عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

 

عظة للقديس كيرلس عمود الدين

عظة 142

عشاء الرب

(تأسيس سر الإفخارستيا)

لوقا17:22ـ22

” ثم تناول كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه واقتسموها بينكم، لأني أقول لكم إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتى ملكوت الله، وأخذ خبزًا وشكر وكسَّر وأعطاهم قائلاً: هذا هو جسدي الذي يُبذل عنكم. اصنعوا هذا لذكرى. وكذلك الكأس أيضًا بعد العشاء قائلاً: هذه الكأس هى للعهد الجديد بدمى الذي يُسفك عنكم، ولكن هوذا يد الذي يسلمني هي معي على المائدة، وابن الإنسان ماضٍ كما هو محتوم، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي يُسلِّمه!”.

 

          إنه أمر يملأنا بكل بركة أن نصير شركاء المسيح بالذهن وبالحواس، لأنه يحلّ فينا، أولاً، بالروح القدس، فنصير نحن مسكنه، بحسب ما قاله فى القديم أحد الأنبياء القديسين: ” لأني سأسكن فيهم وأقودهم وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لى شعبًا ” (حز27:37س).

 

          لكنه هو أيضًا يحلّ داخلنا بطريقة أخرى بواسطة مشاركتنا فى قربان التقدمات غير الدموية التى نحتفل بها فى الكنائس؛ إذ قد تسلّمنا منه النموذج الخلاصى للطقس مثلما يرينا بوضوح الإنجيلى المبارك في النص الذي قرأناه منذ قليل، فهو يخبرنا أنه: ” تناول كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه اقتسموها بينكم “. وبتقديمه الشكر ـ الذي يُقصد به التحدث مع الله الآب فى صيغة صلاة، فإنه يعنى بالنسبة لنا أنه ـ إن جاز القول ـ يشارك ويساهم مع الآب فى مسرته الصالحة فى منحه لنا البركة المحيّية التى أُسبغت علينا حينئذ، لأن كل نعمة وكل موهبة تامة تأتى إلينا من الآب بالابن فى الروح القدس. وإذن فهذا العمل كان نموذجًا لنا لكي نستخدمه فى الصلاة التى ينبغى أن تُقدم، كلما بدأنا أن نضع أمامه نعمة “التقدمة السرية المحيية”[1]، وتبعًا لذلك فإننا اعتدنا أن نفعل هذا، لأننا إذ نقدم أولاً تشكراتنا، مقدمين تسابيحنا لله الآب ومعه الابن والروح القدس، فإننا نقترب هكذا من الموائد المقدسة مؤمنين أن ننال حياة وبركة؛ روحيًا وجسديًا، لأننا نستقبل فى داخلنا كلمة الاب الذي صار إنسانًا لأجلنا، والذي هو الحياة ومعطى الحياة.

 

          لذلك فلنسأل على قدر استطاعتنا، ما هو الرأى الذي نعتقد به عن هذا السر؟ لأنه واجب علينا أن نكون “ مستعدين لمجاوبة كل من يسألنا عن سبب الرجاء الذي فينا” كما يقول الحكيم بطرس (1بط15:3). لأن ” إله الكل خلق كل الأشياء للخلود، وبدايات العالم كانت حياة، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم ” (حكمة24:2)، فقد كانت تلك الحيَّة المتمردة هى التى قادت الإنسان الأول إلى تعدّى الوصية وإلى العصيان، والتى بواسطتها سقط تحت اللعنة الإلهية، وفى شبكة الموت، فقد قيل له: ” لأنك تراب وإلى التراب تعود ” (تك19:3). فهل كان من الصواب أن ذلك الذي خُلق للحياة والخلود، يصير مائتًا ومحكومًا عليه بالموت بدون أية إمكانية للهروب؟ هل ينبغى أن يكون حسد إبليس أكثر قوة وثباتًا من إرادة الله؟ ليس الأمر هكذا؛ بل إن حسد إبليس قد أخفق تمامًا؛ ورحمة الخالق قد فاقت النتائج الشريرة لخبثه. فقد أعطى الله معونة لأولئك الذين على الأرض. فماذا إذن كانت الطريقة التى ساعدهم بها؟ إنها طريقة عظيمة بالحق ورائعة وجديرة بالله، نعم، جديرة لأقصى درجة بالعقل الأعلى (بالله). لأن الله الآب هو حياة بطبيعته؛ ولكونه هو وحده حياة، فقد جعل الابن الذي هو أيضًا حياة، أن يضيء ويشرق. لأنه لا يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك مع ذاك الذي هو الكلمة الذي صدر جوهريًا من الحياة، لأنه يلزم ـ أقول يلزم ـ أن يكون هو نفسه أيضًا حياة، لكونه هو الذي نبع من الحياة، نبع من ذاك الذي وَلَده.

 

          لذلك فإن الله الآب يُعطى الحياة لكل الأشياء بالابن فى الروح القدس؛ وكل ما يوجد ويتنفس فى السماء وعلى الأرض، إنما يأخذ وجوده وحياته من الله الآب بالابن فى الروح القدس. لذلك، لا طبيعة الملائكة ولا أى شئ آخر مهما كان، ممّا هو مخلوق، ولا أى شئ جاء من عدم الموجود إلى الوجود، يمتلك حياة (فى ذاته) كثمرة لطبيعته الخاصة؛ بينما على العكس، فالحياة تنشأ ـ كما قلت ـ من الجوهر الذي يفوق الكلّ، وهو أمر خاص به وحده أن تكون له القدرة على إعطاء حياة، وذلك بسبب أنه هو بالطبيعة الحياة.

 

          إذن، فكيف يمكن للإنسان على الأرض، الذي هو ملتحف بالموت أن يعود إلى عدم الفساد (عدم الفناء)؟. أجيب بأنه يلزم لهذا الجسد المائت أن يُصيّر شريكًا للقوة المحيّية التى تأتى من الله. لكن قوة الله الآب المحيّية هى الكلمة الوحيد الجنس، وهو الذي أرسله لنا (الآب) كمخلص ومحرر. أما كيف أرسله لنا، فهذا ما يخبرنا به بوضوح يوحنا الإنجيلى المبارك عندما يقول: ” والكلمة صار جسدًا وحل فينا” (يو14:1). لكنه صار جسدًا دون أن يخضع لأى تغيّر أو تحوّل إلى ما لم يكونه، ودون أن يتوقف عن أن يكون هو الكلمة ـ لأنه لا يعرف ما معنى أن يعانى ظل تغيير، بل بالحرى بكونه وُلِدَ بالجسد من امرأة وأخذ لنفسه ذلك الجسد منها، لكيما إذ قد غرس نفسه فينا باتحاد لا يقبل الانفصال، يمكنه أن يرفعنا فوق سلطان الموت والانحلال كليهما معًا. وبولس هو الشاهد لنا، حيث يقول عنه وعنا: ” فإذ قد تشارك الأولاد فى اللحم والدم اشترك هو أيضًا كذلك فيهما، لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أى إبليس، ويُعتق أولئك الذي خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية، لأنه حقًا ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم، من ثمّ كان ينبغى أن يشبه إخوته فى كل شئ ” أى يشبهنا (عب14:2ـ17). لأنه صار مثلنا، وكسى ذاته بجسدنا، لكيما بإقامته إياه (الجسد) من الموت، يعد ـ من الآن فصاعدًا ـ طريقًا يمكن به للجسد الذي وُضع (أُذل) حتى الموت، أن يعود من جديد إلى عدم الفساد (عدم الفناء). لأننا متحدون به مثلما كنا أيضًا متحدين بآدم، عندما جلب على نفسه عقوبة الموت. وبولس يشهد لهذا، إذ كتب هكذا فى أحد المرات:” فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات” (1كو21:15) ويقول أيضًا: “ لأنه كما فى آدم يموت الجميع، هكذا فى المسيح سَيُحيا الجميع” (1كو22:15). لذلك فإن الكلمة، إذ وحَّد مع ذاته ذلك الجسد الذي كان خاضعًا للموت، فلكونه الله والحياة، فقد طرد منه الفساد (الانحلال)، وجعله أيضًا يصير مصدر الحياة؛ لأنه هكذا ينبغى أن يكون جسد ذاك الذي هو الحياة.

 

          ولا تكونوا غير مصدقين لما قلته، بل بالحري اقبلوا الكلمة بإيمان بعد أن جمعتُ براهين من أمثلةٍٍ قليلة. عندما تطرحون قطعة خبز فى خمر أو زيت أو أى سائل آخر، فستجدون أنها صارت تحمل خاصية ذلك السائل الخاص، وعندما يوضع الحديد فى النار، فإنه يصير ممتلئًا بكل فاعليتها؛ وبينما هو بالطبيعة حديد، لكنه يعمل بقوة النار. وهكذا كلمة الله المحيى، إذ قد وحَّد نفسه بجسده الخاص بطريقة معروفة لديه (فقط)، فقد منحه قوة إعطاء الحياة. وهو نفسه يؤكد لنا هذا بقوله: ” الحق أقول لكم من يؤمن بى فله حياة أبدية، أنا هو خبز الحياة ” (يو47:6،48) وأيضًا: ” أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء، إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطى هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم. الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير، لأن جسدى مأكلٌ حقٌ، ودمى مشربٌ حقٌ، من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فىَّ وأنا فيه. كما أرسلني الآب الحي وأنا حي بالآب، فمن يأكلنى فهو يحيا بى” (يو53،51:6ـ57). لذلك عندما نأكل الجسد المقدس الذي للمسيح مخلصنا جميعًا، ونشرب دمه الثمين، تكون لنا حياة فينا، بكوننا جُعلنا واحدًا معه، كائنين فيه ومقتنين له أيضًا فينا.

 

          لا تدعو أحدًا من أولئك الذين اعتادوا عدم التصديق أن يقول: ” إذن، حيث إن كلمة الله لكونه بالطبيعة الحياة، وهو يقيم أيضًا فينا، فهل جسد كل واحد منّا سيُمنح أيضًا القوة لإعطاء الحياة؟ من يقول ذلك فليعلم بالأحرى أنه شئ مختلف تمامًا، بين أن يكون الابن فينا بمشاركة نسبية، وبين أن يصير هو نفسه جسدًا؛ أى أن يجعل ذلك الجسد الذي أُخذ من العذراء القديسة خاصًا له (أى يجعله جسده الخاص). لأنه لا يُقال عنه إنه صار متجسدًا، أو صار جسدًا، بوجوده فينا، بل بالحري فإن هذا حدث مرة واحدة عندما صار إنسانًا دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. لذلك فإن جسد الكلمة كان هو ذاك الذي اتخذه لنفسه من العذراء القديسة وجعله واحدًا معه؛ أما كيف أو بأية طريقة حدث هذا، فهو أمر آخر لا يمكننا أن نخبر به، لأنه أمر غير قابل للشرح ويفوق تمامًا قدرات العقل، وكيفية هذا الاتحاد هى معروفة له هو وحده فقط.

 

          لذلك، كان يليق به أن يكون فينا إلهيًا بالروح القدس، وكذلك أيضًا ـ إن جاز القول ـ يمتزج بأجسادنا بواسطة جسده المقدس ودمه الثمين، اللذين نقتنيهما أيضًا كإفخارستيا معطية للحياة فى هيئة الخبز والخمر، إذ، لئلا نرتعب برؤيتنا جسدًا ودمًا (بصورة حسية) فعلية، موضوعين على الموائد المقدسة فى كنائسنا، فإن الله إذ وضع (أنزل) ذاته إلى مستوى ضعفاتنا، فإنه يسكب فى الأشياء الموضوعة أمامنا قوة الحياة، ويحوّلها إلى فاعلية جسده، لكيما نأخذها لشركة معطية للحياة، وكى يوجد فينا جسد (ذاك الذي هو) الحياة، كبذرة تنتج حياة. ولا تشك فى أن هذا حقيقى، حيث إنه هو نفسه قال بوضوح: ” هذا هو جسدى، هذا هو دمى“، بل بالحري إقبل كلمة المخلص بإيمان، لأنه هو لكونه الحق، فلا يمكنه أن يكذب. وهكذا سوف تكرِّمه، لأنه كما يقول يوحنا الحكيم جدًا: “من قِبل شهادته فقد ختم أن الله صادق، لأن الذي أرسله الله يتكلم بكلام الله” (يو34،33:3). لأن كلام الله هو طبعًا صادق ولا يمكن أبدًا أن يكون كاذبًا؛ لأنه وإن كنا لا نفهم بأية طريقة يعمل الله مثل هذه الأعمال، لكن هو نفسه يعرف طريقة (عمل) أعماله. لأنه عندما لم يفهم نيقوديموس كلمات الرب المختصة بالمعمودية المقدسة وقال بجهل: ” كيف يمكن أن يكون هذا؟” (يو9:3)، فإنه سمع المسيح يجيب قائلاً: ” الحق أقول لك إننا إنما نتكلم بما نعلم ونشهد بما رأينا ولستم تقبلون شهادتنا، إن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون، فكيف تؤمنون إن قلت لكم السماويات؟ ” (يو11:3،12) لأنه كيف يمكن لإنسان أن يعرف تلك الأشياء التى تعلو على قدرات إدراكنا وعقلنا؟ لذلك، فلنكرّم سرّنا الإلهي هذا، بالإيمان….

          (ممجدين المخلص) الذي به ومعه يليق لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الهدور آمين.

 

3 هذا التعبير يستخدمه الآباء كثيرًا عن الإفخارستيا .

 

عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

 

عظة للقديس كيرلس عمود الدين

عظة 141

تُقرأ يوم الخميس فى أسبوع السر[1]

لوقا7:22ـ16

” وجاء يوم الفطير الذي ينبغي أن يُذبح فيه الفصح، فأرسل بطرس ويوحنا قائلاً اِذهبا وأعدا لنا الفصح لنأكل، فقالا له أين تريد أن نعد؟ فقال لهما إذا دخلتما المدينة يستقبلكما إنسان حاملٌ جرة ماء، اتبعاه إلى البيت حيث يدخل وقولا لرب البيت يقول لك المعلم أين الغرفة التى آكل فيها الفصح مع تلاميذى؟ فيريكما عِلِّيَّة كبيرة مفروشة؛ هناك أعدا، فانطلقا ووجدا كما قال لهما. فأعدا الفصح”.

        ولما كانت الساعة جلس للأكل والاثنا عشر رسولاً معه، وقال لهم: شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم. لأني أقول لكم إني لا آكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله”.

