عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

 

عظة للقديس كيرلس عمود الدين

عظة 142

عشاء الرب

(تأسيس سر الإفخارستيا)

لوقا17:22ـ22

” ثم تناول كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه واقتسموها بينكم، لأني أقول لكم إني لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتى ملكوت الله، وأخذ خبزًا وشكر وكسَّر وأعطاهم قائلاً: هذا هو جسدي الذي يُبذل عنكم. اصنعوا هذا لذكرى. وكذلك الكأس أيضًا بعد العشاء قائلاً: هذه الكأس هى للعهد الجديد بدمى الذي يُسفك عنكم، ولكن هوذا يد الذي يسلمني هي معي على المائدة، وابن الإنسان ماضٍ كما هو محتوم، ولكن ويل لذلك الإنسان الذي يُسلِّمه!”.

 

          إنه أمر يملأنا بكل بركة أن نصير شركاء المسيح بالذهن وبالحواس، لأنه يحلّ فينا، أولاً، بالروح القدس، فنصير نحن مسكنه، بحسب ما قاله فى القديم أحد الأنبياء القديسين: ” لأني سأسكن فيهم وأقودهم وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لى شعبًا ” (حز27:37س).

 

          لكنه هو أيضًا يحلّ داخلنا بطريقة أخرى بواسطة مشاركتنا فى قربان التقدمات غير الدموية التى نحتفل بها فى الكنائس؛ إذ قد تسلّمنا منه النموذج الخلاصى للطقس مثلما يرينا بوضوح الإنجيلى المبارك في النص الذي قرأناه منذ قليل، فهو يخبرنا أنه: ” تناول كأسًا وشكر وقال: خذوا هذه اقتسموها بينكم “. وبتقديمه الشكر ـ الذي يُقصد به التحدث مع الله الآب فى صيغة صلاة، فإنه يعنى بالنسبة لنا أنه ـ إن جاز القول ـ يشارك ويساهم مع الآب فى مسرته الصالحة فى منحه لنا البركة المحيّية التى أُسبغت علينا حينئذ، لأن كل نعمة وكل موهبة تامة تأتى إلينا من الآب بالابن فى الروح القدس. وإذن فهذا العمل كان نموذجًا لنا لكي نستخدمه فى الصلاة التى ينبغى أن تُقدم، كلما بدأنا أن نضع أمامه نعمة “التقدمة السرية المحيية”[1]، وتبعًا لذلك فإننا اعتدنا أن نفعل هذا، لأننا إذ نقدم أولاً تشكراتنا، مقدمين تسابيحنا لله الآب ومعه الابن والروح القدس، فإننا نقترب هكذا من الموائد المقدسة مؤمنين أن ننال حياة وبركة؛ روحيًا وجسديًا، لأننا نستقبل فى داخلنا كلمة الاب الذي صار إنسانًا لأجلنا، والذي هو الحياة ومعطى الحياة.

 

          لذلك فلنسأل على قدر استطاعتنا، ما هو الرأى الذي نعتقد به عن هذا السر؟ لأنه واجب علينا أن نكون “ مستعدين لمجاوبة كل من يسألنا عن سبب الرجاء الذي فينا” كما يقول الحكيم بطرس (1بط15:3). لأن ” إله الكل خلق كل الأشياء للخلود، وبدايات العالم كانت حياة، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم ” (حكمة24:2)، فقد كانت تلك الحيَّة المتمردة هى التى قادت الإنسان الأول إلى تعدّى الوصية وإلى العصيان، والتى بواسطتها سقط تحت اللعنة الإلهية، وفى شبكة الموت، فقد قيل له: ” لأنك تراب وإلى التراب تعود ” (تك19:3). فهل كان من الصواب أن ذلك الذي خُلق للحياة والخلود، يصير مائتًا ومحكومًا عليه بالموت بدون أية إمكانية للهروب؟ هل ينبغى أن يكون حسد إبليس أكثر قوة وثباتًا من إرادة الله؟ ليس الأمر هكذا؛ بل إن حسد إبليس قد أخفق تمامًا؛ ورحمة الخالق قد فاقت النتائج الشريرة لخبثه. فقد أعطى الله معونة لأولئك الذين على الأرض. فماذا إذن كانت الطريقة التى ساعدهم بها؟ إنها طريقة عظيمة بالحق ورائعة وجديرة بالله، نعم، جديرة لأقصى درجة بالعقل الأعلى (بالله). لأن الله الآب هو حياة بطبيعته؛ ولكونه هو وحده حياة، فقد جعل الابن الذي هو أيضًا حياة، أن يضيء ويشرق. لأنه لا يمكن أن يكون الأمر بخلاف ذلك مع ذاك الذي هو الكلمة الذي صدر جوهريًا من الحياة، لأنه يلزم ـ أقول يلزم ـ أن يكون هو نفسه أيضًا حياة، لكونه هو الذي نبع من الحياة، نبع من ذاك الذي وَلَده.

 

          لذلك فإن الله الآب يُعطى الحياة لكل الأشياء بالابن فى الروح القدس؛ وكل ما يوجد ويتنفس فى السماء وعلى الأرض، إنما يأخذ وجوده وحياته من الله الآب بالابن فى الروح القدس. لذلك، لا طبيعة الملائكة ولا أى شئ آخر مهما كان، ممّا هو مخلوق، ولا أى شئ جاء من عدم الموجود إلى الوجود، يمتلك حياة (فى ذاته) كثمرة لطبيعته الخاصة؛ بينما على العكس، فالحياة تنشأ ـ كما قلت ـ من الجوهر الذي يفوق الكلّ، وهو أمر خاص به وحده أن تكون له القدرة على إعطاء حياة، وذلك بسبب أنه هو بالطبيعة الحياة.

 

