قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

 

          إن الفقراء الذين يحرصون على حضور الاحتفالات، يكرّمون هذه المناسبات بنفس مستعدة وباعتزاز كبير، حتى ولو لم يكن لديهم الإمكانيات لهذا الاحتفال المنشود، فإنهم يطلبون أفضل ما عند الأقارب والمعارف من أشياء تجعلهم يظهرون بأفضل صورة وأبهى منظر، من أجل المشاركة في مثل هذه المناسبات[1]. وكما أعتقد فإن هذا يحدث لى اليوم، فليس لدىّ أى شئ ثمين يمكن تقديمه في أمجاد هذا اليوم، لكنى سألجأ إلى نص التسبيح المقدس، الذي رتلناه منذ قليل.

من هناك سآخذ الدافع وسأسدد دينى من خلال هذا الترابط الذي يجمع بين كلماتى والكلمات الكتابية، على الرغم من أن العبد الفقير كان قد رتب بعض الأوقات، لكى يقدم كلمات الإمتنان والشكر للرب. هكذا قال داود وقلنا نحن معه ” سبحوا الرب يا كل الأمم مجدوه يا كل الشعوب[2]. فهو يدعو للتسبيح كل أحفاد آدم ، وهو لا يترك أحد خارج هذه الدعوة، سواء في الغرب أو في الشرق، من هذا المكان أو من ذاك، في الشمال أو الجنوب، فهو يُنهض الجميع معًا للتسبيح.

وفي مواضع أخرى يتوجه لمجموعات من البشر، داعيًا إياهم أبرارًا، حاثًا الأطفال على التسبيح[3]. لكن الآن هو يجمع كل الأمم والشعوب من خلال هذا المزمور ” سبحوا الرب يا كل الأمم مجدوه يا كل الشعوب “. أى عندما ” تزول هيئة هذا العالم[4] كما يقول الرسول بولس.

ويظهر المسيح كملك وإله، مسكتًا أيضًا كل فم، وواضعًا لجامًا على كل كلمة مجدفة، وعندما يتوقف عبث اليونانيين وخداع اليهود، وهذيان الهراطقة المنفلت، حينئذٍ فإن كل الأمم وكل الشعوب في كل العصور سيقدمون طوعًا، سجودًا بلا اضطرار، وسيمجد الأبرار والجاحدون اسم الله القدوس بحرارة. حينئذٍ سيُرتل الجميع تسبحة النصرة، المنهزمون والمنتصرون. حينئذٍ سيرى الجميع المسئول عن القلاقل (أى الشيطان) الذي حلم بعرش الرب، والملائكة تجره للعقاب المحتوم، هو وأعوانه وخدامه الأشرار، وسيُقَدمونهم للدينونة العادلة.

وسيُستعلن الملك والديان الواحد، الرب الذي يعترف له الجميع، وسيسود العالم الهدوء، عندما يجلس الديان على عرشه، والمبشر يلتزم الصمت، والشعوب بأعين وآذان مفتوحة تنتظر سماع صوت الخليقة.

ولهذا نقول مع المرنم ” سبحوا الرب يا كل الأمم، مجدوه يا كل الشعوب ” سبحوه كقادر، مجدوه كمحب البشر، لأنه حينما سقطنا ومتنا، أعطانا حياة وجعل إناءنا الضعيف جديدًا وشابًا، وغيّر الرفات الكريهة داخل القبر إلى حياة خالدة بسبب محبته غير المحدودة للبشر، والنفس التي تركت الجسد منذ آلاف السنين، كما لو كانت في رحلة بعيدة، أعادها إلى بيتها، دون أن يجد أى صعوبة في ذلك، على الرغم من عنصر الزمن وانفصال النفس عن الجسد منذ وقت بعيد، لكنه يصنع هذا، بطريقة أكثر سهولة من طيران طائر نحو عشه.

          لنتحدث إذن عن الأمور الخاصة بهذا الإحتفال (القيامة)، لكى نحتفل بما يتناسب مع طبيعة هذا الإحتفال. لأن كل ما هو غير لائق وبلا هدف، هو بلا نظام كما أنه يتسم بالغرابة، بجانب أنه لا ينفع في شئ،  ليس فقط من جهة العقيدة والإيمان، ولكن أيضًا فيما يختص بالأمور المتعلقة بالحكمة الخارجية العالمية.

لأنه أين هو الخطيب، الذي يحمل هذا القدر من الحماقة والمثير للهزل، الذي عندما يدعونه في احتفال زواج، يترك الحديث المناسب واللائق الملىء بفرح الاحتفال، ويبدأ في الرثاء بأغنيات حزينة وينوح داخل قاعة الفرح لأجل مصائب هذه الكارثة، أو العكس عندما يُعهد إليه أن يرثى إنسان توفى، فينسى الأسى ويبدو عليه الفرح وسط أناس مملوئين بالحزن؟ فإن كان النظام والمعرفة في الأمور العالمية هو أمر حسن، فبالطبع يكون الأمر أكثر ملاءمة في الأمور الأعظم والأسمى.

          إذن فقد قام المسيح اليوم، وهو الحى إلى الأبد، هذا الذي لم يُجبر على الآلام، ولم يلزمه أحد أن ينزل عن سمائه، ولم تكن قيامته بمثابة إحسان عليه من آخر أو كأمر غير متوقع وغير مأمول، لكنه كان يعرف سير الأحداث كلها حتى النهاية. فهو بعينه الإلهية لديه المعرفة بكل الأمور التي ستحدث، فقد رأى قبل أن ينزل من السموات، اضطرابات الأمم، وقساوة إسرائيل، وبيلاطس وهو يجلس على عرشه، وقيافا وهو يمزق ثيابه، رأى الشعب وهو يثور بحدة، ويهوذا يخون، وبطرس يدافع عنه، ورأى إستعلان قيامته المجيدة قبل أن تحدث.

فقد كان يعرف مسبقًا كل المستقبل، ولم يؤجل إحساناته للإنسان، ولم يجعل التدبير بعيدًا، لكن مثلما يصنع أولئك الذين ينظرون شخصًا ضعيفًا تسحبه المياه المتدفقة إلى الأخوار أو الوديان الضيقة، فعلى الرغم من معرفتهم أنهم قد ينزلقون في الوحل الكثيف ويتعرضون للإصطدام بالحجارة التي تحركها المياه المندفعة، لكنهم لا يترددون عن الدخول في هذه الوديان الضيقة، لأجل محبتهم لذاك الذي تهدده الأخطار، هكذا مخلّصنا محب البشر لقد قَبِل السباب والشتائم، من أجل محبته لذاك الذي خُدع، وسار نحو الضياع.

أتى إلى العالم، لأنه تنبأ بصعوده الممجد قبل أن يموت كإنسان، وعرف مسبقًا بقيامته. لم يخاطر مثل إنسان عادى لا يُدرك ما يحمله له المستقبل من عواقب، لأنه يعرف كل التفاصيل الخفية لهذا المستقبل، ولهذا فقد دبر خطته بطريقة حاسمة ومعروفة.

هذا هو اليوم الذي صنعه الرب. نبتهج ونفرح فيه[5] لا بسكر وضحكات، لا برقص ومشروبات، لكن ” نبتهج ونفرح ” بأفكار إلهية. اليوم نستطيع أن نرى كل المسكونة كعائلة واحدة، تجمعت من أجل هدف واحد. فقد تجمعت تحت شعار واحد، وهو الرغبة في التسبيح والصلاة.

ولهذا فإن الطرق الكبيرة قد خلت من مسافريها، والبحر اليوم يفتقد المراكب والبحارة، الفلاح ترك الفأس والمحراث وتزين بملابسه الإحتفالية، البيع والتجارة توقفا، الأحزان تراجعت، مثلما يتراجع الشتاء عندما يظهر الربيع، الضوضاء والاضطرابات ومتاعب الحياة تراجعت أيضًا أمام سلام الاحتفال.

الفقير تزّين مثل الغنى، والغنى يظهر أكثر إشراقًا مما إعتاد عليه، الشيخ يركض كشاب، لكى يأخذ نصيبه من الفرح، المريض يتجاوز مرضه، الطفل يبدل ملابسه ويحتفل بأحاسيسه لأنه لا يستطيع بعد أن يحتفل ذهنيًا. ونفس العذراء تستضئ، لأنها ترى أن رجاءها المنتظر يشرق لقبول مثل هذه الكرامة.

المتزوجة تحتفل وتفرح مع كل ملء بيتها. لأن الجميع يفرحون اليوم، الزوج والأولاد والخدم وكل أهل البيت. ومثلما يحدث مع مجموعات النحل المولودة حديثًا والتي تطير لأول مرة خارجة من الخلية ومن ثقوبها نحو الهواء والنور، متحدين جميعًا الواحدة مع الأخرى مجتمعين بفروع الأشجار، هكذا نرى في هذا الاحتفال أن كل العائلات تجتمع معًا في المدينة الأم.

وبالصواب يُقال إن هذا اليوم هو حقًا انعكاس لليوم المنتظر. لأن في الحالتين يجتمع الناس، في اليوم المنتظر، الجميع بشكل عام يجتمعون، وفي هذا اليوم تجتمع مجموعات مختلفة. ولكى نقول الحقيقة الأكثر وضوحًا، من جهة التساؤل عن أيهما يثير بهجة وفرح أكثر، فإن هذا اليوم (المحتفل به) هو أكثر فرحًا من اليوم المنتظر. لأن في اليوم المنتظر بالضرورة سنشاهد أولئك الذين ينوحون، وأولئك الذين تُستعلن خطاياهم، بينما سعادة اليوم لا يعتريها أى كآبة.

البار يبتهج، والذي لا  يحمل ضمير نقى، ينتظر تقويمه بالتوبة، ويختفى كل أسى في هذا اليوم، ولا أحد ينتابه أى حزن، بل يشعر بالراحة بسبب عظمة هذا الاحتفال. اليوم يُفك المربوط من قيوده، والمدين يُسدد عنه دينه، والعبد يُحرر بدعوة الصلاح ومحبة البشر التي للكنيسة، لا يُهان بصفعات على وجهه ولا بضربات، ويُسامح لأجل ضربات أعطاها، ولا يصنع استعراضًا أمام الشعب من فوق منصة عالية كبداية لتحرره، وهو مُهان ويشعر بالخجل، لكن كما هو معروف يُسامح بكرامة كبيرة، وذاك الذي مازال بعد في العبودية يُنعم عليه بالحرية. لأنه وإن كانت الخطايا كثيرة وثقيلة، تلك التي تتجاوز حدود الصفح والغفران، فإن السيد (الذي يملك العبد) يقدس قيم السلام ومحبة البشر التي يحملها هذا الاحتفال، ويعفو عن المنحرف والآثم، كما عفى فرعون عن رئيس السقاة، ورده إلى سقيه[6]. ولأننا نحتفل اليوم بالقيامة، والتي هى عربون قيامتنا العتيدة، فهو يدرك (أى السيد) أنه هو أيضًا في ذلك اليوم في احتياج لغفران وصلاح الرب. لذلك فإنه يُظهر هنا أحشاء رأفة، ويترجى المجازاة في يوم القيامة العتيدة. اسمعوا هذا أيها السادة، احفظوا إرشادى كأمر نافع، لا تتهموننى باطلاً من أجل دفاعى عن العبيد، كأننى أمتدح كذبًا هذا اليوم (أى يوم الاحتفال بعيد القيامة) اطردوا حزن النفوس المغتمة، كما محاه الرب من النفوس، غيروهم من أناس بلا كرامة، واجعلوهم مكرمين، ادخلوا الفرح لقلوب الحزانى وشجعوا الضعفاء ليصيروا أقوياء، وأخرجوهم من عزلتهم، كما يخرج الأموات من القبر، وليشرق بهاء هذا الاحتفال في الجميع، كما لو كان زهرة يانعة. فإن كانت السجون تُُفتح في احتفالات عيد ميلاد الملك أو الإحتفال بانتصار ما، ألا يُخلّص المسيح القائم، أولئك الحزانى؟ أيها الفقراء، احتضنوا مرضعتكم، وكل مَن يحمل جسد ضعيف ومهان، فإن هذه (الكنيسة) هى التي تشفى أوجاعكم. لأن رجاء القيامة يخلق فينا، شهوة الفضيلة وبغضة الخطية، لكن عندما تُنكر القيامة، سيكون هناك شئ واحد لدى الجميع ” فلنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت[7].

          في هذا اليوم، نجد الرسول بولس يستهين بهذه الحياة الحاضرة، ويترجى حياة الدهر الآتى. مُقللاً من شأن الأمور الظاهرة قائلاً ” إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس[8]. وبسبب هذا اليوم، فإن الناس، هم ورثة الله وورثة مع المسيح. في هذا اليوم، الأجزاء الجسدية التي التهمتها الطيور الجارحة منذ آلاف السنين ستكتمل، وأيضًا التي التهمتها الحيتان وكلاب البحر والحيوانات البحرية عندما يقوم الإنسان، ستقوم معه أيضًا هذه الأجزاء. الأجساد التي أحرقتها النيران والتي أكلتها الحشرات داخل القبور، وبشكل عام كل الأجساد التي أبادها الفساد، ستقوم بلا فساد، وكما يُعلّم القديس بولس، فإن القيامة ستحدث في طرفة عين[9]. لكن أنت تفكر كإنسان، وبحسب قدرتك، تحسب كم يحتاج الأمر من السنين لكى يتحقق هذا؟ أولاً: لكى يمكن أن تتجمع العظام التي فسدت، لكى تتحد مرة أخرى، في صلة طبيعية وترابط منسجم بعد أن كانت متفرقة. ثانيًا: تفكر في تغطية العظام بالأجساد، والتشابكات المعقدة للأعصاب، والأوعية الدموية الدقيقة والشرايين الممتدة تحت الجلد، بعددها الذي لا يحصى والذي ينتشر في الخلايا الدفينة، ومن أين تعرف كل واحدة مكانها المحدد، كزى خاص بها، وتتحد مباشرةً مرة أخرى بهذا الجسد وتختاره بدون خطأ، وسط هذا العدد الضخم من الأجساد المتشابهة. تأّمل النفوس والأجساد منذ آدم، أعداد غير متناهية من الأجساد تحللت، ثم عودة أصحابها بعد أحقاب زمنية طويلة، كل هذا يتم بأسلوب عجيب. فلا هذا الجسد يتأخر عن أن يُسكن، ولا ساكنه يضل عنه، ويسهر على الباب طالبًا سكنه الخاص به. لكنها تتقدم نحوه مباشرةً، كما تتجه الحمامة إلى عشها، حتى ولو كان هناك أبراج كثيرة ومتتابعة في نفس المكان، ولها تصميم واحد. كيف تتشكل الذاكرة والتفكير التي للحياة السابقة وبهذا القدر من السرعة، بينما الجسد الحى قد تحلل منذ قرون طويلة، على الرغم من أنه عندما يستيقظ الإنسان من نوم ثقيل، ينسى للحظة مَن هو وأين يوجد، وينسى أموره المعتاد عليها، إلى أن يفيق من غفلته، وتنشط الذاكرة مرة أخرى وتصير أكثر حيوية. هذه الأمور، وأخرى مماثلة، تمر في أفكار الكثيرين، وتملأ الذهن بأشياء مثيرة، ومع ذلك لا يؤمنون بالمعجزة. لأن الذهن لا يجد حلاً لكل ما يحيّره، ولا يستطيع أن يُشبع فضوله من جهة الاكتشاف والفهم، فيُقاد إلى عدم الإيمان، ومخالفة الحقيقة بسبب ضعف أو مرض في طريقة التفكير ذاتها. ولأن موضوع الاحتفال محبب لدينا، فلنحاول قليلاً، طالما أتينا بموضوعنا إلى البداية المناسبة، أن نُعلّم هؤلاء الذين يرتابون بلا مبرر في أمورًا واضحة.

