ماذا عن شرائع العهد القديم القاسية؟ – بول كوبان (تلخيص: بيشوي طلعت)

ماذا عن شرائع العهد القديم القاسية؟ – بول كوبان (تلخيص: بيشوي طلعت)

ماذا عن شرائع العهد القديم القاسية؟ – بول كوبان (تلخيص: بيشوي طلعت)

ماذا عن شرائع العهد القديم القاسية؟ – بول كوبان (تلخيص: بيشوي طلعت)

 

من ضمن الاسئلة الصعبة التي يتم طرحها في العهد القديم هي مسألة الشرائع القاسية في العهد القديم وقد قدم عالِم الفلسفة التحليلية واللاهوت بول كوبان في كتابه هل إله العهد القديم إله شرير؟ فصل يناقش فيه هذه المسألة.

 

 

السؤال: ماذا عن شرائع العهد القديم القاسية؟

 

الرد

 

المنظور الصحيح للعقوبات والوقائع القاسية الأخرى

من نواح كثيرة، كان الشرق الأدنى القديم يشبه إلى حد كبير “حالة الطبيعة (state of nature) (أي البشر قبل زمن المجتمعات المنظمة) التي يصفها الفيلسوف «توماس هوبز» (1588- 1679) في كتابه الشهير “التنين” أو “اللوياثان” بأنها: حالة “مقرفة، ومتوحشة، وقصيرة”. فلم تكن مرحلة سهلة أبدا، وكثير من الشرائع التي ظهرت في الشرق الأدنى القديم عكست هذه الحالة الوحشية والبدائية الأخلاقية [1]

 

لقد تكبدنا جهدا جهيدا لنبين أن شرائع العهد القديم لم تعط في الفراغ. وبالرغم أنها كانت تمثل ارتقاء أخلاقيا كبيرا، فإنها عكست السياق المجتمعي للشرق الأدنى القديم. تكشف العقوبات في الناموس الموسوي جوانب هذا السياق [2]

 

إذا النقطة الأولى معانا هي فهم سياق هذه النصوص في ضوءها التاريخي لأنه بالمقارنة مع شرائع الشرق الأدنى القديم اتبع العهد القديم نفس القانون المتبع ولكن مع فارق كبير يتمثل في الارتقاء والاخلاقيات التي كانت تختلف عن القانونين في تلك الفترة.

 

 

شرائع الشرق الأدنى القديم وشريعة موسى

كررنا فكرة أن شريعة موسى أعطيت لإسرائيل في السياق الأخلاقي المتدني لمنطقة الشرق الأدنى القديم، في نفس الفترة وجدت شرائع أخرى قديمة في نفس المنطقة في الألفية الثانية قبل الميلاد وقد عرفت بالشريعة «المسمارية». كلمة «مسمارية» تشير إلى حروف أو أرقام على شكل وتد، وتكون منقوشة على ألواح حجرية عادة بقلم من البوص.

 

في هذه القائمة توجد شرائع اورنامو (Ur-Nammu) (حوالي 2100 ق. م. خلال حكم الأسرة الثالثة لـ أور)، وشرائع لبت عشتار (Lipit- Ishtar) (1925 ق. م.) الذي حكم مدينة سومرية تسمي آيسن، والشرائع الأكادية لإشنونا (Eshnunna) (حوالي 1800 ق. م.)، وهي مدينة على بعد مئة ميل شمال بابل، والشرائع البابلية لحمورابي (1750 ق. م.) وشرائع الحثيين (1650- 1200 ق. م.) في آسيا الصغرى (تركيا الآن) [3]

 

لا ينبغي أن نندهش من وجود توازيات وتقاطعات بين شرائع الشرق الأدنى القديم وشريعة موسى. الأكثر من ذلك هناك أقوال متنوعة وحكم من سفر الأمثال تبدو إلى حد بعيد كأنها اقتباسات من «تعاليم أمينيموبي» (Instruction of Amenemope) وهو أحد الأعمال الأدبية المصرية القديمة، كان يجوز لكتبة أسفار الكتاب المقدس أن يقتبسوا من أحد المؤلفات الشعرية – مثل سفر ياشر (يش 10: 13، 2صم 1: 18) – أو أن يرجعوا إلى وثائق رسمية، مثلما فعل كاتب سفر الأخبار.