          إذن، فكيف يمكن للإنسان على الأرض، الذي هو ملتحف بالموت أن يعود إلى عدم الفساد (عدم الفناء)؟. أجيب بأنه يلزم لهذا الجسد المائت أن يُصيّر شريكًا للقوة المحيّية التى تأتى من الله. لكن قوة الله الآب المحيّية هى الكلمة الوحيد الجنس، وهو الذي أرسله لنا (الآب) كمخلص ومحرر. أما كيف أرسله لنا، فهذا ما يخبرنا به بوضوح يوحنا الإنجيلى المبارك عندما يقول: ” والكلمة صار جسدًا وحل فينا” (يو14:1). لكنه صار جسدًا دون أن يخضع لأى تغيّر أو تحوّل إلى ما لم يكونه، ودون أن يتوقف عن أن يكون هو الكلمة ـ لأنه لا يعرف ما معنى أن يعانى ظل تغيير، بل بالحرى بكونه وُلِدَ بالجسد من امرأة وأخذ لنفسه ذلك الجسد منها، لكيما إذ قد غرس نفسه فينا باتحاد لا يقبل الانفصال، يمكنه أن يرفعنا فوق سلطان الموت والانحلال كليهما معًا. وبولس هو الشاهد لنا، حيث يقول عنه وعنا: ” فإذ قد تشارك الأولاد فى اللحم والدم اشترك هو أيضًا كذلك فيهما، لكي يُبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أى إبليس، ويُعتق أولئك الذي خوفًا من الموت كانوا جميعًا كل حياتهم تحت العبودية، لأنه حقًا ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم، من ثمّ كان ينبغى أن يشبه إخوته فى كل شئ ” أى يشبهنا (عب14:2ـ17). لأنه صار مثلنا، وكسى ذاته بجسدنا، لكيما بإقامته إياه (الجسد) من الموت، يعد ـ من الآن فصاعدًا ـ طريقًا يمكن به للجسد الذي وُضع (أُذل) حتى الموت، أن يعود من جديد إلى عدم الفساد (عدم الفناء). لأننا متحدون به مثلما كنا أيضًا متحدين بآدم، عندما جلب على نفسه عقوبة الموت. وبولس يشهد لهذا، إذ كتب هكذا فى أحد المرات:” فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات” (1كو21:15) ويقول أيضًا: “ لأنه كما فى آدم يموت الجميع، هكذا فى المسيح سَيُحيا الجميع” (1كو22:15). لذلك فإن الكلمة، إذ وحَّد مع ذاته ذلك الجسد الذي كان خاضعًا للموت، فلكونه الله والحياة، فقد طرد منه الفساد (الانحلال)، وجعله أيضًا يصير مصدر الحياة؛ لأنه هكذا ينبغى أن يكون جسد ذاك الذي هو الحياة.

 

          ولا تكونوا غير مصدقين لما قلته، بل بالحري اقبلوا الكلمة بإيمان بعد أن جمعتُ براهين من أمثلةٍٍ قليلة. عندما تطرحون قطعة خبز فى خمر أو زيت أو أى سائل آخر، فستجدون أنها صارت تحمل خاصية ذلك السائل الخاص، وعندما يوضع الحديد فى النار، فإنه يصير ممتلئًا بكل فاعليتها؛ وبينما هو بالطبيعة حديد، لكنه يعمل بقوة النار. وهكذا كلمة الله المحيى، إذ قد وحَّد نفسه بجسده الخاص بطريقة معروفة لديه (فقط)، فقد منحه قوة إعطاء الحياة. وهو نفسه يؤكد لنا هذا بقوله: ” الحق أقول لكم من يؤمن بى فله حياة أبدية، أنا هو خبز الحياة ” (يو47:6،48) وأيضًا: ” أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء، إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد، والخبز الذي أنا أعطى هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم. الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم. من يأكل جسدى ويشرب دمى فله حياة أبدية وأنا أقيمه فى اليوم الأخير، لأن جسدى مأكلٌ حقٌ، ودمى مشربٌ حقٌ، من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فىَّ وأنا فيه. كما أرسلني الآب الحي وأنا حي بالآب، فمن يأكلنى فهو يحيا بى” (يو53،51:6ـ57). لذلك عندما نأكل الجسد المقدس الذي للمسيح مخلصنا جميعًا، ونشرب دمه الثمين، تكون لنا حياة فينا، بكوننا جُعلنا واحدًا معه، كائنين فيه ومقتنين له أيضًا فينا.

 

          لا تدعو أحدًا من أولئك الذين اعتادوا عدم التصديق أن يقول: ” إذن، حيث إن كلمة الله لكونه بالطبيعة الحياة، وهو يقيم أيضًا فينا، فهل جسد كل واحد منّا سيُمنح أيضًا القوة لإعطاء الحياة؟ من يقول ذلك فليعلم بالأحرى أنه شئ مختلف تمامًا، بين أن يكون الابن فينا بمشاركة نسبية، وبين أن يصير هو نفسه جسدًا؛ أى أن يجعل ذلك الجسد الذي أُخذ من العذراء القديسة خاصًا له (أى يجعله جسده الخاص). لأنه لا يُقال عنه إنه صار متجسدًا، أو صار جسدًا، بوجوده فينا، بل بالحري فإن هذا حدث مرة واحدة عندما صار إنسانًا دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. لذلك فإن جسد الكلمة كان هو ذاك الذي اتخذه لنفسه من العذراء القديسة وجعله واحدًا معه؛ أما كيف أو بأية طريقة حدث هذا، فهو أمر آخر لا يمكننا أن نخبر به، لأنه أمر غير قابل للشرح ويفوق تمامًا قدرات العقل، وكيفية هذا الاتحاد هى معروفة له هو وحده فقط.

 

          لذلك، كان يليق به أن يكون فينا إلهيًا بالروح القدس، وكذلك أيضًا ـ إن جاز القول ـ يمتزج بأجسادنا بواسطة جسده المقدس ودمه الثمين، اللذين نقتنيهما أيضًا كإفخارستيا معطية للحياة فى هيئة الخبز والخمر، إذ، لئلا نرتعب برؤيتنا جسدًا ودمًا (بصورة حسية) فعلية، موضوعين على الموائد المقدسة فى كنائسنا، فإن الله إذ وضع (أنزل) ذاته إلى مستوى ضعفاتنا، فإنه يسكب فى الأشياء الموضوعة أمامنا قوة الحياة، ويحوّلها إلى فاعلية جسده، لكيما نأخذها لشركة معطية للحياة، وكى يوجد فينا جسد (ذاك الذي هو) الحياة، كبذرة تنتج حياة. ولا تشك فى أن هذا حقيقى، حيث إنه هو نفسه قال بوضوح: ” هذا هو جسدى، هذا هو دمى“، بل بالحري إقبل كلمة المخلص بإيمان، لأنه هو لكونه الحق، فلا يمكنه أن يكذب. وهكذا سوف تكرِّمه، لأنه كما يقول يوحنا الحكيم جدًا: “من قِبل شهادته فقد ختم أن الله صادق، لأن الذي أرسله الله يتكلم بكلام الله” (يو34،33:3). لأن كلام الله هو طبعًا صادق ولا يمكن أبدًا أن يكون كاذبًا؛ لأنه وإن كنا لا نفهم بأية طريقة يعمل الله مثل هذه الأعمال، لكن هو نفسه يعرف طريقة (عمل) أعماله. لأنه عندما لم يفهم نيقوديموس كلمات الرب المختصة بالمعمودية المقدسة وقال بجهل: ” كيف يمكن أن يكون هذا؟” (يو9:3)، فإنه سمع المسيح يجيب قائلاً: ” الحق أقول لك إننا إنما نتكلم بما نعلم ونشهد بما رأينا ولستم تقبلون شهادتنا، إن كنت قلت لكم الأرضيات ولستم تؤمنون، فكيف تؤمنون إن قلت لكم السماويات؟ ” (يو11:3،12) لأنه كيف يمكن لإنسان أن يعرف تلك الأشياء التى تعلو على قدرات إدراكنا وعقلنا؟ لذلك، فلنكرّم سرّنا الإلهي هذا، بالإيمان….

