سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

 

في حين يعتقد أوغسطينوس بأن إرادة الإنسان بعد السقوط مقيدة تمامًا بالشر بسبب وراثة الخطية الأصلية، وبناءً على ذلك، يعتقد بأن الله يعين ويختار سواء الأشرار أو الأبرار منذ الأزل، حيث يقول التالي:

“أليس ما يدعو إلى التصديق أن عدد القديسين المعيَّن* لملء المدينة الطوباوية يصل إلى ما هو عليه اليوم حتى ولو لم يخطئ إنسان فتختار نعمة الله*، التي تلقي شبكتها في بحر هذا العالم عددًا ضخمًا من الخطأة المولودين والمُنجبين؟”.

 (مدينة الله١٤: ٢٣)

ويقول في موضع آخر في نفس السياق:

“وهكذا حين نقول: من الضروري أن نريد بحريتنا، نقول حقيقة لا شك فيها، علمًا بأننا لا نُخضع اختيارنا الحر إلى الضرورة التي تقضي على حريتنا. بل إرادتنا ملك لنا، وتعمل ما نعمل بإرادتنا، وما لا نعمل، لأننا نرفض عمله.

وعندما يتألم إنسان، رغمًا عنه بإرادة الآخرين، وذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير*، ولو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير*، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي وحده يولي الإرادات القدرة”.

 (مدينة الله٥: ١٠)

ولكن يختلف ق. كيرلس السكندرى تمامًا مع هذا الطرح الأوغسطيني، بل يعتقد ق. كيرلس السكندري بأن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجهها الإنسان نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيء موروث، حيث يقول التالي:

“لقد خُلِق الإنسان منذ البداية متحملاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يفضله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلق حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطي للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة، التي تسمح له بالابتعاد عن الصلاح، حتى لو أنه فضل أن يعمل ما ليس صالحًا.

وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه.

بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرة للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشر*، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مفيدة وجد الموت الجسدي الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفظ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب”.

(الجلافيرا على سفر التكوين، المقالة الأولى، ص ١١٣- ١١٥)

ونستنتج من هنا أيضًا اختلاف الطرح الكيرلسي عن الطرح الأوغسطيني بخصوص تعليم الخطية الجدية، في حين يعلم أوغسطينوس بسبق الاختيار وتعيين الأبرار والأشرار من قِبل الله منذ الأزل بسبب وراثة البشر للخطية الأصلية، يدحض ق. كيرلس السكندري التعليم بالقدرية وسبق التعيين والإرادة المقيدة بالشر على النقيض من أوغسطينوس، ويؤكد على بقاء حرية إرادة المرء حتى بعد السقوط ليختار بين الفضيلة والرذيلة.

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تفسير (مز٥١: ٥) – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تفسير (مز٥١: ٥) – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تفسير (مز٥١: ٥) – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

في حين يعتمد ق. أوغسطينوس على آية (مز٥١: ٥) “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي”

كدليل كتابي على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب مفهومه، حيث يفسر الآية كالتالي:

“يجيب داود باسم الجنس البشري، وهو يتفحص القيود التي تكبل جميع الناس، ويتأمل كيف يتفشى الموت، ويلاحظ أصل الخطيئة*، ويصرخ: ‘هأَنَذَا بِالآثْامِ حُبِلَ بِي’. هل بالآثام حُبل بداود؟ هل بالإثم حُبل بابن يسى البار وامرأته؟ (راجع ١مل١٦: ١٨). فلمَ يقول إنه حُبل به بالإثم؟ لأن الإثم ورثناه من آدم*. وما الخضوع للموت إلا ثمرة الإثم.

