ماذا عن شرائع العهد القديم القاسية؟ – بول كوبان (تلخيص: بيشوي طلعت)

ماذا عن شرائع العهد القديم القاسية؟ – بول كوبان (تلخيص: بيشوي طلعت)

ماذا عن شرائع العهد القديم القاسية؟ – بول كوبان (تلخيص: بيشوي طلعت)

ماذا عن شرائع العهد القديم القاسية؟ – بول كوبان (تلخيص: بيشوي طلعت)

 

من ضمن الاسئلة الصعبة التي يتم طرحها في العهد القديم هي مسألة الشرائع القاسية في العهد القديم وقد قدم عالِم الفلسفة التحليلية واللاهوت بول كوبان في كتابه هل إله العهد القديم إله شرير؟ فصل يناقش فيه هذه المسألة.

 

 

السؤال: ماذا عن شرائع العهد القديم القاسية؟

 

الرد

 

المنظور الصحيح للعقوبات والوقائع القاسية الأخرى

من نواح كثيرة، كان الشرق الأدنى القديم يشبه إلى حد كبير “حالة الطبيعة (state of nature) (أي البشر قبل زمن المجتمعات المنظمة) التي يصفها الفيلسوف «توماس هوبز» (1588- 1679) في كتابه الشهير “التنين” أو “اللوياثان” بأنها: حالة “مقرفة، ومتوحشة، وقصيرة”. فلم تكن مرحلة سهلة أبدا، وكثير من الشرائع التي ظهرت في الشرق الأدنى القديم عكست هذه الحالة الوحشية والبدائية الأخلاقية [1]

 

لقد تكبدنا جهدا جهيدا لنبين أن شرائع العهد القديم لم تعط في الفراغ. وبالرغم أنها كانت تمثل ارتقاء أخلاقيا كبيرا، فإنها عكست السياق المجتمعي للشرق الأدنى القديم. تكشف العقوبات في الناموس الموسوي جوانب هذا السياق [2]

 

إذا النقطة الأولى معانا هي فهم سياق هذه النصوص في ضوءها التاريخي لأنه بالمقارنة مع شرائع الشرق الأدنى القديم اتبع العهد القديم نفس القانون المتبع ولكن مع فارق كبير يتمثل في الارتقاء والاخلاقيات التي كانت تختلف عن القانونين في تلك الفترة.

 

 

شرائع الشرق الأدنى القديم وشريعة موسى

كررنا فكرة أن شريعة موسى أعطيت لإسرائيل في السياق الأخلاقي المتدني لمنطقة الشرق الأدنى القديم، في نفس الفترة وجدت شرائع أخرى قديمة في نفس المنطقة في الألفية الثانية قبل الميلاد وقد عرفت بالشريعة «المسمارية». كلمة «مسمارية» تشير إلى حروف أو أرقام على شكل وتد، وتكون منقوشة على ألواح حجرية عادة بقلم من البوص.

 

في هذه القائمة توجد شرائع اورنامو (Ur-Nammu) (حوالي 2100 ق. م. خلال حكم الأسرة الثالثة لـ أور)، وشرائع لبت عشتار (Lipit- Ishtar) (1925 ق. م.) الذي حكم مدينة سومرية تسمي آيسن، والشرائع الأكادية لإشنونا (Eshnunna) (حوالي 1800 ق. م.)، وهي مدينة على بعد مئة ميل شمال بابل، والشرائع البابلية لحمورابي (1750 ق. م.) وشرائع الحثيين (1650- 1200 ق. م.) في آسيا الصغرى (تركيا الآن) [3]

 

لا ينبغي أن نندهش من وجود توازيات وتقاطعات بين شرائع الشرق الأدنى القديم وشريعة موسى. الأكثر من ذلك هناك أقوال متنوعة وحكم من سفر الأمثال تبدو إلى حد بعيد كأنها اقتباسات من «تعاليم أمينيموبي» (Instruction of Amenemope) وهو أحد الأعمال الأدبية المصرية القديمة، كان يجوز لكتبة أسفار الكتاب المقدس أن يقتبسوا من أحد المؤلفات الشعرية – مثل سفر ياشر (يش 10: 13، 2صم 1: 18) – أو أن يرجعوا إلى وثائق رسمية، مثلما فعل كاتب سفر الأخبار.

