الخطية الجدية في فكر الأب غريغوريوس بالاماس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية في فكر الأب غريغوريوس بالاماس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الخطية الجدية في فكر الأب غريغوريوس بالاماس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الخطية الجدية في فكر الأب غريغوريوس بالاماس[1]

الخطية الجدية

لقد كانت الخطية الأولى هي العائق الأساسي بين الإنسان والله إلى جانب القيود الضرورية في كل مخلوق. كتب بالاماس: ”نحن نحمل في أنفسنا صور اللوغوس المستقرة في داخل العقل المبدع“. وهكذا تُعتبر هذه الصور بمثابة المرأة الداخلية التي نستطيع بها إدراك الله عن طريق مخلوقاته. ثم يتساءل: ”ولكن لماذا أثبتت تلك الصور من البداية بأنها دون تأثير؟ أليس بسبب الخطية، وبسبب الجهل واحتقار الوصايا الإلهية أيضًا؟ لماذا نحتاج التعليم لرؤية هذه الصور، بالرغم من أنها منقوشة في داخلنا؟ أليس لأن الجزء الشهواني في النفس المتحمس لارتكاب الشر قد أفسدها؟ أليس لأنه قد أطاح بقدرة النفس على الرؤية، وأبعدها عن جمالها الأول؟“.[2] حيث فضَّل الإنسان السعادة الأنانية التي كانت نفسه هي هدفها بدلاً من السعادة في محضر الله؛[3] وهكذا كسر الصوم الذي أوصى الله به للحفاظ على خلوده (عدم موته)،[4] وسقط البرقع منذ ذلك الوقت على نفسه (2كو3: 13-16)، وتشوَّشت الرؤية الإلهية.[5]

وهكذا تجرَّد آدم من شبه الله بعصيان الوصية الإلهية، بالرغم من احتفاظه بالصورة الإلهية.[6] وقد رأينا أن هذا الشبه في المخطَّط البالاماسي -التصور الديناميكي- كان نتيجة النعمة الإلهية الخاصة، أو بالتحديد أكثر، تتمثل في شركة الإنسان في الحياة الإلهية. وهذا هو ما فقده الإنسان بخطيئته، وكانت النتيجة المباشرة له هي الموت، لأنه ”لله وحده عدم الموت“ (1تي6: 16).

يبدو من الضروري لفهم الفكر البالاماسي بخصوص الخطية والموت، التحليل السليم لاستعماله لكلمة ”طبيعة“ (φύσις). لم تكن ’الطبيعة‘ بالنسبة له عبارة عن تصور استاتيكي (ثابت)، بل ينبغي اعتبارها دائمًا في حالة أو في أخرى من حالتيها الوجودية. حيث كانت تشير في حالتها قبل السقوط إلى الحياة في الله التي خُلِقت لأجلها، بالرغم من أن حياتها لم تكن حياتها الخاصة، بل حياة الله، وكانت هذه بالأساس هي الحالة الطبيعية ’للطبيعة‘؛ ولكنها تُرِكت بعد السقوط وتجردها من هذه الحياة للاعتماد على قواها الذاتية فقط، أي الحالة المضادة بالأساس لمصيرها، وتورطت في الموت. أيّ حالة من هاتين الحالتين كانت حالة الإنسان ’الطبيعية‘؟ يمكن للمرء أن يرى في الحال موطن اختلاف هذه الآراء -التي صاغها بالفعل مكسيموس المعترف في الأساس- عن آراء ’النعمة‘ و ’الطبيعة‘ التي تطورت بعد ق. أوغسطينوس في الغرب.