لا يأتي أحد إلى العالم إلا حاملاً عقابه*، أي وهو يُجرجر الخطيئة التي تستحق العقاب. يقول الكتاب في سفر أيوب: ‘ليس من بار أمامك؟ حتى ولا طفل على الأرض ابن يومه’ (أي١٤: ٥ سبعينية). ونحن نعرف أن الخطايا تُمحى بمعمودية المسيح، وأن معمودية المسيح لها القدرة على محو الخطايا. وإذا كان الأطفال يُولدون أبرارًا، فلماذا تحملهم أمهاتهم مسرعات إلى الكنيسة عندما يمرضون؟ فما الذي تمحوه تلك المعمودية الغافرة؟ أرى ذاك البريء يبكي ولا أراه يغضب.

فما الذي يمحوه العماد؟ أي قيد تحله تلك النعمة؟ تحل قيد الخطية الموروثة*. لو كان للطفل أن يتكلم لنطق، ولو كان له معرفة داود لأجاب: لماذا لا ترون فيَّ إلا الطفل؟ لماذا لا ترون في الحقيقة أني لم أرتكب أي خطيئة؟ ‘إني بالآثام حُبل بي، وبالإثم اغتذيت في بطن أمي’. ولم يكن رابط الإثم هذا موجودًا في المسيح المولود من العذراء التي حبلت به من الروح القدس.

لا يسعنا أن نقول إنه بالإثم حُبل به، ولا يسعنا أن نقول إن أمه غذته بالإثم في أحشائها، تلك التي قال لها الملاك: ‘الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تظللك’ (لو١: ٣٥). فإذا كان البشر يُحبل بهم بالآثام، ويغتذون بالآثام في الحشا الوالدي، فهذا لا يعني أن اتحاد الزوجين خطيئة، بل لأن الذي يحدث إنما هو فعل جسد يحمل عقاب الخطيئة، والحال، فإن عقاب الجسد الموت، والموت مقيم فيه على الدوام.

ولهذا لا يقول الرسول إن الجسد مائت، بل إنه ميت: ‘في الحقيقة، الجسد ميت بسبب الخطيئة، أما الروح فحي بفعل البر’ (رو٨: ١٠). فكيف بجسدٍ حُبل به بالإثم، والزرع في جسدٍ قضت عليه الخطيئة بالموت، أن يُولد متحررًا من قيود الخطيئة؟ لا إثم في ثمرة الاتحاد الزوجي العفيف. إلا أن أصل الخطيئة يجلب القصاص المستحق.

ليس الزوج غير مائت لأن زوج، وليس مائتًا إلا بسبب الخطيئة. والرب نفسه خضع للموت، لكن ليس بسبب الخطيئة. ارتضى أن يحمل قصاصنا، فحلنا من خطيئتنا. عدل، إذًا، أن يموت الجميع في آدم، وأن يحيا الجميع في المسيح (١كو١٥: ٢٢).

يقول ق. بولس: ‘دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا جاز الموت على جميع الناس بواحدٍ، خطئوا كلهم فيه*’ (رو٥: ١٢). إنه حكم بلا استئناف، يقول الرسول: جميعهم خطئوا في آدم*. بينما وُلد واحد بلا خطيئة، لأنه لم يُولد من آدم”. (عظة على المزمور الخمسين/ عظته في أهل قرطاجنة/ التوبة، ١٠ على مز٥٠: ٦، ٧).

بينما عندما يفسر ق. كيرلس السكندري آية (مز٥١: ٥/ مز٥٠: ٥)، لو كان يؤمن كما يعتقد البعض بوراثة الخطية الأصلية، لكان أنتهز الفرصة وفسر هذه الآية كما فسرها أوغسطينوس كدليل كتابي صريح على وراثة الخطية الأصلية، ولكن لأن ق. كيرلس السكندري لا يعرف شيء اسمه وراثة الخطية الأصلية، فقد فسر آية (مز٥١: ٥) “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي”، بل يدحض فكرة وراثة الخطية الأصلية كالتالي:

“ويقول (داود) هذا ليس لأن فعل الخطية طبيعي*، لأنه لو كان كذلك ما كان مستحق لعقابٍ، بل لأنه ورث بالطبيعة الانزلاق*، ولكنه ينتصر بالإرادة والأتعاب (الجهاد)، غير أنه لا ينضبط إجباريًا لأنه حر الإرادة.