 

بالإضافة إلى هذا يمكننا أن نتخيل موسى وهو يعمل كمحرر للتوراة إذ يوفق بين التقاليد الشفهية والكتابات المتعلقة بالخلق وتاريخ عصر الآباء الأولين لإسرائيل. فيما بعد في العهد الجديد يكشف لوقا 1: 1- 4 عن مشروع بحثي منظم يستقصي التقاليد الخاصة بيسوع والتي جمعها لوقا ليكتب سيرة ذاتية موثقة عن يسوع.

 

هذه المساعي البشرية، والأسلوب الأدبي للكتابة، والشخصيات تمثل جزءا من عملية التدوين الملهم بالروح القدس. البعض شبه «تجميع» الأسفار المقدسة بعقيدة التجسد. في شخص يسوع الناصري اجتمع العنصر الإلهي بالعنصر البشري. بالمثل ليس معنى أن هناك دورا لشخصية الكاتب أو أسلوبه أو أدواره المختلفة، أو أن محتوى «خارجيا» قد اقتبس، أن هذا معناه أن روح الله الملهم لم يكن مساهما في. عملية الوصول بالأسفار المقدسة إلى صورتها الحالية [4]

 

 

كاسر السبت والمجدف

في أحيان كثيرة، عندما تُرتكب الانتهاكات لأول مرة في وسط أمة ناشئة، يصاحب ذلك عقوبة قاسية. تأمل ناداب وأبيهو، اللذين ينطبق عليهما المثل القائل “هذا الشبل من ذاك الأسد” إذ قلدا وثنية هارون في حادثة العجل الذهبي (خر 32)، وقدما «نارا غريبة» -وهو يعني طقسا وثنيا لعبادات غربية سامية كانت ترتبط بتعيين المرء في الكهنوت- وقد سقطا ميتين (لا 10).

 

كذلك رجال من بني إسرائيل، تم إغواؤهم بالزنا والوثنية بواسطة نساء من مدیان، هؤلاء قد سقطوا أيضا أمواتا بسبب احتقارهم لعهد الله (عد 25). وخلال حقبة مملكة داود، حاول غزا أن يثبت تابوت العهد المترنح أثناء نقله (2صم 6: 1-7).

 

كيف نال «شكرا» على مجهوداته؟ أسقطه الله مانتا! حتى أن داود استشاط غضبا بسبب عمل الله هذا. ما على جميع فكر فقط في حنانيا وسفيرة في العهد الجديد (أع 5)، اللذين سقطا ميتين بسبب كذبهما بشأن مقدار سخائهما. وكانت الرسالة واضحة جدا للكنيسة الأولى: «فصار خوف عظيم الكنيسة وعلى جميع الذين سمعوا بذلك» (أع 5: 11).

 

تبدو يد الله ثقيلة بالأخص في حالات القدوة أو في البدايات. لا يمكن الاستخفاف بالله. وهو يأخذ الخطية مأخذ الجد، وفي أحيان كثيرة يضع معيارا للتجاوزات الأولى. بالنسبة لشعب الله كان مقصودا لهذه العقوبات أن تكون أدوات تذكير قوية لما يتوقعه الله منهم [5]

 

 

التوابع والسحرة والانبياء الكذبة [6]

كانت عبادة الموتى شائعة في الشرق الأدنى القديم، بما في ذلك كنعان. كانت شعوب ه الشرق الأدنى القديم تحاول استشارة الموتى أو الاتصال بهم حتى يتدخلوا أو يساعدوا الأحياء. هذه الأديان القديمة في الشرق الأدنى القديم كانت تدافع عن طقوس الحزن على المتوفي مثل تقطيع المرء لجسده من أجل الأموات وعمل علامات كالوشم على الجسد (لا ۱۹: ۲۸).