 

          إن الناموس بظلاله سبق فأشار منذ القديم إلى سر المسيح؛ والمسيح نفسه يشهد عن هذا عندما قال لليهود: ” لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوننى لأنه هو كتب عنى ” (يو46:5)، ففى كل موضع (فى الناموس) توضح الظلال والمثالات لنا، المسيح مذبوحًا لأجلنا “كالحمل” الذي بلا عيب حقًا، كما توضحه مقدِّسًا إيانا بواسطة دمه المعطى الحياة..، وبالإضافة إلى ذلك فإننا نجد كلمات الأنبياء القديسين فى توافق تام مع كلمات موسى الحكيم جدًا، كما يقول بولس ” لكن لما جاء ملء الزمان ” (غل4:4)، الزمان الذي كان فيه كلمة الله الوحيد على وشك أن يخلى ذاته، وأن يحتمل الولادة بالجسد من امرأة ويخضع للناموس، بحسب القياس المناسب للطبيعة البشرية، وبعد ذلك قدم نفسه ذبيحة لأجلنا، مثل الحمل الذي بلا عيب حقًا، فى اليوم الرابع عشر من الشهر الأول. وهذا العيد كان يُدعى ” الفصح” (بصخة Pascha) وهى كلمة باللغة العبرية وتعنى العبور، لأنهم هكذا يفسرونها ويقولون إن هذا هو معناها.

          إذن يجب أن نشرح ما هو هذا الشيء الذي نعبر منه وما هو البلد الذي نسير نحوه، وبأى طريقة نحقق مسيرتنا، فإنه كما أن إسرائيل قد أُنقذ من طغيان المصريين وفك عنقه من نير العبودية وصار حُرًا، وإذ هرب من عنف الطاغية، فإنه عبر بأقدام جافة ـ بطريقة عجيبة يعجز اللسان عن وصفها ـ وسط البحر، وارتحل تجاه الأرض الموعود بها؛ هكذا نحن أيضًا الذين قبلنا الخلاص الذي فى المسيح، يجب علينا ألاّ نرضى بالبقاء بعد فى أخطائنا السابقة، وألاّ نستمر فى طرقنا الشريرة بل بشجاعة نعبر بحر اضطراب هذا العالم الباطل، وعواصفه. وهكذا فإننا نعبر من محبة الجسد إلى التعفف؛ من جهلنا السابق إلى معرفة الله الحقيقية؛ من الشر إلى الفضيلة؛ ونعبر بالرجاء من لوم الخطية إلى أمجاد البر؛ ومن الموت إلى عدم الفساد. لذلك فإن العيد الذي حمل فيه عمانوئيل صليب الخلاص لأجلنا يُسمى الفصح.

          لكن لننظر إلى الذي هو الحق والذي لا يزال يُكرّم بالرموز التى كانت تشير إليه، وهو لا يزال يسمح للظلال بأن تكون صادقة، إذ يقول النص: “ولما جاء يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يُذبح فيه الفصح “، فأرسل للمدينة تلميذين مختارين من الرسل القديسين، وهما بطرس ويوحنا قائلاً : “سوف يستقبلكما إنسان حامل جرة ماء، اتبعاه إلى البيت حيث يدخل، وقولا لرب البيت: يقول لك المعلم أين الغرفة التى آكل فيها الفصح مع تلاميذى؟“. لكن ربما يقول أحدهم، لماذا لم يذكر لهما بوضوح اسم الرجل الذي أرسلهما إليه؟ لأنه لم يقل: عندما تمضون إلى فلان أو فلان ـ وهناك أعدا الفصح فى بيته، لكن فقط أعطاهما علامة ـ ” إنسان حامل جرة ماء“. فبماذا نجيب على هذا الكلام؟ انظروا! فإن يهوذا الخائن كان قد سبق فوعد اليهود أن يسلمه لهم، وكان مستمرًا فى صحبته (للمسيح) يرقب فرصة ليسلمه، وبينما كان لا يزال يعلن الحب الواجب من التلميذ لمعلمه فإنه قد سمح للشيطان أن يدخل قلبه، وكان يتمخض بجريمة القتل ضد المسيح مخلصنا جميعًا. لذلك أعطى المسيح علامة (للتلميذين) لكي يمنعه من معرفة من هو ذاك الشخص، فيسرع يهوذا ليخبر أولئك الذين استأجروه. لذلك قال: “يستقبلكما إنسان حامل جرة ماء“.

          أو ربما يتكلم المسيح هكذا ليشير بهذا إلى سر مهم، لأنه حيث تدخل المياه ـ أى المعمودية المقدسة ـ فهناك يسكن المسيح، كيف أو بأية طريقة؟ ذلك لأنها تحررنا من كل نجاسة، ونُغسل بواسطتها من أدناس الخطية، ولكي نصير أيضًا هيكلاً مقدسًا لله وشركاء فى طبيعته الإلهية بشركة الروح القدس. لذلك فلكي يستريح المسيح ويقيم فينا، فلنقبل المياه الخلاصية معترفين أيضًا بالإيمان الذي يبرر الأثيم. ولكى يرفعنا عاليًا لكى ما نُحسب عِلِّيَّة، لأن أولئك الذين يسكن فيهم المسيح بالإيمان لهم ذهن مرتفع عاليًا، يبغض الزحف على التراب، ويرفض الالتصاق بالأرض، وفى كل شئ يطلب ما هو سامٍ فى الفضيلة، لأنه مكتوب:” لأن أعزاء الله قد ارتفعوا عاليًا (فوق الأرض)” (مز9:46س)، لأن ليس لهم هنا مدينة باقية لكنهم يطلبون العتيدة (انظر عب14:13)، وبينما هم يسيرون على الأرض، فإنهم يفكرون فى تلك الأمور التى فوق، وسيرتهم (مدينتهم) هى فى السماء (انظر فى20:3).

          يمكننا أيضًا أن نلاحظ أمرًا صحيحًا وعجيبًا، يحدث دائمًا بيننا؛ وأعنى به أن من يقدرون حياتهم الجسدانية كثيرًا، عادةً يكونون منتفخين وقلوبهم مملوءة من الكبرياء الملعونة والمكروهة من الله؛ لكن مع ذلك ربما يؤتى بهم إلى الانكسار (فيما بعد) وهم لا يزالون على الأرض؛ بينما أولئك المساكين بالروح ينالون الرفعة بواسطة الكرامة والمجد اللذين يأتيان من الله. كما يكتب تلميذ المسيح قائلاً: ” ليفتخر الأخ المتضع بارتفاعه، وأما الغنى فباتضاعه لأنه كزهر العشب يزول ” (يع9:1،10). لذلك لا يخطئ من يقول إن نفس كل قديس هي ” عِلِّيَّة “.

          بعد ذلك لما أعدّ التلاميذ الفصح، أكل المسيح معهم، ولكونه طويل الأناة مع الخائن، فإنه تفضل بقبوله على مائدة الفصح بدافع شفقته المملوءة حبًا وغير المتناهية؛ لأن يهوذا كان قد صار خائنًا إذ أن الشيطان كان ساكنًا فيه. وقال المسيح أيضًا لرسله القديسين: ” شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم“. لنفحص المغزى العميق لهذا التعبير، ولنفتش عن المعنى المختفي فيه، وما الذي كان يقصده المخلّص.

لذلك حيث إننى سبق أن قلت إن التلميذ الطمّاع كان يطلب فرصة ليسلمه، ولكي لا يسلمه لقاتليه قبل عيد الفصح، فإن المخلّص لم يعلن لا عن البيت ولا عن الشخص الذي سيحتفل عنده بالعيد، ولكى يشرح لهم سبب عدم رغبته فى أن يصرّح له علانية باسم من سيذهب عنده، قال لهم: ” شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم“؛ وكأنه يقول: إننى اجتهدت بكل حذر لكى أتمكن من الإفلات من خبث الخائن، لكيلا احتمل آلامى قبل وقتها.

          ” ولكنى لا آكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله“. وبهذا الكلام أيضًا ينطق المسيح بحقيقة عميقة وسرية، لكن هو نفسه يكشف معناها لنا لأن من عادته أن يطلق اسم “ملكوت السماوات” على ” التبرير بالإيمان”، وعلى التطهير الذي يتم بالمعمودية المقدسة وشركة الروح القدس وعلى تقديم العبادة الروحية التى صارت الآن ممكنة بالدخول فى وصايا الإنجيل. لكن هذه الأشياء هى الوسائط التى تجعلنا شركاء فى المواعيد وفى المُلك مع المسيح؛ لذلك يقول: لن اقترب من مثل هذا الفصح بعد ذلك، أي ذلك الفصح الذي يتكون من أكل رمزى ـ لأن حملاً من القطيع ذُبح ليكون مثالاً للحمل الحقيقى (ويكمل) ” حتى يكمل فى ملكوت الله “، أى إلى حين مجيء الوقت الذي فيه يُكرز بملكوت السماوات. لأن هذا يتحقق فينا نحن الذين نكرّم العبادة التى هى أعلى من الناموس والتى هي الفصح الحقيقي، فالذي يُقدِّس الذين هم فى المسيح ليس خروفًا من القطيع، بل بالحرى المسيح نفسه (هو الذي يقدسهم)، الذي جُعِلَ “ذبيحة مقدسة” لأجلنا، “بتقديم قرابين” غير دموية، وتقديم “الشكر” السرى، الذي فيه ننال “البركة” ونُعطَى الحياة بالحياة[2]. لأنه هو صار لنا الخبز الحي الذي نزل من السماء والذي يعطى الحياة للعالم (انظر يو33:6، 50)، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان، مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

[1] يوصى القديس كيرلس الكبير أن تُقرأ هذه العظة يوم الخميس فى أسبوع السر، ويقصد الأسبوع الذي تحقق فيه سر الخلاص بتأسيس الإفخارستيا والصلب والقيامة.

[2] هذه الفقرة الهامة هى باللغة اليونانية كما يلي:

¢g…wj ƒerourgoÝmenoj di¦ tÁj mustikÁj eÙlog…aj, kaq’ ¿n eÙlogoÚmeqa kaˆ zwopoioÚmeqa.

إن الكلمة `Ierougšw ” يخدم فى خدمة مقدسة”،  هذه الكلمة هى كلمة رسولية واردة فى رومية16:15 (ƒerourgoàvta to euaggšlion) وتُرجمت فى طبعة دار الكتاب المقدس “مباشرًا لإنجيل الله ككاهن ” وترجمتها الدقيقة ” خادمًا فى الخدمة الكهنوتية لإنجيل الله ” . وكذلك الكلمة eÙlog…a = ” البركة ” كانت تُطلق فى العصور الأولى بصفة ثابتة على الإفخارستيا المقدسة بالاستناد إلى كورنثوس الأولى 16:10 ” كأس البركة to pot»rion thj eÙlog…aj”. إن استخدام هذه الكلمات يظهر العلاقة الوثيقة التكاملية بين الحياة الليتورجية للمسيحيين الأُول وبين فهمهم للكتب المقدسة. (هذه الملاحظات لمترجم النص الإنجليزى لتفسير إنجيل لوقا Payne Smith سنة 1859).

 

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

تدبير الخلاص عند القديس كيرلس الأسكندرى – دكتور نصحى عبد الشهيد

تدبير الخلاص عند القديس كيرلس الأسكندرى – دكتور نصحى عبد الشهيد

تدبير الخلاص عند القديس كيرلس الأسكندرى – دكتور نصحى عبد الشهيد

تدبير الخلاص عند القديس كيرلس الأسكندرى – دكتور نصحى عبد الشهيد

مقدمة :

ضرورة الخلاص :

 أ ـ من جهة الله:

خلاص الإنسان هو عمل إلهي حر نابع من محبة الله الأزلية والمخلِّصة، التي هي مصدر كل الأشياء. الخلاص عمل مجاني لرحمة الله، إذ أن ” الله محبة” (على يو17:10)[1]، والله “حرية”. لذلك فالله هو محبة مجانية حرة وحرية مملوءة محبة. في محبته المجانية قرر الله أن يخلص الإنسان وبحريته اختار الطريقة الفُضلى التي يصنع بها هذا الخلاص. الله لم يكن مقيدًا بأية ضرورة أن يخلص الإنسان المتعدي، كما أن الله ليس مسئولاً عن خطية الإنسان أو فساده. ولكن لم يكن يليق بالله ـ بسبب محبته ـ أن يكون غير مبالٍ بمعاناة الإنسان وفساده. خلاص الإنسان لم يكن فرضًا إجباريًا على الله. بل بالعكس فإن الله له كل الحق أن يحكم على المتعدي، فحكمه على الإنسان المتعدي صائب وعادل.

ب ـ من جهة الإنسان:

كان الخلاص ضروريًا جدًا للإنسان، فكل البشر كانوا تحت الخطية، وتحت الفساد وتحت الموت بعد سقوط آدم (شرح يوحنا35:8).

لم يكن يستطيع أحد أن يقدم هذا الخلاص للبشر، لأن جميع البشر كانوا خطاة، فكل واحد منهم كان يحتاج أولاً أن يخلص هو.

وأيضًا حتى الملاك أو أي كائن آخر لا يستطيع أن يقدم الخلاص لكل جنس البشر (على رو20:5). كانت الخطية هي العائق لعلاقة البشر مع الله، وكانوا يتطلعون ويشتاقون إلى الخلاص من ذنبهم وبؤسهم وخطيتهم. البشرية كانت تنتظر مخلصًا إلهيًا وتشتاق إليه.

ولم يكن ممكنًا لهم أن يتجنبوا طغيان الشيطان سوي بواسطة وسيط بين الله والإنسان ـ وسيط له قوة وسلطان إلهي، ويكون أيضًا ممثلاً لجنس البشر (على مزمور6:80س).

لذلك فإن كلمة الله الأزلي، (الأزلي بطبيعته الإلهية)، صار “إنسانًا” لأجل خلاص الإنسان ليفتح لنا طريقًا جديدًا فريدًا ودائمًا للخلاص. كل البشر كانوا ينتظرون المخلص ويشتاقون لمجيئه (على رو20:5).

هذا الاشتياق البشري الشامل للمخلص والخلاص، كان منتشرًا بين كل الشعوب وخاصة بين اليهود. لقد وعد الله مرات عديدة أنه سيرسل ابنه مخلصًا للبشر. والرب يسوع المسيح هو الشخص الذي وعد الله أن يرسله لخلاص الناس. وهكذا جاء المخلص وظهر في شخص الإله الإنسان الكلمة المتجسد الرب يسوع المسيح ابن الله.

 

الجزء الأول : الخلاص بالمسيح

القسم الأول: الله وتجسد الكلمة:

فصل 1: خلاص الإنسان وخطة الله الأزلية:

يقول القديس كيرلس إن التجسد الإلهي حدث في نقطة محددة التاريخ، وإن ” المسيح مات لأجلنا في نهاية أزمنة العهد القديم” وإن العهد الجديد تحقق بالمسيح، بعد نهاية ” العهد القديم “. ولكن القديس كيرلس يقول أيضًا إن فكرة هذا السر العظيم (التجسد للخلاص) لم تكن جديدة بالنسبة لله (على لو21:5). بل إن خطة الخلاص كانت خطة أزلية عند الله، وبذلك يكون حدث التجسد التاريخي هو تحقيق فى الزمن للخطة الإلهية الأزلية وللمشيئة الإلهية. ” سر المسيح ليس جديدًا. لقد كان معينًا سابقًا قبل خلقة العالم، لأن الله يعرف ما الذي كان سوف يحدث.

