مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – نوفمبر 2023م

 

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفهرست

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري.. 1

العلامة كليمندس الإسكندري.. 1

الآب هو علة الابن.. 1

العلامة أوريجينوس الإسكندري.. 5

الابن يأخذ من الآب ما هو عليه. 5

الآب هو بداية الابن.. 6

الابن يأخذ كيانه من الآب بلا بداية أو زمان. 7

الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس… 8

الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث.. 9

ق. ديونيسيوس الإسكندري.. 11

الابن والروح القدس متحدان في الآب الرأس… 11

إكرام الابن للآب كرأس له. 12

الآب هو مصدر الابن.. 13

الآب هو نبع الابن.. 14

العلامة ديديموس الضرير. 16

خروج الابن والروح القدس من الآب.. 16

ق. أثناسيوس الرسولي.. 17

الآب هو أصل الابن ووالده. 17

الله الآب هو الينبوع الأزلي لحكمته الذاتية. 18

الآب هو البدء والينبوع.. 18

ق. كيرلس الإسكندري.. 20

الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث.. 20

الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية. 21

الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية. 21

الآب هو أصل الكلمة الخالق.. 22

الآب هو الجذر والينبوع للابن.. 23

الآب هو البداية الأزلية للكلمة. 23

الآب هو بداية الابن.. 24

الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعي منه. 24

الخلاصة. 27

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري

سوف نستعرض في هذا البحث الموجز الإشارات إلى مونارخية الآب في تعليم وكتابات آباء كنيسة الإسكندرية في حقبة ما قبل نيقية وحقبة نيقية وما بعد نيقية، وذلك من أجل الوقوف على أفضل تصور حول مفهوم المونارخية في الثالوث، وهل كان يؤمن آباء الإسكندرية بمونارخية الآب أم بمونارخية الثالوث، كما يدَّعي بعض الباحثين في العصر الحديث؟

العلامة كليمندس الإسكندري

الآب هو علة الابن

يشير العلامة كليمندس الإسكندريّ إلى العلاقة العلية والسببية بين الآب والابن، فلا يسبق الابن الآب كالتالي:

”وكل سبب يُدرَك كسبب بالعقل، ينشغل بشيءٍ ما، ويُدرِك صلته بشيءٍ ما. أي أن البعض يُؤثِّر، كما السيف في القطع. ولبعض الموضوعات، كتلك التي لها استعداد، كما النار في الخشب، لأنها لن تحرق الصُلب. والسبب يخص الأشياء التي لها علاقة بشيءٍ ما. لأنه يُدرَك بعلاقته بشيءٍ آخر، حتى أننا نستخدم أذهاننا في الاثنين، لكي نتصوّر السبب كسبب. نفس العلاقة نجدها في الخالق، والصانع، والآب. فالشيء ليس سببًا لذاته، ولا المرء أبًا لنفسه. لأن الأول سيصير الثاني. الآن، السبب يعمل ويُؤثِّر. فالمنتج بالسبب هو مفعول ومُتأثر. ولكن نفس الشيء عندما يُؤخَذ في حد ذاته لا يمكن أن يكون فعلاً ومُتأثرًا، ولا يمكن أن يكون ابنًا وأبًا. وإلا يسبق السبب ما قام به، كأن [يسبق] القطع السيف. ونفس الشيء لا يمكن أن يسبق في نفس اللحظة، كما للمادة كسبب، وفي نفس الوقت أيضًا، تكون بعد ولاحقة لأثر السبب. والآن تختلف الكينونة عن الصيرورة، كما السبب عن الأثر، والآب عن الابن. لأن نفس الشيء لا يمكن أن ’يكون‘ وأن ’يصير‘ في نفس اللحظة. وبالتالي، هو ليس سببًا لنفسه. فالأشياء ليست أسبابًا لبعضها البعض، ولكنها أسبابٌ لكلٌّ من الأخرى“.[1]

ويستطرد العلامة كليمندس الإسكندريّ في نفس السياق مؤكدًا على أن الآب هو العلة الأبعد وأبو الكون، وهو الأقدم والأكثر خيرية للجميع كالتالي:

”إذًا، هدفنا هو إثبات أن الغنوسيّ وحده قديس وتقي، ويعبد الإله الحقيقيّ بطريقةٍ جديرةٍ به. وأن هذه العبادة المقدَّمة لله، يتبعها حب [الله] وحب من الله [له]. […] يكثرث بالفلسفة الأكثر قدمًا، وبالنبوة الأولى. ومن بين الأفكار المعقولة، [يكترث] بما هو أقدم في أصله، وبالمبدأ الأول الذي بلا زمن أو نشأةٍ، [الذي] هو بادئ الوجود – الابن – الذي منه يتعيَّن أن نتعلَّم العلة الأبعد، أبُ الكون، الأقدم والأكثر خيرية للجميع، غير القابل للتعبير عنه بكلامٍ، ولكن يُبجَّل بالتبجيل والصمت، والعجب المقدَّس، ويُبجَّل بأقصى درجة. ويُعلَن عنه بواسطة الرب، بقدر ما يكون أولئك الذين تعلَّموا قادرين على الإدراك والفهم، مِن أولئك الذين أختارهم الربّ للمعرفة، ’الذين صارت لهم الحواس مُدرَّبةً‘، كما يقول الرسول“.[2]

يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ أن الآب هو العلة الأولى لجميع الأشياء التي تتمُّ بواسطة الابن قائلاً:

”وبشكلٍ عامٍ، كل الفوائد الخاصة بالحياة، في أقصى تعقل لها، تنبع من سلطان الله، الذي هو الآب للجميع، وتتمُّ بالابن، الذي هو أيضًا، بسبب كُونه ’مخلِّص جميع الناس ولا سيما المؤمنين‘، كما يقول الرسول (1تي 4: 10)، أقرب إلى العلة الأولى، أي إلى الربّ [الآب]“.[3]

ويشير العلامة كليمندس إلى أن الآب هو علة كل شيء جيد، وأنه ملك الكل، وأن الابن هو الثاني، وكل شيء به كان بحسب إرادة الآب، والروح القدس هو الثالث، وكل شيء به كان وفقًا لإرادة الآب قائلاً:

”حتى أنه عندما يقول: ’حول ملك الكل، كل شيء يوجد، وبسببه كل شيء. وهو علة كل الأشياء الجيدة. وحول الثاني الأشياء الثانية في الترتيب، وحو الثالث الثالثة‘. فإنني لا أفهم شيئًا آخر سوى أن المقصود هو الثالوث القدوس، لأن الثاني هو الابن الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب، والثالث الروح القدس، الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب“.[4]

العلامة أوريجينوس الإسكندري

الابن يأخذ من الآب ما هو عليه

يشير العلامة أوريجينوس في إشارة إلى مونارخية الآب، أن الابن الوحيد المولود من الآب، يأخذ منه ما هو عليه، دونما أي بدء زمنيًا كان أم تعليليًا كالتالي:

”لهذا، نعلم أن الله هو أبدًا أب لابنه الوحيد المولود منه، والآخذ عنه ما هو عليه، دونما أيّ بدء، زمنيًا كان أم تعليليًا، مما يقدر العقل وحده أن يتمثله في ذاته ويُمحِّصه في فهمه المجرَّد، إلى حدّ ما، وفي تفكيره“.[5]

ويؤكد العلامة أوريجينوس على المفهوم السابق في موضع آخر، حيث يشير إلى أن الابن يستمد من الآب كل ما هو عليه، إذ لم يكن هناك وقت لم يكن الابن في الآب، داحضًا بذلك المزاعم الآريوسية بأن هناك وقت كان فيه الآب بدون الابن كالتالي:

”وهو [الابن] – كما يقول الكتاب – بخار قوة الله الأولى وغير المولودة، يستمد منه كل ما هو عليه، إذ لم يكن حينٌ لم يكن فيه“.[6]

الآب هو بداية الابن

يوضح العلامة أوريجينوس أن الابن هو بخار قوة الله، وإنه كان هكذا على الدوام، ولم يكن للابن بدءًا آخر سوى الله الآب نفسه كالتالي:

”يُبيِّن هذا أن بخار قوة الله هذا كان دائمًا ولم يكن له بدء ما خلا الله نفسه. إذ لا يليق، في سائر الأحوال، أن يكون قد حظى بابتداءٍ آخر له سوى الله نفسه، الذي يستمد منه الكيان والولادة“.[7]

ويشير العلامة أوريجينوس في موضع آخر إلى أن الآب هو بداية الابن في الأزلية، وذلك في سياق تفسيره لآية (يو 1: 1) ”في البدء كان الكلمة…“ قائلاً:

”يمكن للمرء أن يفترض بالاستناد على نقطة أن الله نفسه هو بداية كافة الأشياء، أن الآب هو بداية الابن. وهكذا إن الفساد هو بداية أعمال السخط، فبكلمةٍ واحدةٍ، [الله] هو بمثابة البداية لكل ما هو موجودٌ. هذا الرأي مدعوم من قبلنا (في القول المقدَّس) ’في البدء كان الكلمة‘. ففي لفظة (الكلمة) يمكن للمرء أن يرى الابن، ولأن (الابن) كان في الآب، فمن هنا يمكن بالمثل أن يُقال أنه، أي الابن، كان أيضًا في البدء [الآب]“.[8]

ويؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو بداية الابن، والابن بدوره هو بداية كل الذين خُلِقوا بحسب صورة الله كالتالي:

”بالإضافة إلى هذه المعاني، فهناك ما نتحدَّث فيه عن البدء أو البداية بحسب الشكل [الهيئة]. ومن هنا (نقول) أنه لئن كان (المسيح) بكر كل مخلوق أو كائن يُمثِّل صورة الإله غير المنظور. هكذا فإن الآب يُعدّ كبدايته. وبنفس الطريقة، فإن المسيح هو مبدأ هؤلاء الذين خُلِقوا بحسب صورة الله. لأنه إذَا كان البشر (قد خُلِقوا) بحسب الصورة، أمَّا الصورة فهي بحسب الآب، ففي الحالة الأولى، فإن الآب هو مبدأ المسيح، وعلى الجانب الآخر، فإن المسيح هو بمثابة الأصل أو الابتداء بالنسبة للبشر، هؤلاء الذين خُلِقوا ليس بحسب ما هو عليه، بل بحسب الصورة“.[9]

الابن يأخذ كيانه من الآب بلا بداية أو زمان

يرى العلامة أوريجينوس أن كيان الالن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ وبلا بداية، بل من الله نفسه كالتالي:

”فالحكمة أزلية وضياء أزليته في آنٍ واحدٍ. إن نفهم جيدًا هذا يغدُ جليًا أن كيان الابن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ ودونما بدء، بل من الله ذاته“.[10]

الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس

يشير العلامة أوريجينوس إلى أن الآب هو الجودة في مبدئه، التي منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء، لذا يلائمه والحق يُقال أن الابن يُدعَى صورة جودته، إذ ليس في الابن جودة أخرى سوى الجودة التي عند الآب كالتالي:

فالآب هو، بلا مراء، الجودة في مبدئه؛ منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء. لذا يلائم والحق يُقال أن يُدعَى صورة جودته؛ إذ ليس في الابن من جودة أخرى غير الجودة التي عند الآب. […] وقد دُعِيَ بصوابٍ صورته، لأنه لا ينحدر من سوى هذه الجودة التي هي المبدأ، حتى لا تُرى في الابن جودةٌ غير تلك التي عند الآب، ولا جودة مغايرة أو مختلفة. […] بل يجب وضع الجودة في الآب في مبدئها، كما قُلنا أعلاه. فالابن المولود منه، أو الروح القدس الذي منه ينبثق، يستنسخان في ذاتهما بلا أدنى ريبٍ طبيعة هذه الجودة المكنونة في المصدر، الذي منه يُولد الابن وينبثق الروح القدس“.[11]

الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث

يؤكد العلامة أوريجينوس على أنه لا يوجد أقل أو أكثر في الثالوث، مادام هناك مصدر ألوهية وحيد هو الآب يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس كالتالي:

”وفي سائر الأحوال، ما من أكثر أو أقل في الثالوث، ما دام مصدر ألوهيةٍ وحيدٌ يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس، على حسب ما كُتِبَ في المزمور: بكلمة الرب صُنِعَت السماوات، وبروح فيه كل جنودها (مز 32: 6). أجل، إنها عملية رئيسية من قِبل الله الآب، علاوةً على تلك التي يمنح بموجبها الكائنات جميعًا أن توجد، على وفق طبيعة كل منها“.[12]

ويشير العلامة أوريجينوس أيضًا إلى أن الآب هو نبع الألوهة للابن والروح القدس قائلاً:

”والله دُعِيَ محبة، والمسيح لُقِّبَ بأنه ’ابن المحبة‘، وبالتالي، إذَا وجدنا ’روح المحبة‘، و ’ابن المحبة‘ و ’إله المحبة‘، فمن المؤكَّد أنه يجب أن نفهم أن الابن والروح القدس كليهما ينبعان من نبعٍ واحدٍ لألوهة الآب“.[13]

ق. ديونيسيوس الإسكندري

الابن والروح القدس متحدان في الآب الرأس

يشير ق. ديونيسيوس الإسكندري إلى مونارخية الآب أو وحدة الرأس في الآب، حيث يؤكد على أن الكلمة الإلهي مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومستقر فيه، وهكذا فإن الثالوث القدوس متجمع معًا ومتَّحِد في واحد، أي أنهم مُتَّحِدون في الرأس الذي هو الله الآب ضابط الكل كالتالي:

”لأنه لا محالة إن الكلمة الإلهيّ مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومُستقر فيه، وهكذا، فإن الثالوث القدوس مُتجمِع ومُتَّحِد في واحد، كما قيل، إنهم متحدون في هذا الرأس، الذي هو الله [الآب] ضابط الكل“.[14]

ويستطرد ق. ديونيسيوس مؤكدًا على مونارخية الآب في نفس الرسالة، حيث يرفض فصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاث ألوهيات، ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة في الثالوث، ويؤكد على تمايُّز الأقانيم الثلاثة في الثالوث القدوس، ضد السابيليين القائلين بأقنوم واحد في الثالوث القدوس. وهكذا ينسب ق. ديونيسيوس لقب ”ضابط الكل“ لله الآب أبو ربنا يسوع المسيح، ويُشدِّد على أننا ينبغي أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، وبيسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس. ويشير إلى أن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ”أنا والآب واحدٌ“ (يو 10: 30)، وكذلك ”أنا في الآب والآب فيَّ“ (يو 14: 10)، مُميِّزًا بين أقنوم الآب وأقنوم الابن. وفي النهاية، يُؤكِّد على ضرورة حفظ الثالوث الإلهيّ ووحدة المصدر أو المونارخية في الآب دون انتقاص كالتالي:

”فلا ينبغي إذًا أن نفصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاثة ألوهيات، ولا ينبغي أن كرامة الرب وعظمته الفائقة تُنتقص الوصف ’مصنوع‘، لكن لا بد أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، ويسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس، وبأن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30)، وكذلك ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وهكذا يكون من البيَّن أن الثالوث الإلهيّ، ووحدة المصدر، يكونان محفوظين دون انتقاص“.[15]

إكرام الابن للآب كرأس له

يشير ق. ديونيسيوس في إشارة واضحة إلى مونارخية الآب في الثالوث القدوس، حيث يؤكد على وحدة مشيئة الآب والابن في تدبير الآلام الخلاصية، وهكذا يُكرِّم الابن الآب كرأسٍ له قائلاً:

قطعًا ويقينًا إن إرادة الابن ليست شيئًا آخر غير إرادة الآب، لأنَّ مَن يريد ما يريده الآب تكون له نفس مشيئة الآب. هذا بشكلٍ هندسيّ، لذلك فعندما يقول: ’لا إرادتي بل إرادتك‘، فليس معناها أنه يرغب أن تنزاح عنه الكأس، بل إنه يشير إلى أن إرادة الآب هي في أن يتألم، وهكذا يُكرِّم الآب كرأسٍ άρχήν، لأنه إذَا لقَّب الآباء إرادة شخص بأنها مُجرَّد رأي [أو علامة رمزية أو شكلية]، وإنْ كانت مثل هذه الإرادة ترتبط بما هو خفيّ وله غاية كامنة، فكيف يقول البعض إن الربَّ الذي هو فوق كل هذه الأشياء له إرادة شكلية؟ إن هذا واردٌ فقط إذَا كان لدينا خلَّل في الفكر“.[16]

الآب هو مصدر الابن

يشير ق. ديونيسيوس إلى ولادة الابن من الآب غير المبتدئ، مؤكدًا على أن الابن كنسلٍ ليس بلا مصدر، لأن مصدره هو الله الآب نفسه غير المولود قائلاً:

”السؤال الأول: أيهما [أصح] هل الابن ولد نفسه أم وُلِدَ من الآب؟ الإجابة: الابن وُلِدَ من الآب، وليس هو الذي وَلَدَ نفسه. […] السؤال الثالث، أنت تقول: غير مبتدئ من غير مبتدئ [أي ليس له بدء]؟ الإجابة: [الابن] هو كنسلٍ ليس بلا مصدر، ولكن الآب غير مبتدئ، لأنه غير مولود“.[17]

الآب هو نبع الابن

يستخدم ق. ديونيسيوس مثل النبع والنهر لتشبيه الولادة الأزلية للابن من الآب، مشبهًا الآب بالنبع الحقيقيّ والابن هو النهر المتدفق من هذا النبع كالتالي:

”لأنه لا يمكن أن يُدعَى النبع نهرًا ولا النهر نبعًا، لكنهما يظلان حقيقتين، وأن هذا النبع هو الآب بالحقيقة، بينما النهر هو الماء المتدفِق من النبع. […] لقد قيل بعاليه أن الله هو علة كل الأشياء الصالحة، لكن الابن دُعِيَ النهر الذي يتدفق منه [أي من الله]، لأن الكلمة هي لفظة العقل، أو باللغة البشرية، هي منبعثة بواسطة الفم من العقل. لكن الفكر الذي يُنطَق باللسان هو متمايز عن الكلمة الموجودة في العقل. لأن هذه الأخيرة بعدما تلفظ الأولى، تبقى كما كانت عليه مِن قبل، لكن الفكر قد أُرسِلَ وانتشر في كل مكانٍ من حوله، وهكذا كل منهما يكون في الآخر، رغم أن الواحد ينبع من الآخر، وهم واحدٌ رغم أنهما اثنان. وبنفس الطريقة، نقول إن الآب والابن هما واحدٌ، وأحدهما يكون في الآخر“.[18]

ويستطرد ق. ديونيسيوس في نفس السياق مؤكدًا على أن العقل هو آب [أقنوم] الكلمة الموجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر، هكذا الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ كان له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه كالتالي:

”وبالمثل لأن العقل هو آب الكلمة، موجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر. وبنفس الطريقة، فإن الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه“.[19]

العلامة ديديموس الضرير

خروج الابن والروح القدس من الآب

يُوضِّح العلامة ديديموس أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج الابن أو المخلِّص نفسه من الله، ويشير إلى أن الروح القدس يُقال عنه أنه ’ينبثق من عند الآب‘ (يو 15: 26)، وذلك وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة، أي المصدرية. وبالرغم من أن المسيح قال إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه خاصية الانبثاق عند حديثه عن علاقته بالآب، لأن خاصية الانبثاق هي خاصة بالروح القدس فقط كالتالي:

”فعلينا أن ندرك أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج المخلِّص نفسه من الله، وهو ما شهد له [المخلِّص] بقوله: ’لأني خرجت من قِبَل الله وأتيت‘ (يو 8: 42) […] وهكذا فعلينا أن نؤمن بالإقرارات التالية التي استخدمت كلمات لا يُنطق بها وهي مُدرَكة بالإيمان وحده عن أن المخلِّص ’خرج من عند الآب‘ (يو 8: 42)، و ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26)، والآب نفسه الذي قال: ’الروح الذي يخرج مني‘ (إش 57: 16 سبعينية). وبالحقيقة قد قيل حسنًا بالنص: ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26). وكان من الممكن أن يقول: ’من الله‘، أو ’من الربّ‘، أو ’من ضابط الكل‘، ولكنه لم يستعمل أيًا من هذه. بل عوضًا قال: ’من الآب‘، وهذا مردَّه لا لأن الآب مختلف عن الله ضابط الكل – فإن مجرَّد التفكير في هذا يُعدّ جرمًا – بل بالحري أن روح الحق يُقال عنه ’ينبثق من الآب‘ (يو 15: 26)، وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة. وبالرغم من أن المسيح قال في مواقفٍ عديدةٍ إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه المزيَّة [أي الخاصية الأقنومية] التي ناقشناها لتونا [أي الانبثاق]، عند حديثه عن علاقته بالآب، بل عندما يتحدَّث عنها يقول: ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وفي موضع آخر: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30). والقارئ الحصيف سيجد في الإنجيل فقرات أخرى عديدة مُشابهة لهذه“.[20]

ق. أثناسيوس الرسولي

الآب هو أصل الابن ووالده

يشير ق. أثناسيوس إلى أن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخ، ولا يوجد أصل سابق عليهما في الوجود كالتالي:

”فالآب والابن لم يُولَدا من أصل سابق عليهما في الوجود، حتى يمكن اعتبارهما أخوين، ولكن الآب هو أصل الابن وهو والده. والآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخٍ“.[21]

الله الآب هو الينبوع الأزلي لحكمته الذاتية

يرى ق. أثناسيوس أن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، أي أقنوم الكلمة أو الابن، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة تكون الحكمة أزليةً أيضًا كالتالي:

”أمَّا الحقيقة فتشهد بأن الله هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة يجب أن تكون الحكمة أزليةً أيضًا، لأنه من خلال هذه الحكمة خُلِقَت كل الأشياء“.[22]

الآب هو البدء والينبوع

يصف ق. أثناسيوس الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس، مُميِّزًا بينه وبين أقنومي الكلمة والروح القدس كالتالي:

”وهكذا يُكرَز بإلهٍ واحدٍ في الكنيسة: ’الذي على الكل وبالكل وفي الكل‘ (أف 4: 6). ’على الكل‘ أي كأب وكبدءٍ وكينبوع، و ’بالكل‘ أي بالكلمة، و ’في الكل‘ أي في الروح القدس. هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام، بل بالحق والوجود الفعليّ“.[23]

ويصف ق. أثناسيوس أقنوم الآب أيضًا بأنه ينبوع ونور وأب، ولا يمكن أن يكون الينبوع جافًا بدون ماء، ولا أب بدون ابن، ولا نور بدون شعاع كالتالي:

”إذَا كان الله ينبوعًا ونورًا وأبًا، فليس من الجائز القول بأن الينبوع جافٌ، أو أن النور بلا شعاع، أو أن الله بلا كلمة، لئلا يكون الله غير حكيم، وغير عاقل، وبلا شعاع. وإذًا، فحيث إن الآب أزليّ، فبالضرورة يكون الابن أيضًا أزليًا، لأن كل ما هو للآب فهو بلا شك للابن أيضًا“.[24]

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

ق. كيرلس الإسكندري

الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندريّ عن أن الآب هو المصدر أو الينبوع في الثالوث، وأن أقنوم الكلمة فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده قائلاً:

”أمَّا بالنسبة للابن فالبدء ليس بدءًا زمنيًا ولا جغرافيًا، فهو أزليّ وأقدم من كل الدهور، ولم يُولد من الآب في الزمان، لأنه كان مع الآب، مثل الماء في الينبوع، أو كما قال هو ’خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم‘ (يو 16: 28). فإذَا اعتبرنا الآب المصدر أو الينبوع، فإن الكلمة كان فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده. […] هل من اعتراض على أن الابن في الآب مثل الماء في الينبوع، أو أن الآب هو الينبوع؟ إنَّ كلمة ’ينبوع‘ تعني هنا المعية. لأن الابن في الآب وهو من الآب، ليس كمَّن يأتي من الخارج في الزمن، بل هو من ذات جوهر الآب“.[25]

الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية

يشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الآب هو بدء الابن، والبدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية قائلاً:

”ولذلك وصف القديسون الله الآب أنه هو ’بدء‘ الابن، وكانوا يقصدون من ذلك أنه مع الآب. […] وحقًا سوف يأتي مع الآب لأنه في الآب، وهو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية، وهي التي تجعل الآب هو البدء بالنسبة للابن من ناحية المعية لأن الابن من الآب“.[26]

الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية

ويوضح ق. كيرلس الإسكندري أن الآب هو البدء άρχή بمعنى القوة والسيادة على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة المدعوة للوجود بإرداة اللاهوت كالتالي:

”والإنجيليّ المبارك – على ما يبدو لي – يُسمِّي الآب البدء άρχή أي القوة والسيادة التي على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة التي هي كائنة ومدعوة للوجود بسبب إرادة اللاهوت. في هذا البدء άρχή الذي هو فوق الكل وعلى الكل ’كان الكلمة‘، ليس مع الطبائع المخلوقة التي تحت قدمي البدء، وإنما عاليًا عنها جميعًا، لأنه ’في البدء‘ أي من ذات الطبيعة والكائن دائمًا مع الآب، وله طبيعة الذي ولده كمكانٍ أزليّ قبل الكل. لذلك هو مولودٌ حرٌ من الآب الحر، ومنه ومعه له السيادة άρχή على الكلّ“.[27]

ويشير ق. كيرلس أيضًا إلى أن الآب هو البدء للابن، موضحًا مفهوم ’في البدء‘ أن البدء ليس أي شيء آخر سوى الآب ذاته قائلاً:

”يبدو الإنجيليّ الطوباويّ، وكأنه يُفسِّر لنا بوضوحٍ تامٍ مفهوم ’البدء‘، فيقول ليس البدء شيئًا آخر إلا الآب ذاته، الذي منه أشرق الكلمة المحيي، مثل النور من الشمس، والذي يُدرَك على أنه شيء آخر غير الشمس، لكنه ليس خارجًا عن جوهر ذاك الذي بعثه. فبدء الابن إذن هو الآب“.[28]

الآب هو أصل الكلمة الخالق

يقول ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس الرسوليّ، أن الآب هو أصل الكلمة الخالق، وأنه كائن طبيعيًا في الابن كالتالي:

”لأن الابن هو قوة أقنوم الآب الخاصة به وبجوهره. وأيضًا عندما يعمل الابن، يعمل الآب أيضًا، فالآب أصل الكلمة الخالق، وهو كائن طبيعيًا في الابن مثل النار في الحرارة الصادرة منها“.[29]

الآب هو الجذر والينبوع للابن

يؤكد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده، أي ابنه الوحيد، وهكذا كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي يصدر منه الابن كالتالي:

”لأن الآب يعمل بواسطة الابن. لأن كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي منه يصدر الابن، إذ أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده“.[30]

الآب هو البداية الأزلية للكلمة

يُفرِّق ق. كيرلس بين البداية الأزلية للكلمة في الآب خارج حدود الزمان والمكان، وبين البداية الزمنية للمخلوقات كالتالي:

”وحين حدَّد الكتاب أن الكلمة هو بداية المخلوقات، يقول: ’في البدء خلق‘، بينما عن كلمة الله ’في البدء كان الكلمة‘. بالنسبة للمخلوقات، البداية هي الزمن، بينما بالنسبة لكلمة الله، الكائن منذ الأزل، فإن البداية άρχή هي فقط أباه الأزليّ، الذي ليس له بداية، طالما أنه كائن معه أزليًا“.[31]

الآب هو بداية الابن

يفسر ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس[32] وق. باسيليوس الكبير، أن الآب أعظم من الابن، لأن الابن كمساوٍ للآب في الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، اتَّخذ الآب الذي بلا بداية كبدايةٍ له لأنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه كالتالي:

”إذًا، الابن مساوٍ للآب من جهة الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، لكنه يقول عن الآب إنه أعظم؛ لأنه أتَّخذ الآب الذي بلا بداية فقط بسبب أنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه“.[33]

الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعي منه

يرد ق. كيرلس على إدعاء الآريوسيين الهراطقة بأن الآب هو علة وجود الابن المخلوق، مؤكدًا على أن الآب هو علة وجود الابن كوالدٍ بحسب الطبيعة، وليس كخالق قائلاً:

”بأية طريقة، يا محاربي المسيح، تزعمون أن الآب صار علة وجود الابن؟ حسنًا. إذَا كُنتم تظنون أنه مخلوق، فإنه عندئذٍ يكون مخلوقًا وليس ابنًا، محاربين بوضوحٍ الآب الذي يقول للذي ولده: ’ولدتك من بطني قبل يوسيفوروس [كوكب الصبح]“ (مز 109: 3 سبعينية). أمَّا لو اعترفتم بأنه – حقًا – هو الابن وآمنتم بأنه هكذا يكون، عندئذٍ يتحتم عليكم ألا تقولوا إن الآب علة الابن كخالق، بل كوالدٍ بحسب الطبيعة. ولن يعيقكم عن ذلك شيءٌ؛ لأن الذي يأتي من آخر بحسب الطبيعة، يتحتم أن يكون من نفس جوهره، حتى لو كان ذاك هو علة وجوده“.[34]

ويستطرد ق. كيرلس في شرح كيف أن الآب هو علة وجود الابن، إلا أن الابن من نفس جوهر الآب، مولود منه أزليًا خارج حدود الزمان والمكان، وهو كائن معه أبديًا كالتالي:

”إنْ لم يكن الابن شبيهًا بالآب بحسب الجوهر، ولا مساويًا للآب في الجوهر، باعتبار أن الآب لا يأتي من علةٍ ما، بينما الآب هو علة الابن، فما الذي يمنع أن نقول أيضًا إن قايين لم يكن مساويًا لأبيه في الجوهر؟ لأن آدم لم يُولَد من أحد؛ لأنه كان الإنسان الأول، وفي ذات الوقت كان آدم هو علة قايين، إذ صار قايين منه. وبما أن هذا الافتراض كاذب (لأن قايين كان من نفس جوهر آدم)، فيكون الابن أيضًا – على أية حال – من نفس جوهر الآب، حتى لو كان الآب بالنسبة له علة وجوده، طالما أتى [وُلِدَ] منه أزليًا، وهو كائن معه أبديًا“.[35]

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاصة

نستخلص من هذا البحث تعليم الآباء الإسكندريين بدءًا من العلامة كليمندس الإسكندري وصولاً إلى ق. كيرلس الإسكندريّ بمونارخية الآب، وهكذا يتفق التعليم الإسكندريّ مع التعليم الكبادوكيّ بمونارخية الآب.

