قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: aghroghorios

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

أعلن الدكتور Moody Smith في رئاسته لجمعية الأدب الكتابي في سنة 2000، معلقًا على الفترة التاريخية بين وجود كتابات العهد الجديد ودمجها في قانونية العهد الجديد.¹ وقد أدرك مودي المبدأ الرئيسي الرابع للدراسات الكنسية الحديثة، ألا وهو أن كُتّاب العهد الجديد كتبوا دون وعي بسلطتهم الخاصة ودون نية أن تكون كتبهم مقدسة.² ويقال إن كتاباتهم كُتبت لتكون حلًا ومعالجة لمشاكل الكنيسة الفورية.

وإنه لم تكتسب هذه الكتابات مكانة موثوقة إلا عندما بدأت الكنيسة اللاحقة تُظهر تقديرًا لهذه الكتابات.³ ويؤكد Mark Allan Powell في كتابه هذا الرأي بشكل واضح فيقول: “لم يكن مؤلفو العهد الجديد لديهم علم أنهم يكتبون وحيًا”.⁴ ويتخذ Schneemelcher نفس المنهج فيقول: “لم تُكتب الأناجيل ككتب قانونية بمعنى أن كُتّابها لم يكونوا يكتبون كتابًا مقدسًا له سلطة الوحي”.⁵

وبالطبع، لا بد أن نعترف أن هذا الفهم ممكن أن يكون صحيحًا في عدد من النقاط المهمة.

أنْ لا أحد من كُتّاب العهد الجديد كان لديه معرفة بالمستقبل بأنهم سوف يكتبون وحيًا، فهذا ليس شيئًا يمكن توقعه.⁶ ومن الصحيح أنهم تناولوا مشاكل عرضية في الكنيسة في القرن الأول.⁷

ومع ذلك، هل يعني هذا أن كُتّاب العهد الجديد لم يكن لديهم إدراك أنهم يكتبون بوحي؟ وكتبوا بدون قصد كتاباتهم لتُسيِّر حياة الكنيسة؟

على الرغم من أن هذه الادعاءات حول كُتّاب العهد الجديد قد تكون واسعة الانتشار ومتكررة، إلا أن بعض العلماء بدأوا يرفضونها. ولم يقتصر الأمر على سميث،⁸ بل قام جون بارتون،⁹ و إن. تي. رايت.¹⁰

فلهذا، كَتبتُ هذا الفصل لتحدي فكرة أن كُتّاب العهد الجديد كتبوا دون إدراك أنهم يكتبون وحيًا. فطرحُنا البسيط سيُظهر أن كُتّاب العهد الجديد أدركوا أن كتاباتهم ستنقل تقليدًا رسوليًا أصيلًا ذا سلطة. وبالتالي، كانوا يؤمنون أن لهذه الكتابات سلطة عليا داخل حياة الكنيسة.¹¹ كما قال إن. تي. رايت: “كانوا الكُتّاب مدركين أنهم يكتبون رسالة فريدة عن يسوع بقيادة الروح القدس، وستُشكّل الكنيسة فيما بعد، بناءً على كرازتهم، فهناك جيل سيتلقى من الجيل الأول”.¹²

فاستخدام مصطلح “Scripture” لوصف كيفية فهم كُتّاب العهد الجديد سيثير جدلًا واختلافًا – وهذا المصطلح مقبول لدى البعض، والبعض الآخر لا يرتاح كثيرًا له. فعلى سبيل المثال، لا يقر Robert Spivey و Smith بأن بولس كان يكتب كتابًا مقدسًا، ولكنه كان يكتب بوعي سلطته الرسولية.¹³ لكنهم لم يفسروا الاختلاف الجوهري بين السلطة الرسولية والوحي. فالسلطة الرسولية يمكن أن تُقاد بإلهام من الروح القدس بكتابة أو تكلم بكلمات الله ذاتها، فما هو الاختلاف إذًا؟

إذًا، هل كتابتهم تختلف عن الكتب المقدسة؟ يجيب Barton ويقول إن المرحلة الأولى لم تتسم بأنهم يكتبون كتابًا مقدسًا بالقدر الذي قد نتوقعه، ولا يرجع هذا إلى افتقارهم إلى الوحي، بل يرجع إلى أنهم في وقتهم كانوا ينظرون إلى الكتب المقدسة على أنها شيء قديم وأصيل، وكانت هذه الكتابات جديدة.

ولا يبدو أن هناك أهمية في إطلاق اسم “كتاب مقدس” عليها أم لا، فكانت هذه الكتب لها مكانتها كأحد أهم الكتب في العالم، ومكانتها مضمونة. فكانت كتبهم بمثابة كتب مقدسة، ولها سلطة ومكانة الكتب المقدسة عند اليهود لدى المسيحيين.

القضية الرئيسية هنا ليست إطلاق كُتّاب العهد الجديد على كتبهم أنها “كتاب مقدس”، مثلما ورد في كتاباتهم في بطرس الثانية 3: 16 وتيموثاوس الأولى 5: 18، لكن هل كتب هؤلاء الكُتّاب بوعيٍ كتبًا فهموا أنها تحتوي على وحي رسولي جديد عن يسوع المسيح، وبالتالي ستكون لها سلطة الوحي العليا في الكنيسة؟¹⁶

سننتقل إلى تحليل لنصوص كتابية من أجزاء متفرقة في العهد الجديد، بما في ذلك رسائل بولس والأناجيل وبعض كتابات العهد الجديد الأخرى. فلا يوجد مجال لنأخذ كل ما ورد في العهد الجديد (27 سفرًا)، ولكن نأخذ عينات فقط من النصوص التي تكون كافية لإثبات النقطة المطلوبة.

 

أولًا: رسائل بولس الرسول

رسالة غلاطية

بما أن معظم العهد الجديد هو رسائل بولس، فالأفضل أن نبدأ نقاشنا هذا بكتاباته.

غلاطية 1: 1: «بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ».

توجد تصريحات لبولس عن رسوليته، ولكن لا يوجد أوضح من نص رسالة غلاطية عن سلطانه الرسولي. وقد لاحظ F. F. Bruce أن بولس يتكلم هنا ويؤكد أن مصدر رسالته مصدر إلهي لرسالة رسولية.¹⁷ لا شك أن قول بولس هذه الصيغة التي في الآية هو رد على بعض من شككوا في سلطانه الرسولي في غلاطية.¹⁸ وكان بولس يرغب في تصحيح فهمهم في بداية رسالته.

لذلك، في غلاطية 1: 1، يبذل بولس قصارى جهده ليؤكد أن رسالته رسولية ليس فيها نوع من البشرية؛ لأنها لم تأتِ من الناس ولا بواسطة إنسان: οὐκ ἀπ᾽ ἀνθρώπων οὐδὲ δι᾽ ἀνθρώπου. وقوله هذا يشير إلى أن من دعا بولس ليسوا الرسل الآخرين، فلم تأتِ هذه الدعوة من خلال وسيط بشري (قارن ما قاله في غلاطية 1: 17–20):

«17 وَلاَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلِي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْقَ. 18 ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. 19 وَلكِنَّنِي لَمْ أَرَ غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ إِلاَّ يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ. 20 وَالَّذِي أَكْتُبُ بِهِ لَكُمْ، فَهُوَذَا قُدَّامَ اللهِ أَنِّي لَسْتُ أَكْذِبُ فِيهِ».

بل على العكس، أتت من خلال يسوع المسيح والله الآب، وفي إشارة إلى ما حدث مع بولس في طريقه إلى دمشق، حسب أيضًا نص أعمال الرسل 9: 1–9. فبولس يؤكد على سلطته الفريدة، ويتحدث دائمًا أنه رسول ليسوع المسيح، وسنتناول المواقف التي تُعرض أمامه من خلال هذا السلطان. وفي غلاطية 6: 1 يقول: «إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ».

فيشير بولس أن بعض الغلاطيين قد بدأوا يهجرون إنجيل النعمة ويتجهون نحو إنجيل آخر. ويطمئنهم بولس أن الإنجيل الذي بشّر به ليس إنجيل إنسان، بل كتبه بوحي من خلال يسوع المسيح. نجد هذا في غلاطية 1: 11: «فَأُعْلِمُكُمْ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَّ الْبِشَارَةَ الَّتِي بَشَّرْتُكُمْ بِهَا لَيْسَتْ صَادِرَةً عَنِ الْبَشَرِ. 12 فَأَنَا مَا تَلَقَّيْتُهَا وَلاَ أَخَذْتُهَا عَنْ إِنْسَانٍ، بَلْ عَنْ وَحْيٍ مِنْ يَسُوعَ الْمَسِيحِ».

يؤكد بولس هنا أنه تلقى وحيًا من يسوع المسيح، ولذلك لا ينبغي عليكم يا أهل غلاطية التخلي عنه. وبولس في غلاطية 1: 8: «فَلَوْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ بَشَّرَكُمْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِبِشَارَةٍ غَيْرِ الَّتِي بَشَّرْنَاكُمْ بِهَا، فَلْيَكُنْ مَلْعُونًا!»، يُنذرهم أن هناك دينونة لكل من ينكر البشارة أو الإنجيل الذي يُبشَّر به أنه إنجيل فيه حق.

كل هذا يعطينا انطباعًا أن بولس كان يرى أن رسالة غلاطية كتبها بسلطان المسيح نفسه، وأنها كُتبت لتصحيح أفكار خاطئة عن رسالة الإنجيل. كما لاحظ أيضًا Ronald Fung أن بولس كان يرغب أن يقول لهم إن رسالة الإنجيل وصلت إليهم من خلاله نتيجة كشف الله له عن المسيح، وكان الإنجيل ما زال يُبشَّر به في وقت كتابته الرسالة. فلذلك، كان بولس يدعو إلى العودة إليه.²¹

أما مسألة إطلاق اسم على كتابات بولس أنها “كتاب مقدس” فهي فكرة ثانوية؛ لأنها من الأساس هذه الرسائل تحمل سلطة عليا، وأعلى سلطة يمكن أن تكون على نص مكتوب من جهة وحيها.

 

رسالة تسالونيكي الأولى

في تسالونيكي الأولى 2: 13: «وَنَحْنُ أَيْضًا نَشْكُرُ اللهَ بِلاَ انْقِطَاعٍ، لأَنَّهُ لَمَّا تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ اللهِ الَّتِي سَمِعْتُمُوهَا، قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ حَقًّا كَكَلِمَةِ اللهِ الَّتِي تَعْمَلُ فِيكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ». يصرح بولس مرة أخرى بسلطانه الرسولي أنه رسول يسوع المسيح، ويستخدم تعبير “كلمة الله”.

ولا شك أن بولس أيضًا أشار إلى تقليد رسولي تلقاه أهل تسالونيكي من خلال تبشيرهم الشفهي، من خلال التعليم والوعظ.²⁴ واستخدم بولس مصطلح “تسلمتم” إشارة إلى قبول تقليد رسولي، وهذا مستخدم كثيرًا في كورنثوس الأولى 11: 23 و15: 1–3، وغلاطية 1: 9، وكولوسي 2: 6–8، وكورنثوس الثانية 3: 6. واستخدم بولس تعبير “كلمة الله” في مواضع متعددة إشارة إلى تعليم إلهي موحى به، على سبيل المثال: كورنثوس الأولى 14: 36، وكولوسي 1: 25، وتيموثاوس الثانية 2: 9. وهكذا في نص تسالونيكي الأولى 2: 13.

يقول Ernest Best إن بولس يقدم ادعاءً جريئًا أن كلماته هي كلمات الله.²⁶ كانت كلمات بولس الرسولية تشمل وحيًا وسلطة إلهية، وهي متكررة في تسالونيكي الأولى، ليس في هذا النص فقط، بل شملت نصوصًا أخرى تؤكد سلطة الرسالة ووحيها. في تسالونيكي الأولى 4: 2–8، يُصرح بولس صراحة أنه يكرر تعليمًا رسوليًا عن القداسة سبق أن سُلِّم إليه، وتعليم رجاء بواسطة يسوع المسيح، وبإرادة الله. وهكذا، تقدم رسالة تسالونيكي الأولى لكل إنسان أنها رسالة تحتوي على تعليم الله، لدرجة أنه بعدما أنهى بولس إرشاده عن القداسة، حذر أهل تسالونيكي من أن يتجاهلوا هذه التعليمات.

وفي نص تسالونيكي الأولى 4: 8: «إِذًا مَنْ يُرْذِلُ لاَ يُرْذِلُ إِنْسَانًا، بَلِ اللهَ الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا رُوحَهُ الْقُدُّوسَ». يقول Gordon Fee إن رفض تعليم بولس هو بمثابة رفض الله نفسه.²⁹ يقر بولس في موضع آخر بأسلوبه الرسولي في التعليم، ويقول في تسالونيكي الثانية 2: 15: «فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّعَالِيمِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا».

وفي الواقع، يشير بولس في آيات أخرى إلى أن جسده ضعيف وأن الرسائل أقوى من هذا الجسد، في كورنثوس الثانية 10: 10: «لأَنَّهُ يَقُولُ: الرَّسَائِلُ ثَقِيلَةٌ وَقَوِيَّةٌ، وَأَمَّا حُضُورُ الْجَسَدِ فَضَعِيفٌ، وَالْكَلاَمُ حَقِيرٌ». ويختتم بولس رسالته إلى أهل تسالونيكي بطلب قراءة هذه الرسائل علنًا في الكنيسة، في تسالونيكي الأولى 5: 27 (قارن هذا الأسلوب بكورنثوس الثانية 10: 9، وكولوسي 4: 16، ورؤيا 1: 3).

وقد أدرك العلماء أن هذه الممارسات هي بالتوازي مع الممارسات اليهودية في قراءة أجزاء من العهد القديم بصوت عالٍ في العبادات العامة في المجمع (راجع لوقا 4: 17–20، وأعمال الرسل 13: 15 و15: 21).³² ومع ذلك، إصرار بولس على قراءة رسالة تسالونيكي الأولى علنًا يقترن بادعائه السلطة الرسولية والوحي في الرسالة نفسها، وهذا يوفر سببًا وجيهًا بأن الشعب ينظرون إلى هذه الرسالة أنها تحمل سلطان الله أو وحيه.³⁴

 

كورنثوس الأولى 14: 37–38

«إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْسِبُ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ رُوحِيًّا، فَلْيَعْلَمْ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا الرَّبِّ. وَلكِنْ إِنْ يَجْهَلْ أَحَدٌ، فَلْيَجْهَلْ!».

يصرح بولس هنا بسلطانه الرسولي أنه يكتب وصايا الرب نفسه، ويختم قوله بمعنى: من عرف أنني أكتب أو لم يعرف. فبولس يعلن بدقة وبوضوح أنه يكتب أمر الله، فهذه العبارة في اليونانية تشير إلى أنه يكتب أمرًا صادرًا عن الله نفسه، كما أعطى الله أمره لموسى.³⁵ واستخدم بولس نفس الأسلوب في كورنثوس الأولى 7: 19.³⁶ إنه يكتب وصايا الله، أي أنه يكتب وصايا ذات سلطة صادرة عن الله نفسه.

وهناك تنوع بين تركيبات بولس اللغوية، مثل رسالة تيطس 1: 14: «لاَ يُصْغُونَ إِلَى خُرَافَاتٍ يَهُودِيَّةٍ، وَوَصَايَا أُنَاسٍ مُرْتَدِّينَ عَنِ الْحَقِّ». هنا يفرق بولس بين وصايا الناس وبين وصايا الله، وفي رسالة كورنثوس الأولى 14: 37–38، يساوي بولس بين ما يكتبه وبين كلام الله نفسه.³⁷ ومما يؤدي إلى وثوق بولس بسلطته على التكلم باسم الرب لدرجة أنه يُعلن أن كل من لا يقر بسلطان كتاباته يصفهم بأنهم سيكون عليهم دينونة.³⁹

يجادل Raymond Collins بأن بولس يحذر من مصيبة أخروية لكل من يرفض رسالته.⁴⁰ وهذه الصيغة تعكس دور بولس كرسول للعهد الجديد في كورنثوس الثانية 3: 6: «لَقَدْ جَعَلَنَا خُدَّامًا لِعَهْدِهِ الْجَدِيدِ، وَهُوَ عَهْدٌ لاَ يَعْتَمِدُ عَلَى الشَّرَائِعِ الْمَكْتُوبَةِ، بَلْ عَلَى الرُّوحِ». وينذر بولس من يرفض الخضوع لسلطته الرسولية الممنوحة من الله.⁴¹

ويلخص Archibald Robertson و Alfred Plummer أن بولس من هذه الآيات مدرك أنه لا يتكلم من نفسه، ولكن يتكلم بلسان المسيح.⁴²

في تسالونيكي الثانية 3: 6: «ثُمَّ نُوصِيكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّعْلِيمِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا». و14: «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ». كما قلنا عن نص كورنثوس الأولى 14: 37–38، فإن بولس يقول إنه ينبغي طاعة تعاليمه، وأن هناك دينونة على من سيرفضونها. فيقول بولس أن يتم تجنب كل أخ يسلك بلا ترتيب خلافًا للتقليد الذي تسلموه منا، فإن التقليد الذي يشير إليه بولس هنا بلا شك تعليم رسولي موثوق تم إعطاؤه إلى أهل تسالونيكي، وهو أمر يؤكد استخدام مصطلحات أساسية.

ولهذا السبب، يعلن بولس حكمًا نبويًا عن الذين يرفضون تعليمه الرسولي.⁴⁵ ويقول لأهل تسالونيكي أن يبتعدوا عن الأخ الذي يسلك بلا ترتيب، وهذا إشارة إلى نوع من التأديب الكنسي، وربما الحرمان الكنسي. وكما وضحنا أنه في تسالونيكي الثانية 3: 6 يقول إن ما يقوله بولس هو وصايا المسيح نفسه. يلاحظ هنا Leon Morris أن ما يقوله بولس يجعل الأمر أكثر إلهامًا وسلطانًا إلهيًا. وفي تسالونيكي الثانية 3: 14: «وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُطِيعُ كَلاَمَنَا بِالرِّسَالَةِ، فَسِمُوا هذَا وَلاَ تُخَالِطُوهُ لِكَيْ يَخْجَلَ»، يقدم تحذيرًا ألا يتم التعامل مع من لا يطيع الرسالة، بل أيضًا يُصدر عقابًا كنسيًا لمن يعصي، ويقول إنه لا ينبغي التعامل معه.⁴⁸

يقول Charles Wanamaker بقول صريح إن بولس يدعو إلى حرمانهم الكنسي.⁴⁹

تستطيع الآن أن ترى اتجاهًا سائدًا في العديد من مقاطع بولس بشكل منتظم، تأكيدًا على سلطته الرسولية على التحدث باسم المسيح، وتوضيح أن السلطة الرسولية ليست في كلامه الشفهي بل في رسائله المكتوبة، وأن كل من يرفض تعليمه الشفهي والمكتوب يرفض وصايا المسيح ويكون له دينونة وحرمان كنسي. فلذلك، من الصعب قبول فكرة أن بولس لم يكن على دراية بما يكتب بأنه يكتب وحيًا إلهيًا.

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

كتاب الأناجيل

الأناجيل تختلف عن أدب الرسائل، فلا نتوقع أنهم سيقدمون أنفسهم بتصريحات مباشرة وصريحة حول سلطتهم الرسولية كما فعل بولس في الرسائل،⁵¹ فهم يعملون خلف الكواليس ولا يظهرون أنفسهم إلا نادرًا في سياق القصة.⁵² ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار عدم الكشف الرسمي عن هوية الأناجيل دليلًا على أن مؤلفيها لم يروا أن ما يكتبونه هو وحي يحمل سلطان الله. جادل Armin Baum بأن الكتب التاريخية في العهد الجديد – ويقصد بها الأناجيل وسفر الأعمال – كُتبت عمدًا بدون ذكر للأسماء لتكون مثلها مثل العهد القديم، والتي لم تتضمن هوية الكاتب في داخلها.⁵³

وهذا ما يجعل الأناجيل وأعمال الرسل مميزة عن معظم السير الذاتية اليونانية-الرومانية التي عادةً تتضمن اسم الكاتب، وإن لم يكن دائمًا.⁵⁴ وقد أعطى هذا الأسلوب لكُتّاب الإنجيل إعطاء الأولوية لموضوع الأناجيل.⁵⁵ وهكذا، فإن إخفاء الهوية لم يقلل من سلطان ووحي الأناجيل، بل ساهم في الواقع في زيادة الوحي عمدًا، أنها كُتبت مثل تقليد العهد القديم.⁵⁶

بالإضافة إلى حجة باوم، هناك طرق أخرى يمكن من خلالها تقييم وعي مؤلفي الأناجيل بسلطانهم بالإلهام.

وعلى الرغم من عدم ذكر أسماء الأناجيل رسميًا، ولكن هناك أدلة أكثر دقة تقدم دلائل حول هوية الكُتّاب، والأهم من ذلك، حول نيتهم في نقل تقليد رسولي موثوق به حول شخصية يسوع الناصري.

في مرقس 1: 1، لاحظ Robert Guelich أن افتتاحية مرقس تثير الجدل حول معاني كل كلمة فيها، فيقول: “بداية إنجيل يسوع المسيح!”. هذا عنوان الكتاب، ومرتبط بما سيأتي فيما بعد من كتابة مرقس.

ويلاحظ Robert Stein تذكيرًا بأن العمل بأكمله يؤكد مرقس أنه البشارة عن يسوع المسيح.⁶¹ إن استخدام مرقس للكلمة اليونانية εὐαγγελίον (الإنجيل)،⁶² لم يكن قد استُخدم من خلال مرقس للإشارة إلى النصوص المكتوبة، بل إلى إشارة إلى موثوقية الكلام الرسولي الذي سيقدمه.⁶³ وهكذا، فمنذ البداية يوضح مرقس أنه ينبغي أن نفهم أن الرسالة رسولية، والمصطلح نفسه يستخدمه في مرقس 14: 9: «اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: حَيْثُمَا يُكْرَزْ بِهذَا الإِنْجِيلِ فِي كُلِّ الْعَالَمِ، يُخْبَرْ أَيْضًا بِمَا فَعَلَتْهُ هذِهِ، تَذْكَارًا لَهَا»، مما يخلص تضمينًا أدبيًا واضحًا يعزز فكرة أن العمل بأكمله يجب تفسيره أنه الهدف من ملخص كتابته للإنجيل.⁶⁴

وقد دفع هذا اثنين من الباحثين، John Roberts و Andreas du Toit، إلى أن مرقس ادعاء عظيم حول الوحي والسلطان. وبالمثل، يجادل مارتن هينجل بأن مرقس يقدم إنجيله أنه رسالة خلاصية ليسوع المسيح، وبالتالي هو يلبي متطلبات أن هذه كتابات مقدسة.

ولكن هناك أدلة أخرى تدعم هذا الفهم.

تتطابق الافتتاحية في مرقس مع نفس افتتاحيات بعض كتب العهد القديم النبوية، على سبيل المثال: هوشع 1: 2: «أَوَّلَ مَا كَلَّمَ الرَّبُّ هُوشَعَ، قَالَ الرَّبُّ لِهُوشَعَ: اذْهَبْ خُذْ لِنَفْسِكَ امْرَأَةَ زِنًى وَأَوْلاَدَ زِنًى، لأَنَّ الأَرْضَ قَدْ زَنَتْ زِنًى تَارِكَةً الرَّبَّ». نجد صيغة مشابهة لاستخدام مرقس لكلمة “بداية إنجيل”، وهنا في هوشع “أول ما كلم”.⁶⁷ ويعلق Gerd Theissen على استخدام مرقس لهذه الصيغة قائلًا: “كان قراء وسامعو إنجيل مرقس على دراية بكتب الأنبياء، والتي بدأت بكلمة الله التي وصلت للإنسان”.⁶⁸ فيشير إنجيل مرقس إلى أنه يقدم الإنجيل كرسالة من الله مثل العهد القديم.

مرقس يقدم إنجيله لتجسيد التقاليد الرسولية، فهو يتبع ما جاء في عظة بطرس في أعمال الرسل 10: 34–43.⁶⁹ فعظة بطرس يعتقد العديد من العلماء أنها تقليد سابق للوقا، وبالتالي من المرجح أن تكون واحدة من أقدم التعبيرات عن رسالة الإنجيل.⁷⁰ فيبدأ إنجيل مرقس وسفر أعمال الرسل 10: 34–43 بمصطلحات إنجيلية،⁷¹ ويتحدثان عن يسوع باعتباره المسيا،⁷² ويربطان المسيح بسياق إشعياء في العهد القديم،⁷³ ويضعان بداية الخدمة من الجليل،⁷⁴ ويناقشان دور يوحنا المعمدان،⁷⁵ وبالطبع يسلطان الضوء على خدمة المسيح من الفداء والموت والقيامة.⁷⁶ وتشير هذه المقارنات إلى أن إنجيل مرقس هو تجسيد لمواد سابقة رسولية تقليدية، وخاصة تقاليد من القديس بطرس.⁷⁷

يعلق Guelich: “إذا كان الإطار الأساسي والسياقي هو إنجيل يسوع المسيح، ويتوافق هذا السياق مع تقليد كامل وراء أعمال الرسل 10: 34–43، فإن الطابع التقليدي لمرقس هو المواد السابقة له في كتابته للإنجيل”.⁷⁸

إن حقيقة أن مرقس يقدم إنجيله كمحتوى رسالة رسولية ويؤكد رسوليتها من ناحية الأدلة الداخلية، أن مصادره هي شهادة الرسول بطرس نفسه. فإلى جانب حقيقة أن هناك صلة بين مرقس وبطرس، وهذه الصلة مذكورة ومعروفة في كتابات آباء الكنيسة الأوائل،⁷⁹ ونجد العلاقة بين مرقس وبطرس مشهودة في آيات العهد الجديد مثل بطرس الأولى 5: 13 وأعمال الرسل 12: 12–17.⁸⁰ فإن إنجيل مرقس يذكر ارتباط مرقس ببطرس من خلال تشكيل ضمني لما يقوله بطرس نفسه.

أول تلميذ مذكور في مرقس هو بطرس في مرقس 1: 16، وآخر تلميذ مذكور هو بطرس في 16: 7.⁸¹ علاوة على هذا، فإن ذكر بطرس كان واضحًا في إنجيل مرقس، مما يُظهر مرقس أنه يبذل قصارى جهده لتبيان وإبراز شخصية بطرس في مقدمة كلامه.⁸² هذا الذكر لبطرس، والطريقة التي يتمركز فيها بطرس في إنجيل مرقس وروايات التلاميذ،⁸⁴ يتضح أن بطرس هو المصدر الرئيسي لشهادة شهود العيان الذي يقف خلف إنجيل مرقس.⁸⁵ يلاحظ هينجل أن ذكر اسم سمعان بطرس كتلميذ هو أولًا وأخيرًا، ذكر أن كلام مرقس مبني على تقليد، وبالتالي سلطته.⁸⁶

 

ومن العوامل الجديرة بالملاحظة طريقة ربط مرقس قصة يسوع المسيح وقصة النبوات اليهودية، وهذا ما تفعله جميع الأناجيل الإزائية بدرجة أو بأخرى.⁸⁷ وبالنسبة لمرقس، فإن بداية الإنجيل ليست ميلاد يسوع أو حتى خدمته العلنية، بل يذكر فيها التوقعات والتطلعات المسيانية لليهود كما تتجلى في مقاطع مختلفة في العهد القديم.⁸⁸ على وجه الخصوص، يصور مرقس 1: 2 المسيح أنه محقق وعد أتى في ملاخي 3: 1 (قارن هذا بخروج 23: 20)، وتم تحويل الآية عن يهوه إلى يسوع بذكر “طريق أمامي” إلى لفظ مرقس “أمامك” عن يسوع.

ويستشهد مرقس 1: 3 بإشعياء 40: 3، حيث كان على الشعب أن يُعدّوا طريق الرب – مرة أخرى، إشارة إلى أن يسوع هو تحقيق واضح لمجيء يهوه شخصيًا. ويشير إلى صوت سماوي وإعطاء الروح القدس في مرقس 1: 10–11، وهو أن يسوع هو الخادم المجهز بالروح القدس المذكور في إشعياء 42: 1 (وقارن هذا بإشعياء 52: 7 وإشعياء 61: 1). وبما لا شك أن هذه الروابط التي استخدمها مرقس ليست بالضرورة تؤكد أنه يكتب بوحي إلهي، ولكنها تشكل جهدًا من مرقس لتقديم إنجيله على أنه استمرار للسرد الكتابي،⁹¹ وهذا ما أدركه بلا شك من قرأوه.

وكما لاحظ إن. تي. رايت بقوله: “لم يفكر اليهود تلك الفترة في التقاليد الكتابية أنها مجرد سرد فقط، بل كانوا قادرين على تصور القصة بالكامل والبحث بانتظام عن ختام هذه القصة المناسب”.⁹²

 

وعي إنجيل يوحنا

يوحنا 21: 24: على عكس الأناجيل الإزائية، فإن إنجيل يوحنا كان أكثر وضوحًا بشأن هوية مؤلفيه، في قول يوحنا: «هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ بِهذَا وَكَتَبَ هذَا».⁹³ فهو يؤكد هوية هذا التلميذ الغامض.

فأثارت عبارة “التلميذ الحبيب” جدلًا أكاديميًا واسعًا، وثم اقتراحات مختلفة حول الهوية.⁹⁴ ومع ذلك، بغض النظر عن الاقتراحات، فمن الواضح أن هذا الشخص داخل الدائرة الرسولية الداخلية، وكان من أوائل التلاميذ الذين تم دعوتهم في يوحنا 1: 35–40، وحضر العشاء الأخير في يوحنا 13: 23، وحضر الصليب في يوحنا 19: 26–35، وكان مع بطرس ويسوع في يوحنا 21: 20.

في الواقع، إن التلميذ الحبيب هو من شهود العيان الذين لديهم شمول في شهادتهم، وبظهوره في بداية إنجيل يوحنا 1: 35–40 ونهايته يوحنا 21: 20، تمامًا كما ذكرنا أسلوب ذكر مرقس لبطرس كشخصية محورية.⁹⁶ ويلخص Bauckham إلى أن إنجيل يوحنا يقدم التلميذ الحبيب على أنه التلميذ الذي يعبر عن شهود العيان كأهم مصدر صلب تاريخي للإنجيل.⁹⁷ وهكذا، على أقل تقدير، يوضح يوحنا 21: 24 أن إنجيل يوحنا لديه شهادة شهود عيان من الرسل، أي من شخص مرتبط مباشرة بالدائرة المقربة من يسوع.⁹⁸ وهناك المزيد من هذا، فمكانة هذا التلميذ الحبيب.

إن يوحنا هو الشاهد الموثوق به (μαρτυρῶν)، وكان موجودًا من البداية. ونجد أن هذه الفكرة فيها تشابه كبير بين ما أعلنه يوحنا عن نفسه في يوحنا 15: 27: «وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابْتِدَاءِ»، بمعنى: ستشهدون أنتم لأنكم كنتم معي منذ البداية.⁹⁹ وتأتي قوة الشهادة هنا من الروح القدس الذي وعد يسوع أن يكون فيهم في يوحنا 15: 26.¹⁰⁰ ومن المفيد أن نرى الآيتين جنبًا إلى جنب: «سَتَشْهَدُونَ (μαρτυρεῖτε) لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ مَعِي مُنْذُ الْبَدْءِ» (يوحنا 15: 27)،

مع الآية التي تقول: «هذَا هُوَ التِّلْمِيذُ الَّذِي يَشْهَدُ (μαρτυρῶν) بِهذِهِ الأُمُورِ وَكَتَبَ هذِهِ الأُمُورَ» (يوحنا 21: 24). وهكذا، فإن يوحنا 21: 24 هو إعلان قوي على أن وعد يسوع في يوحنا 15: 26 و27 بإرسال شهود ذوي سلطة وإلهام من الروح القدس قد تحقق. فما سيكتبونه هو شهادة موثوقة لتلاميذ مملوءين بالروح القدس.¹⁰¹

وبناءً على كل هذا، تمكن Jean Zumstein من التصريح بأن إنجيل يوحنا يتمتع بمكانة مماثلة مثل العهد القديم.¹⁰² ويرى Ridderbos أن يوحنا 21: 24 دليل أن التلميذ الحبيب دوّن شهادته وجعلها في الكتاب المقدس.¹⁰³

وبالتأكيد، نجد هذا الاستنتاج عندما نضع يوحنا 21: 24 بجانب يوحنا 20: 30: «وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. 31 وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ».¹⁰⁴

وفي المقطع الأخير، يقر الكاتب أن ليس كل شيء كُتب في الإنجيل، ولكن ما كُتب هو يكفي لتعرفوا أن لنا حياة باسمه. وهذه العبارة دقيقة: γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ –

من المقاطع الرئيسية في العهد القديم، تشير بوضوح إلى الكتاب المقدس:

Deut 28:58: “careful to do all the words of this law that are written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”

2 Chron 34:21: “do according to all that is written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”

Jer 25:13: “I will bring upon that land . . . everything written in this book (γεγραμμένα ἐν τῷ βιβλίῳ τούτῳ)”

تثنية 28: 58: «إِنْ لَمْ تَحْرِصْ لِتَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هذَا النَّامُوسِ الْمَكْتُوبَةِ فِي هذَا السِّفْرِ، لِتَهَابَ هذَا الاسْمَ الْجَلِيلَ الْمَرْهُوبَ، الرَّبَّ إِلهَكَ».

 

أخبار الأيام الثاني 34: 21: «اذْهَبُوا اسْأَلُوا الرَّبَّ مِنْ أَجْلِي وَمِنْ أَجْلِ مَنْ بَقِيَ مِنْ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا عَنْ كَلاَمِ السِّفْرِ الَّذِي وُجِدَ، لأَنَّهُ عَظِيمٌ غَضَبُ الرَّبِّ الَّذِي انْسَكَبَ عَلَيْنَا مِنْ أَجْلِ أَنَّ آبَاءَنَا لَمْ يَحْفَظُوا كَلاَمَ الرَّبِّ لِيَعْمَلُوا حَسَبَ كُلِّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي هذَا السِّفْرِ».

 

وفي إرميا 25: 13: «وَأَجْلِبُ عَلَى تِلْكَ الأَرْضِ كُلَّ كَلاَمِي الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ عَلَيْهَا، كُلَّ مَا كُتِبَ فِي هذَا السِّفْرِ الَّذِي تَنَبَّأَ بِهِ إِرْمِيَا عَلَى كُلِّ الشُّعُوبِ».

وبالإضافة إلى قولهم ما جاء في سفر الرؤيا عن وعي الكاتب أنه يكتب كتابًا مقدسًا، مثلما يكتبون في رؤيا 22: 18: «لأَنِّي أَشْهَدُ لِكُلِّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالَ نُبُوَّةِ هذَا الْكِتَابِ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَزِيدُ عَلَى هذَا، يَزِيدُ اللهُ عَلَيْهِ الضَّرَبَاتِ الْمَكْتُوبَةَ فِي هذَا الْكِتَابِ».¹⁰⁵ وفي الآية 22: 18، يقدم تحذيرًا أنه لا يجوز تغيير نبوة هذا الكتاب، أي المكتوب داخل هذا الكتاب.

وكاتب إنجيل يوحنا رأى يوحنا المعمدان كنبي له دور مثل دور أنبياء العهد القديم، وكان مهتمًا بكتابة الكلمات الخاصة به. وفي إنجيل يوحنا 20: 31 يقول إن من يؤمن به سيكون له حياة باسمه. ويعقل كينر ويقول إن يوحنا 20: 30–31 تشير إلى أن كاتب الإنجيل الرابع يرى أن عمله ينتمي إلى فئة الكتب المقدسة القديمة.

 

لوقا ووعيه أنه يكتب وحيًا

لوقا 1: 1–4: بطريقة مشابهة لإنجيل يوحنا، مقدمة إنجيل لوقا تخاطب الذين يزعمون أنهم ينقلون تقليدًا رسوليًا.¹⁰⁹

يقول الكاتب إنه تسلّم من أولئك الذين كانوا مُعايِنين كشهود عيان وخُدّامًا للكلمة. فهو يشير أولًا إلى شهود العيان، ثم خُدّام الكلمة، مما يجعل الكاتب لوقا مسيحيًا من الجيل الثالث.

ومع ذلك، فإن الحقيقة أن لوقا استخدم أداة تعريف مفردة، مما يجعل المصطلحين يشيران إلى أن شهود العيان هم أنفسهم المعاينون وخُدّام للكلمة. لذلك، يرى معظم الباحثين أنه يقصد شهود عيان وخُدّامًا للكلمة، وليس مجموعتين.¹¹³ ويدعم هذا الاعتقاد البحثي عند الباحثين وصف خدمة الرسل في آيات أخرى بلغة مشابهة للغاية.