الخطية والموت

من ناحية، يؤكد بالاماس على امتلاك النفس الإنسانية للحياة بحسب الجوهر (κατ ούσίαν) وبحسب الطاقة (κατ ένέργειαν)، لأنها لا تحيي نفسها فقط، بل تُوصِّل الحياة إلى الجسد؛ وهذا هو اختلافها الأساسي عن النفس الحيوانية التي تمتلك الحياة فقط بحسب الطاقة بمثابة وظيفة الجسد الذي تجعله حيًا، وهكذا تبقى على قيد الحياة.[7] من ناحية أخرى، يؤكد بنفس الدرجة بوضوح على ’موت‘ النفس نتيجة الخطية، مشددًا على التناقض الظاهري بين خلود النفس ’الطبيعي‘ وموتها الفعلي. ”النفس المنفصلة عن عريسها الروحي […] التي سلَّمت نفسها للسعادة والحياة في الملذات هي نفس ميتة، بالرغم من أنها لا تزال باقية على قيد الحياة (ζώσα τέθνηκε) لأنها غير مائتة في جوهرها“.[8] وهكذا يظهر هذا التصور عن موت النفس كثيرًا في كلام غريغوريوس كموضوع محوري لتعليمه عن الإنسان وروحانيته؛ إنه ليس كلام رمزي بأي حال من الأحوال، بل بالأحرى موت حقيقي، والدلالة الحقيقية على ذلك هي الانفصال عن الله بسبب الخطيئة: ”بعد عصيان جدينا في الفردوس […] دخلت الخطية إلى الحياة، وصرنا نحن أنفسنا أمواتًا، ونقاسي قبل الموت الجسدي موت النفس، أي كما يمكن القول انفصال النفس عن الله“.[9] وعندما تترك النفس الجسد، وتنفصل عنه، يموت الجسد؛ كذلك عندما يترك الله النفس وينفصل عنها، تموت النفس، بالرغم من بقائها خالدة بمعنى آخر“؛[10] أي ”الموت الأبدي للنفس الخالدة“ (θάνατος αιώνιος τής άθανάτου ψυχής) ؛[11] ولكن كما سنرى، يمكن للمعمودية فقط أن تخلصنا من هذا الموت. أمَّا بالنسبة إلى غير المعمدين، فتظل نفوسهم مائتة.[12] بل يجعل موت النفس هذا -بالرغم من أنه لا يتبع الموت الجسدي مباشرةً- الموت الأخير حتمي لا مفر منه على كل المرضى الذين يلازمهم هذا الموت. ”صارت نفس آدم من وقت الخطية إلى الموت […] لأنها فصلت نفسها عن الله؛ ولكنها بقت على قيد الحياة بالمعنى الجسدي لمدة تسعمائة وثلاثين سنة (راجع تك5: 3، 4)، ولكن الموت الذي قاسته النفس بالعصيان؛ لم يجعل النفس فانيةً والإنسان ملعونًا فقط، بل جعلت جسده أيضًا خاضعًا لآلام وشرور كثيرة، وجعلته فاسدًا“.[13] لذا كان موت النفس هذا -الذي وازنه ”قيامة النفس“ في المعمودية- كارثةً أنطولوجيةً (وجوديةً) ضربت آدم بعد السقوط. فهل كان ’خلوده‘ محفوظًا على الرغم من ذلك بحسب تأكيد بالاماس؟ نعم، ولكنه كان حالة أسوأ من الموت. ”خبأ آدم وحواء نفسيهما من الخزي والعار عريانين ومجردين من المجد الذي تدين حتى الأرواح الخالدة بحياتها إليه، وهكذا تصير بدونه حياة الأرواح أسوأ بشدة من ميتات كثيرة“.[14]

لقد كان بالاماس في كل ذلك أمينًا بالكامل للمفهوم الكتابي عن الموت، الذي لم يكن أي شيء آخر سوى شبه وجود في مكان قاتم أو في الجحيم،[15] الذي يمكن لله وحده أن يخلصنا منه. فالله وحده له عدم الموت، وهكذا كان الإنسان غير مائت في الفردوس بسبب الشركة في الحياة الإلهية.

يُشدِّد بالاماس عادةً على حقيقة أن قصد الله هو إعداد مثل هذا الخلود للإنسان. وكانت نار الجحيم معدةً للشيطان وليس للإنسان وهكذا كان لا بد أن يقبع البشر هناك مع الأبالسة بحرية إرادتهم.[16] حيث يكتب: ”لم يخلق الله فقط الموت، بل جعله مجردًا من الكينونة […] لذا وجد في حكمته وصلاحه وسيلةً لمنع الموت عن الإنسان، وفي نفس الوقت يحفظ له حرية إرادته“؛ وبالتالي تُرِكَ للإنسان حرية الاختيار بين الحياة والموت.[17] فحرية الإنسان بحسب بالاماس هي في قلب كينونته نفسها؛ وهي التي تميِّز في الأساس الكائن ’العاقل‘ عن الحيوانات. كما يتساءل بالاماس: ”هل هناك فرق كبير بيننا وبين الجرذان؟“. ”أليس جسدنا هذا مخلوقًا من نفس المادة؟ أليس طعامنا واحد؟ ولكننا نتفوق في حد ذاتنا بالملكة العقلية في روحنا“. ولكنه يستطرد قائلاً: ”لأيّ استعمال نستخدم هذه الميزة العقلية، لو لم تتضمن القدرة على الاختيار والقرار الحر؟ وكيف يمكن للمرء أن يكون حرًا ويمتلك القدرة على الاختيار؛ إن كان المرء عاجزًا عن اختيار الشر لحساب المرء؟“.[18]

وهكذا أختار آدم وحواء بحرية كاملة الطريق الذي يفصلهما عن الله، ويحرمهما في الوقت نفسه من الحياة. لم يكن الحكم الذي أدانهما وجعلهما تابعين لإبليس عملاً ظالمًا، بل النتيجة المجردة والحتمية لاختيارهما.[19] بالرغم من محاولة الله في رأفته وتحننه للحفاظ على حريتهما لأجلهما، ولهذه الغاية آجَّل موتهما الجسدي لكي ما يكون لديهم الوقت لاختيار طريق الحياة بحرية عن طريق التوبة،[20] وبالتالي الإعداد إلى مجيء المسيح.

