سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

 

في حين يعتقد أوغسطينوس بأن إرادة الإنسان بعد السقوط مقيدة تمامًا بالشر بسبب وراثة الخطية الأصلية، وبناءً على ذلك، يعتقد بأن الله يعين ويختار سواء الأشرار أو الأبرار منذ الأزل، حيث يقول التالي:

“أليس ما يدعو إلى التصديق أن عدد القديسين المعيَّن* لملء المدينة الطوباوية يصل إلى ما هو عليه اليوم حتى ولو لم يخطئ إنسان فتختار نعمة الله*، التي تلقي شبكتها في بحر هذا العالم عددًا ضخمًا من الخطأة المولودين والمُنجبين؟”.

 (مدينة الله١٤: ٢٣)

ويقول في موضع آخر في نفس السياق:

“وهكذا حين نقول: من الضروري أن نريد بحريتنا، نقول حقيقة لا شك فيها، علمًا بأننا لا نُخضع اختيارنا الحر إلى الضرورة التي تقضي على حريتنا. بل إرادتنا ملك لنا، وتعمل ما نعمل بإرادتنا، وما لا نعمل، لأننا نرفض عمله.

وعندما يتألم إنسان، رغمًا عنه بإرادة الآخرين، وذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير*، ولو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير*، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي وحده يولي الإرادات القدرة”.

 (مدينة الله٥: ١٠)

ولكن يختلف ق. كيرلس السكندرى تمامًا مع هذا الطرح الأوغسطيني، بل يعتقد ق. كيرلس السكندري بأن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجهها الإنسان نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيء موروث، حيث يقول التالي:

“لقد خُلِق الإنسان منذ البداية متحملاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يفضله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلق حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطي للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة، التي تسمح له بالابتعاد عن الصلاح، حتى لو أنه فضل أن يعمل ما ليس صالحًا.

وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه.

بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرة للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشر*، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مفيدة وجد الموت الجسدي الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفظ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب”.

(الجلافيرا على سفر التكوين، المقالة الأولى، ص ١١٣- ١١٥)

ونستنتج من هنا أيضًا اختلاف الطرح الكيرلسي عن الطرح الأوغسطيني بخصوص تعليم الخطية الجدية، في حين يعلم أوغسطينوس بسبق الاختيار وتعيين الأبرار والأشرار من قِبل الله منذ الأزل بسبب وراثة البشر للخطية الأصلية، يدحض ق. كيرلس السكندري التعليم بالقدرية وسبق التعيين والإرادة المقيدة بالشر على النقيض من أوغسطينوس، ويؤكد على بقاء حرية إرادة المرء حتى بعد السقوط ليختار بين الفضيلة والرذيلة.

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

في حين يستخدم أوغسطينوس نظرية رواقية في الأصل هي نظرية “العلل البذرية” لإثبات انتقال الخطية الأصلية عن طريق الجسد بسبب أن بذرة الجسد التي تتكون منها أجساد البشر هي بذرة آدم المشوهة بالخطية، لذا تنتقل الخطية الأصلية عن طريق بذرة جسد المعصية الأول الذي لآدم إلى أجساد ذريته، وعن طريقها تنتقل خطيته الأصلية إلى ذريته وتتوارثها بالتناسل عن طريق هذه العلل البذرية أو الجسدية، حيث يؤكد على وجود العلل البذرية في أجساد البشر كالتالي:

“هنالك علل جسدية* أو بذرية*، سواء أكان ذلك بمساهمة الملائكة، أو البشر، أو أي كائن حي آخر، أم بمجامعة الجنسين التي تؤدي إلى الإنجاب النوعي، أيًا كانت القوة التي تمارسها حركات الأمهات ورغباتها على ثمرة الحشا للتعديل في الملامح أو اللون، فإن تلك الطبائع ذاتها مهما طغى على كيانها من تأثيرات متنوعة، تظل عمل الله السامي دون سواه”.

(مدينة الله ١٢: ٢٥)

ثم يستخدم أوغسطينوس نظرية العلل الجسدية أو البذرية في تفسير انتقال الخطية الأصلية بالوراثة من آدم إلى نسله كالتالي:

“ولكن الإنسان قد أخطأ بحريته، فعوقب بعدلٍ، وانتقل إلى ذريته فساده والعقاب، لأننا جميعنا كنا فيه عندما كان وحده يمثلنا جميعًا. لقد سقط في الخطيئة بواسطة المرأة، التي استُلت من جنبه قبل الخطيئة. لم يكن آنذاك الشكل الخاص لكل وجود مخلوقًا، وما كان أحد منا مالكًا لحياته الخاصة، بيد أن البذرة* التي كان علينا أن نخرج منها* قد شوهتها الخطيئة*، وحملت أثقال الموت بحكمٍ عادلٍ، وجعلت الإنسان مولود الإنسان في الحالة عينها*”.

(مدينة الله ١٣: ١٤)

وهذا ما يقرره أوغسطينوس في موضع آخر، حيث يؤكد على أن طبيعتنا البشرية المريضة والخاطئة نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول الذي لا يستطيع من تلقاء نفسه إتمام الناموس وتكميل البر، حيث يقول التالي:

“إن طبيعتنا البشرية أصبحت مريضة وخاطئة* لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول* الذي لا يقدر من تلقاء نفسه أن يتمم ناموس الله، ولا يستطيع أن يكمل البر”.

(الطبيعة والنعمة ١: ٢)

ويؤكد أوغسطينوس على العكس من آباء الشرق عامةً، والقديس كيرلس السكندري خاصةً، أننا نولد خطأة ومذنبين ومدانين ومعاقبين من آدم، حيث يقول التالي:

“كل هؤلاء هم بالعدل تحت دينونة الله، لأنهم ليسوا أبرياء من الخطيئة سواء تلك الخطيئة التي وُلدوا بها*، أو الخطايا التي أضافوها بسوء سلوكهم، ‘لأن الجميع قد أخطأوا – سواء من آدم* أو من أنفسهم – وأعوزهم مجد الله’ (رو٣: ٢٣)، طالما أن جميع الناس بلا استثناء قد أخطأوا في آدم*، إذًا، فهم مذنبون* وتحت الدينونة والمعاقبة”.