 

بالإضافة إلى هذا يمكننا أن نتخيل موسى وهو يعمل كمحرر للتوراة إذ يوفق بين التقاليد الشفهية والكتابات المتعلقة بالخلق وتاريخ عصر الآباء الأولين لإسرائيل. فيما بعد في العهد الجديد يكشف لوقا 1: 1- 4 عن مشروع بحثي منظم يستقصي التقاليد الخاصة بيسوع والتي جمعها لوقا ليكتب سيرة ذاتية موثقة عن يسوع.

 

هذه المساعي البشرية، والأسلوب الأدبي للكتابة، والشخصيات تمثل جزءا من عملية التدوين الملهم بالروح القدس. البعض شبه «تجميع» الأسفار المقدسة بعقيدة التجسد. في شخص يسوع الناصري اجتمع العنصر الإلهي بالعنصر البشري. بالمثل ليس معنى أن هناك دورا لشخصية الكاتب أو أسلوبه أو أدواره المختلفة، أو أن محتوى «خارجيا» قد اقتبس، أن هذا معناه أن روح الله الملهم لم يكن مساهما في. عملية الوصول بالأسفار المقدسة إلى صورتها الحالية [4]

 

 

كاسر السبت والمجدف

في أحيان كثيرة، عندما تُرتكب الانتهاكات لأول مرة في وسط أمة ناشئة، يصاحب ذلك عقوبة قاسية. تأمل ناداب وأبيهو، اللذين ينطبق عليهما المثل القائل “هذا الشبل من ذاك الأسد” إذ قلدا وثنية هارون في حادثة العجل الذهبي (خر 32)، وقدما «نارا غريبة» -وهو يعني طقسا وثنيا لعبادات غربية سامية كانت ترتبط بتعيين المرء في الكهنوت- وقد سقطا ميتين (لا 10).

 

كذلك رجال من بني إسرائيل، تم إغواؤهم بالزنا والوثنية بواسطة نساء من مدیان، هؤلاء قد سقطوا أيضا أمواتا بسبب احتقارهم لعهد الله (عد 25). وخلال حقبة مملكة داود، حاول غزا أن يثبت تابوت العهد المترنح أثناء نقله (2صم 6: 1-7).

 

كيف نال «شكرا» على مجهوداته؟ أسقطه الله مانتا! حتى أن داود استشاط غضبا بسبب عمل الله هذا. ما على جميع فكر فقط في حنانيا وسفيرة في العهد الجديد (أع 5)، اللذين سقطا ميتين بسبب كذبهما بشأن مقدار سخائهما. وكانت الرسالة واضحة جدا للكنيسة الأولى: «فصار خوف عظيم الكنيسة وعلى جميع الذين سمعوا بذلك» (أع 5: 11).

 

تبدو يد الله ثقيلة بالأخص في حالات القدوة أو في البدايات. لا يمكن الاستخفاف بالله. وهو يأخذ الخطية مأخذ الجد، وفي أحيان كثيرة يضع معيارا للتجاوزات الأولى. بالنسبة لشعب الله كان مقصودا لهذه العقوبات أن تكون أدوات تذكير قوية لما يتوقعه الله منهم [5]

 

 

التوابع والسحرة والانبياء الكذبة [6]

كانت عبادة الموتى شائعة في الشرق الأدنى القديم، بما في ذلك كنعان. كانت شعوب ه الشرق الأدنى القديم تحاول استشارة الموتى أو الاتصال بهم حتى يتدخلوا أو يساعدوا الأحياء. هذه الأديان القديمة في الشرق الأدنى القديم كانت تدافع عن طقوس الحزن على المتوفي مثل تقطيع المرء لجسده من أجل الأموات وعمل علامات كالوشم على الجسد (لا ۱۹: ۲۸).