 

أما قص الرجال لشعرهم من الجانبين أو أطراف لحيتهم (لا 19: 27) فكانت ممارسة كنعانية يقدم فيها المتعبد شعره كتقدمة إلى أرواح منتقلة لاسترضائهم (قارن تث ١٤: ١)

 

لم يكن مسموحا بشيء كهذا في إسرائيل! كان على شعب الله أن يكون مختلفا. ا عن الأمم المحيطة به. وكان عليهم أن يركزوا على الحياة وإله الحياة، وليس الأموات والآلهة الباطلة. لم يكن مسموحا لأحد بأن يستشير أو يسأل «الموتى لأجل الأحياء» (إش 8: 19؛ قارن 2: 5 و6).

 

ولم يكن حتى مسموحا للكهنة في إسرائيل بحضور الجنازات، إلا إذا كانوا من أقارب المتوفي (لا 21: 1-5). وكان عليهم أن يكونوا «مقدسين… لإلههم» (لا 21: 6). ومن ثم كان يجب تطبيق عقوبة الإعدام على التوابع والمنجمين وأمثالهم هؤلاء الذين يعملون في تجارة الموت

 

 

لهم بمغادرة إسرائيل ليعيشوا في أمة أخرى. كان هذا هو البديل الواضح والمفضل. وكان هذا صحيا أكثر من الناحية الروحية لإسرائيل وأكثر أمانا لمناهضي الدولة الثيوقراطية. وكان على المتبقين في الأرض أن يحترموا العهد والشرائع المصاحبة له

 

لكل شعب تقاليده

ذلك، كانت عقوبات إسرائيل لينة بالمقارنة بالشرائع القانونية الأكثر وحشية والتي لا تظهر ثقافات أخرى في الشرق الأدنى القديم. كانت شريعة حمورابي تصر في بعض الجرائم على قطع اللسان أو الثدي أو اليد أو الأذن. وإحدى العقوبات تضمنت سحل المتهم حول أحد الحقول مجرورا بواسطة الماشية.

 

وفي التشريع المصري القديم تضمنت العقوبات قطع الأنف أو الأذن. وكانت شريعة حمورابي تصر على موت اللص، بينما العهد القديم يطالب فقط بتعويض الضعف عن الخسارة (خر 22: 4).

 

هذه المقارنة- من بين أمور أخرى كثيرة- تذكرنا بأن الأشخاص كانوا مهمين في التشريع الإسرائيلي أكثر من ثقافات أخرى في الشرق الأدنى القديم. وعند معاقبة المجرمين (سواء حالة الحنث باليمين أو التشهير بالآخرين) كان القانون المصري القديم يقر بمائة إلى مئتين ضربة.

 

وكانت الضربات المائة العقوبة الأقل. أما بالنسبة لعقوبات السرقة في العهد القديم، كما يلاحظ «ديفيد بيكر»، فكانت “أكثر إنسانية من معظم شرائع (الشرق الأدنى القديم)، ولم تتضمن أبدا التشويه، أو الضرب، أو الموت [7]

 

عين بعين وسن بسن

ليس لدينا هنا عين أو سن بالمعنى الحرفي، وإنما تعويض عن الضرر الجسماني. يذكر بعض الدارسين من أمثال «رايموند ويستبروك» أن قانون القصاص بالمثل (Lex Talionis) كمبدأ تعويضي لم يؤخذ حرفيا [8]

الأكثر من ذلك، تنفيذ العقوبات التي تتناسب مع الجريمة كانت تحمي الطبقات الأكثر ضعفا مثل الفقراء والضعفاء والمنبوذين. لم يكن بمقدور الأثرياء وأصحاب النفوذ أن يحددوا شروط العقوبة. في الواقع كانت النخبة في المجتمع يتعرضون لهذه العقوبات المتناسبة مثل أي أحد آخر [9]

