قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: aghroghorios

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

أعلن الدكتور Moody Smith في رئاسته لجمعية الأدب الكتابي في سنة 2000، معلقًا على الفترة التاريخية بين وجود كتابات العهد الجديد ودمجها في قانونية العهد الجديد.¹ وقد أدرك مودي المبدأ الرئيسي الرابع للدراسات الكنسية الحديثة، ألا وهو أن كُتّاب العهد الجديد كتبوا دون وعي بسلطتهم الخاصة ودون نية أن تكون كتبهم مقدسة.² ويقال إن كتاباتهم كُتبت لتكون حلًا ومعالجة لمشاكل الكنيسة الفورية.

وإنه لم تكتسب هذه الكتابات مكانة موثوقة إلا عندما بدأت الكنيسة اللاحقة تُظهر تقديرًا لهذه الكتابات.³ ويؤكد Mark Allan Powell في كتابه هذا الرأي بشكل واضح فيقول: “لم يكن مؤلفو العهد الجديد لديهم علم أنهم يكتبون وحيًا”.⁴ ويتخذ Schneemelcher نفس المنهج فيقول: “لم تُكتب الأناجيل ككتب قانونية بمعنى أن كُتّابها لم يكونوا يكتبون كتابًا مقدسًا له سلطة الوحي”.⁵

وبالطبع، لا بد أن نعترف أن هذا الفهم ممكن أن يكون صحيحًا في عدد من النقاط المهمة.

أنْ لا أحد من كُتّاب العهد الجديد كان لديه معرفة بالمستقبل بأنهم سوف يكتبون وحيًا، فهذا ليس شيئًا يمكن توقعه.⁶ ومن الصحيح أنهم تناولوا مشاكل عرضية في الكنيسة في القرن الأول.⁷

ومع ذلك، هل يعني هذا أن كُتّاب العهد الجديد لم يكن لديهم إدراك أنهم يكتبون بوحي؟ وكتبوا بدون قصد كتاباتهم لتُسيِّر حياة الكنيسة؟

على الرغم من أن هذه الادعاءات حول كُتّاب العهد الجديد قد تكون واسعة الانتشار ومتكررة، إلا أن بعض العلماء بدأوا يرفضونها. ولم يقتصر الأمر على سميث،⁸ بل قام جون بارتون،⁹ و إن. تي. رايت.¹⁰

فلهذا، كَتبتُ هذا الفصل لتحدي فكرة أن كُتّاب العهد الجديد كتبوا دون إدراك أنهم يكتبون وحيًا. فطرحُنا البسيط سيُظهر أن كُتّاب العهد الجديد أدركوا أن كتاباتهم ستنقل تقليدًا رسوليًا أصيلًا ذا سلطة. وبالتالي، كانوا يؤمنون أن لهذه الكتابات سلطة عليا داخل حياة الكنيسة.¹¹ كما قال إن. تي. رايت: “كانوا الكُتّاب مدركين أنهم يكتبون رسالة فريدة عن يسوع بقيادة الروح القدس، وستُشكّل الكنيسة فيما بعد، بناءً على كرازتهم، فهناك جيل سيتلقى من الجيل الأول”.¹²

فاستخدام مصطلح “Scripture” لوصف كيفية فهم كُتّاب العهد الجديد سيثير جدلًا واختلافًا – وهذا المصطلح مقبول لدى البعض، والبعض الآخر لا يرتاح كثيرًا له. فعلى سبيل المثال، لا يقر Robert Spivey و Smith بأن بولس كان يكتب كتابًا مقدسًا، ولكنه كان يكتب بوعي سلطته الرسولية.¹³ لكنهم لم يفسروا الاختلاف الجوهري بين السلطة الرسولية والوحي. فالسلطة الرسولية يمكن أن تُقاد بإلهام من الروح القدس بكتابة أو تكلم بكلمات الله ذاتها، فما هو الاختلاف إذًا؟

إذًا، هل كتابتهم تختلف عن الكتب المقدسة؟ يجيب Barton ويقول إن المرحلة الأولى لم تتسم بأنهم يكتبون كتابًا مقدسًا بالقدر الذي قد نتوقعه، ولا يرجع هذا إلى افتقارهم إلى الوحي، بل يرجع إلى أنهم في وقتهم كانوا ينظرون إلى الكتب المقدسة على أنها شيء قديم وأصيل، وكانت هذه الكتابات جديدة.

ولا يبدو أن هناك أهمية في إطلاق اسم “كتاب مقدس” عليها أم لا، فكانت هذه الكتب لها مكانتها كأحد أهم الكتب في العالم، ومكانتها مضمونة. فكانت كتبهم بمثابة كتب مقدسة، ولها سلطة ومكانة الكتب المقدسة عند اليهود لدى المسيحيين.

القضية الرئيسية هنا ليست إطلاق كُتّاب العهد الجديد على كتبهم أنها “كتاب مقدس”، مثلما ورد في كتاباتهم في بطرس الثانية 3: 16 وتيموثاوس الأولى 5: 18، لكن هل كتب هؤلاء الكُتّاب بوعيٍ كتبًا فهموا أنها تحتوي على وحي رسولي جديد عن يسوع المسيح، وبالتالي ستكون لها سلطة الوحي العليا في الكنيسة؟¹⁶

سننتقل إلى تحليل لنصوص كتابية من أجزاء متفرقة في العهد الجديد، بما في ذلك رسائل بولس والأناجيل وبعض كتابات العهد الجديد الأخرى. فلا يوجد مجال لنأخذ كل ما ورد في العهد الجديد (27 سفرًا)، ولكن نأخذ عينات فقط من النصوص التي تكون كافية لإثبات النقطة المطلوبة.

 

أولًا: رسائل بولس الرسول

رسالة غلاطية

بما أن معظم العهد الجديد هو رسائل بولس، فالأفضل أن نبدأ نقاشنا هذا بكتاباته.

غلاطية 1: 1: «بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ».

توجد تصريحات لبولس عن رسوليته، ولكن لا يوجد أوضح من نص رسالة غلاطية عن سلطانه الرسولي. وقد لاحظ F. F. Bruce أن بولس يتكلم هنا ويؤكد أن مصدر رسالته مصدر إلهي لرسالة رسولية.¹⁷ لا شك أن قول بولس هذه الصيغة التي في الآية هو رد على بعض من شككوا في سلطانه الرسولي في غلاطية.¹⁸ وكان بولس يرغب في تصحيح فهمهم في بداية رسالته.

لذلك، في غلاطية 1: 1، يبذل بولس قصارى جهده ليؤكد أن رسالته رسولية ليس فيها نوع من البشرية؛ لأنها لم تأتِ من الناس ولا بواسطة إنسان: οὐκ ἀπ᾽ ἀνθρώπων οὐδὲ δι᾽ ἀνθρώπου. وقوله هذا يشير إلى أن من دعا بولس ليسوا الرسل الآخرين، فلم تأتِ هذه الدعوة من خلال وسيط بشري (قارن ما قاله في غلاطية 1: 17–20):

«17 وَلاَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلِي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْقَ. 18 ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. 19 وَلكِنَّنِي لَمْ أَرَ غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ إِلاَّ يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ. 20 وَالَّذِي أَكْتُبُ بِهِ لَكُمْ، فَهُوَذَا قُدَّامَ اللهِ أَنِّي لَسْتُ أَكْذِبُ فِيهِ».

بل على العكس، أتت من خلال يسوع المسيح والله الآب، وفي إشارة إلى ما حدث مع بولس في طريقه إلى دمشق، حسب أيضًا نص أعمال الرسل 9: 1–9. فبولس يؤكد على سلطته الفريدة، ويتحدث دائمًا أنه رسول ليسوع المسيح، وسنتناول المواقف التي تُعرض أمامه من خلال هذا السلطان. وفي غلاطية 6: 1 يقول: «إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ».

فيشير بولس أن بعض الغلاطيين قد بدأوا يهجرون إنجيل النعمة ويتجهون نحو إنجيل آخر. ويطمئنهم بولس أن الإنجيل الذي بشّر به ليس إنجيل إنسان، بل كتبه بوحي من خلال يسوع المسيح. نجد هذا في غلاطية 1: 11: «فَأُعْلِمُكُمْ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَّ الْبِشَارَةَ الَّتِي بَشَّرْتُكُمْ بِهَا لَيْسَتْ صَادِرَةً عَنِ الْبَشَرِ. 12 فَأَنَا مَا تَلَقَّيْتُهَا وَلاَ أَخَذْتُهَا عَنْ إِنْسَانٍ، بَلْ عَنْ وَحْيٍ مِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ».

يؤكد بولس هنا أنه تلقى وحيًا من يسوع المسيح، ولذلك لا ينبغي عليكم يا أهل غلاطية التخلي عنه. وبولس في غلاطية 1: 8: «فَلَوْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ بَشَّرَكُمْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِبِشَارَةٍ غَيْرِ الَّتِي بَشَّرْنَاكُمْ بِهَا، فَلْيَكُنْ مَلْعُونًا!»، يُنذرهم أن هناك دينونة لكل من ينكر البشارة أو الإنجيل الذي يُبشَّر به أنه إنجيل فيه حق.

كل هذا يعطينا انطباعًا أن بولس كان يرى أن رسالة غلاطية كتبها بسلطان المسيح نفسه، وأنها كُتبت لتصحيح أفكار خاطئة عن رسالة الإنجيل. كما لاحظ أيضًا Ronald Fung أن بولس كان يرغب أن يقول لهم إن رسالة الإنجيل وصلت إليهم من خلاله نتيجة كشف الله له عن المسيح، وكان الإنجيل ما زال يُبشَّر به في وقت كتابته الرسالة. فلذلك، كان بولس يدعو إلى العودة إليه.²¹

أما مسألة إطلاق اسم على كتابات بولس أنها “كتاب مقدس” فهي فكرة ثانوية؛ لأنها من الأساس هذه الرسائل تحمل سلطة عليا، وأعلى سلطة يمكن أن تكون على نص مكتوب من جهة وحيها.

 

رسالة تسالونيكي الأولى

في تسالونيكي الأولى 2: 13: «وَنَحْنُ أَيْضًا نَشْكُرُ اللهَ بِلاَ انْقِطَاعٍ، لأَنَّهُ لَمَّا تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ اللهِ الَّتِي سَمِعْتُمُوهَا، قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ حَقًّا كَكَلِمَةِ اللهِ الَّتِي تَعْمَلُ فِيكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ». يصرح بولس مرة أخرى بسلطانه الرسولي أنه رسول يسوع المسيح، ويستخدم تعبير “كلمة الله”.

ولا شك أن بولس أيضًا أشار إلى تقليد رسولي تلقاه أهل تسالونيكي من خلال تبشيرهم الشفهي، من خلال التعليم والوعظ.²⁴ واستخدم بولس مصطلح “تسلمتم” إشارة إلى قبول تقليد رسولي، وهذا مستخدم كثيرًا في كورنثوس الأولى 11: 23 و15: 1–3، وغلاطية 1: 9، وكولوسي 2: 6–8، وكورنثوس الثانية 3: 6. واستخدم بولس تعبير “كلمة الله” في مواضع متعددة إشارة إلى تعليم إلهي موحى به، على سبيل المثال: كورنثوس الأولى 14: 36، وكولوسي 1: 25، وتيموثاوس الثانية 2: 9. وهكذا في نص تسالونيكي الأولى 2: 13.

يقول Ernest Best إن بولس يقدم ادعاءً جريئًا أن كلماته هي كلمات الله.²⁶ كانت كلمات بولس الرسولية تشمل وحيًا وسلطة إلهية، وهي متكررة في تسالونيكي الأولى، ليس في هذا النص فقط، بل شملت نصوصًا أخرى تؤكد سلطة الرسالة ووحيها. في تسالونيكي الأولى 4: 2–8، يُصرح بولس صراحة أنه يكرر تعليمًا رسوليًا عن القداسة سبق أن سُلِّم إليه، وتعليم رجاء بواسطة يسوع المسيح، وبإرادة الله. وهكذا، تقدم رسالة تسالونيكي الأولى لكل إنسان أنها رسالة تحتوي على تعليم الله، لدرجة أنه بعدما أنهى بولس إرشاده عن القداسة، حذر أهل تسالونيكي من أن يتجاهلوا هذه التعليمات.

وفي نص تسالونيكي الأولى 4: 8: «إِذًا مَنْ يُرْذِلُ لاَ يُرْذِلُ إِنْسَانًا، بَلِ اللهَ الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا رُوحَهُ الْقُدُّوسَ». يقول Gordon Fee إن رفض تعليم بولس هو بمثابة رفض الله نفسه.²⁹ يقر بولس في موضع آخر بأسلوبه الرسولي في التعليم، ويقول في تسالونيكي الثانية 2: 15: «فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا».

وفي الواقع، يشير بولس في آيات أخرى إلى أن جسده ضعيف وأن الرسائل أقوى من هذا الجسد، في كورنثوس الثانية 10: 10: «لأَنَّهُ يَقُولُ: الرَّسَائِلُ ثَقِيلَةٌ وَقَوِيَّةٌ، وَأَمَّا حُضُورُ الْجَسَدِ فَضَعِيفٌ، وَالْكَلاَمُ حَقِيرٌ». ويختتم بولس رسالته إلى أهل تسالونيكي بطلب قراءة هذه الرسائل علنًا في الكنيسة، في تسالونيكي الأولى 5: 27 (قارن هذا الأسلوب بكورنثوس الثانية 10: 9، وكولوسي 4: 16، ورؤيا 1: 3).

وقد أدرك العلماء أن هذه الممارسات هي بالتوازي مع الممارسات اليهودية في قراءة أجزاء من العهد القديم بصوت عالٍ في العبادات العامة في المجمع (راجع لوقا 4: 17–20، وأعمال الرسل 13: 15 و15: 21).³² ومع ذلك، إصرار بولس على قراءة رسالة تسالونيكي الأولى علنًا يقترن بادعائه السلطة الرسولية والوحي في الرسالة نفسها، وهذا يوفر سببًا وجيهًا بأن الشعب ينظرون إلى هذه الرسالة أنها تحمل سلطان الله أو وحيه.³⁴

 

كورنثوس الأولى 14: 37–38

«إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْسِبُ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ رُوحِيًّا، فَلْيَعْلَمْ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا الرَّبِّ. وَلكِنْ إِنْ يَجْهَلْ أَحَدٌ، فَلْيَجْهَلْ!».

يصرح بولس هنا بسلطانه الرسولي أنه يكتب وصايا الرب نفسه، ويختم قوله بمعنى: من عرف أنني أكتب أو لم يعرف. فبولس يعلن بدقة وبوضوح أنه يكتب أمر الله، فهذه العبارة في اليونانية تشير إلى أنه يكتب أمرًا صادرًا عن الله نفسه، كما أعطى الله أمره لموسى.³⁵ واستخدم بولس نفس الأسلوب في كورنثوس الأولى 7: 19.³⁶ إنه يكتب وصايا الله، أي أنه يكتب وصايا ذات سلطة صادرة عن الله نفسه.