1- على الرغم من أن لوقا استخدم كلمة “شهود العيان” في المقدمة، يقول Joel Green إن كلمات لوقا هي مراعاة للمخاوف التاريخية، فيُقيم شهادته على شهادة العيان. لذلك، لوقا يؤكد أن كلامه مبني على شهادة العيان.¹¹⁴

ويزخر إنجيل لوقا وسفر أعمال الرسل بإشارات كثيرة تشير إلى أن الرسل هم شهود عيان شهدوا أعمال يسوع العظيمة في أعمال الرسل 1: 8، و3: 15، و5: 32، و10: 39–41، و26: 16. والجدير بالذكر أن لوقا 24: 48 يختم الإنجيل ويصف الرسل أنهم شهود (μάρτυρες)، مما يشكل شمولًا أدبيًا رائعًا للإنجيل بأكمله، ويعزز الشمول أن بداية إنجيل لوقا مبنية على أنهم شهود ونهايته. وفي لوقا 1: 1–2، يذكر أن الرسل شهود على ما تحقق في خدمة يسوع.¹¹⁵ وفي لوقا 24: 48، يوحي بهذا الشمول، ولوقا كان يعتبر إنجيله شاهدًا رسوليًا على تحقق أسفار العهد القديم وإكمالها من خلال خدمة يسوع المسيح.

لوقا 24: «وَقَالَ لَهُمْ: هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ: أَنَّهُ لاَبُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ. 45 حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. 46 وَقَالَ لَهُمْ: هكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ، وَهكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، 47 وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ، مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ. 48 وَأَنْتُمْ شُهُودٌ لِذلِكَ».

فيمكن اعتبار كتابات لوقا أنها تكملة لسرد تاريخي للعهد القديم.

كما يلاحظ Marshall أن لوقا اعتبر عمله هو استمرار للتصور التاريخي المدون في العهد القديم.¹¹⁶ ويؤكد Craig Evans أن لوقا كان يقصد أن يُقرأ إنجيله بجوار القصص الكتابية، وكان يعتقد أنها أصبحت جزءًا من الكتاب المقدس.¹¹⁷

2- يصف أعمال الرسل 1: 22 السمتين الرئيسيتين للرسل: وجوب أن يكونوا حاضرين منذ البدء، وأن يكونوا شهودًا أساسيين للقيامة. وهذا يشكل تشابهًا لافتًا مع أولئك الذين كانوا شهود عيان منذ البدء في لوقا 1: 2، بالمقارنة مع أعمال الرسل 10: 37. ويظهر هذا المزيج أيضًا في يوحنا 15: 27 عندما يقول يسوع: «أَنْتُمْ شُهُودِي لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ مَعِي مُنْذُ الْبِدَايَةِ».¹¹⁸

3- لوقا أيضًا يصف تلقي بولس للخدمة في أعمال الرسل 26: 16، فيصف بولس أنه الخادم والشاهد (nasb; ὑπηρέτην καὶ μάρτυρα)، يشبه تمامًا تعبيره في لوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ، · καὶ ὑπηρέται».

4- يشير سفر أعمال الرسل 6: 4 إلى أن الرسل مكرسون لخدمة الرب بقوله (τῇ διακονίᾳ τοῦ λόγου)، وهذه العبارة مشابهة بشكل ملفت لعبارة لوقا في لوقا 1: 2 عندما وصفهم أنهم خُدّام للكلمة (ὑπηρέται τοῦ λόγου). في الواقع، كما ذكرنا في رسالة تسالونيكي الأولى 2: 13، تُستخدم كلمة “الكلمة” في جميع أنحاء العهد الجديد إشارة إلى رسالة إلهية موثوقة.¹¹⁹ ويُعلق Fitzmyer على استخدام هذه العبارة في لوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ».

يمكن أن يُفهم أن “الكلمة” هنا مصطلح عام يُقصد به قصة الفكر المسيحي، إلا أن الاستخدام الذي تكتسبه الصيغة في اليونانية (ho logos) تشير في سفر الأعمال إلى كلمة الله في أعمال 8: 4، وأعمال 10: 36، و11: 19، و14: 25. وبالمقارنة بلوقا 8: 12–15، يعطيها دلالة واضحة على كلمة الله. تجدر الإشارة إلى أن أعمال الرسل 1: 1 يقول لوقا ويستعيد صيغته الإنجيلية بمصطلح (τὸν λόγον).

كما لوحظ في مناقشة نص رسالة تسالونيكي الأولى 2: 13، استخدام لغة مثل παρέδοσαν التي تعني “مُسلَّم” في لوقا 1: 2 في آيات متعددة في العهد الجديد عن نقل وتسليم تقليد رسولي.¹²¹

تشير كل هذه الاعتبارات إلى أن لوقا يقدم إنجيله على أنه تجسيد للكلمة الرسولية ذات الوحي، سُلِّمت إليه وأُوكِلت إليه. وبالطبع، يُقر لوقا بأنه ينشئ روايته الخاصة لهذا التقليد،¹¹² فهو يقدم ترتيبًا منظمًا (καθεξῆς).¹²³ ومع ذلك، لا يكتب لوقا كشخص من جيل ثالث، فلوقا ليس غريبًا، بل يكتب كشخص تلقى مادته مباشرة من الرسل. يشير David Moessner إلى أن كلمة παρηκολουθηκότι لا تُشير إلى أن لوقا بحث في هذه الأمور، بل إلى أنه شخص زُرعت فيه هذه التقاليد وتدرب عليها.¹²⁴

وهكذا، يقدم لوقا نفسه أنه قد تعلم جميع هذه التقاليد لبعض الوقت (ἄνωθεν) من القديس بولس، وربما من آخرين.¹²⁵ وبهذه الطريقة، يُعطي لوقا القارئ شهادة متميزة،¹²⁶ تبرز وجوب الوثوق فيها، فهو يتحدث بصوت رسولي. من المهم جدًا أن يُقدم لوقا هذه الشهادات الرسولية إن أراد تحقيق الغرض الذي يكتب لأجله، ألا وهو أن يكون لدى ثاوفيلس يقين بشأن الأمور المتيقنة عنده. يجادل Bock أن هذه اللغة تشير إلى أن ثاوفيلس مؤمن، أو ربما شخص عرف الرب حديثًا ويحتاج طمأنينة بشأن التعليم الذي تلقاه سابقًا.¹²⁷

يقول Marshall إن ثاوفيلس كان على الأرجح متلقيًا للتعليم المسيحي الرسمي.¹²⁸ إذا كان الأمر كذلك، فإن لوقا لا يكتب ببساطة لإعادة الحقائق التاريخية الخام، بل يكتب بناءً لاهوتيًا.¹²⁹ يقدم لوقا إنجيله أنه مصدر رسولي ليشجع المسيحيين ويطمئنهم بشأن البشارة التي آمنوا بها، أي أنه يكتب كتابًا مكتوبًا للكنيسة. لم يكن الأمر مجرد كتابة تاريخية، بل تاريخ الخلاص.¹³⁰

وكما يذكر Fitzmyer، أن لوقا ليس مؤرخًا هيلينستيًا علمانيًا، بل أقرب في كتابته إلى تاريخ العهد القديم الكتابي.¹³¹ وتشير كل هذه الاعتبارات إلى أن لوقا قدم إنجيله كوثيقة رسولية تُظهر أن المسيح أكمل العهد القديم، وتعزز الثقة بالحقائق المسيحية الأساسية. ويلخص Evans قائلًا: “لا يرى لوقا نفسه في المقام الأول كاتبًا للسيرة، ولا حتى مؤرخًا، بل إن لوقا يكتب كتابًا مقدسًا، كتابًا يعلن ما فعله الله عندما كان بيننا”.¹³²

 

إنجيل متى

على عكس الأناجيل الثلاثة، احتوى إنجيل متى على عدد أقل من الأدلة الداخلية التي تشير إلى أنه ينقل تقليدًا رسوليًا. متى 9: 9: «وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ، رَأَى إِنْسَانًا جَالِسًا عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ اسْمُهُ مَتَّى، فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي. فَقَامَ وَتَبِعَهُ». متى 10: 3: «فِيلُبُّسُ، وَبَرْثُولَمَاوُسُ. تُومَا، وَمَتَّى الْعَشَّارُ. يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى، وَلَبَّاوُسُ الْمُلَقَّبُ تَدَّاوُسَ».

ومع ذلك، لا يزال هناك دلائل على أن هذا الإنجيل قد كُتب بقصد إكمال قصة العهد القديم.¹³⁴ ولعل أبرز ما يميزه بهذا الصدد هو الطريقة الفريدة التي يبدأ بها متى إنجيله بعنوان افتتاحي، متى 1: 1: «كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ ابْنِ إِبْراهِيمَ». يتبعه سلسلة النسب في متى 1: 2–17.

يشير Davies و Allison إلى أن العبارة الأولى لمتى (Βίβλος γενέσεως) لا تشير إلى بداية سلسلة النسب بقدر ما تشير إلى الكتاب ككل،¹³⁵ وهي الطريقة التي استُخدمت في تكوين 2: 4: «هذِهِ مَبَادِئُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حِينَ خُلِقَتْ، يَوْمَ عَمِلَ الرَّبُّ الإِلهُ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ»، وتكوين 5: 1: «هذَا كِتَابُ مَوَالِيدِ آدَمَ، يَوْمَ خَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ. عَلَى شَبَهِ اللهِ عَمِلَهُ». فهو لا يشير إلى النسب في حد ذاته، بل التاريخ الأولي لشعب الله.¹³⁶ بالإضافة إلى ذلك، يجادل ديفيز وأليسون بأن المصطلح (γενέσεως) من شأنه أن يقودنا في التفكير في عنوان سفر التكوين في الترجمة السبعينية، فكان سفر التكوين يُطلق عليه (Γένεσις).

ومن ثم، يدفع المرء أن يتساءل عما إذا كان الاستخدام التمهيدي لكلمة (Βίβλος γενέσεως) يدفع قراء متى إلى التفكير في أول سفر في التوراة، ويتوقع القارئ أن إنجيل متى هو سفر تكوين جديد، سفر خاص بتكوين يسوع المسيح.¹³⁷ وبالتالي، فإن العبارة الافتتاحية لإنجيل متى تُفهم على أفضل وجه على أنها سفر التكوين الجديد الذي كتبه يسوع المسيح.¹³⁸

تشير هذه البداية إلى أن متى يكتب عمدًا بأسلوب كتابي. فقد نظر إلى كتابته وأراد من قرائه أن ينظروا إليه على أنه استمرار لقصة التوراة. وهكذا، استطاع Willi Marxsen أن يعلن: “متى بواسطة هذه العبارة يقدم إنجيل متى على أنه سفر التكوين المقدس، قياسًا للعهد القديم”.¹³⁹

إن الحقيقة أن متى يبدو وكأنه يصوغ إنجيله على غرار كتب العهد القديم تؤكدها حقيقة أنه يتحول فورًا إلى سلسلة الأنساب، واضعًا يسوع من قصة بني إسرائيل، مع التركيز بشكل خاص على داود.¹⁴⁰ وسلسلة النسب. وكان هذا بالطبع نوعًا أدبيًا معروفًا في العهد القديم، ويُستخدم كثيرًا لإظهار الكشف التاريخي لعمل الله لفداء شعبه.¹⁴¹ وفي هذا الصدد، فإن أقرب نظير لإنجيل متى هو سفر أخبار الأيام، الذي يبدأ أيضًا بسلسلة نسب تركز على سلسلة نسب داود.¹⁴²

وكان سفر أخبار الأيام يُعتبر بحلول القرن الأول هو السفر الأخير في الشريعة كما جادل بعض الباحثين.¹⁴³ فإن إنجيل متى سيكون بالتأكيد استكمالًا له. إن وجود شريعة للعهد القديم تنتهي بسفر أخبار الأيام كان الغرض من ذلك تذكير اليهود بأن عودة إسرائيل من السبي المذكور في عزرا ونحميا ليس معناه انتهاء القضية. إنها مجرد عودة جسدية وليست روحية، فكانت قلوب الناس لا تزال تحتاج لتغيير.

وظلت إسرائيل في المنفى الروحي.¹⁴⁴ وكانت إسرائيل تتطلع متى سيأتي المسيح ابن داود إلى أورشليم ويجلب الخلاص الكامل لشعبه.¹⁴⁵

وفي الفصل الافتتاحي من إنجيل متى، سيكون من الواضح أنه ينوي أن ينهي هذه القصة، فيكمل ما انتهى به العهد القديم، مع التركيز على داود وخلاص إسرائيل. علاوة على ذلك، فإن الأمر العظيم في نهاية إنجيل متى 28: 18: «فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلًا: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، 19 فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. 20 وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ».

كل هذا صدى لنهاية سفر أخبار الأيام الثاني 36: 23: «هكَذَا قَالَ كُورَشُ مَلِكُ فَارِسَ: إِنَّ الرَّبَّ إِلهَ السَّمَاءِ قَدْ أَعْطَانِي جَمِيعَ مَمَالِكِ الأَرْضِ، وَهُوَ أَوْصَانِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا فِي أُورُشَلِيمَ الَّتِي فِي يَهُوذَا. مَنْ مِنْكُمْ مِنْ جَمِيعِ شَعْبِهِ، الرَّبُّ إِلهُهُ مَعَهُ وَلْيَصْعَدْ».

مما دفع Greg Beale إلى القول إن متى بنى إنجيله جزئيًا ليعكس بداية ونهاية سفر أخبار الأيام.¹⁴⁶ وبغض النظر عما إذا كان المرء يقبل أن سفر أخبار الأيام الأول هو السفر الأخير في القانونية العبرانية، فإن الروابط بين إنجيل متى وسفر أخبار الأيام لا تزال قائمة في الواقع. وبناءً على هذا الأساس، يستنتج Davies و Allison أن متى اعتبر إنجيله استمرارًا للتاريخ الكتابي، وربما أيضًا تصور عمله أنه ينتمي إلى نفس الفئة الأدبية التي كُتب بها العهد القديم، والتي تناولت أيضًا شخصياته.¹⁴⁷

فمتى كان يرغب بتسجيل خطة خلاص الله الذي طال انتظار شعبه لها. ثانيًا، إن صح التعبير، فلا عجب إذًا أن يكون متى حريصًا كل الحرص على تصوير يسوع كموسى الثاني.

وهذا النمط من موسى موجود في متى عندما كان يسوع رضيعًا، ومع ذلك يتم نجاته في خروج 2: 1–10 ومتى 2: 1–18. ويكرر يسوع الخروج الأصلي من مصر (هوشع 11: 1 ومتى 2: 15). ويحظى يسوع بفترة للخروج للخدمة العلنية في خروج 3: 1 ومتى 2: 23–3: 13. ويبدأ يسوع خدمته عند نهر الأردن في المعمودية (راجع خروج 14 وقارنها بمتى 3: 13–17، قارن أيضًا كورنثوس الأولى 10: 2).

ويسوع مثل موسى يطعم الناس في البرية (قارن بين خروج 16 وعدد 11 ومتى 14: 13–20).¹⁴⁸

ومن الجدير بالملاحظة أن يسوع صعد إلى الجبل في متى 5: 1، وأن موسى صعد إلى الجبل ليتلقى الشريعة في خروج 19: 3، 12–13، 18، والتثنية 1: 24، 41، 43؛ و5: 5، ويوصف أنه جلس هناك في تثنية 9: 9.¹⁴⁹ فلا شك أن هذه الصورة تُصدِّر يسوع في إنجيل متى أنه المخلص الجديد والنهائي برؤية جديدة ومتقنة.

فكان يكتب شريعة ذات سلطان إلهي. وهذا ما دفع Smith وآخرين إلى إعادة النظر إلى تقسيم إنجيل متى إلى خمسة أجزاء تعليمية، ليوازي أسفار موسى الخمسة، باعتباره مقدمًا إنجيله على أنه الوحي النهائي ليسوع.¹⁵⁰

 

 

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

كتابات العهد الجديد الأخرى

على الرغم من أننا لا نستطيع تناول جميع الأسفار المتبقية في العهد الجديد، ولكن سنسلط الضوء على بعض المواضيع الأخرى التي فيها إدراك للوحي والسلطة الرسولية للكاتب أثناء كتابته.

في عبرانيين 2: 1–4: «لِذلِكَ يَجِبُ أَنْ نَتَنَبَّهَ أَكْثَرَ إِلَى مَا سَمِعْنَا لِئَلاَّ نَفُوتَهُ، 2 لأَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ صَارَتْ ثَابِتَةً، وَكُلُّ تَعَدٍّ وَمَعْصِيَةٍ نَالَ مُجَازَاةً عَادِلَةً، 3 فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟ قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا، 4 شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ».

في رسالة العبرانيين، نجد أن هوية الكاتب سيطرت على كلامه. فبدلًا من اتباع استنتاج أوريجانوس القائل عن العبرانيين: “الله يعلم من كتب هذه الرسالة”،¹⁵² استمر الباحثون في تقديم دراسات وربطها بأبلوس، وبريسكلا، ولوقا. للأسف، أدى هذا إلى إغفال أمر مهم، أن الكاتب يقدم نفسه أنه يعتمد على تقليد رسولي مباشر.

عندما أشار إلى خلاص عظيم، وأن الغرض من هذه الرسالة استكشاف هذا الخلاص، ويشير الكاتب أن رسالة الخلاص أُعلنت أولًا من قبل الرب، وصارت لنا ثابتة من قبل الذين سمعوا وشهدوا آيات وعجائب ومعجزات متنوعة من الروح القدس. فذِكرُه لعبارة “الذين سمعوا”، أي الرسل الذين سمعوا من يسوع مباشرة، والذين أُيِّدت خدمتهم بآيات وعجائب ومظاهر التقوى.

وعمل الروح القدس. ونجد هذا في أعمال 2: 43: «فَصَارَ خَوْفٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ، وَكَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ». وأعمال 4: 30: «بِمَدِّ يَدِكَ لِلشِّفَاءِ، وَلْتُجْرَ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ بِاسْمِ فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ». وأعمال 5: 12: «وَجَرَتْ عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّعْبِ. وَكَانَ الْجَمِيعُ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ فِي رِوَاقِ سُلَيْمَانَ». وأعمال 6: 8، وأعمال 14: 3، وأعمال 15: 12، ورومية 15: 19، وكورنثوس الثانية 12: 12.

وبالمقارنة بلوقا 1: 2: «كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّامًا لِلْكَلِمَةِ».¹⁵⁶ إن استخدام كلمة ἐβεβαιώθη اليونانية يسلط الضوء على سلطة الرسل، فهم لم يبلغوا الرسالة فحسب، بل أكدوا وأثبتوا وضمنوا الرسالة. فكلمة “إلينا” (εἰς ἡμᾶς)، فالكلمة لا تعني بالضرورة أن الكاتب تلقى هذا التقليد مع الجمهور، ولكن هي لغة مستخدمة من لوقا 1: 2 ويوحنا الأولى 1: 2، ولا تذكر الآيات أن الجمهور تلقى مع الكاتب التسليم.

وهكذا، يصور الكاتب نفسه على أنه في وضع مشابه جدًا لوضع مرقس ولوقا، فيكتب شهادة رسولية موثوقة وينقلها إلى مستمعيه.

ولاحظ Donald Hagner في هذا الصدد أن كاتب العبرانيين يمكن تشبيهه بلوقا.¹⁶¹ وبالمثل، يلاحظ George Buchanan أن الكاتب كان ينقل تقليدًا رسوليًا تلقاه مباشرة من الرسل أنفسهم.¹⁶² وتتأكد الصلة بين الكاتب والدائرة الرسولية من خلال حقيقة أن رفيق كاتب العبرانيين هو تيموثاوس، الذي عرف بولس وسيلا وسافر معهما حسب ما جاء في أعمال الرسل 16: 3، وأعمال 17: 14، ورومية 16: 21، وكورنثوس الأولى 4: 17، وكورنثوس الثانية 1: 19.¹⁶³

إذا كان الأمر هكذا، فإن الكاتب – على الرغم أنه ليس شاهد عيان مباشر ليسوع في حياته – لكن يقدم نفسه أنه كان مساعدًا للرسول، وأنه مشارك في الرسالة الرسولية. وهذا يتناقض مع كُتّاب مثل إغناطيوس،¹⁶⁴ وكليمندس الروماني،¹⁶⁵ الذين يميزون بوضوح بين الفترة الرسولية وفترة حياتهم. إنهم ينظرون إلى خدمة الرسل ولا يقدمونها. لذا، لا ينبغي أن نستعجب أن المسيحيين الأوائل اعتبروا الرسالة للعبرانيين كتابًا رسوليًا. في الواقع، فهم أوريجانوس السفر بهذه الطريقة تحديدًا عندما قال إنه كُتب من قبل شخص كان جزءًا من الدائرة الرسولية، ومن المرجح أنه كان رفيقًا وتلميذًا لبولس نفسه.¹⁶⁶ وهذا من شأنه أن يفسر سبب ارتباط كاتب رسالة العبرانيين ارتباطًا وثيقًا بالرسل في بداية المسيحية المبكرة.

بالإضافة إلى أن الكاتب يقول عن نفسه في هذا السفر إنه يقدم شروط العهد الجديد من خلال المسيح، بنفس الطريقة التي عُرضت بها شروط العهد القديم من خلال موسى في سفر التثنية.¹⁶⁸ في دراسته الحديثة، لم يُظهر David Allen أن رسالة العبرانيين تعتمد على نص وموضوعات سفر التثنية فقط، بل أظهر أيضًا أن أساس بنية الرسالة – التثنية بأكمله من دعوة شعب الله والاختيار بين الحياة والموت – مُعاد تقديمها في رسالة العبرانيين بغرض مسيحي.¹⁶⁹ ونتيجة لذلك، خلص ألين إلى أن الرسالة للعبرانيين لا تستخدم سفر التثنية فقط، بل وصفها أنها تثنية جديد.¹⁷⁰ في جوهرها، تعيد رسالة العبرانيين صياغة سفر التثنية وإعادة تشكيل قصة بني إسرائيل لجيل جديد، وبالتالي أصبحت توراة جديدة.¹⁷¹

وفي رسالة بطرس الثانية 3: 2: «لِتَذْكُرُوا الأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقًا الأَنْبِيَاءُ الْقِدِّيسُونَ، وَوَصِيَّتَنَا نَحْنُ الرُّسُلَ، وَصِيَّةَ الرَّبِّ وَالْمُخَلِّصِ».

هذا النص يتجاهله البعض، فالكاتب يطلب من القارئ الخضوع لنبوات الأنبياء ووصية الرب والمخلص من خلال الرسل، وهذا ما يؤكده الكاتب.¹⁷²

أنبياء العهد القديم ورسل العهد الجديد يظهرون كمتساويين كمصدر للوحي والسلطة. فهناك تساوي بين تنبؤات الأنبياء القديسين في النصوص المكتوبة ووصايا الرب من خلال الرسل. ويدعم السياق المباشر هذا، فرسائل بولس يعتبرها الكاتب أنها جزء من القانونية في بطرس الثانية 3: 16: «كَمَا فِي الرَّسَائِلِ كُلِّهَا أَيْضًا، مُتَكَلِّمًا فِيهَا عَنْ هذِهِ الأُمُورِ، الَّتِي فِيهَا أَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ، يُحَرِّفُهَا غَيْرُ الْعُلَمَاءِ وَغَيْرُ الثَّابِتِينَ، كَبَاقِي الْكُتُبِ أَيْضًا، لِهَلاَكِ أَنْفُسِهِمْ».

وفي كورنثوس الأولى 14: 37: «فَإِنِ اعْتَبَرَ أَحَدٌ نَفْسَهُ نَبِيًّا أَوْ صَاحِبَ مَوْهِبَةٍ رُوحِيَّةٍ، فَلْيُدْرِكْ أَنَّ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ إِنَّمَا هُوَ وَصِيَّةُ الرَّبِّ».

بل إن كاتب بطرس الأولى يذكر أنه كتب نصوصًا أخرى، بطرس الثانية 3: 1: «أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، أَنَا الآنَ أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ رِسَالَتِي الثَّانِيَةَ». وإشارة إلى بطرس الأولى 1: 1: «مِنْ بُطْرُسَ، رَسُولِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى الْمُخْتَارِينَ الْمُتَغَرِّبِينَ الْمُشَتَّتِينَ فِي بُنْتُسَ وَغَلاَطِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَآسِيَةَ وَبِيثِينِيَّةَ».¹⁷⁸

لذلك، اعتبر كاتب رسالة بطرس الثانية النصوص الرسولية المكتوبة سابقًا هي نصوص موثوقة في بطرس الثانية 3: 16، ويقول لقرائه إنه ينبغي أن يخضعوا إليها ولوصاياها في بطرس الثانية 3: 2.

المرجع:

 

 

Were the New Testament Authors Unaware of Their Own Authority? Lee McDonald

قانونية العهد الجديد: هل كان كَتَبَةُ العهد الجديد يدركون أنهم يكتبون وحيًا؟ Lee McDonald ترجمة: Aghroghorios

 

 

لماذا ينبغي الثقة بمصداقية كتّاب العهد الجديد؟ – ترجمة : Patricia Michael

لماذا ينبغي الثقة بمصداقية كتّاب العهد الجديد؟ – ترجمة: Patricia Michael

لماذا ينبغي الثقة بمصداقية كتّاب العهد الجديد؟ – ترجمة: Patricia Michael

إن الثقة بمصداقية كتّاب العهد الجديد ليست مجرد افتراض غير مدعوم بالأدلة، بل هي استنتاج يستند إلى معايير تاريخية ومنهجية متينة. فبينما قد يدّعي النقّاد بأنه لا يمكننا التأكد من أن يسوع الناصري حقق بالفعل نبوءات العهد القديم، فإن الحقائق التاريخية والوثائقية المتاحة ترجّح بقوة موثوقية روايات العهد الجديد.

أولًا: يسوع الناصري شخصية تاريخية موثّقة، ليس فقط من خلال الأناجيل، بل أيضًا في مصادر يهودية ورومانية تعود إلى القرنين الأول والثاني الميلاديين، مثل كتابات المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس، والمؤرخ الروماني تاسيتوس، مما يؤكد أنه لم يكن شخصية أسطورية، بل شخصية حقيقية عاشت في فلسطين في القرن الأول الميلادي.

ثانيًا: لا تعتمد روايات العهد الجديد على شهادة فردية فقط، بل تأتي من مصادر متعددة ومستقلة. فمنهج التأريخ القديم يعتمد على تعدد الشهادات باعتباره دليلًا قويًا على صحة الحدث، وبذلك فإن توافق شهادات متى ومرقس ولوقا ويوحنا، إضافة إلى كتابات بولس وبطرس ويعقوب ويهوذا، يعزز مصداقية الأحداث المرتبطة بحياة يسوع الناصري وتحقيقه للنبوءات المسيانية.

ثالثًا: لو كان كتّاب العهد الجديد قد اختلقوا هذه الروايات، لكانوا قد أدانوا أنفسهم، لأنهم شددوا على أن الكذب، لا سيما في الأمور الإلهية، يستوجب الدينونة الأبدية. فمن غير المنطقي أن يكرّس هؤلاء الكتّاب حياتهم للتبشير برسالة يعلمون أنها زائفة، خصوصًا وأنهم واجهوا اضطهادًا شديدًا بسببها.

رابعًا: وكما أشار الباحث واين جاكسون (Wayne Jackson)، “لو لم يكن كتّاب العهد الجديد يؤمنون بمساءلة أخروية، وكانوا قد لفّقوا هذه الوثائق عمدًا، فلماذا كانوا ليقبلوا طواعية التعرض للاضطهاد والمعاناة والموت؟” إن هذا التساؤل يكشف عن معضلة غير قابلة للتفسير بالنسبة للمتشككين، لأن أي افتراض بعدم صدق هؤلاء الكتّاب يفتقر إلى الانسجام المنطقي.

خامسًا: استند الرسل والأنبياء في العهد الجديد إلى نصوص العهد القديم عند محاججة اليهود في القرن الأول الميلادي، مؤكدين أن يسوع الناصري حقق النبوءات المسيانية بدقة. وكان الرسول بولس على وجه الخصوص يدخل إلى المجامع اليهودية، ويقوم بتفسير الأسفار المقدسة بطريقة مقنعة لدرجة أن كثيرين من اليهود اقتنعوا بصحة رسالته.

(أعمال الرسل 17: 1 – 4).
“فَاجْتَازَا فِي أَمْفِيبُولِيسَ وَأَبُولُونِيَّةَ، وَأَتَيَا إِلَى تَسَالُونِيكِي، حَيْثُ كَانَ مَجْمَعُ الْيَهُودِ. فَدَخَلَ بُولُسُ إِلَيْهِمْ حَسَبَ عَادَتِهِ، وَكَانَ يُحَاجُّهُمْ ثَلاَثَةَ سُبُوتٍ مِنَ الْكُتُبِ، مُوَضِّحًا وَمُبَيِّنًا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَنَّ: هذَا هُوَ الْمَسِيحُ يَسُوعُ الَّذِي أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ.فَاقْتَنَعَ قَوْمٌ مِنْهُمْ وَانْحَازُوا إِلَى بُولُسَ وَسِيلاَ، وَمِنَ الْيُونَانِيِّينَ الْمُتَعَبِّدِينَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ، وَمِنَ النِّسَاءِ الْمُتَقَدِّمَاتِ عَدَدٌ لَيْسَ بِقَلِيل.”

سادسًا: لم تُقبل تعاليم العهد الجديد قبولًا أعمى، بل خضعت للفحص الدقيق والتحليل النقدي. فقد قام سكان بيرية، على سبيل المثال، بفحص الأسفار المقدسة يوميًا للتحقق من صحة تعاليم بولس، وانتهى الأمر بأن آمن كثيرون منهم.

(أعمال الرسل 17: 11-12)
“وَكَانَ هؤُلاَءِ أَشْرَفَ مِنَ الَّذِينَ فِي تَسَالُونِيكِي، فَقَبِلُوا الْكَلِمَةَ بِكُلِّ نَشَاطٍ فَاحِصِينَ الْكُتُبَ كُلَّ يَوْمٍ: هَلْ هذِهِ الأُمُورُ هكَذَا؟ فَآمَنَ مِنْهُمْ كَثِيرُونَ، وَمِنَ النِّسَاءِ الْيُونَانِيَّاتِ الشَّرِيفَاتِ، وَمِنَ الرِّجَالِ عَدَدٌ لَيْسَ بِقَلِيل.”

مما يدل على أن هذه الرسالة لم تكن قائمة على الإقناع العاطفي, بل على حجج عقلية ولاهوتية ودراسة متينة.

سابعًا: أحد أبرز الأدلة على موثوقية العهد الجديد هو العدد الكبير من اليهود الذين اعتنقوا الإيمان بيسوع المسيح بعد صلبه وقيامته. فقد آمن عشرات الآلاف منهم.

(أعمال الرسل 21: 20)
“فَلَمَّا سَمِعُوا كَانُوا يُمَجِّدُونَ الرَّبَّ. وَقَالُوا لَهُ: «أَنْتَ تَرَى أَيُّهَا الأَخُ كَمْ يُوجَدُ رَبْوَةً مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا، وَهُمْ جَمِيعًا غَيُورُونَ لِلنَّامُوسِ.”

بمن فيهم عدد كبير من الكهنة اليهود.

(أعمال الرسل 6: 7).
” وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ التَّلاَمِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدًّا فِي أُورُشَلِيمَ، وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ الإِيمَانَ.”

فلو لم يكن لديهم يقين راسخ بأن يسوع هو تحقيق للنبوءات المسيانية، لما خاطروا بمكانتهم الدينية والاجتماعية باتباعه.

ثامنًا: يضاف إلى كل ذلك أن الأناجيل وكتابات العهد الجديد لم تكن موجهة لجمهور بسيط يسهل خداعه، بل نُشرت في بيئة كانت مليئة بالخصوم الذين كان بإمكانهم تفنيدها إن كانت تحتوي على أخطاء أو مبالغات. ومع ذلك، لم يظهر أي دحض موثوق يثبت زيف هذه الادعاءات، بل استمرت المسيحية في الانتشار بقوة غير عادية.

إن جميع هذه العوامل، عند النظر إليها مجتمعة، تقدم أساسًا قويًا للثقة بمصداقية كتّاب العهد الجديد، وتؤكد أن يسوع الناصري حقق بالفعل النبوءات المسيانية، وأن شهادات العهد الجديد تمثل سجلًا تاريخيًا موثوقًا لحياته وتعاليمه.

ليكون للبركة
Patricia Michael

Why Should We Believe the New Testament Writers?

لماذا ينبغي الثقة بمصداقية كتّاب العهد الجديد؟ – ترجمة: Patricia Michael

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

المقدمة العامة والفهارس

العهد القديم

 

العهد الجديد

التفسير العربي المعاصر مجزأ سفر سفر

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس 

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس 

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس

العهد القديم

 

العهد الجديد

التفسير التطبيقي مجزأ سفر سفر للكتاب المقدس

من كتب إنجيل متى؟ من كتب إنجيل يوحنا؟ – الأخ بولس

من كتب إنجيل متى؟ من كتب إنجيل يوحنا؟ – الأخ بولس

من كتب إنجيل متى؟ من كتب إنجيل يوحنا؟ – الأخ بولس

مسابقات في انجيل متى PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

مسابقات في انجيل متى PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

مسابقات في انجيل متى PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

مسابقات في انجيل متى PDF (سلسلة مسابقات في سفر) مسابقات في الكتاب المقدس

تحميل الكتاب PDF

كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى – أمجد بشارة

كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى – أمجد بشارة

كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى – أمجد بشارة

كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى – أمجد بشارة

للتحميل

كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى
كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى
كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى

 

 

الفهرس

1- سلسلة نسب المسيح.

2- كيف يُنسب يسوع ليوسف بينما هو إبن مريم العذراء حسب الجسد فقط؟ 

3- كيف دخل داود في سلسلة النسب (مت1: 5) وهو حفيد مؤابية والكتاب امر بان لا يدخل المؤابيون في النسب إلى الجيل العاشر (تث23: 3)؟ 

4- في مت1: 7- 12 حذف متى ثلاثة اشخاص من سلسلة النسب، لماذا؟ وهل اسقطهم عن سهو؟ 

5- في مت1: 8، هل يورام والد عزيا أم احزيا؟ ففي 1اخ3: 11 جاء أن يورام وابنه احزيا، فأيهما صحيح؟ 

6- كيف يولد المسيا من يكنيا وهو عليه لعنة ابدية (ار22: 30) 

7- »ورد في متى 1: 11 »ويوشيا ولد يكنيا وإخوته عند سبي بابل«.لكن لم يكن يوشيا أب يكنيا، بل كان جدّه (كما في 1أخبار 3: 15 و16) 

8- ورد في متى 1: 12 أن زربابل ابن شألتئيل، وهو غلط، لأنه ابن فدايا، وابن الأخ لشألتئيل كما في 1أخبار 3: 17 و19. 

9- كيف تُذكر أسماء نساء خطاة وزانيات في نسب السيد المسيح؟ 

10- ورد في متى 1: 13 أن أبيهود ابن زربابل – وهو غلط لأن زربابل كان له خمسة بنين كما في 1أخبار 3: 19، وليس فيهم أحد يحمل هذا الاسم. 

11- هل أخطأ القديس متّى لأنه احتسب أن المجموعة الاخيرة التي تبدأ بسبي بابل هي أربعة عشر جيلًا، بينما هم 13 جيل فقط؟ 

12- الملاك قال لأبي يسوع في الرؤيا: وتدعو اسمه يسوع كما في إنجيل متى 1: 21، وقال جبريل لأمه: ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع كما في إنجيل لوقا ولم يدّع المسيح في أي وقت أن اسمه عمانوئيل. 

13- هل ترجمة متّى لكلمة علماه خطأ (فتاة أم عذراء؟) 

كيف كانت كلمة (علماه) تفهم في العقلية اليهودية القديمة؟ 

المنظور التاريخي. – طبيعة هذه العلامة 

دليل إضافي خاص بالترجمة – ما هي الـ (علْماه)؟

شهادة آباء الكنيسة الأولى

14- وردت في متى 2: 1-10 قصة مجيء المجوس إلى أورشليم برؤية نجم المسيح في المشرق، وقيادة النجم لهم بأن تقدَّمهم حتى جاء ووقف فوق الصبي، وهذا غلط، لأن حركات الكواكب السيارة، وكذا الحركة الصادقة لبعض ذوات الأذناب هي من المغرب إلى المشرق؟! 