 

أما قص الرجال لشعرهم من الجانبين أو أطراف لحيتهم (لا 19: 27) فكانت ممارسة كنعانية يقدم فيها المتعبد شعره كتقدمة إلى أرواح منتقلة لاسترضائهم (قارن تث ١٤: ١)

 

لم يكن مسموحا بشيء كهذا في إسرائيل! كان على شعب الله أن يكون مختلفا. ا عن الأمم المحيطة به. وكان عليهم أن يركزوا على الحياة وإله الحياة، وليس الأموات والآلهة الباطلة. لم يكن مسموحا لأحد بأن يستشير أو يسأل «الموتى لأجل الأحياء» (إش 8: 19؛ قارن 2: 5 و6).

 

ولم يكن حتى مسموحا للكهنة في إسرائيل بحضور الجنازات، إلا إذا كانوا من أقارب المتوفي (لا 21: 1-5). وكان عليهم أن يكونوا «مقدسين… لإلههم» (لا 21: 6). ومن ثم كان يجب تطبيق عقوبة الإعدام على التوابع والمنجمين وأمثالهم هؤلاء الذين يعملون في تجارة الموت

 

 

لهم بمغادرة إسرائيل ليعيشوا في أمة أخرى. كان هذا هو البديل الواضح والمفضل. وكان هذا صحيا أكثر من الناحية الروحية لإسرائيل وأكثر أمانا لمناهضي الدولة الثيوقراطية. وكان على المتبقين في الأرض أن يحترموا العهد والشرائع المصاحبة له

 

لكل شعب تقاليده

ذلك، كانت عقوبات إسرائيل لينة بالمقارنة بالشرائع القانونية الأكثر وحشية والتي لا تظهر ثقافات أخرى في الشرق الأدنى القديم. كانت شريعة حمورابي تصر في بعض الجرائم على قطع اللسان أو الثدي أو اليد أو الأذن. وإحدى العقوبات تضمنت سحل المتهم حول أحد الحقول مجرورا بواسطة الماشية.

 

وفي التشريع المصري القديم تضمنت العقوبات قطع الأنف أو الأذن. وكانت شريعة حمورابي تصر على موت اللص، بينما العهد القديم يطالب فقط بتعويض الضعف عن الخسارة (خر 22: 4).

 

هذه المقارنة- من بين أمور أخرى كثيرة- تذكرنا بأن الأشخاص كانوا مهمين في التشريع الإسرائيلي أكثر من ثقافات أخرى في الشرق الأدنى القديم. وعند معاقبة المجرمين (سواء حالة الحنث باليمين أو التشهير بالآخرين) كان القانون المصري القديم يقر بمائة إلى مئتين ضربة.

 

وكانت الضربات المائة العقوبة الأقل. أما بالنسبة لعقوبات السرقة في العهد القديم، كما يلاحظ «ديفيد بيكر»، فكانت “أكثر إنسانية من معظم شرائع (الشرق الأدنى القديم)، ولم تتضمن أبدا التشويه، أو الضرب، أو الموت [7]

 

عين بعين وسن بسن

ليس لدينا هنا عين أو سن بالمعنى الحرفي، وإنما تعويض عن الضرر الجسماني. يذكر بعض الدارسين من أمثال «رايموند ويستبروك» أن قانون القصاص بالمثل (Lex Talionis) كمبدأ تعويضي لم يؤخذ حرفيا [8]

الأكثر من ذلك، تنفيذ العقوبات التي تتناسب مع الجريمة كانت تحمي الطبقات الأكثر ضعفا مثل الفقراء والضعفاء والمنبوذين. لم يكن بمقدور الأثرياء وأصحاب النفوذ أن يحددوا شروط العقوبة. في الواقع كانت النخبة في المجتمع يتعرضون لهذه العقوبات المتناسبة مثل أي أحد آخر [9]

بالإضافة إلى ذلك، عمل هذا المبدأ الخاص بالقصاص بالمثل كحماية ضد عداء الدم والثأر غير المتناسب (فكر بطريقة المافيا هنا). عندما نقارن عقوبات إسرائيل مع تشريعات أخرى في الشرق الأدنى القديم، نجد أن شريعة موسى تقدم ارتقاء أخلاقيا بارزا. وكما يشرح الدارس الكتابي «بريفارد تشايلدز»، كان مبدأ القصاص بالمثل “علامة على ارتقاء هام، وأكثر من كونه أحد آثار عصر بدائي. [10]