كيف انتقل الموت إلينا؟

تساءل بالاماس بوضوح -مؤكدًا هكذا على أن الخطية الأولى كانت مسئولية آدم الشخصية- سؤالاً حول كيفية انتقالها إلينا.[21] ولماذا يجب على المنحدرين من آدم المعاناة من نتائج خطية لم يقوموا بارتكابها؟ أجاب (بالاماس) على هذا السؤال بحسب الرأي العام السائد عند الآباء اليونانيين الذي نادى بأن خطية آدم لم تكن خطية جماعية مشتركة للجنس البشري، بل كانت مثل بعض الفساد في الطبيعة البشرية. لا تظهر مسئولية البشر الشخصية في الصورة إلا بقدر تشبُّههم بآدم؛ وميراثهم الطبيعي الوحيد منه هو الفساد (φθορά) والموت؛ الذي يقودهم بدوره إلى الخطية، وبالتالي يشترك البشر في نوع من الدائرة الشريرة من الموت والخطية. ولذلك يشير بالاماس في أحد عظاته إلى ”عصياننا الأصلي لله“، و ”خطيتنا الجدية في الفردوس“،[22] ولكنه عندما يأتي للإجابة على السؤال حول مسئوليتنا الفعلية عن الخطية بأكثر دقةً، يقول إنها عن خطايانا الشخصية حتى لو كانت أكثر جسارةً من خطية آدم التي ينسبها إليها: ”هناك كثيرون يتهمون آدم بإطاعة المشير الشرير باحتقاره للوصية، وبالتالي نقل الموت إلينا بهذا الاحتقار. ولكنه لا تُشبِه الخطورة الشديدة من مشيئة تذوق الغرس المميت قبل تجربته مشيئة الآكل الذي نعرف جميعًا بالتجربة إنه مميت! ولكن الإنسان الذي أخذ السم عن قصد يستحق اللوم أكثر […] وبالتالي يستحق كل واحد منا اللوم والإدانة أكثر من آدم […]“.[23] لذلك ما أخذناه من آدم هو الموت وليس الذنب؛ فهذا الذي يشدد عليه غريغوريوس بتعبيرات قوية قريبة جدًا من تعبيرات ق. كيرلس الإسكندري: ”غُلِبَ آدم، وأخضع نفسه بإرادته، وهُزِمَ، وصار فانيًا؛ وولدنا نحن الأغصان المائتة باعتباره جذرًا لجنسنا […]“.[24] وهكذا انتقل الفساد بالوراثة في الحقيقة إلى الجنس البشري كله.[25] لذلك تجسَّد الله بحسب بالاماس ليخلصنا من الموت الموروث، وليس بسبب خطيئة آدم؛ حيث كان الغربي يقول felix Adae cupla (يا لا غنى خطيئة آدم)، بينما كان بالاماس ينادي قائلاً felix mors (يا لا غنى الموت). وهذه هي كلماته بالضبط: ”لو لم يصر جنسنا المنحدر من أصل غير مائت قبل الموت، ولو لم يوجد الموت، فلن نغتني بباكورة الخلود، ولن نصير مدعوين إلى السماء، ولن تصير طبيعتنا ممجَّدة فوق جميع الرئاسات والقوات (أف1: 20-21)“.[26] بإمكان الولادة البشرية الطبيعية أن تنتج الفساد فقط،[27] لأن الإنسان ”الذي لم يعد يعيش بحسب الله، يمكن القول بأنه لم يعد يمتلك شبه الله، ولا يمكنه ولادة أشخاص تُشبِه الله، بل تُشبِهه هو نفسه، تشيخ وتخضع للفساد“.[28] ”فالشكر لله، حتى لو كان الزواج لا عيب فيه، إلا أن الطبيعة تظل دائمًا حاملةً لآثار الدينونة“.[29] ”المسيح هو الإنسان الوحيد الذي لم يُحبَل به بالإثم، ولم يُولَد بالخطيئة (راجع مز51: 5)“؛[30] ”إذا كان مولودًا من البذرة، فلن يكون إنسانًا جديدًا، ولن يستطيع اتخاذ كمال الألوهية في ذاته دون أية شائبة؛ لأنه لم تُصِبه الوصمة القديمة وارثًا السقوط“.[31] فهو الوحيد القادر على تدشين جنس بشري جديد، يعبر الإنسان إليه بالولادة الجديدة في المعمودية.

[1] هذا الجزء هو ترجمة من كتاب

John Meyendorff, A Study of Gregory Palamas, Trans. By George Lawrence, (USA: The faith Press St. Vladimir’s Seminary Press, 1974), p. 121-126.

[2] Tr. 1, 1, 3.

[3] Tr. 1, 3, 32.

[4] Hom. 6, col. 81c.

[5] Tr. 1, 3, 47.

[6] Cap. Phys. 39, col. 1148B.

[7] Ibid., 30-32, col. 1140D- 1141A.

[8] Ibid., 45, col. 1153A; cf. Hom. 31, col. 389D (cf. 1 Tim5: 6).