15- في مت 2: 2، كيف يبارك الرب عمل المجوس ويقودهم عن طريق نجم، بينما الكتاب المقدس يرفض العرافة التنجيم (لا19: 26، تث18: 10، اش8: 19)؟ 

16- متى 2: 6 تخالف ميخا 5: 2

17- كيف تكون نبوة هو 11: 1 والتي اقتبسها متى (مت 2: 15)، نبوة مسيانية؟ 60

18- ورد في متى 2: 17 و18 حينئذ تمّ ما قيل في إرميا النبي القائل.. وهذا أيضًا غلط وتحريف من الإنجيل، لأن هذا المضمون وقع في إرميا 31: 15، عن حادثة بختنصر التي وقعت في عهد إرميا 

19- في متى 2: 19 أن هيرودس الملك مات لما كان المسيح طفلًا في مصر، بينما يؤكد لوقا 23: 8 أن هيرودس كان حيًّا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة، وأن المسيح مثُل أمامه للمحاكمة

20- ورد في إنجيل متى2: 23 وأتى وسكن في مدينة يُقال لها ناصرة، لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيُدعَى ناصريًا، وهذا غلط، ولا يوجد في كتاب من كتب الأنبياء. 65

21- ورد في متى 3: 14 أن المسيح أتى إلى يوحنا ليعتمد منه، فمنعه يوحنا! ثم اعتمد المسيح وصعد من الماء، فنزل عليه الروح مثل حمامة، وورد في يوحنا 1: 33 وأنا لم أكن أعرفه (وعرفتُه بنزول الروح مثل حمامةٍ ونارٍ)، وفي متى 11: 3 لما سمع يوحنا بأعمال المسيح أرسل اثنين من تلاميذه يسألونه: أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟، في الأول عرف يوحنا قبل نزول الروح، وفي الثاني عرفه بعد نزول الروح، وفي الثالث لم يعرفه بعد نزول الروح. 

22- جاء في متى 3: 15 قول المسيح للمعمدان بخصوص معمودية المسيح اسمح الآن لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر، وهذا يعني أن بعض الفرائض الدينية وخاصة المعمودية لا فائدة منها ولا معنى روحي لها؟ 

23- في مت 3: 16، لماذا انتظر المسيح حتّى وصل إلى سن الثلاثين لكي يحصل على نعمة الروح القدس في معموديته على يد يوحنا المعمدان؟ بينما يوحنا المعمدان كان مملوء من الروح القدس من وقت الحبل به (لو1: 15)! 

24- اختلف البشيرون في رواية خبر الصوت الذي سُمع من السماء وقت نزول الروح القدس على المسيح، فقال متى 3: 17 هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت، وقال مرقس 1: 11 أنت ابني الحبيب الذي به سُررت وقال لوقا 3: 22 أنت ابني الحبيب الذي بك سُررت؟

25- هل في معمودية المسيح المذكورة في مت3: 16- 17 عند الظهور الالهي، هل هذا يعني أن الأب والابن والروح القدس هم ثلاثة اشخاص منفصلين؟

 

 

 

1- سلسلة نسب المسيح

تختلف سلسلة نسب المسيح بحسب إنجيل لوقا (لو 3: 23: 38)، اختلافا كبيرًا عن تلك الواردة في انجيل متي، ليس من ناحية أنها ترجع بنا إلى آدم، إبن الله، وبهذا تضع يسوع في سلسلة الجنس البشري كله، وليس في إطار الأمة اليهودية فحسب، بل من ناحية الأسماء التي تضمنتها.

فمن إبراهيم حتّى داود هناك اتفاق، لكنهما تختلفان اعتبارا من داود، حيث يتبع متى خط وراثة عرش يهوذا من سليمان، بينما سلسلة الأنساب بحسب لوقا تُحقق ذلك من خلال ناثان، وهو إبن آخر لداود، وتلتقي مع سلسلة الأنساب بحسب متى فقط مع الاسمين شألتئيل وزربابل حتى يوسف.

 وبالنسبة لما يُقال من أن متى أو لوقا أخترع ببساطة الأسماء التي سجلها فهذا لا يفق مع ما عُرِفَ عنهما من اهتمامهما بالتفاصيل (وهو الواضح أيضًا في إنجيليهما وسفر الأعمال)، وليس هُناك ما يدعوهما إلى ذلك[1].

وفي واقع الأمر نحن لا نعرف تحديدًا ما هي المصادر التي اعتمد عليها كلٍ من القديسين متى ولوقا لمعرفة سلسلة نسب عائلة السيد المسيح، إلا انه في الغالب كانت هُناك سلسلة نسب محفوظة في مستند أو في ذاكرة كل عائلة يهودية، إذ كان اليهود مشغولين كثيرًا بسلاسل نسب العائلات هذا لأمور تختص بتقسيم الأسباط في خدمة الهيكل ومجيء المسيا والنسل الملوكي الذي له الأحقية في حكم إسرائيل وما إلى ذلك، وهذا ليس غريبًا فقد ذكر يوسيفوس المؤرخ اليهودي الشهير والمُعاصر لعصر السيد المسيح سلسلة نسب عائلته بالكامل[2].

ويقص علينا أيضًا الكاتب الكنسي افريكانوس (220م) في رسالته إلى ارستيدس أن هيرودس الملك كان ادومي الاصل ونسبة غير مُشرف بالمقارنة مع انساب اليهود، ولأنّه كان دائمًا تنغصه خساسة أصله، فقد حرق كلّ سجلاّّت الأنساب، ظنًّا منه بأنّه قد يبدو من أصل شريف أن لم يوجد غيره مَن ستطيع أن يُثبّتَ من السجلاّت العامّة أنّه كان ينتمي للآباء البطاركة الأوّلين أو الدخلاء أو الذين اختلطوا بهم الذين كانوا يُسمّون “جوري”، “ومع ذلك فإنّ عددًا قليلًا من الحريصين إذ حصلوا على سجلاّت خاصّة ملك لهم، إمّا بتذكّر الأسماء أو بالحصول عليها بطريقة أخرى من السجلاّت، فإنّهم يفخرون بحفظ تذكار أصلهم النبيل ومن ضمنهم أولئك السابق ذكرهم الذين يُسمّون “دسبوسيني[3]“، بسبب علاقتهم بعائلة المخلّص. وإذ أتوا من الناصرة وكوتشابا، وهما قريتان في يهوذا، إلى أرجاء أخرى، استقوا سلسلة النسب هذه من الذاكرة، ومن سفر السجلاّت اليوميّة، بمنتهى ما يمكن من الأمانة[4]. ويخبرنا العالِم يواقيم إرميا[5] وهو مسيحي من أصل يهودي أن حفظ الأنساب في أيام المسيح كان ضرورة حتمية كعمل رسمي هام جدًا للعائلات الكهنوتية والعائلات غير الكهنوتية على السواء. وأن هذه الأنساب لم تكن تلفَّق بل كان يُتَّخذ فيها الحيطة الدقيقة بمنتهى الدقة على قدر كبير من الاجتهاد العاملين في تسجيلها، حتى ولو حدث فيها بعض الفجوات فهذا لا يثني القائمين بالأمر من تكميل التسجيل على أكثر صحة ممكنة.

كما يمدنا العالِم م. د. جونسون[6] أنه كان هناك اهتمام شديد بنقاوة الأنساب، وكانت العائلات تحتفظ دائمًا بتاريخ أنسابها كتابة وشفاهًا، وكانت حاضرة دائمًا في أذهانهم وعلى لسانهم، لذلك أصبح من غير العدل أن لا يُعترف بها تاريخيًا.

ومن الممكن أيضًا أن يكونا قد اعتمدا على سلسلتي النسب الواردتين في كلٍ من (راعوث 4: 18- 21، وسفر أخبار الأيام الأول).

وفي حضارة الشرق القديم وخاصة عند اليهود كانت سلاسل الأنساب لا تهدف إلى وضع سلسال متصل دقيق لكل أشخاص العائلة، بل تهدف سلسلة النسب قبل كل شيء إلى البحث عن حق في إمتلاك أرض أو حق في الوضع الكهنوتي (انظُر، عز2: 61: 63)، وفي العهد القديم إذا قارننا بين (عز 7: 5)، و(1خ6) سنجد أن عزرا أسقط ستة أسماء من أمريا حتّى عزريا، وذلك لان سلسلة النسب تتعلق بجوانب روحية وحقوق قانونية أكبر وأهم من النسب البيولوجي. ولهذا فإن سلسلتي النسب عند كلٍ من متى ولوقا تُسقط عمدًا أسماء لا قيمة لها من ناحية إثبات نسب المسيح الملوكي وانه من نسل داود ويهوذا وإبراهيم.

ولهذا فالبشيران لا يذكران نفس عدد الأجيال. أما من جهة ذكر الشخصيات التي اختلفت بين كلٍ من متى ولوقا فإن ذلك يرجع إلى أن متى يذكر سلسلة نسب يسوع البيلوجية عن يوسف بن يعقوب خطيب مريم والذي انتسب إليه يسوع بالجسد امام العالم، بينما لوقا يعود بالنسب إلى مريم ابنة هالي ويذكر نسب مريم وليس نسب يوسف.

يقول وزرينتون: «من الأمور التقليدية افتراض أن قائمة نسب متَّى تقتفي أثر نسب يسوع من خلال يوسف (نسبه القانوني)، بينما قائمة لوقا تهتم بنسبه من خلال مريم (نسبه الطبيعي). وهذا الحل يجد دعمًا من الحقيقة التي تقول أن متَّى ركز في تسجيله للأحداث على دور يوسف أكثر من مريم، بينما كانت تسجيلات لوقا تجعل من مريم المحور الأساسي في الدراما. وهذا أيضًا ينسجم مع التخمين القديم الذي يقول بأن يوسف هو مصدر كثير من حكايات مولد يسوع عند متَّى، بينما مريم هي المصدر الذي استقى منه لوقا معظم معلوماته[7].

وكل من جيسلر وهاو يتبنيان هذا الموقف، وتفضيلهم لهذا الموقف وأسباب قبولهم له تضيف وتدعم من ملاحظات وزرينتون:

قائمة الأنساب عند لوقا ومتى مختلفتان، إحداهما تتبع نسبه عن طريق الأب القانوني وهو يوسف، والأخرى من خلال أمه وهي مريم. متَّى يمدنا بالخط الرسمي للنسب، طالما أنه يقدم يسوع لليهود الذين يهتمون بالمسيح اليهودي والذي من شروطه أن يكون من نسل إبراهيم وداود» (مت 1: 1). أما لوقا وأمامه جمع كبير من اليونانيين، يقدم يسوع بأنه الرجل الكامل (وهو مطلب يوناني يتفق مع معتقداتهم)، لذا هو يتعقب نسب يسوع حتى الرجل الأول وهو آدم» (لو 3: 38).

أن يقوم متَّى بتسجيل قائمة نسب ليسوع من ناحية الآب، بينما يتتبع لوقا هذا النسب من ناحية الأم فذلك يدعمه عدد من الحقائق. أولًا، بينما تواصل كل من القائمتين التقدم حتى داود: إلا أن متَّى ينسب يسوع إلى يوسف (أبيه القانوني) ويصل به حتى الملك سليمان، والذي يرث منه المسيح الملك وعرش داود (2صم 7: 12). وفي الجانب الآخر، كان هدف لوقا أن يرى الناس المسيح كإنسان عادي، لذا هو يصل بنسبه إلى ناثان ابن داود، ثم إلى والدته مريم، والتي من خلالها يمكن أن يظهر إنسانيته الكاملة، وكونه مخلِّصًا للعالم.

أكثر من ذلك، فإن لوقا لم يقل إنه يصل نسب يسوع بيوسف، بل يسجل أن يسوع «وهو على ما كان يظن» (لو 3: 23) إنه ابن ليوسف، بينما هو في الواقع ابن لمريم. أيضًا، فإن لوقا يسجل نسب مريم لأن هذا يتناسب مع تأكيده المستمر على النساء في إنجيله، والذي دُعي «إنجيل النساء».

وأخيرًا، فإن احتواء كل من القائمتين على نفس الأسماء على وجـه العموم (مـثل شلتـائـيل وزربابـل مـت 1: 12، لو 3: 27) لا يثبت أنهـم نفـس الأشخـاص. أولًا، هـي ليسـت مـن الأسماء غيـر الـمتـداولة، وأكثر من ذلـك، حتـى إذا كـانـت نفـس سلسلة النسب، فإن لوقا قد كرر اسمي يوسف، ويهوذا» (لو 3: 26 و30)[8].

ويدعم الباحث الكتابي جليسون أرشر هذا الرأي، فيكتب:

يعطي متَّى (1: 1- 16) سلسلة نسب يسوع عن طريق يوسف، الذي كان هو سليلًا للملك داود. ولأن يسوع هو الابن الذي تبنَّاه يوسف، لذا فإنه يصبح وارثًا له قانونيًا. لاحظ بدقة ما ورد في الآية 16 «ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي وُلد منها يسوع الذي يُدعى المسيح». وهذا شكل في العرض لا يتوافق مع ما سبقه في سرد قائمة أجداد يوسف: «إبراهيم ولد إسحق، وإسحق ولد يعقوب، الخ». لكن لم يذكر أن يوسف ولد يسوع، لكن يشار إليه بأنه «رجل مريم التي وُلد منها يسوع».

في لوقا 3: 23- 38، من جانب آخر يسجل قائمة نسب مريم نفسها، ويصل بنا حتى إبراهيم ثم آدم وبداية التاريخ الإنساني. وهذا يبدو متضمنًا في الآية 23: يسوع.. «كان يظن أنه ابن يوسف». هذه الكلمة (كان يظن) توضح أن يسوع لم يكن الابن الطبيعي ليوسف، بالرغم أن كل معاصريه يعلمون أنه ابنه. وهذا يدعو إلى تركيز الانتباه على الأم مريم، التي هي الوالد الوحيد ليسوع من خلال عدد من الأسلاف. لذا ذكرت سلسلة نسبها بدءًا من هالي، الذي هو يعتبر حمو يوسف، بينما أب يوسف هو يعقوب (مت 1: 16). وخط نسب مريم ينتهي إلى ناثان وهو ابن لبثشبع زوجة داود. لذلك فإن يسوع من نسل داود وبشكل طبيعي من خلال ناثان، ومن سليمان من الناحية القانونية[9].

ويتضح ذلك من اللغة اليونانية، حيث يجب أن تُعَّرف جميع الأسماء بأداة تعريف، بينما لا نجد اسم يوسف في النص هُنا مُعرف ([10]υἱός، ὡς ἐνομίζετο، Ἰωσήφ)، بينما يأتي اسم هالي أو إيلَّي (τοῦ Ἠλί [11]) مُعَّرف، فهذا يعني أن سلسلة النسب هذه لا تخص يوسف (الزوج)، بل تخص مريم (الزوجة). وهذا يعني أن النص يُقرأ هكذا: وهو على ما كان يُظَّن بن يوسف (وهُنا يوسف كناية عن مريم لإن نسب الأنثى لا يُعتد به[12]) وجده هو هالي (أب مريم). وهذا ما يؤكده التلمود إذ ذكر في أكثر من موضع أن مريم هي ابنة هالي[13].

ولذلك بينما يذكر متى نسب المسيح عن سليمان بن داود، يذكره لوقا عن ناثان بن داود. فناثان هو أحد أجداد مريم بينما سليمان هو أحد أجداد يوسف.

وأيضا يذكر متى أن والد يوسف هو يعقوب، بينما يذكر لوقا أن يوسف هو بن هالي كما سبق وأوضحنا ذلك، لان يعقوب هو الأب الحقيقي ليوسف، بينما هالي هو حمي يوسف وأب مريم وقد استخدم لوقا يوسف كمجرد كناية لمريم لان الأنسال في اليهودية ترفض ذكر نسب المرأة.

 

2- كيف يُنسب يسوع ليوسف بينما هو إبن مريم العذراء حسب الجسد فقط؟

حقًا لم يكن يوسف هو الأب الشرعي للسيد المسيح، لكنه اب المسيح بالتبني وهكذا وُضِعَّ يسوع في سلسلة نسبه كإبن له مع انه ليس الأب الشرعي له. ويكتب أغسطينوس عن ذلك: يجب على يوسف أن لا ينكر انه يسمي أبا المسيح على الرغم من انه لم ينجبه بالاتصال الجسدي. فلو تبني طفل رجل آخر، لكان من حقه أن يكون ابًا له بحسب النسب[14].

ويقول القديس أمبروسيوس:

لا تتعجب إذا ذُكِرَ نسب يوسف. لان يسوع ولد بحسب الجسد، وينبغي اتباع التسلسل العائلي. ولأنه ولد في العالم ينبغي أن يُعرف انتماؤه العائلي بالعادة المتبعة، خصوصًا أن نسب مريم هو أيضًا نسب يوسف. وبما أن يوسف كان رجلًا بارًا، فقد تزوج امرأة من سبطه ومن بلده، فالبار لا يُخالف الشريعة[15].

 يعرض القديس أمبروسيوس هُنا أمر هام، وهو أن القديس يوسف هو من نفس عائلة القديسة مريم العذراء، ويعتمد في ذلك على نص سفر العدد الذي يُلزم بالزواج من نفس السبط عدد 36: 6- 8، وهذا أمر في غاية الأهمية حيث يثبت أيضًا أن النسب الذي أورده القديس لوقا هو نسب العذراء مريم كما أثبتنا من قبل.

 وجاء أيضًا عن ذلك في تاريخ العلامة يوسابيوس القيصري: وإذ تتبّعنا نسب يوسف هكذا فإنّه يتبيّن فعلًا أن مريم أيضًا من نفس سبطه، لأنّه، طبقًا لناموس موسى، لم يكن مسموحًا الزواج من سبطٍ آخر، فالأمر الصادر هو أن يتزوّج المرء من نفس العشيرة ومن نفس السلالة، لكي لا ينتقل الميراث من سبطٍ إلى سبطٍ. ولعلّ في هذا الكفاية الآن[16].

فبحسب القديس متى فإن يسوع ينتسب إلى يوسف لأنه زوج مريم والذي هو من نفس عائلة ونسب مريم العذراء[17]. بينما عاد القديس لوقا في سلسلة النسب التي ذكرها إلى نسب القديسة مريم أم يسوع من خلال اسم يوسف كزوج لها وهالي الذي هو في الحقيقة والدها وحمي يوسف[18].

 

3- كيف دخل داود في سلسلة النسب (مت1: 5) وهو حفيد مؤابية والكتاب امر بان لا يدخل المؤابيون في النسب إلى الجيل العاشر (تث23: 3)؟

المؤابيين هم شعب غير مُحبب لليهود[19]، وراعوث هي بنت عجلون بن بالاق ملك مؤاب[20]، لكنها قد دخلت في شعب الله وتركت أصلها المؤابي حينما قالت لحماتها اليهودية (شَعْبِي وَإِلهُكِ إِلهِي.. راعوث 1: 16)، فهي بهذا قد دخلت في شعب الله، وانحلت من لعنة المؤابيين.

ومن جهة أخرى: فهذه العبارات تُشير إلى معني الاستمرار وليس المعني الحسابي[21]، فإفتقاد الله لخطايا الاباء لا يحدث إلا إذا استمرت الخطية وتحولت من فعل إلى عادة متأصلة في أجيال هذا النسل. هكذا تظهر طول أناة الله على البشريّة. وللقديس ﭽيروم تعليق جميل على ذلك بالنسبة لطول أناة الله على الإنسان إذ يرى الله لا يعاقب الإنسان في الحال على فكره الطارئ ولا على الجيل الأول حينما يتقبل الفكر إلى حين لكنه يؤدب على الجيل الثالث والرابع حينما تتحول الأفكار إلى أعمال وإلى عادات متأصلة ومستمرة، إذ يقول: “هذا يعني أن الله لا يعاقبنا في الحال على أفكارنا ونياتنا بل يرسل التأديب على أولادهم أي على الأفعال الشريرة والتي صارت عادات للخطيئة النابعة عنهم[22].

وإن كان هذا حكمًا إلهيًا على أن يحمل الأبناء أخطاء أبائهم لعملت به الشريعة الموسوية في الأنظمة التي وضعتها للقضاء، لكن على العكس فتؤكِّد الشريعة للقضاة ألاَّ يُعاقب عضو من الأسرة بسبب عضو آخر، إنَّما يلتزم كل واحد أن يتحمَّل مسئوليَّة نفسه، لا يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلادِ وَلا يُقْتَلُ الأَوْلادُ عَنِ الآبَاءِ. كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ (تث 24: 16).

وقد طبَّق أمصيا بن يوآش ملك يهوذا هذا المبدأ، فقد “قتل عبيده الذين قتلوا الملك أباه، ولكنَّه لم يقتل أبناء القاتلين حسب ما هو مكتوب في سفر شريعة موسى حيث أمر الرب قائلًا: لا يُقتل الآباء من أجل البنين، والبنون لا يُقتلون من أجل الآباء” (2 مل 14: 6).

 

4- في مت1: 7- 12 حذف متى ثلاثة أشخاص من سلسلة النسب، لماذا؟ وهل أسقطهم عن سهو؟

في الآيات من 7: 12 حذف ق. متى أسماء ثلاثة أشخاص من سلسلة النسب هُنا هو حذف طبيعي ومقصود من الكاتب، لأنه لا يكتب تأريخ لسلسلة أنساب، بل يُقدم المسيا الملك المُنتظر من خلال سلسلة أنساب تربطه بعمق تاريخ إسرائيل وأصل ملوكي مسياني والذي ينبع من إبراهيم وداود. ويقول عن ذلك القديس جيروم: لقد ترك متّى كل الأسماء ليذكر داود وإبراهيم، لأن الله وعدهما وحدهما (بصراحة) بالمسيح، إذ قال لإبراهيم: “ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض” (تك22: 18)، ولداود “من ثمرة بطنك أجعل على كرسيك” (مز132: 11)[23].

وأسماء الملوك الثلاثة الذين أسقطهم القديس متى من سلسلة النسب هم: (آحاز- يوأش- أمصيا)، فقد كان حذفهم مُتعمدًا لعدة أسباب:

1- لان القديس متى يُريد أن يربط سلسلة النسب مقسمة إلى ثلاثة حقب كل حقبة منهم مكونة من أربعة عشر جيلًا، وذلك ليساوي رقم أربعة عشر بالرقم المُساوي لاسم داود النبي والملك في العبرية.

2- لابد أن يكون قد تعمد الاختيار والانتقاء من سلسلة النسب الطويلة حتّى قدم منها فقط ثلاثة حقب من 27 جيلًا منتقاة بعناية لخدمة أهدافه اللاهوتية التي يُريد إعلانها[24].

 

5- في مت1: 8، هل يورام والد عزيا أم احزيا؟ ففي 1اخ3: 11 جاء أن يورام وابنه احزيا، فأيهما صحيح؟

عزيا أو عزريا بحسب ما جاء في (2مل15: 1)، لم يكن الابن المباشر ليورام، فكان بينه وبين يورام ثلاثة ملوك قام بحذفهم القديس متى من سلسلة النسب (راجع تعليقنا على حذف ثلاثة أشخاص من سلسلة النسب)، ومن الطبيعي أن يُقال في سلاسل الأنساب أن جد الشخص هو أبوه، أو أن عزيا ابن يورام بينما يورام هو جد عزيا وليس أبيه.

 

 

6- كيف يولد المسيا من يكنيا وهو عليه لعنة أبدية (ار22: 30)

(هكذا قال الرب. اكتبوا هذا الرجل عقيما رجلا لا ينجح في أيامه لأنه لا ينجح من نسله أحد جالسا على كرسي داود وحاكما بعد في يهوذا)

أولا عقيمًا هُنا مرتبطة بما بعدها، لان يكنيا لم يكن عقيمًا بل كان له أبناء (أنظر 1اخ3: 17)، فهو فقط عقيمًا من جهة من يتوجون كحكام على إسرائيل، فلن يوجد له أبناء يتوجون ملوكًا على إسرائيل. وهذا النص معناه فقط أن لا يجلس أحد من نسله على كرسي المُلك حاكم في إسرائيل، كما جاء في النص السابق لأرميا النبي: (لا ينجح من نسله أحد جالسًا على كرسي داود)[25].

وبناء على انه مكتوب (رجلًا لا ينجح في أيامه) فاللعنة هُنا تخصه هو وأبناءه المُباشرين القائمين في أيامه، أي في حياته البشرية ولا تخطاه ذلك إلى الأجيال التي تليه لأنه لا توجد في الكتاب المُقدس في أي موضع لعنة أبدية، كما أننا نعلم أن زربابل بن شألتئيل أصبح واليًا على يهوذا (أنظر حجي 1: 1، 2: 2)، كما أن زربابل هذا كان مشاركًا في بناء الهيكل الثاني للرب بعد العودة من السبي (انظر عزرا 5: 2)[26]. هذا غير أن اليهود لديهم تقليد قديم عن أن يكنيا هذا قد تاب عن خطاياه في وقت السبي[27].

 

هذا غير أن يسوع كان وريثًا للنسب الملوكي من خلال دعوته ابنًا ليوسف، فالقديس متى وضع يكنيا في نسب السيد المسيح القانوني وليس النسب الطبيعي أو الجسدي له[28]. وبينما هو لم يكن ابنًا ليوسف بالجسد، لذلك فقد تجاوزته تلك اللعنة[29].

 

 

7- »ورد في متى 1: 11 »ويوشيا ولد يكنيا وإخوته عند سبي بابل«.لكن لم يكن يوشيا أب يكنيا، بل كان جدّه (كما في 1أخبار 3: 15 و16)

ما يكتبه القديس متى هُنا ليس هو سلسلة نسب تفصيلية أو تأريخية، إنما كُتبَّت هذه السلسلة لأغراض تعليمية ولاهوتية، فليس المقصود هو ذكر كل شخص في نسب السيد المسيح للآلاف السنين من آدم إلى المسيا المُخلص، إنما المقصود من ذكر سلسلة النسب هذه ومثيلتها في إنجيل القديس لوقا هو غرض لاهوتي، فمثلًا في (الأعداد 5،6) يذكر أن سلمون ولد بوعذ من راحاب ويكمل بعد ذلك بجيلين فقط في ربط النسب بداود الملك، مع انه من المفترض أن يكون قد مضي وقت أطول من جيلين بكثير (علي الأقل أربعمئة سنة)، ولكن غرض الكتابة يقتضي إبراز شخصيات معينة وهي المرتبطة في الفكر اليهودي بمجيء المسيا إما عن طريق نبوات أو عن طريق الخلاص والخروج من العبودية على مراحل تاريخ اليهود الكبير.

“فالقديس متى هُنا لا يقدم تاريخ للحدث، بل يقدم وثيقة تدل على أن يسوع هو بالفعل المسيح المُنتظر من اليهود[30]“.

وهذا التبديل في الأسماء هُنا أحدثه القديس متى الإنجيلي لسبب لاهوتي، وهو أن يصير ترتيب الأجيال أربعة عشر جيلًا لا يزيد عن ذلك[31]، وهذا أيضًا رأي القديس جيروم[32]. فمتي الرسول يتعمد فعل ذلك لكي ينشئ ثلاثة حقب أو أقسام تاريخية متماثلة (انظر عدد 17)، ولكي يربط المسيا بداود الملك، فالأسماء العبرية تقابلها أرقام في التفسير اليهودي، وإذ أن متى يقدم إنجيله إلى جماعة عبرانية فهو دائمًا يشدد على أن المسيا هو ابن داود، وحتى من خلال عدد الأجيال الفاصلة أراد أن يربط نسل المسيا باسم داود الملك، فأخذ رقم دواد (في العبرية: دود(דוד)= 4 + 6 + 4= 14) وأورده ثلاث مرات. وهكذا شدّد مت على داود وتواصل سلالته. كما أن تقسيم ق. متى السلالات لثلاثة أقسام متساوية كان عاملًا مساعدًا على تسهيل الحفظ[33] وهو أسلوب جيد للكرازة والشرح.

وأيضا يهوياقيم هذا كان ألعوبة في يد ملك مصر (أنظر؛ 2اخ 36: 4)، وهذا ما جعله اسمًا مغمورًا في سلسلة الأنساب[34].

 

8- ورد في متى 1: 12 أن زربابل ابن شألتئيل، وهو غلط، لأنه ابن فدايا، وابن الأخ لشألتئيل كما في 1أخبار 3: 17 و19.

زربابل بن شألتئيل هو الاسم الصحيح لزربابل بحسب ما جاء في (عزرا 3: 2، 5: 2، نح12: 1، حجي 1: 1، 2: 2، لو3: 27، وأيضًا ما جاء في يوسيفوس [Ant. 11.33–78])، أما عن ما جاء في (1اخ3: 17، 19) أن زربابل بن فدايا وابن أخ شألتئيل، فذلك لأن شألتئيل نفسه لم يكن له أبناء يذكرون في أي موضع في العهد القديم، ولذلك فبحسب الناموس والتقليد اليهودي[35] فإنه من المُرجح أن فدايا قد مات وسُميَّ أبنائه باسم أخيه وانتسبوا له، أي أنهم أبنائه بالمصاهرة.

 

9- كيف تُذكر أسماء نساء خطاة وزانيات في نسب السيد المسيح؟

كان من غير المُعتاد أن تُذكر أسماء النساء في سلسلة النسب. لكن متى يُسمي خمسً منهن: 1- ثامار كانت امرأة كنعانية تظاهرت بأنها زانية لتصل على نسل من يهوذا (تك38: 13- 30). 2- راحاب كانت أممية وزانية (يش2: 1). 3- راعوث كانت امرأة مؤابية وعابدة أوثان (را1: 3). 4- بثشبع زوجة أوريا والتي زنت مع داود (2صم11). 5- مريم بنت هالي أم يسوع[36].

قد جاء المسيح لا ليتظاهر بأنه من سلالة عظماء بل من بشر خطائون، فقد كتب متى نسب المسيا حسب الجسد رابطًا إياه من جهة بالموعودين أن يأتي من نسلهم المسيا، ومن جهة أخرى من بشر أخطأوا ونظر إليهم المجتمع نظرة إذدراء، وإن كانوا قدموا توبة فيما بعد.

فالمسيح جاء ليكشف أن طبيعتنا التي أخطأت وسقطت، ودارت وتعثّرت في الشهوات غير اللائقة، هي التي جاء المسيح لعلاجها، حتى أنها عندما هربت ضُبطت، وعندما اندفعت وفي ثورتها أسرعت في الابتعاد أمسكها وأوقفها، وأتى بها وقادها إلى الطريق”، “المسيح إذن وضع على ذاته نسب هذه الطبيعة التي تنجّست لكي يطهّرها؛ هذه التي مرضت لكي يشفيها؛ هذه التي سقطت لكي يقيمها، وكان ذلك، كما قال ق.ساويرس الأنطاكي[37].

ويكتب جيروم:

لم يذكر في ميلاد المسيح ونسبه اسم قدّيسة، بل ذكر من شَجَبهنّ الكتاب، وهو يريد القول بأن من جاء من أجل الخطاة وُلد من خاطئات ليمحو خطايا الجميع[38].

ويكتب العلامة اوريجينوس:

جاء ربنا ومُخلصنا لهذه الغاية، ليحمل على عاتقه خطايا البشر. فالله (لم يعرف خطيئة، لكنه صار خطيئة لأجلنا.. 2كو5: 21)، لهذا السبب جاء إلى العالم وأتخذ صورة الأثمة والفاسدين. شاء أن يولد من نسب سليمان الذي دونت خطاياه، ومن رحبعام الذي عُرِفَت أثامه، ومن كثيرين غيرهم ممن خطئوا امام عيني الرب[39].

وهكذا فإن الرب لا يستحي من أن يولد من نسل بشر خطائون، وإن كان أختار أن يولد من نسل بشري فكل البشر خطائون، وهذا ما أتي الله لأجله، لأنه لا يمسه نجاسة من خطايا البشر ولا تؤثر عليه، بل تذوب أمامه ليحل محلها بر الله الذي ثبته يسوع فينا كختم بميلاده.

فالقديس متى هُنا كلاهوتي لا كمؤرخ، يكتب عن قصد هؤلاء النساء خصيصًا في سلسلة نسب السيد المسيح، لكي يُبرز دور المسيح الذي جاء لترتقي به البشرية من حالتها الساقطة إلى البنوة لله.

وهُنا أيضًا نجد أن القديس متى يشير إلى موقف الاستضعاف لأولئك النساء اللائي يحميهن الله ببركته، وقد وضع المرأة في خطة الخلاص الإلهي معارضًا بذلك كل ما هو مُتبع في ذكر سلاسل الأنساب اليهودية في عصره، إذ كان ذكر اسم النساء في سلاسل الأنساب امر غير اعتيادي.

وإذا دققنا في هؤلاء النسوة نجد الآتي:

1- ثامار عرضت نفسها لمخالفة الناموس وإدراء المجتمع بل والرجم مقابل أن تعطي نسلًا لإسرائيل، وهُنا تظهر الرابطة بينها وبين مريم أم يسوع حيث كانت مثارًا للشك عند يوسف وعرضت نفسها للخطر حتّى يأتي المسيا إلى العالم[40].

2- راحاب وهي زانية أريحا، التي تابت وانضمت إلى شعب الله هي وأُسرتها، قد قُدمت في التقاليد اليهودية بحفاوة كبيرة، ففي كتاب mekhilta يقول: سوف يجعلونها إنسانة متهودة. وفي كتاب sifre يقول: ثمانية من الكهنة ومثلهم من الأنبياء يكونون من نسلها[41]. وفي كتاب berakot جاء: إنها نموذج الإيمان[42]. كما فعل أيضًا يوسيفوس (تاريخ اليهود، مجلد 2). وهذا أيضًا ما نجد صداه في العهد الجديد (أنظُر: يع2: 25، عب 11: 31). فهي بذلك مثال لدخول الأمم في الإيمان الذي بيسوع المسيح.

3- راعوث المؤابية هي جدة داود وبحسب مدراش التكوين الربي فإنه من نسلها يأتي المسيا[43].

4- بثشبع والتي ذكرها متى هُنا بتعبير (التي لأُوريا)، وكأنه يُريد أن يُذكر اليهود أنها زوجة داود وأم سليمان الملك وهي امرأة خاطئة، وكانت زوجة رجلٍ من الأمم.

5- كانت كلٍ من ثامار وراحاب كنعانية، وراعوث مؤابية، وهذا يُذكرنا أيضًا أن المسيح قد جاء ليجمع اليهود والأمم في شخصه لأنه يُخلص الجميع وملك الجميع.

وهكذا يورد متى سلسلة النسب هذه مُظهرًا أن مجيء المسيا الملك ليس على حساب استحقاقات بشرية بل بمقتضي نعمته جاء لأجل الخطأة ليبررهم بذاته، وهو الله الذي لا يُمكن أن يتنجس بخطاياهم، فهذه هي الغاية المجيدة من مجيئة له المجد، إذ جاء لكي يُطالب بأحقيته في استرداد خليقته ورعيته ذكورًا وإناث، فكلاهما لهما مكانتهما وكرامتهما متساوية لديه، كما جاء ليُنجي ويُنقذ ويُعيد تشكيل ما قد هلك منهم (لو19: 10).

 

10- ورد في متى 1: 13 أن أبيهود ابن زربابل – وهو غلط لأن زربابل كان له خمسة بنين كما في 1أخبار 3: 19، وليس فيهم أحد يحمل هذا الاسم.

ابيهود هذا من المُرجح أنه هو ذاته مشلام ابن زربابل المذكور في (1اخ3: 19)، وذلك لأنه في وقت السبي البابلي فإن الشخص كان يحمل أكثر من اسم كما حدث مع دانيال النبي والآخرون الذين معه (أنظر دا1: 7).

 

11- هل أخطأ القديس متّى لأنه احتسب أن المجموعة الأخيرة التي تبدأ بسبي بابل هي أربعة عشر جيلًا، بينما هم 13 جيل فقط؟

إن وضعنا في الحسبان انه تم حساب داود مرتين في سلسلة النسب (فجميع الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلًا، ومن داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلًا .. مت 1: 17)، والمجموعة الثانية بدأت -بحسب تقسيم القديس متى نفسه- من داود وانتهت بيوشيا الذي سُبيّ في بابل (مت1: 11)، والمجموعة الثالثة بدأت بيكنيا لتنتهي بيسوع ربنا، فبهذا ستكون المجموعة الأخيرة تتكون من أربعة عشر جيلًا[44].

وبذلك سيكون تقسيم المجموعات كالتالي:

المجموعة الاولي من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلًا:

1- ابراهيم، 2- اسحق، 3- يعقوب، 4- يهوذا، 5- فارص، 6- حصرون، 7- ارام، 8- عميناداب، 9- نحشون، 10- سلمون، 11- بوعز، 12- عوبيد، 13- يسي، 14- داود.