عندما أراد الله أن يخلق الإنسان، أوجده لا ككائن بلا قيمة، لكن ككائن مكرم أكثر من أى خليقة أخرى، وأعطاه سلطان على كل الخليقة التي تحت السماء. هذه هى إرادته، فقد خلقه حكيمًا، وشبيهًا بالله، وزينه بنعمة غنية. فهل يا ترى قد أحضره إلى الحياة، بهذا القصد، أى أن يولد، ويفسد ويختفى كليةً؟ هذا القصد لا وجود له، فإنه أمر شائن جدًا، أن ننسب هذا القصد لله. لأن الله بهذه الصورة، يعكس صورة أطفال يصنعون بيوتًا صغيرة بحماس كبير، وبسرعة يهدمون ما يصنعوه، دون أن ينتهى تفكيرهم إلى أية نتيجة مفيدة. لكن نحن قد تعلمنا العكس تمامًا، إن الله خلق الإنسان الأول (آدم) خالدًا، وعندما خالف وصيته، وعوقب بسبب خطيته، حُرِم من الخلود[10]. بعد ذلك فإن الله منبع كل صلاح ـ من فيض محبته للبشر ـ قد رفع الدين عن أولئك الذين أراد لهم التجديد حتى لا يسيروا نحو الفناء، وأعادهم إلى حالتهم الأولى. هذه الأمور كلها جديرة أن تُنسب بالحقيقة إلى الله. لأنه بجانب أنها تُظهر صلاحه فهى أيضًا تؤكد قدرته. فإن كان من غير المقبول أن يتعامل المرء بقسوة وبلا رحمة مع تلاميذه ومع مَن يرعاهم، ويوصف هذا السلوك بأنه سلوك غير سوى، فبالأولى كثيرًا جدًا لا يمكننا أن ننسب هذا السلوك لله الذي هو منبع المحبة والرحمة والرأفة وكل صلاح. فالراعى على سبيل المثال يريد قطيعه صحيحًا معافًا تدب فيه الحياة، ويطمح في زيادة أبقاره وأغنامه برعايتها بطرق متنوعة، وبشكل عام فإن كل مَن يرعى قطعان يتمنى أن تُحفظ سالمة وأن تتزايد وهو يرمى بلا شك إلى هدف نافع ومفيد. فإن كانت هذه الرؤية هى رؤية صحيحة، وأن ما قلناه منذ قليل، يؤكد على مشيئة الله، خالق جنسنا البشرى، بأن يعيد خليقته التي فسدت للحياة، فإنه من الواضح أن أولئك الذين لا يقتنعون بما سبق وقلناه، يستمدون في آرائهم المعارضة هذه من فكرة استحالة أن الله يُقيم الذي مات وتحلل. غير أن كل مَن ينسب الضعف والحيرة إلى الله هو بالحقيقة من الأموات وبلا احساس، إذ ينسب ضعفه الشخصى إلى الله كلّى القدرة والقوة.

          ولكى نُوبّخ حماقتهم بكلمات دقيقة، يجب أن نؤكد على هذا الذي سيحدث ونسأل، كيف يمكن أن لا نؤمن بالقيامة؟ لقد سمعت أن الطينة صُنعت وصارت إنسانًا. أخبرنى إذن من فضلك أنت يا من تظن أن لديك حكمة تشمل كل شئ، كيف جُمع هذا التراب الدقيق المتفرق، وكيف صار أجسادًا، ومن نفس المادة صُنعت العظام والجلد والدهن والشعر؟ وكيف تكون هناك أعضاء متميزة عن بعضها مع انها تكوّن جسدًا واحدًا؟ كيف أتت حواء من عضو صغير من جنب آدم وصارت كيانًا كاملاً مثل آدم الذي خُلق من التراب. بمعنى أن الضلع الذي أُخذ من الجنب صار رأسًا، ويدين ورجلين. انظر إلى شكل الأمعاء بالتوائاتها المتشابكة، الجسد والشعر، العين والأنف والفم، وكل شئ بشكل عام، ولكى لا أسترسل في الكلام، فإن كل شئ فينا نحن الصغار هو عجيب ومدهش.

إن الكلام عن الخلق، هو أمر يمكن فهمه وقبوله بسهولة. إذن أولئك الذين يقبلون أن من الجنب صار إنسان، بينما لا يؤمنون بإعادة خلق الإنسان مرة أخرى كيف يدّعون بأنهم مفكرين؟ بالتأكيد ليس من السهل إدراك القدرات الإلهية من خلال التصورات الإنسانية. فإن كنا ندرك كل شئ فلن يكون هناك فارق بين الخالق والمخلوق. ولماذا أتكلم عن المقارنة بيننا وبين الله؟ لأنه في بعض الخواص لا يمكننا أن نقارن أنفسنا ولا حتى مع الحيوانات الغير العاقلة، لكننا (في بعض الأمور) نحن أقل منها. على سبيل المثال في الجرى، فإن الخيول وأيضًا الكلاب، وحيوانات أخرى تفوقنا في ذلك. أما في القوة، فإن الجِمال والبغال تتفوق علينا، وفي البصر الحاد، التيس أشد بصرًا. ولهذا فإن مَن لديه عقل عليه أن يؤمن بكلام الله، ولا يطلب معرفة الطرق والأسباب المختصة بالقدرات الإلهية، لأن هذه القدرات، تتجاوز إمكانياتهم الذهنية. اشرح لى كيف أخذ هذا العالم المرئى كيانًا ووجودًا؟ أخبرنى عن الفن الذي به تحقق هذا العمل متعدد الأشكال. ومع أنك تعرف أن هذه الأمور هى فوق قدرتك، إلاّ أنك تُظهر حيرة وغضب، لأنك تجهل موضوع إعادة تجديد الإنسان بحسب الميلاد الجديد، أنت يا مَن تجيد الكلام عن الميلاد. وإن كانت هذه الأمور، بالنسبة لك هى حلم، وخيال، وإدراكها من كل النواحى أمر مستحيل، فلا تغضب، إن كنت تجهل موضوع إعادة  الخلق، أو أنك لا تستطيع أن تفهم اصلاح ذاك الذي فسد، فالفنان الذي أوجد الخليقة الأولى، هو نفسه الذي يُعيد الخلق مرة أخرى[11]. فهو يعرف كيف يُعيد مرة أخرى عمله الذي أصابه فساد. هل  يحتاج إلى حكمة؟ هو نفسه مصدر كل حكمة وكل قدرة وليس في احتياج لمساعد أو معين. هذا هو الذي بحسب كلمات النبى الحكيم ” من كال بكفه المياه، وقاس السموات بالشبر، وكال بالكيل تراب الأرض[12]. انتبه إلى الصور، التي تعطى معانى واضحة للقدرة التي لا يُعبر عنها، والتي تجعل الحيرة تتملك على أفكارنا، باعتبار أننا لا نستطيع أن نتخيل شيئًا مساويًا في القيمة لطبيعة الله. فهو ضابط الكل، ولا يوجد شئ مستحيل وغير ممكن تحقيقه لدى الله لأنه يستطيع كل شئ.

إذًا فأمامك أمور كثيرة تقود إلى الإيمان وتفرض عليك أن تقبل الأمور التي تكلمت عنها. أولاً وقبل كل شئ، إن هذا الكون كثير التنوع والتراكيب، يُعلن بجلاء وأكثر من أى عظة، أن ذاك الذي أبدع كل ما تراه[13] هو إله عظيم، وخالق حكيم. لقد تعهد الله الخليقة بالرعاية، واهتم بنفوس غير المؤمنين الضعيفة، وأكد قيامة الأموات عمليًا، بأن أعطى حياة لكثير من الأجساد التي ماتت. ولهذا فإن لعازر قام بعد أربعة أيام من بقائه في قبره[14]. والابن الوحيد للأرملة، أُقيم من موته وسُلم لأمه، وبعد أن كانوا يحملونه ليُدفن، عاد حيًا[15]. وآلاف آخرين من الصعب أن أحصيهم الآن. لكن لماذا أتطرق بحديثى عن الله، وعن المخلّص عند الحديث عن القيامة؟ لكى يخجل بالأحرى كل مَن يشك، وأقول ألم  يُعطِ لعبيده الرسل، القدرة أن يقيموا أمواتًا؟ إذن فالدليل واضح على قدرته الإلهية، ولماذا أيها المتشاحنون، تُثيرون هذه الموضوعات، وهل نحن نتكلم بكلام غير مفهوم؟ فكما قام شخص من بين الأموات ، هكذا سيقوم عشرة أشخاص، ومثلما قام عشرة، هكذا سيقوم ثلاثمائة، وكما قام ثلاثمائة، هكذا سيقوم الكثيرون. النحات الذى ينحت تمثالاً ما على سبيل المثال، يستطيع بسهولة أن ينحت عددًا كبيرًا من التماثيل. ألم تروا كيف يُشكل الصناع بقليل من الشمع، الأشكال والنماذج للمبانى الكبيرة والرائعة؟

انظر إذًا إلى السماء التي لا نهاية لها، هى إبداع عمل الله، وقد خلق الله الإنسان، كائنًا عاقلاً، لكى يدرك الإبداعات الإلهية ويمجد الخالق الحكيم والمبدع، وها أنت ترى دائرة عالم الفلك، التي هى صغيرة، لكنها تتحرك بيد عَالِم الفلك، هكذا تتحرك السماء بيد الله. هكذا فإن الأعمال الفنية الصغيرة، تصير صورة للإبداعات الكبيرة، والكلمات القليلة، تُفسر الأعمال الضخمة. لماذا أذكر هذه الأمور؟ لكى تعرف، إذا ما سألتنى كيف ستحدث قيامة الأجساد التي رقدت منذ بداية الخليقة؟ سأُجيب متساءلاً، كيف قام لعازر بعد أربع أيام في القبر؟ فعندما تؤمن أن ذاك الذي يعمل، هو الله، فلن تقول إنه يوجد شئ مستحيل أمامه، ولا تعتقد أن ذهنك يستطيع أن يستوعب حكمة ذلك الذي هو غير مُدرك. لأنه لا يوجد شئ غير محدود أمام الله،  أما بالنسبة لك، فغير المحدود هو أمر لا ينبغى الفحص فيه. غير أننا يُمكننا أن نفهم هذا بطريقة أفضل لو أننا أضفنا إلى ما قلناه، الطريقة التي خُلقنا بها. لا أتكلم عن بداية جبلتنا الأولى من الله، لأنها غير مدركة ولا يمكن للذهن الإنسانى أن يصل إليها، لكنى أتكلم عن الخلق الذي يظهر من خلال الطبيعة ومن خلال الإنسان. كيف أن البويضة المخصبة والتي هى مادة سائلة، وبلا شكل، تصير جامدة، ثم تصبح رأسًا، وعضلات ساق، وتصير أضلاعًا متينة، كما أن المخ وهو لين وخفيف، تصير الجمجمة التي تحتويه، جامدة جدًا وخشنة، بالإضافة إلى الأعضاء الأخرى متعددة الأشكال؟ وهذا أقوله باختصار ولا أسترسل شارحًا تفاصيل الأمور الجانبية. إذن فكما أن البويضة المخصبة في البداية، تكون بلا شكل، ثم بعد ذلك تأخذ شكلاً، وحجمًا، كما يُبدعها العمل الإلهى بشكل معجزى، هكذا يكون مقبولاً أكثر، أن الرفات التي توجد داخل القبور، والتي كان لها في وقت ما شكل محدد، تتجدد مرة أخرى. والتراب يصير مرة أخرى إنسانًا، مثلما حدث بالضبط في بداية الخلق، حيث خُلق الإنسان من تراب الأرض.

لنتقدم في الكلام عن الله، ولنفكر فيما لصانع الخزف من إمكانيات، ماذا يعمل الخزّاف؟ يأخذ قطعة من الطين، ويُعطيها شكل إناء معين، ويُعرّضه للشمس، لكى يُجففه ويجعله متينًا، ليصبح فيما بعد جرة، أو بلاطة أو إناء تخزين. لكن أحيانًا يدخل إلى داخل معمله إنسان آخر، بشكل مندفع وبلا نظام يقلب كل شئ، فيُلقى الإناء إلى أسفل، ويسحقه فيصير ترابًا لا شكل له. لكن إذا رغب الخزاف في إصلاح ما حدث على الفور، فإنه يُشكل الخزف من جديد، ويصنع بفنه إناء ليس بأقل جودة أبدًا من الإناء القديم. مع أن الخزاف هو بالتأكيد مخلوق صغير، إذا ما قورن بالقدرة الإلهية، فإننا لا نصدق الله عندما يَعد أن يُجدد ويحيي ما تلاشى. وهذا بالتأكيد هو فكر أحمق. ومن ناحية أخرى، لنر ماذا يقول لنا بولس الرسول باستخدامه مثال القمح، والذي يُعلّم به هؤلاء الأغبياء قائلاً: ” يا غبى الذي تزرعه لا يحيا إن لم يمت. والذي تزرع لست تزرع الجسم الذي سوف يصير بل حبة مجردة ربما من حنطة أو أحد البواقى. ولكن الله يعطيها جسمًا كما أراد[16]. فلنفحص بعناية، كيف يصير نبات القمح، وستفهمون كلامى. فبذور القمح يلقونها في الأرض، وبعدما تتعفن بالرطوبة، بعد موتها، تنتهى إلى حالة معينة، مثلما يحدث في اللبن، الذي إذا تخمر، صار مثل مادة بيضاء، لها مذاق حامضى. وعندما تنمو البذور وتمتد في الأرض، تتحول شيئًا فشيئًا من اللون الأبيض إلى اللون الأخضر. ثم بعد ذلك تصير خضراء وتتشعب في الكتل الطينية، وعندما تكبر إلى فوق، وتتغَذى هذه الأعواد الكثيرة من أسفل، من مكان معين من الجذر، فإن الجذر يُعَد بهذا لحمل الثقل الذي سيصير في المستقبل. وكما يُضبط سارى المركب من كل اتجاه، بحبال كثيرة، لكى يبقى ثابتًا وفي حالة توازن، من خلال الجذب المناوئ للحبال، هكذا نتوءات الجذر، مثل الحبال، تصير دُعامات وحماية للساق الحامل للسنابل. وعندما يصير القمح أعوادًا وينمو مرتفعًا إلى أعلى، فإن الله يسنده ويشدّده ويقوى ساقه، ليؤّمنه، من أجل ثقل السنبلة عند نضجها، فيكون مثل بيت مبنى بحجارة مترابطة. فهكذا عندما تصل قوة الساق إلى أقصى مداها، نجد أن البراعم تتشقق وتخرج السنابل. وهذه (السنابل) نجد فيها أيضًا عجائب أخرى عظيمة. إذ نجد الحبوب الصغيرة في صفوف مرتبة متراصة بجانب بعضها وكل حبة منها لها غلاف خاص، وفي النهاية تخرج هذه السنبلة أشواك دقيقة وحادة، أتصورها كأسلحة ضد الطيور التي تريد أن تلتقط هذه الحبوب، فتمنعها من الاقتراب والتقاط حبات القمح. أرأيت كم معجزة، تخفيها بذرة متعفنة، بينما هى حبة واحدة تسقط في الأرض، عندما تنمو وتثمر، تصير حبات كثيرة؟ أما من جهة الإنسان، فإنه لا يأخذ شيئًا أكثر مما له، لكنه يأخذ ما يخصه فقط، فالإنسان الواحد الذي يموت، هو نفسه الواحد الذي يقوم. ولهذا فإن تجديدنا، يظهر أنه أسهل من زراعة القمح. من هنا اتجه إلى ما يحدث للأشجار، كيف أنها تفتقر إلى الحياة في فصل الشتاء من كل عام، أى تموت الثمار، وتسقط الأوراق، وتبقى الأخشاب جافة خالية من كل جمال. لكن عندما يأتى فصل الربيع، تزدان بالزهور اليانعة ثم تكسوها الأوراق الخضراء لتصبح في أبهى منظر يخلب الأنظار وتصبح مأوىً للطيور المغردة التي تعلوا فوق الأغصان، ويُستعلن هناك جمال رائع، حتى أن كثيرين من الناس هجروا بيوتًا مُزينة بالذهب والمرمر، واعتبروا أن بقائهم تحت الأشجار الوارفة هو أمر أكثر سعادة (من البقاء في البيوت). لهذا فإن إبراهيم أقام خيمته تحت أشجار البلوط[17]. وهذا بالطبع، لا لأنه لا يملك بيتًا بل لأنه يشعر بالارتياح والبهجة تحت ظلال الأشجار. وحياة الزواحف تقودنى لقبول هذا الكلام. لأن قدرة هذه الزواحف على الحياة تتوقف في فترة الشتاء، وخلال فترة ستة أشهر، تكون في بياتها الشتوى، وتبقى في مخابئها بلا حركة. لكن عندما يأتى الزمن المحدد ويدوى الرعد في الأفق، ويُسمع الرعد كعلامة حياة، على الفور تنطلق كما لو لم يكن قد مر كل هذا الوقت، وتبدأ في تأدية أعمالها المعتادة.

