قيامة المسيح ج3 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج3 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج3 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح

من شرح إنجيل يوحنا

للقديس كيرلس الأسكندري

دخل والأبواب مغلَّقة (يو19:20ـ20)

” ولما كانت عشية ذلك اليوم وهو أول الأسبوع وكانت الأبواب مغلَّقة حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود جاء يسوع ووقف في الوسط وقال لهم سلام لكم. ولما قال هذا أراهم يديه وجنبه”.

          في نفس اليوم الذي ظهر فيه يسوع لمريم وتحدث معها، أظهر نفسه أيضًا للتلاميذ القديسين، الذين خافوا من هجمات اليهود الشريرة، ولذلك اجتمعوا في منزل معين، وبسبب خوفهم من اليهود القتلة اختفوا بحكمة على هذا النحو. ثم ظهر لهم المسيح بصورة معجزية خارقة، لأنه بينما كانت الأبواب مغلّقة ـ كما يقول الإنجيلي، وقف يسوع في وسطهم فجأة دون أن يكونوا متوقعين ذلك. إذ أنه بقوته الإلهية الخارقة ارتفع فوق سلسلة الأسباب والنتائج. وأظهر أنه قادر أن يستغني عن أي خطة أو وسيلة لتحقيق عمله. لذلك لا يجب أن يسأل أي إنسان، ” كيف استطاع الرب الذي قام بجسد مادي صُلب أن يدخل بدون أي فتحة، ولم تعوقه الأبواب المغلّقة؟”. فعلى من يسأل هذا السؤال أن يفهم أن الإنجيلي لا يتحدث هنا عن واحد مثلنا، بل عن الجالس عن يمين الآب، والذي له القدرة أن يفعل ما يشاء بسهولة. ومن يكون بالطبيعة هو الإله الحق لا يكون خاضعًا لقانون السبب والنتيجة مثل الخلائق التي تدين له بوجودها. بل هو بالحري يمارس ربوبيته فوق كل الضرورات. ويختار الوسائل المناسبة لعمل ما يريد.

          وإلاّ كيف استطاع أن يجعل البحر يهيئ له مكانًا صلبًا لقدميه، ويمشي على المياه كما يمشى على الأرض اليابسة مع أننا لم نخلق بالصورة[1] التي تجعلنا نسير على البحر؟ وكيف قام بكل معجزاته الباهرة التي تخص الله وحده؟ فإن كانت كل هذه المعجزات تفوق فهم الإنسان، هكذا أيضًا ضعوا هذه المعجزة مع سائر المعجزات الأخرى. ولا تتبعوا آراء بعض الناس الذين بسبب غباوة قلوبهم ضلوا عن الحق وتخيلوا بسبب هذه المعجزة أن المسيح قام بدون جسده البشري. وإنه انفصل تمامًا عن الهيكل الذي اتخذه لنفسه واتحد به. فإن كنت لا تستطيع أن تفهم عمل الطبيعة الإلهية الفائقة فلماذا لا تعترف بالأولى بضعف العقل البشري ـ فهذا منهج حكيم ـ وتقبل بهدوء الحدود المعينة لك في المعرفة من قِبل الله الخالق؟ لأن من يرفض الحكمة فإنه يسيء إلى سر القيامة العظيم الذي نعتمد عليه كلية. فتذكروا صيحة بولس: ” إن كان الموتى لا يقومون فلا يكون المسيح قد قام. وإن لم يكن قد قام فباطل إيمانكم أنتم بعد في خطاياكم” (1كو16:15و17)، ويقول أيضًا: ” ونوجد نحن أيضًا شهود زور لله لأننا شهدنا من جهة الله أنه أقام المسيح وهو لم يقمه إن كان الموتى لا يقومون” (1كو15:15). لأن ما هو الذي يقوم سوى ذاك الذي سقط؟ ومن يمكن أن يُعاد إلى الحياة إلاّ الذي انحنى تحت الموت؟ وكيف نتوقع نحن أن نقوم ثانية لو لم يكن المسيح قد أقام هيكله وجعل نفسه ـ من أجلنا ـ باكورة الراقدين والبكر من بين الأموات؟ أو كيف ” يلبس هذا المائت عدم موت” (1كو53:15) إذا صح ما يتصوره البعض أن الجسد سوف يتلاشى تمامًا؟ لأنه كيف نفلت من هذا المصير (مصير العدم) إذا لم يكن لنا رجاء في حياة جديدة. إذن فلا تتزعزعوا عن الإيمان الأرثوذكسي بسبب أن هذه المعجزة (معجزة دخوله والأبواب مغلّقة) قد تمت، بل كونوا حكماء، وأضيفوا هذه المعجزة إلى أعمال المسيح الخارقة التي عملها.

          دققوا النظر في هذا الدخول غير المتوقع، فإن المسيح بدخوله والأبواب مغلّقة يُظهر مرة أخرى أنه هو الله بالطبيعة، ويؤكد لهم أنه هو نفسه الذي عاش معهم قبل ذلك. فهو يكشف لهم عن جنبه الجريح ويريهم آثار المسامير، وهكذا أعطانا البرهان الكامل أنه قد قام بجسده أى هيكله الذي عُلق على الصليب، وأنه أعاد إلى الحياة ذلك الجسد الذي لبسه. وبذلك سحق الموت الذي كانت له القدرة على كل الأجساد. وقد فعل المسيح هذا لأنه هو بالطبيعة الحياة وهو الله.

          ولماذا احتاج أن يريهم يديه وجنبه؟ لأن البعض تصوروا أنه لم يقم بالجسد. ولو كان يريد ألاّ يعتنق تلاميذه عقيدة قيامة جسده فلماذا لم يظهر لهم بشكل آخر لا علاقة له بجسده. ولكننا نرى بوضوح أنه أكد الأهمية القصوى لاقتناعهم وإيمانهم بقيامة جسده. ورغم أن الوقت كان مناسبًا جدًا أن يغير جسده إلى شكل وجمال فائق يناسب القيامة، إلاّ أنه قرر حسب تدبيره وعنايته أن يُظهر جسده بشكله كما كان منذ البداية لكي لا يتصور أحد أنه يلبس شكلاً آخر غير ذلك الشكل الذي صُلب به. كما أن عيوننا لم تكن لتستطيع أن تحتمل مجد الجسد المقدس، لو أن المسيح أراد أن يعلن مجد القيامة للتلاميذ قبل أن يصعد إلى الآب. ونستطيع أن نكوّن فكرة عن مجد جسده حينما نتأمل ما حدث في التجلى على الجيل أمام التلاميذ القديسين، لأن متى الإنجيلي كتب أن ” يسوع أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا وصعد بهم إلى جبل عال وتجلى أمامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور” (مت2،1:17) ولم يستطع التلاميذ أن يحتملوا المنظر فسقطوا على وجوههم.

          لذلك كان مناسبًا جدًا ألاّ يغير ربنا يسوع المسيح هيكل جسده إلى الجمال الفائق المناسب للقيامة، بل يظهر بشكله المعروف لديهم لكي لا يعتقد أحد أن جسده الذي أخذه من العذراء والذي صُلب ومات حسب الكتب، لم يقم، أو أنه أخذ جسدًا آخر في القيامة. لأن قوة الموت وسلطانه قد قُهرت وطُردت من الجسد. ولو أن جسده الذي مات لم يقم، فأي نوع من الموت هو الذي أُبطل وسُحق؟ وبأي طريقة أُبطلت قوة الفساد؟ لأنه بدون موت جسده وقيامته لا يمكن أن تتلاشى قوة الموت، لا بموت النفس ولا بموت ملاك ولا حتى بموت كلمة الله نفسه، لأن قوة الموت كامنة في ذلك الجسد الذي هو فاسد بالطبيعة. كما أن قوة القيامة خاصة بهذا الجسد وبالجسد وحده. الذي بواسطة موته وقيامته انتهى سلطان رئيس هذا العالم.

          لذلك فدخول ربنا يسوع والأبواب مُغلّقة يجب أن يوضع ضمن المعجزات الأخرى التى أجراها.

          ثم بعد ذلك حيا تلاميذه القديسين بقوله: ” سلام لكم“، وعندما قال “سلام” فقد كان يعنى ذاته. لأنه حيثما يحل المسيح بين الناس يحل السلام والهدوء في عقولهم. إنهم ينالون سلام العقل الذي وصفه بولس بأنه مكافأة اذلين يؤمنون بالمسيح وذلك عندما قال ” وسلام المسيح الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم” (في7:4). وهولا يعنى ” بسلام المسيح ” الذي يفوق كل عقل، سوى روحه القدوس الذي كل من يشترك فيه فإنه يمتلئ بكل ما هو صالح.

 

يو20:20

” ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب”.

          إن الإنجيلي المبارك يشهد هنا لصدق كلمات المخلص، حينما يقول إن التلاميذ امتلأوا بالسلام وفرح القلب حينما رأوا يسوع، لأننا نتذكر الأقوال المملوءة سرًا التي حدثهم بها الرب عن صليبه الثمين وقيامته من بين الأموات قائلاً: ” بعد قليل لا تبصرونني، ثم بعد قليل أيضًا ترونني.. فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم” (يو22،16:16). فقد فرح اليهود الذين امتلأت قلوبهم بالحقد، عندما رأوا يسوع مُسمّرًا على الصليب. بينما قلوب التلاميذ كانت مثقلة بحزن لا يُحتمل. ولكن لأنه هو بالطبيعة “الحياة” فقد غلب قوة الموت وقام، وبذلك تلاشى فرح اليهود بينما تحوّل ثقل حزن التلاميذ القديسين إلى فرح. ولم يستطع شئ أن يمنع نفوسهم عن الفرح والبهجة. والمسيح إذ قد مات مرة من أجل الجميع لكي يبطل الخطية لا يموت مرة أخرى. إذ هو حي إلى الأبد. وهو بكل تأكيد سيحفظ أولئك الذين وضعوا رجاءهم فيه وسوف يحفظهم في فرح لا ينقطع.