ووفقًا لبعض الناس والبابليين، يوجهون كلامهم إلى الله قائلين: ‘إن أردت أن تحاكمنا على الخطايا التي فعلناها في حقك، فإنها ساعتك (أي الوقت المناسب لك) أن تحاكم أجدادنا، لأن أولئك لم يظهروا معترفين لك بالجميل، وبطريقة ما قد ورثتُ منهم الجحود، وكوني أخطئ فهذا بسبب أولئك الأجداد’.

لذا توجد عادة عند القديسين في تهدئة غضب الله، بأنهم يدعونه لكي ما يشفق عليهم بصرخات كثيرة جدًا، بل أيضًا يسرعون إلى إلقاء اللوم على ضعف الطبيعة البشرية، لذا يمكننا أن نسمعهم وهم يصرخون: ‘تذكر أننا تراب، وأيام الإنسان كمثل العشب’ (مز١٠٣: ١٤، ١٥/ مز١٠٢: ١٤، ١٥ سبعينية)، وأيضًا ‘تذكر ما هو وجودي’ (مز٨٩: ٤٧/ مز٨٨: ٤٧ سبعينية)، ويشرح أيضًا أيوب محتمل الألم هذا الأمر بوضوح صارخًا لله: ألم تصبُني كاللبن، وخثرتني كالجبن؟ كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ. منحتني حياةً ورحمةً (أي١٠: ١٠- ١٢)”.

(Cyrillus Alexandrinus, Expositio in Psalmos PG 69, 1089-1092).

ونستنتج من هنا أحبائي أختلاف مفاهيم وشروحات ق. كيرلس السكندري عن الخطية الجدية عن مفاهيم وشروحات أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية، حتى أن الدليل الكتابي الواضح آية (مز٥١: ٥) “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” الذي يوجهه إليك مباشرةً أي واحد يؤمن بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب المفهوم اﻷوغسطيني، لم يفسره ق. كيرلس كدليل على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج كما فهم أوغسطينوس من نفس النص هذا المعنى.

وبالتالي نلاحظ اختلافًا جذريًا بين مفاهيم ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس حول موضوع الخطية الجدية ونتائجها وآثارها على البشرية، فكيف يعتقد البعض في أيامنا إنهما كانا متفقين في المفاهيم والشروحات لموضوع الخطية الجدية؟ بالرغم من أن النصوص من القديسين كيرلس وأوغسطينوس لا تدعم هذا الاتفاق المزعوم.

تفسير (مز٥١: ٥) – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

ماني والمانوية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

ماني والمانوية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

ماني والمانوية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

لقد تحدثنا في البوست السابق عن الغنوسية وتعليم وراثة الخطية الأصلية عندها، ننتقل الآن للحديث عن ديانة أخرى تعتبر امتدادًا للديانة الغنوسية، وكانت عبارة عن مزيج من الغنوسية، والمسيحية، والديانات الشرقية القديمة، ألا وهي الديانة المانوية، وسنفحص تعليم وراثة الشر والخطية والسقوط فيها.

يتحدث چ. ج. دافز J. G. Daves وچيراردو چنولي Gherardo Gnoli عن طريقة خلق آدم وحواء، وعقيدة الخلاص في المانوية كالتالي:

