة زالت، وخيرات غير محدودة استُجدت في حياتنا عن طريق التجسُّد. لقد أراد المسيح أن يصدِّق الناس أن ميلاده بالجسد هو أصل ومنبع خيرات لا تحصى. وهو وإنْ اهتم أن يُظهر الطبيعة البشرية، لم يَدع الطبيعة الإلهية في الظلال.

 

المسيح يتجه إلى الأمم:

ولأن كل ما سبق كان في بؤرة اهتمامه، فقد ارتحل ومضى من هناك. لأنه لم يمضِ إلى الجليل دونما سبب، لكنه أراد أن يصنع أشياءً عظيمةً بين السامريين، ولكي يحقق ما أضمره، دبَّر الأمور بطريقة أكثر كمالاً بحيث لا تسمح لليهود الأشرار أن يحتجوا عليه بأنه تركهم وذهب إلى الأمم. هذا ما أشار إليه الإنجيلي قائلاً: ” كان لا بُد أن يجتاز السامرة“، فقد أراد أن يبدو ما فعله المسيح كأنه أمر عارض أو على هامش عمله. وهكذا فعل الرسل أيضًا؛ لأنه كما أن أولئك “السامريين” كانوا قد لجأوا إلى عبادة الأوثان، عندما أُدينوا من قبَل اليهود، هكذا المسيح أيضًا، عندما طردوه ذهب عندئذٍ إلى الأمم، وهكذا الأمر عندما أُرسل إيليا إلى امرأة بيت صرفا. لقد تم الأمر بهذه الطريقة حتى لا يكون لليهود الحق في أن يقولوا أنه تركنا وذهب إلى غير المختونين، وبالتالي تكون هناك فرصة للغفران لغير المختونين لنوال الصفح والغفران.

لذلك قال التلاميذ لهم: ” كان يجب أن تُكلَّموا أنتم أولاً بكلمة الله، ولكن إذ دفعتموها عنكم وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية هوذا نتوجه إلى الأمم” (أع 13: 46). والرب نفسه كان قد قال: “ لم أُرسل إلاَّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة” (مت 15: 24)، وأيضًا:      ” ليس حسنًا أن يُخذ خبز البنين ويطرح للكلاب” (مت 15: 26).

ولكن لأنهم طردوه، فقد فتحوا الباب للأمم. وبالتالي فهو لم يأتِ إلى أولئك كيفما اتفق، بل بقصد المجيء إليهم.

 

فأتى إلى مدينة من السامرة يقال لها سوخار بقرب الضيعة التي وهبها يعقوب ليوسف ابنه، وكانت هناك بئر ليعقوب”.

         لماذا اعتنى الإنجيلي بذكر المكان بدقة؟ حتى لا يُساء فهم ما قالته المرأة فيما بعد: “أبينا يعقوب الذي أعطانا البئر”. لأنه في هذا المكان انتقم لاوى وشمعون لـ “دينة أختهم” وحدثت هناك مذبحة كبيرة[3].

 

قصة مدينة السامرة:

     قد يكون من المفيد هنا أن نذكر من أين انحدر السامريون، ولماذا تدعى كل هذه المنطقة بالسامرة، ومن أين أخذوا هذا الاسم؟ سومور هو جبل أخذ هذا الاسم من صاحبه كما يقول أشعياء: ” ورأس افرايم السامرة، ورأس السامرة ابن رمليا” (إش7: 9). لكن الساكنين هناك لم يدعوا أنفسهم السامريين بل الإسرائيليون دعوهم هكذا. وبمرور الزمن وقعوا في عدم رضا الله. وعندما كان فقح بن رمليا ملكًا حينما أتى تغلث فلاسر (ملك أشور) واستولى على مدن كثيرة، وفتن هوشع بن إيله على فقح بن رمليا وقتله (2مل30:15) وسلم الملك إلى يوثام بن عزيا وهجم ضده شلمنآسر الذي استولى على مدن كثيرة وجعلها تدفع له الجزية. لكن عزيا في البداية تراجع، لكن بعد ذلك تمرد وطلب معونة الأثيوبيين، وعندما علم آشور جيَّش جيوشًا ضدهم وقتلهم، ولم يسمح للسبط أن يسكن هناك حتى لا يتمردوا مرةً أخرى. لذلك نقلهم إلى بابل ومديان وحيث إنه أخذ أمم أخرى مختلفة هناك، لذلك وضعهم في السامرة حتى يظل الباقي في أمان إذ سُلِّمت المنطقة إلى أُناسٍ خاضعين له.

عندما حدث هذا أراد الله أن يُظهر قوته، وإنه لم يسلِّم اليهود عن ضعف لكن من أجل خطايا الساكنين، أرسل البرابرة الذين أفسدوا كل المنطقة. هذه الأمور أخبر بها الملك الذي أرسل كاهنًا لكي يسلمهم نواميس الله، لكن ولا حتى بهذه الطريقة تركوا عبادة الأوثان إلاَّ أنهم كرهوها ثم مع مرور الزمن هجروا عبادة الأوثان وعبدوا الله[4].

حسنًا، إذن سارت الأمور هكذا. ولكن، عندما رجع اليهود أخذوا يتصرفون تجاه السامريين بكبرياء كجنس آخر وكأعداء، ودعوهم بهذا الاسم، سامريين من اسم الجبل الذى فى هذه المنطقة. وكان الصراع كبيرًا بين الاثنين؛ لأن السامريين لم يقبلوا كل الكتب المقدسة لكن قبلوا فقط كتب موسى ولم يهتموا كثيرًا بكتب الأنبياء. وبالرغم من أن السامريين قد حرصوا على إظهار أصلهم اليهودي والافتخار بإبراهيم ـ الذي يعتبرونه أبوهم باعتباره أتى من كلدان ـ ويعقوب ابنه، لكن اليهود كانوا ينفرون منهم ويحتقرونهم.

لكل ما سبق اتهم اليهودُ المسيحَ قائلين: “ أنت سامريٌ وبك شيطان” (يو8: 43). وفي مَثَل الإنسان الذي نزل من أورشليم إلى أريحا ـ الذي صاغه المسيح ـ أدخل السامري ” الذي أظهر له الرحمة” (يو10: 37)، بالرغم من أن السامري كان شخصًا لا قيمة له محتقرًا ومكروهًا لدى اليهود. ولذلك أيضًا دُعى العشرة البُرَّص من جنس غريب (لأنهم كانوا سامريين)، وهو نفسه تحدث إلى تلاميذه قائلاً:    “ إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا” (مت5:10)[5].

3ـ ولكن الإنجيلي لا يذكر لنا قصة هذا المكان لأجل يعقوب، لكن لكي يُظهر مدى غربة اليهود التي حدثت ذات مرةٍ، لأن ذلك المكان كان ملكًا لهم في زمن الأجداد، ولكنهم خسروا هذه الأماكن بسبب خمولهم وفجورهم. لذلك لا توجد أي فائدة من انحدارهم من أجداد صالحين، عندما احتل هؤلاء الأحفاد المكان، لأن البرابرة أى الأمم عندما عاملوهم بوحشية الأسود عندئذٍ فقط  رجعوا إلى العبادة اليهودية. لكن اليهود بالرغم من أنهم كابدوا عقوبات شديدة لم يتأدبوا حتى بهذه الطريقة.

 

لم يسلك طريقًا سهلاً:

وعندما ارتحل المسيح إلى هناك، لم يسلك طريقًا سهلة، ولكنه استهان بالتعب والمشقة، مقدمًا نفسه لنا كمثال، فهو لم يستخدم ـ حتى ـ دابةً، بل ذهب ماشيًا على قدميه، حتى نتشجع نحن على أن نتخلى عن أشياءٍ كثيرة نحتاجها.

وفي مناسبة أخرى قال: ” للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه” (مت8: 20). لذلك كان يمكث أغلب الوقت في الجبال والصحارى، ليس فقط في النهار، بل بالليل أيضًا. وهذا ما سبق وأخبرنا به داوود قائلاً: ” من النهر يشرب في الطريق، لذلك يرفع الرأس” (مز110: 7). وهذا أيضًا ما يُظهره هنا يوحنا.

فإذ كان يسوع قد تعب من السفر، جلس هكذا على البئر. وكان نحو الساعة السادسة. فجاءت امرأة من السامرة لتستقي ماءً. فقال لها يسوع أعطيني لأشرب، لأن تلاميذه كانوا قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا” (يو4: 6ـ8).

         من هنا نعلم مدى احتماله لتعب الطريق ولامبالاته من جهة الطعام، وكيف أنه لا يعتبر هذا الأمر جدير بالاهتمام. وقد ربَّى تلاميذه على أن ينظموا أمورهم الخاصة بهذه الطريقة. ولذلك لم يحملوا معهم طعامًا. وقد ذكر إنجيليٌ آخر بعضًا من هذه الأمور (انظر مت16: 11) ” كيف لا تفهمون أني ليس عن الخبز قلت لكم أن تتحرزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين“، فقد ظنوا أنه يقول لهم هذا الكلام لأنه لم يكن لديهم خبزًا. وعندما جاعوا، قطفوا السنابل ليأكلوا، وعندما جاع هو ذهب للتينة. بكل هذه الأمثلة لم يعلمنا شيئًا إلاَّ أن نحتقر البطن وألاَّ نهتم بها كثيرًا.

لعلك انتبهت إلى أنهم لم يُحضروا معهم شيئًا، ولا حتى اهتموا أن يجهزوا شيئًا منذ الصباح الباكر، لكنهم اشتروا طعامًا في حينه، فهم لم يفعلوا مثلما نفعل نحن، الذين بمجرد أن نستيقظ من النوم ـ قبل أي شيء ـ ننادي على الطباخين وخدام الموائد ونخبرهم بطلباتنا باهتمام عظيم، وبعد ذلك نهتم بالأمور الأخرى معتبرين أن المأكولات، هي أكثر أهميةً من الأمور الروحية، ومفضلين عليها الأشياء التي كان يجب أن تكون هامشية في حياتنا. لذلك تسود الفوضى وتنقلب كل الأمور رأسًا على عقب. على النقيض من ذلك، كان يجب أن نهتم بالأمور الروحية، ثم بعد ذلك ننشغل بأمور معيشتنا.

 

لا يطلب المجد الباطل وكذلك تلاميذه:

هنا يجب أن نلاحظ، ليس فقط احتمال يسوع للأتعاب والمشقات، لكن كم هو بعيدٌ عن أي افتخار أو تباهٍ. فقد كان مُتعَبًا بالفعل، وقد ظل بمفرده في الطريق، بعد أن تركه لتلاميذه مؤقتًا. وكان يمكنه ـ إن أراد ـ ألاَّ يرسلهم كلهم لكي يبتاعوا طعامًا، أو أن يكون لديه خدام آخرون، لكنه لم يُرِد.

وقد اعتاد تلاميذه على ذلك، حتى أنهم أصبحوا يحتقرون أي تباهٍ أيضًا. وقد يتساءل أحدكم: ما الذي يستحق الدهشة في هذا، وهم قد تصرفوا بما يتفق مع مستواهم المعيشي إذ كانوا إمَّا صانعي خيام أو صيادين؟

لكن بالرغم من أنهم كانوا إمَّا صانعي خيام أو صيادين إلاَّ أنهم ارتفعوا مباشرةً إلى أعلى السماء وصاروا مُمجدين أكثر من الملوك، لأنهم حُسبوا مستحقين أن يعاشروا رب المسكونة، وقد تبعوا معلمًا أدهش الجميع في كل مكان.

قد يكون من السهل على أولئك الذين يأتون من مستوى معيشي أدنى أن يتيهوا فخرًا ومباهاةً إذا ما تقلدوا مناصب رفيعة؛ لأنهم كانوا محرومين من هذه الكرامة العظيمة. ولكن، لأن الرب جمَّع هؤلاء التلاميذ على أساس الوداعة، وعلمهم أن يكونوا متواضعين في كل شيء، فلم يعودوا في احتياجٍ إلى تباهٍ.

ويقول الإنجيلي: ” فإذ كان يسوع قد تعب من السفر جلس هكذا على البئر” (يو 4: 6).

هل رأيت كيف جلس ـ بسبب تعبه ـ منتظرًا التلاميذ؟ لقد عرف ما سوف يفعله في السامرة، وإن كان لم يأتِ لهذا السبب تحديدًا، إلاَّ أنه وعلى الرغم من أن ذلك لم يكن هذا هو السبب الوحيد لمجيئه، فلم يكن هناك مبرر لأن يطرد تلك المرأة التي أظهرت استعدادًا حسنًا للتعلم منه، خصوصًا وأن اليهود، بالرغم من أنه أتى إليهم، إلاَّ أنهم طردوه. أمَّا الأمم، فلأنهم سلكوا مسلكًا آخر، فقد صاروا مدعوين لأخذ مكانهم (أي مكان اليهود). وبينما كان اليهود يحنقون عليه، نجد أن الأمم قد صدقوه وآمنوا به.

الأولون (اليهود) كرهوه، أمَّا الآخرون فأُعجبوا به وسجدوا له. فما هو الأمر إذن؟ هل يهمل خلاص هؤلاء الناس ويترك استعدادهم العظيم؟ إطلاقًا، فهذا لا يليق بكونه محب البشر. لكن بما أنهم استجابوا للحكمة، فهو يمسك بخيوط كل الأحداث.

جلس إذن لكي يريح جسده ويستظل بجوار البئر. لأن النهار كان قد انتصف بالفعل، الأمر الذي أعلنه الإنجيلي قائلاً: “وكان نحو الساعة السادسة جلس هكذا على“، فماذا يعني الإنجيلي بـ “جلس هكذا على“؟ لم يجلس فوق العرش، ولا حتى فوق وسادة، لكن مجرد أنه جلس هكذا فوق التراب.

 

فجاءت امرأة من السامرة لتستقي ماءً، فقال لها يسوع: اعطينى لأشرب”.

4 ـ انظر كيف أظهر (الإنجيلى) أنها أتت لسبب آخر أى لتستقى ماءً، وذلك لكى يُفند ما يمكن أن يثيره اليهود من جدال وقح. وحتى لا يمكن لأحد أن يزعم بأنه يناقض نفسه، باعتبار أنه سبق أن أمرَ تلاميذه ألاَّ يدخلوا مدينةً للسامريين، وعلى الرغم من ذلك، فها هو نفسه يتحدث مع امرأة سامرية. لذلك يبرر الإنجيلي حديثه مع السامرية بقوله ” لأن تلاميذه كانوا قد مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعامًا“.

أعطينى لأشرب:

ماذا فعلت المرأة إذن؟ عندما سمعت المرأة ” أعطيني لأشرب“، وجدت فرصةً جميلةً جدًا لكي تسأل المسيح:

كيف تطلب مني لتشرب وأنت يهودي وأنا امرأة سامرية”؟

وكيف أدركت أن يسوع كان يهوديًا؟ ربما من ملبسه، ربما من طريقة نطقه للكلام. لكن لعلك تلاحظ مدى جرأة هذه المرأة؛ لأنه لو كان على أحد أن يتحفَّظ في الحديث، فهذا هو المسيح (لكونه يهوديًا)، لا هي. فالإنجيلى يقول:  ” لأن اليهود لا يعاملون السامريين“، ولم يقل إن السامريين لا يعاملون اليهود. لكن بالرغم من أن المرأة لم تكن مشاركة فى تهمة (حديث اليهودى مع السامرى)؛ إلاّ أنها لم تصمت بل قامت بتصحيح ـ بحسب رأيها ـ ذاك الذي صار (مبادرة المسيح فى الحديث معها) بخلاف اعتقاد اليهود.

ويمكن لأي شخص أن يتساءل. كيف يطلب يسوع منها أن يشرب ماءً بينما تقليد اليهود يحرِّم هذا؟ وقد يظن أحد أن المسيح كان عليه ألاَّ يطلب هذا الطلب؛ لأنه كان يتوقع ألاَّ تعطيه.

فما الذي يمكن أن نفترضه إذن؟ لم يُبدِ المسيح أي اهتمام بتلك الملاحظات التي تُزايد على الناموس. لأنه طالما هو نفسه علَّم الآخرين أن يخالفوها[6]، ففي الغالب سوف يخالفها هو نفسه، لأنه قال: ” لا ينجس الإنسان ما يدخل فمه، بل ذاك الذي يخرج من فمه” (راجع مت15: 11).

ومع ذلك، فهذا الحديث لا يمكن أن يوفر دافعًا لاتهام اليهود له، لأنه في مرات كثيرة، بالرغم من أن أحاديثه وأعماله قد خلبت لُبهم وبهتوا منها، إلاَّ أنهم لم يطيعوه. بعكس هذه المرأة التي بُهتت لمجرد أن سألها سؤالاً، بالرغم من أن المسيح لم ينتظر هذا الأمر من أحد، ولم يضغط على أحدٍ في هذا الاتجاه. ولم يُعِق أحدًا من الذين أتوا إليه.

 

الماء الحي:

لكن، لماذا لم يكتفِ المسيح بأن يقول لتلاميذه ألاَّ يستجيبوا للسامريين إذا أتوا إليهم، بل نهاهم أصلاً ألاَّ يدخلوا إلى مدينةٍ للسامريين؟. لأنهم وقتذاك كانوا غير مستحقين لمحبته. لذلك رد على المرأة وقال:

لو كنت تعلمين عطية الله ومن هو الذي يقول لك أعطيني لأشرب، لطلبت أنت منه فأعطاك ماءً حيًا”.

         وهنا يتضح لنا أنها كانت جديرة أن تسمع وتقبل كلامه، ومن ثم أعلن لها نفسه (ذاته)، وللتو عندما سمعت من هو، لفت انتباهها. وبالتالي لا يمكن لأحد من اليهود أن يتقول بشيء؛ لأنه بالرغم من أنهم سمعوا عنه، لم يطلبوا منه شيئًا، ولا كانوا مستعدين لتعلم شئ مفيد لكن شتموه وأدانوه.

وعندما سمعت المرأة هذه الأقوال ـ لاحظ مدى وداعتها ـ أجابت:

يا سيد لا دلو لك والبئر عميقة، فمن أين لك الماء الحي؟

         فهي إذن لم تعتبره ـ بالرغم من رأيها المتواضع ـ إنسانًا عاديًا، لأنها لم تدعوه “يا سيد” هكذا بدون قصد، لكن نسبت له كرامةً عظيمةً. ويتضح ذلك من أنها لم تسخر من أقواله ولا استهزأت به. لكن كان لديها بعض الشكوك. وإن كانت لم تفهم كل أقواله، فهذا لا يجعلك تشك فيها؛ لأنه حتى نيقوديموس نفسه لم يفهم. ولذلك سأله: “كيف يولد الإنسان وهو شيخ، ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانيةً ويولد؟” (يو3: 4).

لكن السامرية تسأل في احترام شديد: “يا سيد لا دلو لك والبئر عميقة، فمن أين لك بالماء الحي؟“. وبينما كان المسيح يقصد معنىً معينًا، فهمت هي أمرًا آخر تمامًا، فقد أخذت الكلام على علاته دون أن تعتقد أن وراءه يكمن معنىً سامٍ. ورغم أنه كان يمكنها أن تتواقح وتقول له: لو كان لديك ماءً حيًا فلماذا تطلب مني ماءً؟ أو كان يمكنك أن تعطي نفسك، إلاَّ أنها ردت باعتدال منذ البداية. فمنذ البداية قالت له: ” كيف تطلب مني لتشرب وأنت يهوديٌ وأنا امرأة سامرية؟“. وكان يمكنها أن تقول: لماذا تتحدث مع إنسان غريب، وعدو، وأنا لا أستطيع أن أعطيك لأنك عدوٌ وغريب. بل، وهناك ما هو أكثر من ذلك، فعندما سمعت منه ما هو أعظم، وهو ما قد يُغضب الأعداء، لم تسخر منه، بل سألت:

ألعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي أعطانا البئر لنشرب منها وشرب منها هو ومواشيه وبنوه؟”.

هل رأيت كيف تريد أن تُظهر له أصلها اليهودي؟ وليس ذلك فقط، بل إن ما قالته يعني: إن ذاك (أي يعقوب) فقط استخدم هذا الماء، ولم يكن لديه شيئًا أعظم يعطيه. ومن هذه الإجابة أيضًا يتضح لنا أنها بدأت تُدرك أن في الأمر شيئًا مهمًا وساميًا؛ لأن قولها: “وشرب منها هو وبنوه ومواشيه” يعني أنها تختزن في عقلها أمرًا لم تفصح عنه، ألا وهو أن هناك ماءً آخر ممتازًا، لكن لم تجده ولا عرفته جيدًا. وبكل وضوح، أقول لكم إن ما أرادت أن تقوله هو الآتي: لا أستطيع أن أزعم أن يعقوب الذي أعطى لنا البئر، قد استخدم بئرًا أخرى؛ لأنه بالفعل شرب من هذه البئر هو وبنوه، ولو كان لديه بئرًا أفضل لمَا شربوا من هذه البئر. وأنت نفسك لا تستطيع أن تعطي بئرًا أخرى، ولا يمكن أن يكون لديك أخرى أفضل، بالرغم من أنك تقرر أنك أعظم من يعقوب. فمن أين إذن لديك الماء الذي تَعد أن تعطيه لنا؟

 

وداعة السامرية:

على أن اليهود لم يكونوا في مثل وداعة السامرية، فبالرغم من أنه تحدَّث إليهم عن ذات الموضوع وكلمهم عن هذا الماء، لكنهم لم يحصلوا على أية فائدة. وعندما ذكر لهم إبراهيم كانوا يريدون قتله[7]. لكن السامرية لم تتصرف معه على هذا النحو، بل تعاملت معه بوداعة شديدة رغم الجو الحارق. كذلك هو، فبينما كان النهار في منتصفه، كان يقول ويسمع كل شيء بصبر كبير. أرجو أن تقارن هذا الموقف، بالموقف الذي اتخذه اليهود. ربما تقول مثلهم: إنه مجنون، وقد فقد عقله، ويخدعني بأن لديه بئرًا ومنابع دون أن يعطيني شيئًا، وأنه يتكلم كلامًا كبيرًا أجوفًا. أمَّا المرأة السامرية، فكانت صبورة وسمعت بانتباه حتى كشف لها ما تريده.

فإن كانت السامرية قد أظهرت استعدادًا لتعرف شيئًا مفيدًا، وقد آمنت بالمسيح، بالرغم من أنها لم تعرفه، فأي غفران نناله نحن الذين عرفناه، دون أن نكون موجودين بالقرب من البئر، أو في الصحراء، أو في منتصف النهار، أو تحت حرارة الشمس، لكن في الفجر، وتحت حماية الظل الممتعة ورطوبة الجو، ومع ذلك ليس لدينا صبرٌ لنسمع أقواله، بل نستسلم للجمود والخمول؟!!

لم تتصرف السامرية مثلنا، لكنها كانت تنصت لأقواله وتسمعها بحرص، حتى أنها دعت الآخرين. بعكس اليهود الذين لم يكتفوا ـ فقط ـ بعدم دعوتهم لآخرين، بل أعاقوا حتى أولئك الذين أرادوا أن يأتوا. لأجل هذا ذكر الإنجيل: ” ألعل أحدًا من الرؤساء أو من الفريسيين آمن به، ولكن هذا الشعب لا يفهم الناموس هو ملعون” (يو7: 48ـ49).

 

اعمل حساب الحياة الآتية:

ليتنا نتشبَّه إذن بالسامرية، وتعالوا نتبادل الحديث مع المسيح؛ لأنه بالفعل قائم في وسطنا يتحدث بواسطة الأنبياء والتلاميذ. تعالوا نسمع ونؤمن، فإلى متى نعيش في عبثٍ؟ لماذا لا ندرك أننا نعيش بلا فائدة إذا لم نعمل كل ما يسر الله؟ وليس بلا فائدة فقط، بل وغالبًا ما نضر أنفسنا. لأننا، إذ نهدر الزمن الذي أعطاه لنا الله بلا فائدة، فإننا سنرحل من هنا لكي نعاقب بصرامة على ما بذَّرناه بغير هدف. فإذا أخذ أحدٌ أموالاً لكي يتاجر بها، فبذَّرها، ألا يعطي عنها حسابًا لمَنْ ائتمنه. هكذا، فمَنْ بذَّر حياته بلا هدف، لا يمكن أن يتجنب العقاب؛ لأن الله لم يأتِ بنا إلى هذه الحياة الحاضرة ولا نفخ في نفوسنا نسمة الحياة لأجل هذه الحياة الحاضرة، بل لكي يكون كل شيء لأجل الحياة الأبدية الآتية.

الحيوانات غير العاقلة فقط هي التى خُلقت لهذه الحياة الحاضرة. أمَّا نحن، فلنا نفسٌ خالدةٌ، حتى نفعل كل ما يقودنا للاستعداد والتهيؤ للحياة الآتية. فلو سأل أحدٌ ما هي فائدة الخيول، والحمير، والبقر، والحيوانات الأخرى، فسوف نجيبه: لا يوجد فائدة أخرى إلاَّ أن تخدم الحياة الحاضرة. ولكن لا يمكن أن نزعم نفس الأمر بالنسبة لنا، لأنه إذا كانت الحالة الأفضل بالنسبة لنا هي ارتحالنا عن هذا العالم، وَجَبَ علينا أن نعمل كل ما يجعلنا لامعين هناك، وهكذا يمكننا أن ننتسب إلى صفوف الملائكة، ونوجد بالقرب من الملك دائمًا في الدهور الأبدية.

لهذا نقول إن نفوسنا خالدة، بل والجسد أيضًا سيكون خالدًا لكي نستمتع بالخيرات الأبدية. فلو كنت ملتصقًا بالأرض، بينما هو يفضِّل لك السماء، فكم يكون ـ إذن ـ حجم تقدمات المانح الكريم. لأن ذاك يعطيك السماويات أمَّا أنت فتستبدلها بالأرضيات لأنك لا تفضِّل السماويات. لذلك يهددك بجهنم أنت يا مَنْ تستهين به لكي تعلم مقدار الخيرات التي سوف تُحرم منها. ليتنا لا نتعرف أبدًا على ذلك الجحيم طالما لنا رجاء فى المسيح، ليتنا نفوز بالخيرات الأبدية بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والابن والروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

 
   

(2)

”أجاب يسوع  وقال لها: كل من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا.ولكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد. بل الماء الذي أعطيه يصير منه ينوع ماء ينبع إلى حياةٍ أبدية. فقالت له المرأة يا سيد أعطني هذا الماء لكي لا أعطش ولا آتي إلى هنا لأستقي”

(يو4: 13 – 15)

 

الروح القدس: نار وماء:

     1ـ يدعو الكتاب المقدس نعمة الروح القدس نارًا، وأحيانًا ماء؛ لأنه يريد أن يظهر لنا أن الأسماء لا تحل محل الجوهر[8]، لكن تعبِّر فقط عن فعل الروح القدس. واستخدام الأسماء المختلفة لا يعني أن الروح القدس يتكون من جواهر مختلفة، لأنه غير منظور، ووحيد في نوعه. ولذلك، فبينما قصد يوحنا المعمدان أمرًا معينًا بقوله: “هو سيعمدكم بالروح القدس ونار” (مت 3: 11)، كان المسيح يقصد أمرًا آخر حين قال: ” من آمن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه أنهار ماء حي. قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه” (يو 7: 38 ـ 39).

            لأجل هذا يدعو المسيح ـ أثناء حديثه مع المرأة ـ الروح القدس ماءًا ” مَنْ يشرب من الماء الذي أُعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد” (يو 4: 14). وعلى هذا، عندما يدعو الروح القدس “نارًا”، فإنه يشير إلى قوة وحرارة النعمة، وعندما يدعوه “ماءً”، فهو يريد أن يظهر أن التطهير يتم بالروح القدس، وإنه المريح العظيم للنفوس التي تناله. والكتاب على حقٍ في هذا؛ لأنه مثل بستان دائم الخضرة ومملوء بثمار أشجار متنوعة. هكذا الروح القدس يزين النفس بالتأهب، ولا يتركها تشعر بالحزن ولا بسيطرة الشيطان؛ لأنه بسهولةٍ يُطفئ سهام الشرير الملتهبة نارًا.

 

يعقوب والمسيح:

انظر ـ من فضلك ـ إلى حكمة المسيح، إذ يثير انتباه المرأة بمنتهى الهدوءٍ؛ لأنه لم يقل لها مباشرةً: ” لو علمت مَنْ الذي يقول لك أعطني لأشرب“. لكنه قال ذلك عندما دعته ـ متهمةً إياه ـ أنه يهوديٌ، فلكي يرد هذا الاتهام عندئذٍ قال: ” لو كنت تعلمين عطية الله ومن هو الذي يقول لك أعطيني لأشرب لطلبت أنت منه فأعطاك ماءً حيًا“، وعندما ” قالت له المرأة يا سيد لا دلو لك والبئر عميقة فمن أين لك الماء الحي ألعلك أعظم من أبينا يعقوب“، لم يقل لها: نعم أنا أعظم؛ لأنه بدون أن يكون قد أعطي برهانا بعد على هذا، يبدو وكأنه فقط يتفاخر.

     فهو لم يقل للسامرية هكذا ببساطة سوف أعطيك ماءًا، لكن كان يجب أن يُظهر أولاً ضَعف ما قالته عن يعقوب، ومن ثم يقدِّم نفسه باعتباره استثناءً؛ لأنه أراد أن يُظهر ـ بواسطة اختلاف العطايا الممنوحة ـ الرسالة المختلفة لكل شخص على حدة، كما أراد أن يُظهر الاختلاف بين مانحي هذه العطايا، ومدى تفوقه على البطريرك (يعقوب)، وكأنه يقول إن كنت تُعجبين هكذا بيعقوب لمجرد أنه أعطى هذا الماء، فماذا تقولين إن أعطاك ماءً أفضل كثيرًا من هذا الماء؟ لقد اعترفتي مسبقًا أنني بالفعل أعظم من يعقوب عندما قلت:   ” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب؟“، عندما وعدت أن أعطي ماءً أفضل؟ فلا شك أنكِ سوف تعترفين أنني أعظم، عندما تأخذين ذلك الماء.

     لعلك رأيت حكم المرأة النـزيه عن يعقوب البطريرك وعن المسيح؟ لم يكن اليهود على هذا المستوى من النزاهة، فعندما رأوا المسيح يخرج الشياطين، لم يكتفوا فقط بأنهم لم يعتبروه أعظم من البطريرك (إبراهيم)، لكن زعموا أيضًا أن به شيطان. أما السامرية فلم تفعل ذلك، بل بَنَتَ رأيها على الأساس الذي يريده المسيح، أي على برهان عملي. لأنه هو نفسه قال: ” إن كنت لست أعمل أعمال أبي، فلا تؤمنوا بي” (يو 10: 37).

ويمكننا أن نقول إن السامرية قد أتت إلى الإيمان هكذا: عندما سمع المسيح: ” ألعلك أعظم من أبينا يعقوب“، لم يَرُد على هذا الاتهام، بل ترك يعقوب جانبًا، وأجرى مقارنةً بين ماءٍ وماء قائلاً:   ” مَنْ يشرب مِن هذا الماء يعطش أيضًا“.

     لم يسفِّه يسوع هذا الماء، ولا قال أنه لا يساوي شيئًا، أو إنه لا يستحق الحديث عنه، لكنه وَعَدَ بذاك الماء الذي طبيعته تشهد عن نفسها: ” مَنْ يشرب مِن هذا الماء يعطش أيضًا. ولكن مَنْ يشرب مِن الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد“. لقد سمعت المرأة بالفعل عن الماء الحي، الماء الذي لا يتوقف، بل يتدفق دائمًا دون أن ينقطع تدفقه، وهذا ما ظنته المرأة. لذلك، ولكي يجعل كلامه واضحًا، أضاف قائلاً: ” لكن من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد“، لقد أظهر التفوق كما قلت ـ ليس فقط ـ بهذه الطريقة، بل وبما قاله بعد ذلك. لأن الماء العادي قياسًا على ما قاله ليس شيئًا. فماذا قال؟ ” الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية” (يو4: 14). إذًا من يكون عنده نبعٌ في داخله، فإنه لن يعطش أبدًا، على عكس ذلك تمامًا، من لا يملك هذا الماء.

 

إيمان السامرية: المسيح أعظم من يعقوب:

     لقد آمنت المرأة مباشرةً مدركةً إدراكًا أفضل من نيقوديموس، وليس فقط أكثر إدراكًا بل أكثر قوة؛ لأن نيقوديموس ـ بالرغم من أنه سمع كثيرًا جدًا ـ إلاَّ أنه لم يقم بدعوة أى شخص آخر (إلى المسيح) وحتى هو نفسه لم يحصل على الإيمان. لكن هذه عملت عملاً إرساليًا، فقد عرّفت الكل بالخبر ودعتهم إلى المسيح، وجذبت كل المدينة للخارج لمقابلته. أمَّا نيقوديموس ـ عندما سمع المسيح ـ سأل: ” كيف يمكن للإنسان أن يُولد وهو شيخٌ“. وعندما ضرب المسيح له مثل الريح لم يقبل كلامه. لكن، مع المرأة لم يحدث نفس الأمر، فهي وإن كانت قد بدأت تشك في البداية، إلاَّ أنها قبلت كلامه فيما بعد ليس بتحفظٍ كبير، فقد انقادت مباشرةً إلى القبول. لأنه عندما قال المسيح: ” الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية“، قالت له المرأة: ” يا سيد أعطني هذا الماء لكي لا أعطش، ولا آتي إلى هنا لأستقي“.

     هل رأيت كيف أنها انقادت بسهولة إلى أعلى التعاليم والعقائد وأسماها؟ في البداية ظنت أنه مجرد يهودي عابر سبيل. ولكنه حين أجابها ورد على اتهامها، ” كرز لها“، لم يُسبب أي شبهة. وعندما سمعت عن الماء الحي ظنت أنه يتحدث عن الماء العادي. ولكن، عندما أدركت أخيرًا روحانية هذه الأقوال، آمنت أنه يمكن للماء أن يسد الحاجة إلى العطش، وإن كانت ما تزال لم تفهم بعد بشكل كامل؛ لأنها وإن ظنت أن هذه الأقوال أعظم من أن تُفهم بطريقة محسوسة، إلاَّ أنها لم تعرف جيدًا من هو الذى يتكلّم بهذه الأقوال؟

     لكن الآن، وبما أنها رأت الأفضل، وإن كانت لم تفهم بعد كل شيء؛ لأنها قالت: ” اعطني هذا الماء لكي لا أعطش، ولا أتي إلى هنا لأستقي“، فقد فضَّلته بالفعل على يعقوب. وكأن لسان حالها يقول: ليس لي احتياج هنا للبئر إذا أخذت منك ذلك الماء. هل رأيت كيف فضَّلت المسيح على البطريرك يعقوب؟ هذا مثالٌ للنفس التقية. لقد أظهرت كيف أن لها رأيًا عظيمًا في يعقوب، لكنها رأت أن المسيح أفضل من يعقوب ولم تظل على رأيها الأول. إن السامرية لم تصدق بسهولة؛ فهي لم تقبل كلام المسيح دون فحص، بل بحثت بدقة. كما لم تكن غير مؤمنة، ولا مُحبة للنـزاع، وهذا ما أظهرته من خلال طلبها. وإن كان المسيح قد قال مرة لليهود: “من يقبل إلىَّ فلا يجوع، ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا” (يو6: 35)، ولم يؤمنوا، بل فضلاً عن ذلك أيضًا تعثَّروا، فإن المرأة لم تفعل شيئًا مثل هذا، بل تماسكت وظلت تسأل. وإن كان المسيح قد قال لليهود في وضوح: “مَنْ يؤمن بي فلا يعطش“، فإنه بطريقة غير مباشرة قال للمرأة: ” الذي يشرب من هذا الماء لن يعطش“؛ لأن أقواله لها كانت وعودًا روحيةً، وليست حقائق منظورة. ولهذا، وبالرغم من أنه ملأها بالرجاء نتيجة هذه الوعود، إلاَّ أنها ظلت في دائرة المحسوسات؛ لأنها لم تستطع أن تفهم الروحيات بدقة؛ لأنه لو كان قد قال لها إن آمنت بي سوف لا تعطشين، فإنها لن تفهمه؛ لأنها لم تعرف بعد مَن الذي كان يتحدث معها، ولا عن أي عطشٍٍ كان يتحدث.

     لكن لماذا لم يتحدث معها بنفس الطريقة التي تحدث بها مع اليهود؟

 

المسيح يختبر السامرية:

اذهبي وأدعي زوجك وتعالي إلى هاهنا، أجابت المرأة وقالت ليس لي زوج، فقال لها يسوع حسنًا قلت ليس لي زوج لأنه كان لك خمسة أزواج والذي لك الآن ليس هو زوجك. هذا قلت بالصدق. قالت له المرأة يا سيد أري أنك نبيٌ” (يو16:4ـ19)

لأن أولئك اليهود رأوا معجزات كثيرة صنعها، بينما هذه لم ترَ ولا معجزة واحدة. ففي أول لقاء بينهما سمعت فقط منه كلامًا، لذلك أعلن لها قوته بالنبوة، ولم يمتحنها مباشرةً، بل قال لها: ” اذهبي وأدعي زوجك“.

كم هو عظيمٌ حقًا إدراك هذه المرأة! فقد قبلت الامتحان في هدوء! ربما تقول ألم يمتحن اليهود مرات كثيرة وبدرجة أكبر؟ لا، لأنه يوجد فرق بين أن يعلن المسيح خفايا النفس، وأن يُظهر شيئًا كان مخفيًا. لأن إعلان خفايا النفس لا يكون إلاَّ لله فقط، ولا يعرفها أي شخص آخر إلاَّ فقط مَن لديه هذه الخفايا في نفسه. أمَّا ما أعلنه فى حالة اليهود كان معروفًا للجميع.

لكن اليهود لم يتحمل الامتحان بهدوء، بل عندما سأل المسيحُ اليهود: ” لماذا تطلبون أن تقتلوني؟” لم يعجبوا به مثلما فعلت المرأة السامرية، وليس ذلك فقط، بل شتموه وأهانوه. وبالرغم من أنه أَعطى براهين لليهود تشهد لنفسه بواسطة معجزات كثيرة، في الوقت الذي اقتصر الأمر بالنسبة للسامرية على السماع فقط، إلاَّ أن رد فعل اليهود لم يقتصر فقط على عدم الإعجاب به، بل شتموه قائلين: “ بك شيطان من يطلب أن يقتلك؟” (يو7: 20).

     لكن السامرية لم تشتمه، بل أُعجبت به واندهشت وعبَّرت عن إعجابها بقولها إنه نبي. لقد كان امتحانها أكثر حدة من اليهود، لأن اختبارها كان خاصًا بخطيةٍ محددة، أمَّا بالنسبة لكل اليهود فقد كان الأمر عامًا. وهو لم يُظهر أسفًا لأجل الأمور العامة، بل من أجل الخطايا المحددة على وجه الخصوص. ولأن اليهود ظنوا أنهم سيحققون شيئًا هامًا إذا قتلوه، بينما كانت خطية المرأة معروفة، لكنها لم تتضايق، بل أظهرت دهشةً وإعجابًا.

     وهذا هو ما فعله المسيح أيضًا مع نثنائيل. فهو لم يكلمه بنبوةٍ فى البداية، كما أنه لم يقل: “رأيتك تحت التينة” أولاً، لكن المسيح قال هذا ردًا على سؤال نثنائيل من أين تعرفني؟ لقد أراد أن تكون بداية المعجزات والنبوات تحدث لأولئك الذين أتوا إليه بأنفسهم، حتى يتصالح هؤلاء بالأكثر بكل ما يحدث مع أولئك المحيطون بهم. في الوقت الذي ينجو هو فيه من شبهة محبة المجد.

وما فعله المسيح مع نثنائيل، فعله أيضًا في هذه الحالة موضوع بحثنا؛ فقد قدَّر كم سيكون مزعجًا وغير مقبول عندها أن يتهمها أو يدينها مباشرةً قائلاً:”ليس لك زوج”. ولكي يصحح هذه الأمور في وداعة ولطف، أخذ دافعًا منها هي عندما سمعها تتكلم، وانتهز فرصة كلامها (عن أن ليس لها زوج) فقال لها: ” حسنًا قُلتِ“.

     وقد تسأل: ما هي علاقة ذلك بقوله: “اذهبي وادعي زوجك”؟ لقد كان كلام المسيح هنا عن عطية ونعمة تفوق الطبيعة البشرية، ولذلك وقفت المرأة وأصرَّت على أن تفهم. لكن المسيح قال لها: “ ادعي زوجك“، وكأنه كان يريد أن يكون الزوج مشاركًا لكل العطايا. لكن، ولأن تلك المرأة كانت قد اشتاقت أن تعلم، ولأنها أرادت أن تُخفي خجلها، وقد ظنت أنها تتحدث مع مجرد إنسان، أجابت: ” ليس لي زوج“. وإذ كان المسيح قد امتحنها بالطريقة المناسبة، فعندما سمع منها هذه الإجابة، شرَّح بكل دقة أمرين، الأول: قدم لها إحصاءً بكل أزواجها السابقين، والثانى: أعلن لها ما تخفيه الآن.

 

السامرية تسأل عن العقائد السامية:

     فماذا فعلت المرأة؟ لم تتضايق، ولا تركته ومضت، ولا ظنت أنه أهانها، لكن اُعجبت به أكثر وأصرَّت على الاستمرار فى الحديث معه، فقالت له:” أرى أنك نبي“. لاحظ مدى حصافتها، فهي لم تتسرع، لكن مازالت تفحص الأمور وتتعجب؛ لأن ” أرى” تعني يبدو لي أنك نبيٌ. ولأنها كانت تتوقع مثل هذا الأمر، لم تسأله عن شيء أرضي ولا عن الصحة الجسدية، ولا عن الأموال، ولا عن الغنى، لكن مباشرة عن التعاليم الإيمانية والعبادة. فماذا قالت؟:

 

آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يُسجد فيه. قال لها يسوع يا امرأة صدقيني أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب” (يو4: 20ـ21).

     هل رأيت كيف ارتفع المسيح في نظرها؟ لأنها بعد أن انشغلت بإطفاء عطشها، ها هي الآن تسأل عن التعاليم الإيمانية. ماذا فعل المسيح؟ لم يجب على السؤال (لأن اهتمامه الأعظم لم يكن الرد تفصيليًا عن الأسئلة باعتبار أن ذلك أمر زائد عن الحاجة)، لكنه قاد المرأة إلى مستوىً عالٍ. غير أنه لم يتحدث إليها عن أمور أعظم مما قبلته هي باعتباره نبيًا، وبذلك يجتذب مزيدًا من انتباهها لما سيأتي من حديث. لأنها متى آمنت، فإنها تكف عن الشك في كل ما سيقوله.

     ليت حمرة الخجل تكسي وجوهنا! امرأةٌ سامريةٌ لها خمسةُ أزواجٍ، تُبدِ استعدادًا هائلاً لتعلّم التعاليم الإيمانية، ولم يُثنِها عن هذه المناقشات عمل أو انشغال كان يجب انجازه في ساعة النهار هذه. وبينما نحن لا نسأل عن هذه التعاليم، لا نكتفي بذلك، بل ونبدو بالنسبة لأي شيء غير مبالين وكسالى. لذلك نحن نهمل كل شيء. ودعوني أسأل: من منكم وهو في مسكنه يمسك بالكتاب المقدس، ويعكف على دراسة المكتوب ويبحث في الكتاب؟ لا أحد يستطيع أن يقول إنه يقوم بمثل هذا العمل. لكن سنجد مكعبات للعب، ونرد الطاولات بالأكثر، لكننا ، سوف لا نجد كتب إطلاقًا، أو سنجد كتبًا عند قليلين.

 

سطِّر التعاليم فى قلبك:

     لكن حتى هؤلاء القليلون يشبهون أولئك الذين لا يملكون كتبًا، لأنهم يحافظون على الكتب ويربطونها ويضعونها في الصناديق، وكل اهتمامهم ينحصر في مدى دقة أغلفة الكتب الجلدية وجمال الأحرف، لا القراءة. لأنهم لم يحصلوا عليها لأجل المنفعة، بل لكي يُظهروا غناهم وحبهم للمجد، هذه هى الأمور التى ينشغلون بها!

     إن حبهم للمجد لا حد له. لأنني لم أسمع عن أحد يفتخر ويعتز بما يقرأ، لكني أسمع فقط عمن يكتب كتبه بأحرفٍ مذهَّبة. قل لي، ما هى الفائدة إذن؟ إن الكتبَ لم تعطَ لنا لمجرد أن يكون لدينا كتب، لكن لكي نكتبها في قلوبنا.

     وبالتالي، يصبح اقتناء الكتب مثالاً على محبة اليهودي للمجد، فقد كان يكتفي فقط بكتابة الوصايا بالحروف، في حين أن الناموس لم يعطَ لهذا الغرض منذ البدء. لكن في ألواح القلب اللحمية. أنا لا أقول هذا الكلام لكي أعيقكم عن اقتناء الكتب، فأنا أثني عليكم لأجل هذا الأمر، وأتمنى أن يستمر. لكني أريد أن يحضر محتوى الكتب في عقولكم حتى يمكنكم معرفة معنى المكتوب. لأن الشيطان لا يتجرَّأ على دخول مسكنٍ يكون فيه الإنجيل موجودًا، ولا يجرؤ أبدًا على أن يمس النفس التي تنشغل بتعاليم الكتاب، هذه النفس لا يستولي عليها الشيطان ولا طبيعة الخطية.

     إذن، قدِّس نفسك، وقدِّس جسدك. فليكن المكتوب دائمًا في قلبك وعلى لسانك. لأنه إذا كانت الأقوال الوقحة والدنسة تجلب الشياطين، فغني عن البيان أن القراءة الروحية تقدِّس، وتجذب نعمة الروح القدس. لأن الكتب المقدسة هي الأناشيد الإلهية. فتعالوا نسبِّح داخليًا ونستخدم الأدوية التي تشفي من شهوات النفس. لأنه لو عرفنا هذه الكتب، وكنا مستعدين تمامًا لقراءتها، سنسمع كل هذا.

 

انشغل بالمعرفة الروحية:

     هذه الأمور أرددها دائمًا، ولن أكف عن ترديدها. لأنه كيف يُعقل أن يخوض الجالسون في السوق في أخطاء المذنبين، وأسماء الراقصات، ويتحرون عن الأصل، والمدن والأعمال، ويعرفون بدقة أفضل وأسوأ الخيول في السباق، بينما من يتجمعون هنا (أى فى الكنيسة) لا يعرفون شيئًا عما يحدث أمامهم، بل ويجهلون حتى عدد أسفار الكتب المقدسة؟ لأنك لو كنت تنشد السعادة، وطردت تلك الأمور، فسوف يتضح لك أنه يوجد هنا ما هو أعظم. دعني أسأل: ما الذي يجلب سعادةً أكثر، ويستحق الإعجاب: أن ترى أناسًا يصارعون ضد أناسٍ، أم أن يلاكم إنسانٌ شيطانًا، ومن ثم يشتبك الجسد مع القوة غير الجسدية، وينتصر؟ ليتنا نراقب هذه المسابقات ونتابعها؛ لأنه يليق بنا أن نقلِّد هذه المسابقات ونفيد منها. لأنه يجب أن نتشبَّه بالمنتصرين ونفوز بإكليل النصر، لا أن نتشبَّه بالذين، شهوتهم تخُجِل أى أناس أن يتشبهوا بهم. إن المصارعة التي أقصدها هي المصارعة مع الشياطين، تلك التي يمكن أن تشاهدها بمعونة رب الملائكة.

     قل لي إذن، ألا تعتقد أنك تنال شرفًا عظيمًا إذا ما جلست مع الملوك والرؤساء لتشاهد مشهدًا تستمتع به؟ إذا كان الأمر كذلك، فكيف لا تسرع لترى ملك الملائكة وقد قيد الشيطان من خلف، وبرغم المجهود الذي يبذله الشيطان ليحمي نفسه، لا يفلح أبدًا في هذا الصراع؟ وإذا سألت: كيف يكون هذا؟ عندما تأخذ الكتاب المقدس بين يديك، سوف ترى فيه ساحات صراعٍ، ومسيرات إصلاحٍ طويلة، دوافع يعطيها لك، وكذلك خبرة الأبرار. وعندما تراقب هذه الأمور سوف تتعلم المصارعة والتخلص من الشياطين. والمناظر الخارجة (التى سوف تراها) هي احتفالات للشياطين، وليست مناظر بشرية؛ لأنه إن كان غير مسموح لتلك المناظر بالدخول في هيكل الأوثان، فعلى الأقل لا يُسمح لها بالدخول أثناء الاحتفال الشيطاني[9].

     لن أتوقف عن ترديد مثل هذا الكلام، وسأظل استحثكم حتى أراكم وقد تغيَّرتم. لأنه كما يقول بولس الرسول: ” كتابة هذه الأمور إليكم ليست علىَّ ثقيلة، وأمَّا لكم فهي مؤمَّنة” (في3: 1). لا تتثقل إذن بنصيحتي، لأنه إن كان لأحدٍ أن يمل، فهو أنا، إذ أتكلم دائما دون أن يُسمع كلامي، وأن كنت لا أقصدكم أنتم، فأنتم تسمعونني. لكن ليتكم لا تضعون أنفسكم في موضع اتهام بسبب هذه الأمور على الإطلاق، واعلموا أنه طالما تحررتم من هذا الجهل، فإنكم تستحقون رؤية المناظر الروحية وتستمتعون بالمجد الآتي بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

 

 
   

(3)

”قال لها يسوع يا امرأة  صدقيني أنه تأتي ساعة  لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب. أنتم تسجدون لما لستم تعلمون. أمَّا نحن فنسجد لما نعلم. لأن الخلاص هو من اليهود. ولكن تأتى ساعة وهى الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق ” (يو4: 21 ـ 23)

 

الإيمان مصدر الصالحات:

      1ـ أيها الأحباء، نحن دائمًا في احتياج للإيمان؛ لأن الإيمان هو مصدر الخيرات ودواء الخلاص. بدونه لا نستطيع أن نفهم التعاليم الإيمانية. إن من يشرعون في عبور البحر دون سفينة، يستطيعون السباحة قليلاً مستخدمين الأيدي والأرجل، لكن بعدما يتقدمون بعيدًا سرعان ما يغوصون في الأعماق بسبب الأمواج، هكذا أولئك الذين، قبل أن يتعلموا شيئًا ـ يستخدمون تأملاتهم الخاصة، إنهم هؤلاء الذين قال لهم بولس  ” هؤلاء ينكسر بهم السفينة من جهة الإيمان“.

     وحتى لا نتعرّض نحن لهذا الأمر، ليتنا نمسك بالمرساة المقدسة، التي بواسطتها قاد يسوع الآن المرأة السامرية. فعندما سألته: “ أنتم تقولون إن في أورشليم الموضع الذي ينبغي أن يُسجد فيه“، قال لها يسوع: “يا امرأة صدقيني أنه تأتي ساعة لا في هذا الجبل ولا في أورشليم تسجدون للآب“. لقد كشف المسيح لها تعليمًا إيمانيًا عظيمًا لم يكن مفهومًا لنيقوديموس ولا لنثنائيل. وبالرغم من أن السامرية أرادت أن تؤكد سمو ما لديها من تعليم فوق التعاليم اليهودية، إذ أنها أرجعته إلى الآباء البطاركة القدماء، إلاَّ أن المسيح لم يُجب على سؤالها باعتباره زائدًا عن الحاجة قياسًا على ما سيقوله ويبرهن عليه، إن آباءها عبدوا الله على جبل السامرة، بينما عبده اليهود في أورشليم.

     وبما أنه رفع نفسها عاليًا، وقد جرَّد الموضعين من عظمتهما، موضحًا أنه لا اليهود ولا آباؤها استطاعوا أن يمنحوا المستقبل شيئًا هامًا، ولذلك لم تُحر جوابًا ولاذت بالصمت. وعندئذ عرض الخلاف، فبرهن على أن اليهود كانوا أعظم، ليس بمقارنة مكان بمكان، ولكن لأنهم كانوا أصحاب العبادة الأفضل، فاليهود كانوا يتفوقون على السامريين في العبادة لأنه يقول: ” أنتم تسجدون لما لستم تعلمون، أمَّا نحن فنسجد لما نعلم“. إذن، فالمشكلة ليست في المكان.

     لماذا لم يعرف السامريون لمَن يسجدون؟ لأنهم اعتقدوا أن الله يمكن أن ينحصر في مكان ومن ثم يمكن أن يتجزَّأ، هكذا عبدوه. وهكذا أبلغوا الفرس قائلين إن إله هذا المكان غضب منهم؛ لأن تصورهم عن الله لم يكن أفضل من تصورهم لأصنام الوثنيين. لذلك استمروا في السجود لهذا الإله والشياطين خالطين ما لا يُخلط.

     لكن اليهود كانوا متحررين من هذا الاعتقاد، بل أقرّوا أن الله هو إله المسكونة كلها حتى لو لم يؤمن به الجميع. لذلك يقول المسيح:    ” أنتم تسجدون لما لستم تعلمون. أمَّا نحن فنسجد لما نعلم“.

 

 

أرى أنك نبى:

     لا تتشكك إذن؛ إذا رأيت المسيح يحسِب نفسه ضمن اليهود؛ لأنه يتحدث وفقًا لرأي المرأة السامرية بأنه نبي اليهود، لذلك استخدم كلمة “نسجد“. أمَّا كونه هو المسجود له فهو أمرٌ لا يجهله أحد. لأن الخليقة نفسها هي التي تسجد لرب الخليقة. وهو أيضًا يتحدث كيهودي. ويقصد بكلمة “نحن“، ” نحن اليهود“.

     وبالرغم من أنه رفع اليهود، لكنه لم يكن محلاً لثقتهم؛ لأنه يربط الإيمان بأقواله مُبعدًا أية شبهة ومبرهنًا على أنهم لم يُستثنوا بسبب القرابة؛ لأن المسيح عبَّر عن رأيه حول المكان الذي كان محلاً لافتخارهم، وكانوا يظنون أنه أعظم من أي مكان آخر، وبما أنه جرَّد كِلا المكانين من عظمتهما، فمن الواضح أنه لا يقول هذه الأقوال لكي يسعد أحدًا، لكنه قال هذه الأقوال لأجل الحق وقوة الإعلان الإلهى.

 

مفهوم ” إن الخلاص هو من اليهود”:

     إذن، وبما انه أبعد السامرية عن هذه الأفكار، وقال لها: “ إن الخلاص هو من اليهود“، فإن ما قاله يعني أحد أمرين، الأول: من هناك تأتي كل الخيرات للمسكونة (لأن معرفة الله وإدانة الأصنام جاءت من شعب اليهود، وكذلك كل التعاليم الأخرى، وعبادتك (عبادة السامريين) ـ بالرغم من عدم استقامتها ـ فهي جاءت من اليهود). أمَّا الثاني: فهو أن مجيئه هو يُدعى خلاصًا. وعلى الأغلب فإن كلا المعنيين واردٌ، ولا يستبعد أحدهما الآخر، بالرغم من أنه يدعو كلا الأمرين: خلاصًا، أي الخلاص الذي قال عنه أنه يأتي من اليهود. وهذا ما أشار إليه بولس الرسول حين قال: “ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين” (رو9: 5). هل رأيت كيف يشير إلى العهد القديم باعتباره أصلاً لكل الخيرات، وإنه بكافة الطرق ليس معاديًا للناموس؟ وبالرغم من أنه قال إن اليهود هم السبب في كل الصالحات، إلاَّ أنه:

تأتي ساعة وهي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق. لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له” (يو4: 23).

وكأنه يقول نمتاز عنكم يا امرأة من جهة طريقة العبادة، بالرغم من أنها قاربت على الانتهاء. لأن تلك النماذج (نماذج العبادة) ستتغير، وتتغير أيضًا طرق العبادة. وهذا الأمر قريب جدًا؛ لأنه يقول: “ستأتي ساعة وهي الآن“.

 

الساجدون الحقيقيون:

     2ـ ولأن الأنبياء سبق أن قالوا منذ زمن بعيد هذه الأقوال، فقد تم التصديق عليها هنا، ولذلك قال: “وهي الآن“، أي لا تظني أن هذه النبوة ستتحقق بعد مرور وقت طويل؛ لأن هذه الأمور حاضرةٌ الآن والساعة قريبة جدًا “حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق“. وعندما قال: “الحقيقيون” أغلق على السامريين واليهود معًا، لأنه بالرغم من أن الأخيرين أفضل من الأولين، لكن مستقبلهم سيكون أكثر انحطاطًا. وبقدر الاختلاف بين الحقيقة والظل، يقول عن الكنيسة، إنها هي العبادة الحقيقية واللائقة بالله ” لأن الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له“.

     إذن من هم أولئك الساجدون الحقيقيون؟ هل هم الذين يحصرون العبادة في مكان ما؟ لا، بل الذين يعبدون الله روحيًا كما قال بولس الرسول: ” فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه” (رو1: 9)، ثم يقول: ” فأطلب إليكم أيها الأخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حيةً مقدسةً مرضية عند الله عبادتكم العقلية” (رو12: 1). وحين قال المسيح: “ الله روح” لم يعلن شيئًا آخر سوى أنه غير جسدي. إذن يجب أن تكون العبادة غير جسدية، وأن تقدَّم بواسطة ما هو غير جسدي داخلنا، أي من خلال نقاوة النفس والذهن، لذلك يقول:

 

والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا” (يو24:4).

     ولأن السامريين واليهود سبق لهم أن أهملوا النفس، وانشغلوا كثيرًا بالجسد مطهِّرين إياه بكافة طرق العبادة الشكلية، يشدد المسيح على أن غير الجسدي، إنما يُسجد له، لا بالطهارة الجسدية، بل بالعبادة الروحية، أي بالقلب وبالروح.

لا تقدِّم ذبيحةً من الخراف والثيران، لكن قدِّم ذاتك ذبيحةً لله؛ فبهذه الطريقة فقط يمكنك أن تُقَدِّم ذبيحةً حيةً. وينبغي أن تعبده بالحق، ولذلك، فكل ما كان فى القديم: مثل الختان، والذبائح والمحرقات، وتقدمة البخور، كانت كلها مجرد رموز وظلال للحق، لكن ليس لها وجود الآن؛ لأن كل شيء صار حقيقيةً، فلا ينبغي لأحد أن يبغض الجسد، بل الأفكار الشريرة، ويصلب ذاته ويمحي أفكاره الشهوانية بتقديم ذاته ذبيحةً.

 

المسيح هو المسيا:

لقد سببت أقوال المسيح اضطرابًا فكريًا للمرأة، فلم تستطع أن تصل إلى سمو هذه الأقوال، وقد تَعِبت. اسمع ماذا أجابت:

 

أعلم أن مسيا الذي يقال له المسيح يأتي, فمتى جاء ذاك يُخبرنا بكل شيء. قال لها يسوع أنا الذي أُكلمك هو” (يو25:4و26).

من أين للسامريين أن ينتظروا المسيح وقد قبلوا ـ فقط ـ موسى؟ من نفس ما كتبه موسى. لأن الابن أُعلن منذ البداية؛ لأن عبارة “ نخلق الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تك1: 26) قيلت للابن. ويعقوب يتنبأ عنه ويقول: “ لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوبٍ” (تك 49: 10). وموسى نفسه قال: ” يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون” (تث18: 15). وكل ما هو مكتوب عن الحية وعصا موسى، وعن اسحق والحمل، وأمورٌ أخرى كثيرة ـ يمكن لأي أحد أن يجمعها ـ كل هذه تشهد لمجيئه.

وسوف تسأل: لماذا لم يستخدم المسيح كل هذه الشواهد لكي يقنع المرأة، فقد ضرب مثلاً لنيقوديموس: عن الحية (التي رفعها موسى في البرية)، وذكر لنثنائيل نبوةً، أمَّا لتلك المرأة فلم يقل شيئًا؟ فما هو السبب في ذلك؟ لأن أولئك كانوا رجالاً، وكانوا مهتمين بهذه الشواهد، أمَّا هذه فقد كانت امرأة فقيرة وغير متعلمة، وبالتالي لم تعرف الكتب المقدسة. لأجل هذا لم يتحدث معها عن هذه الأمور، لكن جذبها بحديثه عن الماء وكشف عن خباياها، واستدعى إلى ذاكرتها المسيا وأعلن ذاته، وهو الأمر الذي يختلف عما لو كان قد قال لها من البداية هذا الإعلان، عندئذٍ كان سيبدو في نظرها مجرد شخص يثرثر ويعبث، لكن بينما هو يستدعي في ذاكرتها هذه الأمور، يكشف لها عن ذاته بطريقةٍ مناسبةٍ.

والمسيح لم يُجب بوضوح على تساؤلات اليهود الذين دائما ما كانوا يسألون دائمًا: “حتى متى تعلَّق أنفسنا. إن كنت أنت المسيح قل لنا” (يو10: 24). لكنه قال للمرأة بكل وضوح إنه هو المسيح؛ لأن هذه المرأة كانت أكثر استعدادًا من اليهود. فاليهود لم يسألوا لأنهم يريدون أن يتعلموا، لكن يريدون أن يصطادوه. لأنهم لو كانوا يريدون التعلّم لكان يكفيهم تعليم الكتب المقدسة والتقليد، لكن السامرية تحدثت معه بذهن بسيط، وفحص نقي ونزيه. ويبدو هذا واضحًا مما فعلته بعد هذا الحديث، فقد سمعت وصدَّقت وأتت بآخرين إلى الإيمان، ويمكن لأي أحد على أي وجه أن يلحظ جدية وإيمان هذه المرأة.

وعند ذلك جاء تلاميذه“، لقد جاء تلاميذه بينما كان يتحدث مع المرأة، لكن لم يسأل أحدٌ منهم المسيحَ عما يتحدث به مع المرأة، أو لماذا يتحدث معها؟ (يو27:4).

لكن لماذا صار التلاميذ في حيرة وارتياب؟ ألأجل وضاعتها الشديدة؟ بينما كان المسيح معروفًا لدى الكل، يرونه الآن يتناقش بتواضع مع امرأة سامرية نكرة. وبالرغم من أنهم تعجَّبوا، إلاَّ أنهم لم يسألوا عن السبب، فقد كانوا مطيعين دائمًا في حفظ رتبتهم كتلاميذ، فكانوا يهابونه ويحترمونه جدًا. وبالرغم من أنه لم يكن هناك بعد إيمان قاطع وراسخ بشأنه (كابن الله)، لكنهم كانوا يقدرونه كإنسان جدير بالإعجاب، ويحترمونه احترامًا عظيمًا.

لكن، في مراتٍ كثيرة بدا التلاميذ أكثر جرأة: عندما اتكأ يوحنا على صدره، وعندما سألوه: “من هو الأعظم في ملكوت السموات“، وعندما طلب ابني زبدي من المسيح أن يجلس الواحد منهما عن يمينه والآخر عن اليسار (مت20:20). فلماذا لم يسألوه في هذه الحالة؟ يبدو أنهم وقتذاك كانوا في حاجة إلى أن يسألوا عن أمورٍ خاصة بهم، أمَّا الآن فالحدث لا يهمهم كثيرًا.

 

التلميذ الذى كان يسوع يحبه:

يوحنا أيضًا بعد مرور الزمن صنع نفس الأمر لأجل هذا الهدف، بعد أن كانت له قناعات عظيمة وعندما تمتع بحب المسيح بدرجة أعظم فقد كان ” التلميذ الذي كان يسوع يحبه” (مت19: 26).

ما هو وجه الشبه فى هذا مع الطوباوي؟

دعونا لا نتوقف يا أحبائي عند مجرد تطويب الرسول، بل تعالوا نبحث وراء تلك الأسباب التي استدعت هذه الدرجة من المحبة؟ هل لأنه هجر أبيه، وترك سفينته وشباكه وتبع المسيح؟. حسنًا، ولكن بطرس وأندراوس وباقي الرسل الآخرين، فعلوا نفس الأمر، فما هو إذن ذلك الأمر الاستثنائي الممتاز الذي استدعى هذه المحبة العظيمة؟ إن يوحنا نفسه لم يقل شيئًا إلاَّ فقط أنه محبوب عند المسيح، وقد كان واضحًا لكل واحد أن المسيح يحبه حبًا خاصًا. وإن كان لم يتحدث إطلاقًا معه عن هذا الأمر ولا سأله، كما حدث مرات كثيرة مع بطرس، ومع يهوذا ومع توما، وإن كان ذلك قد حدث مرة واحدة فقط عندما أراد أن يشكره ويُسمع شريكه في الخدمة الرسولية، فعندما أومأ إليه المتقدم فى الرسل، ونظرًا لما بينهم من محبة كبيرة، عندئذٍ اضطر يوحنا أن يسأله[10]. وهكذا نجد فيما بعد أنهما يصعدان معًا إلى الهيكل ويخطبان في الجموع.

وبالرغم من أن بطرس كان يتحرك كثيرًا ويتحدث بحرارة، إلاَّ أن ذلك لم يمنع يسوع في النهاية أن يسأله: ” يا سمعان بن يونا أتحبني أكثر من هؤلاء” (يو21: 15). لقد أحبه ذاك (أى يوحنا) بالأكثر. من الواضح أن المحبة نحو المسيح شيء، وأن يكون محبوبًا من المسيح شيء آخر. إذن، ما هو الذي استدعى المحبة الشديدة نحو يوحنا؟ أنا أعتقد أن يوحنا كان ذا شخصية متواضعة ووديعة بدرجة عظيمة، لذلك لا يبدو أنه تصرف بجسارة على الإطلاق. كم هو عظيم هذا الأمر، وهو الأمر الذي نلاحظه عند موسى أيضًا؛ لأنه تصرف بنفس الطريقة.

حقًا لا يوجد أعظم من التواضع! لذلك افتتح المسيح التطويبات بهذه الفضيلة (مت5: 3). لأنه مثل من يبني مبنىً كبيرًا ويضع حجر الأساس والقاعدة، هكذا المسيح وضع أولاً التواضع؛ لأنه ليس من الممكن، بل أنه من المستحيل أن نخلص بدون الوداعة والتواضع. فلو صام أحد، ولو صلَّى، ولو فعل الإحسان، فهذه كلها لا تعتبر شيئًا إذا غابت الوداعة. إن تلك الفضيلة المرغوبة، جديرةٌ بالمحبة؛ لأنها تحفظ من يمارسها إذا كانت موجودة عنده.

 

ليتنا نكون متواضعين:

ليتنا نكون متواضعين يا أحبائي، ليتنا نكون متواضعين؛ لأننا لو أدركنا هذه الفضيلة لوجدناها سهلة جدًا. لأنه ما هو ذاك الذي يدفعك أيها الإنسان إلى التكبُّر؟ ألا ترى عدم نفع طبيعتنا، ألا ترى أن الشهوة دائمًا ما تؤدي إلى الانزلاق؟ تأمل موتك، تأمل كثرة خطاياك. ربما تتكبر لأنك تستطيع أن تنجز أشياءً كثيرةً، اعلم إذن أنك سوف تفقد الكل.

الخاطئ لا يحتاج أن يكون وديعًا، بل الساعي إلى الفضيلة يجب أن يكون هو الوديع. لماذا؟ لأن الواحد يفكر بهذا عن وعي، أما الآخر إن لم يكن ذو فهم، فإنه سرعان ما ينجرف مع الريح ويُفقد ويُمحى مثل ذلك الفريسي.

لكن أعط للفقراء. إن غناك ليس ملكًا لك، لكن للرب، بل هو مشاع للعبيد. لذلك ينبغي أن تكون وديعًا. وعندما تري خيرك في خير إخوتك في الإنسانية، عندئذٍ تكتشف نفسك فيهم. ألم نأت من نفس الجدود؟ إن كان الغنى معنا اليوم، فهو يتركنا غدًا. وما هو الغنى؟ ظلالٌ ساكنة، دخانٌ سرعان ما ينقشع، زهرةُ نباتٍ أرق من الورود، فلماذا تتكبر من أجل عشب؟ ألا يذهب الغنى للصوص والمفسدين والزناة ولسارقي القبور؟ هل تفتخر لأنك تشترك مع هؤلاء الأغنياء؟

هل تشتهي الكرامات أيضًا؟ لا يوجد شيءٌ أدعى للكرامات من الإحسان؛ لأن الكرامات التي تأتي عن طريق الغنى والقوة، إنما تأتي عن إجبار وسطوة وإكراه، لكن الكرامة الحقيقية تأتي من الإرادة الحسنة، ومن إدراك المكرِّمين. لو كانت فضيلة الإحسان محل احترام البشر، لجاءت لهم بكل الخيرات. تأمل حجم المكافأة التي سوف ينالونها من الله محب البشر! إنها مكافأة كبيرة، وأيّة مكافأة! ليتنا نطلب هذا الغنى الذي يبقى ولا يتبدد أبدًا، ذلك الغنى الذي يجعلنا هنا عظماء، وهناك نلمع في بهاء، نذوق الخيرات الأبدية بنعمة ومحبة البشر لربنا يسوع المسيح الذي له كل المجد مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى أبد الآبدين آمين.

(4)

” فتركت المرأة جرتها ومضت إلى المدينة وقالت للناس. هلموا انظروا إنسانًا قال لي كل ما فعلت. ألعل هذا هو المسيح؟”

(يو4: 28 ـ 30)

 

السامرية كارزة:

     1ـ نحتاج إلى حماس كبير وغيرة شديدة؛ لأنه بدون ذلك لا يمكننا أن نذوق الخيرات الموعودة لنا. وهذا هو ما أراد المسيح أن يؤكد عليه في إحدى المرات عندما قال: “ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقني” (مت10: 38). وفي مرة أخرى قال: ” فكونوا انتم مستعدين لأنه في ساعة لا تظنون يأتي ابن الإنسان” (لو12: 40). بهذين القولين أراد أن يوضح لنا ما ينبغي أن يكون عليه مَن يريد أن يكون تلميذًا للمسيح من غيرة وحماس، واستعداد لتحمل الأخطار.

     لقد امتلأت المرأة السامرية بحماسٍ شديد حتى أنها تركت جرتها، ونسيت الأمر الضروري الذي أتى بها إلى هذا المكان، وأسرعت إلى المدينة تدعو كل الشعب للمسيح قائلةً: “هلموا انظروا إنسانًا قال لي كل ما فعلت” (يو4: 28). لعلك تلاحظ استعدادها وفهمها. لقد ذهبت لتستقي ماءً، ولأنها نجحت في الوصول إلى النبع الحقيقي احتقرت النبع المادي، معلِّمةً إيانا ـ بمثال صغير ـ أنه ينبغي علينا أن نصير مثلها غيورين للأمور الروحية، ونحتقر كل الأمور المادية وألاَّ نقيم لها وزنًا.

     لقد فعلت هذه المرأة ما فعله الرسل بكل ما أوتيت من قوة، بل وبحماس أعظم؛ لأن الرسل تركوا الشِّباك، فقط عندما دعاهم المسيح، أمَّا هي، فبملء إرادتها، ودون أن يعلِّمها أحدٌ تركت جرتها واضطلعت بهذا العمل الرسولي، وهى تطير فرحًا، وكأن أجنحةً قد نبتت لها. فلم تكتفِ بدعوة واحد أو اثنين ـ مثلاً أندراوس وفيلبس – لكن حركت المدينة وكل الشعب وجاءت بهم إلى المسيح. وعليك أن تلاحظ مدى فهمها وكيف صاغت حديثها، فهي لم تقل هلموا لتنظروا المسيح، لكن دعت رجال المدينة بنفس الدعوة التي دعاها بها المسيح، إذ قالت: “هلموا انظروا إنسانًا قال لي كل ما فعلت“، ولم تخجل حين قالت: ” قال لي كل ما فعلت“. لقد كانت تستطيع أن تتحدث بطريقة أخرى: هلموا انظروا النبي، مثلاً. لكن النفس عندما تلتهب بالنار الإلهية لا ترى شيئًا من الأمور الأرضية، لا المجد ولا العار.

     ” ألعل هذا هو المسيح؟” هل رأيت حكمة المرأة العظيمة؟ لم تصمت، ولكنها تحدثت بكل وضوح. فهي لم تُرِد أن تجذبهم برأيها الخاص، ولكن بما أنهم سمعوا المسيح صاروا شركاء بقرارهم الخاص، وهذا جعل كلامها أكثر قبولًا. وبالرغم من أنها لم تكشف للمسيح كل حياتها، بل كانت على قناعة أنه يعرف بقية تفاصيل حياتها مما قاله، بالرغم من ذلك، لم تقل هلموا آمنوا، بل ” هلموا انظروا“، وهو قول مُهذَب، وقد جذبهم بالأكثر.

     هل رأيت حكمتها؟ لقد عرفت كيف تعبِّر جيدًا عن أنهم لو ذاقوا فقط من هذا النبع، سيحدث لهم ما حدث لها. ولو كانت امرأة غيرها متبلدة الإحساس، لكانت قد سترت خطاياها في الظلام بعيدًٍا عن أعين الناس. لكن هذه المرأة كشفت كل حياتها حتى تجذبهم وتأسرهم جميعًا.

 

“طعامى أن أعمل مشيئة أبى”

وفي أثناء ذلك سأله تلاميذه قائلين يا معلم كُل” (يو4: 31).

         “سألوه”، أى ترجُّوه بحسب كلامهم الدارج. ترجُّوه أن يأكل. لم يكن رجاؤهم له دليلاً على سوء التصرف، لكن تعبيرًا عن حبهم للمعلم. فبماذا أجاب يسوع؟

أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم. فقال التلاميذ بعضهم لبعض ألعل أحدًا أتاه بشيء ليأكل” (يو4: 33ـ34).