حيث يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ في سياق تعليمه عن مونارخية الآب أن الآب هو علة الابن. ويتبعه تلميذه العلامة أوريجينوس الإسكندريّ في نفس الأمر، حيث يرى أن الابن يأخذ من الآب ما هو عليه، وأن الآب هو بداية الابن، وهكذا يأخذ الابن كيانه من الآب بلا بداية أو زمان. كما يؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس، وأن الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث.

وهكذا يتبع العلامة أوريجينوس تلميذه ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، الذي يؤكد على اتحاد الابن والروح القدس في الآب الرأس، ويشير ق. ديونيسيوس إلى إكرام الابن للآب كرأسٍ له. ويرى أن الآب هو مصدر الابن، وأن الآب نبع الابن. ويشدد العلامة ديديموس الضرير، أحد تلاميذ العلامة أوريجينوس، على خروج أو صدور الابن والروح القدس من الآب.

ويتبع ق. أثناسيوس الرسوليّ التقليد الإسكندريّ السابق عليه، والذي يؤكد على مونارخية الآب. يقول ق. أثناسيوس بأن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ويصف الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس.

ويتبعه في ذلك ق. كيرلس الإسكندريّ الذي يؤكد على أن الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث، وأن الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية. ويرى ق. كيرلس أن الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية، ويقول، مثلما قال ق. أثناسيوس، بأن الآب هو أصل الكلمة الخالق. ويؤكد ق. كيرلس في نفس السياق أيضًا على أن الآب هو الجذر والينبوع للابن، وأن الآب هو البداية الأزلية لأقنوم الكلمة. ويقول، كما قال العلامة أوريجينوس من قبله، إن الآب هو بداية الابن. ويقول، مثلما قال الآباء الإسكندريين والكبادوكيين من قبله، إن الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعيّ منه.

[1] كليمندس الإسكندري (علامة)، المتفرقات (نسخة إليكترونية)، ترجمة: الأب الدكتور بولا ساويروس، (القاهرة، موقع الكنوز القبطية)، 8: 9: 18-20، ص 1429، 1430.

[2] المرجع السابق، 7: 1: 4، 5، ص 1210، 1211.

[3] المرجع السابق، 6: 17: 36، ص 1192.

[4] المرجع السابق، 5: 14: 28، 29، ص 945، 946.

[5] أوريجينوس (علامة)، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002)، 1: 2: 2، ص 85.

[6] المرجع السابق، 1: 2: 9، ص 94، 95.

[7] المرجع السابق، ص 95.

[8] أوريجينوس (علامة)، تفسير إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الراهب مكاري البهنساوي، تحت إشراف: الأنبا اسطفانوس أسقف ببا والفشن، (القاهرة، 2020)، ص 122، 123.

[9] المرجع السابق، ص 125-128.

[10] أوريجينوس (علامة)، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002)، 1: 2: 11، ص 99.

[11] المرجع السابق، 1: 2: 13، ص 100.

[12] المرجع السابق، 1: 3: 7، ص 113.

[13] أوريجينوس (علامة)، تفسير الرسالة إلى رومية ج1، ترجمة: د. عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2020)، 4: 9: 12، ص 312.

[14] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الرسالة الثانية عن الثالوث ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة وضد السابيليين، ص 167.

[15] المرجع السابق، ص 168، 169.

[16] المرجع السابق، تفسير إنجيل لوقا (لو 22: 42-48)، ص 211، 212.

[17] المرجع السابق، أسئلة وأجوبة، ص 237، 238.

[18] المرجع السابق، رسالة ق. ديونيسيوس الإسكندري إلى البابا ديونيسيوس الروماني، ص 289.

[19] المرجع السابق، ص 292، 293.

[20] ديديموس الضرير (علامة)، الروح القدس، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2015)، 4: 113-115، ص 73-75.

[21] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 5: 14، ص 61.

[22] المرجع السابق، 1: 6: 3، ص 70.

[23] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 28، ص 96.

[24] المرجع السابق، 2: 2، ص 113، 114.

[25] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 1: 1، ص 43.

[26] المرجع السابق، ص 44.

[27] المرجع السابق، ص 45.

[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 32: 121، ص 504.

[29] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 1: 1، ص 80.

[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 401.

[31] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 15: 50، ص 252.

[32] يفسر ق. أثناسيوس آية ”أبي أعظم مني“ كالتالي: ”لذلك، فإن الابن نفسه لم يقل ’أبي أعظم مني‘ حتى لا يظن أحدٌ أنه غريب عن طبيعة الآب، بل قال: ’أعظم مني‘، ليس من جهة الحجم ولا من جهة الزمن، بل بسبب ميلاده من أبيه ذاته، فإنه حتى عندما يُقال: ’أعظم مني‘، أَظهر مرةً أخرى أنه من ذاتية جوهره الذاتيّ“ (أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرين، القاهرة، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، 1: 13: 58، ص 140).

[33] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 11: 4، ص 137.

[34] المرجع السابق، مقالة 10: 10، ص 124.

[35] المرجع السابق، مقالة 10: 12، ص 125.

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ابريل 2024م

 

 

الفهرست

مقدمة. 1

الفصل الأول: شهادات الكتاب المقدس… 4

الفصل الثاني: شهادات آباء الكنيسة الجامعة. 10

ق. إيرينيؤس أسقف ليون. 11

حواء هي سبب الموت لنفسها 11

الشيطان هو جالب الموت على الإنسان. 11

الموت كان لصالح الإنسان. 12

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي. 12

الإنسان جنى الموت بالعصيان. 12

ظهور الموت بسبب حسد إبليس.. 13

ق. يوستينوس الشهيد 13

البشر جلبوا الموت على أنفسهم 13

ق. ميثوديوس الأوليمبي. 14

الله وضع نهاية للخطية بالموت.. 14

الإنسان هو علة موته وفنائه. 14

نوفاتيان الأفريقي. 15

عقوبات الله الشفائية. 15

ق. ديونيسيوس الإسكندري.. 15

لا يشأ الله موت الخاطئ على الإطلاق. 15

ق. أثناسيوس الرسولي. 16

الموت هو نتيجة التعدي.. 16

البشر هم علة فساد الموت.. 16

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس.. 17

جلب البشر الموت على أنفسهم 17

الموت لتلافي النتيجة المرعبة. 17

ق. هيلاري أسقف بواتييه. 18

لا يوجد موت في الله.. 18

ق. باسيليوس الكبير. 18

الله لا يميت أحد بل يحيي. 18

الإنسان أمات نفسه بنفسه. 19

سقوط الإنسان في الموت بالخطية. 19

الإنسان جلب الموت بإرادته. 19

لايوجد الموت مع الحياة في الله.. 20

ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي. 21

الموت في مصلحة الإنسان. 21

لا يريد الله موت الخاطئ. 21

ق. غريغوريوس النيسي. 22

الموت عقيم لم يغرسه الله.. 22

الشيطان هو مصدر الموت.. 22

الشر هو بداية الموت وليس الله.. 23

الله ليس خالق الموت.. 23

التعدي هو أم الموت.. 23

دخول الموت لمنع تأبيد الشر. 24

الإنسان أمات نفسه بنفسه. 24

ق. يوحنا ذهبي الفم. 25

الخطية سبب الموت وليس الله.. 25

الموت في صالح الإنسان. 26

الموت فائدة للإنسان. 26

الموت ليس شرًا بل خيرًا 28

ق. كيرلس الإسكندري.. 28

الخطية هي علة الموت وليس الله.. 28

الإرادة الإلهية تمقت إفناء المخلوقات.. 29

الخطأة هم قتلة أنفسهم 29

الموت في مصلحة الإنسان. 30

دخول الموت بحسد إبليس.. 30

ق. بروكلس رئيس أساقفة القسطنطينية. 31

الشيطان مسلمنا إلى الموت.. 31

قطف آدم الموت لنفسه. 31

ق. ساويروس الأنطاكي. 31

الموت نتيجة طبيعية للضعف الجسدي.. 31

سيادة الموت والهموم بعد السقوط. 32

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس.. 33

مار أغريس البنطي. 33

لا يشأ الله موت أحد 33

لا يوجد الموت والحياة في نفس الشخص والوقت.. 34

موت النفس هو الشر. 34

مار إسحاق السرياني. 34

لا يوجد الموت في الله.. 34

ق. مكاريوس الكبير. 35

موت الإنسان عن الله.. 35

الإنسان هو علة هلاكه وموته. 35

موت النفس بانفصالها عن الروح القدس.. 36

ق. يوحنا كاسيان. 36

الله ليس صانع الموت.. 36

الفصل الثالث: شهادة الليتورجية القبطية. 38

دخول الموت بحسد إبليس.. 38

الإنسان أختطف الموت لنفسه. 38

تأديبات الله المؤدية للحياة 39

لا يشأ الله موت الخاطئ بل توبته. 39

 

 

 

مقدمة

سوف نحاول في هذا البحث الموجز عزيزي القارئ الإجابة على تساؤلات في غاية الأهمية تمس قضية الموت، وهي: هل الله يُمِيت البشر؟ وهل الله يُعاقِب البشر بالموت؟ وهل الله يُهلِك البشر؟ وهل الله هو علة موت البشر؟ تساؤلات جد خطيرة تمس واقعنا المسيحيّ المعاصر. لقد خرج علينا البعض يدَّعون على الله زورًا وبهتانًا أن إله يميت! وإنه يقتل البشر! وإنه يُهلِك البشر! بل ويُقدِّمون صورًا مشوهةً على الألوهة مستغلين آيات الكتاب المقدَّس التي يأوِّلونها حسب أهوائهم وأفكارهم الضحلة والمشوَّهة عن الألوهة المنزَّهة عن الموت والهلاك والفناء. فالله كليّ الصلاح بسبب صلاحه جلب الإنسان من العدم إلى الوجود، فكيف يُرسِله بيديه مرةً أخرى إلى العدم؟ هل هذا معقول؟! هؤلاء يفعلون كما فعل الوثنيون قديمًا حيث كانوا ينسبون الموت إلى إله الموت وذلك في سياق تعدُّد الآلهة، وكأنهم لم يسمعوا عن الله معطي الحياة الذي أُظهِر بالكامل وأُعلِن عنه بالكامل في ابنه ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي خبَّر عن الله الذي لم يره أحدٌ قط. فالمسيح هو الإعلان الحقيقيّ والكامل عن الله الحيّ، لم يقل المسيح عن نفسه في الإنجيل أنا هو الموت، لم يقل عن نفسه أنا هو المهلِك، لم يقل أنه هو علة هلاك البشرية وسبب إماتها، بل قال عن نفسه أنا هو القيامة والحياة مَن آمن بي ولو مات فسيحيا، جئتُ لأُخلِّص العالم لا لأُدين العالم، هؤلاء لم يعرفوا المسيح القائم من بين الأموات بعد، هؤلاء لازالوا قابعين في حرفية الناموس والفريسية البغيضة التي طالما رفضها السيد المسيح، هؤلاء لازالوا في مرحلة البداوة الروحية، للأسف لازال هؤلاء يُفكِّرون بمنطقٍ همجيّ بربريّ عن الألوهة ناسبين إليها فعل الإماتة والإهلاك والإفناء للبشرية، هؤلاء أبناء الموت وليسوا أبناء الحياة. هؤلاء يُمثِّلون ردة إلى اليهودية والتهود، بل يُمثِّلون ردة إلى عصور ما قبل التاريخ البشريّ المتحضر، ينسبون للألوهة ما ليس فيها، ويُسقِطون أفكارهم المريضة والمشوَّشة عن الألوهة كلية الصلاح والرحمة والرأفة، معتقدين إنهم بذلك يعبدون الإله الحقيقيّ المميت المهلِك في نظرهم، بل يعتقدون إنهم يُقدِّمون خدمة لله بالدفاع عنه كمبيد وقتال للبشر، ونسوا أن إبليس الكذَّاب وأبو الكذَّاب هو الذي كان قتَّالاً للناس منذ البدء، إبليس مخترع الموت والخطية، الذى أغوى الإنسان وأسقطه في الخطية بإرادته، فصار الإنسان علة موته مشارِكًا في هلاكه وفنائه بسبب خضوعه لغواية إليس وتعديه وعصيانه لله، وإنفصاله الإراديّ عن مصدر حياته، أي الله، فصار هو نفسه علة موته وهلاكه، وليس الله جابله وخالقه ومانحه الحياة.

سوف نُحاوِل الإجابة على سؤال: هل الله يُمِيت البشر؟ وذلك من خلال شهادات الكتاب المقدَّس وشهادات آباء الكنيسة الجامعة المعلِّمين، وشهادة صلوات الليتورچية المقدَّسة.

أود التنويه إلى أن النصوص الكتابية والآبائية المذكورة في هذا البحث هي بعض من كل، فهناك العديد والعديد من الشهادات والنصوص الكتابية والآبائية والليتورچية التي تؤيد هدف البحث، وهو أن الله لا يميت البشر، بل هو المحيي ومانح وواهب الحياة والخلاص من الموت للبشرية جمعاء.

 

 

الفصل الأول: شهادات الكتاب المقدس

يدَّعي البعض عن جهل وبدون وعي أن الله يُنزِل الموت على البشر كعقوبة، وكأنَّ الله هو علة موت الإنسان. وهذا التعليم عارٍ تمامًا عن الصحة، بل وضد تعاليم الكتاب المقدس والتقليد الرسولي والآبائي كما سنرى. يُعدّ الموت في تعاليم الكتاب المقدس هو نتيجة التعدي والعصيان، وليس من الله، حيث قال الله للإنسان: ”وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ“ (تك 2: 17). ويذكر سليمان الحكيم أن الشرير يموت من خطيته وليس بإنزال الله الموت عليه قائلاً: ”الشِّرِّيرُ تَأْخُذُهُ آثَامُهُ وَبِحِبَالِ خَطِيَّتِهِ يُمْسَكُ. إِنَّهُ يَمُوتُ مِنْ عَدَمِ الأَدَبِ، وَبِفَرْطِ حُمْقِهِ يَتَهَوَّرُ“ (أم 5: 23). ويقول إرميا النبي أن الموت هو نتيجة ذنب الشخص نفسه كالتالي: ”بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يَمُوتُ بِذَنْبِهِ. كُلُّ إِنْسَانٍ يَأْكُلُ الْحِصْرِمَ تَضْرَسُ أَسْنَانُهُ“ (إر 31: 30).

ويتحدَّث سفر الحكمة أن الموت هو نتيجة أفعال البشر الشريرة، وليس من الله كما يدَّعي البعض عن جهل، حيث يقول التالي: ”لا تغاروا على الموت في ضلال حياتكم ولا تجلبوا عليكم الهلاك بأعمال أيديكم، اذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره“ (حك 1: 12، 13)، ويُؤكِّد سفر الحكمة أيضًا أن البشر هم مَن جلبوا الموت على أنفسهم بأيديهم وأقوالهم، وليس الله هو مَن أنزل الموت كالتالي: ”لكن المنافقين هم استدعوا الموت بأيديهم وأقوالهم ظنوه حليفًا لهم فاضمحلوا وإنما عاهدوه لأنهم أهل أن يكونوا من حزبه“ (حك 1: 16)، ويُؤكِّد سفر الحكمة أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، ولم يكن الله هو علة موت الإنسان كالتالي: ”فإن الله خلق الإنسان خالدًا وصنعه على صورة ذاته، لكن بحسد ابليس دخل الموت الى العالم“ (حك 2: 23، 24).

ويُؤكِّد حزقيال النبي أن النفس التي تخطئ هي التي تموت، وليس الله هو مَن يميتها قائلاً: ”اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ“ (حز 18: 4)، ويقول الله في سفر حزقيال أنه لا يسره موت الشرير، فكيف يكون الله هو علة موته كالتالي: ”هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ؟ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا؟“ (حز 18: 23). ويُؤكِّد يشوع بن سيراخ أن الموت دخل إلى العالم بخطية المرأة حواء، وليس من الله كالتالي: ”من المرأة ابتدأت الخطيئة وبسببها نموت نحن أجمعون“ (سي 25: 33). ويُؤكِّد سفر المكابين الثاني أن الله هو رب الحياة وليس رب الموت كالتالي: ”ودعا رب الحياة والروح أن يردهما عليه ثم فاضت نفسه“ (2 مك 14: 46).

ويُشدِّد المسيح له كل المجد أن الله هو إله أحياء وليس إله أموات قائلاً: ”لَيْسَ اللهُ إِلهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلهُ أَحْيَاءٍ“ (مت 22: 32). وهكذا يؤكد بولس الرسول أن الموت دخل إلى العالم بالخطية، وليس من الله قائلاً: ”مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ، وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ، وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ“ (رو 5: 12). ويُشدِّد بولس الرسول على أن أجرة أو ثمن الخطية هو الموت، وبالتالي، الموت نتيجة للخطية وليس من الله قائلاً: ”لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا“ (رو6: 23). وهذا ما يقوله مُعلِّمنا يعقوب الرسول أن الموت هو نتيجة عن الخطية، وليس نتيجة عن الله كما يدَّعي البعض عن جهل كالتالي: ”ثُمَّ الشَّهْوَةُ إِذَا حَبِلَتْ تَلِدُ خَطِيَّةً، وَالْخَطِيَّةُ إِذَا كَمَلَتْ تُنْتِجُ مَوْتًا“ (يع 1: 15). وهكذا نجد أن الكتاب المقدس بعهديه يؤكد على أن الخطية والشر هما علة الموت، وليس الله هو علة الموت. فالله لم يقل في الكتاب المقدس: ”أنا هو الموت“ حاشا! بل قال: ”أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيًّا وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ“ (يو 11: 25)، وقال أيضًا: ”أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ“ (يو 14: 6).

فالحياة هي صفة جوهرية من صفات الجوهر الإلهي منذ الأزل، فالله هو معطي الحياة وواهبها، وجابل الخليقة من العدم إلى الحياة، فكيف يميت الله الإنسان بعدما أحضره من العدم إلى الوجود والحياة؟! الحياة هي صفة من صفات أقانيم الثالوث القدوس ولا يوجد الموت كصفة من صفات الجوهر الإلهي، فكيف يميت الله البشر، أو يُنزِل الموت عليهم؟ هل الموت صفة أزلية في الله الثالوث يمارسها بين أقانيمه منذ الأزل كصفات المحبة، والقداسة، والحكمة، والبر، والحياة… إلخ؟ بالطبع، لا. بل الآب والابن هما مصدر الحياة ولهما الحياة في ذاتيهما وليس الموت أو الإماتة كما يدَّعي البعض عن جهل، حيث يقول يوحنا الرسول التالي: ”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ“ (يو 5: 26). وتُمارِس أقانيم الثالوث فعل الإحياء، وليس فعل الإماتة، كما يقول يوحنا الرسول: ”لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي، كَذلِكَ الابْنُ أَيْضًا يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ“ (يو 5: 21). والروح القدس هو روح الحياة وليس روح الموت. فأريد أن أسأل أولئك الذين يدَّعون بالباطل على الله أنه يميت البشر، كيف يميت الله خليقته التي جلبها من العدم إلى الوجود، ليرجعها مرةً أخرى من الوجود إلى العدم؟ فلماذا جلبها بالأساس من العدم إلى الوجود لكي يعيدها مرةً أخرى من الوجود إلى العدم؟ أليس هذا تناقض صارخ؟!

يُشِير الكتاب المقدَّس في إشارات عديدة إلى أن إبليس هو الذي كان قتالاً للناس منذ البدء، وليس الله هو الذي يعاقب البشر بالموت. حيث يؤكد الكتاب المقدس على أن الشر هو الذي يميت الشرير، وليس الله قائلاً: ”الشَّرُّ يُمِيتُ الشِّرِّيرَ، وَمُبْغِضُو الصِّدِّيقِ يُعَاقَبُونَ“ (مز 34: 21). وهكذا نرى في قصة طوبيا أن الشيطان هو الذي كان يقتل أزواج سارة، لذا نجد طوبيا يتحدث عن أن الشيطان هو الذي قتل أزواج سارة السبعة قائلاً: ”فأجاب طوبيا وقال: إني سمعت أنه قد عُقِدَ لها على سبعة أزواج فماتوا، وقد سمعت أيضًا أن الشيطان قتلهم“ (طو 6: 14). فالشيطان إذًا هو الذي يقتل البشر وليس الله.

يتحدَّث السيد المسيح له كل المجد عن أن الشيطان كان قتَّالاً للناس، ويميت البشر منذ البدء، وليس الله كالتالي: ”أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا. ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَق. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ“ (يو 8: 44). ويُؤكِّد بولس الرسول أن إبليس هو مَن له سلطان الموت، أيّ القدرة على إماتة البشر، وليس الله هو الذي يعاقب البشر بالموت كالتالي: ”فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ“ (عب 2: 14). ويُشبِّه بطرس الرسول إبليس خصم البشر بأنه كأسد زائر يلتمس مَن يبتلعه ويميته، وليس الله هو الذي يميت البشر كالتالي: ”اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ“ (1بط 5: 8). ويتحدَّث بولس الرسول عن تسليم الخاطئ إلى الشيطان لهلاك الجسد مؤكدًا على أن الموت والهلاك من الشيطان، وليسا عقوبةً من الله للبشر كالتالي: ”أَنْ يُسَلَّمَ مِثْلُ هذَا لِلشَّيْطَانِ لِهَلاَكِ الْجَسَدِ، لِكَيْ تَخْلُصَ الرُّوحُ فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ“ (1كو 5: 5).

ولكن قد يتحجَّج البعض ويقول إن الكتاب يذكر عن الله أنه يحيي ويُمِيت كالتالي: ”الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ“ (1صم 2: 6)، فنرد أن الكتاب ذكر أيضًا أن الله هو خالق الظلمة وخالق الشر كالتالي: ”أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظُّلْمَةِ، صَانِعُ السَّلاَمِ وَخَالِقُ الشَّرِّ“ (إش 45: 6، 7). فنتساءل هل الله هو خالق الظلمة والشرّ أيضًا مثلما يُمِيت؟ بالطبع لا، ولكن الكتاب المقدَّس كان يهتم بالإعلان عن وحدانية الألوهة في وسط الشعوب التي تُؤمِن بمذهب تعدُّد الآلهة، ويجعلون لكل شيء إله، إله للنور، وإله للظلام، وإله الخير، وإله الشرّ، وإله الموت… إلخ. وكانت هناك الشعوب التي تُؤمِن بمذهب ثنائية الألوهة كالزرادشتية والغنوسية والمانوية، حيث يرون أن هناك إلهان: إله الخير وإله الشرّ، النور والظلمة، الحياة والموت، وهكذا. لذا كان يُحارِب الكتاب المقدَّس هذه المذاهب المنحرِفة عن الألوهة بنسب كل الأشياء إلى الإله الواحد الوحيد، حتى لو كان الله ليس هو خالق الظلمة، أو الشر، أو الموت، بل الله صالحٌ وهو خالق النور والخير والحياة، وبالتالي، لا بد أن ننتبه إلى حديث الكتاب المقدَّس عن وحدانية الألوهة للتأكيد على وجود كل الأشياء في دائرة سيطرة الله وتدبيره وعنايته بالخليقة كلها، فلا يحدث شيء خارج سيطرة الله الواحد الوحيد.