          (ممجدين المخلص) الذي به ومعه يليق لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الهدور آمين.

 

3 هذا التعبير يستخدمه الآباء كثيرًا عن الإفخارستيا .

 

عشاء الرب – عظة 142 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

 

عظة للقديس كيرلس عمود الدين

عظة 141

تُقرأ يوم الخميس فى أسبوع السر[1]

لوقا7:22ـ16

” وجاء يوم الفطير الذي ينبغي أن يُذبح فيه الفصح، فأرسل بطرس ويوحنا قائلاً اِذهبا وأعدا لنا الفصح لنأكل، فقالا له أين تريد أن نعد؟ فقال لهما إذا دخلتما المدينة يستقبلكما إنسان حاملٌ جرة ماء، اتبعاه إلى البيت حيث يدخل وقولا لرب البيت يقول لك المعلم أين الغرفة التى آكل فيها الفصح مع تلاميذى؟ فيريكما عِلِّيَّة كبيرة مفروشة؛ هناك أعدا، فانطلقا ووجدا كما قال لهما. فأعدا الفصح”.

        ولما كانت الساعة جلس للأكل والاثنا عشر رسولاً معه، وقال لهم: شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم. لأني أقول لكم إني لا آكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله”.

 

          إن الناموس بظلاله سبق فأشار منذ القديم إلى سر المسيح؛ والمسيح نفسه يشهد عن هذا عندما قال لليهود: ” لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوننى لأنه هو كتب عنى ” (يو46:5)، ففى كل موضع (فى الناموس) توضح الظلال والمثالات لنا، المسيح مذبوحًا لأجلنا “كالحمل” الذي بلا عيب حقًا، كما توضحه مقدِّسًا إيانا بواسطة دمه المعطى الحياة..، وبالإضافة إلى ذلك فإننا نجد كلمات الأنبياء القديسين فى توافق تام مع كلمات موسى الحكيم جدًا، كما يقول بولس ” لكن لما جاء ملء الزمان ” (غل4:4)، الزمان الذي كان فيه كلمة الله الوحيد على وشك أن يخلى ذاته، وأن يحتمل الولادة بالجسد من امرأة ويخضع للناموس، بحسب القياس المناسب للطبيعة البشرية، وبعد ذلك قدم نفسه ذبيحة لأجلنا، مثل الحمل الذي بلا عيب حقًا، فى اليوم الرابع عشر من الشهر الأول. وهذا العيد كان يُدعى ” الفصح” (بصخة Pascha) وهى كلمة باللغة العبرية وتعنى العبور، لأنهم هكذا يفسرونها ويقولون إن هذا هو معناها.

          إذن يجب أن نشرح ما هو هذا الشيء الذي نعبر منه وما هو البلد الذي نسير نحوه، وبأى طريقة نحقق مسيرتنا، فإنه كما أن إسرائيل قد أُنقذ من طغيان المصريين وفك عنقه من نير العبودية وصار حُرًا، وإذ هرب من عنف الطاغية، فإنه عبر بأقدام جافة ـ بطريقة عجيبة يعجز اللسان عن وصفها ـ وسط البحر، وارتحل تجاه الأرض الموعود بها؛ هكذا نحن أيضًا الذين قبلنا الخلاص الذي فى المسيح، يجب علينا ألاّ نرضى بالبقاء بعد فى أخطائنا السابقة، وألاّ نستمر فى طرقنا الشريرة بل بشجاعة نعبر بحر اضطراب هذا العالم الباطل، وعواصفه. وهكذا فإننا نعبر من محبة الجسد إلى التعفف؛ من جهلنا السابق إلى معرفة الله الحقيقية؛ من الشر إلى الفضيلة؛ ونعبر بالرجاء من لوم الخطية إلى أمجاد البر؛ ومن الموت إلى عدم الفساد. لذلك فإن العيد الذي حمل فيه عمانوئيل صليب الخلاص لأجلنا يُسمى الفصح.

          لكن لننظر إلى الذي هو الحق والذي لا يزال يُكرّم بالرموز التى كانت تشير إليه، وهو لا يزال يسمح للظلال بأن تكون صادقة، إذ يقول النص: “ولما جاء يوم الفطير الذي كان ينبغي أن يُذبح فيه الفصح “، فأرسل للمدينة تلميذين مختارين من الرسل القديسين، وهما بطرس ويوحنا قائلاً : “سوف يستقبلكما إنسان حامل جرة ماء، اتبعاه إلى البيت حيث يدخل، وقولا لرب البيت: يقول لك المعلم أين الغرفة التى آكل فيها الفصح مع تلاميذى؟“. لكن ربما يقول أحدهم، لماذا لم يذكر لهما بوضوح اسم الرجل الذي أرسلهما إليه؟ لأنه لم يقل: عندما تمضون إلى فلان أو فلان ـ وهناك أعدا الفصح فى بيته، لكن فقط أعطاهما علامة ـ ” إنسان حامل جرة ماء“. فبماذا نجيب على هذا الكلام؟ انظروا! فإن يهوذا الخائن كان قد سبق فوعد اليهود أن يسلمه لهم، وكان مستمرًا فى صحبته (للمسيح) يرقب فرصة ليسلمه، وبينما كان لا يزال يعلن الحب الواجب من التلميذ لمعلمه فإنه قد سمح للشيطان أن يدخل قلبه، وكان يتمخض بجريمة القتل ضد المسيح مخلصنا جميعًا. لذلك أعطى المسيح علامة (للتلميذين) لكي يمنعه من معرفة من هو ذاك الشخص، فيسرع يهوذا ليخبر أولئك الذين استأجروه. لذلك قال: “يستقبلكما إنسان حامل جرة ماء“.