         وهنا يثور التساؤل: لماذا إذن نستغرب أن تظن المرأة أنه كان يتحدث معها عن الماء العادي عندما سمعته يتكلم عن الماء؟ فها هم التلاميذ، حدث منهم نفس الشيء، ولم يفهموا شيئًا روحيًا، بل كانوا متحيرين، وبالرغم من أنهم يعاملون معلمهم باحترام وتقدير إلاَّ أنهم لم يجرؤوا أن يسألوه؟ وكان هذا الأمر قد تكرر أكثر من مرة. ماذا أجاب يسوع؟ “طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله” (يو 4: 34). إنه يدعو خلاص البشرية طعامًا، مظهرًا كم هو مستعد للعناية بنا، لأنه كما يعتني بطعامنا هكذا يعتني بخلاصنا.

     اسمع إذن. ما هي الطريقة التي يكشف بها المسيح كل شيء؟ ليس مباشرةً، لكن أولاً يثير حيرة السامع ليشُد انتباهه بالأكثر حتى يبدأ في البحث عن معنى ما قيل، ومن ثم، عندما تنتابه الشكوك ويتعب، حينئذٍ يقبل شرح ما يبحث فيه، باستعدادٍ أكبر. لماذا لم يقل مباشرةً “طعامي أن أعمل مشيئة أبي“، وبالرغم من أن الكلام هنا ليس واضحًا بشكلٍ كافِ، لكنه على أية حال أكثر وضوحًا مما قاله سابقًا؟ لأنه كما قلت أراد أن يكونوا أكثر يقظةً عن طريق الحيرة والشك، ولكي يعوِّدهم أن يسمعوا أقواله الرمزية هذه.

     ما هي إذن إرادة أبيه؟ لقد أعلن عنها وفسرها:

أما تقولون إنه يكون أربعة أشهر ثم يأتي الحصاد. ها أنا أقول لكم ارفعوا أعينكم وانظروا الحقول إنها قد ابيضَّت للحصاد” (يو4: 35).

         ها هو أيضًا يرفع ذهن التلاميذ إلى الأمور السامية عن طريق الكلام المألوف في الحياة اليومية. بكلمة “طعامي” لا يعني شيئًا إلاَّ خلاص البشرية الذى سيتممه. كذلك كلمتي “الحقل” و”الحصاد“، يعنيان جمع النفوس المهيَّأة لقبول الكرازة. وبكلمة “عيون” يعني أيضًا عيون الروح والجسد. لأن التلاميذ رأوا بالفعل جمع السامريين الذين أتوا. وأمَّا استعداد إرادة أولئك، فيدعوها “حقول قد أبيضت“. لأنه كما تَبيَّض سنابل القمح، وتكون جاهزة للحصاد، هكذا أيضًا السامريون، هم الآن جاهزون، وهم بمثابة باكورة للخلاص.

     لكن، لماذا لم يقُل بوضوح ها إن الناس يأتون لقبول الإيمان، وها هم مهيئون لقبول الكلمة، طالما هم بالفعل قد قبلوا تعليم الأنبياء، وجاء وقت عطاء الثمر؟ لماذا يُصر على أن يدعوهم حقولاً وحصادًا؟ ماذا يقول المفسرون في هذا؟

لا يقتصر الأمر على حالتنا هذه، لكن كثيرًا ما نجد هذا في كل الإنجيل. ففي كثيرٍ من الأحيان يأخذ الأنبياء في الحديث بأقوال رمزية على قدر كبير من الأهمية، فما هو السبب وراء ذلك؟ نرى أن هناك سببين:

الأول: لأن الرمزية تجعل الكلمة أكثر قوة وأبعد مدىً؛ لأن الفكر يحمل صورة الأشياء المشار إليها، فتبدو وكأنها تتحرك بالأكثر وبالتالي تأسر العقل بأكثر سهولة، كأن أحدًا يرى الحقائق مرسومة أمامه. هذا هو السبب الأول.

السبب الثاني هو أنه بهذه الطريقة يصير السرد مبهجًا بالأكثر ويجعل حضوره في الذهن أكثر ديمومة. لأن مجرد الإرادة لا تقنع السامعين، وتبهر عقولهم مثلما يفعل ذلك وصف تلك الأمور كما رأيناها هنا. وهذا الأمر يمكن للمرء أن يراه إذا استخدم المتحدث الأمثالَ ـ بحكمةٍ ـ في توضيح فكرته[11].

     فعندما يقول:

والحاصد يأخذ أجره ويجمع ثمرًا للحياة الأبدية لكي يفرح الزارع والحاصد معًا” (يو36:4).

         فهو يعني أن ثمر حصاد الحقول هنا فى العالم مفيد فقط للحياة الحاضرة، لا للحياة الأبدية. أمَّا الثمر الروحي فهو مفيد للحياة الدائمة والخالدة. أرأيت كيف أن هذه الأقوال بالرغم من أنها مادية ومحسوسة، إلاَّ أنها ذات معاني روحية؟. وكيف أنه يميِّز بهذه الكلمات الأرضيات عن السمائيات؟

     ولذلك، فعندما تحدث عن الماء، نجده يفصح عن خاصيته، فيقول: ” الذي يشرب منه لا يعطش إلى الأبد“. وهو ذات ما يفعله الآن عندما يقول إن هذا الثمر سيجمع في الحياة الأبدية ” لكي يفرح الزارع والحاصد معًا“. مَنْ هو الزارع؟ ومَنْ هو الحاصد؟ الأنبياء هم الزرَّاع، والرسل هم الذين حصدوا. ولكن الأنبياء لم يحرموا من الفرح ومن المكافأة نتيجة أتعابهم، وإن كانوا قد فرحوا وسُروا معنا، بالرغم من أنهم لم يحصدوا معنا؛ لأن الحصاد ليس هو عمل الزارع.

كأن المسيح يقول: هناك وضعتكم، وحيث يكون التعبُ قليلاً، يكون الفرح أكبر، وليس في الحصاد من تعبٍ شديد أو مشقة كبيرة، ولكن فائدته كبيرة. بهذه الأقوال أراد أن يظهر أن إرادة الأنبياء هى أن يأتي (المسيح) للبشر. وهذا ما قام به الناموس أيضًا لإعداد البشرية. لأجل ذلك قد زرع الأنبياء لكي يحصد التلاميذ هذا الثمر.

     وقد أظهر أيضًا أنه هو الذي أرسل هؤلاء الأنبياء، وأنه توجد رابطة عظيمة بين العهد القديم والعهد الجديد، وقد أوضح كل هذه المعاني والمفاهيم بالمثل الذى يقول:

 

لأنه في هذا يصدق القول إن واحدًا يزرع وآخر يحصد” (يو37:4).

         وقد استخدم كثيرون أيضًا هذا المثل أن آخرون تعبوا وآخرون حصدوا ثمارهم. ويشدد المسيح على أن هذا القول يصدق تمامًا في هذه الحالة. لأن الأنبياء تعبوا لكن أنتم حصدتم الثمار جراء تعبهم. لاحظ أنه لم يقل “الأجرة“، لكن “الثمار“؛ لأن تعب الأنبياء لم يكن بدون أجر.

لذلك، قال يسوع مسبقًا: ” لكي يفرح الزارع والحاصد معًا“؛ لأنه أراد أن يقول إن واحدًا يزرع وآخر يحصد. وحتى لا يظن أحدٌ ـ كما قلت ـ إن الأنبياء قد حُرموا من الأجر، يقول شيئًا غريبًا وغير منتظر، هذا الشيء وإن كان لا يحدث عادةً في الأمور المادية، لكنه يحدث استثناءً فقط في الأمور الروحية؛ لأنه في أمور العالم لو حدث أن زرع واحدٌ وحصد آخر، فإن الاثنين لا يفرحان معًا، لكن يحزن الذين زرعوا، ويفرح فقط الحاصدون؛ لأن آخرين قد تعبوا. لكن في حالتنا هذه لا يحدث هكذا، فأولئك الذين لم يحصدوا ما زرعوه يبدون متساوين مع أولئك الذين حصدوا. إذن من الواضح أن هؤلاء يشتركون في الأجر.

 

أنا أرسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه. آخرون تعبوا وأنتم دخلتم على تعبهم” (يو38:4).

بهذه الأقوال يحذِّرهم إذ يبيّن لهم أن تعبًا شديدًا ينتظرهم عند طوافهم كل المسكونة ليكرزوا، وفي نفس الوقت يظهر لهم أنه أمرٌ سهل جدًا؛ لأن ما كان متعبًا ويحتاج إلى جهد كبير هو أن يلقوا بذارهم في النفس التى لم تهتدِ بعد لكي يأتوا بها إلى معرفة الله. إذن، لأي سبب يقول هذه الأقوال؟ حتى لا يخافوا عندما يرسلهم ليكرزوا، وكأنهم ذاهبون إلى شيء متعب جدًا؛ لأنه يقول إن الواجب الملقى على عاتق الأنبياء كان متعبًا جدًا مثلما يشهد واقع ما حدث معهم، بينما أنتم أتيتم إلى ما هو أكثر سهولة؛ لأنه مثلما يجمع الثمر بسهولة في الحصاد، ويمتلئ الجرن بالحزم في فترة زمنية قصيرة، فلا تنتظر تغيرات جوية ـ شتاء، ربيع ، مطر ـ هكذا يصير الآن، والأعمال نفسها تشهد بذلك.

     وبينما كان المسيح يقول هذه الأقوال جاء السامريون، وجمَّع التلاميذ هذه الثمار الكثيفة، لذلك قال: ” ارفعوا أعينكم وانظروا الحقول أنها قد ابيضَّت للحصاد“. هذا ما قاله المسيح، وما قاله تحقق لأنه أكَّد كلامه بالأعمال ” فآمن كثيرون من السامريين بسبب كلام المرأة التي كانت تشهد أنه قال لي كل ما فعلت“؛ لأنهم تحققوا أن المرأة لا تمدح ـ بدون سبب ـ ذاك الذي اختبرها وعرف خطاياها وأخبرها عن حياتها.

 

ليتنا لا نخجل من ذكر خطايانا:

     3ـ فلنتشبه إذن بالمرأة، وليكن تصرفها نموذجًا لنا. ليتنا لا نخجل من ذكر خطايانا أمام الناس، بل تعالوا بنا نهاب الله كما يليق، الله الذي يرى الآن أعمالنا وسيعاقب هؤلاء الذين الآن لا يتوبون. لكننا نفعل العكس؛ لأننا لا نخاف الله الذي سوف يديننا، بينما نخاف من هؤلاء الذين لا يستطيعون أن يلحقوا بنا أي أذى، ونرتعب حتى لا يصفونا بأننا أشرار. لأن من يعتني بألاَّ يبدو سيئًا فقط أمام الناس، لا يخجل من فعل الشر إذ أن من يراه هو الله فقط. وإن لم يُرد أن يتوب ويتغيَّر، ففي ذلك اليوم (يوم الدينونة) يصير موضع سخرية، ليس أمام واحد أو اثنين، لكن أمام المسكونة كلها. لأن فحصًا دقيقًا وشاملاً للأعمال الصالحة والشريرة سيتم هناك. إن مَثَلُ الخراف والجداء يعلِّمك هذا الأمر. وبولس الطوباوي الذي قال: ” لأنه لا بد أننا جميعًا نظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كان أم شرًا” (2كو5: 10)، وأيضًا قال: ” سينير الرب خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب” (1كو4: 5).

     هل فعلت أو أضمرت فكرًا شريرًا حاولت أن تخفيه عن الناس؟ ولكن هل لا تستطيع أن تخفي شيئًا عن الله. إذا كان خوفك الوحيد هو عيون الناس، إذن يجب أن تفهم أن في ذلك اليوم فى (الدينونة)، لن تستطيع أن تخفي شيئًا حتى من الناس. لأنه حينئذٍ سوف تعرض على عيوننا كل أعمالنا كما في صورة لدرجة أن كل واحد سوف يدين نفسه.

     وهذا واضح من مَثَل الغني. لأنه احتقر لعازر ذلك المسكين. لقد رأى الغني لعازر قائمًا أمام عينيه وأصابعه ـ التي كانت سابقًا قذرة ـ يترجاها الآن لكي تُطفئ لهيبه، الغني يترجى الفقير لكي يعزيِّه!!

     إذن من فضلكم، حتى لو أن أعمالنا لم يكن يراها أحد، فعلى كل واحد منا أن يتوغل في أعماق ضميره ويحكم حكمًا متعقلًا على ذاته ويكشف خطاياه أمامه. وإذا أردت أن لا تظهر هذه الخطايا في ذلك اليوم المخيف، فعليك أن تستخدم التوبة كدواء لكى تُشفى جروحك. عندئذٍ فإن مَنْ كان مملوءًا بالجروح سيذهب مُعافى ” فإنه إن غفرتم للناس زلاتهم يغفر أيضًا لكم أبوكم السماوي. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاتكم” (مت6: 14 ـ 15).

 

المعمودية وغفران الخطايا، ودعوة للتوبة:

     وكما اغتسلنا في المعمودية وتطهرنا من خطايانا، هكذا يمحى تمامًا ما نرتكبه من خطايا عندما نتوب[12]. والتوبة هي أن لا يعود أحد ليفعل نفس الخطايا التي ارتكبها سابقًا ” لأنه كان خيرًا لهم لو لم يعرفوا طريق البر من أنهم بعد ما عرفوا يرتدون عن الوصية المقدسة المسلمة لهم. قد أصابهم ما في المثل الصادق كلب عاد إلى قيئه وخنزيرة مغتسلة إلى مراغة الحمأة” (2بط2: 21ـ22). فبحسب هذا المثل كأن شخصًا يضرم النار، ثم يحاول أن يستقي ماءً في وعاءٍ مثقوب. إذن يجب أن نبتعد عن الأعمال الشريرة سواء كانت أقوالاً أو أفعالاً. وطالما ابتعدنا عنها، علينا أن نضع الدواء فوق الجروح، الدواء الذي هو مضاد للخطايا. على سبيل المثال: هل كنت سارقًا أو طماعًا؟ ابتعد عن السرقة وضع فوق الجُرح الإحسان (محبة العطاء). هل تزني؟ ابتعد عن الزنى وضع فوق الجرح دواء الطهارة. هل تتكلم كلامًا شريرًا وتؤذي أخيك؟ توقف عن الكلام الردئ واستخدم التعقل[13].

     ليتنا نفعل هكذا مع كل خطية من الخطايا، ولا ننسى شيئًا؛ لأن وقت إعطاء الجواب عما عملناه قد حان. لذلك قال بولس الرسول: ” الرب قريب. لا تهتموا بشيء” (في4: 5ـ6). لكن بالنسبة لنا يجب أن يقال النقيض. الرب قريب، اهتموا! لقد سمع أولئك جيدًا: ” لا تهتموا بشيء“؛ لأنهم كانوا حزانى ويعانون الأتعاب والصراعات. أما الذين يحيون في رفاهية من السرقات، فإنهم سيعطون حسابًا ثقيلاً، وسوف يسمعون ـ عن حق ـ الرب قريب.

     لأن الوقت الباقى على النهاية ليس طويلاً، فالعالم يسير بالفعل نحو نهايته[14]، وهذا ما تظهره الحروب، والأحزان والهموم، والزلازل والمحبة المنطفئة. لأنه مثلما تنحشر النفس، يعاني الجسد آلامًا غير متناهية عندما يكون قريبًا من الموت.وعندما يبدأ المسكن في الانهيار، تنهار عادة الأقسام العلوية من السقف والحوائط. هكذا يقترب هذا اليوم، والنهاية على الأبواب ولذلك تنتشر الشرور في كل مكان. لأنه لو كان حينذاك (أيام الرسول بولس) الرب قريب، فهو الآن هو أكثر قربًا، لأنه إذا كانت هذه الأقوال قد قيلت قبل أربعمائة عام وبولس الرسول يسمي هذا الوقت ملء الأزمنة، فبالأكثر جدًا يسمّى زمننا بهذا الاسم[15].

     لكن ربما لا يصدق البعض هذا الأمر. ولكن كان يجب أن يؤمنوا بهذا، لأنه من أين تعرف أيها الإنسان أن النهاية لا تقترب، وأن ما تحدثنا عنه لن يتحقق في لمح البصر؟

ليتنا نقمع ذواتنا، وتعالوا نتغذى على خوف الله؛ لأنه عندما نقضي حياتنا في العصيان ولا نعتني بأنفسنا أبدًا ولا ننتظر مجيء الرب، فإنه سيأتي بغتة.

     هذا ما أراد أن يشدد عليه المسيح حين قال: “وكما كانت أيام نوح كذلك يكون أيضًا مجيء ابن الإنسان” (مت24: 37). وهذا ما أراد أن يعلنه بولس حين قال: “لأنه حينما يقولون سلام وأمان حينئذٍ يفاجئهم هلاك بغتة كالمخاض للحبلى فلا ينجون” (1تس5: 3).

     في مرات كثيرة يفاجئ ألم المخاض، النساء الحوامل بينما هنَّ يلعبن أو يأكلن أو يكنَّ في الحمام أو يتجولن في الأسواق، لأنهن لا يتوقعن المخاض فجأة. ولأن أمورنا هي مثل هذا الأمر، علينا أن نكون مستعدين دائمًا. لأننا لن نسمع دائمًا هذه التحذيرات، ولا سيكون لدينا دائمًا هذه الفرصة. لأن النبي يقول: “ في الهاوية من يحمدك” (مز6: 5).

         إذن تعالوا نتوب لكي نحظى برحمة الله يوم الدينونة، وبالتالى يمكننا أن نستمتع بالغفران تمامًا. ليتنا نوفَّق جميعنا بنعمة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقدرة مع الآب والروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] يؤكد القديس يوحنا ذهبي الفم هنا على حقيقة ميلاد المسيح بالجسد ضد الخياليين الذي قالوا إن التجسد لم يكن حقيقياً وإنما هو بحسب الخيال.

[3] راجع تكوين أصحاح 34. فحدث في اليوم الثالث إذ كانوا متوجعين أن ابني يعقوب شمعون ولاوى اخوي دينة أخذا كل واحد سيفه وأتيا على المدينة بأمن وقتلا كل ذكر. وقتلا حمور وشكيم ابنه بحد السيف.وأخذا دينة من بيت شكيم وخرجا. ثم أتى بنو يعقوب على القتلى ونهبوا المدينة.لأنهم نجّسوا أختهم.

[4] لمزيد من التفاصيل عن تاريخ السامرة، انظر دائرة المعارف الكتابية، الجزء الرابع (ر ـ ش)، دار الثقافة 1992، ص312ـ325.

[5] هاتان القصتان ذُكرتا لكى يظهر مدى وقاحة اليهود الذين وصلوا إلى درجة من الوقاحة والدناءة وكانت تصرفات بعض السامريين أفضل منهم.

[6] الكلام هنا عن تقليد اليهود من الكتبة والفريسين وليس على الناموس.

[7] يو8: 37 “أنا عالم أنكم ذرية إبراهيم. لكنكم تطلبون أن تقتلوني لأن كلامي لا موضع له فيكم”.

[8] هنا نتذكر كلام أفنوميوس الهرطوقى الذى نادى بأن الاسم يعبّر عن الجوهر، فالآب له جوهر يختلف عن جوهر الابن بسبب التسمية وكذلك الروح القدس. وهنا ذهبى الفم ينتقد هذا الفكر.

[9] هنا نتذكر قول بولس الرسول: ” إن مصارعتنا ليست مع لحم ودم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة هذا العالم..” (أف12:6).

[10] يوحنا13: 20ـ25 “الحق الحق أقول لكم الذي يقبل من أرسله يقبلني. والذي يقبلني يقبل الذي أرسلني، لما قال يسوع هذا اضطرب بالروح وشهد وقال الحق الحق أقول لكم إن واحدا منكم سيسلمني، فكان التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض وهم محتارون في من قال عنه. وكان متكئا في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه. فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه. فاتكأ ذاك على صدر يسوع وقال له يا سيد من هو. أجاب يسوع هو ذاك الذي اغمس أنا اللقمة وأعطيه.فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الاسخريوطي.

[11] انظر مقالات المسيح المعلم في الدورية: أعداد يناير 2004 ويوليو 2004 ويناير 2005.

[12] يعتبر هذا النص من النصوص الهامة التى تشهد للتعليم الرسولي عن التوبة، فالتوبة تغفر الخطايا، فقط بسبب المعمودية، والتوبة تُعد معمودية ثانية لأنها تفعل فعل المعمودية الأولى، فهي تعيد الخاطئ إلى حالة البراءة الأولى التى للمعمودية.

[13] يظهر من هذا النص تفوق القديس يوحنا ذهبي الفم باعتباره طبيبًا روحيًا ممتازًا، فهو ليس مجرد واعظ يُظهر شر الخطايا ويكتفي فقط بطلب عدم إتيانها، ولكنه يضع العلاج، ويؤكد على السلوك البديل الذي يشفي الخاطئ من الخطية.

[14] يسير الزمن في خط مستقيم، نحو تحقيق الهدف من الخلق، أي يتجمع الكل تحت رأس واحد في المسيح يسوع، وهذه الفكرة تختلف عن الزمن اليوناني الذي يسير في خط دائري، ومن هنا جاءت الكلمة الشهيرة : إن التاريخ يعيد نفسه، وهي مقولة لا تعبر عن الفهم المسيحي للخلق الذي لا بد أن ينتهي بتحقيق ملكوت الله.

[15] وما الذي يمكن أن نقوله نحن الآن بعد مرور أكثر من ألفي سنة؟

 

السامرية – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

شفاء المخلع – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

شفاء المخلع – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

شفاء المخلع – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

(عظة 36)

” وبعد هذا كان عيد لليهود فصعد يسوع إلى أورشليم”

(يو5: 1)

 

أي عيد هذا؟[1]

         أنا أعتقد أنه عيد الخمسين، ” صعد يسوع إلى أورشليم“. ففي الأعياد كان يسوع يصعد إلى المدينة لكي يحتفل بالأعياد معهم، ولكي يدعو بسطاء الشعب إلى الإيمان. وكان الأتقياء يذهبون أيضًا إلى المدينة في تلك الأيام.

وفي أورشليم عند باب الضأن بركة يقال لها بالعبرانية بيت حسدا لها خمسة أروقة. في هذه كان مضطجعًا جمهور كثير من مرضى وعُمي وعُرج وعُسم يتوقعون تحريك الماء” (يو5: 2ـ3).

         أي طريقة شفاء هذه؟ وإلى أي سر تشير؟ إن هذه الأمور لم تكتب دونما سبب، لكنه يصف ما هو آتٍ بما يشبه العرض أو الصورة التوضيحية حتى لا يسبب هذا ضررًا لإيمان الكثيرين. ورغم غرابة أسلوب الشفاء هذا وعدم توقعه إلاَّ أنه كان يحدث.

 

سر المعمودية:

         إذن ما هذا الذي يريد أن نصفه؟ لقد أراد أن يتحدث عن المعمودية التي هي ملء القوة والنعمة. المعمودية التي تطهِّر كل الخطايا، والتي أقامت من الأموات. وقد استخدم صورة البِركة باعتبارها تعبيرًا وصفيًا عن هذه الأمور وغيرها من الأمور الأخرى. في البداية يشير إلى الماء الذي يطهر أدناس الجسد والدنسين، مثلما شفى البُّرص الذين كانوا في القبور، أو كانوا في تشييع جنازة. ويمكن للمرء أن يرى أن بعض المعجزات في العهد القديم قد حدثت لنفس هذا السبب، أي للإشارة إلى ما سيحدث في المستقبل.

         دعونا نعود لموضوعنا. في البداية ـ كما قلت ـ خلُصنا بواسطة الماء من أدناس الجسد ومن أمراضٍ مختلفة. لكن الله أراد الآن أن يقدم لنا صورةً أكثر قربًا عن حقيقة نعمة المعمودية لكي يشفي ليس النجسين فقط، بل والمرضى بأمراض مستعصية أيضًا. لأن التصويرات التي تقترب من الحقيقة تبدو أكثر وضوحًا في المعمودية، وفي الألم، وفي بعض الأمور الأخرى الخاصة بالعهد القديم. وكأنك أمام صورة عن أعوان الملك، يكون الأكثر ظهورًا فيها هم المتواجدون بالقرب منه، بعكس أولئك البعيدين عنه.

         أمَّا عن نزول ملاك ليحِّرك الماء ويمنحه قوة شفاء، فلكي يتعلم اليهود أن رب الملائكة يستطيع بالأكثر جدًا أن يشفي أمراض النفس المستعصية. ويجب أن نلاحظ أن الشفاء هنا ليس ناتجًا عن خاصية الماء فقط، لكن عن فعل الملاك، وهذا هو ما كان يحدث دائمًا. هكذا الأمر بالنسبة لنا فالشفاء ليس من فعل ماء المعمودية، لكن عندما يقبل الماء نعمة الروح القدس عندئذٍ يغفر كل الخطايا.

         بالقرب من هذه البركة ” كان مضطجعًا جمهور كثير من مرضى وعمي وعرج وعسم يتوقعون تحريك الماء“. في ذلك الوقت كان المرض يعيق كل مَن يريد أن يبرأ، لكن الآن كل واحد يستطيع أن يأتي، لأنه لم يعد الملاك هو الذى يحرك الماء، لكن رب الملائكة هو الذي يفعل كل شيء. وبالتالي لا يستطيع أحد أن يزعم قائلاً: بينما أستعد للنزول يسبقني آخر، فلو أتت كل المسكونة فلا النعمة تنتهي ولا الفاعلية تُستنزف، لكن تظل النعمة كما هي (بدون نقص). فكما أن أشعة الشمس تنير طوال النهار دون أن تنفد، ولا يُستنزف عطاؤها الوفير بحيث ينقص نورها، هكذا بالحري جدًا لا يعتري فعل الروح القدس أي نقصان بسبب الجمع الكثير الذي يستمتع بفعله. وقد صار الأمر هكذا حتى يؤمن أولئك الذين خضعوا للمرض سنين طويلة أنه يمكن بسهولة، ليس فقط شفاء أمراض الجسد المستعصية، بل وأمراض النفس المستعصية أيضًا.

         ولكن لماذا ترك يسوع الآخرين واقترب من مريض الثماني والثلاثين سنة؟ ولماذا سأله: ” أتريد أن تبرأ؟” طبعًا ليس لكي يعرف؛ لأن حالته لا تحتاج إلى سؤال، لكن لكي يُظهر لنا صبر المريض واحتماله، ولكي نفهم أنه لأجل هذا بالتحديد (أي صبر المريض واحتماله) ترك الآخرين وذهب لهذا المريض، فماذا فعل المريض؟

 

حوار هادئ:

أجابه المريض يا سيد ليس لي إنسان يلقيني في البركة متى تحرك الماء، بل بينما أنا آتٍ ينـزل قدامي آخر” (يو5: 7).

         إذن، سأله يسوع ” أتريد أن تبرأ؟” لكي نعرف نحن رد المريض. ولم يقل له يسوع أتريد أن أشفيك؟ بل سأله ” أتريد أن تبرأ؟“.لأن المريض لم يكن لديه فكرة مسبقة عنه.

         لقد كان صبر المشلول مدهشًا؛ فقد ظل مشلولاً لمدة ثمان وثلاثين سنة، وفي كل سنة كان يأمل أن يتخلص من مرضه، فلبِثَ عند البركة ولم يبتعد عنها. ولو لم يكن على صبر عظيم لكان قد ترك المكان وهرب لعدم ثقته بالمستقبل. تأمَّل من فضلك، كم كان يجب على المرضى أن يكونوا على يقظة من أمرهم لأن أحدًا لم يكن يعلم متى يأتي الملاك ليحرك الماء. وإذا قلنا إن المشلولين والعسم كان في مقدورهم أن يروا ذلك بعيونهم، فليس أمام العميان إلاَّ أن يعرفوا ذلك عن طريق ما يحدث من ضوضاء عند تحريك الماء.

         وإذا كان المشلول قد ظل ثمان وثلاثين عامًا عند البركة ولم يبتعد، بالرغم من أنه لم يفلح في تحقيق ما أراد، فليتنا نخجل إذن     يا أحبائي، ليتنا نخجل، بل دعونا نحزن لما نحن فيه من خمول وكسل ولامبالاة. فالمريض لم يفلح، لا بسبب إهماله، لكن لأنه أُعيق وعانى من قهر الآخرين، ولكنه لم ييأس من ذلك أيضًا. أمَّا بالنسبة لنا، فإن بقينا عشرة أيام فقط نترجى شيئًا ولم يتحقق، يعترينا خمول شديد، ولا نُبدى ما سبق أن أبديناه من استعداد. وقد نظل سنوات عديدة مجندين أنفسنا لأجل قريب لنا بالجسد، محتملين المشقة، ومقدمين له خدامنا لكي يخدموه صابرين حتى النهاية، أمَّا قريب ربنا[2] حيث يمكننا أن نفوز بمكافأة أعظم جدًا بالمقارنة مع أتعابنا، لا نحتمل أن نبقى معه بالاستعداد اللائق، أي بالرجاء والصبر، بينما الرسول يقول: ” الرجاء لا يخزى” (رو5:5).

 

أعمال الفضيلة:

         ولذلك كم عقابٌ يكون خليقًا بنا أن نعانيه لأجل كل هذا؟ فإن كنا لم نأخذ شيئًا بعدُ من حديثنا، فإن الاستمرار فيه يكون بلا طائل ولا يساوي قيمة الخيرات الصالحة الأبدية. هل تعتبر الصلاة الدائمة عملاً متعبًا؟ اخبرني أيضًا: ما هو غير المتعب من أعمال الفضيلة؟ ستقول إنه سوف تنتابك حيرة كبيرة، فمن جهة الشر: فإن نصيبك من السعادة سوف يزول لأنها وقتية، بينما في الفضيلة لابد من التعب. فما هو سبب ذلك؟ لقد أعطانا الله في البداية حياةً حرةً ومتحررة من الهموم والأتعاب، لكننا لم نستخدم العطية كما يليق، بل أفسدناها بالخمول، ففقدنا الفردوس. لذلك جعل بقية حياتنا مليئةً بالأتعاب، وكمن يشرح موقفه من الجنس البشري كأنه يقول: لقد أعطيتكم منذ البداية حياةً سعيدة، لكنكم صرتم أكثر سوءًا بسبب حنانى، لذلك أمرت أن تبذلوا جهدًا وعرقًا وأتعابًا بقية حياتكم.

         ولأن ذلك التعب لم يلجِّمنا، فقد أعطى ناموسًا بوصايا كثيرة مثلما يضع أحدٌ لجامًا لحصانٍ أهوج لكي يلجم جموحه. هكذا يفعل مروضو الجياد. إذن، فحياتنا شاقة لأننا نفسد راحتنا بأنفسنا. ولأن الخمول غير نافع لطبيعتنا، لأنها تميل بسهولة ناحية الشر. لأننا لو افترضنا أن الإنسان الحكيم لا يحتاج للأتعاب، وكذلك الآخر الذي يمارس الفضيلة، فكيف نوفَّق في تحقيق المطلوب، ونحن هادئين؟ وفيم نستخدم الراحة؟ أليس للجهل والحسد؟

         وقد تسأل، لماذا ترتبط السعادة بالشر، وتحتاج الفضيلة إلى تعبٌ كثيرٌ وجهدٌ وعرق؟ وأي سعادة يمكن أن تنالها، ولأي سبب ستأخذ مكافأة، لو لم تكن الفضيلة متعبة؟

         استطيع أن أبيِّن لك أن هناك البعض هم بحسب طبيعتهم يتجنبون الاختلاط بالنساء، ويتجنبون معاشرة النساء باعتبارها عملاً دنسًا، أفهل نسمي هؤلاء أعفَّاء، ونتوجهم بالكرامة؟ أبدًا، إن العفة هي الانضباط، وهي معركةٌ للانتصار على اللذات. وفي الحروب، عندما تكون الصراعات شديدة، تبدو عند ذلك فقط رايةُ النصر أكثر بهاءً، لا عندما لا يكون هناك قتال.

         يوجد كثيرون ضعفاء بالطبيعة، هل ندعو هؤلاء ودعاء؟ أبدًا، لذلك يذكر المسيح ثلاثة مستويات للخصيان، المستويان الأولان تركهما دون تتويج، أما الثالث فقد أدخله ملكوت السموات[3].

         وقد تسأل: أي ضرورة للشر؟ وأنا أيضًا أسأل نفس السؤال. من هو خالق الخمول؟ من هو ذلك الآخر الذي يقيم خارج رخاوة إرادتنا؟ وقد تقول: كان يجب أن نكون صالحين بذواتنا، حسنًا، فما هى علامة هذا الصلاح؟ أيكون المرء فاهمًا ومتيقظًا، أو يكون نائمًا وخاملاً؟ ولماذا؟ سوف تتساءل: لماذا لم يتم تنظيم الأمور بحيث يكون الإنسان صالحًا ويفعل كل شيء دون تعب؟ أنت تقول كلامًا يليق بالبهائم والشرهين، وأولئك الذين إلههم بطنهم. ولكي تعرف مدى غباء هذه الأقوال أجبني عن الآتي: لو افترضنا أن هناك ملكًا يغُطُّ في نوم عميق، بينما هناك جنديٌ يبذل جهدًا ليرفع رايات النصر، فلمَن تظن يُنسب هذا النصر، ومن يجني فرح الانتصار؟

         ألا ترى أن النفس تميل غالبًا إلى ما تبذل من أجله مجهودًا؟ لأجل هذا يخلط الله العمل بالتعب، وهكذا الفضيلة؛ لأنه أراد أن يوطن النفس مع الفضيلة. لهذا نمدح الفضيلة حتى ولو لم نمارسها بعد، ونذم الشر حتى لو كان سبب فرح أو سعادة أرضية ووقتية. وإن كنت تتساءل في حيرة: لماذا لا نمدح الفضيلة الآتية عن ضعف الطبيعة، بينما نُثني على أولئك الفضلاء بالإرادة؟ نقول: إنه يحق علينا أن نفضِّل من يتعب أكثر ممن لا يتعب.

         وقد تسأل: ما الذي يدعونا للتعب الآن؟ أقول إننا إن لم نتعب، سوف نستسلم للخمول. ولو فحص أحد الأمر بدقة لوجد أن الخمول يفسدنا ويتعبنا كثيرًا. ولو أردت أن تتأكد من ذلك، دعنا ندعو إنسانًا لمكان ما نقدم له فيه الطعام بمفرده، ونمده بكل ما تريده بطنه دون توقف، على أن لا يعمل أو يمشي، لكن فقط يأكل وينام ويحيا حياة هانئة دائما، فأي حياة تكون أسوأ من هذه الحياة؟

         لكن عليك أن تفرِّق بين كونك تعمل، وبين أن تتعب، فهذا شيءٌ آخر. لكن، هل هناك عمل دون تعب؟ هل هذا ممكن؟ نعم، هكذا كانت إرادة الله، لكنك رفضت هذه الإرادة. فقد أعدَّك في الفردوس لكي تعمل، وحدد لك ماذا تعمل، وإن كان لم يمزجه بالتعب؛ لأنه لو كان تعب منذ البداية، لَمَا أصبح التعب عقابًا فيما بعد. إذن كان من الممكن أن يعمل الإنسان بدون تعب مثل الملائكة، فالملائكة تعمل أيضًا. اسمع ماذا يقول: ” باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة الفاعلين أمره عند سماع صوت كلامه” (مز103: 20). إن غياب العافية (الذهنية) هو ما يسبب التعب الكثير، لكن فى البداية لم يكن الأمر هكذا. لأن من يأتي إلى راحته “ يستريح من أتعابه” (عب4: 4)، كما استراح الله من أعماله، لأن الله ما يزال يعمل كما يؤكد المسيح      ” أبي يعمل وأنا أعمل” (يو5: 17).

         لذلك أنصحكم طالما تخلصتم من الإهمال واللامبالاة أن تتبعوا الفضيلة فورًا؛ لأن السعادة التي تأتي من الشر لا تدوم كثيرًا، بينما الحزن المتأتي منه يستمر دائمًا. على النقيض من ذلك، فإن الفرح الناتج عن الفضيلة هو فرح أبدي، أما التعب الناشئ عنها فهو وقتي. والفضيلة ترفع فاعلها وتغذيه بالرجاء قبل أن تتوجه، لكن الشر يعاقب فاعله وقبل العقاب يتسبب في قلق الضمير والخوف ويجعل كل شئ أمامه سببًا للتعاسة. وكم هذه الأمور أسوأ من الأتعاب والمشقات؟!.

         إن لم تكن هناك أتعاب ومشقات، فسوف توجد اللذة، ولكن ما أتفهها من لذة؛ لأنها تطير وتذبل وترحل قبل أن تحصل عليها، حتى لو كانت هذه اللذة لذةً جسديةً، أو لذة طول العمر أو لذة المال. إن هذه كلها لا تتوقف عن أن تشيخ وتذبل كل يوم، وعندما يكون هناك جحيم وعقاب، فهل هناك مصير أسوأ من ذلك؟

         فلنضع في اعتبارنا كل هذا، ودعونا نتحمل كل شيء في سبيل الفضيلة؛ لأننا هكذا نستمتع بالفضيلة الحقيقية، بنعمة محبة البشر التي لربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

 

 

(عظة 37)

”هذا رآه يسوع … فقال له أتريد أن تبرأ. أجابه المريض يا سيد ليس لي إنسان يلقيني في البركة متى تحرك الماء. بل بينما أنا آتٍ ينزل قدامي آخر. فقال له يسوع  قم. احمل سريرك وأمش”

(يو5: 6ـ8)

 

 

الكتب المقدسة عزاؤنا:

         إن ربحنا من الكتب المقدسة هو ربح عظيم، وفائدتها لنا كبيرة. وهذا ما أراد أن يظهره بولس حين قال: ” لأن كل ما سبق فكُتِبَ، كُتِبَ لأجل تعليمنا حتى بالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لنا رجاءٌ” (رو5: 1ـ4). فالكتب المقدسة هي كنـز من الأدوية، بحيث لو احتاج أحدٌ أن ينزع الغيرة والحسد، أو أن يخمد الشهوة ويدوس على حب المال ويحتقر الألم، ويهيئ نفسه ويتحلى بالصبر ويتزين بالفرح، فإنه سيجد فى الكتب المقدسة علاجًا عظيمًا لكل هذه.

         لأنه مَنْ من أولئك الذين يصارعون دائمًا مع الفقر، أو مِن أولئك الذين يعانون مرضًا عضالاً لا يأخذ عزاءً كبيرًا من قراءة مقطع الإنجيل المذكور أعلاه؟ لأن هذا المريض ظل ثمان وثلاثون سنةً مشلولاً وكل عام يرى الآخرين يشفون، بينما ما يزال المرض جاثمًا على صدره، لكن بالرغم من كل هذا لم يفقد شجاعته ولم ييأس. ولكن الحزن على ما فات، وغياب الرجاء في المستقبل كان يمكن أن يزعزعانه.

 

ليس لى إنسان:

         إذن اسمع ماذا يقول وتأمَّل حجم مأساته. فعندما سأله المسيح:     “ أتريد أن تبرأ؟”، أجاب: ” يا سيد ليس لي إنسانٌ يلقيني في البِركة متى تحرك الماء“. ما الذي يمكن أن يوجد أسوأ من هذه الأقوال؟ أي مصيبة كبيرة هذه؟ هل رأيت نفسًا سُحقت من المرض الدائم؟ هل رأيت قدرته على كبح جماح الغضب؟ فهو لم يتفوه بأي تجديف من تلك التي نسمعها في مثل هذه الحالات. لم يلعن يومه، لم يسأل سؤالاً لا يليق، ولا قال لقد أتيت لتخدعني وتسخر مني لأنك تسألني هل أريد أن أبرأ؟ لكنه أجاب بهدوء واعتدال عظيم: ” نعم يا سيد” ولم يكن يعرف مَنْ هو الذى كان يسأله، ولا إن كان سوف يشفيه، لكنه يتكلّم بهدوء ولا يطلب شيئًا، كمن يتحدث مع الطبيب ويريد فقط أن يشرح مرضه. لأنه ربما كان يرجو أن يكون المسيح له مفيدًا في هذا، أي أن يلقيه في الماء، وأراد بهذه الأقوال أن يدعوه ليفعل ذلك. ماذا فعل المسيح؟ بما أن المسيح يستطيع دومًا أن يفعل كل شيء بكلمة، قال له: ” قم. احمل سريرك وامشِ” (يو5: 8).

 

بين المخلع والمفلوج:

         كان البعض قد ظن أن هذا المشلول هو نفسه المشلول الذي ذكر في نص متى الإنجيلي[4] لكن ليس هو نفسه. وهذا يبدو من كثير من الأدلة والشواهد:

أولاً: يبدو هذا من عدم وجود من يعتني به، بعكس المفلوج فى إنجيل متى التف حوله كثيرون يعتنون به ونقلوه، بينما هذا ليس له أحد. لذلك قال: ” ليس لي إنسان“.

ثانيًا: يظهر ذلك من الإجابة؛ لأن مفلوج “إنجيل متى” لا يقول شيئًا، لكن المشلول هنا يعرض كل ما عنده.

وثالثًا: يظهر من الزمن (أي زمن تتميم المعجزة)؛ لأن هذا يشفي هنا في يوم عيد، اقصد السبت، بينما الآخر في يوم آخر. كما أن مكان كل منهما مختلف. الواحد شفي في بيت، والآخر بالقرب من البِركة.

         أيضًا طريقة الشفاء مختلفة: لأن المسيح يقول “لمفلوج متى”:      ” يا بني مغفورة لك خطاياك” (مت9: 2). أما هنا فيشفي الجسد أولاً، ومن ثم يعتني بالنفس. ففي الحالة الأولى يعطي الصفح ويقول: “مغفورة لك خطاياك“، أمَّا هنا في هذه الحالة فيعطي نصيحةً وتحذيرًا لكى يؤمِّن المشلول في المستقبل؛ لأن المسيح قال له: ” لا تعد تخطئ لئلا يكون لك أشر“.

 

يسوع يقود إلى الإيمان:

         وقد استتبع ذلك اختلاف اتهامات اليهود؛ ففي هذه الحالة يتهمونه بأنه عمل يوم السبت، بينما في الحالة الأخرى اتهموه بأنه قد جدَّف. لعلك تلاحظ حكمة الله الفائقة، فهو لم يُقِم المشلول مباشرةً، لكن هو تآلف معه بالسؤال أولاً، لكي يفتح له طريقًا للإيمان بعد ذلك، وهو لم يقمه فقط، بل أمره أن يحمل سريره حتى يؤكد حدوث المعجزة، فلا يستطيع أحد أن يشك أنها قد حدثت بالفعل، أو أنها نتاج خيال وضلال؛ لأنه لو أن أعضاء الجسد لم تكتسب الثبات والقوة ما كان المشلول قد استطاع أن يحمل السرير.

         مرات كثيرة يفعل المسيح ذلك لكي يسد أفواه هؤلاء الذين يريدون أن يشوهونه بأقوالٍ سيئةٍ.ففي معجزة الخبزات، حَرِصَ على أن يجمعوا الفائض الكثير من الخبز، حتى لا يقول أحد إنَّ الناس شبعوا، لأنهم تخيّلوا ذلك.

         وقال للأبرص الذي طهَّره: ” اذهب أرِ نفسك للكاهن” (مت8: 4) لكي يجعل برهان الشفاء واضحًا وثابتًا لكي يغلق أفواه الوقحين الذين يزعمون أنه يعمل ضد وصايا الله. وقد فعل نفس الأمر أيضًا عندما حوَّل الماء إلى خمر؛ لأنه لم يُظهر فقط الخمر، لكن حَرِصَ على أن يعطيه لرئيس المتكأ حتى يعترف ذاك أنه لم يكن يعرف ما كان قد حدث، حتى يعطي شهادته دون أية شبهة أو تشكيك، لذلك قال الإنجيلي، إن رئيس المتكأ لم يعرف من أين جاء هذا الخمر موضحًا بهذه الطريقة صدق شهادته. وفي حالة أخرى، حيث أقام (ابنة يايرس)، قال أعطوها لتأكل (لو8: 55)، لكي يعطي دليلاً غير قابلٍ للشك أنها قامت. لقد حاول أن يقنع هؤلاء الأغبياء أنه لم يكن مضلاً، أو مجرد صانع للمعجزات مثل السابقين، لكنه أتى لخلاص كل البشر.

         لكن لماذا لم يطلب إيمانًا من المشلول كما فعل مع الأعميان الذين قال لهما: ” أتؤمنان أني أقدر أن أفعل هذا؟” (مت9: 28). لأن المشلول لم يكن يعرف أبدًا أنه هو المسيح. إضافةً إلى أن الرب اعتاد أن يفعل ذلك بعد المعجزات لا قبلها. لأن أولئك الذين رأوا قوته في حالات أخرى، كانوا قد سمعوه قبل المعجزات. أما الذين لم يعرفوه أبدًا، لكن كان لهم أن يتعلموا من معجزاته، هؤلاء دُعوا إلى الإيمان بعد المعجزات. لذلك لم يذكر متى الإنجيلي أن المسيحَ قال هذه الأقوال في بداية المعجزات، لكن شفى كثيرين أولاً، ثم قال هذا للأعميين.

         لكن لعلك تلاحظ إيمان هذا المشلول. لأنه عندما سمع: احمل سريرك وامشِ، لم يسخر، ولا قال ما هذا الذي تقوله؟ عندما ينزل ملاك ويحرِّك الماء ويشفى واحد فقط، وتجيء أنت، وأنت إنسانٌ تظن أنك تستطيع أن تنجز شيئًا أكثر مما يفعله الملاك، بمجرد كلمة منك؟ لم يقل أي قول من هذه الأقوال السخيفة التي تستحق السخرية. بل ولم يطرأ شيء من ذلك على فكره، بل أطاع مباشرةً وقام. وإذ صار معافى أطاع أمر السيد: ” فحالاً برئ الإنسان وحمل سريره ومشى” (يو5: 9).

 

شهادة حية:

         إن هذا الأمر لجديرٌ بالإعجاب، لكن ما هو أكثر جدارة، ما قد تم بعد ذلك.

على أن الأمر لم يكن يستحق هذا القدر من الإعجاب ـ غالبًا ـ لو كان المشلول في البداية ـ على الأقل ـ آمن بالمسيح دون أن يزعجه أحدٌ. لكنى اعتقد أنه أظهر شجاعةً عظيمةً، إذ بعد المعجزة، بينما هاجمه اليهود وأهانوه، واتهموه وحاصروه قائلين: ” لا يحل لك أن تحمل سريرك“، عندئذٍ لم يحتقر جنونهم فقط، لكن بشجاعة عظيمةٍ وفي وسط مسرح الأحداث أعلن شفاءه على رؤؤس الأشهاد وأخرس ألسنتهم الوقحة، الأمر الذي بحسب رأيي يظهر رجولةً وشجاعةً عظيمةً.

         عندما اجتمع اليهود وقالوا للمشلول بوقاحة: ” إنه سبت، لا يحل لك أن تحمل سريرك“، اسمع ماذا أجاب: ” الذي أبرأني هو قال لي احمل سريرك وامشِ“، وكأن لسان حاله يقول لهم أنتم تثرثرون بحماقة عندما تأمروني أن لا أقدِّر مَن أنقذني من مرضي المزمن، وتريدون أن لا أطيع وصاياه. في الوقت الذي كان يمكنه أن يسيء التصرف، ويعبّر عن الأمر بطريقة مختلفة، كأن يقول: لم أفعل هذا بإرادتي، لكن أمرني آخر. إن كان هذا (حمل السرير) خطية، فأدينوا هذا الذي أمرني ألاَّ أترك سريري مكانه. فهو يعرف جيدًا أن اليهود لا يفعلون شيئًا فيه نقض للسبت، حتى وإن كان ذلك للشفاء من المرض.

         ولكنه لم يُخفِ شفاءه، ولا نطق بمثل تلك الأقوال التي أشرنا إليها، ولا طلب صفحًا، لكن بصوت عالٍ اعترف وأعلن شفاءه. هذا ما فعله المشلول. على الجانب الآخر، لاحظ مقدار الكفر الذي تصرف به اليهود؛ لأنهم لم يسألوه مَن هو الذى شفاك، بل صمتوا بشأن هذا الأمر، لكن أحضروا بجرأة كبيرة المخالفة الظاهرة (جسم الجريمة) في الوسط للتشنيع والاصطياد في الماء العكر وسألوه: “مَنْ هو الإنسان الذي قال لك احمل سريرك وأمشِ. أمَّا الذي شفي فلم يعرف من هو. لأن يسوع اعتزل، إذ كان في الموضع جمع” (يو5: 12ـ13).

         لماذا اختفى المسيح؟ أولاً حتى لا يكون هناك أى شبهة من جهة حدوث المعجزة؛ لأن المشلول طالما شعر بأنه قد استعاد عافيته، كان شاهدًا حسنًا لقوة المخلص. وحتى لا تشتعل في نفوس اليهود أحقاد كبيرة؛ لأنه كان يعرف أن حضور هذا الرجل الذي شُفي يسبب حقدًا، وشرارة غضبٍ كبيرة في نفوس الحاقدين. لذلك اختفى عنهم لكي يترك عمله المعجزي (المشلول المعافى) يصارعهم، فلا يكتفي في نفسه بما حدث، بل يتناقش الذي شُفي مع مَنْ يشتكون عليه ويتهمونه.

 

شهادة الأعداء:

         ويجب أن نلاحظ أيضًا أن الذين يشتكون عليه يعطون شهادةً للمعجزة. لأنهم لم يقولوا له لماذا تقصد أن يصير هذا يوم السبت، لكنهم قالوا لماذا فعلت كل هذا في يوم السبت. ليس لأن الأمر يتعلق بالمخالفة، لكن لأنهم يحسدونه من أجل خلاص المشلول. إن ما فعله المسيح كان فقط مجرد قول. وهو بهذا يأمر بإبطال السبت. لكن في حالة أخرى يقوم هو بنفسه بهذا العمل، حيث صنع من التفل طينًا ووضعه على العينين. وهو بهذا لم يخالف الناموس، بل تخطى الناموس، لكننا سنتكلم عن هذه الأمور فيما بعد. لكن يجب أن نلاحظ بدقة أنه لا يدافع بنفس الأقوال عندما يتهم بكسر السبت.

         ليتنا نرى ما تنطوي عليه الكراهية من شر رهيب، وكيف أنها تعمي أعين نفس مَن يمقت وتدمره؛ لأنه كما يحدث في كثير من المرات يوجه المهوسون سيفهم ضد ذواتهم، هكذا الكارهون فإنهم  يهدفون إلى إبادة أولئك الذين يكرهونهم، ويتصرفون نحوهم بطريقة غير عاقلة، هؤلاء هم أكثر سوءًا من الوحوش؛ لأن الوحوش تهاجمنا بسبب احتياجها للطعام، أو لأننا سبقنا وتسببنا في هياجهم، لكن هؤلاء، بالرغم من إحساناتنا نحوهم، إلاَّ أنهم يعتبروننا أعداء.

         إذن هؤلاء هم أسوء من الوحوش، هم أشبه بالشياطين، وربما أسوء منهم . لأن الشياطين، وإن كانت عداوتهم ضدنا شديدة، لكن لا يتآمرون بنفس طريقتهم. وعندما قال المسيح إن كل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب، فقد سد بهذه الأقوال أفواه اليهود عندما زعموا أنه بقوة بعلزبول يُخرج الشياطين. لكن هؤلاء لا يحترمون السير الطبيعي للأمور، ولا يأسفون على ذواتهم؛ لأنهم بسبب البغضة يُؤذون أنفسهم؛ لأنهم ممتلئون من كل تشويش وضيق.

 

احذروا من خطية الكراهية:

         لماذا تغتم أيها الإنسان بسبب خيرات قريبك؟ إن ما يجب أن تغتم لأجله هو الشرور التي نعاني منها، وليس لأننا نرى الآخرين يعيشون في سعادة. لذلك، لا مغفرة لهذه لخطية. لأن الزاني تحركه شهوته، والسارق يدفعه الفقر، والقاتل يحرضه الغضب. وإن كان هؤلاء عديمي الإحساس وفاقدي العقل، إلاَّ أنهم يقدمون بعض المبرارات لما يفعلونه، أمَّا أنت، فأيُ مبررٍ تقدم؟ لا يوجد أي مبرر على الإطلاق إلاَّ الخبث الشديد. لأننا إن كنا قد أُمرنا أن نحب أعدائنا، فعندما نكره من يحبوننا، فأي عقاب نستحقه؟ وإن كان من يحب أصدقاءه فقط لا يختلف عن عابدي الأصنام، فمن يؤذي هؤلاء الذين لم يدينوه أي غفران يناله؟ أي عزاء؟ اسمع ماذا قال بولس:    ” وإن أطعمت كل أموالي وإن سلمت جسدي حتى احترق، ولكن ليس لي محبة فلا انتفع شيئًا” (1كو13: 3). إذن، يتضح لنا تمامًا أنه حيث يوجد حسد وكراهية، فإن المحبة تختفي تمامًا. إن خطية الكراهية أسوء من الزنا والدعارة؛ لأن هذه الخطية (أى الزنا) تخص الشخص المصاب بها، لكن سطوة الكراهية تهيِّج كل الكنيسة وتؤذي كل المسكونة. إنها أُم القتل. هكذا قتل قايين أخيه، وأفسدت علاقة عيسو مع يعقوب، وأخوة يوسف مع يوسف والشيطان مع البشر.

         وإن كنت الآن لم تقتل، إلاَّ أنك تفعل أمورًا أخرى أسوأ من القتل، فطالما تتمنى أن تشوه أخيك فتنصب له شباكًا، وطالما تشرع في أعمال مشبوهة ضد الفضيلة، وطالما تغتم بكل ما يسر رب المسكونة، فأنت بالتالي لا تحارب من شُفى، بل من شَفىَ. وتحط من كرامتك بالإساءة إلى كرامته. والأسوأ من كل ذلك هو أنك تعتبر خطيتك صغيرة، بينما هي أثقل من الكل. لأنه بالرغم من أنك تفعل الإحسان وتسهر وتصوم إلاَّ أنك أكثر جرمًا من الكل لأنك تحقد على أخيك. وهذا يظهر من الآتي: في مرة زنى شخص في كورنثوس، لكنه عندما أُدين صار عفيفًا، لكن قايين حقد على أخيه، ولم يُشفَ من الحقد، وبالرغم من أن الله ذكَّره بالجرح، إلاَّ أنه تألم وغضب أكثر، وجهز لجريمة القتل.

         هذا إذن هو خطر الكراهية الذي هو أثقل من الخطأ السابق (الزنا)، وهو داء لا يستجيب بسهولة للعلاج إن لم ننتبه.

         دعونا إذن أن نقلع هذا الخطأ من جذوره واضعين في حسابنا أننا نخطئ إلى الله عندما نحترق من الكراهية لأجل خيرات الآخرين. هكذا نصير مقبولين عنده حين نفرح ونشترك مع ذاك الذي نال الصالحات باستقامة. لذلك ينصح بولس قائلاً: ” فرحًا مع الفرحين، وبكاءً مع الباكين” (رو12: 15)، لكي نستمتع بفائدة عظيمة.

         إذن، طالما ندرك أننا وإن كنا لم نتعب، لكن عندما نفرح مع ذاك الذي يتعب ونتقاسم معه الأكاليل دعونا نطرد أي كراهية، ودعونا نزرع في نفوسنا المحبة حيث نتهلل ونفرح من أجل مسرات أخوتنا لكي ننال الخيرات الحاضرة والمستقبلة بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان إلى أبد الآبدين آمين.

 

(عظة 38)

”بعد ذلك وجده يسوع في الهيكل وقال له ها أنت قد برئت فلا تخطئ أيضًا لئلا يكون لك أشر”

(يو5: 14)

 

الخطية مصدر الأمراض:

         لا شك أن الخطية أمرٌ فظيع، فظيعٌ للنفس. وعندما يطفح الشر، كثيرًا ما يؤثر على الأجساد. وعندما تمرض النفس، قد لا نتألم جسديًا، لكن عندما يعاني الجسد ضررًا، وإن كان صغيرًا، نبذل كل مجهود ممكن لكي نتخلص من هذا الضرر، لذلك في مرات كثيرة قد يعاقب الله الجسد لأجل خطايا النفس، حتى يشفى الكبير بعقاب الصغير. بهذه الطريقة شفى بولس زاني كورنثوس، فقد أهلك الجسد لكي ما يشفى  مرض النفس؛ لأنه أوقف الشر بجرح الجسد، مثل الطبيب الممتاز عندما يمرض المرء بالاستسقاء أو بالطحال ولا تجدي الأدوية الداخلية (التي تعطى داخل الجسم)، فإنه يلجأ للكي من الخارج.

         هذا هو ما فعله المسيح مع المشلول. ولعلك تلاحظ ماذا قال له؟   ” ها أنت قد برئت. فلا تخطئ لئلا يكون لك أشر“. ماذا نتعلم من هذه الأقوال؟

أولاً: إن مرض المشلول كان نتيجة خطيئته.

ثانيًا: حقيقة الحديث عن جهنم.

ثالثًا: ديمومة العقاب وطول مداه الزمني. فأين هم الذين يزعمون قائلين: ألأجل ساعة قتلت فيها، وفي أقل زمن ارتكبت الزنا أعاقب عقابًا أبديًا؟ وهذا المشلول لم يخطئ لفترة سنين كثيرة، لكنه قضى كل حياته في عقاب طويل. لأن الخطايا لا تُصنَّف من قِبل الله على أساس الفترة الزمنية، لكن وفق طبيعة الجرائم نفسها.

 

نحن نجلب على أنفسنا العقاب:

         بالإضافة إلى هذا، ينبغي أن نلاحظ أنه وإن كنا خاضعين لعقاب ثقيل لأجل خطايا سابقة، إلاّ أننا لا نزال نفعل الخطايا نفسها، فإننا بذلك سنعاني ما هو أكثر سوءًا. وهذا حق؛ لأن ذاك الذي لم يصر إلى حال أفضل بالعقاب، يجلب على نفسه عقابًا أعظم كإنسان عديم الشعور وفاسد. لأن العقاب يكفى أن يحجِّم من أخطأ مرةً واحدة فيصير أكثر تهذيبًا. لكن، مَنْ فُرِض عليه عقاب أولى، ورغم هذا لم يثب إلى رشده، بل تواقح للدرجة التي معها يرتكب نفس الخطايا، فإن عقاب هذا الإنسان يكون عادلاً، طالما هو نفسه يجلب على نفسه العقاب[5]. ولو سقطنا أيضًا في ذات الخطايا التي عوقبنا من أجلها، نعاقب بعقاب أثقل. وعندما لا نعاقب هنا من أجل خطايا ارتكبناها، كيف لا نخاف ونرتعب مما سوف نواجهه هناك من عقوبات لا حصر لها؟!!.

         وقد تسألني عن السبب في أن الكل لا يعاقبون بطريقة واحدة؟ لأننا نرى كثيرين من الملحدين أصحاء جسديًا وممتلئين حيويةً ويرفلون في رفاهية عظيمة؟ لكن وإن كنا لسنا على يقين من أنهم كذلك، فليتنا نبكي عليهم بالأكثر؛ لأن كونهم لا يعانون شيئًا في هذه الحياة، يكونون بمثابة وقود لعقابهم الأعظم في الحياة الآتية[6]. وقد شرح القديس بولس هذا حين قال: ” ولكن إذ قد حُكِمَ علينا نُؤدَّب من الرب لكي لا ندان مع العالم” (1كو11: 32)؛ لأننا هنا قد نتقبل النصائح، أمَّا هناك فلا يوجد غير العقاب.

         إذن ماذا يحدث؟ وسوف تسأل: هل كل الأمراض تأتي من الخطايا؟ ليس كلها بالتأكيد، لكن أغلبها يأتي من الخطايا. لأن النهم والسكر والخمول (البطالة) توَّلد هذه الأمراض. إذن، ففي كل حالة خاطئة يجب البحث عن مرض من الأمراض، هكذا نعاني كل صعوبة نتيجة سعادة وقتية، فبسبب الخطايا تصير كل النكبات (الآلام) لأننا نرى في كتب الملوك أن واحدًا من الملوك (آسا ملك يهوذا) عانى مرضًا في رجليه (1مل15: 23). إن هذا الأمور كلها تحدث لكي نكون أكثر تقوى مثلما قال الله لأيوب (انظر أيوب40).

         لكن لماذا أعلن المسيح عن خطايا هذين المشلولين؟ حيث قال للمشلول الذي ذكره القديس متى: ” ثق يا بني مغفورة لك خطاياك” (مت9: 2). وفي حالة هذا المشلول يقول له: “ها أنت قد برئت. فلا تخطئ أيضًا لئلا يكون لك أشر“(يو5: 14)؟ أعرف أن البعض يعتقدون أن هذا المشلول ارتكب جريمةً ما؛ لأنه صار متهمًا في مواجهة المسيح، ولهذا سَمِعَ المسيح يوجه له هذه الأقوال. لكن ماذا نقول عن المفلوج الذي ذكره متى الإنجيلي الذي سمع تقريبًا نفس الأقوال؟ لكن بما أن المسيح قال له: “مغفورة لك خطاياك“، فالواضح أنه لم يسمع هذه الأقوال لنفس السبب. وهذا يمكن أن نتبينه بسهولة؛ لأن الإنجيلي يوحنا يقول: “بعد ذلك وجده يسوع في الهيكل“، الأمر الذي يبرهن على تقوى عظيمة. فهو لم يذهب إلى الأسواق أو إلى النزهات، ولا استسلم للراحة والتنعم، لكن قضى وقته في الهيكل. وبالرغم من أنه تعرض للهجوم وللطرد من الهيكل، إلاَّ أن شيئًا من ذلك لم يجعله يبتعد عن الهيكل. وعندما قابله المسيح، بعد مناقشته مع اليهود، فإن شيئًا من ذلك لم يؤثر فيه. لأنه لو أراد (المسيح) أن يدينه، لكان في استطاعته أن يقول له: أتفعل نفس الأشياء ثانيةً؟ ألم تصِر أفضل حتى بالشفاء؟ لكن لم يقل له شيئًا من هذا، لكن نبهه إلى أن يكون متيقظًا للمستقبل.

         إذن، لماذا لم يقل لكل المفلوجين والمشلولين الذين شفاهم مثل ما قاله لهذين؟ أنا أعتقد أن الخطايا هي السبب الرئيسي لمرض الاثنين، أما الآخرون فبسبب ضعفهم الجسدى. وأعتقد أيضًا أن المسيح قال لهؤلاء ما قاله لهذين. لأنه كان يشفي الأمراض الصغيرة من خلال شفائه للأمراض الكبيرة أى الروحية، لأن هذه الأمراض كانت دائمًا أثقل، فطالما شفى المرء، ينصحه لكي يمجد الله، ولذلك فهو لم يعطِ هذه النصيحة لواحد فقط، بل للجميع. هكذا ـ من خلال هذين المريضين ـ يثير انتباه الجميع ويرشدهم بنفس الأقوال التي قالها لهما. ويمكننا أن نقول أنه كان قد استشف ما تنطوي عليه نفس المشلول من احتمال وصبر، ومدى قابليته لتقبُّل الوصية، لذلك نصحه وضبطه بإحسانه أى بنعمة الشفاء ولأجل صحته حذره من الشرور الآتية.

 

نصيحة ثمينة:

         ولعلك تلاحظ غياب التفاخر والتباهي؛ فهو لم يقل له (أرأيت أنني جعلتك معافىً)، بل قال له: ” ها قد برئت فلا تعد تخطئ“، وكذلك لم يقل له “لئلا أعاقبك”، بل ” لئلا يكون لك أشر“، هذين التعبيرين يدلان على أن العافية كانت نتيجة عمل النعمة، وليس لأنه مستحق الشفاء؛ لأنه لم يقل إن المشلول كان جديرًا بأن يتحرر من العقاب، لكنه شُفي بإحسان الله محب البشر. لأن الأمر لو كان على خلاف ذلك لكان قد قال له: هل رأيت الآن أنك قد عُوقبت عقابًا كافيًا لأجل خطيئتك، عليك أن تنتبه من الآن فصاعدًا. ولكنه لم يقل له هذا، لكن: “ها قد برئت فلا تخطئ أيضًا“.

         ليتنا نكرر هذه الأقوال على أنفسنا، وإن تحررنا من العقاب، فعلى كل واحد أن يقول لنفسه: ” ها قد برئت فلا تخطئ أيضًا“. أمَّا إن كنا لم نُعاقَب بعد، فلنُبقِ على نفس الأقوال أيضًا، وتعالوا نردد أقوال الرسول: “أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة. ولكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذَّخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة” (رو2: 4ـ5).

         ولعلك تلاحظ أيضًا أن المسيح لم يعطِ المشلولَ برهانًا على إلوهيته فقط بشفاء جسده، بل بطريقة أخرى. فبقوله: ” لا تخطئ أيضًا” يبرهن على أنه يعرف كل الخطايا السابقة التي اقترفها، وبالتالي يكون جديرًا فيما يخص الأمور المقبلة.

 

الاعتراف بالجميل:

         ” فمضى الإنسان وأخبر اليهود إن يسوع هو الذي أبرأه” (يو5: 15). وهنا نراه مصممًا على إعلان اعترافه بالجميل؛ لأنه لم يقل إن المسيح أمره: ” احمل سريرك“؛ فقد أثار اليهود ـ بحسب رأيهم ـ دائمًا هذا الاتهام، ولكن المشلول كان دائمًا ما يصر على نفس الدفاع، حتى يمجِّد الطبيب ويمهد لدعوة الآخرين ليتعرَّفوا على المسيح. فلم يكن عديم الإحساس، حتى أنه بعد فعل الإحسان هذا وما أسداه إليه من نُصحٍ، يخون من أحسن إليه، ويقول عنه كلامًا سيئًا. فحتى لو كان وحشًا، وإن كان مجردًا من الإنسانية أو كان قد صُنع من حجرٍ، فالإحسان والخوف كانا قادرين على ضبطه، لأن تهديدًا كان قد وصل إلى مسامعه، فخاف أن يكون له أشر؛ خصوصًا وقد حصل على برهان عظيم عن قوة الطبيب، هذا من ناحية. ومن الناحية الأخرى، لو كان قد أراد أن يشي به، لكان في استطاعته أن يتغاضى عن عافيته، فيؤكد لليهود أن المسيح خالف الوصية فيتهمونه بكسر السبت، لكنه لم يفعل ذلك. بل على النقيض، فقد تحدَّث بجرأة كبيرة، وعرفان بالجميل، ومجَّد من شفاه وأحسن إليه إحسانًا ليس بأقل من الذى ناله المولود أعمى.

         لأن المولود أعمى قال: ” صنع من التفل طينًا وطلى بالطين عينيَّ” (يو9: 6). كذلك قال المشلول: ” فمضى ذلك الإنسان وأخبر اليهود إن يسوع هو الذي أبرأه” (يو5: 15). “ولهذا كان اليهود يطردون يسوع ويطلبون أن يقتلوه لأنه عمل هذا في سبتٍ“.

 

المساواة بين الآب والابن:

         بماذا أجاب المسيح؟: ” أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل“. وعندما دافع عن تلاميذه وضرب لهم مثال داوود وقال: ” أما قرأتم ما فعله داوود حين جاع هو والذين معه؟” (مت12: 3). إذن، عندما أراد أن يتكلم عن نفسه لجأ إلى الآب لكي يبرهن على أن له نفس كرامة الآب، فهو يذكره بقوله “أبى”، من ناحية. ومن ناحية أخرى، هو يعمل نفس الأعمال معه.

         ولماذا لم يذكر لهم المسيح ما صار في أريحا (لو1:19ـ10)[7]، لقد أراد أن يفصلهم عن الأرض والفكر الأرضى حتى لا يروا فيه مجرد إنسان، بل إلهًا ومشِّرعًا حين قال ” أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل“. لأنه، لو لم يكن ابنًا حقيقيًا وليس من ذات جوهر الآب، لكان الدفاع أقل من أن يرد الاتهام. فإنه لو خالف أحد الرؤساء القانون الملكي مستندًا على أن الملك نفسه يخالف القانون، لما استطاع أن يخلص نفسه، بل يزيد ذلك من صعوبة موقفه.

                 لكن، إذا كانت الكرامة متساوية، عندئذٍ يكون هذا الدفاع متفقًا وحكم القانون. فالمسيح يريد أن يقول إن الله برئ من كل ما تقولونه، وأنا أيضًا كذلك. لذلك، كلمهم منذ البداية عن “أبيه” مريدًا أن يقنعهم بذلك لكى يتفهموا موقفه بشفاء المريض (يوم السبت) ويحترموا معرفته الحقيقية للآب.

         وإذا سأله أحدٌ أين هو عمل الآب طالما أنه استراح في اليوم السابع من كل أعماله؟ فليته يعلم كيف يعمل. وما هي طريقة عمله؟ إنه يحفظ خليقته ويعتنى بها على الدوام. فعندما ترى الشمس تُشرق، والقمر يسطع، عندما ترى المواني، والينابيع، والأنهار، والمطر، وعندما ترى بصمة الطبيعة سواء على أجسادنا، أو على أجسام الحيوانات غير العاقلة، وكل الأمور الأخرى التي يتكون منها الكون، عندئذٍ تدرك عمل الآب الدائم. لأن الإنجيلي يقول: ” فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين” (مت5: 45)، ثم يستمر قائلاً: ” فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غدًا في التنور يُلبسه الله هكذا، أفليس بالحري جدًا يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان” (مت6: 30)، وعن العصافير يقول: ” أبوكم السماوي يقوتها” (مت6: 26).

         هنا صنع المسيح المعجزة في يوم السبت، ولم يضِّف شيئًا. لكن ما حدث في الهيكل بعد ذلك، وما فعله اليهود، يدفع الاتهام، ليس بالنسبة لِما أمر أن يكون من عمل، مثل أن يرفع المشلول سريره، فإن ذلك لم يكن أمرًا على درجة كبيرة من الأهمية في حد ذاته، لكن بالنسبة لمَن أشار بوضوح إلى مخالفة السبت، يتوسع المسيح في كلامه بالأكثر؛ لأنه أراد أن يفاجئهم بكل ما قاله عن مساواته بالآب، ويرفعهم إلى أعلى. لذلك، عندما كان الحديث يدور حول السبت، لم يكن يدافع بصفته إلهًا فقط، أو كإنسان فقط كان يتكلم، لكنه كان يتكلم بأيٍ من الطريقتين بحسب الأحوال؛ لأنه أراد أن يؤمنوا بالاثنين: أي الولادة بالجسد، والمساواة في الإلوهية. لذلك يمكننا أن نؤكد أن حديثه هنا كان كإله.

         لأنه لو أراد أن يتحدث إليهم دائمًا باعتباره إنسانًا، لاستمر على هذه الحال. ولهذا ذكر الآب لكى يوضح بنوته للآب. ولكن بما أن الخليقة نفسها تستمر في العمل يوم السبت، حيث ترسم الشمس مسارها، والأنهار تخط طريقها، والينابيع تتدفق، والنساء تلد، ولكي تعلم أن عطلة السبت لا علاقة لها بالخليقة، لم يقل نعم أنا أعمل، لكنه قال أنا أعمل لأن أبي يعمل، ” فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه؛ لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضًا إن الله أبوه معادلاً نفسه بالله” وقد برهن على ذلك ليس فقط بالأقوال، لكن بالأكثر جدًا بالأعمال. إذن لماذا طلب اليهود أن يقتلوه؟ لأنه لو برهن بالأقوال فقط لكانوا قد اكتفوا بأن يستهزئوا به ويتهمونه، ولكن لأنهم رأوا إن الأقوال تتفق مع الأعمال، لم يستطيعوا أن يواجهوه.

         وإن كان أولئك الذين لم يريدوا أن يقبلوا كل هذا ـ من باب التقوى[8] ـ يزعمون إن المسيح لم يجعل نفسه مساويًا لله، لكن اليهود هم من ادعى عليه هذا الادعاء.

         إلاَّ أن ملخَّص ما قلناه يرد على هؤلاء. اخبرني: هل أدانه اليهود أم لم يدينوه؟ الواضح للكل أنهم أدانوه. بل وقد أدانوه لأجل هذا السبب بالتحديد كما أقرَّ بذلك الجميع. هل أبطل السبت أم لم يبطله؟ إن أحدًا لا يستطيع أن يعترض على هذا الاتهام. ألم يقل إن الله أبوه؟ وهذا أيضًا صحيح، لقد قال إن الله أبوه. إن تجميع حلقات هذه السلسلة يؤدي بنا إلى النتيجة التالية: بما أنه قال إن الله أبوه، وإنه أبطل السبت بالفعل، وقد أدانه اليهود على كلا الاتهامين، إذن فهم لم يدَّعوا عليه كذبًا، لكن ما اتهموه به كان حقيقةً واقعةً، لأنه إذا كان قد جعل نفسه مساويًا لله، فقد كان ذلك إعلانًا عن ذاته.