          وها هو يحييهم ثانية بالسلام الذي أعطاهم من قبل: ” سلام لكم” وقد أسس بذلك هذه القاعدة لأبناء الكنيسة. لذلك أيضًا فحينما نوجد خاصة في اجتماعات في الأماكن المقدسة، عندما نحتفل بسر الإفخارستيا المبارك فإننا نقول لبعضنا البعض ” سلام لكم ” لأن وجودنا في سلام بعضنا مع بعض وفي سلام مع الله هو نبع ومصدر لكل صلاح وكل خير. ولذلك عندما يصلي بولس من أجل المدعوين لكي يتمتعوا بالبركات العظمى فإنه يقول: ” نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح” (رو7:1). وأيضًا حينما يدعو أولئك الذين لم يؤمنوا بعد لكي يتصالحوا مع الله فإنه يقول      “ نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بواسطتنا. نطلب إليكم نيابة عن المسيح تصالحوا مع الله” (2كو20:5)، ايضًا يحثنا إشعياء النبي صارخًا: ” لنصنع صلحًا معه، لنصنع الصلح الذي يأتي” (إش5:27س). ومعنى هذا القول يناسب ذلك الذي يعطي السلام أو بالحري الذي هو سلام كل البشر، أي المسيح، “ لأنه هو سلامنا” حسب الكتب (أف14:2).

 

يو21:20

”فقال لهم يسوع أيضًا سلام لكم، كما أرسلني الآب الحي أرسلكم أنا”.

          بهذا رسم ربنا يسوع المسيح التلاميذ ليكونوا مرشدي ومعلمي العالم، وخدام الأسرار الإلهية. وها هو يوصيهم، لأنه قد حان الوقت لأن يكونوا أنوارًا ليس لليهودية فقط ـ حسب حدود وصية الناموس (والتي كانت تمتد من دان إلى بئر سبع) حسب الكتب (2مل11:17)، بل بالحري ينيروا كل مكان تحت الشمس حيثما انتشر البشر وسكنوا على وجه الأرض كلها. وقد قال بولس الحق عندما ذكر: ” لا يأخذ هذه الكرامة لنفسه، بل المدعو من الله” (عب4:5). لأن ربنا يسوع المسيح دعا إلى رسوليته المجيدة تلاميذه قبل غيرهم، وثبت بهم الأرض كلها التي كانت في طريقها إلى الانحلال والسقوط. وكإله اختار هؤلاء الرجال لكي يسند بهم الأرض. ولذلك تكلم بفم المرنم قائلاً عن الأرض والرسل: ” أنا ثبّت أعمدتها” (مز3:75)، لأن الرسل المباركين هم أعمدة الحق وقاعدته. وهؤلاء قد أرسلهم الابن كما أرسله الآب مبينًا مقدار الكرامة الرسولية والشرف الذي لا يدانيه شرف، والقوة التي وُهبت لهم. ويشير أيضًا إلى نهج الحياة الذي يلتزم الرسل بالسير فيه. وإذا كان الرب قد رأي من اللائق أن يرسل تلاميذه كما أرسله الآب، فقد أصبح من الضرورى أن الذين يتمثلون بالابن أن يعرفوا لماذا أرسل الآب الابن؟

          وقد شرح هو لنا بطرق متنوعة طبيعة إرساليته، فقال في موضع ما    ” جئت لا لأدعوا أبرارًا بل خطاة إلى التوبة” (مت13:9)، وأيضًا ” لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى” (لو31:5)، وأيضًا لأنني نزلت من السماء لا لأعمل مشيئتي، بل مشيئة الذي أرسلني. ومرة أخرى: ” لأن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم” (يو17:3).

          وهكذا لخص في كلمات قليلة طبيعة إرساليته. وبذلك حدد طبيعة إرسالية التلاميذ أيضًا أي أنهم سوف يدعون الخطاة إلى التوبة ويخدمون الذين يعيشون في الشرور الروحية والجسدية. وهم في كل ما يفعلونه على الأرض لا يتبعون إرادتهم الخاصة بل إرادة الذي أرسلهم، أن يخلصوا العالم بكرازتهم بأقصى ما يمكنهم. وفي الحقيقة سوف نجد أن التلاميذ القديسين أظهروا أعظم غيرة للقيام بكل هذه الأشياء. وعلى من يريد أن يتحقق من هذا الأمر أن يفحص بعناية سفر أعمال الرسل وكلمات القديس بولس.

 

يو22:20ـ23

” ولما قال هذا نفخ وقال لهم: اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت.”.

          بعد أن كرّم الرسل القديسين وميزهم بامتياز الرسولية المجيد وأقامهم خدامًا وكهنة للمذبح الإلهي، على الفور قدسهم بإعطاء روحه لهم بعلامة منظورة أي “نفخته”، وهذا يثبت اعتقادنا بأن الروح القدس ليس غريبًا عن الابن بل هو واحد معه فى الجوهر، وهو ينبثق من الآب ولكنه يُسكب علينا عن طريق الابن. وما فعله الرب بعد قيامته يعلن لنا أن نعمة الروح تُعطى لكل الذين شرطنهم ليكونوا رسلاً لله. لماذا؟ لأنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا يرضى الله أو يقهروا فخاخ الشيطان والخطية إن لم يكونوا قد أُلبسوا قوة من الأعالي (لو49:24) لكي يتغيروا إلى حالة تختلف تمامًا عن الحالة السابقة بالشكل الذي قيل عنه لأحدهم في القديم ” سيحل عليك روح الرب وسوف تتحول إلى رجل آخر” (1مل6:10). وكما أعلن إشعياء النبي أن الذين ينتظرون الرب سوف يجددون قوتهم (إش31:40). وبولس الحكيم الذي يقول إنه تفوق على البعض في الأتعاب الرسولية إلاّ أنه على الفور يقول: ” ليس أنا بل نعمة الله التي معى” (1كو10:15). وبالإضافة إلى ما قلناه كان الرسل سيعجزون تمامًا عن فهم سر المسيح، ولما صاروا مرشدين حقيقيين للآخرين في هذه المعرفة لو لم يكونوا قد سبقونا في الحصول على نور الروح لكي يعلنوا لنا هذه الأسرار التى تفوق عقل الإنسان وقدرته على الفهم. لأن الروح وحده هو الذي يقدر على أن يعطي لهم إدراك الإعلانات العالية التي كانوا سيرتفعون إليها، لأنه لا يستطيع أحد أن يقول إن يسوع رب ـ كما قال بولس ـ إلاّ بالروح القدس (1كو3:12). ولما كانوا قد اختيروا للكرازة بيسوع أنه إله ورب كان من الضرورى أن ينالوا نعمة الروح القدس في ارتباط مباشر بالوظيفة الرسولية. ولذلك أعطاهم المسيح الروح القدس ليس لأن المسيح يخدم الروح القدس بل هو يعطيه من ذاته لأن الروح القدس لا يحلّ علينا ولا ينزل من عند الآب إلاّ من خلال الابن. وفي الناموس قديمًا وهو ظلال ورموز الحقيقة كُتب إن إقامة الكهنة يجب أن تتم بطريقة منظورة لأن موسى المُبارك، حسب وصية الله ـ طلب من هارون واللاويين أن يغتسلوا بالماء (لا6:8)، وبعد ذلك ذبح موسى حمل التقديس ودهن بدمه شحمة أذن هارون اليمنى وإبهام يده اليمنى وإبهام رجله اليمنى (لا33:8)، وقد أعطى بهذا ملامح ورمز سر المسيح. لأن الماء والدم هما وسيلتا التقديس وليس لدينا أدنى شك في أن هذه الصورة في سفر اللاويين هي ملامح جمال الحقيقة. وربنا يسوع المسيح الذي حوّل ظلال الناموس إلى قوة الحقيقة يقدس في ذاته خدام المذبح الإلهي، لأنه هو حمل التقديس الذي يقدس فعلاً ويجعل البشر يأخذون من طبيعته بالاشتراك في الروح القدس. وبهذه الصورة قدّس الطبيعة الإنسانية بالقوة والمجد اللذين هما فوق الطبيعة الإنسانية ولا يوجد أدنى انحراف أو ابتعاد عن الحق في هذا الشرح الذي ذكرته.

 

[1] يقصد القديس كيرلس أن طبيعة أجسادنا البشرية التي لبسها المسيح لا تسطيع المشي على البحر ولذلك فهذا من قوة لاهوته.

 

قيامة المسيح ج3 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج2 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج2 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج2 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

 

قيامة المسيح

من شرح إنجيل يوحنا

للقديس كيرلس الأسكندري

لا تلمسيني:

يو17:20 ” قال لها يسوع، لا تلمسيني لأنني لم أصعد بعد إلى أبي ”.