فحينما سقط آدم بل وقبل سقوطه، كان الله قد وجد أيضًا الطريق الذي يتمم به شفاء الإنسان في الزمن بالمسيح” (علي إشعياء3:41). بل إن الله نفسه هو الذي أعد هذا السر قبل خلق العالم (لو21:5). وتدبير الله للتجسد منذ القديم يوضح أن الله كان دائمًا يفكر في خلاص الإنسان بسبب محبته وصلاحه. ولهذا يتكلم القديس كيرلس عن “عناية الله” أي تدبيره لخلاص الإنسان. هذه المعرفة المسبقة والتدبير الأزلي تم التعبير عنه وتحقق ” في ملء الزمان “.

… والآن، ينبغي أن ندرك أن حكمة الله قد وُضعت لأجلنا أساسًا، قبل كل الدهور… وبطريق مماثلة فإن خالق الكل، جعل المسيح هو أساس خلاصنا حتى قبل خلق العالم، حتى إذا سقطنا، يمكن أن يُعاد بناؤنا من جديد، على المسيح. وهكذا، ففيما يخص فكر الآب وقصده، فقد جُعل المسيح هو الأساس قبل كل الدهور: ولكن تحقيق القصد أتى فى وقته الخاص، حينما استلزمت الحاجة ذلك. لأنه في زمن تجسد المسيح، فإننا نتجدد فيه هو (المسيح) ذلك الذي كان لنا منذ القديم، هو أساس خلاصنا” (الكنز15).

علاقة خطة الله الأزلية بما حدث فعلاً، لا يمكن أن تُفهم بمعنى أن التجسد حدث اضطراريًا بسبب خطة الله، بل بمعنى أن الله دبر وخطط هكذا لأنه عرف مسبقًا ما الذي سيفعله الإنسان وما الذي سيكون عليه الإنسان. فسقوط الإنسان كان معروفًا عند الله، ولكن حدوثه لم يكن بسبب أن الله كان يعرف مسبقًا بحدوثه.

ونفس الشيء يُقال عن التجسد، فإن الله عرف مسبقًا بالحاجة إلى التجسد وضرورته. القديس كيرلس لا يفصل التجسد عن معرفة الله وخطته. فتجسد الكلمة خُطط له بمشيئة الله الآب وعلمه السابق (على رو14:5). فالقديس كيرلس ينظر للتجسد على أنه عمل محبة الله المجانية. وأن التجسد تم في وقته الخاص، الوقت الذي أراده الله، هذا الوقت هو وقت الله الخاص الذي لا نستطيع نحن أن نعرفه (على رو14:5، والكنز15).

فصل 2: الثالوث القدوس وتجسد الابن فى عمل الخلاص:

رغم أن التجسد خاص بأقنوم الابن، فإن القديس كيرلس ـ بحسب تعليم الكتاب المقدس ـ يعلّم أن الابن جاء وتجسد ليحقق مشيئة الآب الأزلية والتي هي مشيئته هو أيضًا. الثالوث القدوس كله عامل فى خلاص الإنسان وفدائه : ” فالآب هو الذى أرسل ابنه مخلصًا للإنسان ” [2]. والقديس كيرلس يستعمل طريقتين للتعبير عن تجسد الابن وعمل الخلاص. فحينما يريد أن يؤكد على حقيقة أن تجسد الكلمة وخلاص الإنسان هما مشيئة الآب الأزلية فإنه يستعمل صيغة المبني للمعلوم حينما يكون الفاعل هو الآب ” الآب أرسل ابنه “[3]، وحينما يكون الابن هو الفاعل والآب هو العلة فى التجسد والخلاص، فإنه يستعمل صيغة المبني للمجهول، فيقول ” الابن أُرسِلَ في شبه جسد الخطية”[4]، ” لقب الابن الوحيد الخاص باللوغوس أُطلق أيضًا على اللوغوس متحدًا بالجسد “[5].

ويُعبّر القديس كيرلس عن عمل الآب والابن معًا فى التجسد والخلاص بقوله: ” الآب يعمل كل الأشياء بالابن” (Thesaurus 129). كما أن الروح القدس له دور فى التجسد والخلاص، فيقول: ” الروح الإلهى بنى هيكلاً فى العذراء مريم”، و”الجسد الكلى القداسة الذى كان متحدًا باللوغوس حُبل به بالروح القدس” [6].

وهكذا ففي سر التجسد، يعمل الثالوث القدوس ويظهر الثالوث ويُعلن بتجسد الابن لخلاص الإنسان. كما يقول القديس كيرلس: ” طبيعة الألوهة الواحدة تُعرف من خلال الثالوث القدوس والمساوي فى الجوهر”[7].

فصل 3: ضرورة التجسد :

1 ـ من جهة الله: يقول القديس كيرلس إن تجسد الابن لم يكن عن اضطرار بالنسبة لله، بل إن خلاص الإنسان كان من جهة الله هو محبة عمل محبة مجانية، ويعبر عن تسامح الله مع خطية الإنسان. ويستعمل القديس كيرلس تعبير “محبة البشر” (فيلانثروبيا)، ليعبر به عن توصيل محبة الله للإنسان بصفة خاصة[8]. وبما أن الإنسان كان عاجزًا بذاته عن أن يخلص، فإن محبة الله توصف بأنها “رحمة “. وهكذا فإن خلاص الإنسان يُقدم من الله للإنسان فقط كهبة إلهية ” وكثمرة لمحبة الله للبشر”[9]. وإن كان ” الخلاص ضرورة بالنسبة لله فذلك ليس معناه أن الله كان مجبرًا عليه، بل يعني أنه يليق بالله وبصفاته الإلهية، وهو المحبة وهو الرحوم أن يخلّص خلائقه. فالله لا يستطيع أن يناقض طبيعته المُحبة الرحومة.

2 ـ من جهة الإنسان: الخلاص ضروري جدًا للإنسان: فكل البشر خطاة، ولذلك فالكلمة اتخذ الطبيعة البشرية بالتجسد واحتمل كل الآلام والمعاناة التي يتعرض لها البشر حتى الموت نيابة عن البشر، فمات الكل فيه (2كو14:5) إذ أن جميع البشر ممثلين فى الكلمة المتجسد. فلو لم يكن الكلمة قد اتحد بطبيعتنا، وصار هو أصلنا الجديد لما استطاع البشر أن يخلصوا.

3 ـ لماذا الابن هو الذي تجسد وليس الآب أو الروح؟:

يقول القديس كيرلس: ” ذلك الذي استطاع أن يخلق كل الأشياء والبشر هو بلا شك يستطيع أيضًا أن ينقل الإنسان إلى تغير روحي حقيقي ويهبه الخلاص[10]. ويقول أيضًا ” الآب الذي يضبط كل الأشياء بيده اليمنى أى ابنه،، بقدرة إلهية، وهو الذي يعطي الوجود والحياة للأشياء غير الموجودة قبلاً، هو أيضًا يعطي “الحياة الصالحة”، أي حياة الخلاص الجديدة لأولئك الذين كان لهم وجود ككائنات، ولكنهم كانوا قد أخطأوا وسقطوا”[11]. أى أن الآب بالكلمة خلق غير الموجودات، وبه أيضًا يخلّص الذي كان موجودًا وسقط، وأن الله الابن هو الذي أتم المصالحة والفداء، وأعادنا إلى الله أبيه مرة أخرى[12].

هنا نلاحظ العلاقة الداخلية عند القديس كيرلس بين الخلق والفداء الذي أتمه الآب بالكلمة يسوع المسيح.

4 ـ عند القديس كيرلس أن المسيح تجسد وتألم ليخلص الإنسان من الخطية وسلطانها، ليجعل الإنسان شريكًا فى حياة جديدة فى الله وابنًا حقيقيًا ويقدم له ما كان قد فقده. فعنده أن هدف التجسد هو خلاص الإنسان . فلو لم يكن الإنسان قد أخطأ، لما كان المسيح قد جاء، ولو لكم تكن طبيعة الإنسان قد فسدت بالخطية، لما كان ضروريًا أن يتخذ ” كلمة الله ” الطبيعة البشرية ليفديها ويخلصها[13]. السبب الوحيد للتجسد العظيم عند كيرلس هو محبة الله الأزلية غير المحدودة لخلائقه، وللإنسان الساقط، الفاسد [ المسيح الذى بلا خطية أخذ على نفسه كل خطايا الناس ليحطم قوة الخطية ] [14]. [من عظمة محبة الله جاء المسيح ليخلص الإنسان الخاطئ ] [15].

القسم الثاني

يسوع المسيح وسيطنا ومخلصنا

+ الوساطة مبنية على التجسد: ” إن قلنا إن الكلمة لم يصر جسدًا، أى أنه لم يحتمل الولادة بالجسد، فإننا بذلك نهدم سر تدبير الله”[16].

+ القديس كيرلس يتحدث عن وساطة مزدوجة للمسيح:

1 ـ وساطة طبيعية: هو نقطة اللقاء بين الألوهية والبشرية في شخصه، إذ هو واحد مع الآب بالجوهر الإلهي، وواحد معنا باتخاذه طبيعتنا البشرية (الجسد) التي دمجها في حياته الخاصة.

2 ـ وساطة روحية: لأنه أيضًا هو نفسه فينا، لأننا قد صرنا شركاء له، ونناله ساكنًا في نفوسنا بواسطة الروح القدس، لهذا السبب قد صرنا شركاء الطبيعة الإلهية ودعينا أبناء، وهكذا أيضًا يصير لنا الآب نفسه فينا بواسطة الابن. ويشهد بولس ” لأنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا ابا الآب” (غلا6:4) (على يو20:14).

3 ـ وساطة المسيح هي بذبيحته الفريدة كرئيس كهنة:

[ حيث إنه رئيس كهنة ـ بسبب إنسانيته، ولأنه قدم نفسه ذبيحة بلا لوم لله الآب، فدية عن حياة جميع الناس ـ وإذ هو البداءة بكر من الأموات، لكي يكون متقدمًا في كل شئ كما يقول بولس، وهو يصالح جنس البشر المرفوض، الذين على الأرض مع الآب مطهرًا إياهم بدم نفسه، ومعيدًا تشكيلهم إلى جدة الحياة بواسطة الروح القدس؛ وحيث إنه ـ كما قلنا مرارًا ـ كل الأشياء تتم من الآب بالابن في الروح القدس؛ فإنه كوسيط ورئيس كهنة يخدم شفاعة الخيرات العتيدة من نحونا، رغم أنه متحد مع أبيه في إعطاء وإفاضة النعم الإلهية والروحية ][17].

4 ـ شفاعة المسيح كرئيس كهنة في السماء:

يقول القديس كيرلس إن وساطة المسيح كرئيس كهنة في السماء ضرورية جدًا بسبب أن المؤمنين به هنا على الأرض ضعفاء، وهم في احتياج شديد كل لحظة للنعمة الإلهية ومعونة رئيس كهنتهم المسيح[18].

يسوع المسيح هو رئيس الكهنة الدائم إلى الأبد، وسيظل رئيس كهنة في السماء، حيث إن ناسوته، الكامل والعديم الفساد بعد قيامته، سيظل متحدًا بالكلمة الأبدي في السماء.

ولن تتوقف وساطة المسيح السماوية إلاّ في نهاية العالم وبداية الدهر الآتي الأبدي، حينما يكون عمله لأجل البشر قد اكتمل. ولكن حتى بعد ذلك، فإن المسيح رئيس الكهنة من خلال شعبه المؤمنين به، سيقدم التسبيح الأبدي لله الآب، بينما كإله فإنه في الدهر الآتي سيتقبل هذا التسبيح من شعبه.

القسم الثالث : طبيعة الخلاص

فصل 1: العلاقات بين الله والإنسان : المصالحة

فصل 2: الخلاص من جهة الإنسان نفسه : الفداء

فصل 1: خلاص الإنسان من جهة علاقته بالله :

تعليم القديس كيرلس عن المصالحة Reconciliation

أ ـ يعلم القديس كيرلس ـ حسب الكتب المقدسة ـ أن المسيح صالح العالم مع الله (أنظر 2كو18:5ـ21) [الله صالحنا لنفسه بيسوع المسيح..]. الإنسان كان يحتاج للمصالحة لأنه قد اخطأ إلى الله، فهو مذنب، وأجنبى عن الله ولذلك كان تعيسًا جدًا. المصالحة تعنى إصلاح وتغيير العلاقة بين الله والإنسان، أى حالة جديدة من السلام مع الله والتبنى لله، المسيح جاء صانعًا سلامًا ” هو سلامنا “، أبطل العداوة التى كانت بيننا وبين الله. وبه حصلنا على قدوم إلى الآب ” [19].

ب ـ الشخص الذى يقوم بالمصالحة هو وسيط بين شخصين لمصالحتهما. هذا المصالح يجب أن يمثل كلا الطرفين. يسوع المسيح هو الشخص المصالح وهو الوسيط بين الله والإنسان. المسيح بسبب وحدته الأقنومية (بين لاهوته وناسوته) هو إله لأنه ” الكلمة الأزلى” الإله الحقيقى، وفى نفس الوقت هو إنسان، لأنه بالتجسد صار الكلمة إنسانًا كاملاً. وهكذا، فبسبب التجسد، فإن المسيح يمثل الله بالنسبة لنا، كما يمثلنا نحن أمام الله.

” الله ليس هو فقط ” مُصالح” بواسطة ذبيحته، بل هو أيضًا الشخص الذي تم التصالح معه، لأنه هو الذي حدثت الإساءة إليه”[20].

ج ـ لأن الله محبة وهو دائمًا يحب ، لذلك فالمصالحة فى المسيح هى تحقيق لمشيئة الله لأجل استعادة العلاقة بين الله والإنسان، وبهذه الطريقة يمكن أن يصير ابنًا لله.

يقول القديس كيرلس: ” إن طبيعتنا قد صارت مقبولة قبولاً حسنًا فى المسيح … لأننا نحن الذين كنا مطرودين بسبب تعدى آدم ، قد أُدخلنا الآن إلى الآب بالمسيح ” [21].

” بواسطة المسيح صرنا شركاء الطبيعة الإلهية، ورغم أننا كنا أجنبيين، قد صرنا الآن قريبين، ونحن متحدون مع الله الآب نسبيًا. وكل الذين هم متحدون بنفس الآب ومشتركون فى نفس الروح، هم أيضًا متحدون أحدهم بالآخر ” [22].

وبهذه المصالحة بين الله والإنسان يقدم المسيح للإنسان غفرانًا كاملاً لكل ” خطاياه التى كانت سبب انفصاله عن الله”، ” وأنقذ الناس من كل خطية ” [23]. وبذلك رفع الحاجز بيننا وبين الله بإبطاله للخطية [24]، ولذلك يُدعي المسيح ” عهد حياة وسلام “[25]. فالمسيح ” نفسه هو سلامنا ” (أنظر على إشعياء “ لا ترفع أمة على أمة سيفًا“)[26].

فصل 2: الفداء: الخلاص فيما يخص الإنسان نفسه: الفداء

ملحوظة هامة: القديس كيرلس ـ مثل الآباء قبله ـ يقصد بتعبير “التجسد” ليس فقط ميلاد المسيح بالجسد بل يقصد به عمومًا كل تدبير “الكلمة” أى كل عمله الخلاصى الذى عمله بالجسد.