         من كل ما سبق يمكن للمرء أن يتأكد من مساواته لله بوضوح. لأن تعبير المسيح ” أبي يعمل وأنا أعمل” يعني أنه جعل نفسه مساويًا لله، ولا يمكن لأحد أن يختلف على ذلك، فهو لم يقل: ذاك يعمل وأنا اخدمه، لكن قال: كما يعمل ذاك، هكذا أعمل أنا، وأظهر بالفعل مساواةً تامةً. وإذا لم يكن المسيح قد أراد بالفعل أن يُظهر ذلك، لكان عبثًا ما يدعيه عليه اليهود، وما كان المسيح ليتركهم يرون فيه رأيًا خاطئًا، بل كان سيصحح لهم هذا الرأي. بل وما كان يوحنا الإنجيلي قد صَمَت، بل لقال بوضوح إن اليهود قد اشتكوا عليه أنه جعل نفسه مساويًا لله.

         وقد حدث ذلك عدة مرات، عندما كان المسيح يتكلم عن أمرٍ ما، في الوقت الذي كان فيه اليهود يفهمون أمرًا آخر. وعلى سبيل المثال: عندما كان يتكلم عن جسده، قال: ” انقضوا هذا الهيكل وأنا أبنيه في ثلاثة أيام“، أمَّا اليهود فلم يفهموا ماذا يقصد بقوله هذا، فقد ظنوا أنه يقول عن مبنى الهيكل اليهودي، فأجابوه: ” في ست وأربعين سنة بُني هذا الهيكل أفأنت في ثلاثة أيام تقيمه. وأما هو فكان يقول عن هيكل جسده” (يو2: 20ـ21). واضح لنا هنا أن المسيح بينما هو يتكلم عن أمرٍ ما، فهم اليهود أمرًا آخر، فبينما كان المسيح يكلمهم عن جسده، ظنوا هم أنه يتحدث عن هيكلهم. فهل صَمَت الإنجيلي أم بالأحرى صحح رأيهم؟ لقد صحح لهم ما فهموه عندما أضاف: “ أما هو فكان يتكلم عن هيكل جسده“. إذن، فبالرغم من أن المسيح ـ في هذه الحالة ـ لم يكن يتكلم عن مساواته لله، ولا أراد أن يعرض لهذا الأمر، لم يتركهم الإنجيلي في خطئهم، بل صحح لهم رأيهم.

         ولم يقتصر هذا الأمر على يوحنا الإنجيلي، لأن إنجيليًا آخر صنع نفس الأمر في حالة أخرى. فعندما أوصى المسيح تلاميذه قائلاً:     ” انظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين” (مت16: 6)، لم يكن يتكلم عن أن التلاميذ لم يأخذوا خبزًا، وإنما دعا تعليم الفريسيين والصدوقيين خميرًا. ولكن التلاميذ فهموا شيئًا آخر، فقد ظنوا أنه يتكلم عن خبز الأكل. هنا، ليس الإنجيلي، بل المسيح نفسه هو من صحح لهم الأمر قائلاً: ” كيف لا تفهمون إني ليس عن الخبز قلت لكم أن تتحرزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين حينئذ فهموا انه لم يقل أن يتحرزوا من خمير الخبز بل من تعليم الفريسيين والصدوقيين” (مت16: 11ـ12).

         هنا أيضًا تم التصحيح، رغم أن المسيح لم يتكلم عن مساواته لله بل عن موضوع آخر.

 

 

ليت الرب يبارك حياتنا بصلوات القديس يوحنا ذهبى الفم،

ولإلهنا المجد والكرامة من الآن وإلى الأبد، آمين.

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] يقصد الفقير من إخوة الرب.

[3] ” لأنه يوجد خصيان وُلدوا هكذا من بطون أُمهاتهم. ويوجد خصيان خصاهم الناس. ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات” (مت12:19).

[4] يقصد القديس يوحنا ذهبي الفم معجزة شفاء المفلوج الذي دلاه أصدقاؤه من فتحة السقف (انظر مت9).

[5] “أنا اختطفت لى قضية الموت” (القداس الغريغورى).

[6] مثلما يقول الكتاب: ” أفرزهم كغنم للذبح” (انظر إر3:12).

[7] ربما عندما تذمر الجميع أن يسوع دخل بيت زكا العشار، وقال لهم المسيح: ” أن ابن الإنسان قد جاء ليطلب ويخلص ما قد هلك“.

[8] ذهبي الفم يقصد ـ طبعاً ـ التقوى الزائفة.

 

شفاء المخلع – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

شفاء المولود أعمى – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

شفاء المولود أعمى – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

شفاء المولود أعمى – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

شفاء المولود أعمى

(الأحد السادس من الصوم)

للقديس يوحنا ذهبى الفم

 

ترجمها عن اليونانية

دكتور جورج عوض إبراهيم

 

 

(عظة 56)

”وفيما هو مجتازٌ رأى إنساناً أعمى منذ ولادته. فسأله تلاميذه:

يا مُعلم مَن أخطأ هذا أم أبواه حتى وُلِدَ أعمى؟”

(يو9: 1ـ 2)

 

المسيح يأخذ زمام المبادرة[1]

”وفيما هو مجتاز رأى إنساناً أعمى منذ ولادته”.

         لأنه محبٌ جدًا للبشر، ويعتني دائمًا بخلاصنا، وقد أراد أن يغلق أفواه الرعاع، لا يفوته أن يصنع ما يليق به أن يصنعه حتى ولو لم ينتبه المرء إلى وجوده. وهذا ما كان يعرفه جيدًا النبي حين قال:     ” لكي تتبرر في أقوالك، وتزكو في قضائك” (مز51: 4). لأجل ذلك، ولأنهم لم يقبلوا المعانى السامية لأقواله، بل قالوا إن به شيطان، وشرعوا في قتله حين خرج من الهيكل (راجع يو8: 58)، فإنه عندما شفىَ الأعمى انصرف، فسكن غضبهم بغيابه؛ وبصنعه للمعجزة ليَّن قساوتهم وجحودهم.

         والمعجزة التي صنعها لم تكن وليدة الصدفة، وإن كانت وقتذاك قد حدثت لأول مرة. فكما هو مكتوب “منذ الدهر لم يُسمع أنَّ أحدًا فتَّح عيني مولودٍ أعمى” (يو9: 32). فهل فتَّح شخصٌ ـ قبل ذلك ـ عينى مولود أعمى؟ أما الرب فبعد أن خرج من الهيكل أتي عن قصدٍ، ليصنع معجزةً صارت ظاهرةً كالآتي: لقد رأى المسيحُ الأعمى، في الوقت الذي لم يكن الأعمى قد تحرَّك نحوه. لكن المسيحَ رمقه بنظرةٍ أثارت انتباه التلاميذ، الأمر الذي دعاهم إلى أن يسألوا المسيح، إذ لاحظوا أنه ينظر إليه باهتمام، قائلين: ” يا معلِّم مَن أخطأ. هذا أم أبواه حتى وُلِدَ أعمى؟”.

 

سؤال محير:

         لا شك أن هذا السؤال، سؤالٌ خاطئ؛ لأنه كيف يمكن له أن يخطئ قبل أن يُولد؟ ولماذا يعاقَب هو إذا كان والداه قد أخطئا؟

         إذن، لماذا سأله التلاميذ هذا السؤال؟

         قبل أن يصنع المسيح هذه المعجزة، كان قد شفى المشلول (مريض بركة بيت حسدا)، وكان قد قال له: ” ها أنت قد برئت فلا تخطئ أيضًا” (يو5: 14). إذن فقد أدرك التلاميذ أن المشلول كان قد صار مريضاً هكذا بسبب خطاياه، فكأن لسان حالهم يقول له: إذا كان هذا المشلول قد صار مريضًا هكذا بسبب خطاياه، ماذا عن هذا المولود أعمى، هل أخطأ أيضًا؟

         إن كان هذا يصح بالنسبة للمشلول، لكنك في هذه الحالة لا تستطيع أن تقول نفس الأمر؛ لأنه مولودٌ أعمى منذ ولادته. إذن، هل أخطأ والداه؟ ولا هذا أيضًا؛ لأن الطفل لا يُعاقَب لأجل خطايا أبيه. فإن رأى أحدكم طفلاً ما في حالة مزرية، فماذا يمكنه أن يقول عن هذا الطفل؟ هل يسأل عما فعله هذا الطفل؟ أبداً، وإنما دون أن ندخل في تفاصيل، نحن نعبِّر بكل ما نقوله عن حيرتنا. هكذا التلاميذ لم يقولوا هذا الكلام في صيغة سؤال يحتاج إلى إجابة، لكن تعبيرًا عن حيرتهم.

         ماذا أجاب المسيح؟ ” لا هذا أخطأ ولا أبواه” (يو9: 3). ولأنهم لم يقولوا فقط “هل هذا أخطأ أم أبواه؟“، وإنما أضافوا “حتى وُلِدَ أعمى“، فإن الرب لم يقل أنا أخلصهم من خطاياهم لكي يتمجد ابن الله؛ فقد أخطأ هذا ـ بالتأكيد ـ بل وأبواه أيضًا، لكن العمى لم ينتج عن هذا السبب. وهو لم يقل هذه الأقوال لكي يُظهر أن هذا لم يُصَب بالعمى من جراء هذا السبب، بينما آخرون أصابهم العمى نتيجة خطايا والديهم، طالما عرفنا إلى أنه لا يمكن أن يخطئ الواحد ويعاقب الآخر؛ لأننا لو قبلنا هذا، سنكون ملزمين بالضرورة أن نقبل الفرضية الأخرى، أي أنه أخطأ قبل أن يُولَد.

         إذن، عندما قال: ” لا هذا أخطأ“، لم يكن يقصد إمكانية أن يخطئ قبل ولادته، وهو لذلك يُعاقَب. ويسرى هذا أيضاً على قوله: “ولا أبواه“، فهو أيضًا لا يقصد أنه يمكن أن يعاقَب بسبب أبويه، خصوصًا وقد أُلغيَ هذا الأمر بواسطة حزقيال النبي “ما لكم أنتم تضربون هذا المثل على أرض إسرائيل قائلين الآباء أكلوا الحصرم وأسنان الأبناء ضرست. حيّ أنا يقول السيد الرب لا يكون لكم من بعد أن تضربوا هذا المثل في إسرائيل” (حز18: 2ـ3). وموسى يقول: “ لا يُقتل الآباء عن الأولاد ولا يُقتل الأولاد عن الآباء” (تث24: 16). وعن ملكٍ (أمصيا بن يوآش ملك يهوذا) قيل: ” إنه لم يقتل أبناء القاتلين حسب ما هو مكتوب في سفر شريعة موسى” (2مل14: 6). فإذا قال أحدكم كيف إذن قيل: “ أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي” (تث5: 9)، يمكننا أنْ نقول إنَّ هذا القرار لم يقصد به الكل، بل أولئك الذين خرجوا من مصر. وكان يقصد الآتي: لأن هؤلاء الذين خرجوا من مصر قد صاروا ـ بعد أن رأوا آيات ومعجزات ـ أسوأ من أجدادهم الذين لم يروا أيًا من هذه الآيات أو المعجزات، فإنهم يعانون نفس الآلام التي عاناها أولئك لأنهم صنعوا نفس الأخطاء. أمَّا كون أن هذه الأقوال قد قيلت لأولئك، فيمكن للمرء أن يتحقق منه إذا راجع كلمات الكتاب بدقة.

 

ليظهر مجد الله:

         إذن، ما هو سبب ولادته أعمى؟ ” لتظهر أعمال الله فيه“. تواجهنا هنا أيضاً حيرة أخرى! ألا يمكن أن تظهر أعمال الله دون عقاب كهذا؟ هو بالتأكيد لم يقل إن هذا ممكن، لكن لكي ” يظهر في هذا“. ماذا! هل ظُلِم إذن لأجل مجد الله؟ عن أي ظُلمٍ تتكلم؟ أخبرني؛ فلو كان قد أراد أن يظلمه، ما كان قد جاء به للحياة. لكني أقول: لقد شفاه من العمى بما أن الأعمى رآه بالعين الداخلية[2].

         وهذا ما يجعل هذا الأعمى مختلفًا عن اليهود، لأنه ما الفائدة التي عادت على اليهود وقد كانت لهم عيون جسدية؟ لقد عوقبوا بالأسوأ لأن عيونهم الداخلية كانت عمياء. أيٌ ضررٍ إذن، أصاب المولود أعمى، وقد أبصر بعد أن كان أعمى؟ إن شرور الحياة الطبيعية لا تُعتبر شرورًا، هكذا أيضًا الصالحات ليست صالحات، فالشر هو الخطية فقط، بينما العمى ليس شرًا. فالله الذي جاء به إلى الحياة، كان يمكن أن يتركه هكذا.

         ويقول البعض إنهم لا يرون في تعبير ” لتظهر أعمال الله فيه”  أي تبرير يفسِّر حالة المولود أعمى، بقدر ما يُعبِّر عن النتيجة، وذلك قياسًا على ما قاله المسيح: ” لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون، ويعمى الذين يبصرون” (يو9: 39). فالمسيح لم يأتِ بالتأكيد لهذا السبب، أي لكي يبصر العميان أو يعمى المبصرون. وأيضًا مثلما يقول القديس بولس الرسول: ” إذ معرفة الله ظاهرة فيهم؛ لأن الله أظهرها لهم. لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم… حتى أنهم بلا عذر” (رو 1: 19ـ20)، فبالرغم من أنه لم يكشف عن ذاته لهؤلاء، لأجل هذا السبب، أي لكي لا يجدوا ما يدافعون به عن أنفسهم، بل العكس. وفي موضع آخر أيضًا يقول: “وأمَّا الناموس فدخل لكي تكثر الخطية” (رو5: 20)، فالناموس لم يدخل في حياة البشر لهذا السبب، بل لكي يعيق الخطية.

 

المسيح خالق الخليقة:

         هل رأيت أن التحديد في كل الحالات السابقة، إنما يُؤكد على النتيجة؟ فهو هنا مثل بنَّاءٍ ماهر، بنى جزءًا من البيت، أمَّا الجزء الآخر فقد تركه ناقصًا، حتى عندما أكمل البناء أمام أعينهم، يتأكدون من إتقانه لفن البناء، ويعرفون أنه هو الذى بنى البيت، وبذلك يقدم دليلاً ضد هؤلاء الذين لا يؤمنون بكل عمله. فهكذا ـ مثل مسكنٍ على وشك السقوط ـ يُرمم الله جسدنا ويكمِّله: يشفي اليد اليابسة، يعطي حياةً للأعضاء المشلولة، يشفي العُرج، يطهِّر البُرَّص، يشفي المرضى، يجعل المشلولين أصحاء، يعيد الحياة للأموات، يفتح عيون العميان، يمنح عيونًا لمن هم بلا عيون، لقد قوَّم كل هذه العيوب، وشفى الأمراض التي أصابت الطبيعة البشرية، وبذلك أظهر قوته.

         قال: ” لتظهر أعمال الله فيه“، وهو هنا يقصد ذاته لا الآب؛ لأن مجد ذاك كان ظاهرًا. إذن، بما أنهم سمعوا أن الله خلق الإنسان عندما أخذ من طين الأرض، لذلك خلق المسيح ـ بنفس الطريقة ـ عينى الأعمى، وكأنه يقول: أنا هو الذي أخذ من تراب الأرض، وخلق الإنسان…

         إذن، فقد أخذ المسيح من تراب الأرض ومزجه بالتُفل، وأظهر بفعله هذا مجده المستتر؛ لأنه لم يكن شيئًا هيِّنًا أن يُرى على أنه خالق الخليقة. ولم يقتصر الأمر على هذا العمل، بل حدثت أمور أخرى صار بها كثيرين مؤمنين؛ لأن الإيمان بعمله الأعظم، يؤكِّد قدرته على فعل الأصغر. وبما أن الإنسان هو أثمن من كل كائنات الخليقة، والعيون هي أثمن أعضاء الجسد، لذلك أعطى النور للعين ليس هكذا ببساطة، لكن بذات طريقة الخلق؛ لأن العين، بالرغم من أنها عضوٌ صغير في الحجم، إلاَّ أنها العضو الأكثر أهمية من كل أعضاء الجسد، وهذا ما أعلنه بولس حين قال: ” وإن قالت الأذن لأني لست عينًا لست من الجسد. أفلم تكن لذلك من الجسد” (1كو12: 16)؛ فإن كانت كل أعضاء جسدنا برهانًا لحكمة الله، فبالأكثر جدًا تكون العين، طالما أنها تحكم كل الجسد، فهي تمنح الجمال لكل الجسد، وتزين الوجه. إنها سراج لكل الأعضاء؛ لأن العين للجسد، مثل الشمس للمسكونة. فإذا أطفأت الشمس، فالكل يهلك ويتغير مسار الكل. هكذا لو أطفأت العينين، فلا الأرجل تُستخدم، ولا الأيدي، بل ولا أعضاء النفس أيضًا؛ لأننا إن كنا نعرف الله عن طريق أعضاء النفس، فإننا ـ إن لم نستخدم هذه الأعضاء ـ لا تكون لنا هذه المعرفة ” لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مُدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر” (رو1: 20). وبالتالي ليست العين هي فقط، سراج للجسد، لكن هي أكثر أعضاء الجسد تعتبر سراجًا للنفس أيضًا، لذلك وُضِعَت في مكانٍ ملوكي في أعلى جزء من الجسد، وتُشرف على كل الحواس. إذن، هذه العينُ قد خلقها الرب.

         ولكي لا تظن أنه كان في احتياج إلى المادة عندما خلق، ولكي تعلم أنه حتى لم يكن يحتاج إلى الطين منذ البداية؛ فإنه أوجد ما هو أعظم من الجسد، أي الجوهر الأكثر أهمية (أي النفس)، والذي لم يكن موجودًا، هذا الجوهر خلقه دون احتياج للمادة. إذن، عليك أن تعلم أنه لم يفعل هذا الأمر عن احتياج، لكن لكي يُعلِّم الناس أنه الخالق الأول (الذى خلق فى البداية)، فقد طلى الطين على العينين. وقال “أذهب وأغتسل”: لكي تعرف أنه ليس فى احتياج للطين لكي يفتِّح الأعين، بل لكي يظهر مجده بفعله هذا.

         وكونه يتحدثُ عن ذاته، فهذا يتضّح من أنه بعد أن قال:” لكي تظهر أعمال الله فيه“، أضاف ” ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني ما دام نهار” (يو9: 4). بمعنى أنه ينبغي عليَّ أن أُظهر ذاتي، وأن أعمل تلك الأعمال التي يمكن أن تبرهن على أنني أعمل نفس الأعمال مع الآب، ليست الأعمال الشبيهة، بل الأعمال نفسها، الأمر الذي يُظهر بدرجة عظيمة إن أعماله هي ذات أعمال الآب، ولا تختلف عنها إطلاقًا. مَن إذن، يمكنه أن يشك أنه يستطيع أن يعمل نفس الأعمال مع الآب؟ لأنه لم يخلق الأعين فقط، ولا فتَّحها فقط، بل منحها البصر، الأمر الذي يعني أنه نفخ نفسًا في العين التي لم تكن تبصر، فبالرغم من أنها كانت موجودة شكليًا إلاَّ أنها لم تكن تبصر إطلاقًا، وهكذا منحها قوة الحياة، وزوَّد العضو بكل شيء، شرايين وأعصاب وأوردة ودم وكل الأشياء الأخرى التي تتكون منها أجسادنا.

 

حياة الإنسان على الأرض فرصة ثمينة للإيمان بالمسيح:

         ” ينبغي أن أعمل ما دام نهارٌ“. ما الذي يمكن أن نفهمه من هذه الأقوال؟ وما هي أهميتها؟ أهميتها شديدة من جميع النواحى. وتتبدى هذه الأهمية كالآتي: “مادام نهارٌ” فيه يستطيع الناس أن يؤمنوا بى، وتكون فيه الحياة مستمرة، إذن ينبغي أن أعمل.

         ” يأتي ليلٌ“، أي الدهر الآتي “حين لا يستطيع أحدٌ أن يعمل“. لم يقل حيث أنا لا أستطيع أن أعمل، بل “حين لا يستطيع أحدٌ أن يعمل“، أي في الوقت الذي لا يكون فيه الإيمان متاحًا، ولا الأتعاب ولا التوبة. أمَّا كون أن الإيمان يُدعىَ عملاً، فهذا ما نفهمه من السؤال الآتي: “ ماذا نفعل حتى نعمل أعمال الله” (يو6: 28)، أجاب: “هذا هو عمل الله أن تؤمنوا بالذي هو أرسله” (يو6: 29). إذن، كيف لا يمكن لأحد أن يعمل هذا العمل حين ذاك؟ لأنه ـ حينذاك ـ لا يكون الإيمان متاحًا كعملٍ يمكن أن يعمله أحد، بل ـ فقط ـ على الكل أن يسمعوا (حكم الدينونة).

         ولكي لا يقول أحدٌ: إنه يعمل هذا من أجل محبة المجد، يُظهر هو (أي المسيح) أنه يعمل كل الأعمال بسبب عنايته بهؤلاء الذين يمكنهم هنا على الأرض فقط أن يؤمنوا، ولا يستطيعون هناك أن يجنوا أية فائدة. لذلك لا يجب علينا أن نرفض الإيمان هنا على الأرض، بل نتمثل بالأعمى.

         فقد كان مستحقًا للشفاء، لأنه لو كان مبصرًا، لكان قد آمن، وكان قد أتى إلى المسيح بنفسه وأخذ المبادرة، وما كان قد بدا وكأنه غير مبالٍ، حتى لو كان قد سمع من مجرد شخصٍ كان هناك، ويظهر هذا واضحًا ـ فيما بعد ـ من رجولته وإيمانه، لأنه كان يمكن أن يفكر في نفسه ويقول: ما أهمية هذا في آخر الأمر؟ لقد صنع طينًا ومسح به عينيَّ، ثم قال لي: “ اذهب واغتسل“، فإن كان لا يستطيع أن يشفينى، فلماذا يرسلني إلى بركة سلوام بعد هذا؟

         لقد سبق له أن اغتسل مرات كثيرة مع آخرين كثيرين، ولم يأخذ أية فائدة. فعندما يكون لأحد قوة، فإنه يمكنه أن يشفي فى الحال. وذلك مثلما قال أليشع لنعمان، الذي إذ كان قد أخذ أمرًا بالاغتسال في الأردن، تردد، رغم أن أليشع كان يتمتع في ذلك الوقت بسمعة طيبة (راجع 2مل5: 10ـ11). لكن الأعمى لم يتردد، ولا تشكك، ولا فكَّر في داخله: ما أهمية هذا في آخر الأمر؟ أكان يجب أن يمسح عينيَّ بالطين؟ إن هذا الطين يعمي بالأكثر. مَن أبصر بواسطة هذه الطريقة من قبل؟ لم يفكر كل هذه الأفكار. هل رأيت إيمانًا ثابتًا واستعدادا راسخًا مثل هذا؟

         “ يأتي ليلٌ“. يعني بهذا إن عنايته بالفُجَّار سوف تستمر بعد صلبه، وسوف يرجع كثيرون إلى الإيمان لأنه ما زال نهار. أما الذين يرفضون الإيمان به وهم فى الحياة الحاضرة، فإنه يبعدهم تمامًا فى الدهر الآتى.

         وأريد أن ألفت نظركم لهذا: إذا كان قد قال: “ما دمت في العالم، فأنا نور العالم“، وقال لآخرين: “مادام لكم النور آمنوا بالنور لتصيروا أبناء النور” (يو12: 36)، فلماذا يسمي بولس الحياة الحاضرة ليلاً، أو اليوم الآتي؟ أقول إن هذا لا يتعارض مع ما قاله المسيح، فهو هنا يقول نفس القول، وإن لم يكن بذات الألفاظ، فبنفس المعنى. فعندما يقول: ” قد تناهى الليل وتقارب النهار” (رو13: 12)، فهو يعني أن الحياة الحاضرة تُدعى ليلاً بالنسبة لأولئك الجالسين في الظلمة، فهو هنا يقارن الليل بالنهار. وبينما يدعو المسيحُ الحياةَ الآتية ليلاً لأنها تخلو من مغفرة الخطايا، يدعوها بولس ليلاً من أجل هؤلاء العائشون في الظلمة، والذين يحيون في الظلمة وعدم الإيمان. ولكنه حين يتوجه بكلامه إلى المؤمنين يقول: ” قد تناهى الليل وتقارب النهار“، وذلك لأنهم سيستمتعون بذلك النور. وهو يدعو الحياة القديمة ليلاً؛ لأنه يقول: ” فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور” (رو13: 12).

 

النور الإلهى أعظم من نور الشمس:

هل رأيت بأي معنى يقول لأولئك أنه ليلٌ؟ لذلك وبنفس الطريقة يقول لنا: ” لنسلك بلياقة كما في نهار” (رو13:13)، لكي نستمتع نحن بذلك النور. ويمكننا أن نعرف مدى جمال هذا النور إذا تأملنا عظمة نور الشمس قياسًا بنور مصباح، فكم بالأكثر جدًا يكون النور الإلهي أعظم من نور الشمس؟ ولكي يعلن هذا قال: ” تظلَّم الشمس” (مت 24: 29)، بمعنى أنه بسبب ذلك البهاء الوفير لا يمكن للشمس أن تظهر[3].

اعمل من أجل المسكن النورانى:

وإن كنا نستدين أمولاً كثيرة من أجل أن نبني بيوتًا منيرةً وجيدة التهوية ونبذل مجهودًا كبيرًا من أجل هذا الأمر، فعلينا إذن أن نفكر فيما يمكن أن نقدمه من أتعاب كي نبني بيتًا بهيًا في ملكوت السموات، حيث يوجد النور الذي لا يوصف. وبينما تنشأ هنا المعارك والمشاحنات من أجل الحدود والحوائط، لا يوجد هناك شيء من مثل هذا، فلا حسد، ولا التفوه بكلام سيئ، ولا يتعارك معنا أحد لأجل حدود الممتلكات. وإذا كنا سوف نترك هذا البيت مجبرين على أية حال، لكننا هناك نكون دائمًا في مسكننا السماوي. هنا هذا البيت ـ بمرور الزمن ـ ينهار ويعاني من آلاف الأضرار، بينما ذلك البيت السماوي يبقى في غير فساد إلى الأبد، وهذا البيت (هنا) لا يستطيع الفقير أن يبنيه، بينما ذاك (السماوى) يمكن أن يبنيه بفلسين مثل الأرملة. لذلك نحزن حزنًا فائقًا؛ لأنه، بالرغم من أنه توجد خيرات كثيرة أمامنا إلاَّ أننا نتكاسل ولا نبالي، وبينما نبذل أقصى جهد لكي يكون لدينا بيتًا بهيًا هنا، لا نبالي ولا نهتم ولا ننشغل بالحصول على مسكن في السموات حتى لو كان مجرد خيمة صغيرة.

اخبرني إذن، أين تريد أن تأخذ مسكنًا هنا؟ أفي الصحراء أم في مدينة من المدن الصغيرة؟ أنا لا أعتقد في هذا، لكن أظن أنك ـ على الأقل ـ تريد أن تأخذ في المدن الملكية والعظيمة حيث يوجد غنىً عظيم وتجارةً. لكن أنا أقودك إلى مدينة مثل المدينة التي صانعها وبارئها هو الله. هناك سوف تبني مبنىً بأموال قليلة وبأقل تعب؛ لأن ذلك المسكن تبنيه أيدي الفقراء، قبل كل شيء. أمَّا ما يحدث الآن، فهو أمثلة للجنون الفظيع. شخصٌ يقتادك إلى أرض فارس، ويشير عليك أن تبني مسكنًا هناك، ألست تظهر حماقة شديدة بالبناء في أرض غريبة، فضلاً عن أن ذلك يجعلك تقترض بلا هدف؟ كيف إذن تفعل هذا الأمر في الأرض التي سوف تهجرها بعد قليل؟

قد تقول سوف أتركه لأولادي من بعدي. لكن حتى أولئك الأولاد بعد قليل من بعدك سوف يهجرونه، وقد يحدث ذلك قبلك، وبعدها أنت بقليل، لأنك سوف تُصاب بالإحباط عندما لا ترى ورثتك يسكنونه. لكن هناك في السماء لا يحدث مثل هذا الأمر على الإطلاق، فلا تخف، فإن ما تناله سوف يبقى ثابتًا لك ولأولادك ولأحفادك إذا عاشوا نفس الفضيلة. هذا المسكن يبنيه المسيح. هذا المسكن لا يحتاج أن تعيِّن مشرفين عليه، ولا تحمل همه ولا تعتني به؛ لأنه عندما يأخذ الله على عاتقه هذا الأمر فما هو لزوم الاهتمام؟ ذاك الذي يجمع الكل ويبني المسكن. وليس هذا فقط ما يثير إعجابك، بل إن الله هكذا يبنيه، كما تريد وكما يعجبك؛ فهو فنان عظيم يعتنى ويحرص جدًا على مصلحتك. وإذا كنت فقيرًا وتريد أن تبني هذا المسكن فلا أحد يحسدك، ولا يتفوه بكلام سيئ عليك لأن لا أحد يراه من أولئك الذين يحسدون، لكن يراه الملائكة الذين يفرحون معك لحصولك على هذه الخيرات. لا أحد يستطيع أن يتسلط عليه؛ لأن لا أحد يسكن بالقرب منه مِن هؤلاء الذين يعانون من مثل تلك الأمراض. جيرانك هناك هم القديسون، بولس وبطرس وكل الأنبياء والشهداء، جمهور الملائكة ورؤساء الملائكة.

حسنًا، إذن، تعالوا نقدم كل ما لدينا من مقتنيات في هذه الحياة للفقراء لكي نفوز بتلك الخيام التي نتمنى أن نفوز بها جميعًا بنعمة محب البشر ربنا يسوع المسيح الذى له المجد مع الآب والروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

 

(عظة 57)

”قال هذا وتفل على الأرض وصنع من التفل طينًا وطلى عيني الأعمى. وقال له اذهب واغتسل في بركة سلوام”

(يو9: 6 ـ 7)

 

المسيح هو الطبيب الشافى

     هؤلاء الذين يحصلون على فائدة ما من القراءات يجب ألاَّ يبتعدوا ولو قليلاً جدًا عن ما قيل؛ لأنه لأجل هذا أخذنا على عاتقنا وصية تفسير الكتب المقدسة؛ لأن أغلبية الكتب، بالرغم من أنها مفهومة مباشرةً، إلاَّ أنها تحتوي على مفاهيم كثيرة مستترة في الأعماق.

انتبه إذن، ما هو معنى هذا المقطع من الإنجيل؟ فهو يقول: ” قال هذا وتفل” ما هذا الذي قاله؟ لقد قال: ” لكي تظهر أعمال الله” (يو9: 3)، و” يجب أنْ أعمل أعمال الذي أرسلني” (يو9: 4). لكن الإنجيلي لم يذكر لنا ذلك ببساطة أو كيفما اتفق، بل أضاف “وتفل”، لكي يعلن لنا أن المسيح يؤكَّد أقواله بأعماله. ولماذا لم يستخدم ماءً على التراب، بل تَفَلَ؟  لأنه، بما أنه سوف يرسله إلى بركة سلوام ليغتسل، فقد يعتقد البعض أن قوة الشفاء تكمن في النبع. لكن لكي تعلم أن القوة التي خرجت من فمه هي القوة خلقت الأعين وفتَّحتها، تَفَل إلى أسفل. وهذا ما قصد الإنجيلي أن يعلنه، ولذلك قال: “وصنع من التُفل طينًا“. ولكي لا يبدو أن الأرض (الطين) هي مصدر هذا الإنجاز، أعطى أمرًا أن يغتسل.

     فلماذا لم يرسله إلى بركة سلوام من البداية؟ لأنه أراد أن يكشف مدى إيمان الأعمى، وبالتالي يغلق الطريق على جحود اليهود؛ لأنه كان من الطبيعي أن يراه الكل آتيًا وعينيه مطليةً بالطين؛ وبهذا التناقض يجذب ناحيته كل الأنظار، الذين يعرفونه والذين لا يعرفونه. هؤلاء سوف يضعونه تحت أعينهم، وفي بؤرة اهتمامهم؛ لأنه، وبسبب أنه ليس من السهل أن يؤمن أحدٌ أنه فتَّح عيني مولود أعمى، جعلهم ـ بواسطة انجذاب الكثيرين لغرابة الموقف ـ شهودًا كثيرين، وشهود عيان للموقف الغريب، حتى يصيروا منتبهين بالأكثر لكي لا يشكّوا فيه ويقولوا متسائلين فى حيرة: “هذا هو، ليس هو”. ولأنه لم يرد أن يظهر ذلك الأعمى وكأنه غريب عن الناموس والعهد القديم، لذلك أرسله إلى بركة سلوام.

     وكان من الممكن للأعمى أن يتساءل عن طبيعة المجد الذي نالته بركة سلوام، طالما أن كثيرين في مرات كثيرة، بالرغم من أنهم غسلوا هناك عيونهم، إلاَّ أنه لم يحدث لهم شيئًا مثل هذا؟ لكن بالتأكيد أن قوة المسيح هي التي فعلت كل شيء. لأجل هذا يضيف الإنجيلي التفسير المناسب؛ لأنه عندما قال “سلوام”، أضاف قائلاً: ” الذي تفسيره مرسل“، لكي تعلم أن المسيح هو الذى شفاه هناك، مثلما يقول بولس بالضبط ” لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح” (1كو10: 4). فمثلما كانت الصخرة الروحية هى المسيح، هكذا سلوام كانت أيضًا روحيًا هى المسيح.

 

طاعة الأعمى للمسيح

     أنا أعتقد أن الظهور المباغت للمياه هنا يذكِّرنا بسرٍ خفي. ما هو إذن هذا السر؟ إنه الظهور غير المتوقع، إنه الأمر الذى صار ويتخطى أى توقع.

     انتبه أيضًا لرأي الأعمى الذي أطاع في كل شيء، فهو لم يقل: إذا كان التراب أو التُفل هو ما يمنح قوة البصر كاملة لعينيَّ، فما حاجتي إذن لبركة سلوام؟ أو إن كنت أحتاج لبركة سلوام، ما هي حاجتي للطين؟ لأي سبب مسح عينيَّ؟ لماذا أمرني أن أذهب لأغتسل؟ إن شيئًا من هذا لم يفكر فيه، ولكن كان متأهبًا لأمرٍ واحدٍ: أن يطيع كل ما أمره به المسيح، لأن أمرًا واحدًا مما أمره به المسيح، لم يُعثِره.

 

كيف أبصر الأعمى:

وقد يتبادر إلى ذهن أحدكم أن يقول: كيف أبصر الأعمى عندما وضع طينًا فوق عينيه؟ لن تسمع منا شيئًا آخر، إلاَّ فقط إننا لا نعرف. وليس هناك عجبًا إن كنا لم نعرف؟ فلا الإنجيلي عَرِف، ولا الأعمى الذي شُفيَ، لكن إن كان قد عَرِف ما حدث، إلاَّ أنه لم يدرك الطريقة. وهذا هو ما قاله عندما سُئل: ” صنع طينًا وطلى عينيَّ وقال لي اذهب إلى بركة سلوام واغتسل. فمضيت واغتسلت فأبصرت” (يو9: 10). أمَّا كيف صار هذا، فهو ما لا يمكن أن يجيب عنه حتى لو سألوه مرات لا حصر لها. “فالجيران والذين كانوا يرونه قبلاً أنه كان أعمى قالوا أليس هذا هو الذي كان يجلس ويستعطي. آخرون قالوا هذا هو”؛ لأن اختلاف المظهر الذي نتج عن المعجزة أدى بهم إلى عدم التصديق، بالرغم من أنه كان قد حدث ما هو أكثر من هذا لكي يؤمنوا. آخرون قالوا: ” أليس هو هذا الذي كان يجلس ويستعطي“، يا لعظمة محب البشر!! لقد نزل ليشفِ ـ برحمته العظيمة ـ المتسوِّلين ويغلق بفعله أفواه اليهود؛ لأنه أظهر نفس العناية ليس فقط بنخبة المجتمع والمشهورين فيه، والرؤساء، لكن للمهمَّشين؛ لأنه جاء لأجل خلاص الكل.

وما صار في حالة المشلول، صار أيضًا في حالة الأعمى. فالمشلول لم يكن يعرف من هو الذي شفاه، ولا الأعمى أيضًا كان قد رآه رؤى العين؛ لأنه كان قد ذهب إلى بركة سلوام وهو بعد ما يزال أعمىً. ولأن المسيح أيضًا كان قد رحل.

يرتحل المسيح عادةً، ويظل مختفيًا حتى تتخلص المعجزة من أية شبهة تثار حولها؛ لأن هؤلاء الذين لم يعرفوا من هو، كيف يمكنهم أن يفرحوا ويصفوا ما حدث لهم؟

     وبالرغم من أنَّ مَن شُفي لم يكن غريبًا، بل كان من هؤلاء الذين يجلسون بالقرب من أبواب الهيكل، فقد أظهر الكل شكوكًا فيه. فماذا يقول هو عن نفسه؟ “أنا هو”، فهو لم يشعر بخجلٍ لعماه السابق، ولا خاف غضب الشعب، ولا تجنب أن يظهر ذاته ليكرز بمَن أقامه      “ فقالوا له كيف انفتحت عيناك. أجاب ذاك وقال إنسانٌ يقال له يسوع“. ماذا تقول؟! أيمكن لإنسانٍ أن يفعل مثل هذا؟ واضحٌ إذن أنه لم يكن يعرف شيئًا عنه منذ البداية ” إنسانٌ يقال له يسوع صنع طينًا وطلى عينيَّ“. انتبه إلى أنه يقول الحق. فهو لم يروِ كيف صنع المعجزة (لأن ما لا يعرفه لا يمكن أن يقوله)، لأنه لم يرَ أنه تفل على الأرض، وإنه طلى بالطين عينيه، لقد أدرك ذلك بالإحساس واللمس   ” قال لي اذهب إلى بركة سلوام واغتسل“، والسمع يؤكد هذا. ومن أين عرف صوته؟ من مناقشته مع تلاميذه. وبينما يقول كل هذا أخذ تأكيدًا بواسطة الأعمال، لكن لم يستطع أن يصف الطريقة التي حدث بها ذلك. لأن الإيمان لا يحتاج إلى المحسوسات والأمور الملموسة، ولكنه يعتمد بالأكثر على الأمور غير المنظورة. ” فقالوا له أين ذاك. قال لا أعلم“. لقد قالوا له “أين ذاك؟” في غيظٍ وحِدَّةٍ.

 

يسوع يغيب عن المشهد:

ولعلك تلاحظ تصرف يسوع اللائق، فهو لم يبقَ بالقرب ممن شُفي؛ لأنه لم يُرِد أن ينال مجدًا، ولا هو يقوم بالدعاية ليكسب تعاطف الشعب معه. ولاحظ أيضًا إن ما قاله الأعمى قد قاله حبًا في الحق. لقد أرادوا أن يروا يسوع حتى يقتادونه إلى الكهنة؛ ولأنهم فشلوا في هذا اقتادوا الأعمى إلى الفريسيين، الذين سألوه بطريقة فظة، وقد ذكر الإنجيلي أنه كان يوم سبت، وذلك حتى يُظهر توجههم الشرير، والسبب الذي لأجله كانوا يطلبونه، وقد وجدوا في الأمر دافعًا ليتهموه (ليتهموا المسيح) وهكذا يمكنهم أن يزيِّفوا المعجزة لتكون مخالفة للناموس. وهو ما اتضح من أنهم بمجرد أن رأوه، لم يقولوا شيئًا آخر إلاَّ “كيف فتَّح عينيك؟”.

     لاحظ أيضًا طريقة السؤال، لأنهم لم يقولوا له كيف أبصرت؟ بل ” كيف فتَّح عينيك؟”، لكي يعطوا الأعمى دافعًا لاتهامه بأنه عمل يوم السبت. لكن هذا الذي كان أعمى يتحدث إليهم في إيجاز معتبرًا أنهم قد سمعوا عما حدث؛ لأنه بدون أن يذكر اسمًا ما، أو أنه قال لي اذهب واغتسل، يقول مباشرةً ” طلى عينيَّ وقال لي اذهب إلى بركة سلوام واغتسل“. ويلاحظ أن نية التزييف قد ظهرت جليًا فيما قاله أولئك الذين سألوه عن أي عمل عمله المسيح في يوم السبت؟ طلى بالطين! عليك أيضًا أن تنتبه لحقيقة أن الذي شُفيَ لم يضطرب. فعندما تحدثوا معه ـ فى المقابلة الأولى ـ من الأمور التي حدثت، ولم يلمح خطر ما، لم يكن هامًا جدًا أن يقول الحق، لكن المدهش أنه ـ الآن ـ بالرغم من أنه لمح خطرًا عظيمًا، فإنه لم يرفض ولم يقل كلامًا مناقضًا لما سبق وأن قاله. وماذا فعل الفريسيون والآخرون؟ اقتادوه لكي ينكر، ولكن على النقيض، فذلك الذي لم يريدوا أن يعرفوه[4]، عرفوه بدقة كبيرة، وما كانوا يعانون منه في كل المعجزات التي أتمها المسيح، سنبينه بوضوح أكثر فيما بعد.

 

حفظ السبت:

     ماذا فعل الفريسيون؟ ” فقال قوم من الفريسيين ـ ليس كلهم، ولكن الوقحين منهم ـ هذا الإنسان ليس من الله لأنه لا يحفظ السبت“. آخرون قالوا ” كيف يقدر إنسان خاطئ أن يعمل مثل هذه الآيات؟” هل رأيت كيف تجذبهم المعجزات؟ لأن هؤلاء هم أنفسهم الذين أرسلوا أناسًا مسبقًا لكي يقتادوه أمامهم، اسمع ماذا يقولون الآن، فبالرغم من أنهم ليسوا كلهم، ولكن لأنهم كانوا من الرؤساء انقادوا جميعًا للعصيان بسبب محبتهم للمجد. لكن الأغلبية من الرؤساء آمنوا به، وإن كانوا لم يعترفوا به جهارًا. أمَّا الشعب الكثير، فكان مُهمّشًا لأنهم لم يشتركوا معهم قي مجمعهم، أمَّا الرؤساء فلأنهم كانوا معروفين وظاهرين، فكان من الصعب ان تكون لديهم شجاعة الاعتراف بالمسيح؛ لأنهم كانوا يحبون الرئاسة، فكثيرون منهم كان يستولي عليهم الخوف. لذلك قال (لهم الرب مرة): ” كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدًا بعضكم من بعض” (يو5: 44). فمنهم من طلبوا أن يقتلوه ظلمًا، ولكن آخرين قالوا إنه إنسان الله، ولكن الذي شفى العميان لا يمكن أن يكون إنسان الله لأنه لم يحفظ السبت، هكذا كان فكرهم متباينًا، فالخاطئ لا يمكن أن يصنع مثل هذه المعجزات.

إذن، أولئك صمتوا؛ لأنهم صنفوا هذا الحدث باعتباره شرًا من الشرور، واتجهوا ناحية المخالفة الظاهرة للناموس؛ لأنهم لم يقولوا أنه شفى في السبت، بل “لم يحفظ السبت”. بينما اعترف الآخرون أيضًا بالحدث، وإن كان ذلك على استحياء؛ لأنهم بينما كان يجب عليهم أن يُظهروا كيف أنه لم يحفظ السبت، اعترفوا أن هذا الأمر من المعجزات، وكان هذا طبيعيًا طالما اعتبروه إنسانًا. لأنه إن لم يحدث هذا، لكانوا قد دعموا رأيهم بطريقة أخرى بأنه كان سبت وقت أن فعل هذا. لكن ليس هذا هو رأيهم.

 

انشقاق اليهود حول شخص المسيح:

     إذن لا أحد من هؤلاء تجرَّأ أن يقول بوضوح هذا الذي أرادوا أن يقولوه، ولا استطاع واحد منهم من التعبير عن رأيه الحقيقي بوضوح لكن في صياغة تعبِّر عن الشك. البعض بسبب أنهم لا يملكون الجرأة، والبعض الآخر بسبب محبتهم للرئاسة.

     وحدث انشقاقٌ فيما بينهم. هذا الشقاق، وإن بدأ أولاً يصير في الشعب، إلاَّ أنه انتقل بعد ذلك إلى الرؤساء ” بعضهم يقولون أنه صالح وآخرون يقولون لا بل يضل الشعب” (يو7: 12). هل رأيت كيف غاب الإدراك بالأكثر عن الرؤساء مما أدى إلى انقسامهم على بعضهم فيما بعد؟ وهم بعد هذا الانشقاق لم يقطع أي فريق منهم برأي حسن، مقتدين بالفريسيين. لأنهم لو كانوا قد انقسموا تمامًا، لكان يمكنهم أن يعرفوا الحق؛ لأن انشقاقًا تامًا كان من الممكن أن يحدث، ولأجل هذا قال الرب: ” لا تظنوا إني جئت لألقي سلامًا على الأرض. ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا” (مت10: 34). ويمكننا أن نؤكد إنه يوجد اتفاق شرير، كما يوجد اختلاف صالح. فالذين بنوا البرج كانوا على اتفاقٍ فيما بينهم على الشر، وأيضًا فإن هؤلاء انشقوا دون أن يكون انشقاقهم لمصلحتهم.

لقد اجتمعوا حول قورح[5] على الشر، لذلك كان حسنًا أنهم انشقوا على أنفسهم. ويهوذا كان على اتفاق مع اليهود على الشر. إذن، يوجد انشقاقٌ حسن، ويوجد اتفاق شرير. لذلك قال الرب: ” إن أعثرتك عينك اليمنى فاقلعها والقها عنك” (مت5: 29)، فإن كان ضروريًا أن نفصل عضوًا من أعضائنا إذا ما سبب لنا الشر، ألا يكون ضروريًا بالأولى أن ننفصل عن أصدقاء السوء الذين لا يليق الاتفاق معهم؟ هكذا لا يكون الاتفاق دائمًا حسنًا، مثلما لا يكون الشقاق دائمًا شرًا.

 

ينبغى أن نتجنب الشرور ونطلب الصالحات:

     إن ما أقوله لكم اليوم، إنما أقوله لكي نتجنب الشرور ونطلب الصالحات؛ لأننا عندما نقطع عضوًا فاسدًا من أعضائنا وغير قابل للشفاء، فإننا إنما نفعل ذلك خوفًا على بقية الجسد حتى لا يصاب بذات الضرر. وإذا فعلنا ذلك، فليس عن احتقار لهذا العضو الفاسد، ولكن لكي نحافظ على بقية الجسد. إذا كان الأمر هكذا، فكم هو حري بنا أن نطبق هذا المبدأ على أولئك الذين يعاشروننا إذا كانت مقاصدهم شريرة؟ بالطبع لسنا في حاجة إلى التأكيد على محاولة تقويم هؤلاء إذا كان ذلك في استطاعتنا، حتى لا يتسببوا في أي ضرر لنا، لذا ينبغي علينا أن نقوم بكل ما من شأنه بلوغ هذا الهدف. لكن إذا بقى هؤلاء على حالهم دون إصلاح، وأصبحوا مصدر ضرر لنا، عندئذٍ يجب أن نقطعهم ونلقيهم عنا؛ لأن ذلك يكون ربحًا عظيمًا لنا في كل الأحوال. لذلك ينصحنا الرسول بولس فيقول: ” اعزلوا الخبيث من بينكم” (1كو5: 13)، وأيضًا: ” لم تنوحوا حتى يُرفع من وسطكم الذي فعل هذا الفعل” (1كو5: 2). لأن معاشرة الناس الأشرار شرٌ عظيم. فالطاعون ليس أسرع في العدوى، ولا الجرب أكثر تدميرًا للملوثين والمرضى بقدر الشر الناتج عن معاشرة الناس الأشرار، ” لا تضلوا. فإن المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة” (1كو15: 33). ويقول النبى أيضًا: “ ابتعدوا عنهم واعتزلوا” (إر28: 45).

     إذن، ليتنا لا نصادق الأشرار، ولنبتعد عن أبنائهم أيضًا، ولا نعطي أهمية للقرابة ونواميسها أو التزاماتها، بل بالأكثر جدًا يجب أن نتجنب الأصدقاء، ومعارفهم أيضًا إذا كانوا أشرارًا؛ لأننا وإن كنا لم نُصَب بعد بأذىً، إلاَّ أننا لن نتمكن من تجنب السمعة الشريرة التي تلصق بنا طالما كان الذين هم من خارج عائلتنا لا يعرفون حقيقة حياتنا، بل يحكمون علينا بالنظر إلى مَن نعاشرهم. هذه الأمور أنصح بها النساء والعذارى (خاصة)؛ لأنه يقول: ” معتنين بأمور حسنةٍ قدام جميع الناس” (رو12: 17).

إذن فلنبذل أقصى طاقة حتى لا نكون سبب عثرة للقريب؛ لأن حياتنا حتى ولو كانت مستقيمة تمامًا، يمكنها أن تدمر الآخرين إذا أعثرناهم. وهل يمكن للحياة المستقيمة أن تُعثر أحدًا؟ نعم، لأن معاشرة الذين يحيون في استقامة لغير المستقيمين، تخلق سمعةً شريرةً. ولأن القريب يثق فينا ـ بالنظر إلى حياتنا المستقيمة ـ فإنه لا يرى في معاشرتهم شرًا. وهكذا، نتسبب فى إعثار القريب بمعاشرتنا لغير المستقيمين.

     هذا أقوله للرجال والنساء والعذارى. أترك لضميرهم أن يعرفوا بدقة كم من الشرور تنتج عن هذا الأمر. أنا لا أتهم أحدًا بالشر أبدًا، ولا أنسب تهمةً لأحد الكاملين في الإيمان، لكن اعلم أنه عندما يُضار الأخ البسيط في الإيمان من كمالك، عندئذٍ يجب أن نعتنى بهذا المريض، وحتى لو لم يتضرر هذا الأخ، فقد يُضار الوثني، لذلك أوصى الرسول ألاَّ نعثر أحدًا، حتى اليهود والوثنيين، وبالأولى أعضاء كنيسة الله ” كونوا بلا عثرة لليهود ولليونانيين ولكنيسة الله” (1كو10: 32). أنا لا أتهم العذارى بشيء شرير؛ لأني أحب البتولية والمحبة لا تفكر في الشر. إنني أعشق طريقة الحياة هذه، ولذلك لا أستطيع أن أفكر فيما هو عبث في الحياة. ولكن كيف أقنع هؤلاء الذين هم من خارج؟ لأنه ينبغي علينا أن نعتني ونحترص حتى لا نسبب عثرة لهؤلاء.

     هكذا ليت كل ما يخصنا يكون منظمًا حتى لا نعطى لأحد من غير المؤمنين فرصة لإدانتنا. وإذا كان الذين يحيون في استقامةٍ يمجِّدون الله، هكذا يصير من لا يحيون باستقامة سببًا للتجديف على الله. ليته لا يكون هناك عصاةٌ فيما بيننا، لكن بالأحرى تتألق أعمالنا لكيما يتمجد أبانا السماوي، ونستمتع نحن بمجده الذي أرجو أن نناله كلنا بنعمة ومحبة محب البشر ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس إلى الأبد آمين.

 

(عظة 58)

”قالوا أيضًا للأعمى ماذا تقول أنت عنه من حيث إنه فتَّح عينيك. فقال إنه النبي، فلم يصدق اليهود”

(يو9: 17 ـ 18)

 

الحقيقة الساطعة والبحث عن دليل إدانة:

لا ينبغي أن ندرس الكتب المقدسة بطريقة عشوائية، حتى يمكننا أن نتجنب الصعوبات الناجمة عن ذلك. فالمرء قد يتشكك لأنهم قالوا عنه ” ليس من الله لأنه لا يحفظ السبت” (يو9: 16). فقالوا له: “ماذا تقول أنت عنه من حيث أنه فتَّح عينيك“، ولم يقولوا: ماذا تقول أنت عن الذي خالف راحة السبت؟ لقد وضعوا السؤال في صيغة التبرير لا الإدانة. ماذا يمكن لنا أن نقول في هذا الشأن؟ أليس هؤلاء هم مَن قالوا “هذا الإنسان ليس من الله“؟ لكن مَن اختلفوا معهم وقالوا: ” كيف يقدر إنسان خاطئ أن يعمل مثل هذه الآيات“، كانوا يريدون أن يسدوا أفواه أولئك، ولكن حتى لا يعتقد الفريق الآخر أنهم يدافعون عن المسيح دعوا أمامهم هذا الذي شُفي وسألوه.

انتبه إذن لحكمة هذا الإنسان البسيط؛ لأنه يتحدث بفهم أكثر من الجميع. في البداية يقول إنه “نبي”، ولم يخَف من إدانة هؤلاء اليهود الفاسدين الذين اعترضوا وقالوا ” هذا الإنسان ليس من الله لأنه لا يحفظ السبت“، بل قال “ إنه نبي، فلم يصدِّق اليهود عنه أنه كان أعمى فأبصر حتى دعوا أبوي الذي أبصر“. لعلك تلاحظ كمّ من طريقة يريدون بها أن يغطوا على المعجزة ويحاصرونها، لكن الحقيقة ـ وهذه طبيعتها ـ تصير أكثر قوةً وبهاءً بواسطة ما يحاك ضدها من دسائس. فلو لم تُحَك هذه الدسائس، لَنشأت شبهات كثيرة حول ما إذا كانت المعجزة قد تمّت أم لم تتمّ. فها هم يستعدون لعمل كل ما من شأنه أن يدينوا به المسيح لا أن يبحثوا عن الحقيقة، وبهذه الطريقة شرعوا يسألونه ” كيف فتَّح عينيك“، ربما بطريقةٍ سحرية؟ لأنه في حالة أخرى، عندما لم يكن لديهم ما يدينونه به شرعوا في تشويه طريقة الشفاء قائلين: “هذا لا يُخرج الشياطين إلاَّ ببعلزبول رئيس الشياطين” (مت12: 24). فهنا أيضًا إذ لم يكن لديهم ما يقولونه، لجأوا للتعلل بأن الوقت كان غير مناسب قائلين ” لم يحفظ السبت“، وأيضًا “هو خاطئ”.

وأنتم يا من تحنقون عليه وتريدون أن تدينوا أعماله، دعوني أسألكم: ” من منكم يبكته على خطية” (انظر يو8: 46)؟ لم يتحدث أحد، لم يقل أحد أنه قد جدَّف لأنه يدعو نفسه غير خاطئ بما أنه بلا خطية. فلو كان لديهم عليه شيء، لما صمتوا؛ لأن هؤلاء هم الذين أرادوا أن يرجموه عندما سمعوه يقول إنه كائنٌ قبل إبراهيم، وقالوا عنه عندئذٍ إنه ليس إنسان الله، وبينما كانوا يفتخرون بأنهم أبناء الله كانوا في الواقع قتلة. وعندما شفى المولود أعمى قالوا ليس هو إنسان الله لأنه لم يحفظ السبت. إذن، لو كان لديهم عليه ولو شئ صغير، لكانوا قد اشتكوه وأدانوه، ولما تركوا هذا الأمر يفلت منهم. لأنهم لم يترددوا في أن يدعوه خاطئًا لأنهم اعتبروه لم يحفظ السبت، هذا الاتهام الذي بدا لا أساس له عندما لم يحسم الفريق الآخر النقاش معهم، فلم يقطعوا فيه برأي نتيجة الخوف.

حاصر اليهود الذي شُفي إذن من كل جهة، وأتوا معه عملاً أكثر وقاحة. ما هذا العمل؟ “ لم يصدِّق اليهود عنه أنه كان أعمى فأبصر“. كيف إذن يتهمونه بأنه لم يحفظ السبت في الوقت الذي لا يصدقون فيه ما حدث؟! كيف أهملوا الشعب الكثير، والجيران الذين كانوا يعرفونه؟ لكن كما قلت سابقًا، فإن الكذب يسقط دائمًا من ذاته، وذلك بنفس الوسائل التي يظن المرء أنه يحارب بها الحقيقة، تلك الحقيقة الظاهرة اللامعة، مثلما يحدث أمامنا الآن.

 

شهادة أبويه:

وحتى لا يتذرع أحدٌ بأن ما يقوله الجيران ومن يعرفونه غير دقيق، أحضروا أبويه أمامهم باعتبارهما أكثر الناس معرفةً بابنهما، وبذلك برهنوا ـ دون أن يدروا ـ على صدق الحدث الذي صار. إذن فهم لم يستطيعوا أن يبثوا الرعب في قلبه، بل رأوه أنه يكرز بمَن شفاه في جرأة كاملة ، ولذلك اعتقدوا أنهم ـ باستجوابهم أبويه ـ سيطعنون المعجزة في مقتل. ولعلك لاحظت خبث سؤالهم، وقد اقتادوهما أمامهم حتى يضعوا الكل في صراع، وسألوا أبويه بصرامة وغضب: “أهذا ابنكما؟” لم يقولوا: الأعمى، لكن ” الذي تقولان أنه وُلِد أعمى“؟ لقد كانوا أشرارًا يتصرفون ضد المسيح. أناسٌ دنسين ونجسين. ومن هو الأب الذي يقبل أن يقول شيئًا كاذبًا عن ابنه؟ لأنه كأنهم يقولون لهما: هذا جعلتماه أعمىً، وليس ذلك فقط، بل وقلتما ذلك في كل مكان، فكيف يبصر الآن. يا لها من غباوة. يا لها من مكيدة وافتراء. أنظر كيف يستخدمون تعبير ” الذي تقولان“، و” كيف يبصر الآن“، حتى يجبرونهما على التنكر لابنهما.

لقد سألوهما ثلاثة أسئلة: أهذا ابنكما؟ هل كان أعمى؟ كيف أبصر؟ وقد أجابا فقط على سؤالين، أمَّا الثالث فلم يجيبا عنه.

لقد أدى هذا الاستجواب لإظهار الحق وليس العكس. إذ اعترفا به أنه ابنهما، وأنه شُفي، وإنهما يصدقانه. لأنه كيف يمكن للوالدين أن يُقرَّا بأمور كانا قد صمتا عنها بسبب خوفهم من اليهود؟ ماذا قالوا إذن؟ ” نعلم أن هذا ابننا، وإنه وُلِد أعمى. وأمَّا كيف يبصر الآن فلا نعلم. أو مَن فتَّح عينيه فلا نعلم. هو كامل السن. اسألوه فهو يتكلم عن نفسه” (يو9: 20ـ21). فبما أنهما قدماه على أنه جديرٌ بالتصديق، تركوه يعترف بنفسه. فهو ليس طفلاً، ولا هو متخلف ذهنيًا، لكنه يستطيع أن يؤكد الأمور التي تخصه، ” قال أبواه هذا لأنهما كانا يخافان من اليهود“.

لا حظ كيف يعرض الإنجيلي الأزمة، دون أن يعلِّق. أقول هذا لكي ألفت النظر إلى أنه عندما قال البعض منهم سابقًا أنه “يعادل نفسه بالله” (يو5: 18)، سكت الإنجيلي أيضًا، فلو كان هذا الرأي يهوديًا، وليس رأي المسيح أيضًا، لأمكن للإنجيلي أن يوضِّح أن هذا الرأي هو رأيٌ يهوديٌ.

إذن، فبما أن الوالدين قد وجها نظر اليهود إلى الذي شُفي، فقد نادوا عليه للمرة الثانية، ولم يطلبوا منه أنْ ينكِر أنَّ المسيح شفاه، ولكنهم ـ متسترين بالتقوى ـ يقولون له: ” اعط مجدًا لله“. إن ما قالوه لوالديه كان يعني أنْ ينكرا أن هذا ابنهما، وأنهما ولداه أعمىً، فبدا أن هذا أمر مضحكٌ، وحتى لا تكون وقاحة منهم أن يقولوا له كلامًا مباشرًا وواضحًا، لذلك غيَّروا طريقتهم قائلين ” اعطِ مجدًا لله“، بمعنى أنْ تعترف أنَّ هذا (أى المسيح) لم يفعل لك شيئًا ” نحن نعلم أن هذا الإنسان خاطئ“. كيف لم تمتحنوه عندما قال لكم “من منكم يبكتني على خطية” (يو8: 46)؟ من أين تعرفون أنه خاطئ؟

عندما قالوا للمولود أعمى “ اعطِ مجدًا لله“، لم يقل شيئًا. ولكن عندما قابله المسيح مدحه، ولم يُدِنه، ولا قال له لماذا لم تمجِّد الله؟ لكن ماذا قال له: ” أتؤمن بابن الله” (يو9: 35)، لكي تعلم أن الإيمان بابن الله هو إعطاء المجد لله. فلو لم يكن المسيح مساويًا للآب لما كان من الممكن إن يكون الإيمان به مجدًا، لكن، ولأن مَن يكرم الابن، يكون على صواب، إذ هو يكرم الآب أيضًا، لذلك لم يؤنب المسيحُ من كان أعمىَ.

 

كنت أعمى والآن أٌبصر

إذن، عندما انتظر اليهود من الوالدين أن ينكرا، لم يقولا شيئًا. وعندما رأى اليهود أنهم لم يحصلوا منه على شيء، جاؤوا به مرةً ثانيةً قائلين: ” هذا الإنسان خاطئ. فأجاب ذاك وقال أخاطئٌ هو لست أعلم. إنما أعلم شيئًا واحدًا إني كنت أعمى والآن أبُصر“. هل خاف الأعمى؟ لا، وكيف يمكن أن هذا الذي قال “ إنه نبي“، يقول بعد ذلك ” أخاطئ هو لست أعلم“، لم يقل هذه العبارة بنية الإنكار، بل أراد أن يبَّرِأ يسوع من الاتهامات، وذلك بالتأكيد على حقيقية الأمر، وليس بمجرد كلامه، ولكي يقدم دفاعًا جديرًا بالتصديق، مواجهًا اليهود بشهادة الشفاء؛ لأنه، وبعد جدال كثير، عندما قال: “ لو لم يكن هذا من الله لم يقدر أن يفعل شيئًا“، غضبوا جدًا لدرجة أنهم قالوا له: ” في الخطايا وُلدت أنت بجملتك وأنت تعلمنا“، فلو كان قد قال لهم هذا الأمر من البداية، فماذا كان بإمكانهم أن يفعلوا أو يقولوا؟

أخاطئ هو لست أعلم“. كأنه يقول: الآن لا أقول شيئًا عنه، ولا أُعبِّر عن رأيي من البداية، لكن ما أعرفه جيدًا، ويمكنني أن أُدعِّمه بقوة، هو أنه لو كان هو خاطئًا، لَما استطاع أن يفعل مثل هذه الأمور. لذلك لم يُقِم من نفسه شاهدًا، بل شهد بنزاهةٍ؛ لأنه لم يؤسس شهادته بأقوالٍ، بل على المعجزة التى حدثت.

ثم عادوا مرةً ثانيةً إلى طريقة الشفاء، مثلهم مثل بعض الصيادين الذين إذا ما حددوا فريستهم يبحثون عنها في كل مكان ويحاصرونها بكافة الطرق هنا وهناك. إذن عادوا إلى أقوالهم السابقة، ولأن أسئلتهم كانت بلا أساس وكانوا مزعزعين وغير ثابتين لكثرة ما سألوه، قالوا: ” ماذا صنع بك. كيف فتَّح عينيك؟” ماذا أجاب الرجل؟ وإذ كان قد انتصر عليهم، لم يتحدث إليهم بنبرة هادئة؛ لأن الأمر بعدما يكون محلاً للفحص والتمحيص، فإن الحديث يكون كافيًا، لكن عندما أفحمهم وانتصر عليهم نصرًا باهرًا تحدث في جرأة وقال: ” قد قلت لكم ولم تسمعوا. لماذا تريدون أن تسمعوا“، هل رأيت شجاعته أمام الكتبة والفريسيين؟ وكما أن الحق يكون قويًا، فإن الكذب ضعيف، فعندما يكون الحق في جانب الضعفاء يجعلهم باهرين، بالرغم من ضعفهم. أمَّا الكذب، فيكشف ضعف الأقوياء رغم قوتهم. ما أقصده هو الآتي، كأنه يقول لهم: بما أنكم لم تنتبهوا إلى كلامي، لذلك لن أتحدث إليكم أو أجيبكم مجددًا، طالما أنتم تسألون دون هدف، ولا تريدون أن تستمعوا بقصد التعلّم، بل لأجل الإدانة، ” ألعلكم (أنتم) تريدون أن تصيروا له تلاميذ“؟ لقد صنف نفسه ضمن التلاميذ؛ لأن “ألعلكم أنتم” تشير إلى حديث إنسان يُظهر نفسه على أنه تلميذه، ومِن ثمَّ سخر منهم فضربهم ضربةً قاضية.

أما وقد أدرك إنه قد وبخهم كثيرًا، فقد قال هذا الكلام بقصد أن يضغط عليهم بطريقة أكثر شدة، الأمر الذي يُعد يكشف عن نفس قوية وغيورة، ودون أن يعير أي اهتمام لجنون اليهود، أظهر أن رتبة الرب عظيمة، تلك الرتبة التي يستند إليها في شجاعته العظيمة. وأعلن أن هؤلاء اليهود يحتقرون المسيح بالرغم من أنه رجل معجزات، بينما ما قالوه له (للمولود أعمى) لا يُعد من قبيل الاحتقار، بل نسبوا له كرامةً حين قالوا ” أنت تلميذ ذاك أمَّا نحن فإننا تلاميذ موسى“. غير أن هذا الأمر لا يستند على أي أساس منطقي؛ لأنكم لستم تلاميذ موسى، ولا تلاميذ يسوع. فلو كنتم تلاميذ موسى لكنتم بالضرورة تلاميذ يسوع. لذلك قال لهم المسيح: ” لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني” (يو5: 46). ولكنهم دائمًا ما يلجأون إلى أقوالٍ مثل ” نحن نعلم أن موسى كلمه الله“، مَن قال لكم هذا ومَن أخبركم به؟ أجدادكم، هكذا تقولون أنه مكتوب. لكن أليس المكتوب أجدر بالتصديق من أجدادكم؟ إنه يؤكد هذا الأمر بالمعجزات، وإنه أتى من الله، وإنه يقول أقوال الله. ولعلك تلاحظ أنهم لم يقولوا: نحن سمعنا إن الله كلَّم موسى، بل “نحن نعلم”، فهل تدعمون ما تسمعونه ـ أنتم أيها اليهودـ حتى تكونوا على قناعة بما تعرفون، فلماذا إذن تعتبرون ما ترونه أقل مما تسمعونه؟ إن ما سمعتموه لم تروه، بينما ما يحدث الآن قد رأيتموه ولم تسمعوه.

ماذا قال الذي شفي؟ ” إن في هذا عجبًا إنكم لستم تعلمون من أين هو“، لقد صنع مثل هذه المعجزات، وهو ليس واحدًا منكم أو من الرسميين، ولا من الظاهرين، ولا من المشاهير، لكنه يصنع هذه المعجزات وبهذا يظهر للكل أنه الله، ولم يكن في احتياج إلى معونةٍ بشريةٍ.

ويقولون أيضًا: “ونعلم أن الله لا يسمع للخطاة“؛ لأنهم قالوا قبلاً:   ” كيف يقدر إنسان خاطئ أن يعمل مثل هذه الآيات” (يو9: 16)، لقد ذكر رأيهم مرفقًا بأقوالهم. إن هذا الرأي هو رأيي أنا أيضًا، أبقوا إذن ثابتين على رأيكم. ولعلك تلاحظ مدى إدراكه، فقد كان دائمًا يصر على تكرار مسألة المعجزة؛ لأنه كان يصيغ آراءه منها، وهم أيضًا لا يمكنهم أن ينكروها.

هل رأيت أنه ـ ليس عن شك ـ قال: ” أخاطئ هو. لست أعلم” (يو9: 25)، لكنه كان يعرف أنه ليس خاطئًا. فالآن، حين وجد الفرصة المناسبة، دافع عنه قائلاً: ” نعلم إن الله لا يسمع للخطاة، ولكن إن كان أحد يتقي الله ويفعل مشيئته، فلهذا يسمع” (يو9: 31). إن الرجل لا يبرأ المسيح فقط من مسألة الخطايا، ولكن يقدمه على أنه مرضيٌ عنه تمامًا عند الله، وإنه يفعل مشيئته. ولأن اليهود قالوا عن نفسهم أنهم أتقياء، أضاف الأعمى “ويفعل مشيئته”. ومن ثم يُصعِّد الأمر قائلاً: ” منذ الدهر لم يسمع أن أحدًا فتَّح عيني مولود أعمى” (يو9: 32)، فإن اعترفتم أن الله لا يسمع للخطاة، فهذا (أى المسيح) صنع معجزة، ومثل هذه المعجزة لا يقدر أن يفعلها أي إنسان، وهنا يكون من الواضح أنه قد وضع كل واحد منهم في مواجهة الفضيلة، وإن هذه المعجزة أعظم من المقدرة البشرية.

 

اليهود يتطاولون على المولود الأعمى:

         ماذا إذن قال أولئك؟ ” في الخطايا وُلِدتَ أنت بجملتك وأنت تعلمنا؟” كان عندهم أمل أن ينكر، وأن يعتبروه جديرًا بالتصديق فيما لو أنكر المعجزة، واستدعوه لأجل ذلك. ومرة ثانيةً نقول: إذا كان الذي شفي غير جدير بأن يصدّقوه، فلماذا استدعيتموه للمرة الثانية؟ لكن وبسبب أنه قال الحق ـ دون أي خوف – أدانوه في الوقت الذي كان يجب أن ينال استحسانهم. ماذا يعني “في الخطايا ولدت أنت بجملتك”؟ لقد عايروه بقسوة بسبب عماه، وكأن لسان حالهم يقول: منذ بداية حياتك وأنت في الخطية، ملمحين له بأنه ولد أعمى لأجل هذا السبب، الأمر الذي يجافي المنطق. عمومًا لقد عزاه المسيح حين قال: “أتيت أنا إلى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون” (يو9: 39).

في الخطايا ولدت أنت بجملتك وأنت تعلمنا؟” بماذا أجاب هذا الإنسان؟ هل قال رأيه الشخصي؟ هل لم يكن يذكر قاعدةً عامةً عندما قال: ” ونعلم إن الله لا يسمع للخطاة“؟ ألا يتفق ما صنعه مع هذا الذي قلتموه؟ “فأخرجوه خارجًا”. هل رأيت كرازة الحق، كيف أن فقره لم يصر عائقًا للتقوى؟ هل رأيت كم سمع من البداية، وكم عانى؟ وكيف شهد بأقوال وأفعال؟.

 

وأنت لا تفقد شجاعتك بسبب أمور الحياة الحاضرة:

إن هذه الأقوال إنما كُتبت لكي نتمثل بذاك؛ لأن الذي شفي قبل أن يرى المسيح أظهر شجاعةً فائقةً قبل أن يشجعه المسيح، فقد وقف أمام كل الجمع الذي كان ضده، وكأن هذا الجمع قد ناله مس شيطاني وهوس، لذلك أرادوا أن يدينوا المسيح بواسطة أقوال هذا الذي كان أعمى، وبالرغم من ذلك لم يفقد شجاعته، ولا تراجع، بل بكل شجاعة سد أفواه اليهود وفضَّل أن يخرجوه خارجًا عن أن يخون الحق. فكم يجب علينا ـ نحن الذين عشنا في الإيمان، وأحسنَ الرب إلينا أكثر من هذا الأعمى، وأعادنا لنبصر بأعينٍ روحيةٍ ورأينا أسرارًا لا توصف، ودُعِينا لكرامةٍ عظيمةٍ – كم يجب علينا أن نظهر كل شجاعتنا لنشهد للمسيح أمام أولئك الذين يشرعون في إدانته بقولهم شيئًا ضد المسيحيين، لكي نسد أفواههم ولا نكتفي بمجرد احتمالنا لهم؟ يمكننا أن نفعل هذا إذا كانت لدينا شجاعةً وكنا واعين للكتب المقدسة، فلا نسمعها بلا مبالاة. فلو أن شخصًا جاء إلى هنا وكان منتبهًا، فسوف يكتسب خبرةً كبيرةً بالمكتوب، حتى وإن كان بعد لا يقرأ هذه الكتب في بيته؛ لأننا لا نقرأ اليوم هذه الكتب، ونقرأ غيرها غدًا، بل نقرأ ذات الكتب في كل يوم. لكن كثيرين هم الذين يستحقون الرثاء، فبرغم تكرار القراءة، لا يعرفون حتى أسماء الكتب، ولا يستحون ولا يرتعدون آتين باستهتار لمكان الحضور الإلهي.

لكن عندما يكون هناك عازف مشهور للقيثارة، أو قائد أوركسترا أو ممثل مسرحي، فالكل يسرعون باهتمام شديد، ويشكرون من دعاهم معترفين بالجميل له لأجل هذه الدعوة، ويقضون نصف اليوم كله منتبهين فقط لهذا الشخص، بينما عندما يتحدث إلينا الله بواسطة الأنبياء والرسل نتثاءب ونفرك عيوننا وتنتابنا الدوخة.

في أثناء وقت الحصاد ـ حيث توجد أدخنة كثيرة ـ نلجأ إلى السوق، وأثناء الشتاء حينما تعوقنا الأمطار والوحل والطين، نظل في البيوت، ولكن عندما يكون هناك سباقٌ للخيول، فبالرغم من أنه لا توجد أسقُف تحمي من المطر لا تتورع الأغلبية ـ بالرغم من سقوط الأمطار الكثيرة، وبرغم أن الهواء العاصف يلفح وجوههم ـ عن الوقوف لمراقبة المسابقات كالمجانين، غير عابئين بالبرد والمطر والوحل وطول الطريق، ولا شيء يفلح في إعاقتهم ليلزموا بيوتهم؛ بينما هنا (أى فى الكنيسة)، بالرغم من وجود المأوى والدفء، يهربون ولا يأتون، وكل هذا في الوقت الذي يعود فيه هذا الاجتماع عليهم بمنفعة لنفوسهم.