“يحدث خلق العنصر البشري وفق ما يلي: حبلت الشيطانات، والفضل في ذلك يعود إلى تبرير من الرسول (ماني)، وأنجبت مسوخًا، وابتلعت هذه المسوخ النباتات لتمتص النور الموجود فيها. بعد ذلك ومن أجل احتباس النور بطريقة أكثر أمنًا، فإن الظلمة (المادة) تتجلى في هيئة آز (ميل/ نزعة/ أمنية بالإيرانية الحديثة) الذي هو تجسيد للشبق، وتدفع الشيطان آشاغلوم والشيطانة نمرائيل إلى التهام المسوخ، ثم إلى التزواج فيولد منهما الزوجان البدائيان (الأولان) آدم وحواء. ثم يبدأ عمل الخلاص عند هذه النقطة. فآدم الذي أبقي في حالة جهل (أي الخطية) ضمن شراك المادة، يجري إيقاظه من غفلته عن طريق نفسه بواسطة مخلص هو ابن الله الذي أرسلته القوة العلوية، والذي يتطابق مع الإنسان القديم، أو مع يسوع بعد ذلك، ومع إله العقل (النوس)، حيث يقوم المخلص بتنبيه آدم من رقاده (رقدته) ويُطلعه على الحقيقة، ويُريه روحه التي تعاني في عالم المادة (الشر)، ويكشف له الأصول الشيطانية لجسده، والأصول السماوية لنفسه. عندها يعرف آدم ذاته وروحه بفضل العرفان (الغنوص) ويصحو من غفوته”.

چ. ج. دافز وچيراردو چنولي، مقالة بعنوان (المانوية)، موسوعة تاريخ الأديان (الزاردشتية – المانوية – اليهودية – المسيحية)، ترجمة: عبد الرازق العلي ومحمود منقذ الهاشمي، تحرير: فراس السواح، الكتاب الخامس، ص ٨١، ٨٢.

ثم يستطرد دافز وچنولي في الحديث عن تعليم وراثة الخطية بالتناسل والشهوة الجنسية مثلما نجده في عقيدة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والشهوة الجنسية والإنجاب الشهواني عند أوغسطينوس كالتالي:

“المرحلة الثالثة: هي الحرب الكبرى بين قوى الخير وقوى الشر، حيث يحاول أمير الظلام يائسًا نشر الشر في العالم من خلال التوالد الذي يأتي إلى العالم بأشخاصٍ ماديين من أجل احتباس مزيد من عناصر النور. وبالمقابل يحاول العظيم الأول نشر الخير من خلال قواعد الدين الصحيح. وهكذا يجري تحرير النور من خلال إعاقة دورة التناسخ (التناسل)، عندما تتحرر الروح من خلال المعرفة. بعد أن تنتصر كنيسة الحق ستُحاسب الأرواح ويصعد المختارون إلى السماء. بعد ذلك سوف يتطهر العالم من خلال نار مضرمة مدمرة تدوم ١٤٦٨ سنة. وسوف تتبقى جميع ذرات النور أو معظمها. وتُحبس المادة وكل تجسداتها مع ضحاياها الخاسرين في كرة داخل فوهة عملاقة تُغطى بحجر. وهكذا يتحقق فصل الأصلين إلى آبد الآبدين”.

المرجع السابق، ص ٨١، ٨٢.

ثم يتحدث العالم چيو وايدينغرين في نفس السياق عن عقيدة خلق الإنسان في المانوية وتوارث الخطية بالتوالد والتناسل فيها كالتالي:

“لقد طورت المادة في الشخص ذي الشهوة الجسدية خطة تآمرية استهدفت الاحتفاظ ببذرة النور التي بقيت لها حتى الآن، وقضت هذه الخطة بتركيز جزء كبير من النور في خلقة الفرد، وذلك كقوة موازية للخلق السماوي، ولتنفيذ ذلك، جرى اختيار شيطان مذكر اسمه أشقلون وشيطانة مؤنثة اسمها نامارائيل، وكيما يتم تمثيل ذرات النور التي كانت قد سقطت على الأرض، والتي كانت موجودة في إجهاضات الحكام، فابتلع أشقلون جميع الحيوانات المخيفة التي كانت مذكرة، في حين قُدمت الحيوانات المخيفة المؤنثة لنامارائيل، وبعد هذا تزوج أشقلون نامارائيل فأنجبا آدم وحواء أول المخلوقات البشرية. وهكذا نشأ الجنس البشري – بما لا شك فيه- من مزيج مقزز للنفس من أعمال آكل لحوم البشر والممارسات الجنسية، وكان جسد الإنسان بمثابة مظهر حيواني صرف للحكام، وكانت شهوته شهوة جنسية مسيرةً له تمشيًا مع خطة المادة (الشر) للإنجاب والولادة، فهذا هو ميراث الإنسان من أصله الحيواني”.