(الطبيعة والنعمة ١: ٤، ٥)

ولا أجد قولاً عند ق. كيرلس السكندري يشير إلى انتقال الخطية الأصلية، كما يدّعي أوغسطينوس، عن طريق العلل الجسدية أو البذرية من جسد آدم أو جسد المعصية الأول. فلم يستخدم ق. كيرلس السكندري مثل هذه النظرية الرواقية الشهيرة في إثبات انتقال الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج من آدم عن طريق الجسد إلى أجساد ذريته.

فكيف بعد ذلك نقول إن القديس كيرلس السكندري وأوغسطينوس متقاربين ومتشابهين في تعليمهما حول الخطية الجدية، يبدو مما سبق، وجود اختلاف جذري في المفاهيم بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس فيما يتعلق بالخطية الجدية، ولا يمكننا الإدعاء بأن تعاليم ق. كيرلس السكندري مثل تعاليم أوغسطينوس في هذا الصدد، لأنه سيكون من الظلم إدعاء ذلك على ق. كيرلس السكندري وتعليمه الأرثوذكسي السليم عن وراثة نتائج الخطية الجدية أي الفساد والموت، وليس وراثة ذنب أو خطية أو معصية آدم بأية طريقة، سواء نفسًا عن طريق النفس المولودة، أو جسدًا عن طريق العلل البذرية أو الجسدية.

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

هل التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم أرثوذكسي أم لا؟

هل التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم أرثوذكسي أم لا؟

هل التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم أرثوذكسي أم لا؟

التعليم بوراثة الخطية بالتناسل والتزاوج هو تعليم مانوي للأسف أدخله أوغسطينوس إلى الكنيسة في مواجهته للهرطقة البيلاجية، وانقلب على كل قناعاته المسبقة التي كان يعتنقها في كتاباته ضد المانوية، كما اتبع نظرية الروح المولودة وراء العلامة ترتليان وأبوليناريوس اللاوديكي مخالفًا تعاليم أغلب الآباء بالروح المخلوقة ورغم رفضه لمنطق الروح المولودة إلا أنه تبناه في مواجهة البيلاجية.

وراثة الخطية تعليم ضد صلاح وعدل الله الذي يخلق طبيعة صالحة غير وارثة لذنب شخص لم يقترفه ابنه كقول الكتاب النفس التي تخطئ هي تموت.

التعليم بوراثة الخطية تجعل للخطية كيان مادي ينتقل بالوراثة والتناسل وهذا ضد تعاليم الآباء الشرقيين صراحة الذين نادوا بأن الشر هو عدم وليس له كيان ولم يعرفوا أبدًا انتقال الخطية بالتناسل والتوالد.

التعليم بوراثة الخطية ضد الكتاب المقدس الذي قال بأن إرميا كان مقدسًا منذ البطن ومن الرحم كيف يكون مقدسًا من الرحم وهو وارث للخطية وكذلك يوحنا المعمدان كان ممتلئ بالروح القدس من البطن، كيف يكون وارث الخطية ويكون مقدس من الرحم، وهذا ما أكده ق. أثناسيوس وجميع الآباء من بعده.

التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم غير أرثوذكسي، بل هو تعليم مانوي صرف بشهادة جميع آباء الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية.

نأتي إلي موضوع خطية الطبيعة naturalis peccati وهو تعبير مانوي استخدمه أوغسطينوس في كتابه الزواج والشهوة ليؤكد على توارث الخطية الأصلية وانتقالها في الطبيعة البشرية عن طريق التزواج والتناسل وهذه هي الهرطقة المانوية، هذا المفهوم المانوي يجعل من الخطية جزء ومكون أساسي من مكونات الطبيعة تنتقل عن طريق العلل البذرية rationale seminale أو النظرية التوالدية tradux peccati أي انتقال الخطية من خلال النفس المولودة من الآباء إلى الابناء بالتناسل وهذه كلها مفاهيم مانوية قال بها المانويون الذين انضم إليهم أوغسطينوس لمدة ٩ سنين من عمره وتأثر بمعتقداتهم عن ماهية الشر والخطية وادخلها للكنيسة، وينادي بها البعض في هذه الأيام.

نظرية الروح المولودة قال بها المانويون وترتليان وأبوليناريوس اللاوديكي، واستخدمها أوغسطينوس في إثبات عقيدته عن انتقال الخطية الموروثة بالتناسل من آدم لذريته نفسًا وجسدًا مستخدمًا معها نظرية العلل البذرية الرواقية في إثبات انتقال بذرة الإنسان الأول المشوهة بالخطية إلى أبنائه.

رفض آباء الكنيسة الشرقية هذه الأفكار المانوية وقالوا بأن الشر هو عدم وليس له كيان مثل الظلمة هي غياب النور والعمى هو غياب الإبصار، ونادى آباء الشرق إن الخطية فعل إرادي يتم بإرادة الإنسان العاقل المريد ولا تنتقل الخطية بالتناسل من الآباء إلى الأبناء لأن هذه هي الهرطقة المانوية، التي تجعل للشر والخطية مبدأ أزلي له صفة الأزلية وهكذا يدخلنا هذا الاعتقاد بوراثة الخطية إلى الثنائية المانوية، والاعتقادين بمبدأين أو إلهين أحدهما مبدأ أزلي للخير والآخر مبدأ أزلي للشر ينقل الشر والخطية من خلال التناسل والتزواج بين البشر وبعضهم البعض. رفض آباء الشرق جميع هذه الادعاءات المانوية الهرطوقية ودحضوها في كتاباتهم ضد المانوية.

تعليم وراثة الخطية الأصلية هو تعليم مانوي غير أرثوذكسي لا يمت للكنيسة الأرثوذكسية بأي صلة.

 

للمهتمين بموضوع الجدل حول تعليم وراثة الخطية الأصلية يمكن الرجوع إلى هذين البحثين:

الجدل الأوغسطيني والصراع النصف بيلاجي

وراثة الذنب الشخصي أم وراثة الفساد والموت؟

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس
 
هذا البحث عبارة عن مفهوم الخطية الأصلية في اللاهوت المدرسي حتى مجمع ترنت ١٥٤٦م.
 