وهناك تنوع بين تركيبات بولس اللغوية، مثل رسالة تيطس 1: 14: «لاَ يُصْغُونَ إِلَى خُرَافَاتٍ يَهُودِيَّةٍ، وَوَصَايَا أُنَاسٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الْحَقِّ». هنا يفرق بولس بين وصايا الناس وبين وصايا الله، وفي رسالة كورنثوس الأولى 14: 37–38، يساوي بولس بين ما يكتبه وبين كلام الله نفسه.³⁷ ومما يؤدي إلى وثوق بولس بسلطته على التكلم باسم الرب لدرجة أنه يُعلن أن كل من لا يقر بسلطان كتاباته يصفهم بأنهم سيكون عليهم دينونة.³⁹

يجادل Raymond Collins بأن بولس يحذر من مصيبة أخروية لكل من يرفض رسالته.⁴⁰ وهذه الصيغة تعكس دور بولس كرسول للعهد الجديد في كورنثوس الثانية 3: 6: «لَقَدْ جَعَلَنَا خُدَّامًا لِعَهْدِهِ الْجَدِيدِ، وَهُوَ عَهْدٌ لاَ يَعْتَمِدُ عَلَى الشَّرَائِعِ الْمَكْتُوبَةِ، بَلْ عَلَى الرُّوحِ». وينذر بولس من يرفض الخضوع لسلطته الرسولية الممنوحة من الله.⁴¹

ويلخص Archibald Robertson و Alfred Plummer أن بولس من هذه الآيات مدرك أنه لا يتكلم من نفسه، ولكن يتكلم بلسان المسيح.⁴²

في تسالونيكي الثانية 3: 6: «ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا». و14: «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ». كما قلنا عن نص كورنثوس الأولى 14: 37–38، فإن بولس يقول إنه ينبغي طاعة تعاليمه، وأن هناك دينونة على من سيرفضونها. فيقول بولس أن يتم تجنب كل أخ يسلك بلا ترتيب خلافًا للتقليد الذي تسلموه منا، فإن التقليد الذي يشير إليه بولس هنا بلا شك تعليم رسولي موثوق تم إعطاؤه إلى أهل تسالونيكي، وهو أمر يؤكد استخدام مصطلحات أساسية.

ولهذا السبب، يعلن بولس حكمًا نبويًا عن الذين يرفضون تعليمه الرسولي.⁴⁵ ويقول لأهل تسالونيكي أن يبتعدوا عن الأخ الذي يسلك بلا ترتيب، وهذا إشارة إلى نوع من التأديب الكنسي، وربما الحرمان الكنسي. وكما وضحنا أنه في تسالونيكي الثانية 3: 6 يقول إن ما يقوله بولس هو وصايا المسيح نفسه. يلاحظ هنا Leon Morris أن ما يقوله بولس يجعل الأمر أكثر إلهامًا وسلطانًا إلهيًا. وفي تسالونيكي الثانية 3: 14: «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ»، يقدم تحذيرًا ألا يتم التعامل مع من لا يطيع الرسالة، بل أيضًا يُصدر عقابًا كنسيًا لمن يعصي، ويقول إنه لا ينبغي التعامل معه.⁴⁸

يقول Charles Wanamaker بقول صريح إن بولس يدعو إلى حرمانهم الكنسي.⁴⁹

تستطيع الآن أن ترى اتجاهًا سائدًا في العديد من مقاطع بولس بشكل منتظم، تأكيدًا على سلطته الرسولية على التحدث باسم المسيح، وتوضيح أن السلطة الرسولية ليست في كلامه الشفهي بل في رسائله المكتوبة، وأن كل من يرفض تعليمه الشفهي والمكتوب يرفض وصايا المسيح ويكون له دينونة وحرمان كنسي. فلذلك، من الصعب قبول فكرة أن بولس لم يكن على دراية بما يكتب بأنه يكتب وحيًا إلهيًا.

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

كتاب الأناجيل

الأناجيل تختلف عن أدب الرسائل، فلا نتوقع أنهم سيقدمون أنفسهم بتصريحات مباشرة وصريحة حول سلطتهم الرسولية كما فعل بولس في الرسائل،⁵¹ فهم يعملون خلف الكواليس ولا يظهرون أنفسهم إلا نادرًا في سياق القصة.⁵² ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار عدم الكشف الرسمي عن هوية الأناجيل دليلًا على أن مؤلفيها لم يروا أن ما يكتبونه هو وحي يحمل سلطان الله. جادل Armin Baum بأن الكتب التاريخية في العهد الجديد – ويقصد بها الأناجيل وسفر الأعمال – كُتبت عمدًا بدون ذكر للأسماء لتكون مثلها مثل العهد القديم، والتي لم تتضمن هوية الكاتب في داخلها.⁵³

وهذا ما يجعل الأناجيل وأعمال الرسل مميزة عن معظم السير الذاتية اليونانية-الرومانية التي عادةً تتضمن اسم الكاتب، وإن لم يكن دائمًا.⁵⁴ وقد أعطى هذا الأسلوب لكُتّاب الإنجيل إعطاء الأولوية لموضوع الأناجيل.⁵⁵ وهكذا، فإن إخفاء الهوية لم يقلل من سلطان ووحي الأناجيل، بل ساهم في الواقع في زيادة الوحي عمدًا، أنها كُتبت مثل تقليد العهد القديم.⁵⁶

بالإضافة إلى حجة باوم، هناك طرق أخرى يمكن من خلالها تقييم وعي مؤلفي الأناجيل بسلطانهم بالإلهام.

وعلى الرغم من عدم ذكر أسماء الأناجيل رسميًا، ولكن هناك أدلة أكثر دقة تقدم دلائل حول هوية الكُتّاب، والأهم من ذلك، حول نيتهم في نقل تقليد رسولي موثوق به حول شخصية يسوع الناصري.

في مرقس 1: 1، لاحظ Robert Guelich أن افتتاحية مرقس تثير الجدل حول معاني كل كلمة فيها، فيقول: “بداية إنجيل يسوع المسيح!”. هذا عنوان الكتاب، ومرتبط بما سيأتي فيما بعد من كتابة مرقس.

ويلاحظ Robert Stein تذكيرًا بأن العمل بأكمله يؤكد مرقس أنه البشارة عن يسوع المسيح.⁶¹ إن استخدام مرقس للكلمة اليونانية εὐαγγελίον (الإنجيل)،⁶² لم يكن قد استُخدم من خلال مرقس للإشارة إلى النصوص المكتوبة، بل إلى إشارة إلى موثوقية الكلام الرسولي الذي سيقدمه.⁶³ وهكذا، فمنذ البداية يوضح مرقس أنه ينبغي أن نفهم أن الرسالة رسولية، والمصطلح نفسه يستخدمه في مرقس 14: 9: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ، تَذْكَارًا لَهَا»، مما يخلص تضمينًا أدبيًا واضحًا يعزز فكرة أن العمل بأكمله يجب تفسيره أنه الهدف من ملخص كتابته للإنجيل.⁶⁴

وقد دفع هذا اثنين من الباحثين، John Roberts و Andreas du Toit، إلى أن مرقس ادعاء عظيم حول الوحي والسلطان. وبالمثل، يجادل مارتن هينجل بأن مرقس يقدم إنجيله أنه رسالة خلاصية ليسوع المسيح، وبالتالي هو يلبي متطلبات أن هذه كتابات مقدسة.

ولكن هناك أدلة أخرى تدعم هذا الفهم.

تتطابق الافتتاحية في مرقس مع نفس افتتاحيات بعض كتب العهد القديم النبوية، على سبيل المثال: هوشع 1: 2: «أَوَّلَ مَا كَلَّمَ الرَّبُّ هُوشَعَ، قَالَ الرَّبُّ لِهُوشَعَ: اذْهَبْ خُذْ لِنَفْسِكَ امْرَأَةَ زِنًى وَأَوْلاَدَ زِنًى، لأَنَّ الأَرْضَ قَدْ زَنَتْ زِنًى تَارِكَةً الرَّبَّ». نجد صيغة مشابهة لاستخدام مرقس لكلمة “بداية إنجيل”، وهنا في هوشع “أول ما كلم”.⁶⁷ ويعلق Gerd Theissen على استخدام مرقس لهذه الصيغة قائلًا: “كان قراء وسامعو إنجيل مرقس على دراية بكتب الأنبياء، والتي بدأت بكلمة الله التي وصلت للإنسان”.⁶⁸ فيشير إنجيل مرقس إلى أنه يقدم الإنجيل كرسالة من الله مثل العهد القديم.

مرقس يقدم إنجيله لتجسيد التقاليد الرسولية، فهو يتبع ما جاء في عظة بطرس في أعمال الرسل 10: 34–43.⁶⁹ فعظة بطرس يعتقد العديد من العلماء أنها تقليد سابق للوقا، وبالتالي من المرجح أن تكون واحدة من أقدم التعبيرات عن رسالة الإنجيل.⁷⁰ فيبدأ إنجيل مرقس وسفر أعمال الرسل 10: 34–43 بمصطلحات إنجيلية،⁷¹ ويتحدثان عن يسوع باعتباره المسيا،⁷² ويربطان المسيح بسياق إشعياء في العهد القديم،⁷³ ويضعان بداية الخدمة من الجليل،⁷⁴ ويناقشان دور يوحنا المعمدان،⁷⁵ وبالطبع يسلطان الضوء على خدمة المسيح من الفداء والموت والقيامة.⁷⁶ وتشير هذه المقارنات إلى أن إنجيل مرقس هو تجسيد لمواد سابقة رسولية تقليدية، وخاصة تقاليد من القديس بطرس.⁷⁷

يعلق Guelich: “إذا كان الإطار الأساسي والسياقي هو إنجيل يسوع المسيح، ويتوافق هذا السياق مع تقليد كامل وراء أعمال الرسل 10: 34–43، فإن الطابع التقليدي لمرقس هو المواد السابقة له في كتابته للإنجيل”.⁷⁸

إن حقيقة أن مرقس يقدم إنجيله كمحتوى رسالة رسولية ويؤكد رسوليتها من ناحية الأدلة الداخلية، أن مصادره هي شهادة الرسول بطرس نفسه. فإلى جانب حقيقة أن هناك صلة بين مرقس وبطرس، وهذه الصلة مذكورة ومعروفة في كتابات آباء الكنيسة الأوائل،⁷⁹ ونجد العلاقة بين مرقس وبطرس مشهودة في آيات العهد الجديد مثل بطرس الأولى 5: 13 وأعمال الرسل 12: 12–17.⁸⁰ فإن إنجيل مرقس يذكر ارتباط مرقس ببطرس من خلال تشكيل ضمني لما يقوله بطرس نفسه.

أول تلميذ مذكور في مرقس هو بطرس في مرقس 1: 16، وآخر تلميذ مذكور هو بطرس في 16: 7.⁸¹ علاوة على هذا، فإن ذكر بطرس كان واضحًا في إنجيل مرقس، مما يُظهر مرقس أنه يبذل قصارى جهده لتبيان وإبراز شخصية بطرس في مقدمة كلامه.⁸² هذا الذكر لبطرس، والطريقة التي يتمركز فيها بطرس في إنجيل مرقس وروايات التلاميذ،⁸⁴ يتضح أن بطرس هو المصدر الرئيسي لشهادة شهود العيان الذي يقف خلف إنجيل مرقس.⁸⁵ يلاحظ هينجل أن ذكر اسم سمعان بطرس كتلميذ هو أولًا وأخيرًا، ذكر أن كلام مرقس مبني على تقليد، وبالتالي سلطته.⁸⁶

 

ومن العوامل الجديرة بالملاحظة طريقة ربط مرقس قصة يسوع المسيح وقصة النبوات اليهودية، وهذا ما تفعله جميع الأناجيل الإزائية بدرجة أو بأخرى.⁸⁷ وبالنسبة لمرقس، فإن بداية الإنجيل ليست ميلاد يسوع أو حتى خدمته العلنية، بل يذكر فيها التوقعات والتطلعات المسيانية لليهود كما تتجلى في مقاطع مختلفة في العهد القديم.⁸⁸ على وجه الخصوص، يصور مرقس 1: 2 المسيح أنه محقق وعد أتى في ملاخي 3: 1 (قارن هذا بخروج 23: 20)، وتم تحويل الآية عن يهوه إلى يسوع بذكر “طريق أمامي” إلى لفظ مرقس “أمامك” عن يسوع.

ويستشهد مرقس 1: 3 بإشعياء 40: 3، حيث كان على الشعب أن يُعدّوا طريق الرب – مرة أخرى، إشارة إلى أن يسوع هو تحقيق واضح لمجيء يهوه شخصيًا. ويشير إلى صوت سماوي وإعطاء الروح القدس في مرقس 1: 10–11، وهو أن يسوع هو الخادم المجهز بالروح القدس المذكور في إشعياء 42: 1 (وقارن هذا بإشعياء 52: 7 وإشعياء 61: 1). وبما لا شك أن هذه الروابط التي استخدمها مرقس ليست بالضرورة تؤكد أنه يكتب بوحي إلهي، ولكنها تشكل جهدًا من مرقس لتقديم إنجيله على أنه استمرار للسرد الكتابي،⁹¹ وهذا ما أدركه بلا شك من قرأوه.

وكما لاحظ إن. تي. رايت بقوله: “لم يفكر اليهود تلك الفترة في التقاليد الكتابية أنها مجرد سرد فقط، بل كانوا قادرين على تصور القصة بالكامل والبحث بانتظام عن ختام هذه القصة المناسب”.⁹²

 

وعي إنجيل يوحنا

يوحنا 21: 24: على عكس الأناجيل الإزائية، فإن إنجيل يوحنا كان أكثر وضوحًا بشأن هوية مؤلفيه، في قول يوحنا: «هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهذَا وَكَتَبَ هذَا».⁹³ فهو يؤكد هوية هذا التلميذ الغامض.

فأثارت عبارة “التلميذ الحبيب” جدلًا أكاديميًا واسعًا، وثم اقتراحات مختلفة حول الهوية.⁹⁴ ومع ذلك، بغض النظر عن الاقتراحات، فمن الواضح أن هذا الشخص داخل الدائرة الرسولية الداخلية، وكان من أوائل التلاميذ الذين تم دعوتهم في يوحنا 1: 35–40، وحضر العشاء الأخير في يوحنا 13: 23، وحضر الصليب في يوحنا 19: 26–35، وكان مع بطرس ويسوع في يوحنا 21: 20.

في الواقع، إن التلميذ الحبيب هو من شهود العيان الذين لديهم شمول في شهادتهم، وبظهوره في بداية إنجيل يوحنا 1: 35–40 ونهايته يوحنا 21: 20، تمامًا كما ذكرنا أسلوب ذكر مرقس لبطرس كشخصية محورية.⁹⁶ ويلخص Bauckham إلى أن إنجيل يوحنا يقدم التلميذ الحبيب على أنه التلميذ الذي يعبر عن شهود العيان كأهم مصدر صلب تاريخي للإنجيل.⁹⁷ وهكذا، على أقل تقدير، يوضح يوحنا 21: 24 أن إنجيل يوحنا لديه شهادة شهود عيان من الرسل، أي من شخص مرتبط مباشرة بالدائرة المقربة من يسوع.⁹⁸ وهناك المزيد من هذا، فمكانة هذا التلميذ الحبيب.