 

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثاني: شهادات آباء الكنيسة الجامعة

سوف أستعرض في هذا الفصل من بحثنا تعاليم الآباء القديسين المعلِّمين في الكنيسة الجامعة التي تُؤكِّد على أن الله لم يخلق الموت، وليس هو علة الموت، بل الموت كان نتيجة عن الخطية، وأن الموت والإماتة ليسا لهما وجود في طبيعة الله، بل الله حيّ ويُحِيي الأشياء، كما يقول الكتاب: ”لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ“ (أع 17: 28).

كما يُؤكِّد آباء الكنيسة المعلِّمين على حقيقة مهمة جدًا، ألا وهي أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس وبخطية الإنسان، متبعين الكتاب المقدَّس في ذلك. ولم يكن الموت عقوبة من الله للبشر، بل يُؤكِّدون على أمر غريب جدًا، ألا وهو أن الموت كان لصالح الإنسان حتى لا يظلّ الإنسان يُمارِس الشرَّ والخطية إلى الأبد، وبالتالي، تأبيد الشرِّ والخطية واستمرارهما إلى الأبد. لأنه إذا كانت العقوبة القانونية في حالة العقوبات البشرية القضائية العادية مثل عقوبة السجن على سبيل المثال، تُعتبر سلبًا لحرية الشخص المعاقَب، وعقوبة الإعدام هي سلب لحياة الشخص المعاقَب، وبالتالي، تُعتبر العقوبة البشرية القانونية شرًا بالنسبة للشخص المعاقَب، وليس خيرًا أو في مصلحته. وهكذا، لو كانت العقوبة الإلهية – بحسب المنادين بالعقوبة القانونية الجزائية – هي عقوبة قانونية أو جزائية أو انتقامية من الله للبشرية، فسوف تكون العقوبة هي شرٌّ بالنسبة للكائن المعاقَب، وليست لصالحه، لأنها سوف تُؤدِي إلى هلاك الشخص المعاقَب وموته. بل يرى آباء الكنيسة على العكس من ذلك أن الموت الذي دخل إلى العالم بعد السقوط كان في مصلحة البشرية، وليس شرًا للإنسان، وبالتالي، لم يكن الموت عقوبةً قانونيةً من الله للبشرية، بل كان الموت في مصلحة البشرية من أجل الحفاظ عليها من البقاء في الشر والخطية إلى الأبد.

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

حواء هي سبب الموت لنفسها

يُشِير ق. إيرينيؤس أبو التقليد الكنسيّ، وأسقف ليون بفرنسا، إلى أن حواء غير المطيعة كانت هي سبب الموت لنفسها وللجنس البشريّ كله، وليس الله كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي كالتالي:

”وإذ صارت [حواء] غير مطيعة، كانت هي سبب الموت لنفسها وللجنس البشريّ كله، هكذا أيضًا، فإن مريم إذ كانت مخطوبةً لرجلٍ، ومع ذلك كانت عذراءً، وأذعنت بطاعةٍ، فصارت سبب الخلاص لنفسها ولكل الجنس البشريّ“.[1]

الشيطان هو جالب الموت على الإنسان

يرى ق. إيرينيؤس أن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه، بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت، لأنه بينما وعد بأنهم سيكونون آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت إليهم كالتالي:

”لأن آدم الأول صار إناءً للشيطان الذي امتلكه، وأمسكه تحت سلطانه، بأن أدخل الخطية إليه ظلمًا، وتحت ستار عدم الموت أورثه الموت. لأنه بينما وعد بأنهم ينبغي أن يكونوا آلهةً، وهو ما لا يمكن حدوثه، فإنه جلب الموت إليهم“.[2]

الموت كان لصالح الإنسان

يُؤكِّد ق. إيرينيؤس على أن الموت كان لصالح الإنسان، وليس عقوبة من الله للإنسان، حتى لا يستمر الإنسان خاطئًا إلى الأبد كالتالي:

”لذلك أيضًا، طرد الله الإنسان من الفردوس، ونقله بعيدًا عن شجرة الحياة، ليس لأنه يحسده على شجرة الحياة، كما يزعم البعض، بل لأنه أشفق عليه، ولم يرغب له أن يستمر خاطئًا إلى الأبد، ولا تكون الخطية، التي أحاطت به خالدةً، ولا يكون الشر غير مُتناهٍ، وعديم العلاج. ولكنه وضع حدًا لخطيئته بأن أدخل الموت، وهكذا أوقف الخطية، بأن وضع لها نهاية بانحلال الجسد، الذي يحدث في داخل الأرض، حتى أن الإنسان، إذ يكف عن الحياة في الخطية، ويموت عنها، ويبدأ أن يحيا لله“.[3]

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي

الإنسان جنى الموت بالعصيان

ينفي ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أن يكون الله هو علة موت الإنسان، بل الإنسان جنى بالعصيان الموت لنفسه، وبالتالي، الإنسان هو المسئول عن موته، وليس الله هو المسئول قائلاً:

”مرةً أخرى، لو خلقه الله فانيًا، كان سيبدو أن الله مسئول عن موته […] ولكن إنْ توجه [الإنسان] إلى أعمال الموت عاصيًا الله، صار مسئولاً عن موته […] لأنه كما بالعصيان جنى الإنسان الموت لنفسه، هكذا بالطاعة (رو 5: 18، 19) لمشيئة الله، يستطيع كل مَن أراد أن يحصل على الحياة الأبدية لنفسه“.[4]

ظهور الموت بسبب حسد إبليس

ويُؤكِّد ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ أن بداية الموت ظهرت في العالم بسبب حسد إبليس، وليس أن الله أوقع الموت على البشر، وهكذا حرَّض إبليس قايين على قتل أخيه هابيل، فظهرت بداية الموت في العالم كالتالي:

”عندما رأى إبليس أن آدم وزوجته ليسا فقط أحياء، بل أنجبا ذريةً أيضًا، غُلِبَ من الحسد، لأنه لم يكن بالقوة الكافية ليميتهم. ولأنه رأى أن هابيل يُرضِي الله، فعمل على أخيه المُسمَّى قايين، وجعله يقتل أخاه. ومِن ثم ظهرت بداية الموت في هذا العالم، ليصل الجنس البشري بكامله إلى هذا اليوم“.[5]

ق. يوستينوس الشهيد

البشر جلبوا الموت على أنفسهم

يرى ق. يوستينوس الشهيد أن البشر هم الذين جلبوا الموت على أنفسهم مثل آدم وحواء بعصيانهم، وليس أن الله يجلب الموت على البشر كالتالي:

”ولكنني لا أنوي الخوض في هذه النقطة، بل أن أثبت أن الروح القدس يُوبِّخ الناس المخلوقين على صورة الله، متحررين من الألم والموت بشرط إطاعة وصاياه، وحُسِبوا مستحقين أن يُدعوا أبناء الله، ولكنهم مثل آدم وحواء جلبوا الموت على أنفسهم“.[6]

ق. ميثوديوس الأوليمبي

الله وضع نهاية للخطية بالموت

يُؤكِّد ق. ميثوديوس الأوليمبيّ على حقيقة أن الله وضع نهاية للخطية بالموت، وليس أن الموت عقوبة من الله للبشر كالتالي:

”والآن، كانت خيمتنا في الأول مُزوَّدةً بحالة سامية ثابتة؛ لكن تحوَّلت بواسطة التعدي، وانحنت إلى الأرض. ولكن الله وضع نهاية للخطية بالموت، خشية فناء الإنسان من أن يعيش خاطئًا، وتعيش الخطية فيه، فيكون مُعرضًا للعنة الأبدية“.[7]

الإنسان هو علة موته وفنائه

يُشِير ق. ميثوديوس إلى أن الإنسان قد وُضِعَ في مكان وسط بين الفساد وعدم الفساد، الموت وعدم الموت، ولكنه عندما أختار الفساد، فإنه أصبح فاسدًا وفانيًا كالتالي:

”والآن كون الإنسان بين الجانبين، لا يكون خيَّرًا أو شريرًا، لكنه وُضِعَ في مكانٍ وسط، بين الفساد وعدم الفساد. ميله إلى أحد الجانبين يكون باشتراك الطبيعة، التي وُضِعَت عليه. فعندما يميل إلى الفساد، يصبح فاسدًا وفانيًا؛ وعندما يميل إلى عدم الفساد، يصبح طاهرًا وخالدًا“.[8]

نوفاتيان الأفريقي

عقوبات الله الشفائية

يرى نوفاتيان الأفريقيّ – وهو أحد الآباء اللاتين – أن العقوبات الإلهية هي عقوبات شفائية، ولا تنبع في الله من رذيلة أو ضعف، بل لإرجاع البشر إلى المسار الصحيح كالتالي:

”كذلك حقيقة أن الله يغضب لا تنبع من أي رذيلة فيه. وإنما يتصرف هكذا لمنفعتنا. فهو رحيمٌ حتى عندما يُهدِّد، لأنه بهذه التهديدات يُرجِع البشر إلى المسار الصحيح. فالخوف أمرٌ ضروريّ لمَّن يفتقدون إلى الحافز إلى الحياة الصالحة، حتى أن الرافضين للعقل يتحرَّكون على الأقل بدافع الخوف. ولذلك، فكل هذه المواضع عن الغضب والكراهية وما شابه ذلك من جانب الله، قد أُعلِنَت، كما يتبيَّن من حقيقة الأمر، لشفائنا، وهي تنبع عن قصد مُتعمَّد، وليس من رذيلة أو من ضعف“.[9]

ق. ديونيسيوس الإسكندري

لا يشأ الله موت الخاطئ على الإطلاق

يُؤكِّد ق. ديونيسيوس الإسكندريّ أن الله لا يريد موت الخاطئ على الإطلاق، بل أن يتوب كالتالي:

”فهم يتشفعون لبعض الأخوة الساقطين، الذين جلبوا على أنفسهم اتهامات تقديم ذبائح للأوثان، يترقبون عودتهم وتوبتهم، ويقبلونها بكونها مقبولةً عند [الله] الذي لا يريد على الإطلاق موت الخاطئ، بل أن يتوب“.[10]

ق. أثناسيوس الرسولي

الموت هو نتيجة التعدي

يُؤكِّد ق. أثناسيوس الرسوليّ أن الموت هو نتيجة تعدي الإنسان للوصية، ولم يكن الموت من الله على الإنسان، حيث جلب البشر الموت على أنفسهم كالتالي:

”أمَّا إذَا تعدوا الوصية وارتدوا عن الخير، وصاروا أشرارًا، فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم حسب طبيعتهم“.[11]

البشر هم علة فساد الموت

ويُشِير ق. أثناسيوس إلى أن البشر هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد الموت، وليس الله كما يدَّعي الجهلاء كالتالي:

”ولكن البشر حوَّلوا وجوههم عن الأمور الأبدية، وبمشورة الشيطان تحوَّلوا إلى أعمال الفساد الطبيعيّ، وصاروا هم أنفسهم السبب فيما حدث لهم من فساد بالموت. لأنهم كانوا – كما ذكرت سابقًا – بالطبيعة فاسدين، لكنهم بنعمة اشتراكهم في الكلمة، كان يمكنهم أن يفلتوا من الفساد الطبيعيّ، لو أنهم بقوا صالحين“.[12]

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، وليس من الله كالتالي:

”وبسبب أن الكلمة سكن فيهم، فإن فسادهم الطبيعي لم يمسهم كما يقول سفر الحكمة: ’الله خلق الإنسان لعدم فساد، وجعله على صورة أزليته، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 23- 24)، وبعدما حدث هذا بدأ البشر يموتون“.[13]

جلب البشر الموت على أنفسهم

ويُكرِّر ق. أثناسيوس أيضًا أن البشر هم الذين جلبوا الموت والفساد على أنفسهم، ولم يُنزِل الله عليهم الموت قائلاً:

”فالبشر لم يقفوا عند حد مُعيَّن في خطاياهم، بل تمادوا في الشرِّ، حتى أنهم شيئًا فشيئًا تجاوزوا كل الحدود، وصار يخترعون الشرَّ حتى جلبوا على أنفسهم الموت والفساد“.[14]

الموت لتلافي النتيجة المرعبة

يُشِير ق. أثناسيوس الرسوليّ إلى أن الله أعلن حكم الموت بسبب التعدي، حتى لا تصير النتيجة مرعبة وغير لائقة، ألا وهي تأبيد الشر والخطية كالتالي:

”لأن الموت أيضًا، وكما قُلت سابقًا، صارت له سيادة شرعية علينا (بسبب التعدي)، ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، وكان من المستحيل التهرُّب من حكم الناموس، لأن الله هو الذي وضعه بسبب التعدي، فلو حدث هذا لأصبحت النتيجة مُرعِبة حقًا وغير لائقة في نفس الوقت“.[15]

ق. هيلاري أسقف بواتييه

لا يوجد موت في الله

يرى ق. هيلاري أسقف بواتييه الملقَّب بـ ”أثناسيوس الغرب“ أن الله لا يوجد فيه موت البتة، بل هو غير المائت، فكيف يدَّعي البعض عن جهل وبدون علم أن الله يُمِيت البشر كالتالي:

”مرةً أخرى، إنْ كنتم تسمعون أنه ذاتيّ المنشأ، إلا أنه لا يوجد مثلٌ يكون فيه مُعطِي نعمة الحياة مطابقًا للحياة التي تُعطَى. إنْ كنتم تسمعون أنه غير مائتٍ، إذًا، فهناك شيءٌ لم ينبثق منه وليس له اتصال معه بطبيعته ذاتها؛ وفي الواقع، الموت ليس هو الشيء الوحيد الذي يدَّعي تعبير ’غير مائت‘ أنه بعيدٌ عن الله“.[16]

ق. باسيليوس الكبير

الله لا يميت أحد بل يحيي

يُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير أن الله لا يميت أحد ويُحِيي آخر، بل يُحِيي بالأشياء المائتة، ويشفي بالأمور المؤلمة كالتالي:

”إذًا، الله لا يُمِيت أحد، ويُحِيي آخر، ولكن هو يُحِيي بالأشياء التي تُمِيت، ويشفي بالأمور التي تجرح“.[17]

الإنسان أمات نفسه بنفسه

ويُوضِّح ق. باسيليوس الكبير أن الإنسان أمات نفسه بنفسه بخطيئته، وجلب وصنع الموت لنفسه، فالموت ليس له كيان في حد ذاته، بل هو انعدام الحياة كالتالي:

”إذًا، فهو الذي وقع في الخطية عن طريق اختياره السيء، ومات بسبب الخطية، ’لأن أجرة الخطية هي موت‘ (رو6: 23)، أي أن كل مَن يبتعد عن الحياة، يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه، وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور ’لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا ليس الله هو خالق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة“.[18]

سقوط الإنسان في الموت بالخطية

يُشِير ق. باسيليوس أيضًا إلى أن الإنسان سقط في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية، ولم يكن الله هو المنفِّذ لهذا الموت كالتالي:

”لقد كُنتُ حسنًا بالطبيعة وصالحًا، ولكنني ضعيف، لأني سقطت في الموت بالخطية عن طريق خداع الحية“.[19]

الإنسان جلب الموت بإرادته

ويُؤكِّد ق. باسيليوس الكبير نفس الأمر أيضًا أن الله لم يخلق الموت، بل جلب الإنسان الموت عليه بإرادته الشريرة، وهكذا لم يوقف الله الموت حتى لا يظل المرض أي الخطية إلى الأبد بلا نهاية كالتالي:

”لأن أجرة الخطيئة هي موت (رو 6: 23) أي كل مَن يبتعد عن الحياة، يقترب من الموت، لأن الله هو الحياة، وغياب الحياة هو موت. هكذا جلب آدم الموت على نفسه، وصنعه بابتعاده عن الله وفق المكتوب في المزمور: ’لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون‘ (مز 73: 27). هكذا ليس الله هو الذي خلق الموت، لكن نحن الذين جلبناه على أنفسنا بالإرادة الشريرة. لكن الله لم يُوقِف الانحلال الذي يحمله الموت حتى لا يظلّ المرض بدون نهاية“.[20]

لايوجد الموت مع الحياة في الله

ويستنكر ق. باسيليوس الكبير أيضًا أن يكون الله هو علة الموت، ويرفض أن يجتمع في الله الشيء وضده، فلا يجتمع الموت والحياة معًا في الله، وبالتالي، يدحض إدعاءات الذين يقولون إن الله يُهلِك ويُمِيت البشر كالتالي:

”الواقع إنني أتعجب كيف أن هؤلاء القوم لا تتملكهم الرعدة لمجرَّد تفكيرهم وتصوُّرهم لمثل هذه التجاديف المنفَّرة. كما أنه من الخطأ روحيًا أن يُقَال إن الشرَّ استمده وجوده من الله، لأن الضد لا ينتج مما هو ضده. الحياة لا تلد موتًا، والنور لا ينبثق من الظلام، كما أن الصحة لا تنتج من المرض، إنما هذا يُعتبَر تغيير من حالة إلى عكسها […] ويجب التنويه على أن ما يصيب الإنسان من مرض وفقر وموت، لا يُعتبَر من الشرور. ذلك لأن بعض هذه الأمور التي تُصِيب الإنسان تتحوَّل لفائدته“.[21]

ق. غريغوريوس النزينزي اللاهوتي

الموت في مصلحة الإنسان

يُؤكِّد ق. غريغوريوس النزينزيّ الملقَّب بـ ”اللاهوتيّ“ أن الموت كان في مصلحة الإنسان حتى لا يصير الشر خالدًا، فكيف يكون الموت عقوبةً جزائيةً إنتقاميةً من الله على البشرية، ويكون في مصلحة البشرية في نفس الوقت لكي يمنع تأبيد الشرِّ؟! حيث يقول النزينزيّ التالي:

”وأول نتيجة [لهذا السقوط] أن أدركه الخجل والخزي، واختفى عن الله، وربح [الإنسان الأول] الموت، وقطع الخطيئة، لئلا يصير الشر خالدًا، وهكذا يبيت العقاب إحسانًا بالبشر، لأني هكذا أؤمن بأن الله يُجازِي“.[22]

لا يريد الله موت الخاطئ

يُشِير ق. غريغوريوس النزينزيّ إلى أن الله لا يريد موت الخاطئ، بل أن يرجع ويحيا، فهو الذي أنارنا نحن الذين كنا في ظلمة الموت وظلاله كالتالي:

”هذا، إذًا، ما يُؤثِره الله، فله الحرية والقدرة والسجود. ومَن يدري إذَا كان الله الذي يحلُّ قيود المائتين، ويصعد من أبواب الموت، وهو الذي لا يريد موت الخاطئ إلى أن يرجع ويحيا، وهو الذي أنارنا نحن الذين كُنا في ظلمة الموت وظلاله؟ مَن يدري إذَا كان سيتعهد يومًا ويُدرِك برحمته هؤلاء الضالين ويرعاهم بعصا رعايته، جاعلاً إياهم تحت تأديب عصاه الحديدية؟“.[23]

ق. غريغوريوس النيسي

الموت عقيم لم يغرسه الله

يرى ق. غريغوريوس النيسيّ، مثله مثل جميع الآباء السابقين عليه، أن الموت لم يغرسه الله في الإنسان عندما كان في الفردوس، ولم يغرسه بالطبع بعدما خرج الإنسان من الفردوس، لأن الموت في حدّ ذاته عقيم، وليس له أصل أو جذر، ولم يطرأ تغيُّر على الله قبل وبعد سقوط الإنسان، بحيث قبل السقوط لم يكن يُمِيت الإنسان، ثم صار بعد السقوط، يُمِيت الله الإنسان كالتالي:

”والدرس الذي يجب أن نتعلَّمه هو أن الحياة هي المركز الأصليّ لكل عمل الله، ولم يغرس الله الموت، ولم يكن له جذر ولا مكان له في الفردوس، لأن الموت عقيمٌ، ولأن الحياة كانت هي مركز كل شيء خلقه الله، وللموت طبيعة، وهي توقف الحياة“.[24]

الشيطان هو مصدر الموت

وينفي ق. غريغوريوس النيسيّ أن يكون الله هو خالق الموت، بل الشيطان هو مصدر الموت، لأن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس كالتالي:

”لم يخلق الله الموت، وإنما أبو ومصدر الموت هو ملك الشر أيّ الشيطان، لأن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس“.[25]

الشر هو بداية الموت وليس الله

يُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ أن الشر هو بداية الموت وأساس الفساد، وليس الله كالتالي:

”فيما الشرّ هو مختلف الألوان، ويمثلُ أمامنا بحيث نحسبه شيئًا، ومع الخبرة يتبيَّن لنا شيئًا آخر. وإن معرفته، أي تقبله بالخبرة، هي بداية الموت وأساس الفساد“.[26]

الله ليس خالق الموت

ويُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الله لم يخلق الموت، بل ملك الشرّ، أي إبليس الذي حرم ذاته من الحياة، وصار هو أبو الموت، لأن الموت جاء إلى العالم بحسد إبليس كالتالي:

”لم يكن الله هو خالق الموت، بل ملك الشرّ، إبليس، الذي حرم ذاته من الحياة. صار أبًا للموت. لأن الموت جاء إلى العالم بحسد إبليس“.[27]

التعدي هو أم الموت

يُؤكِّد النيسيّ على أن التعدي بالآكل من شجرة معرفة الخير والشر هو أم الموت بالنسبة للبشر، وليس الله هو مُنزِله على البشرية كالتالي:

”وأصبحت هذه الأكلة أم الموت بالنسبة إلى البشر“.[28]

دخول الموت لمنع تأبيد الشر

يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ في نفس سياق الآباء السابقين إلى دخول الموت إلى العالم، حتى لا يظل الشر مُؤبَّدًا في البشر كالتالي:

”ولكن لأن كل جلد ينفصل عن الحيوان هو شيء ميت، أعتقد أن شافي شرّنا ببصيرته، قد كسا بعد ذلك البشر بهذه القوة نحو الموت، التي هي خاصية الطبيعة غير العاقلة، حتى لا يبقى الشرّ بعد ذلك في البشر إلى الأبد. لأن الأقمصة هي شيء يُوضَع خارجنا مُقدِّمةً خدمة مؤقتة لأجسادنا، وليست متأصلةً في طبيعة الإنسان“.[29]

ويُوضِّح ق. غريغوريوس النيسيّ نفس الأمر في موضع آخر أنه لكي لا يستمر الشرّ الكامن فينا إلى الأبد، يتحلَّل الجسد مؤقتًا من خلال العناية العظمى للموت، فالموت هو تنقية من الشر كالتالي:

”الموت ليس أكثر من تنقية من الشرِّ […] كي لا يستمر الشرّ الكامن فينا إلى الأبد، يتحلَّل الجسد مؤقتًا من خلال العناية الأعظم للموت، وبإزالة الشرِّ على هذا المنوال، فإن الطبيعة الإنسانية يُعَاد تشكيلها لتقوم مرةً ثانيةً، فتنفصل عن الشرّ، وتعود إلى حياتها الأولى“.[30]

الإنسان أمات نفسه بنفسه

يُشِير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الإنسان بقبوله الحرّ لعرض الشرير، وضع نفسه أعلى من الله، الذي هو مصدر الحياة، ولذلك أدخل الإنسان برغبته أشياءً غير طبيعية وجديدة على نفسه كالتالي:

”الإنسان، بقبوله الحرّ لعرض الشرير، وضع نفسه أعلى من الله الذي هو أصل الحياة. ولهذا السبب، فإن الإنسان أدخل، وبرغبته، أشياءً غير طبيعية وجديدة على نفسه“.[31]

ق. يوحنا ذهبي الفم

الخطية سبب الموت وليس الله

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم، مثله مثل الآباء السابقين واللاحقين عليه، أن خطية الإنسان هي سبب الموت، وليس الله نفسه هو علة الموت كالتالي:

”لأن خطية الإنسان كانت هي سبب الموت، ولكن بعد أن أتى المسيح، أبطل الخطية، وحرَّرنا منها عن طريق المعمودية“.[32]

يتساءل ق. يوحنا ذهبي الفم عن سبب الموت، فيجيب بنفسه أن سبب الموت هو الخطية، وليس الله هو علة الموت، بل هو الذي قضى على الموت وجرَّده من كل أسلحته، وأنهى على كل مملكة الخطية قائلاً:

”إذًا، ما هو سبب الموت؟ سبب الموت هو الخطية، قال هذا لكي يُقدِّم الخطية كما لو كانت ملكًا، والموت مثل الجندي يخضع لأوامره، ويأخذ مؤونته منه. وبناءً على ذلك، فلو أن الخطية قدَّمت مؤونةً للموت، فمن الواضح جدًا أن البرَّ لاشى الخطية، والذي أتى بالنعمة لم يُجرِّد الموت فقط من أسلحته، بل وقضى عليه أيضًا وأنهى كل مملكة الخطية تمامًا“.[33]

وبالتالي، فمَّن يقول أن الله يُمِيت البشر فهو دون أن يدري يُساوِي بين الله والخطية، حاشا! ويجعل من الله علة الموت كما الخطية وحاشا أن يكون الله كذلك!