المجموعة الثانية من داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلًا:

1- داود، 2- سليمان، 3- رحبعام، 4- ابيا، 5- اسا، 6- يهوشافاط، 7- يورام، 8- عزيا، 9- يوثام، 10- احاز، 11- حزقيا، 12- منسي، 13- امون، 14- يوشيا.

المجموعة الثالثة من سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلًا:

1- يكنيا، 2- شألتئيل، 3- زربابل، 4- ابيهود، 5- إلياقيم، 6- عازور، 7- صادوق، 8- اخيم، 9- اليود، 10- أليعازر، 11- متان، 12- يعقوب، 13- يوسف، 14- يسوع.

فالقديس متى قسم المجموعات إلى ثلاثة أقسام متساوية يحتوي كل قسم منها على أربعة عشر جيلًا، وذلك لسبب لاهوتي لأنه بينما ق. متى يكتب إلى جماعة عبرانية، فقد أتخذَّ أٍسلوب متعارف عليه في التعاليم الربانية وهو حساب الأرقام، أو ترجمة الأسماء والكلمات إلى أرقام، أو ما يُعرف بالجامتريا، وذلك لكي يربط دائمًا اسم يسوع بداود النبي والملك والذي منه يأتي المسيا، فأخذ رقم دواد (في العبرية: دود(דוד)= 4 + 6 + 4= 14) وأورده ثلاث مرات. وهكذا شدّد مت على داود وتواصل سلالته في المسيا. كما أن تقسيم ق. متى في السلالات لثلاثة أقسام متساوية كان عاملًا مساعدًا على تسهيل الحفظ[45] وهو أسلوب جيد للكرازة والشرح.

 

12- الملاك قال لأبي يسوع في الرؤيا: وتدعو اسمه يسوع كما في إنجيل متى 1: 21، وقال جبريل لأمه: ستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه يسوع كما في إنجيل لوقا ولم يدّع المسيح في أي وقت أن اسمه عمانوئيل.

ليست هناك مشكلة في تسمية الشخص باسمين في الفكر اليهودي، فقد حدث هذا مع غالبية أنبياء العهد القديم، حيث تغير اسم يعقوب إلى إسرائيل وأبرام إلى إبراهيم وغير ذلك.

لكن هذا الاسم (عمانوئيل)، ليس اسم شخصي لكنه اسم لوصف لعمل سيؤديه هذا الشخص، ولهذا ترجمة القديس متى وقال الذي تفسيره الله معنا (μεθʼ ἡμῶν ὁ θεός). فهؤلاء الذين سيدعونه عمانوئيل هم الذين سوف يقبلون العمل الذي جاء لأجله –أي فداء البشرية وخلاص الإنسان- وقد أورد ق. متى في نهاية إنجيله قول يسوع: وها انا معكم كل الأيام والي انقضاء الدهر (مت28: 20) كتفسير لمعني اسمه عمانوئيل فهو الله الذي معنا للأبد ليتمم خلاصنا[46].

 

13- هل ترجمة متّى لكلمة علماه خطأ (فتاة أم عذراء؟)

نص الاعتراض:

ورد في متى 1: 22 و23» وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هوذا العذراء تحبل وتلد ابنًا، ويدعون اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا «. وهو مُقتَبس من إشعياء 7:14» يعطيكم السيد نفسه آية: ها العذراء تحبل وتلد ابنًا، وتدعو اسمه عمانوئيل «. ويقول علماء اليهود أن المقصود هنا هو النبي إشعياء.. وكلمة» العذراء «التي ترجمها متَّى هي في الأصل العبري» عَلْماه «مؤنث علم، ومعناها» المرأة الشابة، سواء كانت عذراء أو كانت غير عذراء «. وجاءت في سفر الأمثال 30 بمعنى» المرأة الشابة التي تزوجت «. فيكون تفسير متَّى وترجمته لكلمة» علماه «خطأ.

الإجابة:[47]

هناك نبوءة واضحة في إشعياء 7: 14

«ولكن يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل».

هناك سؤالان محددان يبدأ بهما تفسير هذا النص. الأول هو، ما معنى كلمة (ALMAH)= (הָעַלְמָה- الما أو علْماه– عذراء) العبرية، هي تعني «العذراء»؟ والسؤال الثاني هو، لمن تشير «العذراء» المذكورة في النص؟

 

حاول الرابي يوسي مزراحي أن يجادل في بشارة العهد الجديد قائلا:
“لم يحدث إطلاقًا في التاريخ أن فسر أحدهم كلمة (علماه – עלמה) بأن قال أنها تعني بتول [عذراء – בתולה]”. في الحقيقة لقد فسر راشي هذه الكلمة لبتول [عذراء] في العديد من المرات، وسناتي لذلك لاحقًا.

كبداية لكي نفهم خلفية هذا الموضوع يجب أن نفهم ماذا قد حدث في هذا الأصحاح. أشعياء7  يبدأ بوصف للملك أحاز بن يوثام بن عزيا ملك يهوذا. بعكس أبيه، أحاز لم يسر في طريق الرب بل كان حاكمًا شريرًا وعابد للأوثان، عبد البعل بل وقدم أبنائه قربانًا للآلهه. لم يكن جيران أحاز بأفضل حالا منه، في أرام ملك رصين وفي السامرة فقح ابن رمليا ملك إسرائيل.

لقد حاول هذان الملكان أن يقيموا حلفًا عسكريًا ضد ملك أشور بضم أحاز ملك يهوذا، وقد كان ملك أشور في هذا الوقت قد قام بحملة عسكرية قوية، لكن برفض أحاز الانضمام إليهم قرر ملك أرام وملك إسرائيل أن يحاربوه. وكانت خطتهم أن يسقطوا أحاز ويقيموا آخرًا مكانه يمكنهم التحكم فيه، ولأن أحاز لا يؤمن ويثق بالرب، فقد عرف أنه ليس لديه أية فرصة أمامهم ليتنصر. فأرسل لملك اشور [تيجلاث بيلياسر الثالث] وطلب منه المعونة وحمل المرسلين للملك هدايا من أموال وذهب.

 

أحاز كملك على كرسي داوود كان من المفترض أن يطلب المعونة من إله آباؤه، ولكن مثل حالات أخرى كثيرة في العهد القديم يظهر هنا أيضًا أن كل من يتكل على ذراع بشر يسقط رجاؤه، جيوش أرام وإسرائيل قد أتت قبالة يهوذا وحاصروا أورشليم، ولكن استصعبوا احتلال المدينة لأنه كان عليهم أن يجتازوا الحصون التي أنشأها عزيا جد أحاز.

 

لقساوة قلب أحاز أرسل الرب اشعياء مع إبنه شار يشوب اليه لكي يشجعوه، وكان الرب يريد تذكرة أحاز وقومه أن حيوة الناس في يد الرب ويجب على كل إنسان أن يؤمن ويثق به. وبينما كان أحاز يبصر حصار أعداؤه له، قال له أشعياء: “هَاتَيْنِ الشُّعْلَتَيْنِ الْمُدَخِّنَتَيْنِ” يصف النبي، رصين ملك أرام وفقح ملك إسرائيل كعديمي القوة، في نظر الرب كفتيلتين مدخنتين في نهاية ذيلهما.

 

يبدأ أشعياء في التنبؤ في الآيات 7-9 حيث يشير فيها الرب لخطة ملكي أرام وإسرائيل أن يقتلوا أحاز ويقيموا مكانه ملكًا مطيعًا لهم ويعد الرب بأن خطتهما لن تنفذ. أحاز إذ يرى أمامه جيوش أرام وإسرائيل يخططون للفتك به ويخبره أشعياء أن الرب يقول له أن ملوك أرام وإسرائيل سيسقطون كنبوة ستتحقق بعد 65 عامًا؛ بالتأكيد جال بخاطر أحاز وبم سيفيدني هذا أن يسقطوا بعد 65 عام؟ أنا أريد حلا الآن، والرب في الآيات 10-11 يعرف أفكار الملك ولتشجيعه قدم له عرضًا، أطلب لنفسك آية من الرب، وفي الآية 12 أحاز الملك الشرير عابد الأوثان يجيب الرب بسخرية: “«لاَ أَطْلُبُ وَلاَ أُجَرِّبُ الرَّبَّ “

لقد كان الرب مستعدًا أن يعطي أحاز آية لكي يجعله يؤمن ويثق به، إجابة آحاز للرب بهذه الطريقة الساخرة والمنافقة أثبتت عمق شره وعدم إستحقاقه لمساعدة الرب، لقد كان يعلم تمامًا أنه إذا طلب آية وتحققت فيتوجب عليه أن يتوب عن طريقه، وكملك شرير أراد أن يحتفظ بالسلطة والقوه في يديه.

 

لقد أضطرم غضب الرب لإجابة أحاز وتحول النبي أشعياء من أحاز الى الشعب لكل بيت داوود وقال لهم: “وَلكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً”. لقد رفض أحاز أن يطلب آية من الرب لذا فقد بادر الرب بإعطاء الشعب آية.

تبدأ النبوءة الثالثة (بالإصحاح 7) بالأية 14 لذلك “يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ (علماه) تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ»”. أن كانت النبوة عن امرأة متزوجة تحبل فلن يكون هناك أي قيمة لهذه الآية، فإن النساء تحبل يوميًا كنتيجة للتزاوج الطبيعي، ولكن النبي يتحدث عن أمر اعجازي فيقول (علماه) تحبل، شابة غير متزوجة لهذا هي عذراء في عيني الرب وتلك تحبل. وللعلم اسم الطفل نفسه آية أيضًا وله مدلول هام، (عمانو-ئيل) يعني الله معنا، فطبيعة هذا الطفل ستكون مختلفة عن باقي اقرانه فسيكون له طبيعة إلهية.

 

متى سيحدث هذا؟ الآيات التي تلي هذا النص تنبئنا بأنها ستكون أيام صعبة على بني إسرائيل، النبي يتحدث عن انه “زُبْدًا وَعَسَلًا يَأْكُلُ”، يبدو هذا رائعًا اليس كذلك؟ ليس في عصر الكتاب، فالزبد مصنوع من اللبن وبالنسبة للعسل فكان يتوجب على الناس أن يخرجوا للغابات في بحث شاق عن خلايا النحل، هذا يعني أنها ستكون أيامًا صعبة ومقفرة، وبالفعل ولد يسوع في زمان كان الشعب يئن تحت وطأة الإحتلال الروماني. يستمر أشعياء في وصف الطفل الذي ستحبل به الـ(علماه): “مَتَى عَرَفَ أن يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ” عمانوئيل سيكون كاملًا قدوسًا يرفض الشر ويختار فقط الحق.

 

سنرى الآن سبب طلب الرب لأشياء أن يجلب ابنه شار يشوب معه، في هذه اللحظة يتحول اشعياء لأحاز الملك ويشير لشار يشوب قائلا لأحاز: “لأَنَّهُ قَبْلَ أن يَعْرِفَ الصَّبِيُّ أن يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ، تُخْلَى الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ خَاشٍ مِنْ مَلِكَيْهَا”. معنى هذا انه قبل أن يستطيع شار يشوب (إبن إشعياء) أن يميز بين الخير والشر يفنى ملكي ارام وإسرائيل اللتان يخشاهما أحاز من الأرض، وبالفعل قتل هذين الملكين في خلال سنتين من تفوه أشعياء بهذه النبوءة.

سؤال آخر يتبادر للذهن: كيف كانت كلمة (علماه) تفهم في العقلية اليهودية القديمة؟

الترجمة السبعينية للعهد القديم بواسطة 70 شيخ التي ترجمت قبل المسيح بزمان طويل، ترجموا كلمة علماه إلى عذراء [بتول].

البشيتا ترجمة من العبرية الى الأشورية في القرن الثاني الميلادي ترجمتها من علماه الى عذراء [بتول].

أيضا الفولجاتا التي ترجمت الكتاب الى اللاتينية فعلت ذلك أيضًا.

باحث الكتاب اليهودي د. فوختينباوم قال في كتابه:

“الحاخامات ينقلون عن راشي انه كان يفسر كلمة (علماه) بأنها امرأة شابة، بالفعل راشي يفسر اشعياء 7:14 الى امرأة شابة. من السهل أن نفهم محاولته إتخاذ موقف مختلف في هذه الحالة: فقد كان منشغلا جدًا في مجادلاته مع المسيحيين، لذا اتخذ موقفًا معارضًا لما كان مقبولا في أيامه، بل حتى عارض نفسة بحالة مختلفة.

راشي لم يفسر (علماه) في كل الأحوال على انها إمرأه شابة، فقد فسر هذه الكلمة عندما ظهرت في نشيد الأنشاد كونها تشير الى عذراء [بتول]، فوق ذلك راشي نفسه يوضح أن كثيرين من المفسرين اليهود في زمانه فسروا اشعياء 7:14 على انها تشير الى عذراء”. ومن المهم ذكر أن المعتقد بأنه لن يكون للمسيا أب بيولوجي كان أيضًا هو فكر الحزال (الحخامات الكلاسيكيين):

مدراش رباه للتكوين 35 – “المخلص الذي أقيمه من وسطكم يكون بلا أب”.

مدراش رباه للتكوين 37 – “لكن المخلص العتيد أن أقيمه من وسطكم لا يكون له أب”.

ماذا تعني كلمة (علْماه)؟

يتحدد معنى أي كلمة من سياق النص. مثلًا كلمة (TRUNK) تعني مكان التخزين في مؤخرة السيارة. عندما نقرأ الجملة التالية (وضعت السيدة شنطتها في TRUNK السيارة)، أو نفهم أن تلك الكلمة تعني الأنف الطـويـل للفيــل عندمـا نقرأ الجملـة التالية «رفع الفيل الـ TRUNK الخاص به والتقط الفول السوداني من يد الطفل». وبشكل مشابه نحاول أن نفهم لفظة (علْماه) من سياق الجملة ككل. استخدمت تلك الكلمة في كتابات العهد القديم سبع مرات لتشير إلى امرأة صغيرة في السن (تك 24: 43، خر 2: 8، مز 68: 25، أم 30: 19، نش 1: 3، 6: 8، إش 7: 14).

ويذكر إدوارد هندسون: «مع أنه أمر حقيقي أن كلمة (علْماه) ليست هي الكلمة المعتادة لتدل على «عذراء»، إلا أن استخدامها دائمًا يدل على هذا المعنى». وأكثر من ذلك، فإن التفسير الكتابي لهذه الكلمة لا تعني أبدًا سيدة متزوجة، لكن تعني دائمًا امرأة غير متزوجة[48]، وهذا نتوصل إليه باستعراض الفقرات التي وردت فيها هذه الكلمة في الكتاب المقدس:

التكوين 24: 43

في سفر التكوين 24 بعدما يصل عبد إبراهيم إلى ناحور يصلِّي إلى الله طالبًا أن يلهمه العثور على المرأة المناسبة لابن إبراهيم. والآية 16 تصف رفقة بأنها «امرأة صغيرة السن»، وقد كانت حسنة المنظر جدًا وعذراء (بتول)، لم يعرفها رجل «وبعد قليل يشير إليها عبد إبراهيم في الآية 43 بأنها عذراء (علْماه)».

الخروج 2: 8

كتب ريتشارد نيسن في شأن هذا النص:

الإصحاح الثاني من سفر الخروج يتكلم عن حادثة إنقاذ الطفل موسى من النهر بيد ابنة فرعون. وكانت أخت موسى (مريم) تراقب الموقف على البعد وأسرعت إلى بنت فرعون واقترحت عليها أن تجد لها امرأة عبرانية (أم موسى) لكي ترضع الطفل «فقالت لها ابنة فرعون اذهبي، فذهبت الفتاة (علْماه) ودعت أم الطفل» (خر 2: 8).

الطريقة التي تم بها تقديم مريم في أصحاح 2: 4 توحي بأنها لم تكن أكبر من موسى بسنوات طويلة، وما يؤكده هو أنها كانت تحيا في كنف والديها في ذلك الحين. يبدو من هذا النص أن أي عنصر خاص بالعذرية البيولوچية في كلمة (علْماه) متضمن في السن، فمريم يبدو أنها كانت في سنوات المراهقة، أي أنها مازالت عذراء[49]. وهذا ما يؤكده ألبرت مايرز أن مريم أخت موسى «كانت بلا شك عذراء» (خر 2: 8)[50].

مزمور 68: 25

في هذا النص «في الوسط فتيات (علْماه) ضاربات الدفوف»، جزء من الاحتفال الذي صاحب الملك حتى المذبح. في مجال تعليقه على ذلك النص، يذكر أن هذه الفتيات «بالتأكيد لسن عاهرات أو غير طاهرات، لكن كن عفيفات وفي خدمة الله، طالما أنهن عذارى»[51].

أكثر من ذلك، فإنه طبقًا للعادات السامية، كانت الفتيات اللاتي لم يتزوجن بعد، يشاركن في احتفالات الزواج والاحتفالات الأخرى بوجه عام. لذا فإن الإنسان يفترض أن الفتيات الصغيرات اللاتي اشتركن في هذا الاحتفال كنَّ عذارى[52].

أمثال 30: 19

كاتب هذا النص يذكر أربعة أشياء تعتبر «مدهشة جدًا» بالنسبة له: الطريقة التي يطير بها النسر في السماء، الطريقة التي يزحف بها الثعبان فوق الصخرة، الطريقة التي تسير بها السفينة في عرض البحر، والطريقة التي يتبعها الإنسان مع (علْماه). في الآية 20 يقارن ما بين السيدة الشريرة، والعذراء الفاضلة[53].

ويشير هندسون في مجال تفسيره لأمثال 30: 19، يقول «المقارنة التي حدثت في الفقرات التالية توضح الاختلافات ما بين البركات الطبيعية للفتاة الفاضلة بالمقارنة مع المرأة الشريرة. لذلك، فإن الصورة هنا يجب أن تفسر بأنها تشير إلى فتاة عذراء»[54].

ويفهم نيسن هذا النصّ بشكل مماثل: «ما هو مثير للإعجاب هنا هو الغزل والافتتان والمحبة بين الشاب وفتاته. وبالرغم أن النص لا يشير إلى عذرية الفتاة، إلا أنه يمكن افتراض ذلك.

نشيد الأنشاد 1: 3

في هذا الجزء من أغنية الحب الشعرية، تقول العروس وهي تصف عريسها «لرائحة أدهانك الطيبة اسمك دهن مهراق، لذلك أحبتك العذارى (علْماه)». ويشرح چاك دير هذا النص قائلًا «اسم الشخص يمثل صفاته أو سمعته. لذلك كان اقتران اسم سليمان بالدهن والعطر توضح أن صفاته كانت محببة وجاذبة لأن يُحب، لهذا السبب، قالت هي، أن العذارى أحبتك[55].

والنساء الأخريات اللاتي تجذبن للمحبوب بسبب صفاته لم يكنَّ متزوجات بل فتيات يرغبن في تواجد العريس لكن فشلن في ذلك السعي. وكلمة (علْماه) هنا تشير إلى العذرية[56].

نشيد الأنشاد 6: 8

هذا النص يشير إلى ثلاثة فئات من النساء في قصر الملك: الملكة، السريات، والفتيات (علْماه). ويكتب نيسن قائلًا، الملكات بالطبع متزوجات، والسرايا طبقًا للقانون العام مشابهات لزوجات زماننا هذا. أما (الفتيات) فمن الواضح أنهن مختلفات عن المجموعتين من الزوجات، ومماثلات للنساء غير المتزوجات. وهنَّ كنَّ في خدمة الملكة، وسوف يكون مصيرهن أن يتم اختيار بعضهن بعد ذلك كزوجات للملك.

لذلك فمن الطبيعي أن يكنَّ عذارى. وتأكد وهذا من استعراض الأحداث في سفر أستير 2. حيث جمع الملك أحشويرش عددًا كبيرًا من العذارى لكي يختار منهن ملكة جديدة (أس 2: 1- 4). كانت الطهارة ضرورية للغاية لدرجة أن النسوة كن يمارسنَّ طقوسًا خاصة للطهارة تمتد لسنة كاملة (أس 2: 12 و13) قبل الدخول إلى الملك في غرفته. وعذريتهم ليست محل للتساؤل، إنه أمر مفترض.

إشعياء 7: 4

بعد قيامنا بدراسة كلمة (علْماه) في الكتب المقدسة اليهودية، يصل ديك ويلسون إلى استنتاجين مهمين «الأول، كلمة (علْماه) على حد علمنا، لم تستخدم أبدًا للتعبير عن سيدة صغيرة في السن ومتزوجة، وثانيًا طالما أنه من المفترض طبقـًا للقانون العام أن استخدام تلك اللفظة كـان ومـازال يعبـر عن عـذراء طاهـرة، إلى أن يثبـت أنها ليست كذلك. إذن لدينا الحق أن نفترض أن رفقة والـ (علْماه) في إشعياء 7: 14 وكل الأخريات من ذلك الصنف كن عذارى، إلى أن يثبت العكس.

وتوصل الباحث جريثم ماكين في كتابه «المولد العذري للمسيح» إلى نفس تلك النتيجة «لا يوجد في السبعة حالات التي استعملت فيها كلمة (علْماه) في كتابات العهد القديم ما يوحي بأنها استخدمت للتعبير عن امرأة ليست عذراء. ونعترف بأن هذه اللفظة لا تعني مباشرة العذرية، كما توحي لنا كلمة (بتول)، وأنها تعني بالأكثر فتاة صغيرة وهي في سن الزواج، لكن من جهة أخرى ربما يشك الإنسان بالنسبة لاستخدام اللفظ، هل يمكن أن يكون استخدامها طبيعيًا في حالة عدم العذراوية»[57].

ويشاركه في هذا الرأي ويليس بيتشر في مقالته الكلاسيكية «نبوءة الأم العذراء» بقوله «المعاجم اليهودية تقول لنا أن استخدام لفظ (علْماه) هنا، والمترجمة عذراء، ربما تشير إلى أي امرأة شابة، سواء كانت عذراء أم لا. وفيما يختص باشتقاقاتها واستخدامها العام، ربما يكون الحال هكذا، لكن الكتاب المقدس استخدم هذه الكلمة في كل حالة للإشارة إلى عذراء»[58].

وبعبارات أخرى، طالما أن كلمة (علْماه) تشمل داخلها العذرية في النصوص الأخرى التي ذُكرت فيها، لذا يفترض أن استخدامها في نص إشعياء يشمل أيضًا العذرية. سياق هذا النص يُعطي تأكيدات أخرى بأن الـ (علْماه) التي تم التنبؤ بها يجب أن تكون عذراء.

المنظور التاريخي

علامة الميلاد العذراوي أتت في وقت حرج في تاريخ اليهودية، وطبقًا لإشعياء 7: 1 «رصين ملك أرام صعد مع فقح بن رمليا ملك إسرائيل إلى أورشليم لمحاربتها، لكنهما فشلا في ذلك، لكن آحاز ملك يهوذا في ذلك الحين تملَّكه الذعر والخوف وطلب المساعدة العسكرية من أشور لكي يتجنب الهزيمة أمام الجيش الغازي، ويخبرنا نيسن بأن مشكلة هذا الاختيار أن أشور كانت في ذلك الحين كانت قوة غاشمة أنانية، والتحالف معها قد يعني فقدان يهوذا لاستقلالها، ولن يمر وقت طويل حتى يزاح الله من هيكل المقدس وتحل محله آلهة أشور».

ويستمر نيسن في قوله:

قابل إشعياء الملك آحاز ليطمئنه بأن الله سوف ينقذ أورشليم ويحذره من الارتباط بحلف مع أشور، كانت مهمة إشعياء ذات شقين: (أ) الملكان اللذان ينويان غزو يهوذا لم يكونا سوى «شعلتين مدخنتين»، لذا ليس هناك خوف منهما (إش 7: 3- 9). (ب) ولكي يتبين أن إشعياء ليس بالنبي الكاذب وأن الله لديه القوة لأن يخلِّص يهوذا، طُلب من آحاز أن يطلب آية مؤكدة- لكن آحاز رفض (إش 7: 12).

كان آحاز على علم بأنه تورط أمام إشعياء إذا قبل تلك الآية أو العلامة فإن هذا سوف يعرِّضه إلى فقدان شرفه وتحدي الرأي العام الضاغط الذي يدعو لطلب النجدة من الأشوريين، وهذا هو ما كان مصممًا علىه في كل الأحوال… لقد رفض آحاز هذه العلامة بسبب اعتبارات سياسية، وبسبب قلبه غير المصدِّق… وبعد توبيخ آحاز، استمر إشعياء في نقل الرسالة «ولكن يعطيكم (بصيغة الجمع) السيد نفسه آية: ها العذراء (علْماه) تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئىل» (إش 7: 13)[59].

طبيعة هذه العلامة

في هذا النص، تُفهم هذه العلامة بأنها يجب أن تكون فوق العادة، شيء لا يمكن أن يحققه سوى الله ذاته، معجزة. وكما يلاحظ مارتن في قوله «هي معجزة مؤكدة ومؤيدة لكلمة الله».

ولأن آحاز رفض قبول هذه العلامة، يتكلم الله بنفسه عن ماهية هذه العلامة. لذا فإنه من المعقول القول بأنه عندما يأتي الله بعلامته هذه، فإنها سوف تكون ذات طبيعة إعجازية. ويعلق ج. الكسندر على هذا النص قائلًا: «إنه من المستبعد تمامًا بعد إرسال مثل هذا العرض (من الله إلى آحاز)، أن يكون تحقيق هذه العلامة في النهاية من الأمور التي تحدث في العالم كل يوم. هذا الافتراض يتقوى ويتعزز بالوقار الذي نقل فيه إشعياء تلك النبوءة، ليس كأنما هي حدث عادي أو طبيعي، لكن كشيء مثير للدهشة عندما تلقى الرسالة في رؤية»[60].

ويقول هندرسون «من المهم أن نلاحظ أن تلك العلامة (ولكن يعطيكم)، مقدمة إلى جمع من الناس، ومن الواضح أنها ليست مقدمة لفرد واحد وهو آحاز الذي رفض العرض الأول. وفي عدد 13، يقول إشعياء «اسمعوا يا بيت داود» ومن الواضح أن صيغة الجمع التي وردت في عدد 14 مرتبطة بما سبقها في عدد 13. ولأن النص يخبرنا بأن مملكة داود في خطر من جراء الغزو القادم. لذا يمكن لنا القول بأن صيغة الجمع يقصد بها بيت داود الذي عليه تسلُّم هذه العلامة[61].

والآن إذا أصبحت سيدة ما حاملًا بالطرق الطبيعية، فهذا لا يحقق شروط العلامة المعجزية. چون كالفن المصلح الكبير يصيب الهدف في هذا الشأن عندما يقول: ما هو الأمر الغريب إذا قال النبي أن امرأة قد حملت من جراء علاقتها الجنسية برجل؟ إنه من السخف أن نعتبر تلك علامة ذات صفة إعجازية. دعنا إذن نفترض أن النصّ يدل على فتاة صغيرة سوف تصبح حاملًا بالطريقة المعتادة، كل إنسان سوف ينظر باحتقار إلى هذا النبي، بعدما قال ذلك. لذا فمن الواضح تمامًا أنه يتكلم عن عذراء ستحبل وتلد، ليس بالطريق العادي الطبيعي ولكن بقوة وتأثير الروح القدس[62].

والفحص الدقيق لبعض الألفاظ المحددة في نص إشعياء 7: 14 تعزز رأي كالفن. الكلمة المكتوبة باللغة العبرية وهي (h-r-h) والتي تترجم «تحبل» في إشعياء 7: 14، ليست فعلًا أو اسم فاعل، لكن صفة أنثوية مرتبطة مع اسم فاعل وتدل على أن المنظر واضح في عين النبي. وهذا يعني أن تلك الكلمة واستخداماتها تشابه ما أبلغه الملاك لهاجر في البرية قبل عدة قرون ماضية: «ها أنت حبلى فتلدين ابنًا» (تك 16: 11). وبالاختصار، يجب ترجمة نص إشعياء 7: 14 بالشكل الآتي «ها العذراء سوف تحمل وتلد ابنًا».

يعلق على ذلك هندسون:

من الواضح أن اللفظة (h-r-h) تشير هنا إلى الزمن المضارع.. والنظر إلى الزمان مهم جدًا في تفسير هذه الكلمة وكذلك النصّ. إذا كانت كلمة (علْماه) تعني «عذراء» وإذا كانت هذه الفتاة حامل وعلى وشك ولادة طفل، لذا فهذه الفتاة مازالت عذراء، بالرغم أنها أصبحت أم. تأمل في قدر التناقض الذي يمكن أن يحدث لو لم يشر هذا النص إلى ولادة طفل من عذراء للمرة الأولى في التاريخ -وهو يسوع المسيح. العذراء حامل!

كيف يتسنى لها أن تكون حاملًا وهي مازالت عذراء؟ المعنى يدل على أن هذا الطفل سوف يكون معجزة وهو مولود بلا أب، وبالرغم من حمل الأم فإنها مازالت عذراء. الكلمة (علْماه) «عذراء» تدل على صيغة الزمن المضارع مشابهة ذلك كلمة (h-r-h). إذا كانت صيغة النص في زمن المستقبل، فليس هناك ضمان أن هذه العذراء سوف تلد ابنًا (في المستقبل)، سوف تظل كما هي عذراء، وليست زوجة. لكن إذا كان هناك (عذراء) ومعها (ابن)، لا يمكن لنا أن نتهرب من استنتاج أن هذه ولادة عذرية[63].

ويستخلص نيسن من ذلك: «تعطينا العلامة في (إشعياء 7: 14) ما يفوق ما تقدمه لنا الطبيعة. إنها لم تكن عرضًا بلا معنى، لكنها علامة متوافقة مع المناسبة ومتصلة بموضوع استمرار دوام عائلة بيت داود المهددة بالانقراض بسبب الغزو الوشيك. أصعب العلامات التي يتقدم بها الله في تلك المناسبة هي استحالة بيولوچية -وهي الحمل الإعجازي لامرأة عذراء. وأصعب العلامات التي يمكن أن يعطيها الله ولها صلة باستحالة بيولوچية -الحبل المعجزي لابن من فتاة عذراء بالمعنى البيولوچي للكلمة.

دليل إضافي خاص بالترجمة

الكلمة المقابلة لعذراء في اللغة اليونانية هي كلمة παρθένος- بارثينوس- عذراء، وباللغة اللاتينية «فيرجو». وإحدى الكلمات باللغة العبرية والتي تستعمل كثيرًا هي (betfl-h) أو «بتولاه»، وإذا كانت هذه الكلمة الأخيرة تعني عذراء أم لا، فإنها دائمًا ما كانت تفهم من واقع النصّ. ويلاحظ ديك ويلسون الآتي:

في الترجمة السبعينية لنص إشعياء 7: 14 والذي ظهر قبل مولد المسيح بحوالي 200 سنة، بينما اقتباس القديس متى لنفس النصّ في مت 1: 23 كان في منتصف القرن الأول الميلادي، ترجمة البشيتا السيريانية ظهرت في القرن الثاني الميلادي، والفولجاتا اللاتينية للقديس چيروم ظهرت في سنة 400م، كل هذه المصادر تقرن كلمة (علْماه) بـ (بارثينوس) أي عذراء أو مشتقاتها الأخرى مثل (بتولاه)، (فيرجو). وقد كانت ترجمة كلمة (علْماه) باعتبارها عذراء مقبولة عند اليهود حتى زمن اقتباس متَّى للنص[64].

ويكتب هنري موريس في نفس النقطة:

«العلماء الذين ترجموا العهد القديم إلى اللغة اليونانية السبعينية استخدموا الكلمة اليونانية المقابلة لعذراء في ترجمة إشعياء 7: 14. وكذلك هو ما فعله متى عندما استعار هذه الآية في (مت 1: 23) عندما تمت النبوءة بالفعل بولادة يسوع المسيـح من عـذراء[65].

ويتفق مع هذا الرأي ب. وزرنتون: «من الصواب أن نقول أن كلمة (علْماه) لا تعبر مباشرة عن أنها عذراء، لكن من الصعب بل ومن المستحيل تصوُّر السبب الذي دفع المترجمين للكتاب المقدس السبعيني إلى استخدام كلمة بارثينوس للتعبير عن (علْماه)[66]؟.

لذلك فإن هذا الدليل يوضح بما لا يدعو مجالًا للشك أن (علْماه) في نبوءة إشعياء تعبر عن فتاة عذراء صغيرة. ولا يوجد أي نوع من الفهم يمكن أن يبرر ترجمة تلك الكلمة بذلك الأسلوب سواء كان اجتماعيًا أو تاريخيًا.

ما هي الـ (علْماه)؟

طالما أننا قد حددنا بأن (علْماه) ليست سوى فتاة عذراء في سن الزواج والتي تصبح حاملًا بوسائل تفوق الطبيعة، لذا يمكن لنا بكل اطمئنان أن نستنتج بأن هذه الشروط انطبقت على العذراء مريم أم يسوع المسيح. وهندسون على حق عندما كتب «ليس هناك سوى مريم التي تستطيع أن تحقق اشتراطات تلك النبوة، فالعذراء ليست هي زوجة إشعياء، وليست زوجة آحاز أو حزقيال، أو أي فتاة أخرى. أن العذراء مريم هي الوحيدة التي سُجِّلت في التاريخ والكتب المقدسة وينطبق عليها ذلك»[67].

بعض دارسي الكتاب المقدس يدَّعون عكس هذه الآراء، ويحاولون تفسير نبوءة إشعياء بأنها «كانت علامة مقدمة من الله إلى الملك آحاز توضِّح قرب غزو مملكة إسرائيل الشمالية ويهوذا الجنوبية بواسطة ملك أشور- ولأن هذه العلامة تخصُّ آحاز، لذا فإنه من المنطقي أن نستنتج بأن الميلاد سوف يكون في زمن الملك آحاز. لذلك، فإن هذا يستلزم تحقيق جزئي لنبوة إشعياء 7: 14[68].

بينما يبدو هذا الرأي معقولًا للبعض، إلا أنني أعتقد بأنه ينتهك عددًا من النقاط.

أولًا، لكي ينجح هذا الاتجاه يجب أن نعتبر أن (علْماه) لا تعني العذرية في نص إشعياء 7: 14، وإلا فإن مؤيدي هذا الرأي سوف يواجهون بأمر مستحيل: ولادتان عذراويتان حدثتا في التاريخ- واحدة أثناء حياة آحاز والأخرى الخاصة بأم يسوع. لكن توصَّلنا من قبل إلى الدليل القاطع المعارض: الأدلة توضح بكل جلاء أن (علْماه) في نبوة إشعياء تعني فتاة عذراء صغيرة في سن الزواج، وليس مجرد فتاة صغيرة، فـ (علْماه) هي بالتحديد عذراء تحبل.

ثانيًا: التحقيق العاجل الذي يدعونه لا يأخذ في حسبانه بشكل جدي الأزمنة النحوية التي وردت في نص إشعياء 7: 14، والتي تصل بنا إلى اعتبار كلمة (علْماه) هي في نفس الوقت عذراء حامل.

ثالثًا، طبيعة العلامة في إشعياء 7: 14 لها خاصية تفوق الطبيعة فإن حمل امرأة بواسطة العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة لا تكفي لتوثيق وإثبات كلمة الله. من المطلوب حدوث معجزة، وولادة طفل من فتاة عذراء هي المعجزة.

رابعًا، من السياق الأكبر لنص النبي إشعياء في الفقرات 6- 12، نستنتج أن عمانوئيل وهو الطفل الذي وُلد من رحم عذراء، يجب أن يكون إنسانًا إلهيًا وليس مجرد إنسان (انظر إش 9: 6، 7، 11: 1- 16). وليس هناك غير يسوع المسيح الناصري.

وأخيرًا، فإن النبوءة التي أُلقيت على مسامع الملك آحاز في (إش 7: 14)، كرئيس مؤقت على بيت داود الملكي ومن سوف يليه من نفس البيت. وجزئيًا، هذه النبوة صدرت لتبين لآحاز ومن يلحقه أن بيت داود سوف يستمر ويعيش إلى الأبد. وهذا يدعِّم رأي حدوث تتميم النبوة في المدى البعيد وليس القريب. ويؤكد الباحث شارلز فيبنرج هذه النقطة بقوله:

كان آحاز ورجال بلاطه في خوف دائم من انقراض بيت داود وإحلاله بالحكم الأشوري. مع ذلك، كلما طال الزمن اللازم للوفاء بذلك الوعد لبيت داود، كلما طالت مدة بقاء هذه السلالة الملكية لترى بعينها تحقيق هذا النبوة وهذا ما عبَّر عنه الأستاذ الكسندر أفضل تعبير: «… أن التأكيد بأن المسيح سوف يولد في يهوذا، ومن العائلة الملكية، ربما تكون علامة لآحاز، بأن مملكته لن تنتهي في عهده، وأن تحقيق هذه العلامة سيكون في زمن بعيد.