بالإضافة إلى ذلك، عمل هذا المبدأ الخاص بالقصاص بالمثل كحماية ضد عداء الدم والثأر غير المتناسب (فكر بطريقة المافيا هنا). عندما نقارن عقوبات إسرائيل مع تشريعات أخرى في الشرق الأدنى القديم، نجد أن شريعة موسى تقدم ارتقاء أخلاقيا بارزا. وكما يشرح الدارس الكتابي «بريفارد تشايلدز»، كان مبدأ القصاص بالمثل “علامة على ارتقاء هام، وأكثر من كونه أحد آثار عصر بدائي. [10]

علق المؤرخ الشهير «باول چونسون» على شريعة حمورابي، بالرغم من أن هناك الكثير الذي يمكن أن يقال عن الشرائع الأخرى للشرق الأدنى القديم، بقوله: “إن الشرائع المفزعة تتميز بقسوة عقوباتها البدنية، في مقابل ضبط النفس في شريعة موسى وتشريعات سفري التثنية واللاويين.” [11]

يشير «والتر كايزر» إلى الملاحظة العامة لدارسي العهد القديم: وجدت ست عشرة جريمة كانت تتطلب عقوبة الموت في العهد القديم، ولكن فقط في حالة القتل العمد يقول النص إن المسؤولين في إسرائيل غير مسموح لهم بأخذ «فدية» أو «تعويض».

وكان التفسير المقبول على نطاق واسع لهذا أنه في الحالات الخمسة عشرة الأخرى بإمكان القضاة استبدال عقوبة الموت بتحديد “فدية” أو “تعويض”، لأنه في حالة القتل العمد تعمل عقوبة الموت كمؤشر على خطورة الجريمة. يمكننا ذكر أسماء دارسين مثل «رايموند ويستبروك»، «جاكوب فنكيلشتين»، و«جوزيف سبرنكل»، الذين يتفقون بالفعل مع هذا الرأي.” [12]

 

 

ماذا عن تقديم الرضع كذبائح في إسرائيل؟

من ناحية، تدين شريعة موسى بوضوح تقديم الأطفال كذبائح كشيء كريه وبغيض أخلاقيا (لا 18: 21؛ 20: 2-5؛ تث 12: 31؛ 18: 10). كما تشير «سوزان نيديتش» في كتاب “الحرب في الكتاب المقدس العبري” (War in the Hebrew Bible)، إلى أن النبرة السائدة في العهد القديم “تدين تقديم الأطفال كذبائح”؛ لأن ذلك يتعارض مع مقاصد الله ويزعزع المجتمع الإسرائيلي.” [13]

 

 

الخلاصة

في كثير من الأحيان يلجأ الملحدون الجدد إلى رسم صور كاريكاتيرية وافتراءات عن شرائع العهد القديم. وبرغم أن شرائع موسى لا تعكس دائما ما هو مثالي (وهو ما يقره العهد القديم نفسه)، فإن هذه الشرائع، والعقلية التي تظهرها، تكشف النقاب عن ارتقاء أخلاقي وحساسية أخلاقية أكبر من نظائرها من شرائع الشرق الأدنى القديم [14].

 

[1] هل إله العهد القديم إله شرير؟ أفضل لأخلاقيات العهد القديم – بول كوبان – ص 109

[2]  المصدر السابق.

[3]  ص 111

[4]  المصدر السابق.

[5]  ص 112

[6] ص 114

[7] ص 115 – 116

[8]  ص 117

[9]  المصدر السابق

[10]  المصدر السابق

[11]  المرجع السابق

[12]  ص 119

[13] ص 119

[14]  ص 124

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

 

شريعة موسى: هل كانت شريعة مثالية؟ – بيتر سمير

شريعة موسى: هل كانت شريعة مثالية؟ – بيتر سمير

شريعة موسى: هل كانت شريعة مثالية؟ – بيتر سمير

شريعة موسى: هل كانت شريعة مثالية؟

يمكن لأي دارس مدقق في نصوص العهد القديم أن يكتشف انه أمام نظام متكامل من التشريعات والقوانين التي تمتد الى كل جوانب الحياة.