الموت في صالح الإنسان

ويرى ق. يوحنا ذهبيّ الفم أن الموت لم يكن عقوبةً، بل كان الموت في صالح الإنسان لمنع تأبيد الخطية والشر إلى الأبد، وبالتالي، كان الموت خيرًا للبشر وليس عقوبةً كالتالي:

”أننا لم نُضَار مطلقًا من أن الموت قد ملك على الجميع، بل إننا قد ربحنا، بكوننا قد صرنا فانيين، أولاً، لأنه لو كان لنا جسدًا غير قابل للموت، فإن ذلك سيكون دافع للاستمرار في ارتكاب الخطية، ثانيًا، لكي تكون لدينا دوافع غير محدودة في جهادنا لتحقيق التقوى. لأنه بالحقيقة عندما يكون الموت حاضرًا، وعندما ننتظره، فإنه يُقنِعنا أن نكون متواضعين، ومتعقلين، وبسطاء، وأن نتخلص من كُل شرّ. ومع هذا، فمن الأفضل أن نقول أولاً إننا ربحنا بالموت خيرات أخرى وفيرة، لأنه من هنا استُعلِنَت أكاليل الشهداء، ومكافآت الرسل. هكذا تبرَّر هابيل، وهكذا تبرَّر إبراهيم الذي قدَّم ابنه ذبيحةً، وهكذا أيضًا تبرَّر يوحنا الذي مات لأجل المسيح، وأيضًا الفتية الثلاثة، كما تبرَّر دانيال. لأنه لو أردنا البرَّ، فلن يستطيع الموت ولا الشيطان نفسه أن يُسبِّب لنا ضررًا أو أذى“.[34]

الموت فائدة للإنسان

ويُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم على أن الموت كان لفائدة الإنسان في موضع آخر، حيث يرى أن كسر الوصية جلب الموت على الإنسان، وهكذا أصبح الإنسان عرضةً للفساد وخاضعًا في المستقبل لحاجات الجسد، فطرده الربُّ من الفردوس، ودبَّر الموت على نحوٍ مفيد لكي لا يبقى في الخطيئة إلى الأبد، إذَا ما أكل من شجرة الحياة التي تُقدِّم الحياة الأبدية، وهكذا منع الله بتدبيرٍ حسن تأبيد الشر والخطية، ويُؤكِّد ذهبيّ الفم أيضًا أن دافع الله الوحيد من هذا الإجراء كان حبه للإنسان، وليس كما يدَّعي البعض عن جهل أنه عقوبة جزائية انتقامية من الله لكي يُهلِك ويُمِيت الإنسان الخاطئ، مُجدِّفين على الله وناسبين إليه إفناء وإماتة البشرية. بل يرى ذهبيّ الفم أيضًا أن الطرد من الجنة كان علامةً على الرعاية وليس الغضب من قِبَل الله، وهكذا كشف الله عن رعايته لنا في العقاب، فالعقاب من أجل التقويم والإصلاح والتعليم، وليس الهلاك والفناء كما يدَّعي الجهلاء بدون وعي كالتالي:

”وقدَّم أمثلة هناك هاتين الشجرتين، واحدةٌ للحياة والأخرى للموت (إذَا جاز التعبير)، بمعنى أن تذوقها وكسر الوصية جلب الموت عليه. لذلك، عندما أكل من هذه الشجرة أصبح عُرضةً للفساد وخاضعًا في المستقبل لحاجات الجسد، وكانت بداية دخول الخطيئة، وتمَّ تدبير الموت على نحوٍ مُفيد من قِبَل الربِّ، فلم يسمح بعد لآدم بالبقاء في الجنة لكنه أمره بمغادرتها، مُوضِّحًا لنا أن دافعه الوحيد للقيام بذلك هو حبه له. […] بعبارةٍ أخرى، بما أنه أظهر بأمثلةٍ كثيرةٍ الفجور من خلال الوصية التي أعطاه إياها بالفعل وأصبح عُرضةً للفساد، لئلا يمد يده إلى هذه الشجرة التي تهب حياة أبدية ويبقى في الخطيئة إلى الأبد. فإنه من الأفضل له أن يتمَّ طرده من هنا. وهكذا كان الطرد من الجنة علامةً على الرعاية وليس الغضب. كشف ربُّنا بذلك عن عنايته لنا في العقاب بما لا يقل عن منحه العطايا، وحتى عقابه في هذه الحالة من أجل التعليم“.[35]

الموت ليس شرًا بل خيرًا

يرى ق. يوحنا ذهبي الفم أن الموت ليس شرًا، ولكنه خيرٌ، فالموت هو تحرُّر من الهموم ومعونة للمعذَّبين، ويُوقِّفنا عن فعل الخطية، ويرى ذهبيّ الفم أن الموت هو نتيجة لخطايانا، وليس الله هو علته وفاعله كالتالي:

”لا يمكن أن يُعتبر الموت شرًا يا أخوتي، ولكنه خيرٌ. ولست أقول هذا من ذاتي، بل أيوب الصديق يُعلِنه بقوله: ’الموت راحةٌ للإنسان‘ (أي 3: 5). ويُعلِن بولس الرسول: ’الذي مات قد تبرأ من الخطية‘ (رو 6: 7). الموت تحرُّر من الهموم ومعونةٌ للمعذَّبين. الموت يُوقِّفنا عن فعل الخطية. أرأيت محبة السيد الربّ للبشر. لقد جعل العقاب الذي نتج عن خطايانا – أي الموت – خلاصًا. لأنه إنْ لم يوجد الموت، لمَّا كان لنا أن نتوقف عن فعل الشرِّ، وإنْ كنا لا ننتظر الديَّان الآتيّ، لمَّا ابتعدنا عن الفساد الذي لَحقَ بطبيعتنا نتيجة الخطية، وإنْ كنا لا ننتظر الدينونة، لمَّا أصبح لنا رجاء“.[36]

ق. كيرلس الإسكندري

الخطية هي علة الموت وليس الله

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على قبول آدم للموت كنتيجة للعصيان والخطية، لذا نستنتج أن الخطية والعصيان هما علة الموت، وليس الله كالتالي:

”وكما أن آدم قَبِلَ الموت كنتيجة للخطية والعصيان، أصبح التبرير بواسطة المسيح جرمًا بحسب جهل اليهود، هكذا، فإنه بألم الموت، كُلِّل المسيح بالكرامة والمجد بحسب كلمات بولس الطوباويّ (أنظر عب 2: 9؛ في 2: 9)“.[37]

الإرادة الإلهية تمقت إفناء المخلوقات

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندريّ عن أن الإرادة الإلهية تُمقِت إفناء المخلوقات، لأن الله خلق كل شيء للوجود، وليس للفناء كالتالي:

”لأنه يقول: ’الله خلق كل شيء ليكون موجودًا، وتكوين العالم خلاص، ولا توجد مملكة الجحيم على الأرض. بل جاء الموت إلى العالم من حسد الشيطان‘ (حك1: 14). فقد بدَّلت الإرادة الإلهية الموت، وأبطلت الفساد، وهي تُمقِت إفناء المخلوقات؛ لأن الله خلق كل شيء لكي يوجد كما هو مكتوب“.[38]

الخطأة هم قتلة أنفسهم

ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ بوضوحٍ في موضع آخر أن الخطاة هم قتلة أنفسهم، وليس الله يُعاقِبهم بالموت كما يدَّعي البعض عن جهل كالتالي:

”ليس أمرًا غير متوقع أن يُحسَب كل الذين أُسِروا بخطاياهم، كأنهم قاتلون لأنفسهم، بالرغم من أنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيء دون إرادتهم، وصاروا مُخالِفين لله كما يقول الكتاب: ’لأن تصوُّر قلب الإنسان شرير منذ حداثته‘ (تك 8: 21)“.[39]

الموت في مصلحة الإنسان

ويرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن وجود الموت الجسديّ كان في مصلحة الإنسان حتى لا يصل الإنسان إلى مرحلة الدمار الكامل كالتالي:

”هكذا حُكِمَ على الإنسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرةً للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشرِّ، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشرِّ. فحسنًا، بطريقةٍ مفيدةٍ، وُجِدَ الموت الجسدي الذي لم يُؤدِ بالإنسان إلى الدمار الكامل“.[40]

دخول الموت بحسد إبليس

ويُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الموت دخل بواسطة الخطية، وأنها بعد ذلك تسبَّبت في الموت، فالله لم يخلق الموت، بل دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس قائلاً:

”ولكن من الواضح أن الموت دخل بواسطة الخطية (رو 5: 12). […] لقد خلق الله كل شيء في عدم فساد، وهو لم يخلق الموت، بل ’دخل الموت بحسد إبليس‘ (حك 1: 13؛ 2: 24)“.[41]

ق. بروكلس رئيس أساقفة القسطنطينية

الشيطان مسلمنا إلى الموت

يُشِير ق. بروكلس، رئيس أساقفة القسطنطينية، وأحد أبطال مجمع أفسس المسكوني الثالث 431، إلى أننا بسبب الخطيئة سُلِّمَنا للشيطان، وبالشيطان سُلِّمَنا إلى الموت قائلاً:

”لأنه كما قال بولس: ’إذ الجميع أخطأوا‘ (رو 3: 23)؛ لأنه بسبب الخطيئة سُلِّمَنا للشيطان، وبالشيطان سُلِّمَنا للموت“.[42]

قطف آدم الموت لنفسه

يرى ق. بروكلس القسطنطينيّ أن آدم عندما مدَّ يده إلى الشجرة قطف الموت، بينما المسيح بسط يديه على الصليب وعانق العالم كالتالي:

”هذا [آدم] مدَّ يده إلى الشجرة وقطف الموت، ولكن هذا بسط يديه على الصليب وعانق العالم، وصرخ في الأناجيل قائلاً: ’وأنا إنْ ارتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع‘ (يو 12: 32)“.[43]

ق. ساويروس الأنطاكي

الموت نتيجة طبيعية للضعف الجسدي

يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على أن الموت هو بالفعل نتيجة طبيعية لضعف الجسد كالتالي:

”التعرض للموت هو بالفعل نتيجة طبيعية لضعف الجسد. ولكن كلمة الله القادر على كل شيء، والذي هو نفسه القدرة والحياة، قد وحَّد أقنوميًا معه هذا الجسد الضعيف المحيَي بنفسٍ عاقلةٍ. أمَّا أنه تألم في الجسد من أجلنا، فهذا تؤكده الكتب الإلهية“.[44]

سيادة الموت والهموم بعد السقوط

يُشِير ق. ساويروس الأنطاكيّ إلى أن الضيق والتعاسة وفساد الموت لم يحدث للإنسان إلا بعد تعديه الوصية والحكم عليه بالسقوط من الفردوس، رغم أن الله نفسه لم يصنع الموت، ولا يسر بهلاك الأحياء كالتالي:

”لأن ما قاله الحكيم: ’فإن الجسد الفاسد يُثقِّل النفس والخيمة الترابية عبء للعقل الكثير الهموم‘ (حك 9: 15). هذا لم يحدث إلا بعد تعدي الوصية، وبحدوثه حُكِمَ على الإنسان بالسقوط من الفردوس، وبالمضايقات وبالتعاسة وبالأحزان وبفساد الموت؛ فكان يسمع فعلاً: ’وشوكًا وحسكًا تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أُخِذت منها. لأنك تراب وإلى ترابٍ تعود‘ (تك 3: 18-19). لكن قبل أن يعصي وصية الله الذي كان يمتحن حريته، كان مُكرَّمًا بنعمة الخلود؛ لأن الذي قال: ’فإن الجسد الفاسد يُثقِّل النفس‘، قال قبل ذلك بقليل: ’لأن الله لم يصنع الموت ولا يُسرّ بهلاك الأحياء‘ (حك 1: 13). إن الهموم أيضًا قد سادت بسبب الخطية والشرِّ، ومكتوب فعلاً في سفر أيوب المملوء حكمةً: ’الشرير هو يتلوى كل أيامه وكل عدد السنين المعدودة للعاتي‘ (أي 15: 20)“.[45]

دخول الموت إلى العالم بحسد إبليس

يُؤكِّد ق. ساويروس الأنطاكيّ على أن الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، رغم أن الله خلق الإنسان لعدم الفساد، وجعله صورة ذاته الإلهية، لأن الإنسان الأول، آدم، قد خُدِعَ وأطاع وصية الوسوَّاس المملوءة حسدًا كالتالي:

”وأخصُّ بكلمتي سقوط الطبيعة البشرية الذي حدث بالحيلة، حينئذٍ أحزن وأئن، ’فإن الله خلق الإنسان لعدم الفساد وجعله صورة ذاته الإلهية، لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 23-24)، لأن آدم، الإنسان الأول، قد خُدِعَ وأطاع وصية الوسوَّاس التي أملاها الحسد“.[46]

مار أغريس البنطي

لا يشأ الله موت أحد

يُؤكِّد مار أوغريس ”إيفاجريوس“ البنطيّ، أحد أهم آباء الرهبنة المصرية في عصره، على أن الله لا يشأ موت أحد، ليس لكونه لا يستطيع أن يخلق كائنًا أبديًا مثله لا يرتكب خطية، بل لأنه لا يوجد شيء يمكن أن يعمله ضد طبيعته، وهذا يؤكد على أن الله لا يُمِيت البشر كما يدَّعي البعض عن دون وعي قائلاً:

”هناك ثلاثة أشياء مستحيلة عند الله، أن تعجز إرداته، أو قدرته الخلاَّقة، أو قدرته الفاعلة. فهو لا يشأ موت أحد (2بط 3: 9)، ليس لكونه لا يستطيع أن يخلق كائنًا أبديًا مثله لا يرتكب خطيةً. لكن لا يوجد شيء يمكن أن يُعمَل ضد طبيعته“.[47]

لا يوجد الموت والحياة في نفس الشخص والوقت

ويُشدِّد مار أوغريس على استحالة وجود الحياة والموت في نفس الشخص وفي نفس الوقت، فما بالك الله الذي هو الحياة ومصدر كل حياة، كيف يدَّعي هؤلاء أن الله يُمِيت البشر ويُهلِكهم كالتالي:

”تمامًا كما أن الحياة والموت لا يمكن أن يوجدا معًا في نفس الشخص وفي نفس الوقت. هكذا أيضًا من المستحيل للمحبة أن توجد مع محبة المال“.[48]

موت النفس هو الشر

ويُشِير مار أوغريس إلى أن موت ومرض النفس هو الشر، وليس الله هو مُهلِكها وفانيها قائلاً: ”موت ومرض النفس هما شرٌ“.[49]

مار إسحاق السرياني

لا يوجد الموت في الله

يرى مار إسحاق السريانيّ، أحد أهم الآباء النساك الذي أثرت ميامره النسكية في العالم المسيحي كله بكافة طوائفه، أن الخطيئة وجهنم والموت لا يوجدوا إطلاقًا مع الله كونهم نتائج أو تأثيرات، وليسوا جواهر أو مواد في حد ذاتهم كالتالي:

”إن الخطيئة وجهنم والموت لا يوجدوا إطلاقًا مع الله كونهم نتائج [أو تأثيرات]، وليسوا جواهر أو مواد. فالخطيئة هي ثمرة الإرادة الحرة. كان هناك وقت لم توجد فيه الخطيئة، وسوف يأتي وفت حين لا تكون موجودةً أيضًا. جهنم هي ثمرة الخطيئة. وجهنم بدأت في وقتٍ مُعيَّنٍ من الزمن، إلا أن نهايتها غير معروفة. الموت، على كل حال، هو تدبير أو حكم صادر من حكمة الخالق. وهو سوف يملك إلى فترة قصيرة فقط على الطبيعة؛ ثم بعد ذلك سوف يُلغَى تمامًا. اسم الشيطان جاء من انحرافه الإراديّ عن الحق؛ وهو لا يشير إلى وجوده هكذا بصورةٍ طبيعيةٍ“.[50]

ق. مكاريوس الكبير

موت الإنسان عن الله

يرى ق. مكاريوس الكبير، أحد أهم آباء الرهبنة المصرية في عصره، أن آدم عند اقتنى نيات وأفكار شريرة، فإنه مات عن الله، وهكذا ندرك أن الموت هو نتيجة العصيان وفعل إراديّ خاص بالإنسان الذي يموت بخطيته ونياته وأفكاره الشريرة عن الله، فالإنسان أمات نفسه بنفسه عن الله بمعصيته كالتالي:

”هكذا كانت الضيعة – التي هي شخص آدم – ثمينةً قبل المعصية، ولكن لأنه اقتنى نياتٍ وأفكارًا شريرةً، مات عن الله. غير أنا لا نقول إنه قد فَنِيَ بالتمام وهلك ومات؛ فإنه مات عن الله ولكنه ما فتئ يحيا بطبيعته الخاصة“.[51]

الإنسان هو علة هلاكه وموته

يُشِير ق. مكاريوس الكبير إلى أن الإنسان هو علة هلاكه وموته إذَا أراد، لأن الله منحه إرادة حرة كما أن الله له إرادة حرة وما يريده يفعله كالتالي:

”لهذا، فإنك أنت على صورة الله وشبهه، لأنه كما أن لله إرادة حرة وما يريده يفعله – فإنْ كان يشاء، فبحسب سلطانه، يُرسِل الأبرار إلى جهنم والخطأة إلى الملكوت، ولكنه لا يختار هذا ولا يقبله لأن الربَّ هو الديَّان العادل – هكذا أنت أيضًا لك سلطانٌ على ذاتك، وحتى إلى الهلاك إنْ كنت تشاء. فأنت ذو طبيعة قابلة لتغيير مسارها، فإن أردت أن تُجدِّف أو سمًا وتقتل به أحدًا، فليس مَن يُقاوِمك أو يمنعك“.[52]

موت النفس بانفصالها عن الروح القدس

يرى ق. مكاريوس الكبير أن النفس الإنسانية تكون ميتة عن الملكوت وذلم بانفصالها عن الروح القدس، الروح الإلهيّ، كالتالي:

”هكذا بدون النفس السماوية، أي الروح الإلهيّ، تكون النفس ميتةً عن الملكوت، إذ لا قدرة لها على فعل شيءٍ مما لله بدون الروح القدس“.[53]

ق. يوحنا كاسيان

الله ليس صانع الموت

ينقل ق. يوحنا كاسيان شهادة الأب شيريمون، أحد آباء المصرية الكبار آنذاك، عن أن الهالكين يهلكون بغير إرادة الله، لأن الله ليس بصانع الموت، وليس كما يدَّعي الجهلاء أن الله يُمِيت البشر ويُهلِكهم كالتالي:

”وإذ الهالكون يهلكون بغير إرادة الله، لهذا يمكننا أن نقول بأن الله ليس بصانع الموت، وذلك كشهادة الكتاب المقدَّس القائل: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره‘ (حك 1: 13)“.[54]

 

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الثالث: شهادة الليتورجية القبطية

دخول الموت بحسد إبليس

تحتوي الليتورچية القبطية على العديد من الإشارات التي تنفي أن يكون الله علة موت الإنسان، أو يميت الإنسان كعقوبة له على الخطية، بل الله جبل الإنسان على غير فساد (موت)، بينما دخل الموت إلى العالم بحسد إبليس. حيث يُصلِي الكاهن في صلاة الصلح في القداس الباسيليّ الآتي:

”يا الله العظيم الأبديّ الذي جبل الإنسان على غير فساد: والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس هدمته بالظهور المحيي الذي لابنك الوحيد الجنس ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح“.[55]

الإنسان أختطف الموت لنفسه

وهكذا يُصلِي الكاهن في القداس الغريغوريّ في صلاة ”قدوس“ مُؤكِّدًا على أن الإنسان هو الذي بإرادته خالف الوصية، وأختطف له قضية الموت، ولم يكن الله هو الذي عاقبه بالموت كالتالي:

”غرسٌ واحدٌ نهيتني أن آكل منه، فأكلتُ بإرادتي، وتركتُ عني ناموسك برأيي. وتكاسلت عن وصاياك. أنا اختطفتُ لي قضية الموت“.[56]

تأديبات الله المؤدية للحياة

ويُصلِي الكاهن أيضًا في طلبة ”أنت يا سيدي“ في القداس الغريغوريّ مُخاطبًا الله الذي حوَّل عقوبة الموت إلى خلاص، وليس هو الذي عاقب الإنسان بالموت، بل وأدَّب الله الإنسان بالتأديبات المؤدية للحياة، وليس إلى الموت كالتالي:

”أنت يا سيدي حوَّلت ليَّ العقوبة خلاصًا. كراعٍ صالحٍ سعيت في طلب الضال. كأبٍ حقيقيّ تعبت معي أنا الذي سقط. أدَّبتني بكل التأديبات المؤدية إلى الحياة. أنت الذي أرسلت لي الأنبياء من أجلي أنا المريض“.[57]

لا يشأ الله موت الخاطئ بل توبته

ويُصلِي الكاهن في صلاة المجمع بالقداس الغريغوريّ مُؤكِّدًا على أن الله لا يشأ موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، وليس أن الله يُمِيت الخاطئ كعقوبة له على خطيئته كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي قائلاً:

”لأنك أنت هو الله الرحوم الذي لا يشأ موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا. ردنا يا الله إلى خلاصك. وأصنع معنا كصلاحك“.[58]

 

 

نستنتج مما سبق، أن الله لا يُعاقِب البشر بالموت، بل الموت دخل إلى العالم بحسد إبليس، ونتيجة خطية الإنسان لصالح الإنسان وخيره، وذلك لإنقاذه من البقاء في الشر والخطية إلى الأبد. لأنه لو الموت له أصل إلهيّ في الله، لصار الموت سرمديًا أيّ أزليًا وأبديًا، وهذه هي الثنائية الغنوسية والمانوية، التي تجعل من الموت كيانًا مُوازيًا لله، طالما أن الله يُعاقِب البشر بالموت، فمعنى ذلك أن فعل الإماتة أو إنزال الموت كعقوبة له أصل أزليّ في الله، فيكون الموت أزليّ أبديّ، وبالتالي، معنى ذلك تأليه الموت والعدم، وهذه هي الهرطقة الغنوسية والمانوية عينها التي تجعل من الشر والموت والظلام إلهًا في مُقابل إله الخير والحياة والنور.

 

[1] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، 3: 22: 4، ص 111.

[2] المرجع السابق، 3: 23: 1، ص 112.

[3] المرجع السابق، 3: 23: 6، ص 115، 116.

[4] ثيؤفيلوس الأنطاكي (قديس)، الرد على أتوليكوس، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2019)، 2: 27، ص 82.

[5] المرجع السابق، 2: 29، ص 84.

[6] يوستينوس الشهيد (قديس)، الحوار مع تريفون اليهودي، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2012)، الفصل 124، ص 299.

[7] ميثوديوس الأوليمبي (قديس)، وليمة العشر عذارى، ترجمة: الراهب القمص تيموثاوس المحرقي، (القاهرة، 2009)، حوار 9: 2، ص 201.

[8] المرجع السابق، حوار 3: 7، ص 118، 119.

[9] نوفاتيان، عن الثالوث، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: رسالتنا للنشر والتوزيع، 2022)، 5: 1، ص 37.

[10] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة وإعداد: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الخطاب إلى فابيوس أسقف أنطاكية : 3، ص 78.

[11] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 3: 4، ص 9.

[12] المرجع السابق، 5: 1، ص 13.

[13] المرجع السابق، 5: 2، ص 13.

[14] المرجع السابق، 5: 3، ص 13.

[15] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 6: 2، ص 15.

[16] هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، (البحر الأحمر: دير الأنبا أنطونيوس، 2017)، 2: 7، ص 242، 243.

[17] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2012)، ص 26.

[18] المرجع السابق، ص 34.

[19] باسيليوس الكبير (قديس)، تفسير المزامير ج1، ترجمة: د. سعيد حكيم يعقوب، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، عظة 5: 5 على مز 30، ص 171.

[20] باسيليوس الكبير (قديس)، الله ليس مسببًا للشرور، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2012)، ص 34.

[21] باسيليوس الكبير (قديس)، أيام الخليقة الستة، ترجمة: القمص بيشوي الأنطوني، مراجعة: نيافة الأنبا بطرس الأسقف العام، (القاهرة: دار القديس يوحنا الحبيب للنشر، 1996)، عظة 2: 5، ص 29.

[22] غريغوريوس النزينزي (قديس)، عظات القيامة، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2015)، العظة الفصحية الثانية 45: 8، ص 25.

[23] غريغوريوس النزينزي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس اللاهوتي النزينزي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، 1994)، الخطاب الثاني ضد يوليانوس الجاحد، ص 87.

[24] Gregory of Nyssa, Commentary on the Song of Songs, Tans. by C. Mc Cambley, Intro. by Panagiotes Chresteu, (Hellenic College Press, 1987), Homily 12, p. 216. See also Gregory of Nyssa, Homilies on The Song of Songs, Trans. & Intro. by Richard A. Norris, (Atlanta: Society of Biblical Literature, 2012), Homily 12, p. 369.

[25] Gregory of Nyssa, on the inscriptions of the Psalms, Trans. by C. Mc Cambely, (Hellenic College Press, 1988), p. 139. See also Gregory of Nyssa, Treatise on The Inspections of The Psalms, Trans. & Intro. by Ronald E. Heine, (Oxford: Clarendon Press, 1995), 2: 271, p. 209.

[26] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 20، ص 109.

[27] Gregory of Nyssa, on the inscriptions of the Psalms, 16, PG 44: 601C.

[28] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 20، ص 109.

[29] غريغوريوس النيسي (قديس)، تعليم الموعوظين، ترجمة: د. چورچ فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2022)، 8: 4، ص 140.

[30] Gregory of Nyssa, Panegyric on Queen Pulcheria, PG 46: 876D-877A.

[31] Gregory of Nyssa, on Virginity, 12, PG 46: 372A.

[32] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، عظة 42: 3، تعليق على (1كو 15: 65)، ص 426.

[33] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 4، ص 254.

[34] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية، ترجمة: د. سعيد حكيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، عظة 11: 3، ص 252.

[35] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، التفسير الكبير لسفر التكوين ج2، ترجمة: القس بولا رأفت عزيز، (القاهرة، 2023)، عظة 18: 8-9، ص 109، 110.

[36] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، بين موت الخطية وموت الجسد (تأملات كتابية ومختارات آبائية)، ترجمة وإعداد: د. چورچ عوض، (القاهرة، 2017)، عظة عن الصبر منسوبة للقديس يوحنا ذهبي الفم، ص 20.

[37] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 125.

[38] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة السادسة، ص 231.

[39] المرجع السابق، المقالة الثامنة، ص 339.

[40] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 114، 115.

[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو 1: 9)، ص 122، 123.

[42] بروكلس أسقف القسطنطينية (قديس)، بروكلس أسقف القسطنطينية (حياته – تعاليمه – عظاته)، ترجمة: مينا عياد فوزي يسى، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2022)، عظة 1: 7، ص 99.

[43] المرجع السابق، عظة 2: 7، ص 116.

[44] ساويروس الأنطاكي (قديس)، كيرلس محب الحق، ترجمة: الراهب القس غريغوريوس آفا مينا، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، ص 616.

[45] ساويروس الأنطاكي (قديس)، سيرة ومقالات القديس ساويروس الأنطاكي مج1، إعداد: المؤرخ يوسف حبيب، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2017)، مقالة عن الصوم، ص 202.

[46] المرجع السابق، مقالة بعنوان ”مَنهو أعظم في ملكوت السموات“، ص 296.

[47] أوغريس البنطي (مار)، مار أوغريس البنطي (من آباء الرهبنة الأولين)، إعداد: الراهب أوغريس البرموسي، مراجعة: الأنبا إيسيذوروس، (وادي النطرون: دير العذراء البرموس، 2021)، الرسالة الكبرى إلى ميلانيا، ص 491، 492.