[9] Hom. II, col. 125A; cf. Cap. Phys. 36, col. 1148B; 51, col.1157CD; cf. Hom. 13, col. 157C; Hom. 16, col. 208A; Hom. 32, col. 409CD.

[10] Hom. 16, col. 196A; To Xene, col. 1048C.

[11] Hom. 34, col. 424D; To Xene, col. 1048A.

[12] On Participation to God, Coisl. 99, foi. 23.

[13] To Xene, col. 1048C; cf. 1049AD.

[14] Cap. Phys. 48, col. 1156C.

[15] Cf. Hom. 16, col. 196A.

[16] Hom. 4, col. 60C.

[17] Hom. 31, col. 388D; cf. Hom. 29, col. 369C.

[18] Hom. 41, col. 517AC.

[19] Hom. 16, col. 198C; Hom. 25, col. 324B.

[20] Hom. 22, col. 289AB; Hom. 31, col. 389A, 392A; Hom. 39, col. 492C.

[21] For an interpretation by The Greek Fathers of The Crucial Pauline passage on Original Sin (Rom. 5: 12), See S. Lyonnet, Le sens de έφ ώ en Rom. V, 12 et l’exegese des peres grecs, in Biblica 35 (1955), pp. 436-456; J. Romanides, Original Sin according to St. Paul, in St. Vladimir’s Seminary Quarterly, Vol. IV, Nos. 1-2, 1955-1956, pp. 5-28.

[22] Hom. 31, col. 388C.

[23] Cap. Phys. 55, col. 1160D-1161A.

[24] Hom. 52, ed. Oikonomos, p. 121.

[25] Hom. 5, col. 64B.

[26] Cap. Phys. 54, col. 1160D.

[27] Hom. 16, col. 192C.

[28] Hom. 54, ed. Oikonomos, p. 186.

[29] Hom. 43, ed. Oikonomos, p. 22.

[30] Hom. 16, col. 192C.

[31] Hom. 58, ed. Oikonomos, p. 230.

 

الخطية الجدية في فكر الأب غريغوريوس بالاماس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

 

في حين يعتقد أوغسطينوس بأن إرادة الإنسان بعد السقوط مقيدة تمامًا بالشر بسبب وراثة الخطية الأصلية، وبناءً على ذلك، يعتقد بأن الله يعين ويختار سواء الأشرار أو الأبرار منذ الأزل، حيث يقول التالي:

“أليس ما يدعو إلى التصديق أن عدد القديسين المعيَّن* لملء المدينة الطوباوية يصل إلى ما هو عليه اليوم حتى ولو لم يخطئ إنسان فتختار نعمة الله*، التي تلقي شبكتها في بحر هذا العالم عددًا ضخمًا من الخطأة المولودين والمُنجبين؟”.

 (مدينة الله١٤: ٢٣)

ويقول في موضع آخر في نفس السياق:

“وهكذا حين نقول: من الضروري أن نريد بحريتنا، نقول حقيقة لا شك فيها، علمًا بأننا لا نُخضع اختيارنا الحر إلى الضرورة التي تقضي على حريتنا. بل إرادتنا ملك لنا، وتعمل ما نعمل بإرادتنا، وما لا نعمل، لأننا نرفض عمله.

وعندما يتألم إنسان، رغمًا عنه بإرادة الآخرين، وذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير*، ولو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير*، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي وحده يولي الإرادات القدرة”.

 (مدينة الله٥: ١٠)

ولكن يختلف ق. كيرلس السكندرى تمامًا مع هذا الطرح الأوغسطيني، بل يعتقد ق. كيرلس السكندري بأن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجهها الإنسان نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيء موروث، حيث يقول التالي:

“لقد خُلِق الإنسان منذ البداية متحملاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يفضله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلق حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطي للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة، التي تسمح له بالابتعاد عن الصلاح، حتى لو أنه فضل أن يعمل ما ليس صالحًا.

وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه.

بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرة للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشر*، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مفيدة وجد الموت الجسدي الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفظ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب”.

(الجلافيرا على سفر التكوين، المقالة الأولى، ص ١١٣- ١١٥)

ونستنتج من هنا أيضًا اختلاف الطرح الكيرلسي عن الطرح الأوغسطيني بخصوص تعليم الخطية الجدية، في حين يعلم أوغسطينوس بسبق الاختيار وتعيين الأبرار والأشرار من قِبل الله منذ الأزل بسبب وراثة البشر للخطية الأصلية، يدحض ق. كيرلس السكندري التعليم بالقدرية وسبق التعيين والإرادة المقيدة بالشر على النقيض من أوغسطينوس، ويؤكد على بقاء حرية إرادة المرء حتى بعد السقوط ليختار بين الفضيلة والرذيلة.