ويحتوي البحث على النقاط التالية:
 
– جوتشالك GOTTSCHALK ومقاومة هينسمار HINCMAR لآرائه عن سبق التعيين في مجمع كويرسي QUIERCY.
– سكوتس إريجينا SCOTUS ERIGENA ومجمع كويرسي QUIERCY الثاني.
– أنسلم الكانتربري ومحاولة إرساء ”اللاهوت الطبيعي“.
– التمييز بين الفرد والجنس كنظرية للخطية الأصلية عند أنسلم.
– نظرية أنسلم عن حرية الإرادة.
– نقد نظرية أنسلم.
– توما الأكويني (١٢٢٧- ١٢٧٤ م).
– توما الأكويني ومفهومه عن الخطية الأصلية.
– توما الأكويني ومفهومه عن حرية الإرادة.
– توما الأكويني ومفهومه عن النعمة.
– جون دنس سكوتس JOHN DUNS SCOTUS.
– ويليام من أوكام WILLIAM OF OCKHAM.
– مجمع ترنت ١٥٤٦م والنزعة النصف بيلاجية في القرارات التريدنتينية

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس

تحميل هذا البحث

مفهوم الخطية الأصلية بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

مفهوم الخطية الأصلية بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

مفهوم الخطية الأصلية بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

مفهوم الخطية الأصلية بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس

يتحدث عالم الآبائيات جوهانس كواستن (لاهوتي كاثوليكي) عن مفهوم الخطية الأصلية عند ق. يوحنا ذهبي الفم، موضحًا الاختلاف الشديد بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس في مفهوم وراثة الخطية الأصلية كالتالي:

“يشير ق. ذهبي الفم بالتفصيل في عظته” إلى المعمدين الجدد” (Ad neophytos) التي أعاد هايداشر اكتشافها إلى مفاعيل المعمودية قائلاً: “وبالتالي هل نعمد أيضًا الأطفال الصغار، بالرغم من أنهم ليس لديهم خطايا (άμαρτήματα)”. وقد استخلص يوليانوس أسقف إكلانوم البيلاجي أن ق. ذهبي الفم قد أنكر الخطية الأصلية، ويرد ق. أوغسطينوس في (Contra Julianaum 1, 22) أن كلا من الجمع “خطايا” والسياق يثبتان أن ق. ذهبي الفم قد قصد الخطايا الشخصية (propria peccata) ويدعم حجته بثمان اقتباسات إضافية من أعمال أخرى للقديس يوحنا ذهبي الفم ليوضح بأنه قد علّم بوضوح بوجود الخطية الأصلية. ومع ذلك، ففي كل هذه الفقرات، لا يتطابق مفهوم ق. يوحنا ذهبي الفم تمامًا مع أفكار ومصطلحات ق. أوغسطينوس*.

وبالرغم من أن ق. ذهبي الفم يؤكد مرارًا وتكرارًا أن نتائج وعواقب خطية آدم لم تؤثر فقط على والدينا الأولين، ولكن أيضًا على نسلهما، إلا أنه لم يذكر صراحةً أن ذريتهم قد ورثوا الخطية نفسها*، وأنها قد أصبحت موروثة في طبيعتهم*. وهو يعلق على (رو٥: ١٩) على سبيل المثال قائلاً:

“ما هي المشكلة؟ هي القول إنه بمعصية واحد جُعل كثيرون خطاة. لأن المبدأ أنه حينما أخطأ (آدم) وأصبح فانيًا، فهؤلاء الذين من نسله يجب أن يكونوا كذلك، ليس شيئًا غريبًا. ولكن كيف يكون أنه بمعصيته (آدم) يصبح آخر (المسيح) خطية؟ لأنه في هذه الحالة، لا يستحق كهذا عقابًا، لأنه لم يصبح خاطئًا من نفسه. إذًا، ماذا تعني هنا كلمة “خطاة”؟ بالنسبة لي يبدو أنها تعني خاضعًا لحكم الدينونة ومحكومًا عليه بالموت” (Hom. 10 in Rom. 1. 2. 4,LFC).”

جواهانس كواستن، علم الآبائيات “باترولوجي” مج ٣، ترجمة: الراهب غريغوريس البراموسي ود. نادر مدحت، مراجعة: د

جوزيف موريس ود. عماد موريس، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي)، ص ٦٢٣، ٦٢٤.

مفهوم الخطية الأصلية بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس

في حين يتحدث أوغسطينوس عن موت وخطية آدم كشرور موروثة، وكأن الخطية والموت صارا كشيئين أو كيانين يمكن أن يتم توراثهما بين البشر، وكأن الشر صار له كيان يورث بين البشر، حيث يقول:

“ثم يضيف الرسول أيضًا: من أجل ذلك كإنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع فيه… (رو٥: ١٢). ويتحدث هنا بقدر ما عن الإنسانين: الإنسان الأول آدم الذي بخطيته وبموته نحن نسله مقيدين بهما كشرور موروثة، والإنسان الآخر آدم الثاني الذي لم يكن إنسانًا فقط، بل وإلهًا أيضًا”.

(الثالوث ١٣: ١٦: ٢١)

 

بينما يؤكد ق. غريغوريوس النيسي على العكس من القديس أوغسطينوس أن الشر والخطية عدم وليس لهما كيان يمكن توراثه بالتناسل، بل الخطية فعل إرادي يمارسه الإنسان بإرادته، ولو لم يمارس الإنسان الخطية، لن يكون لها أي وجود، حيث يقول التالي:

“لذا بما أن الشر يعتبر كنقيض الخير، والفضيلة المطلقة هي الله، فلا بد أن الشر خارج الله، لأن طبيعته لا تُدرك في كونها شيئًا، بل في كونها عدم الخير، لأننا نعطي اسم ‘الشر’ لما هو مدرك خارج الخير. وبالتالي يعتبر الشر نقيض الخير، بالطريقة نفسها التي يتمايز فيها العدم عن الوجود.