علق المؤرخ الشهير «باول چونسون» على شريعة حمورابي، بالرغم من أن هناك الكثير الذي يمكن أن يقال عن الشرائع الأخرى للشرق الأدنى القديم، بقوله: “إن الشرائع المفزعة تتميز بقسوة عقوباتها البدنية، في مقابل ضبط النفس في شريعة موسى وتشريعات سفري التثنية واللاويين.” [11]

يشير «والتر كايزر» إلى الملاحظة العامة لدارسي العهد القديم: وجدت ست عشرة جريمة كانت تتطلب عقوبة الموت في العهد القديم، ولكن فقط في حالة القتل العمد يقول النص إن المسؤولين في إسرائيل غير مسموح لهم بأخذ «فدية» أو «تعويض».

وكان التفسير المقبول على نطاق واسع لهذا أنه في الحالات الخمسة عشرة الأخرى بإمكان القضاة استبدال عقوبة الموت بتحديد “فدية” أو “تعويض”، لأنه في حالة القتل العمد تعمل عقوبة الموت كمؤشر على خطورة الجريمة. يمكننا ذكر أسماء دارسين مثل «رايموند ويستبروك»، «جاكوب فنكيلشتين»، و«جوزيف سبرنكل»، الذين يتفقون بالفعل مع هذا الرأي.” [12]

 

 

ماذا عن تقديم الرضع كذبائح في إسرائيل؟

من ناحية، تدين شريعة موسى بوضوح تقديم الأطفال كذبائح كشيء كريه وبغيض أخلاقيا (لا 18: 21؛ 20: 2-5؛ تث 12: 31؛ 18: 10). كما تشير «سوزان نيديتش» في كتاب “الحرب في الكتاب المقدس العبري” (War in the Hebrew Bible)، إلى أن النبرة السائدة في العهد القديم “تدين تقديم الأطفال كذبائح”؛ لأن ذلك يتعارض مع مقاصد الله ويزعزع المجتمع الإسرائيلي.” [13]

 

 

الخلاصة

في كثير من الأحيان يلجأ الملحدون الجدد إلى رسم صور كاريكاتيرية وافتراءات عن شرائع العهد القديم. وبرغم أن شرائع موسى لا تعكس دائما ما هو مثالي (وهو ما يقره العهد القديم نفسه)، فإن هذه الشرائع، والعقلية التي تظهرها، تكشف النقاب عن ارتقاء أخلاقي وحساسية أخلاقية أكبر من نظائرها من شرائع الشرق الأدنى القديم [14].

 

[1] هل إله العهد القديم إله شرير؟ أفضل لأخلاقيات العهد القديم – بول كوبان – ص 109

[2]  المصدر السابق.

[3]  ص 111

[4]  المصدر السابق.

[5]  ص 112

[6] ص 114

[7] ص 115 – 116

[8]  ص 117

[9]  المصدر السابق

[10]  المصدر السابق

[11]  المرجع السابق

[12]  ص 119

[13] ص 119

[14]  ص 124

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

 

كتاب هل إله العهد القديم إله شرير؟ بول كوبان PDF

كتاب هل إله العهد القديم إله شرير؟ بول كوبان PDF

كتاب هل إله العهد القديم إله شرير؟ بول كوبان PDF

كتاب هل إله العهد القديم إله شرير؟ بول كوبان PDF

تحميل الكتاب PDF

البرهان الأخلاقي على وجود الله بقلم بول كوبان

البرهان الأخلاقي على وجود الله بقلم – بول كوبان

البرهان الأخلاقي على وجود الله بقلم – بول كوبان

البرهان الأخلاقي على وجود الله بقلم – بول كوبان

الفيلسوف جون ريست محق؛ إذ أنه من “المعترف به أنّ هناك أزمة في الجدل الغربي المعاصر حول الأساسات الأخلاقية”1. ويبدو أن جوهر الأزمة ناتج عن التطرق إلى الأخلاقيات من دون الإشارة إلى الله. فمتى تمّ الفصل بين الجانب الأخلاقي وجذوره اللاهوتية، يتعذّر على الأخلاق الدنيوية الاستمرار، فتذبل وتتلاشى وتموت.