 

فنحن نجد شرائع متعلقة بكل شيء تقريبا الأكل والأعياد والإجازات والملبس والزواج وتنظيم المعاملات المالية ونظم عقود الخدمة وأحكام للمذنبين بمختلف ذنوبهم والتعامل مع الأجانب والغرباء والحروب والطقوس الدينية بأدق تفاصيلها وهي رسالة واضحة من الله انه يريد أن تمتد القداسة الى ابسط تفاصيل الحياة فتخرج القداسة من ثوب الطقوس والذبائح وتصبح أسلوب حياة معاشة ولكن هل بالفعل كانت تلك القوانين تقود للقداسة. ما هو المعيار لذلك؟

 

إذن هل كانت شريعة موسى مثالية بالنسبة لنا اليوم؟ بالطبع لا. إذن لماذا امر بها الله؟ يجب علينا أن نحكم وفقا للمعيار الأدق. فان كنا نريد الحكم على شريعة موسى من حيث مثاليتها فلا يمكننا الحكم بمعيار مثالية اليوم إنما بمعيار مثالية وقت تلك الشريعة. السؤال الأدق هل كانت شريعة موسى مثالية بالنسبة لعصره؟ بالطبع نعم بكل تأكيد.

 

أعطيت التوراة (ناموس موسى في سيناء) لفترة محددة من الوقت، ثم وضعت جانبا ليس لأنها كانت سيئة ومن الجيد إبطالها، لكن لأنها كان صالحة وقد حققت هدفها.[1] تخيل أنك تقف الآن في مدينة بابل في الألفية الثانية قبل الميلاد وتنادى بتحرير العبيد على سبيل المثال أو تخيل العكس شخصا من بابل يقف في نيويورك يطالب بتقنين قانون للعبودية.

 

لذا يجب أن نقدم مدى قسوة هذه العقوبات والشرائع القاسية في سياق الشرق الأدنى القديم وليس في ضوء الثقافة الغربية. لأننا نحن الغربيين في نظر شعوب الشرق الأدنى القديم نعتبر مجموعة من الحالمين الأغبياء![2]

شريعة موسى: هل كانت شريعة مثالية؟ – بيتر سمير

في ظل مسلمات معينة في ثقافة الشرق الأدنى القديم، لم يفرض الله تشريعا لم يكن شعب إسرائيل مستعدا له. بل تحرك الله تصاعديا. وكما ورد مرارا وتكرارا في العهد القديم ويؤيده في ذلك العهد الجديد، فإذ ناموس موسى كان أبعد ما يكون عن المثالية. ولأن الله شخصية عملية، فإن يهوه (لقب الله في العهد القديم، الإله حافظ العهد) تقابل مع شعبه من حيث هم، لكن لم يرد أن يتركهم على حالهم هكذا.

 

لم يحطم الله كل المنظومات الاجتماعية الساقطة المعيبة المترسخة في وقت لم تكن إسرائيل مستعدة فيه للتعامل مع المثاليات. وعندما نضع في الاعتبار الحياة الواقعية، سنجد أن الله شرع قوانين قابلة للتطبيق أكثر، ومع ذلك وجه شعبه نحو الارتقاء الأخلاقي. لقد تنازل الله بإعطاء إسرائيل نقطة انطلاق، موجها إياهم إلى طريق أفضل.[3]

 

في تعليق للمؤرخ (باول جونسون)، على شريعة حمورابي، بالرغم من أن هناك الكثير الذي يمكن أن يقال عن الشرائع الأخرى للشرق الأدنى القديم، بقوله: إذ الشرائع المفزعة تتميز بقسوة عقوباتها البدنية، في مقابل ضبط النفس في شريعة موسى وتشريعات سفري التثنية واللاويين.[4]

 

أظن الآن الأمر صار واضحا الآن: نحن أمام قوانين بالطبع ليست مثالية بالنسبة لنا اليوم لكنها بلا منازع مناسبة للعصر التي وضعت فيه.