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

هل التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم أرثوذكسي أم لا؟

هل التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم أرثوذكسي أم لا؟

هل التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم أرثوذكسي أم لا؟

التعليم بوراثة الخطية بالتناسل والتزاوج هو تعليم مانوي للأسف أدخله أوغسطينوس إلى الكنيسة في مواجهته للهرطقة البيلاجية، وانقلب على كل قناعاته المسبقة التي كان يعتنقها في كتاباته ضد المانوية، كما اتبع نظرية الروح المولودة وراء العلامة ترتليان وأبوليناريوس اللاوديكي مخالفًا تعاليم أغلب الآباء بالروح المخلوقة ورغم رفضه لمنطق الروح المولودة إلا أنه تبناه في مواجهة البيلاجية.

وراثة الخطية تعليم ضد صلاح وعدل الله الذي يخلق طبيعة صالحة غير وارثة لذنب شخص لم يقترفه ابنه كقول الكتاب النفس التي تخطئ هي تموت.

التعليم بوراثة الخطية تجعل للخطية كيان مادي ينتقل بالوراثة والتناسل وهذا ضد تعاليم الآباء الشرقيين صراحة الذين نادوا بأن الشر هو عدم وليس له كيان ولم يعرفوا أبدًا انتقال الخطية بالتناسل والتوالد.

التعليم بوراثة الخطية ضد الكتاب المقدس الذي قال بأن إرميا كان مقدسًا منذ البطن ومن الرحم كيف يكون مقدسًا من الرحم وهو وارث للخطية وكذلك يوحنا المعمدان كان ممتلئ بالروح القدس من البطن، كيف يكون وارث الخطية ويكون مقدس من الرحم، وهذا ما أكده ق. أثناسيوس وجميع الآباء من بعده.

التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم غير أرثوذكسي، بل هو تعليم مانوي صرف بشهادة جميع آباء الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية.

نأتي إلي موضوع خطية الطبيعة naturalis peccati وهو تعبير مانوي استخدمه أوغسطينوس في كتابه الزواج والشهوة ليؤكد على توارث الخطية الأصلية وانتقالها في الطبيعة البشرية عن طريق التزواج والتناسل وهذه هي الهرطقة المانوية، هذا المفهوم المانوي يجعل من الخطية جزء ومكون أساسي من مكونات الطبيعة تنتقل عن طريق العلل البذرية rationale seminale أو النظرية التوالدية tradux peccati أي انتقال الخطية من خلال النفس المولودة من الآباء إلى الابناء بالتناسل وهذه كلها مفاهيم مانوية قال بها المانويون الذين انضم إليهم أوغسطينوس لمدة ٩ سنين من عمره وتأثر بمعتقداتهم عن ماهية الشر والخطية وادخلها للكنيسة، وينادي بها البعض في هذه الأيام.

نظرية الروح المولودة قال بها المانويون وترتليان وأبوليناريوس اللاوديكي، واستخدمها أوغسطينوس في إثبات عقيدته عن انتقال الخطية الموروثة بالتناسل من آدم لذريته نفسًا وجسدًا مستخدمًا معها نظرية العلل البذرية الرواقية في إثبات انتقال بذرة الإنسان الأول المشوهة بالخطية إلى أبنائه.

رفض آباء الكنيسة الشرقية هذه الأفكار المانوية وقالوا بأن الشر هو عدم وليس له كيان مثل الظلمة هي غياب النور والعمى هو غياب الإبصار، ونادى آباء الشرق إن الخطية فعل إرادي يتم بإرادة الإنسان العاقل المريد ولا تنتقل الخطية بالتناسل من الآباء إلى الأبناء لأن هذه هي الهرطقة المانوية، التي تجعل للشر والخطية مبدأ أزلي له صفة الأزلية وهكذا يدخلنا هذا الاعتقاد بوراثة الخطية إلى الثنائية المانوية، والاعتقادين بمبدأين أو إلهين أحدهما مبدأ أزلي للخير والآخر مبدأ أزلي للشر ينقل الشر والخطية من خلال التناسل والتزواج بين البشر وبعضهم البعض. رفض آباء الشرق جميع هذه الادعاءات المانوية الهرطوقية ودحضوها في كتاباتهم ضد المانوية.

تعليم وراثة الخطية الأصلية هو تعليم مانوي غير أرثوذكسي لا يمت للكنيسة الأرثوذكسية بأي صلة.

 

للمهتمين بموضوع الجدل حول تعليم وراثة الخطية الأصلية يمكن الرجوع إلى هذين البحثين:

الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي

وراثة الذنب الشخصي أم وراثة الفساد والموت؟

تأثر أوغسطينوس بالمانوية في تعليمه عن الخطية الجدية – د. أنطون جرجس

تأثر أوغسطينوس بالمانوية في تعليمه عن الخطية الجدية – د. أنطون جرجس

تأثر أوغسطينوس بالمانوية في تعليمه عن الخطية الجدية – د. أنطون جرجس

تأثر أوغسطينوس بالمانوية في تعليمه عن الخطية الجدية

يتحدث البروفيسور لويس بيركهوف أستاذ تاريخ العقيدة عن التأثير المانوي في نظرية أوغسطينوس المتشائمة بخصوص وراثة الخطية اﻷصلية كالتالي:

“يجد البعض آثار للتأثير المانوي في نظرته المتشائمة للطبيعة البشرية باعتبارها شريرة في اﻷساس، وفي إنكاره لحرية اﻹرادة. ولكن على اﻷرجح أكثر فهمه للشر الموروث والعبودية الروحية هو بالضبط الذي جعله يميل إلى المانوية بشكل مؤقت، ﻷنه يقاوم المانويين في نفس النقاط محل الجدال، مناديًا بأن الطبيعة البشرية لم تكن بالضرورة شريرة في اﻷساس، ويصر على مقياس الحرية كأساس للمسئولية البشرية”.