          لا يفهم العامة معنى هذا القول بسهولة، لأن فيه سر خفى، ولكن يجب أن نبحث فيه لفائدتنا. وسوف يمنحنا الرب أن نعرف كلماته. فبينما كانت المرأة تجري نحوه، ورغم أنها اشتاقت أن تحتضن قدميه فإن الرب منعها وأوقفها، وذكر سبب منعه إياها بقوله: ” لأنني لم أصعد بعد إلى أبي“، ويلزمنا أن نبحث عن معنى هذا القول. فماذا يعنى أنه لم يصعد بعد إلى أبيه؟ وكيف يمكن أن يكون عدم صعوده سببًا كافيًا لمنع أولئك الذين أحبوه من لمس جسده المقدس؟.

          إن كل من يتصور أن الرب رفض أن تلمسه المرأة لكي لا يتدنس بلمستها، وأنه تكلم بهذه الكلمات لكي يكون نقيًا حينما يصعد إلى الآب في السماء، كل من يفكر هكذا يكون مستحقًا لكل لوم ويستحق أن يُوصف بالحماقة والجنون. لأن طبيعة الله لا يمكن أن تتدنس مطلقًا. وكما أن شعاع الشمس عندما يسقط عل كومة من روث البهائم أو على أي شئ آخر من الأشياء الأرضية النجسة، فإن الشعاع لا يتدنس ـ بل يظل كما هو أي غير مُلوث، ولا يشترك في أي رائحة كريهة من القاذورات التي يسقط عليها، فكم بالحري طبيعة الله الكلية لقداسة، فإنها لا تسمح لأي عيب أو دنس أن يؤثر فيها.

          إذن ما هو السبب في منع مريم من لمسه حينما اقتربت منه واشتاقت أن تلمسه؟ وماذا يمكن أن يكون قصد الرب حينما يقول: ” لأني لم أصعد بعد إلى أبي“، ينبغي أن نفتش عن معنى هذه الكلمات بأقصى طاقتنا.

          لذلك نقول، إن مجيء المخلص إلينا كان له أهداف متعددة. ولكن الهدف الرئيسي بين كل هذه الأهداف هو ما عبّر عنه بكلماته هو نفسه عندما قال:

          ” لم آت لكي أدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة ” (مت13:9).

          فقبل صلب المخلص وقيامته من الأموات، أي حينما لم تكن خطة تدبيره قد وصلت بعد إلى غايتها، فإنه كان يخالط كلاً من الأبرار والخطاة، ويأكل مع العشارين والخطاة، وكان يسمح لكل من يريد، أن يأتي إليه ويلمس جسده المقدس، وذلك لكي يقدس كل البشر ويدعوهم إلى معرفة الحق، ولكي يعيد إلى الصحة والشفاء أولئك الذين كانوا مرضى وضعفاء من كثرة ممارسة الخطية. لذلك يقول أيضًا في موضع آخر: ” لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى” (لو31:5). ولذلك فقبل قيامته من الأموات كان يعاشر الأبرار والخطاة بدون تفرقة أو تمييز. ولم يطرد أبدًا أحد من الذين أتوا إليه. بل إنه حينما كان متكئًا في بيت أحد الفريسيين، جاءت إليه امرأة كانت خاطئة في المدينة، وكانت تبكي (لو37:7و38)، وقد حلت ضفائر شعرها وهذا يدل على عدم تحررها التام من خدمة خطاياها السابقة، ومسحت قدميه بشعرها، أما هو فلم يمنعها. وكذلك حينما كان ذاهبًا لكي يقيم ابنة رئيس المجمع من الموت، جاءت ” امرأة بنزف دم ولمست هدب ثوبه” (لو43:8و44)، ونجد أنه لم يغضب بالمرة، بل أنعم عليها بالثقة المعزية بقوله: ” ثقي يا ابنة إيمانك قد شفاك. اذهبي بسلام“.

          في ذلك الوقت فإن الناس الذين كانوا لا يزالون نجسين، والذين كانوا متدنسين عقلاً وجسدًا، هؤلاء حسب تدبيره، كان يسمح لهم أن يلمسوا جسد المسيح مخلصنا نفسه بلا مانع أو عائق، وبذلك يحصلون منه على كل بركة. ولكنه بعد أن أكمل تدبير فدائنا، بعد أن احتمل الصليب والموت عليه، وبعد أن قام حيًا وأظهر أن طبيعته أعلى من الموت، فإنه منذ ذلك الحين بدأ يمنع أولئك الذين يأتون إليه من لمس جسده المقدس، وبذلك أعطانا مثالاً تسير عليه الكنائس المقدسة فيما يختص بالسر الخاص به[1].

          فكما أن الناموس الذي أُعطى بواسطة موسى الحكيم فيما يخص ذبح الحمل ـ الذي يرمز للمسيح ـ يقول: ” لا يأكل منه أي أغلف” (خر48:12)، أي غير مختون فهو يعنى أن غير المختون هو غير طاهر. وهو مثال للطبيعة البشرية غير الطاهرة. لأن ما هى طبيعة الإنسان بالمقارنة بنقاوة الله الطبيعية. لذلك إذ ظللنا غير مختونين، أي غير طاهرين فعلينا أن نمتنع عن لمس جسده المقدس، ولكن حينما نصير أطهارًا بالختان الحقيقي للروح فإننا يمكن أن نلمسه، لأن ” ختان القلب هو بالروح” كما يقول بولس (رو29:2).

 

إعطاء الروح القدس يسبق لمس جسد المسيح:

          ولا يمكن أن نُختتن روحيًا إن لم يسكن فينا الروح القدس بالإيمان والمعمودية المقدسة. لذلك فقد كان لائقًا أن تُمنع مريم مؤقتًا من لمس جسده المقدس، لأنها لم تكن قد نالت الروح القدس. فرغم أن المسيح قام من الأموات، ولكن الروح لم يكن قد أُعطى للبشرية من الآب بواسطة المسيح. ولكنه حينما صعد إلى الآب، أرسل الروح إلينا، حسب قوله:       ” خير لكم أن أنطلق، لأني إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت، سأرسله أليكم” (يو7:16). فلأن الروح القدس لم يكن قد نزل بعد ألينا، لأن المسيح لم يكن قد صعد بعد إلى الآب، فهو لهذا السبب منع مريم من لمسه لأنها لم تكن قد أخذت الروح، قائلاً لها: ” لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي“، أي لم أرسل لك بعد الروح القدس.

 

التقديس بالروح القدس يسبق التناول من الجسد والدم:

ومن هنا فإن هذا المثال ينطبق على الكنائس. فإننا نمنع الذين آمنوا بلاهوت المسيح واعترفوا بالإيمان ـ أي الذين أصبحوا موعوظين ـ نمنعهم من الاقتراب من المائدة المقدسة لأنهم لم ينالوا غنى الروح القدس بعد، فإن الروح لا يسكن في الذين لم يقبلوا المعمودية. ولكن حينما يصيرون شركاء الروح القدس، فلا يوجد ما يمنعهم من لمس المسيح مخلصنا. لذلك أيضًا، فكل الذين يرغبون في الاشتراك في الإفخارستيا المقدسة يقول لهم خدام الأسرار الإلهية: ” القدسات للقديسين “، وبذلك يعلمونهم أن الاشتراك في القدسات هو المكافأة التي يحصل عليها الذين تقدسوا بالروح.

 

يو17:20 ”ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم ”.

          منع المسيح مريم من لمسه للأسباب التي قدمناها، رغم أنها في محبتها لله كانت تشتاق جدًا لهذه الهبة؛ ولكنه يكافئها على عنايتها وسهرها ويضاعف تعويضها على إيمانها الحار ومحبتها له، موضحًا أن الذين يجتهدون في خدمته ينالون مكافأة. ولكن ما هو أكثر مجدًا أن مريم حققت خلاص المرأة من الضعفات القديمة؛ لأن فيها هي أولاً ـ أي في مريم ـ كلل جميع جنس النساء بكرامة مضاعفة. فرغم أنها كانت تبكي في البداية على المسيح، ولكنها حوّلت نوحها إلى فرح عندما أخبرها الرب أن تمتنع عن البكاء، وهو الذي حكم على المرأة في القديم أن تُغلب بسهولة من الأحزان، لأن الله قال لها: ” بالحزن تلدين أولادًا” (تك16:3)؛ ولكن كما جعلها تحت الحزن، في الفردوس عندما أصغت إلى صوت الحية وخدمت حيل الشيطان، هكذا فإنه الآن في بستان أيضًا يطلب منها أن تمتنع عن البكاء. ولأنه عتقها من اللعنة التي قيدتها بالحزن، فإنه يطلب منها أن تكون أول مبشر بأخبار الفرح العظيم، وتخبر التلاميذ بصعوده إلى السماء…

 

          لقد فاقت محبة مريم المجدلية للمسيح جميع الآخرين، وهذا، ربما ما جعل يوحنا يذكرها هي وحدها من بين النساء الأخريات، فهي أول من رأى القبر، وكانت في ابستان، وطافت بجميع المواضع القريبة من القبر باحثة عن الجسد لأنها ظنت أن الرب قد أُخذ من القبر…

          فالمخلص أعطى لمريم كرامة ومجدًا وشهرة دائمة بان منحها القيام بواجب البشارة لاخوته حاملة لهم الأخبار السارة التي يقول فيها: ” إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم“…