القديس كيرلس يقدم لنا نسيجًا متناسقًا ورائعًا مجمعًا من الآباء الذين سبقوه، عن عمل المسيح الخلاصى:

أولاً : تعليم القديس كيرلس الخلاصى :

1 ـ اتحاد اللاهوت والناسوت :

القديس كيرلس يؤكد على حقيقة التجسد واتحاد اللاهوت بالناسوت، وعلى رفع الطبيعة البشرية وتأليهها. فالمسيح باتخاذه للطبيعة البشرية كاملة (نفسًا وجسدًا) يمكّن لهذه الطبيعة أن تخلص ” فالذى لا يُتخذ لا يخلص”[27]. وبسبب هذا الاتحاد، فإن الطبيعة البشرية كلها تُقدّم لها ” النعمة ” وتغتنى بهبات وكرامة من المسيح. وهكذا فإن نصرة المسيح على الشيطان تصير نصرة للإنسان أيضًا ” لأن المسيح كمنتصر قد سلمنا أيضًا القوة أن ننتصر”[28].

” الطبيعة البشرية تنال النعمة، والتقديس، والتأليه التي تحققت أولاً فى ناسوت المسيح”[29]. وهكذا فإن خلاص الإنسان يتألف من: رفع، وتقديس وتأليه الإنسان. وهذا الخلاص هو نتيجة وحدة الطبيعتين الإلهية والبشرية في شخص الكلمة المتجسد يسوع المسيح.

الطبيعة البشرية كاملة، قد خلصت باتخاذ المسيح لها. فالمسيح قدّم الخلاص لكل جنس البشر بدون أي استثناء، وأيضًا هو يخلص الطبيعة الكاملة لكل إنسان أي نفسه وجسده. الإنسان يتقدس في نفسه وجسده معًا. والجسد البشري يصير هيكلاً للروح القدس ويصبح مكرمًا بكرامة عظيمة. الشخصية الإنسانية افتديت بكاملها. وبواسطة شخص المسيح الإلهي الإنساني الكامل خلص البشر. وبسبب أن المسيح يمثلنا (representative character) بسر تدبيره، فإن الشخصية الكاملة لكل عضو في البشرية تنال فوائد تجسد المسيح وموته. ” الكلمة الذي تجسد مجّد طبيعة الإنسان بأنه لم يستنكف أن يأخذ على نفسه وضاعتها لكي يسكب عليها غناه”[30].

2 ـ بتعليمه وحياته القدوسة :

المسيح كان له ـ بواسطة كلماته وتعليمه وحياته القدوسة التى بلا لوم ـ تأثير فريد وحاسم على الناس “الابن الوحيد ـ وهو الإله ـ بسبب محبته ، أخلى نفسه وأخذ صورة عبد ، لكى يقودنا إلى معرفة كل فضيلة … لكى يقنع الذين كانوا فى جهل كامل، أن يصيروا حكماء، وأن لا يعبدوا المخلوق بل الخالق ” [31].

والمسيح أعلن لنا أن الله ليس فقط إلهًا، بل أيضًا إنه أب لنا.

وكان المسيح أيضًا هو المثال لحياة القداسة[32].

” كان ضروريًا أن كلمة الآب… يصير من أجلنا نموذجًا وطريقًا لكل عمل صالح “[33]. “والمسيح عندما صام في البرية لم يصم من أجل نفسه ـ فهو لم يكن محتاجًا إلى ذلك ـ بل لكي يعطينا نفسه نموذجًا ومثالاً للحياة الفُضلى “[34]. القديس كيرلس يري أن المسيح هو مثال ونموذج للبشر، في كل أعماله. وهذا نجده في نومه فى السفينة وانتهاره الريح[35]. وهكذا في حديثه عن السامري الصالح. فالمسيح هو مثل السامري قاد الإنسان إلى الفندق، أي كنيسته التي تقبل كل من يحتاجون للشفاء الروحي والمعونة[36]. المسيح إذن أظهر الله وأظهر الحياة الإلهية المقدسة للناس، لكي يستطيعوا أن يروا نموذجًا كاملاً وملموسًا لحياة القداسة.

3 ـ بذبيحة المسيح :

بصليبه وموته حقق المسيح عمله الخلاصى وتممه، وحطم قوة الخطية وصالح الإنسان مع الله، وحرر الإنسان من سلطان الشيطان، وقاده إلى حياة جديدة، وجعله ” خليقة جديدة ” مبنية على صليبه وموته.

أ ـ القديس كيرلس يعلّم بأن ” المسيح صُلب عن الجميع ولأجل الجميع، لكى ـ إذ هو الواحد عن الجميع ـ يحيا الجميع فيه [37]. إذن فذبيحة المسيح هى ” ذبيحة كفارة” . فالمسيح صنع خلاص الإنسان بذبيحة واحدة. القديس كيرلس يؤكد أن المسيح ” لم يقدم ذبيحته من أجل نفسه ـ إذ هو كإله، بلا خطية ، ولا يحتاج إلى خلاص”[38]، بل قدم ذبيحته لأجلنا نحن الخطاة ليهبنا غفران الخطايا وبداية حياة جديدة. المسيح الذى بلا خطية ” صار خطية لأجلنا” (2كو21:5) لأن الله جعله يموت عوض الخطاة أى كخاطئ ممثلاً لكل البشرية الخاطئة [39]. وأيضًا فإن اتحاد اللاهوت بالناسوت هو الذى جعل ذبيحة المسيح تمثل جميع البشر أمام الله.

فالكلمة المتجسد مات بالجسد كأصل جديد لكل الطبيعة البشرية، وهو كإله كان قادرًا أن يقدم الخلاص لكل البشر. ” المسيح أخذ على نفسه كل العقاب الذى كان علينا، وبهذه الطريقة فإن خطايانا فقدت سلطانها ” [40]. بذبيحة المسيح وحدها حصلنا على الحرية من سلطان الخطية والشيطان .

ب ـ مثل آباء آخرين، فإن القديس كيرلس يتحدث عن تقديم يسوع المسيح ذاته على الصليب لله الآب ” فدية لأجل حياة الجميع ” [41]، ولأجل تحريرهم من سلطان الخطية والشيطان. الشيطان ليس له سلطان على البشر إلاّ بسبب الخطية، فسلطانه غير حقيقى وخاطئ. ” ولذلك فقد الشيطان سلطانه حينما انتصر عليه المسيح بالصليب، وهذا صواب تمامًا وحق” [42]. القديس كيرلس لا يقول إن المسيح قدم دمه للشيطان، بل أنه قدم دمه لأبيه. وهو يعبر عن حقيقة أن المسيح هو ” الحمل الذى قدم نفسه كذبيحة لكى ينقذ الناس من الخطية ويجعلهم أنقياء وبلا خطية ، ويقودهم إلى الآب ” [43]، وعمومًا لكى يخلصهم.

 

ج ـ المسيح يقدم الخلاص للناس هبة مجانية :

القديس كيرلس يؤكد أن المسيح قدم نفسه لأجل خلاص الناس رغم أنهم لا يستحقون ذلك. ” الناس لا يستطيعون أن يقدموا أى شئ مقابل فديته الإلهية “[44]. وهو يريد أن يوضح عظمة محبة المسيح المخلّصة، كما يوضح صغر وضعف البشر الخطاة واستحالة خلاصهم إلاّ بالمسيح .

+ حيث إن البشر لم يستطيعوا أن يشتروا خلاصهم بأنفسهم، لذلك قدم المسيح الخلاص لهم ” كهبة ـ هدية ” بسبب ” محبته للبشر ” . الله يحب كل خلائقه، ولكنه يحب الإنسان بطريقة خاصة، وإلى درجة خاصة أكثر من باقى المخلوقات. الله أظهر محبته الخاصة للبشر أساسًا بإرسال ابنه الذاتى. إلى الأرض لأجل خلاص الإنسان[45].

+ وأحيانًا يقول القديس كيرلس إن المسيح قدم ” نفسه “، وهو يستعمل كلمة ” نفس ” بدلاً من كلمة ” حياة ” كما يستعملها العهد الجديد أيضًا أحيانًا. وهذا يبين أن القديس كيرلس يبنى تعليمه على الكتاب المقدس حتى أنه يستعمل كلمات الكتاب بمعانيها الخاصة بها.

+ وحيث إن المسيح ” اشترى” البشر بذبيحته ودمه مخلصًا إياهم، ” فإن البشر إذن، لا يعودون ملكًا لأنفسهم، بل للمسيح الذى اشتراهم وخلّصهم ” أنظر 2كو15:5 ” ويطلق سبى شعبي لا بثمن ولا بهدية قال رب الجنود” (إش13:45)[46].

د ـ الإنسان كان حرًا قبل سقوطه، ولكنه بعصيانه لله استُعبد للشيطان. الشيطان هو الذي اخترع الخطية وصار طاغية متسلطًا على البشر ضد مشيئة الله وقصده من نحو البشر[47]، وكان يحتفظ بالبشر كأنهم ملك له وكان له سلطان وسيادة عليهم. وصار للشيطان هذه القوة على البشر بسبب خضوعهم له وارتكابهم للخطايا، مما جعله سيدًا عليهم لفترة قصيرة.

+ إذن فسبب سيادة الشيطان عليهم هو خطاياهم ـ التى صارت ناموسًا داخل الإنسان ـ ناموس الجسد. القديس كيرلس يتحدث عن ناموس الخطية. وأن الشيطان هو الذي قاد البشر إلى الخطية، لأنه عرف أنهم بهذه الطريقة فقط سيصيرون عبيدًا له ويرفضون الله[48].

+ ولكن سيادة الشيطان على البشر كانت خطأ وغير طبيعية، لأنه استعمل الخداع ليبعدهم عن الله ويجعلهم عبيدًا له، فليس له سلطان عليهم لا بالطبيعة ولا بالميلاد، لأنهم ملك لله خالقهم.

+ لذلك أدان المسيح الشيطان وخلص البشر: فأدان الشيطان ومنعه من التسلط على البشر، ولكنه رحم البشر الذين كانوا يعانون من طغيان إبليس[49]. ويؤكد القديس كيرلس أن المسيح لم يدن الشيطان فقط، بل كسيد حقيقي للبشر حارب ضد الطاغية الغريب، وانتصر في المعركة لنا، لأجل خلاص كل البشر، حتى أن نصرته صارت هي نصرتنا[50]. وحطم المسيح الشيطان لأجلنا ولأجل خيرنا.

+ الخطية كانت ترسل الناس إلى الموت وهذا حكم عادل، ولكن حينما أُدينت الخطية بواسطة الديان المسيح البار الذي بلا خطية، فإن الخطية (الشيطان) فقدت سلطانها فى الحال لأنها ظالمة. المسيح حرر الناس من العبودية، وانتهي طغيان الشيطان بعلامة نصرة المسيح، أي بالصليب.

+ إدانة الشيطان وانتزاع السيادة منه، وتحرير البشر من طغيان إبليس، وإدانة الخطية وإبطال مملكة الموت، كل هذه مرتبطة معًا بدون أي انفصال وهي كلها نتائج لنصرة المسيح على الشيطان وجنوده. هكذا لم يعد الإنسان عبدا للشيطان. وقوة الخطية قد حُطِمت. وصار ناموس الخطية الآن ليس له سلطان على الناس، لأنهم حصلوا على سلطان آخر، سلطان المسيح المنتصر، سلطان ناموسه الذي هو ناموس المحبة. والرب القوي حاضر في قلوب البشر ويظل فيهم، وقوته الخاصة تجعل البشر أقوياء أيضًا به.

+ ومن هنا يتضح أن القديس كيرلس لا يفصل بين نصرة المسيح وبين الكفارة. وخلاص الإنسان وتحريره كما رأينا هو الخطة الأزلية لمحبة الله المجانية للإنسان[51].

+ لا شك أن تعليم القديس كيرلس عن الخلاص هو ” كتابي تمامًا” . فهو ليس فقط يستعمل ألفاظ العهد الجديد مثل: ” فدية ” (مت28:20) ” فدية عن كثيرين “؛ و”مصالحة” (رو11:5) ” بربنا يسوع الذي نلنا به الآن المصالحة” و(2كو18:5) ” وأعطانا خدمة المصالحة” و”صولحنا” و”مصالحون” في (رو10:5)، بل إن أفكاره أيضًا هي نفس أفكار العهد الجديد وتعليمه، هو نفس تعليم العهد الجديد عن الخلاص.

ثانيًا: الإنسان خليقة جديدة فى المسيح:

عند القديس كيرلس، خلاص الإنسان هو هدف تجسد المسيح وذبيحته الخلاصية على الصليب. وبذلك يصير الإنسان خليقة جديدة. وهذه الحياة التي ينالها الإنسان في المسيح هي الحياة الحقيقية، فالإنسان يصير إنسانًا حقيقيًا فعلاً، في المسيح.

ونعرض هنا تعليم القديس كيرلس عن الإنسان كخليقة جديدة:

1 ـ المسيح بإبادته لقوة الشيطان جعل البشر أحرارًا حقًا من جديد، قادرين على عمل الصلاح وتحاشى الشر، الحياة المسيحية الجديدة هى حياة حرية حقيقية. والحرية تكون حقيقية فقط حينما يستعملها الإنسان فى عمل الصلاح.

2 ـ المسيح ، النور الحقيقى ينير عقل الإنسان ، ويعيد صورة الله فى الإنسان [52]. هذا الإيمان المسيحي هو التعبير الكامل عن النور، فهو ينير ذهن الإنسان، وبالمعرفة الكاملة يقود الإنسان إلى معرفة المسيح، وإلى الاتحاد به لكي يكون صورة حقيقية لله[53].

3 ـ باستعادة طبيعة الإنسان الأصلية والمواهب التي خُلق بها، والتي كانت قد فُقِدت بالخطية ـ فإن المسيح أعاد السيادة والملوكية للإنسان. فالإنسان ينال كرامة ملوكية من جديد في المسيح[54]. القديس كيرلس يفرق بوضوح بين ملوكية الله الخاصة بطبيعته الذاتية وجوهره الإلهي، وبين سيادة وملوكية الإنسان التي تُعطى له كهبة معطاة له من نعمة الله[55]. والقديس كيرلس يعلّم بأن ملكوت الإنسان سيصير حقيقيًا في الحياة الأبدية، لأن الدهر الآتي قد أعطى للمسيح الإله المتجسد[56].

4 ـ يتحدث القديس كيرلس أيضًا عن عدم الفساد (عدم الفناء) كوجه آخر للخليقة الجديدة ” كما أن آدم كان سبب فساد الإنسان وموته، جسديًا وروحيًا، هكذا المسيح كبداية ثانية لنا ختمنا بعدم الفناء[57]، الخلاص المسيحي لا يمكن أن يعني فقط عدم فساد الجسد، بل والنفس أيضًا. ففي هذه الحالة ـ أي عدم فساد الجسد فقط ـ يبدأ الخلاص فقط بعد الموت. لكن الخلاص المسيحي يبدأ من هذه الحياة. ” الله يجعل البشر شركاء في عدم الفساد، لأنه يجعلهم يشتركون في طبيعته” [58].