يمكنني رسم مخطط دفاع ملخص حول العلاقة بين الله والقيم الأخلاقية الموضوعية (وهو أمرٌ توسّعت فيه في كتاباتٍ أخرى لي) 2. وأجادل هنابأنه في حال كانت القيم الأخلاقية الموضوعية موجودةً، فإنّ الله موجود؛ والقيم الأخلاقية الموضوعية موجودةٌ، بالتالي، إنّ الله موجود. ولحلّ الأزمة الأخلاقية، علينا التعرّف إلى شخصية الله الجيّد (الذي خُلق على صورته ومثاله الإنسان القيّم) على أنه الأساس الضروري للأخلاقيات وحقوق الإنسان وكرامته.

1. القيم الأخلاقية الموضوعية موجودة: وهي أساسية إلى حدّ بعيد: القيم الأخلاقية موجودة أكان الشخص أو الثقافة يؤمنان بها (“موضوعية)أم لا. ويسلّم الناس العاملين بشكلٍ طبيعي جدلاً بأنها الأساس لسعادتهم وصحتهم وازدهارهم.

أ. وليس على البشر أن يكتشفوا معنى الأخلاقيات بقراءتهم للإنجيل، فهذا النوع من المعرفة متوفر للجميع. وتقول الرسالة إلى أهل روما2: 14-15 إنّ من ليسوا على علمٍ بتجسّد الله الخاص (الكتاب المقدس، يسوع المسيح) يمكنهم معرفة الصحيح من الباطل. ففي وعيهم يكمن تجسّد الله العام للقانون الأخلاقي الأساسي:”لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ، مَتَى فَعَلُوابِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ، فَهؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُهُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ”. (الرسالة إلى أهل روما 2: 14 NASB).

فلا عجب أن يكونوا قد خلقوا على صورة الله ومثاله (التكوين 1:26-7). فهم مكونون للعمل بطريقة صحيحة متى عاشوا وفق تصميم الله. لذا، فإن الناس (بمن فيهم الملحدين) الذين لم تقسَ قلوبهم أو لم يغشوا أنفسهم، سيكون لديهم المقدرة الطبيعية الأخلاقية نفسها كما المسيحيين، فيدركون أنّ تعذيب الأطفال للتسلية (والاغتصاب والزنا)خطأ، والطيبة خيرة.

فمتى قال شخصٌ: “ربما القتل والاغتصاب ليسا فعلي شر بحق”، هو لا يحتاج إلى برهان. فهو يغشّ نفسه. ولو كان يؤمن ذلك بحق، فمايحتاج إليه هو المساعدة الروحية أو النفسية فهو لا يعمل بشكلٍ صحيح. حتى النسبيين الذين يدّعون بأنه يمكن أن تكون قيم شخص ما حقيقية بالنسبة إليه ولكن ليس بالنسبة إلى الغير،هم على الأرجح من يقولون: “لي حقوق” أو “يجب أن تكون متسامحاً”.غير أنّ الحقوق والتسامح تكون بغير معنى في حال كان المذهب النسبي صحيح. على العكس،يستتبعون كنتيجة لا بد منها بأنّ القيم الأخلاقية الموضوعية موجودة.

ب. وببساطة، كما نثق بشكلٍ عام بأنّ إدراكناالحسي يعوّل عليه (إلا في حال توفّر سبب وجيه للشك به)، علينا اعتبار الحدس الأخلاقيالعام (مقت تعذيب الأطفال للتسلية والاغتصاب والقتل) بريئاً إلى حين تبيان العكس. فلمَنثق بالحواس الخمسة؟ يجد معظمنا أنه يعوّل على الحواس الخمسة بانتظام. وحتى لو كان إدراكنا للأشياء خاطئاً من وقتٍ إلى آخر، فإننا حكماء للانتباه إلى حواسنا بدلاً من الشك بها بشكلٍ ثابتٍ. وبطريقةٍ مماثلة، فإننا نتمتع بمواهب أخلاقية أساسية.