          أو ربما يتكلم المسيح هكذا ليشير بهذا إلى سر مهم، لأنه حيث تدخل المياه ـ أى المعمودية المقدسة ـ فهناك يسكن المسيح، كيف أو بأية طريقة؟ ذلك لأنها تحررنا من كل نجاسة، ونُغسل بواسطتها من أدناس الخطية، ولكي نصير أيضًا هيكلاً مقدسًا لله وشركاء فى طبيعته الإلهية بشركة الروح القدس. لذلك فلكي يستريح المسيح ويقيم فينا، فلنقبل المياه الخلاصية معترفين أيضًا بالإيمان الذي يبرر الأثيم. ولكى يرفعنا عاليًا لكى ما نُحسب عِلِّيَّة، لأن أولئك الذين يسكن فيهم المسيح بالإيمان لهم ذهن مرتفع عاليًا، يبغض الزحف على التراب، ويرفض الالتصاق بالأرض، وفى كل شئ يطلب ما هو سامٍ فى الفضيلة، لأنه مكتوب:” لأن أعزاء الله قد ارتفعوا عاليًا (فوق الأرض)” (مز9:46س)، لأن ليس لهم هنا مدينة باقية لكنهم يطلبون العتيدة (انظر عب14:13)، وبينما هم يسيرون على الأرض، فإنهم يفكرون فى تلك الأمور التى فوق، وسيرتهم (مدينتهم) هى فى السماء (انظر فى20:3).

          يمكننا أيضًا أن نلاحظ أمرًا صحيحًا وعجيبًا، يحدث دائمًا بيننا؛ وأعنى به أن من يقدرون حياتهم الجسدانية كثيرًا، عادةً يكونون منتفخين وقلوبهم مملوءة من الكبرياء الملعونة والمكروهة من الله؛ لكن مع ذلك ربما يؤتى بهم إلى الانكسار (فيما بعد) وهم لا يزالون على الأرض؛ بينما أولئك المساكين بالروح ينالون الرفعة بواسطة الكرامة والمجد اللذين يأتيان من الله. كما يكتب تلميذ المسيح قائلاً: ” ليفتخر الأخ المتضع بارتفاعه، وأما الغنى فباتضاعه لأنه كزهر العشب يزول ” (يع9:1،10). لذلك لا يخطئ من يقول إن نفس كل قديس هي ” عِلِّيَّة “.

          بعد ذلك لما أعدّ التلاميذ الفصح، أكل المسيح معهم، ولكونه طويل الأناة مع الخائن، فإنه تفضل بقبوله على مائدة الفصح بدافع شفقته المملوءة حبًا وغير المتناهية؛ لأن يهوذا كان قد صار خائنًا إذ أن الشيطان كان ساكنًا فيه. وقال المسيح أيضًا لرسله القديسين: ” شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم“. لنفحص المغزى العميق لهذا التعبير، ولنفتش عن المعنى المختفي فيه، وما الذي كان يقصده المخلّص.

لذلك حيث إننى سبق أن قلت إن التلميذ الطمّاع كان يطلب فرصة ليسلمه، ولكي لا يسلمه لقاتليه قبل عيد الفصح، فإن المخلّص لم يعلن لا عن البيت ولا عن الشخص الذي سيحتفل عنده بالعيد، ولكى يشرح لهم سبب عدم رغبته فى أن يصرّح له علانية باسم من سيذهب عنده، قال لهم: ” شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم“؛ وكأنه يقول: إننى اجتهدت بكل حذر لكى أتمكن من الإفلات من خبث الخائن، لكيلا احتمل آلامى قبل وقتها.

          ” ولكنى لا آكل منه بعد حتى يكمل فى ملكوت الله“. وبهذا الكلام أيضًا ينطق المسيح بحقيقة عميقة وسرية، لكن هو نفسه يكشف معناها لنا لأن من عادته أن يطلق اسم “ملكوت السماوات” على ” التبرير بالإيمان”، وعلى التطهير الذي يتم بالمعمودية المقدسة وشركة الروح القدس وعلى تقديم العبادة الروحية التى صارت الآن ممكنة بالدخول فى وصايا الإنجيل. لكن هذه الأشياء هى الوسائط التى تجعلنا شركاء فى المواعيد وفى المُلك مع المسيح؛ لذلك يقول: لن اقترب من مثل هذا الفصح بعد ذلك، أي ذلك الفصح الذي يتكون من أكل رمزى ـ لأن حملاً من القطيع ذُبح ليكون مثالاً للحمل الحقيقى (ويكمل) ” حتى يكمل فى ملكوت الله “، أى إلى حين مجيء الوقت الذي فيه يُكرز بملكوت السماوات. لأن هذا يتحقق فينا نحن الذين نكرّم العبادة التى هى أعلى من الناموس والتى هي الفصح الحقيقي، فالذي يُقدِّس الذين هم فى المسيح ليس خروفًا من القطيع، بل بالحرى المسيح نفسه (هو الذي يقدسهم)، الذي جُعِلَ “ذبيحة مقدسة” لأجلنا، “بتقديم قرابين” غير دموية، وتقديم “الشكر” السرى، الذي فيه ننال “البركة” ونُعطَى الحياة بالحياة[2]. لأنه هو صار لنا الخبز الحي الذي نزل من السماء والذي يعطى الحياة للعالم (انظر يو33:6، 50)، الذي به ومعه لله الآب يليق التسبيح والسلطان، مع الروح القدس إلى دهر الدهور. آمين.

 

[1] يوصى القديس كيرلس الكبير أن تُقرأ هذه العظة يوم الخميس فى أسبوع السر، ويقصد الأسبوع الذي تحقق فيه سر الخلاص بتأسيس الإفخارستيا والصلب والقيامة.

[2] هذه الفقرة الهامة هى باللغة اليونانية كما يلي:

¢g…wj ƒerourgoÝmenoj di¦ tÁj mustikÁj eÙlog…aj, kaq’ ¿n eÙlogoÚmeqa kaˆ zwopoioÚmeqa.

إن الكلمة `Ierougšw ” يخدم فى خدمة مقدسة”،  هذه الكلمة هى كلمة رسولية واردة فى رومية16:15 (ƒerourgoàvta to euaggšlion) وتُرجمت فى طبعة دار الكتاب المقدس “مباشرًا لإنجيل الله ككاهن ” وترجمتها الدقيقة ” خادمًا فى الخدمة الكهنوتية لإنجيل الله ” . وكذلك الكلمة eÙlog…a = ” البركة ” كانت تُطلق فى العصور الأولى بصفة ثابتة على الإفخارستيا المقدسة بالاستناد إلى كورنثوس الأولى 16:10 ” كأس البركة to pot»rion thj eÙlog…aj”. إن استخدام هذه الكلمات يظهر العلاقة الوثيقة التكاملية بين الحياة الليتورجية للمسيحيين الأُول وبين فهمهم للكتب المقدسة. (هذه الملاحظات لمترجم النص الإنجليزى لتفسير إنجيل لوقا Payne Smith سنة 1859).