5 ـ نعمة التبنى: المسيح ابن الله الوحيد بالطبيعة، جاء لكي يشكّل البشر ويعطيهم بنوة إلهية حقيقية وجديدة، أي تبني إلهي. ويؤمن القديس كيرلس أن هذا التبني الإلهي كان هو سبب تجسد الكلمة[59]. الإنسان يصير جديدًا في المسيح ابن الله ـ ليس بالطبيعة بل بالتبني، أي بالنعمة.

+ (اختلاف كبير بين المسيح ابن الله بالطبيعة، وبين الإنسان كابن لله بالنعمة في المسيح. المسيح الابن يطبع علامته المميزة الخاصة بصورته على نفوس الذين يشتركون فيه، فيقول: [نحن نرتفع إلى هذه الكرامة الفائقة للطبيعة بسبب المسيح. ولكن نحن لن نصير بالضبط كما هو تمامًا، أبناء الله (بالطبيعة)، بل بالحرى نصير أبناء عن طريق علاقتنا بالمسيح من خلال النعمة، أي بالتمثل به. والسبب في ذلك أنه ابن حقيقي مولود من الآب بالطبيعة، أما نحن فإننا أبناء مُتبَنون بفضل لطفه ومحبته.

إننا ننال التبني كنعمة من الذي قال ” أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم ” (مز6:81س). لأن المخلوق الذي تكوّن كعبد، يدعي إلى ما هو فوق الطبيعي بمجرد إرادة الآب. الطبيعة والتبني، والحقيقة والاقتداء، هي أفكار مختلفة. وحيث إننا قد دُعينا أبناء بالتبني والاقتداء (بالمسيح)، فإننا نتمتع بهذه البركة كفضل ونعمة، وليس ككرامة طبيعية ][60].

+ إذن فتبنينا الإلهي الذي أُنجز بواسطة الاشتراك في ابن الله، هو صورة للابن وبالتالي للآب. إنه إعادة صياغة طبيعتنا حسب الطبيعة الإلهية التي على مثالها خُلِقَ الإنسان في البدء. إنه نقل امتياز الله إلينا، وهو الذي يرفعنا فوق الطبيعة البشرية إلى دائرة ما هو إلهي، ويجعله ممكنًا للبشر أن يفلتوا من الفساد.

وحينما يبحث القديس كيرلس بنوة الإنسان هذه بالتفصيل فهو يتحدث عن مسيرة وتقدم :

  1. بالتجسد يصير البشر اخوة للكلمة المتجسد؛ الابن، ولكن ليس اخوة بالطبيعة.
  2. وكاخوة للابن يصير البشر أبناء لنفس الآب، بالنعمة أيضًا، أي أبناء متبنين لله[61].
  3. ثم بعد ذلك ننال الروح القدس الذي يسكن فينا، وهو الروح الذي قبله كإنسان لكي يمكن للطبيعة البشرية أن تقبل روح الله بواسطته [62].
  4. ثم يقدس المسيح البشر ويجعلهم خاصته.
  5. نحن نتقدس بطريقتين:

أ ـ بأن يكون المسيح فينا ويحيا داخلنا بواسطة الروح القدس (روحه).

ب ـ وبأن ننال جسده المقدس في الإفخارستيا.

+ مرحلتان للتبني: الأولي: عند تجسد الكلمة ـ بالمعنى العام.

الثانية: نجدها في اشتراكنا الشخصي في الطبيعة الإلهية؛ بالروح القدس والإفخارستيا.

+ حياة الإنسان في المسيح أعظم جدًا من الحياة المقدسة التي كانت لآدم عند خلقته[63].

+ بالمعمودية يمنح المسيح للبشر نعمة التبني، فيصير البشر أبناء الله بالمعني الحقيقي. في المسيح يصير الإنسان إنسانًا حقًا.

+ ” لقد خُتمنا للبنوة بالابن في الروح؛ لأن صورة الابن هي البنوة، بينما صورة الآب هي الأبوة. لذلك نحن أبناء بالبنوة (بالابن)، ولكننا صورة الله ومثاله” [64].

” الناس قد خُلقوا على صورة الابن، الذي هو الصورة الطبيعية للآب ولهذا يُقال إن الإنسان قد خُلِق على صورة الله” [65].

الجزء الثانى : حصول الإنسان على الخلاص شخصيًا

القسم الأول: النعمة الإلهية فى عمل الخلاص

فصل 1: النعمة الإلهية وخلاص الإنسان:

أ ـ النعمة الإلهية رغم صفتها الشاملة لا تلغي إرادة الإنسان الذي يمكنه أن يقبل أو يرفض نعمة الله. القديس كيرلس يقول: ” حين يقبل الإنسان الروح القدس بالمعمودية لا تُنزع منه حرية إرادته، بل بالعكس فإن إرادته تظل موجودة”[66]، فالنعمة لا تعمل وحدها، وهي لا تعمل ضد إرادة الإنسان، وهكذا يكون الإنسان مسئولاً عما يفعله أو يختاره، إمّا للخلاص أو للدينونة. الله لا يعين مسبقًا أناسًا للخلاص وآخرين للدينونة الأبدية.

ب ـ في التعاون بين النعمة الإلهية وإرادة الإنسان، فإن الإرادة الإلهية تأتي أولاً، وهي العامل الرئيسي الفاعل في خلاص الإنسان[67]. ويقول ” إن البشر كانوا معروفين سابقًا من الله الآب أنهم يصيرون مشابهين لصورة ابنه” (رو29:8، 30)[68].

ج ـ القديس كيرلس يؤمن أن المختارين، يُختارون بحسب مشيئة الذي دعاهم ومشيئة المختارين معًا[69].

د ـ لأن الجسد والشهوة الخاطئة يقاومان عمل نعمة الله المخلّصة، فهناك احتياج كما يقول القديس كيرلس: ” لعمل أقوى وأكثر شدة للنعمة لكي يمكن للإنسان أن يتطلع إلى الله ويصير حرًا من الضلال السابق” [70].

هـ ـ لكن القديس كيرلس يتحدث بإلحاح أيضًا عن إرادة الإنسان ودوره في حياة الكمال ولذلك يقول: ” إنها خطية مرعبة وجريمة إذا كان أحد ـ بعد أن نال الغفران بالمسيح ـ يرجع مرة أخرى إلى حياة الخطية، ولا يحاول أن يتجنب الخطية”[71]. ” وإذا حاول الإنسان أن يحيا حسب مشيئة الله، فبذلك فقط يبرهن أنه جدير برؤية الله، وبأن يصير منزلاً للثالوث القدوس المساوي في الجوهر”[72].

و ـ ولهذا السبب يعتبر القديس كيرلس أن هذا العالم الحاضر هو وقت العمل والحياة الفاضلة، والعالم الآتي هو وقت المكافأة[73].

ز ـ القديس كيرلس يؤكد على أهمية التوبة الحقيقية التي “تخلّص” وذلك بسبب أن كل الناس خطاة وضعفاء ” المسيح نفسه هو الذي يدعو كل الناس لكي ينالوا الغفران بالتوبة “[74]. مما يبين أنه يعطي أهمية وقيمة لمجهودات الإنسان ـ من كل القلب ـ وتأثيرها في بلوغه لحياة الكمال. وحينما يتوب الإنسان حقًا، فإن الله يحيا معه ويغفر له ويقبله كابن له[75].

ح ـ القديس كيرلس يتحدث إما عن نعمة الله التي تبرر الناس، أو عن إيمان الإنسان الذي يبرر الإنسان ويحرره من الخطية[76]. ولكن الله لا يخلّصنا إن لم نقبل نعمته. ولذلك يؤكد القديس كيرلس على التعاون بين نعمة الله وإرادة الإنسان حينما يقول إن ” النعمة والفضيلة تجمعاننا مع الله”[77].

فصل 2: تبرير الإنسان :

1 ـ التهيئة والدعوة للتبرير :

نعمة الله تظهر بصورتين:

أ ـ نعمة عامة : مثل النعمة التي تُعطى في المعمودية، أي غفران الخطايا، وبذرة التقديس للمعمد دون أن يعي الشخص أنه عضو حي في الكنيسة[78]. أو النعمة التي تعمل عمومًا في الذين يسمعون عن المسيح لأول مرة[79].

ب ـ نعمة خاصة: النعمة التي تعمل بقوة في الأشخاص الذين يقبلونها ويصيرون أعضاء أحياء واعين في الكنيسة.

دعوة الإنسان: إمّا خارجية عن طريق سماعه كرازة الإنجيل.

أو داخلية في قلب الشخص.

وكلاهما عمل النعمة.

بعد الدعوة من الله وبعد أن يقبل الشخص الدعوة، ينتقل للمرحلة التالية: أي التوبة والتحوّل الداخلي، فيدخل في حالة التبرير الجديدة.

2 ـ جوهر تبرير الإنسان : وجهان للتبرير:

الأول: غفران الخطايا وتحطيم قوة الخطية.

الثاني: بدء حياة جديدة وبداية حالة التقديس.

والقديس كيرلس يتحدث عن وجهين للتبرير: الغفران والتقديس. والوجهان غير منفصلين، وكلاهما معًا يعبران عن جوهر التبرير.

يقول القديس كيرلس : ” نحن بواسطة المعمودية المقدسة نأتى إلى نعمة ذاك الذى يقدسنا، وننال غفران الخطايا، والولادة الروحية الجديدة، ومشابهة المسيح نفسه ” [80].

الوجه الأول : (سالبى) غفران الخطايا

الغفران يعني أن نصير أبرار فعلاً بالمسيح، وليس نحسب أبرارًا فقط. القديس كيرلس يستعمل أفعال: يغسل الخطايا، يمحو الخطايا، يزيل الخطايا، يحررنا من نجاساتنا، يطهرنا من كل خطايانا.

بفعل نعمة المسيح تنزع الخطية. الخطية تذهب بعيدًا فقط، حينما تدخل النعمة. يقول القديس كيرلس: ” بالمعمودية ننال غفران كل الخطايا، كل أنواع الخطية”[81]. ويقصد الخطايا الشخصية والخطية القديمة (الأصلية):

أ ـ بواسطة المعمودية المخلّصة نحصل على غفران الخطايا[82].

ب ـ وبالمعمودية تحررنا حتى من دينونتنا القديمة.

ج ـ بالمعمودية نفلت من كل عقاب الخطية.

د ـ بالمعمودية نُفك من كل نجاسات الخطية ومن كل أدناس التعديات”[83].

لذلك فبحسب القديس كيرلس، فإن التبرير يمحو الذنب والحالة الخاطئة، ولذلك حينما يقول إننا ننال الغفران بالمعمودية، فهو يقصد أننا نصير أحرارًا من الخطية ومن نتائجها. ولذلك فالمعمودية “مُخلّصة” حقًا”[84]. المسيح هو الذي يعمل في المعمودية ومن خلالها، وهو يقدم عطية الخلاص لكل واحد شخصيًا بواسطة المعمودية، هذا الخلاص الذي حققه موضوعيًا وبصفة عمومية بذبيحته الخلاصية كإله متجسد.

الوجه الثانى : (إيجابى) تقديس الإنسان .

أولاً : فى تعليم القديس كيرلس لا يوجد فصل بين غفران الخطايا وتقديس الإنسان :

أ ـ في المعمودية ننال غفران الخطايا وتقديسًا لنفوسنا، وبها ننال تجديدًا روحيًا (إعادة ولادة)[85].

ب ـ في المعمودية ” ننال النعمة الإلهية التي بها نصير أغنياء. فنحن نأخذ لباس العرس”.

ج ـ ولذلك فالمعمودية تعطينا قوة وتساعدنا للسير في الطريق العالي[86]. وهكذا تصير المعمودية طريقًأ للبركة الروحية وتقدم لنا النعمة.

د ـ “وبسبب ذلك نصير هياكل لله”.

هـ ـ وأكثر من ذلك، بالمعمودية نصير شركاء الطبيعة الإلهية[87].

و ـ “كل هذه الهبات تعطى للأشخاص الذين يُعمّدون بفضل الذى يدعوهم للخلاص”[88].

ثانيًا: تعبير التقديس له عدة معانى عند القديس كيرلس:

أ ـ التقديس يعنى التكريس للإله القدوس، أو رغبة الإنسان وميله أن يعمل مشيئة الله، وفي هذه الحالة يعني أن يقدم الإنسان ذاته ذبيحة. وهنا ينبغي أن نقول ـ بحسب القديس كيرلس ـ إن هذا الوجه الإيجابي للتبرير أي التقديس، يجعله ” صورة الله ” بالمعني العام لاصطلاح “صورة الله”.

[المسيح له اخوة مثله يحملون صورة طبيعته الإلهية عن طريق التقديس، لأن هذه هي الطريقة التي بها يتصور المسيح فينا، وذلك بقدر ما يحولنا الروح القدس، مما هو بشري إلى ما هو له][89].

ب ـ إذن، تقديس الإنسان في المسيح هو أساسًا اشتراك فى الطبيعة الإلهية. وهذا التحول والتقديس يحدث في الإنسان بقوة الروح القدس نفسه الذي ” يصور المسيح فينا” و”يجددنا لله”[90].

ج ـ التقديس يُعطى بالروح القدس لمن يستحقون.

والروح يعطيهم الاشتراك في الطبيعة الإلهية، وهذا الاشتراك ليس في الجوهر أو الكيان، بل ” يعني تصوير المسيح في النفس”[91]. وهذا التشكيل للنفس، وتقديس الإنسان يمكن أن يحدثا فقط عن طريق اتحاد الإنسان بالله.

د ـ قداسة الله طبيعية ـ أما قداسة الإنسان فهي مضافة إليه من خارجه، بالنعمة وحياة الفضيلة[92]. فالتقديس هو ” نزع الخطية أو التحرر منها”. وحتى هذه الحياة الفاضلة، هي مستحيلة بدون معونة المسيح، وهو الذي يساعد الإنسان للتمثل بالإله القدوس، بالأعمال والفضيلة[93].

هـ ـ ” فى المسيح يتحول الإنسان إلى حياة جديدة مقدسة، إلى حياة جديدة مجيدة”[94]. ويصير الإنسان خليقة جديدة ” لأننا نحن أغنياء بحضور المسيح نفسه فينا”[95].

و ـ القديس كيرلس يشرح أن القداسة تعنى مشابهة المسيح فى العمل والحياة الفاضلة[96]، وفى صورة صلاح الله[97].

3 ـ دور الله ودور الإنسان فى التبرير :

أ ـ دور الله فى التبرير:

يقول القديس كيرلس:

+ ” نتبرر مجانًا بنعمة المسيح دون أن نقدم شيئًا .. بل نربح هذه الهبة بلطف ربنا ومحبته للبشر [98].

+ وحتى الاشتياق للبر يأتي كهبة من الآب.

ب ـ دور الإنسان فى التبرير:

1ـ الإيمان الحقيقي: شرط لنوال العطايا الإلهية بصفة شخصية، نحن نتبرر بالإيمان[99].

2ـ الإيمان يرتبط بالتوبة الحقيقية.