إن يوحنا هو الشاهد الموثوق به (μαρτυρῶν)، وكان موجودًا من البداية. ونجد أن هذه الفكرة فيها تشابه كبير بين ما أعلنه يوحنا عن نفسه في يوحنا 15: 27: «وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابْتِدَاءِ»، بمعنى: ستشهدون أنتم لأنكم كنتم معي منذ البداية.⁹⁹ وتأتي قوة الشهادة هنا من الروح القدس الذي وعد يسوع أن يكون فيهم في يوحنا 15: 26.¹⁰⁰ ومن المفيد أن نرى الآيتين جنبًا إلى جنب: «سَتَشْهَدُونَ (μαρτυρεῖτε) لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ مَعِي مُنْذُ الْبَدْءِ» (يوحنا 15: 27)،

مع الآية التي تقول: «هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ (μαρτυρῶν) بِهذِهِ الأُمُورِ وَكَتَبَ هذِهِ الأُمُورَ» (يوحنا 21: 24). وهكذا، فإن يوحنا 21: 24 هو إعلان قوي على أن وعد يسوع في يوحنا 15: 26 و27 بإرسال شهود ذوي سلطة وإلهام من الروح القدس قد تحقق. فما سيكتبونه هو شهادة موثوقة لتلاميذ مملوءين بالروح القدس.¹⁰¹

وبناءً على كل هذا، تمكن Jean Zumstein من التصريح بأن إنجيل يوحنا يتمتع بمكانة مماثلة مثل العهد القديم.¹⁰² ويرى Ridderbos أن يوحنا 21: 24 دليل أن التلميذ الحبيب دوّن شهادته وجعلها في الكتاب المقدس.¹⁰³

وبالتأكيد، نجد هذا الاستنتاج عندما نضع يوحنا 21: 24 بجانب يوحنا 20: 30: «وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. 31 وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ».¹⁰⁴

وفي المقطع الأخير، يقر الكاتب أن ليس كل شيء كُتب في الإنجيل، ولكن ما كُتب هو يكفي لتعرفوا أن لنا حياة باسمه. وهذه العبارة دقيقة: γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ –

من المقاطع الرئيسية في العهد القديم، تشير بوضوح إلى الكتاب المقدس:

Deut 28:58: “careful to do all the words of this law that are written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”

2 Chron 34:21: “do according to all that is written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”

Jer 25:13: “I will bring upon that land . . . everything written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”

تثنية 28: 58: «إِنْ لَمْ تَحْرِصْ لِتَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هذَا النَّامُوسِ الْمَكْتُوبَةِ فِي هذَا السِّفْرِ، لِتَهَابَ هذَا الاسْمَ الْجَلِيلَ الْمَرْهُوبَ، الرَّبَّ إِلهَكَ».

 

أخبار الأيام الثاني 34: 21: «اذْهَبُوا اسْأَلُوا الرَّبَّ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ مَنْ بَقِيَ مِنْ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا عَنْ كَلاَمِ السِّفْرِ الَّذِي وُجِدَ، لأَنَّهُ عَظِيمٌ غَضَبُ الرَّبِّ الَّذِي انْسَكَبَ عَلَيْنَا مِنْ أَجْلِ أَنَّ آبَاءَنَا لَمْ يَحْفَظُوا كَلاَمَ الرَّبِّ لِيَعْمَلُوا حَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي هذَا السِّفْرِ».

 

وفي إرميا 25: 13: «وَأَجْلِبُ عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ كُلَّ كَلاَمِي الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ عَلَيْهَا، كُلَّ مَا كُتِبَ فِي هذَا السِّفْرِ الَّذِي تَنَبَّأَ بِهِ إِرْمِيَا عَلَى كُلِّ الشُّعُوبِ».

وبالإضافة إلى قولهم ما جاء في سفر الرؤيا عن وعي الكاتب أنه يكتب كتابًا مقدسًا، مثلما يكتبون في رؤيا 22: 18: «لأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذَا الْكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَابِ».¹⁰⁵ وفي الآية 22: 18، يقدم تحذيرًا أنه لا يجوز تغيير نبوة هذا الكتاب، أي المكتوب داخل هذا الكتاب.

وكاتب إنجيل يوحنا رأى يوحنا المعمدان كنبي له دور مثل دور أنبياء العهد القديم، وكان مهتمًا بكتابة الكلمات الخاصة به. وفي إنجيل يوحنا 20: 31 يقول إن من يؤمن به سيكون له حياة باسمه. ويعقل كينر ويقول إن يوحنا 20: 30–31 تشير إلى أن كاتب الإنجيل الرابع يرى أن عمله ينتمي إلى فئة الكتب المقدسة القديمة.

 

لوقا ووعيه أنه يكتب وحيًا

لوقا 1: 1–4: بطريقة مشابهة لإنجيل يوحنا، مقدمة إنجيل لوقا تخاطب الذين يزعمون أنهم ينقلون تقليدًا رسوليًا.¹⁰⁹

يقول الكاتب إنه تسلّم من أولئك الذين كانوا مُعايِنين كشهود عيان وخُدّامًا للكلمة. فهو يشير أولًا إلى شهود العيان، ثم خُدّام الكلمة، مما يجعل الكاتب لوقا مسيحيًا من الجيل الثالث.

ومع ذلك، فإن الحقيقة أن لوقا استخدم أداة تعريف مفردة، مما يجعل المصطلحين يشيران إلى أن شهود العيان هم أنفسهم المعاينون وخُدّام للكلمة. لذلك، يرى معظم الباحثين أنه يقصد شهود عيان وخُدّامًا للكلمة، وليس مجموعتين.¹¹³ ويدعم هذا الاعتقاد البحثي عند الباحثين وصف خدمة الرسل في آيات أخرى بلغة مشابهة للغاية.

1- على الرغم من أن لوقا استخدم كلمة “شهود العيان” في المقدمة، يقول Joel Green إن كلمات لوقا هي مراعاة للمخاوف التاريخية، فيُقيم شهادته على شهادة العيان. لذلك، لوقا يؤكد أن كلامه مبني على شهادة العيان.¹¹⁴

ويزخر إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل بإشارات كثيرة تشير إلى أن الرسل هم شهود عيان شهدوا أعمال يسوع العظيمة في أعمال الرسل 1: 8، و3: 15، و5: 32، و10: 39–41، و26: 16. والجدير بالذكر أن لوقا 24: 48 يختم الإنجيل ويصف الرسل أنهم شهود (μάρτυρες)، مما يشكل شمولًا أدبيًا رائعًا للإنجيل بأكمله، ويعزز الشمول أن بداية إنجيل لوقا مبنية على أنهم شهود ونهايته. وفي لوقا 1: 1–2، يذكر أن الرسل شهود على ما تحقق في خدمة يسوع.¹¹⁵ وفي لوقا 24: 48، يوحي بهذا الشمول، ولوقا كان يعتبر إنجيله شاهدًا رسوليًا على تحقق أسفار العهد القديم وإكمالها من خلال خدمة يسوع المسيح.

لوقا 24: «وَقَالَ لَهُمْ: هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَبُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ. 45 حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. 46 وَقَالَ لَهُمْ: هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، 47 وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ. 48 وَأَنْتُمْ شُهُودٌ لِذلِكَ».

فيمكن اعتبار كتابات لوقا أنها تكملة لسرد تاريخي للعهد القديم.

كما يلاحظ Marshall أن لوقا اعتبر عمله هو استمرار للتصور التاريخي المدون في العهد القديم.¹¹⁶ ويؤكد Craig Evans أن لوقا كان يقصد أن يُقرأ إنجيله بجوار القصص الكتابية، وكان يعتقد أنها أصبحت جزءًا من الكتاب المقدس.¹¹⁷

2- يصف أعمال الرسل 1: 22 السمتين الرئيسيتين للرسل: وجوب أن يكونوا حاضرين منذ البدء، وأن يكونوا شهودًا أساسيين للقيامة. وهذا يشكل تشابهًا لافتًا مع أولئك الذين كانوا شهود عيان منذ البدء في لوقا 1: 2، بالمقارنة مع أعمال الرسل 10: 37. ويظهر هذا المزيج أيضًا في يوحنا 15: 27 عندما يقول يسوع: «أَنْتُمْ شُهُودِي لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ مَعِي مُنْذُ الْبِدَايَةِ».¹¹⁸

3- لوقا أيضًا يصف تلقي بولس للخدمة في أعمال الرسل 26: 16، فيصف بولس أنه الخادم والشاهد (nasb; ὑπηρέτην καὶ μάρτυρα)، يشبه تمامًا تعبيره في لوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، · καὶ ὑπηρέται».

4- يشير سفر أعمال الرسل 6: 4 إلى أن الرسل مكرسون لخدمة الرب بقوله (τῇ διακονίᾳ τοῦ λόγου)، وهذه العبارة مشابهة بشكل ملفت لعبارة لوقا في لوقا 1: 2 عندما وصفهم أنهم خُدّام للكلمة (ὑπηρέται τοῦ λόγου). في الواقع، كما ذكرنا في رسالة تسالونيكي الأولى 2: 13، تُستخدم كلمة “الكلمة” في جميع أنحاء العهد الجديد إشارة إلى رسالة إلهية موثوقة.¹¹⁹ ويُعلق Fitzmyer على استخدام هذه العبارة في لوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ».

يمكن أن يُفهم أن “الكلمة” هنا مصطلح عام يُقصد به قصة الفكر المسيحي، إلا أن الاستخدام الذي تكتسبه الصيغة في اليونانية (ho logos) تشير في سفر الأعمال إلى كلمة الله في أعمال 8: 4، وأعمال 10: 36، و11: 19، و14: 25. وبالمقارنة بلوقا 8: 12–15، يعطيها دلالة واضحة على كلمة الله. تجدر الإشارة إلى أن أعمال الرسل 1: 1 يقول لوقا ويستعيد صيغته الإنجيلية بمصطلح (τὸν λόγον).

كما لوحظ في مناقشة نص رسالة تسالونيكي الأولى 2: 13، استخدام لغة مثل παρέδοσαν التي تعني “مُسلَّم” في لوقا 1: 2 في آيات متعددة في العهد الجديد عن نقل وتسليم تقليد رسولي.¹²¹

تشير كل هذه الاعتبارات إلى أن لوقا يقدم إنجيله على أنه تجسيد للكلمة الرسولية ذات الوحي، سُلِّمت إليه وأُوكِلت إليه. وبالطبع، يُقر لوقا بأنه ينشئ روايته الخاصة لهذا التقليد،¹¹² فهو يقدم ترتيبًا منظمًا (καθεξῆς).¹²³ ومع ذلك، لا يكتب لوقا كشخص من جيل ثالث، فلوقا ليس غريبًا، بل يكتب كشخص تلقى مادته مباشرة من الرسل. يشير David Moessner إلى أن كلمة παρηκολουθηκότι لا تُشير إلى أن لوقا بحث في هذه الأمور، بل إلى أنه شخص زُرعت فيه هذه التقاليد وتدرب عليها.¹²⁴

وهكذا، يقدم لوقا نفسه أنه قد تعلم جميع هذه التقاليد لبعض الوقت (ἄνωθεν) من القديس بولس، وربما من آخرين.¹²⁵ وبهذه الطريقة، يُعطي لوقا القارئ شهادة متميزة،¹²⁶ تبرز وجوب الوثوق فيها، فهو يتحدث بصوت رسولي. من المهم جدًا أن يُقدم لوقا هذه الشهادات الرسولية إن أراد تحقيق الغرض الذي يكتب لأجله، ألا وهو أن يكون لدى ثاوفيلس يقين بشأن الأمور المتيقنة عنده. يجادل Bock أن هذه اللغة تشير إلى أن ثاوفيلس مؤمن، أو ربما شخص عرف الرب حديثًا ويحتاج طمأنينة بشأن التعليم الذي تلقاه سابقًا.¹²⁷

يقول Marshall إن ثاوفيلس كان على الأرجح متلقيًا للتعليم المسيحي الرسمي.¹²⁸ إذا كان الأمر كذلك، فإن لوقا لا يكتب ببساطة لإعادة الحقائق التاريخية الخام، بل يكتب بناءً لاهوتيًا.¹²⁹ يقدم لوقا إنجيله أنه مصدر رسولي ليشجع المسيحيين ويطمئنهم بشأن البشارة التي آمنوا بها، أي أنه يكتب كتابًا مكتوبًا للكنيسة. لم يكن الأمر مجرد كتابة تاريخية، بل تاريخ الخلاص.¹³⁰

وكما يذكر Fitzmyer، أن لوقا ليس مؤرخًا هيلينستيًا علمانيًا، بل أقرب في كتابته إلى تاريخ العهد القديم الكتابي.¹³¹ وتشير كل هذه الاعتبارات إلى أن لوقا قدم إنجيله كوثيقة رسولية تُظهر أن المسيح أكمل العهد القديم، وتعزز الثقة بالحقائق المسيحية الأساسية. ويلخص Evans قائلًا: “لا يرى لوقا نفسه في المقام الأول كاتبًا للسيرة، ولا حتى مؤرخًا، بل إن لوقا يكتب كتابًا مقدسًا، كتابًا يعلن ما فعله الله عندما كان بيننا”.¹³²

 

إنجيل متى

على عكس الأناجيل الثلاثة، احتوى إنجيل متى على عدد أقل من الأدلة الداخلية التي تشير إلى أنه ينقل تقليدًا رسوليًا. متى 9: 9: «وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ، رَأَى إِنْسَانًا جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ اسْمُهُ مَتَّى، فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي. فَقَامَ وَتَبِعَهُ». متى 10: 3: «فِيلُبُّسُ، وَبَرْثُولَمَاوُسُ. تُومَا، وَمَتَّى الْعَشَّارُ. يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى، وَلَبَّاوُسُ الْمُلَقَّبُ تَدَّاوُسَ».

ومع ذلك، لا يزال هناك دلائل على أن هذا الإنجيل قد كُتب بقصد إكمال قصة العهد القديم.¹³⁴ ولعل أبرز ما يميزه بهذا الصدد هو الطريقة الفريدة التي يبدأ بها متى إنجيله بعنوان افتتاحي، متى 1: 1: «كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ». يتبعه سلسلة النسب في متى 1: 2–17.

يشير Davies و Allison إلى أن العبارة الأولى لمتى (Βίβλος γενέσεως) لا تشير إلى بداية سلسلة النسب بقدر ما تشير إلى الكتاب ككل،¹³⁵ وهي الطريقة التي استُخدمت في تكوين 2: 4: «هذِهِ مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ، يَوْمَ عَمِلَ الرَّبُّ الإِلهُ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ»، وتكوين 5: 1: «هذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ، يَوْمَ خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ. عَلَى شَبَهِ اللهِ عَمِلَهُ». فهو لا يشير إلى النسب في حد ذاته، بل التاريخ الأولي لشعب الله.¹³⁶ بالإضافة إلى ذلك، يجادل ديفيز وأليسون بأن المصطلح (γενέσεως) من شأنه أن يقودنا في التفكير في عنوان سفر التكوين في الترجمة السبعينية، فكان سفر التكوين يُطلق عليه (Γένεσις).