          ماذا يعنى هذا الكلام؟ ليقل لي الفاحص والعارف بأعمال الله وليخبرنى، كيف يقبل أن تقوم الثعابين من مخابئها بصوت الرعد، بينما هى في حالة موت، لكنه لا يؤمن بعودة الحياة للأموات، عندما يُدوى صوت البوق الإلهى من السماء، كما تقول الكلمة الإلهية ” فإنه سيبوق فيُقام الأموات[18]. وفي موضع آخر، يقول أيضًا بكل وضوح ” فيُرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه[19]. إذن يجب أن نكون مؤمنين بالتجديد. لأن حياة النباتات والحيوانات على اختلاف أنواعها، وحياة البشر أنفسهم، تُعلّمنا أنه لا يوجد شئ من المخلوقات يستطيع أن يحتفظ بكيانه، لكنه يتبدل ويتحول.

          ولو أردنا التأكد من ذلك، علينا أن ننظر إلى التغيير الذي يطرأ علينا في مراحل أعمارنا المختلفة. إننا نعرف كيف يكون الطفل الرضيع. فبعد مرور وقت قليل، يبدأ في اكتساب قوة لكى يحبو، وهو في هذا لا يختلف في شئ عن الكلاب الصغيرة، يسير بالأربعة (أيدى وأرجل). في العام الثالث يقف منتصب ويتمتم ببعض العبارات غير الواضحة. بعد ذلك يبدأ في تصحيح كلامه، ويصير طفلاً لطيفًا. من هذا السن يتقدم نحو المراهقة، ثم نحو سن الشباب. ونلاحظ أن بعض الشعيرات البسيطة تغطى وجهه في البداية، وبعد وقت قليل تظهر له ذقن كثيفة ويصير شخصًا آخر تمامًا. ثم بعد ذلك يصير رجلاً قويًا، صلبًا يتحمل الأتعاب. وبمرور أربعين عامًا، تبدأ مسيرة عكسية. يبيّض فيها الشعر تدريجيًا في الرأس، وتبدأ القوة تخور، وفي النهاية يصل إلى مرحلة الشيخوخة، وإنهاك القوة تمامًا، وينحنى الجسد نحو الأرض، كما يمتلئ الوجه الناعم بالتجاعيد، ويصبح الشاب الذي كان قبلاً متميزًا، مرة أخرى كالطفل المتلعثم الغير مدرك، ثم يسير بالأرجل والأيدى كما كان يفعل سابقًا. وأسألك كيف تبدو لك كل هذه الأمور؟ أليست هى تغييرات، أليست هى تحولات تليها تحولات؟ أليست هذه تجديدات مختلفة هى التي تغير هذا الوجود الفانى، فيما قبل الموت؟ كيف لا يصير نومنا واستيقاظنا درسًا للحكيم، ومدخلاً لفهم حقيقة القيامة؟ لأن النوم هو صورة للموت، بينما الاستيقاظ شبيه بالقيامة. ولهذا فإن بعض حكماء العالم، يدعون النوم توأم الموت، لأجل التشابه الذي يحدث في كلتا الحالتين (أى النوم والموت). لأنه في الحالتين يسود نسيان للأمور الماضية، وفقدان القدرة على إدراك الأمور الآتية. هكذا نجد أن الجسد في حالة النوم يرقد بلا أحاسيس، دون أن يُميَّز بين الصديق والعدو، يبدو شبيهًا بالموتى في القبور. الآن لو أن هذا الكائن الحىّ مازال يعيش، وتعبر بحياته أيام وليالى، وأمور تُثير الدهشة، تغيرات وتحولات، نسيان وتذكر، فإنه يُعد حماقة شديدة، ألاّ نؤمن بالله الذي وعد بالتجديد في الدهر الآتى، لأنه هو الذي خلق جبلتنا الأولى.

          فإن كان هو أمر في غاية السهولة بالنسبة الله، أن يخلق من العدم (لأنه هكذا قد خُلقت كل الأشياء في البداية). فبكل تأكيد هو أمر أكثر سهولة أن يُعيد الخلق من العناصر الموجودة.

إذن فلا ينبغى أن نُجرد الناس من رجائهم المبارك، وأن نتجاوز ضعفاتنا، وأن نتحرر من كل الأفكار الغريبة. ودعونا ألا نتجاهل الوعد الإلهى من جهة محبة الله للبشر، لأن إنغماسنا في الشهوات الجسدية الجارفة، يجعلنا نتجاهل هذه الوعود الإلهية. إننى أرى أن المعارضين لهذا الموضوع (قيامة الأجساد) هم رفقاء للشر، وأعداء للفضيلة، يتصفون بالشراهة، لا يضبطون عيونهم وأسماعهم، ولا أنوفهم، ويستمتعون بالشهوة التي تأتى إليهم عن طريق كل الحواس. ولأن الكلام عن القيامة مرتبط بالدينونة، وهم يسمعون الكتب المقدسة التي تعلن بشكل قاطع، بأننا سنُحاسب عن أعمالنا (فعندما نتجدد فى القيامة، سنقف جميعًا أمام منبر المسيح، وسننال المجازاة التي نستحقها عن أعمالنا)، ولأنهم يدركون أنهم سلكوا سلوكًا شائنًا ويستحق لعقوبات كثيرة. وبسبب كرههم للدينونة، ينكرون القيامة، مثل العبيد المخادعين أو الغشاشين، الذين يبددون ثروة سيدهم، ويخططون لموته، متفكرين في خيالات فاسدة تتفق ورغباتهم. لكن لا يوجد إنسان عاقل، يُفكر بمثل هذه الطريقة.

فما هو النفع من البر والحق والصلاح، ومن كل شئ حسن، ولأى سبب يتعب الناس ويحيون حياة الفضيلة ويقمعون شهوة الأكل، ويمارسون ضبط النفس، ويأخذون قسطًا يسيرًا من النوم، مقاومين البرد والحر، إن لم توجد قيامة؟ هذا ما يشير إليه الرسول بولس قائلاً:         فلنأكل ونشرب لأننا غدًا نمـوت[20]. فإن لم توجد قيامة، فنهاية حياتنا هى الموت، إذن فلتُمحَ الإدانات والنقائص، ولتُطلق يد القاتل في إرتكاب الجرائم، وليُترك الزانى غارقًا في ممارسة آثامه، وليلهو الجَشِعْ في جشعه، ولا ينتهر أحد الشتّام ومَن تعود على نقض القسم، ليستمر في نقض قسمة مع أن المؤمن بقسمه ينتظره موت. والآخر فليقل ما يريد من الكذب، لأنه لا يوجد أى ربح من وراء الحقيقة، وإذن فلا يرحم أحد الفقير، لأن أحشاء الرأفة ليس لها مكافأة! إن هذه الأفكار الغريبة تختلط وتتداخل بصورة أصعب من الطوفان الذي يأخذ أمامه كل شئ، وتطرد كل كلمة مُهذبة، وتدعم كل فكر مهووس ومرذول.

لو لم تكن هناك قيامة، فلن تكون هناك دينونة، ستضيع مخافة الله. وحيث لا يوجد تهذيب بالترهيب، فهناك يرقص الشيطان فرحًا بالخطية. ويناسب هؤلاء ما كتبه داود في المزمور القائل ” قال الجاهل في قلبه ليس إله فسدوا ورجسوا بأفعالهم[21]. إن لم توجد قيامة، فإن قصة لعازر والغنى والهوة العظيمة، والنار التي لا تُطفأ، واللسان المشقق، والعطش الشديد لنقطة الماء واصبع الفقير المبلل بالماء، ستكون أسطورة[22]. من الواضح، أن كل هذا يعطى صورة للقيامة العتيدة. بالتأكيد اللسان والاصبع، لا تُعتبر أعضاء النفس غير المتجسدة، بل أعضاء الجسد. ولا ينبغى لأحد أن يعتقد أن هذا قد حدث، لكن كل هذا يُشكل صوتًا صارخًا يلفت الإنتباه لما سيحدث في المستقبل. وعند قيامتنا من الموت، سيُقدِم كل أحد حسابًا عن أعماله التي عملها في هذه الحياة، وسيكون مكونًا من جسد ونفس كما كان أولاً. وأيضًا حزقيال النبى، الأعظم بين الرائين، ما الذى فكر فيه عندما رأى البقعة العظيمة المملوءة بالعظام الإنسانية، التي أخذ أمرًا إلهيًا ليتنبأ من نحوها؟ إذ أن هذه العظام قد لبست أجسادًا على الفور، وبينما كانت متفرقة ومطروحة بلا نظام، بدأت تنضم بعضها لبعض بنظام وتوافق. أليس واضحًا، بهذه الكلمات، أنه يبرز الدليل الجاد لإعادة إحياء الجسد؟ وأنا أعتقد أن كل من يتشكك في هذا الكلام الخاص بالقيامة، هو ليس فقط من الجاحدين، ولكنه بلا منطق أو عقل. لأن القيامة، والتجديد، والتجلى وكل الأسماء المشابهة تُذّكر المستمعين بالجسد الذي يخضع للفناء. لأن النفس عندما تُفحص في حد ذاتها، فهى لا تتحلل كما يتحلل الجسد ولا تتعرض للفناء، فهى غير قابلة للموت بسبب قوة الحياة التي أخذتها من المسيح. بينما نجد أن الجسد الذي يحملها يفنى، ويتوقف إتصاله بالأشياء المحيطة. إن النفس ستسكن مرة أخرى في جسدها لتقدم حسابًا أمام الديان العادل. أو من الأفضل، لكى يصير حديثنا مُتسمًا بالدقة ومنطقيًا، لنفحص الأمر كالآتى. ماذا تقول، مَن هو الإنسان؟ هل هو مكون من النفس والجسد معًا أم أنه واحد من هذين الاثنين؟ من الواضح أن الكائن الحىّ، يتكون من الاثنين معًا. لا ينبغى أن نُطيل الحديث في أمور معروفة ولا تقبل الشك. فلو إن الأمر هكذا، فلنُفكر أى من الاثنين (الجسد أم النفس)، عندما يرتكب الناس على سبيل المثال زنا، قتل، سرقة، أو أى شئ له علاقة بهذه الأمور، أو العكس أيضًا عندما يُمارس العفة، ضبط النفس، وكل عمل حسن، هل نقول إن هذه الأمور هى نتائج لعمل الاثنين (النفس والجسد)، أم تنحصر في أعمال النفس؟

          وهنا تتضح الحقيقة، فمن المحال أن تشرع النفس وهى منفصلة عن الجسد في السرقة، أو في تدنيس المقدسات، ولا أيضًا تقدم وحدها خبزًا للجائع ولا تعطى ماءً للعطشان، ولا تداوم على زيارة المسجونين، بلا كلل، لكى ترعى البائسين، لكن في كل الأمور، يعملان معًا بلا انفصال، الواحد مع الآخر يشاركان في الأفعال والأعمال.

          بما أن الأمر هكذا، ولأنك مقتنع بالدينونة عن الأعمال التي عملناها في هذه الحياة، فكيف إذن تفصل النفس عن الجسد وتُقصر الدينونة على النفس فقط، بينما كل ماحدث قد تم بإشتراكهما معًا في كل فعل؟ لكن إذا صار شخصًا ما قاضيًا عادلاً من جهة خطايا البشر، وفحص بعناية، من أين تنبت الأسباب الأولى للخطية، ربما يكتشف أن أول مَن يعبث ويصنع مخالفة هو الجسد. لأنه يحدث مرارًا، بينما النفس هادئة وغير مضطربة وفي سكون، تلقى العين نظرة اشتهاء إلى أمور كان من الأفضل ألا تنظر إليها، وتنقل المرض إلى النفس، فتتبدل حالة الهدوء إلى رعود وأنواء، وأيضًا الآذان عندما تسمع بعض الكلمات النابية والمنفّرة، فإنها تصب في الأفكار أمورًا تُثير الإضطراب والبلبلة. وفي بعض الأحيان تجلب الأنف على صاحبها شرورًا كبيرة لا شفاء منها عن طريق حاسة الشم، فتثير إنساننا الداخلى. وتستطيع الأيدى عن طريق اللمس، أن تُزعزع صلابة النفس. هكذا نتقدم قليلاً قليلاً ونفحص الأمر، سنجد أن الجسد مسئول عن كثير من الخطايا. لكنه أيضًا يعانى المشاق من أجل الفضيلة، ويتعب في جهاده من أجل الصلاح، وذلك عندما يُقطع بالسيف، ويحرق بالنار، ويُمزّق بالسياط، ويُثقل بأحمال ثقيلة، ويصبر على كل تعذيب، لكى لا يخون الوصية الإلهية. إذن لو أن الجسد يُشارك في أفعال النفس ولا ينبذ الآثام، فمن أين تأخذ الدافع، وتقول أن النفس غير المتجسدة وحدها هى التي تُقاد إلى الدينونة؟ بالتأكيد هذا الحديث لا يتعلق لا بأبرار ولا بعاقلين. لو أخطأت النفس وحدها وهى عارية (أى من لباس الجسد)، فلنعاقبها وحدها، لكن لو كان لديها شريك واضح، فلن يتركه الديان العادل وأنا أعرف أن هذا الأمر يقوله الكتاب، أن المذنبين سيخضعون لعقوبات عادلة[23]، نار، ظلمة، دود لا يموت. كل هذه هى عقوبات الأجساد المادية، لأن النفس وحدها لن تمسّها النار أبدًا، ولا الظلام سيُثير لديها حزن، طالما ليس لديها أعين جسدية. وماذا يستطيع أن يفعل الدود الذي يأكل الجسد وليس النفس؟ إذًا فالنفس لن تُدان وحدها بمعزل عن الجسد، لكن الإنسان كله (نفسًا وجسدًا) سيخضع للدينونة.