وكلما بعُد الوعد كلما كان تحقيقه قويًا في استمرارية يهوذا. لذا فإن هذا الاستنتاج لا مفر منه. ليس هناك أساس قوي، سواء نحويًا، أو تاريخيًا، أو منطقيًا للشك في المعنى الحقيقي، وهو أن الكنيسة في كل أجيالها كانت على حق في اعتبار هذا النصّ كعلامة وتنبؤ واضح للحبل المعجزي ومسقط رأس يسوع المسيح»[69].

لذلك يمكن لنا أن نتفهم عقيدة ولادة السيد المسيح المعروضة في العهد الجديد وارتباطها بالتعليم والنبوءات التي كُتبت في أسفار العهد القديم.

شهادة آباء الكنيسة الأولى

من الأمور المهمة في تاريخ الكنيسة الأولى هو الاعتقاد في عذراوية الميلاد في شهادات الآباء الأولين. في سنة 110م، كتب أغناطيوس أسقف مدينة أنطاكية السورية في كتابه «رسالة إلى الأفسسيين 18: 2» قائلًا «لأن إلهنا يسوع المسيح كان.. حبل به في رحم مريم.. بالروح القدس». وكتب أيضًا «الآن فإن عذراوية مريم، ومن وُلد منها.. هي من الأسرار والغوامض التي يُنطق بها في كل أنحاء العالم، لقد صنع الله ذلك سرًا»[70].

وأغناطيوس استمد تعليمه من يوحنا الرسول.

يقول إريكسون بأن أغناطيوس بكلامه هذا كان يعارض جماعة من الناس يدعون الدوسيتيين، هؤلاء الناس كانوا ينكرون طبيعة المسيح البشرية وأنه إجتاز فعلًا ولادة بشرية وعانى من الآلام. بالنسبة لهم كان يسوع قدوسًا لكن ليس إنسانًا. فتحدَّى أغناطيوس هذه الهرطقة بإصداره «ملخص الحقائق الخاصة بالمسيح». من ضمن تلك الحقائق كان «الاعتقاد بدوام عذراوية القديسة مريم كأحد الأسرار التي لا يُنطق بها».

وتبعًا لما يقوله إريكسون:

هناك عدد من الملاحظات تجعل من هذا الاعتقاد شأنًا أعظم:

(1) لأن أغناطيوس كان يكتب معارضًا هذه الجماعة، فإن تعبير «مولود من امرأة (كما في غلاطية 4: 4) مفيد له أكثر من «مولود من عذراء».

(2) أن هذا الاحتجاج لم يكتبه إنسان مبتديء، لكن كتبه أسقف الكنيسة الأولى لمسيحيي الأمم.

(3) كتب هذا في حدود سنة 117م. وكما يلاحظ جريشام ماكين عندما قال: «عندما نجد أن أغناطيوس يُصدِّق على الميلاد العذراوي ليس كأمر جديد لكن كأمر بديهي، كأحد الحقائق المقبولة الخاصة بالمسيح، ومن الواضح أن الاعتقاد في الميلاد العذراوي كان سائدًا قبل نهاية القرن الأول»[71].

ويكتب كليمنت روجرز:

«لدينا دليل آخر يوضح أن الإيمان الذي جاهر به أغناطيوس لم يكن جديدًا عليه. لأننا نعلم بأن ميلاد المسيح العذراوي الذي يؤمن به المسيحيون كان يُهاجم من الآخرين. فمثلًا كان هناك سيرينيوس المعارض المعاصر للقديس يوحنا، ويقال أن يوحنا تقابل مع هذا الرجل في الحمامات العامة وصاح: «دعنا نهرب لكي لا ينطبق علينا الحمَّام بسبب تواجد سيرينيوس، عدو الحقيقة، المتواجد هنا». هذا الرجل، كما أخبرنا إيريناوس كان يُعلِّم بأن المسيح وُلد من علاقة يوسف بمريم[72].

وهناك أيضًا شهادة بعض الكُتَّاب الذين ظهروا بعد أيام الرسل، ومنهم أرستيدس الذي كتب في سنة 125م عن الميلاد العذراوي:

«هو ابن الله في الأعالي، والذي تصوِّر في الروح القدس، أتى إلينا من السماء، ووُلد من عذراء عبرانية وأخذ جسدا ًمنها… وهو الذي حسب الجسد وُلد من جنس العبرانيين، بقوة الله التي حلَّت على العذراء مريم»[73].

ويعطينا ق. يوستينوس الشهيد في سنة 150م دليلًا مطولًا عن الحبل المعجزي ليسوع:

«معلمنا يسوع المسيح، لم يولد نتيجة لتزاوج جنسي… نزلت قوة الله على العذراء وظللتها، وجعلتها وهي مازالت عذراء حاملًا… لأنه، بقوة الله حُمل به من عذراء… بإرادة الله، ولد ابنه يسوع المسيح من العذراء مريم»[74].

ويضيف ايضًا: ذا كان سيولد عن طريق اتصال جنسي مثل اي ابن بكر، فلماذا يعلن الله بإسلوب مهيب انه يعطينا علامة غير مألوفة لاي ابن بكر! اما هذه العلامة الحقيقية والبرهان الدافع هو أن بكر كل خليقة سيولد من رحم عذراء[75].

كان ترتليان من أبرز المتكلمين باللغة اللاتينية والذي أعتنق المسيحية وكان مدافعًا عنها، يخبرنا أن تلك العقيدة لم توجد فقط في أيامه (200م) بل إنه اعتقاد مسيحي كانت تأخذ به كل الكنائس. وقد اقتبس هذه العقيدة أربع مرات (مريم العذراء)[76].

 

14- وردت في متى 2: 1-10 قصة مجيء المجوس إلى أورشليم برؤية نجم المسيح في المشرق، وقيادة النجم لهم بأن تقدَّمهم حتى جاء ووقف فوق الصبي، وهذا غلط، لأن حركات الكواكب السيارة، وكذا الحركة الصادقة لبعض ذوات الأذناب هي من المغرب إلى المشرق؟!

كان ظهور النجم علامة معجزية من الله ولذلك فإنه من الطبيعي الا يتوافق مع معطيات علم الفلك الطبيعية، ولو انه توافق مع معطيات علم الفلك ولم يكن ظهوره وحركته شيئًا غريبًا لما تبعه المجوس.

فالنجم هُنا لا يجب تفسيره بالمعاني العلمية الخاصة بعلم الفلك مثل مولد نجم أو التقاء كوكبي، لكنه بالأحرى تدخل الله المعجزي[77]. فالمحدود لن يقدر على استيعاب الغير محدود، فالله كثيرًا ما يتدخل مُخترقًا ومتجاوزًا حدود الزمن والمكان بطريقة لا نستطيع تفسيرها لأنها معجزة فوق الأمور الطبيعية المعتادة التي نستطيع فحصها بالمنطق والعلوم التحليلية.

 

15- في مت 2: 2، كيف يبارك الرب عمل المجوس ويقودهم عن طريق نجم، بينما الكتاب المقدس يرفض العرافة التنجيم (لا19: 26، تث18: 10، اش8: 19)؟

الله قد حرم في هذه النصوص عبادة النجوم، والاتكال عليها لمعرفة الأزمان وما إلى ذلك.

ولكن الأمر يختلف في موضوع ظهور النجم للمجوس لان الله استخدم العلوم التي يعرفونها جيدًا ليعلن من خلالها لكل الأمم عن ميلاد المسيا المُخلص.

فهذا النجم لم يكن ظاهرة طبيعية، لكنه كان حقيقة خارقة للطبيعة، ومشابهة لعمود السحاب الذي كان يهدي بني إسرائيل في زمن موسي (خر13: 21).

انظر ردنا على مت2: 1

 

16- متى 2: 6 تخالف ميخا 5: 2

ق. متى كان يستخدم النصوص بحرية كبيرة، فهو يستخدم النص لكي يُعبر عن إيمانه بمسيانية يسوع، وسبب استخدام متى لهذا النص تحديدًا هو انه تُرجِمَ كنص مسياني عند كل الرابيين اليهود القدامى والمُحدثين[78]. فمتي الإنجيلي هُنا يضع النص في معناه المسياني، وهذا الأسلوب هو المُتبع عند كل مُعاصريه من اليهود وذلك واضح من أسلوب كتابة الترجوم على أسفار العهد القديم.

فمثلًا، ترجوما يوناثان واونكيلوس اوردا النص كالاتي: [منك يخرج لي المسيا الملك الذي يكون متسلطًا…].

 

انظر أيضًا ردنا على: مت2: 15، مت 2: 17، 18.

 

17- كيف تكون نبوة هو 11: 1 والتي اقتبسها متى (مت 2: 15)، نبوة مسيانية؟

ينبغي ألا يغيب عن ذهن القارئ أن الرمزية في الكتاب المقدس هي علم قائم بذاته كتب عنه العلماء العديد من الكتب لا يمكن حصرها، فدراسة الرموز في الكتاب المقدس يفيد جدًا استنتاج الشخص أو الحدث المُراد الحديث عنه بصورة رمزية، ومن ثم يعتبر الرمز على مستوي النبوءة. واغلب إشارات العهد القديم عن المسيا والتي استخدمها متى البشير هي من هذا النوع، ليست نبوات مباشرة.

بكلمات أخرى، أن العنصر التنبؤي لا يوجد بصورة مباشرة في المقام الأول في المقطع المُقتبس من العهد القديم، لكن على خلفية حياة المجتمع الإسرائيلي وتاريخه. هذا النوع من المقاطع الكتابية يشير قبل كل شيء إلى أحداث في الماضي أكثر منها في المستقبل[79]. فالقديس متى هُنا يُحقق الآية التي تخص شعب إسرائيل على إسرائيل الحقيقي الذي هو المسيا.

-انظر أيضًا ردنا على مت 2: 6، مت 2: 17، 18

 

18- ورد في متى 2: 17 و18 حينئذ تمّ ما قيل في إرميا النبي القائل.. وهذا أيضًا غلط وتحريف من الإنجيل، لأن هذا المضمون وقع في إرميا 31: 15، عن حادثة بختنصر التي وقعت في عهد إرميا

نعم أن نبؤة ارميا هذه ليست نبؤة مباشرة عن أطفال يقتلون بواسطة هيرودس، ولكن عندما تقول النبوة (راحيل تبكي على أولادها)، فراحيل هُنا لا تبكي على أطفال بيت لحم بل على شعب إسرائيل المسبي خارج ارضه، وهكذا أيضًا المسيا الذي سُبي خارج أرضه عندما ذهب عنوة إلى مصر، فالقديس متى هُنا –مثل بقية مسيحيين عصره- يري في السيد المسيح إسرائيل الحقيقي، ولهذا وجد في هذه النبوة التي تتحدث عن سبي شعب إسرائيل انها تتحدث عن سبي إسرائيل الحقيقي أيضًا خارج أرضه.

-انظر أيضًا ردنا على مت2: 6، مت 2: 15

 

19- في متى 2: 19 أن هيرودس الملك مات لما كان المسيح طفلًا في مصر، بينما يؤكد لوقا 23: 8 أن هيرودس كان حيًّا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة، وأن المسيح مثُل أمامه للمحاكمة

هيرودس الذي يتحدث عنه ق. متى هُنا هو هيرودس الكبير والذي كان ملكًا على اليهودية من 37 ق. م إلى 4 ق. م[80]. ولا عجب في ذلك لان يسوع لم يولد في سنة 1 م بل ولد قبل ذلك في سنة 5 أو 6 ق. م، وقد حدث هذا الخطأ بسبب الراهب دينيس الذي أرخ لبداية التقويم الميلادي من سنة 754 لتأسيس روما، وهذا خطأ.

ويُعرف أيضًا هيرودس الكبير هذا بهيرودس الأول، والذي كان واليًا على اليهودية[81]. والذي كان معروفًا بأنه شخص مجنون وقتل الكثير من الرابيين اليهود وحتى من عائلته[82]، هو صاحب العقل الشرير الذي يرغب في تدمير كل شيء يقف أمام مملكته وطموحاته[83]. وكما يقول ق. متى فقد ملك ابنه ارخيلاوس عوضًا عنه[84].

وهُناك هيرودس آخر وهو الذي يتحدث عنه ق. لوقا (وهو المذكور أيضًا في مت 14) وهو الذي قتل يوحنا المعمدان وفي عهده صُلِبَ المسيح وهو هيرودس انتيباس، أو هيرودس انتيباتيروس بحسب النطق اليوناني، وكان هو الحاكم من 4 ق. م حتّى سنة 39 م على منطقة الجليل وبيريا، وقد كان هو الابن الأكبر لأبيه هيرودس الكبير من زوجته ملثاكا[85].

وهُناك أيضًا هيرودس اغريباس ابن ارسطوبولوس وحفيد هيرودس الكبير وهو الذي حكم الجليل وبيرية عام 39 م خلفًا لعمه هيرودس انتيباس، وبعد ذلك عينه كلوديوس ملكًا على اليهودية والسامرة وبهذا أصبح ملكًا على كل فلسطين. وهو الذي قطع رأس يعقوب وسجن بطرس أع 12 ومات عندما ضربه ملاك الرب بحسب ما جاء في سفر الأعمال (أع 12: 19 وما بعدها)[86].

 

ويوجد أيضًا أخرين باسم هيرودس ومن نفس عائلة هيرودس الكبير، لكن هؤلاء هم الملوك الثلاثة باسم هيرودس الأساسيين في العهد الجديد.

 

20- ورد في إنجيل متى2: 23 وأتى وسكن في مدينة يُقال لها ناصرة، لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيُدعَى ناصريًا، وهذا غلط، ولا يوجد في كتاب من كتب الأنبياء

كان يُشار إلى المسيحيين بحسب ما جاء في سفر الأعمال بأنهم ناصريين كنوع من الإزدراء (أع 5: 24)، ففي القرن الأول كان المسيحيين القارئين لإنجيل متى الذين ذاقوا أنواعا من الاحتقار والسخرية، كان في استطاعتهم أن يفهموا سريعًا قصد ق. متى هُنا. فهو لم يقل انه يوجد نبي من أنبياء العهد القديم قال ذلك حرفيًا أن المسيح سوف يعيش في الناصرة!

لكنه يقول إن أنبياء العهد القديم تنبأوا أن المسيا سيكون مرزول ومُحتقر (انظر: مز 22: 6- 8، 69: 8، 20- 21، اش 1: 1، 49: 7، 53: 2- 3، دا 9: 26). فقد أختار ق. متى موضوع قد تمت إعادته مرارًا وتكرارًا لكي يربطه بموطن المسيح الذي هو أيضًا موطن لكل شخص مُزدري به. فهنا ق. متى يعطينا فحوى مجموعة نصوص من العهد القديم وليس نص واحد صريح عن الأمر[87].

لقد أورد القديس متى 11 نبوة تحققت في المسيح (انظر 1: 23، 2: 15، 2: 18، 2: 23، 3: 3، 4: 15، 8: 17، 12: 8- 21، 13: 35، 21: 5، 27: 9)، كلها أتت بها كلمة الأنبياء بصيغة المُفرد، عدا هذه الآية التي ندرسها الآن هي الوحيدة التي استخدم فيها صيغة الجمع[88]. فصيغة الجمع هذه معناها أن هذا النص ليس حرفيًا، بل هو شهادات متواصلة تتخلل أسفار الأنبياء عن المسيا المُحتقر، لخصها ق. متى بقوله (سيُدعي ناصريًا).

فعندما يقول القديس متى لفظ (الأنبياء) وليس (النبي)، فهو لا يقصد نبي مُحدد، ولكن فحوى نبوات الأنبياء الذين تحدثوا أن المسيا سيكون مُحتقر، ذلك لان الناصرة كانت مقر الحامية الرومانية للمناطق الشمالية من الجليل، ولذلك نظر اليهود إلى سُكانها على أنهم مجموعة من المتنازلين المُتعاملين مع الأعداء[89]. فكان قادة اليهود دائمي السؤال: امن الناصرة[90] يخرج شيء صالح؟ (يو1: 46)، لكن ق. متى رد على اعتراضهم بأن أظهر المعني الإلهي في اختيار الناصرة كموطن للمسيح. فكان ق. متى دائمًا ما يجاوب اليهود على اعتراضاتهم من ثقافتهم الخاصة[91] (أي من العهد القديم وتعاليم الرابيين).

 

ولذلك يكتب ق. جيروم:

لو وجدت هذه الآية في الكتاب المقدس، لما قال: لأنه قيل بلسان الأنبياء. بل لقال صراحة: لأنه قيل بلسان النبي. والآن، بكلامه العام على الأنبياء بعامة، أظهر انه لم يأخذ الكلام حرفيًا، بل استعمل المعني العام للكتاب المقدس[92].

 

21- ورد في متى 3: 14 أن المسيح أتى إلى يوحنا ليعتمد منه، فمنعه يوحنا! ثم اعتمد المسيح وصعد من الماء، فنزل عليه الروح مثل حمامة، وورد في يوحنا 1: 33 وأنا لم أكن أعرفه (وعرفتُه بنزول الروح مثل حمامةٍ ونارٍ)، وفي متى 11: 3 لما سمع يوحنا بأعمال المسيح أرسل اثنين من تلاميذه يسألونه: أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟، في الأول عرف يوحنا قبل نزول الروح، وفي الثاني عرفه بعد نزول الروح، وفي الثالث لم يعرفه بعد نزول الروح.

صحيح انه مكتوب في إنجيل ق. متي: وَلَكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلًا: «أَنَا مُحْتَاجٌ أن أَعْتَمِدَ مِنْكَ وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ!» (مت 3: 14)، ولكن أيضًا نقرأ في إنجيل ق. يوحنا: وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلًا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ! 30 هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: يَأْتِي بَعْدِي، رَجُلٌ صَارَ قُدَّامِي، لأنه كَانَ قَبْلِي. (يو1: 29- 30)، ففي النصين السابقين نري أن يوحنا المعمدان عرف المسيح قبل أن يُعمده ويري الروح نازلًا عليه.

 

لكن ماذا عن النص الذي يقول فيه انه لم يكن يعرفه! (يو1: 33)، هُنا ق. يوحنا لا يقول انه لم يكن يعرفه بمعني انه يجهله ولكن انه لم يكن يعرفه بمعني انه لم يكن ليتأكد انه هو ويخبر الشعب بذلك إلا بعلامة إلهية، فيوحنا المعمدان هنا لا ينفي انه كان يعلم هويته، ولكنه يقول انه ما كان ليُخبر عن معرفته هذه للشعب إلا أن كان الله سبق وأعلن ذلك لهم.

وهذا ما أخبرنا به ق. يوحنا فم الذهب إذ يقول: [نعم أن شهادة المعمدان كانت فوق كل شبهة، لكن لرغبته في أن تكون أهلًا للتصديق أكثر من غيرها، رفعها الله كشهادة من الروح القدس ذاته، وأيضًا هو يصف جهله به في الزمان السابق إذ كان يوحنا يعيش بعيدًا في البرية وليس في زمان المعمودية نفسه (إذ قال انا لم أكن اعرفه ولم يقل انا لم اعرفه إلا بعد نزول الروح القدس)[93]]

أما سؤال يوحنا الأخير عن المسيح، فهو سؤاله كيهودي مُتعثر في شخص المسيح، إذ كان ينتظر المسيا الملك الذي سيُعيد المُلك لإسرائيل بينما يفاجًا بالمسيا الذي يدعو للخلاص ومغفرة الخطايا.. فهو ليس سؤال عن جهل بشخص المسيح ولكنه سؤال عن تعثر في رسالته التي كان ينتظرها أرضية سياسية فيفاجأ بأنها دينية سماوية.

 

22- جاء في متى 3: 15 قول المسيح للمعمدان بخصوص معمودية المسيح اسمح الآن لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر، وهذا يعني أن بعض الفرائض الدينية وخاصة المعمودية لا فائدة منها ولا معنى روحي لها؟

أولا: المسيح هُنا يقول ليوحنا اسمح أن نكمل كل بر (3: 15)، فقد وصف هذا العمل أولا بالبر.

ثانيًا: السيد المسيح قال ذلك عن نفسه هو لأنه لم يكن محتاجًا إلى المعمودية إذ هو بلا خطيئة (عب4: 15، 1يو3: 5، 1بط2: 22، يو8: 46)، فشخص السيد المسيح نفسه ليس محتاجًا للمعمودية بل قام بها من أجلنا أي لكي يؤسس لنا طريق وسر المعمودية.

ثالثًا: المسيح نفسه أوصى التلاميذ وفي ذات الإنجيل أن يعمدوا كل من يتتلمذ على أيديهم باسم الأب والابن والروح القدس (مت28: 19)، فكيف تكون المعمودية بلا قيمة وقد أوصي بها يسوع كأخر وصية للتلاميذ قبل صعوده؟!

 

23- في مت 3: 16، لماذا انتظر المسيح حتّى وصل إلى سن الثلاثين لكي يحصل على نعمة الروح القدس في معموديته على يد يوحنا المعمدان؟ بينما يوحنا المعمدان كان مملوء من الروح القدس من وقت الحبل به (لو1: 15)!

المسيح لم يحصل على الروح القدس وقت معموديته، لان يوحنا المعمدان أعلن ذلك حين قال له: وَلكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلًا: «أَنَا مُحْتَاجٌ أن أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ!» فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «اسْمَحِ الآنَ، لأنه هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أن نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ». حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ. (مت3: 14، 15).

لكن معمودية المسيح كانت استعلان لان هذا هو المسيا الآتي، فنزول الروح عليه لم يكن لتقديسه لأنه ولد بالروح القدس (مت1)، وجسده مقدس لأنه مولود بالروح القدس ومتحد بالله الكلمة، إلا أن معموديته كانت مجرد إشارة على أن هذا هو الشخص المميز المنتظر أو المسيا الآتي.

ولم تكن فقط لإستعلان الله الإبن بل أيضًا لان تكون إشارة إلى تقديس أو بدء وتأسيس المعمودية لمن سيتبعون يسوع ويعتمدون على مثاله، فيكتب ق. كيرلس الأورشليمي:

لقد قدس يسوع المعمودية باعتماده بنفسه، أن كان ابن الله قد اعتمد فكيف يمكن أن يكون ورعًا من يحتقر العماد. انه لم يعتمد لنوال غفران الخطايا إذ هو بلا خطيه. لكنه إذ هو هكذا بلا خطيه اعتمد ليهب المعمدين نعمه سماوية علويه (عب 2: 14). حتّى إذ تشاركنا بحضوره في الجسد نصير شركاء معه في نعمته الإلهية. هكذا اعتمد يسوع لكي شركنا معه نتقبل الخلاص والكرامة[94] .

 

24- اختلف البشيرون في رواية خبر الصوت الذي سُمع من السماء وقت نزول الروح القدس على المسيح، فقال متى 3: 17 هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت، وقال مرقس 1: 11 أنت ابني الحبيب الذي به سُررت وقال لوقا 3: 22 أنت ابني الحبيب الذي بك سُررت؟

من الطبيعي عدم إلتزام الكاتب بالحرفية فيما يكتب. فمثلًا في قصة عماد المسيح يذكر القديس متى أن صوتًا من السماء قال: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت (مت 3: 17)، بينما بحسب رواية لوقا فإن هذا الصوت قد قال: انت ابني الحبيب الذي به سررت (لو 3: 22). كذلك يختلف الأمر بين البشائر الاربعة حين يذكرون النص الذي كتب وعلق على صليب السيد المسيح، فبينما يقول متي: [هذا هو يسوع ملك اليهود]، يقول مرقس: [ملك اليهود]، ويكتب لوقا: [هذا هو ملك اليهود]، ويختم يوحنا: [يسوع الناصري ملك اليهود].

وحدث نفس الأمر أيضًا في الصلاة الربانية وفي نصوص أخرى كثيرة في الكتاب المُقدس بعهديه. وهكذا تعامل الاباء مع النص الكتاب المُقدس فقد كانوا عادة ما يتلونه من الذاكرة، فيشير القديس جيروم عدة مرات إلى أن مسيحي القرون الاولي، بما فيهم الرسل والبشيرين، في إقتباسهم للعهد القديم لم يحتسبوا حرف الكتابات المُقدسة بنفس العقيدة الخرافية التي كانت منذ البداية تُميز الموقف اليهودي تجاه تقديسه لحرف النص، لقد فهم الاباء أن الحرف له قيمة فقط من خلال معناه، وأن الكتاب إنما كُتِبَ للإنسان، وليس الإنسان للكتاب.

هذه الطريقة في رؤية الكُتب المُقدسة ظاهرة بوضوح في إقتباسات العهد الجديد في كتابات الكُتاب الكنسيين الأوائل، فهم ليسوا فقط يقتبسون من الذاكرة بشكل تقريبي، بل أنهم يستخدمون غالبًا الإشارات الضمنية بدلًا من الإقتباسات الدقيقة. ويبدو واضحًا أن ما نظروه في النص كان معني أعمق لا يُمكن أن يتأثر بأي شكل من التغيرات النصية[95]. لأن المسيحية ليست مبنية على نص لكنها متأسسة على شخص المسيح وهي التي كرز بها الرسل وعبروا عنها بإسلوبهم، وكان روح الله يعمل فيهم حتّى لا يخطئوا في إيصال القصد من الرسالة، وليس أن يكتبوا نفس الرسالة وكأنها اقتباسات نصية مجردة من بعضهم البعض.

 

25- هل في معمودية المسيح المذكورة في مت3: 16- 17 عند الظهور الالهي، هل هذا يعني أن الأب والابن والروح القدس هم ثلاثة اشخاص منفصلين؟

طبيعة الله هي طبيعة واحدة بسيطة، وبسيطة تعني انها غير مركبة من اجزاء، فالاقانيم ليسوا اجزاء في الله وكأن الإبن هو جزء من الله والاب هو جزء اخر وهكذا.. هذا فهم مشوه عن طبيعة الله الثالوث. ويكتب ق. اثناسيوس الرسولي: الثالوث المبارك لا يتجزأ، وهو واحد في ذاته، لأنه حينما ذ ُكر الأب ذُكر الإبن الكلمة والروح القدس الذي في الإبن، وإذا ذُكر الإبن فان الأب في الإبن، والروح القدس ليس خارج الكلمة لأن الأب نعمة واحدة تتم بالإبن في الروح القدس، وهناك طبيعة إلهية واحدة[96].

فالله غير مكون من اجزاء وغير قابل للتجزئة وكل اقنوم هو كل ما هو الله منذ الازل لان فيه ومعه الاقنومين الآخرين في احتواء متبادل بغير انفصال.

وهذا ظهر جليًا هُنا في حدث المعمودية إذ أن الإبن المُتجسد أظهر انه غير مُنفصل عن الأب والروح القدس إذ هم متواجدون معه كما هم معه وفيه دائمًا، ولذلك يكتب ق. امبرسيوس: نحن نقول إله واحد ونعترف بالآب والإبن. لقد كُتِبَ (احبب الرب إلهك ولا تعبد سواه. تث 10 : 20) اما يسوع فقد رفض انه منفرد بنفسه إذ قال (لا اكون وحدي لان الأب معي. يو16: 32). ليس هو وحده الآن لإن الأب يشهد انه حاضر معه. الروح القدس حاضر (ايضًا). لان الثالوث غير منفصل[97] .

والظهور في هيئات جسدية حيث الابن متجسد ومتحد بجسد المسيح والروح القدس ظاهر في هيئة حمامة والله الأب ظاهر كصوت من السماء، هذا لا يحد طبيعة الله الغير محدودة والموجودة في كل مكان، ولكنه مجرد اعلان حتّى يستطيع أن يستوعبه ويتفهمه البشر، ولا يعني أن الله في طبيعته هو هكذا حمامة وجسد انسان وصوت، فهذا تصور طفولي عن طبيعة الله كما هو في ذاته وجوهرة وليس ما يظهره ويعلنه لنا.

فالثالوث القدوس ليس له هيئة جسمية ولذلك فهو بعيد تمامًا عن أن يكون محدود بمكان أو منفصل مكانيًا، هذا لان طبيعة الله روحية وفوق المكان والزمان فلا يُمكن أن تُمسك بالمكان أو الزمان ولا أن يكون هذا عامل إنفصال بين اقانيم اللاهوت الذين هم كل ما هو الله الواحد منذ الازل، ويكتب ق. اغسطينوس:

هنا يظهر لنا الثالوث بصوره مميزة، الأب في الصوت، الابن في الإنسان، الروح القدس في الحمامة. انه امر واضح جلي لأي إنسان يُريد أن يراه. فينقل الينا الاعتراف بالثالوث بحيث لا يترك اي مجال للشك أو التردد …

نحن نؤمن أن الأب والإبن والروح القدس ثالوث لا ينفصل، إله واحد لا ينفصل، وليس هوثلاثة الهه. لكن هناك إله واحد على نحو لا يكون فيه الإبن هو الأب ولا الأب هو الإبن ولا الروح القدس هو الأب أو الإبن. هذه الالوهية التي لا توصف حاضرة في كل مكان مجددة كل شئ، فهي تخلق وتعيد الخلق وترسل وتعيد إلى الحياة، وتحكم وتُخلص. هذا هو الثالوث الفائق الوصف وغير المنفصل[98] .

 

[1] R. T. France، vol. 1، Matthew: An Introduction and Commentary، Tyndale New Testament Commentaries. P، 77.

[2] See، Flavius Josephus and William Whiston، The Works of Josephus: Complete and Unabridged، Includes Index.، Life 1-.12.

[3] كلمة يونانية معناها من له صلة بالسيد.

[4] تاريخ الكنيسة، للعلامة يوسابيوس القيصري، ترجمة الأب مرقس داود، 7: 13، 14

[5] J. Jeremias، Jerusalem in the time of jesus، London. 1969. Pp. 213- 221. 275- 303.

[6] M. D. Johnson، The Purpose of The Biblical Genealogies، Cambridge، 1969، p، 238.

[7] Witherington III، the birth of jesus، dictionary of jesus and the gospels، p. 65

[8] Geisler، when critics ask، p. 385

[9] Archer، encyclopedia of bible defficulties، p. 316

[10] وهو على ما كان يُظَّن بن يوسف، بينما حرفيًا يجب أن تكون الإبن ليوسف حتّى تكون مُعرفة، وهذا لم يحدث هُنا.

[11] وهو الإسم المُختصر من Ἠλιακίμ- يواقيم وهو الاسم الذي تسلمته الكنيسة القبطية كأب لمريم العذراء بحسب التقليد. انظر: John Nolland، vol. 35A، Word Biblical Commentary : Luke 1:1-9:20، Word Biblical Commentary (Dallas: Word، Incorporated، 2002)، p. 171.

[12] يوضح التلمود أن اسرة الاب فقط هي التي تدعي اسرة، اما اسرة الام فلا تدعي هكذا. (Baba Batra 109B)

[13] See، jer talmud، hagigah 2: 4 ; Sanhedrin 23: 3- babylonian talmud، Sanhedrin 44: 2

[14] Harmony of the Gospels 2.1.2–3

[15] Exposition of the Gospel of Luke 3.4.

 [16] تاريخ الكنيسة 7: 17

[17] Richard C. Blight، An Exegetical Summary of Luke 1-11، 2nd ed. (Dallas، TX: SIL International، 2008)، p. 141.

[18] See، Arn Arndt، William F. Luke. St. Louis: Concordia، 1984. Gdt Godet، F. A Commentary on the Gospel of St. Luke. 2 vols. 1870. Reprint. Edinburgh: T. & T. Clark، 1957. Lns Lenski، R. C. H. The Interpretation of St. Luke’s Gospel. Minneapolis: Augsburg، 1946. NIC Geldenhuys، Norval. Commentary on the Gospel of Luke. New International Commentary on the New Testament. Grand Rapids: Eerdmans، 1951. NIVS Barker، Kenneth، ed. The NIV Study Bible. Grand Rapids: Zondervan، 1985. NTC Hendriksen، William. Exposition of the Gospel According to Luke. New Testament Commentary. Grand Rapids: Baker، 1978. Rb Robertson، Archibald Thomas. The Gospel According to Luke. Word Pictures in the New Testament، vol. 2. Nashville، Tenn.: Broadman، 1930.

[19] Targ. in Ruth. i. 4. T. Bab. Sanhedrim، fol. 105. 2. Horayot، fol. 10. 2. Nazir. fol 23. 2. Sota، fol. 47. 1. Zohar in Deut. fol. 109. 2. Shalshelet Hakabala fol. 8. 1

[20] Targ. in Ruth 3.15. T. Bab. Sanhedrim، fol. 93. 7. Midrash Ruth، fol. 34. 4. Zohar in Gen، fol. 72. 1. Tzeror Hammor، fol. 20. 4. & 123. 4. & 132. 4.

[21] التفسير الحديث لسفر الخروج، د/ الان كول، ص 177.

[22] Epis. 130: 9

[23] In Matt. 1:2.

[24] R. T. France، vol. 1، Matthew: An Introduction and Commentary، P، 79

[25] الكنز الجليل في تفسير الانجيل، د/ وليم ادي، ص 5.

[26] The NET Bible First Edition Notes (Biblical Studies Press، 2006; 2006)، Je 22:30.

[27] Kimchi in 1 Chronicles 3.17. & in Jeremiah 22.30.

[28] Charles L. Feinberg، “Jeremiah” In، in The Expositor’s Bible Commentary، Volume 6: P، 516.

[29] جون ماك ارثر، ص 1515.

[30] William Hendriksen and Simon J. Kistemaker، vol. 9، New Testament Commentary: Exposition of the Gospel According to Matthew، P، 119.

[31] The NET Bible First Edition Notes (Mt 1:11).

[32] Catena Aurea: Commentary on the Four Gospels، Collected Out of the Works of the Fathers، Volume 1: St. Matthew، P. 26.

[33] John Jr MacArthur، The MacArthur Study Bible. (Nashville: Word Pub.، 1997، c1997)، Mt 1:17.

[34] A commentary، critical and explanatory، on the Old and New Testaments. (Mt 1:11).

[35] Juchasin، fol. 13. i.

[36] John MacArthur، The MacArthur Study Bible: New American Standard Bible. (2006)، Mt 1:3.

[37] Cathedral Sermons، Homily 94.

[38] In Matt. 1:3.  

[39] Homilies on the Gospel of Luke 28.2

[40] Les genealogies de jesus en matthieu luc. Pp. 56- 58

[41] See: the Babylonian Gemara، Megill. fol. 14. 2.

[42] F. youga، lepitre de saint Jacques. Geneve، labor et fides، p. 90.

[43] D’apres ch. Perrot. Les recits de l’enfance de jesus. Matthieu 1:2

[44] Robert Jamieson، A. R. Fausset، A. R. Fausset et al.، A Commentary، Critical and Explanatory، on the Old and New Testaments، On Spine: Critical and Explanatory Commentary. (Oak Harbor، WA: Logos Research Systems، Inc.، 1997)، Mt 1:17. See also، So Schöllig (v) and Schweizer، Matthew، p. 23. Cf. Bengel 1، p. 59. Augustine، Con. ev. 2.4.10 counts Jechoniah twice. & W. D. Davies and Dale C. Allison، A Critical and Exegetical Commentary on the Gospel According to Saint Matthew (London; New York: T&T Clark International، 2004)، 186.

[45] John Jr MacArthur، The MacArthur Study Bible، electronic ed. (Nashville: Word Pub.، 1997، c1997)، Mt 1:17.

[46] Donald A. Hagner، vol. 33A، Word Biblical Commentary: Matthew 1-13، Word Biblical Commentary (Dallas: Word، Incorporated، 2002)، 21.

see also، R. T. France، vol. 1، Matthew: An Introduction and Commentary، Tyndale New Testament Commentaries (Nottingham، England: Inter-Varsity Press، 1985)، 84.

[47] مأخوذة بتصرف عن كتاب: برهان جديد يتطلب قرار.