فعلى سبيل المثال، الاشمئزاز من إنهاء حياة إنسان بريء أو من الاغتصاب (“عامل القرف”) أو الإثبات الداخلي فيما يتعلق ببذل النفس من أجل صحة وسعادة ولدي (“العامل الإيجابي”).ومن هنا عبء البراهين الذي يثقل كاهل أولئك الذين ينكرون المبادئ الأخلاقية الأساسية ويشككون بها. ونحن حكماء بما يكفي للانتباه إلى هذه المقدرة الطبيعية الأخلاقية الأساسية،حتى ولو كان هذا الحدس بحاجةٍ إلى تعديل من وقتٍ إلى آخر.

وقد يجد الأشخاص الذين يرون الأخلاقيات بعينٍ حساسة أنّ الأساسيات صحيحة فيما يتعلق بالأخلاقيات. وفي ملحق كتاب س.س. لويس ,3TheAbolition of Man،يضع الكاتب قائمةً بقيم عديدة تم قبولها علىمر التاريخ والحضارات (اليونانية والمصرية والبابلية والأميركية الأصلية والهندية واليهوديةوغيرها). فتدان السرقة كما القتل في هذه القوانين، في حين أن احترام الوالدين وقسمالزواج يلقى الإطراء.

وقد يذهب البعض إلى المجادلة فيقولون: أوليسهناك تعارض أخلاقي أيضاً؟ فبعض الحضارات تسمح بتعدد الزوجات، على سبيل المثال. وهوأمرٌ صحيح، غير أنّ عادات الزواج وتقاليده التي تسمح بتعدد الزوجات تمنع في الوقت نفسهالزنا. وفي حين يختلف تطبيق المبادئ الأخلاقية وعباراته من ثقافة إلى أخرى، إلا أنّهناك مبادئ أخلاقية أساسية تتخطى الحاجز الثقافي. ماذا يحصل في حال واجهنا (على الأقلظاهرياً)

مبادئ أخلاقية متضاربة؟

نبدأ من الحالات الواضحة أخلاقياً لنصل إلى تلكغير الواضحة. باعتبار تضارب أخلاقي ظاهر، يكون من الخاطئ الاستنتاج بأنّ الأخلاقياتنسبية. وفي هذا الإطار، يقول مؤلف المعاجم سامويل جونسون: “لا يعني واقع وجودما يُعرف بالأفق أننا غير قادرين على التمييز بين النهار والليل.”

ت. المبادئ الأخلاقية مكتشفة، لم يتم اختراعها.أما الإصلاحات الأخلاقية (محو العبودية وتأييد حق المرأة بالانتخاب وتعزيز الحقوق المدنيةللسود) فتكون بلا معنى إلا في حال كانت القيم الأخلاقية الموضوعية موجودة. وحتى لوتطلّب خلق جو الإصلاح وقتاً (أو حتى مئات الأعوام)، فذلك لا يعني بأنّ الأخلاقيات تتطورفقط خلال التاريخ الإنساني بأنها وليدة الاختراع البشري. على العكس، تقترح بشكل أكبرأن المبادئ الأخلاقية يمكن اكتشافها وهي تستحق النضال من أجلها، حتى ولو كان الثمنباهظاً.

ويسلم الفيلسوف الملحد كاي نيلسون جدلاً بمايلي: “من الأكثر صواباً في التفكير الإيمان بأنّ مثل هذه الأمور الرئيسية ]ضربالزوجة وإساءة معاملة الطفل[ أعمال شر، بدلاً من الإيمان بأي نظرية قابلة للشك تقولبأنه لا يمكننا معرفة أن أي من هذه الأمور أعمال شريرة أو الإيمان بعقلانية بذلك…أؤمن إيماناً ثابتاً بأنّ هذه الحقيقة عميقة وصحيحة وأنّ أي شخص لا يؤمن بها لا يمكنهأن يكون قد تعمّق في معتقداته الأخلاقية”.4