عن الطريق الى المثالية المطلقة يمكننا القول: الطريق الأفضل لابد أن يأتي تدريجيا وتصاعديا. وإلا فإنهم سيمارسون حريتهم في الاختيار ويبتعدون عما لا يفهمونه[5]. أما عن العهد القديم عامة فلقد كان يقدم منظورا دينيا فريدا لدرجة تعزله عن نظائره في الشرق الأدنى القديم.[6]

 

يقول والتر كايزر:

وجدت ست عشرة جريمة كانت تتطلب عقوبة الموت في العهد القديم. ولكن فقط في حالة القتل العمد يقول النص إن المسؤولين في إسرائيل غير مسموح لهم بأخذ ((فدية)) أو ((تعويض)). وكان التفسير المقبول على نطاق واسع لهذا أنه في الحالات ا لخمسة عشرة الأخرى بإمكان القضاة استبدال عقوبة الموت بتحديد فدية أو تعويض. لأنه في حالة القتل العمد تعمل عقوبة الموت كمؤشر على خطورة الجريمة. 10

هناك أيضًا رايموند ويستبروك، جاكوب فنكيلشتين، وجوزيف سبرنكل يوافقونه الرأي.[7] يقول العالم اليهودي ناحوم سارنا: هذه الشريعة الخاصة بحماية العبيد من إساءة معاملة أسيادهم لا نجدها في أي مكان آخر في كل تشريعات الشرق الأدنى القديم كلها المتاحة لنا.[8]

شريعة موسى: هل كانت شريعة مثالية؟ – بيتر سمير

المعايير المقدمة في كتاب العهد (خر 20 – 23) تكشف عند مقارنتها بالشرائع المماثلة في الشرق الأدنى القديم عن تغييرات راديكالية في الممارسة القانونية. في تقدير الجرائم ضد الممتلكات، وفي معاملة العبيد، وفي تحديد العقوبة على الجرائم غير المباشرة، وفي رفض عقوبة البتر أو التشويه، تم الاعتراف بقيمة الحياة الإنسانية كشيء أعظم من كل القيم المادية بما لا يقارن.

 

السمة السائدة هي احترام حقوق أي شيء له وجه إنسان. وهذا يعني أن الآراء التي كانت سائدة في العالم وقتذاك تم تجاهلها، وقدمت بدلا منها مبادئ جديدة في الممارسة القانونية.

 

في النهاية هذا ممكن فقط بفضل حكمة عميقة غير متخيلة حتى الآن عن نبل الإنسان، وهو الشيء المعترف به الآن كشرط لملزم للسلوك الأخلاقي. وبالتالي في إسرائيل أيضًا كانت حقوق الأجانب من أدنى الطبقات تحت حماية الله. وإذا كان الأجنبي قاصرا أيضًا، وبدون حقوق قانونية كاملة، فإن ظلمه يشبه ظلم الأرملة واليتيم، وهو اعتداء يستوجب العقوبة، وهو ما يستدعى انتقام الله ومجازاته أيضًا.[9]

 

وطبقا لما سبق فهي قوانين مرنة تتطور حسب الحاجة الى ذلك فهي وقتية وليست دائمة وبعضها كان تشريع لحالات خاصة لا تتكرر ثانية: ولان تلك القوانين كانت تتجه ناحية المثالية رويدا رويدا فبالطبع يجب أن تكون مرنة. ليس أن الله يحدث فيه تغيير حاشا فنحن شرحنا قبلا ذلك ولكن مجددا الله لا يتغير بمعنى أن جوهره لا يحدث فيه تغيير وهو لا يخضع للحالة المزاجية مثلنا وهدفه لا يتغير وهو خلاصنا. ولكن الذي يحدث هو تغير طريقة إدارة الأمور.