إذن، اخبرني كيف يتحملون كل هذا؟! لذلك فنحن أكثر خبرة من الجميع في الأمور العالمية، لكن فيما هو ضروري، نحن أجهل من الأطفال. وإن وصفك واحدٌ بأنك قائدُ مركبة خيل، أو بأنك موسيقيٌ (مايسترو)، فأنت تعتبر هذا إهانة لك، وتبذل كل الجهد في سبيل محو هذه الإهانة، لكن إذا دعاك لكي تشاهد الموسيقيين وقائدي المركبات المشتركة في السباق، فإنك لا ترفض، بل تُسرع خلف هذه الأمور. لكن ذاك الذي يجب أن تكون مثله، وتحمل اسمه، أي أن تكون مسيحيًا، فللأسف، أنت لا تعرف مَن هو؟ هل يوجد أمر أسوأ من هذا الجهل؟ سوف أتحدث إليكم عن هذه الأمور باستمرار. لكني أخاف، لئلا أكون قد صرت كاهنًا بلا نفع وبدون فائدة؛ لأنني أرى ليس فقط الشباب يستولي عليهم هذا الهوس، بل حتى الشيوخ أيضًا، الذين أخجل لأجلهم عندما أرى رجلاً ـ تضفي عليه شيبته وقارًا ـ يلهث وراء هذه الأمور في الوقت الذي كان يجب عليه فيه أن يخجل. أي شيء يمكن أن يكون أسوأ من هذه الأمور؟ أي شيء يكون أكثر وقاحةً من هذا العمل؟ الابن يتعلم من أبيه التصرفات الوقحة. هل تجرحكم أقوالي؟ هذا ما أريده. أنا أريد أن تعانوا ما تسببه لكم أقوالي من ألم، حتى تتخلصوا من هذه الأعمال الرديئة، طالما أن هناك أناسٌ معينون أكثرُ بلادةٍ من هؤلاء، لا يخجلون من هذه الأقوال، وليس هذا فقط، بل ويجادلون بأكثر حدة بخصوص هذه الأمور. فإذا سألتهم من هو عاموس، أو عوبديا، أو كم هو عدد الرسل والأنبياء، لا يستطيعوا أن يفتحوا أفواههم، لكن بخصوص الخيول وقائدي المركبات المشاركون في السباق، فحدِّث ولا حرج، أفضل من الحكماء والخطباء! وبعد هذا كله يتساءلون عن الضرر في ذلك؟ وما هو التلف الذي حصل؟ وهذا هو ما يجعلنى أتضايق، لأنكم لا تعرفون الضرر الذي ينطوي عليه ذلك، ولا تشعرون بكثرة الشرور التي يسببها.

إذا كان الله قد أعطاك عطية الحياة لكي تعبده، لكنك تقضي حياتك بلا هدفٍ، وفي الأمور المهلكة التي لا تفيد، أتسأل بعد ذلك ما هو الضرر؟! إذا أنفقت بضعةَ نقودٍ قليلة، فإنك تتضرر من ذلك، ولكنك إذا أنفقت كل أيامك في مواكب واحتفالات شيطانية، فإنك لا تعتقد أنك تفعل شيئًا شريرًا! وبينما يجب أن تمضي حياتك في التضرعات والصلوات، تصرفها بلا هدف ولشر نفسك في الصراخ والضوضاء والكلام البذيء والمعارك والمتع الشريرة وأعمال السحر، وبعد كل هذا تسأل ما هو الضرر؟ ألا تعرف أنه يجب أن نصرف وقتنا ـ أكثر من أي أمرٍ آخر ـ بحرصٍ شديد؟ إذا أنفقت نقودًا استطعت أن تحصل عليها مرةً أخرى، لكن إن فقدت الوقت، من الصعب أن تحصل عليه مرةً أخرى؛ لأن الوقت مُقصّر فى حياتنا الحاضرة. إذن إن لم نستخدمه كما يليق، ما الذي نقوله عندما ننتقل إلى الحياة الأخرى؟ اخبرني، لو أنك طلبت من واحدٍ من أولادك أن يتعلم فنًا من الفنون، فتقاعس ذاك وبقي في المنزل أو قضى وقته في غير مكان المدرسة، أفلا يطلبه المعلم؟ ألا يقول لك أكتب معي عقدًا يلتزم فيه ابنكم أن يقضي معي وقتًا محددًا، بحيث لو أنه لم يمضِ هذا الوقت بالقرب مني، لن يمكنني أن أجعله تلميذًا ناجحًا؟

هذا ما يجب أن نقوله نحن. سيقول الله لنا: قد أعطيتكم وقتًا لكي تتعلموا فن التقوى، وأنتم صرفتم هذا الوقت هباءً وعبثًا، لماذا لم تذهبوا إلى المعلم باستمرار ولا انتبهتم لأقواله؟ وأمَّا إنَّ التقوى فن، فاسمع ماذا يقول النبي: ” هلم أيها البنون استمعوا إلىَّ فأُعلِّمكم مخافة الرب“، وأيضًا “ طوبى للرجل الذي تؤدبه يا رب وتعلمه من شريعتك” (مز94: 12). إذن، عندما تقضي وقتك بلا هدف، أيُ دفاعٍ يكون لديك؟ وقد تقول: لماذا وقتًا في الحياة مُقصّر؟ يا لها من بلادة كبيرة! أتُدين مَن يجب أن تشكره لأنه قلل أتعابك، وقصَّر زمن مشقَّاتك وجعل راحتك طويلةً وخالدة؟

لا أريد أن نتوسع في هذا الحديث، بل أرى انه من الضروري أن نوجزه طالما يقدم مثالاً لبؤسنا، لأننا إذا أطلنا هنا الحديث، فسرعان ما نظهر لا مبالاتنا وعدم اهتمامنا، بينما نتحرك مبكرًا وما تزال مصابيح الشوارع مضاءة، حتى نجد مكانًا في مسابقات الخيول رغم أنها تبدأ في منتصف النهار. لكن حتى لا نشكوكم دائمًا، أرجوكم وأتضرع إليكم أنْ تعطونى الفرح لي ولنفوسكم. وإذ نتحرر من كل الأمور الأخرى، تعالوا نجعل أنفسنا تتطلِّع نحو الأمور المفيدة؛ لأنني سوف اجني منكم الفرح والابتهاج، وأفتخر بكم، وأنال مكافأة لأجل ذلك، أمَّا كل الأجر فسوف تنالونه أنتم. فإذا كنتم مأخوذين بهوس الحفلات الموسيقية، أضع أمامكم الخوف من الله، وتوسلي الشخصي حتى تحرروا أنفسكم من ذلك المرض. أكسروا القيود وأسرعوا نحو الله، عندئذٍ توفَّون أجركم ليس هناك فقط، بل وتجنون هنا اللذة الحقيقية، فمثل هذه اللذة هي الفضيلة مع المتوجين، وهكذا فإن الفضيلة تجعل الحياة سعيدة.

تعالوا إذن نؤمن بما قيل حتى ننال الصلاح هنا وهناك بنعمة ربنا يسوع المسيح محب البشر الذي له مع الآب والروح القدس المجد إلى أبد الآبدين آمين.

 

(عظة 59)

”فأخرجوه خارجًا. فسمع يسوع أنهم أخرجوه خارجًا فوجده وقال له أتؤمن بابن الله. أجاب ذاك وقال مَنْ هو يا سيد لأؤمن به”

(يو9: 34 ـ 36)

 

أُكرِم الذين يكرموننى:

     أولئك الذين يتعرضون للشر، ويُشتمون لأجل الحق، ولأجل اعترافهم بالمسيح، هؤلاء يُكرَّمون قبل الجميع. فإذا بذل شخصٌ أمواله لأجل آخر، عندئذٍ يسعى هذا الآخر قبل كل شيء لكي يعوِّضه عن هذه الأموال ويقدم له كل محبته. هكذا الذي يُشتم، فإنه يستحق التكريم. وقد حدث هذا الأمر مع مَن كان أعمى. لقد أخرجه اليهود وطردوه من الهيكل، لكن رب الهيكل وجده. لقد تخلَّص من محكمة الموت وقابل نبع الخلاص. أُهين من أولئك الذين أهانوا المسيح، ولكنه كُرِّم من ملائكة الرب (مثل هذه هي مكافأة الحق). هكذا نحن، إذا احتقرنا الأموال هنا، نجد الدالة هناك. إذا أعطينا هذه الأموال للمساكين، نستريح في السموات، وإذا شُتِمنا من أجل الله، نُكرم هنا في هذه الحياة وفي الآتية أيضًا.

 

الإيمان بابن الله:

عندما طُرد الرجل الذى كان أعمى من الهيكل، وجده يسوع. والإنجيلي هنا يُظهر أن المسيح جاء إلى الهيكل لأجل هذا الهدف، أي لكي يقابله. أنتبه إذن للمكافأة التي كافأه المسيحُ بها، إنها قمة الخيرات، فقد أعلن ذاته له لأن مَن كان أعمى لم يكن يعرفه مَن هو، وبهذا فقد وضعه في مصاف التلاميذ. لاحظ أيضًا كيف يصف الإنجيلي ـ بدقة ـ الحوار الذي دار فيما بينهما؛ فعندما قال المسيح: ” أتؤمن بابن الله؟”، يقول: ” مَن هو يا سيد لأؤمن به“؛ لأنه لم يكن يعرفه بعد، بالرغم من أنه هو الذى شفاه. لأن الذي شُفِيَ، قبل أن يأتي إلى مَن شفاه، كان قد اقتيد من اليهود الأردياء من هنا إلى هناك. ومثل مصارعٍ تعب تعبًا شديدًا في حلبة المصارعة ومِن ثَمَّ فهو يستحق التتويج، قال له: ” أتؤمن بابن الله؟”، ماذا يعني هذا؟ بعد معارضته الشديدة لليهود، وبعد كل ما قاله لهم، سأله: “أتؤمن؟” ليس لأنه كان يجهل إنْ كان يؤمن به أم لا، بل لأنه أراد أن يعلن له ذاته ويُبرهن له على أنه يقدِّر إيمانه به تقديرًا شديدًا. وكأن الرجل يقول للرب: شتمني جمع اليهود كثيرًا، ولكني لم أُعرهم اهتمامًا، شيءٌ واحدٌ أهتم به، أنْ أؤمن بك؛ لأن واحدًا يتمم مشيئة الرب أفضل من آلافٍ العصاة (راجع حكمة بن سيراخ 18: 3).

     ” أتؤمن بابن الله؟”، كأنه كان حاضرًا، وقَبِلَ كلام اليهود، هكذا يسأله. ففي البدء أخذ المسيح يثير في مَن كان أعمى الشوق إلى معرفته، لأنه لم يسأله: “ أتؤمن؟” بشكل عام، لكن تدرج معه بأسئلة متتابعة. ماذا قال الذي شفي؟ “مَنْ هو يا سيد لأؤمن به؟”، والتعبير هنا يكشف عن نفسٍ مشتاقة وراغبة في معرفته، فلقد كانت لهذا الشخص محبة كبيرة للحق. ولأنه لم يكن قد رآه بعد ” قال له يسوع قد رأيته والذي يتكلم معك هو هو“. في البداية لم يقل له يسوع أنا هو، ولكن بكلام غير مباشر قال: ” قد رأيته“. ولأنه لم يكن معروفًا لديه بعد، أضاف بكل وضوح: ” الذي يتكلم معك هو هو“. ” فقال أؤمن    يا سيد، وسجد له“. لم يقل له أنا هو مَن شفاك، أو أنا الذي قلت لك اذهب واغتسل في بركة سلوام، بل قال: ” أتؤمن بابن الله؟”. ولكي يؤكد الذي شفي إيمانه سجد له مباشرةً، الأمر الذي فعله قليلون من الذين شفاهم، مثل البُرَّص، وربما شخص آخر، لذلك أظهر (للمولود أعمى الذى شُفى) القوة الإلهية التى نالها، وحتى لا يعتقد أحدٌ إن ما قاله ليس أكثر من مجرد كلام، أضاف الأعمال إلى الأقوال.

 

البصر الروحى والعمى الذهنى:

     وعندما سجد له، قال المسيح: ” لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم حتى يبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون“، وهذا أيضًا ما قاله بولس: ” فماذا نقول إنَّ الأمم الذين لم يسعوا في أثر البر أدركوا البر. البر الذي بالإيمان. ولكن إسرائيل وهو يسعي في أثر ناموس البر لم يدرك ناموس البر” (رو9: 30ـ31). وبقوله: ” لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم“، جعله أكثر قوة في إيمانه، بينما استفز أولئك الذين تبعوه وكانوا من الفريسيين. “لدينونةٍ”، قالها لكي يعلن أن هناك عقابًا عظيمًا، وإن مَن أدانوه هم المدانون أصلاً، هؤلاء الذين حكموا عليه كخاطئ هم المدانون. وهنا أنا أقصد نوعين من البَصَر ونوعين من العَمَى: البصر الحسى والذهنى، والعمى الحسى والذهنى[6].

         قال له مَن تبعوه: ” ألعلنا نحن أيضًا عميان؟”. ومثلما قالوا له في حالة أخرى ” أجابوه إننا ذرية إبراهيم ولم نُستعبد لأحد قط” (يو8: 33)، هكذا الآن أيضًا يلتفتون فقط للمحسوسات، ويرفضون أن يُقال لهم أنهم عميان، ولكي يبرهن لهم على أنه من الأفضل بالنسبة لهم أن يكونوا عميان، عن أن يكونوا مبصرين، قال: ” لو كنتم عميانًا لما كانت لكم خطية“. وقد قال لهم ذلك لأنهم اعتبروا الأمر مثارًا للسخرية، أقصد النكبة، ولكنه ألقى هذه النكبة على رؤوسهم بقوله: هذا صار لكم عقابًا أشد. لقد نحَّى الأفكار البشرية جانبًا، واقتاد البشر نحو سمو الفكر العجيب. ” ولكن الآن تقولون إننا نبصر“، لكنكم لا تبصرون. فما اعتبروه لائقًا بالمديح العظيم أى البصر الجسدي، صار سببًا للعقاب بالنسبة لهم، وبينما عزَّى من كان أعمى فإنه أشار إلى عماهم.

[1] العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[2] ينظر الآباء للإنسان نظرة متكاملة، فهم يرونه كلاً متكاملاً، لا ينفصل فيه الجسد عن النفس، ولذلك ففي مقابل الأعضاء الخارجية هناك الأعضاء الداخلية، أو أعضاء النفس. وكما يمارس الإنسان حياته باستخدام الأعضاء الجسدية، كذلك يمارس أمور الروح بالأعضاء الداخلية للنفس، ولا يقتصر الأمر على القديس يوحنا ذهبي الفم، بل أن القديس مقاريوس الكبير على وجه التحديد يرى أن كل عضو من أعضاء الجسد الخارجية يقابله عضو ينسبه إلى النفس، فيقول فى عظته السابعة: كما أن أعضاء الجسد وهي كثيرة تدعى إنسانًا واحدًا هكذا النفس لها أعضاء كثيرة وهي: العقل، والضمير، والإرادة، والأفكار “المشتكية والمحتجة” (رو2 :15) وكل هذه تعتمد على وحدة النفس. إنها أعضاء النفس، أما النفس فهي واحدة، أي الإنسان الباطن. ولكن كما أن العيون الخارجية= =تكشف قدامها، من على بُعد، الأشواك والمهاوى والحفر، وتعطي إنذارًا مقدمًا، هكذا العقل حينما يكون في يقظة وانتباه، فانه يكشف حيل وخداعات القوة المعادية ويسبق فيحصن النفس مقدمًا، انه بالحقيقة هو عين النفس. فلنعطي المجد للآب والابن والروح القدس إلى أبد الآبدين آمين”، راجع عظات القديس مقاريوس الكبير، أيضًا عظات2و 15و49 ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، الطبعة الرابعة، يناير 2005.

[3] لاحظ عزيزي القارئ رؤية القديس يوحنا ذهبي الفم المتفردة لحادثة إظلام الشمس عند صلب= =السيد المسيح له المجد على الصليب، فهو يرى في المسيح المصلوب منظرًا أكثر بهاءً، تتوارى معه الشمس وتخفي شعاعها أمام نور من صنع خلاصاً في وسط الأرض كلها، وهو ما تقطع به صلاة الأجبية القبطية في قطع الساعة التاسعة على لسان اللص المصلوب معه، إذ تقول: “لما أبصر اللص رئيس الحياة معلقاً قال لولا أن المصلوب معنا إله متجسد ما كانت الشمس أخفت شعاعها ولا الأرض ماجت مرتعدة”، إن منظر الإله المتجسد الذي ينحني تحت الموت لكي ينجي خليقته من عبودية العدو، هو منظر يغطي على كل مصادر الضوء، لأنه منظر النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان.

[4] يقصد حقيقة شخص المسيح الذى هو ابن الله.

[5] انظر عدد16.

[6] راجع ما قلناه سابقاً عن أعضاء الجسد وأعضاء النفس، وما أوردناه من أقوال رائعة للقديس مقاريوس الكبير.

 

شفاء المولود أعمى – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جورج عوض إبراهيم

فلتعبر عني هذه الكأس – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

فلتعبر عني هذه الكأس – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

فلتعبر عني هذه الكأس – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

 

 

” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس

لكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت ”

(متى39:26)

 

المعنى الدقيق للآية[1]:

         1ـ منذ قليل أحدثنا جروحًا غائرة لدى الخاطفين، ولدى الذين يريدون أن يكونوا طماعين لا بقصد جرحهم بل لكي نصلحهم لا ككارهين أو مبغضين للناس ولكن لكي نُجنّبهم فعل الشر لأن الطبيب قد يجرى عملية لبعض الجروح، ليس لإيذاء جسد المريض، بل ليقضى على المرض ويعالج الإصابة التي لحقت بذلك الجسد. إذًا لنتقدم ونظهر تسامحًا تجاه هؤلاء حتى يستريحوا من الألم، ولا يتشككوا في الشفاء من الإصابات التي يتعرضون لها. نفس الأمر يصنعه الأطباء أنهم يضعوا ضمادة لاصقة على الجرح الذي يعالجونه ويصفوا للمريض نوع الدواء، ثم ينتظروا عدة أيام ويلجأوا إلى كل ما من شأنه أن يخفف الآلام. ونحن اليوم نحاكى هؤلاء الأطباء، فلنظهر قدرًا من التسامح تجاه هؤلاء الهراطقة حتى يستفيدوا من كلامنا، ولنتحدث عن العقائد، ونحول الحديث إلى الأمور التي قرأت، لأنني أعتقد أن الكثيرين يتحيروا في السبب الذي دفع المسيح مخلّصنا ليقول هذا الكلام ” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنى هذه الكأس ” ومن الطبيعي أن يهاجم الهراطقة هذا الكلام، وهكذا يخدعوا الكثيرين من الأخوة البسطاء.

         إذًا فبهدف التصدي الكامل لهجوم هؤلاء الهراطقة، ولإنقاذ الذين أصابتهم الحيرة والقلق والاضطراب، فاحصين ما قيل بدقة، فلنعتني بشرح هذه الكلمات، لكي تفهموا معانيها بعمق، لأن مجرد قراءة هذه الآيات وحدها لا تكفى بدون المعرفة[2]. فالخصي الحبشي قرأ ولكنه لم ينتفع كثيرًا حتى جاء الذي علمه المعنى الدقيق للجزء الذي قرأه[3]. ولكي لا تعانوا أنتم أيضًا نفس الشئ، انتبهوا إلى الكلام، ركزوا اهتمامكم ولتكن عيونكم محدقة نحوي، وعقلكم مُركّزًا غير مشتت، ولتكن نفوسكم متحررة من هموم الحياة، لكي لا نلقى بكلامنا بين الأشواك، ولا على الصخور، ولا بجانب الطريق، بل نلقى بذارًا لتثمر في أرض خصبة، ونحصد سنابل ممتلئة لأنه إن انتبهتم هكذا للكلام فسوف تجعلوا جهدنا أقل، وتجعلوا الفهم أكثر سهولة بالنسبة لكم.

 

         إذًا، ما معنى الجزء الذي قرأ ” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عن هذه الكأس” ماذا يقصد بهذا القول؟ لأنه ينبغي أن نفسر هذا بكل وضوح إذًا ما معنى يا أبتاه إن أمكن أن تبعد عنى الصليب؟ هل تجهل إن كان هذا ممكنًا أم مستحيلاً؟ ومن يستطيع أن يقول هذا الكلام الذي يشير إلى شخص يجهل المعنى المقصود؟ إن الإضافة             (αν είναι δυνατόν) بمعنى “إن أمكن” تشير إلى شخص يشك، لكنة كما قلت لا يجب أن ينظر المرء إلى الكلام فقط، بل يدخل إلى المعنى، كي يعرف هدف المتكلم، ويعرف السبب والحالة، أو الظرف، ويجمع كل هذا، وهكذا يحاول أن يفهم المعنى المقصود من هذا الكلام. إذًا كيف يكون ممكنًا لذلك الابن الذي يعرف الآب، مثلما يعرف الآب الابن أن يجهل حتمية الصليب؟ لأن معرفة الآلام ليست أصعب من معرفة جوهر الآب الذى يعرفه الابن وحده معرفة دقيقة كاملة ” كما أن الآب يعرفني وأنا أعرف الآب[4].

 

حتمية الصليب كما جاء بالأنبياء:

         ولماذا أتكلم عن ابن الله وحيد الجنس؟ السبب هو إنه من الواضح أن الأنبياء أيضًا لم يكونوا يجهلوا هذا (أى حتمية الصليب)، بل كانوا يعرفون هذا الأمر جيدًا، وتنبأوا به وأكدوا عليه بشكل قوى، إنه كان لابد أن يحدث هذا (أى أن يصلب) وأن الصلب سيتم على أي حال. اسمع إذًا كيف أن الجميع يخبرون بالصليب بطرق مختلفة. أولاً أب الآباء يعقوب، الذي تكلّم عن الابن يقول: ” من زرع نبت يا ابني[5] مشيرًا بالزرع، إلى العذراء، إلى نقاوة مريم، ولكي يشير إلى الصليب قال بعد ذلك: ” رقدت ونمت كأسد وكلبؤة من ينهضه؟” دعا موته إذًا رقادًا ونومًا، وربط بين الموت والقيامة، قائلاً من ينهضه؟” بالتأكيد لا يوجد أحد آخر ينهضه، لكنه هو نفسه ينهض ذاته. ولهذا فإن المسيح أيضًا قال: “ لي سلطان أن أضعها ولى سلطان أن آخذها[6] وأيضًا: ” انقضوا هذا الهيكل وفى ثلاثة أيام أقيمة [7].

 

         وما معنى ” رقدت ونمت كأسد” كما أن الأسد مرعب ليس فقط حين يكون مستيقظًا، بل أيضًا حين ينام، هكذا المسيح أيضًا كان مرهوبًا ليس فقط قبل الصليب، بل ساعة الصلب، وساعة الموت، وصنع في تلك الساعة المعجزات الكبرى، وذلك حين أظلمت الشمس، وتشققت الصخور، وتزلزلت الأرض، وتفتحت القبور، وامرأة بيلاطس ارتعبت، ويهوذا بكى لأنه في ذلك الوقت قال ” قد أخطأت إذ سلمت دمًا بريئًا[8]. وامرأة بيلاطس أرسلت إليه رسالة قائلة: ” إياك وذلك البار لأني تألمت كثيرًا في حلم من أجله[9] ولف الظلام المسكونة كلها في ساعة الصلب، ومنتصف النهار صار ليلاً وبطل الموت وبطل سلطانه وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين.

 

         هذه الأمور تنبأ بها منذ البداية يعقوب أب الآباء، ولكي يبيّن كيف سيكون المسيح مرهوبًا عندما يُصلب قال: ” جثا وربض كأسد” ولم يقل سيربض، ولكن قال ” ربض” لأنه متأكد أن ذلك سيحدث حتمًا. لأن الأنبياء اعتادوا في مرات عديدة أن يتنبأوا بالأمور المستقبلية كما لو كانت قد حدثت بالفعل. فكما أن تلك الأمور التي حدثت، من غير الممكن أن نقول إنها لم تحدث، هكذا أيضًَا حادثة الصليب، التي تنبأ يعقوب بأنها ستحدث من غير الممكن عدم حدوثها، ولهذا قد تنبأ بالأمور المستقبلية في صيغة الزمن الماضي، لكي يؤكد بذلك على حدوث تلك الأمور، وأنها ستصير على أي حال.

 

         هكذا أيضًا داود النبي عندما أراد أن يشير إلى الصليب، قال      ” ثقبوا يدي ورجلي[10] فهو لم يقل “سيثقبوا” لكن “ثقبوا” ثم قال        ” وأحصوا كل عظامي[11] ولم يقل ذلك فقط بل تحدث عما فعلة معه الجنود “ يقسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون[12] وليس هذا فقط، بل أعطوه علقمًا ليأكل، وسقوه خلاً ” ويجعلون في طعامي علقماً وفى عطشى يسقونني خلاً[13] نبي آخر، لكي يتنبأ بأنهم سيطعنوه بحربة يقول: ” فينظرون إلى الذي طعنوه[14]. وإشعياء أيضًا تنبأ عن الصليب بطريقة مختلفة، قال ” ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه من الضغطة ومن الدينونة أُخذ[15].

 

النبوات وتفاصيل رحلة الآلام:

         2ـ أرجوك أن تنتبه كيف أن كل واحد من الأنبياء يتكلم كما لو كانت هذه الأحداث قد حدثت في الماضي، معلنًا بهذا الزمن (أي زمن الماضي) أن هذه الأحداث ستحدث وأنها ستتحقق قطعًا. وهكذا فإن داود النبي يصف تلك المحاكمة قائلاً: ” لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب في الباطل فقام ملوك الأرض وتأمر الرؤساء معًا على الرب ومسيحه[16]. ولم يتحدث فقط عن المحاكمة والصليب وكل ما حدث فوق الصليب، بل تكلم عن ذاك الذي خانه، فقد كان يأكل نفس الطعام وجلس على نفس المائدة. لأنه يقول: “آكل خبزي رفع علىَّ عقبه[17] وتنبأ أيضًا عن الصرخة التي سيصرخها على الصليب قائلاً: ” إلهي إلهي لماذا تركتني[18]. وتنبأ أيضًا عن القبر: “ وضعتني في الجب الأسفل في ظلمات في أعماق [19]. وتنبأ عن القيامة: ” لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فسادًا[20] وتنبأ عن الصعود ” صعد الله بهتاف الرب بصوت الصور[21]. وعن جلوسه عن يمين الآب: “ قال الرب لربى اجلس عن يميني حتى أضع أعدائك موطئًا لقدميك[22]. وإشعياء من ناحية أخرى أورد سبب الموت قائلاً: ” قُطع من أرض الأحياء من أجل ذنب شعبي وكلنا كغنم ضللنا[23]. ولهذا ذُبِحَ. ثم بعد ذلك يذكر العمل الذي أتمه قائلاً:   ” مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا . تأديب سلامنا عليه وبجبره شفينا وهو حمل خطية كثيرين[24].

 

         إذًا الأنبياء قد عرفوا موضوع الصليب وسببه والبركات التي تحققت بواسطته. كما عرفوا القبر والقيامة والصعود وخيانة يهوذا والمحاكمة، ووصفوا كل شيء بمنتهى الدقة. فهل يمكن أن الذي أرسلهم وأوصاهم أن يقولوا كل هذا ألا يكون عالمًا بما سيحدث؟ أى إنسان عاقل يستطيع أن يدّعى هذا؟ أرأيت أنه لا ينبغي أن نفهم الكلمات بمثل هذه السطحية (أى ينبغي أن ندقق فيها)؟ لأن هذا لا يثير الجدل فقط، بل إن الكلام الذي يأتي بعد ذلك يسبب حيرة أقوى، فما المعنى الذي يقصده بقوله: “ يا أبتاه إن أمكن فلتبعد عنى هذه الكأس“، هذه الكلمات توحي بأنه ليس فقط يجهل ما سيحدث، بل توحي أيضًا بأنه يريد أن يتجنب الصليب. إن ما يقوله يعنى الآتي: لو كنت تسمح فإنني لا أريد أن أصلب ولا أن أموت برغم أن بطرس المتقدم بين الرسل عندما قال له: ” حاشاك يا رب لا يكون لك هذا“، انتهره بشدة حتى أنه قال له: ” اذهب عنى يا شيطان أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس[25] على الرغم أنه منذ قليل كان قد طوّبه.

 

الابن يبذل ذاته بكامل إرادته:

         إذًا، كونه لا يريد أن يُصلب فهذا أمر غير معقول بالنسبة للمسيح له المجد، حتى أنه قد دعا ذاك (بطرس) الذي نال الاستعلان من الآب (أى أن الله قد أعلن له أن المسيح هو ابن الله الحي)، والذي أخذ مفاتيح السموات دعاه “شيطانًا ومعثرة” وأنه لا يفكر بحسب مشيئة الله لأنه قال له “ حاشاك يا رب أن يكون لك هذا“. أي حاشاك أن تصلب. إذًا فذاك الذي أدان تلميذه إلى هذا الحد ووجه له هذا التوبيخ الشديد حتى أنه بعد هذا المديح السابق، دعاة شيطانًا، لأنه قال له حاشاك أن تصلب، فكيف إذًا يُتصوّر أن تكون رغبة المسيح ألاّ يُصلب؟ وكيف لا يريد أن يُصلب بعد أن وصف نفسه بالراعي الصالح وحدد النموذج الأمثل لذلك الراعي إذ أوضح إن الدليل الذي يثبت صلاحه، هو أن يبذل نفسه عن الخراف قائلاً: ” أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف[26] ولم يكتفِ بذلك لكنه أضاف: “ وأما الذي هو أجير وليس راعياً فيرى الذئب مقبلاً ويترك الخراف ويهرب[27].

 

         إذًا لو أن سمات الراعي الصالح هى أن يبذل نفسه عن الخراف وأن الأجير لا يحتمل هذا فكيف يكون لذاك الذي يقول إنه الراعي الصالح أن يرفض، أن يبذل نفسه؟ وكيف قال: ” أضعها أنا من ذاتي[28]. إذًا لو أنك من ذاتك بذلت نفسك كيف تسأل الآب ألاّ تبذل نفسك؟ وكيف كان هذا البذل دافعًا لافتخار بولس، عندما قال: ” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبة الناس وإذ وُجِد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب[29]. وأيضًا هو نفسه قال: ” لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضًا[30]. إذًا إن كان لا يريد أن يُصلب بل ويرغب أن يفلت من الصليب ويطلب هذا من الآب، فكيف يجب أن يبذل ذاته، لأن المحبة تظهر مما يكمن في أرادة كل أحد. وأيضًا كيف يقول القديس بولس “ اسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضاً وأسلم نفسه لأجلنا[31]. والمسيح ذاته عندما جاء ساعة الصلب قال: ” أيها الآب قد آتت الساعة مجد ابنك[32]. دعا الصليب مجدًا فكيف يريد هنا أن ينجو منه، بينما هناك يطلبه سريعًا؟ ومن حيث إن الصليب هو مجد اسمع ماذا يقول القديس يوحنا الإنجيلي: ” لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجِد بعد [33]. ما يقوله يعنى أن النعمة لم تكن قد أُعطيت بعد لأن العداوة تجاه البشر لم تكن قد انحلّت بعد، طالما أن الصليب لم يكن قد تحقق بعد.

 

بركات الصليب:    

          فالصليب هدم خصومة الله مع البشر، وصنع الصلح، وجعل الأرض سماءً، وجمع البشر بالملائكة، وأنقذ الأرض من الخداع، وأعاد الحقيقة مرة أخرى، طرد الشياطين، وهدم معابد، ونقض هياكل، ولاشى الدخان الكثيف، وزرع الفضيلة، وأسس الكنائس.

 

          الصليب هو إرادة الله، مجد الابن، فرح الروح، افتخار بولس، لأنه يقول: ” حاشا لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح[34]. الصليب هو أكثر إشراقًا وبهاءً من الشمس، أكثر ضياءً من أشعة النور لأنه عندما أظلمت الشمس عندئذ أضاء الصليب، ولم تظلّم الشمس آنذاك لأنها اختفت بل لأنها هُزِمت من بهاء الصليب. الصليب مزق الصك الذي كان علينا، وأبطل سجن الموت. الصليب هو دليل محبة اللههكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به[35]. وأيضًا يقول القديس بولس : ” إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه[36].

 

          الصليب هو الحائط الثابت، سلاح من لا يُقهر، أمان الأغنياء، ثراء الفقراء، سد يحمي الذين تُحاك ضدهم الدسائس، وسلاح الذين يحاربون ضد الشهوات، المربح للفضيلة، علامة الإعجاز، والإعجاب، ” لأن هذا الجيل يطلب آية ولا تعطى له إلاّ آية يونان النبي[37]. وأيضًا يقول القديس بولس لأن اليهود يسألون آية واليونانيون يطلبون حكمة ولكننا نكرز بالمسيح مصلوبًا[38]. الصليب فتح الفردوس، ووضع اللص داخله، قاد الجنس البشرى إلى ملكوت السموات بعد أن كان مصيره الهلاك، ذلك الذي لم يكن مستحقًا ولا حتى للأرض.

 

         اخبرني إذًا، هل بعد كل هذه الخيرات التي تحققت وتتحقق بالصليب، ولا يريد الابن أن يُصلب؟ من يستطيع أن يقول ذلك؟ وإن لم يكن يريد الصليب فمن أجبره عليه ومن يقدر أن يلزمه به؟ ولماذا أرسل الأنبياء قبل مجيئه لكي يخبروا بصلبه، إن كان لا يريد أن يصلب، ولا يريد أن يعانى آلام الصلب؟ ولأي سبب يدعو الصليب بالكأس، إن لم يكن يريد أن يُصلب؟ بل هذا يوضح رغبته الأكيدة في أن يصلب، كما أن الكأس يعتبر مبهجًا لأولئك الذين يعطشون، هكذا الصليب بالنسبة للابن، ولهذا قال: ” شهوة اشتهيت أن أكل الفصح معكم[39]. ولم يقل هذا مصادفةً بل بسبب رغبته في الصليب. وهكذا، فإن الصلب قد حدث بعد تلك الليلة التي قال فيها ذلك.

 

         3ـ إذًا فالذي دعا الصليب مجدًا ووبخ تلميذه (أي بطرس) لأنه أراد أن يعوقه عن تتميم الصلب، وبرهن على أن الراعي الصالح هو الذي يبذل نفسه عن الخراف، وأنه اشتهى جدًا هذا الأمر، وأتى إلى الصليب بكامل إرادته. كيف يترجى ألاّ يحدث هذا؟ وإن لم يكن يرغب في أن يصلب، ما الصعوبة التي كان يمكن أن تعوق الذين أتوا لتحقيق هدفهم؟ ها أنت تراه يركض نحو الصليب. وعندما اقترب هؤلاء منه مواجهة، قال لهم عندئذٍ: ” من تطلبون؟”، أجابوا ” يسوع”، قال لهم: ” أنا هو“، ” فرجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض[40]. وبعدما أعماهم أولاً، وبرهن على أنه كان يمكنه أن يهرب، إلا إنه سلَّمَ نفسه آنذاك، لكي تعلم أنه لا بإجبار ولا بعنف ولا بضغط من أعدائه، قد عانى الصلب، فهذا لم يكن بدون إرادته بل بكامل إرادته، لأنه كان يرغب أن يجتاز الصليب، وأراده، وأنه منذ زمن بعيد كان يعد كل شئ للصلب.

 

ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت:

         والكلام الذي يلي ذلك يخلق حيرة أكبر لأنه بعدما قال: ” فلتعبر عنى هذه الكأس“، أضاف: ” لكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت“، فربما يبدو من العبارة أن هناك إرادتين متعارضتين فيما بينهما؛ أي أن الآب يريد للابن أن يُصلب، بينما الابن نفسه لا يريد. إلا أننا نراه في كل موقف يريد ما يريده الآب، ويفضل ما يفضله، لأنه عندما يقول: ” كما أنك أنت أيها الآب فىّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا[41]، لم يقل شيئًا آخر سوى إن للآب والابن رأى واحد أو فكر واحد، وعندما يقول ” الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال فيّ يعمل الأعمال [42]، فهذا ما يريد أن يؤكده. وعندما يقول: ” من نفسي لم آت” و” أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا[43]، فهو لا يقول هذا باعتبار أن ليس له سلطان أن يتكلم أو أن يعمل (حاشا) لكنه أراد أن يوضح بكل دقة بأنه واحد مع الآب في الكلام وفى الأعمال وفى كل الأفعال كما بيّنا ذلك مرات عديدة. لأن عبارة ” لست أتكلم من نفسي” لا تبطل سلطانه، بل هي عبارة تبرهن على وجود توافق. إذًا كيف يقول هنا ” لكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت؟“.

 

         ربما أكون قد وضعتكم في حيرة كبيرة، ولكن انتبهوا لأنه إن كنّا قد تكلّمنا عن أمور كثيرة، لكنى أعرف جيدًا أن استعدادكم ورغبتكم قوية جدًا، لأن الكلام يتجه بسرعة نحو شرح هذا الأمر انتبهوا جيدًا للكلام عن التجسد، لقد كان صعب القبول. فمحبة الله الفائقة للبشر والاقتناع بالتجسد وقبوله قبولاً كاملاً كان مملوء رعبًا، وكان يحتاج إلى استعداد كبير. فكّر إذًا كم كان أمرًا عظيمًا أن يسمع الإنسان ويعلم كيف أن الله الذي لا يمكن التعبير عنه، غير الفاني، غير المُدرك، غير المرئي، غير المفحوص، ” الذي بيده مقاصير الأرض[44]، ” الناظر إلى الأرض فترتعد يمس الجبال فتدخن[45]. الذي لا يحتمل الشاروبيم مقدار تنازله العظيم، بل يغطون وجوههم بأجنحتهم. ذاك الذي يفوق كل عقل ويعلو على كل فكر، هذا الذي يفوق الملائكة ورؤساء الملائكة وكل القوات السمائية، قَبِلَ أن يصير إنسانا، وأن يدخل إلى الأحشاء البتولية وأن يُحمل به تسعة أشهر وأن يتغذى باللبن وأن يعانى كل ما يختص بالإنسان.

 

         إذًا، لأن هذا الأمر كان أمرًا فريدًا للغاية، حتى أنه عندما حدث لم يؤمن به الكثيرون، لذلك أرسل أولاً الأنبياء لكي يخبروا بهذا التجسد تحديدًا، لأن يعقوب أب الآباء تنبأ عن التجسد عندما قال ” من زرع نبت يا ابني جثا وربض كأسد“، وإشعياء أيضًا عندما قال ” ها العذراء تحبل وتلد أبنا وتدعوا أسمة عمانوئيل[46]، وفى موضع آخر يقول أيضًا: ” أرض يابسة”، هنا يتكلم عن الأم البتول لأنها لم تستقبل بذرة إنسانية؟ لكنها ولدته بدون زواج. وأيضًا: ” يولد لنا ولد ونعطى ابنًا“، وأيضًا: ” ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله[47].

 

         وباروخ يقول: ” هذا هو إلهنا ولا يعتبر حذاءه بكماله وجعل ليعقوب عبده ولإسرائيل حبيبه وبعد ذلك تراءى على الأرض وتردد بين البشر[48]. وداود النبي يشير إلى التجسد بقوله: ” ينزل مثل المطر على الجزاز ومثل الغيوم الذارفة إلى الأرض[49]. لأنه دخل كعبد إلى الأحشاء البتولية بهدوء وبلا اضطراب.

 

حقًا جاز الآلام:

         4ـ إلا أن كل هذا لم يكن كافيًا، بل عندما أتى ـ ولكي لا يعتبر هذا الحدث خياليًا أو وهميًا ـ لم يؤكد على هذا الأمر فقط من خلال الشكل، لكن من خلال الزمن الطويل، واجتاز كل المراحل الإنسانية، لأنه لم يدخل فقط أو لم يصر فقط إنسانًا كاملاً، ولكنه دخل إلى الأحشاء البتولية، حتى أن الصبر على الحمل والولادة والرضاعة والنمو ومرور الزمن واختلاف مراحل العمر، كل هذه تؤكد على هذا الحدث. والدليل لم يقتصر على ذلك فقط، لكنه تحمل جسديًا نقائص الطبيعة، أى أن يجوع ويعطش وينام ويتعب، وأخيرًا عندما أتى إلى الصليب عانى آلام الجسد. ولهذا خرج من الجسد عرق يتصبب وأتى إليه ملاك لكي يقويه. ويسوع يحزن ويكتئب لأنه بالحقيقة قال من قبل: ” نفسي حزينة جدًا حتى الموت[50].

 

         إذًا إن كان كل هذا قد حدث، فإن فم الشيطان الخبيث المتكلم في ماركيون الذي ينحدر من بنطس،[51] وفالنس،[52] ومانى الفارسى،[53] بالإضافة إلى هرطقات أخرى كثيرة، (من اختراع الشيطان) فهو يهدم التعليم عن التدبير الإلهي وينادي قائلاً: إن الابن لم يتجسد ولا لبس جسدًا، بل كان هذا وهمًا وخيالاً ومظهرًا مصطنعًا، على الرغم من أن الآلام والموت والقبر والجوع هي أمور قد حدثت بالفعل. فلو كانت هذه الأمور لم تحدث لكان يحق له أن ينشر هذه الأفكار الخبيثة: ولذلك فكما أنه جاع ونام وتعب وأكل، وشرب، هكذا تجنّب أيضًا الموت لكي يُظهر البعد الإنساني وضعف الطبيعة التي لا تريد أن تموت وتغادر الحياة الحاضرة .

 

المسيح يُعلّم بالأعمال:

         لأنه لو لم يقل شيئًا من كل هذا لكان من الممكن أن يقال: لو كان إنسانا لكان ينبغي أن يعانى الأمور الإنسانية، وما هى الأمور الإنسانية لذاك الذي سيُصلب ولم يجبن، وجاهد ولم ينفصل عن الحياة الحاضرة؟ لأن الطبيعة الإنسانية تميل إلى محبة الأمور الحاضرة، ولهذا تحديدًا ولأنه أراد أن يظهر حقيقة تجسده ويؤكد التدبير الإلهي، فهو يعرض بآلامه دليلاً قويًا وبشكل واضح؟ هذا هو أحد الأسباب ولكن يوجد سبب آخر لا يقل أهمية عن هذا السبب.

 

         وما هو هذا السبب؟ عندما أتى المسيح، أراد أن يُعلّم الناس كل فضيلة. والمعلّم لا يُعلّم بالكلام فقط، بل بالأعمال أيضًا، فهذا هو التعليم المتميز للمعلّم. لأن (قائد السفينة) أيضًا، عندما يضع تلميذه بجواره، يوضح له كيف يجب عليه أن يمسك بعجلة القيادة، لكنه بعد فترة يتحول الكلام إلى عمل، ولا يتكلم فقط بل أنه يعمل أيضًا. وهكذا أيضًا بالنسبة لمن يعمل في حقل البناء، بعدما يضع إلى جواره من يريد أن يتعلم كيفية بناء الحائط، يُبيّن له ذلك عمليًا، بالإضافة إلى الشرح بالكلام أيضًا. نفس الشئ يصنعه النساج، والطرّاز، وصانع الذهب، وصانع النحاس وهكذا، فكل فن أو عمل له معلّمه الذي يُعلّمه بالكلام والعمل. لأن المسيح أتى لكي يُعلّمنا كل فضيلة، فهو يقول كل ما ينبغي أن نفعله، كما إنه يفعل كل ما يُعلّم به، كما قال هو نفسه:   ” من عمل وعلّم فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السموات[54]. لكن لاحظ أنه أوصى أن نكون متضعين وودعاء، وقد علّم هذا بالكلام. وأوضح كيف أنه علّم هذه الأمور بالأعمال أيضًا. لأنه يقول ” طوبى للودعاء ـ طوبى للرحماء[55]. مُظهرًا كيف ينبغي أن نُحقق هذه الفضائل. أنظر كيف علّمها؟ أخذ منشفة واتزر بها وغسل أرجل تلاميذه “[56] هل هناك شئ يُعادل هذا الإتضاع؟ لأنه لم يعلّمه بالكلام فقط، بل بالأعمال أيضًا. أيضًا الوداعة والتسامح يعلّمها بالأعمال. كيف؟ لقد لُطم من عبد رئيس الكهنة، وقال: ” إن كنت تكلّمت رديًا فاشهد على الردي وإن حسنًا فلماذا تضربني[57]. وقد أمر أن نصلي من أجل أعدائنا. وهذا أيضًا علّمه بالأعمال، لأنه عندما كان على الصليب قال: ” يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون[58]. فكما أوحى أمرًا أن نصلي (من أجل أعدائنا)، وهو نفسه صلى لأجل صالبيه، فهو لم يتوقف عن أن يُسامح في أي وقت.

 

         وقد أوصانا أيضًا أن نُحسن إلى كل مَن يبغضنا، وأن نصنع ما يعود بالفائدة على كل من يؤذينا. وهذا فعله بالأعمال. لأنه طرد الشياطين من اليهود، هؤلاء الذين قالوا إن به شيطان[59]. أحسن إلى من اضطهدوه، أطعم أولئك الذين دبروا له المكائد، قاد أولئك الذين أرادوا أن يصلبوه إلى ملكوت السموات. قال أيضًا لتلاميذه: ” لا تقتنوا ذهبًا ولا فضة ولا نحاسًا في مناطقكم[60]. وكان مثلاً أعلى لهم في التجرد. هذا أيضًا قد علّمه بالأعمال قائلاً: ” للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار. وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه[61]. ولم يكن له مائدة، ولا بيتًا، ولا أى شئ مما شابه ذلك. ليس لأنه كان فقيرًا، بل لأنه علّم الناس أن يتبعوا هذه الطريقة في الحياة.

 

         وبنفس هذه الطريقة، علّمهم أيضًا أن يُصلّوا، عندما قالوا له      ” علّمنا أن نصلي[62]. ولهذا قد صلّى، لكي يعلّمهم أن يُصلّوا. لكن ليس فقط أن يُصلّوا، بل كان عليهم أن يتعلّموا أولاً كيف يجب أن يصلّوا. ولهذا سلّمهم أيضًا الصلاة كالآتي ” أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك ليأتِ ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض خبزنا كفافنا أعطنا اليوم واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا ولا تدخلنا في تجربة[63]، أى لا تدخلنا في أخطار ومكائد.

 

         إذًا لأنه أمرهم أن يصلّوا ” ولا تدخلنا في تجربة” هذا بالتحديد ما علّمهم إياه بالعمل، قائلاً: ” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس“، مُعلّمًا إياهم ألا يندفعوا نحو الأخطار والتجارب، ولا أن يفقدوا شجاعتهم، بل أن يحتملوها أو يصبروا عليها عندما تأتي، ويظهروا كل شجاعة، لكن دون أن يركضوا نحوها قبل أن تأتي، ولا أن يندفعوا أولاً نحو المصاعب[64]. لكن لماذا؟ لكي يُعلّمهم الإتضاع، ولكي يُحررهم من إتهامات المجد الباطل. ولهذا تحديدًا، هنا أيضًا عندما قال هذا ” ابتعد وصلّى” وبعد الصلاة قال لتلاميذه ” أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة. اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة[65]. أرأيت أنه لا يصلى فقط، بل وينصح أيضًا “ أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف“، وهذا قد قاله، لكي يطرد الإفتخار من نفوسهم، ولكي يحررهم من الكبرياء، ويجعلهم حذرين ومتواضعين.

 

         إذًا فهذا ما أراد أن يُعلّمه لهم، لكي يُصلّوا. وفعل الابن نفس هذه الأشياء، فقد صلى كإنسان، ليس بحسب الطبيعة الإلهية (لأنه من حيث الطبيعة الإلهية هو لا يعاني أى شئ)، لكنه كان يعاني بحسب الطبيعة الإنسانية. إذًا فقد صلى لكي يعلّمنا كيف نصلي، وأن نطلب دومًا الخلاص من المصاعب. ولكن إن لم يكن هذا ممكنًا بالنسبة لنا، فلنحتمل كل ما هو حسنًا أمام الله. لهذا قال: ” لكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت“، بالتأكيد ليس لأن إرادته شئ وإرادة الله هى شئ آخر، بل لكي يُعلّم البشر، أنهم حتى في الحالة التي يجاهدون فيها أو يرتعدون، أو التي يأتي فيها خطر ما، أو عندما لا يريدون أن يغادروا الحياة الحاضرة، فليفضلوا إرادة الله على إرادتهم. هذا بالضبط ما تعلّمه ق. بولس وأظهر الاثنين بالأعمال. لأنه طلب أن تبتعد عنه التجارب، قائلاً: “ من جهة هذا تضرعت إلى الرب ثلاث مرات أن يفارقني[66]. ولأن هذا لم يكن حسنًا أمام الله، يقول:” لذلك أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات“.

 

         ربما يكون ما قيل غير واضح، إذًا سأجعله أكثر وضوحًا. لقد تعرض الرسول بولس لمخاطر كثيرة مرات عديدة، وصلى ألاّ يتعرض لمخاطر. اسمع ماذا قال له المسيح آنذاك ” تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل[67]. إذًا فبعدما رأى أن هذه هى إرادة الله، أخضع إرادته لهذه الإرادة بعد ذلك. إذًا هذان الأمران قد علم بهما بواسطة هذه الصلاة، أى ألا نلقي بأنفسنا في الأخطار، بل ونصلي ألا نغامر بالدخول فيها. أما إذا أتت فلنحتملها بشجاعة وأن نفضل إرادة الله على إرادتنا.

 

         إذًا ونحن نعرف هذه الأمور، علينا أن نصلي ألا ندخل أبدًا في تجربة. وإن دخلنا نتوسل إلى الله أن يعطينا الإحتمال والشجاعة، وأن نفضل إرداته على كل إرادة أخرى. لأنه هكذا سنعبر هذه الحياة الحاضرة في أمان، وسننال خيرات الدهر الآتي، والتي أرجو أن ننالها جميعًا بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد والقوة والكرامة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور أمين.

1  العناوين الجانبية من وضع المُترجِم.

2 في هذا الصدد يقول العلاّمة أوريجينوس في تفسيره لسفر العدد عند قراءة الإنجيل أو تعاليم الرسول بولس يبدو عليك الإعجاب بها وتعتقد أنك قد وجدت الطعام الأفضل موافقة والأكثر مناسبة لك. ولكنك لم تعرف بعد الأسرار التي ينبغي أن تعرفها إذا درست وتعمقت في أحكام الله .. وعلينا بالحرى أن نحوّل عيون قلوبنا نحو الذي أمر بهذه الكتابة ونطلب منه فهم المعنى. (تفسير سفر العدد للعلاّمة أوريجينوس، الجزء الثاني، عظة رقم 27 إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية). صـ186.

3  أع26:8ـ40

4  يو15:10.

5  تك9:49 (س).

6  يو18:10.

7 يو19:2.

8  مت4:27.

9  مت19:27.

10 مز16:22.

11 مز17:22.

12 مز 18:22.

13 مز21:69.

14 زك10:12.

15 إش7:53ـ8.

16  مز1:2ـ2.

17 مز9:41.

18 مز1:22.

19 مز6:88.

20 مز10:16.

21 مز5:47.

22 مز1:110.

23 إش8:53و6.

24 إش5:53و12

25 مت22:16ـ23.

26 يو11:10.

27 يو12:10.

28 يو18:10.

29 فى6:2ـ8.

30 يو17:10.

31 أف2:5.

32 يو1:17.

33 يو39:7.

34 غل14:6.

35 يو16:3.

36 رو10:5.

37 مت39:12.

38 انظر 1كو22:1ـ23.

39 لو15:22.

40 يو4:18ـ6.

41 يو21:17.

42 يو10:14.

43 يو30:5.

44 مز4:95.

45 مز32:104.

46 إش14:7.

47 إش1:11.

48 باروخ36:3ـ38.

49 مز6:72.

50  مت8:26.

51 ماركيون هو هرطوقى ظهر في القرن الثاني وهو أحد معلمي البدعة الغنوسية المشهورين، ونادى بأن التجسد كان خياليًا.

52 فالنس هو أحد الهراطقة الذين ظهروا في القرن الثاني أيضًا.

53 ماني مؤسس هرطقة، نادت بوجود مبدأين أزليين للكون وهما غير مخلوقين النور والظلمة. النور هو إله الخير، والظلمة هي إله الشر. والمادة بحسب رؤيتهم هي ظلمة، ولذلك فهي شر.

54 2كو9:12.

55 مت3:5ـ5.

56 يو4:13ـ5.

57 يو23:18.

58 يو34:23.

59 أنظر يو48:8.

60 مت9:10.

61 مت20:8.

62 لو1:11.

63 مت9:6ـ13.

64 هكذا يقول ق. كيرلس في تفسيره لإنجيل لوقا “فلنصل أن لا نجرب، لأنه أمر صعب أن نفر من التجربة، كما أنه أمر صعب بالنسبة لمعظم الناس أن يصمدوا إلى النهاية. ولكن إذا ما دعت الضرورة وألُقينا فيها رغمًا عنا، فلابد أن ندخل المعركة باذلين أقصى جهدنا ونصارع من أجل نفوسنا، غير هيابين البتة…. وكما كتب أيضًا الرسول القديس الذي قال: “طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة، لأنه إذا تزكى ينال أكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه” يع1ـ12. تفسير إنجيل لوقا، للقديس كيرلس الأسكندري، ج3، ترجمة د.نصحي عبد الشهيد، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية.

65 مت40:26ـ41.

66 2كو8:12ـ10.

67 2كو9:12.

 

فلتعبر عني هذه الكأس – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

بالحقيقة قام

(عظة 85 على يو1:20ـ 9)

   ” وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا والظلام باقٍ فنظرت الحجر مرفوعًا عن القبر ” (يو1:20).

 

إنفتح القبر بعد القيامة*:

   قام المسيح، والقبر مغلق بالحجر والأختام عليه، ولكي يعرف الآخرون بقيامته، انفتح القبر بعد القيامة، وهكذا تأكد الحدث. لقد تأثرت مريم مثلها مثل الآخرين بموت المسيح، لأنها كانت تحب المعلم حبًا شديدًا وانقضى السبت ولم تستطع أن تهدأ فأتت إلى القبر باكرًا لعلها تجد أي عزاء من وجودها في المكان الذي دُفِن فيه المسيح. وعندما رأت مكان القبر والحجر مرفوعًا، لم تدخل ولا مالت لتنظر، لكن أسرعت إلى التلاميذ مدفوعة بمحبتها الكبيرة للرب، لأن ما كان يشغلها هو أن تعلم ما الذي صار للجسد حيث هذا ما كانت تهدف إليه فأسرعت إلى تلاميذه قائلة ” أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه” هل رأيت كيف أنها ما زالت ليس لديها معرفة واضحة عن قيامته، لكنها ظنت أن جسده نُقِلَ ووُضِع في مكان آخر. ويوحنا الإنجيلي ذكر هذه الواقعة لكي لا يحرم المرأة من أن يُثني عليها من كل قارئ للإنجيل، لذا لم يعتبر أنه من العار أن يعلم التلاميذ عن قيامة الرب، منها. إذ كانت مستيقظة ورأت الأحداث قبلهم، إن محبة يوحنا للحقيقة تسطع دائمًا.

 

“الأكفان موضوعة”:

   أتت مريم وقالت هذه الأمور للتلاميذ وبمجرد أن سمعوا هذه الأخبار، ذهبوا بسرعة شديدة إلى القبر ورأوا: “الأكفان موضوعة”، الأمر الذي كان دليلاً على قيامته، لأنه لم يكن في استطاعة أي أشخاص أن يفعلوا هذا الأمر ثم يأخذوا الجسد، أي أن يجردوا الجسد من الأكفان. ولا يمكن للسارقين أن ينزعوا منديل الرأس ويفكوا الأكفان ويأخذوا الجسد ويخفونه في “مكان ما”، لكن ما الذي كان ممكنًا أن يفعلوه؟ كانوا سيأخذون الجسد كما هو بالأكفان. قد سبق يوحنا وقال أنه كُفن بسكب كثير من المُر والذي يُلصِق ـ ليس أقل من الرصاص ـ الأكفان مع الجسد، لذا عندما تسمع أن المنديل الذي كان حول الرأس كان موجودًا هناك بعيدًا عن الجسد، فإنك لا تطيق الكلام الذي يقول إنه سُرق، لأن ذلك السارق يكون في غاية الغباء لدرجة أنه يهتم اهتمامًا شديدًا بشيء نافل جدًا. لأنه لماذا يترك المنديل الذي كان حول الرأس؟ كيف لا ينتبه الحُراس لهذا العمل؟ فك الأكفان عن الجسد يحتاج إلى وقت طويل، ويكون السارق معرضًا لخطر ضبطه وهو يسرق، فالتأخير ليس في صالح السارق.

 

   ولماذا وُجدت الأكفان بمفردها “والمنديل الذي كان على رأسه ليس موضوعًا مع الأكفان بل ملفوفًا في موضع وحده“؟ لكي تعلم أن هذا العمل ليس من فعل أُناس في حالة استعجال، ويستولي عليهم الإضطراب ويضعون منديل الرأس منفصلاً (بمفرده) والأكفان بمفردها. وبسبب هذا الأمر آمن التلاميذ بالقيامة. لذلك بعد أن حدثت هذه الأمور ظهر لهم المسيح، عندئذ تأكدوا بأعينهم أنه قام.

 

بطرس ويوحنا يتحققان من قيامة الرب:

   لاحظ هنا وداعة الإنجيلي، كيف ينسب إلى بطرس دقة البحث. لأنه بالرغم من أنه وصل قبل بطرس ورأى الأكفان موضوعة هناك، لم يشغل نفسه أكثر من هذا لكن توقف هناك، أما ذاك المشتعل حماسًا دائمًا، بطرس فدخل إلى داخل القبر وفحص الكل بالتفصيل ورأى أمورًا أكثر، وبعد ذلك دخل يوحنا وتعزى بتلك الأمور التي رآها، عاد ورأى الأكفان موضوعة ومنفصلة عن منديل الرأس. أما أن يفصلهما أحد ويضعهما هكذا الواحد بعيدًا عن الآخر، فهذا يحتاج إلى تأني شديد وعناية فائقة ولا يتم بطريقة عشوائية وباضطراب واستعجال.

 

لتكن تصرفاتنا عاقلة بشأن الجنازات:

   لكن، عندما تسمعون أن الرب قام عاريًا فلتوقفوا الهوس الذي يحدث أثناء الجنازات. لأنه ما الفائدة من النفقة الباهظة وغير المفيدة التي تُسبَّب ضررًا شديدًا لأولئك الذين ينفقون أموالاً طائلة للتكفين، حيث إنها لا تفيد المنتقل بأي شيء بل بالحري أقول إنها تسبب ضررًا؟ لأن فخامة القبر تكون في مرات كثيرة دافعًا لنقب القبور وسرقتها، وبالتالي هذه الفخامة قد تكون سببًا في أن يُلقى عاريًا ذاك الذي يُدفن بتكلفة كبيرة. أيضًا كم هو عبث كبير هذا الأمر. كم يظهر مدى التصرف الأحمق في وقت الحزن وكم هو غباء! وكثيرون ـ حتى لا تحدث السرقة ـ يشقون الأكفان إلى شرائط ويملئونها بأطياب كثيرة ويلفونها حتى تصير بلا فائدة لسارقي القبور، وهكذا يتم دفن الميت بهذه الطريقة في باطن الأرض. أليست هذه الأمور هي من ملامح المهووسين؟ هل هذه الأمور هي قدوة للبشر الذين يعملون ويحتاطون من السرقة؟ بأن يُظهروا حُبهم واحترامهم أثناء التكفين وأيضًا هم أنفسهم بتصرفاتهم يلاشون هذا الاحترام، هم يتعللون بأن كل هذه الترتيبات هي من أجل أن يظل كل ما دُفِن في أمان. ماذا إذًا؟ إن لم يأخذ سارقوا القبور هذه الأشياء ألا يأكلها الدود! وإن كان الدود يأكلها، ألا يتلفها الزمن والعفن؟ وإذا إفترضتا أن الأشياء الموضوعة مع الأجساد الميتة سوف لا تختفي بواسطة سارقوا القبور ولا من الدود ولا من الزمن ولا من أي شيء على الإطلاق، والجسد أيضًا سوف يظَّل بدون أن يُمس حتى يوم القيامة، وهذه الأشياء سوف تُحفظ كأنها جديدة، ما الذي سوف يربحه الراحلون من هذه الحياة عندما تُقام أجسادهم عارية. أقول نحن مسئولون عن هذه التصرفات غير المفيدة ومطالبون بأن نعطي جوابًا عنها.

 

   قد تتساءل لماذا سُكبت الأطياب أثناء تكفين المسيح؟ أولاً هذه الأشياء التي تمت مع المسيح لا تقارن بالأمور البشرية (لأن الزانية سكبت الطيب على قدميه المقدستين)، فإن كان ينبغي أن نتحدث عن هذه الأمور، فأول كل شيء هو أن هذه الأمور صارت هكذا لأن أولئك الذين تمموها لم يعرفوا الحديث عن القيامة لذلك يقول الإنجيلي “كما لليهود عادة أن يكفنوا”، لأن أولئك الذين كرمَّوا المسيح هكذا لم يكونوا من ضمن تلاميذه الإثنى عشر، وإكرامهم له لم يكن كثيرًا جدًا، بالطبع الإثنى عشر لم يكرموه بهذه الوسيلة بل كرمّوه بالموت والذبح والتعرض للأخطار من أجله. إذًا ما فعله (الأولون) كان تكريمًا لكن أدنى من الذي أشرت إليه). على الجانب الآخر، نحن الآن نتحدث عن البشر، بينما هذه الأشياء تمت ـ وقتذاك ـ لأجل الرب.

 

ملابس لا العثة تفسدها ولا الزمن يجعلها بالية:

   ولكي تعلم أن المسيح لم يتحدث عن هذه الأمور، قال ” لأني جُعت فأطعمتموني. عطشت فسقيتموني. كنت غريبًا فآويتموني. عُريانًا فكسوتموني. مريضًا فزرتموني. محبوسًا فأتيتم إليَّ” (مت36:25). ولم يقل إطلاقًا كنت ميتًا فدفنتموني. وهذه الأقوال أقولها ليس لكي ألغي الدفن بل لكي أوقِف الضلال ومحبة المجد الباطل. فقد يُقال إن هذه الأشياء تستثير الحزن والغم والشوق نحو الميت. لا، بل أن هذه الأشياء لا تعبر عن مدى محبتنا للميت، بل حبنا للمجد الباطل، لأنك إذا أردت أن تُظِهر مشاركتك في الأحزان لأجل الميت، فسوف أظهر لك طريق آخر للجنازة، وأنصحك بأن تلبس ملابس القائمين معه التي تجعله جالسًا في بهاء، لأن هذه الملابس لا العثة تفسدها ولا الزمن يجعلها بالية ولا سارقو القبور يستطيعون سرقتها.

 

   ما هي ـ إذًا ـ هذه الملابس؟

   لُباس الإحسان، لأن هذا اللُباس يقوم معه طالما أن ختم الإحسان هو معه. أولئك يكونون في بهاء بواسطة هذه الملابس ويسمعون القول “لأني جُعت فأطعمتموني”. هذه الملابس تجعلهم في مكانة عظيمة وفخورين وآمنين، بينما كل ما صار الآن فليس شيئًا آخرًا سوى أشياء تتلف بواسطة العثة والسوس. وهذا أقوله ليس لكي أعيقكم عن تجنيز الأموات بل لكي تتصرفوا باعتدال. هكذا تغطون الجسد ولا تُسلموه للأرض عاريًا، لأنه أعُلِن لنا نحن الأحياء إننا سوف لا نأخذ معنا أي شيء من هذه الأشياء التي في العالم إلا غطاءً واحدًا، لأننا حين نموت، فإن الجسد ليس في احتياج للملابس، مثلما كان في احتياج إليها عندما كان يحيا ويتنفس. لأننا ونحن أحياء نحتاج للملابس بسبب البرودة (أي الملابس تقينا من البرد)، وبسبب اللياقة، لكن عندما نموت، لا نحتاج إلى أي شيء من هذه، بل حتى لا يظل الجسد عاريًا نحتاج إلى الدفن، وبدل التكفين فإن الأرض هي غطاء جيد يتناسب مع طبيعة أجسادنا[1]. فإن كنا ـ ونحن ـ هنا الآن حيث نحتاج أشياء كثيرة، لا ينبغي أن نطلب شيئًا زائدًا عن الحاجة، فبالأكثر جدًا هناك، حيث لا يكون لدينا احتياج لمثل هذه الأشياء، يكون محبة المجد الباطل أمرًا غير لائق بالمرة.

 

إياك وشدة الحزن والبكاء بمرارة أثناء الجنازة:

   قد يُقال، إن أولئك الذين يشاهدون هذه البساطة في التكفين سوف يسخرون. أولاً، حتى لو وُجد شخص واحد يسخر، فلا يجب أن تحسب له حسابًا إذ إنه يظهر غباءً شديدً بموقفه هذا، بينما في الحقيقة فإن كثيرين يعجبون بطريقتنا الحكيمة في مواجهة هذا الأمر (طريقة الدفن)، لأن ما يستحق السخرية ليس هذه الأمور التي قلتها لكن تلك التي نفعلها الآن عندما نحزن وندفن ذواتنا مع الأموات (من شدة الحزن والبكاء أثناء تشييع الجنازة). فتلك الأمور جديرة بالضحك وبالعقاب، بينما عندما نُظهِر مثل هذه الطريقة الحكيمة التي ذكرتها من جهة أمور التكفين والملبس اللائق، فإنها سوف تمنحنا أكاليل ومدحًا في يوم القيامة. والجميع سوف يصفقون لنا ويعجبون بقوة المسيح ويقولون عجبًا عجبًا لقوة المصلوب التي أقنعت الذين كانوا سائرين في طريق الهلاك والفساد  بأن الموت ليس موتًا لأنهم لا يفعلون الأمور التي تصير لأولئك السائرين نحو الهلاك، بل يفعلون الأمور التي تليق بأولئك الذاهبين إلى مكان أسمى. قوة المصلوب أقنعت هؤلاء بأن الجسد، هذا الجسد الفاسد والأرضي، سوف يلبس لُباسًا بهيًا جدًا لُباسًا ذهبيًا، وغير فاسد. لذلك لا يظهرون عناية كبيرة بالدفن، لكن يعتبرون التكفين العظيم العجيب هو الحياة الفاضلة. هذه الأقوال سوف يقولونها عندما يروننا نتصرف بهذه الطريقة الحكيمة، أما إذا شاهدونا ننحني من الحزن، ونركع في شكل دائرة حول الميت سوف يضحكون ويسخرون مِنا ويتهموننا بإتهامات لا حصر لها بتورطنا بأمور لا هدف وآلام باطلة عبثية، و نسمع هذه الإتهامات من الجميع. وهم على صواب، فأي مبرر سوف نقوله، عندما يضمحل الجسد من الفساد والسوس فهل نُزينَّه ـ بهذه الطريقة ـ ونهين المسيح، بينما هو عطشان ويتجول هنا وهناك عاريًا وغريبًا؟ أنظر قوله “كنت جوعانًا، مريضًا، غريبًا”.

 

الإحسان يُقيم الموتى:

   إذًا دعونا نكف عن هذا الاهتمام الزائد، ليتنا نقوم بدفن أمواتنا بطريقة لائقة تكون لمنفعتنا ولمنفعة أولئك الأموات لأجل مجد الله. ليتنا نُحسِن كثيرًا من أجل هؤلاء، ليتنا نُرسل معهم مؤن أفضل، لأنه إن كانت ذكرى الرجال العِظام الذين ماتوا تصير سببًا لفائدة الأحياء، لأنه يقول “ وأحامي عن هذه المدينة لأخلصها من أجل داود عبدي” (2ملوك34:19)، بالأكثر سينفع الإحسان في هذا الأمر. لأن الإحسان يُقيِم الموتى عندما ” تقف الأرامل ويعرضن ما كانت تفعله طابيثا عندما كانت معهم ” (أع36:9). إذًا عندما يقترب أحد من الموت علينا أولاً أن نقنعه أن يترك شيئًا لهؤلاء المحتاجين. ليتنا نُشيعه بملابس الإحسان ونقنعه بأن يترك للمسيح إرثًا، لأنه، لو أن الملوك حددَّوا إرث لكانوا قد خلّفوا. أمانًا كبيرًا لأهلهم، فالذي يترك للمسيح إرثًا مع أولاده، سينال قبولاً عظيمًا سوف يربحه لذاته ولأولاده. هذه هي طريقة التكفين التي تنفع أولئك الذين يبقون على قيد الحياة، وكذلك أولئك الذين يرحلون عن هذه الحياة. لو كنا نكفن الأموات هكذا سنكون أكثر بهاءً في القيامة، أما إذا أظهرنا إهتمامًا زائدًا بالجسد (عن طريق تكفينه تكفينًا مكلفًا “غاليًا”)، وأهملنا النفس الغالية سنعاني من شرور كثيرة هناك، وسوف نكون مثارًا للضحك، لأنه لا الفقر يصير سببًا أن يرحل أحد عاريًا من الفضيلة، ولا الجسد الملقى بلا دفن يشعر بالعار بقدر ما تشعر النفس ـ وقتذاك ـ وهي عارية من الفضيلة. علينا إذًا أن نلبس الفضيلة ونحرص على أن نتزين بها، وهذا بالطبع يجب أن يصير كل الوقت، لكن إذ أظهرنا لا مبالاة فعلى الأقل ليتنا نُظِهر التعقل والحكمة، ونحن مشرفون على الموت، ودعونا نترك وصية لخاصتنا بأن يساعدوننا عندما نرحل من هذه الحياة، بالإحسان. هكذا فليساعد الواحد منا الآخر وسوف نربح دالة كبيرة، بنعمة ربنا يسوع المسيح مُحب البشر مع الآب والروح القدس وإلى الأبد آمين.

 

 

 

 

(عظة 86 على يو10:20ـ23)

 

   ” فمضى التلميذان أيضًا إلى موضعهما. أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي “

 

مريم ترثيه باكية:

   الجنس الأنثوي يتميز برقة مشاعره وله ميل كبير إلى الشفقة. هذا أقوله، حتى لا تفكر وتقول، لماذا مريم تبكي بحزنٍ، بينما بطرس لم ينتابه مثل هذا الأمر، لأنه يقول “فمضى التلميذان أيضًا إلى موضعهما. أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي”، طالما أن طبيعتها ضعيفة ولم تعرف بوضوح حديثه عن القيامة، مثل أولئك أيضًا، الذين رأوا الأكفان وآمنوا، ورجعوا وهم مندهشين. ولأي سبب لم يأتوا مباشرةً إلى الجليل، كما أوصى الرب قبل آلامه؟ ربما انتظروا الباقين. هؤلاء ـ إذًا ـ رجعوا، بينما هي وقفت عند القبر، كما قلت، كان منظر القبر عزاءً كبيرًا.

 

ملاكان جالسين فوق القبر:

   هل رأيت ـ إذًا ـ هذه التي انحنت لكي ترى المكان الموضوع فيه الجسد لكي تتعزى؟ لذلك ـ إذًا، نالت أجرًا كبيرًا لإهتمامها الكبير، لأن ذاك الذي لم يره التلاميذ، رأته المرأة أولاً، رأت الملاكين جالسين الواحد عند قدميه والآخر عند الرأس بثياب بيضاء، ووجهيهما مملوئين بالبهجة وبالفرح. ولأن إدراك هذه المرأة لم يكن عاليًا، حتى تستنتج قيامته من الأكفان ـ احتاجت شيئًا أكثر وضوحًا، أي شاهدت ملاكين جالسين فوق القبر بوجوه فرحة حتى تُسكَِّن حزنها بهذا المنظر وتتعزى، لكن الملاكين لم يقولا لها شيئًا عن القيامة، لكنها إنقادت تدريجيًا إلى هذا التفكير.

 

“يا امرأة لماذا تبكين”:

   رأت وجهين بشوشين أكثر جدًا من المعتاد، رأت شكلاً بهيًا، سمعت صوتًا عطوفًا. يقول ” يا امرأة لماذا تبكين“. هكذا بسبب هذه الأمور ـ كأنه من باب مفتوح ـ إنقادت إلى الحديث عن القيامة. والطريقة التي كانا جالسين بها، قادتها إلى أن تسألهما إذا بدا عليهما أنهما يعرفان ما حدث. لذلك لم يجلسا معًا، لكن الواحد بعيدًا عن الآخر.