ومن ثم، يدفع المرء أن يتساءل عما إذا كان الاستخدام التمهيدي لكلمة (Βίβλος γενέσεως) يدفع قراء متى إلى التفكير في أول سفر في التوراة، ويتوقع القارئ أن إنجيل متى هو سفر تكوين جديد، سفر خاص بتكوين يسوع المسيح.¹³⁷ وبالتالي، فإن العبارة الافتتاحية لإنجيل متى تُفهم على أفضل وجه على أنها سفر التكوين الجديد الذي كتبه يسوع المسيح.¹³⁸

تشير هذه البداية إلى أن متى يكتب عمدًا بأسلوب كتابي. فقد نظر إلى كتابته وأراد من قرائه أن ينظروا إليه على أنه استمرار لقصة التوراة. وهكذا، استطاع Willi Marxsen أن يعلن: “متى بواسطة هذه العبارة يقدم إنجيل متى على أنه سفر التكوين المقدس، قياسًا للعهد القديم”.¹³⁹

إن الحقيقة أن متى يبدو وكأنه يصوغ إنجيله على غرار كتب العهد القديم تؤكدها حقيقة أنه يتحول فورًا إلى سلسلة الأنساب، واضعًا يسوع من قصة بني إسرائيل، مع التركيز بشكل خاص على داود.¹⁴⁰ وسلسلة النسب. وكان هذا بالطبع نوعًا أدبيًا معروفًا في العهد القديم، ويُستخدم كثيرًا لإظهار الكشف التاريخي لعمل الله لفداء شعبه.¹⁴¹ وفي هذا الصدد، فإن أقرب نظير لإنجيل متى هو سفر أخبار الأيام، الذي يبدأ أيضًا بسلسلة نسب تركز على سلسلة نسب داود.¹⁴²

وكان سفر أخبار الأيام يُعتبر بحلول القرن الأول هو السفر الأخير في الشريعة كما جادل بعض الباحثين.¹⁴³ فإن إنجيل متى سيكون بالتأكيد استكمالًا له. إن وجود شريعة للعهد القديم تنتهي بسفر أخبار الأيام كان الغرض من ذلك تذكير اليهود بأن عودة إسرائيل من السبي المذكور في عزرا ونحميا ليس معناه انتهاء القضية. إنها مجرد عودة جسدية وليست روحية، فكانت قلوب الناس لا تزال تحتاج لتغيير.

وظلت إسرائيل في المنفى الروحي.¹⁴⁴ وكانت إسرائيل تتطلع متى سيأتي المسيح ابن داود إلى أورشليم ويجلب الخلاص الكامل لشعبه.¹⁴⁵

وفي الفصل الافتتاحي من إنجيل متى، سيكون من الواضح أنه ينوي أن ينهي هذه القصة، فيكمل ما انتهى به العهد القديم، مع التركيز على داود وخلاص إسرائيل. علاوة على ذلك، فإن الأمر العظيم في نهاية إنجيل متى 28: 18: «فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، 19 فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. 20 وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ».

كل هذا صدى لنهاية سفر أخبار الأيام الثاني 36: 23: «هكَذَا قَالَ كُورَشُ مَلِكُ فَارِسَ: إِنَّ الرَّبَّ إِلهَ السَّمَاءِ قَدْ أَعْطَانِي جَمِيعَ مَمَالِكِ الأَرْضِ، وَهُوَ أَوْصَانِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا فِي أُورُشَلِيمَ الَّتِي فِي يَهُوذَا. مَنْ مِنْكُمْ مِنْ جَمِيعِ شَعْبِهِ، الرَّبُّ إِلهُهُ مَعَهُ وَلْيَصْعَدْ».

مما دفع Greg Beale إلى القول إن متى بنى إنجيله جزئيًا ليعكس بداية ونهاية سفر أخبار الأيام.¹⁴⁶ وبغض النظر عما إذا كان المرء يقبل أن سفر أخبار الأيام الأول هو السفر الأخير في القانونية العبرانية، فإن الروابط بين إنجيل متى وسفر أخبار الأيام لا تزال قائمة في الواقع. وبناءً على هذا الأساس، يستنتج Davies و Allison أن متى اعتبر إنجيله استمرارًا للتاريخ الكتابي، وربما أيضًا تصور عمله أنه ينتمي إلى نفس الفئة الأدبية التي كُتب بها العهد القديم، والتي تناولت أيضًا شخصياته.¹⁴⁷

فمتى كان يرغب بتسجيل خطة خلاص الله الذي طال انتظار شعبه لها. ثانيًا، إن صح التعبير، فلا عجب إذًا أن يكون متى حريصًا كل الحرص على تصوير يسوع كموسى الثاني.

وهذا النمط من موسى موجود في متى عندما كان يسوع رضيعًا، ومع ذلك يتم نجاته في خروج 2: 1–10 ومتى 2: 1–18. ويكرر يسوع الخروج الأصلي من مصر (هوشع 11: 1 ومتى 2: 15). ويحظى يسوع بفترة للخروج للخدمة العلنية في خروج 3: 1 ومتى 2: 23–3: 13. ويبدأ يسوع خدمته عند نهر الأردن في المعمودية (راجع خروج 14 وقارنها بمتى 3: 13–17، قارن أيضًا كورنثوس الأولى 10: 2).

ويسوع مثل موسى يطعم الناس في البرية (قارن بين خروج 16 وعدد 11 ومتى 14: 13–20).¹⁴⁸

ومن الجدير بالملاحظة أن يسوع صعد إلى الجبل في متى 5: 1، وأن موسى صعد إلى الجبل ليتلقى الشريعة في خروج 19: 3، 12–13، 18، والتثنية 1: 24، 41، 43؛ و5: 5، ويوصف أنه جلس هناك في تثنية 9: 9.¹⁴⁹ فلا شك أن هذه الصورة تُصدِّر يسوع في إنجيل متى أنه المخلص الجديد والنهائي برؤية جديدة ومتقنة.

فكان يكتب شريعة ذات سلطان إلهي. وهذا ما دفع Smith وآخرين إلى إعادة النظر إلى تقسيم إنجيل متى إلى خمسة أجزاء تعليمية، ليوازي أسفار موسى الخمسة، باعتباره مقدمًا إنجيله على أنه الوحي النهائي ليسوع.¹⁵⁰

 

 

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

كتابات العهد الجديد الأخرى

على الرغم من أننا لا نستطيع تناول جميع الأسفار المتبقية في العهد الجديد، ولكن سنسلط الضوء على بعض المواضيع الأخرى التي فيها إدراك للوحي والسلطة الرسولية للكاتب أثناء كتابته.

في عبرانيين 2: 1–4: «لِذلِكَ يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ إِلَى مَا سَمِعْنَا لِئَلاَّ نَفُوتَهُ، 2 لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً، وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً، 3 فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟ قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا، 4 شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ».

في رسالة العبرانيين، نجد أن هوية الكاتب سيطرت على كلامه. فبدلًا من اتباع استنتاج أوريجانوس القائل عن العبرانيين: “الله يعلم من كتب هذه الرسالة”،¹⁵² استمر الباحثون في تقديم دراسات وربطها بأبلوس، وبريسكلا، ولوقا. للأسف، أدى هذا إلى إغفال أمر مهم، أن الكاتب يقدم نفسه أنه يعتمد على تقليد رسولي مباشر.

عندما أشار إلى خلاص عظيم، وأن الغرض من هذه الرسالة استكشاف هذا الخلاص، ويشير الكاتب أن رسالة الخلاص أُعلنت أولًا من قبل الرب، وصارت لنا ثابتة من قبل الذين سمعوا وشهدوا آيات وعجائب ومعجزات متنوعة من الروح القدس. فذِكرُه لعبارة “الذين سمعوا”، أي الرسل الذين سمعوا من يسوع مباشرة، والذين أُيِّدت خدمتهم بآيات وعجائب ومظاهر التقوى.

وعمل الروح القدس. ونجد هذا في أعمال 2: 43: «فَصَارَ خَوْفٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ، وَكَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ». وأعمال 4: 30: «بِمَدِّ يَدِكَ لِلشِّفَاءِ، وَلْتُجْرَ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ بِاسْمِ فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ». وأعمال 5: 12: «وَجَرَتْ عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّعْبِ. وَكَانَ الْجَمِيعُ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ فِي رِوَاقِ سُلَيْمَانَ». وأعمال 6: 8، وأعمال 14: 3، وأعمال 15: 12، ورومية 15: 19، وكورنثوس الثانية 12: 12.

وبالمقارنة بلوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ».¹⁵⁶ إن استخدام كلمة ἐβεβαιώθη اليونانية يسلط الضوء على سلطة الرسل، فهم لم يبلغوا الرسالة فحسب، بل أكدوا وأثبتوا وضمنوا الرسالة. فكلمة “إلينا” (εἰς ἡμᾶς)، فالكلمة لا تعني بالضرورة أن الكاتب تلقى هذا التقليد مع الجمهور، ولكن هي لغة مستخدمة من لوقا 1: 2 ويوحنا الأولى 1: 2، ولا تذكر الآيات أن الجمهور تلقى مع الكاتب التسليم.

وهكذا، يصور الكاتب نفسه على أنه في وضع مشابه جدًا لوضع مرقس ولوقا، فيكتب شهادة رسولية موثوقة وينقلها إلى مستمعيه.

ولاحظ Donald Hagner في هذا الصدد أن كاتب العبرانيين يمكن تشبيهه بلوقا.¹⁶¹ وبالمثل، يلاحظ George Buchanan أن الكاتب كان ينقل تقليدًا رسوليًا تلقاه مباشرة من الرسل أنفسهم.¹⁶² وتتأكد الصلة بين الكاتب والدائرة الرسولية من خلال حقيقة أن رفيق كاتب العبرانيين هو تيموثاوس، الذي عرف بولس وسيلا وسافر معهما حسب ما جاء في أعمال الرسل 16: 3، وأعمال 17: 14، ورومية 16: 21، وكورنثوس الأولى 4: 17، وكورنثوس الثانية 1: 19.¹⁶³

إذا كان الأمر هكذا، فإن الكاتب – على الرغم أنه ليس شاهد عيان مباشر ليسوع في حياته – لكن يقدم نفسه أنه كان مساعدًا للرسول، وأنه مشارك في الرسالة الرسولية. وهذا يتناقض مع كُتّاب مثل إغناطيوس،¹⁶⁴ وكليمندس الروماني،¹⁶⁵ الذين يميزون بوضوح بين الفترة الرسولية وفترة حياتهم. إنهم ينظرون إلى خدمة الرسل ولا يقدمونها. لذا، لا ينبغي أن نستعجب أن المسيحيين الأوائل اعتبروا الرسالة للعبرانيين كتابًا رسوليًا. في الواقع، فهم أوريجانوس السفر بهذه الطريقة تحديدًا عندما قال إنه كُتب من قبل شخص كان جزءًا من الدائرة الرسولية، ومن المرجح أنه كان رفيقًا وتلميذًا لبولس نفسه.¹⁶⁶ وهذا من شأنه أن يفسر سبب ارتباط كاتب رسالة العبرانيين ارتباطًا وثيقًا بالرسل في بداية المسيحية المبكرة.

بالإضافة إلى أن الكاتب يقول عن نفسه في هذا السفر إنه يقدم شروط العهد الجديد من خلال المسيح، بنفس الطريقة التي عُرضت بها شروط العهد القديم من خلال موسى في سفر التثنية.¹⁶⁸ في دراسته الحديثة، لم يُظهر David Allen أن رسالة العبرانيين تعتمد على نص وموضوعات سفر التثنية فقط، بل أظهر أيضًا أن أساس بنية الرسالة – التثنية بأكمله من دعوة شعب الله والاختيار بين الحياة والموت – مُعاد تقديمها في رسالة العبرانيين بغرض مسيحي.¹⁶⁹ ونتيجة لذلك، خلص ألين إلى أن الرسالة للعبرانيين لا تستخدم سفر التثنية فقط، بل وصفها أنها تثنية جديد.¹⁷⁰ في جوهرها، تعيد رسالة العبرانيين صياغة سفر التثنية وإعادة تشكيل قصة بني إسرائيل لجيل جديد، وبالتالي أصبحت توراة جديدة.¹⁷¹

وفي رسالة بطرس الثانية 3: 2: «لِتَذْكُرُوا الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا الأَنْبِيَاءُ الْقِدِّيسُونَ، وَوَصِيَّتَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ، وَصِيَّةَ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ».

هذا النص يتجاهله البعض، فالكاتب يطلب من القارئ الخضوع لنبوات الأنبياء ووصية الرب والمخلص من خلال الرسل، وهذا ما يؤكده الكاتب.¹⁷²

أنبياء العهد القديم ورسل العهد الجديد يظهرون كمتساويين كمصدر للوحي والسلطة. فهناك تساوي بين تنبؤات الأنبياء القديسين في النصوص المكتوبة ووصايا الرب من خلال الرسل. ويدعم السياق المباشر هذا، فرسائل بولس يعتبرها الكاتب أنها جزء من القانونية في بطرس الثانية 3: 16: «كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ».

وفي كورنثوس الأولى 14: 37: «فَإِنِ اعْتَبَرَ أَحَدٌ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ صَاحِبَ مَوْهِبَةٍ رُوحِيَّةٍ، فَلْيُدْرِكْ أَنَّ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ إِنَّمَا هُوَ وَصِيَّةُ الرَّبِّ».

بل إن كاتب بطرس الأولى يذكر أنه كتب نصوصًا أخرى، بطرس الثانية 3: 1: «أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، أَنَا الآنَ أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ رِسَالَتِي الثَّانِيَةَ». وإشارة إلى بطرس الأولى 1: 1: «مِنْ بُطْرُسَ، رَسُولِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى الْمُخْتَارِينَ الْمُتَغَرِّبِينَ الْمُشَتَّتِينَ فِي بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَآسِيَةَ وَبِيثِينِيَّةَ».¹⁷⁸

لذلك، اعتبر كاتب رسالة بطرس الثانية النصوص الرسولية المكتوبة سابقًا هي نصوص موثوقة في بطرس الثانية 3: 16، ويقول لقرائه إنه ينبغي أن يخضعوا إليها ولوصاياها في بطرس الثانية 3: 2.