 

خميس العهد – عظة 141 للقديس كيرلس الكبير – د. نصحي عبد الشهيد

الروحانية الأرثوذكسية – د. نصحي عبد الشهيد

الروحانية الأرثوذكسية – د. نصحي عبد الشهيد [1]

الروحانية الأرثوذكسية – د. نصحي عبد الشهيد

الروحانية الأرثوذكسية – د. نصحي عبد الشهيد

مراحل الحياة الروحية

 

أوجه ثلاث لنعمة واحدة:

النعم الثلاث: النعمة الخاصة بالمعمودية والنعمة الخمسينية والنعمة الفصحية هي في الحقيقة ثلاثة أوجه لنعمة إلهية واحدة ولا يمكن فصلها بعضها عن بعض. وحينما نقول إنها تمثل في ذهن الكنيسة تدرجًا تصاعديًا فإننا نقصد أنه خلال سير ونمو حياة النفس العادية نموًا طبيعيًا وغير مضطرب فإن كل وجه من هذه الأوجه الثلاثة للنعمة الواحدة يكون أو يجب أن يكون هو الوجه الغالب في وقته وفي دوره.

 

ثلاث لحظات في حياة المسيح نفسه:

وهذه النعم الثلاث تعبر عن ثلاث لحظات في حياة الرب يسوع نفسه. وهذا أمر في غاية الأهمية يجب أن ننتبه إليه، لأن اختباراتنا الروحية الخاصة هي انعكاسات ضعيفة لحياته هو شخصيًا، وتنبع مباشرة منه. هذه اللحظات الثلاث في حياة الرب يسوع التي تعبر عنها هذه النعم الثلاث هي:

  1. اتصاله بمياه المعمودية.
  2. نزول الروح عليه بعد المعمودية وما تم بعد ذلك من إرساله الروح لنا.
  3. تقديم نفسه ذبيحة فصحية.
  • فالمسيح المعمد (وهو أيضًا المسيح الشافي والغافر).
  • والمسيح مرسل الروح.
  • والمسيح الحمل الفصحى أو فصحنا الحقيقي.

هذه ثلاثة أوجه في حياة ربنا يسوع المسيح واختبار هذه الأوجه داخليًا في حياتنا، يكوّن الحياة الروحية للمسيحي.

 

ارتباط مراحل الحياة الروحية بالأسرار:

الإنسان الذي يدخل إلى كنيسة المسيح ليسير في طريق ملكوت الله يبدأ طريقه بالتوبة والإيمان بالرب يسوع المسيح، هذا تسميه الكنيسة “الموعوظ”. والموعوظ عندما يعلن إيمانه بالمسيح تعمده الكنيسة ثم بعد خروجه من المعمودية تعطيه الروح القدس بمسحة الميرون، وبعد ذلك يصبح مؤهلاً لأن يتحد بالرب في سر الإفخارستيا. هذه الأسرار الثلاثة التي ينالها المؤمن الداخل إلى الكنيسة وينالها بهذا الترتيب:

  1. المعمودية.
  2. وتكملتها نوال الروح القدس أي الميرون.
  3. والتكملة النهائية هي الاشتراك في جسد المسيح ودمه والاتحاد به.

هذه الأسرار الثلاثة وبهذا الترتيب التي تُعطى به للموعوظ تعبّر عن المراحل المتتالية التي تسير فيها النفس في نموها الروحي وتقديسها.

فالإنسان المسيحي يبدأ تجديده بالإيمان والمعمودية ليصير في علاقة جديدة مع الله هي علاقة البنّوة، ثم ينال الروح القدس ليسكن في داخله ويعطيه استنارة داخلية حتى يستطيع أن يعيش حسب الروح بالقوة التي يهبها له الروح القدس. وأخيرًا فإن عطية الروح القدس توصلنا إلى اتحاد حقيقي بالمسيح لنكون معه روحًا واحدًا، هذا الاتحاد الذي سيتحقق بالصورة الكاملة عندما تتغير أجسادنا وتتمجد متحدة مع نفوسنا عند مجيء الرب يسوع ليشركنا في مجده الكامل. هذا الإتحاد الذي نأخذ عربونه هنا في سر الإفخارستيا.

 

المرحلة الأولى: المعمودية

مرحلة التطهير وبداية عملية التجديد الروحي للإنسان:

أوصى المسيح تلاميذه قائلاً: ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت 19:28). ويقول الرب لنقوديموس ” إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله” (يو5:3).

وبهذا أصبح الماء علامة الخلاص بل أن الرب يسوع نفسه قبل أن يبدأ خدمته كمسيا اعتمد في الأردن وصار عماده هو الأساس الذي تبدأ منه معموديتنا نحن في الماء بل إن الماء تقدّس وأصبح واسطة للتطهير والتجديد منذ أن نزل الرب يسوع بجسده داخل مياه الأردن كما يقول القديس أغناطيوس الأنطاكي: “إن المسيح طهر الماء بآلامه”[2] وهنا يوجد علاقة بين الماء وبين آلام المسيح التي احتملها على الصليب لأن المسيح في نزوله إلى الأردن كان يقوم بعمل تمهيدي لمعموديته النهائية ومعمودية المسيح النهائية هي موته على الصليب كما يقول:

” لي صبغة اصطبغها وكيف انحصر حتى تكمل” (لو50:12)، وكلمة صبغة هي نفسها كلمة معمودية أي أن الرب يسوع يقول: “لي معمودية اعتمد بها” وكان يشير بذلك إلى اصطباغ أو معموديته بالدم على الصليب فالمسيح بصلبه وسفك دمه أعطانا قوة التطهير حتى أن من يؤمن به ويأتي لينزل إلى الماء باسمه لكى يُدفن مع المسيح فإن المسيح يعمل فيه بواسطة الماء لتطهيره وغفران خطاياه وتجديده.

ولأن المؤمن يعتمد في الماء على مثال معمودية المسيح في الأردن لذلك فإن جرن المعمودية يسمى في طقس الكنيسة الأردن. فقد أصبح الأردن إذن موجودًا في الكنيسة في كل مكان ولم يعد فقط نهرًا موجودًا في فلسطين لأن في كل جرن معمودية فإن الذين يعتمدون في هذا الجرن يشتركون في معمودية المسيح نفسه في الأردن.

والكنيسة الأرثوذكسية تعطى اهتمامًا كبيرًا لعيد معمودية المسيح “عيد الغطاس”، وتسميه “عيد الأردن”. وطقس الكنيسة يُحتم أن توضع صورة المسيح وهو يعتمد من يوحنا في الأردن أمام جرن المعمودية لكي تنبه أذهان المعمدين أنهم سيعتمدون على مثال معمودية المسيح بل ويشتركون في معموديته.

وفي عيد الغطاس تُصلى الكنيسة على المياه صلوات خاصة وتستدعى الروح القدس لتقديس المياه لتكون للتطهير والغفران والشفاء وهي الصلاة المعروفة “بلقان الغطاس”. وواضح أن الكنيسة تستمد من نزول المسيح إلى الماء وتقديسه له بدخوله فيه، قوة تطهير بواسطة الماء تستمر في حياة المؤمنين في كل عصر، وذلك طبعًا بعمل الروح القدس الذي تطلبه الكنيسة ليحل على الماء ويجعل فيه قوة التطهير والتقديس التي تمت لمياه الأردن نفسه بنزول المسيح فيه. إذن فلا يزال المسيح يقدس المياه للذين يتوبون ويؤمنون ويعتمدون طالبين التطهير والغفران.