إن الأفكار العاقلة والرؤى المستنيرة هى التي تقود لقبول قيامة الأموات، والتي ستتحقق في أزمنة محددة، لأن الله حقق وعوده بالأعمال. إذن فلنؤمن بهذا: ” فإنه سيبوق فيُقام الأموات عديمى فساد ونحن نتغير[24]. وأيضًا ” لا تتعجبوا من هذا. فإنه تأتى ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته. فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة[25]. لأنه لا يقدم وعوده بالكلام فقط، لكن بالأعمال التي يحققها كل يوم، يُعلم ويُظهر بوضوح أنه كلّى القدرة. فعندما خلقنا في البداية لم يتعب، ولا عندما يُغيّرنا ستغيب عنه الحكمة. فلننظر إلى الأمور الحالية، حينئذٍ سوف لا نتشكك في الأمور المستقبلية. لأن كل عمل لله يُثير لدينا الآن أحاسيس مُفرحة وإعجاب لا يُعبر عنه، عندما نتأكد أن ملامح الآباء والأجداد تورث بالتمام في ملامح الأحفاد، والأولاد يصيرون انعكاسًا للأجداد. وعندما تُخلق التشابهات التي تعكس النماذج الأصلية، التي لم يعد لها وجود، وقتها تصل المفاجأة من نحو عمل الحكمة الفائقة لله مخلّصنا، الفنان الأعظم، إلى قمتها، وكل هذا يحدث بطريقة سرية لا يستطيع أحد إدراكها، فيُقيم الأموات، من خلال إعادة خلقه للملامح الخاصة بالنماذج الأصلية، والتي تظهر في الأبناء والأحفاد. وفي كثير من الأحيان، تظهر في جسد ما الملامح التي تحمل نفس الصورة، الخاصة بأنف الأب، وعيون الجد، وخطوة العم، وطريقة كلام الأم، وإنسان واحد يُعتبر مثل نبات تأثر من أشجار كثيرة تُثمر ثمارًا كثيرة لكل مَن يُحبها. كل هذا يستحق الاعجاب، ومع أننا نجهل كيفية حدوثها، إلاّ أننا نعرف قدرة الخالق على إبداعها. إنه لأمر غريب ويكشف عن جهل كبير، من جهة كل ما يظهر في الأجساد التي تولد كل يوم، تلك الملامح الخاصة بالأجساد التي تعفنت وفسدت، وأن صفاتًا غير مألوفة تنتقل إلى أجساد أخرى، لكنهم لا يقبلون أن كل ما لهم من صفات أو ملامح خاصة مميزة، تتجدد وتحيا مرة أخرى. تمامًا كما كانت في أولئك الذين كانوا يحملون هذه الملامح في زمن ما. بل أننا نرفض كل هذا ونتشاجر ونتصور أن الوعد الإلهى خرافة، في حين أن الله هو ذاك الذي أعطى وجودًا لهذا العالم وزيّنه كما أراد. أما من جهتنا نحن فقد آمنا بالقيامة ونعطى المجد للآب والابن والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

[1] حيث كان المناخ الإجتماعى في تلك الفترة يسمح، بل ويُشجع على تغطية إحتياجات مَن هم في حاجة إلى عون وعضد. هذا ما يؤكده القديس يوحنا ذهبى الفم في عظة له عن “المعمدين الجدد” قائلاً: ” إن المدعوين لأفراح عالمية، حتى ولو كانوا هم أكثر فقرًا من الجميع، فإنه في مرات كثيرة يستعيرون من الآخرين أفضل الملابس للظهور بالشكل اللائق. وأنت يا مَن دُعيت للفرح الروحى والعشاء الملوكى فكر في أى نوع من الملابس ينبغى أن ترتدى “. مجموعة آباء الكنيسة اليونانيين (EPE)  89، جزء30، ص555.

[2]  مز1:117.

[3] مز1:149ـ2.

[4] 1كو31:7.

[5] مز24:118.

[6]  تك20:40ـ21.

[7]  1كو32:15.

[8] 1كو19:15.

[9]  انظر1كو52:15.

[10] يظهر هذا في صلاة الصلح، عندما يصلى الأب الكاهن قائلاىً: ” يا الله العظيم الأبدى الذي جبل الإنسان على غير فساد … وعندما خالفنا وصيتك بغواية الحية سقطنا من الحياة الأبدية ونفينا من فردوس النعيم “.

[11] يورد القديس أثناسيوس هذا التشبيه في مجال حديثه عن تجسد الكلمة، انظر كتاب “تجسد الكلمة” فصل1، فقرة 4. ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، إصدار مركز دراسات الآباء، سنة 2003.

[12] إش12:40.

[13] حكمة سليمان1:13.

[14]  يو44:11.

[15]  لو11:7ـ15.

[16]  1كو36:15ـ37.

[17]  تك18:13.

[18]  1كو51:15.

[19]  مت31:24.

[20] 1كو32:15.

[21] مز1:14.

[22] لو19:16ـ31.

[23]  مر48:9، مت12:8، حكمة يشوع بن سيراخ 17:7.

[24]  1كو52:15.

[25]  يو28:5ـ29

 

قيامة الجسد ق.غريغوريوس النيسى – د. سعيد حكيم يعقوب

قيامة المسيح ج4 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج4 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج4 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح

من شرح إنجيل يوحنا

للقديس كيرلس الأسكندري

نفخة الروح القدس بعد القيامة:

          ولكن لأن البعض قد يسأل بسبب محبته للمعرفة ـ وهذا حسن جدًا ـ أين ومتى أخذ الرسل نعمة الروح القدس؟ هل عندما ظهر لهم المخلّص بعد قيامته ونفخ وقال لهم اقبلوا الروح القدس أم في أيام العنصرة عندما كانوا مجتمعين معًا وفجأة جاء من السماء صوت كهبوب ريح عاصفة. وظهرت لهم ألسنة من نار منقسمة واستقرت على كل واحد منهم. وبدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا (أع1:2ـ4)؟ أم أننا نفترض أنهم نالوا نعمة مضاعفة في يوم الخمسين؟ أم أننا يجب أن نبقى جاهلين المناسبة التي فيها صار الرسل شركاء الروح القدس؟ فإذا كان ما ذكره مخلّصنا هنا وما هو مكتوب في سفر الأعمال صحيحًا، فإن السؤال يغرينا بالبحث، خصوصًا لأن المسيح نفسه قال: “ خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ولكن متى ذهبت سوف أرسله إليكم” (يو7:16). ومن يسأل سوف يقول أيضًا: ” إن الحق الذي هو المسيح لا يكذب وعندما يقول بكلمات واضحة إن المعزى لن يأتى للتلاميذ إلاّ إذا ذهب هو للآب وأنه متى ذهب للآب سوف يرسله أى متى صعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب. فكيف أعطى الروح القدس فور قيامته وقبل صعوده؟ وبحث هذا الموضوع محير وغامض جدًا إذا لم نتذكر إيماننا في المسيح الذي هو الإله القادر على أن يضبط كل كلماته وأن يعطى المعانى الدقيقة لكل كلمة يقولها.

          لقد أعلن المسيح أنه سيرسل لنا من السماء المعزى عندما يصعد إلى الله الآب وبكل يقين فعل هذا. لأنه بعد صعوده سكب الروح بغزارة على كل الذين كانوا يرغبون قبوله. لأن كل إنسان يستطيع قبول الروح القدس بالإيمان والمعمودية المقدسة كما قال النبى ” سأسكب من روحى على كل جسد” (يوئيل28:2). ولكن كان من الضرورى بالنسبة لنا أن نرى الابن يمنح لنا مع الآب الروح القدس. لأن الذين آمنوا به (بالابن) كان ضروريًا لهم أن يؤمنوا أنه قوة الآب الذي خلق العالم كله وخلق الإنسان من العدم. لأن الله الآب في البدء بكلمته أخذ من تراب الأرض ـ كما هو مكتوب ـ وخلق الإنسان كائنًا حيًا له نفس عاقلة حسب إرادته وأناره بنصيب من روحه ” ونفخ في أنفه نسمة الحياة ” (تك7:2). ولكن عندما سقط الإنسان بعصيانه واستعبد لقوة الموت وفقد كرامته القديمة أعاده الله الآب وجدده إلى الحياة الجديدة بالابن كما كان في البدء. وكيف جدده الابن؟ بموته بالجسد ذبح الموت وأعاد الجنس البشرى إلى عدم الفساد عندما قام من الموت لأجلنا. ولكي نعلم أنه هو هو الذي في البدء خلقنا وختمنا بالروح القدس، لذلك يمنح مخلّصنا الروح القدس من خلال العلامة المنظورة أى “نفخته” للرسل القديسين لأنهم باكورة الطبيعة البشرية المجددة. وكما كتب موسى عن الخلق الأول أن الله نفخ في أنف الإنسان نسمة الحياة، يحدث نفس الشئ الذي حدث في البدء عندا يجدد الله الإنسان وهو ما يسجله يوحنا هنا. وكما خلق الإنسان في البدء على صورة خالقه. كذلك الآن بالاشتراك في الروح القدس يتغير إلى صورة خالقه ويصبح على مثاله. ولا يوجد لدينا أدنى شك في أن الروح القدس هو الذي يختم صورة المخلّص على قلوب الذين يقبلون المخلص. وهذا واضح تمامًا من تحذير بولس للذين سقطوا في التمسك بالناموس عندما قال: ” يا أولادي الصغار أنتم الذين اتمخض بهم ثانية إلى أن يتصور المسيح فيكم” (غل10:4)، وهو يقول إن المسيح لن يتكون فيهم إلاّ بالاشتراك في الروح القدس وبالحياة حسب شريعة الإنجيل. للذك يؤسس المسيح من جديد روحه في تلاميذه باعتبارهم باكورة ثمار الخليقة التي ولدت لعدم الفساد وللمجد في صورة الله، وكان من الضروري أن نرى هذا الحق واضحًا ليكون إيماننا بالابن سليمًا لأنه هو الذي يأتي بالروح من فوق وهو الذي منح لنا الروح كما قال ” كل ما هو للآب فهو لي” (يو15:16) وكما أن الآب له الروح في ذاته هكذا الابن له الروح في ذاته لأنه جوهر واحد معه.

          ومن هذه الحقيقة نستنتج أن كل ما سبق ووعدنا به قد أكمله في الوقت المعين ولكنه دائمًا يعطى بشكل جزئي ما وعد بأن يعطيه في المستقبل لأننا عندما ننال العربون نعلم بكل يقين أن ما تكلم به سوف يتحقق كاملاً. لقد أعلن أنه سوف يقيم جميع الموتى وسوف يعيد إلى الحياة كل الذين رقدوا في الأرض أي في القبور. وقال ” تأتي ساعة حين يسمع الموتى صوت ابن الله والسمعون يحيون. فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة” (يو28:5و29). وأراد أن يؤكد لنا أنه قادر على هذا فقال: ” أنا هو القيامة والحياة” (يو2:11). ولكن لأن معجزة إقامة الموتى جميعًا عظيمة جدًا بل توجد صعوبة في تصديق عودة الموتى إلى الحياة، لذلك أراد المسيح أن يقدم معونة لنا، معلنًا وقت القيامة مقدمًا ومعطيًا علامة عليها بإقامة لعازر وابن الأرملة وأبنة يايرس. وماذا أيضًا؟ قال إن قيامة القديسين مجيدة جدًا: “سيضئ الأبرار مثل الشمس في ملكوت أبيهم” (مت43:13). ولكي نصدّقه ونعرف أنه قال الحق، أعطى قبل الوقت أن نرى هذا المجد فأخذ بطرس ويعقوب ويوحنا وصعد بهم إلى الجبل وتجلى أمامهم وأضاء وجهه مثل الشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور (مت2:17). وهكذا رغم أنه حدد وقتًا معينًا لتحقيق كل شئ إلاّ أنه كان يعطي بشكل جزئي وفي نطاق محدود قبل الوقت المحدد كعربون وتذوق مسبق لما هو متوقع أن يحدث بشكل كامل للخليقة كلها. ولقد فعل هذا لكي لا يتزعزع الإيمان به. وهكذا على نفس المنوال وعد بأن يرسل المعزى إلينا بعد صعوده للآب، وحدد لذلك الوقت المعين أي بعد صعوده لكي يعطى النعمة للكل، إلاّ أنه قبل الوقت المحدد أعطى بداية النعمة وكدفعة أولى من النعمة وهب التلاميذ الروح القدس بعد قيامته وبذلك حقق جزئيًا الوعد الذي نطق به لنفس الأسباب التي ذكرناها سابقًا.

          وهكذا اشتركوا في الروح القدس عندما نفخ قائلاً: ” اقبلوا الروح القدس” ومن المستحيل أن يكذب المسيح، وكان من المستحيل أن يقول “اقبلوا” دون أن يعطى، أما في أيام العنصرة المقدسة فقد أعلن الله علانية نعمته وأظهر مجيء الروح القدس للكل وليس للتلاميذ فقط، ولذلك ظهر مجيء الروح القدس بشكل ألسنة نارية، ولم يكن هذا بالنسبة للتلاميذ بداية نعمة الروح القدس الذي سكن في قلوبهم ولكن بداية نعمة التكلم بالألسنة. كما هو مكتوب إنهم بدأوا يتكلمون بألأسنة كما أعطاهم الروح أن ينطقوا (أع4:2)، وهذا يعنى بداية التكلم بالألسنة وليس بداية التقديس لأن العنصرة بداية عمل العطايا المتنوعة لا سيما الألسنة المختلفة أي بداية عمل الروح القدس الذي فيهم، وكمثال على صحة ما نقول لقد تكلم الآب من السماء وشهد عن ابنه قائلاً: ” هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (مت17:2)، ولم تكن هذه بداية الابن، بل بداية الإعلان عنه لكي يكمل بهذا الإعلان معرفة الذين سمعوا صوته وكما جعل صوته يصل مثل نغمة إلى الآذان، هكذا أيضًأ يوم العنصرة جعل ظهور وإعلان النعمة التي وُهبت للتلاميذ القديسين بشكل ألسنة نارية وجعل نزول الروح القدس يشبه صوت ريح عاصف (أع2:2). كان كل هذا علامة لليهود وسوف يظهر ذلك بكل وضوح إذا سمعنا كلمات الله رب الكل قائلاً على لسان النبي: ” بذوي ألسنة أخرى وبشفاة أخرى سأكلم هذا الشعب” (إش11:28، 1كو21:14).