لذلك عندما نبتعد عن الخير بحرية دوافعنا*، مثل أولئك الذين يغلقون أعينهم في وضح النهار، ويقال إنهم ‘يرون الظلام’ لأن رؤية الظلام هي نمط رؤية العدم – بالتالي تأخذ الطبيعة الوهمية للشر جوهرًا في الذين قد سقطوا بعيدًا عن الخير، وتمتلك وجودًا كلما كنا خارج الخير، فإن انتُزعت الحركة الحرة لإرادتنا مرة ثانية بعيدًا عن سلوكها نحو الوهم، وصارت متحدة مع ما هو كائن، فلأن تلك الطبيعة لم تعد قادرة على الوجود داخلي، فستعجز عن الوجود إطلاقًا – لأنه لا يوجد شر باقٍ في حد ذاته بعيدًا عن حرية إرادتنا- ولكنني إن ألصقت وربطت ذاتي بذاك الذي هو كائن بالحقيقة، فسأظل فيما هو كائن، فهو الذي كان دائمًا، وسيكون إلى الأبد، وهو كائن الآن”.

(العظات على سفر الجامعة ٧: ٢٦-٢٧)

 

وهذا ما يقوله أيضًا ق. كيرلس السكندرى بأن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجهها نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيء موروث، حيث يقول التالي:

“لقد خُلق الإنسان منذ البداية متحملاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يفضله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلق حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطي للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة، التي تسمح له بالابتعاد عن الصلاح، حتى لو أنه فضل أن يعمل ما ليس صالحًا.

وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرة للخطيئة، واصاب طبيعته مرض الميل للشر*، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مفيدة وجد الموت الجسدي الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفظ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب”.

(الجلافيرا على سفر التكوين، المقالة الأولى، ص ١١٣- ١١٥)

 

وهذا هو ما يقوله معلمنا ساويرس الأنطاكي رافضًا التعليم بوراثة الخطية الأصلية، واعتبر هذا التعليم هو تعليم مانوي غير أرثوذكسي في رده على يوليان أسقف هاليكارنيسوس بآسيا الصغرى كالتالي:

“ويترتب على كل هذا أن خطيئة أولئك الذين أنجبونا، أي خطيئة آدم وحواء ليست مختلطة بالطبيعة مع كياننا (جوهرنا)، كمثل الرأي المنحرف والفاسد لجماعة المصلين*، أو كقول غيرهم من المانيين*، ولكن لأنهما فقدا نعمة الخلود بسبب الخطية والتعدي، ومن ثم فإن الإدانة والأحكام قد بلغت إلينا، لذا فإنه وفقًا لقانون الطبيعة*، فإننا نولد مائتين باعتبار أننا ولدنا من آبائنا مائتين، ولسنا خطأة لآننا ولدنا من آباء خاطئين*. وذلك لأن الخطية ليس لها كيان، ولا تنتقل طبيعيًا بالتناسل من الآباء إلى أطفالهم*”.

Sever of antiochene, Contra Additiones Juliani, (CSCO 296), p. 39, 40.

وهنا ينسف معلمنا ق. ساويروس الأنطاكي متبعًا تعاليم آباء الشرق من قبله، وعلى العكس من تعليم أوغسطينوس المانوي بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل، التعليم بوراثة الخطية الأصلية وانتقالها بالتناسل والتزاوج طبيعيًا، معتبرًا هذا التعليم تعليم مانوي غير أرثوذكسي دخيل على الكنيسة، لأنه تعليم المانويين وجماعة المصلين الهرطوقية.

تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م – د. أنطون جرجس

الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م – د. أنطون جرجس

الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م – د. أنطون جرجس

الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م

 سوف أعتمد في هذا البحث عن العلاقة بين الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م على البروفيسور كارل جوزيف هيفيليه Karl J. Hefele الأسقف الكاثوليكي لروتنبرج وأستاذ اللاهوت بجامعة توبينجين Tubingen بألمانيا، وأبو التاريخ المجمعي، وصاحب موسوعة “تاريخ مجامع الكنيسة” التي تعد المرجع الأهم والأول في تاريخ، وأحداث، وأعمال، وقوانين المجامع الكنسية عبر العصور.

 سوف نتتبع سويًا العلاقة بين مجمع أفسس المسكوني ٤٣١م برئاسة البابا كيرلس السكندري والهرطقة البيلاجية، لنعرف هل تم بالفعل هرطقة أتباع بيلاجيوس وكالستوس من البيلاجيين بسبب إنكارهم لوراثة خطية آدم الأصلية أم لا؟

 سوف نبدأ حيث يروي البروفيسور كارل هيفيليه عن عدم انصياع نسطوريوس لتحذيرات البابا كيرلس السكندري والبابا كليستينوس الروماني، بل وحمايتهم للبيلاجيين عنده في القسطنطينية، حيث يقول هيفيليه التالي:

“لم يلتفت نسطوريوس إلى التحذيرين من كيرلس، وإن كان الآن يرفض طاعة هذا التحذير الثالث، فلا بد من استبعاده من الكنيسة الجامعة المسيحية. فلم تكن مفاجأةً للبابا (كلستينوس) حماية نسطوريوس للبيلاجيين، لأنه كان أسوأ منهم. بالرغم من أنه كان من المرجو ألا يقضي على وحدة الكنيسة، فكانت علامة منه على تحسن موقفه، أن يستدعي أولئك جميعًا ليطردهم من الكنيسة، من أجل خاطر المسيح (أي بناءً على رواية أرثوذكسيتهم). فإن لم يحرم (نسطوريوس) بدعته عديمة التقوى خلال عشرة أيام، فلا بد من قطعه عن شركة الكنيسة الأرثوذكسية كلها، ويجب على كيرلس إعلان هذا الحكم ممثلاً عن البابا (كلستينوس)”.

Hefele, Charles J., History of The Councils of The Church Vol. III (431 A. D. To 451 A. D.), (Edinburgh: T & T Clark, 1986), p. 30.

 ثم يستطر هيفيليه في سرد أحداث مجمع أفسس المسكوني ٤٣١م مؤكدًا على وجود البيلاجيين في صف النساطرة مقابل المجمع برئاسة البابا كيرلس السكندري والأساقفة الذين معه والبابا كلستينوس وأسقفية أفريقيا كلها كالتالي:

“علاوة على ذلك، منذ وقت قريب، كان هناك العديد من الأساقفة الذين كانوا حتى هذه اللحظة في صف نسطوريوس، وقد صارت لهم رؤية أفضل للأمور، إلا أنهم استخفوا بالمجمع، وظل حتى الأن حوالي ٣٧ أسقفًا فقط مع نسطوريوس ويوحنا (الأنطاكي)، كان هؤلاء في الغالب بسبب خوفهم من العقاب لأجل ارتكابهم المخالفات، أو لأنهم كانوا هراطقة مثل البيلاجيين. في المقابل، كان كلستينوس أسقف روما وأسقفية أفريقيا كلها في صف المجمع، بالرغم من عدم حضورهم بشكل شخصي”.