Louis Berkhof, History of Christian Doctrines, (Michigen: Grand Rapids, 1949), pp. 98, 99.

 وهكذا يتحدث ريجينالد موكسون رئيس مدرسة لينكولين اللاهوتية والباحث بجامعة كامبريدج في نفس السياق عن تأثر تعليم أوغسطينوس عن وراثة الخطية اﻷصلية بالمانوية كالتالي:

“تعليم الدنس الفعلي للشهوة هو بالطبع تعليم مانوي في اﻷصل، وسبب إبقاء أوغسطينوس عليه هو أنه نبذ آرائه المانوية اﻷخرى، فبدا هذا له أنه يدعم مفهومه عن الخطية الموروثة”.

Reginald S. Moxon, The Doctrine of Sin, (New York: George H. Doran Co., 1922), p. 92.

ويستطرد موكسون في موضع آخر متحدثًا عن نقاط الاتفاق بين التعليم اﻷوغسطيني بوراثة الخطية اﻷصلية مع التعاليم المانوية كالتالي:

“إذن، مرةً أخرى، ينشئ فساد الجنس البشري عن سقوط آدم بسبب انتقال الشر بالتناسل، الذي يرث اﻹنسان به طبيعة فاسدة. وبالتالي، يعطي أوغسطينوس مكانًا للخطية داخل البشرية الذي هو بالفعل تعليم مانوي عن الثنائية اﻷزلية التي يؤسس لها. علاوة على ذلك، يوحي مفهومه عن الخطية الموروثة بأن فسادنا هو بسبب دنس الشهوة. فلا يضع هذا الرأي الشر فقط في الجسد، بل يربط بينه وبين الجسد أيضًا بشكل أو بآخر. وهكذا يدين الزواج في الحال على أنه دنس، بغض النظر عن محاولاته للدفاع عنه، ولا بد من الاعتراف بأنه السبب الوحيد في الانتقال المستمر للخطية. بالتالي الرهبنة هي النتيجة المنطقية الوحيدة لهذه النظرية”.

Ibid, pp. 105, 106.

تأثر أوغسطينوس بالمانوية في تعليمه عن الخطية الجدية – د. أنطون جرجس

تعليم الخطية الجدية عند الآباء السكندريين – د. أنطون جرجس

تعليم الخطية الجدية عند الآباء السكندريين – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند الآباء السكندريين

تعليم الخطية الجدية عند الآباء السكندريين

يتهافت البعض عن دون دراية لإثبات تعليم وراثة الخطية الأصلية بمفهومه الأوغسطيني باقتباس نصوص آبائية من عند العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير تتحدث عن وراثة الخطية الجدية، ولكنهم عن دون وعي ودراسة يعتقدون أن تعليم كل من أوريجينوس وديديموس بوراثة الخطية الجدية يتشابه مع التعليم الأوغسطيني عن وراثة الخطية الأصلية، وهكذا للأسف لا يفرقون بين مفاهيم كل من أوريجينوس وديديموس ومفهوم أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية.

يتحدث العلامة السكندري أوريجينوس بالفعل عن وراثة الدنس الفطري في الإنسان من آدم في سياق تعليمه عن الخطية الجدية، ولكن مفهوم أوريجينوس مختلف تمامًا ونهائيًا عن المفهوم اﻷوغسطيني عن الخطية الأصلية. حيث يرى أوريجينوس الخطية الجدية وآثارها على البشر بسبب فتور أرواح البشر في العالم الطوباوي السابق على وجودها في أجسادها عن محبة الله والشركة معه، وبالتالي سقوطها من العالم الطوباوي المسبق وانحباسها في أجسادها كعقوبة على ذنوبها السابقة في العالم السابق. حيث يتحدث أوريجينوس عن هذا الأمر كالتالي:

“بحسب الكتاب يجدر السؤال عن لفظ النفس، ألعله لا يُشتق مجازًا من هذه البرودة، ابتداءً من حالة إلهية فضلى*، أعني أن النفس لعلها لم تفتر من حرارتها الطبيعية والإلهية*، حتى تسلمت حالتها الراهنة وتسميتها* […] ولكننا نرى أن الكتاب قد أقرن الإجرام بالنفس، وأعرض عما يجدر مدحه.