 

   وبسبب أنه كان طبيعيًا أن لا تتجرأ وتسألهما، لذلك بسؤالهما لها وبالطريقة التي جلسا بهما إنقادت إلى سؤالهما. ماذا قالت إذًا؟ لقد تحدثت معهما بحرارة وفي نفس الوقت بحنان ” أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه” ما هذا القول يا امرأة؟ ألم تعرفي شيئًا عن القيامة، إلى الآن تفكرين في تغيير مكانه؟ هل رأيت كيف أنها ما زالت لم تدرك الخبر السامي؟ “ ولما قالت هذا إلتفتت إلى الوراء” كيف حدث هذا، بينما هي تتحدث مع الملاكين ولم تسمع بعد أي شيء ألتفتت بنظرها إلى الوراء؟ أنا أعتقد، أنها مجرد أن قالت هذا الكلام، فجأة ظهر المسيح خلفها، وفاجأ الملاكين، وهذان ـ عندما نظرا الرب أثر ذلك في شكلهما ونظرتهما وحركتهما، ولاحظت المرأة الدهشة المرسومة على الملاكين مما جعلها تلتفت بنظرها إلى الخلف. إذًا هكذا ظهر لهذين الملاكين، أما للمرأة فليس هكذا، حتى لا يفاجئها بظهوره الأول، لكن ظهر لها بمظهر متواضع وعادي، وصار ظاهرًا لها كأنه هو البُستاني. لقد كان فكرها متواضعًا لذا لم يقدها مباشرةً إلى الأفكار السامية بل تدرج معها في الكلام.

 

   لقد سألها ” يا امرأة لماذا تبكين. مَنْ تطلبين” هذا يُظهر أنه بسؤاله يعرف ما يريد وهكذا قادها إلى الإجابة. إذًا هذا ما أدركته المرأة، لكن لم تنطق بعد أسم يسوع، إذا شعرت أن هذا الذي يسأل يعرف ما هو الذي يسأل عنه، قالت ” يا سيد إن كنت أنت قد حملته فقُل لي أين وضعته وأنا آخذه“. تتحدث هنا كأنها تتحدث عن ميت، وعن تغيير موضع الجسد، وعن أخذه ونقله إلى مكان آخر. لقد أرادت أن تقول له: إن كُنت قد أخذته من هنا بسبب الخوف من اليهود أرجوك أخبرني أين وضعته. يا له من عطف وحنان كبير عند هذه المرأة، لكن لا يوجد عندها أي فكر عالي. لذلك يُظهر لها ليس بوجهه بل بواسطة صوته [2]، لأنه كما يظهر لليهود أحيانًا كشخص معروف وأحيانًا لا يبدو لهم أنه كان حاضرًا بينهم، هكذا عندما كان يتحدث، وعندما يريد، يجعل نفسه، معروفًا، حين قال لليهود “ من تطلبون” يو4:18. لأنهم لم يعرفوا لا شكله ولا صوته، وهذا هو ما يحدث هنا. وذكرَّ فقط اسمها ليؤنبها وينبهها بأنها تفكر فيه هكذا بأنه ميت وهو الحيٌّ.

 

مريم تتعرف على المسيح من صوته:

   لكن كيف يقول الإنجيلي إنها ” ألتفتت تلك” وهو يتحدث إليها؟ أنا أعتقد بأنها حين قالت هذا الكلام: ” أين وضعته” والتفتت ناحية الملاكين لكي تسألهما لماذا هما مندهشين، دعاها المسيح في الحال أن تلتفت إليه إذ أظهر ذاته بصوته، لأنه عندما دعاها “مريم”، عندئذٍ عَّرفته. هكذا التعرف عليه لم يأتِ من منظره لكن مِن صوته. أيضًا إن قيل من أين يبدو أنها أمسكته ووقعت أمامه؟ هذا يبدو من كلامه: ” لا تلمسيني“، وهذا ما يبدو من القول أنها ” ألتفتت تلك“. لماذا قال  “لا تلمسيني؟” البعض يقول إنها تطلب نعمة روحية، لأنها سمعته مع تلاميذه يقول: “وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا آتي أيضًا وأخذكم إلىَّ، وأنا أطلب من الآب. فيعطيكم مُعزيًا آخر“. (يو3:14، 16). وأنا أسأل كيف سمعت هذه الأقوال، وهي لم تكن موجودة هناك مع التلاميذ؟ أنا أعتقد أن هذا الرأي ليس له أي علاقة بما فعلته. كيف تطلب نعمة في هذه اللحظة بينما الرب لم يذهب بعد إلى الآب؟ ما الذي حدث إذًا؟ أعتقد إنها أرادت ـ من فرط فرحتها ـ أن تتصرف معه ـ بلا تحفظ ـ وكأنه هو عينه كما كان من قبل صلبه، ولم تفكر ـ حين كان أمامها ـ في أي شيء سامي وروحي، بالرغم من أن الرب صار من جهة الجسد ساميًا جدًا. إذًا أبعد عنها هذا الفكر ولكي تتحدث معه بمخافة شديدة (لأنه لا يبدو أنه تعامل مع التلاميذ بمثل هذه الطريقة غير المتحفظة) ورفع فكرها عاليًا، حتى تنتبه إليه بأكثر وقارٍ. وكونه قال لها لا تقتربي مني، مثلما كان يحدث مسبقًا بالضبط حين كان يمكث معهم، لأن الأمور لم تعد مثل الأول، ولا يمكن أن أمكث معكم بعد بطريقة مشابهه: هذا الأمر سوف ينشئ حزنًا ما ويتضمن تعقيدًا، بينما كونه يقول “ لأني لم أصعد بعد إلى أبي“، بالرغم أنه لم يكن أمرًا محزنًا، لكن أعلن نفس الأمر، لأنه بقوله ” لم أصعد بعد” يبين أنه يتجه إلى هناك يسير ويتعجل الوصول، إذ عليه أن يصعد هناك، ولا يخالط البشر، ولا يجب أن يروه بنفس التصور الذي رأوه أولاً، وهذا ما قصده وأظهره بقوله: ” أذهبي إلى إخوتي وقُولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” وبالطبع لم يكن عليه أن يفعل ذلك مباشرةً، لكن بعد أربعين يومًا، إذًا كيف ـ يقول هذا؟ لأنه أراد أن يرفعها روحيًا ويقنعها بإنتقاله إلى السموات. أما   ” أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم ” فهذه أقوال قيلت بحسب التدبير، بينما كلمة “أصعد” قيلت عن الجسد، لأن هذه الأقوال يقولها لتلك المرأة التي لم تفكر في شيء أسمى روحيًا.

 

 

“أبي وأبيكم”:

   هل نفهم أن أبوة يسوع تختلف عن أبوتنا؟ بالتأكيد، لأنه، إن كان إله الأبرار يختلف عن إله الآخرين فبالأكثر هذا يحدث بين الابن وبيننا. لأنه قال ” اذهبي إلى أخوتي وقولي” حتى لا يفكروا من هذا أنه توجد مساواة بينه وبينهم، لكن هناك اختلاف، لأنه سوف يجلس على عرش الآب، بينما هؤلاء سوف يقفون بجواره، بالرغم من أنه بحسب الجسد صار أخ لنا، لكن من جهة الكرامة يختلف كثيرًا ولا يمكن أن نحدد مقدار الاختلاف. ذهبت المرأة إذًا لكي تخبر التلاميذ بكل هذا، بينما أولئك لم يحزنوا بسبب إنه سيصعد، ولا قالوا تلك الأقوال التي قالوها سابقًا؟ أخبرتهم بكل هذا وقالت لهم ما قاله، الأمر الذي كان يمكن أن يعزيهم. لأنه كان من الطبيعي أن التلاميذ بعد أن سمعوا كل هذا، أن لا يصدقوا المرأة أو إذا صدقوا فيحزنوا أنهم لم يكونوا مستحقين ظهوره، بالرغم من وعده بأنه سوف يظهر لهم في الجليل، وحتى لا يحزنوا بالتفكير في كل هذا، فهو لم يتركهم يومًا واحدًا لكن وضع فيهم الاشتياق، حين عرفوا بأنه قام وبسماعهم ما قالته المرأة، أرادوا أن يروه، وبسبب أن الخوف كان مستوليًا عليهم (الأمر الذي جعل شوقهم شديدًا جدًا)، حينذاك، ظهر لهم بطريقة عجيبة جدًا في المساء.

 

 

المسيح يظهر لهم في المساء:

   ولماذا ظهر لهم في المساء؟ لأنه كان من الطبيعي أن يكونوا مملوئين من الخوف. لكن الجدير بالإعجاب هو، كيف أنهم لم يظنوه خيالاً؟ حيث دخل بينما كانت الأبواب مغلقة والتلاميذ كانوا مجتمعين هناك. وطبعًا المرأة جعلت إيمانهم كبيرًا، لذا جعل ظهوره بطريقة عجيبة وبلا ضوضاء.

 

   لم يظهر المسيح للتلاميذ أثناء النهار، بل ظهر لهم مساءً حيث كانوا مجتمعين معًا، وكانت المفاجأة عظيمة إذ إنه لم يطرق على الباب بل وقف في الوسط بلا ضوضاء بالمرّة، وأظهر جنبه ويديه. وفي نفس الوقت هدأ فكرهم المضطرب بصوته قائلاً: “سلام لكم” أي “لا تقلقوا”، وذكرهَّم بما قاله لهم قبل صلبه “ سلامًا اترك لكم” (يو27:14)، وأيضًا “ قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيَّ سلام” (يو33:16).    “ ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب“. أرأيت كيف أن الأقوال صارت أعمالاً؟ لأنه قال قبل صلبه “ سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم” (يو22:16). الآن يتحقق كل هذا، الأمر الذي قاد التلاميذ إلى الإيمان التام. وبسبب أنهم كانوا في عداوة شديدة مع اليهود لذلك هو يكرّر لهم قوله “سلام لكم” معطيًا لهم عزاءً في مواجهة هذا الموقف.

 

 

“سلام لكم”:

   أولاً هذا الكلام قاله بعد القيامة، سبق أن وقد بشر النساء بالنعمة لأن المشاعر الحزينة توجد بداخل هذا الجنس البشري، والمرأة هي التي قبلت الفرح أولاً. فكان من المناسب للرجال الذين هم في حرب مع اليهود أن يبشرهم بالـ “سلام” أما النساء فيبشرهم بالفرح بسبب الحزن. وحيث إنه أبطل الأحزان وأتم بركات الصليب، التي هي السلام والصلح. وإذ أزال كل المعوقات وجعل نصرته ممجده، وكل الأمور تحققت، قال ” كما أرسلني الآب أرسلكم أنا” لن يكون لديكم أي صعوبة وبسبب كل ما حدث وبسبب استحقاقي الخاص أرسلكم. هنا يرفع تدبيرهم ويظهر جدارة إيمانهم العظيم حيث إنهم سوف يأخذون على عاتقهم القيام بعمله. ولا ينادي الآب بل يعطي لهم القوة إذ يقول: ” نفخ وقال لهم أقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تُغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أُمسِكت“. فهو مثل ملك يرسل قواده، ويعطي لهم سلطان ليقودوا بعض الناس إلى السجن أو يفكوهم، هكذا يرسلهم ويمنح لهم هذه القوة.

 

“خير لكم أن أنطلق”:

   إذًا كيف يقول: ” خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المُعزي ” (يو7:16). والآن يقول: ” اقبلوا الروح “. البعض يقول إنه لم يعطهم الروح بل جعلهم بواسطة النفخ مهيئين لقبوله. لأنه، إن كان دانيال خاف عندما رأى الملاك (دا17:8)، ألم يكن من الممكن أن يحدث نفس الأمر لأولئك الذين قبلوا تلك النعمة التي لا توصف لو لم يجعلهم تلاميذه مسبقًا؟ لذلك لم يقل ” أخذتم الروح القدس” بل “خذوا الروح القدس”. ولن يخطئ أحد إذا قال إن ما أخذه التلاميذ سلطة ونعمة روحية معينة، لكنها ليست مثل القوة التي يقيمون بها الموتى ويصنعون المعجزات بل فقط ليغفروا الخطايا، لأن مواهب الروح متنوعة ومختلفة. لذلك أضاف ” مَنْ غفرتم خطاياه تُغفر له” الأمر الذي يظهر نوع العطية التي يمنحها لهم. هناك بعد أكثر من أربعين يومًا أخذوا قوة لكي يصنعوا معجزات لذلك يقول “ ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض” (أع8:1). صاروا شهودًا بالمعجزات حيث إن نعمة الروح كانت لا توصف وعطيته متعددة في فعلها.

 

واحدة هي عطية وسلطان الآب والابن والروح القدس:

   لقد صار هذا لكي تتعلم أن عطية وسلطان الآب، والابن والروح القدس هي واحدة. لأن الأمور الخاصة بالآب، هي للابن وللروح القدس. إذًا يقول إن لا أحد يأتي إلى الابن ” إن لم يجتذبه الآب” (يو44:6). وهذا يبدو إنه خاصية الابن لأنه يقول ” أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يو6:14)، لاحظ كذلك أن هذا هو عمل الروح، “ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس” (1كو3:12). وأيضًا نرى الُرسل يدعون الناس إلى الكنيسة مرة بواسطة الآب ومرة أخرى بواسطة الابن وكذلك مرة بواسطة الروح القدس، وتوزيع المواهب نراها بواسطة الآب والابن والروح القدس.

 

عظيمة هي مكانة الكهنة:

   إذًا ليتنا نفعل كل شيء حتى نستطيع أن نتمتع بمعية الروح القدس، ونكرم أولئك الذين عُينوا لمنحنا فعله، لأن مكانة الكهنة هي مكانة عظيمة ” مَنْ غفرتم خطاياه تُغفر له” لذلك يقول ق. بولس      ” أطيعوا مرشديكم” (عب17:13)، وتكرموهم كثيرًا جدًا. لأنك أنت تهتم بما هو خاص بك، وإذا نظمت أمورك فهذا جيد، وأنت غير مسئول عن الآخرين، لكن الكاهن بالإضافة إلى تنظيم أموره جيدًا، إن لم يعتنِ بك وبكل أعضاء رعيته سوف يذهب مع الأشرار إلى جهنم، ومرات كثيرة بدون أن يُغدر به بواسطة خاصته، يُقاد للهلاك بسببكم إن لم ينظم كل تلك الأمور المتعلقة به جيدًا. لذا وهم عارفون مدى الخطورة يكون لهم عطف وحنو كبير، الأمر الذي يقوله ق.بولس      “ لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم” (عب17:13). وليس فقط مجرد سهر، لكن “كأنهم سوف يعطون حسابًا لكي يفعلوا ذلك بفرح” (عب17:13). لأجل ذلك يجب أن ينالوا كرامة كبيرة.

 

   لكن إن إتفقتم مع آخرين ضدهم، عندئذٍ لن تكونوا في حالة جيدة،لأنه كلما كان القائد في حالة انشراح وبهجة سيكون الرُكَاب في أمان، لكن إن كان الركاب يحتقرونه (القائد) ولهم موقف عداوة ضده فهم يُعذبونه، عندئذٍ لا يمكن أن يسهر لراحتكم، وكذلك لا يمارس عمله بطريقة جيدة ـ وبدون أن يقصد ـ يضعكم في مصائب لا حصر لها. هكذا الكاهن، إذا نال كرامة من جانبكم سوف يمكن أن ينظم أموركم جيدًا، لكن إن كنتم تضايقون الكهنة وتسلبون قوتهم، سوف تجعلونهم معرضين معكم وبسهولة لضرب الأمواج حتى لو كانوا بعد شديدي البأس. تأمل ماذا يقول المسيح عن اليهود “على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه. ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون” (مت2:23ـ3).

 

   لكن الآن لا نستطيع أن نقول: على كرسي موسى جلس الكهنة؟ لكن على كرسي المسيح، لأنهم أخذوا استمرارية تعليم المسيح. لذلك يقول ق.بولس ” إذًا نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله” (2كو2:5).

 

   ألستم ترون أن الجميع يخضعون للرؤساء العالميين، وفي مرات كثيرة يكون هؤلاء أعظم من أولئك الذين يحكمون عليهم من جهة الأصل ومن جهة المعيشة ومن جهة الفهم؟ لكن بسبب ذاك الذي منحهم السلطان فهم لا يفكرون في شيء من هذه الأشياء، بل عليهم أن يحترموا قرار الملك أيًا كان ذاك الذي نال السلطان من الملك.

 

   إذا قلَّد إنسان أحد وأعطاه وظيفة فإن هذا يجعل عندكم خوف شديد واحترام له، لكن في اللحظة التي فيها يقيم الله شخصًا ونحتقر هذا الشخص الذي رُسم ونشتمه ونلوثه بشرور لا حصر لها، ونُسلط لساننا ضد الكهنة، بينما أخذنا وصيته بأن لا ندين إخوتنا، كيف إذًا يمكن أن ندافع عندما لا ننظر الخشبة التي في عيوننا، بينما قذى الآخر نفحصه بدقة بكل شرنا (انظر متى3:7، لو41:6). ألا تعرف إنك تجعل المحكمة أكثر قسوة ضدك وهي تحاكمك بهذه الطريقة؟ وهذه الأقوال لا أقولها لأمدح أولئك الذين يمارسون الكهنوت بغير استحقاق، بل إني أتراءف على هؤلاء كثيرًا جدًا وابكي بالدموع لأجلهم، لكن لا أقول إنه يحق أن يُدانوا من قبِل المبتدئين والسُذج، لأنه إن كانت حياتهم فاسدة جدًا، وإن كنت تلاحظ نفسك وتحترس فإنك سوف لا تُصاب بأي ضرر من جهة تلك (التعاليم) التي سُلمت إليهم بواسطة الله، لأنه إن كان الله قد جعل الحمار يتكلم[3] ومنح بواسطة العرافين بركات روحية، وحقق النعمة لليهود التي تفوه بها الفم الغبي واللسان الدنس لبلعام، بالأكثر جدًا لكم أنتم المعترفون بالجميل تجاهه، حتى لو كان الكهنة في وضع أدنى، سوف يفعل الله كل الأمور التي يريدها وسوف يرسل الروح القدس، لأن نقاوتهم لا تجذب الروح، بل بالحري النعمة هي تلك التي تتمم كل شيء، لأنه يقول “ فإن كل شيء لكم. أبولس أم أبلوس أم صفا” (1كو21:3، 22)؛ لأن العطية التي أخذها الكاهن لا تُمنح إلاّ من الله، ومهما وصلت الفلسفة البشرية سوف تبدو أدنى من تلك النعمة.

 

   أقول كل هذا ليس لكي نقضي حياتنا في خمول لكن لكي لا تختزنوا شرورًا كثيرة ضد ذواتكم أنتم المبتدئين، وذلك عندما يُظهر البعض من رؤسائكم خمولاً. ولماذا أقول هذا عن الكهنة؟ لا ملاك ولا رئيس ملائكة يمكن أن يفعل شيئًا فيما يتعلق بتلك النعمة التي تُعطى بواسطة الله، لكن الكل يصير من الآب والابن والروح القدس. الكاهن أثناء ممارسة العبادة يعطي لسانه ويديه لله لكي يستخدمهما، لذا لن يُضَّر أولئك الذين يأتون بإيمان إلى طريق خلاصنا بسبب شر إنسان. وإذ نحن نعرف كل هذا، فإننا نخاف الله ونحترم كهنته معطين لهم الكرامة، لكي ننال مكافأة عظيمة من الله بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح مُحِب البشر الذي مع الآب والروح القدس له المجد والقوة والكرامة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

* العناوين من وضع المُترجم.

1 التي هي من تراب وإلى تراب تعود.

2 لأنه ظهر خلفها وليس أمامها.

3 يتكلم هنا عن “حمار بلعام” انظر سفر العدد7:22.

 

بالحقيقة قام – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

روح الحق – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

روح الحق – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

روح الحق – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

 

 

روح الحق

عظة 77

(يو 26:15ـ27) إنجيل حلول الروح القدس

 

   ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي. وتشهدون أنتم أيضًا لأنكم معي من الإبتداء” (يو26:15ـ27).

 

روح الحق[1]

   انتبه ولاحظ من فضلك، أي عزاء يقوله لتلاميذه: ” ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب روح الحق الذي من عند الآب ينبثق فهو يشهد لي. وتشهدون أنتم أيضًا لأنكم معي من الإبتداء[2].

   وجدير بنا أن نولي هذا الروح كل ثقتنا لأنه روح الحق. لأجل هذا لم يدعوه هنا روح قدس بل “روح الحق“. وعبارة ” من عند الآب ينبثق” تدل على أن المسيح يعرف بدقة كل شيء، مثلما يقول بالضبط عن ذاته ” أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب[3]. وهو هنا يتحدث أيضًا عن الحق، ” سأرسله أنا إليكم“. ليس فقط الآب الذي يُرسِل المعزي بل وأيضًا الابن. وأنتم ستكونون جديرين بالثقة إذا عِشتم معي عن قرب، وأنتم لم تسمعوا هذا الكلام من أُناس غرباء. وبسبب هذه العِشرة التي ربطت بينهم وبين المسيح فقد أكد الرسل هذا الأمر، قائلين: ” نحن الذين أكلنا وشربنا معه[4]. وكون أن هذه الأقوال لم يتكلموا بها من باب المجاملة والتفضل، فهذا ما يؤكده الروح الذي كان شاهدًا على أقوالهم.

   ” قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا[5] أي عندما ترون كثيرين لا يؤمنون، وعندما تتألمون بشرور كثيرة. ” سيخرجونكم من المجامع[6]، وقد حدث لهم ذلك بالفعل، فقد أعلن اليهود أن من يعترف بالمسيح يُحرَّم. ” بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمِة لله[7]. سوف يتفننون في قتلكم لدرجة أنهم سوف يعتبروا هذا الفِعل هو بدافع التقوى وإرضاء الله. أخذ يقدم لهم ما يعزيهم قائلاً:   ” وسيفعلون هذا بكم لأنهم لم يعرفوا الآب. ولا عرفوني[8].

   كأنه يقول لهم يكفيكم أن تتعزوا بأنكم تتألمون لأجلي ولأجل أبي. هنا يذكرهم أيضًا بذلك التطويب: “ طوبى لكم إذ عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. أفرحوا وتهللوا. لأن أجركم عظيم في السموات فإنهم هكذا طردوا الأنبياء من قبلكم[9].

 

المسيح يخبر التلاميذ عما يحدث لهم:

   “ لكني قد كلمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون إني أنا قلته لكم [10].

   أي إنه يقول لهم عليكم أن تصدقوا وتثقوا في صدق ما أقول، لأنكم لن تستطيعوا أن تقولوا إنني كنت أتملقكم وكلمتكم عن الأمور المفرحة فقط، كلامي لم يكن مخادعًا لأن من يريد أن يضلكم لا يفكر أن يكلمكم بأقوال تُبعدكم عنه. إذن لأجل هذا قُلت لكم هذا الكلام حتى لا تزعجكم الأحداث غير المتوقعة، ولكي لا تقولوا في أنفسكم أيضًا أنه لم يخبرنا بأن هذه الأمور سوف تحدث. ” حتى إذا جاءت الساعة تذكرون إني أنا قلته لكم“، حيث إن المُضطَهَدين يضعون مثل هذه الأقوال في الحُسبان لكي يتغلبوا على التشككات الشريرة. هكذا سوف يضطهدونكم ـ يقول المخلّص للتلاميذ ـ حتى القتل. إلا أن الأمر لن يُزعج التلاميذ، طالما أنهم قد سمعوا مسبقًا وعرفوا السبب الذي لأجله يتألمون، لأن معرفة السبب تعد قوة تعطيهم جرأة على المواجهة. لذلك يعيد على مسامعهم السبب ”  لم يعرفوا الآب ولا عرفوني [11]، ” لكنهم إنما يفعلون بكم هذا كُله من أجل اسمي لأنهم لا يعرفون الذي أرسلني“،[12]وإن كانوا قد إضطهدوني فسيضطهدونكم[13].

 

ليتنا نحتمل الآلام من أجل المسيح:

   ليتنا نفكر بحق في هذه الأقوال في وقت التجارب عندما نُضطهد من جانب الأشرار، واضعين نصب أعيننا رئيس إيماننا ومكمله ونحن نتألم، من أُناس منحلين، لأجل الفضيلة ولأجله هو. لأننا إذا فكرنا في هذه الأمور فسوف نجتاز كل التجارب بسهولة. فإن تألم شخص لأجل أشخاص محبوبين لديه فإنه يتفاخر لأجل هذا، فكم بالحري أن تألم لأجل الله، أي إحساس سوف يشعر به أثناء احتماله هذه المشقات؟. لأنه إن كان الصلب ـ الذي يعتبر أمرًا مُهينًا ولعنة ـ قد دعاه المسيح مجدًا وذلك لأجلنا، فكم بالأكثر جدًا ينبغي أن نُظهر نحن مثل هذا الإستعداد. وطالما، أن لدينا قوة فيجب علينا إذًا أن نحتقر الآلام، وبالأكثر جدًا ينبغي أن نحتقر المال والطمع والشراهة. إذن، فعندما نتعرض لأمر مؤلم علينا أن نفكر ليس فقط في الأتعاب بل في الأكاليل أيضًا. لأنه كما أن التجار لا يفكرون فقط في اتساع البحر ومشقة السفر بل أيضًا في المكسب؛ هكذا يجب علينا أن نفكر في السماء والدالة التي لنا عند الله. وإن كان الطمع ما زال يبدو لك أمرًا مفرحًا، فكِر في أن المسيح يرفضه وللتو سوف يبدو لك هذا الطمع أمرًا تعيسًا، أيضًا إذا كان عطاءك للفقراء يبدو لك أمرًا مزعجًا، فعليك ألا تتوقف عن التفكير في لحظة قطف الثمار التي تنتج من البذرة التي تلقيها. وعندما يصعب عليك أن تحتقر الممارسة الجسدية مع امرأة غريبة (ليست زوجتك)، عليك أن تفكر في الإكليل الذي سوف تناله لجهادك، وعندئذ سيسهل عليك أن تتحمل التعب والألم. فإن كان خوف البشر يمنعك من ارتكاب أمور مشينة فكم بالأكثر شوقنا للمسيح.

 

ممارسة الفضيلة:

   ممارسة الفضيلة ليست بالأمر الهين؛ وبرغم ذلك ليتنا نحيطها بالوعود العتيدة لكي نتشجع على ممارستها. ومُحبو الفضيلة يرون الفضيلة في حد ذاتها جميلة ولأجل ذلك يمارسونها ليس لأجل نيل الجزاء ولكن لأن الله يُسر بها. ويعتبرون العفة أمرًا مهمًا ليس لأنهم يخافون من العقاب بل لأن الله أعطاهم هذه الوصية. أما الشخص الضعيف روحيًا فليفكر في المكافآت. دعنا نطبق هذا أيضًا على فضيلة الإحسان والصدقة، ليتنا نرحم إخوتنا في الإنسانية، ليتنا لا نحتقرهم في اللحظة التي فيها يموتون فقرًا. ليس من المعقول أن يجلس الأغنياء حول المائدة يضحكون ويستمتعون بكل ما لذ وطاب من الخيرات بينما يسمعون بكاء ونواح الآخرين وهم يعبرون الطريق أمامهم.

   ألا نلتفت، ونحن منزعجين، نحو المكان الذي يصدر منه البكاء والرثاء، بل، على النقيض، ونتكدر ونسمي هذا النوح والبكاء غشًا وخداعًا؟! ماذا تقول أيها الإنسان؟ أهل لأجل رغيف من الخبز يبتكر المرء مثل هذا الخداع والغش؟ هل تجيبني بنعم، إذًا سأقول لك إنه لأجل هذا السبب عينه ينبغي عليك أن ترحمه وتُحسِن إليه، ولأجل هذا السبب ينبغي عليك ـ قبل أي شيء ـ أن تخلّصه من العوز والاحتياج. وعلى الأقل فإن كنت لا تريد أن تُحسِن إليه، فلا يجب أن تُهينه. وإذا لم ترد أن تضع نهاية لحالته المأساوية، فعلى الأقل لا تلقه في هوة الهلاك. عليك أن تفكر في ماذا سيكون موقفك وأنت تتوسل إلى الله، في حين أنك تُبعِد الفقير الذي يطلب منك مساعدة، لأنه يقول ” وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم”[14]. تأمل، كيف ينصرف هذا الفقير في مذلة برأس منكسة وبعارٍ وخجل محتملاً بالإضافة إلى فقره جرحًا من جراء إهانتك له. لأنه إن كنتم تعتبرون التسول لعنة عليكم أن تتأملوا في مدى شناعة المصيبة التي يُبتلى بها الفقير حين يطلب ولا يأخذ، بل ينصرف والشتائم تنهال عليه من كل ناحية.

 

اسلكوا برأفة ورحمة تجاه الفقراء:

   حتى متى نتشبه بالوحوش ونجهل هويتنا بسبب الطمع؟ كثيرون منكم يسمعون هذه الأقوال ويتنهدون، لكني لا أريد الآن التأوه فقط، بل بالحري عليكم أن تسلكوا برأفة ورحمة تجاه الفقراء. أرجو أن تتأملوا ذلك اليوم حين نمثل أمام عرش المسيح، حينما نتوسل طالبين الرحمة فيقول لنا أمام هؤلاء الذين رفضنا أن نساعدهم، أنكم لأجل رغيف خبز وفلس واحد قد تسببتم في حدوث عواصف عاتية في هذه النفوس. فماذا سنقول عندئذ؟ بماذا سندافع؟ ومن حيث إنه سوف يقودهم أمامنا، اسمع ماذا يقول: ” بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر فبي لم تفعلوا”[15]، لأن هؤلاء لن يجدوا ما يشهدوا به عنا في ذلك الوقت، بل إن الله سوف يديننا بسببهم. لأن الغني حين رأى لعازر لم يتحدث عن شيء كان قد قدمه له، بينما إبراهيم تحدث لحساب ذاك. وهذا ما سوف يحدث أيضًا مع الفقراء الذين نحتقرهم اليوم، لأننا لن نرَ هؤلاء يستعطون ويمدوا أيديهم في حالة تستحق الشفقة، بل سنراهم مستريحين في أحضان القديسين، أما نحن ـ الذين رفضنا أن نقدم العون لهم ـ سوف نصبح في حالتهم البائسة وسنبدو في نفس منظرهم حين كانوا يستعطون، وليتنا نصبح هكذا فقط ولا يحدث ما هو أكثر رعبًا، أقصد العقاب! لأن الغني هناك لم يكن يرغب في الشبع بالفتات بل كان في عِقاب مخيف في النار، وسمَّع هذا القول: ” إنك إستوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا[16]. ليتنا لا نعتبر الغني شيئًا مهمًا لأنه سيكون لنا وقودًا للجحيم إن لم ننتبه. والفقر يمكن أن يصير دافعًا للتمتع والراحة حيث نتخلص من الخطايا حين نقبل الفقير بفرح، وحينذاك نكتسب دالة كبيرة أمام الله.

 

لقد أعطاك جسده وأعطاك دمه الكريم:

   إذن ليتنا لا نطلب دائمًا الراحة هنا، حتى نستمتع هناك بالراحة الحقيقية، ليتنا نقبل الأتعاب من أجل اقتناء الفضيلة ونتجنب الأمور الباطلة ولا نطلب لأنفسنا شيئًا بل لننفق ما نملكه على هؤلاء المحتاجين. لأنه أي مبرر سيكون لنا، عندما يعدنا الرب بالسماء بينما نحن لا نعطيه حتى رغيفًا واحدًا؟ إنه يُشرق عليك الشمس (مت45:5). ويمدك بالخليقة وكل خدماتها، بينما أنت لم تعطه حتى ثوبًا واحدًا، ولا جعلته مشاركًا لك في مأواك؟ ولماذا أذكر لك الشمس والخليقة! لقد أعطاك جسده، وأعطاك دمه الكريم، أما أنت فلم تُعطه حتى كأس ماء بارد؟ هل أعطيت مرة واحدة؟ ليس هذا هو الإحسان، لأنك إن لم تساعد في كل ما لديك لن تُكمل كل عملك، لأن العذارى اللاتي كانت لديهن مصابيح كان لهن زيت أيضًا، ولكنه لم يكن كافيًا. إذن إستمر في الإحسان من خيرات الرب حتى لو سبق لك أن أعطيت إحسانًا من قبل. لأي سبب تحب المال؟ من جراء الشراهة والطمع يكنز هؤلاء أموالهم وهم كسالى في فِعل الإحسان. لأن الذي تعلم أن يربح ـ بهذه الطريقة ـ لا يعرف أن يُعطي من أمواله. كيف يمكن لمَنْ هو مُدَرب على السلب والنهب أن يرتب حياته على العكس مِن ذلك؟ الذي يخطف ممتلكات الآخرين، كيف يمكن أن يعطي، فالكلب الذي أعتاد على أن يأكل لحم لا يمكن أن يحرس قطيع من الأغنام؟ لأجل هذا يقتل الرعاة مثل هذه الكلاب. ليتنا نبتعد نحن عن هذا الطعام، حتى لا يُصيبنا نفس الأمر.

 

عليك أن تقضي على اليأس بواسطة أعمال الرحمة:

   ألم ترَ كيف أن الله أنعم علينا بكل شيء ليكون من نصيب الجميع؟ فإن كان الله سمَّح بوجود فقراء بيننا، فهذا فعله لكي يُعزي الأغنياء حتى يتمكنوا بإحساناتهم على أولئك الفقراء أن يتخلصوا من خطاياهم، بيد أنك قد صرت قاسيًا وغير إنساني.

   إذن فعلى الرغم من أنك أخذت قوة لتمتلك أعمال الرحمة، إلا أنك ترتكب جرائم قتل لا حصر لها، فأنت تقضي على النور وعلى الحياة كلها. ولكي توقف ذلك، عليك أن تقضي على اليأس بواسطة أعمال الرحمة. فإن كنت تأسف لمجرد سماع هذا الكلام، فكم ينبغي علىّ أنا أن أحزن لأنني أرى هذه الأمور تحدث. حتى متى ستظل في غِنى وذاك يظل فقيرًا؟ حتى ساعة الموت، أؤكد لك بأنها ليست بعيدة على الإطلاق، لأن الحياة قصيرة جدًا ونهاية كل شيء قريبة جدًا، حتى أن كل شيء يعبر سريعًا وكأنه ساعة زمن. ما الذي تحتاجه من الكنوز المكدسة وحشد الخدم والمدبرين؟ لماذا لا يوجد معك من يتحدث عنك وعن إحساناتك؟ أن الكنز الذي تدخره ليس لديه صوت يُنادي به لأجلك، بل إنه يجذب إليه اللصوص، أما الإحسان إلى الفقراء فيصعد إلى الله ويشهد لك أمامه، ويجعل حياتك الحاضرة سعيدة وينقذك من خطاياك، ويقدم لك المجد من قِبَل الله والكرامة من قِبَل البشر. لماذا ـ إذن ـ تحرم نفسك مثل هذه الخيرات الكثيرة جدًا؟

   فأنت في الحقيقية لا تُفيد الفقراء بل بالأكثر جدًا تفيد نفسك. لأنك سوف لا تحسن حالة الفقراء الحاضرة فقط، بل ـ بفعل الإحسان ـ تُدخر لنفسك مسبقًا المجد العتيد وتلك الدالة أمام الله التي أتمنى أن ننالها جميعًا بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة من الآن وإلى الأبد آمين.

 

عظة78 على يو4:16ـ15

 

   ” ولم أقل لكم من البداية لأني كنت معكم. وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قُلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم” (يو4:16ـ6).

 

إستحوذ الحزن على التلاميذ:

   إن ألم الحزن المفرط هو أمر صعب للغاية ونحن نحتاج إلى شجاعة كبيرة حتى نقف أمامه ونحن متشددين. والألم له فوائد، فعندما نخطئ نحن أو الآخرين فمن الصواب أن نحزن. ولكن لا يجب علينا أن نحزن بشكل مُبالغ فيه على الظروف التي تحدث لنا كبشر لأن ذلك غير مفيد. لقد استحوذ الحزن على التلاميذ الذين لم يكونوا بعد كاملين روحيًا، ولذلك راحوا يلقون عليه أسئلة كثيرة.

   فقد قال له بطرس ” أين تذهب؟” [17]، وتوما قال له: ” يا سيد لسنا نعرف أين تذهب. فكيف نقدر أن نعرف الطريق[18]. وفيلبس أيضًا قال له: ” أرنا الآب[19]. ولكن علينا أن نلاحظ كيف إنه يقومهم بشدة فها هم يسمعون أن اليهود “سيخرجونهم من المجامع” (أنظر يو2:16)، وقول المسيح لهم ” طوباكم إذا أبغضكم الناس[20]، وكذلك: ” تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله[21]، وقد فقدوا شجاعتهم حتى أن آخرين منهم لم يستطيعوا أن يقولوا له شيئًا وظلَّوا في مكانهم.

   وكان الرب يُقدر هذا الموقف، إذ قال لهم: “ ولم أقل لكم من البداية لأني كُنت معكم. أما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قُلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم[22].

   حقًا فإن الحزن الشديد يعد أمرًا مخيفًا، إنه مُرعب وقد يؤدي أيضًا إلى الموت. لأجل هذا قال بولس: ” لئلا يُبتلع مثل هذا من الحزن المُفرط[23]. يقول لهم: ” ولم أقل لكم من البداية “. لماذا لم يقل لهم من البداية؟ حتى لا يقول أحد إنه قال هذه الأقوال من جراء خبرته ورؤيته لأمور حدثت أمامه مرات كثيرة، أي بمثابة استنتاجات فقط. ولماذا يبدأ في قول أمر صعب جدًا؟ إنه يعرف هذه الأمور من البداية، ولكنه لم يقلها ليس لأنه لم يكن يعرفها، بل كما قال هو       ” لأني كنت معكم“. وهذا الكلام يقوله إنسانيًا، كأنه قال: لأنكم أنتم في آمان وكان في استطاعتكم أن تسألوني حين تريدون، والحرب كلها كانت تنقض علىَّ، وكان من الخطأ أن أقول لكم هذا من البداية. لكنني أتساءل: ألم يقل من قبل مثل هذه الأقوال؟ ألم يقل للتلاميذ     ” وتساقون أمام ولاة وملوك من أجلي شهادة لهم وللأمم. ولأنهم سيسلمونكم إلى مجالس وفي مجامعهم يجلدونكم[24]. كيف إذن يقول   ” ولم أقل لكم من البداية “. لأنه سبق وقال آنذاك يجلدونكم وتساقون أمام الرؤساء، ولكنه لم يحدثهم عن موتهم، هذا الأمر خطير جدًا حتى أن قتلهم سيعتبر بمثابة عبادة من جانب القاتلين كأنهم يقدمون خدمة إلى الله. وهذا الأمر سيُدهشهم إذا علموه من البداية: أي سوف يُحاكموا فيما بعد ككفار وأُناس متمردين. نستطيع أن نقول أن إعلانه الأول كان يختص بالآلام التي سوف يعانون منها على أيدي الأمم، أما هنا فإنه يضيف، مع التأكيد على آلامهم أيضًا بواسطة اليهود، وأخبرهم أن هذه الآلام قريبة جدًا.

   ” وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي. لكن لأني قُلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم [25].

   وكون أن السيد المسيح قد أعلمهم أنه يعرف مدى حزنهم قد منحهم تعزية ليست بقليلة، إذ أن القلق لأجل غيابه هذا وانتظار المشقات العتيدة أن تحدث (لأنهم لم يعرفوا ما إذا كانوا يستطيعون أن يتحملوا المشقات بشجاعة) جعلهم مندهشين تمامًا.

 

موقف التلاميذ من حديث المسيح:

   لماذا إذًا لم يحدثهم عن ذلك عندما أصبحوا جديرين بأن ينالوا الروح؟ لكي تعلم أنهم كانوا أُناسًا فاضلين جدًا؛ إذ وهم غير جديرين بأن يأخذوا الروح لم يتركوا السيد المسيح والحزن جاثم على قلوبهم، أدعوك أن تتأمل في ما سوف يصيرون عليه عندما ينالون النعمة، لقد تحملوا كل هذا الكلام وسمعوه، لأنه لو إذا كان قد قيل  بعد حلول الروح القدس عليهم لكان الثناء يُنسب للروح، أما الآن فموقفهم هذا يعد ثمرة تفكير ذهنهم وبرهان واضح على آلامهم من أجل المسيح.    ” لكن أقول لكم الحق[26]. هنا يعزيهم أيضًا، لأنه يقول لهم إنني لا أخبركم عن أمور مفرحة، أما إذا كان هذا الكلام صعب فإنني أرى إنكم لابد أن تسمعوه لفائدتكم، لأنكم ترغبون في أن أبقى معكم بينما الفائدة هي في أمر آخر. إن الذي يحب أصدقاءه ويعتني بهم يتصف دائمًا بعدم الخداع فهو يقول لهم ما يفيدهم حتى إذا كان كلامه هذا ضد رغبتهم، فهو بذلك لا يبعدهم عن ما يفيدهم، لذا يقول لهم المسيح. ” إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي[27].

 

 

عمل الروح القدس:

   ماذا يقول هنا أولئك الذين ليس لديهم معرفة لائقة عن الروح القدس؟

   يقولون: هل فائدتهم تكمن في أن يرحل الرب ويأتي العبد[28]؟ لكن، هل رأيت مدى عظمة وقيمة الروح؟ ” إن ذهبت أرسله إليكم[29]. وما هي الفائدة؟ ذاك سوف يبكت العالم، أي أن هؤلاء الذين يتطاولون على الرب لن يفلتوا من العقاب إذا جاء المعزي. لقد تحدث الرسل وقاموا بأعمال ـ قبل حلول الروح القدس ـ تسد أفواه المتطاولين، ولكن عندما تحدث أمور بواسطة الروح، ويقدم التلاميذ تعليمًا كاملاً بالروح ويصنعون معجزات أعظم، سوف يُدان أهل هذا العالم وهم ينظرون أمورًا كثيرة تحدث باسمه، الأمر الذي سيكون بمثابة برهان ساطع لقيامته، كأن المسيح يقول لهم: الآن يستطيعون أن يقولوا، أليس هذا ابن النجار الذي نعرف أباه وأمه. أما عندما يحل الروح المعزي عليكم فسوف يروا كيف يقضي على الموت ويهرب الشر وتُشفى الطبيعة البشرية من الشلل، و تُطرد الشياطين، وهكذا يتضح أن عطية الروح عظيمة وتفوق الوصف (انظر أع1:2ـ وما بعدها). إن كل هذا يحدث باسمي، فماذا إذن سيقولون؟ لأن الآب يشهد لي وسوف يشهد أيضًا الروح، لقد شهدَّ بكل تأكيد في البداية (متى17:3)، لكن سيشهد أيضًا والآن.

   ” يُبكت العالم على خطية[30]. يعني أنه سيقضي على عنادهم وسيُظهر لهم إنهم ارتكبوا أمورًا لا تُغفر. ” وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضًا[31]. لقد منحنا حياة لا تُدرك بالعقل. وهذا برهان على أنه سوف ينتقل إلى أبيه، نظرًا لأنهم دائمًا كانوا يدينونه بأنه لم يأت من الله، ولذلك دعوه خاطئًا ومخالفًا، لذا يقول أنه سيدحض هذا المبرر أيضًا. انه يريد أن يقول: إنهم لم يعتبروني آتيًا من عند الله، الأمر الذي يُظهرني مخالفًا، وعندما يُبرهن الروح بأنني أنتقل إلى هناك ليس للحظة بل إنني أبقى هناك إلى الأبد (لأنه “بعد قليل لا تبصرونني”)، ما الذي سوف يقولونه أيضًا؟ انتبه حيث أنه ثبت خطأ رأيهم الشرير من خلال نقطتين: إن عمل المعجزات ليس من سمات الخاطئ (إذ إنه لا يتمكن من عمل معجزات)، كما أن القرب من الله بصفه دائمة ليس من صفاته ولذلك فإنهم لا يستطيعون إن يقولوا أن هذا خاطئ، وأنه لم يأتِ من الله.

   ” وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين[32]. يتحدث هنا أيضًا عن البر، لأنه انتصر على المقاوم لبره. وكان من المستحيل أن ينتصر عليه لو كان هو خاطئًا. ولم يتمكن أي بار من القيام بهذا العمل. ومن حيث إن رئيس هذا العالم قد دين بواسطتي، فهذا يعرفه أولئك الذين سوف يدسونه تحت أرجلهم فيما بعد. وسوف يعرفون بوضوح قيامتي، وهذا ما يميز الشخص الذي يحكم ويُدين، لأنه لم يستطع أن يتحداني. لقد قالوا عني إن بي شيطان وأنني مُضِل، ومثل هذه الاتهامات سوف تظهر أنها لا تستند على الحق، لأنني لو كنت خاطئًا لما استطعت أن أُنازله، أما الآن فقد أُدين وهُزم.

   ” إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن ” إذن ” خير لكم أن أنطلق “، حيث آنذاك سوف تفهمون هذه الأمور وتحتملوها عندما أنطلق. ما الذي حدث؟ هل الروح أعظم طالما إنكم لا تحتملون الآن هذه الأمور، بينما ذاك (الروح) سوف يعدِّكم لكي تفهموها؟ هل عمل الروح أعظم وأكمل؟ ليس الأمر هكذا، طالما أن المعزي سيقول أن هذا هو ما قلته لكم. لذلك يقول: ” وأما متى جاء ذلك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتيه. ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم. كل ما للآب هو لي[33].

   إذًا، فلأنه قال ما يعني ” ذاك يمجدني. ويذكركم بكل شئ. ويعزيكم في حزنكم”، الأمر الذي لم يفعله هو، وكذلك حين قال: “خير لكم أن أنطلق”، وأيضًا ” لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. لكن حينذاك تستطيعون” وكذلك ” فهو يرشدكم إلى جميع الحق”، ولكي لا يعتبروا وهم يسمعون هذه الأقوال أن الروح أعظم ويقعون في كُفر رهيب، لأجل هذا يقول ” يأخذ مما لي” أي أنه سوف يقول نفس الكلام الذي قلته. وعندما يقول ” لا يتكلم من نفسه ” يقصد أنه لا يتكلم بشئ معارض، لن يقول شيئًا من عنده، بل فقط ما قلته أنا. مثلما يقول عن ذاته ” لست أتكلم به من نفسي[34]، هذا يعني، أن لا شئ من هذا الكلام الذي أقوله هو خارج عن أقوال الآب، لا شئ لديه مناقض لذاك وغريب عنه، هكذا أيضًا عندما تحدث عن الروح. “مما لي” تعني أي ما أعرفه أنا، أي من معرفتي، لأن معرفتي ومعرفة الروح واحدة. ” ويخبركم بأمور آتية ” لقد استنفر اهتمامهم لأن لا شئ يشتاق إليه الجنس البشري مثل أن يعرفوا الأمور الآتية التي سوف تحدث. لذلك كانوا يسألونه باستمرار ” أين يذهب؟”، أي مجد يكون هذا؟ (أنظر يو5:14، 36:13). إذن لقد حررَّهم من هذا الإنشغال، إذ يقول إن كل الأمور سوف يقولها لكن مسبقًا حتى تكونوا مستعدين.

   ” ذاك يمجدني” كيف؟ عندما يطلب الرسل اسمى سوف يحقق الروح أعمالاً عظيمة. فسوف يعملون معجزات عظيمة عندما يأتي الروح، لأجل هذا، يقول مشيرًا إلى المساواة: “ذاك يمجدني”. ماذا يقصد بقوله ” جميع الحق” هذا يعني أن الحق يُشهد له بواسطة المعزي، فالمعزي سوف “يرشدنا إلى كل الحق” أي إلى الرب نفسه لأنه أخذ جسدًا بشريًا ولم يحدثهم حديثًا كاملاً عن ذاته، ولم يعرفوا معرفة كاملة عن القيامة إذ كانوا غير كاملين روحيًا.

   وبالنسبة لليهود لم يقل لهم شيئًا روحيًا ساميًا حتى لا يعاقبونه مُعتبرينه مخالفًا لتعاليمهم، وذلك من جراء عدم فهمهم، وعندما أخذ التلاميذ وفصلهم عن قطيعهم ـ إذ كانوا سابقًا خارج كرم يسوع ـ آمن كثيرون وغُفرت لهم الخطايا، وآخرون تحدثوا معه بحسب المنطق الطبيعي، لذا لم يقل لهم الكثير عن ذاته. هكذا فكأنه يقول: إنني لم أقل ما ينبغي أن أقوله، وهذا لا يرجع إلى جهلي بل بسبب الضعف الروحي للسامعين. وحيث إنه قال ” فهو يرشدكم إلى كل الحق” وأضاف ” لا يتكلم من نفسه“، الروح لا يحتاج إلى تعليم، إسمع بولس الرسول حين يقول: ” أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله [35]. إذن فكما أن روح الإنسان هو الذي يعرف الإنسان دون أن يتعلم من آخر، هكذا الروح القدس ” يأخذ مما لي ويخبركم” أي سوف يتكلم بما يتفق مع أقوالي. ” كل ما للآب هو لي“. إذن الباراكليت سوف يثبت أقوالي الخاصة، وهذه الأقوال هي للآب، إذن فهو يخبر بكلام الآب الذي هو كلامي.

   لماذا لم يأتِ الروح قبل رحيل المسيح من العالم؟ لأن اللعنة لم تكن قد بَطُلت بعد، والخطية لم تكن قد هُزمت، وكان الجميع لا يزالون تحت القصاص، لذا لم يكن ممكنًا أن يأتي. وكان لابد للعداوة أن تنتهي وأن تتصالحوا مع الله وبعد ذلك تقبلون تلك العطية. لكن لماذا يقول “سأرسله[36]. أي سوف أعَّدكم لكي تقبلوه، لأنه كيف يُرسل ذاك الذي هو حاضر دائمًا؟ أراد إذن أن يُظهِر لهم تمايز الأقانيم. هناك سببان وراء ما قاله: أولاً: كان هؤلاء مرتبطين به بشدة، فلابد أن يقنعهم بأن يقبلوا إلى الروح ويطيعوه، لأجل هذا أيضًا جعل الروح يصنع عجائب لكي يدركوا قدرته ومكانته. وكما أن الآب يستطيع أن يُحضر الكائنات إلى الوجود إلا إنه جعل الابن يفعل ذلك، هكذا أيضًا فقد جعل الروح يفعل كل هذه الأمور لكي يدركوا قوته. لأجل هذا أيضًا تجسد الابن ولكنه جعل الروح هو الذي يتمم كل ما فعل. لقد وجد البعض في محبة الابن غير الموصوفة دافعًا للكفر؛ إذ اعتبروا الابن المتجسد أقل من الآب. ونحن نقول لهم: ما الذي سوف تقولونه عن الروح؟ لأنه لم يأخذ جسدًا. إنكم لن تقولوا بالطبع لأنه، لهذا السبب، أعظم من الابن، ولا الابن أقل منه. إننا ننال عمل الثالوث في المعمودية، حيث إن الآب يمكن أن يفعل كل شيء وكذلك الابن والروح القدس. الثالوث حاضر في الحياة السرائرية حتى لا يتشكك أحد في الابن والروح القدس، فنحن نتعلم شركة الأقانيم أثناء شركة عطية تلك الخيرات السرائرية.

   حقًا إن الابن يستطيع أن يفعل كل هذه الأمور بمفرده حيث انه يشترك مع الآب والروح القدس أيضًا أثناء المعمودية. أرجو أن تسمع هذه الأقوال بوضوح إذ يقول لليهود: ” ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا[37]، وأيضًا        ” لتصيروا أبناء النور[38]، و ” أنا أعطيها حياة أبدية[39]. وبعد ذلك يقول: ” أما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل[40]. دعونا نرى أيضًا الروح الذي يصنع هذا بعينه. أين نراه يفعل ذلك؟ نرى هذا في الشواهد الكتابية الآتية: “ ولكل واحد يُعطى إظهار الروح للمنفعة[41]. ] ذاك الذي يمنح هذه يستطيع بالأكثر جدًا أن يغفر الخطايا[، وأيضًا ” الروح هو الذي يُحيي[42]. و”سيحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم[43].” و ” أما الروح فحياة بسبب البر[44]. وأيضًا ” إذا أنقدتم بالروح فلستم تحت الناموس[45]، ” إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا آبا الآب[46]، أليس ما فعله (الآب) فعله (بواسطة) الروح، ولذا بولس كتب إلى أهل كورنثوس قائلاً: ” ولكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم بإسم الرب يسوع وبروح إلهنا[47].

   إذًا فلأنهم سمعوا كثيرًا عن الآب ورأوا الابن يتمم أعمالاً كثيرة، بينما لم يكونوا يعرفون شيئًا بعد بوضوح عن الروح، جاء دور الروح القدس ليصنع معجزات ويمنح المعرفة التامة. لكن لئلا يعتبر البعض إنه بسبب هذا الدور الذي سوف يقوم به فهو يعتبر أعظم من الابن (كما قُلت سابقًا)، قال لتلاميذه ” كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية“.

   هل الروح سيسمع كلام الآب ثم ينقله للتلاميذ؟ يقول البعض إن لديه معرفة كاملة فقط لأجل أولئك الذين سيسمعون. وأنا أقول لهم: أي مخالفة أكثر من تلك المخالفة التي تراها في هذه الأقوال التي يتقولون بها عن الروح؟. على الجانب الآخر ما الذي سوف يسمعه؟ أليس كل هذا الكلام قيل بواسطة الأنبياء؟ سوف يتحدث عن إبطال الناموس، ونحن نقول: قد قيلت هذه الأقوال، وإنه سيتحدث عن المسيح، وإلوهيته وتدبيره، نقول: لقد قيل كل ذلك. فما هو الأهم الذي سوف يقوله بعد كل ذلك؟ ” يخبركم بأمور آتية” هنا يبرهن ـ قبل أي شيء ـ على رتبته ومكانته في الثالوث كأحد الأقانيم الثلاثة، فإنه من صفات الله أن يعرف ما سيحدث في المستقبل. هنا يُعلن أن لديه المعرفة الكاملة والدقيقة عن الله وليس مثل الأنبياء الذين تنبأوا عن بعض الأمور. لذا يستحيل على الروح أن يقول شيئًا مختلفًا عما لدى الآب والابن.

   ” يأخذ مما لي ” أي ستكون له نفس المعرفة التي لي وهو مثلي ليس في احتياج أن يتعلمها من آخر، فالمعرفة واحدة بالنسبة لي وله. إنه يحدثهم هنا بهذه الطريقة حتى يتعرفوا على الروح ويصدقوه وحتى لا يعثروا، إذ سبق وقال لهم ” معلمكم واحد المسيح[48]، حتى لا يظنوا أن سماعهم للروح فيه معصية. فالتعليم هو واحد، تعليمي وتعليم الروح. كأنه يقول لهم: لا تظنوا أن تعليم الروح مختلف، طالما أن تلك التعاليم هي من تعاليمي وتكوَّن مجدي الخاص، لأنها بمشيئة الآب والابن والروح القدس. هكذا يريد أن نكون نحن هكذا، لذا قال: ” ليكونوا واحدًا كما نحن[49].

 

المحبة والوفاق:

   لا شيء أفضل من الإتحاد والإتفاق، فيهما يصير الواحد واحدًا في كثيرين، فإن كان يوجد اثنان أو عشرة لهم نفس الرأي والوحدة، فلن يصبح الواحد من العشرة هو واحد بعد، بل كل واحد من هؤلاء يصير عشرة أضعاف، وسوف تجد في العشرة واحد وفي الواحد عشرة. والعدو لا يقدر عليهم لأنه بينما يقاتل واحدًا منهم يجد نفسه يقاتل عشرة. هل يفتقر الواحد لأي شيء؟ لا، ليس هو في إحتياج بل له ما يكفيه من حيث القسم الأعظم (التسعة)، والجزء الصغير (الواحد) يغتني بالتسعة (الجزء الأكبر). كل واحد من العشرة له عشرون يد وعشرون عين وأرجلاً وإمكانيات أخرى كثيرة.

   إذن لن يرى بعينيه فقط بل بأعين الآخرين، لا يستند فقط على أرجله بل على أرجل الآخرين، لا يعمل فقط بيديه بل بأيدي الآخرين. لديه عشرة نفوس. وبذلك لن يكون وحيدًا بمفرده في إعتنائه بنفسه بل إن الآخرين يعتنون به. ولو كانت العشرة مائة فسيحدث نفس الأمر وسوف تتسع قوتهم.

   هل رأيت كيف أن المحبة القوية تجعل الواحد لا يُهزم بل تتضاعف قوته؟ كيف يُوجد الواحد في كل مكان أيضًا؟ بمعنى يُوجد في بلاد فارس وفي نفس الوقت في روما؟ فما لم تنجح فيه الطبيعة البشرية، تحققه المحبة؟ بالمحبة يُوجد هنا وهناك. فإن كان لديه ألف صديق أو ألفان، تأمل عندئذٍ في مدى قوته المتزايدة. هل رأيت مدى تزايد المحبة؟ فالمحبة تجعل الواحد يصير ألوفًا. لماذا إذن لا نحصل على هذه القوة ونؤَّمِن ذواتنا؟ هذا هو أعظم من كل سلطان وغِنى. فالمحبة أكثر أهمية من الزعامة ومن النور نفسه، لأنها سبب الفرح. حتى متى نحصر محبتنا في واحد أو اثنين؟

   اعرف الأمر من نقيضه. فإن كان المرء ليس له صديق، الأمر الذي يعتبر مثالاً للحماقة (لأن الجاهل يقول ليس لي صديق)، فأي حياة يعيشها؟ حتى لو كان ما زال لديه ثراء ويحيا في رغد العيش، أو يكسب خيرات لا حصر لها، إلا إنه سينتهي إلى مصير يكون فيه مجردًا وعاريًا من كل شيء. أما بالنسبة للإنسان الذي له كثير من الأصدقاء والأحباب والمحبين، فحتى أن كانوا فقراء، يصيرون أغنياء ومن الأغنياء، والعمل الذي لا يستطيع أن يقوم به هذا الإنسان بنفسه يقوم به الصديق الآخر، وكل ما لا يستطيع أن يمنحه لنفسه يمكن أن يتم من صديق آخر، وسيصبح الأصدقاء سبب فرح لنا وآمان. فإن مثل هذا الإنسان لا يمكن أن يعاني من أي شر في اللحظة التي يكون فيها مُحاطًا بالأصدقاء ويتمتع بحمايتهم.

   وإن كان حُراس الملك يجتهدون وينشغلون بحراسة الملك، إلا إنهم يتممون هذه الأعمال عن خوف واحتياج، بينما هؤلاء الأصدقاء بدافع المحبة يعتنون بصديقهم ويحرسونه ليس عن خوف. لذا لا يخاف هذا الإنسان من مؤامرات قد تُحاك ضده من الأصدقاء مثل شعور الملك تجاه حُراسه.

   ليتنا نستفيد إذًا من هذا الصلاح. فليشعر الفقير بالعزاء في فقره، والغني فليكن عنده أمان في غِناه، والرئيس فليمارس سلطته بآمان، والمرؤوس ينال القبول من رؤسائه. إذًا فالمحبة والوفاق يجلبان الهدوء والسكينة، هنا نبع الوداعة. فالوحوش لا تحيا في شكل قطيع بل تحيا في رُعب وخوف. لأجل هذا نحن نسكن المدن ولدينا أسواق لكي يتآلف الواحد مع الآخر. لقد أعطى بولس الرسول هذه الوصية، قائلاً: ” غير تاركين إجتماعنا[50]، لأن لا شيء يكون أكثر شرًا من الإنعزال، والإنسحاب وتجنب العلاقات بين البشر بعضهم مع بعض. فماذا ـ إذًا ـ بالنسبة للرهبان الذين احتلوا قمم الجبال؟.

   أقول لكم: ولا حتى أولئك هم بدون أصدقاء، ولكنهم تجنبوا ضوضاء السوق، وأصدقاءهم كثيرون من الذين لهم نفس توجهاتهم ومرتبطين بشدة فيما بينهم، ولكي يصلوا إلى ذلك إرتحلوا إلى الجبال. فإن العِراك من أجل الأشياء العالمية يخلق نزاعات كثيرة، لأجل هذا، تركوا العالم ومارسوا المحبة باهتمام كبير.

   ماذا إذن، إن كان شخص، يقول إنه وحيد بينما الآخر له أصدقاء لا حصر لهم؟ إنني أريد بكل تأكيد، أن يتآلف الواحد مع الآخر، وأهم شيء هو أن الصداقة ثابتة. والمكان لا يصنع الأصدقاء، فالمحبة بين الأصدقاء هي الأهم. وهؤلاء أيضًا يُصلَّون لأجل كل المسكونة، الأمر الذي يبرهن على الصداقة الكاملة. ولذلك فالواحد يقبل الآخر أثناء تتميم الأسرار، لكي يصير الكثيرون واحدًا، وجميع الداخلين للإيمان يصلون صلاة واحدة، ونطلب جميعًا من أجل المرضى، وثمار المسكونة ومن أجل الأرض والبحر. هل رأيت قوة المحبة في الصلوات، وفي الأسرار، وفي النصائح والإرشاد؟ أنها السبب وراء جميع كل الصالحات. دعونا نمارس المحبة بطريقة تليق وننظم حياتنا الحاضرة جيدًا وسوف ننال الملكوت السمائي الذي ننتمي إليه جميعًا. ليتنا نناله بنعمة مُحب البشر ربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور أمين.

[1] العناوين الجانبية من وضع المُترجم.

[2] يو26:15ـ27.

[3] يو14:8.

[4] أع41:10.

[5] يو1:16.

[6] يو2:16.

[7] يو2:16.

[8] يو3:16.

[9] مت11:5ـ12.

[10] يو4:16.

[11] يو3:16.

[12] يو21:15.

[13] يو20:15.

[14] مت2:7.

[15] مت45:25.

[16] لو25:16.

[17] يو36:13

[18] يو5:14.

[19] يو8:14.

[20] لو22:6.

[21] يو2:16.

[22] يو4:6ـ6.

[23] 2كو7:2.

[24] مت17،10ـ 18.

[25] يو5:16ـ6.

[26] يو7:16.

[27] يو7:16.

[28] هنا يقصد الرأي الهرطوقي بأن الروح القدس هو مجرد عبد مخلوق.

[29] يو7:16.

[30] يو8:16.

[31] يو10:16.

[32] يو11:16.

[33] يو13:16ـ15.

[34] يو10:14.

[35] 1كو11:2.

[36] يو26:15.

[37] يو10:2.

[38] يو36:2.

[39] يو28:10.

[40] يو10:10.

[41] 1كو7:12.

[42] يو63:6.

[43] رو11:8.

[44] رو10:8.

[45] غلا18:5.

[46] رو15:18.

[47] 1كو11:6.

[48] مت8:23.

[49] يو11:17.

[50] عب25:1.

 

روح الحق – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جورج عوض إبراهيم

الآلام المحيية – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الآلام المحيية – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

الآلام المحيية – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

الآلام المحُييّة

للقديس يوحنا ذهبي الفم

 

عذابات وإهانات فاقت كل الحدود[1]:

   ” فأخذ عسكر الوالي يسوع إلى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتيبة، فعروه والبسوه رداءً قرمزيًا وضفروا إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه وقصبة في يمينه وكانوا يجثون قدامه ويستهزأون به قائلين السلام يا ملك اليهود” (مت27:27ـ29).

 

    لقد رقص الشيطان في الجميع دلالة على أن الحسد والشر قد سادا على اليهود، وتعاملوا مع المسيح بقسوة وعدم حياء. لكن من أين ولأي سبب كان تعامل الجنود سيئ هكذا؟ أليس من الواضح جدًا في ذلك الوقت أن الشيطان هو الذي وضع في الجميع هذا الهوس المملوء حنقًا؟ ومن أجل هذا تلهوا هؤلاء المفترسين والمتوحشين بالشتائم التي وجهوها للمسيح. وكان ينبغي أن يخجلوا ويبكوا، كما فعل الجمع، إلا أنهم لم يفعلوا هذا، بل بالعكس أهانوه، ورقصوا بنشوة، ربما لكي يشكروا اليهود، أو أنهم فعلوا كل هذا، بسبب طبيعتهم الخاصة التي تتسم بالسلوك الشرير. وإهاناتهم كانت كثيرة ومتنوعة، لأنهم تارة كانوا يضربون رأس المسيح المقدسة، وتارة أخرى يعاملوه بإهانة بوضع أكليل الشوك على رأسه، ومرة يضربونه بالقصبة، إنهم حقًا رجال يوصفون بالخسة والوحشية.

 

    إذًا هل يحق لنا أن نتذمر إذا تعرضنا للإهانة، بعد كل ما عاناه المسيح و تألم به؟ لأن ما حدث كان أقصى حد يمكن أن تصل إليه الإهانة. وكما ترون لم يُضرب عضوًا واحدًا، بل كل الجسد بكل ما فيه أُهين، الرأس يوضع عليه إكليل الشوك، ويتلقى الضربات، والوجه تعرض للبصق، والخد لُطم. كل الجسد جُلد، ألبسوه ثوبًا إرجوانيًا، وكانوا يسجدون له بتهكم، وضعوا في يده قصبة، بدلاً من صولجان، والفم أيضًا سقوه خلاً بواسطة أسفنجة. وهل كان يمكن أن ينال ما هو أكثر بشاعة من كل هذا؟ وهل هناك ما هو أكثر وضاعة من هذه (الإهانات)؟ لأن ما حدث يتجاوز كل وصف. لقد صنعوا كل شيء، كأنهم يخشون من أنهم يبدون وكأنهم قد فاتهم شيء من عملهم المشين، بعدما قتلوا الأنبياء بنفس الأيدي. أما بالنسبة للمسيح فقد صاروا قتلة بحكم القضاء، وأصدروا حكم محكمة، وشاركوا بيلاطس في إصداره، قائلين: “دمه علينا وعلى أولادنا”[2]، ورقصوا بهوس وعاملوه بإهانة، وهم أنفسهم الذين قيدوا يسوع وقادوه، وصاروا سببًا في إهانات الجنود، وسمروه على الصليب، وجدفوا، وكانوا يبصقون عليه ويسخرون منه. إذ لا شيء هنا قد فعله بيلاطس، بل إن كل شيء قد فعله هؤلاء. لقد صاروا ممثلي إتهام، وقضاه، وشعب، وكل شيء.

 

إتضاع لا مثيل له:

    وهذه الأمور نقرأها نحن، حين يكون الكل مجتمعين. حتى لا يقول الأمم أننا نهدف إلى الإشارة إلى الأمور الحسنة والبهية فقط، مثل الآيات والمعجزات التي حدثت للجموع والشعوب، وأننا نخفي الإهانات. فإن نعمة الروح القدس رتّبت أن تُقرأ كل هذه الإهانات في هذا الإحتفال العام، عندما يكون جموع الرجال والنساء حاضرين، وبشكل عام عندما يكون الجميع حاضرين في مساء يوم البصخة العظيم. فعندما تكون كل المسكونة حاضرة، عندئذ يُبشر بهذه الأمور بصوتٍ عالٍ. وبرغم أن هذه الأمور الصعبة تُقرأ وتصير معروفة للجميع، فإن الإيمان بأن المسيح هو الله، يقوى ويزيد ويُسجَد للمسيح، لأنه قَبِل أن يتضع إلى هذا الحد الكبير، من أجلنا، حتى أنه جاز كل هذه الآلام، لكي يُعلّمنا كل الفضائل.

 

    إذًا هذه الأمور نقرأها على الدوام، لأن الربح من وراء هذا كثير جدًا، وعظيمة هي الفائدة. لأنه حين تراه وهو يُستهزأ به بإشارة اليد، أو بالفعل، وأن يُسجد له بسخرية شديدة، ويُلطم، وأن يتألم من كل هذه الأمور الرديئة، فإنك ستذوب أسرع من أي شمع حتى إن كنت متحجر القلب، وستنزع من نفسك كل غضب.

    اسمع إذًا ماذا حدث بعد ذلك. ” مضوا به للصلب” (مت31:27) بعدما عروه، أخذوا ثيابه وأقتسموها مقترعين عليها، وجلسوا منتظرين موته، الأمر الذي يحدث لأكثر المتهمين حقارة وإجرامًا، والذين ليس لهم أي أحد (ليُعينهم)، ويعيشون في وحدة تامة. إقتسموا تلك الثياب التي جرت منها معجزات كثيرة. لكنه لم يفعل أي شيء وقتها، رغم أن المسيح له المجد يملك قوة فائقة. وهذا الأمر لم يكن عيَّنة بسيطة لفقدان الوعي أو لعدم الإتزان. لأنهم (أي اليهود) تجرأوا على فعل كل شيء، كأن الأمر متعلق بشخص فاسق ومجرم، كما قلت، ومحتقر بالأكثر. أنهم لم يتصرفوا هكذا مع اللصين، أما بالنسبة للمسيح فقد تجرأوا على فعل كل شيء بل وصلبوه بين هذين اللصين، لكي يكون معدودًا مع اللصوص.

    ” وأعطوه خلاً ممزوجًا بمرارة ليشرب، ولم يرد أن يشرب” (مت34:27).

     فعلوا هذا لكي يتهكموا عليه، لكن يسوع لم ينطق بكلمة، والإنجيلي الأخر (أي يوحنا) يقول ” فلما أخذ يسوع الخل” قال ” قد أكمل[3]. ماذا يعني بعبارة ” قد أُكمل”؟ أي تمت النبوة عن المسيح، التي تقول: “ ويجعلون في طعامي علقمًا وفي عطشي يسقوني خلاً[4]. لكن ولا يوحنا، قد بيّن أنه شرب (الخل) لأنه لا يوجد إختلاف بين حقيقة أنه قد ذاق فقط، وحقيقة وأنه لم يشرب، بل يعني أن هذا الأمر وذاك هو شيء واحد.

 

    بل إن هذا السلوك الإجرامي لهؤلاء المهووسين، لم يتوقف عند هذا الحد بل إنهم بعدما عرّوه، وصلبوه، وقدموا له خلاً، ذهبوا إلى أبعد من ذلك، إذ قد تهكموا عليه وهم ينظرونه مُسمّرًا فوق الصليب، سواء حدث هذا من قِبَل هؤلاء أو من قِبل المجتازين أمام الصليب، وهذا يعد أسوأ ما يمكن أن يحدث لبشر، بمعنى أنهم رأوا أن معاناته لكل هذه الآلام تعد أمرًا مُبررًا، وأنه مخادع ومحتال، وكمتباهي غير متعقل قد أفتخر بكل ما قاله. من أجل هذا صلبوه بشكل علني، وتهكموا عليه أمام الجميع، ولهذا صلبوه بأيدي العسكر، ولكي يطيلوا من أعمالهم المجنونة، تجرأوا على فعل هذه الأمور في محاكمة علنية.

 

    ومَن ذا الذي لن يجعل العامة التي تبعته وناحت عليه أن تشفق عليه؟ أما هؤلاء الوحوش فلا يشفقون. ومن أجل هذا، فإن يسوع يعتبر أن هؤلاء العامة مستحقون أن تُسمع تضرعاتهم بينما الذين عذبوه فهم غير مستحقين. لأنه بعدما فعلوا كل ما أرادوه، شرعوا يلوثون سيرته، لأنهم خافوا من قيامته من الأموات. من أجل هذا أخذوا يتهكمون عليه علانية، وصلبوا معه لصيّن، راغبين في أن يُظهروا أنه مُحتال فقالوا “يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلّص نفسك إن كنت ابن الله فأنزل عن الصليب”[5]، ولأن بيلاطس لم يسمع لهم عندما طلبوا منه أن يحطم العلة التي كان مكتوب عليها هذا هو يسوع ملك اليهود، بل رفض، قائلاً: “ما كتبت قد كتبت”، فحاولوا بتهكمهم أن يُظهروا بأنه ليس ملكًا ولهذا قالوا: ” إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب”، وقالوا ” خلّص آخرين أما نفسه فما يقدر أن يخلّصها[6]، مُحاولين بهذا أن يُشهّروا ويشككوا بالمعجزات التي صنعها، ثم قالوا ” قد إتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده[7].

 

    حقًا هؤلاء يتسمون بالخسة ويثيرون الإشمئزاز! لماذا يا ترى كل هذا الافتراء؟ هل الأنبياء لم يكونوا أنبياء، أو أن الأبرار لم يكونوا أبرارًا، لأن الله لم يجنبّهم الأخطار؟ بالتأكيد كانوا أنبياء وابرار، بل وحين عانوا كل تلك الآلام (كانوا أنبياء وأبرارًا). إذًا هل هناك حماقة مثل حماقاتهم؟ لأنه إن كانت معرفة الإضطهادات والآلام التي تحملها الأنبياء لم تلوث سيرتهم، بل وحين تألموا ظلوا أنبياء، فبالأكثر جدًا ما كان ينبغي أن يتعثر أحد في المسيح، في كل ما عمل وتكلّم به، من أجل أن يغيّر أذهاننا.

    لكن رغم كل ما قالوه وصنعوه، لم يتمكنوا من أن يفعلوا  أي شيء، ولا في ذلك الوقت (أي في القديم). هكذا فإن ذاك (أي اللص اليمين) الذي فسد في الشر، وأمضى حياته كلها في القتل والسرقة، عندما قيلت هذه الأمور تحديدًا، وقتها إعترف به أنه إله، وتذكّر الملكوت[8]. وناحت الجموع بأنين على المسيح له المجد، برغم أنه بات واضحًا أن كل ما حدث كان سيتأكد بطريقة عكسية بالنسبة للذين لم يفهموا سر التدبير الإلهي، والذين كانوا يروا أنه من المستحيل أن يحدث شيء، سوى ما شاهدوه، تأكدوا بأن العكس هو الحقيقة التي ثبت صحتها.