Ibid, p. 59.

 ثم يروي هيفيليه أمر في منتهى الغرابة ألا وهو قراءة قرارات الغرب بحرم أتباع بيلاجيوس وكالستوس ويوليان وغيرهم من البيلاجيين، ولكنه يؤكد على عدم معرفة في أي جلسة تم ذلك، وأية قرارات تمت قراءتها في هذه الجلسة المجهولة، بل والأدهى لم يأت أي ذكر بحرم بيلاجيوس وكالستوس ويوليان وأتباعهم بسبب وراثة الخطية الأصلية بحسب المفهوم اﻷوغسطيني اللاتيني.

فأين وراثة الخطية الأصلية التي يملأ البعض الدنيا صياحًا بأنها كانت محور مجمع أفسس المسكوني، وكأن ق. كيرلس السكندري والمجمع ترك هرطقة نسطوريوس وأحداث المجمع المتصارعة، ولم يكن في بالهم سوى مناقشة موضوع وراثة الخطية الأصلية بحسب المفهوم اﻷوغسطيني، التي لم يأت أي ذكر عنها لا من قريب ولا من بعيد، فكيف نهرطق الآخرين على حدث غامض ومجهول، ليس لدينا أدلة كافية وواضحة عنه ألا وهو حرم بيلاجيوس وأتباعه بسبب وراثة الخطية الأصلية بالتناسل؟ حيث يسرد هيفيليه التالي:

“والأكثر أهمية هو الإضافة، أي قراءة قرارات الغرب بحرم البيلاجيين والكالستوسيين، أتباع بيلاجيوس وكالستوس ومؤيديهم، يوليان، وبيرسيديوس Persidius، ومارسيللينوس Marcellinus، وأورينتيوس Orentius …إلخ في مجمع أفسس (بالرغم من عدم إخبارنا في أية جلسة تم ذلك)، وقبول الحكم البابوي عليهم على مستوى العالم”.

Ibid, p. 65.

 ثم يستطر في نفس السياق مؤكدًا على تحالف واتحاد  البيلاجيين مع النساطرة ضد المجمع المسكوني برئاسة ق. كيرلس السكندري، مما جعل المجمع المسكوني يحرمهم ويقطعهم بسبب انضمامهم لنسطوريوس وجماعته، لأنه كان هدف المجمع بالأساس هو حرمان نسطوريوس وأتباعه. حيث يروي قائلاً:

“بالإضافة إلى ذلك، هناك الكثيرون بين هؤلاء الثلاثين – الذي قد حُرِموا في السابق، الكثير من البيلاجيين والنساطرة. وبالتالي يجب على الإمبراطور تثبيت وتفعيل ما قد قرره المجمع المسكوني المقدس ضد نسطوريوس وتعليمه عديم التقوى”.

Ibid.

 ثم يروي هيفيليه بكل وضوح أسباب حرم مجمع أفسس المسكوني ٤٣١م برئاسة البابا كيرلس السكندري للبيلاجيين، ولم يأت أي ذكر لحرمهم بسبب إنكار وراثة الخطية الأصلية كما يدّعي البعض، حيث يقول التالي:

“وقد حرم (المجمع) بالأحرى بشكل أكبر – وهذا ايضًا يمكن شرحه فقط على خلفية الخداع – أسماء يوحنا الأنطاكي ومؤيديه، وأولئك أيضًا الذين من أتباع كالستوس (البيلاجيين)، فبالرغم من حرمان المجمع المسكوني لهم، إلا أنه تم ضمهم بين أساقفة المجمع، وخاطبتهم المراسم الأمبراطورية كأنهم أساقفة من المجمع. ثم تم تقديم رواية مختصرة عن علاقتهم بالأنطاكيين، التي نحن على علم بها بالفعل، وبتاريخ انفصالهم عن المجمع، مع الإشارة إلى احتمالية عدم قبولهم جزئيًا في شركة الكنيسة، لأنهم لم يقبلوا عزل نسطوريوس*، وكانوا على اتفاق علني معه تمامًا*، وجزئيًا بسبب إهانتهم لرئيسي المجمع (أي بحكمهم ضد كيرلس وممنون*)، ولأنهم انتهكوا القوانين*، وإلى حد ما لأنهم قد تجرأوا على الكذب وخداع الأباطرة*”.

Ibid, p. 78.

 ويستطرد هيفيليه في نفس السياق موضحًا سبب حرمان البيلاجيين في مجمع أفسس المسكوني ٤٣١م برئاسة القديس كيرلس السكندري، ولم يأت أيضًا على ذكر موضوع وراثة الخطية الأصلية من قريب أو من بعيد، حيث يقول التالي:

“قبل كل شيء، ينبغي عليك رفض الشركة مع يوحنا الأنطاكي ومجمعه المارق، لأنهم رفضوا الاشتراك معنا في عزل نسطوريوس، ولأنهم كانوا حلفائه حتى وقت مغادرتك، ولأنهم تجرأوا على انتهاك جميع القوانين من أجل حرم كيرلس وممنون، بل بشكل خاص، لأنهم حتى هذا اليوم يدافعون عن تعاليم نسطوريوس، بالإضافة إلى أن الكثير منهم كانوا من أتباع كالستوس (البيلاجيين)*، ولهذا السبب هم محرمون**، في الأخير، لأنهم لم يترجعوا عن الافتراء على مجمع العالم كله باعتباره مجمعًا هرطوقيًا”.

Ibid, p. 87.

 وتظهر هنا الحقيقة بجلاء أن مجمع أفسس المسكوني ٤٣١م برئاسة البابا كيرلس السكندري عمود الدين لم يقم بحرم البيلاجيين بسبب إنكارهم لوراثة الخطية الأصلية، بل لأنهم تحالفوا مع النساطرة ضد المجمع المسكوني، وانضموا إلى مجمع يوحنا الأنطاكي الموازي المناهض للمجمع المسكوني برئاسة ق. كيرلس السكندري وممنون أسقف أفسس، هذا بالإضافة إلى انتهاكهم لقوانين المجمع واستخفافهم به وبقرارته، ورفضهم عزل نسطوريوس وقطعه من شركة الكنيسة.