أما الآن فحري بنا أن ننظر هل النفس، كما أسلفنا القول في معنى هذه اللفظة، قد نالت اسمها لأنها فترت* فاقدةً تقوى الصديقين والشركة بالنار الإلهية*، دون التخلي مع ذلك عن قدرتها عن الانصراف ثانيةً إلى حالة الورع هذه التي وُجِدت فيها منذ البداية […] إذا صدق هذا، يخيل إليَّ أنه لا يحسن الاعتقاد بأن سقطة الإدراك هذه* وهذا الانحطاط* لديه سواء لدى الجميع، بل ينطوي هذا التبدل عن تفاوت، كما يُبقي بعض المدارك على بضع عنفوانه الأول*، فيما لا يحتفظ غيره بشيء أو قلما. ولهذا نجد مَن ذو استيعاب أحد، منذ نعومة أظفاره*، ومَن استيعابه أبطأ، وآخرين يأتون الدنيا وهم خبلون تمام الخبل*، عاصون كل العصيان على تربيتهم*.

إن ما قلناه في موضع انقلاب الإدراك نفسه، وما يمت بصلة إليه، فليناقشه القارئ باعتناء وليدرسه في قرارة نفسه، إننا لا نفوه به كأنه العقائد، بل نطرقه على سبيل الدراسة والبحث*”.

أوريجانوس، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: المكتبة البولسية، ٢٠٠٢)، ٢: ٨: ٣، ٤، ص٢١٧، ٢١٨.

 

أما بخصوص تعليم الخطية الجدية عند العلامة ديديموس الضرير، يمكن تتبع تعليمه من اقتباسات وتقارير العلامة الآبائي جوهانس كواستن، حيث يتحدث كواستن عن أن تعليم أوريجينوس عن الوجود السابق لأرواح البشر وسقوطها وانحباسها في أجسادها بسبب الخطية الجدية هو نفس تعليم تلميذه العلامة ديديموس. لذا يقول كواستن عن التعليم الأنثروبولوجي (التعليم عن الإنسان) عند العلامة ديديموس التالي:

“يمكننا أن نرى تأثير أوريجينوس في التعليم عن النفس الإنسانية عند ديديموس […] فهو يتبع أيضًا العلامة أوريجينوس في أفكاره عن أصل الروح. وهو مقتنع أن الروح قد خُلقت، ولكنه يشارك خطأ سابقيه في أن الروح قد وُجِدت قبل الجسد* الذي فيه سُجِنت كعقوبة على الخطايا التي اقترفتها (Ennarr. In Epist. Petr. 1, 1; De trin. 3, 1)، ويمثل نفس المعتقد بالوجود السابق للروح أساس المقالة التي أرسلها إلى روفينوس عن الموت المبكر للأطفال”.

جوهانس كواستن، علم الآبائيات (باترولوجي) مج٣، ترجمة: الراهب غريغوريوس البراموسي ود. نادر مدحت، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، ٢٠٢١)، ص ١٣٧.

 

ويستطرد كواستن في موضع آخر ناقلاً رواية ق. جيروم عن تعليم الوجود السابق للروح عند العلامة ديديموس الضرير، حيث يقول التالي:

“ويسجل جيروم أن العلامة ديديموس قد أعطى تفسيرًا أرثوذكسيًا لتعليم العلامة أوريجينوس عن الثالوث، ولكنه قَبِل بدون تردد أخطاءه الأخرى بخصوص خطيئة الملائكة*، والوجود السابق للنفس*، والخلاص الشامل للكل*… إلخ (Ad Rufin. 1, 6; 2, 16).

ويخبرنا نفس الراوي (أي جيروم) عن مقالة أخرى ذات ميول أوريجانية قد كُتِبت بناءً على اقتراح روفينوس، الذي قضى الأعوام من ٣٧١م إلى ٣٧٧م في مصر، وتجيب هذه الرسالة على السؤال لماذا يموت الأطفال بسبب الأخطاء الجسدية؟ وكان شرح العلامة ديديموس: ‘هم لم يخطئوا كثيرًا، ولذلك فإنه يكفيهم فقط أن تتلامس سجون أجسادهم بالعقاب*’ (جيروم، ضد روفينوس٣: ٢٨)”.

المرجع السابق، ص ١٢٠، ١٢١.

 

ويكرر العلامة الآبائي جوهانس كواستن حديثه عن تعليم ديديموس بالوجود السابق للأرواح، ويقرر حقيقة حرمان مجمع القسطنطينية الثاني عام ٥٥٣م للعلامة ديديموس لاتباعه هذا التعليم وتعاليم أخرى، حيث يقول التالي:

“ولسوء الحظ، فإن عددًا قليلاً جدًا متبقي من هذا الانتاج الأدبي الكبير، وذلك بسبب سحابة الشك التي علقت باسم العلامة ديديموس وسمعته أثناء الجدالات الأوريجانية. فبعد كل ذلك، تجاسر في الدفاع عن السكندري العظيم وكتابه ‘المبادئ’ بكونه كله أرثوذكسيًا. فلا عجب إذًا أن يُدان في القرن السادس الميلادي والقرون اللاحقة بكونه مؤمنًا بالوجود السابق للنفس وبالخلاص الشامل للكل. وقد قام الأساقفة المجتمعون في المجمع المسكوني الخامس بالقسطنطينية عام ٥٥٣م بحرم كل من العلامة أوريجينوس، والعلامة ديديموس، والشماس إيفاجروس البنطي بسبب هذه التعاليم، وبناءً على ذلك، فُقِدت تقريبًا كل أعمال العلامة ديديموس”.