          لنتأمل كيف أن كلمة الله الابن الوحيد جاء بيننا، لكي نصير نحن مثله، بقدر ما تحتمل طبيعتنا أن تبلغ إلى هذا المستوى من جهة خلقتنا الجديدة بالنعمة. لأنه وضع نفسه لكي يرفع ما هو وضيع أصلاً إلى مقامه العالي الخاص به. ولبس صورة عبد ـ رغم أنه بالطبيعة هو الرب وابن الله ـ لكي يرفع ذلك الذي كان مُستعبدًا بالطبيعة، إلى كرامة البنوة، جاعلاً إياه على شبهه الذاتي، وعلى صورته. كيف وبأي معنى؟ إنه عندما صار واحدًا منا كإنسان، لكي يجعلنا نحن أيضًا نصير مثله، أي آلهة وأبناء، فإنه يأخذ ضعفاتنا في ذاته، ويعطينا صفاته الخاصة، وربما تكون مهتمًا جدًا بهذا السؤال. وهذا ما سأشرحه على قدر ما أستطيع:

          أولاً، رغم أننا عبيد بالرتبة والطبيعة (لأن المخلوقات تحت سلطان خالقها)، فهو الآن يدعونا اخوته، وجعل الله الآب هو الأب المشترك له ولنا، ولأنه جعل البشرية خاصة به باتخاذه شكلنا لنفسه، فإنه يدعو إلهنا إلهًا له بقوله ” إلهي “، رغم أنه ابنه بالطبيعة؛ وذلك لكي نرتفع نحن إلى كرامته الفائقة العظمة بمشابهتنا له (فنحن لسنا أبناء لله بالطبيعة بل هو الابن الذي يصرخ في قلوبنا بروحه يا أبا الآب غل6:4).

          لذلك، لا تعثر عندما تسمعه يدعو الله إلهًا له بقوله “إلهي”، بل بالحري تأمل كلماته بروح مستعدة للتعلّم وتأمل معانيها الحقيقية بانتباه. فهو يقول إن الله أبوه وإنه إلهنا أيضًا وكلا القولين صحيح. لأن إله هذا الكون هو بالحق، أب المسيح، ولكنه ليس أبانا بالطبيعة؛ بل بالحري هو إلهنا لأنه خالقنا وربنا الذي له كل السيادة. ولكن الابن، إذ وحّد نفسه بنا بتجسده فإنه منح لطبيعتنا الكرامة التي له وحده، ودعا ذاك الذي ولده (أي الله الآب) أبًا مشتركًا له ولنا… ومن الجهة الأخرى، فهو باتخاذه شكلنا، فإنه يقبل في نفسه ما يختص بطبيعتنا، فهو يدعو أباه ” إلهي “، لأنه بسبب غنى محبته ورحمته على جنس البشر لم يشأ أن يحتقر صورتنا التي قد اتخذها لنفسه. أما من يريد بجهل أن يعترض على هذا القول ” أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” ولا يقبل أن يقول المخلص عن الله الآب إنه “إلهه”، فهو بهذا الانحراف في الفهم يطعن في خطة فدائنا ذاتها. وبدلاً من أن يقدم الشكر الواجب لله صانع الخيرات لنا فإنه يحتقره، ويعترض بغباوة على الطريقة التي أظهر بها محبته لنا.

          ولكن إن كان الابن قد وضع ذاته ” مستهينًا بالخزى” (عب2:12)، وصار إنسانًا لأجلك، فإن رفضت تواضعه فإنك ستُدان على ذلك، أما هو الذي اتضع لأجلك، فإن الكرامة الواجبة له هي عظيمة بلا حدود…

          لذلك، إذ هو كامل ومكتفٍ بذاته كلية كإله، فإنه وضع نفسه لأجلك وصار في شبهك، ورغم أنه مُمجد مجدًا عاليًا كابن الله ومولود من ذات جوهر الآب، فإنه أنزل نفسه، إذ أخلى ذاته من صفات مجده الإلهي بقدر ما تسمح طبيعته الإلهية بذلك.

          والآن، فهو إله وإنسان معًا، إذ هو فائق المجد بسبب أصله الإلهي (لأنه إله من إله والمولود الحقيقي من أبيه)، وهو أيضًا وُضِعَ لأجلنا (لأنه صار إنسانًا لأجلنا).

          إذن، فلتهدأ نفسك حينما تسمعه يقول: ” أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم“. فمن اللائق جدًا بل والصواب تمامًأ أنه وهو بالطبيعة الإله وابن الله أن يقول عن ذاك الذي ولده إنه ” أبوه “، ولأنه إنسان مثلنا فيحق أن يقول عن الله إنه ” إلهه “….

[1]  أي سر الإفخارستيا كما يتضح من بقية الشرح (المعرب).

 

قيامة المسيح ج2 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج1 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج1 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج1 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

 

قيامة المسيح

من شرح إنجيل يوحنا

للقديس كيرلس الأسكندري

 

يو1:20ـ9

” وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا والظلام باق فنظرت الحجر مرفوعًا عن القبر. فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه وقالت لهما أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه. فخرج بطرس والتلميذ الآخر وأتيا إلى القبر. وكان الاثنان يركضان معا فسبق التلميذ الآخر بطرس وجاء أولاً إلى القبر. وانحنى فنظر الأكفان موضوعة ولكنه لم يدخل. ثم جاء سمعان بطرس يتبعه ودخل القبر ونظر الأكفان موضوعة. والمنديل الذي كان على رأسه ليس موضوعًا مع الأكفان بل ملفوفًا في موضع وحده. فحينئذ دخل أيضًا التلميذ الآخر الذي جاء أولاً إلى القبر ورأى فآمن. لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب أنه ينبغي أن يقوم من الأموات”.

 

          لم تكن هذه المرأة الرائعة التقية لتحتمل أن تلزم بيتها وتترك القبر، لولا خوفها من كسر الوصية بخصوص السبت والعقوبة التي تنزل على الذين يخالفونها، مما خفف من غيرتها المشتعلة، ولذلك خضعت للوصية بحفظ السبت، ولكنها ظلت منشغلة بالتفكير في ذاك الذي كان محور اهتمامها وأشواقها. ولكن حينما مضى السبت، وبدأ فجر الأحد، فإنها أسرعت إلى القبر، وعندما نظرت الحجر مرفوعًا عن باب القبر، سيطرت الشكوك على عقلها. وإذ تذكرت عداوة اليهود الشديدة، ظنت أن جسد يسوع قد أُخذ من القبر ونسبت إليهم هذه الجريمة إضافة إلى شرورهم الأخرى.

          وبينما كانت منشغلة هكذا وتقلّب كل هذه الاحتمالات في فكرها، فإنها جاءت إلى الرجال الذين أحبوا الرب، لتحصل على مساعدة أكثر التلاميذ التصاقًا بالرب في بحثها عن يسوع. وكان إيمانها عميقًا وقويًا ولذلك فلم ينقص المسيح في نظرها بسبب موته على الصليب، بل حتى وهو ميت فهي تدعوه “الرب” كما كانت تدعوه دائمًا قبل موته، وبهذا ظهر أن لها محبة حقيقية لله.

 

          عندما سمع الرجلان ـ أي بطرس ويوحنا (كاتب هذا الإنجيل، الذي يعطي لنفسه اسم التلميذ الآخر)، هذه الأخبار من فم مريم ـ ركضا بأقصى سرعة ممكنة وأتيا إلى القبر ونظرا الأعجوبة بأعينهما، وهكذا صارا مؤهلين للشهادة عن القيامة لأنهما كانا اثنين في العدد وذلك حسب وصية الناموس (” على فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كل كلمة” تث15:15). ورغم أنهما لم يكونا قد التقيا بعد بالمسيح قائمًا من بين الأموات، إلاّ أنهما استدلا على قيامته من وضع الأكفان، وأنه قد حطم رباطات الموت ـ كما سبق أن تنبأت الكتب المقدسة منذ القديم. ولذلك، فيما بعد، حينما نظرا إلى ما حدث في ضوء النبوات التي تأكد صدقها (بالقيامة)، فإن إيمانهما صار راسخًا ومؤسسًا على أساس ثابت.

 

          لاحظوا أن الإنجيلي المبارك يوحنا حينما يخبرنا عن وقت القيامة، يقول: ” وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر والظلام باق“؛ بينما متى عندما يخبرنا عن وقت القيامة يقول إن القيامة حدثت بعد انتهاء الليل. ولا أظن أن أحدًا سوف يتخيل أن الكتب المُوحى بها تختلف حول هذا الأمر أو أن الإنجيليين حددوا أوقاتًا مختلفة للقيامة. لكن كل من يريد أن يبحث معنى الكلمات التي يعطونها عن وقت القيامة سيجد أن البشيرين (متى ويوحنا) متفقان، لأن الفجر ونهاية الليل يعبران عن نفس الوقت، أي عن تلاشي الليل. إذن، لا يوجد تعارض بينهما، لأن الواحد بدأ بسرد الأحداث من نهاية الليل، والآخر بدأ من أول النهار (الفجر) ولذلك يلتقيان في نفس النقطة، أي موت الظلام وتلاشي الليل.

 

يو10:20ـ11

” فمضى التلميذان أيضًا إلى بيتهما. أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي”.