وفي هذا كله لم تأت سيرة وراثة الخطية الأصلية لا من قريب ولا من بعيد، بل جُل ما في الأمر هو تحالف البيلاجيين وانضمامهم في صف النساطرة ورفضهم القبول بعزل نسطوريوس. رجائي إلى مَن يقومون بهرطقة الآخر أن يكفوا عن ذلك، ويفيقوا إلى ضمائرهم لعلهم يستدركون أخطاءهم تفاديًا للمزيد من الانقسامات والانشقاقات في الكنيسة.

الهرطقة البيلاجية ومجمع أفسس المسكوني ٤٣١م – د. أنطون جرجس

ماني والمانوية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

ماني والمانوية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

ماني والمانوية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

لقد تحدثنا في البوست السابق عن الغنوسية وتعليم وراثة الخطية الأصلية عندها، ننتقل الآن للحديث عن ديانة أخرى تعتبر امتدادًا للديانة الغنوسية، وكانت عبارة عن مزيج من الغنوسية، والمسيحية، والديانات الشرقية القديمة، ألا وهي الديانة المانوية، وسنفحص تعليم وراثة الشر والخطية والسقوط فيها.

يتحدث چ. ج. دافز J. G. Daves وچيراردو چنولي Gherardo Gnoli عن طريقة خلق آدم وحواء، وعقيدة الخلاص في المانوية كالتالي:

“يحدث خلق العنصر البشري وفق ما يلي: حبلت الشيطانات، والفضل في ذلك يعود إلى تبرير من الرسول (ماني)، وأنجبت مسوخًا، وابتلعت هذه المسوخ النباتات لتمتص النور الموجود فيها. بعد ذلك ومن أجل احتباس النور بطريقة أكثر أمنًا، فإن الظلمة (المادة) تتجلى في هيئة آز (ميل/ نزعة/ أمنية بالإيرانية الحديثة) الذي هو تجسيد للشبق، وتدفع الشيطان آشاغلوم والشيطانة نمرائيل إلى التهام المسوخ، ثم إلى التزواج فيولد منهما الزوجان البدائيان (الأولان) آدم وحواء. ثم يبدأ عمل الخلاص عند هذه النقطة. فآدم الذي أبقي في حالة جهل (أي الخطية) ضمن شراك المادة، يجري إيقاظه من غفلته عن طريق نفسه بواسطة مخلص هو ابن الله الذي أرسلته القوة العلوية، والذي يتطابق مع الإنسان القديم، أو مع يسوع بعد ذلك، ومع إله العقل (النوس)، حيث يقوم المخلص بتنبيه آدم من رقاده (رقدته) ويُطلعه على الحقيقة، ويُريه روحه التي تعاني في عالم المادة (الشر)، ويكشف له الأصول الشيطانية لجسده، والأصول السماوية لنفسه. عندها يعرف آدم ذاته وروحه بفضل العرفان (الغنوص) ويصحو من غفوته”.

چ. ج. دافز وچيراردو چنولي، مقالة بعنوان (المانوية)، موسوعة تاريخ الأديان (الزاردشتية – المانوية – اليهودية – المسيحية)، ترجمة: عبد الرازق العلي ومحمود منقذ الهاشمي، تحرير: فراس السواح، الكتاب الخامس، ص ٨١، ٨٢.

ثم يستطرد دافز وچنولي في الحديث عن تعليم وراثة الخطية بالتناسل والشهوة الجنسية مثلما نجده في عقيدة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والشهوة الجنسية والإنجاب الشهواني عند أوغسطينوس كالتالي:

“المرحلة الثالثة: هي الحرب الكبرى بين قوى الخير وقوى الشر، حيث يحاول أمير الظلام يائسًا نشر الشر في العالم من خلال التوالد الذي يأتي إلى العالم بأشخاصٍ ماديين من أجل احتباس مزيد من عناصر النور. وبالمقابل يحاول العظيم الأول نشر الخير من خلال قواعد الدين الصحيح. وهكذا يجري تحرير النور من خلال إعاقة دورة التناسخ (التناسل)، عندما تتحرر الروح من خلال المعرفة. بعد أن تنتصر كنيسة الحق ستُحاسب الأرواح ويصعد المختارون إلى السماء. بعد ذلك سوف يتطهر العالم من خلال نار مضرمة مدمرة تدوم ١٤٦٨ سنة. وسوف تتبقى جميع ذرات النور أو معظمها. وتُحبس المادة وكل تجسداتها مع ضحاياها الخاسرين في كرة داخل فوهة عملاقة تُغطى بحجر. وهكذا يتحقق فصل الأصلين إلى آبد الآبدين”.

المرجع السابق، ص ٨١، ٨٢.

ثم يتحدث العالم چيو وايدينغرين في نفس السياق عن عقيدة خلق الإنسان في المانوية وتوارث الخطية بالتوالد والتناسل فيها كالتالي:

“لقد طورت المادة في الشخص ذي الشهوة الجسدية خطة تآمرية استهدفت الاحتفاظ ببذرة النور التي بقيت لها حتى الآن، وقضت هذه الخطة بتركيز جزء كبير من النور في خلقة الفرد، وذلك كقوة موازية للخلق السماوي، ولتنفيذ ذلك، جرى اختيار شيطان مذكر اسمه أشقلون وشيطانة مؤنثة اسمها نامارائيل، وكيما يتم تمثيل ذرات النور التي كانت قد سقطت على الأرض، والتي كانت موجودة في إجهاضات الحكام، فابتلع أشقلون جميع الحيوانات المخيفة التي كانت مذكرة، في حين قُدمت الحيوانات المخيفة المؤنثة لنامارائيل، وبعد هذا تزوج أشقلون نامارائيل فأنجبا آدم وحواء أول المخلوقات البشرية. وهكذا نشأ الجنس البشري – بما لا شك فيه- من مزيج مقزز للنفس من أعمال آكل لحوم البشر والممارسات الجنسية، وكان جسد الإنسان بمثابة مظهر حيواني صرف للحكام، وكانت شهوته شهوة جنسية مسيرةً له تمشيًا مع خطة المادة (الشر) للإنجاب والولادة، فهذا هو ميراث الإنسان من أصله الحيواني”.