 

عيد الظهور الإلهي:

والكنيسة الأرثوذكسية تربط بين المعمودية في الماء وبين سر النور أو الاستنارة ولذلك فإن عيد الغطاس في الكنيسة الشرقية يسمى “عيد الأنوار”، أو عيد الظهور الإلهي “الثيؤفانيا”، وذلك لأنه في معمودية المسيح قد ظهر الثالوث القدوس، أى استعلن حضور الله بمناسبة المعمودية: استعلن الآب كصوت من السماء يشهد للمسيح الابن الذي يعتمد في الماء، والروح القدس آتيًا عليه مثل حمامة. وهذا إعلان وظهور للثالوث الأقدس.

ولذلك فكما حدث في معمودية المسيح هكذا يحدث في معمودية المؤمنين، إذ يدخلون في شركة مع الآب والابن والروح القدس وتنفتح السماء لتشهد لمن يعتمد أنه ابن لله بالمسيح. وهكذا فإننا نعتمد باسم الآب والابن والروح القدس ويدخل النور الإلهي في حياة الإنسان المعمد ويبدأ الإنسان الحياة في النور ويصير ابنًا للنور كما يقول المسيح ” آمنوا بالنور لتصيروا أبناء النور” (يو36:12). وكما يقول الرسول بولس: ” شاكرين الآب الذي أهلنا لشركة ميراث القديسين في النور” (كو12:1). والدخول في شركة ميراث النور أي شركة الحياة في بنوة الله تتم بواسطة قبول الحياة الإلهية من المسيح بالإيمان والمعمودية.

إن التأكيد على النور والاستنارة في صلوات المعمودية وخاصة الصلاة من أجل الموعوظين الداخلين إلى الكنيسة، يجعلنا في مأمن من خطر النظرة المادية الصرف لسر المعمودية، وينبهنا أننا ينبغي أن نركز انتباهنا في المسيح الروحي، والذي ينير القلب بنور لاهوته ويجدد الحياة ويطهرها من الظلمة التي فيها. إن الاتصال بالرب يسوع كمُعَمِّد لنا، والذي هو نفسه نبع ماء الحياة، هذا الاتصال هو نقطة البداية لكل حياتنا الروحية.

النعمة المجددة في المعمودية:

النعمة التي ينالها الإنسان بالمعمودية هي “النعمة الأولى” لأنها النعمة التي تُدخِل حياة المسيح إلى الإنسان. هذه النعمة المجدِّدة لا ينالها الإنسان مرة واحدة فقط بالرغم من أن الإنسان لا يعتمد إلا مرة واحدة. ففي المعمودية تبدأ عملية تجديدنا ولكن عملية تجديدنا تستمر طوال حياتنا على الأرض، ويمكن أن يفقد الإنسان هذه النعمة إذا انفصل عن مصدر التجديد “المسيح”، ولكن يمكن استرجاع هذه النعمة بالتوبة الصادقة والرجوع الصادق إلى الرب الذي سبق أن أنار قلوبنا، ولذلك فقد أطلق بعض آباء الكنيسة وصف المعمودية الثانية على التوبة ـ التوبة تجديد للمعمودية ـ وبعض الآباء تكلم عن دموع التوبة كتجديد لقوة المعمودية ـ وفي الحقيقة أن التوبة هي عمل الروح القدس في القلب فهي ثمرة الروح نفسه الذي جدد الإنسان أولاً في المعمودية .

إن الروح القدس يعمل في ماء المعمودية ولذلك فإن المعمودية ليست ولادة من الماء فقط ولكنها ولادة من الماء والروح. ولكن ينبغي أن نميز بين عمل الروح في المعمودية لأجل الحصول على البنوّة وبداية الحياة الجديدة وبين عطية الروح القدس الذي يسكن في المعمد بعد خروجه من الماء أي “نعمة يوم الخمسين”، وهذه سنتحدث عنها في المرحلة الثانية ولكن يكفي أن نقول الآن إن الروح القدس يعمل في الإنسان ليجتذبه إلى المسيح بالإيمان والتوبة ويعطيه البنوّة بالمعمودية، ثم بعد ذلك يسكن الروح القدس في الإنسان الذي نال البنوّة ليعيش في شركة حب مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح.

معمودية الدم أو الاستشهاد:

حدث في تاريخ الكنيسة في عصور الاضطهاد والاستشهاد أن أناسًا آمنوا بالمسيح دون أن تكون لهم فرصة المعمودية في الكنيسة ثم قدموا حياتهم للشهادة للمسيح وسفكت دماؤهم من أجل اعترافهم العلني بالمسيح، هؤلاء اعتبرتهم الكنيسة أنهم قد اعتمدوا في دمائهم مثل معمودية المسيح على الصليب. ومعمودية الدم لا تقل قوة وفاعلية عن المعمودية العادية بل تزيد لأننا عندما نعتمد في الماء فإننا نُدفن رمزيًا مع المسيح لنقوم معه.

ولكن الذي سفك دمه من أجل المسيح فإنه قد اشترك مع المسيح في الموت فعليًا وصار اتحاده بالمسيح اتحادًا كاملاً، ومثل هذا الإنسان أُعطَى أن يجوز مراحل الحياة الروحية من بداية الإيمان حتى الوصول إلى الاتحاد بالله في فترة قصيرة. فإن الذي يقدم ذاته للموت الفعلى من أجل المسيح، لا شك أنه امتلأ من الروح القدس روح الذبيحة وتقديم النفس من أجل تمجيد الله.

[1] عن كتاب “الروحانية الأرثوذكسية” للدكتور نصحي عبد الشهيد، صدر عن بيت التكريس لخدمة الكرازة، مايو 2008.

 

2 الرسالة إلى الأفسسيين XVIII,2.

الروحانية الأرثوذكسية – د. نصحي عبد الشهيد [1]

الدفاع عن قانون إيمان نيقية للقديس أثناسيوس الرسولى – د. نصحي عبد الشهيد

الدفاع عن قانون إيمان نيقية للقديس أثناسيوس الرسولى – د. نصحي عبد الشهيد

الدفاع عن قانون إيمان نيقية للقديس أثناسيوس الرسولى – د. نصحي عبد الشهيد

رسالة كتبها القديس أثناسيوس إلى أحد الأصدقاء ردًا على اعتراضات الآريوسيين على قانون إيمان نيقيا. وتاريخ كتابتها مابين 351 ـ 355 م (المرجع N,P.N.F. Vol.4 2nd series.).