 

فلنتمثل بالمسيح:

   إذًا ونحن نسمع كل ذلك، فلنسلح أنفسنا ضد كل غضب. حتى ولو كان قلبك مشتعلاً، إختم صدرك واضعًا عليه الصليب، تذكّر شيئًا من تلك الأمور (الآلام) التي تعرض لها المسيح وستشعر وكأنك تلقي ترابًا على غضبك (المشتعل)،. فكّر في أقواله وأفعاله، فكّر في أن  المسيح كان سيدًا، بينما أنت عبد، وأنه تألم من أجلك، بينما أنت تحيا لأجل نفسك، تألم من أجل الذين صلبوه وأحسن إليهم، بينما أنت تحيا لنفسك، تألم من أجل الذين أهانوه، بينما أنت مرات عديدة، تحيا على حساب أولئك المظلومين، لقد تألم أمام أنظار المدينة كلها. أو ربمّا أمام أعين كل اليهود والأغراب وأهل المدينة الذين كلمهم كلامًا مملوءًا رحمة، بينما أنت تتألم أمام قليلين، بل والأسوأ بالنسبة له أنه تُرِكَ من قِيل تلاميذه. لأن هؤلاء الذين سبق وأظهروا له كل وقار وتقدير تركوه، أمام أعدائه ومقاوميه. بعدما أخذوه، سمروه على الصليب في الوسط (أي بين لصّين)، أهانوه، جدّفوا عليه، سخروا منه، إستهزوا به، تهكم عليه اليهود من أسفل، والجنود من أعلي، وتهكم عليه اللصان من الجانبين، لأن اللصان كليهما قد أهناه وسخرا منه.

 

    إذًا كيف يقول لوقا أن واحدًا قد جدّف عليه[9]؟ الأمران قد حدثا لأن الاثنين تهكما عليه في البداية، لكن بعد ذلك لم يحدث هذا. لكي لا تعتقد أن الأمور صارت بخلاف ذلك، وأن اللص بقى لصًا، فوق الصليب ومن خلال الإهانة (التي وجهها للمسيح) يظهر لك بأنه لص وعدو. إذًا فكّر في كل هذا، وواجه بصبر وإحتمال كل الصعوبات. لأنه بماذا تألمت من كل ما تألم به سيدك؟ هل أُهنت علانيةً؟ بل إن الأمر لم يقتصر على ذلك. هل إستُهزأ بك؟ قد يحدث، لكن بدون آلام تصيب جسدك كله، ولا بسياط على جسد عاري.

 

    ويمكنك أن تُضيف أشياء أخرى، من قِبل مَن عانى كل هذه الآلام، ولماذا، بل والأسوأ من كل هذا، أن لا أحد إعترض على كل ما حدث أو أدانه. بل بالعكس إمتدحوا ما حدث، وإستهزوا به، وضايقوه وجدفوا عليه كمتباهي وكمخادع، وغاش، ولا يقدر أن يُبرهن في الحال على تلك الأمور التي تكلّم عنها. أما المسيح له المجد فقد صمت في كل شيء، وصنع أدوية فعالة من أجلنا بطول الأناة.

    لكن نحن الذين نسمع كل هذا، لا نظهر صبرًا ولا حتى تجاه العبيد، بل نثور ونركل أكثر من الحمير المتوحشة. إذا كان الأمر يخصنا نصير قساة ومتوحشين، بينما إذا كان يخص الله، لا نُعطي أهمية كبيرة. ونسلك بطريقة مماثلة في مواجهة الأصدقاء، وعندما يُسبب لنا أحد ألمًا فإننا لا نحتمله، وإن أهاننا نتحول إلى متوحشين أكثر من الوحوش، نحن الذين نطالع هذه الأمور يوميًا. أما بالنسبة للمسيح، فقد خانه التلميذ (أي يهوذا)، والآخرون تركوه ورحلوا، والذين أحسن إليهم بصقوا عليه. عبد رئيس الكهنة لطمه، الجنود تهكموا عليه، والمارة إستهزأوا به وجدّفوا عليه، اللصان اتهماه، ولم ينطق بشيء في واحدة من تلك التهم، لكنه واجه الجميع بالصمت، مُعلمًا إياك أنه قدر ما تعاني بهدوء، بقدر ما ستنتصر بالأكثر على كل مَن يصنع بك شرًا، وستنال تقدير الجميع.

 

    لأنه مَن ذا الذي لا يُعجب، بمن يتألم ويعاني بهدوء، تجاه أولئك الذين يعذبونه؟ مثلما لو أن أحد برغم من أنه يُعَاقَب بعدل، مُتحملاً العقاب بهدوء، فيعتقد الكثيرون أنه عُوقب ظلمًا، هكذا فعندما يتألم ظلمًا، لكنه يعترض بوقاحة، فإنه سيُعطي إنطباعًا أنه بعدل عُوقب، وسيصير مثارًا للسخرية، لأنه ينجرف نحو الخطأ بسبب الغضب، ويقع أسيرًا (لغضبه)، ويفقد وقاره. هذا لا يمكن أن يدعوه أحد حرًا، حتى ولو كان سيدًا لآلاف العبيد. لكنك ستعترض بأن فلان سخط عليك كثيرًا. وما معنى هذا؟ يعني تحديدًا أنه ينبغي عليك أن تُظهِر احتمالاً، فالوحوش أيضًا يمكن أن نراها مستأنسة أو أليفة. ومن ناحية أخرى، فإن هذه الوحوش ليست في حالة هياج مستمر، إلا إذا آثارها أحد. إذًا إن كان هدوءنا مرتبطًا فقط بعدم إثارة أحد لنا، فماذا فعلنا أفضل (من الحيوانات المتوحشة)؟ وتلك الوحوش في مرات كثيرة تثور بشكل مُبرر، لأنها حين تتحرك وتتصادم تهيج. وبالإضافة إلى ذلك فإنها لا تملك عقلاً، وفي طبيعتها أن تثور وتهيج. أما أنت، كيف يمكنك أن تعتذر أو تطلب المسامحة، عندما تثور وتصبح متوحشًا؟ ما هو الألم الذي عاينته؟ هل وقعت ضحية خطف؟ من أجل هذا تحديدًا يجب أن تحتمل، لكي تربح أكثر. هل خسرت مجدًا ما؟ وماذا يكون هذا؟ لأنك إذا فكرت فيه جيدًا، فستجد أن ما تملكه لا ينقص شيئًا، بفقدان هذا المجد. أما إذا كنت لا تُعاني من أي سوء أو شر، فلماذا تغضب وتثور على مَنْ لم يصنع بك أي شر؟ لأن الذين يشيدون بالغاضبين، يجعلونهم بالأكثر متباهين، بينما الذين يشتمون ويحتقرون كل مَن يلاحظون أنفسهم، يجعلونهم بالأكثر مُحتملِين. فلو أننا اتّسمنا بالهدوء، فإن هؤلاء سيصيرون بالنسبة لنا سبب إحتمال. أما أولئك فإنهم يُثيرون فينا أنانيتنا، ويملؤننا بالزهو وبالمجد الباطل، والحماقة، ويجعلون نفوسنا أكثر ضعفًا.

 

   والآباء يؤكدون هذه الأمور، فهم لا يتملقون أبناءهم كثيرًا، بل يجعلونهم متضعين، خوفًا من احتمال تعرضهم للخسارة بسبب التملق. بل والمعلمون يستخدمون نفس العلاج تجاه من يتملقونهم. وحتى إن كان يجب أن نتوجه بالإرشاد للبعض فينبغي أن نوجهّه للذين يتملقوننا، أكثر من هؤلاء الذين يهينوننا. لأن هذا الُطعم (أي التملق) بسّبب ضررًا أكثر من الإهانة، هذا ومن الصعوبة بمكان أن تنحصر في هذا الأمر. والأكثر صعوبة هو احتمال الإهانة .

 

إحتمال الإهانة يجلب الخيرات:

   إن مكافئة احتمال الإهانة هي كبيرة جدًا، والإعجاب بالإحتمال أكثر عظمة. لأنه بالحق هو أمر يستحق الإعجاب أكثر من أي شيء، أن ترى إنسانًا يُهان ولا يرد الإهانة، أو يُضرب ولا يُقاوم. وكيف يمكن إلا يدافع عن نفسه؟ هل أهانك أحد؟ إذًا فإرشم على صدرك علامة الصليب. تذكّر كل ما حدث للمسيح وعندئذٍ سيُمحَى كل شيء. لا تنظر فقط إلى الإهانات، فهي قد تجلب لك خيرًا، وتجعلك وديعًا ومترفقًا. أو من الأفضل أن نقول تذكّر في كل الأحوال مخافة الله، وسرعان ما تصبح لطيفًا ورقيقًا.

 

    بالإضافة إلى هذا، تعلّم من عبدك كيف يكون الاحتمال وبذلك يمكن أن ترى نفسك فيه وهو يُهان، ويصمت. فكّر فيما يُظهره من إحتمال كبير، وأَدنْ نفسك، وتعلّم كيف لا ترد الإهانة، وبهذه الطريقة فإنك لن تتألم حتى حين تُهان. فكّر أن الذي يهينك أصابه الخبل وكأنه قد فقد صوابه، وعندئذٍ لن تغتاظ. لأن الذين ساد عليهم الشيطان، يضربوننا، أما نحن فإننا ليس فقط لا ندافع عن أنفسنا، بل ونترفق بهم.

 

    وأنت أيضًا إفعل هذا، تراءف على من ٍيُهينك، فهو خاضع تحت سيطرة وحش جبار، وهو الغضب، وسيطرة شيطان مخيف، وهو الحنق أو السخط. حرر ذاك الذي يأسره شيطان مرعب، وسيتحطم تمامًا خلال فترة قصيرة. لأن هذا المرض له طبيعة خاصة، حتى أنه لا يحتاج إلى وقت طويل، حتى يهلِك مَنْ يسيطر عليه. أردت من كل هذا أن أبيّن، وبشكل أساسي، طغيان أو إستبداد الغضب، أي أنه في وقت قصير يمكن أن يُثير شرورًا كبيرة، أي أن تأثيره المدمر يظهر سريعًا.

 

    أردت أن أبيّن أيضًا مَن هو الذي يُهين، ومَن الذي يحتمل، وأن أظهر نفس كل واحد عارية. سترى حينئذٍ، أن هناك نفسًا تشبه عرض البحر الذي يضطرب بالأمواج، والأخرى تشبه ميناء هادئًا خاليًا من اضطرابات البحر. إذ أن تلك النفس لا تضطرب من الشياطين، بل بالحري تغلبها بسهولة. لأن الذين يهينون يصنعون كل شيء حتى وكأنهم ينهشون غيرهم. وعندما يفقدون رغبتهم ينسحبون، ويتراجعون بتعقل. لأنه من غير الممكن للإنسان الذي يغضب، أن لا يدين نفسه، مثلما أنه من غير الممكن لإنسان لا يغضب أن يدين نفسه. لأنه حتى وإن كان يتحتم عليك أن تهاجم، فيمكنك أن تفعل ذلك بدون غضب، بل بهدوء وتعقل، ودون أن تُصاب بأي شيء كريه. لأنه إن أردنا (أن نفعل هذا)، فستأتي الخيرات بنعمة الله، وسنُصبح مكتفين في أماننا وكرامتنا.

 

لنسلك باستقامة ضمير:  

   لماذا إذًا تطلب المجد من آخر؟ عليك فقط أن تسلك بكرامة، ولن يستطيع أحد أن يهينك. لكن إن أهنت نفسك، فلن تُكرّم، حتى وإن كان الجميع بعد يكرمونك، لأنه كما أننا حين لا نرغب أن نضع على أنفسنا شرورًا، فإنه لا يستطيع أحد أخر أن يُصيبنا بشر؛ هكذا حين لا نهين أنفسنا، فإنه لا يستطيع أحد أخر أن يهيننا. فلنفترض أن هناك رجل له مكانته ووقاره، وأن الجميع يدعونه زانيًا، وسارقًا، ونابشًا للقبور، وقاتلاً، ولصًا، لكنه لا يغضب ولا يغتاظ، ولا يصدق أي شيء من ذلك عن نفسه. فأي إهانة ستلحقه من جرّاء هذا؟ لا شيء، وبناء على ذلك فهل ستتأثر مكانته إذا كان هذا هو رأي الكثيرين عنه؟ لن تنقص مكانته في شيء بهذا الرأي، بل بالعكس هؤلاء سيخجلون من أنفسهم، لأنهم يظنون أنه هكذا، بينما هو ليس كذلك. أخبرني، لو أن شخصًا يعتقد أن الشمس مظلمة، هل هو يدين معارفه أم يدين نفسه؟ من الواضح جدًا أنه يدين نفسه، لأنه يعطي إنطباعًا عن نفسه أنه أعمى أو مجنون. هكذا أولئك الذين يعتقدون أن الأشرار صالحون، هم أنفسهم يشمئزون من أنفسهم.

 

    من أجل هذا يجب أن نحاول أكثر أن ننقي ضميرنا، وألا نعطي أي دافع (للإدانة)، ولا مجرد شكوك خبيثة. فلو أن البعض يريدون أن يكونوا مجانيين، عندما نسلك نحن هكذا (أي بإستقامة ضمير )، فيجب ألا نعطى لهم أهمية، وأن لا نتضايق.لأن ذاك الذي خرجت عنه سمعة سيئة، بينما هو صالح، لن يُعاق مطلقًا عن أن يكون هو مَن هو (أي صالحًا). وذاك الذي صار موضع شك ظلمًا وبطلانًا، لن يتعرض لأي ضرر. هكذا تمامًا هو الشرير، فهو موضع شك (عن حق)، برغم ما يظهره من صلاح مزيف، فهو لن يربح شيئًا من وراء هذا، بل بالعكس سيُحّمل بخطية كبيرة، وسيوؤل به الأمر إلى وضع أسوء.

 

   لأن ذاك الذي هو شرير، يمكن أن يتّضع ويعترف بخطاياه ولكن عندما يخرج عن طريقة الصحيح، فإنه يسقط في القسوة والعنف. وإن كان الخطاة الذين يدينهم الجميع، بمجرد أن يتأثروا ويرجعوا عن خطاياهم، فهم ليس فقط لن يكونوا موضع إدانة، بل إن البعض يمتدحونهم أيضًا، فمتى يفهم ذلك هؤلاء الذين يعيشون في الخطية؟ ألم نسمع أن بولس أدان الخطية، وأن أهل كورنثوس ليس فقط لم يدعوا الذي زنى مع أمرأة أبيه أن يشعر يخطيته، بأن إستحسنوه وكرموه، بل إنهم بهذه الطريقة دفعوه نحو الخطية[10]؟

 

    من أجل هذا أترجاكم، بعدما نترك شكوك الكثيرين والإهانات، ومظاهر التكريم، فلنسعَ نحو أمر واحد فقط، ألا نملأ ضميرنا بأي شيء خبيث أو شرير مرة أخرى، وألا نهين نحن أنفسنا. لأنه هكذا سواء هنا أو في الدهر الآتي سنتمتع بمجد كثير، والذي نرجو نواله جميعًا بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي له المجد إلى أبد الأبدين آمين.

 

الصلب والموت والقبر والقيامة:       

   ” وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟ أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ فَقَوْمٌ مِنَ الْوَاقِفِينَ هُنَاكَ لَمَّا سَمِعُوا قَالُوا: إِنَّهُ يُنَادِي إِيلِيَّا. وَلِلْوَقْتِ رَكَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَخَذَ إِسْفِنْجَةً وَمَلأَهَا خَّلاً وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ ” (مت45:27ـ48).

 

   هذا هو الجزء الذي كان المسيح قد أشار إليه عندما طلب منه اليهود من قبل أن يصنع آية. فقال لهم: ” جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي” (مت39:12). وكان يعني بهذا الكلام، الصلب، والموت، والدفن في القبر، والقيامة.

 

    ولكي يوضح قوة الصليب قال: ” متى رفعتم إبن الإنسان فحينئذٍ تفهمون إني أنا هو” (يو28:8). ما يقصده، هو الآتي: عندما تصلبونني وتعتقدون أنكم سببتم لي آذىً أو ضررًا، حينها بالضبط ستعرفون قوتي. لأنه بعد الصلب حُطِمَّتْ المدينة، أُبطلتْ العادات والتقاليد اليهودية، فقد اليهود حياتهم وحريتهم، إنتشرت البشارة، وإمتدت كلمة الصليب إلى أقاصي المسكونة. لقد كرز (الرسل) على الدوام بقوة المصلوب، في اليابسة، وفي البحر، في المناطق الآهلة بالسكان، والمناطق غير المأهولة بالسكان.

 

    هذه الأمور إذًا هي ما كان يقصدها، والتي حدثت لحظة الصلب. لأن العجائب التي حدثت أثناء صلبه قد أثارت الدهشة والتعجب أكثر مما حدث أثناء دفنه على أن ما جعل كل ذلك أمرًا يثير الدهشة والتعجب هو أن هذه الأمور قد حدثت من السماء. وما طلبه الرسل، قد تحقق لهم، الأمر الذي لم يحدث على الإطلاق في الماضي في أي مكان، إلا في مصر فقط، عندما كانوا  سيقيمون الفصح. وهذا لأن تلك الأمور التي حدثت قديمًا كانت نموذجًا لهذه الأمور. ولاحظ متى حدثت. حدثت في منتصف النهار حينما كان في كل المسكونة نهار، لكي يعلم بها كل الساكنين على الأرض، الأمر الذي كان كافيًا، لكي يحولهم (أي اليهود إلى الإيمان)، ليس فقط لعظم المعجزة، بل لأنها حدثت في اللحظة المناسبة.

 

    لقد حدثت بعد كل أعمال السكر والتهكم غير اللائق، عندما هدأ الغضب وتوقفوا عن السخرية، وشبعوا من الازدراء، وقالوا كل ما أرادوا أن يقولوه. عندئذٍ ساد الظلام منتصف النهار ويا ليتهم كانوا قد انتفعوا من هذه المعجزة بعدما هدأ غضبهم. هذا بحد ذاته كان أمرًا يستحق الدهشة بالأكثر، أن يصنع هذا وهو على الصليب. فلو كانوا قد آمنوا بأن هذه المعجزات قد صنعها المسيح، لكان ينبغي عليهم أن يؤمنوا وأن يخافوا، أما إن كانوا لم يصدقوا أن المسيح صنعها، بل صنعها الآب، فكان عليهم أيضًا أن يتأثروا بعمق، لأن ذلك الظلام كان تعبيرًا عن غضبه على كل ما تجرّأوا على عمله.

 

    وهذا الظلام لم يكن حجبًا للشمس أو اختفاء لها، بل غضبًا وسخطًا وهذا يتضح من المدة التي ساد فيها الظلام كل المسكونة، لأنه ظل ثلاثة ساعات، بينما الإحتجاب يحدث في فترة زمنية قصيرة، ويعرفه الذين سبق أن نظروه، لأنه حدث في جيلنا. ويتساءل المرء كيف لم يندهش الجميع (أمام هذه المعجزة)، وكيف لم يؤمنوا بأنه هو الله؟[11] لأن جنس البشر كانوا مُصابين آنذاك بأمراض وشرور كثيرة. وبعدما حدثت هذه المعجزة، فإنها عبرت على الفور، ولم يهتم أحد أن يفحص أو يبحث عن السبب، لأن الشك كان كبيرًا والإعتقاد الباطل مع عدم التقوى، كان سائدًا وهو الأمر الذي جرت عليه العادة. وهكذا لم يعرفوا سبب الظاهرة، وربما اعتقدوا أن هذا الظلام الذي ساد، حدث كإحتجاب للشمس، أو لِسبب طبيعي آخر (مرتبط بالطبيعة الكونية).

 

الابن يكرّم الآب:

    ولماذا تشك، فيما يتعلق بالأمم الذين لم يعرفوا شيئًا، ولا سعوا أن يتعلموا بسبب لا مبالاتهم الشديدة، بينما أولئك الذين عاشوا في اليهودية، وبعد كل هذه المعجزات (التي صنعها المسيح)، لا زالوا يهينوه، على الرغم من أنه قد أظهر لهم بكل وضوح، أنه هو الذي صنع هذه المعجزة؟ ولهذا يتكلم بعد ذلك، لكي يعرفوا أنه لا يزال حيًا، وأنه هو الذي صنع المعجزة، حتى يجعلهم هكذا أكثر رأفة. يقول “إلهي إلهي لماذا شبقتني”، لكي ينظروا أنه كان يكرم الآب حتى النفس الأخير، وإنه لم يكن ضد إرادة الآب. ولهذا صرخ هذه الصرخة النبوية، مؤكدًا حتى اللحظة الأخيرة على ما جاء بالعهد القديم. ولم تكن صرخة نبوية فحسب، بل وصرخة عبرانية أيضًا، لكي يظهر لهم (ما حدث) بكل وضوح. وبشكل عام فقد أظهر، من خلال كل ما حدث، مدى طاعته واتفاق إرادته مع إرادة أبيه.

    لكن انظر إلى فسقهم وفجورهم. يقول الكتاب لقد ظنوا أنه يُنادي إيليا، وعلى الفور سقوه خلاً. بينما جاء آخر وطعن جنبه بالحربة. هل يوجد سلوك لا معقول وأكثر وحشية مما لأولئك الذين وصل بهم الهوس إلى هذا الحد، أن يهينوا جسدًا قد فارق الحياة؟ أرجوك إذًا أن تلاحظ الأسلوب الذي نفذ به هؤلاء إجرامهم، من أجل تتميم خلاصنا. لأنه بعد هذا الجرح، تفجرت من هناك ( من الصليب) ينابيع خلاصنا.

 

    ” فصرخ يسوع أيضًا بصوت عظيم وأسلم الروح” (مت50:27). هذا هو ما قاله: ” لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن أخذها أيضًا” (يو18:10). وأيضًا “وأضعها أنا من ذاتي”. ومن أجل هذا صرخ، لكي يظهر أن الموت حدث بسلطانه الذاتي، وق. مرقس يقول إن بيلاطس تعجب كيف مات هكذا سريعًا، وإن قائد المئة من أجل هذا تحديدًا، قد آمن، لأنه مات بسلطانه ” ولما رأى قائد المئة الواقف مقابله أنه صرخ هكذا وأسلم الروح، قال حقًا كان هذا الإنسان ابن الله” (مر39:1).

 

أسلم الروح فأقام الموتى:

   هذه الصرخة شقت حجاب الهيكل، وفتحت القبور، وجعلت الهيكل خرابًا. وقد صنع ذلك، لا لكي يظهر عدم تقدير للهيكل، لأنه كيف يصنع هذا، وهو الذي قال: ” لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة” (يو6:2). بل لكي يُظهر أن هؤلاء اليهود غير مستحقين بعد، أن يقيموا هناك، تمامًا كما حدث من قبل عندما سلم الهيكل للبابليين. لكن هذه الأمور لم تحدث لأجل هذا السبب فقط، أي أنها صارت تحقيقًا لنبوة مستقبلية عن خراب الهيكل وبطلانه أمام ما هو أعلى وأسمى.

 

    بالإضافة إلى هذه الأمور، فإنه أظهر ذاته كإله، وذلك بقيامته من الأموات ومن خلال الظلمة التي سادت في وضح النهار واضطراب عناصر الطبيعة. كما حدث في عصر إليشع، عندما    ” مس ميت عظام إليشع عاش وقام على رجليه” (2ملو21:13).

 

    هكذا أقامت صرخة المسيح هؤلاء (الموتى)، بينما كان جسده فوق الصليب. من ناحية أخرى فإن ما حدث في الماضي كان مثالاً، لما سيحدث في المسيح. لأن ما حدث في حادثة إليشع كان لأجل أن يؤمن اليهود بالمسيح. إن الموتى لم يقوموا فحسب، بل الصخور تشققت، والأرض تزلزلت، لكي يدركوا أن المسيح استطاع أن يستأصلهم ويقطعهم، لأن ذاك الذي شقق الصخور، وأظلم المسكونة، سيمكنه بالأحرى جدًا أن يصنع هذه الأمور في هؤلاء، إن أراد ذلك. لكنه لم يرد، بل بعدما أظهر غضبه في عناصر الطبيعة، أراد أن يخلّصهم، بسبب رأفاته ومحبته.

 

قوة المصلوب:

   لكنهم لم يقللوا من هوسهم. لأن الحسد والغيرة لا يتراجعان بسهولة. بل سلكوا بطريقة مُثيرة للاشمئزاز وسفيهة تجاه نفس الظواهر. فبعد أن قام المسيح، بينما كان القبر مختومًا وعليه حراسة من الجنود، أعطى رؤساء الكهنة فضة للحراس لكي يفسدوهم ويُكذّبون بشارة القيامة.

 

    إذًا لا تشك إن كانوا وقتها قد أظهروا جحودًا، ما داموا قد تخلوا عن كل معاني اللياقة والحياة تجاه كل شيء. لاحظ فقط مقدار المعجزات الكبيرة التي صنعها، بعضها من السماء، وبعضها على الأرض، والبعض الآخر داخل الهيكل، وهي تظهر غضبه، ومن ناحية أخرى صارت الطرق الغير مسلوكة، مسلوكة، وهكذا ستُفتح السماء، وكل الأمور ستؤول إلى قدس الأقداس الحقيقي.  وهؤلاء قالوا: ” إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب(مت42:27). وبينما أظهر المسيح أنه ملك كل المسكونة، خاطبه هؤلاء قائلين: ” يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك(مت39:27)، بينما أعلن المسيح أن الهيكل سيخرب تمامًا. أيضًا هؤلاء (أي رؤساء الكهنة) قالوا ” خلص آخرين أما نفسه فما يقدر أن يخلصها(مت43:27)، بينما وهو باق فوق الصليب، أعطي بركة عظيمة لأجساد الموتى. لأنه إذا كانت إقامة لعازر من الموت بعد أربعة أيام في القبر، تعتبر معجزة فائقة، فإن الأكثر أهمية من ذلك بكثير، هو أن يظهر الأموات الذين ماتوا من سنوات طويلة، مع بعضهم البعض الأمر الذي كان دليلاً على القيامة الآتية. لأن الكتاب يقول: ” والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين.. ودخلوا المدينة المقدسة(مت52:27ـ53). ولكي لا يُعتقد أن هذا الحدث خيالي، ظهروا أمام كثيرين في المدينة.

 

    بل إن قائد المئة مجّد الله وقتها، قائلاً: ” بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًا. وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين لهذا المنظر لما أبصروا ما كان رجعوا وهم يقرعون صدورهم[12]. هكذا كانت عظيمة هي قوة المصلوب، حتى أنه بعد كل هذا التهكم والسخرية، والإستهزاء، فإن قائد المئة والجموع تأثروا بعمق. والبعض قالوا أن قائد المئة هذا قد إستُشهد، بعد أن قَبِل الإيمان، بعد كل ما رآه.

 

    ” وكانت هناك نساء كثيرات ينظرن من بعيد وهن كن قد تبعن يسوع من الجليل يخدمنه. وبينهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي وأم أبني زبدي” (مت55:27ـ56). بينما كانت هذا الأحداث تُجرى، فقد تتبعتها هؤلاء النسوة، واللاتي نُحن كثيرًا. ولاحظ كم كان صبرهن وإصرارهن كبيرًا. تبعنه حتى الصليب، واعتنين به، وكن حاضرات وتعرّضن للأخطار. ومن أجل هذا فقد رأين كل شيء، رأين كيف صرخ بصوت عظيم، وكيف أسلم الروح، وكيف تشققت الصخور، ورأين كل الأمور الأخرى. وهؤلاء أولاً رأين يسوع، وهذا الجنس (أي جنس النساء) الذي إتهم بإتهامات كثيرة، هذا الجنس يتمتع أولاً، بامتياز أن يرى الأمور المفرحة. هذا الجنس برهن بالأكثر على مدى الشجاعة. فبينما هرب التلاميذ، بقيت النساء. مَن هن هؤلاء؟ مريم المجدلية ومريم أم يعقوب، والنساء الأخريات.

 

    والإنجيلي الآخر (أي لوقا) يقول: ” والنساء اللواتي كن يلطمن وينحن عليه، هؤلاء تبعنه حتى الصليب”. ما يُظهر قسوة اليهود، هو أن الأمور التي من أجلها ينوح البعض، تجعل هؤلاء يسعدون ولم تتحرك مشاعرهم ويشفقون عليه، ولم يرتعدوا بالخوف (من الله). لأن كل ما حدث كان عّينه لغضب شديد. وليس فقط عّينه للغضب، بل علامة للسخط، وهكذا كان أيضًا الظلام، وتشقق الصخور، وإنشقاق حجاب الهيكل إلى اثنين، وزلزلة الأرض، كل هذا يظهر غضب الله الشديد.

 

 

القبر الجديد:

   “ جاء رجل غني من الرامة اسمه يوسف..وطلب جسد يسوع” (متى57:27ـ58). هذا هو يوسف الذي إختبأ من قبل. أما الآن فبعد موت يسوع، أظهر جرأة كبيرة. لأنه كان شخصًا له مكانته المرموقة، وليس في عداد المهمشين، بل كان واحد من أعضاء المجمع ومن المعروفين جدًا. وقد تجلّت شجاعته، لأنه حكم على نفسه بالموت عندما أعلن إشمئزازه من الجميع، من خلال محبته ليسوع، وتجرأ أن يطلب جسده، وظل هناك حتى حقق ما أراد. وقد أظهر محبة وشجاعة، ليس فقط بأنه أخذ جسد المسيح ودفنه بكرامة وإجلال، بل بأن دفنه في قبره الجديد الخاص به. وهذا لم يحدث هكذا مصادفةً، بل لكي لا يكون هناك أدنى شك، في أن الذي قام كان هو المسيح ولم يكن شخصًا آخر.

 

النساء يظهرن شجاعة نادرة:   

   ” وكانت هناك مريم المجدلية ومريم الأخرى جالستين تجاه القبر” (مت61:27). لماذا جلستا تجاه القبر؟ أنهما لم تعلما بعد أي شيء عظيم وسامي، كما ينبغي عن يسوع. ومن أجل هذا أحضرتا أطيابًا وانتظرتا بصبر أمام القبر، وبعد هدأ هوس اليهود؛ بدأتا تتحركان وتدهنان الجسد بالأطياب.

 

    أرأيت مدى شجاعة النساء؟ أرأيت مقدار المحبة؟ أرأيت عظمة  النفس ، والتي تصل إلى حد قبول التعرض لخطر الموت؟ فلنتمثل نحن الرجال بالنساء، وألا نهجر يسوع في تجاربه. لأن هؤلاء النسوة، عندما مات يسوع، أنفقن الكثير وعرّضن حياتهن للخطر، بينما نحن ولا حتى حين يجوع نُطعمه، ولا نكسوه حين يكون عريانًا، بل على العكس حين نراه وهو يمد يده، نعبر عنه. أنا متأكد إن رأيتم الرب نفسه موجودًا، فإن كل واحد منكم سيُعطي كل ما يمتلكه. بل والآن، هو نفسه موجود (في الفقير والعريان). فضلاً عن ذلك فقد قال “أنا هو”.

 

    إذًا لماذا لا تقدم كل شيء؟ ومن أجل هذا، الآن تسمعه بقول:      “فبي قد فعلتم”، وليس هناك فرق أبدًا أن تعطي ليسوع، أو تعطي للفقير. إن مكافأتك لن تكون أقل من هؤلاء النسوة اللاتي أطعمن يسوع في ذلك الحين، بل العكس ستكون أعظم. لكن حين تصنعون هذا فلا يجب أن تُحدِثون صخبًا. لأنه ليس هو نفس الأمر أن تطعموا يسوع عندما يظهر بسلطانه، الأمر الذي يؤثر حتى في النفوس المتحجرة، وأن تطعموا الفقير، والعاجز، والأحدب، من خلال تنفيذ وصية المسيح فقط. بينما هنا (في هذه الحياة) عمل الإحسان هو خاص بك، وما يُعد برهانًا كبيرًا على إكرامك للمسيح هو أن تريح شريكك في العبودية، من خلال وصية المسيح، وتعتني به في كل لحظة.

 

 

البر بالمحتاجين يفتح أبواب الملكوت:

    إذًا أرح المحتاجين، مؤمنًا بذاك الذي يأخذ ( إحسانك)، إذ يقول ” فبي قد فعلتم”. لأنه إن لم تعطِ لذاك، فلن تكون مستحقًا للملكوت. إن لم تتحول عن ذاك (المسيح)، فلن يرسلك إلى جهنم حيث النار المتقدة. لكن ذاك الذي أُحتقر، من أجل هذه الخطية هو ممجد الآن. هذا هو مَن إضطهده بولس، عندما إضطهد أتباعه. ولهذا قال له ” لماذا تضطهدني”[13]. لنسلك إذًا بهذه الطريقة، حتى أنه عندما نعطي شيئًا للمحتاج، فإننا نكون قد أعطينا للمسيح. لأن كلامه جدير بالتصديق أكثر من رؤيته.

 

    إذًا عندما ترى في طريقك فقير، تذكّر الكلمات التي تؤكد أن هذا الفقير الذي تطعمه هو يسوع. لأنه على الرغم من أن الذي تراه أمامك (أي الفقير) ليس هو المسيح، إلا أنه بظهوره يكون المسيح هو الذي يأخذ ما تقدمه وهو الذي يمد يده. لكن هل تخجل حين تسمع أن المسيح هو الذي يمد يده؟ يجب أن تخجل بالأكثر، حين تراه وهو يمد يده، ولا تعطيه شيئًا. لأن هذا هو الخجل، هذا هو العقاب والجحيم. لأنه من جهة أن يمد يده، فهذا مرتبط بنقائه ، ومن أجل هذا يجب علينا نحن أن نفتخر، بما يقوم به. إن امتناعك عن العطاء يظهر قسوتك أنت. فإن كنت لا تؤمن أنك بإهانتك للفقير، تهين المسيح، فإنك ستؤمن حينئذٍ، عندما تُقاد إلى المحاكمة يوم الدينونة، ويقول لك: “فبما أنكم فعلتم بهؤلاء الأصاغر فبي قد فعلتم”. ولكن ليتنا لا نحتاج نحن بهذه الطريقة أن نتعلم (طريقة التهديد بالعقاب)، بل بعدما نؤمن الآن، نجني الثمار، ونسمع ذلك الصوت الطوباوي، الذي سيدخلنا إلى الملكوت.

 

    لكن ربما يقول أحد، إنك تُكلّمنا كل يوم عن عمل الرحمة والإحسان ومحبة الناس، وأنا من جانبي لن أتوقف عن الحديث في هذا الموضوع، لأنه إن نجحتم في تحقيقه، يجب أيضًا أن لا أتوقف عن الحديث فيه، حتى لا أجعلكم كسالي أو متوانين، لكن ما عدا ذلك، لو حققتم وأنجزتم هذا العمل (عمل الرحمة)، يمكنني أن أرتبط بكم أو إتحد بكم. ولكن إن لم تصلوا حتى ولو إلى المنتصف، فلا تدعوني للتوقف عن الحديث عن عمل الرحمة. لأنك عندما تتهمني، فإنك تفعل ما يفعله الطفل الذي يسمع باستمرار حرف الألف (A) ولا يتعلمه، فيتهم المعلم بأنه يكرر نفس الحرف باستمرار، مذكرًا به. لأنه مَن هو الذي صار بواسطة هذا الكلام، أكثر رحمة (تجاه المحتاجين)؟ هل ألقى أموالاً (في الصندوق)؟ ومَن الذي وهب نصف ثروته (للفقراء)؟ لا أحد. كيف إذًا لا يكون أمرًا غير مقبول، بينما أنتم لم تتعلموا (كيف تعطون)، توصوننا أن نتوقف عن التعليم بهذا الأمر؟ كان يجب عليكم أن تفعلوا عكس ذلك. فإذا أردت أن أتوقف عن الحديث في هذا الموضوع، عليكم أن تقولوا لي، إننا لم نتعلم بعد كيف نعطي، لماذا تتوقف عن أن تُذكّرنا؟

 

    فإن حدث وكان أحد يُعاني من ألم في عينه، وكنت أنا طبيب، وبعدما اعتنيت بالعين ودهنتها (بالمراهم)، وصنعت لها كل ما يجب من عناية، دون أن تحدث فائدة كبيرة، ألا يأتي ذلك المريض إلى باب عيادتي ، ويصرخ وينسب لي الخمول والتقصير الكبير، لأنني تركته، وهو لا يزال يعاني من المرض؟ وإن أجبت في مواجهة هذه الإتهامات، بأنني إعتنيت بها ودهنتها بالمراهم، فهل سيقتنع بهذه الإجابة؟ بالطبع لا، بل سيُجيب، وما المنفعة، ما دمت لا أزال أتألم؟ هذا ما ينبغي أن تفكر فيه عندما يتعلق الأمر بالنفس. ماذا سيحدث، إن سكبت مرات عديدة ماء على يد يابسة وبها وخزات، دون أن أتمكن أن أجعلها مرنة؟ ألا أسمع نفس الكلام؟

 

    والآن اليد اليابسة والتي بها وخزات، إن لم تعالج وإن لم تعد صحيحة تمامًا، فلن أتوقف عن الكلام. أتمنى منكم أنتم أيضًا، ألا تتكلموا إلا عن هذا الموضوع (عمل الرحمة)، سواء في البيت، أو في السوق، أو على المائدة، وسواء كان ذلك في المساء، أو في أحلامكم. لأنه إن إعتنينا بهذا الموضوع باستمرار، بالنهار وفي أحلامنا، فإننا سننشغل به على الدوام. هل تقول إنني أتكلم باستمرار عن عمل الرحمة؟ وأنا أريد ألا أضطر كثيرًا أن أنصحكم بالاهتمام والعناية بالفقراء، وأن أتكلم عن مواجهة أو مقاومة اليهود والوثنيين والهراطقة، لكن كيف يمكن للمرء أن يُسلّح أُناسًا، ليسوا أصحاء؟ كيف يمكن للمرء أن يأمر أُناسًا بالدخول إلى المعركة، وهم لا يزالون مجروحين، وجراحاتهم لا تزال ساخنة؟ بينما لو كنت قد رأيتكم أصحاء تمامًا، لكنت قد دفعتكم لتلك المواجهة، وسترون آلافًا يسقطون صرعى، وآلافًا منكسي الرؤوس.

 

    لقد تحدث معكم في كتب كثيرة لكم عن هؤلاء. لكن ولا هكذا نستطيع أن نحتفل إحتفالاً تام بالنصر، بسبب نقيصة الكثيرين. لأنه لو إنتصرنا عليهم آلاف المرات، في إثبات صحة العقائد، فسيتهموننا بالعنف الذي يمكن أن يمارسه الكثيرون مما يؤمنون بعقائدنا، وسيقولون إننا مصابون بالأمراض النفسية. كيف إذًا نتجرأ أن ندفعكم إلى المواجهة، في اللحظة التي فيها تؤثّرون فينا معنويًا، وأنتم موضع سخرية من الخصوم؟ لأن أيدي البعض قد تتألم، وتعاني من الوخزات، حين تنوي أن تعطي. كيف إذًا يستطيع هذا الذي يتألم، أن يمسك درعًا ويحارب به، وألا يُصاب من قسوة السخرية؟ وقد تفسد أرجل البعض الآخر، ونعني بهم أولئك الذين يرتادون المسارح الهزلية، ومواضع التسلية لدى الساقطات. كيف لهؤلاء أن يقفوا في المعركة، وألا يُصابوا من آثام الفسق والفجور؟ البعض الأخر يعاني في رؤيته وهو عاجز، ولا يرى بشكل صحيح، لكنه مملوء فسقًا، ويعثر النساء المتعقلات. كيف له إذًا أن يقاوم الأعداء، ويحرك الرمح، ويرمي السهم، ما دام يُواجه بالإستهزاء من كل ناحية؟ من الممكن أن يرى المرء كثيرين من هؤلاء الذين يشبهون مرضى الاستسقاء وهم يعانون على الأقل من آلام البطن، عندما تسود عليهم الشراهة، والسكر. إذًا كيف لي أن أدفع بهؤلاء إلى الحرب، بينما هم سكارى؟

 

    البعض الآخر لهم فم فاسد، هؤلاء هم سريعو الغضب، وشتامون ومجدّفون. إذًا كيف لذاك أن يصمت في المعركة، وأن يحقق شيئًا هامًا، طالما أنه ثمل بنوع أخر من السُكر، ومثار سخرية لدى الأعداء؟ من أجل هذا آتى كل يوم إلى هذا المعسكر (الكنيسة)، وأداوي هذه الجروح، وأعالج القروح. وعندما تعودون إلى رشدكم، وتصيرون قادرين على الانتصار على آخرين، حينئذً سأعلّمكم هذه الخطط أو هذه الفنون، وسأدربكم على كيفية استخدام هذه الأسلحة. وربما تكون (أعمال الرحمة) هي أسلحتكم، وعندئذٍ سيخضع الجميع، على الفور لو كنتم تصنعون إحسانًا، وتتراءفون، وإذا صرتم ودعاء، ومتسامحين، وأظهرتم كل الفضائل الأخرى. لكن إن كان لدى البعض اعتراض، حينئذً يجب أن نضيف ما يختص بنا، عارضين الأمور التي تختص بكم، طالما أنكم تعطلونني، على الأقل الآن، عن السير في هذا الطريق.

    ولكن انتبه: يُقال أن المسيح صنع أعمالاً عظيمة، منها أن يجعل البشر كالملائكة. وعندما يطلبون منا مبادئ محددة، وأتحفز لأقدم من بين هذه الجموع دليلاً يثبت ما أقول فإنني أصمت. وأخاف أن أقدم بدلاً من ملائكة، خنازير، وخيولاً. أعرف أنكم متضايقون، لكن هذا الكلام لا يخص جميعكم، بل يخص المسئولين، وقد لا يكون هؤلاء هم المقصودين، إذا عادوا إلى رشدهم. لأن كل شيء قد فُقد الآن، والكنيسة فسدت، ولا تختلف في شيء عن إسطبل (بهائم)، أو زريبة حمير وجمال. وأجول أطلب خرافًا ولا أجد. فالجميع يرفسون مثل بعض الخيول والحمير المتوحشة، ويملأون المكان هنا بنجاسات كثيرة. وأعني بها حواراتهم المتبادلة فيما بينهم.

 

    وإذا تمكنت من سماع كل ما يُقال في كل اجتماع، من الرجال ومن النساء، سترى أن كلامهم هو أكثر قذارة من روث البهائم. من أجل هذا أترجاكم أن تغيروا من هذه العادة الرديئة، لكي تستنشق الكنيسة طيبًا. فأنا الآن أنثر في الكنيسة بخور الأحاسيس الروحية المتميزة.

 

    إذًا ما هي المنفعة (من وراء هذا)؟ لأنهم على قدر ما يُسيئون للكنيسة بهذه الأحاديث، فيحملون داخلها قذارة، بقدر ما نشمئز عندما يتحدثون بيننا عن الربح، وعن المشروعات التجارية، والتجارة الصغيرة، وعن أمور لا تعنينا مطلقًا. أريد أن يكون المكان هنا مكانًا، للملائكة، وأجعل الكنيسة سماء، ولا يجب أن نعرف شيئًا آخر سوى الصلوات، والهدوء التام. هذا يمكن أن نطبقه الآن حتى ننقي حياتنا، وننال الخيرات التي وُعدنا بها، بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح، الذي له المجد إلى الأبد آمين.

1 العناوين الجانبية من وضع المُترجم.

2 مت25:27.

3 يو30:19.

4 مز21:69.

5 مت40:27.

6 مت42:27.

7 مت43:27.

8 حين قال ” أذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك” (لو42:23).

9 لو40:23.

10 1 كو1:5ـ2.

11 هكذا يتساءل القديس أثناسيوس قائلاً “فأي إنسان أظلّمت الشمس وتزلزلت الأرض عند موته؟ فأي من البشر الذين يموتون كل يوم منذ القديم وإلى الآن، حدثت عند موته عجيبة كهذه؟” “تجسد الكلمة”، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ترجمة د. جوزيف موريس، الفصل التاسع والأربعون، ص146.

12 لو 47:23ـ48.

13 أع4:9.

 

الآلام المحيية – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

المسيح باكورة الراقدين – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

المسيح باكورة الراقدين – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

المسيح باكورة الراقدين – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

المسيح باكورة الراقدين

 

رجاء الحياة الأبدية:

   ” إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس” (19:15). ماذا تقول يا بولس؟ كيف يكون لنا رجاء في هذه الحياة فقط، إن كانت الأجساد لا تقوم، بينما  تبقى النفس خالدة؟ فإذا بقيت النفس خالدة بدون الجسد، فهي لن تتمتع بتلك الخيرات المدخرة لنا، وبالطبع لن يعذب الإنسان؟ ثم يقول “لأنه لابد أننا جميعًا نظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كان أم شرًا”[1]. ومن أجل هذا يقول “إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس. لأنه إن لم يقم الجسد فلن تحصل النفس على الأكاليل، وستبقى خارج دائرة التطويب والغبطة السماوية، ولن تتمتع بأي شيء هناك، وحينئذٍ تقتصر المكافآت على هذه الحياة الحاضرة فقط. فهل هناك ما هو أشقى من هذا.   

    يتكلم بهذه الأمور، لكي يؤكد على عقيدة قيامة الأموات، ويقنع أهل كورنثوس بالحياة الأبدية، حتى لا يتصوروا أن الحياة الإنسانية، تنتهي بإنتهاء هذه الحياة الحاضرة. وهكذا أراد أن يشرح لهم أنه إذا كان أحد يريد أن يتعلم العقائد الأساسية المستقيمة، فعليه أن يؤمن بها أولاً، ويتحرر من الدافع الأخلاقي الناتج عن الخوف.

    وهو بهذا العرض السابق، قد وضعهم في حالة صراع، لأنه إن كان بعد كل هذا الجهاد، والميتات الكثيرة، والكوارث العديدة، سنسقط ونفقد جميع هذه الخيرات الأبدية، وننال مكافآتنا في هذه الحياة الحاضرة، فما الفائدة، لأننا هكذا سنكون “أشقى جميع الناس”.

 

باكورة الراقدين:

   ” لكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين” (20:15)، وبعدما أظهر كم الشرور الذي ينشأ جرّاء عدم الإيمان بالقيامة، يكرر مرة أخرى الحديث ذاته، ويقول “الآن قد قام المسيح من الأموات”. وهو على الدوام يضيف عبارة “من الأموات”، وذلك لكي يسد أفواه الهراطقة. “وصار باكورة الراقدين”، وطالما هو باكورة الراقدين، فينبغي أن يقوم الراقدين أيضًا. أما من حيث أنهم دعوا التحرر من الخطية، قيامة، فهناك رد على ذلك، إذ لا يوجد أحد خارج نطاق الخطية، لأن ق. بولس يقول: “لست أحكم في نفسي أيضًا.. لكنني لست بذلك مبررًا”[2]. أرأيت أن مجمل كلامه يشير إلى قيامه الأجساد؟ ولكي يجعل كلامه موضع تصديق، فإنه يشير دائمًا إلى قيامة المسيح بالجسد. ثم بعد ذلك يتحدث عن إثبات صحتها، لأنك إذا كنت تعلّم عن حقيقة ما ولا تبرهن على صحتها، فهذا التعليم لا يصير مقبولاً من الكثيرين. إذًا ما هو الدليل الذي يثبتها؟ يقول “فإنه إذ الموت بإنسان. بإنسان أيضًا قيامة الأموات” (21:15). فقوله بإنسان، يعني، إنسانًا نفسًا وجسدًا.

    لنرَ إذًا أي موت يقصد، بقوله “كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع” (22:15). ماذا إذًا؟ أخبرني: هل الجميع ماتوا موت الخطية في آدم؟ إذًا كيف كان نوح بارًا في جيله؟ وكيف كان إبراهيم أيضًا؟ وكيف كان يعقوب؟ وكيف يتكلم عن الجميع؟ وأخبرني: كيف سيحيا الجميع في المسيح؟ وأين هم هؤلاء الذين سيلقون في جهنم؟ فإذا كان هذا الكلام يخص الجسد فقط، فإنه يكون كلامًا صحيحًا، أما إذا كان قد قيل عن القداسة والخطية، فإنه لن يُقبل على الإطلاق.   

    وحتى لا تعتقد أن الخطاة أيضًا يخلصون، لأنك سمعت أن الجميع سيحيون في المسيح، أضاف بعد ذلك “ولكن كل واحد في رتبته” (23:15). ولا تتصور إذًا، بعدما سمعت عن القيامة، أن الجميع سيتمتعون بمكانة واحدة. لأنه الجميع لن توقع عليهم عقوبة واحدة في الدينونة الأخيرة، بل ستكون هناك فروق كبيرة، فبالأكثر جدًا ستكون المسافة شاسعة بين الأبرار والخطاة.

    “المسيح باكورة ثم الذين للمسيح في مجيئه” أي المؤمنين الذين نموا في الفضيلة. “وبعد ذلك النهاية” (24:15).

    أي عندما يقوم البشر، ستكون النهاية، فهو يتكلم عن المجيء الثاني، لذلك أضاف “في مجيئه”. ثم يقول “متى سلم الملك لله الآب. متى أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة”. لنسأل هؤلاء أولاً عن معنى “متى سلم الملك لله الآب”، لأنه إذا كان المقصود هو المعنى الإنساني، وليس المعنى الذي يليق بالله، حينئذ يجب أن تكون خلاصة ذلك ما يلي: أنه بعدما سلّم الملك، لن يكون لديه مُلكًا، لأن من يسلّم شيئًا لأخر، لن يكون مالكًا لهذا الشيء فيما بعد. وليس هذا فقط، بل إن الآب أيضًا الذي يتسلم الملك، سيظهر أنه لم يكن ملكًا، قبل أن يتسلم هذا الملك، وهذا أمر غير معقول ولا مقبول. وبحسب ما يقوله هؤلاء الهراطقة، لم يكن الآب ملكًا من قبل، ولا الابن سيبدو ملكًا، بعد أن يسلم الملك. إذًا كيف يقول الابن عن الآب “أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل؟”[3]، وعن الآب يقول دانيال النبي “يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض.. وهي تثبت إلى الأبد”[4].

    أرأيت كم تقال أمور غير معقولة، تتعارض مع الكتاب المقدس، وتنسب ذلك للبعد الإنساني؟ ثم ما هي الرئاسة التي يقول عنها هنا أنها ستبطل؟ هل هي رئاسة الملائكة؟ حاشا. هل هي رئاسة المؤمنين؟ ولا هذه أيضًا. فما هي هذه الرئاسة التي ستبطل؟ يقصد رئاسة الشياطين، والتي يقول عنها “فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم. بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر”[5].. فهي لم تبطل نهائيًا، بل تنشط في مواضع كثيرة، إلا أنه كل رئاسة ستبطل في القيامة الأخيرة. “لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه” (25:15).

    ويجب أن تُفهم هذه الكلمات فهما لائقًا بها، لأن كلمة “حتى” تعني وجود نهاية وتحديد في الله، الأمر الذي لا وجود له في الله.

    “وأخر عدو يبطل هو الموت” (26:15).

    وما معنى أخر عدو؟ أي بعد كل شيء، وبعد الأشياء الأخرى. فالموت آتى أخر شيء في الخليقة. إذ أن النصيحة قد أُعطيت أولاً من قبل الشيطان، ثم تبعها العصيان، ثم آتى الموت أخيرًا.

    “لكن يقول قائل كيف يُقام الأموات وبأي جسم يأتون. يا غبي الذي تزرعه لا يحيا إن لم يمت” (35:15).

 

كيف يُقام الأموات:

   بينما نجد أن الرسول بولس هادئ ومتواضع في كل موضع، نجده هنا يستخدم الكلمات القاسية، بسبب عدم لياقة هؤلاء المعترضين. فهو لم يكتف بهذا، بل يقدم أفكارًا، ويسوق أمثلة، ويُخضع بهذه الطريقة أكثر الكل إعتراضًا. وفيما سبق كتب يقول: “فإنه الموت بإنسان. بإنسان أيضًا قيامة الأموات”، لكنه هنا يجيب على اعتراض طُرح من قِبل الوثنيين. ولاحظ كيف أنه يُلطّف من قسوة الإتهام. أي أنه لم يقل، ربما ستقولون، بل أشار إلى المعترضين بصورة غير محددة، حتى يكون حرًا في إستخدامه للكلمة، وأيضًا كي لا يهين المستمعين إليه، ويضعهم في حيرتين، الأولى تخص طريقة القيامة، والأخرى تخص نوعية الأجساد التي تقوم. لأنهم قالوا من جهة الحديث عن الجسد، كيف يُقام هذا الذي يتحلل؟ “وبأي جسم يأتون”؟ هل بهذا الجسم الذي يفسد، الذي يتلاشى، أم بجسم آخر؟

    بعد ذلك لكي يبيّن أنهم يطلبون إجابة لأمور ليست مثارًا للشكوك، بل التي إعترفوا هم بها بالفعل، فإنه يجيب على الفور وبقسوة قائلاً: “يا غبي الذي تزرعه لا يحيا إن لم يمت”. ولماذا تحوّل هكذا وبصورة مباشرة إلى الحديث عن قوة الله؟ فعل هذا لأنه يتكلم مع غير المؤمنين، لأنه حين يكلم المؤمنين، لا يكون في حاجة لأن يقدم أفكارًا كثيرة. ومن أجل هذا عندما قال في موضع أخر أنه “سيغيّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده”[6]، وأوضح أمرًا يفوق قيامة الأجساد، فهو لم يذكر أمثلة، بل استعرض القوة التي بها يستطيع أن يخضع كل شيء لنفسه، قائلاً “بحسب عمل إستطاعته أن يخضع لنفسه كل شيء”. ولكنه هنا هو يقدم حججًا وأمثلة، ويقول “يا غبي الذي تزرعه”، بمعنى أنه لديك الدليل على قيامة الأجساد من خلال ممارساتك في الحياة اليومية. ولاحظ كيف يستخدم الكلمات كما يليق بالموضوع الذي يتكلم عنه، إذ يقول “لا يحيا إن لم يمت”. أي أنه بعدما ترك الكلمات التي تتناسب مع الزروع، مثل يزرع، ويغرس، ويتحلل، فقد جعل أسلوبه يتماشى مع حديثه عن الجسد، بكلمات مناسبة، مثل كلمة “يحيا” و “يمت”، الأمر الذي لا يختص بالزروع بشكل أساسي، بل بالأجساد. أرأيت كيف أنه يعيد طرح كلمته بطريقة عكسية؟ أي أن ما يستخدمه هؤلاء المعترضين على قيامة الأموات كدليل على أن الإنسان لن يقوم من الموت، يستخدمه هو كدليل، لكي يبرهن على أن الإنسان سيقوم حتمًا من الموت. لقد قال المعترضون أنه لن يقوم، لأنه قد مات. فماذا كان رد الرسول بولس على حجتهم؟ قال إن لم يمت الإنسان، فلن يقوم، إذًا فهو يقوم لأنه مات. هذا ما أشار إليه المسيح له المجد، حين قال: “إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير”[7]. وقد أخذ ق. بولس المثل الذي قاله، من هذا الكلام، مشيرًا إلى قوة الله، ومبيّنًا أن الله هو الذي يعمل كل شيء، وليست طبيعة الأرض.

    تُرى لماذا لم يذكر ذلك الأمر الذي يتناسب بالأكثر مع البذرة الإنسانية؟ إن ولادتنا تبدأ بالفساد، مثل حبة الحنطة. ذلك لأن البذرة الإنسانية ليست مثل حبة الحنطة، بل إن المثل الذي ساقه كان أفضل. لأنه كان يبحث عن شيء يموت تمامًا، ويتحلل، بينما البذرة الإنسانية تموت جزئيًا. ومن ناحية أخرى البذرة الإنسانية تأتي من أعضاء جسمية حية، وتسقط في بطن حية، ولكن المثل الذي ساقه الرسول بولس يوضح أن البذرة تقع على الأرض، وتتحلل في باطن هذه الأرض، مثل الجسد الذي مات. ولهذا فإن هذا المثل يتناسب أكثر مع هذه الحالة.

    “والذي تزرعه لست تزرع الجسم الذي سوف يصير” (37:15). إذًا ما سبق وقاله الرسول بولس، هو إجابة على التساؤل، كيف يُقام الأموات؟ ولكنه هنا يُزيل الشكوك، ويرد على تساءل أخر وهو بأي جسم يأتون للحياة الأخرى. وماذا يعني قوله “لست تزرع الجسم الذي سوف يصير؟” يعني أنه ليس سنبلة كاملة، ولا هو نباتًا جديدًا. فهو هنا لم يتحدث عن القيامة، بل عن طريقة القيامة، وعن طبيعة الجسد الذي سيقوم، فهل سيظل كما هو بعد القيامة، أم سيُصبح في حالة أفضل، أم أكثر بهاءً. ويقدم الإجابتين من المثل نفسه ويبيّن أنه سيكون أفضل جدًا. إلا أن الهراطقة لا يفهمون ويهاجمون قائلين إن الجسد الذي يُدفن، ليس هو الذي يقوم. إذًا كيف يمكن أن تكون هناك قيامة؟ لأن القيامة تحدث في الجسد الذي دُفن. ولأجل أي شيء تحديدًا، يكون هذا الاحتفال المدهش والعجيب ببطلان الموت، طالما أن الجسد الذي يقوم، ليس هو الذي يُدفن؟ لأن الذي أخذ الجسد أسيرًا لن يرده إلى الحياة. وكيف لا يتناسب المثل مع كل ما قيل؟ لأن الجسد الذي زُرع ليس من طبيعة مختلفة عن الذي يقوم، بل هو من نفس الطبيعة وأفضل. لأنه إن لم يكن الأمر هكذا، فلا ينبغي أن نؤمن بأن المسيح حين صار باكورة الراقدين، قد أخذ نفس الجسد، عندما قام. فبحسب أقوالكم يكون قد أخذ جسدًا أخرًا، وإن كان لم يخطئ مطلقًا. من أين إذًا أخذ هذا الجسد الآخر؟ لأننا نعرف أن الجسد المولود به قد أخذه من العذراء، لكن الذي قام به إذًا من أين قد أخذه؟ أرأيت مقدار الحماقة في هذا الكلام الذي ينطلق بلا ضابط؟ لأنه لماذا تظهر كل الجراحات في الجسد المُقام؟ أليس لأنه يريد أن يبرهن على أن هذا الجسد هو الذي صُلِبَ، وهو نفسه الذي قام أيضًا؟ ماذا يريد أن يقول في هذا الإطار، بإشارته إلى يونان النبي؟ يريد أن يوضح أن الذي خرج من جوف الحوت ليس هو يونان آخر غير الذي إبتلعه الحوت. أيضًا لماذا قال المسيح “إنقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه”[8]. من الواضح إذًا، أن ما سيُنقض، سيقيمه المسيح. ولهذا أضاف ق. يوحنا الإنجيلي “وأما هو فكان يتكلم عن هيكل جسده”[9].

    إذًا ماذا يعني الرسول بولس بقوله “الذي تزرعه لست تزرع الجسم الذي سوف يصير؟” يعني أن الذي قام هو الجسد ذاته، وفي نفس الوقت ليس كما كان تمامًا، لأنه صار أفضل، وحبة الحنطة أيضًا تقوم جديدة. لأنه إن لم يحدث هذا، فلا حاجة للقيامة، إن لم يقم الجسد بصورة أفضل. فما الهدف وراء هدم هيكل الجسد، إن لم يكن يهدف إلى أن يعيد بناءه مرة أخرى بصورة أكثر بهاءً؟

    بعد ذلك ولكي لا يعتقد أحد أنه تكلّم هنا عن جسد أخر في القيامة، فإنه يُزيل هذا الغموض ويفسر ما قيل، حتى لا يترك المستمع يذهب بالمعنى إلى موضع آخر. إسمعه وهو يشرح ما قاله “لست تزرع الجسم الذي سوف يصير” ثم يضيف مباشرةً “بل حبة مجردة ربما من حنطة أو أحد البواقي”. أي ليس الجسم الذي سوف يصير” ، ليس هو بوص جاف، ولا سنابل، “بل حبة مجردة ربما من حنطة أو أحد البواقي”.

    “والله يعطيها جسمًا كما أراد” (1كو38:15). وقد يجيب أحدهم ويقول أن الأمر مختص بعمل الطبيعة الخاصة بالبذور. أخبرني عن أي طبيعة تتحدث؟ لأن الله هو الذي يصنع كل شيء، وليست الطبيعة، ولا الأرض، ولا المطر. من أجل هذا تحديدًا فإن ق. بولس عندما يتحدث عن هذه الأمور، بعدما يتحول بالحديث عن الأرض، والمطر، والهواء، والشمس، والأيدي الصالحة فهو يضيف “والله يُعطيها جسمًا كما أراد”. إذًا لا تفحص كثيرًا عن كيف وما الشكل الذي يصبح عليه (الجسد بعد القيامة)، حين تسمع أنه يصير بهيًا بقوة الله. “ولكل واحد من البذور جسمه”. إذًا ما الغريب في هذا؟ لأنه يعطي جسمًا لكل أحد حتى أنه عندما يقول “والذي تزرعه لست تزرع الجسم الذي سوف يصير”، فهو لا يقصد أن جوهرًا أخرًا هو الذي يقوم بدلاً من الحالي، بل أن الجسد فقط سيكون أفضل وأكثر بهاءً. لأنه يقو “ولكل واحد من البذور جسمه”؟

    لا تتصور أن كل البذور ستكون واحدة لأنكم قد زرعتم حنطة، ونبتت سنابل، بل أن البعض منها سيكون أفضل، والبعض الأخر سيكون بمستوى أقل، هكذا يكون الوضع في القيامة. ولهذا أضاف “ولكل واحد من البذور جسمه”. ولم يكتف بهذا فقط، بل إنه أراد أن يقدم رؤية أكثر وضوحًا، حتى لا تعتقد حين تسمع أن الجميع يقومون، أنهم يتمتعون جميعًا بنفس المكانة، وقد تحدث مسبقًا عن البذور بهذا المعنى، حين قال “ولكل واحد من البذور جسمه”. لكنه جعل هذا أكثر وضوحًا هنا أيضًا، بقوله “ليس كل جسد جسدًا واحد” (1كو39:15).

    ولماذا يتحدث عن البذور؟ تحدث هكذا حتى نطبق ما قاله على الأجساد، ولهذا أضاف “بل للناس جسد واحد وللبهائم جسد أخر وللسمك أخر، وللطير أخر. وأجسام سموية وأجسام أرضية. لكن مجد السمويات شيء ومجد الأرضيات أخر. ومجد الشمس شيء ومجد القمر أخر ومجد النجوم أخر لأن نجمًا يمتاز عن نجم في المجد” (42:3).

 

نجم يمتاز عن نجم في المجد:

   ماذا يريد أن يقول بهذا الكلام؟ ولماذا إنتقل بحديثه من قيامة الأجساد إلى النجوم والشمس؟ لم ينتقل ولم يبتعد عن الموضوع، حاشا، فهو مازال في صُلب الموضوع. فبعدما تحدث عن القيامة، بيّن أن الفرق في المجد سيكون كبيرًا في ذلك الحين، وإن كانت القيامة عامة للجميع، وعند هذا الحد أو هذه النقطة يقسم الرسول بولس كل شيء إلى أثنين، إلى السماويات والأرضيات.

    إذًا فبالنسبة لقيامة الأجساد، فهذا ما برهن عليه، بمثل حبة الحنطة، ومن حيث إن الجميع لن يكونوا في نفس المجد، فهذا ما برهن عليه هنا. لأنه كما أن عدم الإيمان بالقيامة يجعل الناس متهاونين، هكذا أيضًا الإعتقاد بأن الجميع سيكونوا مستحقين لنفس المجد، يجعلهم خاملين وغير مبالين. ولهذا فهو يصحح كلا الرؤيتين، ويميز بين مستويين، بين الأبرار والخطاة، ونجد التمييز بينهما في مواضع كثيرة، وهو يفعل هذا لكي يبيّن أن الخطاة لن يستحقوا نفس إستحقاق الأبرار، بل ولا الأبرار أنفسهم سيكونوا مستحقين لدرجة واحدة من المجد، ولا الخطاة سينالون عقابًا متساويًا. إذًا فهو يُميز أولاً بين أبرار وخطاة “أجسام سموية وأجسام أرضية”، ويقصد بالأجسام الأرضية، الخطاة، والأجسام السموية، الأبرار. ثم يميز بعد ذك بين الخطاة والخطاة، ويقول “ليس كل جسد جسدًا واحد.. للبهائم جسد آخر وللسمك آخر وللطير آخر”. وإن كان للجميع أجسام، إلا أن للبعض له أجسام ضخمة الحجم، والبعض الآخر له أجسام ضئيلة. وبعدما تحدث عن هذا، تحدث مرة أخرى عن السماء، قائلاً: “مجد الشمس شيء ومجد القمر آخر”، فكما يوجد إختلاف بين الأجسام الأرضية، هكذا يوجد إختلاف أيضًا بين الأجسام السموية. والإختلاف ليس بين الشمس والقمر فقط، ولا بين القمر والنجوم فقط، بل بين النجوم والنجوم أيضًا. لأنه وإن كان جميعهم في السماء، ولكن البعض يشرق ببهاء أكثر، والبعض الآخر أقل بهاءً. إذًا ماذا نتعلم هنا؟ نتعلم أنه: إذا كان جميع الأبرار سيدخلون ملكوت الله، إلا أنهم لن يتمتعوا بنفس القدر من المجد، وإن كان جميع الخطاة سيدخلون جهنم، إلا أنهم لن يُعانوا بنفس القدر من العذاب. ولهذا أضاف “هكذا أيضًا قيامة الأموات” (42:15). يقول “هكذا”، لكن كيف سيحدث ذلك؟ ستكون هناك فروق كبيرة فيما بينهم.  

    ثم يتطرق إلى الحديث عن هذا الدليل وللكيفية التي تتم بها القيامة، قائلاً “يزرع في فساد ويُقام في عدم فساد”. لاحظ مقدار الحكمة التي للرسول بولس، فهو يستخدم أسماء الأجساد عندما يتكلم عن البذور، عندما يقول “لا يحيا إن لم يمت”، من ناحية أخرى يسمي الأجساد زروعًا، قائلاً “يزرع في فساد ويُقام في عدم فساد”، ولم يقل ينبت، لكي لا تعتقد أن الإنسان من نتاج الأرض، بل قال، يُقام. ولا يقصد بالزرع أو البذرة هنا، الحمل في الرحم، بل يقصد الدفن في الأرض وتحلل الأجساد، التي تموت، في التراب. ومن أجل هذا عندما قال “يزرع في فساد ويُقام في عدم فساد” أضاف “يزرع في هوان..وضعف”. وهل هناك ما هو أكثر نفورًا وسؤًا من ميت يتعفن ويتحلل؟. ثم يقول “يزرع في هوان ويُقام في مجد. يزرع في ضعف ويُقام في قوة”. إذ لا تمر ثلاثون يومًا، إلا ويكون الجسد قد إنتهى تمامًا، ولا يستطيع أن يحتفظ بشكله، لأنه يكون قد تحلل تمامًا.

    “يُقام في قوة” لأنه لا يستطيع شيء أن يهزمه عندما يقوم. إذًا فقد كانت هناك حاجة لهذه الأمثلة، حتى لا يظن البعض وهم يسمعون هذه الأمور، أنه لا توجد أي فروق بين أولئك الذين سيُقامون، عندما يُقامون في عدم فساد، وفي مجد، وفي قوة. إن الجميع سيقومون حقًا في قوة، وعدم فساد، وفي مجد، ولكنهم لن يتمتعوا جميعًا بدرجة واحدة من الكرامة.

    “يزرع جسمًا حيوانيًا ويُقام جسمًا روحانيًا” (42:15). ماذا تقول؟ هل هذا الجسم الذي لنا ليس روحانيًا؟ هو روحاني نعم، ولكن الجسم الذي سيُقام سيكون أكثر روحانية. لأنه في هذه الحياة الحاضرة قد يحدث أن تنسحب نعمة الروح القدس من البعض عندما يرتكبون خطية كبيرة. غير أن ذلك لن يحدث مطلقًا بعد القيامة، بل سيبقى الروح القدس إلى الأبد في جسد الأبرار، وسيعطي للجسد قوته الخاصة. إذًا فهو يشير إلى هذا المعنى حين يقول “روحانيًا”، إما من حيث أن الجسد سيكون أكثر خفة وبهاءً، فربما يكون الرسول بولس يشير إلى المعنيين معًا. فإن كنت لا تؤمن بهذا الكلام، فلتلاحظ الأجسام السمائية التي هي في بهاء فائق ولم تشيخ حتى الآن، ولتؤمن بسبب هذا، فالله قادر أن يجعل هذه الأجسام الفاسدة، عديمة الفساد، وأفضل بكثير من تلك الأجسام المرئية. هكذا هو مكتوب أيضًا:”صار آدم الإنسان الأول نفسًا حية وآدم الأخير روحًا محييًّا” (45:15).

 

آدم الأول وآدم الأخير:

   ولكن فيما يختص بآدم الأول، فقد كُتِبَ عنه في العهد القديم: أما آدم الأخير فلم يُكتب عنه (بالمثل)، إذًا فكيف يقول “هكذا هو مكتوب”. هو يشرح هذا على اعتبار ما سيكون، الأمر الذي اعتاد أن يفعله دومًا. بل إن الأنبياء قد اعتادوا هذا التوجه، فإشعياء قال عن أورشليم أنها ستُدعى مدينة البر، ولم تُدعَ هكذا؛ ماذا إذًا؟ هل كذب النبي؟ لم يكذب أبدًا، لأنه كان يتكلم عن خاتمة الأمور. وقال عن المسيح، أنه سيُدعى عمانوئيل، لكن لم يُدعى المسيح هكذا، لكن الأحداث ذاتها تعبر عن هذا المعنى بشكل صارخ (أن الله معنا). هكذا هنا أيضًا يقول “آدم الأخير روحًا مُحيّيًا”. تكلّم بهذه الأمور لكي تَعلم أن الرموز، وعربون الحياة الأبدية، والحياة الأبدية، قد تحققت بالفعل. لأنه يرى أن خيرات الحياة الأبدية هي أفضل بكثير من خيرات الحياة الحاضرة، وأن بداية هذه الحياة الأبدية قد تحققت بالفعل، وأن الأصل والمصدر قد إستُعلنا. فينبغي ألا نتشكك أبدًا من جهة الثمار. من أجل هذا يقول “آدم الأخير روحًا مُحيّيًا”، لكنه في موضع أخر يقول “سيُحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم”[10]. إذًا فالروح القدس يُحيي.

    ” لكن ليس الروحاني أولاً بل الحيواني وبعد ذلك الروحاني ” (46:15). ولم يقل لماذا الحيواني أولاً ثم بعد ذلك الروحاني، بل إكتفى بالإشارة إلى النظام الذي وضعه الله، لأن الأمور الحياتية ذاتها تشهد لعناية الله، ولكي يُظهر أن هناك تقدم ونمو في حياتنا الروحية بإستمرار، وهو يملك من الخبرة ما يؤهله للتأكيد على هذه الأمور. وهكذا سنكون مستعدين لنوال الحياة الأبدية. إذًا فلنلاحظ أنفسنا مادمنا نحيا داخل هذا النظام الإلهي المشرق كالشمس، حتى نكون مؤهلين للدخول في الحياة الأبدية ونتمتع بالخيرات المعدة للأبرار.

 

سر يفوق كل عقل:

   ثم يأتي لموضوع قيامة الأجساد، ويقول “هوذا سر أقوله لكم” (1كو51:15)، هو سر لا يعرفه الجميع، فهو يريد أن يقول شيئًا، يُظهر به أنه يقدرهم جدًا، إذ يكشف لهم هذا السر. ما هو إذًا هذا السر؟ هو أننا “لا نرقد كلنا ولكن كلنا نتغير”. ما يقصده هو الآتي: من ناحية، فإننا لن نرقد كلنا، بل سيتغير جسدنا، ومن ناحية أخرى فالذين لم يرقدوا سيتغير جسدهم، لأن أجسادهم فاسدة. لا تخف إذًا من هذا، أي لا تخف لئلا لا تقم من الموت. ويوجد البعض ممن لن يجتازوا الموت، ولكن هذا لن يكفِ، بل لابد لتلك الأجساد التي لن ترقد أن تتغير وتصير غير فاسدة.

    “في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير”. أي أن ما يدعو للإعجاب والدهشة، ليس فقط هو أن الأجساد تتعفن ثم بعد ذلك تقوم، ولا أيضًا أن هذه الأجساد التي ستقوم هي أفضل من الأجساد التي لنا الآن، ولا لأنها ستنتقل إلى ميراث لا يفنى، وأن كل واحد سيتمتع بما له، ولا أحد سيأخذ ما للأخر، بل لأن كل هذه الأمور التي تفوق كل عقل ستحدث في لحظة في طرفة عين.

    ثم يبرهن على ذلك بقوله “فإنه سيُبوق فيُقام الأموات عديمي فساد ونحن نتغير”، لفظة “نحن” لا يقولها عن نفسه، بل تشمل كل مَنْ سيكون على قيد الحياة في ذلك الوقت. “لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد” (53:15).

    إذًا لكي لا يعتقد أحد أن لحمًا ودمًا لا يرث ملكوت الله، أضاف “هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت“. إنه يقصد بالفاسد والمائت، الجسد. فالجسد سيبقى، لأنه هو الذي سيلبس عدم فساد، ولكن الفساد والموت سيبطلان، إذ سيصير الجسد إلى عدم فساد وعدم موت. إذًا ينبغي ألا تشك في أنك ستحيا إلى الأبد، لأنه يقول “سيلبس عدم فساد”. “ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد ولبس هذا المائت عدم موت. فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة أبتلع الموت إلى غلبه” (54:15)، يحدث هذا حين يختفي هذا الجسد الفاسد والمائت تمامًا ولا يبقى منه أثر، ولا يكون هناك رجاء في عودته، إذ أن عدم الموت قد لاشى الموت.