[48] Hindson، Isaiah’s immanal، grace journal 10، II،7

[49] Niessen، the virginity of the almah in Isaiah 7: 14، bibliotheca sacra، p. 137

[50] Myers، the use of almah in the Old Testament، the Lutheran quarterly 7، p. 139

[51] Niessen، ibid، p. 138

[52] ibid

[53] Hindson، ibid،7

[54] Niessen، ibid، p.140

[55] Deere، song of songs، the bible knowledge commentary; Old Testament، p. 1011، 1012

[56] Niessen، ibid، p.140

[57] Machen، the virgin birth of Christ، p. 288

[58] Beecher، the prophecy of virgin mother، classical evangelical essays in Old Testament interpretation، p. 179-80

[59] Niessen، ibid، p. 142- 43

[60] Feinberg، the virgin birth in the old testament، bibliotheca sacra، I، p. 254

[61] Hindson، ibid، 6

[62] Calvin، commentary of the book of the prophet Isaiah، vol 2، p. 245

[63] Hindson، ibid، 8

[64] Wilson، the meaning of almah in Isaiah VII. 14، Princeton theological، 310-15

[65] Morris، the bible has the answer، p. 36

[66] Witherington III، the birth of jesus، dictionary of jesus and the gospels، p. 64

[67] Ibid، p. 9

[68] Mueller، a virgin shall conceive، p. 205-6

[69] Feinberg، the virgin birth in the Old Testament، bibliotheca sacra، I، p.258

[70] Wells، OH، 19: 1

[71] Erickson، Christian theology، vol.2، 747-48

[72] Rogers، the cse for miracles، p. 105

[73] Aristides، apology، 32

[74] Apology 1: 21- 33; Dialogue with trypho the Jew

[75] Dialogue with trypho the Jew 84

[76] Rogers، ibid، 103

[77] ميلاد وطفولة ابن الله، إليان كوفيليه، ص 72

[78] Targum Jon. Jarchi، Aben Ezra، Kimchi & Abendana in loc. Abarbinel Mashmia Jeshua، fol. 62. 2. R. Isaac Chizuk Emuna، p. 279.

[79] الاب رافائيل البراموسي، شعبي لا يفهم، ص 31

[80] See: Richardson، Peter. Herod: King of the Jews and friend of the Romans، (Continuum International Publishing Group، 1999) pp. xv–xx. & Knoblet، Jerry. Herod the Great (University Press of America، 2005)، p. 179. & Rocca، Samuel. Herod’s Judaea: a Mediterranean state in the classical world (Mohr Siebeck، 2008) p. 159. & Millar، Fergus; Schürer، Emil; Vermes، Geza. The History of the Jewish People in the Age of Jesus Christ (Continuum International Publishing Group، 1973) p. 327. & Wright، N. T. The New Testament and the People of God (SPCK، 1992)، p. 172.

[81] See: McGonigle، Thomas C.; McGonigle، Thomas D.; Quigley، James F. (1988). A History of the Christian Tradition: From its Jewish Origins to the Reformation Volume 1 of A History of the Christian Tradition. Paulist Press. & Peters، Francis E. (2005). The Monotheists: Jews، Christians، and Muslims in Conflict and Competition، Volume II: The Words and Will of God The Words And Will of God. Princeton University Press. & Kasher، Aryeh; Witztum، Eliezer (2007). King Herod: a persecuted persecutor : a case study in psychohistory and psychobiography. Translation by Karen Gold. Walter de Gruyter.

[82] Spino، Ken (Rabbi) (2010). “History Crash Course #31: Herod the Great (online)”. Crash Course in Jewish History. Targum Press. ISBN 978-1-5687-1532-2. Retrieved 7 May 2013.

[83] Tierney، John. “Herod: Herod the Great”، Catholic Encyclopedia (1910): “Herod، surnamed the Great، called by Grätz “the evil genius of the Judean nation” (Hist.، v. II، p. 77). See also Herod I at Jewish Encyclopedia: “above all، he was prepared to commit any crime in order to gratify his unbounded ambition”

[84] Josephus، Wars، 2.26.

[85] Frederick Fyvie Bruce، ”The Acts of the Apostles” (Eerdmans 1990 ISBN 978-080280966-7)، p. 96. Books.google.com. 1990-12-01. ISBN 9780802809667. Retrieved 2013-05-02.، see also: “The House of Herod”. Virtualreligion.net. Retrieved 2013-05-02.

[86] انظر تاريخ الكنيسة للعلامة يوسابيوس القيصري، ترجمة القس مرقس داود، ص 57. وايضًا يوسيفوس الاثار 19.

[87] D. A. Carson، “Matthew” In، in The Expositor’s Bible Commentary، Volume 8: Matthew، Mark، Luke، ed. Frank E. Gaebelein (Grand Rapids، MI: Zondervan Publishing House، 1984)، 97.

[88] الراهب رافائيل البراموسي، شعبي لا يفهم، ص 50

[89] John F. Walvoord، Roy B. Zuck and Dallas Theological Seminary، The Bible Knowledge Commentary: An Exposition of the Scriptures (Wheaton، IL: Victor Books، 1983-c1985)، 2:23-24… see also: R. T. France، vol. 1، Matthew: An Introduction and Commentary، Tyndale New Testament Commentaries (Nottingham، England: Inter-Varsity Press، 1985)، p. 93.

[90]  يتيمز القديس متى باستخدام هذا الشكل دائمًا عن كلمة الناصرة أو ناصري (Ναζωραῖος)، بينما يستخدم كلٍ من مرقس ولوقا هذا الشكل: (Ναζαρηνός)

Donald A. Hagner، vol. 33A، Word Biblical Commentary: Matthew 1-13، Word Biblical Commentary (Dallas: Word، Incorporated، 2002)، p. 40.

[91] Craig S. Keener، vol. 1، Matthew، The IVP New Testament commentary series (Downers Grove، Ill.: InterVarsity Press، 1997)، Mt 2:23.

[92] Commentary on Matthew 1.2.23.

[93] Hom، on john، 17: 2- 3

[94] مقالات لطالبي العماد، ترجمة القمص تادرس يعقوب مالطي 3: 11 … ص 73، 74

[95] L. Vaganay & C-B amphoux، an introduction to the new testament textual criticism، p. 92.

[96] الرسائل إلى سرابيون 1 : 14

[97] التفسير القديم للكتاب المقدس، ترجمة الاب ميشال نجم، انجيل لوقا، ص 126

[98] PL 38، 3 55 . NPNF . I 6، 259

كتاب 25 سؤال وجواب في إنجيل القديس متى – أمجد بشارة

المدلولات اللاهوتية و الروحية في الكتاب المقدس بحسب أنجبل متى – الدكتور موريس تاوضروس

المدلولات اللاهوتية و الروحية في الكتاب المقدس بحسب أنجبل متى – الدكتور موريس تاوضروس

المدلولات اللاهوتية و الروحية في الكتاب المقدس بحسب أنجبل متى – الدكتور موريس تاوضروس

المدلولات اللاهوتية و الروحية في الكتاب المقدس بحسب أنجبل متى – الدكتور موريس تاوضروس

 

للتحميل اضغط هنا

الإيمان وموجباته المنطقية بولادة المسيح العذراوية – إشعياء 7: 14

الإيمان وموجباته المنطقية بولادة المسيح العذراوية – إشعياء 7: 14

الإيمان وموجباته المنطقية بولادة المسيح العذراوية – إشعياء 7: 14

الإيمان وموجباته المنطقية بولادة المسيح العذراوية – إشعياء 7: 14

إن جانباً رئيساً من الدفاع عن الإيمان المسيحي الكفيل بأن يجتاز الامتحان الكتابي، كما قلت سابقاً، هو الحجة وراء صحة ادعاءات المسيحية بالحق، والمبنية على تتميم النبوات الكتابية. يعد إشعياء 7: 4-16 إحدى هذه النبوات، وهي حقاً نبوة رئيسة، من جملة أكثر من ثلاث مئة وثلاثين نبوة تخص بالمسيح، موجودة في العهد القديم.

الموقع التاريخي للنبوة

الموقع التاريخي لـ إشعياء 7: 14-16 هو معروف جيداً. فخلال حكم الملك آحاز على يهوذا، نحو العام 734 ق.م على الأرجح، تحالف رصين، ملك سوريا، وفقح، ملك إسرائيل، ضد آحاز ملك يهوذا، لخلعه عن العرش وتنصيب محله ابن طبئيل كملك أشبه بدمية يأتمر بأوامرهما من خلال إدخاله يهوذا ضمن تحالفهما ضد أشور[1]. الأنباء عن هذا التحالف، أقلقت جداً كل مملكة يهوذا الجنوبية. لذا، أرسل الله إشعياء إلى آحاز لطمأنته بأن المؤامرة المحاكة ضده لن تقوم. عاد الله وحذر آحاز من الاتكال على تحالف يقدم عليه هو مع أشور (راجع 9: 7)، وذلك بإعلامه كيف أنه في غضون خمس وستين سنة، سوف “تنكسر” المملكة الشمالية، بالرغم من تحالفها مع سوريا.

بوسعنا ملاحظة هنا كيف أن هذا التحالف كان قد “انكسر” تاريخياً على مدى ثلاث مراحل: غزت أشور دمشق ونهبت المملكة الشمالية عام 732 ق.م (2ملوك 15: 29)، ثم سقطت السامرة بين أيدي الأشوريين في 722 ق.م، وأخيراً من خلال إقدام الأشوريين على نفي السكان الإسرائيليين وترحيلهم واستعمار الأرض من خلال إسكان فيها أناس غير إسرائيليين (راجع 2ملوك 17: 24 والأعداد التالية؛ وعزرا 4: 2، 10) في العام 669 ق.م (خمس وستون سنة من 734 ق.م). وعندما بدأ أشوربانيبال حكمه على أشور، كان خراب أفرايم قد أصبح كاملاً[2].

الله، وفي معرض تلقينه درساً واضحاً لآحاز الخالي من الإيمان عن ضرورة جعل ثقته بالله وليس بأشور، ولتشجيعه أيضاً على الإقدام على ذلك، دعا بنعمته آحاز إلى التماس منه “آية” كتثبيت أو تأكيد قوته لخلاص يهوذا. أُخبر آحاز أنه لا يحتاج إلى التزام أية حدود فيما يطلبه لأن لديه ملء الحرية بالتماس ما يريد بحيث “يعمق طلبه ويرفعه”. لأية طلبة تحمل طابع البر، ضمن هذا النطاق الواسع والجامع في طياته الأمور المتناقضة، بكلام آخر، أية طلبة كانت مسموحة.

وحيث أنه غالباً ما جرى الإيحاء بأن اللفظة “آية” في 7: 14 لا تعني بالضرورة ما هو خارج عن الطبيعي والمألوفة، أرى أنه من الأهمية بمكان هنا التركيز على أنه على الأقل في إشعياء 7: 11، من الواضح أن ما هو “خارق” أو “معجزي” هو بالتحديد ما قصده الله من خلال دعوته هذه إلى آحاز. ولو أن آحاز التمس من الله معجزة، كان مستعداً لصنعها له. يتضح هذا من القصد القريب من الآية (برهان على قدرة الله على انقاذ شعبه وحفظه) ومن المجال المفتوح وغير المحدد للدعوة المعروضة على آحاز. نحن لا نبالغ بقولنا إن الله في هذه المناسبة كان “يفكر من زاوية المعجزات”، كما أنه كان على استعداد لصنع إحداها كعلامة لآحاز على يقينية وعده. لذا، وإن كان لا يتوافر لدينا الدليل على أن الآية المذكورة في الأعداد 14-16 يجب فهمها على أنها تنطوي على البعد العجائبي، يبقى أن ما تشير إليه اللفظة “آية” في العدد 11 هي بوضوح من هذا القبيل، وهي تدعم بقوة الافتراض أنه لدى إعلان الله في العدد 14 أنه هو بنفسه سوف يعطي آية بما أن آحاز كان قد رفض طلب ذلك، فتصريحه هذا يوحي بأن “الآية” هنا تنطوي على بعد معجزي.

آحاز، وبما أنه كان ولا شك قد عزم قبلاً على الاتكال على التحالف مع أشور (راجع 2ملوك 16: 5-9)، تظاهر بالتقوى العارمة فرفض الدعوة التي كان الله قد أنعم بها عليه، وأعلن بمراءة أن طلب آية، كان في نظره بمثابة تجربة الله (بالاستناد إلى تثنية 6: 16). وعليه، أعلن الله عن عزمه أن يعطى هو نفسه آية، ليس لآحاز وحده بل لبيت داود كله، ما يشير ضمناً إلى أن هذه الآية تحمل انعكاسات على الأمة جمعاء وعلى مستقبلها. بعد هذا، يجري الإفصاح عن آية الله هذه في الأعداد 14-16:

“ها علماه [“العذراء” أي تلك بالتحديد التي خطرت على بال النبي في رؤيته] تحبل وتلد ابناً وتدعو[3] اسمه “عمانوئيل”. زبداً وعسلاً يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير. لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير تخلى الأرض التي أنت خاش من ملكها”.

معنى اللفظة العبرانية علماه وما تشير إليه

ماذا تعني هنا اللفظة العبرانية علماه وإلى من تشير؟ هذان السؤالان حصلا على أكثر من جواب. يعتبر الإجماع على صعيد مجال الدراسة الحديثة للعهد القديم، أن هذه اللفظة تشير ببساطة إلى “امرأة شابة في سن الزواج”، قد تكون متزوجة أو لا. هذا مع العلم أن هذه اللفظة لا تحوي أية إشارة ضمنية إلى عذروايتها. لكن دراستين لهذا اللفظة أجراهما “روبرت دك ولسن” و”إدوارد ج. يونغ” على المواضع التسعة لورود هذه اللفظة في العهد القديم (خمس مرات في صيغة الجمع – نشيد الأنشاد 1: 3؛ 6: 8؛ المزمور 46؛ 68: 25؛ العدد 26؛ 1أخبار 15: 20؛ وأربع مرات في صيغة المفرد – تكوين 24: 43؛ خروج 2: 8؛ أمثال 30: 19؛ إشعياء 7: 14). هذه الآيات، جرى تقصيها (1) من زاوية قريناتها، (2) في ضوء خلفياتها التاريخية، (3) بحسب صيغها المتعددة، والتي شملت بالنسبة إلى البحث الذي قام به “يونغ” مخطوطات رأس شمرا من أوغاريت القديمة. توصل كلاهما إلى الخلاصة عينها: لم تستخدم اللفظة قط في معرض الإشارة إلى امرأة متزوجة تستحق خلاصاتها أن يتم اقتباسها”. “روبرت دك ولسن” الذي كان يجيد التكلم بخمس وأربعين لغة ولهجة مختلفة، كتب:

 … هناك، على ما يبدو خلاصتان واضحتان من الدلائل: أولاً، علماه، على قدر معرفتنا، لم تعن قط “امرأة شابة متزوجة”، وثانياً، بما أن الافتراض على صعيدي كل من القوانين والاستخدام المألوفة للفظة كان ولا يزال أن كل علماه هي عذراء عفيفة، إلى حين برهان عكس ذلك، لنا الحق بافتراض أن رفقة والـ علماه في إشعياء 7: 14 وسائر علماه، كن عذارى إلى حين برهان عكس ذلك[4].

نقطة “ولسن” الأولى مبنية على طريقة استخدام اللفظة. أما نقطته الثانية، فتعني ببساطة أن الرجل النبيل يصدق أن الشابة هي عفيفة إلى حين برهان عكس ذلك. بكلام آخر، الدارسون الذين لا يؤمنون بأن علماه تعني “عذراء” ليسوا بنبلاء. خلاصة “أ. ج. يونغ” شبيهة بخلاصة “ولسن”:

نحن أبعد من أن نؤكد أن هذه اللفظة هي الموازية بشكل دقيق للكلمة الإنجليزية “عذراء”. لكن، يبدو عليها أنها أقرب إلى الكلمتين “آنسة” أو “فتاة” اللتين توحيان بشكل طبيعي جداً بفتاة غير متزوجة. في الواقع، اللفظة العبرانية علماه، تفيد، على ما يبدو معنى أقوى من “آنسة” أو “فتاة”، وذلك في غياب أي دليل على استخدامها قط للإشارة إلى امرأة متزوجة. لذلك، قد يتمنى أحدنا على الذين لا يزالون يكررون المقولة القديمة عن إمكانية استخدام هذه اللفظة مع امرأة، سواء أكانت متزوجة أم لا، أن يبرزوا بعض الدلائل على تصريحهم هذا.

في ضوء حقيقة عدم استخدام هذه اللفظة قط عن امرأة متزوجة، وفي ضوء نصوص رأس شمرا، حيث وجدت بمثابة مرادف عمل للفظة بتولة [عذراء]، والإشارة هنا في كلتا الحالتين هي إلى إلهة غير متزوجة، نحن نؤمن أن مترجمي الترجمة السبعينية، أبرزوا القوة الحقة للنص من خلال اعتمادهم اللفظة برثينوس [“عذراء”][5].

في الواقع، لا يعني كثيراً عدد المراجع التي بإمكاننا العثور عليها، والتي توافق على كون اللفظة العبرانية تعني “شابة في سن الزواج” سواء أكانت متزوجة أم لا، أو عدد المراجع التي تعتبر أن هذه اللفظة تعني “عذراء”. وحتى لو افترضنا أنه لم يعثر أحدنا على أي مرجع من الفئة الثانية، يبقى أن إنجيل متى، وبإرشاد الروح القدس، سبق له أن جعل صحة الخلاصة الأخيرة فوق كل الشكوك، عندما أعلن (1) أن الرب كان يقصد “عذراء” (بارثينوس) من خلال تصريحه لآحاز بما فعل، و(2) الحبل بيسوع وولادته بشكل معجزي، جاءا كتتميم لنبوة إشعياء:

“وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره: الله معنا” (متى 1: 22، 23).

إن كان متى يتبع هنا الترجمة السبعينية، كما يشدد العديد من الدارسين، فإن ظاهرة مثيرة للانتباه في الترجمة السبعينية هي كونها تعكس التفسير اليهودي السابق للمسيحية للآية من إشعياء 7: 14. ليس الأمر ببساطة كما يزعم بعض الدارسين اليهود الحديثين، أن القراءة في الأصل في الترجمة السبعينية كان هي نيانس (“الشابة”) عوضاً عن هي بارثينس (“العذراء”)، ثم قام بعض المسيحيين الأولين وتلاعبوا بالنص من خلال الاستعاضة عن اللفظة الأولى بالثانية. لكن الحق يقال إن أكيلا، وهو رجل من القرن الثاني كان قد اهتدى إلى اليهودية، أنجز بنفسه وبالاستقلال عن سواه ترجمة يونانية للكتاب المقدس العبراني، حيث قصد فيها أن يستعيض عن اللفظة الأولى بالأخيرة، تجنباً منه للتفسير المسيحي. لكن المترجمين في الأصل للترجمة السبعينية، والذين كانوا قد أكلموا عملهم هذا قبل قرنين أو ثلاثة على ولادة المسيح، ومن دون علمهم بالحقيقة عينها، ترجموا علماه باللفظة بارثينوس، وذلك في سعيهم الحثيث لتقديم ترجمة دقيقة وجديرة بالاحترام “سايرس هـ غوردن” أحد الدارسين اليهود الملمين جداً بالدراسات حول منطقة البحر المتوسط في عصرنا الحاضر، يقر بهذا أيضاً:

النظرة المألوفة التي تعتبر أن “العذراء” هي مسيحية، فيما “الشابة” هي يهودية، ليست صحيحة تماماً. ففي الواقع، الترجمة السبعينية، وهي الترجمة اليهودية التي تمت في الإسكندرية ما قبل المسيحية، جعلت علماه تعني “عذراء” هنا. وعلى هذا الأساس، فالعهد الجديد يتبع التفسير اليهودي في إشعياء 7: 14…. القصد من هذه الملاحظة هو… لفت الانتباه إلى مصدر لم يأت على ذكره البحث. فمن أوغاريت في نحو 1400ق.م. يأتينا نص فيه احتفال بزواج إلهي القمر الذكر والأنثى [“نيكال” و”ياريح”]. وهناك يحصل التكهن بشأن الإلهة أنها ستلد ابناً…. الألفاظ المعتمدة هي قريبة من ألفاظ إشعياء 7: 14. لكن التصريح الأوغاريتي، ومفاده أن العروس ستلد ابناً معروض لحسن الحظ ضمن صيغة تتبع الموازاة. ففي 77،7 يطلق عليها بالتمام اللفظة الموازية لـ علماه بالعبرانية “شابة”؛ في 77,5 يطلق عليها بالتمام اللفظة الموازية لـ بتولة “عذراء”. من هنا فإن العبارة “عذراء” المعتمدة في العهد الجديد لترجمة علماه تستند إلى التفسير اليهودي الأقدم. والذي الآن تثبت صحته في إطار صيغة البشارة هذه من خلال نص ليس هو سابقاً لإشعياء وحسب، بل هو حتى سابقاً لموسى تحت الشكل المتوافر لدينا الآن على ألواح من طين[6].

أخيراً، تعليق “غوردن” الأخير يوحي ضمناً بزمن لموسى يعو إلى ما بعد القرن الخامس عشر، بينما موسى عاش في الواقع متزامناً مع التدوين الأوغاريتي من رأس شمرا القديمة.

الآن، لا شك أن متى، ولو سلمنا باعتماده الترجمة السبعينية (فقط بسبب صحة ترجمتها)، كان يقصد من خلال بارثينوس معنى “عذراء”. وهذا واضح من تصريحاته عند جانبي اقتباسه للنبوة عن عمانوئيل، وبالتحديد، تصريحاته “قبل أن يجتمعا” (1: 18)، “لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس” (1: 20)، و[يوسف] لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر” [في لوقا 2: 7] .

يعد هذا بكل تأكيد معجزة، تتلاءم مع مستلزمات المعنى المتضمن في اللفظة “آية” التي من خلالها وصف الله الحدث العتيد. ينفي هذا التفسير بالضرورة كون المقصود هنا من خلال علماه هو زوجة آحاز، الأمر الذي يقترحه “فريزن” و”كايزر”[7]، أو زوجة إشعياء نفسه (راجع 7: 3؛ 8: 3، 4 للدلالة على أن إشعياء كان متزوجاً)، كما أصر على ذلك “أرشر”.

إلا أن التنبؤ بالحبل العذراوي لا يستنفد الجوانب المعجزية للآية، لأنه من الواضح أنه في حال حبلت الأمر عذراوياً، فالابن بلا أب بيولوجي، مع أنه بشري بكل تأكيد، سيكون بالضرورة فريداً من نوعه. يعلق “يونغ” على هذا بجدارة بقوله: “التركيز الذي جعل على أم الصبي، يقودنا إلى استخلاص أن الصبي نفسه هو غير اعتيادي”[8]. كما أن الاتجاه الذي يدفعنا النص نفسه إلى اعتماده لمساعدتنا على فهم طبيعة هذه الفرادة، يكمن في الاسم المعطى له: “عمانوئيل”. ماذا يخبرنا هذا الاسم عن طبيعته؟

ترد اللفظة العبرانية عمانوئيل، بمعنى “معنا [هو] الله”، ثلاث مرات فقط في الكتاب المقدس كاسم علم (إشعياء 7: 14؛ 8: 8؛ متى 1: 23)، وأنا أصرح بأنه يشير إلى الشخص عينه[9]. الآن، لا ننصف فرادة الصبي الذي حبل به عذراوياً بين الناس، من خلال القول، كما يزعم بعضهم، إن الاسم عمانوئيل كان المقصود منه كمجرد رمز إلى حقيقة وجود الله مع الأمه خلال عملية إنقاذها العتيد، وليس أكثر من ذلك. أنا أوافق على أن الاسم بحد ذاته، قد لا يرمز إلى ما هو أكثر من ذلك، لكن الصبي الذي تم الحبل به عذراوياً ويحمل الاسم “عمانوئيل” قد يكون في الواقع ما يوحي به اسمه. أنا أصرح بهذا للأسباب الأربعة التالية:

أولاً، الاسم الذي أعطي لأحدهم (أو الذي حمله أحدهم) كان ينطوي، في أغلب الأحيان، على وصف أو إعلان عما كان عليه هذا الشخص. (راجع مثلاً، تكوين 17: 5، 15، 16؛ 27: 36؛ خروج 3: 13, 14؛ 6: 2، 3؛ 1صموئيل 25: 25؛ 2صموئيل 12: 25؛ متى 1: 21). وكما هي الحال في إشعياء 4: 3 أن “المسمى قدوساً” ليس كذلك بالاسم فقط، بل هو قدوس في الواقع (راجع أيضاً هوشع 1: 10؛ إشعياء 1: 26؛ لوقا 1: 31: 35)، هكذا أيضاً الحال في إشعياء 7: 14 بحيث أن تسميه الصبي “عمانوئيل” بوسعه، بل أسلم بأن المقصود من ورائه الإفصاح عما سيكون عليه في الواقع.

ثانياً، ورد هذا الاسم في إشعياء، يوحي بأن نبوة الصبي عمانوئيل، كانت إلهية. نفهم من 8: 8 أن عمانوئيل كان مالك أرض إسرائيل، وأنه سوف يحمي شعب الله (راجع 8: 10)، الأمر الذي يشير ضمناً بوضوح إلى امتلاك الصبي امتيازات مع خصائص إلهية.

ثالثاً، حقيقة كون متى “تجاوز” الاسم “يسوع” (لكن راجع تفسير الملاك لـ “يسوع” والذي يذكرنا بالمزمور 130: 8) والذي كان أيضاً غير يوناني وقد جرت ترجمته إلى اليونانية “عمانوئيل” (ورد الاسم للمرة الثالثة) (1: 23). هذا يوحي بكل تأكيد، وذلك في ضوء تصريح الملاك قبلاً “بأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس” (1: 20)، أن متى قصد تعليمنا أن في شخص الولد الذي حبلت به مريم، كان الله نفسه قد جاء للسكن مع شعبه إن ساركي (في الجسد) (راجع وعود يسوع اللاحقة بأن يكون مع شعبه في متى 18: 20؛ 28: 20).

رابعاً، الأوصاف الأخرى التي أعطيت لهذا الصبي في إشعياء 9: 6 – “عجيباً، مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام”(ناهيك أيضاً بالتطبيقات المتعددة لأوصاف أخرى للصبي في إشعياء 7-12 على يسوع في العهد الجديد، والمعروفة باسم “مجلد عمانوئيل”[10]) – تشير كما سنرى بعد قليل، أن الصبي ضمن نبوة عمانوئيل، سيكون ابن الله الإلهي بما أنه حبل به عذراوياً.

إن هكذا مفهوم للاسم، كما اقترحنا هنا، يفسر فرادة الصبي الذي كان سيحبل به داخل رحم الأم العذراء من دون الاستعانة بأب بشري. باختصار، الدليل الكتابي متوافر بشكل ساحق دعماً لكون الصبي الذي حبل به عذراوياً هو الله الظاهر في الجسد، وبالتالي الذي له الحق بأن يحمل الاسم “عمانوئيل” – “معنا [هو] الله”.

مشكلة الصلة

الاعتراض التفسيري الرئيس على هذا المفهوم لـ إشعياء 7: 14 هو أن الإصرار على تتميمه الأوحد في المسيح، ينفي أية صلة للنبوة بزمن آحاز. “الآية” التي لم تكن لتتم على مدى سبعة قرون ونصف القرن، كما يجادل بعضهم غالباً، كانت تكتسب بالجهد أية قيمة لبيت دواد في القرن الثامن ق.م. يظهر هذا الاعتراض في كل من الأبحاث غير الإنجيلية والإنجيلية على السواء لهذا النص. بالطبع، في الحالة الأخيرة، يُبذل مجهود جبار لتفسير النص بشكل يشمل حصول ولادة في أيام إشعياء مع ولادة المسيح لاحقاً. مثلاً، حاجج “وليم سانفورد لاسور” في أن اللفظة العبرانية علماه، من الضروري تفسيرها على نطاق واسع بما فيه الكفاية. فإلى جانب تطبيقها النهائي على الأم العذراء ليسوع المسيح، فقد تنطبق في جزئها ما قبل الأخير على شابة سابقة عاشت في زمن إشعياء، سوف تحبل وتلد ابناً بالوسائل الطبيعية. ابنها سيحمل الاسم عمانوئيل، وسيمسي بالتالي آية رجاء لآحاز بإنقاذ كان الله سيتممه في غضون فترة اثنتي عشرة سنة[11].

يفهم “غليزن ل. أرشر” أيضاً نبوة عمانوئيل في 7: 14 على أن لها تتميماً ثنائياً، بحيث إن التتميم الرمزي هو في مهير شلال حاش بز (8: 1-4)، ابن إشعياء، فيما التتميم المرموز إليه هو بالطبع في شخص يسوع، ابن مريم[12]. لكن، لتسويغ هذا التفسير، كان على “أرشر” افتراض أولاً أن شأرياشوب (7: 3) كان ابن إشعياء من زوجة سابقة ماتت وتركت إشعياء أرملاً. وثانياً، كان مخطوباً لكي يتزوج من نبية كانت في زمن النبوة وقبل زواج إشعياء بعذراء، غير أنها بالطبع لم تعد عذراء في زمن حبلها ووضعها طفلاً. لكن هذه العنصرين في سياق تفسيره – ترمل إشعياء، وخطوبته لكي يتزوج مجدداً من النبية العذراء – هما من قبيل الافتراض البحت، بما أن الأسفار المقدسة لا تذكر أي شيء عن زوجتين له. كل ذلك كان من قبيل الافتراض الضروري حتى يتمكن “آرشر” من دعم نظرته الثنائية هذه.

غير أن القراءة بتركيز لكل من إشعياء 7: 14 ومتى 1: 22-25، تظهر أن علماه كان عليها أن تكون عذراء ليس خلال زمن زواجها وحسب، لكن أيضاً في أثناء حبلها ووضعها طفلها. لنلاحظ ما يلي: البارثينوس التي يؤكد عليها متى (والتي يقر “أرشر” بسرور بأنها كان عذراء في زمن النبوة)، يصورها كل من إشعياء ومتى بصفتها الشخص نفسه الذي حبل ووضع طفلاً: “هوذا العذراء تحبل و[العذراء] تلد ابناً”.

فما من تلميح إلى كون حالة العذراوية للبارثينوس قد تغيرت بين وصفها كذلك، الفعلين (“تحبل” و”تلد”) اللذين يليان هذا الوصف. ثمة تشابه جزئي لهذا في يوحنا 1: 14 حيث نقرأ: “والكلمة صار جسداً وحل بيننا”. الكلمة، كما يحاجج في ذلك الإنجيليون، صار جسداً من دون تغيره إلى شيء آخر، أو كفه عن أن يكون كل من هو عليه بالحقيقة بصفته الكلمة. كما أن هذا الكلمة نفسه هو الفاعل أيضاً للفعل التالي “حل”. كذلك الأمر بالنسبة إلى بالبارثينوس، فهي حبلت وولدت من دون الكف عن أن تكون بارثينوس. هذا هو السبب – وهل من سبب آخر يفسر ذلك؟ – كون متى أكد حقيقة أن يوسف لم يقم أية علاقات جنسية مع مريم إلا بعد أن ولدت يسوع (1: 25). كان يدرك بوضوح أن عذراوية مريم طيلة فترة حبلها كان حيوية وضرورية كتتميم لتصريح إشعياء 7: 14، ويستلزم أن يصار إلى تطبيق نبوة عمانوئيل على المسيح حصرياً.

على القارئ أن يحكم إن كانت امرأة عذراء عند زواجها من دون أن تبقى عذراء في حبلها، ولدى ولادتها (أي النبية) كان بالإمكان أن تصلح كرمز للمرأة المرموز إليها في المستقبل والتي كانت خلال فترة خطوبتها عذراء في كل من حبلها وولادتها (أي مريم)، وإن كان بالإمكان قراءة إشعياء 7: 14 بشكل يسمح بحصول هاتين الحالتين المختلفتين في إطار الحدود اللغوية لهذا العدد. برأي، هذا اللجوء إلى “التتميم الثنائي” أو “المعنى المزدوج” كما يؤكد ذلك “ج. بارتن باين”، يفوته أن يأخذ بجدية حقيقة أن الـ علماه في إشعياء 7: 14 إما كانت عذراء وإما لم تكن، وأنه من غير الممكن التنبؤ في آن بهذين المعنيين المضادين”[13]. وكما سبق لل أن صرحت، من الواضح من كلام متى أن نبوة عمانوئيل تصف الـ علماه كعذراء ليس فقط لحظة حبلها، بل أيضاً طوال فترة حبلها إلى حين حدوث ولادتها.

الحل لمعضلة الصلة

ما هو الحل إذاً، لمعضلة صلة النبوة بمعاصريها “كآية” لم تكن لتتم على مدى سبعة قرون ونصف القرن؟ ثمة أربعة حلول عرضت كرد على هذا الاعتراض:

1 – “جوزيف أديسون ألكسندر” في تفسيره النقدي العظيم لإشعياء، يحاجج في كون التأكيد على أن المسيح سوف يولد في يهوذا، ومن عائلتها الملوكية، قد يصلح كآية لآحاز على أن المملكة لن تخرب في أيامه. الزمن الفاصل بين هذه الآية وتتميمها في هذه الحالة، كان أبعد من جعلها سخيفة أو غير ملائمة. فمع ازدياد الفترة، ازدادت بذلك قوة الوعد باستمرار يهوذا، الأمر الذي ضمنته النبوة[14]. المشكلة مع هذا الرد، هي أنه، على ما يبدو، يجعل صلة النبوة تدور حول مدى الوعي عن متسلمي النبوة في الأًصل، لكون تتميمها سيحصل في المستقبل البعيد.

2 – حاجج “ج. بارتن باين”، وبقسط أكبر من التبصر، في أن صلة النبوة بالقرن الثامن قبل المسيح، لم يكن ليعتمد على تتميمها الفوري ولا على وعي آحاز لتتميمها في المستقبل البعيد. النبوة، كما يكتب:

… قد تصلح كقوة فعالة في التحفيز على السلوك [وبعث العزاء]، وذلك بمعزل عن الفترة الفاصلة بينها وبين تتميمها التاريخي، شريطة فقط ألا يكون الأشخاص المعاصرون للنبوة على علم بزمن حصول هذا التتميم. وكما أن مجيء الرب الثاني من شأنه تحفيزنا على السلوك بأمانة، مهما كان بعيداً عنا…، هكذا إشعياء 7: 14 في مجيئه الأول المعجزي، يثبت أيضاً فعاليته لتحفيز آحاز، وذلك 730 سنة قبل ولادة يسوع[15].

كلام “باين” مفاده بالتحديد أنه بما أن آحاز لم يكن يعرف متى سوف تتم النبوة، “فالفارق الزمني لم يكن ليقلل من صلة التحذير الذي يطلقه إشعياء على معاصريه، هذا مع كون عمانوئيل لم يكن ليظهر قبل أكير من سبعة قرون[16]. الحل الذي يقترحه “باين والمثير للاهتمام، هو نقيض ما يقترحه “ألكسندر”. فعلى قدر ما يعتبر “ألكسندر” الوعي عند مستلمي النبوة كالأساس لصلتها، تأتي نظرة “باين” لتضرب جذور صلة النبوة بعدم وعي المستلمين لزمن تتميمها. نظرة “باين” تحل المعضلة المتضمنة في اقتراح “ألكسندر”. لكن نظرته، على ما يبدو، تفصل 7: 14 عن الآيتين التاليتين، اللتين بصفتهما جزءًا من التصريح المختص بالآية، يعرضنا حسب الظاهر، بتعابير نسبية، الفترة الزمنية بين تلك اللحظة وإنقاذ يهوذا فيما بعد من التهديد الآتي عليها من الشمال، الأمر الذي يوحي “باين” بأنه غائب عن النص.

3 – يسعى روبرت “أ. فاشولز” وعلى غرار “جون كالفن”، لإيجاد صلة للنبوة بزمن آحاز من خلال اعتباره أنه بينما الآيتان من إشعياء 7: 14، 15 تتنبأن عن ولادة المسيح العذراوية، فإن 7: 16 بالمقابل لا تشير إليه[17]. يعتبر أنه لمن “المؤسف” كون الترجمات الإنجليزية من دون استثناء توحي من خلال ترجمتها لـ حناأر (“الصبي”) بأن 7: 16 يتحدث عن الولد نفسه الذي في 7: 14، 15. فهو يترجم 7: 16: “لأنه قبل أن يعرف صبي أن يرفض الشر ويختار الخير، تخلى الأرض التي أنت خاش من ملكها”. هو يعي تماماً أن اللغة العبرانية تستخدم أل التعريف مع اللفظة “الصبي”، لكنه يقتبس Gesenius’ Hebrew Grammar, 126q-r كأساس لترجمته كون أل التعريف العبرانية قد تشير إلى شخص غير محدد أو إلى شيء موجود في ذهن الراوي.