المرجع:

 

 

Were the New Testament Authors Unaware of Their Own Authority? Lee McDonald

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

 

 

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

المقدمة العامة والفهارس

العهد القديم

 

العهد الجديد

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس 

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس 

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس

العهد القديم

 

العهد الجديد

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس

مسابقات في رسالة غلاطية وافسس وفيلبي وكولوسي وتسالونيكي الأولى والثانية PDF (سلسلة مسابقات في سفر)

مسابقات في رسالة غلاطية وافسس وفيلبي وكولوسي وتسالونيكي الأولى والثانية PDF (سلسلة مسابقات في سفر)

مسابقات في رسائل غلاطية وافسس وفيلبى وكولوسي وتسالونيكي الأولى والثانية

مسابقات في رسالة غلاطية وافسس وفيلبي وكولوسي وتسالونيكي الأولى والثانية PDF (سلسلة مسابقات في سفر)

تحميل الكتاب PDF

غلاطية أفسس فيلبي كولوسي (الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية)، دليل الخادم PDF

غلاطية أفسس فيلبي كولوسي (الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية)، دليل الخادم PDF

يتميز كتاب الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية بأنه كتاب فريد، فهو يختلف عن أي مصدر آخر للدراسات الكتابية والعظات في أنه يقدم الأفكار الرئيسية لكل فقرة وموضوع. عندما تختار أي جزء كتابي ستجد ليس فقط الفقرة الكتابية وإنما ستكتشف أنه يوجد لها توضيح للأفكار الرئيسية عدداً بعدد. كمثال سريع، اختر أياً من الموضوعات التالية وانظر الجزء الكتابي المشار إلية فيها، وستجد أن هذا الكتاب يمدك بمعونة مدهشة لاستخدام أسرع وأسهل وأدق.

  • الغلاف: الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية، تفسير العهد الجديد، غلاطية أفسس فيلبي كولوسي، دليل الخادم
  • غلاطية – أفسس – فيلبي – كولوسي، الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية، تفسير العهد الجديد
  • كيف تستخدم هذا الكتاب
  • شكر وتقدير
غلاطية أفسس فيلبي كولوسي (الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية)، دليل الخادم PDF

الرسالة الى غلاطية

  • مقدمة
  • الأفكار الرئيسية
  • القسم الأول: التحية
  • القسم الثاني: برهان إرسالية من الله – وبرهان الرسالة
  • القسم الثالث: البرهان على أن الإنسان يتبرر بالإيمان وحده وليس بالأعمال
  • القسم الرابع: المناشدة الخماسية لكي تتبرر بالإيمان وحده
  • القسم الخامس: حياة المؤمن وسلوكه – حريته وروحانيته

رسالة أفسس

  • مقدمة
  • الأفكار الرئيسية
  • القسم الأول: قصد الله الأزلي للمؤمن المسيحي
  • القسم الثاني: حياة المؤمن المسيحي
  • القسم الثالث: قصد الله الأزلي للمؤمن المسيحي
  • القسم الرابع: سلوك المؤمن المسيحي
  • القسم الخامس: صراع المؤمن المسيحي

رسالة فيلبي

  • مقدمة
  • الأفكار الرئيسية
  • القسم الأول: سمات شعب الله
  • القسم الثاني: خطوات لتحقيق الوحدة
  • القسم الثالث: نماذج لبعض المسيحيين المؤمنين
  • القسم الرابع: سعي المؤمن المسيحي
  • القسم الخامس: سر السلام – سلام الله نفسه
  • القسم السادس: استخدام العلاقات المسيحية الحسنة

رسالة كولوسي

  • مقدمة
  • الإطار العام
  • القسم الأول: أساسات حياة المؤمن
  • القسم الثاني: المسيح الفريد – ابن محبة الله
  • القسم الثالث: احتياجات الكنيسة
  • القسم الرابع: التباين بين المسيح والتعاليم الزائفة
  • القسم الخامس: التزامات حياة المؤمن الجديدة – شخصية عظيمة
  • القسم السادس: مسؤوليات المؤمن
  • القسم السابع: الختام – نموذج بعض المسيحيين المؤمنين الأبطال

غلاطية أفسس فيلبي كولوسي (الأفكار الرئيسية للعظات الكتابية)، دليل الخادم PDF

الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية (2) مفهوم الإيمان

الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية (2) مفهوم الإيمان

الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية (2) مفهوم الإيمان

الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية (2) مفهوم الإيمان

د. موريس تاوضروس

 

تحدثنا فيما سبق عن التبرير، وربطنا بين التبرير والحياة الروحية وقلنا إن التبرير هو الحياة الجديدة، هو الميلاد الثاني الذي نناله بالمعمودية. وكما ربطنا بين التبرير والحياة الروحية ارتباطًا جوهريًا، هكذا يرتبط الإيمان بالحياة الروحية، ارتباطًا جوهريًا. فالإيمان ليس مجرد عقيدة نظرية، ولكنه حياة وسلوك ولا يمكن أن نفصل في الإيمان بين الإيمان النظري والإيمان العملي، لأن الإيمان على الدوام هو إيمان عامل بالمحبة.

الناس يخطئون عندما يربطون مفهوم الإيمان بالعقل فقط فيجعلون من الإيمان إيمان العقل فقط. الإيمان في حقيقته عمل مركب عمل يشترك فيه العقل وتشترك فيه الإرادة. عمل تشترك فيه كل قوى الإنسان. في الإيمان نعقل ونشعر ونريد ونسلك ونحيا.

عندما يقول الرسول بولس « بالإيمان نتبرر وليس بأعمال الناموس ». فإن الإيمان الذي يتكلم عنه هنا، هو هذا الإيمان الذي يشتمل على العناصر التالية:

يشتمل الإيمان على عمل العقل: العقل الذي يثق بدون تحفظ في كلمة الله، لأن الله غير قابل لأن ينخدع أو يخدع. يقول الرسول بولس: « من أجل ذلك، نحن أيضًا نشكر الله بلا انقطاع لأنكم إذ تسلمتم منا كلمة خَبَرٍ من الله قبلتموها لا ككلمة أناس، بل كما هى بالحقيقة ككلمة الله التي تعمل أيضًا فيكم أنتم المؤمنين » (اتس13:2).

وعنصر العقل يظهر أيضًا عندما يقول الرسول بولس « ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله بل تقوى بالإيمان معطيًا مجدًا لله » على أن الرسول بولس في موضع آخر يربط بين الإيمان والقلب فيقول « لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت » (رو9:10).

ارتباط الإيمان بالقلب يوضح أن الإيمان ليس عملاً عقليًا فقط ولا يرتبط فقط بعنصر العقل في الإنسان، لأن القلب في العهد الجديد يغطي النشاط العقلي والأخلاقي بأكمله. ويُستخدم القلب مجازيًا في العهد الجديد عن المنابع الخفية للحياة الشخصية. الإيمان بالقلب يعني الإيمان المرتبط بالعزم كما قيل في سفر الأعمال « وعظ الجميع أن يثبتوا في الرب بعزم القلب » (أع23:11).

ويعني أيضًا الإيمان المرتبط بالإرادة، كما قيل في الرسالة إلى رومية « ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها » (رو17:6)، وكما قيل في رسالة أفسس « عاملين مشيئة الله من القلب » (أف6:6)، أو كما قيل في الرسالة إلى كولوسي « وكل ما فعلتم فاعملوا من القلب كما للرب ليس للناس » (كو23:3).

الإيمان بالمسيح يعني قبول المسيح وقبول وصاياه وتعاليمه والسير بموجب هذه الوصايا والتعاليم، أى يحمل الإيمان معنى التسليم للمسيح والخضوع له، وما يترتب على هذا الخضوع والتسليم معه ثمار روحية. يقول الرسول يوحنا « وأما الذي قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنين باسمه » (يو12:1).

ولذلك ارتبط الحديث عن الإيمان عند الرسول بولس بالحديث عن طاعة الإيمان حيث يقول « الذي به لأجل اسمه قبلنا نعمة ورسالة لإطاعة الإيمان في جميع الأمم » (رو5:1). « حسب أمر الإله الأزلي لإطاعة الإيمان » (رو26:16) « لأجل إطاعة الأمم بالقول والفعل » (رو18:15). وطاعة الإيمان تعني العمل بحسب مطالب الإيمان كما يقول الرسول « فشكرًا لله أنكم كنتم عبيدًا للخطية ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها » (رو17:16).

فالطاعة عامل جوهري في الإيمان، وبدونها لا يمكن للإيمان أن يحقق هدفه ويبلغ غايته. فالإيمان يتطلب الخضوع لإرادة الله وتنفيذ وصاياه. هذا هو الإيمان الذي يتحدث عنه الرسول بولس « الإيمان العامل بالمحبة ». هذا هو الإيمان الذي يعمل تحت دافع المحبة وإلاّ يفقد قيمته. هذا هو الإيمان الذي يبرر.

ولا ننسى أن كلمة إيمان pistis مشتقة من الفعل peithein بمعنى يُقنع أو يحاول أن يقنع. فمنهح الإيمان مبني على الإقناع لا يلزم ولا يجبر أحدًا. فإن أؤمن تعني: أن أثق بـ ، أن أأتمن، أن أستأمن، كما يقول الرسول « أؤتمنت على إنجيل الغرلة » (غلا7:2). أن أؤمن بالمسيح تعني أيضًا أن المسيح إستأمني على رسالة. ليس فقط أن أصدق رسالته بل أن أكون أمينًا عليها. ولذلك أشار الرسول يوحنا إلى الذين آمنوا بالمسيح ولكنهم لم يكونوا أمناء، فقال عنهم الرسول يوحنا « آمن كثيرون باسمه إذ رأوا الآيات التي صنع لكن يسوع لم يأتمنهم على نفسه لأنه كان يعرف الجميع » (يو24:3). هؤلاء آمنوا ولكنهم لم يكونوا أمناء. وفي الإنجيل للقديس لوقا يقول « فإن لم تكونوا أمناء في مال الظلم فمَن يأتمنكم على الحق. وإن لم تكونوا أمناء في ما هو للغير فمَن يعطيكم ما هو لكم » (لو11:16ـ12). فالإيمان يرتبط جوهريًا بالسلوك، ولذلك يقول الرسول بولس « لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان » (2تي14:3).

 

الإيمان والتبرير

الحديث عن التبرير بالإيمان، تناوله الرسول بولس في رسالتيه إلى رومية وإلى غلاطية: (رو28:3): « إذًا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس » (غل16:2): « الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح ».

في كلتا الرسالتين يوضح الرسول بولس أن الانتقال من حالة الخطيئة التي ورثناها عن آدم، إلى حالة التبرير، لا تتم بالالتزام بأعمال الناموس الموسوى بل بالإيمان بالمسيح يسوع. وبلا شك فإن الحديث هنا يدور حول الناموس الموسوى، غير أن بعض المفسرين الكاثوليك، سواء من القدامى أو الحديثين، اعتقدوا أن الرسول بولس يتكلم هنا فقط عن الناموس الطقسي، مثل حفظ السبت وتقديم الذبائح، وليس عن الناموس الأخلاقي. وهذا بلا شك له تأثير على مفهوم الخلاص عند الكاثوليك. ولكن من الواضح أن الرسول بولس هنا يتحدث عن الناموس الموسوى بأكمله لأنه يضعه في مقابل الإيمان. وإذا أخذنا برأي الكاثوليك بأن الرسول بولس ينحصر كلامه هنا فقط في الناموس الطقسي، فهل معنى ذلك أن الأخلاق (الناموس الأخلاقي) بدون الناموس يمكن أن يبرر؟ أليس معنى ذلك أيضًا أن طريق الخلاص لا يقتصر فقط على الإيمان بالمسيح، وأن المسيح لم يعد هو الطريق الأوحد للخلاص؟ وهل يمكن أن نربط بين هذا التفكير وبين ما يقوله بعض اللاهوتيين الكاثوليك المحدثين، من أن غير المؤمن يمكن عن طريق الالتزام بالناموس الطبيعي أن ينفتح له طريق الخلاص؟[1].

كذلك فإن التفسير البروتستانتي لهذه المقاطع يبنى على فهم غير سليم لمعنى الإيمان وصلته بالتبرير. فالبروتستانت ـ كما ذكرنا ـ يفسرون التبرير على أنه مجرد حكم قضائي يبرر الإنسان دون أن يصير المؤمن بارًا بالحقيقة، فقط ” يحسب له بر المسيح “. وهذا الفهم لا يتلاءم مع استعمال الفعل (dikaiousthai) “يتبرر” الذي ورد في النصين السابقين (رو28:3، غل16:2) وهو موضوع في صيغة المبني للمجهول.

إن الرسول بولس لم يقل إن الإنسان يتبرر بالله نظرًا إلى الإيمان (in view of) فالنص اليوناني الذي يستعمله الرسول بولس ليس هو ” dia pisten ” الذي يعني: من أجل الإيمان، أو بسبب الإيمان أو نظرًا إلى الإيمان “. ولو استعمل الرسول هذه الصياغة لكان من الممكن أن نأخذ بالفهم البروتستانتي أن التبرير هو مجرد إعلان بر المؤمن. إن الرسول بولس يقول: إن المؤمن يتبرر بالإيمان (pistei) أو (dia pistews) وهو ما يعني “حالة القابل” التي تعبّر عن الأداة (instrumental)، ولا يتفق هذا مطلقًا مع القول بأن المؤمن تعلن براءته بالإيمان، وأن الإيمان ـ كما يقول البروتستانت، ليس هو أداة التبرير، بل هو مجرد شرط للتبرير.

يقول البروتستانت في فهمهم للإيمان الذي يبرر:

الإيمان هو شرط التبرير وليس بسبب استحقاق التبرير. ولو كان الأمر كذلك فسيعتبر الإيمان عمل استحقاق للإنسان. فليس من أجل الإيمان نتبرر بل بالإيمان. والإيمان ليس ثمن التبرير ولكنه وسيلة التواؤم معه[2].

ويقولون أيضًا:

” إن الذين يدعوهم دعوة كافية هؤلاء يبررهم أيضًا مجانًا، لا يجعله برًا فيهم، بل بغفرانه خطاياهم ويّعده (=بحسبانه) إياهم أبرارًا وبقوله لهم، لا لأمر قد فعلوه، أو لما فعل فيهم، بل لأجل المسيح فقط. ولا لحسبانه الإيمان نفسه لهم ولا الفعل العقلي الذي يقوم به الإيمان … بل بحسبانه لهم طاعة المسيح وإيفاءه، وهم يقبلونه ويستندون عليه وعلى بره بالإيمان، وذلك الإيمان ليس منهم بل إنما هو عطية الله “.

” أجمع البروتستانت على أن الإيمان مجرد آلة ننال بواسطتها التبرير لأنه قبول المسيح والإتكال عليه، وليس هو سبب التبرير أو علته بهذا المعنى. ومنطوق الكتاب على الدوام هو أننا نتبرر بالإيمان أى بواسطته، وهو ينسب تبريرنا دائمًا إلى نوالنا فوائد عمل المسيح بالإيمان. لذلك ليس لإيماننا صفة الاستحقاق في حد ذاته بل هو شرط نوالنا استحقاق المسيح “.

” وإذا فرض المحال وقلنا إن الإيمان يستحق الثواب، فلا يتم بالإيمان إيفاء مطاليب الشريعة التي تحيط بالبر الكامل لتبرير الخاطئ، وإنما كان للإيمان هذه القوة باعتبار أنه واسطة للتبرير لأن به يتم إتحاد المؤمن بالمسيح وهو شرط نواله فوائد موت المسيح، كما أن قبول الهبة شرط لنوالها. فالخلاص لنا مجانًا على شرط قبولنا إياه بالإيمان. وفوائد الفداء ممنوعة عنا إلاّ بشرط قبولنا إياها كذلك، حتى لا يصح القول إن الإيمان يخلّصنا بل هو رابطة بها نلتصق بمَن يخلّص أى المسيح، وهو كحلقة تنشأ بها العلاقة الضرورية بين المؤمن والمسيح، والتبرير ينشأ حال وجود الإيمان في قلب المؤمن ويتم إلى الأبد ولا يتوقف على كون الإيمان قويًا أو ضعيفًا بل على كونه إيمانًا حقيقيًا. غير أن الإيمان القوي يولد الثقة واليقين في قلب المؤمن “.