المرجع السابق، ص١١٧.

 

وهكذا بعدما عرضنا تعاليم كل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير بخصوص الوجود السابق للنفس في سياق شرحهم للسقوط والخطية الجدية، يتضح إنه تعليمهما لا يتفق من قريب أو من بعيد مع تعليم وراثة الخطية الأصلية عند أوغسطينوس، بل ولا يتفق مع تعاليم الآباء السكندريين اللاحقين كالقديسين أثناسيوس وكيرلس عمود الدين اللذين رفضا التعليم بالوجود السابق للأرواح وانحباسها في أجسادها بسبب السقوط من عالم الغبطة، وفي نفس الوقت رفضا وراثة الخطية والذنب من آدم أو ارتكاب خطايا وذنوب قديمة سابقة في حياة سابقة للنفس قبل انحباسها في أجسادها كعقوبة على خطاياها السابقة.

وسوف نستعرض معًا رأي ق. كيرلس السكندري الذي أفرد جزءًا من تفسيره على إنجيل يوحنا، يمكن الرجوع إليه، لدحض تعليم الوجود السابق للأرواح وتعليم وراثة ذنب وخطية آدم بسبب التعليم السالف الذكر لكل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير. حيث يقول التالي:

“ولكنني أفترض أنه من الحماقة الإدعاء أن النفوس وُجدت قبل الأجساد، وإنها بسبب ذنوب قديمة* أُرسِلت لكي تُحبس في أجساد ترابية*. وسوف أبرهن على قدر استطاعتي بعدة براهين من الأسفار الإلهية، لأنني أعرف ما هو مكتوب: ‘أعط حكيمًا فيكون أوفر حكمةً. علَّم صديقًا فيزداد علمًا (أم٩: ٩)”.

كيرلس السكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ١: ٩، ص١١٦.

 

ويدحض ق. كيرلس السكندري هذا التعليم بالوجود السابق للأرواح مؤكدًا على أننا نرث نتائج عصيان آدم ألا وهي الفساد والموت، ولا نرث خطية آدم نفسها، لأن وراثة خطية آدم كانت أحد البراهين التي كان يستند عليها القائلون بالوجود السابق للأرواح وسقوطها بسبب وراثة خطية آدم من عالم الغبطة وانحباسها في أجسادها. حيث يقول التالي:

“يقول بولس موضحًا أن الفساد* قد انتشر وامتد إلى كل جنس آدم بسبب عصيان آدم*: ‘لكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ’ (رومية14:5). فكيف يقول إن الموت ملك حتى على الذين لم يخطئوا، إذا كان الجسد الميت قد أُعطي لنا بسبب خطايا سابقة؟ وأين هؤلاء الذين لم يخطئوا إن كان الوجود في الجسد هو عقاب على خطايا سابقة، وكأن وجودنا في الجسد في هذه الحياة هو اتهام مسبق قائم ضدنا؟ إن قول المخالفين ينم عن عدم دراية بالأسفار المقدسة”.

المرجع السابق، ص ١٢١.

 

ويدحض ق. كيرلس السكندري أيضًا التعليم بوراثة الخطية الأصلية وتعليم الوجود السابق للأرواح وانحباسها في الأجساد المترتب عليه، حيث يقول التالي:

“ولكن بعبارة واحدة قصيرة فإن المسيح أبطل حماقات هذين الفريقين، وأكد تمامًا أن لا المولود أعمى ولا أبواه أخطأ، وهو يدحض تعاليم اليهود بقوله إن الرجل لم يُولد أعمى بسبب أية خطية سواء منه أو من أجداده*، ولا حتى من أبيه أو أمه، وهو يطرح بعيدًا حماقة الآخرين السخيفة الذين يقولون إن النفوس تخطئ قبل وجودها في الجسد”.

المرجع السابق، ص ٦٥٥.

 

ونستنتج من هنا أن تعاليم ق. كيرلس السكندري بخصوص الخطية الجدية ونتائجها وآثارها على الجنس البشري لا يمكن أن تتفق وتعاليم أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج، حيث يعد هذا في نظره ارتدادًا ورجوعًا للتعاليم الأوريجانية عن الوجود السابق للأرواح، وسقوطها بسبب وراثة خطية آدم من الشركة مع الله، وانحباسها في أجسادها الترابية كعقوبة لها على ذنوب سابقة لها بسبب وراثة خطية آدم.

تعليم الخطية الجدية عند الآباء السكندريين – د. أنطون جرجس

Exit mobile version