1 ـ يعترض الآريوسيون على آباء مجمع نيقية لاستعمالهم عبارات ليست من الكتاب المقدس مثل ” من جوهر“، ” واحد فى الجوهر ” (أوموأوسيوس) [فقرة 1 ص 150].

ويرد القديس أثناسيوس بسرد ما حدث فى مجمع نيقيا من موافقة جميع آباء المجمع على هذه العبارات ” من جوهر “، ” واحد فى الجوهر ” حتى الأساقفة الذين كانوا فى البداية رافضين لها مثل أوسابيوس أسقف نيقوميديا، وأوسابيوس أسقف قيصرية فلسطين (المؤرخ) ووّقعوا جميعًا على هذه العبارات التى يشكو منها الآريوسيون الآن وهى: ” من جوهر الآب “، “واحد فى الجوهر “. وأن ” ابن الله ليس مخلوقًا…. بل أن الكلمة هو مولود من جوهر الآب “. وذكر أثناسيوس أيضًا أن أوسابيوس القيصرى الذى كان ينكر هذه العبارات فى اليوم السابق عاد فاقتنع بها ووّقع عليها وأرسل رسالة بذلك إلى كنيسته يقول فيها أن هذا هو إيمان الكنيسة وتقليد الآباء واعترف جهرًا أنهم كانوا سابقًا على خطأ. (فقرة 3:ص152).

 

2 ـ معانى كلمة ” ابن ” ـ معنيان فى الكتاب المقدس:

أ ـ المعنى الأول ابن بالتبنى ” مثل قول الله فى التثنية ” إن حفظت وصايا إلهك.. أنتم أولاد للرب إلهكم ” (تث 1:14)، وفى يوحنا ” الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله ” (يو12:1).

ب ـ ابن بالطبيعة أو بالجوهر : كما يقول مثلاً أن اسحق ابن ابراهيم، ويعقوب ابن اسحق وهكذا. (فقرة 6 ص 154).

 

فإن كانوا يفهمون معنى ابن الله بالمعنى الأول المختص بالذين ينالون اسم ابن بالنعمة وينالون سلطانًا لكى يصيروا أولاد الله فلا يكون ابن الله مختلفًا عنا فى أى شئ ولايكون هو الابن الوحيد الجنس حسب اعلان الإنجيل (فقرة 154:6). وهذا المعنى لايتفق مع التقوى. ولذلك فلايبقى إلا أن نقول ان ابن الله يسمى ابنًا بحسب المعنى الثانى أى مثلما يقال عن اسحق إنه ابن ابراهيم، لأن المولود بالطبيعة من آخر لا تضاف إليه هذه البنوة من الخارج بل هو بالطبيعة ابن. وهذا هو ما يعنيه الاسم (أى اسم ابن). ولكن ولادة الابن تختلف عن الولادة البشرية لأن الله ليس كالإنسان ولا الإنسان مثل الله.

فالبشر خُلقوا من المادة القابلة للتغير، أما الله فهو غير مادى ولاجسد له (بطبيعته قبل التجسد) وحتى إن كان الكتاب الإلهى يستعمل نفس التعبيرات عن الله والإنسان ولكن ذوى النظر الواضح يميزون ما كُتب بحسب طبيعة كل موضوع ويتحاشون أى اختلاط فى المعنى. وهكذا فإنهم لايفهمون أمور الله بطريقة بشرية ولاينسبون أمور الإنسان إلى الله (فقرة 10: ص156).

 

+ فولادة البشر هى بطريقة معينة أما ولادة الابن فهى من الآب وبطريقة أخرى لأن الناس هم أجزاء من آبائهم. إذ أن طبيعة الأجساد نفسها هى مركبة ومكونة من أجزاء، والناس يفقدون جزءًا من تكوينهم فى الولادة وأيضًا يكتسبون مادة لأجسادهم من تناول الطعام (فقرة 11: ص 157).

وهكذا فإن البشر فى عمر معين يصيرون آباء لأولاد كثيرين أما الله إذ لاأجزاء له ـ فهو أب الابن بدون انفصال أو شهوة وإذ هو غير مركب فى طبيعته فهو أب لابن وحيد. لهذا السبب فهو الابن الوحيد الجنس وهو وحده فى حضن الآب، وهو وحده الذى اعلن الآب أنه منه قائلاً: ” هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت ” (مت 17:3). وهو أيضًا كلمة الآب والذى يُفهم منه أن طبيعة الآب غير متغيرة وغير متجزئة. ولذلك فهو أيضًا ككلمة يجلس عن يمين الآب لأنه حيث يكون الآب فهناك أيضًا كلمته، أما نحن كمصنوعاته فإننا نقف أمامه للمجاوبة، وبينما هو يُعبد لأنه ابن الآب المعبود ونحن نعبده معترفين به ربًا وإلهًا لأننا مخلوقات ونختلف عنه. (فقرة 11 نهايتها ص 157).

 

+ بسبب أن ” ليس أحد يعرف الابن إلا الآب ولاأحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له ” (مت 27:11) لذلك فالكُتّاب الملهمون الذين أعطاهم الابن الاعلان قد اعطونا صورة معينة من الأمور المنظورة قائلين: ” الذى هو شعاع مجده ورسم أقنومه (جوهره) “

(عب3:1) وأيضًا ” لأن عندك ينبوع الحياة وبنورك سنعاين النور ” (مز9:36)، وأيضًا ” تركت ينبوع الحكمة ” (باروخ 12:3)، ” وتركونى أنا ينبوع المياه الحية ” (إر13:2). رغم أن هذه الأمثلة معتمة جدًا بالمقارنة بما نتطلع إليه، إى أنه من الممكن أن نفهم منها شيئًا يفوق طبيعة الإنسان بدلاً من التفكير بأن ولادة الابن على مستوى ولادتنا البشرية. لأنه من يستطيع أن يتخيل أن شعاع النورلم يكن موجودًا فى النور حتى يتجاسر أن يقول أن الابن لم يكن دائمًا موجودًا أو أنه لم يكن قبل أن يولد ؟ أو من يستطيع أن يفصل الشعاع من الشمس، أو أن يدرك الينبوع كأنه عديم الحياة منذ الأزل حتى يقول بجنون أن الابن مخلوق من العدم. وهو الذى (أى الابن) يقول ” أنا هو الحياة ” (يو6:14) أو أن يقول بجنون إنه غريب عن جوهر الآب وهو الذى يقول ” من رآنى فقد رأى الآب ” (يو 9:14).

 

وهنا ينتقد القديس أثناسيوس الذين يتركون إعلانات الوحى وتوضيحاته لكى يكوّنوا أفكارًا عن رب المجد من مصادر أخرى غير الكتاب وليس لها معنى دينى تقوى. (فقرة 12 ص 158).