    “أين شوكتك يا موت. أين غلبتك يا هاوية” (1كو55:15). أرأيت النفس الشجاعة؟ أنه يتساءل وكأنه يحتفل بالغلبة، وهو مملوء حماسًا، ناظرًا للأبدية كأمر حدث بالفعل، محتقرًا للموت الذي بطل، ويصرخ صرخة الغلبة من أعلى رأس الموت الذي داسه، وينادي قائلاً: “أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية؟”. لقد جرّده، وغلبه، بل ولاشاه، وجعله غير موجود، لا كيان له.

    “أما شوكة الموت فهي الخطية. وقوة الخطية هي الناموس” (1كو56:15). أرأيت أن الكلام قد صار عن الموت الجسدي؟ وبناء على ذلك، فإن الكلام عن القيامة، هو أمر يختص بالجسد. لأنه إن لم يقم الجسد، فكيف يُبتلع الموت؟ وليس هذا فقط، بل كيف يعتبر الناموس قوة الخطية؟ لأنه من حيث أن شوكة الموت هي الخطية، وأنها أسوأ من الموت، أما أن قوة الموت هى في الخطية، فهذا أمر واضح، ولكن كيف يكون الناموس هو قوة الخطية؟ لأنه بدون الناموس كانت الخطية ضعيفة، ولم يكن للناموس قوة ليدينها. لأن الشر قد حدث، غير إنه لم يكن واضحًا بشكل كبير، حيث ساهم الناموس، مساهمة ليست بالقليلة، في أن تعرف الخطية أكثر.

    وبعد ما أظهر الخطية، بهدف أن يمنع سقوط الإنسان فيها بشكل أسوأ، بات واضحًا أن المسئولية لا تقع على عاتق الطبيب، بل من يستخدم الدواء بطريقة غير صحيحة. لأن ظهور المسيح بالجسد وضع مسئولية أكثر على اليهود، فعندما صاروا مُبغَضين أكثر فذلك يرجع لأنهم فقدوا الكثير، من خلال كل ما كان ينبغي أن ينتفعوا به. فالناموس لم يجعل الخطية أقوى، لأن المسيح نفسه أكمل الناموس، وكان بلا خطية. لاحظ كيف أنه إنطلاقًا من هنا هو يؤكد على القيامة. لأنه إن كانت خطية الإنسان هي سبب الموت، فإن المسيح بعدما جاء أبطل الخطية، وحررنا منها بالمعمودية، وأبطل قوة الناموس، فلماذا تشك في القيامة إذًا؟ وكيف سيسود الموت إذًا؟ هل بالناموس؟ فقد أُبطل. هل بالخطية؟ لقد نُقضت.

    “لكن شكرًا لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح” (57:15). فالمسيح قد غلب وقهر الموت وأبطل سلطانه، وجعلنا شركاء في التمتع بالأكاليل، ليس عن اضطرار، بل فقط بسبب محبته الفائقة للبشر. وهكذا وجّه لهم هذه النصيحة قائلاً: “إذًا يا أخوتي الأحباء كونوا راسخين غير متزعزعين” (58:15).

    لأنه لا شيء يهز كيان المرء بهذا القدر الكبير، سوى أن يعتقد أنه يتعب باطلاً وبلا هدف. ثم يضيف “مكثرين في عمل الرب كل حين عالمين أن تعبكم ليس باطلاً في الرب”. أنه يشير هنا إلى الحياة النقية التي يجب أن نحياها. ولم يقل عمل الصلاح، بل “عمل الرب كل حين” لكي نتمم عمل الرب بغيرة وحماس شديدتين. “عالمين أن تعبكم ليس باطلاً في الرب”، ماذا تقول؟ ولماذا تتحدث مرة أخرى عن التعب؟ نعم هو تعب، ولكنه يتوج بالأكاليل، ويصير لأجل ملكوت السموات. لأن التعب السابق الذي نتج بعد الطرد من الفردوس، كان عقابًا على الخطية، إلا أن هذا التعب (في الرب)، هو أساس للمكافآت التي سننالها فيما بعد. إذًا فذلك لا يعد تعبًا، طالما أن الجهاد يصير من أجل الرب، وإننا سنتمتع فيه بمساعدة كبيرة من السماء، ومن أجل هذا أضاف “في الرب”. لأن التعب القديم أدى إلى العقاب والإدانة، أما هذا التعب فهو من أجل أن ننال الخيرات الأبدية.

    إذًا لا ينبغي أن نبقى خاملين أيها الأحباء. لأنه من غير الممكن، نعم من غير الممكن، أن يرث ملكوت السموات مَنْ هو خامل، ولا أيضًا الذين يُسلّمون أنفسهم للمتع وللكسل والتراخي. أم أنكم لا ترون كم هي عظيمة هذه المسافة بين الأرض والسماء، وكم يميل الإنسان بشدة إلى الخطية، وكيف تحيطه الخطية بقوة، وكم من الفخاخ تصادفه؟ إذًا لماذا لا نهتم بما يعلو على الماديات الزائلة، ونثقّل كاهلنا بإهتمامات ومتع فانية، ونجعل الحمل أثقل؟ ألا يكفي أن تعتني بالطعام والملبس والمسكن؟ ألا يكفي أن نهتم بالإحتياجات الضرورية؟ وإن كان المسيح، قد طلب منا أن لا نهتم بهذه الأمور أيضًا، حيث قال “لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون”[11].

    إذًا فطالما ينبغي علينا أن لا نهتم بالمأكل والملبس الضروري، ولا حتى بالمستقبل فمتى سيفيق إذًا الذين يثيرون كل هذا الصخب في الحياة، ويدفنون أنفسهم أحياء؟ ألم تسمع ق.بولس وهو يقول “ليس أحد وهو يتجند يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضي مَنْ جنده”[12]. إلا إننا دائمًا ما نسلّم أنفسنا للمتع، وللشراهة، وللسكر، ونهتم بأمور عالمية ونتعب من أجل تحقيقها، بينما نتكاسل ونتراخى فيما يختص بالأمور السمائية. ألا تعلمون أن الوعد يتجاوز الإنسان؟ لذلك فلا يمكن لمن إلتصق بالأرضيات، أن يصعد إلى السماء. إننا لا نحاول أن نعيش كبشر، لكننا صرنا أسوأ من الحيوانات. ألا تعرفون كيف سنقف أمام الله؟ ألا تفهمون أننا سنُُعطى حسابًا عن أقوالنا وأفعالنا، فكيف لا نهتم بأن نتحرر من كل أخطائنا؟ إن “مَن ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه”[13]. وبكل أسف فحتى أولئك الذين ينظرون النظرة الرديئة، لا يطلبون غفرانًا، بل ويتعفنون في خطيئتهم.

    إن من يقول لأخيه في الإنسانية، يا أحمق، فسيُلقى في جهنم، بينما نحن لا نكف عن إدانة شركائنا في الإنسانية، بإدانات لا حصر لها، ونكيد لهم بطرق مختلفة. وذاك الذي يُحَب من أخيه، لم يفعل شيئًا أكثر مما يفعله الوثني، لكن نحن لا زلنا نحقد عليه. إذًَا أي غفران سنحصل عليه، حين تكون حياتنا قد وصلت إلى مستوى لا يرقى حتى إلى مستوى العهد القديم؟ وأي كلام سيخلّصنا؟ ومَن سينقذنا عندما نُلقى في الجحيم؟ بالطبع لا أحد، بل إن هؤلاء الأشرار الذين يسلكون ضد إرادة الله، سينوحون ويبكون، ويصرّون بأسنانهم، وسينقادون إلى الظلمة الشديدة، وإلى العقاب الذي لا خلاص منه.

    من أجل هذا أتضرع إليكم وأترجاكم أن تنسحقوا وترجعوا لله وتتوبوا لكي تصيروا أفضل، حتى لا يكون مصيرنا مثل الغني الغبي. فالله سيحاسبك عن أعمالك، أقول هذا الكلام لا لكي أحزنكم، أو ألقيكم في اليأس، بل لكي لا نهمل ممارسة الفضيلة، مستندين على رجاء باطل وكاذب، معتمدين على هذا القديس أو غيره. لأننا إن صرنا خاملين فلن يساعدنا لا بار، ولا نبي، ولا رسول. أما إذا جهادنا الجهاد الحسن، ورفعنا صلوات، وعملنا أعمالاً صالحة، فإننا سننال الخيرات المعدة للذين يحبون الله.

    هذه هى مفاعيل القيامة التي تحققت في حياة الكثيرين، بعد أن تأكدت بشهود كثيرين أيضًا. هكذا سُلِّم الإيمان بالقيامة، كما تسلّمه الرسل، وهذا ما سبق وأشار إليه الرسول بولس في بداية حديثه إذ يقول: ” فإنني سلّمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دُفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب” (1كو15ـ1).

 

مات من أجل خطايانا:   

    قد يتساءل البعض ماذا يعني بقوله: “فإنني سلّمت إليكم في الأول؟”، يعني منذ البداية، وليس الآن. فهو يقول هذا الكلام حتى يستدعي الزمن كشاهد أيضًا، ولأن الإيمان بهذا كان يثير خجلاً شديدًا، إذ أنهم عاشوا كل هذا الزمن بإيمان معين مختلف، والآن يحيدون عنه، وليس هذا فقط، بل لأن الإيمان بهذه العقيدة كان أمرًا هامًا جدًا، ولذلك فقط “سلّم” منذ البداية وعلى الفور ومن أول لحظة. وماذا سلّمت؟ أخبرني. أنه لم يتكلم عن هذا مباشرةً، ولكنه يقول ما قبلته. وماذا قبلت؟ “أن المسيح مات من أجل خطايانا”. ولم يقل مباشرةً أن الأجساد ستقوم، لكنه يمهد للحديث عنه مع موضوعات أخرى. يقول أن المسيح مات، بعدما وضع قاعدة عظيمة  وأساسًا متينًا لا يهتز، بشأن الحديث عن القيامة. لأنه لم يقل فقط أن المسيح مات، وإن كان هذا كافيًا لكي يُعلن القيامة، ولكنه أضاف أن المسيح مات من أجل خطايانا.

    لكن يجدر بنا أولاً أن نسمع ماذا قال هنا أولئك الذين أصابهم مرض المانويين، الذين هم أعداء الحقيقة، ويحاربون خلاصهم ذاته. إذًا ماذا قال هؤلاء؟ قالوا أن الموت الذي تحدث عنه بولس هنا ليس سوى سقوط الإنسان في الخطية، وأن القيامة ليست إلا التحرر من الخطية. أرأيت كيف أن الخداع يُعد أخطر مرض، لاحظ كيف أن هؤلاء يحاولون أن يفسدوا أنفسهم بكل ما قالوه لأنه إذا كان هذا هو الموت (أي السقوط في الخطية)، وأن المسيح لم يأخذ جسدًا بحسب رأيهم، فحينئذ يكون المسيح قد أخطأ بحسب أقوالهم. لكنني حين أقول أنه أخذ جسدًا، أقول أنه مات بالجسد، بينما أنت حين ترفض هذا، ستضطر أن تقول ما سبق وأشرت إليه من قبل (أنه أخطأ). فإن كان المسيح قد أخطأ، فكيف يقول “من منكم يبكتني على خطية؟”[14] و”رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء”[15] وأيضًا “أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله”[16]. فكيف يموت من أجل الخطاة، إن كان هو خاطئًا؟ لأن الذي يموت من أجل الخطاة، ينبغي أن يكون هو نفسه بلا خطية، كذلك إذا كان قد أخطأ، فكيف يموت من أجل خطاة آخرين؟ فإن كان قد مات من أجل خطايا الآخرين، فإنه يكون قد مات وهو بلا خطية. وإن كان قد مات وهو بلا خطية، فإنه لا يكون قد مات موت الخطية، لأنه كيف يكون قد مات موت الخطية، وهو بلا خطية؟ لكنه مات بالجسد. وإن كان قد مات بالجسد، حينئذٍ تكون القيامة بالجسد. ومن أجل هذا فإن ق. بولس لم يقل فقط “مات” بل أضاف “من أجل خطايانا”، وذلك لكي يجعلهم، وبدون أن يريدوا، يعترفوا بالموت الجسدي، ولكي يُظهر بهذا أنه كان بلا خطية قبل الموت. لأنه كان لابد لمن يموت من أجل خطايا الآخرين، أن يكون بلا خطية.

    بل أنه لم يكتف بهذا أيضًا، بل أضاف “حسب الكتب” لكي يضفي مصداقية على حديثه، ويعلن عن أي موت كان قد تكلّم. لأن الكتب تكرز بموت الجسد في كل موضع. فيقول على سبيل المثال: “ثقبوا يديّ ورجليّ”[17] و أيضًا “فينظرون إلى الذي طعنوه وينوحون”[18]، ونبؤات أخرى كثيرة، ويضم الكتاب عددًا كبيرًا من الآيات التي تتحدث عن أن السيد المسيح قد ذُبح من أجل خطايانا بالجسد، مثل لأنه “قطع من أرض الأحياء أنه ضرب من أجل ذنب شعبي”[19] و “الرب وضع عليه إثم جميعنا”[20] و “مجروح لأجل معاصينا”[21]. وإذا لم تقتنع بما جاء بالعهد القديم، إسمع يوحنا الذي يصرخ ويظهر الأمرين، ذبح الجسد، وسبب الذبح، قائلاً “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم”[22]، وإسمع بولس الذي يقول “أنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه”[23]. وأيضًا “المسيح إفتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا”[24] وأيضًا “إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه”[25]. وهناك جوانب أخرى كثيرة إتضحت خلال ذبح الجسد من أجل خطايانا. فالمسيح ذاته يقول “لأجلهم أقدس أنا ذاتي”[26] و “رئيس هذا العالم قد دين”[27]. وهكذا أوضح أنه ذُبح وهو بلا خطية. “وأنه دُفن” وهذا يبرهن على ما سبق، لأن هذا الذي يُدفن، هو على كل الأحوال جسد. وهنا لم يضف عبارة “حسب الكتب”. على الرغم من أن عبارة “بحسب الكتب” قد ذُكرت، فلماذا لم يضفها؟ إما لأن القبر كان معروفًا للجميع آنذاك، وإما أنه معروف للكافة “بحسب الكتب”. إذًا لماذا أضاف “بحسب الكتب” في قوله “وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب” ولم يكتف بما ورد سابقًا وبشكل عام؟ لأن هذا الأمر كان مجهولاً للكثيرين. ومن أجل هذا يذكر هنا عبارة حسب الكتب، ملهمًا بالروح، بعدما أدرك هذا المعنى الحكيم والإلهي. كيف إذًا يصنع نفس الشيء فيما يتعلق بموت المسيح؟ خاصةً وأن الصليب كان واضحًا للجميع في ذلك الوقت، والسيد المسيح قد صُلِبَ أمام الكل، إلا أن السبب لم يكن معروفًا. لأنه من حيث أنه مات، فهذا يعرفه الجميع، ولكن من جهة أنه مات من أجل خطايا كل البشر، فهذا ما لم يعرفه الكثيرون قط، ولذلك فهو يستشهد بالكتب.

 

شهود القيامة:       

    ما قيل يعد دليلاً كافيًا بالنسبة لنا، لكن أين تقول الكتب أنه دُفن وقام في اليوم الثالث؟ هذا ورد في حادثة يونان النبي، والذي أشار إليها المسيح نفسه، عندما قال “لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاثة ليال هكذا يكون إبن الإنسان”[28]. وورد أيضًا في العليقة المشتعلة في البرية، فرغم أنها كانت مشتعلة إلا أنها لم تحترق، هكذا جسد المسيح، فمن ناحية قد مات، إلا أن الموت لم يسد عليه إلى الأبد. بل والتنين في سفر دانيال، يشير إلى هذا أيضًا فكما أن ذاك قد أخذ الطعام الذي أعطاه له النبي، وأنشق من وسطه، هكذا الجحيم عندما إبتلع جسد المسيح، إنشق، لأن جسده شق بطنه وقام. لكن إن أردت أن تسمع كلمات تعبر عن الأمثلة التي ذُكرت عن (يونان، والعليقة، والتنين)، فإسمع ما يقوله إشعياء “قطع من أرض الأحياء”[29] و”أما الرب فسر بأن يسحقه بالحزن”[30]، وداود قبل إشعياء يقول “لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فسادًا”. ومن أجل هذا فإن بولس يرجعك إلى الكتب، لكي تعلم أن كل ذلك لم يحدث مُصادفة، لأنه كيف كان ممكنًا لكل هؤلاء الأنبياء أن يصفوا كل هذا ويعلنوا عنه على مدى قرون طويلة قبل أن تحدث، ولكي تعلم أنه لم يَرِد مطلقًا في الكتاب المقدس ما يشير إلى أن موت المسيح هو سقوط في الخطية، فعندما يُذكر موت الرب، يُذكر الموت، والدفن، وقيامة الجسد.

    “وأنه ظهر لصفا”. ويذكر مباشرةً بعد ذلك بطرس الذي كان يحظى بثقة أكثر من الجميع. “ثم للأثنى عشر وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمائة أخ أكثرهم باق إلى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا. بعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين وأخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا” (1كو5:15ـ8).

    ولأنه ذكر الدليل، الذي يثبت القيامة من الكتب المقدسة، أضاف ما قد حدث بالفعل وهو شهادة الرسل عن القيامة، وشهادة مؤمنين آخرين، بعدما قدم شهادة الأنبياء. فإن كان التحرر من الخطية يُدعى قيامة، فسيكون تزّيد منه أن يقول أنه ظهر لهذا وذاك. لأن هذا يؤكد قيامة الجسد، ولا يشير إلى التحرر من الخطية. ولذلك فهو لم يقل كلمة “ظهر” مرة واحدة، على الرغم من أن ذِكرها مرة واحدة دون تكرارها كان كافيًا للتعبير عن كل هذه الظهورات. ولكنه يذكرها مرة، ومرتين، وثلاثة، عندما يتحدث عن كل شخص رأى المسيح بعد قيامته. لأنه يقول، ظهر لصفا، وظهر لأكثر من خمسمائة أخ، وظهر ليعقوب، وظهر لي. غير أن الإنجيل يذكر العكس، أنه ظهر أولاً لمريم المجدلية، نعم ولكنه ظهر لصفا أولاً بين الرجال، لأنه كان يشتهي بشدة أن يراه، ولم يذكر الرسول بولس اسم متياس وهو أحد الأنثى عشر، وذلك لأن متياس قد أُختير بعد صعود المسيح وليس بعد القيامة مباشرةً. إن هذا الرسول دُعي أن يرى المسيح بعد الصعود، وعن هذا الأمر، لم يشر لزمن محدد، لكنه أحصى بشكل عام وغير محدد، عدد الظهورات. لأنه ظهر مرات عديدة، ومن أجل هذا قال يوحنا “هذه مرة ثالثة ظهر يسوع”[31].

    “وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمائة أخ”. البعض قالوا أنه يقصد أنه ظهر من السماء، لأنه لم يظهر ماشيًا على الأرض، بل ظهر فوق رؤوسهم، لأنه أراد أن يؤكد ليس فقط حقيقة القيامة، بل وحقيقة الصعود أيضًا. لكن البعض الأخر يقول أن عبارة “لأكثر من خمسمائة أخ”، تعني أكثر من خمسمائة. “أكثرهم باقٍ إلى الآن”. فهو يقول وإن كنت أروي أحداثًا قد حدثت في الماضي، إلا أنني لدىّ شهودًا لا يزالوا أحياء حتى الآن. “ولكن بعضهم قد رقدوا”. لم يقل قد ماتوا، بل قال “رقدوا”. وهذه الكلمة “رقدوا” تؤكد أيضًا حقيقة القيامة. “وبعد ذلك ظهر ليعقوب” أنا أعتقد أنه يقصد يعقوب أخوه (أخو الرب). ويُقال أن المسيح نفسه رسمه وجعله أسقفًا لأورشليم. “ثم للرسل أجمعين”. لأنه كان يوجد رسل آخرين، مثل السبعين رسولاً. “وأخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا”. هذا حديث يعكس تواضعًا كبيرًا. كذلك فإن ظهوره له آخر الكل، لا يعني أنه لم يكن مستحقًا لأنه وإن كان قد دعى نفسه أخر الكل فهذا ما يثبت أنه الأكثر بهاءًا، فمن المؤكد أن الخمسمائة أخ لم يكونوا أفضل من يعقوب لأنه ظهر أولاً لهم.

 

الإيمان بالقيامة:

    ولماذا لم يظهر للجميع معًا؟ فعل هذا لكي ينثر بذار الإيمان مسبقًا. فإن من يراه أولاً سيخبر بالقيامة بثقة مطلقة وسيعلنها للآخرين. وبعدما تصل كلمة الخبر أولاً، سيجعل الذي يسمعها يترجى هذه المعجزة العظيمة، وهكذا سيُمهد الطريق للظهور بواسطة الإيمان. لهذا السبب لم يظهر للجميع معًا، ولا لهم مجتمعين منذ البداية، بل ظهر أولاً لواحد فقط، ثم لصفا والذي هو أكثر إيمانًا من الجميع. لأن الأمر يحتاج إلى نفس مؤمنة جدًا لكي تقتنع أولاً بهذا الظهور. لأن أولئك الذين سيرونه، بعدما يسمعون أولاً عن القيامة من أولئك الذين رأوه، سيساهمون بدورهم في إعداد نفوس الآخرين لقبول الإيمان. لكن مَنْ يستحق أن يراه أولاً، يحتاج كما قلنا، إيمانًا كبيرًا، حتى لا يخف من المعجزة العظمى التي سيراها. لأن الذي إعترف أولاً بالمسيح، سيكون مستحقًا أن يرى القيامة، وهذا أمرًا منطقيًا.

    لكنه لم يظهر لبطرس لهذا السبب فقط، بل لأن بطرس كان قد أنكره ولهذا ظهر له لكي يعزيه، ولكي يطمئنه أنه ينبغي ألا ييأس من أجل هذا الأمر، فقد كرّمه بأن جعله مستحق أن يرى أولاً هذا الظهور، وسلّم له أولاً المؤمنين كخراف. وظهر للمرأة (مريم المجدلية)، لأن جنس النساء أهين، ومن أجل هذا، فالمرأة هي التي تمتعت أولاً بهذه النعمة في الميلاد وفي القيامة، ثم ظهر لكل واحد على حدى بعد ظهوره لبطرس، مرة للبعض، ومرة لكثيرين، وجعل هؤلاء شهودًا ومعلمين، وجعل الرسل جديرين بالثقة في كل ما تكلموا به. “وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا” ما هي أهمية وقيمة الحديث المتواضع هنا؟ ولماذا قيل؟ لأنه إن كان يريد أن يظهر كمحل ثقة وأن يحصي كل شهود القيامة، فحينئذ كان ينبغي أن يفعل عكس ما يريد. أي أنه كان ينبغي أن يرفع نفسه وأن يظهر أنه عظيم، الأمر الذي فعله في مواضع كثيرة عندما كانت الضرورة تدعوه إلى هذا. إذًا فقد ظهر متواضعًا هنا، لأن هذا هو ما ينوي أن يفعله، لكن ليس بشكل مباشر، بل بحكمة وتعقل يليق بالرسول بولس. تُرى، لماذا وصف نفسه هكذا؟ فعل هذا لكي يجعل كلامه مقبولاً بصورة أسهل.

    “ولكن إن كان المسيح يكرز به أنه قام من الأموات. فكيف يقول قوم بينكم إنه ليس قيامة أموات؟” (1كو12:15).

    أرأيت كيف أن الرسول بولس يضع أساسًا للتفكير بطريقة صحيحة، ويبرهن على حقيقة القيامة من الأموات، من خلال قيامة المسيح، وذلك بعدما برهن على قيامة المسيح بطرق عديدة؟ إذ يقول إن الأنبياء أيضًا تنبأوا بهذه القيامة، التي برهن المسيح عليها بظهوراته بعد قيامته من الموت. ونحن من جانبنا نبشر بها، أما أنتم فقد أمنتم ونلتم غفران الخطايا. صدقتم نبؤات الأنبياء، وشهادة الرسل، بخصوص حياة الدهر الآتي.

    وبعدما برهن على قيامة المسيح، إتجه نحو إثبات قيامة الموتى بشكل عام. وهو إذ يتحدث عن حقيقة مؤكدة، فإنه يدين البعض، وفي ذات الوقت يتعجب منهم، قائلاً: “إن كان المسيح يكرز به أنه قام من الأموات. فكيف يقول قوم بينكم إن ليس قيامة أموات؟”. وبهذه الكلمات يتصدى لوقاحة الذين يقولون أنه لا توجد قيامة للأموات. لأنه لم يقل كيف تقولوا أنتم، بل قال: “كيف يقول قوم بينكم؟” وهو بهذا لا يوجه إتهامًا للجميع، ولا يحدد مَنْ هم الذين يتهمهم، حتى لا يزدادون سفاهة، وأيضًا لم يحجبهم تمامًا، وذلك لكي يُصلحهم. ولذلك، فبعدما أفرزهم عن جموع المؤمنين، واجههم، وأضعف حججهم، وأصابهم إصابة قوية، وهكذا حفظ الآخرين سالمين في الحقيقة التي يؤمنون بها، بجهاده ضد هؤلاء المعترضين. وجعلهم ثابتين في مواجهة هؤلاء المفسدين.

    بعد ذلك وحتى لا يقولوا أن الأمر لا يتعلق بقيامة المسيح، إذ هي حقيقة لا يشك أحد فيها وهي واضحة للجميع، وقد سبق التنبؤ بها، وشهد بها الكثيرون من خلال ظهورات المسيح بعد القيامة. إلا أن هؤلاء يرون أن قيامة المسيح لا تؤكد حقيقة قيامة البشر، لذلك فقيامتنا نحن هي موضع شك بالنسبة لهم بل وهي مجرد رجاء وليست حقيقة. لاحظ ماذا قال “فإن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام” (1كو13:15).

    أرأيت مدى قوة الرسول بولس، كيف أنه لا يبرهن فقط على المشكوك فيه، من خلال هذه الحقيقة الواضحة (أي قيامة المسيح)، بل أنه، بواسطة ما هو مشكوك فيه، يبرهن للمعترضين على هذا الأمر الحقيقي والواضح؟، ليس لأن ما حدث (أي قيامة المسيح) يحتاج إلى برهان، بل لكي يظهر أن قيامة البشر، تستحق أيضًا التصديق بنفس القدر مثل قيامة المسيح.

 

بموته أبطل الموت:

    وقد يسأل البعض وما هي النتائج المترتبة على ذلك؟ النتيجة هي إن لم يكن المسيح قد قام، فلا يقوم آخرون. لكن كيف يستقيم منطقيًا أن نقول، إن لم يقم آخرون، فالمسيح لا يقوم؟ أنظر كيف يعالج هذا الأمر، ويجعله واضحًا لأن ما طرحه لم يكن مقنعًا بشكل كاف، حيث أنه ألقى البذور مسبقًا، من خلال التعاليم التي حملتها تلك الكرازة، مثل قوله، بعدما مات لأجل خطايانا وقام، وأنه باكورة الراقدين. لأنه لمن كانت هذه الباكورة الأولى، إن لم تكن لأولئك الذين قاموا؟ فإن لم يقوموا، فلماذا قام المسيح؟ لماذا أخذ جسدًا إن لم يكن في تدبيره أن يقيم الجسد؟ فالمسيح لم يكن محتاجًا لذلك، لكنه تأنس من أجلنا، وقام من أجلنا. ولذلك يقول “فإن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام”، فقيامتنا مرتبطة بقيامة المسيح. ومن أجل هذا إن لم يكن في تدبير المسيح أن يقوم، ما كان له أن يتجسد. أرأيت كيف أن عدم إيمان هؤلاء بالقيامة، يؤدي إلى رفض خطة الله من أجل خلاص البشر؟ لكنه هنا لم يتكلم عن التجسد، بل تكلّم عن القيامة، لأنه بالموت أبطل الموت.

    ثم يضيف “وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا..” (1كو14:15). يريد هنا أن يحرك نفوسنا، فإن لم يكن المسيح قد قام، فهذا معناه أننا قد فقدنا كل شيء. أرأيت كم هو عظيم هذا السر، سر التدبير الإلهي لخلاص البشر؟ لأنه إن كان المسيح لم يستطع أن يقوم بعد موته، فهذا يعني أن الخطية لم تُنقض، ولا الموت أُبطل، ولا اللعنة رُفعت، ونكون نحن، ليس فقط قد كرزنا باطلاً، بل أنتم أيضًا قد آمنتم باطلاً. ثم يتوجه نحو هؤلاء المعترضين  قائلاً: “ونوجد نحن أيضًا شهود زور لله. لأننا شهدنا من جهة الله أنه أقام المسيح وهو لم يقمه. إن كان الموتى لا يقومون” لأنه إن كان الموتى لا يقومون فلا يكون المسيح قد قام، وإن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم” (1كو15:15ـ17).

    هكذا تجده دائمًا يركز على القيامة، ويؤكد حقيقتها، منطلقًا من قيامة المسيح، كحدث حقيقي قد شهد به الكثيرون، كي يجعل ما قد يبدو ضعيفًا ومشكوك فيه (أي قيامة البشر)، أمرًا واضحًا وموضع تصديق.

    ثم يقول “وأنتم بعد في خطاياكم”. لأنه إن لم يكن قد مات وقام، فيكون سلطان الخطية لا زال قائمًا والخطية لم تبطل بعد، لأن موته أبطل الخطية. هكذا قال يوحنا المعمدان “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم”[32]. ولكن كيف يرفع الخطية؟ يرفعها بالموت، ومن أجل هذا دعاه حملاً. لأنه كان في تدبيره أن يُذبح. فإن لم يكن قد قام، فلا يكون هناك ذبح، وإن لم يكن قد ذبح، فلا تكون الخطية قد أُبطِلت، وإن لم تكن قد أُبطِلت، أنتم بعد في خطاياكم، وباطلة هي كرازتنا، وإن كانت كرازتنا باطلة، فباطل إيمانكم، لكنكم قد تحررتم من الخطية، بقيامة المسيح. ومن ناحية أخرى إن لم يكن المسيح قد قام، فسيبقى الموت إلى الأبد. وإن كان الموت قد ساد على المسيح، فكيف خلّص الآخرين من براثنه، بينما هو أسيرًا له؟ ولذلك أضاف “إذًا الذين رقدوا في المسيح أيضًا هلكوا” (18:15)، فهل هؤلاء الذين لم يخضعوا بعد للشكوك (من جهة قيامة الأموات)، قد هلكوا جميعًا؟ بالطبع لا. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عبارة “في المسيح” تعني إما الإيمان بالمسيح، أو الموت من أجل المسيح، أي أولئك الذين إحتملوا الأتعاب الكثيرة، وتعرضوا للمخاطر، وساروا في الطريق الضيق.

    أين هي الآن تلك الأفواه الخبيثة التي للمانويين، التي تقول إن ق. بولس يقصد بالقيامة هنا، الخلاص من الخطية؟ لأن هذه الأفكار الكثيرة تثبت في تتابعها عكس ذلك. من المؤكد إن إقامة من سقط، تُدعى قيامة. ولذلك حتى يفرق بين هذه وتلك، يقول إن المسيح ليس فقط قد قام، بل قام من بين الأموات. والكورينثيون حين يتشككون فإن تشكُكَهم لا يتعلق بمسألة غفران الخطايا، بل بقيامة الأجساد. فهل كان لابد أن يكون المسيح غير بار، حتى يقوم (من خطيئته)؟ فإن لم يكن ينوي القيامة من الموت، فلماذا تجسد إذًا؟ ومع هذا، فسواء كان البشر خطاة، أم أبرارًا، تبقى صفة البر وعدم الخطية أمرًا ثابتًا في الله.

1 2كو10:5.

2 1كو3:4.

3 يو17:5.

4 دا 42:2.

5 أف12:6.

6 في21:3.

7 يو24:12.

8 يو19:2.

9 يو21:2.

10 رو11:8.

11 مت25:6.

12 2تيمو4:2.

13 مت28:5.

14 يو46:8.

15 يو30:14.

16 يو34:4.

17 مز16:22.

18 زك10:12.

19 إش8:53.

20 إش6:53.

21 إش5:53.

22 يو29:1.

23 2كو21:5.

24 غل13:3.

25 كو15:2.

26 يو19:17.

27 يو11:16.

28 مت40:12.

29 إش8:53.

30 إش10:53.

31 يو21:14.

32 يو29:1.

 

المسيح باكورة الراقدين – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

اختيار شريكة الحياة ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

اختيار شريكة الحياة ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

اختيار شريكة الحياة ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

          لقد حزنت بسبب تغيبي عن اجتماعكم السابق، ولكن بما أنكم تمتعتم بمائدة غنية، فقد سبّب هذا لي فرحًا عظيمًا، لأن شريكي في هذه الخدمة قد قام بنفس عملي، وألقى البذار بكلام دسم وخدم باهتمام كبير في حقل نفوسكم. فقد رأيتم اللغة النقية وسمعتم الكلمة الرصينة وتمتعتم بماء ينبع إلى حياة أبدية، رأيتم ينبوع تتحرك منه أنهار من ذهب. ويُقال إن هناك نهر يحمل نخالة ذهب لكل من  يسكنون حوله من البشر، لا لأن طبيعة الماء تنتج ذهبًا، لكن لأن منابع النهر تخترق الجبال التي تحمل في باطنها هذ المعدن (الذهب)، ومن بين هذه الجبال، يندفع النهر إلى أسفل، فيسحب معه الطين المُحمل بالذهب، فيصير كنزًا لكل الساكنين حوله، فيفيض عليهم بالغنى. لقد تمثل هذا المعلم (مكسيموس)، بذلك النهر، في الاجتماع السابق، إذ أنه نهل من الكتب المقدسة كما من جبل ملئ بالذهب، حاملاً إلى نفوسكم المعاني، التي هي أثمن من الذهب. وأنا أعرف طبعًا أن ما تحتاجونه اليوم هو ما أحتاجه أنا أيضًا، لأن من يتمتع عادة بمائدة فقيرة، إذا حدث في إحدى المرات أن جلس على مائدة غنية، ثم عاد بعد ذلك مرة أخرى إلى مائدته الفقيرة، حينئذٍ سيدرك جيدًا، النقص الشديد في محتويات هذه المائدة الفقيرة.

          لكن هذا السبب لن يجعلني أبدأ العظة اليوم بفتور، لأنكم تعرفون، وقد تعلمتم من الرسول بولس، أن تشبعوا، وأن تجوعوا، وأن يفضل عنكم، وأن تُحرموا، وأن تُعجبوا بالأغنياء، وألاّ تزدروا بالفقراء. وكما أن أولئك الذين يحبون النبيذ، يقبلون النبيذ الجيد، إلاّ أنهم لا يحتقرون النبيذ الأقل جودة. هكذا أنتم أيضًا، فإذ تشتهون سماع الكلمة الإلهية، فأنتم تقبلون المعلمين الأكثر حكمة، لكنكم تُظهرون أيضًا شوقًا ورغبة لسماع المعلمين الأقل حكمة. فالكسالي والفاسدون يشمئزون حتى أمام المائدة الغنية، أما من لديهم شهية ورغبة ويقظة روحية ـ فلأنهم جياع وعطاش إلى البر، فهم يركضون باشتياق كبير حتى نحو المائدة الفقيرة أيضًا. وما أقوله ليس تملقًا، فهذا ما أظهرتموه بأكثر مما ينبغي، في العظة السابقة التي قدمتها لكم.

          ففي تلك العظة كلمتكم كثيرًا عن الزواج، وأظهرت أنه إذا طلق الرجل امرأته، وأخذ امرأة مُطلقة، بينما زوجها السابق على قيد الحياة، فهذا يُعد زنى حقيقي. وقد قرأت لكم وصية المسيح التي تقول: ” من طلق امرأته إلاّ لعلة الزنى يجعلها تزنى ومن يتزوج بمطلقة فإنه يزنى” (مت32:5). وقد رأيت كثيرين يُنكسون رؤوسهم إلى أسفل، ويلطمون وجوههم، ولا يستطيعون بعد أن يرفعوا رؤوسهم. ثم بعد ذلك يرفعون عيونهم إلى السماء. فقلت، لتكن أنت مباركًا يا إلهي لأنني لا أكلم آذانًا صماء، لكن كل ما أقوله يحدث تأثيرًا قويًا في أذهان السامعين. طبعًا من الأفضل ألاّ يخطئ أحد مُطلقًا. لكن ينبغي على الخاطئ أن يحزن حزنًا عميقًا ويدين نفسه، ويقبل تأنيب ضميره ويحاسب نفسه بتدقيق، وهذا ليس بأمر هين من جهة خلاصه لأن هذه الإدانة للذات تقود إلى التبرير، وتؤدى بنا بالتأكيد في الاتجاه الذي يجعلنا لا نخطئ. ولهذا فإن القديس بولس بعدما حزن من أجل هؤلاء الذين سقطوا في الخطية، فرح، لا لأنه أحزنهم، لكن لأن حزنهم قادهم إلى التوبة، فقد فرح قائلاً: ” الآن أنا أفرح لا لأنكم حزنتم بل لأنكم حزنتم للتوبة. لأنكم حزنتم بحسب مشيئة الله لكي لا تتخسروا منا في شئ. لأن الحزن الذي بحسب مشيئة الله يُنشئ توبة لخلاص بلا ندامة” (2كو9:7ـ10). وسواء كنتم تحزنون لأجل خطاياكم، أو لأجل خطايا الآخرين، فإنكم تستحقون كل مديح. لأنه عندما يحزن أحد لأجل خطايا الآخرين، فإنه يُظهر بهذا، أن له قلب رقيق مثل الرسول بولس، هذا الإنسان القديس الذي يقول: ” من يضعف وأنا لا أضعف من يعثر وأنا لا ألتهب” (2كو29:11)، فلنتشبه به. فهو من جهة الأمور الخاصة به لم يتكلم، والعقوبة التي انتظرته، من جهة كل ما تجرأ وصنعه (أي اضطهاده للكنيسة) حتى وقت أي تحوله للمسيح، قد مُحيت، ومن جهة الأمور المستقبلة، فإن هذا الحزن ولّد عنده يقينًا شديدًا. ولهذا أنا أراكم تُنكسون رؤوسكم إلى أسفل، وتتنهدون، وتلطمون وجوهكم، ولذلك فرحت جدًا وصرت أفكر في الثمر الذي سيأتي من وراء هذا الحزن.

ولهذا فإنني سأحدثكم اليوم في موضوع الزواج ـ حتى أن كل من يرغب في التقدم للزواج عليه أن يبدى اهتماماً به في أوانه. فعندما يتعلق الأمر بشراء عبيد أو بيوت، فإننا نفحص بعناية أولئك الذين يبيعون وأيضًا نفحص العبيد أنفسهم الذين ننوى شراءهم وحالتهم النفسية والجسدية، وإذا تعلق الأمر بأحد المبانى فإننا نفحص حالة المبنى ومواصفاته بكل تدقيق.

فبالأحرى كثيرًا جدًا إذا تعلق الأمر باختيار زوجة، فإنه يجب علينا أن نبدى مثل هذا الاهتمام بكل عناية وتدقيق. لأنه إن كان البيت معيب يمكن الرجوع فيه، والخادم إذا ثبت أنه غير نافع يمكن رده لبائعه. لكن إذا تعلق الأمر باختيار زوجة، فإنك لن تستطيع أن تردها إلى أهلها مهما حدث. فقط إذا وقعت في خطية الزنا، تستطيع أن تنفصل عنها بحسب وصية الله. وإذا كنت تنوى اختيار زوجة لك، لا تقرأ فقط شرائع هذا العالم، لكن عليك قبل أن تلجأ إلى هذه الشرائع أن تطّلع على تعاليم الكنيسة. لأنك ستدان بهذه التعاليم في يوم الدينونة وليس بقوانين هذا العالم. إن تجاهل قوانين هذا العالم عادة ما يسبب ضرر مادى، أما تجاهل تعاليم الكنيسة فإنه يؤدي لعقوبات شديدة.

 

أهمية التدقيق في اختيار الزوجة:

وإذا أراد الإنسان إختيار زوجة له، نجده يُسرع نحو مُشرّعي هذا العالم ويفحص بكل تدقيق الأمور المتعلقة بالزواج، ويسألهم عن النتائج التي يمكن أن تحدث في حالة موت الزوجة التي لها أولاد، أو ماتت ولم تنجب؟ وكيف يكون الأمر لو كان والدها مازال على قيد الحياة؟ وما هو حجم الميراث الذي يؤول إلى أخوتها وحجم الميراث الذي يؤول الى الزوج، ومتى يكون له كل الحق في الميراث ومتى يخسر كل شئ؟ وأمور أخرى كثيرة يطلب معرفتها من مُشَرَّعى هذا العالم حتى يتأكد أن كل ممتلكات الزوجة تؤول إليه، ولا يذهب منها حتى ولو جزء صغير إلى أحد أقاربها.

 

صفات يجب توفرها عند الاختيار:

كيف لا يكون إذن، أمرًا غير منطقى أنه إذا تعلق الأمر بالأموال التي ستنتهي، أن نبدى كل هذا الاهتمام، أما بالنسبة للنفس، التي هي أثمن من كل شئ لا نوليها أى اهتمام ولو بجملة واحدة؟، بينما يجب علينا وقبل كل شئ أن نعرف كل ما يتعلق بالنفس من كل جوانبها. لذلك فإنى أنصح كل من يرغب في الزواج أن يقرأ ما كتبه القديس بولس، فيما يتعلق بوصايا الزواج الموجودة في رسائله. لكي يتعلم منها ماذا يجب عليه أن يفعل قبل أن يُقدْم على الزواج. فهل تستطيع أن تَقبل زوجة سيئة النية، خبيثة، مدمنة للخمر، غير متعقلة ولسانها غير مُنضبط؟ فإن كان غير مسموح أن تتخلص من الزوجة حتى ولو كانت تحمل كل هذه النقائص، إلاّ في حالة الزنا فقط كما تأمر الوصية، فعليك أن تفحص الأمر بالتدقيق وتبحث عن كل الطرق التي تضمن لك أن تختار زوجة مؤمنة لها فكر مستقيم وعلى جانب من التواضع. فلهذا عليك أن تختار بين أمرين، وهو أمر لا مفر منه، إما أن تأخذ لك زوجة سيئة وتحتملها، وإما أن ترفض احتمالها، وتتخلص منها فتقع في خطية الزنا. فالرب يقول: ” وأما أنا فأقول لكم أن من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزنى ومن يتزوج مطلقة يجعلها تزنى” (مت 32:5).

فلو أنك فكرت في هذه الأمور جيدًا وأدركت أهمية هذه الوصايا، تستطيع أن تختار زوجة مناسبة وموافقة لحياتك.

 

المحبة للزوجة:

فلو عثرنا على الزوجة المناسبة، فلن ننفصل عنها أبداً وستكون محبوبة جداً لدينا. والرسول بولس يقول: ” أيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم ذاته لأجلها” (أف25:5). فهو لم يتوقف عند عبارة أحبوا نساءكم، بل أعطى معياراً للمحبة وهو كما أحب المسيح الكنيسة وأسلم ذاته لأجلها.

إذن، لو احتاج الأمر أن تموت من أجل زوجتك لا تتردد.

لأن السيد الرب قد أحب عبدته حتى أنه قدم نفسه لأجلها، فبالأولى جداً يجب أن تحب من هي شريكتك في العبودية. لكن ربما جمال العروس وفضيلة نفسها هي التي جذبت انتباه العريس. لا نستطيع أن نقول هذا. لأنها كانت قبيحة ودنسه، لأن الرسول بولس يقول: ” وأسلم نفسه لأجلها لكي يقدسها مظهراً إياها بغسل الماء بالكلمة” (أف26:5).

 

تمثل بالمسيح في معاملة زوجتك:

وطالما قدسها، أظهر أنها كانت دنسة وملوثة من قبل. هذا بالطبع لم يكن مصادفة، بل كانت نجسة بجملتها. ومع هذا لم يأنف من قبحها ولم يتقزز، وأعاد تشكيلها وأصلحها وغفر لها خطاياها. وأنت أيضاً يجب عليك أن تسير في خطى سيدك. فإذا أخطأت الزوجة من نحوك، فعليك أن تغفر لها وتسامحها عن هذه الخطايا. ولو أنك تزوجت وكانت زوجتك سيئة، أصلحها برقتك ووداعتك، كما أحب المسيح الكنيسة. لأنه لم يمسح عنها فقط دنسها، بل أعاد لها أيضاً شبابها، وحررها من الإنسان العتيق الذي شكّلته الخطية. لذلك يقول الرسول بولس “لكي يحضرها لنفسه كنيسة مجيده لا دنس فيها ولا غضن أو شئ من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب” (أف27:5). لأنه لم يجعلها فقط جميلة، بل جديدة، لا بحسب الطبيعة الجسدية، بل بحسب حرية الاختيار.

ليس هذا فقط ما يستحق الإعجاب، أنه أخذها قبيحة، بذيئة لكنه أسلم ذاته للموت، وأعاد صياغتها وصار لها جمال لا يعبر عنه.

وعلى الرغم من كل هذا، فمرات كثيرة يرى النفس تتسخ وتتلوث، ومع كل هذا لم يتركها، ولم ينفصل عنها، لكنه ظل بالقرب منها مداويًا لأوجاعها ومصححاً لمسيرتها.

لأن كثيرين أخطأوا بعد أن آمنوا. ومع هذا لم يتأفف منهم.

على سبيل المثال عندما وقع عضو من كنيسة كورنثوس في خطية الزنا لم يُقطع، ولكنه أُصلِحَ وعاد إلى وضعه الطبيعى. كل كنيسة الغلاطيين تقسّت ووقعت في التهود. حتى هذه لم يعزلها، لكنه شفاها بواسطة بولس، وأحضرها مرة أخرى لعلاقتها السابقة معه.

فكما أنه عند ظهور مرض ما في أحد أعضاء الجسد، فنحن لا نلجأ لبتر هذا العضو، بل نقاوم المرض. هكذا لابد أن نعامل الزوجة.

فلو بدا عليها أى خطأ، لا تُطلق، لكن يُقوّم هذا الخطأ.

مع الوضع في الاعتبار أن تقّويم الزوجة أمر ممكن، بينما العضو الجسدى عندما يفسد تماماً، لا نستطيع علاجه. ومع هذا، وعلى الرغم من التأكد من أن هذا العضو غير قابل للشفاء، فإننا نبقى عليه ولا نلجأ إلى قطعه. فهناك كثيرون مبتورى الرجل أو اليد أو ذوى عيون كفيفة، فلا العين يخلعها ولا الرجل يقطعها ولا أيديهم يلقونها عنهم. على الرغم من أنهم متأكدون أنه لا نفع من هذه الأعضاء، إلاّ أنهم مستمرون في معاملتها برفق بالنسبة لسائر الأعضاء.

 

لا طلاق:

كيف لا يكون أمرًا غير منطقي إذن ـ طالما لا يمكن إعادة حيوية العضو المريض والذي انعدمت منه كل منفعة ـ أن نجد مثل هذه الرعاية، وكيف لا يحدث الشفاء عندما يكون هناك رجاء مجيد ويوجد الأمل في التغيير؟ لأن الاختيارات غير المناسبة يمكن تصحيحها وتقويمها. ولو قلت لى أن حالتها لا يمكن علاجها، حيث عوملت برفق وعناية، ومع هذا لم تُغير من أسلوب حياتها، أجيبك بقولى إنه على الرغم من كل هذا لا يجب أن تُطلق، فكما أشرنا أن العضو غير القابل للشفاء لا يُقطع، والزوجة أيضًا عضو من أعضائك كقول الكتاب:”ويكونان جسداً واحداً” (تك24:2). فحتى ولو كانت مستعصية العلاج، يكفيك المجازاة العظيمة لصبرك واحتمالك الكثير. لأن مخافة الله تجعلنا نصبر ونحتمل بكل وداعة سوء حالة الزوجة. فهي كعضو من أعضائنا يجب أن نحبها، الأمر الذي علّم به الرسول بولس قائلاً: ” كذلك يجب على الرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم. من يحب امرأته يحب نفسه فإنه لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربيه كما الرب أيضاً للكنيسة لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه” (أف28:5ـ30). ويقول: كما أن حواء أتت من جنب آدم هكذا نحن من جنب المسيح ـ وهذا معنى الكلام من لحمه ومن عظامه. إن خروج حواء من جنب آدم هذا أمر نعرفه جميعًا وأكده الكتاب بوضوح، بأن أوقع الله ثبات على آدم وأخذ واحد من أضلاعه وبنى المرأة.

 

الكنيسة تكونت من جنب المسيح:

والكنيسة أيضًا تكونت من جنب المسيح، هذا الأمر يعرضه لنا الكتاب وذلك عندما رُفع المسيح على الصليب وسُمر ومات ” لكن واحد من العسكر طعن جنبه بحربه وللوقت خرج دم وماء” (يو34:19) من هذا الدم والماء تكونت الكنيسة. ويشهد هو بذلك قائلاً: ” أجاب يسوع الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله” (يو5:3) الدم يقول عنه (الروح). حيث تولد بماء المعمودية وتتغذى بالدم (التناول).

أرأيت كيف أننا من لحمه ومن عظامه. فهل من هذا الدم والماء صار لنا الميلاد والغذاء؟ فبينما نام آدم تكونت المرأة، هكذا عندما مات المسيح تكونت الكنيسة من جنبه.

ليس لهذا فقط يجب أن نحب زوجاتنا، أى ليس لأنها عضو من أعضائنا ومنا كانت بداية خلقتها، بل لأجل الوصية التي وضعها الله نفسه ” لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بإمرأته ويكونان جسداً واحداً” (تك24:2).

ومن أجل هذا فإن الرسول بولس قد قرأ علينا هذه الوصية، حتى أنه في كل الأحوال يدفعنا دفعاً نحو محبة الزوجة. وهذه حكمة رسولية.

فهو لا ينحصر في الوصايا الإلهية فقط ولا في الشرائع الإنسانية فقط، لكنه يأخذ من الاثنين لكي يحملنا على محبة الزوجة.

لهذا فهو يبدأ مما حققه المسيح ويعظ قائلاً: ” أحبوا نساءكم كما أحب المسيح الكنيسة“، وبعد ذلك يعود مرة أخرى للمسيح قائلاً: ” نحن أعضاء جسده لحم من لحمه وعظم من عظامه” ثم يكمل إنسانيًا ” من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته” وحين يقرأ علينا هذه الوصية يقول: “هذا السر عظيم“. كيف يكون عظيما؟

 

هذا السر عظيم:

فعندما تقضى الزوجة كل الوقت في حجرتها وترفض رؤية زوجها، فكيف تقبله كجسدها؟ وأيضًا الزوج الذي لا يرى زوجته
ولا يحادثها ولا يأنس برفقتها، كيف يقبلها كجسده؟ يجب على الزوجة أن تتجاوز الكل، الأصدقاء والأقارب والوالدين أنفسهم.

أما فيما يخص الوالدين، فقد يقبلون لابنتهم شخصًا لم يعرفوه من قبل ولم يرونه قط، لكنهم يفعلون هذا الأمر بفرح دون تفكير في ضرر قد يحدث. وقد يعيش معها بعيداً عنهما، على الرغم من أنهما قد تعوّدا عليها، إلاّ أنهما لا يتذمران بل يقدمان الشكر لله ويتمنيان كل بركة لهذا الزواج. كل هذه الأمور قد فكر فيها الرسول بولس، حيث يترك الزوجان ذويهم ويرتبط الواحد بالآخر ويبدآن حياة جديدة تماماً. وهذا الأمر ليس أمراً إنسانيًا، بل هو نوع من المحبة قد زرعه الله في كليهما. إن هؤلاء الذين يقدمون (أي الوالدين) وهؤلاء الذين يأخذون (أى الأبناء) قد خلقهم الله ليفعلوا هذا الأمر (أى الزواج) بفرح، ولهذا فإنه يقول: ” هذا السر عظيم“.

هذا ما حدث بالضبط في حالة المسيح والكنيسة. ماذا حدث؟ فكما أن الرجل يترك أباه وأمه ويلتصق بامرأته، هكذا فإن المسيح ترك عرش أبيه وأتى إلى العروس “الكنيسة“. لم يدعونا إلى السماء، لكنه نزل هو إلى الأرض. وعندما نسمع ترك السماء، لا نظن أنه لم يعد في السماء ولكن ترك بمعنى التنازل. فبينما كان معنا كان مع أبيه أيضًا ولهذا قال إن هذا السر عظيم. عظيم أيضاً من الوجهة الإنسانية عندما نرى أن ما حدث في حالة المسيح والكنيسة يحدث في حالة الزواج، وهو أمر يثير الدهشة والإعجاب. ولهذا عندما قال أن هذا السر عظيم، أضاف لكننى أقول من نحو المسيح والكنيسة، حينئذٍ نستطيع أن ندرك كم هو عظيم سر الزيجة لأن النموذج الذي يتم على مثاله سر الزيجة هو عظيم.

لذلك لا تفكر في هذا الأمر بسطحية وتختار لك زوجة لديها أموالاً كثيرة. لأنه يجب التفكير في الزواج لا كتجارة بل كشركة حياة، لأننى أسمع من وقت لأخر أن فلان صار غنياً بزواجه ـ أى أخذ له زوجة غنية والآن هو يملك كل شئ.

ماذا تقول أيها الإنسان: أبمثل هذه الأساليب تحقق مكاسب؟
وهل هذا الحديث هو حديث رجولة؟

الأمر الوحيد الذي يجب أن تفكر فيه هو أن تختار لك زوجه قادرة على تدبير بيتها ورعايته حسناً. لقد أعطى الله للزوجة رعاية البيت والعناية به، وللرجل الأمور العامة، أى كل ما يختص بالمحاكم، البرلمان، الجيش والإدارة الحكومية. فالمرآة لا تستطيع أن ترمى حربة أو تقذف
نبالاً، لكنها يمكن أن تغزل بالآلة وتقوم بكل احتياجات بيتها، وهي
لا تستطيع أن تقدم اقتراحًا في البرلمان، لكنها تستطيع أن تبدى رأيها في كل الأمور التي تخص بيتها، وهي في هذا لها دراية أكثر بكثير من الزوج. لا تستطيع أن تدير حسنًا الأمور الخاصة بالدولة[1]، لكنها تستطيع حسنًا أن تربى أولادها، وهو عمل يُعد أفضل بكثير من كل المكاسب الأخرى. يمكنها مراقبة أعمال الخدم وتكاسلهم، وتهتم برعاية أسرتها، وتقديم كل وسائل الراحة لزوجها، وتريحه من كل هذه الأمور الخاصة بإدارة البيت، سواء كان غزل صوف، إعداد طعام، كى ملابس، ورعاية الأولاد، وكل الأمور الأخرى التي يعجز الرجل عن أن يباشرها، ولا هي بالأمر السهل عليه حتى وإن أراد أن يمارسها. هذا هو عمل الحكمة الإلهية ـ فالقادر على أن يفعل الأمور الهامه، يكون غير قادر على أن يقوم بالأمور الصغيرة حتى يكون للمرأة مكانة حقيقية ودور هام.

 

عمل الرجل وعمل المرأة:

فلو كان عمل الاثنين (الرجل والمرأة) يقوم به الرجل فقط وينجح في إنجازه وحده، لتعرض الجنس النسائى للازدراء.

ومن ناحية أخرى لو أوكل العمل المهم والأكثر نفعاً للمرآة لجعلها هذا أن تنتفخ وتتعظم على رجلها. ولهذا فقد قسم العمل فيما بينهما.

وذلك حتى لا تنتقص قيمة جنس عن الآخر، ويبدو كأنه بلا قيمة،
ولا أيضًا تُرك لأحدهما أن يقوم بالعمل وحده، حتى لا تحدث مشاحنات وطلب المساواة.

ولكي يتحقق السلام اللائق بينهما، حدد الله لكل واحد نظامًا يحافظ عليه، ووزع بينهما الأعمال لكي تستمر مسيرة الحياة. فقد أعطى الأمور الهامة للرجل والأقل أهمية للمرأة حتى لا تتعالى على الرجل. الأمر الأساسى الذي نطلبه ونبحث عنه في الزواج هو النفس الفاضلة والذهن النقى حتى يَعُمنا السلام ونقضى كل أوقاتنا في هدوء ومحبة ووفاق دائم. لأن من يختار امرأة غنية فقد أخذ سيدة ولم يأخذ زوجة.

أما من يختار زوجة مكافئة له بل وأقل منه، فقد نال مساعدًا ومعينًا له وأقتنى لبيته كل أمر حسن. فإن الإحتياج الناتج عن الفقر يحثها على التفكير كيف تخدم زوجها بعناية وتتنازل عن أمور كثيرة. هكذا تنقضى كل مسببات ودوافع المشاجرة، والمشاحنة، والشتائم ويكون هذا سببًا للسلام والوفاق والمحبة والتوافق والوئام، ومن أجل هذا يجب ألا يتجه الهدف نحو المال، بل نسعى نحو الحياة المملوءة سلامًا ومحبة حتى نتمتع بحياة هادئه ومفرحة.

 

شُرِّع الزواج عونًا وعزاءً وميناءً:

الزواج شُرّع لا لكي يكون سببًا للمشاحنات والمشاجرات ولا لكي يتحدى الواحد الآخر، فتصير الحياة مستحيلة، لكنه شُرّع لكي يكون عونًا وملجأ وميناء وعزاء في الأمور الصعبة التي تواجهنا في الحياة ويكون لنا شركة حقيقية وحوار جميل مع زوجاتنا.

فكم من الأغنياء اقتنوا لهم زوجات غنيات وازدادت ثرواتهم، لكنهم فقدوا الفرح الحقيقى بمشاجرات ومشاحنات يومية. وكم من أناس فقراء اقتنوا لهم زوجات أكثر فقرًا، لكنهم تمتعوا بسلام وفرح حقيقى. وهكذا فإن الأموال لا تفيدنا في شئ عندما نفشل في أن نقتنى لنا نفساً مُحبة للصلاح.

لماذا نتكلم عن السلام والوفاق؟.. لأنه إن كان على الزوج التزام أمام أقارب الزوجة أن يرد كل ما أخذه في حالة وفاتها، هكذا فإن الموت المفاجئ للزوجة يقضى على كل هدف للزوج، تمامًا مثل تاجر جشع لا يشبع من طلب المال فيُحمّل مركبه فوق طاقته مما يُعَرّضه للغرق فيخسر كل شئ.

 

التحذير من طلب المال:

كل هذه الأمور يجب أن نضعها في اعتبارنا، ولا ننظر إلى كيفية الحصول على مزيد من الأموال، بل وعلينا أن نفكر كيف سنحيا حياة هادئة، نقية ومملوءة سلامًا. فإن المرأة العاقلة المتواضعة حتى وإن كانت فقيرة تستطيع أن تحوّل فقرها إلى مسيرة حياة أفضل من الغنى.

أما المرأة غير المتعقلة والتي تتشاجر حتى مع ذاتها، حتى وإن كانت تمتلك كنوزًا كثيرة، فسوف تبذرها وتنفقها بسرعة أشد من سرعة الرياح.

 

هدف الزواج:

من أجل هذا ينبغي عليك ألاّ تسعى نحو الغنى بل أطلب المرأة التي تدبر بيتها حسنًا. يجب أن نعرف ما هو هدف الزواج ولأى غرض شرع لحياتنا ولا تطلب شئ آخر غير ذلك.

إذن، ما هو هدف الزواج ولأى غرض منحنا الله إياه ؟

اسمع ماذا يقول الرسول بولس: ” ولكن لسبب الزنا ليكن لكل واحد امرأته” (1كو2:7) ولم يقل من أجل التخلص من المتاعب، ولكن لكي نتجنب الزنا ونطفئ الشهوة ونحيا بوداعة ونكون مرضيين أمام الله مكتفيين كل واحد بزوجته. وهذه هي عطية الزواج، هذا هو ثمره، وربحه. ولهذا شرع الزواج ليساعدنا على الهدوء والوداعة. يحدث هذا لو وقع اختيارنا على زوجات قادرات على مِلْء حياتنا بالتقوى والوداعة والكرامة. لأن جمال الجسد عندما يكون غير مقترن بنفس فاضلة، سيستمر لمدة عشرين أو ثلاثين يوماً، لكنه سيتوقف بعد ذلك، بسبب ظهور المشاكل وتزايد المتاعب وستُمحى كل محبة من القلب.

 

جمال النفس والمحبة الحقيقية بين الزوجين:

لكن أولئك اللواتى يُشرقن من خلال جمال أنفسهن، ومع مرور الزمن واكتساب الخبرة، يُقدّمن محبة أكثر دفئاً لأزواجهن.

وعندما يحدث هذا ويرتبط الزوجان بتلك المحبة الحقيقية، ينمحى كل فكر شائن، ويبقى الزوجان أمناء الواحد نحو الآخر في مناخ من المحبة والرقة والحنان، ويتمتعان برضا الله وحمايته. هكذا كان كل الرجال المشهورين، يتزوجون قديماً. هدفهم كان اقتناء النفس الفاضلة وليست الأموال الكثيرة. وسأذكركم على سبيل المثال بزواج مثل هذا. ” وشاخ إبراهيم وتقدم في الأيام. وبارك الرب إبراهيم في كل شئ وقال إبراهيم لعبده كبير بيته المستولى على كل ما كان له. ضع يدك تحت فخذى فأستحلفك بالرب إله السماء وإله الأرض أن لا تأخذ زوجه لأبنى من بنات الكنعانين الذين أنا ساكن بينهم بل إلى أرضى وإلى عشيرتى تذهب وتأخذ زوجه لأبنى أسحق“(تك1:24ـ4)

أرأيت بر الفضيلة والأهمية التي كانت للزواج وقتها؟ لأنه لم يذهب إلى مُسنات يعرفن أن يقولن أساطير، بل دعا خادمه الخاص وكلفه بهذا الأمر. وهو ما يُظهر تقوى إبراهيم، فهو بهذا الشكل أعد خادمه لكي يكون أداة مستحقة لتعهد عمل مثل هذا. وهو ولم يطلب زوجة غنية أو جميلة ولكن زوجة فاضلة في كل طرقها. ومن أجل هذا أرسله إلى رحلة بعيدة. لاحظ طريقة تفكير الخادم المتفقة مع تفكير سيده، لأنه لم يقل ما هذا الكلام؟ كل هذه الأمم القريبة منا وكل هؤلاء البنات من بيوت غنية، معروفين ومشهورين، وأنت ترسلنى إلى بلد بعيد وإلى أناسٍ مجهولين. مع مَن سأتكلم؟. من سيتعرف علىَّ؟. وماذا سيحدث لو أعدوا لى حيلة وخدعونى؟. لا شئ من كل هذا طرأ على باله، لكنه أظهر خضوعه ولم يُعارض سيده وأظهر حكمة ورؤية ثاقبة متفقًا مع سيده المتفرد في قوله.

إذن من يكون هذا؟. وماذا سأل سيده؟. ” فقال له العبد ربما لا تشاء المرأة أن تتبعنى إلى هذه الأرض. هل أرجع بابنك إلى الأرض التي خرجت منها. فقال له إبراهيم احترز من أن ترجع بابنى إلى هناك. الرب إله السماء الذي أخذنى من بيت أبى ومن أرض ميلادى والذي كلمنى والذي أقسم لى قائلاً: لنسلك أعطى هذه الأرض هو يرسل ملاكه أمامك فتأخذ زوجة لابنى من هناك“، أرأيت إيمان مثل هذا؟ لم يترجى أصدقاء أو أقارب ولا أى أحد أخر، لكن الله أعطاه وسيطًا ورفيقًا للطريق. وبعد هذا أراد أن يشجع خادمه فقال: ” الرب إله السماء والأرض الذي أخذنى من بيت أبى” ولم يشر إلى طول الرحلة وإلى الغربة، أى كيف تذهب لبلد غريب وتترك بلدنا، لكنه قال: ” الذي أخذنى من بيت أبى“، سنده الوحيد هو الله. ونحن مدينون له. والله هو الذي قال: ” لك ولنسلك أعطى هذه الأرض“.

حتى وإن كنا غير مستحقين، سيكون لنا عونا بسبب وعده، وسيجعل كل الأمور سهلة أمامنا وسيحقق لنا كل ما نتمناه. فعندما وصل الخادم إلى المدينة التي قصدها، لم يذهب لأحد من سكان المدينة ولم يتكلم مع الناس ولم ينادى نساء، لكنه كان أميناً للوصية التي أخذها من سيده وتمسك بها ووقف وصلى قائلاً: ” أيها الرب إله سيدى إبراهيم يسر لى اليوم…” ولم يقل أيها الرب إلهي، لكن إله سيدى إبراهيم. تكلم مُقدِّمًا سيده. لقد وصل وتمم كل الأمور الموكلة إليه. ولا تعتقد أنه يصنع هذا كدين عليه. اسمع ماذا يقول؟: ” وأصنع لطفاً إلى سيدى إبراهيم“.

لأننا لو استطعنا أن نحقق شيئًا، فهذا بسبب محبة الله للبشر، وليس بسبب التزام أو دين يمكن أن يؤدى بمعزل عن الله. ولذلك يقول: ” ها أنا واقف على عين الماء وبنات أهل المدينة خارجات ليستقين ماء فليكن أن الفتاة التي أقول لها اميلى جرتك لأشرب فتقول اشرب وأنا أسقى جمالك أيضًا هي التي عينتها لعبدك أسحق وبها أعلم أنك صنعت لطفاً الى سيدى” (تك13:24ـ14) أنظر إلى حكمة الخادم. أى علامة وضع. لم يقل إن رأيت إنسانة قادمة جالسة فوق حصان أو جالسة في عربة وخلفها خدام محملين بالذهب، ولديها كثير من الخدم، جميلة وجسدها ملئ بالشباب والحيوية، لكن ماذا قال؟. فليكن أن الفتاة التي أقول لها اميلى جرتك لأشرب فتقول اشرب وأنا أسقي جمالك أيضًا، هي التي عينتها لعبدك اسحق. ماذا تصنع أيها الإنسان؟ أتطلب امرأة فقيرة لإبن سيدك، فتاة تحمل جرة ويمكن أن تتحدث معك؟ نعم. لأنه لم يرسلنى لأبحث عن أموال كثيرة ولا عن جنس معروف، ولكن عن نفس تحيا بالفضيلة. ويوجد كثيرات ممن يحملن جرارًا ويعشن في الفضيلة، بينما هناك أخريات ممن يسكن في بيوت معروفة، غير متعقلات ويحيون في الرذيلة.

 

فضيلة الضيافة:

وكيف تبدو المرأة فاضلة؟.. يقول من العلامة التي وضعها. وما هي علامة هذه الفضيلة؟.. هي علامة الضيافة. لأن الضيافة هي سمة عظيمة للإختيار، لقد طلب فتاة مضيافة، حتى تستطيع أن تقدم خدمة لكل محتاج لها. ولم يطلب هذا الأمر مصادفة. بل أراد أن يأخذ امرأة لها نفس طريقة تفكير سيده، وأن تكون معينة داخل بيت مفتوح للغرباء. لأنه من قِبل الضيافة ننال كل الخيرات. هكذا سلك سيده وقدم ذبائح ورُزق ابنًا ونسله صار كنجوم السماء بحسب وعد الله. وطالما أننا نقتنى لأنفسنا ولبيوتنا كل الخيرات من قِبل الضيافة، فقد طلب هذه العلامة على وجه التحديد.

وما يجب الالتفات إليه، ليس فقط موضوع طلب الماء، ولكن الفضيلة التي تزين نفسها. وهي لم تعط فقط ما طُلب منها، بل إنها قد أعطت أكثر مما طلب منها. وأنت أيضاً عندما تنوى على إختيار زوجة لك لا تلجأ للناس ولا لنساء يتاجرون بنكبات الآخرين، ويطلبون شيئاً واحداً فقط، كيف يُكافئون، لكن الجأ إلى الله. والله نفسه وعد ” اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم” (مت33:6).

ولا تقل كيف يمكن أن أرى الله؟ هذا قول نفس غير مؤمنة. لأن الله يستطيع أن يحقق لك كل ما تريد دون أن تطلب.

وهذا هو ما تحقق في حالة هذا الخادم، لأنه لم يسمع صوت ولم ير رؤية. بل بينما هو واقف بجوار البئر، صلى وعلى الفور نجح في مسعاه  ” لأنه حدث إذ كان لم يفرغ بعد من الكلام إذا رفقه التي ولدت لبتوئيل إبن ملكه امرأة ناحور أخى إبراهيم خارجة وجرتها على كتفها وكانت الفتاة حسنة المنظر جداً وعذراء لم يعرفها رجل فنزلت إلى العين وملأت جرتها وطلعت” (تك15:24-17) لكي تدرك كم هي عظيمة طريقة التفكير هذه، وأن جمال النفس له أهمية في الاختيار، لم يقل مصادفة مرتين أنها عذراء، لأنه قال كانت عذراء ولم يعرفها رجل. لأن كثيرات من الفتيات يحفظن أجسادهن، بينما نفوسهن مليئة بالشرور، متزينات بأشياء كثيرة وعيون الشباب تلاحقهن، وهؤلاء الفتيات قد ينصبن شباكهن للإيقاع بالشباب. ويبين موسى النبى أن هذه المرأة كانت عذراء في الجسد والنفس فيقول: “عذراء لم يعرفها رجل” على الرغم من أنه توجد أسباب عدة لكي تعرف رجلا ـ وهي جمال الجسد، ثم طبيعتها المضيافة الخدومة.

لأنها لو لم تخرج من بيت أبيها وداومت الاستمرار في غرفتها كما تفعل بنات اليوم، ولم تخرج إلى السوق، لما كانت مستحقة لهذا المديح ” لم يعرفها رجل “.

فعندما تراها وهي خارجة إلى السوق كل يوم وهي مضطرة أن تحمل الماء مرة ومرتين وأحيانًا مرات كثيرة، وبعد كل هذا لم تعرف رجلا ـ وقتها ستدرك كم كانت مستحقة للمديح.

فلو ترددت فتاة على السوق عدة مرات حتى ولو لم تكن جميلة وليس فيها ما يجذب الانتباه، رغم غناها، يحدث أن يكون في هذا الخروج ما يفسد أخلاقها.

أما رفقه وهي تخرج كل يوم ليس فقط إلى السوق، ولكن أيضًا إلى البئر لتأخذ ماء، هناك حيث يجتمع كثيرون وكثيرات، فإنها بقيت عذراء النفس والجسد، فكيف لا تكون إذن مستحقة لكل تقدير واعجاب وبالأكثر جدًا أنها حفظت فكرها في نقاوة من اللواتي يجلسن في مجمع النساء، احتفظت في وسطهن بهذا النقاء.

كما قال الرسول بولس: ” لكي تكون مقدسة جسدًا وروحًا
(1كو34:7).

فنزلت إلى العين وملأت جرتها وطلعت فركض العبد للقائها وقال اسقينى قليل ماء من جرتك فقالت اشرب يا سيدى وأسرعت وأنزلت جرتها على يدها وسقته ولما فرغت من سقيه قالت أستقى لجمالك أيضاً حتى تفرغ من الشرب فأسرعت وأفرغت جرتها في المسقاه وركضت أيضاً الى البئر لتستقى فأستقت لكل جماله” (تك16:24ـ20).

 

الضيافة والحكمة:

ضيافة هذه المرأة هي بالتأكيد ضيافة عظيمة لكنهاأيضًا تتمتع بحكمة عظيمة. يمكننا أن نعرف هذين الأمرين جيدًا (الضيافة ـ الحكمة)، مما قالته ومما فعلته. أرأيت كيف أن الحكمة لم تُفسد الضيافة والضيافة لم تُفسد الحكمة؟

لأنها لم تذهب هي أولاً نحو الخادم ولم تبدأ الحديث معه، وهذا يُعد نموذجًا للحكمة، لكن هو الذي ترجاها، حينئذً لم ترفض طلبه وهذا علامة واضحة للضيافة ومحبة الناس.

أما لو سعت هي للتحدث معه دون أن يبدأ هو بالحديث معها فسوف يدل هذا على عدم الحياء. وأيضًا لو أن رجاء الخادم وطلبه قوبلا بالرفض لكان هذا علامة للفظاظة وقساوة القلب. لكن لم يحدث شئ من كل هذا. فهي لم ترفض الضيافة لأجل الحكمة، ولا لأجل الضيافة أضرت بالحكمة، لكنها قدمت كل هذا (الضيافة والحكمة) في صورتها الكاملة.

فالضيافة الكاملة كانت علامة واضحة، فقد أعطت كل ما تملكه، حتى وإن كان ما قدمته هو ماء. فقد كان هذا ما تملكه وقتها. فمن يقدم الضيافة لا يعطى من غنى، لكن يُقدم مما يملك. وهكذا فإن من قدم كأس ماء بارد مدحه الله وأيضاً المرأة التي قدمت الفلسين قدمت أكثر من الجميع لأنها قدمت كل ما تملك. ورفقة قدمت كل ما تملك إذ لم يكن لديها شئ آخر تقدمه.

ولم يرد تعبير أسرعت ـ وركضت مصادفة، فهي إشارة لسلامة النية التي بها تصرفت لا لأنه أجبرها ولا هي بدون ارادة صنعت هذا ولا هي مثقلة أو متضايقة. فمرات كثيرة يحدث أن يعبر إنسان حاملاً مشعلاً ونطلب منه أن ينتظر قليلاً لنستضئ وشخص آخر يحمل ماء ونطلب منه قليل لنشرب فلا هذا يستجيب ولا ذاك.