چيو وايدينغرين، ماني والمانوية، ترجمة: د. سهيل ذكار، ص ٨٤، ٨٥.

See also Duncan Greenlees, The Gospel of The prophet Mani, (California, SanDiego: The Book Tree, 2007), pp. 30-38.

Geo Widengren, Mani and Manichaeism, (New York, 1985).

ثم يتحدث چيو وايدنغرين عن عقيدة الفداء والخلاص في المانوية كالتالي:

“لكن عالم النور لم يكن قادرًا ولا راغبًا بترك الإنسان تحت رحمة عالم الشر، فتجمع في آدم الجزء الأكبر من النور المحتجز والمتبقي، وذلك هو السبب في أنه أصبح الموضوع الأول لجهد الفداء من قِبل عالم النور. وجرى بذل الجهد حسب النمط نفسه لافتداء الإنسان الأول، فقد خُلق آدم أعمى وأطرش، وغير مدرك تمامًا لوميض النور في داخله وذلك استجابةً لتحريض المادة، وكانت تحيط به ضحية من ضحايا الشياطين، فقد كان غارقًا في سبات عميق وظل كذلك حتى اقترب المخلص منه – ويتم وصف المخلص الذي هو إظهار وتمثيل للرسول الثالث بشكل متنوع، فهو يُسمى حينًا باسم ابن الله، أو أهرمزد (أي الإنسان الأول)، أو يسوع النور المتألق، أو يسوع، وبالطبع إن اسمي أهرمزد ويسوع ينتميان كل على حدة إلى التقاليد الإيرانية والسريانية، ومن المؤكد أنه ابن الله، والتجسيد المعقول للمخلص داخل إطار النظام، فهو إما نؤوس أو واهمان (منواهميد)”.

المرجع السابق، ص ٨٢، ٨٣.

ويقدم چيو وايدنغرين مفاجأة كبرى بخصوص تأثر الأديان في بلاد الرافدين والمسيحية السريانية بالمانوية وطقوسها في وصف عملية الفداء كالتالي:

“لقد مارست هذه الطقوس القديمة نفوذها على وصف عملية الفداء ليس في المانوية فحسب، بل في المسيحية السريانية أيضًا، كما أن الأديان التي اتخذت لنفسها مكانًا في بلاد الرافدين لم تستطع كليًا أن تفلت من تأثير هذه الحضارة الطبيعية المديدة، وبقدر ما يعني الأمر ماني، نجد أن دراما تموز قد زودته بنقطة البداية لميثولوچيته الرمزية لعملية الفداء وليس أكثر من ذلك، فقد أخذ تفسيره لعملية الفداء من تأمل لاهوتي هندي-إيراني، زود هذه الرؤيا الشرقية القديمة للحوادث التي تصل ذروتها بعملية الفداء بدلالة فلسفية أكثر عمقًا”.

المرجع السابق، ص ٨٤، ٨٥.

نستنتج من هنا تشابه تعليم وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والشهوة عند أوغسطينوس مع انتقال الخطية عبر الجسد أو المادة التي عبرت عنها التعاليم المانوية في تعليمها عن خلق الإنسان وتناسخ أو توالد البشر كمخطط من إله الظلمة (الشر) لحبس ذرات النور (المقصود بها الروح الإنسانية الصادرة من إله النور) في الجسد أو المادة في إطار حربه الكبرى مع إله النور (الخير).

ماني والمانوية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. أنطون جرجس

الخطية الجدية عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. أنطون جرجس

يُعتبر ق. يوحنا ذهبي الفم أحد أعلام مدرسة أنطاكية اللاهوتية، وخطيب الكنيسة الأعظم على مر العصور. لقد كانت سمات مدرسة أنطاكية مثلها مثل حال الشرق كله آنذاك، لا تؤمن بشيء اسمه “وراثة الخطية الأصلية” أو “خطية الطبيعة”، هذه التعبيرات التي أدخلها أوغسطينوس إلى اللاهوت الغربي في صراعه ضد البيلاجية. فنجد ق. يوحنا ذهبي الفم يحارب فكرة خطية الطبيعة ووراثة الذنب كما سنرى.

يرفض ق. يوحنا ذهبي الفم رفضًا تامًا فكرة أن الطبيعة البشرية تمارس الشر بطريقة تلقائية، مثلما تحدث أوغسطينوس عن الإرادة المقيدة بالشر والذنب الأصلي وخطية الطبيعة، حيث يقول التالي:

“لاحظ أيضًا أنه قال عنه: يحيد عن كل شر، وليس فقط عن شر دون شر. أين هم الذين يقولون أن الطبيعة البشرية مائلة بطريقة تلقائية نحو الشر؟ أية مخالفة وأية شرائع جعلت أيوب على ما هو عليه؟

فلأن الكتاب قال: لأنه لا إنسان صديق في الأرض يعمل صلاحًا ولا يخطئ (جا٧: ٢٠)، لذلك وصف الكتاب أيوب بأنه بلا لوم (كاملاً). فليس فقط أنه لم يقترف أي عمل ملوث بالخطية، بل أنه لم يقترف ولا حتى ما هو ملوم ومذموم”.

(يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير سفر أيوب، ترجمة: نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، ٢٠٠٨)، تعليق على (أي ١: ١ س)، ص ١٥.)

 

وينفي ق. يوحنا ذهبي الفم أيضًا موضوع خطية الطبيعة في موضع آخر قائلاً:

“إنه قال: ربما أخطأ بنيّ وجدفوا على الله في قلوبهم. وإن كان هذا شيئًا ليس في طبيعتهم، لكنهم على كل حال بشر معرضون للسقوط. ألم تكن له هو نفسه مثل هذه الأفكار أبدًا؟ لذلك مهم جدًا الخوف والحذر حتى من هذه الخطايا الخفية”.

(المرجع السابق، تعليق على (أي١: ٥ س)، ص ٢٠.)