          ولكي نؤمن أن التلاميذ القديسين قد اشتركوا فعلاً في الروح القدس وأنهم قد أُكرموا بنعمة المسيح التي من فوق ووُهبوا أن يشرحوا الحق وأن مجد رسوليتهم يستحق كل الإعجاب، قُدِّمت لهم الشهادة يوم الخمسين بالعطية التي من فوق أي بمجيء النار في شكل ألسنة وبنزول الروح على شكل ريح عاصف.

          أعتقد أنني فعلاً شرحت بكفاية وبكل دقة معنى النص ولكن لئلا يجد أحد في الأشياء التي نكتبها حجر عثرة نحتاط تمامًا ونشرح كل شئ لا سيما من أجل الذين يحبون الجدل من الاخوة، ولذلك نزيد على ما ذكرناه من أجل هدم الأقوال الباطلة التي نتوقعها.

 

اشتراك توما في الروح القدس:

          سوف نجد في الفقرة التالية لما شرحناه الكلمات التالية: ” توما الذي يُقال له التوأم لم يكن مع التلاميذ حينما جاء يسوع” (يو24:20). كيف ـ ربما سأل البعض وهو سؤال معقول ـ كان بعيدًا واشترك معهم في الروح القدس عندما ظهر المخلص وقال لهم اقبلوا الروح القدس”؟ والإجابة على هذا السؤال هي: أن قوة الروح تملأ كل البشر وعندما قصد الرب أن يعطيه للتلاميذ لم يكن يقصد أن يعطيه للبعض دون الآخرين ومن كان غائبًا منهم فقد قبله لأن كفاية الواهب ليست قاصرة على الموجودين بل تمتد إلى كل جماعة الرسل. وهذا الحق ليس من خيالنا ولا هو من ضلال، ولذلك علينا أن نقنعهم من الكتب المقدسة نفسها مؤكدين ذلك بفقرة من توراة موسى، لأن الرب الإله أمر موسى الحكيم أن يختار سبعين شيخًا من جماعة اليهود وصرح علانية: ” سوف آخذ من الروح الذي عليك وأضع عليهم” (عد17:11). وأطاع موسى وأحضرهم إلى خيمة الاجتماع (عد24:11) إلاّ رجلين تخلفا عن الحضور ومكثا في المحلة وهما ألداد وميداد، لكن الله وضع عليهم الروح الإلهي كما وعد وأخذ الكل النعمة.. الذين كانوا في خيمة الاجتماع مع موسى وكذلك الاثنين اللذين تخلفا، الكل تنبأوا. وفي الحقيقة أن الرجلين اللذين تخلفا تنبأ ونالا النعمة من فوق قبل الباقين. إلاّ أن يشوع بن نون الذي كان يلازم موسى دائمًا والذي لم يفهم معنى السر ظن أن الرجلين ألداد وميداد يمهدان لانقسام مماثل لما صنعه “داثان وأبيرام”، ولذلك أسرع إلى موسى قائلاً: ” يا سيدي موسى أردعهما” (عد28:11)، ولكن بماذا أجاب الرجل العظيم والحكيم الذي رأى بحكمته أن النعمة من فوق وأنهما قد نالا معًا قوة الروح؟ “.. هل تغار أنت لي؟ يا ليت كل شعب الرب كانوا أنبياء إذا جعل الرب روحه عليهم” (عد29:11). ولاحظ كيف ينتهر يشوع الذي لم يعرف ماذا حدث. كان موسى يتمنى أن يعطى الروح للشعب كله ولكن هذا كان سيحدث في الوقت المعين عندما يمنح الرب المسيح الروح القدس للكل وينفخه على تلاميذه كباكورة البشرية قائلاً: ” اقبلوا الروح القدس “. ومع أن توما لم يكن موجودًا إلاّ أنه لم يُحرم من قبول الروح القدس لأن الروح حلّ في الكل أي الذين وُعدوا بأن يأخذوه وهم الذين حُسبوا ضمن جماعة الرسل المكرمين.

 

من غفرتم خطاياه:

          وعندما أعطى المسيح الروح القدس قال: ” من غفرتم خطاياه تُغفر له ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت“. والله الحي وحده هو القادر على أن يمنح الخطاة غفران الخطايا. ولا يستطيع أحد أن يعفو عن ذنوب الذين يخطئون ضد الناموس الإلهي إلاّ واضع الناموس نفسه. ولكننا نستطيع أن ندرك معنى النص بالمقارنة بالأمور البشرية مع الاحتفاظ بالفوارق. الذين ينفذون أحكام وقوانين ملوك الأرض أو يلغون قرارتهم هم الذين نالوا المقام والكرامة الملوكية. وقياسًا على هذا، بأي كيفية وبأي معنى أعطى المخلص لرسله الكرامة اللائقة بالله وحده؟  الكلمة الذي في الآب لا يمكنه أن يخطئ وما يفعله إنما يفعله بكل صلاح فهو الذي دبر أن الذين منحوا الروح القدس وهو الرب والله، تصبح لهم القوة على أن يغفروا ويمسكوا الخطايا لأن الروح القدس الساكن فيهم هو الذي يغفر ويمسك، حسب إرادته رغم أن العمل يتم بوسيلة بشرية. والذين لهم روح الرب يغفرون أو يمسكون الخطايا بطريقتين:

          أولاً: إنهم يدعون الناس للمعمودية والذين يستحقون المعمودية بسبب التوبة ونقاوة حياتهم بعد اختبار التصاقهم بالإيمان ينالون المغفرة ولكن في نفس الوقت يمنعون بل يطردون الذين لا يستحقون هذه النعمة الإلهية وهكذا يمسكون الخطايا.

          ثاينًا: إنهم يغفرون الخطايا أو يمسكونها عندما ينتهرون أبناء الكنيسة الذين يخطئون ويمنعون الصفح عمن لا يتوب كما فعل بولس عندما سلم الذي زنى في كورنثوس لهلاك الجسد لكي تخلص الروح (1كو5:5)، وبعد ذلك أعاده إلى الشركة لكيلا يُبتلع من فرط الحزن (2كو7:2).

          وعندما يسكن روح المسيح في قلوبنا فإنه يعمل الأمور التي تخص الله وحده، لأنه الله الحي الذي له المجد والكرامة الخاصة باللاهوت وله القوة والسلطان على القوانين المقدسة.

 

قيامة المسيح ج4 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج3 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج3 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج3 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح

من شرح إنجيل يوحنا

للقديس كيرلس الأسكندري

دخل والأبواب مغلَّقة (يو19:20ـ20)

” ولما كانت عشية ذلك اليوم وهو أول الأسبوع وكانت الأبواب مغلَّقة حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود جاء يسوع ووقف في الوسط وقال لهم سلام لكم. ولما قال هذا أراهم يديه وجنبه”.

          في نفس اليوم الذي ظهر فيه يسوع لمريم وتحدث معها، أظهر نفسه أيضًا للتلاميذ القديسين، الذين خافوا من هجمات اليهود الشريرة، ولذلك اجتمعوا في منزل معين، وبسبب خوفهم من اليهود القتلة اختفوا بحكمة على هذا النحو. ثم ظهر لهم المسيح بصورة معجزية خارقة، لأنه بينما كانت الأبواب مغلّقة ـ كما يقول الإنجيلي، وقف يسوع في وسطهم فجأة دون أن يكونوا متوقعين ذلك. إذ أنه بقوته الإلهية الخارقة ارتفع فوق سلسلة الأسباب والنتائج. وأظهر أنه قادر أن يستغني عن أي خطة أو وسيلة لتحقيق عمله. لذلك لا يجب أن يسأل أي إنسان، ” كيف استطاع الرب الذي قام بجسد مادي صُلب أن يدخل بدون أي فتحة، ولم تعوقه الأبواب المغلّقة؟”. فعلى من يسأل هذا السؤال أن يفهم أن الإنجيلي لا يتحدث هنا عن واحد مثلنا، بل عن الجالس عن يمين الآب، والذي له القدرة أن يفعل ما يشاء بسهولة. ومن يكون بالطبيعة هو الإله الحق لا يكون خاضعًا لقانون السبب والنتيجة مثل الخلائق التي تدين له بوجودها. بل هو بالحري يمارس ربوبيته فوق كل الضرورات. ويختار الوسائل المناسبة لعمل ما يريد.

          وإلاّ كيف استطاع أن يجعل البحر يهيئ له مكانًا صلبًا لقدميه، ويمشي على المياه كما يمشى على الأرض اليابسة مع أننا لم نخلق بالصورة[1] التي تجعلنا نسير على البحر؟ وكيف قام بكل معجزاته الباهرة التي تخص الله وحده؟ فإن كانت كل هذه المعجزات تفوق فهم الإنسان، هكذا أيضًا ضعوا هذه المعجزة مع سائر المعجزات الأخرى. ولا تتبعوا آراء بعض الناس الذين بسبب غباوة قلوبهم ضلوا عن الحق وتخيلوا بسبب هذه المعجزة أن المسيح قام بدون جسده البشري. وإنه انفصل تمامًا عن الهيكل الذي اتخذه لنفسه واتحد به. فإن كنت لا تستطيع أن تفهم عمل الطبيعة الإلهية الفائقة فلماذا لا تعترف بالأولى بضعف العقل البشري ـ فهذا منهج حكيم ـ وتقبل بهدوء الحدود المعينة لك في المعرفة من قِبل الله الخالق؟ لأن من يرفض الحكمة فإنه يسيء إلى سر القيامة العظيم الذي نعتمد عليه كلية. فتذكروا صيحة بولس: ” إن كان الموتى لا يقومون فلا يكون المسيح قد قام. وإن لم يكن قد قام فباطل إيمانكم أنتم بعد في خطاياكم” (1كو16:15و17)، ويقول أيضًا: ” ونوجد نحن أيضًا شهود زور لله لأننا شهدنا من جهة الله أنه أقام المسيح وهو لم يقمه إن كان الموتى لا يقومون” (1كو15:15). لأن ما هو الذي يقوم سوى ذاك الذي سقط؟ ومن يمكن أن يُعاد إلى الحياة إلاّ الذي انحنى تحت الموت؟ وكيف نتوقع نحن أن نقوم ثانية لو لم يكن المسيح قد أقام هيكله وجعل نفسه ـ من أجلنا ـ باكورة الراقدين والبكر من بين الأموات؟ أو كيف ” يلبس هذا المائت عدم موت” (1كو53:15) إذا صح ما يتصوره البعض أن الجسد سوف يتلاشى تمامًا؟ لأنه كيف نفلت من هذا المصير (مصير العدم) إذا لم يكن لنا رجاء في حياة جديدة. إذن فلا تتزعزعوا عن الإيمان الأرثوذكسي بسبب أن هذه المعجزة (معجزة دخوله والأبواب مغلّقة) قد تمت، بل كونوا حكماء، وأضيفوا هذه المعجزة إلى أعمال المسيح الخارقة التي عملها.

          دققوا النظر في هذا الدخول غير المتوقع، فإن المسيح بدخوله والأبواب مغلّقة يُظهر مرة أخرى أنه هو الله بالطبيعة، ويؤكد لهم أنه هو نفسه الذي عاش معهم قبل ذلك. فهو يكشف لهم عن جنبه الجريح ويريهم آثار المسامير، وهكذا أعطانا البرهان الكامل أنه قد قام بجسده أى هيكله الذي عُلق على الصليب، وأنه أعاد إلى الحياة ذلك الجسد الذي لبسه. وبذلك سحق الموت الذي كانت له القدرة على كل الأجساد. وقد فعل المسيح هذا لأنه هو بالطبيعة الحياة وهو الله.

          ولماذا احتاج أن يريهم يديه وجنبه؟ لأن البعض تصوروا أنه لم يقم بالجسد. ولو كان يريد ألاّ يعتنق تلاميذه عقيدة قيامة جسده فلماذا لم يظهر لهم بشكل آخر لا علاقة له بجسده. ولكننا نرى بوضوح أنه أكد الأهمية القصوى لاقتناعهم وإيمانهم بقيامة جسده. ورغم أن الوقت كان مناسبًا جدًا أن يغير جسده إلى شكل وجمال فائق يناسب القيامة، إلاّ أنه قرر حسب تدبيره وعنايته أن يُظهر جسده بشكله كما كان منذ البداية لكي لا يتصور أحد أنه يلبس شكلاً آخر غير ذلك الشكل الذي صُلب به. كما أن عيوننا لم تكن لتستطيع أن تحتمل مجد الجسد المقدس، لو أن المسيح أراد أن يعلن مجد القيامة للتلاميذ قبل أن يصعد إلى الآب. ونستطيع أن نكوّن فكرة عن مجد جسده حينما نتأمل ما حدث في التجلى على الجيل أمام التلاميذ القديسين، لأن متى الإنجيلي كتب أن ” يسوع أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا وصعد بهم إلى جبل عال وتجلى أمامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور” (مت2،1:17) ولم يستطع التلاميذ أن يحتملوا المنظر فسقطوا على وجوههم.

          لذلك كان مناسبًا جدًا ألاّ يغير ربنا يسوع المسيح هيكل جسده إلى الجمال الفائق المناسب للقيامة، بل يظهر بشكله المعروف لديهم لكي لا يعتقد أحد أن جسده الذي أخذه من العذراء والذي صُلب ومات حسب الكتب، لم يقم، أو أنه أخذ جسدًا آخر في القيامة. لأن قوة الموت وسلطانه قد قُهرت وطُردت من الجسد. ولو أن جسده الذي مات لم يقم، فأي نوع من الموت هو الذي أُبطل وسُحق؟ وبأي طريقة أُبطلت قوة الفساد؟ لأنه بدون موت جسده وقيامته لا يمكن أن تتلاشى قوة الموت، لا بموت النفس ولا بموت ملاك ولا حتى بموت كلمة الله نفسه، لأن قوة الموت كامنة في ذلك الجسد الذي هو فاسد بالطبيعة. كما أن قوة القيامة خاصة بهذا الجسد وبالجسد وحده. الذي بواسطة موته وقيامته انتهى سلطان رئيس هذا العالم.

          لذلك فدخول ربنا يسوع والأبواب مُغلّقة يجب أن يوضع ضمن المعجزات الأخرى التى أجراها.

          ثم بعد ذلك حيا تلاميذه القديسين بقوله: ” سلام لكم“، وعندما قال “سلام” فقد كان يعنى ذاته. لأنه حيثما يحل المسيح بين الناس يحل السلام والهدوء في عقولهم. إنهم ينالون سلام العقل الذي وصفه بولس بأنه مكافأة اذلين يؤمنون بالمسيح وذلك عندما قال ” وسلام المسيح الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم” (في7:4). وهولا يعنى ” بسلام المسيح ” الذي يفوق كل عقل، سوى روحه القدوس الذي كل من يشترك فيه فإنه يمتلئ بكل ما هو صالح.