[48] المرجع السابق، براكتيكوس، الفصل 18، ص 137.

[49] المرجع السابق، كيفالايا غنوستيكا 1: 41، ص 174.

[50] اسحاق السرياني (مار)، الميامر النسكية، ترجمة: أنبا سارافيم أسقف الإسماعيلية، (وادي النطرون: دير السيدة العذراء البرموس، 2017)، ميمر 27، ص 297.

[51] مكاريوس الكبير (قديس)، العظات الخمسون، ترجمة: الراهب يونان المقاري، (وادي النطرون: دير القديس أبو مقار، 2019)، عظة 12: 1، 2، ص 254.

[52] المرجع السابق، عظة 15: 23، ص 298.

[53] المرجع السابق، عظة 30: 3، ص 460.

[54] تادرس يعقوب ملطي (قمص)، القديس يوحنا كاسيان (حياته – كتاباته – أفكاره)، (القاهرة: مطبعة الأنبا رويس، 1997)، مناظرة 13، ص 255.

[55] إيسيذوروس البراموسي (قمص)، الخولاجي المقدس وخدمة الشماس، مراجعة: نيافة الأنبا متاوؤس أسقف دير السريان، (القاهرة: مكتبة مار جرجس بشبرا، 1994)، ص 142.

[56] المرجع السابق، ص 200.

[57] المرجع السابق، ص 201.

[58] المرجع السابق، ص 213.

 

هل الله يميت البشر – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الغنوسية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

الغنوسية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

الغنوسية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

 

الغنوسية ووراثة الخطية

سنبحر في هذا المقال معًا في عالم الغنوسية، ونرصد بدقة تعاليم الغنوسية عن وراثة الخطية الأصلية، وكيف أن التعليم بوراثة الخطية الأصلية هو تعليم غير أرثوذكسي وتعليم غنوصي.

يتحدث “د. يوسف كرم بطرس” عن رفض المسيحيين للعقائد الغنوسية كالثنائية في الألوهة، والوجود السابق للنفس، ووراثة 

الأصلية المرتكبة في العالم العقلي السابق للنفس، ولقد تأثر بهذه الفكرة كل من العلامة السكندري أوريجينوس والعلامة السكندري ديديموس الضرير والأوريجانيون، حيث يقول د. يوسف التالي:

“وكان المسيحيون ينكرون كل ذلك أشد الإنكار، كما كانوا ينكرون القضايا الأساسية في الغنوسية، وهي أن للعالم صانعًا مغايرًا لله، وأن للنفس حياة سابقة على الحياة الأرضية، وأن الخطيئة الأصلية* ارتُكبت في العالم المعقول، وأن المادة رديئة بالذات، وأن الأجسام لا تُبعث (أي لا تقوم من الموت)”.

يوسف كرم (دكتور)، تاريخ الفلسفة اليونانية، (القاهرة: الهيئة العامة للكتاب، ٢٠١٨)، ص ٢٨٣.

 

ثم يؤكد كل من الأب ميشال أبرص وأنطوان عرب عقيدة وراثة الخطية الأصلية عن طريق الجسد عند الغنوسيين في سياق حديثهم عن عقيدة الخلاص عندهم، حيث يقولان التالي:

“جاء يسوع إذن لخلاص البشر وليزيل الحاجز الوحيد الذي يعيقه وهو خطيئة آدم المتوارثة* والملازمة للجسد*، فلما حل روح الله النازل من السماء عليه، يوم عماده في نهر الأردن، أهّله ليصعد على الصليب، بريئًا من كل خطيئة ليفتدي البشرية”.

ميشال أبرص وأنطوان عرب، المجمع المسكوني الأول بنيقيا ٣٢٥، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ١٩٩٧)، الفصل الأول، ص ٨٣.

 

ثم يتحدث هانس يوفاس عن عقيدة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج الشهواني في الديانة الغنوسية كالتالي:

“ولكن الثعبان (الحية) علمه (أي آدم) شهوة الإنجاب* التي تخدم مصلحة الأركون. وعندما أدرك يلداباؤوث أن آدم وحواء حين حصلا على المعرفة، قد أعرضا عنه، لعنهما وطردهما من الجنة إلى الظلمة الحالكة. ثم اشتعلت فيه الشهوة نحو العذراء حواء* فأغتصبها وانجب منها ولدين: يافي Javé أي وجه الرب، وإلويم Eloim أي وجه القط المعروفين بقايين وهابيل إلى يومنا هذا […] علاوة على ذلك زرع في آدم شهوة الانجاب (الديمورج هو الحية) فأنجب آدم من حواء شبث (تك٤: ٢٥) وهكذا بدأت سلسلة الانجاب […] فرد الأراكنة (الشياطين) على هذا الفعل بروحهم المزيفة Antimimon pneuma التي تدخل النفوس (أي نفوس البشر)، فتنمو وتتصلب وتغلبها وتثقل عليها، وتقودها للضلال لكي تفعل الشر، وتجعلها عاجزة عن المعرفة، ويتواصل من خلالها الإنجاب الشهواني*”.

هانس يوفاس، الديانة الغنوصية، ترجمة: د. صباح خليل الدهيس، (سوريا: تموز للطباعة والنشر، ٢٠١٧)، ص ٢٤٢.

 

ثم يتحدث أيضًا هانس يوفاس عن عقيدة السقوط في الغنوسية وكيف أن الدوافع المختلفة كالفضول، والغرور، والشهوة الجنسية هي المرادف الغنوصي للخطيئة الأصلية، حيث يقول التالي:

“أما كيف نشأ هذا السقوط وما هي المراحل التي بدأ منها، فهو موضوع أطروحات متباينة إلى حد كبير. وباستثناء الأنماط المانوية والإيرانية ذات الصلة، حيث بدأت العملية برمتها من قبل قوى الظلام، فهناك عنصر اختياري في انتقال الألوهة نحو الأسفل: رغبة آثمة للنفس* (ككينونة أسطورية) نحو العوالم السفلى، تصاحبها دوافع مختلفة مثل: الفضول، والغرور، والشهوة الجنسية، هي المرادف الغنوصي للخطيئة الأصلية*، وهذا هو السقوط قبل الكوني، ومن تبعاته العالم نفسه، والنتيجة الأخرى هي حالة ومصير الأنفس المفردة في العالم”.

المرجع السابق، ص ٨٦.

 

ثم يتحدث هانس يوفاس في موضع آخر عن عقيدة الخطية الأولى ونشأة المادة الشريرة منها كالتالي:

“لدينا هنا نموذج أولي لنشوء المادة من الخطيئة الأولى* في هيئتها الكاملة، نطالعها في العقيدة الفالنتينية حول أصل الجوهر المادي* والروحي الصادر عن عواطف صوفيا العقلية نفسها وليس مجرد نتيجة في إنجيل الحقيقة”.

المرجع السابق، ص ٣٥٥.

ثم يتحدث الأب يوسف توما مرقس عن عقيدة وراثة الخطية الأصلية في الغنوسية وانتقال الخطية عن طريق الجنس كالتالي:

“تتكون منذ هذه اللحظة خديعة هائلة، لا يفلت منها أي جزء من الحياة على الأرض. غايتها أن تغري الإنسان بسلاحها وهو الجنس*. فالجنس عند الغنوسيين يُعد نجاسة، وسوف يتحكم الجنس لا في الإنسان فحسب، بل في نظام الكون كله*. فالطبيعة* عبارة عن رحم يُخصبه الشياطين، ويشكل مسرحًا تدور فيه ماسأة الإنسانية – (هذا التعبير من كتاب أحاديث سام ٧: ١). فيقوي ظهور الجنس السلاسل الثقيلة التي تكبل آدم*.

كما أن حواء، رفيقة آدم، ستقع في إغواء الأركون الأول (الشيطان) أي الحية، التي علمت آدم وحواء أن يأكلا من ثمرة الإنجاب*، من ثمرة الشهوة المنحطة* (في كتاب الأسرار ليوحنا ٢: ١؛ ١: ٢٢، ١٢- ١٥). هكذا يبدأ نظام التكاثر البشري الذي يستعمل آدم*، فتخضع البشرية كلها لهذا المسلسل التاريخي*. ونقرأ في النص السابق عينه: حتى الآن كان الجنس مستمر انطلاقًا من الأركون الأول (الشيطان)*، لأنه زرع الإنجاب ورغبة الإنجاب في تلك التي كانت ملك آدم (حواء) بواسطة الجنس الذي خلقه، والنسل الذي يتشكل في الجسد*، ثم سلحه بالروح المشوهة*”.

يوسف توما مرقس (أب)، الغنوصية أو التيارات العرفانية في القرون المسيحية الأولى، (العراق: منشورات مجلة الفكر المسيحي، ٢٠٠٩)، ص ٦٧.

ونستنتج من هنا وجود عقيدة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج عن طريق الشهوة الآثمة، وانتقال الخطية بالإنجاب الشهواني في الغنوصية.

الغنوسية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

ماني والمانوية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

ماني والمانوية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

ماني والمانوية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

لقد تحدثنا في البوست السابق عن الغنوسية وتعليم وراثة الخطية الأصلية عندها، ننتقل الآن للحديث عن ديانة أخرى تعتبر امتدادًا للديانة الغنوسية، وكانت عبارة عن مزيج من الغنوسية، والمسيحية، والديانات الشرقية القديمة، ألا وهي الديانة المانوية، وسنفحص تعليم وراثة الشر والخطية والسقوط فيها.

يتحدث چ. ج. دافز J. G. Daves وچيراردو چنولي Gherardo Gnoli عن طريقة خلق آدم وحواء، وعقيدة الخلاص في المانوية كالتالي:

“يحدث خلق العنصر البشري وفق ما يلي: حبلت الشيطانات، والفضل في ذلك يعود إلى تبرير من الرسول (ماني)، وأنجبت مسوخًا، وابتلعت هذه المسوخ النباتات لتمتص النور الموجود فيها. بعد ذلك ومن أجل احتباس النور بطريقة أكثر أمنًا، فإن الظلمة (المادة) تتجلى في هيئة آز (ميل/ نزعة/ أمنية بالإيرانية الحديثة) الذي هو تجسيد للشبق، وتدفع الشيطان آشاغلوم والشيطانة نمرائيل إلى التهام المسوخ، ثم إلى التزواج فيولد منهما الزوجان البدائيان (الأولان) آدم وحواء. ثم يبدأ عمل الخلاص عند هذه النقطة. فآدم الذي أبقي في حالة جهل (أي الخطية) ضمن شراك المادة، يجري إيقاظه من غفلته عن طريق نفسه بواسطة مخلص هو ابن الله الذي أرسلته القوة العلوية، والذي يتطابق مع الإنسان القديم، أو مع يسوع بعد ذلك، ومع إله العقل (النوس)، حيث يقوم المخلص بتنبيه آدم من رقاده (رقدته) ويُطلعه على الحقيقة، ويُريه روحه التي تعاني في عالم المادة (الشر)، ويكشف له الأصول الشيطانية لجسده، والأصول السماوية لنفسه. عندها يعرف آدم ذاته وروحه بفضل العرفان (الغنوص) ويصحو من غفوته”.

چ. ج. دافز وچيراردو چنولي، مقالة بعنوان (المانوية)، موسوعة تاريخ الأديان (الزاردشتية – المانوية – اليهودية – المسيحية)، ترجمة: عبد الرازق العلي ومحمود منقذ الهاشمي، تحرير: فراس السواح، الكتاب الخامس، ص ٨١، ٨٢.

ثم يستطرد دافز وچنولي في الحديث عن تعليم وراثة الخطية بالتناسل والشهوة الجنسية مثلما نجده في عقيدة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والشهوة الجنسية والإنجاب الشهواني عند أوغسطينوس كالتالي:

“المرحلة الثالثة: هي الحرب الكبرى بين قوى الخير وقوى الشر، حيث يحاول أمير الظلام يائسًا نشر الشر في العالم من خلال التوالد الذي يأتي إلى العالم بأشخاصٍ ماديين من أجل احتباس مزيد من عناصر النور. وبالمقابل يحاول العظيم الأول نشر الخير من خلال قواعد الدين الصحيح. وهكذا يجري تحرير النور من خلال إعاقة دورة التناسخ (التناسل)، عندما تتحرر الروح من خلال المعرفة. بعد أن تنتصر كنيسة الحق ستُحاسب الأرواح ويصعد المختارون إلى السماء. بعد ذلك سوف يتطهر العالم من خلال نار مضرمة مدمرة تدوم ١٤٦٨ سنة. وسوف تتبقى جميع ذرات النور أو معظمها. وتُحبس المادة وكل تجسداتها مع ضحاياها الخاسرين في كرة داخل فوهة عملاقة تُغطى بحجر. وهكذا يتحقق فصل الأصلين إلى آبد الآبدين”.

المرجع السابق، ص ٨١، ٨٢.

ثم يتحدث العالم چيو وايدينغرين في نفس السياق عن عقيدة خلق الإنسان في المانوية وتوارث الخطية بالتوالد والتناسل فيها كالتالي:

“لقد طورت المادة في الشخص ذي الشهوة الجسدية خطة تآمرية استهدفت الاحتفاظ ببذرة النور التي بقيت لها حتى الآن، وقضت هذه الخطة بتركيز جزء كبير من النور في خلقة الفرد، وذلك كقوة موازية للخلق السماوي، ولتنفيذ ذلك، جرى اختيار شيطان مذكر اسمه أشقلون وشيطانة مؤنثة اسمها نامارائيل، وكيما يتم تمثيل ذرات النور التي كانت قد سقطت على الأرض، والتي كانت موجودة في إجهاضات الحكام، فابتلع أشقلون جميع الحيوانات المخيفة التي كانت مذكرة، في حين قُدمت الحيوانات المخيفة المؤنثة لنامارائيل، وبعد هذا تزوج أشقلون نامارائيل فأنجبا آدم وحواء أول المخلوقات البشرية. وهكذا نشأ الجنس البشري – بما لا شك فيه- من مزيج مقزز للنفس من أعمال آكل لحوم البشر والممارسات الجنسية، وكان جسد الإنسان بمثابة مظهر حيواني صرف للحكام، وكانت شهوته شهوة جنسية مسيرةً له تمشيًا مع خطة المادة (الشر) للإنجاب والولادة، فهذا هو ميراث الإنسان من أصله الحيواني”.

چيو وايدينغرين، ماني والمانوية، ترجمة: د. سهيل ذكار، ص ٨٤، ٨٥.

See also Duncan Greenlees, The Gospel of The prophet Mani, (California, SanDiego: The Book Tree, 2007), pp. 30-38.

Geo Widengren, Mani and Manichaeism, (New York, 1985).

ثم يتحدث چيو وايدنغرين عن عقيدة الفداء والخلاص في المانوية كالتالي:

“لكن عالم النور لم يكن قادرًا ولا راغبًا بترك الإنسان تحت رحمة عالم الشر، فتجمع في آدم الجزء الأكبر من النور المحتجز والمتبقي، وذلك هو السبب في أنه أصبح الموضوع الأول لجهد الفداء من قِبل عالم النور. وجرى بذل الجهد حسب النمط نفسه لافتداء الإنسان الأول، فقد خُلق آدم أعمى وأطرش، وغير مدرك تمامًا لوميض النور في داخله وذلك استجابةً لتحريض المادة، وكانت تحيط به ضحية من ضحايا الشياطين، فقد كان غارقًا في سبات عميق وظل كذلك حتى اقترب المخلص منه – ويتم وصف المخلص الذي هو إظهار وتمثيل للرسول الثالث بشكل متنوع، فهو يُسمى حينًا باسم ابن الله، أو أهرمزد (أي الإنسان الأول)، أو يسوع النور المتألق، أو يسوع، وبالطبع إن اسمي أهرمزد ويسوع ينتميان كل على حدة إلى التقاليد الإيرانية والسريانية، ومن المؤكد أنه ابن الله، والتجسيد المعقول للمخلص داخل إطار النظام، فهو إما نؤوس أو واهمان (منواهميد)”.

المرجع السابق، ص ٨٢، ٨٣.

ويقدم چيو وايدنغرين مفاجأة كبرى بخصوص تأثر الأديان في بلاد الرافدين والمسيحية السريانية بالمانوية وطقوسها في وصف عملية الفداء كالتالي:

“لقد مارست هذه الطقوس القديمة نفوذها على وصف عملية الفداء ليس في المانوية فحسب، بل في المسيحية السريانية أيضًا، كما أن الأديان التي اتخذت لنفسها مكانًا في بلاد الرافدين لم تستطع كليًا أن تفلت من تأثير هذه الحضارة الطبيعية المديدة، وبقدر ما يعني الأمر ماني، نجد أن دراما تموز قد زودته بنقطة البداية لميثولوچيته الرمزية لعملية الفداء وليس أكثر من ذلك، فقد أخذ تفسيره لعملية الفداء من تأمل لاهوتي هندي-إيراني، زود هذه الرؤيا الشرقية القديمة للحوادث التي تصل ذروتها بعملية الفداء بدلالة فلسفية أكثر عمقًا”.

المرجع السابق، ص ٨٤، ٨٥.

نستنتج من هنا تشابه تعليم وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والشهوة عند أوغسطينوس مع انتقال الخطية عبر الجسد أو المادة التي عبرت عنها التعاليم المانوية في تعليمها عن خلق الإنسان وتناسخ أو توالد البشر كمخطط من إله الظلمة (الشر) لحبس ذرات النور (المقصود بها الروح الإنسانية الصادرة من إله النور) في الجسد أو المادة في إطار حربه الكبرى مع إله النور (الخير).

ماني والمانوية ووراثة الخطية – د. أنطون جرجس

كتاب إن كان الله ضابط الكل فلماذا؟ PDF – الراهب القس سارافيم البرموسي

كتاب إن كان الله ضابط الكل فلماذا؟ PDF – الراهب القس سارافيم البرموسي

كتاب إن كان الله ضابط الكل فلماذا؟ PDF – الراهب القس سارافيم البرموسي

كتاب إن كان الله ضابط الكل فلماذا؟ PDF – الراهب القس سارافيم البرموسي

تعرف على الكتاب

“ذاك هو الشعور المسيحي الواجب؛ أنّنا مسؤولون أمام ضمائرنا أنْ نَبْحَث عن إجاباتٍ من الله للعالم، لنَشْهَد له ضدَّ كلّ شكايةٍ تَرْتَفِعُ ضدّ معرفته الحقيقيّة. أنْ نُعَرِّف أنفسنا للآخرين، تلك هي أولى مراحل الشهادة للمسيح …”

— الراهب سارافيم البرموسي

“إن الله يتدخل ولكن ليس كما يترجى البعض؛ فبينما يريد البعض النقمة الإلهية وإظهار بأس شعب الله من خلال إذلال المقاومين، نجد أن الله يعمل في اتجاه آخر؛ يعمل على جذب الجميع إلى حضنه؛ المٌضطهِد (إن آمن) والمضُطهَد. لكلِّ مكانه في بيت الآب…”

— الراهب سارافيم البرموسي

“إنّ الله هو أب البشريّة كلّها، والبشريّة تتطاحن فيما بينها بسبب تَشَوُّه الطبيعة الذي حَدَثَ بالسقوط الأوّل. لذا فإنّ أي تدخُّل إلهي مهما كان متوازنًا فلن يُلاشي الألم والمعاناة من الواقع الإنساني الزمكاني لأنّه يتعامل مع عناصر متعدِّدة تعمل فيها قوى السقوط. إنّ تدخُّل الله / تأنّي الله دائمًا ما يكون مزدوج الفاعليّة، وهذا لا ينتقص من كونه القدير والصالح على الرغم من نِتاج التدخُّل / التأنّي. لقد عبَّر عن تلك الحقيقة سفر أيوب بشكلٍ مجازيٍّ، وإن كان على لسان أليفاز التيماني حينما قال: ”لأَنَّهُ هُوَ يَجْرَحُ وَيَعْصِبُ، يَسْحَقُ وَيَدَاهُ تَشْفِيَانِ“ (أي5: 18).”
— الراهب سارافيم البرموسي
 
“علينا أنْ نُفَرِّقَ تمامًا بين السماح من جهة، وبين الرغبة / المشيئة الإلهيّة من جهة أخرى. السماح ينطلق من واقع الحريّة الإنسانيّة، ونتاجها الذي شَوَّه العلاقات الإنسانيّة في الوجود، وهو ما يُعَبِّر عن موقفه التدبيري. فهو يسمحُ لأنّ الحريّات واقعٌ، ولها أثرٌ حقيقيٌّ، ولكن هذا لا يُعَبِّر عمّا في قلب الله الذي لا يريد أنْ يرى خليقته مُتَألِّمه بأي حال من الأحوال. في المقابل، المشيئة الإلهيّة / الإرادة الإلهيّة هي التعبير عن طبيعة الله التي هي دائمًا خير. والعالم الذي نحياه، في واقعيّة سقوطه، يحتاج إلى سماحٌ إلهيٌّ تدبيريٌّ تفاعليٌّ ما بين حرياتنا ورغبة الله، من أجل تحقيق المشيئة الإلهيّة الخيِّرة دائمًا.”
— الراهب سارافيم البرموسي
 
هل فعلاً ربنا ضابط الكل؟ وهل في نظام وسط الفوضى؟ ولو في، ليه مازلت شايف “شر” حواليا؟ هل ربنا عايز يمنع الشر، ولكن مش قادر يمنعه؟ مش ربنا يقدر يعمل أي حاجة؟ هل يقدر يمنعه، ولكن هو مش عايز؟ هل عايزني أتعب؟ طيب لو هو عايز ويقدر يمنعه… ليه فيه شر حواليا؟ وهل من الممكن يبقى فعلاً في صلاح في ظل الشر اللي بأوجهه؟ أو أي معني للألم اللي بأشعر بيه؟!
 
أسئلة كلها بتخطر على بالنا في كل مرة بنتعرض لوجع، بنواجه أزمة، أو بنصطدم مع حدث فيه شر مش قادرين نفهم سببه في ضوء الأفكار والمفاهيم اللي عارفينها عن الله والعالم من حوالنا… بالمعطيات اللي معانا في معرفتنا لربنا…

من خلال كتاب “إن كان الله ضابط الكل فلماذا الألم؟” بتبدأ رحلة “بحث” مع نفسك، بداية من دوامات الحيرة في كل الأسئلة الشائكة عن وجود الله في ظل الألم والشر اللي بتصطدم بيه، من خلال الكتاب هتبدأ تتحرك لاكتشاف مفاهيم جديدة عن الله وطبيعته ومعاملاته معنا وحبه لينا وتدبيره في الخليقة وفي تبعيتها ليه وفي علاقة البشر ببعضهم البعض، عندها تنهي رحلتك مع الكتاب ويبدأ سؤال: ماذا يفعل الله في ظل الألم والشر؟ ينعكس ببطء جواك لسؤال أعمق وأقوي: ماذا أفعل في مكاني ودائرتي لمواجهة الألم والشر؟

إزاي أفهم إن ربنا عنده كل القدرة ومش بيستعملها علشان يوقف الألم والبؤس في العالم؟ ولو عنده القدرة والإرادة ان العالم يخلص من كل الشر والبؤس؛ ليه ده مش بيحصل؟ ايه السبب اللي بيعطل إرادة الله دي؟ واشمعنى بيبان إنه بيتدخل في حالات وحالات تانية لأ؟
 

كتاب “إن كان الله ضابط الكل، فلماذا؟” دعوة للتحرك الإيجابي والخروج خارج دائرة التساؤل السلبي لرؤية أعمق تساعدنا على التفاعل مع المشكلة في محاولة فعّالة للشهادة لله وصلاحه وتدبيره ووجوده في العالم…

لحضور الكورس عن موضوع الكتاب للراهب سارافيم البرموسي على منصة UDEMY: bookstore.asfcs.org/asfcspain

 
كتاب إن كان الله ضابط الكل فلماذا؟ PDF – الراهب القس سارافيم البرموسي

المواصفات

الكاتب: الراهب سارافيم البرموسي

مراجعة: نيافة أنبا إيسيذورس

الناشر: مدرسة الإسكندرية

تاريخ النشر: أبريل 2021م

رقم الإيداع بدار الكتب المصرية: 25215/ 2019

الترقيم الدولي: 7-70-6591-977-978

عدد صفحات الكتاب: 304

اللغة: عربي

 

المحتويات:

 

مقدمة

اجعلهم يتوقفون

الأم

تورات شائهة

لماذا؟

دوامات الحيرة

أصداء الألم المرنمة

تورط الله

أين الله؟

ما قبل العاصفة

كلمات بلا قوة

قضية وجدانية

ما قبل التجربة

النظرة الأبيقورية والحلول الفلسفية

السؤال القديم

زلزال لشبونة

سؤال العالم العربي

دماء على درب التقدم

رد الفعل

الثنائية

الغنوسية

ماركيون

ماني

رد الفعل المسيحي

الحوار

الرؤية

الفرضيات المسبقة

الإعلان الإلهي كنقطة انطلاق

إشكالية ثلاثية

إشكالية الخير

منهجية التفكير

إيل شداي والاحتياج للإيمان

القدير

الإله الذي فيه الكفاية

السينرجيا

القدرة الإخلائية

قوة الضعف

حبل المشنقة

اخلى ذاته

مركز الوعي الجديد في المسيحية

مركزية العلاقة في تشكيل الوعي

الله المعلن في وجه الرب يسوع

القدرة المخلصة

القدرة الأخلاقية

لماذا لم يخلقنا الله أذكياء

القادر على كل شيء

المنهجية الأخلاقية

بساطة الله وقدرته

القدرة الإيجابية

القدر الصالحة

الشر بين الوجود والعدم

الغياب والعم

الخير والشر بين الشخصانية والتجريد

المستحيلات المطلقة المشروطة

مخاض الطبيعة والأنسان

هل الله خالق الشر؟ قراءة في أشعياء 45: 6 – 7

 

ملاحظات تفسيرية

الإطار الأدبي

مواجهة الثنائية

دلاله كلمة شر في العهد القديم

دلاله فعل خلق في العهد القديم

 

إجمالا

الصلاح الإلهي نموذج الأب والأبناء

ماذا عن الأحفاد؟

لماذا لا يشرع الله بدينونة الأشرار؟

الخطية خاطئة دائما

العالم الوحيد الممكن لدى الله

الله ليس تحت الضرورة

بوتقة الألم وتشكيلنا الإيجابي

لماذا لا يخلق الله عالما أكمل؟

مستويات التدبير الثلاثة

المزيد من الجرائم كل يوم

ثلاثية الوجود

الله في ذاته والله في تدبيره

طبيعة متجددة

حينما يسألنا الله

تسابيح القدرة ومباركة الله

عالمنا يبدا من القلب

تسابيح الاله القادر على كل شيء

مبارك الله

صلاة

تحميل الكتاب PDF

كتاب الكرازة الرسولية – القديس إيرينيوس (مع دراسة عن حياته) PDF مركز دراسات الآباء

كتاب الكرازة الرسولية – القديس إيرينيوس (مع دراسة عن حياته) PDF مركز دراسات الآباء

كتاب الكرازة الرسولية – القديس إيرينيوس (مع دراسة عن حياته) PDF مركز دراسات الآباء

كتاب الكرازة الرسولية – القديس إيرينيوس (مع دراسة عن حياته) PDF مركز دراسات الآباء

تحميل الكتاب PDF

المهرطقون وبدايات الكتابات الهرطوقية – بحث

المهرطقون وبدايات الكتابات الهرطوقية – بحث

المهرطقون وبدايات الكتابات الهرطوقية – بحث

المهرطقون وبدايات الكتابات الهرطوقية – بحث

كان على المسيحية أن تدافع عن نفسها، ليس فقط ضد العدوين اللذين من الخارج، اليهودية والوثنية، بل أيضاً ضد العدوين اللذين من الداخل، الغنوسية والمونتانية. وبالرغم من أن هاتين البدعتين تنطلقان من الديانة المسيحية كنقطة بداية، إلا أن كل واحدة منهما كانت تختلف عن الأخرى اختلافاً تاماً، ففي حين كان الغنوسيون هم زعماء حركة توفيق المسيحية مع العالم، كان المونتانيون يناصرون حركة الهروب الكامل منه. لقد سعى الغنوسيون، في توافق مع ثقافة العصر، إلى خلق مسيحية تستوعب الأساطير الدينية الشرقية، وتعطي الدور الأكبر للفلسفة الدينية اليونانية، ولا تترك سوى مساحة صغيرة للوحي الإلهي كأساس لكل المعرفة اللاهوتية والإيمان وإنجيل المسيح. أما المونتانيون فقد عاشوا. انتظاراً لدمار العالم الوشيك. حياة دينية في عزلة وتخل كامل عن العالم ومسراته باعتبار الهدف المسيحي الوحيد الذي يجب على جميع المسيحين أن يتجهوا صوبه. ولقد دعت كل من الطائفتين لنفسها بشكل ناجح، واستقطبت كلتاهما أتباعاً من داخل المجتمعات المسيحية. وهكذا، جازت الكنيسة في محنة ذات شقين، فالغنوسية قد هددت أساسها الروحي وطابعها الديني، في حين قامت المونتانية بتعريض إرساليتها العالمية وطابعها المسكوني للخطر. ومن هذين العدوين، كانت الغنوسية هي الأكثر خطراً.