3ـ الإيمان مرتبط بالمحبة. الإيمان يغذي المحبة، كما أنه يتغذى بالمحبة[100].

4 ـ لأن الإيمان والمحبة (الأعمال) مرتبطان معًا، فإن الخلاص يبدو أحيانًا أنه يعتمد على الإيمان وحده، وأحيانًا أخرى على الأعمال الصالحة وحدها. لذلك فالأعمال الصالحة ضرورية لخلاص الإنسان ” فلا فائدة من الإيمان بدون الأعمال الصالحة بل يكون ميتًا”[101].

فصل 3: تقديس الإنسان :

عند القديس كيرلس يُوجد طريقان لتقديس الإنسان في المسيح هما:

1 ـ سكنى الروح القدس فى الإنسان : شركة الروح القدس:

[ لقد كان ضروريًا لنا أن نصير شركاء للطبيعة الإلهية للكلمة، وبالحري أن نتغير إلى حياة أخرى وتتحول وتتغير عناصر كياننا إلى جدة الحياة، ونصير مُرضين لله. ومن غير الممكن البلوغ إلى هذا الهدف بأي طريقة أخرى سوى الاشتراك في الروح القدس… وبعد صعود المسيح إلى الآب، كان ضروريًا أنه يجمع نفسه مع عابديه بواسطة الروح، وأن يسكن في قلوبنا بالإيمان… لكي بحضوره فينا (حضور المسيح فينا بالروح) نتقدم بسهولة في كل فضيلة، ونصير أقوياء وغير مغلوبين أمام حيل الشيطان وهجوم الناس، لأننا نملك (في داخلنا) للروح الكلي القدرة][102].

طرق نوال الروح:

1 ـ بالمعمودية 2 ـ بالتوبة الحقيقية.

+ الخلاص وسكني الروح القدس في الناس هما حقيقتان لا تقبلان الانفصال. والروح يختم الإنسان للخلاص (يو8:16).. يقول القديس كيرلس؛ إن الثالوث يسكن في الإنسان[103]. الآب والابن والروح يعملون لخلاص الإنسان، والثلاثة يسكنون في الإنسان كثلاثة أشخاص في وحدة[104].

+ عمل الروح القدس في الإنسان يطهره من خطاياه ويبرره ويقوده إلى حياة جديدة في الله[105]. التبرير وعمل الروح لا ينفصلان. وبالروح ندخل في حالة التقديس (القداسة)[106]. ويصير الإنسان خليقة جديدة. وينمو الإنسان في الفضيلة إلي مستويات أعلى في القداسة.

2 ـ الإفخارستيا المقدسة:

+ بالإفخارستيا ينال الإنسان علاقة جديدة داخلية وحقيقية مع الله الابن. وبها يشترك الإنسان في الله، ويناله بطريقة سرية جديدة وحقيقية (على يو54:6).

+ الإنسان ينال المسيح نفسه بالإفخارستيا، وليس نعمة منه فقط، ينال جسده ودمه. فالإفخارستيا طعام روحي حقيقي، عطية روحية من الله.

+ المسيح هو الذي يعطي الحياة للناس، والروح أيضًا يعطي الحياة لهم.

+ الإفخارستيا هي سر خلاص، لأن المسيح بالإفخارستيا يدخل داخل المتناولين ويحيا فيهم. المسيح يأتي بواسطة جسده ويحيا في داخل الإنسان كله (على يو55:6).

+ الإنسان بتناوله جسد المسيح يصير واحدًا معه، ويحيا فيه، ويكون فيه. (تشبيه الخميرة والعجين في شرح يو57:6). هكذا المسيح يكون هو سبب فاعلية الإفخارستيا، ولذلك فهو سبب النعمة والحياة والتقديس التي ينالها المتناولون.

الله هو الحياة، فالبشر ينالون الحياة الحقيقية بنوالهم المسيح في الإفخارستيا، والمسيح هو قوة التقديس الفريدة، فيهبهم إمكانية القداسة ليحيوا حياة مقدسة.

 

القسم الثانى: اكتمال الخلاص

1 ـ اكتمال خلاص الإنسان هو فى الحياة الأبدية ” لأن المسيح هو بداية ونهاية كل الأشياء “[107].

2 ـ الحياة الأبدية واكتمال الخلاص مرتبطان بمجيء المسيح ثانية.

3 ـ حينما ينتهى هذا الدهر (العالم)، سيأتى الديان الإلهى (المسيح) مع ملائكته فى مجد أبيه. وهو سيدين دينونة عادلة .

4 ـ قيامة المسيح ـ الباكورة ـ هى سبب قيامة البشر. قيامة الأجساد عامة. ولكن ليس كل البشر يشتركون فى ” العيد الأبدى السماوى “[108]، بل فقط الذين هم خاصة المسيح، وهو رأس لهم هنا على الأرض وهم يعيشون حياة مقدسة، هؤلاء فقط يشتركون فى الفرح السماوى والقيامة للحياة.

5 ـ سماء جديدة وأرض جديدة ـ وسيصير العالم له وجه مختلف ـ وجه روحاني. الخليقة ستُعتق من عبودية الفساد.

6 ـ ” هناك (في الأبدية) لن نحتاج إلى رموز وأمثال، بل سوف نشاهد جمال الطبيعة الإلهية للآب والابن وجهًا لوجه وسنعرف المسيح، ونراه في كمال مجده ومجد أبيه[109].

7 ـ المعرفة الكاملة لله، والغبطة الكاملة، والمجد الكامل بالوجود الدائم مع الله سوف تكوّن حالة الإنسان الكاملة والمجيدة في الأبدية. نفس الإنسان سيكون لها استنارة كاملة وتمتلئ بالنور الإلهي الذي لا يُنطق به[110].

8 ـ أجساد المخلّصين أيضًا في السماء لن تظل لحمية، بل تصير روحانية حرة من الفساد، ومن الموت ومن الخطية.

الطبيعة البشرية سوف تلبس عدم الفساد. والجسد سيصير قويًا، خاليًا من أي ضعف أو عاهة طبيعية، أو أي نقص، خاليًا أيضًا من أي نقص أخلاقي، لأنه سيصير بلا خطية بالنعمة، ويصير مهتمًا فقط بالأمور الروحية[111]. فالجسد أيضًا سيكون ممتلئًا بالمجد الذي سيكون مجدًا أبديًا[112].

9 ـ المسيح بسبب إنسانيته سيظل في الأبدية، هو الرباط بين الله الآب وبين المغبوطين ، إذ هو رأس المفديين الآن وإلى الأبد، أي رأس الكنيسة السماوية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 يقصد بعبارة (على يو17:10) أن هذه الأفكار وردت في شرح القديس كيرلس على الآية 17 من إصحاح 10 لإنجيل يوحنا. وهكذا كل ما يرد بين قوسين بعد كلمة ” على ” يفيد أنه من شرح القديس كيرلس.

[2] Com. in Isai 14,3.

[3] Com. in Isai 14,3.

4 لوقا ج1، عظة2، ص35.

5 أنظر حوار حول الثالوث ـ المقال الأول ص40.

[6] Com. in Isai. 8,3.

[7] De Trinit. 6.

[8] Com. in Isai 43,22; in Isai. 1, 16.

[9] Com. in Isai 43,22.

[10] Com. in Isai 11,12.

[11] Glaphyra in Gensis, 3.

[12] Paschal Hom. 27.

[13] Com. in Joan. 10,14; Com. in 1Cor. 15,12; Do Adorat. B’; Thesaurus20.

[14] Com. in Isai 53,10.

[15] Com. in Isai 6,9.

[16] P.G. 75, 1268 المسيح واحد

17 من شرح يوحنا2:17.

18 من شرح يوحنا16:17.

[19] Com. in Isai 52,6-7.

[20] Thesaurus 15, De Adorat. 1.

[21] In Psalm. 15,8.

[22] Adv. Nestor. 5,1.

[23] In Duodec. Proph., Thesaurus 32.

[24] Com. in Isai. 1.

[25] In Malach. 2,5.

[26] In Isai 2,4.

[27] In Joan 12,27.

28 تفسير إنجيل لوقا ـ الجزء الأول عظة 12 ص 89 مركز دراسات الآباء 1990.

[29] Thesaurus 10.

30 أنظر عظة 81 على لوقا20:11 ـ تفسير لوقا ج3، ص73،72، مركز دراسات الآباء 1996 ترجمة د. نصحي عبد الشهيد.

[31] In Joan 14,28.

[32] In Joan 15,9.

33 أنظر عظة 11 على لو21:3ـ23، تفسير غنجيل لوقا ج1 ص 75 ترجمة د. نصحي عبد الشهيد، مركز دراسات الآباء1990.

34 أنظر المرجع السابق: عظة 43 على لو22:8 ص84.

35 أنظر المرجع السابق: عظة 43 على لو22:8 ص245.

36 المرجع السابق: ج2، عظة 68 على لو34:10 ص 154.

37 شرح إنجيل يوحنا ج1 ـ يو11:2 ص 187، مركز دراسات الآباء 1989.

38 أنظر حرم 10 من رسالة 17 فى كتاب ” رسائل القديس كيرلس إلى نسطور ويوحنا الأنطاكى ” ص 27، 28، مركز دراسات الآباء طبعة ثانية 2000.

[39] Glaph. In Levit.

[40] In Isai 53,7.

[41] In Isai 24,23.

[42] In Joan 14, 30. يو30:14 ” رئيس هذا العالم يأتى وليس له فىَّ شئ

[43] Thesaurus 29.

[44] In Isai 62, 6.

[45] Glaph. In Gens. 2.

[46] In Isai 45, 13.

[47] In Isai 10, 31.

[48] In Isai 9, 4.” لأن نير ثقله.. وقضيب سخرة كسرهن” (إش4:9)

[49] In Psalm. 7, 9.

[50] In Isai 10, 14.

[51] In Isai 9, 1-3.

[52] In Joan 3,5.

[53] De Ador. 8.

[54] De Ador. 2

55 أنظر شرح يوحنا ج2 على يو4:3، ص 18 مركز دراسات الآباء 1995.

[56] In Hebr. 2, 5-8. “.. العالم العتيد لم يُخضع لملائكة…. بمجد وكرامة كللته..” (عب5:2ـ8).

[57] In Gensis1.

[58] In Joan 9, 1.

[59] In Joan 9, 1.

[60] In Joan. 9, 1.

61 أنظر تفسير لوقا ج1 للقديس كيرلس على لو7:2 عظة 1 ص 29.

62 أنظر شرح يوحنا ج1 على يو32:1ـ33 ص168، 169.

[63] De Adorat. 17.

[64] De Trinit. Dail. 3.

[65] In Pusey: Ioan3.

[66] C. Julian.

[67] In Isai 45, 11-12.

[68] Thesaurus 11.

[69] In Rom. 8:28, 9:14.

70 أنظر تفسير لوقا ج4 عظة 104 ص 64، مركز دراسات الآباء 1998.

[71] De Adorat. 15.

[72] De Adorat. 14.

[73] In Matt. 24:51.

[74] In Psalm. LXVI, 5.

[75] In Aggaios 1, 3.

[76] De Adorat. 7, In Agg1:5-6.

[77] Thesaurus 12.

[78] In Psalm 50(51): 12.

[79] In Isai 1,18.

[80] In Isai 3,10.

[81] De Adorat. 11.

[82] In Isai. 1: 16.

[83] De Adorat. 9.

[84] De Adorat. 9.

[85] In Isai. 3: 1-2.

[86] In Isai. 7:3.

[87] Glaph. In Number.

[88] De Adorat. 9.

[89] Ad. Nestor. III. B’.

[90] De Trinit. Dail. 7.

[91] In Isai. 4:1.

[92] In Joan. 11: 9.

[93] C. Jul. 4.

[94] In Rom. 6,5.

[95] De Rect. Fide36.

[96] In Joan. 11:9.

[97] Pasch. Epist. 27, 2.

[98] De. Ador. 7.

[99] De Adorat. 15; Glaph. In Genses 6.

[100] De Adorat. 15.

[101] In Joan. 13:16-17.

102 على يوحنا7:15 P.G. 74, 433.

[103] Thes. 8; P.G. 75, 108.

[104] Thes. 8; P.G. 75, 108.

[105] In Malach. 33; P.G. 72, 336.

[106] Pasch. Hom. 10.

[107] Glaph. In Exod. 13

[108] In 1Cor. 15,51.

[109] In Joan 16:25.

[110] On Proph. Malach. 4:2.

111 أنظر تفسير إنجيل لوقا ج5 عظة 136، ص 71، مركز دراسات الآباء سنة 2001.

[112] Hom. Pasch. 10.

تدبير الخلاص عند القديس كيرلس الأسكندرى – دكتور نصحى عبد الشهيد

الخلاص عند القديس أثناسيوس – د. نصحي عبد الشهيد

الخلاص عند القديس أثناسيوس – د. نصحي عبد الشهيد

الخلاص عند القديس أثناسيوس – د. نصحي عبد الشهيد

الخلاص عند القديس أثناسيوس – د. نصحي عبد الشهيد

 

1 ـ تجسد ابن الله وموته على الصليب وقيامته هى محور الإيمان المسيحى والحياة المسيحية:

            كان القديس أثناسيوس الرسولى يملك رؤية واضحة لرسالة المسيح في عمقها واتساعها. هذه الرؤية الواضحة كانت ثمرة للتسليم الذي استلمه من الآباء الذين سبقوه والذي تفاعل مع إختباره الروحى الحى. فهو يؤكد في كتاباته أن تجسد ابن الله الكلمة وموته على الصليب وقيامته، هذه الثلاث عناصر المرتبطة معًا هى محور الإيمان المسيحى كله والحياة المسيحية كلها، هى مركز الإيمان والتقوى.

          أ ـ إذ يقول: ” إن أساس إيماننا هو أن نتحدث عن الهدف الذي من أجله جاء وعاش فيما بيننا بالجسد، وعن كيفية موت جسده”[1]. فأساس الإيمان هو الحديث عن تجسد المسيح وعن موت جسده.

          ب ـ وأيضًا الكلمة ” ببذله لجسده الذي إتخذه لنفسه كتقدمة مناسبة، فإنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه البشر… فقد كان لائقًا به أن يقدم هيكله الخاص فدية عن حياة الجميع موفيًا دين الجميع بموته. وهكذا.. بإتحاده بالبشر.. فإنه ألبس الجميع عدم الفساد بوعد القيامة من الأموات، ولم يعد الفساد الفعلى بالموت له أى سلطان على البشر بسبب الكلمة الذي سكن بينهم بواسطة جسده”[2].

          فعندما يتحدث القديس أثناسيوس عن الفدية عن حياة الجميع فهو يقصد طبعًا أنه يخلّص البشر من الموت ويهبهم الحياة الأبدية وعدم الفساد. فهذا هو أول أهداف تجسده حسب شرحه في نفس كتاب تجسد الكلمة.