” إن الكتاب لم يقل قط إننا متبررون بسبب إيماننا بل يقول دائمًا إننا نتبرر بواسطة الإيمان. ولم يقل قط إن الإيمان أساس لتبرير بل أننا نخلص بالإيمان بقبولنا المسيح واتكالنا عليه وحده للخلاص. والذي نقبله هو خارج عنا وهو المسيح وبره وطاعته واستحقاق دمه وموته، فإننا نراه ونهرب إليه ونتمسك به ونستتر بظله ونلبس بره “[3].

نعود فنقول: إن الرسول بولس يتحدث عن عمل الإيمان الذي ينتج التبرير. ولكن لكي يكون لهذا الإيمان فاعلية، فلابد أن الرسول بولس يضع أمامه الإنجيل، الذي منه يستمد هذا الإيمان فاعليته وقوته. ومن العبث ما يذهب إليه بعض البروتستانت من أن الإيمان ليس عملاً ويحاولون أن يجردوا الإيمان من أى معنى أخلاقي: وهنا يمكن أن نوجه التساؤل إلى البروتستانت:

إذا جردنا الإيمان عن فاعليته وعن معناه الأخلاقي، فكيف سيكون للإيمان دور في تجديد الإنسان، وكيف سيكون قادرًا على تمجيد الله؟

دعنا نعود الآن إلى صياغات الرسول نفسه. في الرسالة إلى رومية يقول « إن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس » (رو18:3). والهدف من هذه العبارة، وكذلك فإن صياغتها ونظام تكوينها يجعل التشديد واقعًا على الكلمات الأخيرة منها التي تنتهي بنا إلى افتراضين: ” الإنسان يتبرر بدون أعمال الناموس ومستقلاً عنها ” وهذا هو الاقتراح الرئيسي. ” الإنسان يتبرر بالإيمان ” وهذا هو الاقتراح العرضي.

ومن الملاحظ هنا أن الرسول لم ينشغل بأعمال الناموس بعد التبرير، ولكن على العكس، يلاحظ أن ما يُهم المتهورين هو التبرير الأول أى المرور من حالة الخطية إلى حالة النعمة. إن أعمال الناموس ليست هى العلة ولا الشرط لهذا الانتقال. وما يقال عن أعمال الناموس يقال بالأحرى عن الأعمال الطبيعية التي تمت قبل التبرير. ونلاحظ أيضًا أن الرسول بولس لم يقل إن الإيمان هو العامل الوحيد المطلوب، ذلك لأن الأمر يتطلب ـ إلى جانب الإيمان ـ التوبة بالنسبة لأعمال الماضي، وقبول إرادة الله بالنسبة إلى المستقبل.

أما بالنسبة إلى النص الثاني الذي ورد في رسالة غلاطية، فقد قال الرسول: « الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح » (غل16:2). أما إذا فسرنا هذا القول بأن الرسول يريد أن يقول إن الإنسان لا يتبرر فقط بأعمال الناموس، بل بأعمال الناموس مرتبطة بالإيمان، فإن هذا يناقض تعليمه، بل هذا هو الذي قاومه عندما حاول بعض المؤمنين الذين كانوا أصلاً من اليهود، أن يحتفظوا ببعض الأمور الخاصة باليهود كالختان وكانوا يطلبون من الأمميين أن يختتنوا. وهكذا يمكن أن نقول إن تفسير هذه العبارة هو كالآتي: ” إن الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس. إنه يتبرر فقط بالإيمان “. وليس هناك اختلاف إذا فهمنا بكلمة الإيمان هنا ” الإيمان الذي أسسه الرب يسوع (باعتباره هو رئيس الإيمان) أو الإيمان الذي يكون موضوعه هو المسيح نفسه، أى إيمان بالمسيح، بشخصه وتعاليمه. وفي كلتا الحالتين، فهذا يُمثل خُلاصة أو جملة الإعلان المسيحي من حيث الحديث عن إنجيل المسيح في مواجهة مع الناموس الموسوي. إن الأمر يختص هنا بالأعمال التي تسبق التبرير، وبالتأكيد على أن ضرورة الإيمان للتبرر لا تعني عدم الحاجة إلى العوامل الأخرى المطلوبة.

 

البراهين على التبرير بالإيمان مستقلاً عن أعمال الناموس

هناك ثلاثة براهين:

1 ـ برهان الواقع أو الخبرة

2 ـ البرهان اللاهوتي

3 ـ البرهان الكتابي

 

1 ـ برهان الواقع أو الخبرة:

إن الغلاطيين باعتبارهم كانوا من أصل أممي وآمنوا بالمسيح، ليس لهم خبرة بالناموس الموسوي. وعلى ذلك، فمن المستحيل أن تكون أعمال الناموس قد أثرت في تبريرهم بأي صورة ما، سواء كسبب أو كشرط جوهري أو كتبرير سابق. ولقد نالوا التبرير الحقيقي بواسطة المعمودية وحصلوا على هبة الروح القدس الذي أظهر ذاته فيهم بعلامات عجيبة مثل المواهب واستمر يؤكد وجوده بمعجزات مرئية. فليس من حق أحد أن يعترض، كما يُحتمل أن يكون قد اعترض مؤمنوا غلاطية الذين كانوا من أصل يهودي، وقالوا بأن التبرير الذي يتم بالإيمان يحتاج إلى أن يكمل ذاته بواسطة أعمال الناموس، وذلك لأن الذي منح التبرير قادر أن يحفظه ويكمله بدون حاجة لأي مساعدة خارجية، وأنه لمن السخف أن الذي بدأ بالروح يكمل بالجسد.

فلا يمكن للغلاطيين أن يتنكروا لأهمية الفداء الذي تم بموت المسيح وقيامته. وربما يرجع خطأهم إلى أنهم تعرضوا للتضليل من بعض المبتدعين، ومن أجل هذا قال لهم الرسول « أيها الغلاطيون الأغبياء، مَن رقاكم حتى لا تذعنوا للحق، أنتم الذين أمام عيونكم قد رسم يسوع المسيح بينكم مصلوبًا. أريد أن أتعلم منكم هذا فقط، أبأعمال الناموس أخذتم الروح أم بخبر الإيمان. أهكذا أنتم أغبياء. أبعدما ابتدأتم بالروح تكملون الآن بالجسد. أهذا المقدار احتملتم عبثًا إن كان عبثًا. فالذي يمنحكم الروح ويعمل قوات فيكم أبأعمال الناموس أم بخبر الإيمان » (غلا1:3ـ5).

إن الحديث عن الحاجة إلى أعمال الناموس لاستكمال عمل الفداء هو إنكار لقيمة دم المسيح وكفايته في تحقيق خلاص البشرية.

 

2 ـ البرهان اللاهوتي:

يقوم البرهان اللاهوتي عند الرسول بولس على فرضين مقنعين، وقد كرر ذكرهما في رسائله تحت صور مختلفة. التبرير هبة مجانية لا يستحقها الإنسان ولا يمكن أن يستحقها، وليس للإنسان الحق في أن يفتخر أمام الله، وإذا افتخر، فليكن افتخاره بالبركات الروحية التي حصل عليها. وهذان الفرضان يذكرهما الرسول بولس معًا في عبارة قصيرة في رسالته إلى أفسس « لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطية الله » (غلا8:2ـ9). ويكرر بولس الرسول هذا التعليم في مواضع أخرى من رسائله، فهو يقول في رسالته الأولى إلى كورنثوس « لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه. ومنه أنتم بالمسيح يسوع الذي صار لنا حكمة من الله وبرًا وقداسة وفداء. حتى كما هو مكتوب، من افتخر فليفتخر بالرب » (1كو29:1)، « فأين الافتخار قد انتفى. بأي ناموس. أبناموس الأعمال. كلا بل بناموس الإيمان » (رو27:3).

وفي الإصحاح الرابع من رسالته إلى رومية، أكد الرسول بولس نفس التعليم فقال:  « إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر ولكن ليس لدى الله. لأنه ماذا يقول الكتاب فآمن إبراهيم بالله فحسب له برًا … الذي لا يعمل ولكن يؤمن بالذي يبرر الفاجر فإيمانه يحسب له برًا. كما يقول داود أيضًا في تطويب الإنسان الذي يحسب له الله برًا بدون أعمال. طوبى للذي غفرت آثامهم وسترت خطاياهم. طوبى للرجل الذي لا يحسب له الرب خطية. أفهذا التطويب هو على الختان فقط أم على الغرلة أيضًا، لأننا نقول إنه حسب لإبراهيم الإيمان برًا » (رو1:4ـ9).

إن التبرير بالإيمان هو عمل مجاني؛ لأنه إذا كان الإيمان هو هبة من الله، فإن كل الأعمال العظيمة التي يثمرها هذا الإيمان هى من الله. إن عمل الإيمان يفترض أساسًا الدعوة الإلهية التي تتم في الوقت المناسب. وحيث إن هذين الأمرين (الدعوة الإلهية، ووقتها المناسب) يعتمدان بوجه مطلق على مسرة الله، فإن أسبقية النعمة ـ من ناحية وجودها ـ لا يمكن إنكارها. والرب على الدوام يبدأ العمل الخاص بخلاص الإنسان قبل أن يبدأه الإنسان نفسه. وعلى عكس ذلك، فإن التبرير الذي ينتج عن أعمال الناموس، أو في تعميم أكثر، الأعمال التي تتم قبل الإيمان (على افتراض أن هذا يمكن أن يحدث) سوف يكون نتيجة عمل الإنسان وينسب إليه، كما ينسب الأجر إلى العامل، ويمكنه أن يفخر به كحق يملكه، وينطبق عليه ما قيل عن إبراهيم « إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر ولكن ليس لدى الله … ولا تحسب له الأجرة على سبيل نعمة بل على سبيل دين ». على أن ضرورة الإيمان وضرورة الأعمال الأخرى اللازمة للتبرير ـ كما أشرنا سابقًا ـ لا تنفي القول بمجانية التبرير، تمامًا كما في حالة المتسول، فإن مد يده لطلب المساعدة، لا تضعف من اعتبار الصدقة التي تقدم له تعبر عن عمل حر من قبل المعطى حتى وإن كان مد اليد من قبل الرجل الفقير شرطًا أساسيًا للحصول على هذه الصدقة. ولكن هناك هذا الفرق، أن اليد الممدودة من المتسول هى يده، بينما أن عمل الإيمان هو هبة من الله.

 

3 ـ البرهان الكتابي:

يستند البرهان الكتابي إلى تاريخ إبراهيم، كما يشير إليه الرسول بولس في (رو10:4ـ25، غلا7:3ـ14).

إن إبراهيم تبرر وأعلن عن أبوته للمؤمنين، قبل ختانه. وهذا يعني أولاً أنه ليس هناك رابطة ضرورية بين الختان والتبرير، وأنه من الممكن للمرء أن يتبرر دون أن يختتن، ويعني ثانيًا أن أبوة إبراهيم كانت مكافأة لإيمانه وغير مرتبطة بختانه، وهذا يمكن أن يمتد إلى الأمميين الذين يقلدون إيمان إبراهيم. على أن ما أخذه إبراهيم لم يأخذه من الناموس ولكن من الموعد، ليس من الجسد بل من الروح. إنه ليس امتياز الجنس. ولكنه امتياز لكل المؤمنين.

أما أن إبراهيم قد تبرر قبل الختان، فهذا ما يمكن أن نستدل عليه تاريخيًا. في الإصحاح الخامس عشر من سفر التكوين قيل عن إبراهيم أنه آمن بالله وحسب له هذا الإيمان برًا. وفي الإصحاح السابع عشر أُشير إلى ختان إبراهيم. إن التبرير جاء أولاً ثم بعد ذلك الختان كعلامة حسية لبر الإيمان.

ويسجل الرسول بولس هذه الحقيقة التاريخية، فيقول في الإصحاح الرابع من الرسالة إلى رومية: « لأننا نقول إنه حسب لإبراهيم الإيمان برًا. فكيف حسب أوهو في الختان أم في الغرلة. ليس في الختان بل في الغرلة وأخذ علامة الختان ختمًا لبر الإيمان الذي كان في الغرلة ليكون أبًا لجميع الذين يؤمنون وهم في الغرلة كي يحسب لهم أيضًا البر، وأبًا للختان للذين ليسوا من الختان فقط بل أيضًا يسلكون في خطوات إيمان أبينا إبراهيم الذي كان وهو في الغرلة. فإنه ليس بالناموس كان الوعد لإبراهيم أو لنسله أن يكون وارثًا للعالم بل ببر الإيمان. لأنه إن كان الذين من الناموس هم ورثة فقد تعطّل الإيمان وبطل الوعد. لأن الناموس ينشئ غضبًا إذ حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعدِ. لهذا هو من الإيمان كي يكون على سبيل نعمة ليكون الوعد وطيدًا لجميع النسل ليس لمن هو من الناموس فقط بل أيضًا لمن هو من إيمان إبراهيم الذي هو أب لجميعنا » (رو9:4ـ17). وجاء أيضًا في الرسالة إلى غلاطية « فالذي يمنحكم الروح ويعمل قوات فيكم أبأعمال الناموس أم بخبر الإيمان. كما آمن إبراهيم بالله فحسب له برًا. فاعلموا إذًا أن الذين هم من الإيمان أولئك هم بنو إبراهيم. والكتاب إذ سبق فرأى أن الله بالإيمان يبرر الأمم سبق فبشر إبراهيم أن فيك تتبارك جميع الأمم. إذًا الذين هم من الإيمان يتباركون مع إبراهيم المؤمن، لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة، لأنه مكتوب ملعون كل مَن لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به. ولكن أن ليس أحد يتبرر بالناموس عند الله فظاهر لأن البار بالإيمان يحيا. ولكن الناموس ليس من الإيمان بل الإنسان الذي سيحيا بها … لتصير بركة إبراهيم للأمم في المسيح يسوع لننال بالإيمان موعد الروح … ليس أحد يبطل عهدًا قد تمكن ولو من إنسان أو يزيد عليه. وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد، وفي نسلك الذي هو المسيح. وإنما أقول هذا إن الناموس الذي صار بعد أربعمائة وثلاثين، لا ينسخ عهدًا قد سبق فتمكن من الله نحو المسيح حتى يُبطل الموعد. وأنه إن كانت الوراثة من الناموس فلم تكن أيضًا من موعد ولكن الله وهبها لإبراهيم بموعد » (غل5:3ـ19).

1 انظر كتابنا في علم اللاهوت العقيدي (الجزء الخامس)، وكذلك انظر كتبانا عن ” أغناطيوس حامل الإله ” في الأجزاء الخاصة بالخلاص.