          بعد أن جمع التلميذان الحكيمان الدليل الكافي على قيامة مخلصنا‍ وكانا ينميان في الإيمان الأكيد وغير المُزعزع، ويقارنان الأحداث كما حدثت فعلاً بأقوال الأنبياء في الكتب المقدسة، فإنهما رجعا بسرعة إلى البيت ليطلعا شركائهما (أي بقية التلاميذ) على المعجزة التي حدثت، وبعد ذلك يقرر الجميع ماذا سيفعلون.

 

          ولن نخطئ إن افترضنا أنه كان هناك سبب آخر لعودة التلميذين إلى شركائهما. ولأن شهوة الانتقام عند اليهود قد وصلت إلى ذروتها، وكان رؤساء اليهود متعطشين لسفك دم أي إنسان مُعجب بتعليم مخلصنا وكل من يعترف بقدرته ومجده الإلهيين اللذين يفوقان الإدراك، وفوق الكل كانوا متعطشين لسفك دم التلاميذ القديسين أنفسهم، لذلك تحاشى التلاميذ المواجهة، وتركوا القبر قبل ظهور النهار تفاديًا للخطر ـ لئلا يراهم أحد بالنهار بعد إشراق الشمس. ونحن لا نقول إن الدافع وراء هروب التلاميذ واحتراسهم هو الجبن وعدم الشجاعة؛ بل بالحري ينبغى أن نفترض أن معرفتهم بما كان يمكن أن يحدث لهم قد غرسها المسيح في عقولهم، وهو لم يسمح للذين عينهم لكي يكونوا أنوارًا ومعلمين للعالم، أن يتعرضوا للمخاطر قبل الأوان. لأنه كان ضروريًا أن يظهر صدق قوله الذي قاله عنهم للآب السماوي عندما صلي قائلاً: ” أيها الآب القدوس احفظهم في اسمك الذين أعطيتني.. حين كنت معهم في العالم كنت أحفظهم في اسمك الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد إلاّ ابن الهلاك” (يو12،11:17). لذلك فقد اعتزل التلاميذ وكانوا ينتظرون الوقت الذي ينبغي أن يتكلموا فيه جهارًا. وقد فعلوا هذا طاعة لكلمات المخلص، فقد          ” أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الآب الذي سمعوه منه: لأن يوحنا عمّد بالماء، أما هم فسيُعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثير” (انظر أع5،4:1). وهذا الحدث قد تحقق فعلاً في يوم الخمسين المقدس، حينما ظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم. وعندئذٍ ألبسهم روح الشجاعة العظمى والاحتمال، ورفعهم فوق كل ضعفات البشر، ولذلك واجهوا جنون اليهود بجسارة عظيمة، واعتبروا مؤامراتهم ضدهم لا تستحق حتى مجرد الالتفات. إذن، فقد اختفى التلاميذ الحكماء، بسبب ما استدعته الضرورة ـ كما قلت سابقًا ـ ولم يستعجلوا إظهار أنفسهم.

 

          كانت مريم المجدلية بسبب محبتها للمسيح، متحررة من كل خوف ولم تفكر في غضب اليهود، لذلك جلست تراقب القبر، وإذ كانت في حزن كثير كامرأة فإنها صارت تبكي كثيرًا، وتمسح الدموع التي تفيض باستمرار من عيونها، وتنوح ليس فقط لأن الرب مات، بل ايضًا لأنها ظنت أن جسده أُخذ من القبر.

 

يو11:20ـ13

” أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي وفيما هي تبكي وفيما هي تبكي انحنت ونظرت داخل القبر. فنظرت ملاكين بثياب بيض جالسين واحدًا عند الرأس والآخر عند الرجلين حيث كان جسد يسوع موضوعًا. فقالا لها يا امرأة لماذا تبكين؟ ”.

          لنلاحظ أن الدموع التي تُسكب لأجل المسيح لا تضيع بدون مكافأة، ولا يمضى وقت طويل قبل أن تثمر محبتنا للمسيح ثمرتها، فإن نعمته ومكافأته الغنية ستحيط بنا تمامًا في طريق الألم. لأنه، بينما كانت مريم خارجًا تبكي، وتلطم خديها، نائحة على الرب حبيبها الذي فقدته، منحها المخلص أن تعرف سره بفم الملائكة القديسين. فقد رأت ملاكين بثياب بيضاء، وهذا يشير إلى الجمال الكامل للنقاوة الملائكية. وهذان الملاكان قاطعا نوحها وقالا لها: ” يا امرأة لماذا تبكين؟“. وهما لم يكونا يسألان عن سبب بكائها، لأنهما كانا يعرفان السبب حتى لو لم تخبرهما هي عنه، بل إن الظروف نفسها كانت كافية لكشف سبب بكائها. ولكنهما يطلبان منها أن تكف عن البكاء لأن الوقت ليس وقت الدموع، ولأنها جعلت القيامة التي هي سبب الفرح، سببًا للحزن. وحقًا يقولان لها: لماذا تبكين والموت قد قُهر، والفساد فقد سلطانه، والمسيح مخلصنا قد قام، وخلق طريقًا جديدًا يعود به الموتى من الفساد إلى الحياة. لماذا، تخطئين في اختيار الوقت يا امرأة، ولماذا أنت مثقلة هكذا بآلام مريرة بينما الأحداث نفسها تدعوك إلى الفرح؟، لأنك بالحقيقة ينبغي أن تفرحي وتبتهجي. “لماذا إذن تبكين؟”، إذ أنك بهذه الدموع تقللين من الكرامة اللائقة بحدث مفرح كهذا.

          ظهر الملاكان ” جالسين واحدًا عند الرأس والآخر عند الرجلين، حيث كان جسد يسوع موضوعًا“، وكأنهما بهذا يوضحان للمرأة التى ظنت أن الرب قد أُخذ بعيدًا، أنه ليس هناك من يستطيع أن يأخذ الجسد المقدس بينما الملائكة تقوم بالحراسة والقوات المقدسة تحيط بهيكل الله[1] لأن كل هؤلاء يعرفون ربهم.

 

يو13:20ـ14

” قالت لهما إنهم أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه. ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء فنظرت يسوع واقفًا ولم تعلم أنه يسوع ”.

          مريم لا تكف عن أن تدعو المسيح بالرب مما يدل على محبتها له، ولذلك سمح لها أن تتمتع برؤية من تبحث عنه. فقد رأت يسوع ولكنها لم تفكر أنه هو الذي يقف بالقرب منها. ولماذا؟

 

          السبب في عدم معرفتها، إمّا لأن المسيح مخلصنا أخفى ـ بقوته الإلهية ـ نفسه عنها، ولم يسمح لها أن تتعرف عليه بسهولة؛ أو بسبب أن الوقت كان باكرًا جدًا في الصباح، فلم تستطيع أن تميز بسهولة ما هو أمام عينيها، فالظلام الباقي منعها من ذلك فلم تكتشف ملامح الشخص الذي كان يقترب منها. ويشير الرب يسوع المسيح نفسه في نشيد الأنشاد[2] إلى سيره في الظلام في هذه الليلة وإلى رطوبة ندى الصباح بهذه الكلمات: ” لأن رأسي امتلأ من الطل، وقُصصي من ندى الليل” (نش2:5).

 

يو15:20

” قال لها يسوع يا امراة لماذا تبكين من تطلبين فظنت تلك أنه البستاني فقالت له يا سيد إن كنت أنت قد حملته فقل لي أين وضعته وأنا آخذه ”.

          إذ كان الظلام لا يزال باقيًا والليل لم يكن قد مضى كلية، فإنها ترى يسوع الذي كان واقفًا بالقرب منها ولكنها لم تعرف من هو لأنها لم تكن قادرة على أن تميز شكل جسده أو ملامحه، ولكنها سمعته يقول: ” يا امرأة لماذا تبكين؟“.

          كانت كلمات المخلص رقيقة بحيث كان يمكن أن تبعث فيها هذه الرقة، الشك بأنها صادرة من بستاني. وأيضًا حينما تكلم معها الرب هكذا، لم يكن في حقيقة الأمر يسألها عن سبب بكائها ولا كان يريد أن يسألها عمن تبحث عنه، بل كان بالحري مهتمًا أن يُوقف نوحها وبكاءها مثلما كان يريد الملاكان تمامًا.

          ” لماذا إذن تبكين يا امرأة؟“، هكذا قال لها، من تطلبين؟ فكأنه يقول لها، امسحي دموعك، لأن الذي تبكين عليه وتبحثين عنه هو أمامك. أنا هو الذي تنوحين عليه. أنا هو الذي كنت ميتًا وقد مت بهذه الطريقة البشعة، وأنت تبكين علىّ كأنني حُملت بعيدًا عن القبر. ولكن ها أنا حي، وها أنا هنا، فكفي عن نوحك وبكائك بل بالعكس افرحي. وهكذا فإنه أراد بهذا السؤال أن يضع نهاية لأحزانها.