2. الله والأخلاقيات الموضوعية على اتصال وثيق:ليس من النادر سماع أنّه “يمكن أن يكون الملحدون خيّرين من دون الله”. ويجادلالملحد مايكل مارتين قائلاً إن المؤمنين يعطون الأسباب نفسها كما الملحدين حول اعتبارالاغتصاب جرماً، فهو يعتدي على حقوق الضحية ويضر بالمجتمع. وما يعنيه مارتين أنّ الملحدينيمكنهم أن يكونوا خيّرين من دون الإيمان بالله، غير أنهم لن يكونوا خيّرين (أي يتمتعونبقيمة جوهرية أو مسؤولية أخلاقية أو غير ذلك) من دون الله. (فبالفعل، لن يكون أي شيءموجوداً من دونه).

ويعني ذلك، أنّ البشر خُلقوا على صورة الله ومثاله، وبالتالي، يمكنهممعرفة الخير من الشر حتى ولو لم يؤمنوا بالله. إنّ الملحدين والمؤمنين قادرون على تأكيدالقيم نفسها، غير أنّ المؤمنين يستندون في إيمانهم بحقوق الإنسان والكرامة على كونناخُلقنا جميعاً على صورة ومثال كيانٍ أسمى قيمةً.

فكروا بالأمر: لا يأتي الأشخاص القيّمين جوهرياًوالمفكرين من العمليات غير الشخصية وغير الواعية وغير المرشدة وغير القيمة عبر الوقت.ويوفر الله الشخصي والخيّر والمدرك لوجوده الذاتي والذي له هدف، المضمون الطبيعي والضروريلوجود البشر القيّمين والمساندين للحقوق والمسؤولين أخلاقياً. الأمر الذي يعني أنّالوجود كشخص والأخلاقيات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً؛ فجذور القيم الأخلاقية كامنة في الوجودكشخص. ومن دون الله (كيان شخصي)، لا وجود للأشخاص، وبالتالي لا وجود للقيم الأخلاقيةمطلقاً: لا وجود كشخص يعني لا وجود للأخلاق. بوجود الله فقط تتحقق الخصائص الأخلاقية.

3. تكون النظريات الأخلاقية غير المؤمنة غيركاملة وغير وافية: قد يقترح بعض الدنيويين أنه يمكن أن يكون لدينا أنظمة أخلاقية لاتمتّ لله بصلة ولا تشير إليه (مثل أرسطو وكانت). ولكن، في حين قد يكون لها بعض المساهماتالإيجابية في المناقشات الأخلاقية (فيما يتعلق بالفضيلة/الصفة الأخلاقية أو الموجباتالأخلاقية العالمية)، تبقى أنظمتها غير مكتملة حتى الآن. فهي لا توفّر السبب وراء وجودقيمة جوهرية وحقوق وموجبات أخلاقية للبشر.

ماذا عن الأخلاقيات الناشئة طبيعياً، والتي نطورمن خلالها إدراكاً للخير والشر وموجبات أخلاقية لمساعدتنا على البقاء/التكاثر؟ للإدراكالأخلاقي قيمة بيولوجية فقط. 5 ينتج عن مثل هذه المقاربة المشاكل التالية: أولاً هليمكننا حتى الوثوق بعقلنا إذا لم نكن أكثر من نتيجة للنشوء الطبيعي، نحاول الكفاح والشبعوالفرار والتكاثر؟ كان لشارل داروين “الشك المروع” الذي يقول بموجبه أنهبما أنّ العقل البشري تطور من الحيوانات الأقل منه شأناً، فلم نثق به؟ لم نثق بقناعاتعقل القرد؟6 إن عملية النشوء الطبيعية تهتم بالهيئة/البقاء لا بالإيمان الحقيقي؛ وبالتالي،ليست الأخلاقيات الموضوعية مضعفة وحسب، بل التفكير العقلاني مضعف أيضاً.