بينما رفقه لم تُنزل جرتها فقط ولكن سقته وسقت كل جماله، محتملة كل هذا الجهد وهذا التعب الجسدى وهي تقدم ضيافتها بكل ارتياح وحسن نية. وهي تفعل هذا مع إنسان لا تعرفه ولم تره ولو مرة واحدة.

كما أن إبراهيم حماها لم يسأل أولئك الذين عبروا ببيته من أنتم ومن أين أنتم وإلى أين تذهبون، هكذا أيضًا فعلت هذه المرأة.

فهي لم تسأله من أنت ومن أين أتيت ولأى سبب أتيت إلى هنا؟ لكنها قدمت ضيافة كاملة وربحت هذه الفضيلة. فكما أن هؤلاء الذين يتاجرون في أحجار كريمة، ويهدفون إلى الربح من المشترين، لا يفحصون من هم ومن أين أتوا، هكذا فعلت هذه المرأة، فقد ربحت ثمر هذه الضيافة. عرفت أن الغريب كان خجولاً ولهذا كانت تحتاج للياقة كبيرة وحكمة بدون فضول.

فقد فعلت كما فعل حماها الذي اهتم بالعابرين وربح الكثير، ولهذا فقد أستضاف ملائكة في وقت ما. لكن لو أنه جلس ليستطلع أمرهم لم يكن له أن يحصل على هذه المكافأة التي انتظرته. ولهذا فنحن نُعجب به لا لأنه استضاف ملائكة، ولكن لأنه استضافهم دون أن يعرف شيئًا عنهم. وهذا ما يستحق كل الإعجاب أنه اعتقد أنهم مسافرون ومع ذلك صنع معهم كل هذا المعروف. وهكذا أيضًا كانت هذه المرأة، لقد كانت رائعة في ضيافتها. لم تكن تعرف من يكون سيده، لكنها اعتقدت أنه غريب وعابر سبيل.

ولهذا فإن عظمة هذه المرأة تظهر من خلال ضيافتها بطيب خاطر وبحكمة عظيمة لهذا الغريب الذي لم تعرفه من قبل، لأنها فعلت كل هذا لا بعدم حياء ولا هي مجبره على ذلك ولا متضايقة، لكنها تصرفت بكل عناية وحكمة. هذا هو ما أعلنه موسى بالضبط ” والرجل يتفرس فيها صامتاً ليعلم أأنجح الرب طريقه أم لا” (تك21:24) وما معنى تفرس فيها صامتًا؟

إنه لاحظ الملبس ـ طريقة المشى ـ النظرة ـ الكلام، كل
هذه الأمور قد فحصها بعناية لكي يستطيع أن يفهم قيمة هذه النفس.

ولم يكتفي بهذا، لكنه أضاف اختبارًا آخر. فعندما أعطته ليشرب لم يتوقف عند هذا الحد ولكنه سألها ” بنت من أنت أخبرينى. هل في بيت أبيك مكان لنبيت” ماذا فعلت إذن؟ بوداعة ونقاوة تَكلمت عن أبيها ولم تغضب قائلة من أنت وماذا تريد أن تعرف عن بيتى ـ لكن ماذا قالت؟ ” أنا بنت بتوئيل إبن ملكه الذي ولدته لناحور وقالت له عندنا تبن وعلف كثير ومكان لتبيتوا أيضًا“.

وكما في موقف الماء الذي طلبه ليشرب أعطته أكثر مما طلب لأنها سقته وسقت جماله أيضًا، هكذا أيضاً في هذا الموقف، فالخادم طلب مكانًا للمبيت، لكنها وعدت بعلف وتبن للجمال وأمور أخرى كثيرة لكي تثمر هذه الضيافة مجازاة عظيمة.

كل هذه الأمور يجب ألا نسمعها بشكل عابر وسطحى، بل أن نضعها أمامنا ونقارن أنفسنا معها لكي نعرف ما هي فضيلة هذه المرأة. لأنه يحدث مرات كثيرة أن نستضيف أصدقاء أو معارف لنا وعندما يمكثون عندنا يوم أو يومين نتذمر ونتضايق. أما رفقه فبكل الود قادت العبد إلى بيتها وهو غريب وغير معروف لديها، وليس هذا فقط، بل أنها وعدت برعاية جماله.

 

حكمة الخادم:

ولنلاحظ حكمة تفكير الخادم الذي بمجرد دخوله إلى البيت ووصوله ليأكل قال: لا أكل حتى أتكلم وبماذا كلمهم عندما أعطوه الإذن؟ هل قال لهم أن سيدى له شهرة واسعة ولقب عظيم وأنه مُكّرم من الجميع وله وضع كبير بين أبناء وطنه؟ لم يقل شئ من كل هذا، على الرغم من أنه لو أراد أن يقول مثل هذا الكلام لكان هذا سهلاً عليه. لكنه ترك كل هذه الأمور البشرية جانباً وتزين بالموقف السمائى قائلاً: أنا عبد إبراهيم. والرب قد بارك مولاى جداً فصار عظيماً وأعطاه غنمًا وبقرًا وفضة وذهبًا وعبيدًا وإماءً وجمالاً وحميرًا، وهو قد ذكر الغِنَى لا لكي يُظهر أنه متيسر ولكن ليُظهر أنه مُحب لله. فقد أراد بهذا أن يمدحه لأن كل ما عنده هو بسبب رضا الله عليه. ثم تكلم بعد ذلك من جهة ” العريس” فقال: “وولدت سارة امرأة سيدى ابنًا لسيدى بعدما شاخت“.

وطريقة الميلاد هنا، هي أيضًا لها معنى. لكي يظهر أن الميلاد تم بسبب عناية الله بإبراهيم وأنه لم يتم كأمر طبيعى.

 

المحبة الإلهية قبل كل شئ:

إذن فأنت أيضًا سواء كنت عروس أم عريس يجب أن تبحث عن محبة الله ورضا السماء قبل كل شئ. لأنه لو وُجِدتْ هذه المحبة الإلهية وهذا الرضا السمائى فكل الأمور الأخرى ستنمو وتزداد، أما إذا لم توجد تلك المحبة وهذا الرضا السمائى فلن يخرج الإنسان بأي ربح، حتى وإن توافرت وسائل الراحة في هذه الحياة. ولكي لا يسألوا لأى سبب لم يأخذ زوجة من أبناء وطنه، أجاب لقد أقسم لى قائلاً: ” واستحلفني سيدى قائلاً لا تأخذ زوجة لابنى من بنات الكنعانين الذين أنا ساكن في أرضهم بل إلى بيت أبى تذهب وإلى عشيرتى وتأخذ زوجه لابنى” (تك37:24).

خلاصة الأمر بعدما أوضح كيف أنه وقف إلى جوار البئر وكيف ترجى الفتاة ليشرب وكيف أنها أعطته أكثر مما طلب وكيف صار الله وسيطًا ـ أنهي حديثه قائلاً أن أهل الفتاه سمعوا كل هذه الأمور ولم يدخلهم أى شك ولم يتهاونوا كما لو كانت قلوبهم عند الله. وبعدها وعدوه أن يأخذ الفتاه وأجاب لابان وبتوئيل ” من الرب خرج الأمر لا نقدر أن نكلمك بشر أو خير هوذا رفقه قدامك خذها وأذهب. فلتكن زوجة لإبن سيدك كما تكلم الرب“. كيف لا يندهش الإنسان إذن؟..

لأن عوائق كثيرة قد أُزيلت في لحظات قليلة.

فقد كان غريبًا وغير معروف ومسافة الطريق كانت بعيدة جدًا. وأيضًا لا “العريس” ولا “أبوه” ولا أى أحد من الأقارب كان معروفًا.

أمر واحد فقط من هذه الأمور كان كافيًا أن يمثل عائقًا لإتمام هذا الزواج. لكن لا شئ قد أعاق هذا الزواج وكل الأمور سارت على ما يرام، كما لو كان إنسانًا معروفًا لديهم أو جارًا لهم معه معاشرة. بكل هذه الثقة سلموه “العروس”. والسبب أن الله كان في الوسط.

 

 

بدون حضور الله سوف تفشل:

وهكذا فعندما نفعل شيئًا بدون حضور الله، فسوف نفشل ونُصاب بأحباطات كثيرة، حتى ولو كان هذا الشىء سهلاً وبسيطًا. لكن حضور الله واحتضانه لنا يجعل كل الأمور سهلة وبسيطة حتى وإن كانت غير ممهدة بالمرة.

كيف تَسلَّم “العروس” وكيف سار موكب الزواج؟ هل يا ترى بالبوق والموسيقى والرقص والطبل والناى؟ لم يحدث شئ من هذا، فقد أخذها ورحل وكان ملاك الله معه يقوده ويرافقه في الطريق، حيث أن سيده كان قد تضرع إلى الله ليرسل ملاكه معه عندما خرج من البيت. أخذ “العروس” دون أن تسمع آذانها صوت ناى أو قيثارة أو شئ من هذا القبيل، لكن كانت كل الأمور مباركة من قبل الله. وذهبت لا بملابس مُذهبة بل كانت لابسة للحكمة والتقوى والضيافة وكل الفضائل الأخرى.

 

زينة الفضيلة:

لم تذهب فوق عربة مغلقة، لكن فوق جمل. وكانت مزينة بالفضيلة. فتربية الأمهات لأولئك العذارى، لم تكن مثل تربية بنات اليوم اللواتى اعتدن على حمامات مستمرة ودهون وروائح. مع أنه كان يجب أن تكون تربيتهن أكثر صلابة واحتمالاً.

 

الجمال الحقيقي والقوة والنقاوة:

ولهذا فإن حيوية أولئك العذارى قد أزهرت بقوة ونقاوة لأن جمالهن كان طبيعيًا ولم يكن مصطنعًا أو كاذبًا. ولهذا تمتعن بصحة قوية وحرية وكن مستحقات للمحبة من قِبل أزواجهن. فاحتمال المشقات لم يجعل أجسادهن فقط أكثر قوة، بل أنفسهن أيضاً صارت أكثر حكمة. وعندما وصلت رفقة إلى البلدة بعد هذه الرحلة الطويلة، رفعت عينيها ورأت أسحق وقفزت إلى أسفل من على الجمل. أرأيت القوة؟ أرأيت الصحة الجيدة؟ لأنها قفزت إلى أسفل من على الجمل. وكانت قد سألت العبد ” من هذا الرجل الماشى في الحقل للقائنا فقال العبد هو سيدى فأخذت البرقع وتغطت” لاحظ أنها في كل مكان تُظهر حكمة.

كيف كانت خجولة ووقورة؟ ” وأدخلها أسحق إلى خباء سارة أمه وأخذ رفقه فصارت له زوجة وأحبها فتعزى أسحق بعد موت أمه“. وهو لم يحوز هذه المحبة وهذه التعزية بالمصادفة بعد موت سارة أمه، لكن بسبب رقة رفقة ومحبتها، وهي أساسيات تربت عليها في بيت أبيها. ومن منا لا يُقدّر ويُبجّل مثل هذه المرأة العاقلة جدًا والوقورة جدًا، المضيافة والمحبة للناس ذات القلب الطيب الرقيق.

 

اسمعوا الكلام لتحيوا به:

قد قلت لكم هذه الأمور كلها، لا لكي تسمعوها فقط، ولا لكي تسمعوها لتمدحوها، بل أيضًا لتدركوها وتحيوا بها.

كل مَن يريد الزواج، فليقتنِ هذه البصيرة التي أظهرها إبراهيم، لكي يأخذ امرأة غير مُتكلفة، دون النظر إلى أموال أو نسب معروف أو جمال جسدى أو أى شئ أخر، بل ينظر فقط إلى فضيلة نفسها. وكل رجل ينوى أن يتخذ له زوجه فلينظر إلى حكمتها ووقارها. أما الرقص، والضحكات، والكلام البذئ، فلنتجنبه. ترّجوا الله دومًا أن يصير وسيطًا في كل ما تفعلوه. فلو سارت أمورنا هكذا، فلن يكون هناك طلاق أو شك في زنا أو مشاحنات أو مشاجرات، بل سنتمتع بسلام عميق ووفاق عظيم. أما إذا تحدّت المرأة رجلها فلن يبقى شئ على استقامته في البيت حتى وإن كانت كل الأمور الأخرى مريحة وناعمة.

لكن عندما تكون الزوجة هادئة ومملوءة سلامًا سيكون كل شئ مريحًا حتى ولو كانت هناك أثقال ومتاعب يومية.

مثل أولئك الزوجات يستطعن أن يقدن أولادهن بسهولة إلى الفضيلة وعندما تكون الأم زوجة وقورة وعاقلة ومُزينة بكل فضيلة، فإنها تستطيع وبكل تأكيد أن تأسر زوجها بمحبتها. وعندما تأسره سيكون مستعدًا أن يصير لها معينًا في مساعدة الأبناء، والله سيعتنى بهم ويرعاهم. أما الأب فعندما يساهم في هذا العمل الجليل ويدرب أولاده على الفضيلة سينمو البيت كله، لأنه هكذا يجب أن يسلك القائمون على رعاية البيت. وهكذا فإن كل أحد يستطيع مع زوجته وأبنائه وخدامه أن يقضى كل حياته في هدوء وسلام. ويا ليتنا كلنا نكون مستحقين لملكوت الله بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة مع الآب والروح القدس المحيى الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور أمين.

[1]  لم يكن للمرأة في ذلك العصر (القرن الرابع) نصيب في المشاركة في الحياة العامة.

 

اختيار شريكة الحياة ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

التبرير والنعمة بين چون كالڨن ويوحنا ذهبي الفم – د. أنطون جرجس عبد المسيح

التبرير والنعمة بين چون كالڨن ويوحنا ذهبي الفم – د. أنطون جرجس عبد المسيح

التبرير والنعمة بين چون كالڨن ويوحنا ذهبي الفم – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

التبرير والنعمة بين چون كالڨن ويوحنا ذهبي الفم

سوف ندرس في هذا البحث القصير موضوع التبرير وعمل النعمة بين چون كالفن كممثل عن حركة الإصلاح البروتستانتي وكأحد أبرز رجالات الإصلاح البروتستانتي المؤثرين في كافة الطوائف البروتستانتية بجميع أشكالها وأنواعها، وبين ق. يوحنا ذهبي الفم كممثل عن اللاهوت الأرثوذكسي الشرقي، وكأحد أبرز معلمي وخطباء الكنيسة على مر العصور. وهدفنا في هذا البحث هو إظهار جوانب كل فكر من فكري هذين اللاهوتيين المسيحيين المؤثرين كُلٌّ في مجاله اللاهوتي. ونهدف أيضًا لتوضيح مواطن الاختلاف الشديد والعميق بين اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي واللاهوت المصلح الغربي البروتستانتي. سنبدأ أولاً بعرض جوانب فكر چون كالفن حول موضوع التبرير والنعمة، ثم سنقوم بعرض جوانب فكر ق. يوحنا ذهبي الفم حول نفس الموضوع.

التبرير والنعمة عند چون كالڨن

وراثة الخطية الأصلية من آدم

يشير چون كالفن إلى أن الخطيئة انتقلت من الإنسان الأول إلى كل نسله، لأننا نحمل فسادًا فطريًا من رحم أمنا. لذلك نحن جميعًا، وقد انحدرنا من زرعٍ نجسٍ، ووُلِدنا موبوئون بعدوى الخطيئة. إننا في الواقع كنا، قبل أن نرى نور العالم، دنسين وملطَّخين في نظر الله.[1] نسمع أن نجاسة الوالدين تنتقل إلى الأولاد، بحيث إن الجميع من دون استثناء يكونون ملوثين منذ ولادتهم. فالخطيئة والموت دخلا مع آدم لكنهما أُبطلا في المسيح. فالدينونة لا يمكنها أن تطال أولئك الذين لم يطلهم ذنب الخطيئة.[2] عندما يُقال إننا وقعنا تحت دينونة الله بسبب خطيئة آدم، يجب ألا نفهم ذلك كما لو أننا نحن غير المذنبين والأبرياء، حملنا ذنب خطيئته، بل بمعنى أننا، من خلال تعديه وقعنا في شرك اللعنة، لذلك يُقال إنه جعلنا مذنبين [وراثة الذنب الشخصي]. ثم يستشهد كالفن بأوغسطينوس ليؤكد على وراثة الذنب، حيث يدعو أوغسطينوس الخطيئة غالبًا بـ ”خطيئة الآخر“ ليوضح أنها تنتقل بيننا عن طريق التناسل، لكنه مع ذلك يعلن أنها تخص كل واحد.[3]

ولادة أطفال مذنبين

ويوضح كالفن أن الأطفال لا يتحدون من ولادة والديهم الروحية، بل من ولادتهم الجسدية، ومن هنا، سواء أكان الإنسان غير مؤمن مذنب، أم مؤمنًا بريئًا، فهو لا يلد أطفالاً أبرياء بل مذنبين، إذ هو يلدهم من طبيعة فاسدة. فالذنب هو من الطبيعة [الذنب الطبيعي تعليم مانوي]، أمَّا التقديس فهو من النعمة للخارقة للطبيعة.[4] لذلك حتى الأطفال الرضع -بينما هم يحملون دينونتهم من رحم أمهم- ليسوا مذنبين بسبب خطيئة آخر، بل بسبب خطيئتهم. فعلى الرغم من أن ثمار خطيئتهم لم تظهر بعد، فإن البذرة [بذرة الخطية] موجودة داخلهم. في الحقيقة، كل طبيعتهم هي بذرة خطيئة في عيني الله، لأنه بدون ذنبٍ لا توجد تهمةٌ.[5]

الفساد الكلي للطبيعة البشرية

يرى چون كالفن إن كل ملكات الإنسان -بسبب فساد الطبيعة – مُفسَدة ومنحرفة إلى الباطل، حتى إن كل أفعاله يهددها الاعتلال المتمادي والإفراط في إشباع الشهوات، لأن هذه الميول لا يمكنها أن تنفصل عن عدم التقييد [أي مُقيَّدة تمامًا بالشر والخطيئة]. لهذا نعتبرها فاسدةً شديدة الأذى. وإن أردت الإيجاز، فإننا نعلم أن جميع الشهوات البشرية شريرة، ونتهمها بالخطيئة؛ ليس في كونها طبيعية، بل لأنها جامحة. وإلى ذلك، نعتبرها جامحة لأنه لا يخرج شيء نقي أو مخلص من طبيعة ملوثة وفاسدة [الفساد التام والكامل].[6] نحن منحرفون وفاسدون في كل جزء من طبيعتنا.[7]

ثم ينتقد كالفن التعريف المدرسي للخطيئة الأصلية [تعريف أنسلم وچون دنس سكوت] على أنها ”نقص البر الأصلي الذي يجب أن يوجد فينا“ [تعريف سلبي غير ديناميكي عند كالفن]، حيث يرى أنهم لم يعبِّروا بشكلٍ فعالٍ عن قوة الخطيئة الأصلية وديناميكيتها [حركتها وفعاليتها، تعليم مانوي صرف]. فطبيعتنا ليست محرومة وفارغة من الخير فقط، بل خصبة ومثمرة لكل شر بحيث لا يمكنها أن تكون عاطلة عن العمل [يقصد ديناميكية الخطية الأصلية وعملها في الطبيعة البشرية].[8] فيقول كالفن أن الإنسان بكامله مغمور -كما من طوفان- من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، بحيث لا يوجد فيه جزء في مأمن من الخطيئة، وكل ما يخرج منه منسوب إلى الخطيئة.[9]

خطية الطبيعة أو الخطية الطبيعية

يرى كالفن أن الإنسان بسبب طبيعته المنحرفة هو بالطبيعة مكروه من الله، ومن هنا، لا يخشى أوغسطينوس، بسبب طبيعة الإنسان الفاسدة، أن يسميها ”طبيعية“ تلك الخطايا التي لابد أن تسيطر على جسدنا، في كل مرة تكون فيها نعمة الله غائبة.[10]

الإرادة المقيَّدة بالشر

يشير كالفن إلى أن أوغسطينوس يسخر من عبارة (الإرادة الحرة)، عندما يقول: إن الإرادة هي حقًا حرة لكن غير محرَّرة: حرة [معدومة] من البرّ لكن مستعبدة للخطيئة! ويستطرد كالفن قائلاً إن أوغسطينوس عندما يؤكد أن حرية الإنسان ليست سوى عتق أو تحرير من البر [معدومة البر]، يبدو أنه يتهكم على اسمها الفارغ. ويرى كالفن إنه بسبب عدم إمكانية استخدام هذه العبارة بدون حطرٍ كبيرٍ، فيرى أنه من الأفضل إلغائها؛ لأنه إلغائها يدر بالفائدة الكبيرة على الكنيسة، وهو شخصيًا يفضل عدم استخدامها، ويريد من الآخرين أن يتبعوا نصيحته ويمتنعون عن ذلك.[11] ويعترف كالفن أن كل مفكري الكنيسة [أي آباء الكنيسة من أول المسيحية حتى عصره]، باستثناء أوغسطينوس، تكلموا بصورة غامضة ومتفاوتة عن هذه المسألة [أي حرية الإرادة بعد السقوط]، بحيث لا يمكن اكتساب أيّ شيء من كتاباتهم.[12] كما يؤكد كالفن أن عقيدة الإرادة الحرة دائمًا ما تسلب الله مجده، لأنه في كل مرة تغزو هذه الشهوة [حرية الإرادة] ذهننا، وتدفعنا إلى السعي وراء شيء يكمن فينا وليس في الله، يجب أن ندرك أن الذي أوحى بها ليس سوى المشير ذاته الذي أغوى أبوينا الأولين ليصيرا كالله عارفين الخير والشر (تك 3: 5).[13] لذا يقول كالفن إن الإرادة المجرَّدة من الحرية تكون بالضرورة منجذبة نحو الشر، أو منقادة نحوه.[14]

رفض التجسّد غير المشروط

يرفض كالفن فكرة تجسُّد الله حتى لو لم يسقط آدم في الخطية، ويناقش الأمر قائلاً: ولنفترض أن عدونا اعترض مرةً جديدةً على خطة الله بحجة أنها تعتمد على سقوط الإنسان الذي سبق أن رآه. يكفيني تمامًا أن أقول، إن كل الذين يعتزمون أن يسألوا أو يسعوا أن يعرفوا عن المسيح أكثر مما رسمه الله بقضائه السرمديّ، يبدأون بجرأةٍ شريرةٍ بابتكار مسيحٍ جديدٍ، ويرى كالفن أن بولس الرسول تعمَّد أن يضع حواجز حول أذهاننا، بحيث في كل مرة يُشار فيها إلى المسيح لا نبتعد مطلقًا عن نعمة المصالحة.[15]

ماهية الغضب الإلهي

يرى چون كالفن أن الخطاة واقعون تحت غضب الله ولعنته حتى يغفر ذنبهم. ولما كان الله قاضيًا بارًا، فهو لا يسمح بكسر شريعته بدون عقاب، بل هو على أهبة الاستعداد للمعاقبة.[16] ولأن الإنسان انفصل عن الله بسبب الخطية، وأصبح وارثًا للدينونة، وتحت لعنة الموت الأبدي، محرومًا من كل رجاء بالخلاص، بعيدًا عن كل بركة من الله، عبدًا للشيطان، أسيرًا تحت نير الخطيئة، مصيره النهائي هلاك مروع بدأ يعمل فيه منذ الآن؛ وبينما الإنسان في هذه الحال، شفع المسيح له كمحامٍ، واحتمل في جسده العقاب الذي كانت دينونة الله العادلة تنذر بإنزاله بكل الخطاة؛ وطهره بدمه من كل الشرور التي جعلته مكروهًا عند الله؛ وهكذا من خلال كفارة المسيح نال رضا الله الآب، وقُبِلَت ذبيحة المسيح المقدَّمة لأجله. وهدَّأ المسيح غضب الله بشفاعته التي بها حلَّ سلام الله على البشر.[17]

رفض كالڨن نزول المسيح إلى الجحيم

يرفض كالفن نزول المسيح إلى الجحيم وكرازته هناك للأرواح وتحريره لهم من قبضة إبليس، حيث يرى كالفن أن كلمة ’هاوية‘ تُستخدم غالبًا في الكتاب المقدس للإشارة إلى القبر. ’فالهاوية‘ تُفهم غالبًا بمعنى ’القبر‘.[18] فمن السذاجة أن نظن أن تُحتجز أرواح الموتى في سجنٍ. وما الحاجة إذًا لأن ينزل روح المسيح إلى هناك ليحررهم؟[19]

استحقاق ذبيحة المسيح بالنعمة فقط

يرى كالفن أنه بمعزل عن مسرة الله لا يقدر المسيح أن يستحق شيئًا. لكن استحقاقه جاء من كونه عُيَّن ليسترضي غضب الله من خلال ذبيحته، وليمحو تعدياتنا بطاعته. باختصار: بقدر ما كان استحقاق المسيح يعتمد على نعمة الله وحدها التي رسمت لنا طريقة الخلاص هذه، فهي تتعارض تمامًا مع كل البر البشري بقدر ما نعمة الله تتعارض.[20]

التبرير المجاني بذبيحة المسيح المسكنة للغضب الإلهي

وهذا يعني أننا نحن الذين ”بالطبيعة أبناء الغضب“ (أف 2: 3) ومُبعدين عنه بسبب الخطيئة، قد نلنا من خلال ذبيحة المسيح التبرير المجاني واسترضينا الله وسكنا غضبه.[21]

المبادلة العقابية ودفع ثمن العقوبة

فإن كانت نتيجة سفكه دمه هي عدم نسبة خطايانا إلينا، يكون أنه قد تم إرضاء دينونة الله من خلال هذا الثمن.[22] فلو لم يصنع المسيح تكفيرًا عن خطايانا، لما كان قيل إنه أرضى الله عن طريق حمله العقاب الذي خضعنا له.[23] ويعلن الرسول بوضوح أن المسيح قد دفع الثمن ليفدينا من عقاب الموت،[24] فالله [الآب] قدَّم ثمن الفداء في موت المسيح، ثم يدعونا إلى الالتجاء إلى دم المسيح، بحيث بعد أن نلنا البر يمكننا أن نقف مطمئنين أمام عرش الله.[25]

مفهوم التبرير من منظور قضائي

يُقال إنه مبرَّر في عيني الله مَن يحسبه الله في حكمه مبررًا، ومَن قُبِلَ من أجل بره هو. في الحقيقة، لأن الخطيئة رجس في عيني الله، لا يستطيع خاطئ أن يكون مرضيًا عنده ما دام يظل خاطئًا. وأينما كانت الخطيئة ظهر غضب الله ونقمته أيضًا. ويُحسَب مبررًا مَن لا يُعتبر في حالة خاطئ، بل في حالة إنسان بار، ولهذا السبب، يقف ثابتًا أمام كرسي دينونة الله فيما يسقط جميع الخطاة. فإذَا دُعِيَ إنسان بريء أمام كرسي قضاء قاضٍ منصفٍ، حيث يُقضَى له على أساس براءته، يُقال إنه ’مبرَّر‘ أمام القاضي. وهكذا يقف مبرَّرًا أمام الله مَن قد تحرَّر من زمرة الخطاة فيشهد الله لبره ويؤكده. وبالطريقة نفسها، مَن وُجِدت حياته في الطهارة والقداسة التي تستحق أن يُشهد لها بالبر أمام عرش الله، يُقال إنه مبرَّر بالأعمال، أو هو مَن بقداسة أفعاله يُرضِي قضاء الله. على العكس، إن مَن لا يفي مقاييس بر الأعمال، فيتمسك بالبر الذي في المسيح بالإيمان، فيلبسه، فهذا هو مَن لا يبدو في نظر الله كإنسان خاطئ، بل كإنسانٍ بار. فالتبرير هو ببساطة القبول الذي يستقبلنا به الله في رحاب نعمته كأبرار. وإنه يعود إلى محو الخطايا ببر المسيح.[26]

التبرير بالإيمان والنعمة فقط

يرى كالفن أن التبرير هو بالإيمان فقط، بحيث إن بر الإيمان يختلف عن بر الأعمال إلى درجة أنه إذا ثبتُ الواحد انتفى الآخر. من ثم يلزم منطقيًا أنه ما دام قد بقي أقل جزءٍ ممكنٍ من بر الأعمال، تظل لنا الفرصة للافتخار به. أمَّا إن كان الإيمان ينفي إمكانية الافتخار كليًا، فلا يمكن أن تكون لبر الأعمال علاقةً ببرّ الإيمان. فالبر بحسب النعمة يُنسَب إلى الإيمان، ولا يقوم على الأعمال، ووداعًا إذًا لأحلام الذين يبتدعون برًا نابعًا من الإيمان والأعمال معًا.[27] فالأعمال لازمة لبر الناموس، ولكنها غير مطلوبة لبر الإيمان، فيتبين جليًا من هذه العلاقة، أن الذين يُبرَّرون بالإيمان يُبرَّرون بدون أيّ اعتبار لاستحقاق الأعمال، وفي الواقع، بدون أي استحقاق للأعمال. فنحن ننال الميراث من الإيمان، كما من نعمة. لذلك هذا الميراث مجاني، لأنه يُقتبل بالإيمان، لأنه مرتكز كليًا على رحمة الله وبدون مساعدة الأعمال.[28] لا شك في أن كل ما يستحق المدح في الأعمال إنما هو من نعمة الله؛ وليس من مثقال ذرة منها ما يحق لنا أن نعزوه إلى ذواتنا.[29]

سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك

يرى كالفن أن الله قد عيَّن بحسب تصميمه الأزلي الثابت أولئك الذين قضى منذ زمن بعيد مرةً وإلى الأبد، بأن يقبلهم للخلاص؛ وكذلك الذين من الجانب الآخر، يُخصِّصهم للهلاك. ونجزم بأنه، فيما يتعلق بالمختارين، رسم الله قصده من منطلق رحمته المعطاة مجانًا بغض النظر عن استحقاق الإنسان، ولكنه بحسب قضائه العادل الذي لا عيب فيه مع كونه لا يُسبر غوره، قد أوصد باب الحياة أمام مَن سلَّمهم للعنة الأبدية. أمَّا بين المختارين، فنعتبر الدعوة [الإلهية] شهادةً لاختيارهم. ثم نؤمن أن التبرير علامة أخرى لإعلانه، إلى أن يأتوا إلى المجد الذي يكمن فيه تحقيق الاختيار. أمَّا الرب فيختم مختاريه بالدعوة والتبرير، بحيث إنه بإيقافه الأشرار من معرفة اسمه أو من تقديس روحه، يعلن بتلك السمات المميَّزة أي نوع من الدينونة ينتظرهم.[30] كما لم يتعد التعيين السابق كونه تطبيق العدالة الإلهية -سرًا، في الواقع، ولكن على حق -لأنه من المؤكد أنهم استحقوا أن يُعيَّنوا لهذه الحال، فمن المؤكد أيضًا أن الهلاك الذي يصيبهم بحسب التعيين السابق هو عين العدل والحق. كما أن هلاكهم يتوقف على اختيار الله السابق بحيث إن علته ومناسبة حدوثه كائنتان في ذواتهم. سقط الإنسان الأول لأن الله رأى ذلك ملائمًا؛ أمَّا لماذا حكم الله هكذا فالأمر خفي عنا. ومع ذلك حكم هكذا لأنه رأى أن مجد اسمه يتجلى بذلك كما ينبغي.[31]

 

 

التبرير والنعمة عند ق. يوحنا ذهبي الفم

دحض وراثة الخطية الأصلية من آدم

على العكس من اعتقاد كالفن بوراثة خطية آدم، يرفض ق. يوحنا ذهبي الفم فكرة وراثة الخطية الأصلية من آدم، بل يرى أن الخطية حملت الموت للجميع، أي سار الموت إلى الجميع من جراء خطيئة آدم، وليس خطيئته نفسها، حيث يقول التالي:

”وقد حاول أن يشرح كيف وبأي طريقة دخل الموت إلى العالم وساد عليه، ويقول إن هذا حدث بخطية الإنسان الواحد [أي آدم]. وماذا يعني بقوله: ’وفي شخصه اجتاز الموت إلى جميع الناس؟‘، يعني أن الموت قد اجتاز إلى الجميع لأنه [أي آدم] سقط في الخطية، وأولئك الذين لم يأكلوا من الشجرة جميعهم صاروا مائتين في شخصه“.[32]

ويشير ق. يوحنا ذهبي الفم إلى أن خطية آدم التي حدثت في الفردوس، قد حملت الموت للجميع، وقد ساد الموت واستبد على البشر كالتالي:

”غير أنه لابد وأن نسأل ما هي الخطية التي وُجِدَت في ذلك الزمان [أي قبل الناموس]؟ يقول البعض إن بولس الرسول يشير إلى الخطية التي حدثت في الفردوس، طالما أنها لم تكن قد بطُلَت بعد، بل إن ثمرها قد أينع، حيث إن هذه الخطية قد حملت الموت إلى الجميع، وقد ساد الموت واستبد“.[33]

ويشرح ق. يوحنا ذهبي الفم كيف ملك الموت على جميع الذين آتوا من آدم، على الرغم من أنهم لم يأكلوا من الشجرة مع آدم كالتالي:

”وكيف ملك الموت؟ على شبه تعدي آدم. ولهذا فإن آدم هو مثال للمسيح. وكيف يقول إنه مثال المسيح؟ لأنه كما أن الذين آتوا من آدم على الرغم من أنهم لم يأكلوا من الشجرة، إلا أن الموت ملك عليهم، وهكذا صار آدم سببًا [علةً] للموت الذي دخل إلى العالم، بسبب الأكل من الشجرة، هكذا أيضًا، فإن أولئك الذين انحدروا من المسيح، على الرغم من أنهم لم يعملوا أعمالاً بارةً، إلا أن المسيح صار سببًا للبر الذي منحه للجميع بواسطة صليبه“.[34]

ويدحض ق. يوحنا ذهبي الفم فكرة إدانة شخص بسبب خطية آخر في سياق دحضه لفكرة وراثة خطية آدم كالتالي:

”ما يقوله يعني الآتي: فلو أن الخطية قد استطاعت أن تصنع كل هذا (أن يجتاز الموت لجميع الناس)، وبالطبع من خلال خطية إنسان واحد، فكيف لا تستطيع نعمة الله، وليس فقط نعمة الله الآب، بل والابن أيضًا أن تحقق الكثير (أي خلاص الجميع)؟ وهذا يُعد أكثر تماشيًا مع المنطق. لأنه أن يُدان أحد بسبب خطية آخر، فمن الواضح أن هذا ليس مبررًا كافيًا (بحسب المنطق الإنساني)، بيد أن يخلُص أحد بسبب عطية الآخر، فهذا أكثر قبولاً وأكثر تماشيًا مع المنطق. فلو أن البشرية قد أُضِيرت بالخطية، فبالأولى كثيرًا ستنال فيض النعمة وعطية البر. إذًا، فالطبيعي والأكثر تماشيًا مع العقل والمنطق، قد برهن عليه الرسول بولس كما سبق وأشرنا، فطالما أنه قد قَبِلت فكرة أن بخطية الواحد قد اجتاز الموت إلى الجميع، سيصير مِن السهل قبول أنه بعطية الواحد سيخلُص الجميع، وكون أن هذا الخلاص هو ضرورة حتمية، فقد دلَّل عليه في الآيات الآتية“.[35]

ويفسر ق. يوحنا ذهبي الفم آية (رو 5: 19) ”لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعِلَ الكثيرون خطاة هكذا أيضًا بإطاعة الواحد سيُجعل الكثيرون أبرارًا“، ويوضح كيف جعل آدم نسله خطاةً؟ ولكنه لم يذكر أي شيء عن توريث آدم خطيئته لنسله، بل ما نتج عن خطيئته أن الجميع صاروا فانيين من الفاني كالتالي:

”لأنه أن يكون ذاك [أي آدم] قد أخطأ وصار فانيًا، وأن كل مَن انحدر منه قد أخطأوا وصاروا فانيين، فهذا لا يُعد أمرًا غير طبيعي على الإطلاق، ولكن أن يصير آخر [أي المسيح] خطيةً بسبب معصية ذاك [أي آدم]، فأيّ علاقة طبيعية يمكن أن تقوم هنا؟ لأن هكذا سيُعتبر هذا الإنسان خاطئًا، دون أن يكون مسئولاً عن الحكم، طالما أنه لم يصر من ذاته خاطئًا. إذًا، ماذا تعني هنا كلمة ’خطاة‘؟ من ناحيتي يبدو لي أنهم تحت حكم الدينونة ومحكوم عليهم بالموت. ومن حيث أنه بموت آدم، قد صرنا جميعًا فانيين، فهذا قد بيَّنه الرسول بولس بوضوحٍ وبطرقٍ كثيرةٍ“.[36]

ولادة الأطفال بلا خطية

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبي الفم على حقيقة أنَّ نفوس الأطفال بعد السقوط ليست شريرة مثلها مثل نفوس الأبرار، وعلى العكس، مما أدَّعى أوغسطينوس وكالفن بأن نفوس الأطفال شريرة ووارثة للخطية الأصلية رأسًا من نفس آدم الخاطئة كالتالي:

”لأن ’نفوس الأبرار هي في يد الله‘ (حك 3: 1). وإنْ كانت نفوس الأبرار هكذا، فإن نفوس أولئك الأطفال أيضًا؛ فليست هي شريرة، ونفوس الخاطئين أيضًا تُسَاق مباشرةً من هنا“.[37]

يرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أنَّ الأطفال بلا خطية، وأنهم يُعمَّدون لينالوا عطايا البر، والتقديس، والتبني، وسُكنى الروح القدس فيهم، وليس بسبب وراثة الخطية الأصلية. حيث يقول التالي:

”ولهذا السبب نفسه نُعمِّد حتى الأطفال، ولو أنهم بلا خطية، ولكن لكي ما ينالوا بقية العطايا من تقديس، وبر، واختبار للتبني والميراث، حتى يشَّبوا إخوةً وأعضاءً، ويصيروا هيكلاً للروح“.[38]

يؤكِّد ق. يوحنا ذهبي الفم في سياق تفسيره لحادثة قتل أطفال بيت لحم على خلو الأطفال من أية خطية موروثة أو فعلية، كما يؤكِّد على دخولهم الملكوت ونوالهم المكافآت – بخلاف أوغسطينوس وكالفن اللذين يؤكِّدان على أن مصير الأطفال غير المعمَّدين هو جهنم والهلاك الأبدي- بالرغم من أنهم كانوا قبل تدبير خلاص الرب، ولم يكونوا مُعمَّدين للخلاص من الخطية الأصلية الموروثة بحسب المفهوم اﻷوغسطيني والكالفيني. حيث يقول التالي:

قد يُقال: أيّ نوع من الخطايا كان لهؤلاء الأطفال بحيث كان يجب أن يمحوه؟ حتى لو لم توجد خطايا، فإنه توجد مجازاة بمكافآت للذين يقاسون الشر هنا. فبأيّ شيء تضرر به الأطفال الصغار لدى ذبحهم لسبب مثل هذا؟ تقولون: لأنهم كانوا سيُحقِّقون أعمالاً عظيمةً وكثيرةً من البر لو عاشوا […] لهذا السبب يدخر الله لهم بشكلٍ مبكرٍ مكافأة ليست بصغيرة بإنهاء حياتهم لسبب كهذا. ولو كان الأطفال سيصيرون أشخاصًا عظامًا لما كان الله قد سمح لهم بأن يُختطَفوا قبلاً؛ لأنه إنْ كان الله يحتمل بآلام عظيمة جدًا الذين سوف يعيشون في الشر على الدوام، فبالحري أكثر ألا يأذن لهؤلاء الأطفال بالرحيل، لو سبق وعرف أنهم سيحرزون أمورًا عظيمةً“.[39]

يرى ق. يوحنا ذهبي الفم، على العكس من أوغسطينوس وكالفن، أن موت الأطفال الأبرياء مغبوط، حيث يقول التالي:

”أنظر أنت تعيش خمسين أو مائة عام، تصبح ثريًا، ويصير لك أولادًا، وتعطي مهورًا ليتزوج أبناؤك وبناتك، وتسيطر وتحكم على أمم وشعوب. وبعد كل هذا يأتي الموت، وبعد الموت تأتي الدينونة التي ليس لها نهاية وليس فيها توبة. هذا هو السبب في أننا نعتبر أولئك الذين يموتون أطفالاً مباركين، ولهذا نقول كلنا نتمنى لو أننا مُتنا عندما كُنا أطفالاً! لأنه بالنسبة لنا نحن الأشخاص الأكبر سنًا، يكون كأس الموت خطيرًا بسبب خطايانا، بينما يكون الموت للأطفال نافعًا. وما نعتقده بداية العقاب هناك، فإنه بالنسبة لهؤلاء الأطفال بداية الخلاص، إذ ما هي الأشياء التي سيعطي الأطفال حسابًا عليها إذا لم يختبروا الخطيئة؟ من أجل ماذا سيُعاقبون عندما لا يكونون قد عرفوا الخير والشر بعد؟ […] أيها الأطفال المباركون، إن رقادكم مبارك أيضًا! يا موت غير الفاسدين إنك بداية الحياة الأبدية الحقيقية! أيتها النهاية يا بداية الفرح الذي لا ينتهي“.[40]

دحض التعليم بخطية الطبيعة أو الخطية الطبيعية

ينكر ذهبي الفم فكرة ”خطية الطبيعة“، التي نادى بها كلٌّ من أوغسطينوس وكالفن، حيث يؤكد ذهبي الفم على حرية الإرادة في اختيار الفضيلة أو الرذيلة قائلاً:

”ماذا يعني بقوله ’بالطبيعة‘؟ إنه يقصد بكلمة الطبيعة هنا الولادة، ’كالباقين أيضًا‘، أي دون أن نتصرف في أيّ شيء بطريقة روحية. وحتى لا يُتهَم الجسد، ولكي لا يعتقد أحد أن هذا يمثل خطيةً كبيرةً، لاحظ كيف يُجنِّبهم ذلك بقوله: ’عاملين مشيئات الجسد والأفكار‘، أي شهوات اللذة. لقد أثارنا غضب الله، أي أننا كنا سبب الغضب، وليس شيئًا آخر سوى ذلك. لأنه كما أن الذي يُولَد من إنسان، هو بالطبيعة إنسان، هكذا نحن أيضًا، وكذلك الباقين، كُنا بالطبيعة أبناء الغضب“.[41]

وينفي ق. يوحنا ذهبي الفم أيضًا موضوع خطية الطبيعة في موضع آخر قائلاً:

”إنه قال: ربما أخطأ بنيّ وجدَّفوا على الله في قلوبهم. وإنْ كان هذا شيئًا ليس في طبيعتهم، لكنهم على كل حال بشر مُعرَّضون للسقوط. ألم تكن له هو نفسه مثل هذه الأفكار أبدًا؟ لذلك مهم جدًا الخوف والحذر حتى من هذه الخطايا الخفية“.[42]

حرية والإرادة ورفض الإرادة المقيَّدة بالشر

يرفض ق. يوحنا ذهبي الفم فكرة القدرية أو الجبرية على فعل الخير أو الشر، بل يرى أن الله يريد مننا أن نكون صالحين بإرادتنا كالتالي:

”أرأيت كيف أن هذا (الإيمان) أكثر صعوبةً؟ إذًا، فهو يُبرهن على كل شيء بالإيمان، لأن التأثير على الإرادة بواسطة الأفكار الإنسانية أكثر صعوبةً جدًا من التأثير على الطبيعة. ولهذا السبب فإن الله ذاته يرغب أن نكون صالحين بإرادتنا“.[43]

ويؤكد ذهبي الفم على أن السقوط في الخطية ناتج عن رغبة إرادية، لأن الإنسان لا يُجبَر على ارتكاب الخطية كالتالي:

”لكي نُدرِك أن السقوط في الخطية ناتج عن رغبة إرادية، فالإنسان لا يُجبَر على ارتكاب الخطية“.[44]

ويتحدث ذهبي الفم عن أن ممارسة البر أو ممارسة الإثم هو رهن بموقف النفس، وليس له علاقة بطبيعتها، داحضًا بذلك أي تعليم عن القدرية والجبرية، يجعل من البشر أبرارًا أو خطاةً بالطبيعة كالتالي:

”وبناءً على ذلك، فإن الجسد يوجد بين حالة الإثم والبر، مثلما يحدث بالنسبة للآلات (هناك آلات إثم وآلات بر)، وارتكاب الإثم أو ممارسة البر يتوقف على مَن يستخدم الآلات. كما يحدث مع الجندي الذي يحارب من أجل وطنه، والسارق الذي يتسلَّح ليهجم المواطنين، الاثنان يتحصنان بنفس الأسلحة. إذًا، فالجريمة ليست عملاً يتعلق بنوع السلاح المستخدَم، بل هي مسئولية أولئك الذين يستخدمون هذه الأسلحة لكي يفعلوا الشر. وهذا يمكن أن نقوله بالطبع في حالة الجسد، حيث يصير فعل الإثم أو فعل البر رهنًا بموقف النفس، وهذا ليس له علاقة بطبيعتها. لأن العين إذَا نظرت نظرةً غير بريئة للجمال، صارت آلةً للإثم، لا بحسب طبيعتها أو عملها، لأن عمل العين هو أن تنظر، لكن هذا النظر لا يكون للشر، ولكن إذَا نظرت العين نظرةً غير نقية، فسيكون ذلك راجعًا للفكر الخبيث الذي أمر بهذا“.[45]

يرفض ق. يوحنا ذهبي الفم فكرة الإرادة المقيدة بالشر بعد السقوط، وفكرة العجز التام للطبيعة البشرية عن فعل الخير، مدافعًا عن حرية إرادة الإنسان في اختيار الخير والشر، الفضيلة والرذيلة، كالتالي:

”لكنك قد تقول إني مُضطر بسبب طبيعتي، نعم أنا أحب المسيح، لكنني مجبر بسبب طبيعتي. فإذَا كنت تعاني من العوز والقهر، فستنال الصفح، ولكن إنْ كان سقوطك بسبب اللامبالاة، فلن تنال أيّ صفح. إذًا، لنفحص هذا الأمر بالتدقيق، أي هل كان ارتكاب الخطايا نتيجةً لإجبار وإكراه، أم نتيجة تراخي ولامبالاة كبيرة للغاية. يقول الناموس: ’لا تقتل‘، أي إجبار وأي إكراه هنا؟ إذًا، فأنت تُكرِه نفسك على القتل. لأنه مَن منا يريد أن يغمس سيفه في رقبة قريبه، ويصبغ يده بالدماء؟ لا أحد. أرأيت أن العكس هو ما يحدث، فحين يخطئ المرء، لا يكون هذا راجعًا لضغوط وإكراه. لأن الله وضع حنوًا ورفقًا في طبيعتنا، حتى نحب بعضنا بعضًا، لأن الكتاب يقول: ’كل حيوان يحب نظيره، وكل إنسان قريبه‘ (سي 13: 15). أرأيت كيف أننا نحمل في طبيعتنا بذور الفضيلة؟ بينما بذور الشر، فهي خارج الطبيعة، فإنْ سادت علينا بذور الشر، فهذا دليل على تراخينا الشديد“.[46]

ويرفض ذهبي الفم الإرادة المقيدة بالشر في موضع آخر قائلاً:

”والقوانين الوضعية أيضًا تعرف أن تصفح عن الخطايا التي تُرتكَب تحت ضغوط، ولا وجود لخطية تُرتكَب تحت ضغوط، بل أن الخطايا تنشأ من الفجور. فالله لم يخلق الطبيعة الإنسانية لترتكب الخطية بهذا الشكل، لأنه لو حدث هذا، لما كان هناك عقاب أو دينونة، لأننا نحن أيضًا لا نُحاسَب عن الخطايا التي تُرتكَب تحت ضغوط أو بالإكراه، وبالأكثر جدًا، يصفح الله الكليّ الصلاح، والمحب للبشر محبة فائقة، عن الخطايا التي تُرتكَب تحت ضغوط“.[47]

ويرفض ذهبي الفم فكرة ”خطية الطبيعة“، التي نادى بها أوغسطينوس في صراعه مع الهرطقة البيلاجية، ونادى بها أيضًا چون كالفن، حيث يؤكد على أن الفضيلة هي التي تتوافق مع الطبيعة، بينما الشر هو بخلاف الطبيعة تمامًا كالتالي:

”أرأيت كيف أن الفضيلة تتوافق مع الطبيعة، بينما الشر هو بخلاف الطبيعة تمامًا، كما هو الحال مع المرض والصحة؟ وما الذي يجبرك أن تكذب وأن تقسم؟ ليس هناك ما يدفع لذلك، فهذا أمر نلجأ إليه بمحض إرادتنا، وليس فيه أيّ إجبار“.[48]

وينكر ذهبي الفم فكرة ”خطية الطبيعة“ والإرادة البشرية المقيَّدة بالشر بعد السقوط، والعجز التام للطبيعة البشرية عن فعل الخير بعد السقوط، بل يؤكد على مبدأ التآزر أو السينرچيا بين النعمة والأعمال، ويشدد على أنه لا يوجد شيء شرير في الطبيعة قائلاً:

”إن اهتمام الجسد هو التمتع، والإسراف، والطمع، وكل خطية. ولكن لماذا يدعو اهتمام الجسد، حيث إن الجسد لا يمكنه أن يفعل شيئًا بدون النفس؟ إنه لا يقول هذا لإدانة الجسد، مثلما يقول: ’الإنسان الطبيعيّ‘ (1كو2: 14)، فهو لا يقول هذا لكي يدين النفس. لأنه لا الجسد ولا النفس لديهما القدرة من ذاتهما أن يصنعا أيّ شيء نبيل وعظيم، إنْ لم ينالا نعمة من فوق. من أجل هذا، فإن الأمور التي تمارسها النفس من ذاتها، تُسمَى ’أمور طبيعية‘، ليس لأنها طبيعية بالحق، بل لأنها تقود إلى الهلاك، إذ إنها لا تنال المعونة من الله. لأن الأعين أيضًا هي أعضاء جيدة، ولكنها بدون النور ترتكب أخطاءً لا حصر لها، وهذا يرجع لمرضها، وليس لطبيعتها. إذًا، لو كانت الأخطاء طبيعية، ما كُنا لنستطيع أن نستخدمها، حيث يجب أن نستخدمها؛ لأنه لا يوجد شيء شرير بالطبيعة“.[49]

يرفض ق. يوحنا ذهبي الفم رفضًا تامًا فكرة أن الطبيعة البشرية تُمارِس الشر بطريقة تلقائية، مثلما تحدَّث أوغسطينوس عن الإرادة المقيَّدة بالشر، والذنب الأصلي، وخطية الطبيعة. حيث يقول التالي:

”لاحظ أيضًا إنه قال عنه: يحيد عن كل شر، وليس فقط عن شر دون شر. أين هم الذين يقولون إن الطبيعة البشرية مائلة بطريقة تلقائية نحو الشر؟ أية مخالفة وأية شرائع جعلت أيوب على ما هو عليه؟ فلأن الكتاب قال: لأنه لا إنسان صديق في الأرض يعمل صلاحًا ولا يخطئ (جا٧: ٢٠)، لذلك وصف الكتاب أيوب بأنه بلا لوم (كاملاً). فليس فقط أنه لم يقترف أي عمل مُلوَّث بالخطية، بل أنه لم يقترف ولا حتى ما هو ملوم ومذموم“.[50]

مفهوم الغضب الإلهي

يضع ذهبي الفم مفهومًا وتعريفًا للغضب الإلهي، حيث يرى أن المرء عندما لا يتجاوب مع صلاح الله، ولا يرجع حتى بالتحذير من سلوكه المنحرف، فإنه بذلك يقسي قلبه جدًا مستهينًا بمحبة الله الفائقة له. فالسبب في الدينونة ليس الله الذي يدين، بل الإنسان الخاطئ، لذلك عندما يسمع الإنسان عن ”غضب الله“، فلا يتصور أنه في الله بغضة، بل استعلان دينونة الله كالتالي:

”عندما لا يتجاوب المرء مع صلاح الله، ولا يرجع حتى بالتحذير عن سلوكه المنحرف. فهل توجد قسوة قلب أكثر من هذا؟ وبعدما أوضَّح الرسول بولس محبة الله للبشر، فإنه يتحدث عن العقاب أيضًا، وكيف أنه لا مفر من العقاب لمن لا يُقدِّم توبةً. لاحظ كيف يستخدم الكلمات بكل دقة، لأنه يقول: ’تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب‘، مبينًا أن الدينونة ستحدث على أية حال، وأن السبب فيها، ليس الله الذي يدين، بل الذي يُدان، أي الإنسان الخاطئ، إذ يقول: ’تذخر لنفسك‘، أي أنت الذي تذخر لنفسك الغضب، وليس الله هو الذي يذخره لك. لأن الله فعل ما ينبغي فعله، وخلقك قادرًا أن تميِّز بين الخير والشر، وأظهر لك طول أناة، وأنذرك باليوم المخيف، وكل هذا لكي يقودك إلى التوبة. فلو أنك تماديت في عنادك، فإنك ’تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة‘. ولكيلا تعتقد عند سماعك لكلمة ’غضب‘، إنه يوجد لدى الله بغضة، فإنه يضيف عبارة ’دينونة الله العادلة‘. وحسنًا قال ’استعلان‘، لأن وقتها يُستعلن هذا ’الغضب‘، عندما سينال كل واحد ما يستحقه“.[51]

نزول المسيح وكرازته في الجحيم

على العكس من تعليم چون كالفن بعدم نزول المسيح إلى الجحيم، يتحدث ق. يوحنا ذهبي الفم عن نزول المسيح إلى الجحيم، وتحطيمه لطغيان الموت وقوته قائلاً:

”لأن الحياة الحاضرة هي حقًا أوان المحادثة الحقة، أما بعد الموت فتكون الدينونة والعقاب. قيل: ’في الهاوية مَن يحمدك؟‘ (مز 6: 5). كيف إذًا ’كسَّر مصاريع نحاس وقطع عوارض حديد؟‘ (مز 107: 16). بواسطة جسده؛ إذ أظهر أولاً جسدًا خالدًا محطمًا طغيان الموت. ويشير أيضًا هذا إلى تحطم قوة الموت، وليس إلى حل خطايا الذين ماتوا قبل مجيء المسيح. وإن لم يكن الأمر هكذا، بل خلَّص جميع الذين كانوا قبله في الجحيم، فكيف يقول: ’ستكون لأرض سدوم وعمورة […] حالة أكثر احتمالاً‘ (مت 10: 15)؟ لأن هذا القول يفترض أن أولئك سيُعاقبون أيضًا ولو بصورة أخف. ومع أنهم قاسوا هنا أيضًا العقاب لأقصى شدةً، فرغم ذلك، لن يخلصهم حتى هذا. وإنْ كان الأمر معهم على هذا النحو، فبالأولى كثيرًا مع الذين لم يقاسوا شيئًا“.[52]

مفهوم التبرير من الجانب الشفائي

يشير ق. يوحنا ذهبي الفم إلى مفهوم التبرير الشفائي وليس القضائي، حيث يرى أن المسيح، الذي خلَّصنا من الجحيم ومن الخطايا ووهبنا الحياة، مثل شخص أتى إلى شخص آخر مريض بالحمى ولم يخلصه فقط من المرض، بل جعله في حالة بهية وقوية وممجَّدة كالتالي:

”لأنه لم يخلِّصنا من الجحيم فقط، ولكن ومن الخطايا أيضًا، ووهبنا الحياة، وتلك الأمور الأخرى التي تكلَّمنا عنها مرات عديدة. تمامًا كما لو أن شخصًا كان مريضًا بارتفاع في درجة الحرارة، وأتى آخر ولم يخلِّصه فقط من المرض، لكن جعله في وضع بهي وقوي وممجَّد، وأيضًا كما لو كان شخص جائعًا ثم أشبعه آخر وليس هذا فقط، بل جعله مالكًا لأموال كثيرة، ثم قاده إلى سلطة كبيرة“.[53]

فيرى ذهبي الفم أن بر المسيح قد لاشى ومحا الخطية، وجرَّد الموت من أسلحته، وقضى وأنهى على مملكة الخطية، ومنحنا خيرات لا تُحصَى، وخيرات الدهر الآتي، والحياة الأبدية. نجد أن محور حديث ذهبي الفم هو عن منح الحياة الحقيقية للإنسان، وليس التركيز على تخليصه من العقوبة والخطية فقط، حيث يقول التالي:

”قال هذا لكي يقدم الخطية كما لو كانت ملكًا، والموت مثل جندي يخضع لأوامره، ويأخذ مؤونته منه. وبناءً على ذلك، فلو أن الخطية قدَّمت مؤونةً للموت، فمن الواضح جدًا أن البر الذي لاشى الخطية، والذي أتى بالنعمة لم يُجرِّد الموت فقط من أسلحته، بل وقضى عليه أيضًا، وأنهى على كل مملكة الخطية تمامًا، وذلك على قدر عظمة البر مقارنةً بالخطية، وهذا البر قد أتى لا بمساعدة إنسان أو ملاك، لكنه أتى من خلال معونة الله ونعمته، حتى يقود حياتنا إلى الوضع الأسمى، وإلى خيرات لا تُحصَى، خاصةً وأن حياة الدهر الآتي هي بلا نهاية، لكي تعرف من الآن امتياز هذه الحياة. لأن الخطية انتزعتنا خارج الحياة الحاضرة، لكن عندما أتت النعمة لم تهبنا الحياة الحاضرة فقط، بل وهبتنا الحياة الأبدية أيضًا. كل هذا منحنا إياه المسيح. إذًا، لا تشك في الحياة الأبدية، طالما أنك تبرَّرت، لأن البر هو أسمى من الحياة، إذ إنه هو الذي يلد الحياة الحقيقية“.[54]

دحض المبادلة العقابية ودفع ثمن العقوبة

يدحض ق. يوحنا ذهبي الفم فكرة الإبدال العقابي ودفع ثمن عقوبة الخطية مؤكدًا على أن إنساننا العتيق قد دُفِنَ مع المسيح، وأقامنا معه، وأنه قد خلَّصنا، وتبرَّرنا، وصرنا أبناءً، وتقدَّسنا وأصبحنا أخوةً للابن الوحيد الجنس، وورثنا معه، متَّحدين معه في جسدٍ واحدٍ، وإلى هذا الجسد المتَّحد بالرأس ننتمي، لأننا متَّحدين بالابن كالتالي:

”لأننا لم نحصل على قدر بسيط من النعمة يكفي فقط لمحو الخطية، بل حصلنا على فيض النعمة. لأنه بالحقيقة قد أُنقِذنا من الجحيم، وابتعدنا عن الشر، ووُلِدنا مرةً أخرى من الله. بل وأقامنا، ما دام أن إنساننا العتيق قد دُفِنَ، وخلَّصنا، وتبرَّرنا، وصرنا أبناءً، وتقدَّسنا وأصبحنا أخوةً للابن الوحيد الجنس، وورثة معه، واتحدنا معه في جسد واحد، وإلى هذا الجسد نحن ننتمي، وكما أن الجسد متَّحد بالرأس، هكذا اتَّحدنا نحن أيضًا به [أي بالابن]“.[55]

ويستطرد ق. يوحنا ذهبي الفم مشيرًا إلى مفهوم الثمن أو الدَّين، وهو دَّين الموت الذي ماته ليبطل به الموت ويشفي به طبيعتنا الفانية من خلال فيض النعمة التي حصلنا عليها بموته من أجلنا كالتالي:

”كل هذا دعاه بولس الرسول ’فيض النعمة‘ مُظهرًا هكذا أننا لم نحصل فقط على ما يُضمد الجرح، لكن حصلنا على شفاء وجمال وكرامة، وعلى رتب تفوق كثيرًا طبيعتنا الفانية. وكل أمر من هذه الأمور، كان كافيًا وحده أن يبطِل الموت، إلا أنه عندما يتضح أن كل هذه الأمور قد ساعدت معًا في إبطاله، فلن يكون له أثر بعد ذلك، ولن يكون ممكنًا أن يخيِّم بظلاله حولنا، طالما أنه قد انتهى كليةً. تمامًا كما لو أن شخصًا قد وضع آخر في السجن لأنه مديون له بعشرة فلسات، وليس هذا فقط، بل ووضع في السجن أيضًا زوجته وأولاده وخدامه، بسبب هذا الدَّين، ثم أتى شخص آخر ودفع ليس فقط عشرة فلسات، بل ومنح آلاف العملات الذهبية، وقاد السجين إلى الحاشية الملكية، وإلى عرش السلطة العليا، وجعله شريكًا في الكرامة السامية، وفي الأمور الأخرى المشرِقة، فيصير من غير الممكن أن يتذكر بعد ذلك الفلسات التي اقترضها. هذا ما حدث لنا، لأن المسيح دفع أكثر جدًا من قيمة الدَّين الذي كان علينا. وما دفعه كان عظيمًا جدًا، بقدر اتساع البحر، إذا ما قُورِنَ بنقطة ماء صغيرة. إذًا، ينبغي عليك أيها الإنسان ألا تشك في شيء عندما ترى كل هذا الغنى الوفير من الخيرات، ولا تفحص كيف انطفأت شرارة الموت والخطية، عندما غمر هذا البحر الكبير من الهبات الوفيرة هذه الشرارة المتقدة. وهذا ما أشار إليه بولس قائلاً: ’الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر سيملكون في الحياة‘ (رو5: 17)“.[56]

بل يرى ق. يوحنا ذهبي الفم أن الموت لم يكن عقوبةً، بل كان الموت في صالح الإنسان لمنع تأبيد الخطية والشر إلى الأبد، وبالتالي، كان الموت خيرًا للبشر وليس عقوبةً كالتالي:

أننا لم نُضار مطلقًا من أن الموت قد ملك على الجميع، بل إننا قد ربحنا، بكوننا قد صرنا فانيين، أولاً، لأنه لو كان لنا جسدًا غير قابل للموت، فإن ذلك سيكون دافع للاستمرار في ارتكاب الخطية، ثانيًا، لكي تكون لدينا دوافع غير محدودة في جهادنا لتحقيق التقوى. لأنه بالحقيقة عندما يكون الموت حاضرًا، وعندما ننتظره، فإنه يقنعنا أن نكون متواضعين، ومتعقلين، وبسطاء، وأن نتخلص من كل شر. ومع هذا، فمن الأفضل أن نقول أولاً أننا ربحنا بالموت خيرات أخرى وفيرة، لأنه من هنا استُعلِنَت أكاليل الشهداء، ومكافآت الرسل. هكذا تبرَّر هابيل، وهكذا تبرَّر إبراهيم الذي قدَّم ابنه ذبيحةً، وهكذا أيضًا تبرَّر يوحنا الذي مات لأجل المسيح، وأيضًا الفتية الثلاثة، كما تبرَّر دانيال. لأنه لو أردنا البر، فلن يستطيع الموت ولا الشيطان نفسه أن يُسبِّب لنا ضررًا أو أذى“.[57]

ويوضح ذهبي الفم أنه يليق بالله أن يخلص وليس أن يعاقب، لذلك فعل كل هذه الأشياء وفقًا لخطته من جهة خلاص البشرية كالتالي:

”مع الوضع في الاعتبار أن الخطية ليست مثل الهبة، والموت ليس كالحياة، وأيضًا من المستحيل أن يُوضَع الشيطان في مقارنة مع الله، لأن الفروق غير محدودة ولا تُحصَى. إذًا، هذا قد حدث بالنظر إلى قدرة ذاك الذي فعل كل هذه الأشياء، ووفقًا لخطة الله من جهة خلاص البشرية –لأن ما يليق بالله بالأكثر هو أن يخلص لا أن يُعاقِب– وهنا مكمن التميُّز والانتصار“.[58]

التبرير بالإيمان والأعمال معًا

يُشدِّد ق. يوحنا ذهبي الفم على المبدأ الأرثوذكسي المهم جدًا وهو مبدأ التآزر أو السينرچيا بين النعمة والأعمال، حيث يرى أننا بعدما تبرَّرنا بالنعمة، فإننا نحتاج لأسلوب حياة مناسب، ونُظهِر محاولةً تليق بهذه العطية لتطبيق مثل هذا الأسلوب، وذلك من خلال الاعتناء بالمحبة تاج كل الخيرات، وأن نظهرها بمحاولات كثيرة بمساعدة الآخرين وليس بمجرد الكلام والمحاضرات الكثيرة كالتالي:

لأنه بعد هذه النعمة التي تبرَّرنا بها، فإن الأمر يحتاج لأسلوب حياة مناسب، فلنُظهِر محاولةً تليق بهذه العطية، لتطبيق مثل هذا الأسلوب، ولنعتني أن نحفظ المحبة التي هي تاج كل الخيرات، وأن نُظهِرها ولو بمحاولات كثيرة. لأن المحبة لا تعني الكلام فقط، ولا المحاضرات الكثيرة، ولكنها تكمن في مساعدة الآخر، إذ أنها تَظهر في الأعمال“.[59]

ويشير ق. يوحنا ذهبي الفم إلى أن البر يُحسَب للإنسان من حيث أنه آمن بالله، ولكن هذا الإيمان لا يُحسَب له برًا إذَا لم يُقدِّم شيئًا كالتالي:

”إذًا، هل الذي يعمل يُعد أعظم؟ لا على الإطلاق. لأن البر يُحسَب للإنسان من حيث أنه آمن بالله. إلا أن هذا الإيمان لا يُحسَب له برًا إذَا لم يُقدِّم شيئًا“.[60]

رفض سبق التعيين المزدوج للخلاص أو الهلاك

يرفض ق. يوحنا ذهبي الفم فكرة ”سبق التعيين المزدوج“ سواء للخلاص أو للهلاك، التي نادى بها أوغسطينوس ومن بعده قادة الإصلاح مارتن لوثر وچون كالفن، حيث يرى ق. يوحنا ذهبي الفم أن سبق التعيين الذي تحدث عنه بولس الرسول يشير إلى علم الله السابق، وليس لاختياره بعض البشر للخلاص، والبعض الآخر للهلاك كالتالي:

”وحتى لا يُعتقَد أن الإرادة الحرة قد أُبطِلَت، وهي موضع مسرة أكثر من أيّ شيء، فإنه يشدد على النصيب الصالح. لأن النصيب المرتبط بالقرعة، لا علاقة له بالفضيلة، بل يأتي عشوائيًا، كما يبدو الأمر كما لو كانت القرعة قد تمت، وبناءً على ذلك تم اختياركم. غير أن الاختيار تم على أساس المشيئة الإلهية الصالحة، لأنه يقول ’سبق فعيَّنهم‘، بمعنى أفرزنا بعدما اختارنا لنفسه، أي أنه عرفنا قبل أن ننال نصيبًا، لأن علم الله السابق عجيب، وهو عالم بكل شيء قبل أن يحدث. ولكن لاحظ كيف يحاول الرسول بولس بكل الطرق أن يبرهن على أن الله لم يغير قراره، بل هذه هي خطته منذ البدء. حتى لا نكون أقل من اليهود في شيء من حيث اختيار الله، ومن أجل هذا صنع كل شيء لتحقيق هذا الغرض“.[61]

ويؤكد ذهبي الفم على أن معنى ”سبق التعيين“ هو علم الله السابق بالذين سيكونون من نصيبه كالتالي:

”هنا أيضًا يشير إلى العناية الإلهية الفائقة، من حيث أننا خُتِمنا، فهو لم يشر فقط أنه ميَّزنا لسبق تعييننا أو سبق اختيارنا، بل أشار أيضًا إلى أولئك الذين سيكونون من نصيبه، هكذا أفرز الله أولئك ليؤمنوا، وختمهم لينالوا خيرات الدهر الآتي. أرأيت كيف أنه بمرور الزمن، جعل هؤلاء مستحقين للإعجاب؟ أي أنهم كانوا موجودين في علمه السابق فقط، ولم يكونوا معروفين لأحد، ولكن عندما خُتِموا، صاروا معروفين“.[62]

ويفسر ذهبي الفم معنى ”سبق التعيين“، بأنه علم الله السابق والأزليّ الذي يعرف به الأمور المستقبلية والتي ستحدث، وهكذا يكون قد حدَّدها أو عيَّنها حسب قصد الدهور كالتالي:

”يقول إنه أُعلِنَ الآن، إلا أنه لم يتقرر الآن (أي سبق تدبيره منذ الأزل)، وتقرر من فوق. ’حسب قصد الدهور الذي صنعه في المسيح يسوع ربنا‘، أي بحسب سابق علمه الأزليّ، لأنه كان يعرف مقدمًا الأمور المستقبلية والأمور التي ستحدث، وهكذا فقد حدَّدها أو عيَّنها. ’حسب قصد الدهور‘، تلك التي خلقها بيسوع المسيح. أي أن كل شيء قد خُلِقَ بيسوع المسيح“.[63]

 

[1] چون كالفن، أسس الدين المسيحي مج1، ترجمة مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2018)، 2: 1، ص 234.

[2] المرجع السابق، 2: 1، ص 235.

[3] المرجع السابق، 2: 1، ص 237.

[4] المرجع السابق، 2: 1، ص 236، 237.

[5] المرجع السابق، 2: 1، ص 238.

[6] المرجع السابق، 3: 3، ص 560.

[7] المرجع السابق، 2: 1، ص 237.

[8] المرجع السابق، 2: 1، ص 238.

[9] المرجع السابق، 2: 1، ص 239.

[10] المرجع السابق، 2: 1، ص 240. أنظر مصطلح ”الخطية الطبيعية“ عند أوغسطينوس

Augustine, On Genesis in the Literal sense, I. i. 3, (MPL 34.221); Contra Julianum, opus imperfectum, V. x1, (MPL 45.1477).

[11] المرجع السابق، 2: 2، ص 250، 251.

[12] المرجع السابق، 2: 2، ص 251.

[13] المرجع السابق، 2: 2، ص 252.

[14] المرجع السابق، 2: 3، ص 276.

[15] المرجع السابق، 2: 12، ص 438، 439.

[16] المرجع السابق، 2: 16، ص 469.

[17] المرجع السابق، ص 469، 470.

[18] المرجع السابق، ص 476.

[19] المرجع السابق، ص 477.

[20] المرجع السابق، 2: 17، ص 491.

[21] المرجع السابق، ص 492.

[22] المرجع السابق، ص 492، 493.

[23] المرجع السابق، ص 493.

[24] المرجع السابق.

[25] المرجع السابق، ص 493، 494.

[26] چون كالفن، أسس الدين المسيحي مج 2، ترجمة مجموعة من المترجمين، (لبنان: دار منهل الحياة، 2018)، 3: 11، ص 678.

[27] المرجع السابق، 3: 11، ص 692، 693.

[28] المرجع السابق، 3: 11، ص 696، 697.

[29] المرجع السابق، 3: 15، ص 736.

[30] المرجع السابق، 3: 21، ص 867، 868.

[31] المرجع السابق، 3: 23، ص 891.

[32] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 1، ص 246.

[33] المرجع السابق.

[34] المرجع السابق، ص 247.

[35] المرجع السابق، ص 248.

[36] المرجع السابق، ص 251.

[37] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح إنجيل متى ج2، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 1998)، عظة 28: 3، ص 51.

[38] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، عظات على المعمودية، ترجمة: القمص مرقريوس الأنبا بيشوي، (وادي النطرون: دير الأنبا بيشوي، 2007)، عظة 3: 6، ص 64.

[39] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح إنجيل متى ج١، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 1996)، عظة ١: ٣، ص ١٠٧، ١٠٨.

[40] نيقولاوس ب. فاسيلياذيس، سر الموت، ترجمة: أ. غالب خليل إبراهيم والأب د. ميشال سابا، (لبنان: دار المشرق، 2011)، ص 410، 411. وقول ق. يوحنا ذهبي الفم مأخوذ من عظة حول الصبر وحول عدم البكاء بمرارة على الموتى، مجموعة الآباء اليونان. آ. 60، 728.

[41] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 4: 1، ص 77.

[42] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير سفر أيوب، ترجمة: نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، تعليق على (أي١: ٥ س)، ص ٢٠.

[43] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 3: 2، ص 61.

[44] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 6: 3، ص 146.

[45] المرجع السابق، عظة 12: 4، ص 271، 272.

[46] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 2: 3، ص 52، 53.

[47] المرجع السابق، ص 53.

[48] المرجع السابق، عظة 2: 4، ص 54.

[49] المرجع السابق، عظة 5: 4، ص 95.

[50] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير سفر أيوب، ترجمة: نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، تعليق على (أي ١: ١ س)، ص ١٥.

[51] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 6: 2، ص 144.

[52] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح إنجيل متى ج2، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، 1998)، عظة 36: 3، ص 132، 133.

[53] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 4، ص 253.

[54] المرجع السابق، ص 254.

[55] المرجع السابق، عظة 11: 2، ص 250.

[56] المرجع السابق، عظة 11: 2، 3، ص 250، 251.

[57] المرجع السابق، عظة 11: 3، ص 252.

[58] المرجع السابق، عظة 11: 1، ص 248.

[59] المرجع السابق، عظة 8: 5، ص 190.

[60] المرجع السابق، عظة 9: 1، ص 207.

[61] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، عظة 2: 1، ص 47، 48.

[62] المرجع السابق، عظة 2: 2، ص 49.

[63] المرجع السابق، عظة 7: 2، ص 118.

التبرير والنعمة بين چون كالڨن ويوحنا ذهبي الفم – د. أنطون جرجس عبد المسيح

Exit mobile version