          لأنه كان من اللائق أن يردنا الرب إلى الفرح بهذه الطريقة. لأنه بمعصية آدم ـ الذي هو باكورة الجنس البشري سرى الحكم إلى العالم كله: ” إنك تراب وإلى التراب تعود” (تك19:3). وقيل للمرأة بوجه خاص ” بالحزن تلدين أولادًا” (تك16:3). فكان نصيب المرأة بواسطة العقوبة هو كثرة الحزن. ولذلك، كان من الضروري أن ذات الفم الذي أصدر الحكم هو نفسه الذي يرفع ثقل اللعنة القديمة، وهو المسيح مخلصنا، الذي يمسح الآن الدموع من عيون المرأة بل بالحري من كل النساء عن طريق مريم المجدلية التي هي كباكورة لهن. فلأنها، وهي أولى النساء كانت حزينة جدًا على موت المخلص وكانت تنوح عليه، فقد حُسبت مستحقة أن تسمع الصوت الذي أوقف بكائها. ولكن قوة الكلمة تمتد في الحقيقة إلى كل جنس النساء اللائي يتألمن من كل عداوة تثور ضد المسيح، واللائي يكرمن الإيمان به واللواتي يصدق عليهن قول المزامير: ” ألاّ أبغض بغيضك يارب وأتألم من الذين يقاومونك؟ بغضًا تامًا أبغضتهم، وصاروا لى أعداء” (مز21:139و22).

          وفي حين أن ربنا يسوع المسيح يقول لها هذا لكي يضع حدًا لبكائها، فإنها ظنت أن الذي يكلمها هو البستاني، وأظهرت كل الاستعداد أن تأخذ الجسد إلى مكان آخر لو أنه دلها أين وضعه. لأنها لم تكن قد أدركت بعد سر القيامة العظيم، فكانت مضطربة بالشكوك.

 

يو16:20

” قال لها يسوع يا مريم. فالتفتت تلك وقالت له (بالعبرانية): ربوني، الذي تفسيره يا معلم ”.

          إنه يناديها لكي يجعلها تتعرف عليه، فقد استنار عقلها حينما ناداها، ثم سمح لها أن تتفرس فيه بدون مانع أو عائق، لأنها بالحقيقة أحبته محبة شديدة. وهو هنا يكاد يوبخها على بطئها في إدراك أنه المسيح، فشيئ من هذا الوبيخ كامن في معنى ندائه لها باسمها. وفي الحال فهمت قصده، وبرؤيتها له طرحت جانبًا شكوكها الأولى، وقدمت له تحية التكريم المعتادة قائلة له: “ربوني” أي يا معلم أو يا سيد. وإذ قد امتلأ عقلها بفرح سماوي أسرعت بشوق شديد لكي تمسك جسده المقدس، وتنال منه بركة.

 

[1] أي جسد المسيح (المعرب).

[2] بروح النبوة قبل التجسد (المعرب).

 

قيامة المسيح ج1 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

 

عظة للقديس كيرلس عمود الدين

عظة 142

عشاء الرب

(تأسيس سر الإفخارستيا)

لوقا17:22ـ22

” ثم تناول كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه واقتسموها بينكم، لأني أقول لكم إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتى ملكوت الله، وأخذ خبزًا وشكر وكسَّر وأعطاهم قائلاً: هذا هو جسدي الذي يُبذل عنكم. اصنعوا هذا لذكرى. وكذلك الكأس أيضًا بعد العشاء قائلاً: هذه الكأس هى للعهد الجديد بدمى الذي يُسفك عنكم، ولكن هوذا يد الذي يسلمني هي معي على المائدة، وابن الإنسان ماضٍ كما هو محتوم، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي يُسلِّمه!”.

 

          إنه أمر يملأنا بكل بركة أن نصير شركاء المسيح بالذهن وبالحواس، لأنه يحلّ فينا، أولاً، بالروح القدس، فنصير نحن مسكنه، بحسب ما قاله فى القديم أحد الأنبياء القديسين: ” لأني سأسكن فيهم وأقودهم وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لى شعبًا ” (حز27:37س).

 

          لكنه هو أيضًا يحلّ داخلنا بطريقة أخرى بواسطة مشاركتنا فى قربان التقدمات غير الدموية التى نحتفل بها فى الكنائس؛ إذ قد تسلّمنا منه النموذج الخلاصى للطقس مثلما يرينا بوضوح الإنجيلى المبارك في النص الذي قرأناه منذ قليل، فهو يخبرنا أنه: ” تناول كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه اقتسموها بينكم “. وبتقديمه الشكر ـ الذي يُقصد به التحدث مع الله الآب فى صيغة صلاة، فإنه يعنى بالنسبة لنا أنه ـ إن جاز القول ـ يشارك ويساهم مع الآب فى مسرته الصالحة فى منحه لنا البركة المحيّية التى أُسبغت علينا حينئذ، لأن كل نعمة وكل موهبة تامة تأتى إلينا من الآب بالابن فى الروح القدس. وإذن فهذا العمل كان نموذجًا لنا لكي نستخدمه فى الصلاة التى ينبغى أن تُقدم، كلما بدأنا أن نضع أمامه نعمة “التقدمة السرية المحيية”[1]، وتبعًا لذلك فإننا اعتدنا أن نفعل هذا، لأننا إذ نقدم أولاً تشكراتنا، مقدمين تسابيحنا لله الآب ومعه الابن والروح القدس، فإننا نقترب هكذا من الموائد المقدسة مؤمنين أن ننال حياة وبركة؛ روحيًا وجسديًا، لأننا نستقبل فى داخلنا كلمة الاب الذي صار إنسانًا لأجلنا، والذي هو الحياة ومعطى الحياة.

 

          لذلك فلنسأل على قدر استطاعتنا، ما هو الرأى الذي نعتقد به عن هذا السر؟ لأنه واجب علينا أن نكون “ مستعدين لمجاوبة كل من يسألنا عن سبب الرجاء الذي فينا” كما يقول الحكيم بطرس (1بط15:3). لأن ” إله الكل خلق كل الأشياء للخلود، وبدايات العالم كانت حياة، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم ” (حكمة24:2)، فقد كانت تلك الحيَّة المتمردة هى التى قادت الإنسان الأول إلى تعدّى الوصية وإلى العصيان، والتى بواسطتها سقط تحت اللعنة الإلهية، وفى شبكة الموت، فقد قيل له: ” لأنك تراب وإلى التراب تعود ” (تك19:3). فهل كان من الصواب أن ذلك الذي خُلق للحياة والخلود، يصير مائتًا ومحكومًا عليه بالموت بدون أية إمكانية للهروب؟ هل ينبغى أن يكون حسد إبليس أكثر قوة وثباتًا من إرادة الله؟ ليس الأمر هكذا؛ بل إن حسد إبليس قد أخفق تمامًا؛ ورحمة الخالق قد فاقت النتائج الشريرة لخبثه. فقد أعطى الله معونة لأولئك الذين على الأرض. فماذا إذن كانت الطريقة التى ساعدهم بها؟ إنها طريقة عظيمة بالحق ورائعة وجديرة بالله، نعم، جديرة لأقصى درجة بالعقل الأعلى (بالله). لأن الله الآب هو حياة بطبيعته؛ ولكونه هو وحده حياة، فقد جعل الابن الذي هو أيضًا حياة، أن يضيء ويشرق. لأنه لا يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك مع ذاك الذي هو الكلمة الذي صدر جوهريًا من الحياة، لأنه يلزم ـ أقول يلزم ـ أن يكون هو نفسه أيضًا حياة، لكونه هو الذي نبع من الحياة، نبع من ذاك الذي وَلَده.

 

          لذلك فإن الله الآب يُعطى الحياة لكل الأشياء بالابن فى الروح القدس؛ وكل ما يوجد ويتنفس فى السماء وعلى الأرض، إنما يأخذ وجوده وحياته من الله الآب بالابن فى الروح القدس. لذلك، لا طبيعة الملائكة ولا أى شئ آخر مهما كان، ممّا هو مخلوق، ولا أى شئ جاء من عدم الموجود إلى الوجود، يمتلك حياة (فى ذاته) كثمرة لطبيعته الخاصة؛ بينما على العكس، فالحياة تنشأ ـ كما قلت ـ من الجوهر الذي يفوق الكلّ، وهو أمر خاص به وحده أن تكون له القدرة على إعطاء حياة، وذلك بسبب أنه هو بالطبيعة الحياة.

 

          إذن، فكيف يمكن للإنسان على الأرض، الذي هو ملتحف بالموت أن يعود إلى عدم الفساد (عدم الفناء)؟. أجيب بأنه يلزم لهذا الجسد المائت أن يُصيّر شريكًا للقوة المحيّية التى تأتى من الله. لكن قوة الله الآب المحيّية هى الكلمة الوحيد الجنس، وهو الذي أرسله لنا (الآب) كمخلص ومحرر. أما كيف أرسله لنا، فهذا ما يخبرنا به بوضوح يوحنا الإنجيلى المبارك عندما يقول: ” والكلمة صار جسدًا وحل فينا” (يو14:1). لكنه صار جسدًا دون أن يخضع لأى تغيّر أو تحوّل إلى ما لم يكونه، ودون أن يتوقف عن أن يكون هو الكلمة ـ لأنه لا يعرف ما معنى أن يعانى ظل تغيير، بل بالحرى بكونه وُلِدَ بالجسد من امرأة وأخذ لنفسه ذلك الجسد منها، لكيما إذ قد غرس نفسه فينا باتحاد لا يقبل الانفصال، يمكنه أن يرفعنا فوق سلطان الموت والانحلال كليهما معًا. وبولس هو الشاهد لنا، حيث يقول عنه وعنا: ” فإذ قد تشارك الأولاد فى اللحم والدم اشترك هو أيضًا كذلك فيهما، لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أى إبليس، ويُعتق أولئك الذي خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية، لأنه حقًا ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم، من ثمّ كان ينبغى أن يشبه إخوته فى كل شئ ” أى يشبهنا (عب14:2ـ17). لأنه صار مثلنا، وكسى ذاته بجسدنا، لكيما بإقامته إياه (الجسد) من الموت، يعد ـ من الآن فصاعدًا ـ طريقًا يمكن به للجسد الذي وُضع (أُذل) حتى الموت، أن يعود من جديد إلى عدم الفساد (عدم الفناء). لأننا متحدون به مثلما كنا أيضًا متحدين بآدم، عندما جلب على نفسه عقوبة الموت. وبولس يشهد لهذا، إذ كتب هكذا فى أحد المرات:” فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات” (1كو21:15) ويقول أيضًا: “ لأنه كما فى آدم يموت الجميع، هكذا فى المسيح سَيُحيا الجميع” (1كو22:15). لذلك فإن الكلمة، إذ وحَّد مع ذاته ذلك الجسد الذي كان خاضعًا للموت، فلكونه الله والحياة، فقد طرد منه الفساد (الانحلال)، وجعله أيضًا يصير مصدر الحياة؛ لأنه هكذا ينبغى أن يكون جسد ذاك الذي هو الحياة.