فيمكن أن تساعدنامعتقداتنا، بما فيها المعتقدات الأخلاقية، على البقاء، ولكن قد تكون خاطئة بالكامل.فالمشكلة بالشكوكية (بما فيها الشكوكية الأخلاقية) تكمن في أنني أفترض عملية تفكيرجديرة بالثقة للاستنتاج بأنني لا أثق بتفكيري! إذا كنا نثق بقدراتنا المنطقية والأخلاقية،فسنفترض وجهة نظر مؤمنة، ألا وهي أنّ خَلقنا على صورة ومثال كائن صادق وعاقل وخيّرهو السبب في ثقتنا بحواسّنا/بحدسنا الأخلاقي.

بالإضافة إلى ذلك، تبقى المشكلة التالية: إذاكان البشر نتيجة النشوء الطبيعي ببساطة، فما من أساس للموجبات الأخلاقية والكرامة البشرية.الأمر الذي يؤدي بسهولة إلى إضعاف الحافز الأخلاقي. وقد اعترف المفترس الجنسي وآكللحوم البشر جيفري داهمر بخطورة المسألة: “لو كان كل شيء يحصل طبيعياً، فما الحاجةإلى الله؟ ألا يمكنني تحديد قوانيني بنفسي؟ من يمتلكني؟ أنا أمتلك نفسي.” 7

ولتعزيز فكرة ارتباط الله والأخلاقيات بشكلٍأكبر، دونها عدد من الملحدين والشكوكيين. فقد قال الملحد الفيلسوف ج.ل. ماكي إن الخصائصالأخلاقية “مريبة” بأخذ المذهب الطبيعي بالاعتبار “ففي حال وجود قيمموضوعية، تجعل بالتالي وجود الله ممكناً أكثر مما لو كان من دونها. بالتالي، ندافعبالحجة من خلال الأخلاقيات عن وجود الله8.” وبحسب المجادل بول درابر: “العالم الأخلاقي كبير الاحتمال بنتيجة الإيمانبوجود الله”.9

وكما يؤكده إعلان الاستقلال، “الخالق منحالإنسان بعض الحقوق الأساسية”. وهذا الخالق الخيّر هو الأساس الحقيقي للأخلاقياتوالأمل الأسمى لإنقاذها من أزمتها الحالية.

تتوفر التعليقات الختامية باللغة الإنكليزية:

1John Rist,Real Ethics (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), p. 1.

2 SeePaul Copan, “Is Michael Martin a Moral Realist? Sic et Non.”Philosophia Christi, new series 1/2 (1999): 45-72; “Atheistic GoodnessRevisited: A Personal Reply to Michael Martin,” Philosophia Christi, newseries 2/1 (2000); p. 91-104; “The Moral Argument” in The Rationalityof Theism, ed. Paul Copan and Paul K. Moser (London: Routledge, 2003),pp.149-74; “A Moral Argument” in To Every One An Answer: A Case forthe Christian Worldview: Essays in Honor of Norman L. Geisler, eds. FrancisBeckwith, William Lane Craig, and J. P. Moreland (Downers Grove, Ill.:InterVarsity Press, 2004), pp. 108-23; “Morality and Meaning Without God:Another Failed Attempt,” Philosophia Christi, new series 6/1 (2004); pp.295-304; “God, Hume, and Objective Morality” in In Defense of NaturalTheology: A Collection of New Essays in the Philosophy of Religion, eds.Douglas R. Groothuis and James R. Sennett (Downers, Grove, InterVarsity Press,2005), pp. 200-25.

3 C.S.Lewis, The Abolition of Man (San Francisco: HarperSF, 2001).

4KaiNielsen, Ethics Without God (Buffalo: Prometheus Books, 1990), pp. 10-11.

5 MichaelRuse, The Darwinian Paradigm (London: Routledge, 1989), p. 262.

6 Letter(3 July 1881) to Wm. G. Down, in The Life and Letters of Charles Darwin, ed.Francis Darwin (London: John Murray, Abermarle Street, 1887), pp. 1:315-16.

7 JeffreyDahmer: The Monster Within, A&E Biography (1996).

8 J.L. Mackie, The Miracle of Theism (Oxford: Clarendon Press, 1982), pp. 115-16.

9 InGreg Ganssle, “Necessary Moral Truths” Philosophia Christi, newseries 2, 2/1 (2000), p. 111.

البرهان الأخلاقي على وجود الله بقلم بول كوبان

Exit mobile version