          ج ـ التجسد لأجل خلاصنا: وأيضًا في تقديمه لكتاب تجسد الكلمة يقول: ” ولكونه هو الكلمة فإنه بسبب صلاح أبيه ومحبته للبشر، ظهر لنا في جسد بشرى لأجل خلاصنا “[3]. ويظهر مرات عديدة من كلام القديس أثناسيوس أن الدافع للتجسد وعمل الخلاص هو محبة الله للبشر وصلاحه. وهذا يوضح كما ذكرنا أنه استلم روح الإنجيل وخبرة الرسل من الآباء السابقين مع إختياره الروحى. أى أن محبة الله وحنان الله وصلاحه هى سبب التجسد، هى سبب البذل، هى سبب الخلاص. إذ يقول: ” لأجل قضيتنا تجسد لكى يخلّصنا، وبسبب محبته للبشر قبل أن يتأنس ويظهر في جسد بشرى”[4]. وأيضًا ” أتى (الكلمة) إلينا في تنازله، ليظهر محبته لنا ويفتقدنا (بخلاصه)”[5].

 

2 ـ معنى الخلاص عند القديس أثناسيوس:

            لكى نعرف معنى الخلاص عند القديس أثناسيوس، يحسن أن نطرح 3 أسئلة:

أولاً: من ماذا نخلص؟ أى ما هو الذي يخلّصنا المسيح منه؟

ثانيًا: ما معنى موت المسيح وقيامته بالجسد عند القديس أثناسيوس؟ أى ما هو معنى موت الممسيح عنده؟

ثالثًا: ما هو المصير الذي يوصلنا إليه موت المسيح وقيامته؟ أى نتائج الموت والقيامة.

          للإجابة على هذه الأسئلة من كتابات القديس أثناسيوس نلاحظ ما يلى:

 

أولاً: من ماذا نخلص؟

لكى نعرف ” من ماذا نخلص “، نحتاج أن نحصل على إيضاحات من كلام القديس أثناسيوس عن:

أولاً: أ ـ حالة الإنسان الأصلية قبل السقوط.

          ب ـ وما هى الحالة التي صار عليها بالسقوط.

          ج ـ ما الذي يحتاج إليه الإنسان لعلاجه من نتيجة السقوط.

 

أ ـ من جهة حالة الإنسان الأصلية قبل السقوط، يعرفنا القديس أثناسيوس أن الإنسان عند خلقته، هو قابل للموت والإضمحلال حتى قبل السقوط، وأنه بدون نعمة الخلق على صورة الله لم يكن ممكنًا للإنسان أن يحيا الحياة الحقيقية ويعيش في السعادة إلى الأبد وليس له خلود في ذاته بدون الكلمة. فالموت بالنسبة للجسد بل وحتى النفس هو أمر طبيعى للمخلوقات كلها. فيقول إن البشر ” إذ صاروا أشرارًا فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم حسب طبيعتهم”[6].

          ويقول القديس أثناسيوس، إن الإنسان ” كان عاجزًا بطبيعة تكوينه عند خلقته عن البقاء على الحالة التي خلق فيها .. ولذلك فإن الله تحنن عليه وأعطاه نعمة إضافية.. بأن خلقه على صورته.. حتى يستطيع وله بعض من ظل الكلمة أن يبقى في السعادة ويحيا الحياة الحقيقية في الفردوس “[7].

          أى أن الإنسان خلق على غير فساد بكونه مخلوقًا على صورة الله ـ صورة الله الذي هو الكلمة اللوغوس. وعدم الفساد ليس من طبيعة الإنسان بل من صورة الله فيه. الله غير المائت غير الفاسد غير المضمحل، الخالد. وهنا يتميز تعليم القديس أثناسيوس عن نظرة اللاهوت الغربى الذي يقول إن الإنسان وُهب عطية فائقة للطبيعة بعد خلقته أى أن النعمة مخلوقة، ولذلك فيمكن أن يفقد النعمة تمامًا. أما القديس أثناسيوس فيقول إن النعمة الإضافية وهى الخلق على صورة الله هى عنصر رئيسى في تكوين طبيعة الإنسان منذ البداية. ومعنى كلامه هذا هو أن الإنسان يملك في داخله إمكانية إلهية بطبيعة خلقته، وأن النظرة الصحيحة للإنسان بحسب الكتاب المقدس هى أنه يكون إنسانًا بإرتباطه بالله وبدون الوجود في الله لا يكون الإنسان إنسانًا حقًا. فالإنسان الأصلى هو الإنسان الموجود في الله أو هذه هى حالة الإنسان الأصلية. ولذلك يرى القديس أثناسيوس أن الصورة لا يمكن أن تتلاشى تمامًا ولكن يمكن أن تتشوه أو تعتم أو تضعف، ولكن لا تفقد فقدانًا مطلقًا. وهذا ما يشرحه في كتاب تجسد الكلمة فصل14 عندما يعطى مثلاً بالصورة المرسومة على قماش ثم تلطخت من الخارج بالأقذار مما أدى لإختفاء ملامحها، فلابد من حضور صاحب الصورة نفسه لكى يمكن إعادة تجديد الصورة وعلى نفس القماش ولا يلقى بالقماش.. “[8].

          كما يوضح القديس أثناسيوس أننا رغم أننا قد خلقنا على صورة الله، وندعى صورة الله، ومجد الله معًا، فهذا ليس من ذواتنا بل بسبب ذلك الذي هو صورة الله، وهو مجد الله الحقيقي الساكن فينا ـ الذي هو كلمته، الذي من أجلنا صار جسدًا فيما بعد ـ بسببه هو ننال نحن نعمة دعوتنا هذه[9]، أى نعمة كوننا على صورة الله وندعى صورة الله ومجده. فالمسيح هو “صورة الله غير المنظور ” كما يقول الرسول بولس في رسالة كولوسى15:1 أما الإنسان فهو مخلوق على صورة الله، أى هو صورة الصورة.

+ معنى الخلق على صورة الله:

          1 ـ معرفة الله وكلمته ورؤيته في عقل أو قلب الإنسان وإدراك الأمور العقلية مثل الكائنات العقلية والأفكار والحقائق العقلية[10].

          2 ـ الشركة مع الله الآب ومع الكلمة (اللوغوس) والحياة والخلود مع الله[11].

 

ب ـ الحالة التي صار عليها الإنسان بالسقوط:

          1 ـ أى ما صار إليه بالعصيان بتحويل فكره إلى الأشياء الحسية المخلوقة بدلاً من النظر في الله والتأمل فيه[12]، وذلك بمشورة الشيطان.

          2 ـ ونتج عن تحويل فكر الإنسان من النظر في الله أن البشر فقدوا معرفة الله.

          3 ـ وعادوا إلى العدم. وعادوا تعنى أنهم خلقوا أصلاً من العدم، فعادوا إلى العدم، لأنهم كانوا يستمدون وجودهم من الله الذي هو “الكائن”، ولذلك فإنهم يُحرمون إلى الأبد من الوجود.

          4 ـ والنتيجة هى الإنحلال والبقاء في حالة الموت والفساد (الفناء)[13].

+ ولكن مشابهة الإنسان لله ـ أى صورة الله فيه ـ فقدها الإنسان تدريجيًا، وبدأ الفساد يسود على البشر بصورة أقوى من سيادته الطبيعية، وذلك نتيجة عصيان الوصية .. والفساد يعتبر عملية Process  خطيرة تؤدى إلى العدم مع مرور الزمن[14].

وفقدان الإنسان لصورة الله الكلمة الساكن فيه، أدى بالبشر إلى إزدياد جهلهم بالله، وإزدياد الجهل بالله يؤدى إلى السقوط في الشرور بكثرة وهذا بدوره يؤدى إلى إزدياد جهلهم أكثر بالله. وهكذا صارت الأمور عبارة عن خلقة خبيثة: خطأ يؤدى إلى فساد، فساد يؤدى إلى جهل بالله، جهل بالله يؤدى إلى شرور أكثر. وهذا يؤدى إلى فساد أكثر حتى يؤدى إلى العدم.

          بفضل الكلمة وحده كان البشر يستطيعون أن يقرأوا في الكتاب المفتوح (أى الخليقة المنظورة) عن معرفة الله، وإظهاره لنفسه في الكون المخلوق[15].

          فالقديس أثناسيوس يركز في وصفه لإنحراف الإنسان وسقوطه على النظرة المرضية أى التغيير المرضى الذي أصاب طبيعة الإنسان بسبب تحوله من النظر في الله، أكثر من النواحى الأخرى التي نتجت عن السقوط مثل الإنحرافات السلوكية والأخلاقية، وإن كان يذكر هذه الإنحرافات بإعتبارها أعراض طبيعية للمرض الروحى داخل نفس الإنسان في طبيعته وكيانه. وهكذا فإن إنحراف الإرداة وكذلك إنحراف السلوك بالتالى يدخلان ضمن الفكرة العامة عند القديس أثناسيوس ألا وهى fqÒra = الفساد[16] أى التحلل والإضحلال مما يؤدى إلى الفناء. فالفساد في طبيعة الإنسان الداخلية يؤدى إلى فساد في المعاملات والسلوك والأخلاق كنتيجة طبيعية لفساد الداخل.

 

ج ـ ما يحتاج إليه الإنسان:

          يحتاج الإنسان أساسًا وقبل كل شئ إلى شفاء الطبيعة التي مرضت أى إلى تغيير جذرى في كيانه وطبيعته، أى بالأحرى إعادة غرس الطبيعة الإلهية السامية من جديد، وهى الحياة الإلهية التي كانت له، والتي فقدها تدريجيًا كما ذكرنا.      

          وهذا ما يشرحه القديس أثناسيوس في فصل كامل من تجسد الكلمة، يبين فيه لماذا كان من الضرورى أن يتجسد الكلمة، وأنه كما إلتصق الفساد بالجسد يحتاج الأمر أن تلتصق به الحياة بدلاً من الفساد، لابد أن تتحد الحياة بالجسد لتطرح عنه الفساد، ويتم تغيير الطبيعة البشرية وتجديدها بإتحاد الكلمة بالجسد[17].

 

ثانيًا: الخلاص بالتجسد والصلب والقيامة:

          1 ـ يعتبر القديس أثناسيوس أن مجرد التجسد أى حضور الكلمة في الجسد هو في ذاته له دور في إعادة الحياة الإلهية إلى طبيعتنا البشرية .. فيعطى تشبيهًا بالمدينة التي سكن الملك في أحد بيوتها وكيف أنه لا يجرؤ أى عدو أو عصابة أن تدخل إليها بسبب سكنى الملك في أحد بيوتها وهكذا لأن الكلمة جاء وسكن في جسد بشرى فبدأت تبطل مؤامرة العدو ضد البشر وأبطل فساد الموت[18]، كل هذا بدأ بالتجسد ويكتمل طبعًا بالصليب والقيامة. كما يذكر في المقالة الثانية ضد الآريوسيين أن الإنسان المخلوق يتحد بالله عن طريق تجسد الكلمة خالق الجسد[19]. وفي نفس هذه المقالة يذكر أيضًا أن ” الكلمة قد لبس الجسد البشرى المخلوق لكى بعد أن يجدده فإنه يؤله هذا الجسد ففي ذاته. صار الإتحاد هكذا: أن يتحد ما هو بشرى بالطبيعة بهذا الذي له طبيعة الألوهية، ويصير خلاص للإنسان وتأليهه مؤكدًا[20].

 

          2 ـ صلب المسيح وقيامته:

          يقدم القديس أثناسيوس الخطوات التالية:

1 ـ معضلة سقوط الإنسان:

أ ـ الإنسان بعد أن خلقه الله على صورته ـ الكلمة الابن الوحيد ـ خالف الوصية، فساد عليه الموت سيادة شرعية، وفسدت طبيعة الإنسان وصار سلطان الفساد على كل الجنس البشرى أكثر من سلطانه الطبيعى وذلك بالموت والبقاء فى حالة الموت والفساد والحرمان من الوجود إلى الأبد ـ أى الحرمان من الوجود الحقيقى مع الله[21].

          ب ـ لم يكن ممكنًا أن يترك الله الصالح المحب ـ فى صلاحه وحبه ـ الإنسان المخلوق على صورته ليهلك ويصير تحت سلطان الفساد والموت ويرجع إلى عدم الوجود[22].

          ج ـ فإهمال الإنسان لا يتفق مع صلاحه ولا مع قدرته بل يعلن ضعفه[23].

د ـ ولكن فى نفس الوقت لابد أن يتم حكم الموت على الإنسان فهو عقوبة الخطية العادلة، فالإنسان ورط نفسه بالتعدى فوقع عدلاً تحت حكم الموت لذلك يلزم أن يتم الموت إيفاءً لمطلب الله العادل ـ “إيفاء الدين المستحق على الجميع”.[24]

          هـ ـ التوبة بدون التجسد والفداء لا تكفى[25] :

          1 ـ لأنها لا تستطيع أن توفى مطلب الله العادل الذى هو حكم الموت على المخالف.

          2 ـ تعجز التوبة عن أن تغير وتجدد طبيعتة الإنسان. وتجديد خلقه على الصورة الإلهية التى هى حالته الأولى.

 

2 ـ حل المعضلة:

          لذلك أخذ الكلمة من أجسادنا جسدًا مماثلاً لطبيعتنا (من العذراء ـ كهيكل له ـ وجعله جسده الخاص واتخذه أداة له، وفيه أعلن ذاته إذ حلّ فيه)[26]. وبذل جسده للموت عوضًا عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله بمحبته لنا وشفقته علينا، وذلك لكى:

          أولاً: يبطل الناموس الذى كان يقضى بهلاك البشر، إذ أن الكل قد ماتوا فيه، لأن قوة الموت قد استنفدت تمامًا فى جسد الرب، ولم يعد الموت يجد له أى أساس يمسك به ضد البشر نظراء الرب.

          ثانيًا: لكى يعيد البشر الذين انحدروا فى الفساد، يعيدهم إلى عدم الفساد، ويحييهم من الموت بامتلاك جسده وبنعمة القيامة مبيدًا الموت منهم كما تلتهم النار القش[27].

          ” إذ أن الكلمة هو وحده الذى بطبيعته يستطيع أن يجدد خلقة كل شئ ويتحمل الآلام عن الجميع ويكون شفيعًا عن الجميع عند الاب” تجسد الكلمة[28].

3 ـ عند القديس أثناسيوس المسيح كلمة الله تجسد وقدم جسده ذبيحة بالصليب لسببين رئيسيين:

          أولاً: ليوفى الدين علينا ـ وهو حكم الموت الناتج عن الخطية.

          ثانيًا: ويبطل الموت والفساد ويجدد خلقة الإنسان على صورة الله بموته وقيامته، إذ يقول:

أ ـ [ لما كان ضروريًا أيضًا وفاء الدين المستحق على الجميع ـ وهو سبب جوهرى حقيقى لمجئ المسيح بيننا ـ لأجل هذه الغاية ـ قدم نفسه أيضًا ذبيحة عن الجميع، إذ سلم هيكله للموت عوضًا عن الجميع… لكى يحرر البشر من معصيتهم القديمة (أولاً)، (وثانيًا لكى يظهر أنه أقوى من الموت) بإظهار أن جسده عديم الفساد كباكورة لقيامة الجميع][29].