 

          ولا تكونوا غير مصدقين لما قلته، بل بالحري اقبلوا الكلمة بإيمان بعد أن جمعتُ براهين من أمثلةٍٍ قليلة. عندما تطرحون قطعة خبز فى خمر أو زيت أو أى سائل آخر، فستجدون أنها صارت تحمل خاصية ذلك السائل الخاص، وعندما يوضع الحديد فى النار، فإنه يصير ممتلئًا بكل فاعليتها؛ وبينما هو بالطبيعة حديد، لكنه يعمل بقوة النار. وهكذا كلمة الله المحيى، إذ قد وحَّد نفسه بجسده الخاص بطريقة معروفة لديه (فقط)، فقد منحه قوة إعطاء الحياة. وهو نفسه يؤكد لنا هذا بقوله: ” الحق أقول لكم من يؤمن بى فله حياة أبدية، أنا هو خبز الحياة ” (يو47:6،48) وأيضًا: ” أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء، إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطى هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم. الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير، لأن جسدى مأكلٌ حقٌ، ودمى مشربٌ حقٌ، من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فىَّ وأنا فيه. كما أرسلني الآب الحي وأنا حي بالآب، فمن يأكلنى فهو يحيا بى” (يو53،51:6ـ57). لذلك عندما نأكل الجسد المقدس الذي للمسيح مخلصنا جميعًا، ونشرب دمه الثمين، تكون لنا حياة فينا، بكوننا جُعلنا واحدًا معه، كائنين فيه ومقتنين له أيضًا فينا.

 

          لا تدعو أحدًا من أولئك الذين اعتادوا عدم التصديق أن يقول: ” إذن، حيث إن كلمة الله لكونه بالطبيعة الحياة، وهو يقيم أيضًا فينا، فهل جسد كل واحد منّا سيُمنح أيضًا القوة لإعطاء الحياة؟ من يقول ذلك فليعلم بالأحرى أنه شئ مختلف تمامًا، بين أن يكون الابن فينا بمشاركة نسبية، وبين أن يصير هو نفسه جسدًا؛ أى أن يجعل ذلك الجسد الذي أُخذ من العذراء القديسة خاصًا له (أى يجعله جسده الخاص). لأنه لا يُقال عنه إنه صار متجسدًا، أو صار جسدًا، بوجوده فينا، بل بالحري فإن هذا حدث مرة واحدة عندما صار إنسانًا دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. لذلك فإن جسد الكلمة كان هو ذاك الذي اتخذه لنفسه من العذراء القديسة وجعله واحدًا معه؛ أما كيف أو بأية طريقة حدث هذا، فهو أمر آخر لا يمكننا أن نخبر به، لأنه أمر غير قابل للشرح ويفوق تمامًا قدرات العقل، وكيفية هذا الاتحاد هى معروفة له هو وحده فقط.

 

          لذلك، كان يليق به أن يكون فينا إلهيًا بالروح القدس، وكذلك أيضًا ـ إن جاز القول ـ يمتزج بأجسادنا بواسطة جسده المقدس ودمه الثمين، اللذين نقتنيهما أيضًا كإفخارستيا معطية للحياة فى هيئة الخبز والخمر، إذ، لئلا نرتعب برؤيتنا جسدًا ودمًا (بصورة حسية) فعلية، موضوعين على الموائد المقدسة فى كنائسنا، فإن الله إذ وضع (أنزل) ذاته إلى مستوى ضعفاتنا، فإنه يسكب فى الأشياء الموضوعة أمامنا قوة الحياة، ويحوّلها إلى فاعلية جسده، لكيما نأخذها لشركة معطية للحياة، وكى يوجد فينا جسد (ذاك الذي هو) الحياة، كبذرة تنتج حياة. ولا تشك فى أن هذا حقيقى، حيث إنه هو نفسه قال بوضوح: ” هذا هو جسدى، هذا هو دمى“، بل بالحري إقبل كلمة المخلص بإيمان، لأنه هو لكونه الحق، فلا يمكنه أن يكذب. وهكذا سوف تكرِّمه، لأنه كما يقول يوحنا الحكيم جدًا: “من قِبل شهادته فقد ختم أن الله صادق، لأن الذي أرسله الله يتكلم بكلام الله” (يو34،33:3). لأن كلام الله هو طبعًا صادق ولا يمكن أبدًا أن يكون كاذبًا؛ لأنه وإن كنا لا نفهم بأية طريقة يعمل الله مثل هذه الأعمال، لكن هو نفسه يعرف طريقة (عمل) أعماله. لأنه عندما لم يفهم نيقوديموس كلمات الرب المختصة بالمعمودية المقدسة وقال بجهل: ” كيف يمكن أن يكون هذا؟” (يو9:3)، فإنه سمع المسيح يجيب قائلاً: ” الحق أقول لك إننا إنما نتكلم بما نعلم ونشهد بما رأينا ولستم تقبلون شهادتنا، إن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون، فكيف تؤمنون إن قلت لكم السماويات؟ ” (يو11:3،12) لأنه كيف يمكن لإنسان أن يعرف تلك الأشياء التى تعلو على قدرات إدراكنا وعقلنا؟ لذلك، فلنكرّم سرّنا الإلهي هذا، بالإيمان….

          (ممجدين المخلص) الذي به ومعه يليق لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الهدور آمين.

 

3 هذا التعبير يستخدمه الآباء كثيرًا عن الإفخارستيا .

 

عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

 

عظة للقديس كيرلس عمود الدين

عظة 141

تُقرأ يوم الخميس فى أسبوع السر[1]

لوقا7:22ـ16

” وجاء يوم الفطير الذي ينبغي أن يُذبح فيه الفصح، فأرسل بطرس ويوحنا قائلاً اِذهبا وأعدا لنا الفصح لنأكل، فقالا له أين تريد أن نعد؟ فقال لهما إذا دخلتما المدينة يستقبلكما إنسان حاملٌ جرة ماء، اتبعاه إلى البيت حيث يدخل وقولا لرب البيت يقول لك المعلم أين الغرفة التى آكل فيها الفصح مع تلاميذى؟ فيريكما عِلِّيَّة كبيرة مفروشة؛ هناك أعدا، فانطلقا ووجدا كما قال لهما. فأعدا الفصح”.

        ولما كانت الساعة جلس للأكل والاثنا عشر رسولاً معه، وقال لهم: شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم. لأني أقول لكم إني لا آكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله”.

 

          إن الناموس بظلاله سبق فأشار منذ القديم إلى سر المسيح؛ والمسيح نفسه يشهد عن هذا عندما قال لليهود: ” لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوننى لأنه هو كتب عنى ” (يو46:5)، ففى كل موضع (فى الناموس) توضح الظلال والمثالات لنا، المسيح مذبوحًا لأجلنا “كالحمل” الذي بلا عيب حقًا، كما توضحه مقدِّسًا إيانا بواسطة دمه المعطى الحياة..، وبالإضافة إلى ذلك فإننا نجد كلمات الأنبياء القديسين فى توافق تام مع كلمات موسى الحكيم جدًا، كما يقول بولس ” لكن لما جاء ملء الزمان ” (غل4:4)، الزمان الذي كان فيه كلمة الله الوحيد على وشك أن يخلى ذاته، وأن يحتمل الولادة بالجسد من امرأة ويخضع للناموس، بحسب القياس المناسب للطبيعة البشرية، وبعد ذلك قدم نفسه ذبيحة لأجلنا، مثل الحمل الذي بلا عيب حقًا، فى اليوم الرابع عشر من الشهر الأول. وهذا العيد كان يُدعى ” الفصح” (بصخة Pascha) وهى كلمة باللغة العبرية وتعنى العبور، لأنهم هكذا يفسرونها ويقولون إن هذا هو معناها.