 

يو20:20

” ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب”.

          إن الإنجيلي المبارك يشهد هنا لصدق كلمات المخلص، حينما يقول إن التلاميذ امتلأوا بالسلام وفرح القلب حينما رأوا يسوع، لأننا نتذكر الأقوال المملوءة سرًا التي حدثهم بها الرب عن صليبه الثمين وقيامته من بين الأموات قائلاً: ” بعد قليل لا تبصرونني، ثم بعد قليل أيضًا ترونني.. فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم” (يو22،16:16). فقد فرح اليهود الذين امتلأت قلوبهم بالحقد، عندما رأوا يسوع مُسمّرًا على الصليب. بينما قلوب التلاميذ كانت مثقلة بحزن لا يُحتمل. ولكن لأنه هو بالطبيعة “الحياة” فقد غلب قوة الموت وقام، وبذلك تلاشى فرح اليهود بينما تحوّل ثقل حزن التلاميذ القديسين إلى فرح. ولم يستطع شئ أن يمنع نفوسهم عن الفرح والبهجة. والمسيح إذ قد مات مرة من أجل الجميع لكي يبطل الخطية لا يموت مرة أخرى. إذ هو حي إلى الأبد. وهو بكل تأكيد سيحفظ أولئك الذين وضعوا رجاءهم فيه وسوف يحفظهم في فرح لا ينقطع.

          وها هو يحييهم ثانية بالسلام الذي أعطاهم من قبل: ” سلام لكم” وقد أسس بذلك هذه القاعدة لأبناء الكنيسة. لذلك أيضًا فحينما نوجد خاصة في اجتماعات في الأماكن المقدسة، عندما نحتفل بسر الإفخارستيا المبارك فإننا نقول لبعضنا البعض ” سلام لكم ” لأن وجودنا في سلام بعضنا مع بعض وفي سلام مع الله هو نبع ومصدر لكل صلاح وكل خير. ولذلك عندما يصلي بولس من أجل المدعوين لكي يتمتعوا بالبركات العظمى فإنه يقول: ” نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح” (رو7:1). وأيضًا حينما يدعو أولئك الذين لم يؤمنوا بعد لكي يتصالحوا مع الله فإنه يقول      “ نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بواسطتنا. نطلب إليكم نيابة عن المسيح تصالحوا مع الله” (2كو20:5)، ايضًا يحثنا إشعياء النبي صارخًا: ” لنصنع صلحًا معه، لنصنع الصلح الذي يأتي” (إش5:27س). ومعنى هذا القول يناسب ذلك الذي يعطي السلام أو بالحري الذي هو سلام كل البشر، أي المسيح، “ لأنه هو سلامنا” حسب الكتب (أف14:2).

 

يو21:20

”فقال لهم يسوع أيضًا سلام لكم، كما أرسلني الآب الحي أرسلكم أنا”.

          بهذا رسم ربنا يسوع المسيح التلاميذ ليكونوا مرشدي ومعلمي العالم، وخدام الأسرار الإلهية. وها هو يوصيهم، لأنه قد حان الوقت لأن يكونوا أنوارًا ليس لليهودية فقط ـ حسب حدود وصية الناموس (والتي كانت تمتد من دان إلى بئر سبع) حسب الكتب (2مل11:17)، بل بالحري ينيروا كل مكان تحت الشمس حيثما انتشر البشر وسكنوا على وجه الأرض كلها. وقد قال بولس الحق عندما ذكر: ” لا يأخذ هذه الكرامة لنفسه، بل المدعو من الله” (عب4:5). لأن ربنا يسوع المسيح دعا إلى رسوليته المجيدة تلاميذه قبل غيرهم، وثبت بهم الأرض كلها التي كانت في طريقها إلى الانحلال والسقوط. وكإله اختار هؤلاء الرجال لكي يسند بهم الأرض. ولذلك تكلم بفم المرنم قائلاً عن الأرض والرسل: ” أنا ثبّت أعمدتها” (مز3:75)، لأن الرسل المباركين هم أعمدة الحق وقاعدته. وهؤلاء قد أرسلهم الابن كما أرسله الآب مبينًا مقدار الكرامة الرسولية والشرف الذي لا يدانيه شرف، والقوة التي وُهبت لهم. ويشير أيضًا إلى نهج الحياة الذي يلتزم الرسل بالسير فيه. وإذا كان الرب قد رأي من اللائق أن يرسل تلاميذه كما أرسله الآب، فقد أصبح من الضرورى أن الذين يتمثلون بالابن أن يعرفوا لماذا أرسل الآب الابن؟

          وقد شرح هو لنا بطرق متنوعة طبيعة إرساليته، فقال في موضع ما    ” جئت لا لأدعوا أبرارًا بل خطاة إلى التوبة” (مت13:9)، وأيضًا ” لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى” (لو31:5)، وأيضًا لأنني نزلت من السماء لا لأعمل مشيئتي، بل مشيئة الذي أرسلني. ومرة أخرى: ” لأن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلص به العالم” (يو17:3).

          وهكذا لخص في كلمات قليلة طبيعة إرساليته. وبذلك حدد طبيعة إرسالية التلاميذ أيضًا أي أنهم سوف يدعون الخطاة إلى التوبة ويخدمون الذين يعيشون في الشرور الروحية والجسدية. وهم في كل ما يفعلونه على الأرض لا يتبعون إرادتهم الخاصة بل إرادة الذي أرسلهم، أن يخلصوا العالم بكرازتهم بأقصى ما يمكنهم. وفي الحقيقة سوف نجد أن التلاميذ القديسين أظهروا أعظم غيرة للقيام بكل هذه الأشياء. وعلى من يريد أن يتحقق من هذا الأمر أن يفحص بعناية سفر أعمال الرسل وكلمات القديس بولس.

 

يو22:20ـ23

” ولما قال هذا نفخ وقال لهم: اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت.”.

          بعد أن كرّم الرسل القديسين وميزهم بامتياز الرسولية المجيد وأقامهم خدامًا وكهنة للمذبح الإلهي، على الفور قدسهم بإعطاء روحه لهم بعلامة منظورة أي “نفخته”، وهذا يثبت اعتقادنا بأن الروح القدس ليس غريبًا عن الابن بل هو واحد معه فى الجوهر، وهو ينبثق من الآب ولكنه يُسكب علينا عن طريق الابن. وما فعله الرب بعد قيامته يعلن لنا أن نعمة الروح تُعطى لكل الذين شرطنهم ليكونوا رسلاً لله. لماذا؟ لأنهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا يرضى الله أو يقهروا فخاخ الشيطان والخطية إن لم يكونوا قد أُلبسوا قوة من الأعالي (لو49:24) لكي يتغيروا إلى حالة تختلف تمامًا عن الحالة السابقة بالشكل الذي قيل عنه لأحدهم في القديم ” سيحل عليك روح الرب وسوف تتحول إلى رجل آخر” (1مل6:10). وكما أعلن إشعياء النبي أن الذين ينتظرون الرب سوف يجددون قوتهم (إش31:40). وبولس الحكيم الذي يقول إنه تفوق على البعض في الأتعاب الرسولية إلاّ أنه على الفور يقول: ” ليس أنا بل نعمة الله التي معى” (1كو10:15). وبالإضافة إلى ما قلناه كان الرسل سيعجزون تمامًا عن فهم سر المسيح، ولما صاروا مرشدين حقيقيين للآخرين في هذه المعرفة لو لم يكونوا قد سبقونا في الحصول على نور الروح لكي يعلنوا لنا هذه الأسرار التى تفوق عقل الإنسان وقدرته على الفهم. لأن الروح وحده هو الذي يقدر على أن يعطي لهم إدراك الإعلانات العالية التي كانوا سيرتفعون إليها، لأنه لا يستطيع أحد أن يقول إن يسوع رب ـ كما قال بولس ـ إلاّ بالروح القدس (1كو3:12). ولما كانوا قد اختيروا للكرازة بيسوع أنه إله ورب كان من الضرورى أن ينالوا نعمة الروح القدس في ارتباط مباشر بالوظيفة الرسولية. ولذلك أعطاهم المسيح الروح القدس ليس لأن المسيح يخدم الروح القدس بل هو يعطيه من ذاته لأن الروح القدس لا يحلّ علينا ولا ينزل من عند الآب إلاّ من خلال الابن. وفي الناموس قديمًا وهو ظلال ورموز الحقيقة كُتب إن إقامة الكهنة يجب أن تتم بطريقة منظورة لأن موسى المُبارك، حسب وصية الله ـ طلب من هارون واللاويين أن يغتسلوا بالماء (لا6:8)، وبعد ذلك ذبح موسى حمل التقديس ودهن بدمه شحمة أذن هارون اليمنى وإبهام يده اليمنى وإبهام رجله اليمنى (لا33:8)، وقد أعطى بهذا ملامح ورمز سر المسيح. لأن الماء والدم هما وسيلتا التقديس وليس لدينا أدنى شك في أن هذه الصورة في سفر اللاويين هي ملامح جمال الحقيقة. وربنا يسوع المسيح الذي حوّل ظلال الناموس إلى قوة الحقيقة يقدس في ذاته خدام المذبح الإلهي، لأنه هو حمل التقديس الذي يقدس فعلاً ويجعل البشر يأخذون من طبيعته بالاشتراك في الروح القدس. وبهذه الصورة قدّس الطبيعة الإنسانية بالقوة والمجد اللذين هما فوق الطبيعة الإنسانية ولا يوجد أدنى انحراف أو ابتعاد عن الحق في هذا الشرح الذي ذكرته.

 

[1] يقصد القديس كيرلس أن طبيعة أجسادنا البشرية التي لبسها المسيح لا تسطيع المشي على البحر ولذلك فهذا من قوة لاهوته.

 

قيامة المسيح ج3 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج2 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج2 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج2 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

 

قيامة المسيح

من شرح إنجيل يوحنا

للقديس كيرلس الأسكندري

لا تلمسيني:

يو17:20 ” قال لها يسوع، لا تلمسيني لأنني لم أصعد بعد إلى أبي ”.

          لا يفهم العامة معنى هذا القول بسهولة، لأن فيه سر خفى، ولكن يجب أن نبحث فيه لفائدتنا. وسوف يمنحنا الرب أن نعرف كلماته. فبينما كانت المرأة تجري نحوه، ورغم أنها اشتاقت أن تحتضن قدميه فإن الرب منعها وأوقفها، وذكر سبب منعه إياها بقوله: ” لأنني لم أصعد بعد إلى أبي“، ويلزمنا أن نبحث عن معنى هذا القول. فماذا يعنى أنه لم يصعد بعد إلى أبيه؟ وكيف يمكن أن يكون عدم صعوده سببًا كافيًا لمنع أولئك الذين أحبوه من لمس جسده المقدس؟.

          إن كل من يتصور أن الرب رفض أن تلمسه المرأة لكي لا يتدنس بلمستها، وأنه تكلم بهذه الكلمات لكي يكون نقيًا حينما يصعد إلى الآب في السماء، كل من يفكر هكذا يكون مستحقًا لكل لوم ويستحق أن يُوصف بالحماقة والجنون. لأن طبيعة الله لا يمكن أن تتدنس مطلقًا. وكما أن شعاع الشمس عندما يسقط عل كومة من روث البهائم أو على أي شئ آخر من الأشياء الأرضية النجسة، فإن الشعاع لا يتدنس ـ بل يظل كما هو أي غير مُلوث، ولا يشترك في أي رائحة كريهة من القاذورات التي يسقط عليها، فكم بالحري طبيعة الله الكلية لقداسة، فإنها لا تسمح لأي عيب أو دنس أن يؤثر فيها.

          إذن ما هو السبب في منع مريم من لمسه حينما اقتربت منه واشتاقت أن تلمسه؟ وماذا يمكن أن يكون قصد الرب حينما يقول: ” لأني لم أصعد بعد إلى أبي“، ينبغي أن نفتش عن معنى هذه الكلمات بأقصى طاقتنا.

          لذلك نقول، إن مجيء المخلص إلينا كان له أهداف متعددة. ولكن الهدف الرئيسي بين كل هذه الأهداف هو ما عبّر عنه بكلماته هو نفسه عندما قال:

          ” لم آت لكي أدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة ” (مت13:9).

          فقبل صلب المخلص وقيامته من الأموات، أي حينما لم تكن خطة تدبيره قد وصلت بعد إلى غايتها، فإنه كان يخالط كلاً من الأبرار والخطاة، ويأكل مع العشارين والخطاة، وكان يسمح لكل من يريد، أن يأتي إليه ويلمس جسده المقدس، وذلك لكي يقدس كل البشر ويدعوهم إلى معرفة الحق، ولكي يعيد إلى الصحة والشفاء أولئك الذين كانوا مرضى وضعفاء من كثرة ممارسة الخطية. لذلك يقول أيضًا في موضع آخر: ” لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى” (لو31:5). ولذلك فقبل قيامته من الأموات كان يعاشر الأبرار والخطاة بدون تفرقة أو تمييز. ولم يطرد أبدًا أحد من الذين أتوا إليه. بل إنه حينما كان متكئًا في بيت أحد الفريسيين، جاءت إليه امرأة كانت خاطئة في المدينة، وكانت تبكي (لو37:7و38)، وقد حلت ضفائر شعرها وهذا يدل على عدم تحررها التام من خدمة خطاياها السابقة، ومسحت قدميه بشعرها، أما هو فلم يمنعها. وكذلك حينما كان ذاهبًا لكي يقيم ابنة رئيس المجمع من الموت، جاءت ” امرأة بنزف دم ولمست هدب ثوبه” (لو43:8و44)، ونجد أنه لم يغضب بالمرة، بل أنعم عليها بالثقة المعزية بقوله: ” ثقي يا ابنة إيمانك قد شفاك. اذهبي بسلام“.

          في ذلك الوقت فإن الناس الذين كانوا لا يزالون نجسين، والذين كانوا متدنسين عقلاً وجسدًا، هؤلاء حسب تدبيره، كان يسمح لهم أن يلمسوا جسد المسيح مخلصنا نفسه بلا مانع أو عائق، وبذلك يحصلون منه على كل بركة. ولكنه بعد أن أكمل تدبير فدائنا، بعد أن احتمل الصليب والموت عليه، وبعد أن قام حيًا وأظهر أن طبيعته أعلى من الموت، فإنه منذ ذلك الحين بدأ يمنع أولئك الذين يأتون إليه من لمس جسده المقدس، وبذلك أعطانا مثالاً تسير عليه الكنائس المقدسة فيما يختص بالسر الخاص به[1].

          فكما أن الناموس الذي أُعطى بواسطة موسى الحكيم فيما يخص ذبح الحمل ـ الذي يرمز للمسيح ـ يقول: ” لا يأكل منه أي أغلف” (خر48:12)، أي غير مختون فهو يعنى أن غير المختون هو غير طاهر. وهو مثال للطبيعة البشرية غير الطاهرة. لأن ما هى طبيعة الإنسان بالمقارنة بنقاوة الله الطبيعية. لذلك إذ ظللنا غير مختونين، أي غير طاهرين فعلينا أن نمتنع عن لمس جسده المقدس، ولكن حينما نصير أطهارًا بالختان الحقيقي للروح فإننا يمكن أن نلمسه، لأن ” ختان القلب هو بالروح” كما يقول بولس (رو29:2).