ب ـ وفى المقالة الثانية ضد الآريوسيين: [ لأجل ذلك فإن كلمة الله الكامل قد لبس الجسد الناقص… لكى بعد أن يوفى الدين بدلاً منا، يكمل بنفسه ما هو ناقص عند الإنسان، فالإنسان ينقصه الخلود والطريق إلى الفردوس]. [30]

ج ـ وأيضًا [ وعندما أراد الآب أن تُقدم فدية لأجل الجميع، وأن تُعطى النعمة للكل، … عندئذ أخذ هو جسدًا من الأرض.. حتى إذ يكون له ـ كرئيس كهنة شئ يقدمه، فهو يقدم نفسه للآب ويطهرنا جميعًا من الخطايا بدم نفسه ” ويقيمنا من بين الأموات” ][31].

د ـ [ لهذا أخذ الكلمة لنفسه جسدًا قابلاً للموت… وإذ قدم للموت ذلك الجسد… كمحرقة وذبيحة خالية من كل شائبة، فقد رفع حكم الموت فورًا عن جميع نظرائه، إذ قدم عوضًا عنهم جسدًا ممائلاً لأجسادهم..

          ولأن كلمة الله متعالٍ فوق الكل، كان من الطبيعى بواسطة تقديم هيكله الخاص وأداته البشرية لأجل حياة الجميع، أن يوفى الدين بموته]. وإذ اتحد ابن الله عديم الفساد بالجميع بطبيعة مماثلة فقد ألبس الجميع عدم فساد كأمر طبيعى بوعد القيامة[32].

هـ ـ [ لأنه سابقًا إذ كان العالم ـ كمسئول ـ يُدان بواسطة الناموس، أما الآن فإن اللوغوس أخذ الدينونة على نفسه، وبتألمه لأجل الجميع بالجسد، وهب الخلاص للجميع ][33].

و ـ [ أرسل الله ابنه الخاص وصار ابن الإنسان باتخاذه الجسد المخلوق. وحيث إن الجميع كانوا خاضعين للموت، وكان هو مختلفًا عن الجميع (فى عدم الخضوع للموت) فقد قدم جسده الخاص للموت من أجل الجميع. إذن حيث إن الجميع ماتوا بواسطته هكذا قد تمت كلمة ذلك الحكم (إذ أن الجميع ماتوا فى المسيح). وهكذا فإن الجميع يصيرون بواسطته أحرارًا من الخطية ومن اللعنة الناتجة عنها، ويبقون على الدوام قائمين من الأموات ولابسين عدم موت وعدم فسادٍ ][34].

[… وحيث إن أعمال إبليس قد نُقضت من الجسد فقد تحررنا جميعًا بسبب علاقتنا بجسده، وصرنا متحدين مع الكلمة…][35].

4 ـ نظرة القديس أثناسيوس لموت المسيح:

أ ـ يرى القديس أثناسيوس أن المسيح سلم هيكله للموت عوضًا عن الجميع ليوفى العقوبة على المعصية (حسب إنذار الله)، وبذلك فإن الصليب وضع نهاية للموت كعقاب وكعرض من أعراض فساد الطبيعة البشرية. ولكنه لا يدخل فى النظرة القضائية للفداء التى نشأت فى اللاهوت الغربى منذ ترتليانوس ووصلت إلى ذروتها عند أنسلم فى القرن 11.

ورغم أن القديس أثناسيوس يذكر أن السبب الأول الذي من أجله قدم جسده للموت هو أن يوفى العقوبة على المعصية إلاّ أنه يركز أكثر فى شرحه للفداء على ناحية الكيان والطبيعة: إبطال الموت والفساد، تجديد الطبيعة، إعادة خلق الإنسان حسب الصورة التى خُلق عليها أصلاً [ والآن إذ قد مات مخلّص الجميع نيابة عنا فإننا نحن الذين نؤمن بالمسيح لن نموت (بحكم) الموت الذى كان سابقًاحسب وعيد الناموس لأن هذا الحكم قد أُبطل؛ وبما أن الفساد قد بَطُل وأُبيدَ بنعمة القيامة فإننا من ذلك الوقت وبحسب طبيعة أجسادنا المائتة ننحلّ فى الوقت الذى حدده الله لكل واحد، حتى يمكن أن ننال قيامة أفضل ] [36].

ب ـ الناحية التى يركز عليها أكثر فى موت المسيح هى أن قوة الموت قد استنفدت تمامًا فى جسد الرب، ولم يعد له سلطان على البشر، ولم يعد الموت يجد له أساسًا يمسك به ضد البشر، وأن فساد الجنس البشرى يستهلك فى جسد الرب، فيتلاشى الفساد والموت من طبيعة الإنسان، فقوة حياة الكلمة قد ابتعلت الموت فى موت جسده وحوّل فساد الإنسان إلى عدم فساد[37].

5 ـ انتصار المسيح هذا على الموت وعلى الشياطين تم بالموت، ولكن أُعلن وأُظهر بقيامته فالقيامة هى الدليل على الانتصار:

” أبطلت الموت بموتك، وأظهرت القيامة بقيامتك” (الساعة التاسعة)

لذلك فموت المسيح هو ” بداية جديدة للحياة “[38].

[ لأنه بذبيحة جسده وضع حدًا لحكم الموت الذى كان قائمًا ضدنا، ووضع لنا بداية جديدة للحياة αρχή Ζωής، برجاء القيامة من الأموات الذى أعطاه لنا… بطل الموت، وتمت قيامة الحياة بتأنس كلمة الله… وهكذا نحن الآن لا نموت بعد كخاضعين للدينونة بل كأناس يقومون من الموت ننتظر القيامة العامة للجميع، التى سيبينها فى أوقاتها الله، الذى أكملها ، والذى وهبنا إياها (1تى15:6)][39].

+ وبموت المسيح مات الموت حقيقة[40].

6 ـ [ الآن بعد قيامة المخلص بالجسد ـ لم يعد الموت مرعبًا والمؤمنون بالمسيح يدوسونه كأنه لا شئ، ويفضلون أن يموتوا عن أن ينكروا المسيح. لأنهم يعلمون يقينًا أنهم لا يهلكون بالموت، بل يبداون الحياة فعلاً، .. ويصبحون عديمى الفساد بفضل القيامة][41].

[ احتمل الموت لا من أجل نفسه بل من أجل خلود الجميع وخلاصهم][42].

 

ثالثًا: النتيجة التي يوصلنا إليها تجسد المسيح وموته وقيامته

أى ما نناله نتيجة إبطال الموت والفساد

يؤكد القديس أثناسيوس في مواضع عديدة جدًا من كتاباته على الحالة السامية جدًا التي يهبها المسيح للإنسان بفضل إبطاله لقوة الموت والفساد فهو يوضح أن الإنسان بفضل نعمة المسيح وعمل الروح القدس فيه كنتيجة للإنتصار على الموت وعلى الفساد ينال نعمة البنوة لله بسكنى المسيح في داخل الإنسان وفي مرات كثيرة يستعمل تعبير يؤلهنا بدلاً من تعبير يصيرنا أبناء، وأحيانًا يستعمل تعبير “نصير شركاء الطبيعة الإلهية” الوارد في رسالة بطرس الرسول الثانية.

وفي بعض الأحيان يستعمل تعبير الإتحاد بالله أو يوحدنا بالله بدلاً من تعبير التأليه أو يؤلهنا. كل هذه التعبيرات البنوة، التأليه، الشركة في الطبيعة الإلهية، الإتحاد بالله يقصد بها القديس أثناسيوس أن المسيح بعمله الفائق في تجديد الطبيعة البشرية يوصل الإنسان إلى حالة أسمى من الحالة التي كان عليها الإنسان قبل السقوط، وعندما يستعمل تعبير يؤلهنا لا يقصد إننا نصير من جوهر الله فهذا مستحيل طبعًا فلا يمكن أن يكون في جوهر الله أى أقنوم سوى الآب والابن والروح القدس الذين هم واحد في جوهر الألوهية. ولكنه يقصد بإشتراكنا في الله أو إتحادنا به أو تأليهنا إننا ننال فيضًا من غنى الحياة الإلهية التي تنسكب في داخلنا بالروح القدس الذي يعمل فينا من خلال الأسرار المقدسة.

والآن نذكر بعض أقوال القديس أثناسيوس عن نتائج إبطال الموت والفساد:

          + [ لأن كلمة الله صار إنسانًا لكى يؤلهنا نحن، وأظهر نفسه في جسد لكى نحصل على معرفة الآب غير المنظور وإحتمل إهانة البشر لكى نرث نحن عدم الموت (أى نرث الخلود)][43].

          + [ إذًا فقد كمل فيه الجنس البشرى وأُعيد تأسيسه كما كان في البدء (عند خلقته) بل بالأحرى بنعمة أعظم من الأول … وهذا لأن كلمة الله الذاتى عينه الذي من الآب قد لبس الجسد وصار إنسانًا … لأنه بدون ذلك لبقى الإنسان كما كان دون أن يتحد بالله ][44].

          + [ الكلمة صار جسدًا لكى يقدم جسده من أجل الجميع، ولكى إذا اشتركنا في روحه القدوس نصير آلهة ][45].

          + [ المخلص لم يكن إنسانًا ثم صار فيما بعد إلهًا، بل كان إلهًا وفيما بعد صار إنسانًا كى يؤلهنا ][46].

          + [ فهذه النعمة وهذا التمجيد العالى إنما هو لنا، فبالرغم من أنه صار إنسانًا … فإنه يُعبد. لذلك لن تدهش القوات السمائية حينما ترانا نحن جميعًا المتحدين معه في نفس الجسد داخلين إلى مناطقهم السمائية ][47].

          + [ حيث إننا أبناء وآلهة بسبب الكلمة الذي فينا هكذا أيضًا سنصير في الابن وفي الآب، وسوف نُحسب أننا صرنا واحدًا في الابن وفي الآب، بسبب وجود ذلك االروح فينا نحن، وهو الروح الذي في الكلمة الكائن في الآب ][48].

          + [ لأنه كما أن الرب نفسه بلبسه الجسد قد صار إنسانًا، هكذا نحن البشر فإننا نتأله بالكلمة بإتحادنا به بواسطة جسده، ولهذا فنحن نرث الحياة الأبدية ][49].

          + [ وكما أنه لو لم يكن الجسد الذي لبسه الكلمة جسدًا بشريًا لما كنا قد تحررنا من الخطية ومن اللعنة. هكذا لم يكن للإنسان أن يُؤله لو لم يكن الكلمة هو ابن طبيعى حقيقي وذاتى من الآب. لهذا إذًا صار الإتحاد هكذا: أن يتحد ما هو بشرى بالطبيعة بهذا الذي له طبيعة الألوهية، فيصير خلاص الإنسان وتأليهه مؤكدًا ][50].

 

التأليه يتممه الروح القدس:

          + [ ولكن إن كنا بالإشتراك في الروح نصير “شركاء الطبيعة الإلهية” فإنه يكون من الجنون أن نقول إن الروح من طبيعة المخلوقات وليس من طبيعة الله. وعلى هذا الأساس فإن الذين هم فيه، يتألهون. وإن كان هو يؤله البشر فلا ينبغى أن يُشك أن طبيعته هى طبيعة إلهية ][51].

 

بالمعمودية نصير أبناء بالحق:

          + [ حينما نعتمد باسم الآب والابن والروح القدس فإننا نصير أبناء بالحق وإذ ندعو اسم الآب فإننا نعترف بالابن الكلمة في الآب ][52].

 

التأليه بالتناول من جسد المسيح:

          + [ ونحن نتأله ليس باشتراكنا في جسد إنسان ما، بل بنوالنا جسد الكلمة ذاته ][53].

          وفي الختام يتضح أن نتيجة التجسد والموت والقيامة أى البنوة أو التأليه تبدأ في الحياة الحاضرة بفعل الروح القدس في الإيمان والمعمودية والافخارستيا، وتصل إلى كمالها في الدهر الآتى بإكتمال البنوة بافتداء الجسد وتجديده والتمجيد مع المسيح عند مجيئه بالمجد العظيم من السماء حسب وعده.

[1] تجسد الكلمة 4:19، ص55 الترجمة الجديدة عن اليونانية، إصدار المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية 2003.

[2]  المرجع السابق 1:9، 2، ص23، 24.

[3] المرجع السابق 3:1، ص2.

[4] تجسد الكلمة 3:4، ص10.

[5]  المرجع السابق 1:8، ص20.

[6] المرجع السابق 4:3، ص9.

[7] انظر تجسد الكلمة فصل 3 فقرة 3 كلها. وانظر أيضًا ضد الوثنيين 2:2ـ4 و 2:34ـ3.

[8] انظر المرجع السابق فص 1:14، 2.

[9] انظر ضد الآريوسيين 10:3.

[10] انظر ضد الوثنيين 2:2ـ4، 2:34ـ3

[11] تجسد الكلمة 3:3.

[12] ضد الوثنيين 3:3، تجسد الكلمة 4:4.

[13] تجسد الكلمة 5:4ـ6.

[14] المرجع السابق 4:4 و 3:5ـ4.

[15] ضد الوثنيين 4:34.

[16] تجسد الكلمة 3:5.

[17] المرجع السابق فصل 44 كله.

[18] انظر تجسد الكلمة 3:9ـ4.

[19] انظر المقالة الثانية ضد الآريوسيين فصل 67.

[20] المرجع السابق 7.

[21] تجسد الكلمة فصول 4و5و6.

[22] فصل6

[23] فصل6

[24] تجسد الكلمة 2:20، 5 ص 67، وضد الآريوسيين69:2 ص 107.

[25] تجسد الكلمة 3:7و4.

[26] تجسد الكلمة3:8.

[27] 4:8.

[28]  5:7 ص35.

[29] تجسد الكلمة2:20.

[30] ضد الآريوسيين 66:2.

[31] ضد الآريوسيين 7:2.

[32] تجسد الكلمة 1:9، ص 38و39.

[33] ضد الآريوسيين60:1.

[34] ضد الآريوسيين69:2.

[35] ضد الآريوسيين 69:2.

[36] انظر تجسد الكلمة 1:21.

[37] انظر تجسد الكلمة4:8.

[38] تجسد الكلمة5:10.

[39] المرجع السابق.

[40] تجسد الكلمة 1:27.

[41] تجسد الكلمة2:27.

[42] تجسد الكلمة 1:34.

[43] تجسد الكلمة 3:54.

[44] ضد الآريوسيين 67:2.

[45]  De Decritis 14.

[46] ضد الآريوسيين 39:1.

[47] ضد الآريوسيين 42:1.

[48] ضد الآريوسيين 25:1.

[49] ضد الآريوسيين 34:3.

[50] ضد الآريوسيين 70:2.

[51] الرسالة الأولى إلى سرابيون 24.

[52] De Decritis 31.

[53]  Letter to Maximus 2.

الخلاص عند القديس أثناسيوس – د. نصحي عبد الشهيد

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل أم يوسف؟! علماء الإسلام يُجيبون أحمد سبيع ويكشفون جهله!

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

 

Exit mobile version