          إذن يجب أن نشرح ما هو هذا الشيء الذي نعبر منه وما هو البلد الذي نسير نحوه، وبأى طريقة نحقق مسيرتنا، فإنه كما أن إسرائيل قد أُنقذ من طغيان المصريين وفك عنقه من نير العبودية وصار حُرًا، وإذ هرب من عنف الطاغية، فإنه عبر بأقدام جافة ـ بطريقة عجيبة يعجز اللسان عن وصفها ـ وسط البحر، وارتحل تجاه الأرض الموعود بها؛ هكذا نحن أيضًا الذين قبلنا الخلاص الذي فى المسيح، يجب علينا ألاّ نرضى بالبقاء بعد فى أخطائنا السابقة، وألاّ نستمر فى طرقنا الشريرة بل بشجاعة نعبر بحر اضطراب هذا العالم الباطل، وعواصفه. وهكذا فإننا نعبر من محبة الجسد إلى التعفف؛ من جهلنا السابق إلى معرفة الله الحقيقية؛ من الشر إلى الفضيلة؛ ونعبر بالرجاء من لوم الخطية إلى أمجاد البر؛ ومن الموت إلى عدم الفساد. لذلك فإن العيد الذي حمل فيه عمانوئيل صليب الخلاص لأجلنا يُسمى الفصح.

          لكن لننظر إلى الذي هو الحق والذي لا يزال يُكرّم بالرموز التى كانت تشير إليه، وهو لا يزال يسمح للظلال بأن تكون صادقة، إذ يقول النص: “ولما جاء يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يُذبح فيه الفصح “، فأرسل للمدينة تلميذين مختارين من الرسل القديسين، وهما بطرس ويوحنا قائلاً : “سوف يستقبلكما إنسان حامل جرة ماء، اتبعاه إلى البيت حيث يدخل، وقولا لرب البيت: يقول لك المعلم أين الغرفة التى آكل فيها الفصح مع تلاميذى؟“. لكن ربما يقول أحدهم، لماذا لم يذكر لهما بوضوح اسم الرجل الذي أرسلهما إليه؟ لأنه لم يقل: عندما تمضون إلى فلان أو فلان ـ وهناك أعدا الفصح فى بيته، لكن فقط أعطاهما علامة ـ ” إنسان حامل جرة ماء“. فبماذا نجيب على هذا الكلام؟ انظروا! فإن يهوذا الخائن كان قد سبق فوعد اليهود أن يسلمه لهم، وكان مستمرًا فى صحبته (للمسيح) يرقب فرصة ليسلمه، وبينما كان لا يزال يعلن الحب الواجب من التلميذ لمعلمه فإنه قد سمح للشيطان أن يدخل قلبه، وكان يتمخض بجريمة القتل ضد المسيح مخلصنا جميعًا. لذلك أعطى المسيح علامة (للتلميذين) لكي يمنعه من معرفة من هو ذاك الشخص، فيسرع يهوذا ليخبر أولئك الذين استأجروه. لذلك قال: “يستقبلكما إنسان حامل جرة ماء“.

          أو ربما يتكلم المسيح هكذا ليشير بهذا إلى سر مهم، لأنه حيث تدخل المياه ـ أى المعمودية المقدسة ـ فهناك يسكن المسيح، كيف أو بأية طريقة؟ ذلك لأنها تحررنا من كل نجاسة، ونُغسل بواسطتها من أدناس الخطية، ولكي نصير أيضًا هيكلاً مقدسًا لله وشركاء فى طبيعته الإلهية بشركة الروح القدس. لذلك فلكي يستريح المسيح ويقيم فينا، فلنقبل المياه الخلاصية معترفين أيضًا بالإيمان الذي يبرر الأثيم. ولكى يرفعنا عاليًا لكى ما نُحسب عِلِّيَّة، لأن أولئك الذين يسكن فيهم المسيح بالإيمان لهم ذهن مرتفع عاليًا، يبغض الزحف على التراب، ويرفض الالتصاق بالأرض، وفى كل شئ يطلب ما هو سامٍ فى الفضيلة، لأنه مكتوب:” لأن أعزاء الله قد ارتفعوا عاليًا (فوق الأرض)” (مز9:46س)، لأن ليس لهم هنا مدينة باقية لكنهم يطلبون العتيدة (انظر عب14:13)، وبينما هم يسيرون على الأرض، فإنهم يفكرون فى تلك الأمور التى فوق، وسيرتهم (مدينتهم) هى فى السماء (انظر فى20:3).

          يمكننا أيضًا أن نلاحظ أمرًا صحيحًا وعجيبًا، يحدث دائمًا بيننا؛ وأعنى به أن من يقدرون حياتهم الجسدانية كثيرًا، عادةً يكونون منتفخين وقلوبهم مملوءة من الكبرياء الملعونة والمكروهة من الله؛ لكن مع ذلك ربما يؤتى بهم إلى الانكسار (فيما بعد) وهم لا يزالون على الأرض؛ بينما أولئك المساكين بالروح ينالون الرفعة بواسطة الكرامة والمجد اللذين يأتيان من الله. كما يكتب تلميذ المسيح قائلاً: ” ليفتخر الأخ المتضع بارتفاعه، وأما الغنى فباتضاعه لأنه كزهر العشب يزول ” (يع9:1،10). لذلك لا يخطئ من يقول إن نفس كل قديس هي ” عِلِّيَّة “.

          بعد ذلك لما أعدّ التلاميذ الفصح، أكل المسيح معهم، ولكونه طويل الأناة مع الخائن، فإنه تفضل بقبوله على مائدة الفصح بدافع شفقته المملوءة حبًا وغير المتناهية؛ لأن يهوذا كان قد صار خائنًا إذ أن الشيطان كان ساكنًا فيه. وقال المسيح أيضًا لرسله القديسين: ” شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم“. لنفحص المغزى العميق لهذا التعبير، ولنفتش عن المعنى المختفي فيه، وما الذي كان يقصده المخلّص.

لذلك حيث إننى سبق أن قلت إن التلميذ الطمّاع كان يطلب فرصة ليسلمه، ولكي لا يسلمه لقاتليه قبل عيد الفصح، فإن المخلّص لم يعلن لا عن البيت ولا عن الشخص الذي سيحتفل عنده بالعيد، ولكى يشرح لهم سبب عدم رغبته فى أن يصرّح له علانية باسم من سيذهب عنده، قال لهم: ” شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم“؛ وكأنه يقول: إننى اجتهدت بكل حذر لكى أتمكن من الإفلات من خبث الخائن، لكيلا احتمل آلامى قبل وقتها.

          ” ولكنى لا آكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله“. وبهذا الكلام أيضًا ينطق المسيح بحقيقة عميقة وسرية، لكن هو نفسه يكشف معناها لنا لأن من عادته أن يطلق اسم “ملكوت السماوات” على ” التبرير بالإيمان”، وعلى التطهير الذي يتم بالمعمودية المقدسة وشركة الروح القدس وعلى تقديم العبادة الروحية التى صارت الآن ممكنة بالدخول فى وصايا الإنجيل. لكن هذه الأشياء هى الوسائط التى تجعلنا شركاء فى المواعيد وفى المُلك مع المسيح؛ لذلك يقول: لن اقترب من مثل هذا الفصح بعد ذلك، أي ذلك الفصح الذي يتكون من أكل رمزى ـ لأن حملاً من القطيع ذُبح ليكون مثالاً للحمل الحقيقى (ويكمل) ” حتى يكمل فى ملكوت الله “، أى إلى حين مجيء الوقت الذي فيه يُكرز بملكوت السماوات. لأن هذا يتحقق فينا نحن الذين نكرّم العبادة التى هى أعلى من الناموس والتى هي الفصح الحقيقي، فالذي يُقدِّس الذين هم فى المسيح ليس خروفًا من القطيع، بل بالحرى المسيح نفسه (هو الذي يقدسهم)، الذي جُعِلَ “ذبيحة مقدسة” لأجلنا، “بتقديم قرابين” غير دموية، وتقديم “الشكر” السرى، الذي فيه ننال “البركة” ونُعطَى الحياة بالحياة[2]. لأنه هو صار لنا الخبز الحي الذي نزل من السماء والذي يعطى الحياة للعالم (انظر يو33:6، 50)، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان، مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

[1] يوصى القديس كيرلس الكبير أن تُقرأ هذه العظة يوم الخميس فى أسبوع السر، ويقصد الأسبوع الذي تحقق فيه سر الخلاص بتأسيس الإفخارستيا والصلب والقيامة.

[2] هذه الفقرة الهامة هى باللغة اليونانية كما يلي:

¢g…wj ƒerourgoÝmenoj di¦ tÁj mustikÁj eÙlog…aj, kaq’ ¿n eÙlogoÚmeqa kaˆ zwopoioÚmeqa.

إن الكلمة `Ierougšw ” يخدم فى خدمة مقدسة”،  هذه الكلمة هى كلمة رسولية واردة فى رومية16:15 (ƒerourgoàvta to euaggšlion) وتُرجمت فى طبعة دار الكتاب المقدس “مباشرًا لإنجيل الله ككاهن ” وترجمتها الدقيقة ” خادمًا فى الخدمة الكهنوتية لإنجيل الله ” . وكذلك الكلمة eÙlog…a = ” البركة ” كانت تُطلق فى العصور الأولى بصفة ثابتة على الإفخارستيا المقدسة بالاستناد إلى كورنثوس الأولى 16:10 ” كأس البركة to pot»rion thj eÙlog…aj”. إن استخدام هذه الكلمات يظهر العلاقة الوثيقة التكاملية بين الحياة الليتورجية للمسيحيين الأُول وبين فهمهم للكتب المقدسة. (هذه الملاحظات لمترجم النص الإنجليزى لتفسير إنجيل لوقا Payne Smith سنة 1859).

 

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

Exit mobile version