 

إعطاء الروح القدس يسبق لمس جسد المسيح:

          ولا يمكن أن نُختتن روحيًا إن لم يسكن فينا الروح القدس بالإيمان والمعمودية المقدسة. لذلك فقد كان لائقًا أن تُمنع مريم مؤقتًا من لمس جسده المقدس، لأنها لم تكن قد نالت الروح القدس. فرغم أن المسيح قام من الأموات، ولكن الروح لم يكن قد أُعطى للبشرية من الآب بواسطة المسيح. ولكنه حينما صعد إلى الآب، أرسل الروح إلينا، حسب قوله:       ” خير لكم أن أنطلق، لأني إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت، سأرسله أليكم” (يو7:16). فلأن الروح القدس لم يكن قد نزل بعد ألينا، لأن المسيح لم يكن قد صعد بعد إلى الآب، فهو لهذا السبب منع مريم من لمسه لأنها لم تكن قد أخذت الروح، قائلاً لها: ” لا تلمسيني لأني لم أصعد بعد إلى أبي“، أي لم أرسل لك بعد الروح القدس.

 

التقديس بالروح القدس يسبق التناول من الجسد والدم:

ومن هنا فإن هذا المثال ينطبق على الكنائس. فإننا نمنع الذين آمنوا بلاهوت المسيح واعترفوا بالإيمان ـ أي الذين أصبحوا موعوظين ـ نمنعهم من الاقتراب من المائدة المقدسة لأنهم لم ينالوا غنى الروح القدس بعد، فإن الروح لا يسكن في الذين لم يقبلوا المعمودية. ولكن حينما يصيرون شركاء الروح القدس، فلا يوجد ما يمنعهم من لمس المسيح مخلصنا. لذلك أيضًا، فكل الذين يرغبون في الاشتراك في الإفخارستيا المقدسة يقول لهم خدام الأسرار الإلهية: ” القدسات للقديسين “، وبذلك يعلمونهم أن الاشتراك في القدسات هو المكافأة التي يحصل عليها الذين تقدسوا بالروح.

 

يو17:20 ”ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم ”.

          منع المسيح مريم من لمسه للأسباب التي قدمناها، رغم أنها في محبتها لله كانت تشتاق جدًا لهذه الهبة؛ ولكنه يكافئها على عنايتها وسهرها ويضاعف تعويضها على إيمانها الحار ومحبتها له، موضحًا أن الذين يجتهدون في خدمته ينالون مكافأة. ولكن ما هو أكثر مجدًا أن مريم حققت خلاص المرأة من الضعفات القديمة؛ لأن فيها هي أولاً ـ أي في مريم ـ كلل جميع جنس النساء بكرامة مضاعفة. فرغم أنها كانت تبكي في البداية على المسيح، ولكنها حوّلت نوحها إلى فرح عندما أخبرها الرب أن تمتنع عن البكاء، وهو الذي حكم على المرأة في القديم أن تُغلب بسهولة من الأحزان، لأن الله قال لها: ” بالحزن تلدين أولادًا” (تك16:3)؛ ولكن كما جعلها تحت الحزن، في الفردوس عندما أصغت إلى صوت الحية وخدمت حيل الشيطان، هكذا فإنه الآن في بستان أيضًا يطلب منها أن تمتنع عن البكاء. ولأنه عتقها من اللعنة التي قيدتها بالحزن، فإنه يطلب منها أن تكون أول مبشر بأخبار الفرح العظيم، وتخبر التلاميذ بصعوده إلى السماء…

 

          لقد فاقت محبة مريم المجدلية للمسيح جميع الآخرين، وهذا، ربما ما جعل يوحنا يذكرها هي وحدها من بين النساء الأخريات، فهي أول من رأى القبر، وكانت في ابستان، وطافت بجميع المواضع القريبة من القبر باحثة عن الجسد لأنها ظنت أن الرب قد أُخذ من القبر…

          فالمخلص أعطى لمريم كرامة ومجدًا وشهرة دائمة بان منحها القيام بواجب البشارة لاخوته حاملة لهم الأخبار السارة التي يقول فيها: ” إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم“…

          لنتأمل كيف أن كلمة الله الابن الوحيد جاء بيننا، لكي نصير نحن مثله، بقدر ما تحتمل طبيعتنا أن تبلغ إلى هذا المستوى من جهة خلقتنا الجديدة بالنعمة. لأنه وضع نفسه لكي يرفع ما هو وضيع أصلاً إلى مقامه العالي الخاص به. ولبس صورة عبد ـ رغم أنه بالطبيعة هو الرب وابن الله ـ لكي يرفع ذلك الذي كان مُستعبدًا بالطبيعة، إلى كرامة البنوة، جاعلاً إياه على شبهه الذاتي، وعلى صورته. كيف وبأي معنى؟ إنه عندما صار واحدًا منا كإنسان، لكي يجعلنا نحن أيضًا نصير مثله، أي آلهة وأبناء، فإنه يأخذ ضعفاتنا في ذاته، ويعطينا صفاته الخاصة، وربما تكون مهتمًا جدًا بهذا السؤال. وهذا ما سأشرحه على قدر ما أستطيع:

          أولاً، رغم أننا عبيد بالرتبة والطبيعة (لأن المخلوقات تحت سلطان خالقها)، فهو الآن يدعونا اخوته، وجعل الله الآب هو الأب المشترك له ولنا، ولأنه جعل البشرية خاصة به باتخاذه شكلنا لنفسه، فإنه يدعو إلهنا إلهًا له بقوله ” إلهي “، رغم أنه ابنه بالطبيعة؛ وذلك لكي نرتفع نحن إلى كرامته الفائقة العظمة بمشابهتنا له (فنحن لسنا أبناء لله بالطبيعة بل هو الابن الذي يصرخ في قلوبنا بروحه يا أبا الآب غل6:4).

          لذلك، لا تعثر عندما تسمعه يدعو الله إلهًا له بقوله “إلهي”، بل بالحري تأمل كلماته بروح مستعدة للتعلّم وتأمل معانيها الحقيقية بانتباه. فهو يقول إن الله أبوه وإنه إلهنا أيضًا وكلا القولين صحيح. لأن إله هذا الكون هو بالحق، أب المسيح، ولكنه ليس أبانا بالطبيعة؛ بل بالحري هو إلهنا لأنه خالقنا وربنا الذي له كل السيادة. ولكن الابن، إذ وحّد نفسه بنا بتجسده فإنه منح لطبيعتنا الكرامة التي له وحده، ودعا ذاك الذي ولده (أي الله الآب) أبًا مشتركًا له ولنا… ومن الجهة الأخرى، فهو باتخاذه شكلنا، فإنه يقبل في نفسه ما يختص بطبيعتنا، فهو يدعو أباه ” إلهي “، لأنه بسبب غنى محبته ورحمته على جنس البشر لم يشأ أن يحتقر صورتنا التي قد اتخذها لنفسه. أما من يريد بجهل أن يعترض على هذا القول ” أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم” ولا يقبل أن يقول المخلص عن الله الآب إنه “إلهه”، فهو بهذا الانحراف في الفهم يطعن في خطة فدائنا ذاتها. وبدلاً من أن يقدم الشكر الواجب لله صانع الخيرات لنا فإنه يحتقره، ويعترض بغباوة على الطريقة التي أظهر بها محبته لنا.

          ولكن إن كان الابن قد وضع ذاته ” مستهينًا بالخزى” (عب2:12)، وصار إنسانًا لأجلك، فإن رفضت تواضعه فإنك ستُدان على ذلك، أما هو الذي اتضع لأجلك، فإن الكرامة الواجبة له هي عظيمة بلا حدود…

          لذلك، إذ هو كامل ومكتفٍ بذاته كلية كإله، فإنه وضع نفسه لأجلك وصار في شبهك، ورغم أنه مُمجد مجدًا عاليًا كابن الله ومولود من ذات جوهر الآب، فإنه أنزل نفسه، إذ أخلى ذاته من صفات مجده الإلهي بقدر ما تسمح طبيعته الإلهية بذلك.

          والآن، فهو إله وإنسان معًا، إذ هو فائق المجد بسبب أصله الإلهي (لأنه إله من إله والمولود الحقيقي من أبيه)، وهو أيضًا وُضِعَ لأجلنا (لأنه صار إنسانًا لأجلنا).

          إذن، فلتهدأ نفسك حينما تسمعه يقول: ” أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم“. فمن اللائق جدًا بل والصواب تمامًأ أنه وهو بالطبيعة الإله وابن الله أن يقول عن ذاك الذي ولده إنه ” أبوه “، ولأنه إنسان مثلنا فيحق أن يقول عن الله إنه ” إلهه “….

[1]  أي سر الإفخارستيا كما يتضح من بقية الشرح (المعرب).

 

قيامة المسيح ج2 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج1 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج1 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

قيامة المسيح ج1 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

 

قيامة المسيح

من شرح إنجيل يوحنا

للقديس كيرلس الأسكندري

 

يو1:20ـ9

” وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكرًا والظلام باق فنظرت الحجر مرفوعًا عن القبر. فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه وقالت لهما أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه. فخرج بطرس والتلميذ الآخر وأتيا إلى القبر. وكان الاثنان يركضان معا فسبق التلميذ الآخر بطرس وجاء أولاً إلى القبر. وانحنى فنظر الأكفان موضوعة ولكنه لم يدخل. ثم جاء سمعان بطرس يتبعه ودخل القبر ونظر الأكفان موضوعة. والمنديل الذي كان على رأسه ليس موضوعًا مع الأكفان بل ملفوفًا في موضع وحده. فحينئذ دخل أيضًا التلميذ الآخر الذي جاء أولاً إلى القبر ورأى فآمن. لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب أنه ينبغي أن يقوم من الأموات”.

 

          لم تكن هذه المرأة الرائعة التقية لتحتمل أن تلزم بيتها وتترك القبر، لولا خوفها من كسر الوصية بخصوص السبت والعقوبة التي تنزل على الذين يخالفونها، مما خفف من غيرتها المشتعلة، ولذلك خضعت للوصية بحفظ السبت، ولكنها ظلت منشغلة بالتفكير في ذاك الذي كان محور اهتمامها وأشواقها. ولكن حينما مضى السبت، وبدأ فجر الأحد، فإنها أسرعت إلى القبر، وعندما نظرت الحجر مرفوعًا عن باب القبر، سيطرت الشكوك على عقلها. وإذ تذكرت عداوة اليهود الشديدة، ظنت أن جسد يسوع قد أُخذ من القبر ونسبت إليهم هذه الجريمة إضافة إلى شرورهم الأخرى.

          وبينما كانت منشغلة هكذا وتقلّب كل هذه الاحتمالات في فكرها، فإنها جاءت إلى الرجال الذين أحبوا الرب، لتحصل على مساعدة أكثر التلاميذ التصاقًا بالرب في بحثها عن يسوع. وكان إيمانها عميقًا وقويًا ولذلك فلم ينقص المسيح في نظرها بسبب موته على الصليب، بل حتى وهو ميت فهي تدعوه “الرب” كما كانت تدعوه دائمًا قبل موته، وبهذا ظهر أن لها محبة حقيقية لله.

 

          عندما سمع الرجلان ـ أي بطرس ويوحنا (كاتب هذا الإنجيل، الذي يعطي لنفسه اسم التلميذ الآخر)، هذه الأخبار من فم مريم ـ ركضا بأقصى سرعة ممكنة وأتيا إلى القبر ونظرا الأعجوبة بأعينهما، وهكذا صارا مؤهلين للشهادة عن القيامة لأنهما كانا اثنين في العدد وذلك حسب وصية الناموس (” على فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كل كلمة” تث15:15). ورغم أنهما لم يكونا قد التقيا بعد بالمسيح قائمًا من بين الأموات، إلاّ أنهما استدلا على قيامته من وضع الأكفان، وأنه قد حطم رباطات الموت ـ كما سبق أن تنبأت الكتب المقدسة منذ القديم. ولذلك، فيما بعد، حينما نظرا إلى ما حدث في ضوء النبوات التي تأكد صدقها (بالقيامة)، فإن إيمانهما صار راسخًا ومؤسسًا على أساس ثابت.

 

          لاحظوا أن الإنجيلي المبارك يوحنا حينما يخبرنا عن وقت القيامة، يقول: ” وفي أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر والظلام باق“؛ بينما متى عندما يخبرنا عن وقت القيامة يقول إن القيامة حدثت بعد انتهاء الليل. ولا أظن أن أحدًا سوف يتخيل أن الكتب المُوحى بها تختلف حول هذا الأمر أو أن الإنجيليين حددوا أوقاتًا مختلفة للقيامة. لكن كل من يريد أن يبحث معنى الكلمات التي يعطونها عن وقت القيامة سيجد أن البشيرين (متى ويوحنا) متفقان، لأن الفجر ونهاية الليل يعبران عن نفس الوقت، أي عن تلاشي الليل. إذن، لا يوجد تعارض بينهما، لأن الواحد بدأ بسرد الأحداث من نهاية الليل، والآخر بدأ من أول النهار (الفجر) ولذلك يلتقيان في نفس النقطة، أي موت الظلام وتلاشي الليل.

 

يو10:20ـ11

” فمضى التلميذان أيضًا إلى بيتهما. أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي”.

          بعد أن جمع التلميذان الحكيمان الدليل الكافي على قيامة مخلصنا‍ وكانا ينميان في الإيمان الأكيد وغير المُزعزع، ويقارنان الأحداث كما حدثت فعلاً بأقوال الأنبياء في الكتب المقدسة، فإنهما رجعا بسرعة إلى البيت ليطلعا شركائهما (أي بقية التلاميذ) على المعجزة التي حدثت، وبعد ذلك يقرر الجميع ماذا سيفعلون.