غنوسية عصور ما قبل المسيحية

ينبغي للمرء أن يتتبع بداية الغنوسية في عصور ما قبل المسيحية، فالبحوث الحديثة قد أثبتت أنه منذ أن دشن الإسكندر الأكبر العصر الهيلينستي بغزوه الانتصاري لبلاد الشرق (334-324ق.م)، أخذ هذا المزيج الغريب من الديانة الشرقية والفلسفة اليونانية، الذي ندعوه بالغنوسية، في التطور. وقد ورثت الغنوسية من الديانات الشرقية الاعتقاد بوجود ثنائية تامة بين الله والعالم، وبين الروح والجسد، وخروج الخير والشر من مبدأين أوليين وجوهرين مختلفين تماماً، والتوق للخلاص والخلود. كما أخذت الغنوسية عنصرها الفكري من الفلسفة اليونانية؛ فدخلت إلى الغنوسية التخمينات المتعلقة بالوسطاء الذين يتوسطون بين الله والعالم من الفلسفة الأفلاطونية الحديثة؛ ومن الفيثاغورية الحديثة دخل إليها نوع طبيعي من التصوف؛ ثم دخل إليها من الرواقية الحديثة تقدير الفرد ودوره الأخلاقي.

أولاً: سيمون الساحر

كان سيمون الساحر هو آخر ممثل لغنوسية ما قبل المسيحية، ولقد كان معاصراً للرسل، فعندما ذهب الشماس فيليبس إلى السامرة، كان سيمون الساحر مشهوراً جداً هناك، كما كان له أتباع كثيرون. ويذكر سفر أعمال الرسل (8: 9-24) أنه كان يلقب بـ “قوة الله” و”العظيم”. واسمه يظهر مع اسم “كيرنثوس” (Cernthus) كممثلين للهرطقة الغنوسية في مقدمة ما يعرف بـ “رسالة الرسل” (Epistola Apostolorum).

ويذكر يوستينوس الشهيد أن سيمون قد ولد في قرية “جيتون” (Gitton) بالسامرة، ووصل إلى روما في عهد الإمبراطور كلوديوس حيث عُبد كإله. وينسب هيبوليتوس الروماني إليه في (Philosophoumena 6: 7-20) كتابة عمل بعنوان “الأنباء العظيمة”، ومن الواضح أنه كان يحتوي على تفسير رمزي لرواية الخلق الكتابية، الأمر الذي يوحي بوجود تأثير للفلسفة الدينية السكندرية. لكن من المشكوك فيه جداً أن يكون هذا الكتاب الذي نملك منه فقط بعض الشذرات، قد كتبه سيمون الساحر.

ثانياً: دوسيثيوس وميناندر

كان هناك رجلان سامريان آخران ذكرا في الأدب المسيحي القديم باعتبارهما غنوسيين؛ هوما دوسيثيوس (Dositheus) وميناندر (Menander)، وقد جمعت كلا الرجلين علاقة ما بسيمون الساحر؛ فقد كان دوسيثيوس معلمه، في حين كان ميناندر تلميذه. وبحسب ما جاء في كتاب “Pseudoclementines”، أسس دوسيثيوس مدرسة في السامرة، ويذكر أوريجينوس أنه قد حاول أن يقنع السامريين بأنه هو المسيا الذي تنبأ عنه موسى. وولد ميناندر، بحسب شهادة يوستينوس، في “كابارتايا” (Capparetaea) بالسامرة، وبحسب ما يذكر إيرينيوس، أخبر أتباعه أنه قد أرسل بواسطة القوة غير المنظورة كمخلص لخلاص جنس البشر. وفي حين كان ميناندر تلميذاً لسيمون الساحر، كان معلماً لـ ساتورنيل (Satornil) وباسيليدس (Basilides). وهكذا يمثل ميناندر حلقة الوصل بين غنوسية ما قبل المسيحية والغنوسية المسيحية.

الغنوسية المسيحية

عندما دخلت المسيحية مدن الشرق العظيمة، اهتدى الكثير من الرجال ذوي المستوى العلمي الرفيع إلى الدين الجديد. وقد كان من ضمن هؤلاء المهتدين بعض ممن كانوا ينتمون إلى الطوائف الغنوسية التي تعود إلى ما قبل المسيحية، وهؤلاء بدلاً من أن يتنازلوا عن عقائدهم السابقة، قاموا فقط بإضافة بعض العقائد المسيحية إلى آرائهم الغنوسية، وهكذا، ولدت الغنوسية المسيحية. وتختلف غنوسية ما قبل المسيحية عن الغنوسية المسيحية في كون شخص يسوع لا يلعب أي دور في أنظمتها العقائدية، في حين في الغنوسية المسيحية كانت الكرازة بالإله الواحد الحقيقي، أبي يسوع المسيح المخلص، واحدة من عقائدها الأساسية. وقد سعى مؤسسو الفرق الغنوسية المختلفة إلى رفع المسيحية من حالة الإيمان إلى حالة المعرفة، وبهذه الطريقة يجدون للمسيحية مكاناً في العالم الهيليني كما لو كانت في بيتها.

وكان الإنتاج الأدبي الغنوسي ضخماً جداً، خاصة في القرن الثاني الميلادي، فقد كانت الكتابات المسيحية الأولى، وبدايات الشعر المسيحي، ذات طابع غنوسي. وقد كُتب الكثير من هذا الأدب بواسطة كتاب مجهولين، وينتمي إلى هذه الكتابات الكثير من الأناجيل الأبوكريفية، وأعمال الرسل الأبوكريفية، ورسائل الرسل الأبوكريفية، وأسفار الرؤى الأبوكريفية. كما كان لهذه الكتابات تأثير عظيم بسبب محتواها الرائج شعبياً. ويتكون الجزء الأهم من الأدب الغنوسي من مقالات كتبها مؤسسو الفرق الغنوسية المختلفة وتلاميذهم، لكن معظم هذه الكتابات قد فقد.

أولاً: باسيليدس

بحسب ما يذكر إيرينيوس في (Adv. Haer. 1: 24: 1)، كان باسيليدس معلماً في مدينة الإسكندرية بمصر، وعاش في عهد الإمبراطور هادريان وأنطونينوس بيوس (120م -145م). وقد كتب باسيليدس إنجيلاً ليس في حوزتنا منه إلا شذرة واحدة، وتفسياً لإنجيله بعنوان “التفسير” (Exegetica) بقت منه عدة شذرات. ونجد هيجيمونيوس (Hegemonius)، في (Acta Archelai. 67: 4-11 ed. Benson)، يقتبس الفقرة التي تصف الحرب بين النور والظلمة من الجزء الثالث عشر من كتاب “التفسير”. وكذلك يقوم كليمندس السكندري، في كتاب “المفرقات” (Stromat. 4: 12: 81: 1-88: 5)، باقتباس عدة فقرات تتناول مشكلة الألم من الجزء الثالث والعشرين – من نفس الكتاب – غير أن هذه الشذرات لا تمكننا من أن نحصل على فكرة أكيدة عن فكر باسيليوس العقائدي. وبالإضافة إلى هذا، ألف باسيليدس مزامير وأناشيد لم يبق منها أي شيء.

ويعطي إيرينيوس في (Adv. Haer. 1: 24: 3-4) الملخص التالي لتعاليم باسيليدس: “باسيليدس أيضاً، لكي ما يظهر أنه قد اكتشف شيئاً أكثر سمواً وقبولاً، يطور عقائده تطوراً هائلاً. فهو يقول أن العقل هو بكر الآب غير المولود، وأن منه أيضاً ولد “اللوغوس” الكلمة، ومن “اللوغوس” ولد “الفرونيسيس” (Phronesis) أي “الحكمة العملية”، ومن “الفرونيسيس” ولد كل من “الصوفيا” أي “الحكمة” (Sophia) و”الديناميس” أي “القوة والحركة” (Dynamis)، ومن “الصوفيا” و”الديناميس” ولدت القوات والملائكة، هؤلاء الذين يدعوهم بـ “الأوائل”؛ وبواسطتهم خلقت السماء الأولى. حينئذ تكونت قوى أخرى بالانبثاق من هؤلاء، وخلقت سماء ثانية شبيهة بالأولى؛ وبعملية مماثلة، عندما تكونت أيضاً قوى ثالثة بالانبثاق من هؤلاء تشبه بالضبط تلك التي تعلوها، صنعت هي أيضاً سماء ثالثة؛ ومن هذا الثالثة أصبح هناك جيل رابع من الأحفاد في ترتيب تنازلي؛ وبنفس الطريقة أعلنوا أن الكثير والكثير من القوات والملائكة قد تكونوا إلى جانب ثلاثمائة خمسة وستين سماء. وهكذا تحتوي السنة على نفس العدد من الأيام في اتفاق مع عدد السماوات. أولئك الملائكة الذين يشغلون السماء الدنيا، أعني التي نراها نحن، قد صنعوا كل الأشياء التي في العالم، ووزعوا الأنصبة فيما بينهم في الأرض وفي تلك الأمم التي فوقها. ويظن أن رئيسهم هو إله اليهود، بقدر ما عزم أن يجعل كل الأمم الأخرى خاضعة لشعب خاصته، أعني اليهود، وقد قاومه وعارضه كل القوت الآخرين. بينما كانت كل الأمم الأخرى في عداوة مع شعبه. ولكن الآب الذي بغير ميلاد وبغير اسم، وهو يدرك أنهم سيفنون، أرسل بكره المولود “نوس” أي العقل – ذاك الذي يدعى المسيح – لينجي الذين يؤمنون به من سلطان الذين صنعوا العالم. فظهر لأمم هذه القوات إنساناً على الأرض وصنع معجزات لكنه لم يكن من مات، بل سمعان، رجل من قوريني[1] (Cyrene)؛ إذ أجبروه ليحمل الصليب عوضاً عنه، فألقى شبهه عليه حتى يظنوا أنه يسوع، فصلبوه بالجهل والخطأ في حين أخذ يسوع هيئة سمعان ووقف يضحك عليهم. فهو؛ إذ كان قوة غير جسدانية وعقل الآب غير المولود، قد غير هيئته بإرادته وصعد إلى الذي أرسله، وقد هزأ بمن لم يقدروا الإمساك به؛ إذ لم يكن منظوراً من الكل. والذين علموا بتلك الأمور تحرروا من سلطان السلاطين الذين صنعوا العالم، لهذا يتعين علينا ألا نعترف بمن صُلب، بل بمن جاء في الجسد واعتقدوا أنه صُلب، ودُعي يسوع وأرسله الآب، حتى بهذا الحكم يبيد عمل صانعي العالم (ANF I, 349).

ومن تلك الفقرة يتضح أن باسيليدس استنبط الاستنتاجات العملية التالية من دراسته لعلم الكون:

  1. تأتي المعرفة (الغنوسية) من السلاطين الذين صنعوا العالم.
  2. قليلون فقط، واحد من كل ألف، أو اثنان من كل عشرة آلاف، قادرون على اقتناء المعرفة الحقة.
  3. لا بد من حفظ الأسرار بلا كشف.
  4. الاستشهاد لا طائل منه.
  5. يؤثر الفداء في النفوس فقط، لا الجسد، الخاضع للفساد.
  6. كل فعل، حتى أشنع خطايا الشهوة، منشأه منتهى اللامبالاة من الشخص.
  7. لا ينبغي على المسيحي الاعتراف بمسيح مصلوب بل بيسوع، المرسل من الآب. وإلا ظل عبداً تحت سلطان الذين صنعوا أجسادنا.
  8. لا بد من احتقار ذبائح الأمم، لكن يمكن استخدامها بلا أدنى تردد، لتفاهتها.

ومن هذا الموجز لإيرينيوس يتضح جلياً أن باسيليدس لم يشارك في النظرة الثنائية مثلما يزعم بعض الدارسين. إن شذرته من كتاب “التفسير” في (Acta Archelai) والتي تتناول الحرب بين النور والظلمة، لا يمكن أن تكون اقتباساً يدل على فكره الثنائي، لأنها في سياقها تدل على أنها تفند بوضوح الثنائية الزورداشتية[2] بين النور والظلمة، بصفتها قوات الخير والشر.

ثانياً: إيزيدور

تابع عمل باسيليدس ابنه إيزيدور (Isidore)، وما نعرفه عنه أقل حتى من الذي نعرفه عن أبيه، وقد أورد كليمندس السكندري اقتباسات قليلة من ثلاثة من كتبه في (Stromat 2: 113; 6: 53; 3: 1-3). وقد كتب إيزيدور تفسيراً لأقوال النبي بارخور (Parchor) حاول فيه أن يثبت أن الفلاسفة اليونانيين قد أخذوا من الأنبياء. وبالإضافة إلى هذا، ألف كتاباً عن “علم الأخلاق” (Ethica) ومقالاً عن “النفس المربوطة”. ويتناول العمل الأخير موضوع الشهوات البشرية، تلك التي تصدر من جزء ثان من النفس. وتعطي الفقرة التي اقتبسها كليمندس من كتاب علم الأخلاق تفسيراً غريباً لكلام الرب الذي يتعلق بالخصيان في (مت 19: 10).

ثالثاً: فالنتينوس

أما الشخص الأهم كثيراً من باسيليدس وابنه أيزيدور فهو “فالنتينوس” (Valentinus). ويقول إيرينيوس عنه في (Adv. Haer. 3: 4: 3): “جاء فالنتينوس إلى روما في عهد البابا “هيجينوس” (Hyginus) (136-140م)، وازدهر في عهد البابا “بيوس” (Pius) (150-155م)، وبقي حتى عهد البابا “أنيكيتوس” (Anicetus)”.

وكان إبيفانيوس، في (Haer. 31: 7-12)، هو أول من ذكر أن فالنتينوس قد ولد بمصر، وتعلم بالإسكندرية، ونشر تعاليمه في مصر قبل أن يذهب إلى روما، ثم يضيف أنه في وقت لاحق ترك روما ليذهب إلى قبرس. ولقد أدخل كليمندس السكندري ست شذرات من كتابات فلنتينوس في كتابه “المتفرقات” (Stromata)، اثنتين منها من خطاباته، واثنتين من عظاته، واثنتين لا تدلان على أي من كتاباته قد نقلتنا منها. وواحدة من الفقرات التي اقتبسها كليمندس (Stromat. 2: 20: 114)، هي كالتالي: “هناك خير واحد الذي حضوره هو الظهور، الذي بواسطة الابن، وبه وحده يمكن للقلب أن يصبح نقياً بطرد كل روح شرير منه؛ لأن كثرة الأرواح التي تسكن به لا تتركه يتكبد المشقة ليصبح نقياً؛ لكن كل واحدة منها تعمل أعمالها الخاصة، وكثيراً ما تهينه بواسطة الشهوات غير اللائقة. ويبدو أن القلب أصبح مثل الحانة التي على جانب الطريق، لأن الأخير به الكثير من الثقوب والتجاويف التي صنعت فيه، وكثيراً ما يمتلئ بالروث، والرجال الذين يعيشون به حياة قذرة غير مبالين بأن المكان ملك الآخرين. لذا، تتفق الأرواح الشريرة مع القلب طالما لم يؤخذ في الحسبان، كونه – أي القلب – نجساً ومسكناً للكثير من الشياطين. لكن فقط عندما يزوره الآب الصالح، يتنقى ويبرق بالنور. ويكون ذلك الإنسان الذي يمتلك مثل هذا القلب مباركاً جداً لأنه سوف ينظر الله”.

وفقرات مثل هذه تفسر السبب الذي لأجله وجد فالنتينوس الكثير من بين المؤمنين – المسيحيين – يؤمنون به. وهي تسلط الضوء على ما قاله إيرينيوس في (Adv. Haer. 3: 15: 2) عن فالنتينوس وتلاميذه: “بهذه الكلمات يخدعون البسطاء ويغونهم، مقلدين طريقة كلامنا، حتى ربما يسمع لهم هؤلاء (المخدوعون) أكثر فأكثر؛ حينئذ يسأل هؤلاء عنا، وكيف أننا، في حين أن تعاليمهم تشبه تعاليمنا، نبقي أنفسنا بلا سبب بمعزل عن صحبتهم”. (ANF. 1. 439).

وقد وجد فالنتينوس الكثير من الأتباع في كل الشرق والغرب، وهيبوليتوس يتكلم عن مدرستين يتبعا تعاليم فالنتينوس، مدرسة شرقية وأخرى إيطالية.

رابعاً: بطليموس

كان بطليموس أشهر أعضاء مدرسة فالنتينوس الإيطالية، وقد كتب “الرسالة إلى فلورا” التي تناقش قيمة الناموس الموسوي. وتقسم الرسالة الشريعة الموسوية إلى ثلاثة أقسام رئيسية. ويأتي القسم الأول من الله، والثاني من موسى، والثالث من شيوخ الشعب اليهودي. مرة أخرى، فإن القسم المنحدر من الله يصير إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الأول يشتمل على الناموس النقي الذي لم يشُبه أي شر، وبكلمات أخرى، الوصايا العشرة. وهذا الجزء من الناموس الموسوي هو الذي جاء يسوع ليكمله لا ليوقفه. الجزء الثاني من الناموس هو ذاك الذي أفسده الظلم، أي ذلك الجزء الذي يشمل الوصايا التي تحض على الانتقام، تلك التي أقفها المخلص. والجزء الثالث هو الناموس الطقسي الذي أعطاه المخلص معنى روحياً. ولقد حُفظت هذه الرسالة في كتابات أبيفانيوس (Haer. 33: 3-7). وتعد أهم قطعة من الأدب الغنوسي موجودة في حوزتنا اليوم.

خامساً: هيراكليون

كتب عنه كليمندس السكندري في (Stromat. 4: 71: 1)، وكان هيراكليون (Heracleon) أكثر تلاميذ فالنتينوس احتراماً، وهو ينتمي إلى المدرسة الإيطالية مثل بطليموس. وقد ألف هيراكليون تفسيراً لإنجيل يوحنا. اقتبس اوريجينوس منه ما لا يقل عن ثماني وأربعين فقرة في تفسيره لهذا الإنجيل، كما يستشهد كليمندس السكندري بفقرتين من كتابات هيراكليون بدون أن يشير إلى مصدر اقتباسهما، هل هما من تفسيره لإنجيل القديس يوحنا أم من كتاب آخر من كتاباته؟

سادساً: فلورينوس

كان فلورينوس قساً رومانياً ينتمي إلى المدرسة الفالنتينية الإيطالية. ويوسابيوس هو أول من ذكر أن إيرينيوس قد وجه رسالة إلى فلورينوس” عن سلطان النفس، أو أن الله ليس خالق الشر؛ ويبدو أن فلورينوس كان يدافع عن الرأي المعاكس. ويقتبس يوسابيوس، في (Hist. Eccl. 5: 20: 4)، فقرة من هذه الرسالة يقوم فيها إيرينيوس بذكر فلورينوس: “إن آراء فلورينوس، تلك التي ربما سأتكلم عنها قليلاً، لا تنتمي إلى التعليم الصحيح، فهي غير متوافقة مع تعاليم الكنيسة، تجلب على هؤلاء الذين يؤمنون بها الشر الأعظم. إن هذه الآراء لم يجرؤ حتى الهراطقة الذين هم خارج الكنيسة على المناداة بها. كما أن هذه الآراء لم يسلمها إلينا هؤلاء الذين كانوا شيوخاً قبلنا والذين كانوا مرافقين للرسل”. (LCL. 1. 497) ثم يستمر إيرينيوس ليذكر فلورينوس بالأسقف بوليكاريوس أسقف سميرنا، ذاك الذي كان فلورينوس في أيام شبابه يعرفه شخصياً.

وبالإضافة إلى هذه الرسالة، كتب إيرينيوس عملاً بعنوان “عن الثماني (On The Ogdoad) ضد فلورينوس “عندما اجتذبته الضلالة الفالنتينية”. (Eusebius. Ibid. 5: 20: 1) وقد بقيت لدينا شذرة سريانية من رسالة وجهها إيرينيوس إلى البابا فيكتور يطلب منه فيها أن يتخذ خطوات ضد كتابات القس الروماني، لأنها قد انتشرت في بلاد الغال وهددت إيمان المسيحيين الذين تحت رعايته. وعنوان هذه الشذرة يصف فلورينوس باعتبار تابعاً لحماقة فالنتينوس، ومؤلفاً لكتاب مخز.

سابعاً: بارديصان

المعلومات التي لدينا عن المدرسة الفالنتينية الشرقية أقل من تلك التي لدينا عن المدرسة الفالنتينية الإيطالية. وبارديصان هو واحد من أهم تلاميذ فالنتينوس الشرقيين. ولد بارديصان يوم 11يوليو عام 154 في إديسا، وهو ينحدر من عائلة نبيلة، وتعلم على يد كاهن وثني في “مابوج” هيليوبولس، وكان صديقاً للملك أبجر التاسع (Abgar IX Osrhoene). وأصبح بارديصان مسيحياً في سن الخامسة والعشرين، وعندما غزا الإمبراطور كالاكلا إديسا عام 216م، هرب بارديصان إلى أرمينيا. ومات بعد أن عاد إلى سوريا عام 222م – 223م. ويذكره يوسابيوس في (Hist. Eccl. 4: 30) قائلاً: “رجل نبيل جداً ومتمرس في اللغة السريانية”. وكان بارديصان في البداية عضواً في المدرسة الفالنتينية، لكنه ندد بهذه الفرقة لاحقاً، وفند الكثير من خرافتها. غير أنه، كما يقول يوسابيوس “لم يطهر قلبه تماماً من دنس هرطقته القديمة”. ووفقاً للمصدر نفسه، “ألف بارديصان محاورات ضد أتباع ماركيون وآخرين من قادة المعتقدات المختلفة، ونشرها بلغته وبخطه، مع الكثير من كتاباته الأخرى، وقد ترجمها هؤلاء الذين كانوا يعرفونها لأنها كانت كثيرة، كونه كان مناقشاً قوياً – وقد ترجمها عن السريانية إلى اليونانية. ومن بينها حواره القوي مع أنطونينوس عن “حول المصير”، ويقولون إنه كتب العديد من أعمال أخرى، عقب اضطهاد تلك الفترة”. (LCL I. 399).

وبينما ضاعت الكتابات الأخرى، بقي الحوار “عن المصير” أو “كتاب قوانين البلدان”، والذي يذكره يوسابيوس، محفوظاً في لغته السريانية الأصلية. ومع هذا، فالكاتب ليس بارديصان، بل تلميذه فيليب رغم أن بارديصان هو المتحدث الأساسي في الحوار، والذي يجيب على أسئلة ومشاكل أتباعه فيما يخص خصال الرجال وأماكن النجوم. ويعد بارديصان بحسب كلام مار إفرام السرياني هو مبتكر فن الترانيم السريانية، لأنه صاغ مائة وخمسين ترنيمة لينشر تعليمه. وقد ذاع نجاحه الباهر حتى إن إفرام السرياني في النص الثاني من القرن الرابع اضطر أن ينافس بارديصان في هذا القطاع بتأليفه الترانيم بنفسه. وذهب بعض الدارسين في آرائهم إلى القول بأن القصيدة الجميلة “ترنيمة النفس”، في أعمال توماس الأبوكريفية، هي من عمل بارديصان. لكنه رأي مشكوك فيه للغاية، خاصة أن محتويات تلك الترنيمة الشهيرة لا تشير بأية علامة على غنوسية بارديصان وفي قائمته عن العلوم، المعنون “الفهرست” من أواخر القرن العاشر الميلادي، ينسب العربي ابن أبي يعقوي إلى بارديصان ثلاث كتابات أخرى، يتناول إحداها “النور والظلمة” ويتناول الثاني “الطبيعة الروحية للحق”، أما الثالث فتحث عن “المتحرك وغير المتحرك”.