أنا أقر بصحة القاعدة اللغوية التي يقتبسها، لكني أشكك في مدى تطبيقها في هذه الحالة، بما أن الإشارة في العدد 14 هي بالتحديد إلى “ابن” (بن) العذراء وفي العدد 15 ذلك الابن هو السابق المشار إليه من خلال صيغة المفرد للمذكر الثالث للفعل يوكل (“سيأكل”) واللاحقة لصيغة المفرد المذكر الثالث المتعلقة بالمصدر لدهاتو (“عندما يعرف”). من غير المحتمل جداً، في ضوء هذه الخلفية، أن حناأر في العدد التالي (16) يشير إلى مجرد أي صبي بشكل عام، وليس إلى الصبي الذي جرى ذكره للتو. والمدهش في الأمر، أقل ما يقال، إنه لدى ورود بالتحديد اللفظتين ذاتهما (بن… حناأر) مجدداً بعد أعداد قليلة فقط (8: 3، 4)، “فاشولز” نفسه يترجمها: “قبل أن يعرف الصبي [“الابن” المشار إليه في العدد السابق]”.

4 – لذا، في اعتقادي أن الحل الذي عرضه كل من “ج. غريشام ماشن”، و”أ. ج. يونغ”، و”ر. لايردهاريس” يبقى هو الأفضل حتى الآن. يحاجج هؤلاء الثلاثة في أن “الآية” يجب عدم حصرها بالحبل المعجزي للعذراء وبالطابع الفريد لابنها (7: 14) بل يجب أن تشمل أيضاً كلمات 7: 15، 16. هذا من شأنه جعل فترة السنوات الأولى من حياة الصبي المقياس لزمن خشية يهوذا[18].

في هذين العددين، نعرف أن الصبي “زبدأ وعسلاً يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير”. ما معنى هذا؟ بحسب إشعياء 7: 21، 22 “الزبد والعسل” سيكون الطعام المألوفة للبقية الباقية في الأرض بعد غزو ملك أشور للأمة ونفيه العديد من سكانها. ونظراً لانخفاض عدد الناس في الأرض، سيكون هناك وفرة من الحليب”، وسيكون لديهم زبد للأكل. وجميع الباقين في الأرض، سيأكلون “زبداً وعسلاً”. بكلام آخر، هذا الجانب من آية الله لبيت داود، حذرت من فترة إذلال قادمة، والتي في ضوء العدد 17 ستشمل ليس فقط إسرائيل وحسب بل يهوذا أيضاً على مدى زمن معين. أما التصريح بأن الصبي العجيب عمانوئيل، سوف يأكل زبدأ وعسلاً، فإنه دلالته الرمزية على يهوذا هي أن الصبي عمانوئيل سيتعاطف مع الشعب الباقي، والذي منه سيخرج في نهاية المطاف. لكن كون الضيق الذي سيصيب الأمة في ذلك الحين، لن يستغرق سوى فترة زمنية قصيرة، يظهر من حقيقة إعلان الله أنه “قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير، تخلى الأرض التي أنت خاش من مليكها”.

هذه الفترة الزمنية يمكن فهمها بطريقتين. فقد تعني أن الصبي خلال الفترة التي يكون فيها قد بلغ سنوات التمييز الأدبي، أي في غضون بضع سنوات فقط، يكون قد زال التهديد الناجم عن التحالف الشمالي. إن كان هذا هو القصد من “العبارة الزمنية”، “كان الله يقول إن زمن خشية يهوذا سوف ينتهي مع حصول الغزو الأشوري في 732 ق.م. عندما سقطت دمشق وتعرضت المملكة الشمالية للنهب والسلب (راجع 2ملوك 15: 29). وبذلك، لم تعد فعلياً سوى أمة صغيرة وبلا قيمة خلال حكم هوشع. وقد يعني أيضاً أنه خلال الفترة اللازمة ريثما يكون الصبي بلغة سن المحاسبة الشرعية، أي في غضون فترة ثلاثة عشر عاماً (اثني عشر عاماً يضاف إليها فترة الحبل بالصبي)، سوف يوضع حد لفترة الخشية. إن كان هذا هو القصد من “العبارة الزمنية”، فالله في هذه الحل كان يشير إلى المدة (إن كنا نبدأ هذه المدة من عام 734 ق.م.) من 734 ق. م. وحتى 721 ق. م. والتي خلالها تعرضت كل من دمشق (في 732 ق. م.) والسامرة (في 722 ق.م.) للانقلاب.

باختصار إذاً، ليست الفترة الزمنية بين إعطاء الآية وتتميمها التي يجب اعتمادها كأساس لصلة النبوة بزمن آحاز. إنما الوقت بما بين الولادة المعجزية للصبي وبلوغه سن التمييز أو متى أصبح مسؤولاً شرعياً هو الذي يجعل النبوة ذات صلة بزمن آحاز.

لدى تناولنا الآن الآية بجملتها، فكأن إشعياء قال، بموجب إعادة الصياغة التي أعدها “مانش”:

أنا أرى صبياً رائعاً [حبل به بشكل عذراوي]… من ولادته ستمنح الخلاص لشعبه؛ وقبل انقضاء هذه الفترة، والممتدة بين الحبل بالصبي في رحم أمه وبلوغه سنوات التمييز (أو المحاسبة الشرعية)، سوف تخلى أرض إسرائيل وسوريا[19].

تأخذ إعادة الصياغة هذه، والتي حظيت مبدئياً بتأييد كل من “يونغ”[20] و”هاريس”[21] جميع ميزات الآية بعين الاعتبار، وتبرهن كيف أن الآية، وبالتحديد بسبب المؤشر “الزمني” المرتبط بها، ومع أنها لم تكن لتتم إلا بعد مئات السنين، لعلها، بل كان لها في الواقع صلة بمعاصرين إشعياء من حيث زودتهم بفترة زمنية قابلة للقياس وقصيرة نسبياً سيوضع حد خلالها لفترة إذلال يهوذا.

ثمة آية أخرى موازية وقصيرة الأمد، ومفادها أن فترة إذلال يهوذا ستكون قصيرة نسبياً. طلب الله من إشعياء أن يكتب على لوح كبير الاسم مهير شلال حاش بز والذي يعني: “سريع للنهب؛ رشيق على أخذ الغنيمة”، يوحي بغزو وشيك على أيدي الأشوريين. ثم أقام شاهدين أمينين على هذا العمل. ثم اقترب إشعياء “إلى النبية فحبلت وولدت ابناً” بعد هذا أمر الله بأن يسمى الصبي مهير شلال حاش بز، وأعلن أنه قبل أن يعرف الصبي أن يدعو “يا أبي” و”يا أمي” ستقدم أشور على نهب عدوي يهوذا من الشمال (8: 1-4). تمت هذه النبوة بكل تأكيد في غضون نحو السنة الواحدة مع استيلاء تغلث فلاسر على دمشق ونهبة السامرة في 732 ق. م. إن تتميمها هذا تماشياً مع فترتها الزمنية القصيرة المنصوص عنها، ثبتت وأضحت في آن العنصر الزمني المرتبط بنبوة عمانوئيل السابقة الطويلة الأمد، بارزة بذلك صلة هذه النبوة الأخيرة بمعاصري إشعياء[22].

في نظري، التفسير لإشعياء 7: 14-16 الذي يتشارك فيه “ماشن، يونغ، وهاريس” هو الذي يجب تفضيله على سائر التفسيرات. في اعتقادي أنهم برهنوا أن النبوة برهنت حصرياً الحبل العذراوي لمريم وولادة يسوع المسيح فوق الطبيعية، وأنهم بفعلهم هذا عرضوا في الوقت عينه الفترة الزمنية للضيقة التي ستجتازها يهوذا في القرن الثامن قبل المسيح. أنا اقترح أيضاً أن فرادة يسوع بصفته ابن مريم الذي كان قد حبل به بشكل فريد، جرى التعبير عنها بالتحديد من خلال كونه الله المتجسد، “الكلمة صار جسداً”، كما يوحي بذلك الاسم عمانوئيل. إلى ذلك، وفي سياق هدفنا الحاضر، بالنسبة إلى نبوة إشعياء المختصة بالحبل العذراوي بالمسيح، وتتميم العهد الجديد لتلك النبوة من خلال ولادة يسوع المسيح فوق الطبيعية، لا يزال لدى الكنيسة حجة إضافية واحدة على مصداقية اللاهوت المسيحي ككل.

ولادة يسوع المسيح العذراوية بحسب العهد الجديد

في مستهل تعليقاتي على “معجزة ميلاد المسيح” بحد ذاتها، ألاحظ، معتمداً في ذلك كلمات “ج. غريشام ماشن” كيف أنه “من الواضح بالتمام أن العهد الجديد يعلم الولادة العذراوية للمسيح؛ الأمر الذي لا شك أبداً فيه. وما من مسألة جدية تثار حول تفسير الكتاب المقدس لهذا الأمر”[23]. بكلام آخر، لا مكان لأية “نظرية” أخرى حول الحدث. فإما أن يؤمن به أحدنا وإما لا يؤمن.

المعلومات الكتابية

الإشارات الواضحة إلى أن الكتاب المقدس يعلم عقيدة الحبل العذراوي بيسوع، موجودة في إشعياء 7: 14 (“ها العذراء تحبل وتلد ابناً”)، متى 1: 16 (“التي ولد منها يسوع”)، 1: 18 (“قبل أن يجتمعا، وجدت حبلى من الروح القدس”)، 1: 20 (“لأن الذي حبل به فيها هو من الروح القدس”)، 1: 22، 23 (“وهذا كله كان لكي [هينا] يتم ما قيل [تو رايثن] من الرب بالنبي القائل: “هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويدعون اسمه عمانوئيل”، الذي تفسيره الله معنا”، 1: 25 (“ولم يعرفها [يوسف] حتى ولدت ابنها البكر”)، لوقا 1: 27 (“إلى عذراء…. واسم العذراء مريم”)، 1: 34 (“كيف يكون هذا، وأنا لست أعرف رجلاً؟”)، 1: 35 (“الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله”)، 3: 23 (“وهو على ما كان يظن ابن يوسف”).

مطلوب من القارئ أيضاً مراجعة (1) خواطر مريم في لوقا 2: 19 و2: 51ب، (2) التلميحات الدنيئة إلى أن شيئاً ما (لا شرعي!) غير طبيعي رافع ولادته في مرقص 6: 3 بالمقارنة مع النصوص الموازية له في متى 13: 55 ولوقا 4: 22، كما أيضاً على صعيد التلميحات الأخرى المشابهة في يوحنا 8: 41, 9: 29، و(3) عبارة بولس “مولود من امرأة” في غلاطية 4: 4. في ضوء هذه المعلومات الكتابية، تبقى الحقيقة الوحيدة التي لا جدل حولها أبداً عن التقليد المختص بالحبل بيسوع، أن الحبل به كان قد حصل خارج نطاق الزواج. بكلام آخر، نحن علينا التعامل مع حبل عذراوي أو حبل لا شرعي. والكتاب المقدس يؤيد الاحتمال الأول كأساس للإشاعات المرتبطة بالاحتمال الثاني.

صحيح أن علينا الإقرار بأن اثنين فقط من كتاب العهد الجديد – متى ولوقا – أتيا مباشرة على ذكر الحبل العذراوي بيسوع، لكن ما هو صحيح أيضاً كونهما الوحيدين لتدوين ولادته على الإطلاق. قد يفسر هذا على افتراض أن الكنيسة الأولى كانت تراعي بعض التحفظ حيال طرح هذا الموضوع علناً، وذلك من قبيل احترام خصوصية مريم. أما بالنسبة إلى مدى علم كتاب العهد الجديد الآخرين بالحبل العذرواوي، فيبدو من المؤكد تقريباً أن بولس الذي عمل بشكل حثيث مع لوقا، والذي كان مطلعاً على انجيل لوقا (قارن 1تيموثاوس 5: 18 مع لوقا 10: 7)، كان على علم به. كما إن إشارة مرقص إلى يسوع بصفته “ابن مريم” (مرقص 6: 3)، هذا الأسلوب غير المألوفة لوصف السلالة والنسب بحسب الحضارة والأعراف اليهودية، قد يشير إلى بعض الإدراك عندهم لولادة يسوع غير المألوفة. كما أن من المرجح جداً أن يوحنا، الذي كتب إنجيله بعد متى ولوقا، لا بد أنه علم بها أيضاَ. فهو فهم بالتأكيد أن “الكلمة [الذي “كان الله”] صار جسداً” (1: 14) من خلال ولادة بشرية (19: 37) وقد كان له أم بشرية (2: 1؛ 19: 25).

وفي ضوء تصريحاته المتكررة عن أن يسوع “الذي يأتي من فوق” (3: 31؛ 8: 23)، و“الذي نزل من السماء” (6: 38)، وأنه من عند الله خرج (16: 27، 28)، وكان الله قد أرسله (5: 36؛ 6: 57؛ 10: 36). كان على يوحنا أن يؤمن بأن شكلاً ما من التدخل فوق الطبيعي فرض نفسه عن نقطة الحبل البشري بيسوع، لكي يحصل نوع من التطابق والتناغم بين جميع هذه الميزات. هذا القدر واضح: ما من كاتب في العهد الجديد يذكر أي شيء يتناقض مع شهادة كل من متى ولوقا.

الشهادة من التاريخ الكنسي

فيما يتعلق بالطريقة التي بها فهمت الكنيسة روايات الولادة كما سردها متى ولوقا، لا شك بأن الحبل العذراوي الحرفي ليسوع يرى بانتظام كما تدل على ذلك الشهادات المتحدة لكل من “إيرينايوس” (آسيا الصغرى وبلاد الغال)، “إغناطيوس” (أنطاكية سوريا)، “ترتوليانوس” (إفريقيا الشمالية)، “يوستينوس الشهيد” (أفسس وروما) مع رمز المعمودية الروماني القديم من القرن الثاني[24] مروراً بقوانين الإيمان العظمى للكنيسة وحتى زماننا الحاضر (راجع قانون الإيمان الرسولي، قانون الإيمان النيقاوي الراهن)، التعريف بحسب خلقيدون، ما يعرف بـ “قانون الإيمان الأثناسي” [هومو إست إكس سابستانشيا ماتريس، بمعنى، “إنه إنسان من طبيعة أمه”]، الاعتراف أوكسبرغ، البند III، الاعتراف البلجيكي، البند XVIII، اعتراف الإيمان وستمنستر، الفصل VIII، والبنود التسعة والثلاثون، البند II. أما اقتراح بعض الدارسين الحديثين أن متى (بشكل خاص) كان يكتب “مدراش” (توسيع التاريخ الفعلي وتجميله بواسطة ما “هو غير تاريخي”)، فيبقى ببساطة زعماً غير مبرهن. بل في الواقع، تثار مسألة فعلية حول ما إذا كان “المدراش” من الأساليب الأدبية المألوفة في الزمن الذي كتب فيه متى. لكن من الواضح، على كل حال، أن آباء الكنيسة الأولين لم يفهموا رواية الميلاد بحسب متى على أنها “مدراش”. لذا عندما يقوم رجال من صنف “أ. برونر” و” و.باننبرغ”، مع فريق الباحثين “منتدى يسوع”[25]، وينكرون حقيقة الولادة العذراوية ليسوع، مهما كانت الأسباب وراء ذلك، ومهما كانت نواياهم حسنة، فهم بذلك لا يرفضون شهادة العهد الجديد وحسب، بل أيضاً شهادة الكنيسة المتماسكة والعالمية. هذا الأمر لا يعد ابتعاداً قليلاً عن العقيدة المسيحية من قبل أي إنسان في أي عصر.

ثم هناك بعض هواة الدين غير المسؤولين الذين اقترحوا أن “أسطورة الولادة العذراوية” تمكنت من عمل “غسل دماغ” للمسيحيين من القرن الأول، ذلك ببساطة لأنهم لم يكونوا يعرفون “في ذلك الوقت” كما نعرف الآن، كما يزعم هؤلاء الثرثارون الجبناء، أن الولادات البشرية تستلزم حصول جماع بين الذكر والأنثى من النوع نفسه. يكفي أن أرد على هذا التفسير السخيف أنه من الواضح جداً أن يوسف كان يعرف بكل تأكيد كيفية الحصول على أطفال. ذلك لأنه لدى علمه بأن مريم وجدت حبلى، استخلص أنها لم تكن وفية لنذر زواجها و”أراد تخليتها سراً” (متى 1: 19). وهو لم يكمل زواجه من مريم إلا بعد أن ظهر له ملاك وطمأنه على أن مريم كانت لا تزال عفيفة، ولم تخنه بما أنها حبلها نتج من الروح القدس الذي “ظللها” (متى 1: 20؛ لوقا 1: 35).

لماذا أنا أومن بالحبل العذراوي بالمسيح

الموجبات التي تدفعني إلى الإيمان بالحبل العذراوي بالمسيح في رحم العذراء مريم بقوة الروح القدس، بإمكاني تلخيصها على الشكل التالي:

أولاً، بالطبع، هذا هو تعليم الأسفار المقدسة نفسها التي لا جدل حولها، كما سبق لي ان صرحت. هذا السبب أساسي وكاف في نظري للإيمان به. لكني في هذه الحال، أتحدث كمسيحي. لكن بالإمكان قول المزيد.

ثانياً، هو ثقل الشهادة التاريخية للكنيسة، والتي كنت قد راجعتها أعلاه باقتضاب.

ثالثاً، عندنا الموجب المسيحي المبني على الإيمان بوجود الله: يعد الحبل العذراوي بيسوع، ببساطة جانباً واحداً من مجمل الطابع فوق الطبيعي للأسفار المقدسة وللإيمان بوجود الله على العموم. إن كان بإمكان أحدنا مثلاً، الإيمان بتكوين 1: 1، أو بكون الله قد تكلم إلى البشر في الأسفار المقدسة، أو بمعجزات يسوع، أو بقيامته من الأموات وتركه هذا العالم وصعوده إلى الآب، لسنا في هذه الحال نسأل الشيء الكثير من أحدنا إن آمن بأن يسوع دخل هذا العالم بطريقة معجزية أيضاَ من خلال الحبل به عذراوياً.

رابعاً، عندنا الموجب النفساني: الحبل العذراوي، باستطاعته وحده تفسير استعداد مريم بأن يجري شملها مع شلة الذين عبدوا يسوع بصفته ابن الله الإلهي (أعمال 1: 14). تظهر سذاجتنا إن كنا نقبل أن مريم كان بإمكانها أن تؤمن بأن ابنها مات من أجل خطاياها، وأنه كان مخلصها الإلهي المستحق عبادتها، أو كانت لتسمح للآخرين بأن يؤمنوا بهذا لو علمت في قرارة نفسها أن أصله كان كأي إنسان آخر وأنها كانت قد حبلت به من خارج إطار الزواج.

خامساً، عندنا الموجبات اللاهوتية (1) الحبل العذراوي بيسوع هو التفسير الكتابي لـ “كيفية” حصول التجسد. و(2) لو لم يكن الحبل العذرواوي ضرورياً لتقديم شرح واف عن خلو يسوع من الخطيئة، فالحقيقة تبقى أنه لو أتى يسوع نتيجة اتحاد أب وأم بشريين، فإن هكذا ولادة طبيعية لا بد أن يتعبها الفساد والسقوط (يوحنا 3: 16) مع جعل يسوع شريكاً في خطيئة آدم الأولى (رومية 5: 12، 19).

سادساً وأخيراً، عندنا الموجبات المستوحاة من علمي الدفاع أو الجدل: (1) إن لم يُحبل بيسوع عذراوياً، ففي هذه الحال يكون كل من متى ولوقا على خطأ، ولا يعودان أهلاً للثقة، أو يصلحان كدليل صاحب سلطة، أو كمعلمين للعقيدة ليس فقط في هذه المسألة بل في مسائل أخرى تخص الإيمان، كقيامة المسيح مثلاً (راجع Machen, Virgin Birth 382- 87). (2) إن لم يحبل بيسوع عذراوياً، سيبقى هناك ثغرات عظيمة في كل مجهود مبذول لفهم شخص المسح والتجسد. (Machen, Virgin Birth 387-95 ). (3) لو كان يسوع قد حبل به كسائر الناس، لوقع هو أيضاً تحت لعنه آدم، وذلك على غرار جميع المتحدرين من آدم بالولادة الطبيعية، كما سبق لنا أن لاحظنا. هذا يعني أنه لم يعد يصلح أمام الله كمخلص مقبول للناس. كما أن هذا يعني نهاية المسيحية كديانة لفداء البشرية الخاطئة. وذلك في غياب من بوسعه تقديم نفسه لله كذبيحة مقبولة وبلا عيب لإرضاء العدل الإلهي ولمصالحة الله مع الإنسان. أنا أدرك تماماً كون هذه النقطة الأخيرة تفترض عقيدة محددة عن الخطيئة (“الخطيئة الأصلية وخطيئة الذرية”) مع نظرة محددة إلى الفداء (“الإرضاء”). لكن، إنها لحقيقة كون الكتاب المقدس يعلم هذه العقيدة عن الخطيئة (رومية 5: 12-19) وعن هذا الصنف من الفداء – الصنف الذي تممه يسوع من خلال حياته الخالية من الخطيئة وموته البديلي على الصليب[26].

القصد من الحبل العذراوي بالمسيح

الآن، أريد استخراج انعكاسات الحبل العذراوي بالمسيح على طبيعة شخصه. ففي ضوء الحبل العذراوي بالمسيح، ماذا كان القصد منه بالنسبة إلى شخص يسوع نفسه؟ ربما نحتاج أن نبدأ بحثنا هنا من خلال التركيز على أمرين لا يصلحان كالقصد من الحبل العذراوي بالمسيح.

أولاً، نحتاج ألا نفهم روايات الميلاد كتعليم على أن حبل مريم العذراوي بيسوع بقوة الروح القدس، كان السبب الفعال أو المصدر لألوهيته. يقرر “غيرهاردس فوس” في محله أنه “بالرغم من وجود رابط وثيق بين الولادة العذراوية لربنا وألوهيته، سيكون من الخطأ تعليق الألوهية على الولادة العذراوية كمصدرها النهائي أو السبب وراءها. إننا بفعلنا هذا، نقلل من فكرة اللاهوت نفسه”[27]. ما نقصد التركيز عليه هنا هو الحقيقة الواضحة أنه “ما من أهل بشريين أخطاة كانوا أم قديسين، بوسعهم إنتاج الولد الذي هو الله. هذا يتعدى نطاق بشريتهما. ولا حتى كان بإمكان أم بشرية عذراء فعل ذلك![28] إن كان فهمنا لعلم اللاهوت المختص بالمسيح صحيحاً، ثمة أساس آخر للإيمان بأن يسوع المسيح هو الله، أي حقيقة أن الله الابن كان حقاً وبالتمام الله قبل ولادته العذراوية وبمعزل عنها. لذا، نكرر كيف أن حبله العذراوي داخل رحم مريم، يجب عدم النظر إليه كالسبب النهائي أو المصدر لألوهيته. ولا الحبل العذراوي، علينا التصريح بهذا في هذا السياق، تمكم من إنتاج كائن هجين أو شكل من أشكال النصف – إله، نتج من اتحاد إله (الروح القدس) بامرأة بشرية، بحيث لم يكن إلهاً بالتمام ولا بشرياً بالتمام، بل فقط نصف إله ونصف إنسان. يعد هذا ببساطة من الميثولوجيا التي لا تعرف أي سند كتابي لها. ثمة قصد آخر، كما نأمل أن نظهر وراء الحبل العذراوي بيسوع.

ثانياً، الحبل العذراوي ليسوع بواسطة مريم بقوة الروح القدس، لم يكن على الأرجح السبب الفعال وراء خلو يسوع من الخطيئة (راجع 2كورنثوس 5: 21؛ عبرانيين 4: 15). على الأقل، من غير المحتمل جداً، كما نسمع من حين إلى آخر، أن ولادة يسوع العذراوية كانت ضرورية لخلوه من الخطيئة، ذلك لأن “الخطيئة الأصلية” تنتقل من خلال السلالة الذكورية، لكن النساء كما هي حال الرجال، يشاركن في خطيئة الجبلة البشرية التي أفسدتهن بدورهن. وحالة الخطيئة المنتشرة هذه، شملت أيضاً مريم، التي كانت صاحبة طبيعة خاطئة، واقترفت خطايا في حياتها، كما اعترفت هي نفسها بحاجتها إلى مخلص (لوقا 1: 47). فكل الدلائل الكتابية، ناهيك أيضاً بالبيولوجيا، توحي بأن المرأة تساهم بالتساوي مع الرجل في تكوين المولود البشري الجديد جسدياً، وروحياً، ونفسياً. إنه لأمر صارخ، مثلاً، كيف أن داود في مزموره العظيم الذي يعلن فيه توبته، يذكر بالتحديد أمه عندما يعزو اقترافه فعلته الشنيعة إلى طبيعته الخاطئة. فهو يعلن: “وبالخطيئة حبلت بي أمي” (51: 5). لذا، ثمة موجبات وراء افتراض، إلا في حال حصول عمل حفظ إلهي يتعدى حدود الحبل العذراوي بحد ذاته، أن مريم كانت ستنقل نزعتها البشرية إلى الخطيئة إلى ابنها البكر. كان “كالفن” على استعداد لتأكيد ما يلي:

…. نحن نجعل المسيح يخلو من أية شائبة، ليس فقط بسبب ولادته من أمه بمعزل عن أية عملة جماع، بل أيضاً لأن الروح القدس هو الذي قدسه حتى يكون طاهراً وبلا دنس، أي في الحالة التي سبقت سقوط آدم[29].

يوحي لوقا 1: 35 أيضاً بهذا إن كنا نعتبر هاجيون (القدوس) كمفعول به (في الصيغة الإنكليزية) ونفهمه بالمعنى الأدبي/الأخلاقي. يلحظ “جون موراي” هذا الاحتمال عينه، مع أخذه في ذلك درجة معنية من الحذر والتحفظ:

[حفظ يسوع من الدنس] قد يكمن بالتمام في ولادته فوق الطبيعية، لأن الفساد قد ينتقل من طريق الحبل الطبيعي. [لنلاحظ عدم جعله هنا خطيئة الذرية تنتقل من خلال السلالة الذكورية بحد ذاتها بل بالأحرى بواسطة “الولادة الطبيعية” المتضمنة اتحاد الذكر مع الأنثى]. وعلى كل حال، الولادة الطبيعية كان سيستتبعها الفساد (يوحنا 3: 6). لكن، قد لا يكون صحيحاً أن نجد في غياب الولادة الطبيعية التفسير الكامل لخلو يسوع من الخطيئة. لذا، قد يكون حفظ يسوع، عندما كان لا يزال جنيناً، من دنس الخطيئة الذي كان سيلحق به من جانب أمه (راجع المزمور 51: 5) قد استلزم عاملاً فوق الطبيعة آخر[30].

بالطبع يجب الانتباه جيداً لدى عرض أي تفسير للسبب وراء خلو يسوع من الخطيئة. لكن، إلى حين معرفتنا أكثر بالولادة الطبيعية وبالتكاثر البشري، يكون من الحكمة الإحجام عن تعليق خلو يسوع من الخطيئة ببساطة وفقط على الحقيقة الواضحة التي مفادها أنه قد جرى في الحبل العذراوي إلغاء العنصر الذكوري في ولادته البشرية، وعلى كل حال، باستطاعتنا القول بأمان، إنه ولو شكل خلو يسوع من الخطيئة نتيجة ثانوية لولادته العذراوية، يبقى أن خلوه من الخطيئة لم يكن القصد الرئيس من حبله العذراوي.

ماذا إذاً كان الهدف الرئيس من الحبل العذراوي بيسوع؟ وقبل أن أجيب مباشرة عن هذا السؤال، يكون من المناسب أن أشير إلى أن حبل يسوع داخل رحم أم بشرية، مع كونه عذراوياً بطبيعته، الأمر الذي كان قد تلاه نموه الطبيعي في رحم تلك الأم البشرية، مع خروجه الطبيعي من ذلك الرحم البشري إلى العالم عند الولادة، كما هو مبين في كل من متى ولوقا، كل هذه تعد خصائص لأصله البشري، ما يضمن لنا أن يسوع كان ولا يزال إنساناً حقاً وبالكامل.

الكتاب المقدس متصلب بما فيه الكفاية في اعتباره أن إنسانية يسوع الحقة والكاملة لا تهددها بأي شكل من الأشكال أو تضعفها معجزة ولادته العذراوية، بل على نقيض ذلك، بما أنه ومن خلال الحبل به من أم بشرية، “تشارك” معنا في بشريتنا (عبرانيين 2: 14) وبات “يشبهنا” في كل شيء (عبرانيين 2: 17). أما بالنسبة إلى اعتراض بعضهم على كون الحبل العذراوي ينفي منذ البداية إمكانية أن يكون رينا إنساناً حقاً وبالكامل، أرد عليه بالقول إن اعتراضاً كهذا هو ببساطة فرضية غير قابلة للبرهان. ذلك لأنه “ليس الأسلوب الذي به يحصل الكائن البشري هو الأمر الحاسم الذي يجعل منه إنساناً، إنما النتيجة نفسها، أي كونه كائناً بشرياً” (“ر. ف. ألدونكل”). إلى ذلك، كما يكتب “أ. ن. لاين”:

يستلزم دون المسيح ودود بيننا وبينه استمرارية وعدم استمرارية في آن. أن يكون هو واحداً منا (عبرانيين 2: 10-18) وفي الوقت عينه مختلفاً عنا. يسوع هو “آدم ” الأخير، واحد من الجنس البشري، لكنه يفتتح بشرية جديدة مفدية. تشير الولادة العذراوية إلى هذا الجمع بين الاستمرارية وعدم الاستمرارية[31].

متى دخلنا بعد هذا إلى القصد الرئيس من معجزة الميلاد الرائع والذي يكتنفه الغموض، علينا أن ندرك قبل أي شيء آخر كيف أنه من خلال الحبل العذراوي “الكلمة [الموجودة منذ الأزل] صار جسداً” (يوحنا 1: 14)! بكلام آخر، حبل مريم العذراوي كان الوسيلة التي بها أصبح الله إنساناً، والذي على أساسه “من أجلنا افتقر وهو غني لكي نستغني نحن بفقره” (2كورنثوس 8: 9). إنه جواب الكتاب المقدس عن السؤال الذي يتبادر بشكل طبيعي إلى ذهن الناس ما إن يعرفوا أن يسوع المسيح هو الله – الإنسان: “كيف حدث ذلك؟” فالحبل العذراوي يشكل الوسيلة وراء حصول “حدث عمانوئيل” (إشعياء 7: 14؛ متى 1: 22، 23) الذي جعل الله إنساناً معنا من دون حدوث أي اتحاد بين ابن الله وشخص (بشري) آخر والذي سيكون بالتأكيد نتيجة التجسد من خلال الولادة الطبيعية. فبواسطة حبل مريم العذراوي، الله الابن، ومن دون الكف عن أن يكون من هو بالحقيقة – أحد أقانيم الثالوث الأقدس وكلمة الله – جعل طبيعته الإلهية تتحد بطبيعتنا البشرية في الشخص الإلهي الواحد (وليس شخصاً بشرياً) وهكذا أصبح “معنا” بصفته “عمانوئيل”.

وكل قصد آخر مقترح للحبل العذراوي بيسوع، كما هو مذكور في روايات كل من متى ولوقا، يتلاشى وتظهر تفاهته أمام بريق النور المجيد لهذا الموجب الواضع. ومتى أدركنا هذا بوضوح، سيقر أحدنا بأن روايات الولادة في كل من متى ولوقا، تحتل مكانها المحق إلى جانب جميع الدلائل الأخرى في العهد الجديد – وهي أعظم ولا شك من بعض منها – على ألوهية يسوع المسيح، وبالتالي على العقيدة الكلاسيكية المتعلقة بالتجسد من ضمن علم اللاهوت المختص بالمسيح.

[1] راجع

Edward J. Young, “The Immanuel Prophecy” in Studies in Isaiah (London: Tyndale 1954), 145-48.

للوقوف على إعادة تنظيم الخلفية التاريخية للنبوة حيث يوفق بين التفاصيل في 2ملوك 15: 37؛ 16: 1-9اخبار 28: 5-21؛ وإشعياء 7: 1-9.

[2] هذه مبدئياً نظرة “غليسن ل. آرشر الابن” أيضاً. راجع كتابه

“Isaiah” in The Wycliffe Bible Commentary, edited C. F. Pfeiffer and E. F. Harrison (Chicago: Moody, 1962), 617.

[3] أنا أعتبر الفعل وكارات، في النص المسوري، كمفرد مؤنث ثالث، (“وهي ستدعو”) (الأمر الذي يدعمه الكالساي على حرف الألف) بالرغم من حقيقة “ظهروه كأنه مفرد مؤنث ثان، (الأمر الذي يدعمه وجود الكالساي على كل من الألف والباء).

Walter C. Kaiser, Jr. Toward an Old Testament Theology (Grand Rapids: Zondervan, 1978), 208.

يركز على ضرورة فهم الفعل على أنه مفرد مؤنث ثان (“وأنت علماه، تدعين”) ما يشير إلى أن العلماه كانت واقفة أمام النبي لدى تكلمه. لكن الكتاب

Corrected second English edition; Oxford: Gesenius’ Hebrew Grammar Clarendon, 1910

يعتبر أننا هنا أمام صيغة نادرة جداً من المفرد المؤنث الثالث على صعيد أفعال اللام ألف (راجع 120، المقطع 44f والمقطع 74g). إلى ذلك فاقتباس متى لإشعياء 7: 14 يورد الفعل كاليسوسين (“وسيدعونه”) ، أي في صيغة الجمع الثالثة المألوفة، الأمر الذي يوحي، أقل ما يقال، أن لا أهمية تذكر للجهة التي ستطلق الاسم على الولد في نهاية المطاف. صيغة الفعل لا يمكنها ببساطة دعم الوزن التفسيري الذي يريد “كايزر” تحميله.

[4] Robert Dick Wilson, “The Meaning of Alma (A. V. “Virgin”) in Isaiah VII, 14″ in Princetion Theological Review XXIV (1926), 316.

[5]  E. J. Young “The Immanuel Prophecy” in Studies in Isaiah, 183-84; see also J. Gresham Machen, The Virgin Birth of Jesus Christ (New York: Harper and Brothers, 1930), 288.

[6] Cyrus H. Gordon, “Almah in Isaiah 7: 14” in the Journal of Bible and Religion XXI, 2 (April 1953), 106.

[7] Th. C. Vriezin, An Outline of Old Testament Theology (Newton, Mass.: Charles T. Branford, 1958), 360, fn I; Walter C. Kaizer, Jr., Toward an Old Testament Theeology, 209-10; see also Kaiser’s article, “The Promise of Isaiah 7: 14 and the Single-Meaning Hermeneutic,” in Evangelical Bulletin 6 (1988), 55-70.

وفي معرض تناوله هذا النص، يؤكد “كايزر” بالتحديد أن العلماه كانت أبي (صيغة مختلفة من الاسم أبيا) ابنة زكريا وزوجة آحاز (2ملوك 18: 2)، وأن عمانوئيل الولد كان حزقيا. لكن هذا غير ممكن، لأنه كما يقر “كايزر” نفسه (لكنه يشك في صحة الأمر بسبب مشاكل تتعلق بالتأريخ حول مدة حكم هذا الأخير)، “بموجب التسلسل الزمين الراهن، [حزقيا] كان [كما هو مزعوم] في سن التاسعة في ذلك الحين (نحو 734 ق.م)” (209). في الواقع، وبحسب رأيي، لعل حزقيا كان في نحو سن التاسعة عشرة في عام 734 ق. م. بحيث جلس على العرش، كما يبدو، في 728/27 ق.م.، وذلك في سن الخامسة والعشرين (راجع 2ملوك 18: 1، 2، 9، 10). أما الإشارة إلى “السنة الرابعة عشرة” في 2ملوك 18: 13 فقد تشير إلى السنة الرابعة عشرة من جملة فترة الخمسة عشرة سنة المضافة إلى حياته، والتي كان الله قد منحه إياها (راجع 2ملوك 20: 1-11). يصادف هذا العام 701 ق.م، السنة التي، في عرف دارسي العهد القديم، غزا سنحاريب يهوذا.

[8] Young, “The Immanuel Prophecy” in Studies in Isaiah, 194.

[9] ورود عمانوئيل في إشعياء 8: 10، يعد الحرف العبراني كاي، [“لأجل”] يجب اعتباره بمثابة تصريح، وليس كاسم علم.