 

تخيل معي وباء في البلاد. ما الذي يحدث؟ يبدا من يدير البلاد باتخاذ إجراءات ملاءمة للوضع الحالي. تتغير تلك الإجراءات تبعا لتزايد الوباء أو انحصاره. الذي يدير البلاد هدفه واحد الحفاظ على السلامة العامة ولكن طريقة إدارته تتغير وفقا للظروف الحاصلة.

 

وهذا ليس معناه أن الله خاضع لتصرفاتنا البشرية حاشا. ولكن إن دل ذلك على شيء انه إله واقعي ينظر للوضع بأفضل صورة ويقدم لنا أفضل ما يمكننا فعله للمضي قدما وثاني شيء انه يحترم إرادة البشر واتخاذهم للقرارات وتطورهم الطبيعي في التحضر وليس انه يضرب بالواقع عرض الحائط لينفذ ما يريد.

 

أما عن مرونة تلك القوانين بما يناسب الأوضاع نذكر الآتي:

 

(عدد 27: 1 -11) ما الذي يحدث هنا؟

الأمر كالآتي: انه كان لرجل بنات ومات دون ولد في البرية في فترة التيه في البرية والان سوف ينتهي اسم ونصيب أبيهم في وسط الجماعة لان ليس له ولد. نجد الله بالفعل يتعامل مع الأمر ويعطى قانونا جديدا لكي يعطى نصيب أبيهم ملكا لهم ولم ينتهي الأمر هنا.

 

نجد أن القانون تغير مجددا (عدد 36: 1-9).

القانون يعدل مجددا بناء على متغيرات جديدة.. هناك أمثلة أخرى لمثل تلك الأمور كانت تحدث كثيرا وذلك يثبت أن شريعة موسى لم تكن أبدية أو لكل عصر ومناسبة ولكنها شريعة مناسبة لوقتها مرنة بما يكفي للتغير حسب الأوضاع.

يمكننا أن نستشف سبب كل ذلك أيضًا من كلمات السيد المسيح: قَالَ لَهُمْ: «إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ إذن لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا. (متى 19: 8)

 

الأمر كله ينتهي في تلك الكلمات. لماذا تلك الشريعة؟ من اجل طبيعة الناس في ذلك الوقت من قساوة وغيره من الصفات العامة المسيطرة التي لا تؤهل أي شخص للمثالية. وهنا السماح أو الإذن يفيد انه شيء وقتي لظروف محددة. ويتضح الأمر أكثر في تلك الكلمات: وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا. لم يكن هناك فرقا بين رجلا وامرأة. المرأة كانت معينا نظيرا. لم يكن هناك عبودية، حروب، الخ.. عندما خلق الإنسان على صورة الله لم يكن أيا من هذا موجودا ولم يكن من المفترض أن يوجد ولكنه وجد ولذلك وجب التعامل مع الوضع.

 

تخيل معي المشهد الآتي. طفلان ولد أحدهما في مدينة تنتشر بها بيوت الزنا وطفل آخر ولد في مدينة تنتشر فيها الكنائس. وعندما كبرا. الأول بالجهد استطاع ألا يزني. الثاني استطاع بالجهد ألا يزني أيضًا. أيهما يا ترى تظن انه الأفضل. تخيل معي نفس المشهد مجددا ولكن الطفل الثاني عندما كبر استطاع أن يصوم يوما كاملا وهو يصلى.

 

الأمر يسير هكذا أخبرني ماذا واجهت فأخبرك ما مدى مثالية ما فعلت؟ فلا يمكننا الحكم على الشخص الذي ولد في مدينة تنتشر بها بيوت الزنا بنفس المعطيات التي اتخذناها للحكم على الشخص الذي ولد في مدينة تنتشر بها الكنائس.