ثامناً: هارمونيوس

هارمونيوس هو ابن بارديصان، وهو الذي أكمل عمل أبيه. وكان المؤرخ سوزومين أول من أمدنا بكل المعلومات عنه وذلك في منتصف القرن الخامس الميلادي. وبحسب سوزومين (تاريخ الكنيسة 3: 16)، “كان هارمونيوس بليغاً في الأدب الإغريقي واسع الاطلاع فيه وكان أول من قرض الشعر أبياتاً في لغته العامية، وقد سلم تلك الأبيات إلى الجوقات المرنمة، وحتى الآن فإن السريان يتغنون من حين لآخر، لا بالأبيات المضبوطة التي كتبها يراع هامونيوس بل بأبيات أخرى على نفس الوزن. لأنه مثلما كان هارمونيوس وبشكل شامل لا يخلو فكره من أخطاء أبيه وقد علم بالعديد من الآراء عن النفس، وميلاد الجسد وفنائه، وتعليم تناسخ الأرواح، الذي يروج له المعلمون الإغريق الفلاسفة، فقد أقحم بعضاً من هذه الأفكار في الأغاني المرتلة التي صاغها. وحين أدرك إفرام أن السريان انبهروا بالكلمات المنتقاة البليغة وتنوع النغم الموسيقي لكلمات هارمونيوس، تخوف أن يتشربوا بنفس الآراء، لهذا عكف بنفسه على دراسة أوزان شعر هارمونيوس، رغم جهله بالعلوم الإغريقية، وصاغ قصائد مماثلة تتفق وتعاليم الكنيسة، وترانيم مقدسة في تمجيد القديسين. ومنذ ذلك الحين راح السريان يشدون بقصائد إفرام المغناة بنفس الطريقة التي انتهجها هارمونيوس”. ويظهر من هذا الاقتباس أن هارمونيوس حل بالكامل محل أبيه (بارديصان)، فيما عدا أن سوزومين يصرح في عبارة سابقة أن بارديصان قد ابتدع هرطقة ما تعرف باسمه. ولكن وبسبب حقيقة عدم ذكر إفرام لهارمونيوس على الإطلاق يمكن لنا استنتاج أن هارمونيوس اكتفى فقط باستكمال عمل أبيه.

تاسعاً: ثيودوتوس

كان ثيودوتيوس عضواً ينتمي إلى مدرسة فالنتينوس الشرقية. ونعرفه من خلال ما يسمى “Excerpta ex Scriptis Theodoti” والذي يعد ملحقاً لكتاب “المتفرقات” لكليمندس السكندري، وهو يحتوي على ستة وثمانين من الاقتباسات تتضمن اقتباسات من كتابات ثيودوتوس رغم أن ذكره قد جاء فقط في أربعة منها. وتتناول المحتويات أسرار المعمودية، وإفخارستيا الخبز والماء، والرشم بالزيت كوسيلة للتخلص من سطوة القوة الشريرة. علاوة على ذلك، فإن المعتقدات الفالنتانية الأصلية عن (Pleroma) و(Ogdoas) وعن الطبقات الثلاث للبشر موجدة في تلك المقتطفات.

عاشراً: ماركوس

يذكر إيرينيوس شخصاً باسم ماركوس علم في ديوان حاكم آسيا كعضو في مدرسة فالنتيوس الشرقية. ويبدو من رواية إيرينيوس أن ماركوس هذا قد شارك في تعاليم فالنتيوس عن الإيونات، وأنه كان يمارس طقس الإفخارسيتا بالسحر والخداع، وأنه أغوى الكثير من النساء. وقد كرز تلاميذه حتى في القسم القريب من الرون (Rhone) في بلاد الغال وكان إيرينيوس يعرف بعضاً منهم شخصاً. ويذكر إيرينيوس في (Adv. Haer 1: 20: 1) أنهم استخدموا قدراً كبيراً من كتابات أبوكريفية وغير أصيلة قد ألفوها بأنفسهم.

حادي عشر: كاربوكراتس

إلى جانب باسيليدس وفالنتينوس، أبدعت الإسكندرية في مصر مؤسساً لطائفة غنوسية أخرى، وهو كاربوكراتس. وبحسب إيرينيوس في (Adv. Haer 1: 25: 1) زعم كاربوكراتس وأتباعه “أن العالم وما يحتويه قد خلق بواسطة ملائكة أدنى بكثير من الآب غير المولود. وزعموا أيضاً أن يسوع هو ابن يوسف وأنه كان مثل سائلا الناس فيها عدا أنه اختلف عنهم في أن نفسه بقدر ما كنت راسخة ونقية كان يتذكر تماماً تلك الأمور التي شهدها في دائرة الله غير المولود. ولهذا حلت عليه “قوة” من الآب، والتي بواسطتها يمكنه أن يفلت من خالقي العالم. ويقولون إنها بعد أن جازت فيهم كلهم وظلوا أحراراً في كل المجالات، صعدت ثانية إليه”.

وكان مركز يسوع هذا فريداً بشكل منقطع النظير لأنه وبنفس المنوال “فإن النفس (soul) التي تشبه نفس المسيح يمكنها أن تزدري بأولئك الحكام الذين كانوا صانعي العالم، وبنفس الطريقة تتلقى “قوة” لتحقيق نفس النتائج. وقد رفعتهم هذه الفكرة – أعني أتباع كاربوكارتس – إلى ذروة الكبرياء، حتى أن بعضهم أعلنوا عن أنفسهم أنهم مشابهون ليسوع بينما زعم آخرون أكثر قدرة أنهم أعلى وأسمى من تلاميذه، مثل بطرس وبولس وباقي الرسل، والذين اعتبروهم أدنى من يسوع”. (Adv. Haer 1: 25: 2)

وكان أتباع كاربوكراتس يمارسون نوعاً خاصاً من الديانة التوفيقية: “كانوا أيضاً يقتنون صوراً، بعضها مرسوم والبعض الآخر مصنوع من مواد مختلفة. وكانوا يزعمون أن بيلاطس كان يحمل شبهاً من المسيح في ذاك الوقت حين كان يسوع يعيش في وسطهم. وقد كرموا تلك الصور واحتفظوا بها مع صور الفلاسفة في العالم، أي مع صور فيثاغورث وأفلاطون وأرسطو والباقين. وكانت لهم أيضاً أساليبهم الأخرى في توقير وتكريم تلك الصور تتبع نفس طرق الوثنيين”. (Adv. Haer. 1, 25, 6).

“كما مارس الكاربوكراتيون أيضاً فنوناً سحرية وأعمال الرقية والتعاويذ وإعداد أشربة الجاذبية والحب، وكانوا يستدعون الأرواح للكلام معها، وإيفاد الشياطين في الأحلام وغيرها من الرجاسات، زاعمين أن لهم سلطاناً حتى للسيطرة على رؤساء وأمراء هذا العالم، ليس عليه وحسب بل على الأمور التي فيه”. (Adv. Haer. 1: 25: 3).

وعن زمن ظهور كاربوكراتس، فهو من الأهمية بمكان إذ بحسب إيرينيوس فإن إحدى تلميذاته من النساء، وتدعى مرسيلينا، قد ذهبت إلى روما خلال حكم البابا أنيستوس (154-165م)، وأغوت كثيرين. وهو ما يثبت أن كاريوكراتس كان معاصراً لفالنتينوس.

ثاني عشر: إبيفانس

بينما لا تتوفر لدينا كتابات كاربوكراتس، فإن العديد من فقرات المبحث “عن العدل” الذي صاغه ابنه إبيفانس نجدها متوافرة لدينا. وقد كتب إبيفانس هذا البحث كعبقرية إبداع طفل صغير. وقد مات في السابعة عشرة من عمره، وعبده الناس كأنه إله في كيفالونيا، الجزيرة مسقط رأس أمه، ألكسندريا. وقد كرس أهل كيفالونيا معبداً باسمه في مدينة سيم، واحتفل أتباعه بتمجيده وتأليهه بالترانيم والذبائح في كل شهر قمري جديد. ويقتبس كليمندس السكندري فقرات من مبحثه “عن العدل” في كتابه (Storma. 3: 2: 5-9)، تدل على أن إبيفانوس كان يدافع عن مجتمع المقتنيات. بل إنه تمادى في طرحه حتى اعتبر النساء من بين المقتنيات المشاعة للجميع.

ثالث عشر: ماركيون

ولد ماركيون في سينوب، في بنطس، المعروفة الآن باسم سينوب، على البحر الأسود. كان أبوه اسقفاً، وتنتمي عائلته إلى أعلى الطبقات الاجتماعية في هذا الميناء المهم وتلك المدينة التجارية. أما هو فقد حقق ثروة كمالك سفينة. وقد جاء إلى روما عام 140م. في حكم أنطونينوس بيوس، والتحق في بادئ الأمر بجماعة المؤمنين. وسرعان ما تسببت تعاليمه في معارضة شديدة، حتى إن قادة الكنيسة طالبوه بتقديم اعتراف بإيمانه. وكان النتيجة أن تم حرمه في يوليو من عام 144م. وثمة فارق جوهري بين ماركيون وبقية الغنوسيين. فبينما أسس الغنوسيون الآخرون المدارس فقط، فقد أسس ماركيون كنيسته الخاصة بعد انفصاله عن كنيسة روما. فأسس رئاسة تراتبية من الأساقفة والكهنة والشمامسة. وكانت اللقاءات أو الاجتماعات الليتورجية شديدة الشبه بما يتم في كنيسة روما. ولهذا السبب التف حوله من المريدين عدد أكبر من أي غنوسي آخر. ويذكر يوستين أن كنيسته بعد حرمانه قد انتشرت بشكل مكثف في كل المسكونة. وحتى منتصف القرن الخامس بقي العديد من تلك المجتمعات الماركونية في المشرق، خاصة في سوريا، وفي مطلع القرون الوسطى بقيت منها مجموعات قائمة.

والمثير للأمر أن ماركيون قد تم حرمه على يد أبيه قبيل مجيئه إلى روما. وعلى الأرجح في موطنه سينوب واجهته معارضة كتلك التي تعرض لها في روما. لهذا نرى من المهم عرض بعض من تعاليمه، ولكن للأسف، فإن العمل الوحيد الذي حرره كان باسم “الطباق أو التضاد” (Antitheses) والذي يحوي لب تعليمه، قد فقد. بل إن رسالته إلى قادة الكنيسة الرمانية قد فقدت أيضاً، وهي الرسالة التي أقر فيها بإيمانه. ويضع إيرينيوس ماركيون مع الغنوسي السرياني سيردون الذي استقر في روما إبان حكم هيجينوس (136-140م) “وزعما أن إله الناموس والأنبياء ليس هو أبا ربنا يسوع المسيح، وأن أحدهما معلن والآخر مخفي مجهول، أحدهما عادل بار والآخر صالح”. (Adv. Haer. 1: 27: 1).

ويسجل إيرينيوس أن ماركيون قد توسع في مدرسة سيردون في روما، “وفي خزى يجدف على من يدعى الله بالناموس والأنبياء، مؤكداً أنه إله شرير يصنع الشر مغرم بالحروب، متذبذب في أحكامه يناقض نفسه أيضاً، وبالنسبة ليسوع الآتي من عند ذلك الآب، الذي هو فوق الإله الذي صنع العالم، إلى اليهودية في زمن بيلاطس البنطي، الوالي، الذي كان حاكم طيباريوس قيصر، وقد ظهر في الجسد لسكان اليهودية في هيئة بشرية، ليمحو كل الأنبياء والناموس وكل أعمال ذلك الإله الذي خلق العالم، والذي يدعوه أيضاً بحاكم العالم. وعلاوة على ذلك، فهو يشوه الإنجيل حسب القديس لوقا ويزيل منه كل ما كتب عن ميلاد ربنا بل وكثيراً أيضاً من تعليم عظات ربنا، والتي فيها نقرأ مكتوباً بكل وضوح كيف يعترف ربنا أن صانع هذا العالم هو أبوه.

قد اقنع تلاميذه أنه هو نفسه أكثر استحقاقاً من الرسل الذين كتبوا الإنجيل، في حين لا يضع بين أيديهم الإنجيل بل جزءً ضئيلاً منه، وبالمثل، شوه أيضاً رسائل بولس الرسول بأن نزع منها ما قاله رسول الإله الذي صنع العالم، وكيف أنه هو أبو ربنا يسوع المسيح، وكل ما اقتبسه الرسول في تعاليمه من الكتابات النبوية التي تتنبأ بمجيء الرب. ويقول، إن الخلاص هو لنفوسنا فقط، تلك النفوس التي تعلمت تعاليمه، ولكن الجسد لأنه في الحقيقة مأخوذ من تراب، لا يمكنه أن يشارك في الخلاص”.

وفي فقرة أخرى في (Adv. Haer. 3: 3: 4) يسجل إيرينيوس أن بوليكاريوس أسقف أزمير – سميرنا – التقى يوماً ماركيون وحين سأله الأخير: “هل عرفتني؟” أجابه: “لقد عرفتك فأنت بكر الشيطان”.

ومثل كل المقاومين للهراطقة من كتاب الكنيسة الأولى، أحصى إيرينيوس ماركيون من بين الغنوسيين. لكن أدولف هارناك لا يتفق على اعتبار ماركيون من الغنوسيين على الإطلاق، بل أو “مصلح مسيحي” ومسترد “المذهب البولسي”. وهارناك محق في أن ماركيون لم يبذل أدنى جهد لوصل الهوة في المسافة بين اللانهائي والنهائي بسلسلة متكاملة من الإيونات مثلما فعل الغنوسيون. بل إنه لم يشغل باله أبداً بالمناظرات حول سبب الفوضى في العالم المنظور. وهو يختلف أيضاً عن الغنوسيين في رفضه وإنكاره لكل التفسير الرمزي للكتاب المقدس. ولكن من الجهة الأخرى، فإن التعاليم اللاهوتية لماركيون توضح تماماً الخليط النموذجي للأفكار المسيحية والوثنية الأممية والتي تعد من أكثر مميزات الغنوسية. ومفهومه عن الألوهة مفهوم غنوسي صرف، فهو يميز تماماً بين الإله الصالح الخير الذي يقيم في السماء الثالثة وذلك الإله العادل الأدنى منه.

وفي مفهومه عن الكون او الكوزمولوجي نرى أيضاً تلك السمة الغنوسية فالإله الثاني الذي خلق العالم والإنسان ما هو إلا “الديميورج” (Demiurge) أي خالق العالم المادي، والمعروف تماماً لدى الجماعات الغنوسية الأخرى. وفكر ماركيون فكر غنوسي أيضاً، فهو يعتقد أن الأله الثاني لم يخلق العالم من عدم، بل خلقه من مادة أزلية هي بذرة كل الشرور. ويماهي ماركيون هذا الإله مع إله اليهود إله الناموس والأنبياء. هو بار وعادل لكنه يعاني من الأهواء والشهوات. هو غضوب ومنتقم، هو خالق كل شر، مادياً كان أم أخلاقياً. ولهذا السبب هو مشعل كل الحروب. وتظهر التعاليم الخريستولوجية لماركيون نفس الميل الغنوسي. فالمسيح ليس هو المسيا الذي تنبأ عنه العهد القديم. فهو ليس مولوداً من العذراء مريم، لأنه لا يولد ولا ينمو، بل ولا يمكن أن يمر بما يمكن أن يشبههما حتى. وفي السنة الخامسة عشرة لحكم طيباريوس أعلن نفسه هكذا فجأة في مجمع كفرناحوم. ومنذ ذلك الحين صار له شبه بشري، ظل فيه حتى مات على الصليب.

وبسفك دمه افتدى كل النفوس من سلطان الديميورج خالق المادة، الذي أباد حكمه بتعليمه ومعجزاته. وهنا تبرز أيضاً سمة غنوسية في الطرح فإن بحسب ماركيون يكون الفداء قاصراً فقط على النفوس دون الأجساد، بينما يبقى الجسد خاضعاً لسلطان الديميورج خالق المادة، ومصيره الفناء. ويصدمنا من تلك التعاليم غياب الرصانة وكل منطق. ولا يشغل ماركيون باله بشرح أصل إلهه هذا، إله العدل ولا ما قيمة ذبيحة الصليب إن كانت فقط لشبح. وفي طريقه أيضاً لانتقاء نصوص العهد الجديد يظهر ميل واضح للغنوسية.

فهو قد حذف كل النصوص والفقرات الدالة على أن الله أبا المسيح هو نفسه خالق العالم، وأن المسيح هو ابن الله الذي صنع السماء والأرض، وأن أبا يسوع المسيح هو هو إله اليهود، لأن كل تلك النصوص تناقض الآراء الغنوسية بطريقة مباشرة. وفوق ذلك، يتفق ماركيون مع فالنتينوس، في عدم اعترافه بالعهد القديم. لكنه يختلف مرة أخرى عن معظم الغنوسيين بمقدار عدم صياغته أية أناجيل جديدة أو أسفار مقدسة، رغم أنه استهدف عدداً من كتابات العهد الجديد وأنكر ورفض العهد القديم تماماً. وكان ماركيون مقتنعاً تماماً أن اليهود زيفوا الإنجيل الأصلي للمسيح بإقحام عناصر يهودية فيه. لهذا السبب يزعم أن المسيح استدعى بولس الرسول ليستعيد الإنجيل إلى شكله الأصلي. ولكن حتى رسائل القديس بولس قد تم تحريفها من قبل أعدائه، لهذا استبعد ماركيون أناجيل متى ومرقص ويوحنا ورفض الاعتراف بكل الزيادات اليهودية التي زعم ورودها في إنجيل لوقا، والتي تحوي جوهرياً إنجيل المسيح.

واستبعد من مجموع رسائل القديس بولس الرسائل الرعوية والرسالة إلى العبرانيين. أما الرسائل التي احتفظ بها فقد حذف بعض الفقرات منها، فوضع الرسالة إلى أهل غلاطية أولاً، وغير اسم الرسالة إلى أفسس إلى الرسالة إلى لاودكية. وبهذا التغير اختصر العهد الجديد في وثيقتين للإيمان أطلق عليهما اسم الإنجيل، والرسول. ثم أضاف إلى هاتين الوثيقتين كتابه المعروف باسم “الطباق” الذي برر فيه رفضه الاعتراف بالعهد القديم بتجميعه لكل النصوص المعترض عليها ليدلل على الخصال الكريهة لإله اليهود. وفيه أيضاً يشرح اعتراضاته على الأناجيل وأعمال الرسل.

رابع عشر: أبيللس

كان أبيللس هو أهم تلاميذ ماركيون. وبحسب ترتليان فقد عاش أولاً مع ماركيون في روما. لكن وبعد قليل من الاحتكاك بمعلمه غادر إلى الإسكندرية بمصر. ثم عاد بعد ذلك إلى روما. ويمدنا رودون، خصمه اللدود والذي كان يعرفه شخصياً، بالمعلومات القيمة التالية عن تلاميذ ماركيون وخاصة أبيللس: “لهذا توقف الماركيونيون عن التوافق فيما بينهم وهم يتخبطون في آراء متضاربة. وكان أبيللس واحداً منهم، والذي كان محل توقير بسبب حياته وسنه.

وكان يقر أن هناك مبدأ (أصلاً) واحداً، لكنه زعم أن النبوات كانت بروح متناقض، وقد تم إقناعه بواسطة كلمات تتفوه بها شابة فيها روح نجس تدعى فيلومينا. لكن الآخرين، كالقائد نفسه ماركيون فقد زعموا بوجود مبدأين. وينتمي إلى هؤلاء بوتيتوس وباسيليكوس. وهذان قد اتبعا ذئب بنطس ماركيون، غير مدركين تقسيم الأشياء مثلما فعل هو، ولكنهما أخذا حلاً سهلاً؛ إذ أعلنا مباشرة عن وجود مبدأين دونما دليل. وانزلق آخرون إلى خطأ أفدح زاعمين بوجود ثلاثة طبائع لا اثنتين. أحدهم القائد والرئيس وهو سينيروس، مثلما أعلن أولئك الذين يمثلون مدرسته”. (Hist. Eccl. 5: 13: 2-4).

الأهم من ذلك حقيقة أن نقاشاً دار بن رودون وأبيللس، يسميه هارناك “أهم نقاش ديني في تاريخ الكنيسة”، ويصف رودون ذلك الحوار هكذا: “وحين تناقش معنا العجوز أبيللس، ثبت أن تصريحاته كلها زائفة، ومن هنا اعتاد أن يكرر أن لا طائل من وراء فحص المناقشة فحصاً كاملاً، بل أن يظل كل واحد على معتقده، لأنه أكد أن من يضعون رجاءهم في المصلوب يخلصون، إن هم ثبتوا في الأعمال الصالحة. لكن ومثلما قلنا، فإن أكثر الأجزاء غموضاًن في كل التعاليم التي طرحها، كان عن الله.

لأنه داوم على القول إن ثمة مبدأ واحداً تماماً مثلما تعلن تعاليمنا… وحين قلت له: “ما دليلك؟ أو كيف لك أن تقول بمبدأ واحد فقط؟ أخبرنا”، فقال إن النبوات تدحض نفسها بعدم ذكرها الحقيقة أبداً، لأنها غير متماسكة وزائفة وتناقض بعضها البعض، وعن وجود مبدأ واحد، قال إنه لا يعلم كيف، لكنه مال فقط إلى هذا الرأي. وحين رجوته أن يقول الحق، أقسم أنه كان يقول الحق حين ذكر أنه لا يعلم كيف أن الله غير المولود واحد، ولكنه فقط يؤمن بذلك. فسخرت منه وأدنته، لأنه لا يعرف كيف يدلل على تعاليمه، رغم أنه يدعو نفسه معلماً” (Hist. Eccl. 5: 13: 5-7).

ومن هذا العرض يتضح كيف اختلف أبيللس مع ماركيون، في أهم القضايا: أولاً؛ رفض بشكل أساسي الثنائية المطروحة لمعلمه، وسعى أن يعود إلى فكرة المبدأ الواحد المنفرد. ومن ثم، فقد قدم ما يعرف بالديميورج – خالق المادة الشرير – بصفته مخلوقاً من مخلوقات الله، وملاكاً خلق العالم. ثانياً؛ استبعد أبيللس “دوسيتية” أو “شبهية” ماركيون، فلم يعتبر أن جسد يسوع المسيح خيال، بل كان له جسد حقيقي، رغم أنه لم يأخذه من مريم العذراء بل استعاره من عناصر النجوم الأربعة. وحين صعد أعاد جسده إلى تلك العناصر.

ومن جهة أخرى، تمادى أبيللس أكثر مما ذهب إليه ماركيون في رفضه للعهد القديم. فقد اعتبر ماركيون العهد القديم مجرد وثيقة تاريخية تماماً دون أية قيمة دينية، لكن العهد القديم في نظر أبيللس كان مجرد كتاب كاذب زائف، مليء بالتناقضات والخرافات، ولا يعول عليه على الإطلاق. وحتى يثبت أبيللس تجرد العهد القديم من القيمة، صاغ كتاباً أسماه “القياسات المنطقية” حوى قرابة ثمانية وثلاثين كتاباً وقد حفظ أمبروسيوس العديد من الفقرات من هذا العمل، في مبحثه باسم “الفردوس”. ولم يتبق شيء من كتاب أبيللس المسمى “التجليات”، والذي قدم فيه رؤى فيلومينا النبية.

خامس عشر: الإنكراتيون (المتقلبون)

الإنكراتيون[3] (Encartites) هم الذين يرتبط تعليمهم بفكر ماركيون. مؤسس تلك الطائفة هو تاتيان السوري، وبحسب إيرينيوس يتفق الإنكراتيون مع ماركيون في رفضهم للزواج. ويدل غياب نسب يسوع في كتاب تاتيان الدياتسرون على أن ثمة شيئاً مشتركاً بينه وبين فكر ماركيون.

سادس عشر: يوليوس كاسيانوس

ينتمي يوليوس كاسيانوس إلى جماعة الإنكراتين (المتقلبين). ويذكر كليمندس السكندري اثنين من كتاباته في كتابه (Storma 3: 13: 92)، أولهما باسم “التفسير”، ونعرف من كليمندس أن الكتاب الأول في هذا العمل يتناول عمر موسى. أما عنوان العمل الثاني فهو “عن التقشف والزهد في الجنس”، والفقرتان اللتان يقتبسهما كليمندس من هذا العمل تتناولان رفض كل المعاشرات الجنسية. وثمة فقرة ثالثة تتناول إنجيل المصريين الغنوسي. وعن تعليم يوليوس بخصوص الدوسيتية أو الشبهية، فإن كليمندس يربطه بفالنتينوس وماركيون. ومن الواضح أن يوليوس كاسيانوس قد علم في مصر حوالي سنة 170م.

كتابات غنوسية أخرى

وإلى جانب الكتابات الغنوسية التي ذكرها الكتاب الكنسيون، هناك كتابات غنوسية أخرى باقية في الترجمات القبطية.

  1. مخطوط أسكويانوس (Codex Askewianus): وهو مخطوط من الرقوق كان يملكه من قبل “أ. أسكو” وهو محفوظ الآن في المتحف البريطاني (تحت رقم 5114) ويحوي أربعة كتب تحمل العنوان (Pistis Sophia)، وتمثل تلك الكتب الأربعة عملاً واحداً. يتألف رابعها من رؤى من المفترض أن يسوع قد بعث بها لتلاميذه بعد قيامته مباشرة، وهو أقدم من الكتب الثلاثة الأخرى، والتي تحوي رؤى من نفس النوعية من السنة الثانية عشرة بعد القيامة. ولا بد أن يكون الكتاب الرابع قد سطر في النصف الأول من القرن الثالث، في حين كتبت الثلاثة الأولى في النصف الثاني. وكل الكتب الأربعة تم تدوينها في مصر في دوائر باربلو (Barbelo) الغنوسية.
  2. وتذكر بستيس صوفيا مرة واحدة فقط في الكتب الثلاثة الأولى، حيث يرشدهم يسوع بشأن النهاية المصيرية والسقوط وفداء بستيس صوفيا. وهي كائن روحاني من عالم الأيونات، تعاني من نفس مصير البشرية بشكل عام. ولما كان النص يحوي العديد من الألفاظ اليونانية فلابد أن يكون الأصل مكتوباً باليونانية. وبحسب “كارل شميدت” فإن المخطوط يعود إلى النصف الثاني من القرن الرابع.
  3. مخطوطة بروسيانوس (Codex Brucianus): كان مملوكاً في البداية لجيمس بروس، والآن هو في مكتبة بودليان أوكسفورد، وهو بردية من القرن الخامس أو ربما السادس الميلادي، ويضم مخطوطتين مختلفتين. تحوي الأولى الكتابين عن سر اللوغوس العظيم، واللذين يماهيهما كارك شميدت مع كتابي جيو المجودين في بستيس صوفيا. وهما يحويان استعلانات يسوع عن “الكنوز التي على النفس اقتناؤها”، ويتم التعبير عن الكنوز برسومات صوفية، وأرقام ورموز ومجموعات حروف بلا معنى. أما العمل الثاني في مخطوط بروسيانوس فهو مشوه. ويحوي مناظرات عن أصل وتطور العالم المتسامي، والذي يبدو أنه قد نشأ في دوائر (Seth) الغنوسية.
  4. مخطوط ثالث محفوظ في برلين: هو يحوي ثلاثة أعمال. الأول بعنوان “إنجيل مريم” ويعرض رؤى استعلنت لمريم. والثاني بعنون “أبوكريفا يوحنا” هو ترجمة عمل يوناني دحضه إيرينيوس في نهاية كتابه الأول “ضد الهرطقات” (1: 29)، حيث يظهر يسوع في رؤيا ويعلن نفسه ليوحنا الرسول بصفته “أو وأم الابن”. والثالث بعنوان “حكمة يسوع المسيح”، وبحسب كارل شميدت، فإن هذه الحكمة تماثل كتاب الحكمة الذي حرره فالنتينوس.