2 هنري ثيسن، محاضرات في علم اللاهوت النظامي، ترجمة دكتور فريد فؤاد عبد الملك، دار الثقافة سنة 1987، ص470.

3 علم اللاهوت النظامي، دار الثقافة سنة 1971، الباب الرابع عشر في التبرير والتبني.

الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية (2) مفهوم الإيمان

الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية

الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية

الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية

الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية

3 ـ  بين الرسول بولس والرسول يعقوب

د. موريس تاوضروس

 

            يبدو عند المقارنة بين تعليم الرسول بولس وتعاليم الرسول يعقوب عن الإيمان كما لو أن هناك شيئًا من التناقض بينهما. يقول الرسول بولس: ” الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس ” (رو28:3). ويقول أيضًا ” الإنسان لا يتبرر بأعمال الناموس بل بإيمان يسوع المسيح ” (غلا16:2). وأما الرسول يعقوب فيقول ” ترون إذًا أنه بالأعمال يتبرر الإنسان لا بالإيمان وحده ” (يع24:2). ومن ناحية أخرى فإن كلا الرسولين يقيم تعليمه على نفس الأساس الكتابي وعلى نفس النص، كما جاء في سفر التكوين ” فآمن إبراهيم بالرب فحسب له برًا ” (تك6:15).

          وفي تعليق الرسول بولس على هذا النص يقول ” لأنه إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر ولكن ليس لدى الله ” (رو2:4).

          وأما الرسول يعقوب فيعلّق على نفس النص ويقول: ” ألم يتبرر إبراهيم أبونا بالأعمال إذ قدم اسحق ابنه على المذبح، فنرى أن الإيمان عمل مع أعماله، وبالأعمال أكمل الإيمان ” (يع21:2ـ22).

          أليس في هذا عدم توافق بين الرأيين؟ بل أليس في هذا تناقض بين الرأيين؟

          وقد أكد لوثر وجود تناقض بين الرسالتين واعتبر رسالة يعقوب رسالة ضحلة، لا تتضمن مادة تليق بالسيد المسيح. ولكننا نقول إن الفحص الدقيق لعبارات الرسولين بولس ويعقوب يوضح لنا أن الرسولين وإن كانا يستعملان نفس الكلمات، إلاّ أنهما لا يتكلمان على نفس الشئ. إن الإيمان الذي يتكلم عنه الرسول بولس هو إيمان حقيقي غير معنوي، فاعل، يأخذ من المحبة دافعه ونموذجه؛ أما الإيمان الذي يقول به الرسول يعقوب فهو تسليم (مصادفة) بسيط للعقل شبه بهذا الإيمان الذي تأخذه الشياطين بالنسبة للحقائق الواضحة ” أنت تؤمن أن الله واحد حسنًا تفعل، والشياطين يؤمنون ويقشعرون ” (يع19:2) (أى أنت تؤمن أن الله واحد، ولكن هذا لا يكفي، فالشياطين يؤمنون ويقشعرون).

ومن الواضح أن هذا العمل، الذي هو بالضرورة عمل عقلي خالص، لا يمكن أن يعمل على تبرير الإنسان. إن الأعمال التي يتكلم عنها الرسول بولس هى الأعمال التي تسبق الإيمان والتبرير، وبالذات أعمال الناموس التي هى موضع النقاش مع اليهود، أما الأعمال التي يتكلم عنها الرسول يعقوب فهى الأعمال التي تتبع الإيمان والتبرير، حيث أنه هنا يخاطب المسيحيين الذين لهم إمكانيات الحياة فوق الطبيعة. إن التبرير الذي يتكلم عنه الرسول بولس هو التبرير الأول أى الانتقال من حالة الخطية إلى حالة القداسة، بينما التبرير الذي يتكلم عنه الرسول يعقوب هو النمو في حالة البر، النمو المطرد للحياة المسيحية. وفي كلمات مختصرة، فإن الرسول بولس يضع نفسه قبل حالة تبرير الإنسان، وأما الرسول يعقوب فيضع نفسه في حالة ما بعد تبرير الإنسان. الأول يتكلم عن الإيمان الحيّ، والرسول يعقوب يتكلم عن الإيمان المائت غير الفاعل. الرسول يتكلم لغير المؤمنين، موضحًا أنه بدون إيمان لا يمكن نوال حالة التبرير، بينما يتكلم الرسول يعقوب للمؤمن موضحًا له أن أعماله يجب أن تتلائم وتنسجم مع إيمانه، لأن الإيمان بمفرده ليس كافيًا.

          إن تعليم الرسول بولس ينبع من عمق فكره اللاهوتي، فهو يتجاوز مدركات العقل العادي. إنه من السهل أن يساء فهم تعاليم الرسول بولس وتفسيرها تفسيرًا مضادًا لما هو يقصده، وبذلك لا تتحقق الحياة الروحية الفاضلة التي قصدها الرسول بولس. وأحيانًا كان يحتج الرسول بولس نفسه بسبب فهم تعاليمه فهمًا خاطئًا. ولعله يمكن أن نقول إن الرسول يعقوب، وهو يلاحظ كيف أساء البعض فهم تعاليم الرسول بولس فظنوا أنه لا يقيم وزنًا للأفعال ويسقط قيمة العمل البشري في الحصول على التبرير، لعله أراد أن يصحح الفهم الخاطئ لتعاليم الرسول بولس، فأظهر قيمة الأفعال، وبين أن الإيمان بدون أفعال يعتبر ميتًا. والخلاصة أن الرسول يعقوب لم يكتب تعليمًا مضادًا لتعاليم الرسول بولس ولكنه كتب ضد هؤلاء الذين يفهمون هذه التعاليم فهمًا خاطئًا. وعلى ذلك يمكن بلورة مفهوم التبرير عند الرسول بولس على النحو التالي[1]:

          وردت كلمة “البر” عند الرسول بولس 65 مرة بينها 35 مرة في رسالة رومية وحدها، ومرة واحدة في الرسالة الأولى إلى كورنثوس وفي الرسالة الأولى إلى تيموثاوس وفي الرسالة إلى تيطس. ووردت 7 مرات في الرسالة الثانية إلى كورنثوس، وأربع مرات في رسالة غلاطية، و3 مرات في رسالة أفسس، وأربع مرات في رسالة فيلبي و 3 مرات في الرسالة الثانية إلى تيموثيؤس، وست مرات في رسالة العبرانيين.

          وأما كلمة “يبرر” فقد وردت 14 مرة في رسالة رومية، و 8 مرات في رسالة غلاطية، ومرتين في الرسالة الأولى إلى كورنثوس، ومرة في الرسالة الأولى إلى تيموثيؤس، ومرة واحدة في رسالة تيطس.

          ووردت الكلمة كصفة “بار” 7 مرات في رسالة رومية، ومرة واحدة في رسالة غلاطية ومرة في رسالة أفسس، ومرتين في رسالة فيلبي، ومرة في رسالة كولوسي، ومرتين في رسالة تسالونيكي الثانية، ومرة واحدة في الرسالة الأولى إلى تيموثيؤس ومرة في الرسالة الثانية إلى تيموثيؤس، ومرة في رسالة تيطس، وثلاث مرات في رسالة العبرانيين.

          وهكذا يمكن القول إن هذه الكلمة (سواء كاسم أو فعل أو صفة) هى من الكلمات الكثيرة الاستعمال في رسائل بولس الرسول، وهى تمثل واحدة من أهم الموضوعات اللاهوتية.

          ولعل مفهوم كلمة “بر” dikaiosyny يبدو في الكلمات الموازية لها في المعنى، وكذلك في الكلمات المضادة لها. ومن الكلمات المضادة في المعنى كلمة “فجور” asebeia وكلمة اثم adikia والكلمات ظلم وخطية amartia وموت thanatos و نجاسة akarthia وتعدي الناموس anomia. وأما بالنسبة للكلمات الموازية لكلمة “بر” نذكر “ملكوت الله” و “قداسة” و “تعفف” و “سلام” و “فرح” و “حكمة” و “صلاح” و “حق” و “تقوى” و “إيمان” و “محبة” و “صبر” و “وداعة”.

          وهكذا يبدو أن الكلمة لها جانبان واضحان، فهى من ناحية مفهوم ثيولوجي للخلاص، ومن ناحية أخرى تعبّر عن مفهوم للسلوك الأخلاقي القويم.

          وبالنسبة للرسول بولس، فإن كلمة “بر” تقف في مركز الحدث الخلاصي الذي تحقق في التاريخ بموت المسيح وقيامته، ولا يجيء البر ثمرة للناموس أو ثمرة لتنفيذ وصاياه، كما هو في الفكر اليهودي، ولكن التبرير هبة من الله، هبة الذبيحة المقدمة على الصليب لفدائنا وغفران خطايانا ” إن كان بالناموس بر فالمسيح مات بلا سبب ” (غلا21:2).

          وهكذا يبدو واضحًا أن مفهوم التبرير عند الرسول بولس، يقوم على الإيمان وليس على تنفيذ وصايا الناموس ” لأنه لو أُعطى ناموس قادر أن يحيي لكان بالحقيقة البر بالناموس، لكن الكتاب أغلق على الكل تحت الخطية ليعطي الموعد من إيمان يسوع المسيح للذين يؤمنون .. لكي نتبرر بالإيمان ” (غلا21:3ـ24).

          على أن عطية البر التي توهب للمؤمنين تتطلب عملاً وفعلاً من قبل المؤمن ” ولا تقدموا أعضاءكم آلات اثم للخطية بل قدموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات وأعضاءكم آلات بر لله ” (رو12:6ـ23). إن هبة التبرير (رو17:5) تحدث تغييرًا في المؤمن وتنقله إلى حالة جديدة وإلى علاقة جديدة من الطاعة نحو الله ” وإذ أُعتقتم من الخطية صرتم عبيدًا للبر ” (رو18:6).

          وفي مقارنة مجازية، فإن الرسول بولس يصف خدمة البر، كما لو أن المؤمن يدخل في معركة فتتحول أعضاؤه فيه إلى آلات تحارب الخطية لتكون “آلات بر لله” (رو13:6) ” بسلاح البر لليمين ولليسار ” (2كو8:6). وكلمة “البر” هنا في هذه العبارة الأخيرة، تعني تحديد الغرض من استعمال السلاح الروحي في المعركة الروحية. فالسلاح هنا من أجل خدمة البر ومن أجل نفعه، ومن أجل انتصار البر على الخطية.

          منذ بداية الكرازة، حين جاء يسوع من الجليل إلى يوحنا ليعتمد منه، كانت رسالة المسيح تتجه نحو “البر” الذي يجب أن يُكمل ” هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر ” (مت15:3).

           فالبر صار هو “برنامج المسيح الخلاصي”. إنه مطلب الإرادة الإلهية. إن السيد المسيح يطلب البر الذي به يتحقق خلاص البشرية. وكان هذا هو مضمون تعاليم السيد المسيح ومضمون خدمته. فالبر من ناحية تعبير عن خلاص الله الذي تجوع إليه البشرية وتعطش ” طوبى إلى الجياع والعطاش إلى البر ” (مت6:5)، ومن ناحية أخرى يظهر كمطلب لله من البشر (كما كان الحال في العهد القديم وفي الفكر اليهودي) وكشرط لتحقق الخلاص ” إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت الله ” (مت20:5). وقال السيد المسيح أيضًا ” اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره ” (مت23:6).

          ويذكر الرسول بولس كلمة “البر” كصفة وخاصية لله ” إن كان اثمنا يبين بر الله ” (رو5:3). وعبارة “بر  الله” هنا تعني أمانة الله وصدقه الذي يتفق مع طبيعة الله وعهوده. وفي (رو25:3ـ26) ” الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله، لإظهار بره في الزمان الحاضر ليكون بارًا ويبرر “هو من الإيمان بيسوع” فإنه واضح هنا أنه يتكلم عن البر كما هو يتحقق بموت المسيح على الصليب. وهو ما يعني أن الله لا يستخف بالخطية ولا تفوت اهتمامه بل على العكس فإن بر الله يشير إلى ما يتصف به الله من قداسة، والتي يجب أن تجد تعبيرًا لها في إدانة الخطية.

          إن النقطة الأساسية في مفهوم التبرير، هى كفارة المسيح وآلامه وموته على الصليب. أى أن الموت على الصليب كان هو الوسيلة الوحيدة لتشييد طريق البر، والسبيل الوحيد لمعاملة الله مع الخطية والخطاة. وبدون الإيمان بكفارة المسيح، فلا يمكن لنا الحصول على التبرير ولا يمكن نوال الخلاص. وكان هذا يمثل صلب كرازة الرسل. يقول الرسول بولس ” وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودًا له من الناموس والأنبياء. بر الله بالإيمان بيسوع المسيح. إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون، لأنه لا فرق، إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله، متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح ” (رو21:3ـ249).

 

وضع الناموس في خطة الخلاص الإلهي:

          قد يبدو للوهلة الأولى أن نظرة الرسول بولس إلى الناموس نظرة غامضة، بل وتبدو في بعض الأحيان كما لو أنها متناقضة، فهو في بعض الأحيان يمجد الناموس ويرتفع به إلى درجة عالية من السمو، وفي أحيان أخرى يهبط بالناموس.

          يقول الرسول بولس عن الناموس:

          ” إذ الناموس مقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحة ” (رو12:7)، ” الناموس روحي” (رو14:7). وهدف الناموس أن يعطي الحياة (رو10:7) ” والذين يعلمون بالناموس هم يبررون ” (رو13:2، وانظر رو5:10). لقد رتب الناموس بملائكة وأعطى بيد موسى ” غلا19:3). إن الناموس يقود بني إسرائيل إلى المسيح ” قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان ” (انظر غلا24:3، وانظر كو16:2).

          هذه الآيات وغيرها تكشف عن الجانب المجيد للناموس على أن الرسول بولس يعطي أيضًا صورة عكسية للناموس ” فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها، إذ الناموس لم يكمل شيئًا ” (عب18:7، 19). ” لأن الناموس ينشئ غضبًا، إذ حيث ليس ناموسًا ليس أيضًا تعدٍ ” (رو15:4)، ” لأنه بأعمال الناموس كل ذي جسد لا يتبرر أمامه لأن بالناموس معرفة الخطية ” (رو20:3). ” بل لم أعرف الخطية إلاّ بالناموس، فإنني لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته ” (رو7:7). ” لأن جميع الذين هم من أعمال الناموس هم تحت لعنة لأنه مكتوب ملعون كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب في كتاب الناموس ليعمل به ” (غلا10:3)، ” وأما شوكة الموت فهى الخطية، وقوة الخطية هى الناموس ” (1كو56:15).