 

شخص ولد في مدينة بها كنائس استطاع إلا يزني.. ما الجديد هنا؟ ما الذي يجعله يتجه نحو المثالية. لكن شخص ولد في مدينة بها بيوت زنا استطاع إلا يزني.. نعم هنا سوف تشعر أن ذاك خاض معركة ما ليتجه نحو المثالية.. وعليه فان شريعة موسى كان هدفها قداسة الشعب بالفعل.

 

لنختم ذلك الجزء بتلك الكلمات من بول كوبان: الله غير محصور بنطاق ديني خاص. لكن الله سواء بهيمنة مباشرة أو بسماح إلهي حتى لا ينتهك حرية البشر يعمل بسلطانه في كل إيقاعات الخليقة وتجليات التاريخ البشري. فهو يجمع خيوط كل شيء معا ليرسم لوحة ليصل كل شيء إلى ذروته في المسيح.[10]

 

لا يهم إن كان تصحيح المسار بطيئا أم سريعا ولكن بالتأكيد الوصول الى المدينة الفاضلة عبر الغابة هو أعظم من الوصول بالسيارة على طريق ممهد وبالتأكيد لن تلوم من كان في الغابة إن وصل للمدينة ملطخا بالدماء بل ستحسب وصوله أمرًا شاذا لأنه لم يصل أحد من هناك من قبل!!

 

إذا أردت أن تحكم عليه حكما عادلا فاذهب للغابة وانظر للوضع عن كثب وبعدها يمكننا أن نتحدث. إنك بالتأكيد لن تترك من وصل بالسيارة ليحكم عليه انه ملطخا بالدماء ولا يستحق دخول المدينة فهذا منافيا لكل منطق وهذا بالمناسبة ما نفعله اليوم مع العهد القديم!!!

 

 

 

[1] N. T. Wright, The Climax of the Covenant (Minneapolis: Fortress, 1991), 181.

[2] هل إله العهد القديم إله شرير؟ بول كوبان. مطبوعات ايجلز. ترجمة عادل زكري: رقم الإيداع 3818/2020. الطبعة الأولى 2020. ص112

[3] هل إله العهد القديم إله شرير؟ بول كوبان. مطبوعات ايجلز. ترجمة عادل زكري: رقم الإيداع 3818/2020. الطبعة الأولى 2020. ص74

[4] Paul Johnson, Art: A New History (New York: Harper Collins, 2003), 33.

[5] Alden Thompson, Who’s Afraid of the Old Testament God? (Grand Rapids: Zondervan, 1988), 33.

[6] John N. Oswalt, The Bible among the Myths (Grand Rapids: Zondervan, 2009).

[7] Walter C. Kaiser, Toward Old Testament Ethics (Grand Rapids: Zondervan, 1983), 91-92.

Raymond Westbrook, “The Character of Ancient Near Eastern Law,” in A History of Ancient Near Eastern Law, vol. 1, ed. Raymond Westbrook (Leiden: Brill, 2003), 71-78; J.J. Finkelstein, The Ox That Gored (Philadelphia: American Philosophical Society, 1981), esp. 34-35; Joseph M. Sprinkle, “The Interpretation of Exodus 21:22-25 (Lex Talionis) and Abortion,” Westminster Theological Journal 55 (1993): 233-55 (esp. 237-43).

[8] Nahum M. Sama, Exodus (Philadelphia: Jewish Publication Society, 1991), 124.

[9] Walther Eichrodt, Theolog y of the Old Testament, vol. 2, trans. J. A. Baker (London: SCM Press, 1967),321.

[10] هل إله العهد القديم إله شرير؟ بول كوبان. مطبوعات ايجلز. ترجمة عادل زكرى: رقم الإيداع 3818/2020. الطبعة الأولى 2020. ص90 – 91.

شريعة موسى: هل كانت شريعة مثالية؟ – بيتر سمير

Exit mobile version