+ بعد ذلك يرد القديس أثناسيوس على فهم الآريوسيين لآية سفر الأمثال ” الرب قنانى أول طرقه لأجل أعماله ” (أم 22:8). [يعالج القديس أثناسيوس هذه الآية ومثيلاتها فى سفر الأمثال فى المقالة الثانية ضد الآريوسيين كلها]. أما هنا فى هذه الرسالة فينتهى إلى القول باختصار أن كلمة سفر الأمثال ” خلقنى ” ليست عن لاهوته بل عن خلقة جسده عندما تجسد من العذراء لأجل أن يتمم أعمال الله للخلاص، ويختم قائلاً: ” الكلمة صار جسدًا لكى يقدم هذا الجسد لأجل الجميع ولكى بنوالنا شركة روحه فإننا نتأله، وهى هبة لم نكن نستطيع أن ننالها بأى طريقة سوى بلبسه هو نفسه لجسدنا المخلوق.

ومن هنا نكتسب اسمنا ” أناس الله “، “وأناس فى المسيح ” ولكن كما أننا نحن بنوالنا الروح لانفقد طبيعتنا الخاصة (المخلوقة)، هكذا فإن الرب حينما صار إنسانًا لأجلنا ولبس جسدًا لم يفقد كونه إلهًا، لأنه لم ينقص باكتسائه بالجسد بل بالحرى ألهَّه وجعله غير مائت. (فقرة 14 ص 158، 159).

 

3 ـ الدفاع عن استعمال مجمع نيقيا لتعبير ” واحد فى الجوهر “:

يشرح القديس أثناسيوس سبب اضطرار مجمع نيقية لاستخدام تعبير ” أوموأوسيوس ” أى ” الواحد فى الجوهر ” بسبب تلاعب الآريوسيين بالكلمات ومحاولتهم اعتبار ابن الله مع المخلوقات لأن المخلوقات بحسب رأيهم هى من الله وبنفس المعنى يكون الابن من الله، ولذلك فقد جمع الآباء معنى ابن الله من الكتب المقدسة وأعادوا كتابة ماسبق أن قالوه بدقة أكثر مستعملين عبارة واحد مع الآب فى الجوهر التى لايمكن أن تنطبق على المخلوقات المختلفة عن الله فى الجوهر لأنها مخلوقة. أما الابن فهو وحده من جوهر الآب وواحد معه فى الجوهر. ولذلك فبعد نهاية نص القانون أضاف الآباء مباشرة ” أما الذين يقولون إن ابن الله هو من العدم، أو مخلوق، أو متغير أو من جوهر آخر فهؤلاء تحرمهم الكنيسة المقدسة الجامعة “. (فقرة 20 ص 164).

 

4 ـ استشهاد بآباء ومعلمين قبل المجمع:

فى الفقرة 25 من الرسالة يقول القديس أثناسيوس أن آباء مجمع نيقيا لم يخترعوا هذه التعبيرات التى عبروا بها عن ألوهية الابن، بل تكلموا بما استلموه من سابقيهم. ويذكر أربعة من هؤلاء السابقين ويورد أجزاء من كتاباتهم وهم:

 

(1) ثيئوغنسطس (كان مديرًا لمدرسة الاسكندرية فى نهاية القرن الثالث) ويستشهد بهذه العبارات من كتاباته.

” جوهر الابن لم يحصل عليه من الخارج وليس هو من العدم، بل هو نابع من جوهر الآب، مثل الشعاع من النور… “

 

(2) ديونسيوس أسقف الاسكندرية: فى القرن الثالث.

الذى يعترف بأن المسيح واحد فى الجوهر مع الله الآب، وأنه رغم أنه قال ” إن هذه العبارة ليست موجودة فى الكتاب المقدس إلا أن ملاحظاتى التى تلت ذلك تتفق مع هذا الإيمان “. فضرب مثلاً بمقارنة نمو النبات من البذرة أو من الجذر، ولكن النبات والجذر رغم أنهما ليس نفس الشئ إلا أنهما واحد فى الطبيعة. وهكذا الابن مع الآب. كما ضرب مثلاً ” بالنهر النابع من الينبوع “.

 

(3) ديونسيوس أسقف روما: فى القرن الثالث وهو معاصر لديونسيوس الأسكندرى. وكتب ضد سابيليوس واتباعه. ويقول ” كثير من فقرات الأقوال الإلهية تقول إن الابن مولود من الآب، ولم يرد فيها أبدًا أنه أتى إلى الوجود (أى خُلق).. وينبغى أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل وبالمسيح يسوع ابنه وبالروح القدس. ونعتقد أن الكلمة متحد بإله الكون. لأنه يقول (أى الابن) ” أنا والآب واحد “، ” وأنا فى الآب والآب فىَّ “.

 

(4) أوريجينوس: ويصفه أثناسيوس أنه ” محب التعب “.


” صورة الإله غير المنظور هى غير منظورة. وإذ هو مثل الآب فإنه لم يكن أبدًا فى أى وقت غير موجود. لأنه متى كان ذلك الإله الذى حسب يوحنا يدعى النور بدون شعاع مجده الذاتى، موجودًا فيه ومعه ؟ ومتى كان صورة الآب الذى لايعبر عنه والأقنوم الذى لاينطق به وهو الرسم والكلمة وهو الذى يعرف الآب، متى لم يكن موجودًا ؟ فمن يتجاسر على القول أن الابن كان فى وقت غير موجود فدعه يفهم أنه بهذا يقول إن الحكمة لم تكن موجودة والكلمة لم يكن موجودًا والحياة لم تكن موجودة. (أنظر فقرة 25،26 ص 166ـ167 ـ168)

+ وبعد استشهاده بالآباء والكُتّاب السابقين على مجمع نيقيا يقول أثناسيوس ” أنظر ها نحن نبرهن أن هذا التعليم عن ألوهية الابن قد سلّم من أب إلى أب. أما انتم أيها اليهود الجدد وتلاميذ قيافا فكم أب وكم معلم تنسبون له آراءكم “.

وبهذا يؤكد القديس أثناسيوس أن تعليم مجمع نيقية عن ألوهية الابن هو التعليم القديم المُسلّم طوال العصور السابقة على المجمع منذ الرسل وأن تعليم آريوس هو المستجد والذى ليس له أصل قديم بل هو ابتداع حديث مضاد للإيمان المُسلّم.

تعريف الذات مع ابن الإنسان

يسوع هو الله لفظاً

انجيل توما

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

هل أخطأ الكتاب المقدس في ذِكر موت راحيل

الدفاع عن قانون إيمان نيقية للقديس أثناسيوس الرسولى – د. نصحي عبد الشهيد

Exit mobile version