مخطوطات نجع حمادي

في عام 1946م تم اكتشاف مجموعة كبيرة من النصوص الغنوسية في مصر تتألف من اثني عشر مجلداً أو أكثر من ألف صفحة باللغة القبطية. وقد تم العثور عليها في إناء من فخار بالقرب من مدينة نجع حمادي، في تخوم المدينة القديمة “شينوبوسكيون” على بعد ثلاثين ميلاً شمال الأقصر على ضفة النيل الشرقية. وتحوي الصفحات الألف سبعاً وثلاثين عملاً كاملاً وخمساً في شكل شذرات. وكل تلك الأعمال كان قد فقد. وقد تم التعرف على بعضها بكونها تشبه ما اقتبس منه إيرينيوس وهيبوليتس وأوريجينوس وإبيفانيوس في كتاباتهم الهجومية المناهضة للغنوسية. وهناك أعمال أخرى مجهولة ويوصف الكثير منها بالأعمال السرية التي لا يعرفها غير المؤمنين بها حتى إن الكتاب الكنيسيين الذين كتبوا ضد الغنوسية ربما لم يروها أبداً.

وتنسب خمسة أعمال منها إلى “المثلث العظمة” هرمس. وتحمل أعمال أخرى عناوين مثل، صعود بولس الأول، رؤيا يعقوب الثانية، الإنجيل بحسب توما وفيلبس، الكتاب السري ليوحنا، والإعلانات الخمس بحسب شيث، إنجيل المصريين، تقاليد متياس، حكمة يسوع، رسالة الطوباوي يوجنستوس وحوار المخلص. وتتماثل عناوين عديدة من تلك العناوين مع عناوين أناجيل منحولة – أبوكريفية – ولكن لا تبدو الأعمال التي لهذه العناوين تحمل نفس الفكر. وقد ألقت تلك البرديات المكتشفة مزيداً من الضوء على تاريخ الغنوسية في قرون المسيحية الأولى.

[1] مدينة تاريخية أسسها الإغريق في شرق ليبيا وهي موقع مدينة الشحات الحالية. (المراجع)

[2] ديانة نشأت في المنطقة الشرقية من الإمبراطورية الفارسية. (المراجع)

[3] أي التقشفين أو المتقلبين؛ وهي طائفة كان تحرم أكل اللحوم وتنظر إلى الزواج كزنا، وتمنع النساء من لبس الحلي، وتمنع شرب الخمر فاستعاضت عنه بالماء في الإفخارستيا. (المراجع).

الأناجيل الغنوصية – لماذا لا نثق في الاناجيل الغنوصية ؟ جيمس بيشوب

الأناجيل الغنوصية – لماذا لا نثق في الاناجيل الغنوصية ؟ جيمس بيشوب

الأناجيل الغنوصية – لماذا لا نثق في الاناجيل الغنوصية ؟ جيمس بيشوب

لماذا لا نثق في الاناجيل الغنوصية ؟ جيمس بيشوب

لماذا لا نثق في الاناجيل الغنوصية ؟ جيمس بيشوب

يتكلم الباحث Dan Wallace عن الاعمال الغنوصية قائلاً “انها كانت محاولة للجمع بين الفلسفة اليونانية و الأفلاطونية. مع التركيز علي قيمة الافكار والتركيز علي الرمزية المسيحية فالفكره هي انشاء تعبيرات مسيحية اكثر انسجاماً مع الفكر والثقافة اليونانية الرومانية “. (1)

ويقول ويليام لان كريج

“الغنوصية فلسفة نشأت في الشرق الادني القديم واعتبرت العالم المادي هو شر والعالم الروحي هو خير. ويخلص الانسان من خلال المعرفة للعالم الروحي الذي يحرر الروح من سجن العالم المادي. (7)

كان الغنوصيين “طائفة بدايتها في بداية القرن الثاني. وكانوا ينظرون إلى العالم المادي انه شر وان معرفة الاشياء الخفية هي الطريق الوحيد للخلاص ” (2)

ومع ذلك يقترب الباحثين والدارسين للاناجيل الغنوصية والوثائق بحذر. خاصتاً حينما يتداولون رواياتها المزعومة عن يسوع التاريخي. وهناك عدة اسباب مقنعة عن لماذا يتصرفون هكذا ؟

اولاً لكتابتها في وقت متاخر جداً بين القرن الثاني والرابع الميلادي. فهذه الفترة الزمنية الطويلة بينها وبين كتابات العهد الجديد يسمح لهذه الكتابات ان ننظر اليها انها تم اعاده صياغتها من سرد العهد الجديد الاصلي. وهذا بوضوح يظهر في انجيل بطرس حينما يتكلم عن خروج يسوع من القبر فيقول لنا ويليام لان كريج , احد الامور في انجيل بطرس هو وصف خروج يسوع منتصراً من القبر يرافقة زيارة ملائكية. تابعين له متحدثين عن الصليب. واصوات من السماء. وشهد كل هذا الحرس الروماني وقادة اليهود وعدد كبير من المتفرجين ! (3)

هذا النوع من البيانات التي نجدها في الكتب الغنوصية هي عباره عن خيال منمق. وهو تعديل للكتابات التاريخية لاناجيل العهد الجديد يكشف لنا والاس عن هل الاناجيل الغنوصية توفر لنا اي فكرة تاريخية ذات مصداقية مسيحية مبكرة فيقول “هي اناجيل غير صحيحة تاريخياً ” وهي عبارة عن “محاولة مضلله عفا عليها الزمن لكتابة التاريخ بتزيف “

ويقول الباحث والاستاذ N. T. Wright “ان المواد التي نطلع عليها في الكتب الغنوصية لشخصية خيالية تسمي يسوع يتحدث فيها إلى شخصيات وهمية (4)ففي انجيل يهوذا نجد ان يسوع يضحك وبقدر ما نعرف من كتابات العهد الجديد والمصادر لم يتم ذكر هذا مره واحده. ”ومن المؤكد انه بكي وايضاً يذكر ضحك التلاميذ ولا يوجد ما يوافق ما لدينا من كتابات العهد الجديد فعندما يتعلق الامر بيسوع التاريخي علينا ان نكون حذرين للغاية عند تناول هذه النصوص الغنوصية “

ثانيا اختيار الغنوصيين اسماء اشخاص ليوحي للبعض ان هذه الكتابات مكتوبة من قبل مع ان مؤلفين هذه الكتب مجهولين. فارجعوا اسماء الكتابات إلى بطرس ويهوذا وتوما وغيرهم من الاشخاص البارزين منهم مريم المجدلية بمكر شديد للحصول علي مصداقية لا مبرر لها. وهو ما يسمي pseudepigrapha فعلي سبيل المثال كيف كتب يهوذا انجيل يهوذا وانجيل يهوذا يرجع نحو نهاية القرن الثاني اي فتره طويلة بعد موت يهوذا. كما يقول والاس “هذا التاريخ يجعل من الواضح ان هذا الانجيل فات الاوان ليكون هو اصلي من يهوذا (5)

ومع ذلك علينا ان نعرف ان ايضاً دوافع كُتاب الكتب الغنوصية واضحه انها كانت دوافع ضد المسيحين. وكانت المعتقدات الدينية للغنوصية مخالفة ومختلفة تاماً عن المسيحين في وقت مبكر. فحاولوا صياغة يسوع التاريخي من جديد لصالح ارائهم الدينية. هذا التشكيل ذهب بهم إلى نقيضين حيث مثلا مؤلف انجيل الطفولة او انجيل توما اضاف معلومات عن يسوع في سنوات الطفولة والشباب حيث لم يكن هناك اي بيانات اشارة إلى هذه المرحلة ” باستثناء اشارة موجزه في انجيل لوقا.

وفي انجيل الطفولة نجد ان يسوع فعل افعال خارقة للطبيعة لاجل مصلحته وحقده علي الاخرين من ضمنها قصة الطفل يسوع الذي خلق طيور من طين ثم عادة للحياة (هذه معجزة ليس لها معني روحي كما نقرأ في اناجيل العهد الجديد ) ولدينا يسوع يلعن زميله الطفل ثم تحول إلى كهل ثم إلى جثة. وكذلك لعن جيران يوسف ومريم من خلال العمي.

ومن الواضح ان هذا لا يمكن ان ننظر له بمنظور تاريخي. فيسوع كان ضد العنف في الكتابات المبكرة للعهد الجديد. وفعل يسوع المعجزات كان لها معني وهدف هو اظهار قوة الله ورحمته بالمرضي والمتشوهين والمنبوذين.

علاوة علي ذلك الاختلافات اللاهوتية الهائلة في هذه الكتب فانجيل يهوذا يعلم بالانفصال الكبير بين الله والخليقة الذذي يخالف الفكر اليهودي والمسيحي وانجيل توما يحتوي علي مجموعة من اقوال مزعومة قالها يسوع تحتوي علي 114 قول. فنجد هوه صارخه بين يسوع القرن الاول ويسوع الاناجيل الغنوصية. علي سبيل المثال انجيل توما لم يركز علي الخلاص فكان الخلاص هو التركيز علي الشخص وليس الثقة في المخلص.

فلا يوجد اسوأ من الكتابات الغنوصية في اعاده صياغة الاناجيل الموجوده سابقاً وصياغتها بحسب الفكر الغنوصي (9) فهي كتاببات لا تعتبر شهادات مستقلة عن اقوال او افعال يسوع. ويقول البروفيسور ريموند براون

لا نعلم حقيقة جديده قابله من التحقق منها عن خدمة يسوع التاريخي او حتي عدد قليل من الاقوال الجديده التي ربما تكون له (11)

والعديد من الفروقات المعروضة هنا كما يقول والاس ” هي علي خلاف مع صورة يسوع التي وجدناها في الاناجيل مثل متي ومرقس ولوقا ناهيك عن بقية العهد الجديد (6) ويقول الاستاذ Blomberg ان نعظم وثائق نجع حمادي هي في الغالب وثائق غنوصية. لا تمثل اي شئ بالنسبة لتقاليد الاناجيل في حياة يسوع الارضية (8)ويخلص دوغلاس ان الغنوصيين ونصوصهم كانت “شماعات الهراطقة لمحاولة تسخير اللغة المسيحية في استخدامها ضد التعاليم المسيحية في وقت مبكر. ولم يحصلو علي علامات متفوقة كوثائق عن تاريخية يسوع (10)

مدونة ميمرا يهوه

المراجع

1. Wallace, D. 2010. Dethroning Jesus. p. 87.

2. Wallace, D. 2010. Ibid. p. 120.

3. Craig, W. Visions of Jesus. Available.

4. Wright, N. 2006. Judas and the Gospel of Jesus. p. 64.

5. Wallace, D. 2010. Ibid. p. 83.

6. Wallace, D. 2010. Ibid. p. 127.

7. Craig, W. 1998. “Rediscovering the Historical Jesus: The Presuppositions and Presumptions of the Jesus Seminar” in Faith and Mission.

8. Blomberg, C. 1987. The Historical Reliability of the Gospels. p. 208.

9. Groothuis, D. 1991. “The Gnostic Gospels: Are They Authentic?” in Christian Research Journal, vol. 13 (3).

10. Groothuis, D. 1991. Ibid.

11. Raymond Brown, “The Gnostic Gospels,” The New York Times Book Review (1980).

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

المذيع محمود داود يُعلن إيمانه في الكتاب المقدس

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

تاريخ النور المقدس والرد على الأسئلة والتشكيكات المُثارة ضده | بيشوي مجدي

هذا ليس حقيقي – هل يمكن ان يكون شيء حقيقي لك و ليس حقيقي لي؟ | ترجمة: ريمون جورج

الأناجيل الغنوصية – لماذا لا نثق في الاناجيل الغنوصية ؟ جيمس بيشوب

جماعة السيزيان (الشيثيين) الغنوسية – القمص عبد المسيح بسيط

جماعة السيزيان (الشيثيين) الغنوسية – القمص عبد المسيح بسيط

جماعة السيزيان (الشيثيين) الغنوسية – القمص عبد المسيح بسيط

جماعة السيزيان (الشيثيين) الغنوسية – القمص عبد المسيح بسيط

   وببدو من الكتاب أيضاً التطابق الشديد مع فكر جماعة السيزيان Sethians (الشيثيين) التي كانت تقدس شيث Seth الابن الثالث لآدم وكانت ترى، بحسب ما زعمته من أساطير أنه تجسد للمسيح، وكانوا ينظرون لأسطورتهم هذه كافتتاحية أو مقدمة لسفر التكوين، حيث يرجع وجودهم لما قبل المسيحية، وبعد المسيح طابقوا شيث مع المسيح كالإله المتجسد!!

(1) جماعة السيزيان (الشيثيين) كما شرح فكرهم القديس إيريناؤس:

  وقد شرح القديس إيريناؤس معتقداتهم وأساطيرهم الخاصة بالله وخليقة الكون، ونظراً لما بهذه الأساطير من تعقيدات شديدة، وما سبق أن ذكرناه أعلاه عن الأسطورة الغنوسية بشكل عام لذا نلخص هنا، فقط، ما قاله عنهم في الكتاب المسمى بالكتاب السري بحسب يوحنا (أو يوحنا الأبوكريفي):

1 – صفات أسطورية:

+ آب الأبد. الكائن البشري الأول.

+ فكر الآب. نسله، الكائن البشري الثاني.

+ الروح القدس. الأنثى الأولى.

+ حكمة مبتذلة (Sophia Ptounikos).

2 – الحكام.

(أ) السباعي الأعلى: يالدابوس (IalDABOTH). نسل الحكمة، حاكم السماء. أنسال يالدابوس الستة.

(ب) أنسال أخرى ليالدابوس، تضم: النسيان. الشر. الغيرة. الحسد. الموت.

(ج) السباعي الأقل: الـ (NUN)، حية، الشيطان العالمي الرئيسي. مدعو ميخائيل وسمائيل. الـ (nun) ستة أنسال شيطانية.

3 – الجنس البشري:

آدم. الكائن البشري المادي الأول. خلق (كجسد غير مادي) على صورة آب الأبدية والحكام، ثم زود بجسد مادي.

حواء. زوجته. قايين. هابيل. شيث. نوريا (Noria) أخت شيث. نوح. إبراهيم ونسله. اليصابات.

يوحنا المعمدان أبنها بواسطة يدابوس (Idabaoth).

العذراء مريم. يسوع ابنها بواسطة يدابوس.

يسوع، تلاميذه. أناس لهم نفوس مقدسة.

(2) فكر جماعة السيزيان (الشيثيين) كما جاء في كتاب يوحنا الأبوكريفي: 

  وهناك شرح أخر لفكر جماعة السيزيان أو الشيثيين في كتابهم ” كتب يوحنا السري أو الأبوكريفي ” وفيما يلي ملخص ما جاء فيه:

+ آب الأبد: الروح العذراء الكامل غير المرئي.

+ خماسي الأيونات المزدوج الجنس: مقومات الآب:

1 – الفكر السابق التام للأبدية. والمعروف أيضاً بـ: الأم – الآب؛ الكائن البشري الأول؛ الروح القدس؛ المذكّر الثلاثي؛ القوات الثلاث؛الاسم المزدوج الجنس الثلاثي.

2 – المعرفة الشخصية السابقة.

3 – عدم الفساد.

4 – الحياة الأبدية.

5 – الحق.

  الموجود الذاتي الإلهي. الممسوح (المسيح) شعلة منيرة. المولود الوحيد. صانع الكل.

المتعاونون: الذكاء، الإرادة، الكلمة (التعبير اللفظي).

أربع منيرين الذين يقفون أمام الموجود الذاتي الإلهي والأثنا عشر أيون الذين معهم: هارموزيل، الجمال، الحق، الشكل، أورويئيل(20).

  والآن ما العلاقة بين هذه الأفكار وما جاء في إنجيل يهوذا؟

(20) Bentley Layton< The Gnostic Scriptures. P. 24,25.

جماعة السيزيان (الشيثيين) الغنوسية – القمص عبد المسيح بسيط

جماعة القاينيين الغنوسية – القمص عبد المسيح بسيط

جماعة القاينيين الغنوسية – القمص عبد المسيح بسيط

جماعة القاينيين الغنوسية – القمص عبد المسيح بسيط

جماعة القاينيين الغنوسية – القمص عبد المسيح بسيط

  كان القاينيون بصفة عامة، مثل معظم الفرق الغنوسية، يؤمنون بانبثاق عدد ضخم من الآلهة أو الأيونات من الإله السامي غير المدرك، وكانوا يؤمنون بأن المسيح منبثق من هذا الإله السامي، الآب، وقد جاء من العالم الروحي، من الآب غير المدرك، ليخلص البشرية وبصفة خاصة الذين يصفهم الكتاب المقدس بأنهم خطاة، مثل قايين بن آدم الذي قتل أخاه هابيل ونمرود ” الذي ابتدأ يكون جبارا في الأرض ” (تك10:8)، وقورح الذي تمرد ضد موسى النبي (عدد16)، ثم يهوذا الذي أسلم المسيح لليهود والرومان!!

وكانت هذه الجماعة تكّرم هؤلاء الأشخاص كأبطال في الإيمان لأنهم كانوا ضد يهوه إله العهد القديم، الذي قالوا عنه أنه ليس هو الإله الحقيقي الذي يجب عبادته، وآمنوا أنه إله أقل وجاهل لهذا العالم الذي يجب الهروب منه والذي وصفوه بالشر وطابقوه مع الديميورج خالق المادة الشرير وسكالاس الخالق الشرير أيضاً!! وزعموا أنه هؤلاء الأشخاص عرفوا الحق وفهموا الأسرار الضرورية للخلاص لأنهم كانوا يبحثون عن المعرفة(19)!!

  وكان أول من ذكر هذه الفرقة وعقائدها، من آباء الكنيسة الأولى، وكتب  عن تأليفهم لإنجيل يهوذا، هو القديس إيريناؤس أسقف ليون بالغال (فرنسا حاليا) سنة 180م، وهذا الرجل كان تلميذا للقديس بوليكاربوس الذي كان بدوره تلميذا للقديس يوحنا تلميذ المسيح، فقال:

  ” يقول الذين يدعون قاينيين أن قايين كان من العالم السامي للقوة المطلقة ويعترفون أن عيسو وقورح وأهل سدوم وأمثال هؤلاء الأشخاص  مختصين  بأنفسهم. ويضيفون في هذه الرواية أن الخالق (إله العهد القديم – يهوه) كان يكرههم بشدة ومع ذلك لم يتعرض أحد منهم لضرر لأن صوفيا (الحكمة) كان من عادتها اختطاف الذين يخصونها منهم لذاتها.

ويعلنون أن يهوذا الإسخريوطي الخائن كان يعرف هذه الأشياء، فقد كان وحده الذي يعرف الحق كما لم يعرفه أحد. فقد أُكمل سر الخيانة بواسطته، كل الأشياء، سواء السمائية أو الأرضية وضعت في الحيرة. ولذا فقد لفقوا تاريخا مزيفاً أسموه إنجيل يهوذا “.

  ويوضح هذا إنجيل يهوذا المنحول نفسه فكر هؤلاء بصورة واضحة وجلية، فيتكلم عن إله سامي غير محدود وغير مدرك ولا يمكن أن يدركه أحد إلا نفسه هذا الإله انبثقت منه العوالم والمخلوقات الروحية وقد جاء المسيح منه أو من قبله، وكانت تؤمن، أيضاً، بسلسلة من الآلهة منها باربيلو والموجود الذاتي، كما سنوضح لاحقا وكما عرفنا من نص الإنجيل المنحول نفسه، كما كانت تؤمن بإله ثانٍ أقل من الإله السامي وشرير وقالت أنه هو الذي خلق الكون  المادي، هو سكالاس، والذي خلق، هو وملائكته آدم وحواء، وأن المسيح قد جاء ليخلص العالم من هذا الإله الشرير، بالمعرفة، معرفة الإله السامي ومعرفة الإنسان لذاته الداخلية. إي كان جوهر إيمانهم هو تعدد الآلهة مع ثنائية الخير والشر، إله للخير وآخر للشر مثل الزردشتية.

كما قدست هذه الفرقة  كل الأشخاص الموصوفين بالشر في العهد القديم، كما بينّا أعلاه، مثل قايين الذي قتل أخاه هابيل واعتبرته بطلاً، لأنه من وجهة نظرهم كان يبحث عن المعرفة كما كان يحد من سلطان يهوه!! وفي نفس الوقت أدانوا قديسي العهد القديم مثل نوح وموسى النبي وإبراهيم أبي الآباء … الخ لأنهم أتباع يهوه إله العهد القديم!!  ومن نفس المنطلق قدسوا ما فعله يهوذا وقالوا أن ما فعله يهوذا فعله لأجل خلاص البشرية بموت المسيح على الصليب. ولذا اعتبروا أن يهوذا لا يستحق اللعنة بل يستحق الشكر والتقدير لما فعله لأجل البشرية. وقال بعضهم كما نقل عنهم القديس ترتليان (145 -220م) في نهاية القرن الثاني الميلادي في كتابه ضد كل الهرطقات:

وعلاوة على ذلك فقد خرجت هرطقة أخرى تدعى القاينيين لأنهم يقدسون قايين لأنه (في فكرهم) حبل به بفضيلة فعالة عملت فيه. لأن هابيل (كما يزعمون) وًلد بعد أن حبل به بفضيلة أقل وبسبب ذلك كان أقل. وهؤلاء الذين يقولون بهذه القول يدافعون عن يهوذا الخائن، ويقولون لنا أنه مقبول وعظيم بسبب ما تميز به عن البشرية، ويعتقد بعضهم بتقديم صلاة شكر ليهوذا في رواياتهم هذه. ويقولون أن يهوذا لاحظ أن يسوع أراد أن يتراجع عن الحق، فخانه لكي لا يكون هناك أي إمكانية لهدم الحق. ويجادل آخرون ضدهم قائلين: أن قوات هذا العالم كانت غير راضية عن آلام المسيح لئلا يتم بموته الخلاص المعد للبشرية تشاور (يهوذا) لأجل خلاص البشرية وخان المسيح حتى لا يكون هناك أي إمكانية على الإطلاق لإعاقة الخلاص الذي كان قد أُعيق بواسطة القوات التي كانت تعارض آلام المسيح، وحتى لا يكون  هناك إمكانية للتراجع عن خلاص البشرية “.

  أي أن خيانة يهوذا، من وجهة نظرهم، كان لها تفسيران؛ الأول هو أن يهوذا بخيانته للمسيح منع يسوع من التراجع عن الصلب والفداء وتحمل الآلام، فسلمه حتى لا يعطيه فرصة لهذا التراجع!! والتفسير الثاني هو خيانته كانت لمنع إي إعاقة خلاص البشرية من قوات هذه العالم!! وفي كلتا الحالتين فقد كانت خيانته من وجهة نظر الفريقين لأجل خلاص البشرية.

وهم لا يختلفون مع الكنيسة المسيحية من جهة صلب المسيح وموته وقيامته، وأن هذا غير ظاهر بشكل مباشر في إنجيل يهوذا المنحول، ولكنهم كانوا  يختلفون من جهة النظرة إلى يهوذا الذي أرادوا أن يحولوا ما فعله من خيانة   إلى بطولة، فبينما يقول الإنجيل الموحى به أن المسيح حذره وقال له ” أن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه. ولكن ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان. كان خيرا لذلك الرجل لو لم يولد ” (مت26 :24؛مر14: 21)، قالوا، كما نقل عنهم أبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص في القرن الرابع، أنه:

  ” عمل عملاً جيداًَ من أجل خلاصنا ” (ضد الهراطقة 38).

  ويقول هذا الكتاب، إنجيل يهوذا الأبوكريفي المنحول، الذي زيفوه، أن المسيح قال ليهوذا:

+ ” تعالَ بعيدا عن الآخرين وسأخبرك بأسرار الملكوت. فمن الممكن لك أن تصل إلى ذلك. ولكنك ستحزن كثيراً، لأن آخر سيحل محلك ليصل الأثنا عشر إلى الكمال مع إلههم “.

+ ويقول أيضاً أن المسيح قال له: ” ستكون أنت الثالث عشر, وستكون ملعوناً من الأجيال الأخرى – ولكنك ستأتي لتسود عليهم. وفي الأيام الأخيرة سيلعنون صعودك؟ “. وأيضاً: ” في الحقيقة فالإنسان الذي يحملني،  هل هو أنت يا يهوذا؟ ستضحي. الآن الكل … ازددت وجسدك الأرضي مات واحترق نجمك ويكون قلبك “.

+ وأيضاً ” ولكنك ستفوقهم جميعاًَ لأنك ستضحي بالإنسان الذي يرتديني. ويرتفع قرنك حالاً. ويضرم عقابك الإلهي. ويظهر نجمك ساطعاً “.

+ وينتهي هذا الكتاب المنحول عند قوله: ” … لكن بعض الكتبة كانوا يراقبون بحذر كي يقبضوا عليه أثناء الصلاة, لأنهم كانوا خائفين من الشعب, لأن الكل كان ينظر إليه كنبي. واقتربوا من يهوذا وقالوا له: ماذا تفعل هنا؟ أنت تلميذ يسوع “. فأجابهم يهوذا كما أرادوا منه واستلم بعض المال وأسلمه لهم “.

  وهنا نرى التطابق الواضح بين ما قاله آباء الكنيسة عن فكر هذه الجماعة الغنوسية الهرطوقية وبين ما جاء في هذا الكتاب المنحول والمدعو إنجيل يهوذا.

(19) Ibid. 90,91.

جماعة القاينيين الغنوسية – القمص عبد المسيح بسيط

Exit mobile version