          وهكذا يبدو الناموس بهذين الوجهين المتناقضين، فمن ناحية يعبر عن صلاح الله، ومن ناحية أخرى هو نذير غضب الله. إن الناموس الذي أعطى ليهب الحياة، يُعبر في نفس الوقت عن قوة الخطية. إنه لا يهب التبرير ومع ذلك فإن الذين يعملون بالناموس يتبررون، فكيف يحل هذا التناقض؟

          والآن نحاول أن نجابه هذه المشكلة ونحل هذا اللغز، بربط رسالة غلاطية برسالة رومية. إن القضية الأساسية هنا تدور حول ماهية الناموس. لقد أشار الرسول بولس أنه لا رابطة بين الناموس وبين التبرير أو أن التبرير لا يقوم على أعمال الناموس، وأشار إلى أنه ليس بالناموس كان الوعد لإبراهيم أو لنسله أن يكون وارثًا للعالم بل ببر الإيمان، لأنه إن كان الذين من الناموس هم ورثة فقد تعطل الإيمان وبطل الوعد (رو13:4ـ14). ثم يتساءل الرسول بولس ” فلماذا الناموس، قد زيد بسبب التعديات إلى أن يأتي النسل الذي قد وعد له ” (غلا19:3).

          إن تساؤل الرسول بولس هنا “لماذا الناموس”؟ يعني: لماذا يضاف الناموس إلى الموعد، طالما أن الميراث بالوعد وليس بالناموس. والإجابة أن الناموس سوف يكشف تعدياتنا وذنوبنا، وسوف يكشف ضعفنا عن أن نحقق الخلاص حتى يأتي النسل الموعود به، أى المسيح، فيكون هو لنا الخلاص والبر. وهكذا يقودنا الناموس إلى الإيمان بالمسيح فنجد فيه طبيبنا ومخلّصنا الشافي ” ليُعطي الموعد من إيمان يسوع المسيح للذين يؤمنون ” (غلا22:3).

          الواقع، إن ما يبدو تناقض في تعاليم الرسول بولس عن الناموس هو عدم فهم الغاية التي من أجلها أعطى الناموس. الناموس صالح في حدود الغاية التي من أجله قد أعطى. لقد أعطى الناموس ليمهد للإيمان بالمسيح وفي هذا يحقق الناموس غايته الصالحة … ولكن اليهود كانوا يفتخرون بالناموس ويعتقدون أن مجرد حصولهم على الناموس يكفل لهم حياة التبرير والخلاص، بينما أن الناموس نفسه لم يعط لكي يهب البر كما يقول الرسول نفسه في رسالته إلى غلاطية ” لو أعطى ناموس قادرًا أن يحيي لكان بالحقيقة البر بالناموس. ولكن قبلما جاء الإيمان كنا محروسين تحت الناموس مغلقًا علينا إلى الإيمان العتيد أن يعلن. إذًا قد كان الناموس مؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان. ولكن بعد أن جاء الإيمان لسنا بعد تحت مؤدب لأنكم جميعًا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع ” (غلا21:3ـ26).

          وإذا كان الناموس قد ارتبط بظاهرة “تكاثر الخطية” فليس معنى ذلك أن الناموس هو علة الخطيئة أو هو السبب في تكاثر الخطيئة، بل بمعنى أن الناموس كان أشبه بالمرآه التي تكشف خطايا البشر وأظهرتها.

          وإذا كان الرسول قد قال إن الذين يعملون بالناموس يتبررون، فإن معنى ذلك أن الناموس يمهد للإيمان بالمسيح، وبهذا الإيمان نحصل على التبرير.

          للناموس إذًا عمل تمهيدي فاضل لقيادة اليهودي إلى الإيمان بالمسيح ومن ثم الحصول على التبرير.

          من كل  هذا يتضح أن الناموس لم يعط لكي يبقى إلى النهاية، ولكنه يمثل حلقة متوسطة في دراما الحياة الإنسانية. فعندما تتحقق الوعود التي يتضمنها هذا الناموس، فإن النظرة إلى الناموس سوف تختلف. إن الطريقة التي أعطى بها الناموس تنبئ أو تنذر بذلك.

          لقد كان موسى هو وسيط الناموس ولكن حضور الوسيط يشير إلى طرفين متعاقدين. والعمل الذي ينتج عن هذا التعاقد هو عمل ثنائي يفرض على الطرفين حقوقًا وواجبات، يظل بقاؤها مشروطًا، لأنه من الممكن أن تبطل هذه الحقوق والواجبات برضى الطرفين أو بتعدي أحد الطرفين المتعاقدين. هذا هو ما أراده الرسول بولس عندما قال عن الناموس ” مرتبًا بملائكة في يد وسيط. وأما الوسيط فلا يكون لواحد، ولكن الله واحد ” (غلا19:3ـ20).

          إذا كان هذا هو وضع الناموس، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للوعد هنا (في الوعد) فالأمر يختص بالله وحده، وليس هناك من جانب الله أى تخوف، فهو لن يخلف وعده ولن يتغير فيه ولن ينساه ولن يكون غير أمين من ناحية الإلتزام به. لقد ربط نفسه بقسم حتى يعطي للإنسان الثقة في هذا الوعد. إن وعد الله لا يعتمد على اتفاق أو استحقاق أى شخص. وحيث إنه وعد مطلق وحر من كل شرط، فليس هناك تخوف في أن يندم الله في وعوده.

          ولكن تبدو هذه الشروح كأنها تحل تعارضًا. فإذا كان الوعد الإلهي ـ الذي أعطى قبل الناموس ـ وعدًا مطلقًا ومجانيًا، فلماذا أضيف على الوعد ناموسًا يثقل كاهل اليهود؟ وهنا يبرز هذا التساؤل: هل الناموس ضد مواعيد الله؟ ويجيب الرسول بولس: حاشا لو أعطى ناموس قادر أن يحيي لكان بالحقيقة البر بالناموس (غلا21:3).

          إن إجابة الرسول تبدو هنا غامضة، ولكنها تتضح لو أضفنا عليها هذه العبارة (لأجل توضيح المعنى): ” وعند ذلك يكون الناموس مضادًا لمواعيد الله الذي وعد أن يهبنا التبرير مجانًا “، أو يكون مضادًا لمواعيد الله إذا استمر حتى اللحظة التي تتحقق فيها مواعيد الله. ولكن الأمر ليس كذلك. إن الناموس غير قادر على أن يهب الحياة. إنه لا يقوى على أن يهب تبرير فوق طبيعي. ومن ناحية أخرى، فهو فقط حالة عبور. إنه مكان للتوقف قبل آخر الخط أو آخر الطريق. إنه حادثة هامة قبل النهاية. إنه لم يسترجع إمبراطورية الخطية، بل بالأحرى قواها، ولكن يتم هذا الأمر من خلال التدبير الإلهي ” لكن الكتاب أغلق على الكل تحت الخطية ليعطي الموعد من إيمان يسوع المسيح للذين يؤمنون (غلا22:3).

          وحتى تجيء النهاية أى تحقيق المواعيد، فإن المرء سواء رغب أو لم يرغب، لابد أن يتحرك نحو أبواب الإيمان. وهذه هى الخدمة التي قدمها الناموس لليهود ” ولكن قبلما جاء الإيمان كنا محروسين تحت الناموس مغلقًا علينا إلى الإيمان العتيد أن يُعلن ” (غلا23:3). إن الإيمان يعلن عند ملء الزمان. إنه يمثل مرحلة النضج في تاريخ الإنسانية. وفترة الناموس تمثل فترة الطفولة. قبل مجيء المسيح كان المرء في وضع القاصر. وكان الناموس يقوم بعمل الوصي عليه ” وإنما أقول ما دام الوارث قاصرًا لا يفترق شيئًا عن العبد مع كونه صاحب الجميع، بل هو تحت أوصياء ووكلاء إلى الوقت المؤجل من أبيه. هكذا نحن لما كنا قاصرين كنا مستعبدين تحت أركان العالم. ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله أبيه مولودًا من امرأة مولودًا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني. ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب. إذًا لست بعد عبدًا بل ابنًا، وإن كنت ابنًا فوارث لله بالمسيح ” (غلا1:3ـ7).

          إن القرون التي سبقت مجيء السيد المسيح كانت تمثل للبشر عصر قصورها، كان الناس ورثة بفضل المواعيد المسيانية، وذلك لأن هذه المواعيد كانت عهدًا يخص الأمميين كما يخص اليهود، والإنجيل هو ميراثهم المشترك. ولكن لكي يحصل البشر على هذا الميراث كان عليهم أن ينتظروا حتى عصر النضوج أو حتى يبلغ العالم “سن الرشد”. وحتى هذا العصر أو هذا السن كانت البشرية تخضع لنظم فطرية، تعدها لحالة أفضل وتقودهم إلى ذلك بالتدريج. وبالنسبة لليهود فقد أعطوا الناموس الموسوي كمؤدب يمهد إلى مجيء السيد المسيح. ومن أجل ذلك فإن الرسول بولس يتحدث عن الناموس الطبيعي بالنسبة إلى الأمميين. وعد الناموس الموسوي بالنسبة إلى اليهود. أما بالنسبة لعصر النضوج أو سن الرشد، فقد تحدد من قبل الله في “ملء الزمان”.

          والأمر أيضًا يحتاج لأن نفهم عبارة “أركان العالم” التي قيل إن البشرية كانت في عصر قصورها مستعبدة ” تحت أركان العالم ” حتى مجيء السيد المسيح. وبمقابلة تعاليم الرسول بعضهم ببعض، يتبين لنا أنه يقصد بأركان العالم ” النظم الفطرية” التي هى نتاج إعلان غير كامل أو نتاج الغريزة الدينية، التي حكمت اليهود والأمميين قبل إعلان الإنجيل. إن ظهور المسيح قد قدَّم الخلاص للعالم أجمع ولكن بطرق مختلفة. بالنسبة إلى اليهود، فقد خلصهم من نير الناموس، ووهب الجميع نعمة التبني التي وُعدت لكل أبناء إبراهيم الروحيين دون تمييز في الجنس وليس هناك اختلاف بين اليهود والأمميين من حيث إن كليهما ينتظران “ملء الزمن” وكلاهما مدعوين لنوال حقوقهم في الميراث.

          وهناك رمز روحي يقدمه الرسول بولس ليشرح به هذا الأمر. إنه يرى في زوجتى إبراهيم رمزًا للعهدين. هاجر الجارية، تمثل المجمع، وسارة المرأة الحرة تمثل الكنيسة. هاجر تلد (حسب الجسد وتتطابق مع قوانين الطبيعة) ابنًا عبدًا مثلها، أما سارة فهى تلد (حسب الروح وحسب وعد معجزي) ابنًا حرًا مثلها. إنه من المبادئ العامة أن الأبناء يشاركون في حالة أو وضع أمهاتهم. وعلى ذلك، فإن سيناء، التي تعتبر هاجر رمزًا لها، تلد فقط عبيدًا، وأما أورشليم السمائية، الكنيسة، المرموز لها بسارة، سوف تلد فقط أبناء أحرارًا. والرمز واضح في عبارات الرسول بولس حيث يقول: ” قولوا لي أنتم الذين تريدون أن تكونوا تحت الناموس. ألستم تسمعون الناموس فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد، وأما الذي من الحرة فبالوعد. وكل ذلك رمز لأن هاتين هما العهدان. أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر، لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكن يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هى أمنا جميعًا فهى حرة. لأنه مكتوب افرحي أيتها العاقر التي لم تلد. اهتفي واصرخي أيتها التي لم تتمخض فإن أولاد الموحشة أكثر من التي لها زوج. وأما نحن أيها الإخوة فنظير اسحق أولاد الموعد. ولكن كما كان حينئذٍ الذي ولد حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح هكذا الآن أيضًا. لكن ماذا يقول الكتاب: اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة. إذًا أيها الإخوة لسنا أولاد جارية بل أولاد حرّة (غلا21:4ـ31).

          ومن هذا النص يظهر لنا أن أبناء إبراهيم ليسوا على مستوى واحد. البعض من أبناء إبراهيم ينتسبون إلى هاجر الجارية، والبعض الآخر ينتسب إلى سارة الحرة. البعض من أبناء إبراهيم ولد حسب الجسد أو حسب الطبيعة، والبعض الآخر ولد حسب الوعد. سارة وهاجر يرمزان إلى عهدين متباينين في خطة التدبير الإلهي.

          عهد يشير إلى الناموس وعهد يشير إلى النعمة.

          عهد يشير إلى العبودية اليهودية للناموس، وعهد يشير إلى الحرية المسيحية.

          عهد يشير إلى مجمع اليهود وعهد يشير إلى الكنيسة المسيحية.

          عهد يشير إلى أورشليم الأرضية، وعهد يشير إلى أورشليم السماوية.

          عهد يشير إلى اسماعيل المولود حسب النظام الطبيعي، وعهد يشير إلى اسحق الذي ولد حسب الموعد، فإن ابراهيم ” إذ لم يكن ضعيفًا في الإيمان لم يعتبر جسده وهو قد صار مماتًا، إذ كان ابن نحو مائة سنة ولا مماتية مستودع سارة، ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله بل تقوى بالإيمان معطيًا مجدًا لله، وتيقن أن ما وعد به هو قادر أن يفعله أيضًا ” (رو19:4ـ21). لقد كان ميلاد اسحق ثمرة الوعد الإلهي ولم يكن ثمرة الميلاد الطبيعي بسبب تجاوز السن المناسب وبسبب مماتية رحم سارة.

          إن اليهود، مثل اسماعيل، هم بالحقيقة أبناء لإبراهيم حسب الجسد، ولكنهم ليسوا الورثة الحقيقيين أكثر مما يكون عليه اسماعيل. أما المسيحيون فهم مثل اسحق. هم أبناء إبراهيم حسب الروح، ومثل اسحق فإنهم يرثون المواعيد والبركات الروحية. وينتج من ذلك أن المتهودين في غلاطية، الذين يريدون أن يكونوا تحت الناموس، هم يعرضون أنفسهم ليطردوا من بنوة أبيهم ابراهيم، مثل رمزهم اسماعيل.

          وهكذا نلاحظ أن الرسول بولس يتخذ من شخصيات العهد القديم نموذجًا أو مثالاً يشرح به تعاليمه. وهو بدل أن يستعمل كلمة Tupos (التي تعني: نموذج أو مثال أو نمط) استعمل كلمة (allygoroumena) التي تعني: رمز. وهو بلا شك لا يقصد كلمة رمز في المعنى الضيق لها والذي يكتفي من الحقيقة إلى ذكر ما تتضمنه من مجاز أو تشبيه أو استعارة. إنه أراد أن يقدم نموذجًا كتابيًا أوحى به الروح القدس، فاتخذ من قصص العهد القديم أحداثًا تؤخذ كنموذج ومثال لشرح القضايا الإيمانية في العهد الجديد.

          والخلاصة أن الناموس لا يلد أبناء متحررين من سلطان الخطية، ولكن بالإيمان بالمسيح الذي يهبنا الميلاد الروحي نتحرر من الخطية ونحصل على حياة التبرير، بدم المسيح المسفوك على الصليب.

[1] انظر Vine (W.E), An Expository Dictionary of New Testament Words (u.S.A Fleming Revell Company) 1966.  وكذلك انظر كتابنا: دراسات لاهوتية ولغوية في كتاب العهد الجديد ـ الجزء الثاني 2002 ص121، 142.

الفكر اللاهوتى للرسول بولس فى الرسالة إلى غلاطية

Exit mobile version