چيو وايدينغرين، ماني والمانوية، ترجمة: د. سهيل ذكار، ص ٨٤، ٨٥.

See also Duncan Greenlees, The Gospel of The prophet Mani, (California, SanDiego: The Book Tree, 2007), pp. 30-38.

Geo Widengren, Mani and Manichaeism, (New York, 1985).

ثم يتحدث چيو وايدنغرين عن عقيدة الفداء والخلاص في المانوية كالتالي:

“لكن عالم النور لم يكن قادرًا ولا راغبًا بترك الإنسان تحت رحمة عالم الشر، فتجمع في آدم الجزء الأكبر من النور المحتجز والمتبقي، وذلك هو السبب في أنه أصبح الموضوع الأول لجهد الفداء من قِبل عالم النور. وجرى بذل الجهد حسب النمط نفسه لافتداء الإنسان الأول، فقد خُلق آدم أعمى وأطرش، وغير مدرك تمامًا لوميض النور في داخله وذلك استجابةً لتحريض المادة، وكانت تحيط به ضحية من ضحايا الشياطين، فقد كان غارقًا في سبات عميق وظل كذلك حتى اقترب المخلص منه – ويتم وصف المخلص الذي هو إظهار وتمثيل للرسول الثالث بشكل متنوع، فهو يُسمى حينًا باسم ابن الله، أو أهرمزد (أي الإنسان الأول)، أو يسوع النور المتألق، أو يسوع، وبالطبع إن اسمي أهرمزد ويسوع ينتميان كل على حدة إلى التقاليد الإيرانية والسريانية، ومن المؤكد أنه ابن الله، والتجسيد المعقول للمخلص داخل إطار النظام، فهو إما نؤوس أو واهمان (منواهميد)”.

المرجع السابق، ص ٨٢، ٨٣.

ويقدم چيو وايدنغرين مفاجأة كبرى بخصوص تأثر الأديان في بلاد الرافدين والمسيحية السريانية بالمانوية وطقوسها في وصف عملية الفداء كالتالي:

“لقد مارست هذه الطقوس القديمة نفوذها على وصف عملية الفداء ليس في المانوية فحسب، بل في المسيحية السريانية أيضًا، كما أن الأديان التي اتخذت لنفسها مكانًا في بلاد الرافدين لم تستطع كليًا أن تفلت من تأثير هذه الحضارة الطبيعية المديدة، وبقدر ما يعني الأمر ماني، نجد أن دراما تموز قد زودته بنقطة البداية لميثولوچيته الرمزية لعملية الفداء وليس أكثر من ذلك، فقد أخذ تفسيره لعملية الفداء من تأمل لاهوتي هندي-إيراني، زود هذه الرؤيا الشرقية القديمة للحوادث التي تصل ذروتها بعملية الفداء بدلالة فلسفية أكثر عمقًا”.

المرجع السابق، ص ٨٤، ٨٥.

نستنتج من هنا تشابه تعليم وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والشهوة عند أوغسطينوس مع انتقال الخطية عبر الجسد أو المادة التي عبرت عنها التعاليم المانوية في تعليمها عن خلق الإنسان وتناسخ أو توالد البشر كمخطط من إله الظلمة (الشر) لحبس ذرات النور (المقصود بها الروح الإنسانية الصادرة من إله النور) في الجسد أو المادة في إطار حربه الكبرى مع إله النور (الخير).

ماني والمانوية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

Exit mobile version