 

وعندما فسر ذهبي الفم آية “لأنه مَنْ سيصير طاهرًا من النجاسة؟ لا أحد، حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض” (أي١٤: ٤- ٥ س)، لم يأت على ذكر موضوع وراثة الخطية الأصلية، بل تحدث عن ضعف وهشاشة الطبيعة البشرية كالتالي:

“أتنظر أيها القارئ كيف يُسارع أيوب من جديد إلى الاحتماء في طبيعته البشرية الضعيفة، إذ قال: لأنه من المستحيل للإنسان أن يكون طاهرًا بصفة دائمة. إنه يتوسل ليس فقط بسبب ضعفنا، أو بسبب صفتنا الزائلة، أو بسبب الإحباط الذي يملأ حياتنا، إنما بسبب أنه لا يمكننا أيضًا أن نكون طاهرين”.

(المرجع السابق، تعليق على آية (أي١٤: ٤، ٥ س)، ص ١٢٥، ١٢٦.)

 

ثم يؤكد ذهبي الفم على عدم مسئولية تركيب طبيعتنا البشرية عن أخطائنا، وهكذا يرفض الذنب الطبيعي وخطية الطبيعة، تلك التعبيرات التي استحدثها أوغسطينوس في خضم صراعه مع البيلاجية، والتي لم يعرفها آباء الشرق ولم يُعلموا بها، حيث يقول التالي:

“وكان ينبغي أيضًا تحديد أي نوع من الطين: من التراب الذي هو أكثر وضاعةً، والذي منه اشتُقَ اسم طبيعتنا. هذا صدق تمامًا إذ لم يقل فيما يختص بنا إن كان تركيب طبيعتنا مسئولاً عن أخطائنا، بالمثل بالنسبة للملائكة يوجد شيء يخصهم، يجعل الله يظن فيهم شيئًا يوضعهم ويخفضهم، وعلى ذلك فيما يختص بنا أيضًا يوجد ما يظنه الله؛ مريدًا إظهار حكمته بتعبير: أنه ظن، ليس للتشديد على أن الله يبذل جهدًا في التفكير، بل هو بهذا أظهر فكرة عبقرية وفذة”.

(المرجع السابق، تعليق على (أي٤: ١٩ س)، ص ٧٥.)

 

كما يؤكد ق. يوحنا ذهبي الفم في سياق تفسيره لحادثة قتل أطفال بيت لحم على خلو الأطفال من أية خطية موروثة أو فعلية، كما يؤكد على دخولهم الملكوت ونوالهم المكافآت – بخلاف أوغسطينوس الذي يؤكد على أن مصير الأطفال غير المعمدين هو جهنم والهلاك الأبدي- بالرغم من أنهم كانوا قبل تدبير خلاص الرب، ولم يكونوا معمدين للخلاص من الخطية الأصلية الموروثة بحسب المفهوم اﻷوغسطيني، حيث يقول التالي:

“قد يُقال: أي نوع من الخطايا كان لهؤلاء الأطفال بحيث كان يجب أن يمحوه؟ حتى لو لم توجد خطايا، فإنه توجد مجازاة بمكافآت للذين يقاسون الشر هنا. فبأي شيء تضرر به الأطفال الصغار لدى ذبحهم لسبب مثل هذا؟ تقولون: لأنهم كانوا سيحققون أعمالاً عظيمةً وكثيرةً من البر لو عاشوا. . . لهذا السبب يدخر الله لهم بشكل مبكر مكافأة ليست بصغيرة بإنهاء حياتهم لسبب كهذا. ولو كان الأطفال سيصيرون أشخاصًا عظامًا لما كان الله قد سمح لهم بأن يُختطفوا قبلاً لأنه إن كان الله يحتمل بآلام عظيمة جدًا الذين سوف يعيشون في الشر على الدوام، فبالحري أكثر ألا يأذن لهؤلاء الأطفال بالرحيل، لو سبق وعرف أنهم سيحرزون أمورًا عظيمةً”.

(يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح إنجيل متى ج١، ترجمة: د. عدنان طرابلسي، (لبنان، ١٩٩٦)، عظة ١: ٣، ص ١٠٧، ١٠٨.)

 

كما ينفي ق. يوحنا ذهبي الفم بجلاء موضوع وراثة الخطية الأصلية مستشهدًا بوجود أبرار في العهد القديم أمثال: نوح، وإبراهيم، ويعقوب، لم يكونوا وارثين للخطية الأصلية كالتالي:

“ماذا إذًا، أخبرني، هل مات الجميع في آدم موت الخطية؟ إذًا كيف كان نوح بارًا في جيله؟ وكيف كان إبراهيم أيضًا؟ وكيف كان يعقوب بارًا؟ وكيف كان الآخرين؟ وأخبرني أيضًا كيف سيحيا الجميع في المسيح؟ وأين هم الذين سيُلقون في جهنم؟ إذا كان هذا الكلام يخص الجسد فقط، فإنه يكون كلامًا صحيحًا، أما إذا كان قد قيل عن القداسة والخطية؟ فلن يُقبل على الإطلاق”.

(يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة كورنثوس الأولى ج٢، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٧)، عظة ٣٩: ٥ على (١كو١٥: ٢٢)، ص ٣٧١.)

 

يتضح من هنا أن ق. يوحنا ذهبي الفم لم يعلم بشيء اسمه وراثة الخطية الأصلية، ولا بخطية الطبيعة، ولا بالذنب الطبيعي، كما علم به بعد ذلك أوغسطينوس في صراعه مع البيلاجية، كما يؤكد على براءة وطهارة الأطفال من أية خطية موروثة أو فعلية، وأن مصير الأطفال المختطفين غير المعمدين هو المكافآت العظيمة جدًا.

أود التنويه في الأخير إن هذه الأقوال والاقتباسات الآبائية هي قليل من كثير عند آباء الكنيسة تنفي فكرة وراثة الذنب والخطية الأصلية كما علم بها أوغسطينوس.

الخطية الجدية عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. أنطون جرجس

موسوعة اللاهوت المقارن ج5 – البلاجية ووراثة الخطية – البابا شنودة الثالث PDF

موسوعة اللاهوت المقارن ج5 – البلاجية ووراثة الخطية – البابا شنودة الثالث PDF

موسوعة اللاهوت المقارن ج5 – البلاجية ووراثة الخطية – البابا شنودة الثالث PDF

موسوعة اللاهوت المقارن ج5 – البلاجية ووراثة الخطية – البابا شنودة الثالث PDF

تحميل الكتاب PDF

Exit mobile version