[10] مثلاً، (1) “رب الجنود” في إشعياء 8: 13 هو “الرب المسيح” بحسب 1بطرس 3: 14، 15؛ (2) “رب الجنود” نفسه هذا في إشعياء 8: 14 الذي هو “حجر صدمة وصخرة عثرة” هو المسيح الذي كان اليهود قد رفضوه بحسب رومية 9: 33؛ (3) ومع هذا يجب التمييز بينه وبين الرب بمعنى من المعاني، لأنه بحسب الكاتب إلى العبرانيين، المسيح هو الذي يصرح في إشعياء 8: 17: “أنا أكون متوكلاً عليه” (عبرانيين 2: 13)، والذي يتحدث عن حصوله على أولاد من عند الرب في إشعياء 8: 18 (راجع “أباً أبدياً” في إشعياء 9: 6) (عبرانيين 2: 13)؛ ينطبق الموقع الجغرافي المحدد في إشعياء 1: 1، 2، على موقع خدمة يسوع في متى 4: 13-16؛ (5) طبيعة ملك الصبي الموصوفة في إشعياء 9: 7، تعد الخلفية لتصريح جبرائيل في لوقا 1: 32، 33؛ (6) التصريح بأن بقية في إسرائيل تتكل على الرب وترجع إلى الله القدير في إشعياء 10: 20: 32 (راجع الله القدير في إشعياء 9: 6)، يطبقها بولس في رومية 9: 20-23 على رفض يسوع المسيح والذي كان قد راج في ذلك الحين على نطاق واسع؛ (7) أصل يسّ الذي سوف تجتمع إليه الشعوب في إشعياء 11: 10، هو المسيح بحسب بولس في رومية 15: 12. من الواضح أن الصبي في “مجلد عمانوئيل” هو الألوهية المتجسدة، ومع هذا يجب بمعنى من المعاني التمييز بينه وبين الألوهية. افتراض العقيدتين الأخريين المتلازمتين عن التجسد والثالوث، باستطاعته وحده حل ما يبدو هنا أنه تناقض واضح. بإمكان تقديم المزيد من الأمثلة. ففي إطار الإسهاب أكثر في تفسير مضمون الوصف عن الابن: “صائراً أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسماً أفضل منهم”، يعلن الكاتب إلى العبرانيين أنه لدى هذا الصبي، أمر الله جميع الملائكة بضرورة السجود له (عبرانيين 1: 6؛ راجع تثنية 32: 43 بحسب الترجمة السبعينية)، وبصفته ابن الله، إنه نفسه “الله” المزمور 45: 6، 7 وكذلك المزمور 102: 25: 27. بالتأكيد، إنه الله.

[11] William Sanford LaSor, “Isaiah 7: 14 – ‘young Woman’ or ‘Virgin’?” (Pasadena: privately published, 1952), 8-9.

[12] Archer, “Isaiah” in The Wycliffe Bible Commentary, 618.

[13] J. Barton Payne, Encyclopedia of Biblical Prophecy (New York: Harper and Row, 1973), 292. Fn. 61; see alson J. A. Alexander, Isaiah Translated and Explained (Philadelphia: Presbyterian Board of Publication, 1851), I, 106-07.

[14] J. A. Alexander, The Earlier Prophecies of Isaiah (New York: Wiley and Putnam, 1846), I, 119; Charles Lee Feinberg, “The Virgin Birth in the Old Testament and Isaiah 7: 14” in Bibliotheca Sacra 119 (1962), 258.

يبدو أنه يدعم هذا الطرح.

[15] Payne, Encyclopedia of Biblical Prophecy, 292.

[16] Payne, Encyclopedia of Biblical Prophecy, 291.

[17] Robert I. Vasholz, “Isaiah and Ahaz: A Brief History of Crisis in Isaiah 7 and 8” in Presbyterion: Covenant Seminary Review XIII/2 (Fall 1987) 82-83.

[18] إنهما يختلان فقط في التفاصيل.

[19] J. Gresham Machen, The Virgin Birth of Christ (New York: Happer and Brothers, 1930), 293.

[20] Young, “The Immanuel Prophecy” in Studies in Isaiah, 190, 195,96.

[21] See R. Laird Harris’s comment on Isaiah 7: 14 in J. Oliver Buswell , Jr’s A Systematic Theology of the Christian Religion, II, 548.

[22] صيغة معدلة لهذا التفسير لنبوة إشعياء 8 هي التي يعرضها “ج. أ. موتيير” في

“Context and Content in the Interpretation of Isaiah 7: 14” In Tyndale Bulletin 21 (1970): 118-25.

الذي مع “الاقتراح ماشن، يونغ، هاريس” يفهم نبوة عمانوئيل على أن لها تتميماً واحداُ ومباشراً فقط في المسيح، لكنه يحاجج أيضاً في كون إشعياء عرف من البداية أن يهوذا وأورشليم سوف تسقطان في نهاية المطاف، مقدماً بالضرورة ولادة عمانوئيل كرجاء الأمة في نهاية المطاف في المستقبل المجهول تاريخه. بكلام آخر، عمانوئيل سيرث سلالة حكم داودية “مبعثرة”. من أجل هذا، “أدخل إشعياء الصبي الثاني في تسلسل النبوات (8: 1-4) سامحاً لـ مهير شلال حاش بز بأن يتسلم من عمانوئيل مهمة تأمين برنامج زمني للأحداث الحاصلة فوراً (124). لكن هذا الافتراض، كما يبدو لي، “يبعثر” سنوات القصور لعمانوئيل، لكونها المؤشر الزمني لفترة قصيرة من الضيق على يهوذا، الأمر الذي كان الله نفسه قد أعلن عنه.

[23] J. Gresham Machen, The Virgin Birth of Christ (New York: Harper & Row, 1930). 382.

[24] للوقوف على إشارات محددة ضمن كتابات هؤلاء الآباء الأولين، راجع

Machen, Virgin Birth, 2- 43 (the first chapter, “The Virgin Birth in the Second Centtury”).

كانت هناك بعض الفرق التي رفضت رواية الحبل العذراوي للمسيح (الإيبونيون اليهود، وماكيون الهرطوقي) لكنهم فهموا بوضوح أن ما كانت روايات الولادة قد قصدت نقله، كان تاريخاً وليس أساطير.

[25] فريق “منتدى يسوع” الذي اعتبر نفسه جزءًا من الحركة الحديثة المعنية “بالبحث عن يسوع التاريخي”، والذي كان قد أسسه “روبرت و. فانك” في 1985، وبرئاسة “فانك”، و”جون دومنيك كروسان” (الذي يؤمن بأن جسد يسوع لم يدفن قط، بل جرى رميه في كومة من القمامة حيث التهمته الكلاب والطيور)، و”ماركس بورغ”. هذا الفريق من دارسي العهد الجديد الأمريكين، يجتمعون مرتين في السنة لمناقشة مسبقاً بعض الأبحاث التقنية الموضوعة في التداول. وفي نهاية كل نقاش حول أحد البنود المدرجة على الجدول، يصوت “الزملاء في المنتدى” معتمدين في ذلك حبوباً من الخرز الملون لإظهار مدى صحة كلمات يسوع وأفعاله فالخرزة الحمراء تفيد أن يسوع نطق بلا شك بما نطق به، أو فعل هذا الأمر أو ذاك. بالمقابل، الخرزة باللون الزهرين تعني أن يسوع على الأرجح أو ربما قال أو فعل كذا وكذا. الخرزة باللون الرمادي تعني أن يسوع لم يقل أو يفعل هذا الأمر أو ذاك، لكن الفكر أو العمل قريبان مما قد يكون قد قال أو فعل. أما الخرزة السوداء فتعني أن يسوع لم يقل أو يفعل كذا وكذا، إنما الأمر يتعلق بتقليد لاحق. ومن جملة 1500 قول ليسوع تفحصها المنتدى، فقط 18٪ منها نال اللون الأحمر أو الزهري في التصويت؛ كما أنه من جملة 176 عملاً ليسوع تناولها المنتدى فقط 16٪ منها حظي باللون الأحمر أو الزهري في التصويت. هذه خلاصات راديكالية ومتطرفة حقاً! صحيح أن المنتدى شمل مع أقوال يسوع وأفعاله المذكورة ضمن الأناجيل القانونية الأربعة، أقواله وأفعاله من إنجيل توما الذي يحمل طابعاً غنوسطياً (هذه الحقيقة، بحد ذاتها، تعني لنا الشيء الكثير بشأن مدى التزام المنتدى بالحق القانوني) لكن خلاصاته تبقى مع هذا متطرفة!

[26] للوقوف على المزيد من الحجج لدعم ضرورة الولادة العذراوية للخلاص، بإمكان القارئ الرجوع إلى مقال “وارفيلد” الموجز:

“The Supernatural Birth of Jesus” in Biblical and Theological Studies (Philadelphia: Presbyterian and Reformed, 1952).

[27] Geerhardus Vos, The Self-Disclosure of Jesus (Phillipsburg, N. J.: Presbyterian and Reformed, 1978 rewritten edition), fn. 15.

[28] Kenneth S. Kantzer, “The Miracle of Christmas,” Christianity Today 28, 18 (December 14, 1984), 15.

[29] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, translated by Ford Lewis Battles (Philadelphia: Westminster Press, 1960), 2. 13. 4.

[30] John Murray, “The Person of Christ” in Collected Writings (Edinburgh: Banner of Truth, 1977), 2, 135; see also J. Oliver Buswell, Jr. A Systematic Theology of the Christian Religion (Grand Rapids: Zondervan, 1962), I, 251; II, 57.

[31] A. N. S. Lane, “Virgin Birth” in New Dictionary of Theology, edited by Sinclair B. Ferguson and David F. Wright (Downers Grove, III.: Inter-Varsity, 1988), 709-10.

الإيمان وموجباته المنطقية بولادة المسيح العذراوية – إشعياء 7: 14

المسيح المعلّم – دكتور جورج عوض

المسيح المعلّم [1] (1) الدكتور جورج عوض إبراهيم

المسيح المعلّم [1] (1) الدكتور جورج عوض إبراهيم

المسيح المعلّم [1] (1) الدكتور جورج عوض إبراهيم

مقدمة:

يُلقب المسيح فى الأناجيل بلقب “معلّم Διδάσκαλος”. ويُلاحظ أن هذا اللقب أُطلق على المسيح أكثر من أى لقب آخر. لكن بينما يوجد استخدام دائم للقب “معلّم”، إلاّ أن لقب “الرب κύριος طغى، بسبب النبوات عن مجئ الماسيا، فى كل أسفار العهد القديم والعهد الجديد[2]. ونرى فى مخطوطات وادى قمران التى تشير إلى نُساك كانوا يعيشون ربما فى عصر المسيح، أنه كان يوجد انتظار وشوق لمعلّم البر، هذا الذى سوف يعلّم الناموس بالحق، وسوف يفسر الكتاب باستقامة. هذه الصورة كانت مسيطرة فى فكر الشعب وكان هناك شوق لتحقيقها.

لقد اقترب الناس إلى المسيح وهم يحملون مشاكل وتساؤلات تتعلق بالناموس، لقد كانوا ينادونه بلقب ” يامعلم Διδάσκαλε”، لأنهم أرادوا معرفة الإجابات على كل تساؤلاتهم هذه.

إن تعليم المسيح امتد عبر الأزمنة واحتفظ حتى اليوم ببريقه وجاذبيته. وبالرغم من التقدم التكنولوجى المذهل والتطور العلمى الهائل الذى يهدف إلى جعل الإنسان قادرًا على إيجاد حلولاً لمشاكله اليومية، إلاّ أن الواقع يعلن لنا العكس. فالإنسان يوميًا ينقاد إلى أزمات أعمق نراها على كل المستويات المعيشية ونسمعها من خلال صرخات القلق التى تنتاب الإنسان المعاصر الذى كاد يغرق وسط أمواج الحياة المتلاطمة.

مازال تعليم المسيح له فاعليته الفريدة، ومازال يفتح آفاقًا جديدة. إنه دعوة مستمرة: ” تعالوا إلىَّ يا جميع المتعبين والثقيلى الأحمال وأنا أريحكم” (مت28:11)، ” الكلام الذى أكلمكم به هو روح وحياة” (يو63:6).

لكن ما الذى أعطى لتعليم المسيح هذه الجاذبية الدائمة؟ وكيف احتفظ هذا التعليم بفاعليته فى كل العصور؟ للإجابة على هذه التساؤلات نجد أنفسنا فى احتياج لمعرفة الملامح الخاصة والفريدة لتعليم المسيح. سوف نتناول هذا الأمر فى العناصر التالية:

القسم الأول:              

1 ـ المسيح المُعلّم: فى الأناجيل

2 ـ التربية فى عصر المسيح    

3 ـ محتوى التنشئة التربوية فى المجتمع العبرى

القسم الثانى:

1 ـ البيئة التربوية فى عمل المسيح.

2 ـ ملامح تعليم المسيح.          

3 ـ الحرية والمسئولية فى تعليم المسيح:

أ ـ الخوف والحرية

ب ـ الحرية كشهادة حياة

ج ـ المسئولية كتعبير لإدراك الحرية.

القسم الأول

1 ـ المسيح المعلّم في الأناجيل:

أ ـ المسيح المعلّم فى الإنجيل بحسب القديس مرقس :

لقد ركز القديس مرقس اهتمامه على شخص المسيح وعمله مظهرًا الطريقة التي علّم بها وعمل[3]. وقدَّم لنا المسيح الرب والمعلّم الجديد المختلف جوهريًا عن معلّمى عصره. إن كلمة “تعليم” “didac»” ذُكِرت فى بشارته أربع مرات، وفعل “أُعلّم” did£skw ذُكر سبعة عشر مرة. أما كلمة “معلم” rabb… فقد ذُكرت إحدى عشر مرة:

          1 ـ مرة واحدة من معارضيه (مر14:12)

          2 ـ خمس مرات من التلاميذ (مر38:4، 38:9، 35:10، 1:13، 14:14)

          3 ـ مرتين من المرضى (35:5، 17:9)

          4 ـ ثلاث مرات من الذين طلبوا منه تفسير الناموس (17:10، 20، 32:12)

لقد لجأ المعلمون اليهود في عصره إلى التقليد لإقناع الناس بتعاليمهم، وكانوا يقتبسون اقتباسات كثيرة من سابقيهم. وكان المبدأ الثابت للمعلم اليهودى هو: ” لن أقول شيئًا لم أسمعه من الذين علمونى“. كان يميلون دائمًا للتوسع في المناقشات. لكن المسيح علّم بسلطان ولم يستند إلى تعاليم معلّمين سابقين ليستمد منها بمصداقية ما يعلّم به، لكن استند على شخصه وسلوكه وحياته. لذا نجد أن هناك علاقة مباشرة بين شخصه وأقواله وأعماله.

لقد كان تعليم المسيح يمس الحياة ولم يكن عملاً مجردًا. لذا نجد في تعليمه أمورًا تتعلق بالحياة مثل غفران الخطايا، شفاء الأبرص، شفاء المقعد. إن هدف عمله التعليمى كان تحرير البشر، لذلك نجد أن الناس من كل الطبقات والفئات يخاطبونه يا “معلّم” مثلما فعل الشاب الغنى (مر17:1)، ومجنون قرية الجرجسيين (مت28:8) والفريسيون والهيرودسيون (مر14:12)، كما أن التلاميذ كانوا يخاطبونه يا “معلّم” أثناء هيجان البحر قائلين: ” يا معلّم ألاّ يهمك أننا نغرق” (مر39:4).

وهكذا كان هناك يقين لدى الناس أنه “معلّم”. لقد علّم المسيح في المجامع وفي أماكن خالية (صحراء) وفي الهيكل (مر49:14). لقد أوصى تلاميذه أن يبلغوا رسالة إلى رب البيت الذي سيتمم فيه العشاء العظيم مستخدمين لقب “معلّم” كلقب معروف: ” فقولا لرب البيت إن المعلم يقول أين المنزل حيث آكل الفصح مع تلاميذى” (مر14:14).

بالتالى فإن ظهور المسيح “كمعلّم” يكشف تدريجيًا سر شخصه الإلهى، وأن رسالته توجهت إلى أماكن مختلفة، وأيضًا فى مناسبات الحياة المتنوعة مثل الاحتفالات العرسية وموائد الأغنياء والفقراء. كما أن الناس كانوا يُبدون استعدادًا ورغبة في سماع أقواله.

لقد رأى القديس مرقس البشير، المسيح كمعلّم يهتم بمشاكل مجتمعه. وكتب إنجيله لكى يساهم في إصلاح وتقويم المجتمع الذي كان يعانى من مشاكل عديدة؛ مثل مشكلة الفجوة الكبيرة بين الأغنياء والفقراء، أو سعي البعض نحو الزعامة لإرضاء ذواتهم. وقدم مرقس، المسيح المعلّم الذي اخبرنا عن الله: ” فنظر إليهم يسوع وقال. عند الناس غير مستطاع. ولكن ليس عند الله لأن كل شئ مستطاع عند الله” (مر27:10).

حقًا علّم المسيح بسلطان فائق لا تستند على تفسيرات الناموسيين السابقين. لم يستشهد بأى كتاب أو مصدر لكى يعطى قوة ومصداقية لكرازته، فيما عدا العهد القديم الذي استخدمه كإشارة نبوية لعمله الخلاصى.

حرص القديس مرقس أن يقدم تعليم المسيح فى ثلاثة أشكال مميزة تبرهن على أن المسيح كان حريصًا على تقديم تعليمه إلى الجموع بطريقة جذابة وليست مملة. وهذه الأشكال أو الملامح هى:

1 ـ الملمح النقدى لتعليمه، وقد استخدمه مع الفريسيين والكتبة.

2 ـ الأمثال: عندما يتوجه إلى الجموع.

3 ـ تحليل وتفسير الأمثال: عندما ينفرد بتلاميذه (مر34:4).

ب ـ المسيح المعلّم في الإنجيل بحسب القديس متى

يصف القديس متى البشير العمل الماسيانى للمسيح بإعلانات ثلاث(مت23:4، 35:9، 1:11)، والتي فيها يقر بأن المسيح “يعلّم”، و “يكرز” و “يشفى”. وفي الثلاث حالات نلاحظ عنصرين:

1 ـ رصد متتابع لأنشطة المسيح.

2 ـ المسيح هو معلم إسرائيل الذي يفسر طريق الله وفق ناموس الله المُعلن.

دائمًا نجد في إنجيل متى التعليم عن المسيح (الخريستولوجية) في إطار القيامة، لذا عندما يتوجه التلاميذ إلى المسيح بالنداء لا يستخدمون لقب “يا معلّم” لكن لقب: “أيها الرب kÚrie”. وكلمة “kÚrioj” اُستخدمت 61 مرة في إنجيل متى(قارن مر38:4، لو24:8، مت25:8). لكن متى البشير يذكر لقب معلّم “did£skaloj” أو “rabb…” باللغة العبرية على لسان الذين لا يتبعون المسيح بانتظام، أو الذين لا يعرفونه معرفة صحيحة (على سبيل المثال: يهوذا يستخدم لقب “rabb…” في (مت25:26، 49، انظر أيضًا 11:9، 38:12، 16:19، 24:22).

 يتميز متى عن الإنجيليين الآخرين في أنه يتناول “تعليم” المسيح بطريقة منظمة إذ وضع هذه التعاليم فى ثلاثة أحاديث:

1 ـ تعليمه في الموعظة على الجبل حيث نجد وصفًا لنموذج، أو مثالاً للإنسان المنتمى لملكوت الله (متى من إصحاح 5 إلى 7).

2 ـ تعليمه في إرشاداته للرسل بخصوص الكرازة الإنجيلية (مت10).

3 ـ تعليمه في حديث عن مجئ ملكوت الله والدينونة (مت23 إلى 25).

بحسب إنجيل متى يوجد معلّم واحد فقط له سيادة حقيقية، إنه المسيا المنتظر (مت8:23). الذى أرسل الرسل لكى يعلّموا كل الأمم بكلمة الإنجيل.

يُنهى متى إنجيله بإرسالية “تعليمية” عظيمة، علينا أن ندرسها بتدقيق لكى نفهم كل الإنجيل: ” فتقدم يسوع وكلمهم قائلاً: دُفِع إلىّ كل سلطان فى السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت18:28ـ20). والتلمذة ـ في هذه الأرسالية التعليمية ـ تعنى الخضوع إلى تعليم الكلمة المتجسد، القادر وحده أن يحمي التلاميذ من الأنبياء الكذبة والذئاب الخاطفة حتى يثمر عملهم ويقدمون الثمار التي يريدها الله (مت12:7 وما بعده).

المسيح ـ بحسب القديس متى الإنجيلى ـ هو مفسر الناموس ومعلن إرادة الله للبشر، وسوف يكون له دورًا حاسمًا في أثناء مجيئه في يوم الدينونة وفق المعيار الذي وضعه هو نفسه (مت25:24، 31:25)[4].

لقد نظّم القديس متى الإنجيلى محتوى إنجيله في وحدات موضوعية وليس بحسب جدول زمنى. وهذا يساهم في الفهم الكامل لتعليم المسيح، خاصةً أنه يلفت نظر القارئ إلى الموضوع المحورى في هذه الوحدات، أى أن المسيح هو المسيا ـ معلّم إسرائيل الجديد، لأجل هذا لم يبتعد المسيح عن الكنيسة بل ظل حاضرًا وفاعلاً كمعلّم وقائد في حياة الكنيسة ” ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت20:28).

ج ـ المسيح المعلّم في الإنجيل بحسب القديس لوقا:

قدم لوقا المسيح كمعلّم متألم يتجاوب مع مشاكل واحتياجات الناس في عصره. ويستخدم لوقا بجانب لقب “معلّم” كلمة “ناظر أو مراقب” epist£thj، بينما القديس مرقس ـ كما سبق أن أشرنا ـ استخدم كلمة “رابىrabb…”، والقديس متى كلمة “رب أو سيد kÚrioj”.

لقد أراد القديس لوقا الإنجيلى أن يشدد على عمل المسيح كمدبر ومعتنى بالعالم، لذا استخدم كلمة “مراقب أو ناظر” لتعلن أنه مسئول عن عملية “تعليمية”، وهذا يُفهم في إطار المجتمع اليونانى. ولأن القديس لوقا كتب إنجيله لجماعات مسيحية من الأمم، فإنه لم يستخدم  لقب “رب ραββί” المألوف بالنسبة لليهود والغريب بالنسبة للأمم.

كتب القديس لوقا الإنجيل وسفر أعمال الرسل مقدمًا المسيح بطريقة مُميزة عن بقية الإنجيليين، خاصةً في “أعمال الرسل”. فقد أظهر كيف أن الروح القدس نقل رسالة الخلاص إلى أقاصى الأرض وأن المسيح كان يعلّم بواسطة أنبيائه (أع27:11ـ28، 1:13، 1بط 10:1ـ11).

فبينما يقدم القديس متى الإنجيلى، المسيح كموسى العظيم مقسّمًا إنجيله إلى خمسة أحاديث تتماثل مع الخمس كتب الأولى للعهد القديم المكتوبين بواسطة موسى، نجد أن لوقا يقدم المسيح كإيليا الجديد. إنه النبى الحار بالروح القدس. الروح رافقه طوال مسيرته حتى الصعود كما حدث مع إيليا. لقد ذكر القديس لوقا أن المسيح أقام ابن أرملة نايين من الموت (لو11:7ـ17) ليذكِّرنا بإيليا الذى أقام ابن أرملة صرفة صيدا (1مل17 وانظر أيضًا لو26:4و27).

أيضًا قدم القديس لوقا المسيح كمعلّم يقوم برحلة عظيمة من الجليل إلى أريحا وأورشليم (لو51:9ـ45:19). وبحسب القديس لوقا فإن أورشليم هى مركز جغرافى له مغزى خلاصى للعالم، إنها المكان الذي منه سوف يصعد المسيح إلى السموات، ومن هناك أيضًا أرسل يسوع تلاميذه ليحملوا رسالة الإنجيل إلى أقاصى المسكونة.

 

أعطت هذه الرحلة العظيمة للقديس لوقا مادة تعليمية متنوعة تمس الحياة اليومية، فيقدم لنا مثل السامرى الصالح (لو25:10ـ37)، والابن الضال (لو11:15ـ32)، ووكيل الظلم (1:16ـ13)، والفريسى والعشار (9:18ـ14). وأيضًا يركز القديس لوقا على إشارات المسيح لمواضيع خاصة مثل الصلاة (1:11ـ13)، والغنى (13:12ـ34)، والفقر (1:16ـ31)، والبُعد الأخروى للحياة (38:12ـ59)، والأربع أمثلة المرتبطة بالموائد والأكل (لو1:14ـ24)، وفي الأمثال الثلاثة عن التبعية الحقيقية للمسيح (لو25:14ـ35). ويعطى القديس لوقا اهتمامًا خاصًا بموضوع التلمذة الحقيقية، ويكتب لنا عن الشروط التي وضعها المسيح للتلمذة، وكيف أن المسيح استخدم خبرات الحياة اليومية لكى تُفهم هذه الشروط (لو25:14ـ35).

 ونستطيع أن نلاحظ أن لوقا يُظهر يسوع وهو في الاثنى عشر ربيعًا يعلم في الهيكل (لو45:2ـ48)، ويقدم لنا بداية حياة المسيح الجهارية بالإشارة إلى أنه كان يعلّم في المجامع (لو14:4ـ15). ويقدم لوقا في أعمال الرسل تلخيصًا لإنجيله مشيرًا بدقة إلى كل ما علّمه المسيح وفعله (أع1:1، لو5:23).

ومن الجدير بالملاحظة أن القديس لوقا بعد العدد الثالث من الإصحاح السابع يستخدم لقب الرب kÚrioj ثمانية عشر مرة عندما يشير إلى المسيح. هذا اللقب نادرًا ما يُستخدم قبل قيامة المسيح، لكن من المرجح أن جماعة القديس لوقا كانت تستخدم هذا اللقب عندما كتب إليها إنجيله. نجد أيضًا في إنجيل القديس لوقا أنه يسرد روايات متوازية تخص رجل وامرأة معًا لكى يؤكد على وجودهما معًا وأنهم متساويان أمام الله بالنعم والعطايا والواجبات.

فعلى سبيل المثال: زكريا وإليصابات (5:1)، سمعان وحنة (25:2ـ28)، أرملة صيدا ونعمان السريانى (25:4ـ28)، شفاء الممسوس وحماة بطرس(31:4ـ39)، سمعان الفريسى والمرأة الخاطئة (36:7ـ50)، الإنسان وحبة الخردل وخميرة المرأة(لو18:3ـ21)، السامرى الصالح ومريم ومرثا (29:10ـ42)، الإنسان والمائة خروف والمرأة والعشرة دراهم (لو4:15،30) القاضى الظالم والأرملة (لو1:18ـ14)، النساء عند القبر وتلميذى عمواس (لو55:23،1:24ـ11، 13:24ـ32).

د ـ المسيح المعلّم في الإنجيل بحسب القديس يوحنا الإنجيلى:

يتناول القديس يوحنا الإنجيلى تعاليم المسيح بطريقة مميزة، فبحسب البشير يوحنا، عصر المسيح هو الذي سبق وتنبأ عنه إشعياء، حيث الكل يعمل مع الله ويقبل كلمته: ” إنه مكتوب في الأنبياء ويكون الجميع متعلمين من الله. فكل مَن سمع من الآب وتعلم يقبل إلىّ” (يو45:6).

يقدم القديس يوحنا، المسيح بعد قيامته مثلما فعل القديس متى، فهو يتوجه إلى الجماعة المسيحية، وليس إلى الذين يريدون أن يتعرفوا على تعليمه.

إن القديس يوحنا الإنجيلى هو تلميذ المخلّص، المتأمل والعميق في نظرته للحوادث الكثيرة التي فعلها المسيح، وأيضًا يرى ويميز في تقليد وتعاليم إسرائيل الإشارات التي تخص المسيح. لقد ركز يوحنا على أهمية وحتمية مجئ الباراقليط وعمله في الكنيسة، فالروح القدس هو الذي يحفظ رسالة وأقوال المسيح، وهو نفسه الذي ينير الفهم الحقيقى لتعليم المسيح، فهو يعلم ويرشد أعضاء الكنيسة ” إلى كل الحق ” (يو26:14).

 لكن المطلب الذي يريده يوحنا هو أن يتعرف الإنسان على ضعفه ويعترف بنقائصه (يو 35:9ـ39)، حتى يتم شفاؤه ويأتى إلى المعلم الوحيد الذي لديه أقوال الحياة الأبدية (يو 69:6)، هذا هو الذي يقدم الحياة (يو40:5) وعلى الإنسان أن يحيا مثلما عاش المسيح بالمحبة وعلّم عنها.

لقد حفظ لنا القديس يوحنا تعليم المسيح المؤثر الذي حدد فيه ملامح ممارسة العمل الإنجيلى للرسل: ” أنتم تدعوننى معلّمًا وسيدًا وحسنًا تقولون لأنى أنا كذلك. فإن كنت وأنا السيد والمعلّم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض. لأنى أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضًا. الحق الحق أقول لكم إنه ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله. إن عملتم هذا فطوباكم إن عملتموه” (يو13:13ـ17).

يذكر القديس يوحنا (في الاصحاح الأول) دعوة التلاميذ وأيضًا ألقاب المسيح الخاصة بـ: الكلمة، المسيا، ابن الله، ابن الإنسان، مخلّص العالم، الرب، الله. وفي (11:2) يعلن المسيح مجده، والتلاميذ يؤمنون به. بينما يوحنا يستطرد فى إنجيله بطريقته الفريدة، إذ يتعرف الدارسون في إنجيله على شهادة تاريخية لحياة وعمل المسيح. نتحقق في النصف الأول من إنجيل القديس يوحنا (1ـ12) على أن التلاميذ يستخدمون دائمًا مصطلحات مثل معلم “رابى” rabb… بالعبرية وباليونانية  did£skalojفي الاشارة إلى المسيح، بالرغم من أهمية استخدام مصطلح “رب” kÚrioj.

استخدم القديس يوحنا كلمة معلّم بالعبرية “رابى” ثماني مرات. وهذا اللقب كان يُنسب إلى المسيح تقديرًا من التلاميذ لدوره التعليمى (يو13:13)، لذا أخذ اليهود موقف عدائى ضد المسيح. وعندما كان يستخدم القديس يوحنا كلمة “عالم” kÒsmoj فهو يقصد البشر على وجه الخصوص، لكى يظهر العداء الذى كان بين العالم والمسيح. لذلك في مقدمة إنجيله عن الكلمة المتجسد، يقول ” كان في العالم والعالم لم يعرفه” (يو10:1).

لكن الله أحب العالم حبًا لا نهائي ” حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل مَن يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو16:3)، فالله أرسل ابنه إلى العالم (17:3، 36:10، 18:17) كمخلّص له (42:4، 1يو14:4). لكن “العالم” أخذ موقفًا عدائيًا تجاهه، حتى أنه وصل إلى مستوى كان يحقد فيه على المسيح وتلاميذه (يو8:15). فالعالم يوجد في الظلمة ولم يقبل نور حياة وتعليم المسيح، وهذا لأنه تحت سلطان ” رئيس هذا العالم” (يو3:12، 30:4، 11:16) فالعالم “وضع في الشرير” (1يو 19:5). العالم لم يدرك أن المسيح هو ” نور العالم” (يو12:8). لكن هو الذى انتصر على الظلمة، لذلك مَن يؤمن به ينتصر على قساوة وعداوة العالم، يكفى أنه لا يحب العالم (1يو 15:2)، لأن العالم يمضى وشهوته (1يو17:2).

          يركز البشير يوحنا في إنجيله على نتائج ابتعاد الإنسان عن الله، أيضًا يبرز التضاد بين النور والظلمة، الحق والكذب، الموت والحياة. وهذا التضاد أو الثنائية تنطلق ـ في إنجيله ـ من التعليم عن المسيح (الخريستولوجية). فالمسيح هو نور العالم (يو12:8) حيث ” النور يضىء في الظلمة” لكن ” الظلمة لم تدركه” (يو5:1). ” لتصيروا أبناء النور..” (يو36:12). الاستجابة لهذه الدعوة لن تكون فقط بالمعرفة العقلية لكن بالإيمان. فالعقل بمفرده لن يستطيع أن يخرج الإنسان من الظلمة لأنه قد يكون هو نفسه مظلم، لكن الإيمان هو الذي يخرج هذا الإنسان من الظلمة إلى النور. فالإيمان يجعلنا نصير أبناء النور، والنور ضرورى لحياة الإنسان، لأن ” مَن يمشى في الليل يعثر لأن النور ليس فيه” (يو35:12).

المعرفة ليست معرفة ذهنية مجردة، لكن حياة مؤسسة على الشركة ” وهذه الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته” (يو3:17). والمعيار الواضح لهذه المعرفة هو المحبة: ” الذي يحبنى يحفظ وصاياى” (يو15:14). وكل الوصايا تتلخص في وصية واحدة: ” هذه هى وصيتى أن تحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم” (يو12:15).

بتأنس الكلمة، قدم الله للإنسان “النعمة والحق” (يو14:1). عمل المسيح ـ بحسب اعلانه ـ هو شهادة الحق (يو37:18).

كان هناك تصادم بين جماعة القديس يوحنا الإنجيلى والمجمع اليهودى، وهذا الوضع توجد جذوره في الصراع الذي كان بين المسيح وخصومه من اليهود. ولا يشكك القديس يوحنا في الناموس، لكن يركز على أن اعلان المسيح يتخطى الناموس، وفهم الناموس مرهون بإيمان المرء بالمسيح أو بعدم إيمانه. ويشدد القديس يوحنا على حضور المسيح الفعّال ولا يكتفى بالإشارة إلى أحاديثه.

لا يذكر إنجيل القديس يوحنا مثل الأناجيل الثلاثة الأولى، تعليم المسيح فيما يخص أمورًا متنوعة فى الحياة اليومية، لهذا لا نجد فى رواية إنجيل يوحنا تعاليم وردود المسيح على تساؤلات الناس بخصوص ملكوت السموات. لقد وصف يوحنا المسيح كمعلّم بطريقة سريعة موجزة (يو14:7، يو20:18) لكن ليس كالإنجيليين الباقين (مثلاً متى 29:7، 16:22). لقد وصف مدى دقة تعليم المسيح ومدى تأثير سامعيه حين قال: ” فتعجب اليهود قائلين كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلم ” (يو15:7).

يتحقق المرء في إنجيل القديس يوحنا من حضور الباراقليط الذي هو بالحرى المعلّم. وهدفه التعليمى هو أن يُذَّكر المسيحيين بالمسيح وبتعليمه: ” وأما المعزى الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم” (يو25:14).

هكذا نستطيع أن نرى بوضوح:

1ـ أن الكلمة المتجسد بواسطة كلمته يهدف إلى تفعيل قدرات الإنسان النفسية والجسدية[5].

2ـ تعليم المسيح يمثل الأساس والوسيلة التي بها يتجه الإنسان الساقط إلى قرار بشأن تغييره الكيانى.

في هذا الإطار يكتسب عمل المسيح التعليمى والتربوى أهمية عظيمة لأن هذا العمل يمثل دافعًا لكل باحث تربوى ليفتش على العناصر التي تساهم في مثل هذا التغيير الجذرى للمواقف والسلوكيات، الأمر الذي يهدف إليه علم النفس التربوى الحديث بأشكال متنوعة.       

بالتأكيد إن الأناجيل الأربعة لم تخطط مسبقًا لتقديم المسيح كمعلّم بتحليل ووصف لقدراته ومهاراته التعليمية. لكن قدمت شهادتها لحياة وعمل المسيح بوعى وإدراك التلاميذ. فعلاقتهم كانت علاقات اختبارية بين المعلم والتلاميذ.

إن تناول عمل المسيح التعليمى لا يمكن أن يصير خارج المعطيات التاريخية والاجتماعية للعصر الذي كتب فيه الإنجيليون، طالما أن عمل الخلاص يخص الإنسان الذى يعيش فى التاريخ. على الجانب الآخر لا يمكن أن نأتى إلى البُعد الأخروى للتعليم إن لم نقبل وجود واقع تاريخى كبداية لهذا البعد الأخروى.

(يتبع)

[1] انظر إلى المرجع الأساسى: قسطنطين يوكارينى، تعليم وتربية المسيح في ضوء علم النفس التربوى الحديث، إصدار “خبز الحياة”، أثينا 1998 (باللغة اليونانية).

[2]على سبيل المثال ميخا2:4،خر12:24،مز11:27،إش9:11،20:30، 13:54،إر3:31، يو54:6، 1تس9:4، عب11:8.

[3] سافا أغوريدس، مقدمة في العهد الجديد، أثينا 1991 الطبعة الثالثة، ص16 (باللغة اليونانية).

[4]  انظر أغوريدس، المرجع السابق، ص127.

[5]  انظر كليمندس الأسكندرى، المربى G/, XII, BEPES 7, 232.

المسيح المعلّم [1] (1) الدكتور جورج عوض إبراهيم

Exit mobile version