 

          ولن نخطئ إن افترضنا أنه كان هناك سبب آخر لعودة التلميذين إلى شركائهما. ولأن شهوة الانتقام عند اليهود قد وصلت إلى ذروتها، وكان رؤساء اليهود متعطشين لسفك دم أي إنسان مُعجب بتعليم مخلصنا وكل من يعترف بقدرته ومجده الإلهيين اللذين يفوقان الإدراك، وفوق الكل كانوا متعطشين لسفك دم التلاميذ القديسين أنفسهم، لذلك تحاشى التلاميذ المواجهة، وتركوا القبر قبل ظهور النهار تفاديًا للخطر ـ لئلا يراهم أحد بالنهار بعد إشراق الشمس. ونحن لا نقول إن الدافع وراء هروب التلاميذ واحتراسهم هو الجبن وعدم الشجاعة؛ بل بالحري ينبغى أن نفترض أن معرفتهم بما كان يمكن أن يحدث لهم قد غرسها المسيح في عقولهم، وهو لم يسمح للذين عينهم لكي يكونوا أنوارًا ومعلمين للعالم، أن يتعرضوا للمخاطر قبل الأوان. لأنه كان ضروريًا أن يظهر صدق قوله الذي قاله عنهم للآب السماوي عندما صلي قائلاً: ” أيها الآب القدوس احفظهم في اسمك الذين أعطيتني.. حين كنت معهم في العالم كنت أحفظهم في اسمك الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد إلاّ ابن الهلاك” (يو12،11:17). لذلك فقد اعتزل التلاميذ وكانوا ينتظرون الوقت الذي ينبغي أن يتكلموا فيه جهارًا. وقد فعلوا هذا طاعة لكلمات المخلص، فقد          ” أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الآب الذي سمعوه منه: لأن يوحنا عمّد بالماء، أما هم فسيُعمدون بالروح القدس ليس بعد هذه الأيام بكثير” (انظر أع5،4:1). وهذا الحدث قد تحقق فعلاً في يوم الخمسين المقدس، حينما ظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار، واستقرت على كل واحد منهم. وعندئذٍ ألبسهم روح الشجاعة العظمى والاحتمال، ورفعهم فوق كل ضعفات البشر، ولذلك واجهوا جنون اليهود بجسارة عظيمة، واعتبروا مؤامراتهم ضدهم لا تستحق حتى مجرد الالتفات. إذن، فقد اختفى التلاميذ الحكماء، بسبب ما استدعته الضرورة ـ كما قلت سابقًا ـ ولم يستعجلوا إظهار أنفسهم.

 

          كانت مريم المجدلية بسبب محبتها للمسيح، متحررة من كل خوف ولم تفكر في غضب اليهود، لذلك جلست تراقب القبر، وإذ كانت في حزن كثير كامرأة فإنها صارت تبكي كثيرًا، وتمسح الدموع التي تفيض باستمرار من عيونها، وتنوح ليس فقط لأن الرب مات، بل ايضًا لأنها ظنت أن جسده أُخذ من القبر.

 

يو11:20ـ13

” أما مريم فكانت واقفة عند القبر خارجًا تبكي وفيما هي تبكي وفيما هي تبكي انحنت ونظرت داخل القبر. فنظرت ملاكين بثياب بيض جالسين واحدًا عند الرأس والآخر عند الرجلين حيث كان جسد يسوع موضوعًا. فقالا لها يا امرأة لماذا تبكين؟ ”.

          لنلاحظ أن الدموع التي تُسكب لأجل المسيح لا تضيع بدون مكافأة، ولا يمضى وقت طويل قبل أن تثمر محبتنا للمسيح ثمرتها، فإن نعمته ومكافأته الغنية ستحيط بنا تمامًا في طريق الألم. لأنه، بينما كانت مريم خارجًا تبكي، وتلطم خديها، نائحة على الرب حبيبها الذي فقدته، منحها المخلص أن تعرف سره بفم الملائكة القديسين. فقد رأت ملاكين بثياب بيضاء، وهذا يشير إلى الجمال الكامل للنقاوة الملائكية. وهذان الملاكان قاطعا نوحها وقالا لها: ” يا امرأة لماذا تبكين؟“. وهما لم يكونا يسألان عن سبب بكائها، لأنهما كانا يعرفان السبب حتى لو لم تخبرهما هي عنه، بل إن الظروف نفسها كانت كافية لكشف سبب بكائها. ولكنهما يطلبان منها أن تكف عن البكاء لأن الوقت ليس وقت الدموع، ولأنها جعلت القيامة التي هي سبب الفرح، سببًا للحزن. وحقًا يقولان لها: لماذا تبكين والموت قد قُهر، والفساد فقد سلطانه، والمسيح مخلصنا قد قام، وخلق طريقًا جديدًا يعود به الموتى من الفساد إلى الحياة. لماذا، تخطئين في اختيار الوقت يا امرأة، ولماذا أنت مثقلة هكذا بآلام مريرة بينما الأحداث نفسها تدعوك إلى الفرح؟، لأنك بالحقيقة ينبغي أن تفرحي وتبتهجي. “لماذا إذن تبكين؟”، إذ أنك بهذه الدموع تقللين من الكرامة اللائقة بحدث مفرح كهذا.

          ظهر الملاكان ” جالسين واحدًا عند الرأس والآخر عند الرجلين، حيث كان جسد يسوع موضوعًا“، وكأنهما بهذا يوضحان للمرأة التى ظنت أن الرب قد أُخذ بعيدًا، أنه ليس هناك من يستطيع أن يأخذ الجسد المقدس بينما الملائكة تقوم بالحراسة والقوات المقدسة تحيط بهيكل الله[1] لأن كل هؤلاء يعرفون ربهم.

 

يو13:20ـ14

” قالت لهما إنهم أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه. ولما قالت هذا التفتت إلى الوراء فنظرت يسوع واقفًا ولم تعلم أنه يسوع ”.

          مريم لا تكف عن أن تدعو المسيح بالرب مما يدل على محبتها له، ولذلك سمح لها أن تتمتع برؤية من تبحث عنه. فقد رأت يسوع ولكنها لم تفكر أنه هو الذي يقف بالقرب منها. ولماذا؟

 

          السبب في عدم معرفتها، إمّا لأن المسيح مخلصنا أخفى ـ بقوته الإلهية ـ نفسه عنها، ولم يسمح لها أن تتعرف عليه بسهولة؛ أو بسبب أن الوقت كان باكرًا جدًا في الصباح، فلم تستطيع أن تميز بسهولة ما هو أمام عينيها، فالظلام الباقي منعها من ذلك فلم تكتشف ملامح الشخص الذي كان يقترب منها. ويشير الرب يسوع المسيح نفسه في نشيد الأنشاد[2] إلى سيره في الظلام في هذه الليلة وإلى رطوبة ندى الصباح بهذه الكلمات: ” لأن رأسي امتلأ من الطل، وقُصصي من ندى الليل” (نش2:5).

 

يو15:20

” قال لها يسوع يا امراة لماذا تبكين من تطلبين فظنت تلك أنه البستاني فقالت له يا سيد إن كنت أنت قد حملته فقل لي أين وضعته وأنا آخذه ”.

          إذ كان الظلام لا يزال باقيًا والليل لم يكن قد مضى كلية، فإنها ترى يسوع الذي كان واقفًا بالقرب منها ولكنها لم تعرف من هو لأنها لم تكن قادرة على أن تميز شكل جسده أو ملامحه، ولكنها سمعته يقول: ” يا امرأة لماذا تبكين؟“.

          كانت كلمات المخلص رقيقة بحيث كان يمكن أن تبعث فيها هذه الرقة، الشك بأنها صادرة من بستاني. وأيضًا حينما تكلم معها الرب هكذا، لم يكن في حقيقة الأمر يسألها عن سبب بكائها ولا كان يريد أن يسألها عمن تبحث عنه، بل كان بالحري مهتمًا أن يُوقف نوحها وبكاءها مثلما كان يريد الملاكان تمامًا.

          ” لماذا إذن تبكين يا امرأة؟“، هكذا قال لها، من تطلبين؟ فكأنه يقول لها، امسحي دموعك، لأن الذي تبكين عليه وتبحثين عنه هو أمامك. أنا هو الذي تنوحين عليه. أنا هو الذي كنت ميتًا وقد مت بهذه الطريقة البشعة، وأنت تبكين علىّ كأنني حُملت بعيدًا عن القبر. ولكن ها أنا حي، وها أنا هنا، فكفي عن نوحك وبكائك بل بالعكس افرحي. وهكذا فإنه أراد بهذا السؤال أن يضع نهاية لأحزانها.

          لأنه كان من اللائق أن يردنا الرب إلى الفرح بهذه الطريقة. لأنه بمعصية آدم ـ الذي هو باكورة الجنس البشري سرى الحكم إلى العالم كله: ” إنك تراب وإلى التراب تعود” (تك19:3). وقيل للمرأة بوجه خاص ” بالحزن تلدين أولادًا” (تك16:3). فكان نصيب المرأة بواسطة العقوبة هو كثرة الحزن. ولذلك، كان من الضروري أن ذات الفم الذي أصدر الحكم هو نفسه الذي يرفع ثقل اللعنة القديمة، وهو المسيح مخلصنا، الذي يمسح الآن الدموع من عيون المرأة بل بالحري من كل النساء عن طريق مريم المجدلية التي هي كباكورة لهن. فلأنها، وهي أولى النساء كانت حزينة جدًا على موت المخلص وكانت تنوح عليه، فقد حُسبت مستحقة أن تسمع الصوت الذي أوقف بكائها. ولكن قوة الكلمة تمتد في الحقيقة إلى كل جنس النساء اللائي يتألمن من كل عداوة تثور ضد المسيح، واللائي يكرمن الإيمان به واللواتي يصدق عليهن قول المزامير: ” ألاّ أبغض بغيضك يارب وأتألم من الذين يقاومونك؟ بغضًا تامًا أبغضتهم، وصاروا لى أعداء” (مز21:139و22).

          وفي حين أن ربنا يسوع المسيح يقول لها هذا لكي يضع حدًا لبكائها، فإنها ظنت أن الذي يكلمها هو البستاني، وأظهرت كل الاستعداد أن تأخذ الجسد إلى مكان آخر لو أنه دلها أين وضعه. لأنها لم تكن قد أدركت بعد سر القيامة العظيم، فكانت مضطربة بالشكوك.

 

يو16:20

” قال لها يسوع يا مريم. فالتفتت تلك وقالت له (بالعبرانية): ربوني، الذي تفسيره يا معلم ”.

          إنه يناديها لكي يجعلها تتعرف عليه، فقد استنار عقلها حينما ناداها، ثم سمح لها أن تتفرس فيه بدون مانع أو عائق، لأنها بالحقيقة أحبته محبة شديدة. وهو هنا يكاد يوبخها على بطئها في إدراك أنه المسيح، فشيئ من هذا الوبيخ كامن في معنى ندائه لها باسمها. وفي الحال فهمت قصده، وبرؤيتها له طرحت جانبًا شكوكها الأولى، وقدمت له تحية التكريم المعتادة قائلة له: “ربوني” أي يا معلم أو يا سيد. وإذ قد امتلأ عقلها بفرح سماوي أسرعت بشوق شديد لكي تمسك جسده المقدس، وتنال منه بركة.

 

[1] أي جسد المسيح (المعرب).

[2] بروح النبوة قبل التجسد (المعرب).

 

قيامة المسيح ج1 – القديس كيرلس عمود الدين – د. نصحي عبد الشهيد

جامعة الفيوم تضع إمتحان يوم أحد السعف وآخر يوم عيد القيامة لتحرم الأقباط من الإحتفال باعياد القيامة

جامعة الفيوم تضع إمتحان يوم أحد السعف وآخر يوم عيد القيامة لتحرم الأقباط من الإحتفال باعياد القيامة

جامعة الفيوم تضع إمتحان يوم أحد السعف وآخر يوم عيد القيامة لتحرم الأقباط من الإحتفال باعياد القيامة

جامعة الفيوم تضع إمتحان يوم أحد السعف وآخر يوم عيد القيامة لتحرم الأقباط من الإحتفال باعياد القيامة

فى خطوة اثارت غضب الاقباط بمحافظة الفيوم، وضعت كلية الهندسة جامعة الفيوم، اختبارات نهاية العام فى ايام اعياد عيد القيامة بوضع امتحانات في احد السعف ويوم عيد القيامة، لتحرم الطلاب الاقباط من حقهم بالاحتفال مع اسرهم، فى خطوة غير محسوبة وصفت بالتمييز والتعنت .

ووضعت كلية الهندسة لفرقة اعدادي هندسة امتحانات يوم 1 ابريل والذى يتزامن مع احد السعف ويوم 8 ابريل وهو يوم عيد القيامة.

وناشدت اسر الطلاب وزير التعليم العالى التدخل لوقف التمييز والعدول عن هذا القرار لاعطاء الفرصة للطلاب الاحتفال بعيد القيامة مع اسرهم، وتحقيق عنصر المساواة والمواطنة في ظل حالة الاحباط الت اصابت الطلاب بعد نشر جدول الامتحانات.

وقال الدكتور راجي فؤاد القيادي القبطي في سؤال الى رئيس جامعة الفيوم وعميد كلية الهندسة قائلا هل تعلم ان يكون امتحان يوم احد السعف ويوم العيد امتحان للطلبة! كارثة ان تسبب شرخ في الطلبة ويصبحوا ناقمين على الدولة ويشعرون بالظلم والدولة بريئة من مثل هذه التصرفات المؤلمة. هل تعلم ان هذه الأيام اجازة رسمية من الدولة للاقباط التي تحترم حرية العقيدة والمراطنه التي تريدون هدمها بعمل امتحان في هذه الأيام!

المصدر: وطني

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

إقرأ أيضًا:

ما معنى 666 عدد سمة الوحش في سفر الرؤيا؟

هل كان المسيح يجهل يوم وساعة نهاية العالم؟

علامات يوم القيامة – ما هو التعليم الكتابي حول اليوم الأخير (يوم القيامة)؟

يسوع لم يحدّد متى تكون نهاية العالم عندما طرح عليه تلاميذه السؤال على الشكل التالي: “متى يكون هذا وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر” (مت 24: 3). “متى يكون هذا” أي متى يكون خراب هيكل أورشليم. بالنسبة لنهاية العالم أورد علامات. بالنسبة لهذه العلامات هناك ظواهر عامة لا تسمح بتحديد وقت معيّن.

مثلاً “في تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوّات السموات تتزعزع”. “حينئذ تظهر علامة ابن الإنسان”. على أنّ هناك ما يُسمَّى في العهد الجديد: “علامات الأزمنة” (مت 16: 3). هل تتضمّن هذه علامات نهاية العالم؟ لا نعرف تماماً.

ولكنْ كلام يسوع يدل على إمكان معرفة علامات الأزمنة هذه. إلاّ أنّ السيّد، في ردّه على سؤال التلاميذ له في شأن متى يردّ الملك إلى إسرائيل، قال لهم: “ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب في سلطانه” (أع 1: 7). كما قال لهم أن يسهروا لأنّهم لا يعلمون في أية ساعة يأتي ربّهم (مت 24: 42).

وفي إنجيل مرقس، في معرض الكلام على زوال آواخر الدهور هذا القول: “وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلاّ الآب” (مر 13: 32)

إذا عبثاً نحاول أن نستطلع تاريخ نهاية الدهور، أو متى تكون نهاية العالم. الاهتمام ينبغي أن ينصبّ لا على معرفة متى يحدث ذلك بل على الاستعداد، في كل حين، لمجيء السيّد. “طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيّدهم يجدهم ساهرين” (لو 12: 37). (الأب توما بيطار)

“قال شيخٌ: صوت واحد يجب أن يطنّ على الدوام في أذني الإنسان: اليوم قد تم استدعائي”

“ها هو ذا الختن يأتي في نصف الليل، فطوبى للعبد الذي يجده مستيقظاً، أما الذي يجده غافلاً فهو غير مستحق” (صلاة الختن، الأسبوع العظيم)

علامات نهاية العالم في الكتاب المقدس هل حددها الكتاب المقدس؟ ومتى تكون هذه النهاية؟

Exit mobile version