سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

 

في حين يعتقد أوغسطينوس بأن إرادة الإنسان بعد السقوط مقيدة تمامًا بالشر بسبب وراثة الخطية الأصلية، وبناءً على ذلك، يعتقد بأن الله يعين ويختار سواء الأشرار أو الأبرار منذ الأزل، حيث يقول التالي:

“أليس ما يدعو إلى التصديق أن عدد القديسين المعيَّن* لملء المدينة الطوباوية يصل إلى ما هو عليه اليوم حتى ولو لم يخطئ إنسان فتختار نعمة الله*، التي تلقي شبكتها في بحر هذا العالم عددًا ضخمًا من الخطأة المولودين والمُنجبين؟”.

 (مدينة الله١٤: ٢٣)

ويقول في موضع آخر في نفس السياق:

“وهكذا حين نقول: من الضروري أن نريد بحريتنا، نقول حقيقة لا شك فيها، علمًا بأننا لا نُخضع اختيارنا الحر إلى الضرورة التي تقضي على حريتنا. بل إرادتنا ملك لنا، وتعمل ما نعمل بإرادتنا، وما لا نعمل، لأننا نرفض عمله.

وعندما يتألم إنسان، رغمًا عنه بإرادة الآخرين، وذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير*، ولو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير*، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي وحده يولي الإرادات القدرة”.

 (مدينة الله٥: ١٠)

ولكن يختلف ق. كيرلس السكندرى تمامًا مع هذا الطرح الأوغسطيني، بل يعتقد ق. كيرلس السكندري بأن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجهها الإنسان نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيء موروث، حيث يقول التالي:

“لقد خُلِق الإنسان منذ البداية متحملاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يفضله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلق حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطي للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة، التي تسمح له بالابتعاد عن الصلاح، حتى لو أنه فضل أن يعمل ما ليس صالحًا.

وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه.

بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرة للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشر*، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مفيدة وجد الموت الجسدي الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفظ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب”.

(الجلافيرا على سفر التكوين، المقالة الأولى، ص ١١٣- ١١٥)

ونستنتج من هنا أيضًا اختلاف الطرح الكيرلسي عن الطرح الأوغسطيني بخصوص تعليم الخطية الجدية، في حين يعلم أوغسطينوس بسبق الاختيار وتعيين الأبرار والأشرار من قِبل الله منذ الأزل بسبب وراثة البشر للخطية الأصلية، يدحض ق. كيرلس السكندري التعليم بالقدرية وسبق التعيين والإرادة المقيدة بالشر على النقيض من أوغسطينوس، ويؤكد على بقاء حرية إرادة المرء حتى بعد السقوط ليختار بين الفضيلة والرذيلة.

سبق التعيين والاختيار والإرادة المقيدة – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تفسير (مز٥١: ٥) – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تفسير (مز٥١: ٥) – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تفسير (مز٥١: ٥) – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

في حين يعتمد ق. أوغسطينوس على آية (مز٥١: ٥) “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي”

كدليل كتابي على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب مفهومه، حيث يفسر الآية كالتالي:

“يجيب داود باسم الجنس البشري، وهو يتفحص القيود التي تكبل جميع الناس، ويتأمل كيف يتفشى الموت، ويلاحظ أصل الخطيئة*، ويصرخ: ‘هأَنَذَا بِالآثْامِ حُبِلَ بِي’. هل بالآثام حُبل بداود؟ هل بالإثم حُبل بابن يسى البار وامرأته؟ (راجع ١مل١٦: ١٨). فلمَ يقول إنه حُبل به بالإثم؟ لأن الإثم ورثناه من آدم*. وما الخضوع للموت إلا ثمرة الإثم.

لا يأتي أحد إلى العالم إلا حاملاً عقابه*، أي وهو يُجرجر الخطيئة التي تستحق العقاب. يقول الكتاب في سفر أيوب: ‘ليس من بار أمامك؟ حتى ولا طفل على الأرض ابن يومه’ (أي١٤: ٥ سبعينية). ونحن نعرف أن الخطايا تُمحى بمعمودية المسيح، وأن معمودية المسيح لها القدرة على محو الخطايا. وإذا كان الأطفال يُولدون أبرارًا، فلماذا تحملهم أمهاتهم مسرعات إلى الكنيسة عندما يمرضون؟ فما الذي تمحوه تلك المعمودية الغافرة؟ أرى ذاك البريء يبكي ولا أراه يغضب.

فما الذي يمحوه العماد؟ أي قيد تحله تلك النعمة؟ تحل قيد الخطية الموروثة*. لو كان للطفل أن يتكلم لنطق، ولو كان له معرفة داود لأجاب: لماذا لا ترون فيَّ إلا الطفل؟ لماذا لا ترون في الحقيقة أني لم أرتكب أي خطيئة؟ ‘إني بالآثام حُبل بي، وبالإثم اغتذيت في بطن أمي’. ولم يكن رابط الإثم هذا موجودًا في المسيح المولود من العذراء التي حبلت به من الروح القدس.

لا يسعنا أن نقول إنه بالإثم حُبل به، ولا يسعنا أن نقول إن أمه غذته بالإثم في أحشائها، تلك التي قال لها الملاك: ‘الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تظللك’ (لو١: ٣٥). فإذا كان البشر يُحبل بهم بالآثام، ويغتذون بالآثام في الحشا الوالدي، فهذا لا يعني أن اتحاد الزوجين خطيئة، بل لأن الذي يحدث إنما هو فعل جسد يحمل عقاب الخطيئة، والحال، فإن عقاب الجسد الموت، والموت مقيم فيه على الدوام.

ولهذا لا يقول الرسول إن الجسد مائت، بل إنه ميت: ‘في الحقيقة، الجسد ميت بسبب الخطيئة، أما الروح فحي بفعل البر’ (رو٨: ١٠). فكيف بجسدٍ حُبل به بالإثم، والزرع في جسدٍ قضت عليه الخطيئة بالموت، أن يُولد متحررًا من قيود الخطيئة؟ لا إثم في ثمرة الاتحاد الزوجي العفيف. إلا أن أصل الخطيئة يجلب القصاص المستحق.

ليس الزوج غير مائت لأن زوج، وليس مائتًا إلا بسبب الخطيئة. والرب نفسه خضع للموت، لكن ليس بسبب الخطيئة. ارتضى أن يحمل قصاصنا، فحلنا من خطيئتنا. عدل، إذًا، أن يموت الجميع في آدم، وأن يحيا الجميع في المسيح (١كو١٥: ٢٢).

يقول ق. بولس: ‘دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا جاز الموت على جميع الناس بواحدٍ، خطئوا كلهم فيه*’ (رو٥: ١٢). إنه حكم بلا استئناف، يقول الرسول: جميعهم خطئوا في آدم*. بينما وُلد واحد بلا خطيئة، لأنه لم يُولد من آدم”. (عظة على المزمور الخمسين/ عظته في أهل قرطاجنة/ التوبة، ١٠ على مز٥٠: ٦، ٧).

بينما عندما يفسر ق. كيرلس السكندري آية (مز٥١: ٥/ مز٥٠: ٥)، لو كان يؤمن كما يعتقد البعض بوراثة الخطية الأصلية، لكان أنتهز الفرصة وفسر هذه الآية كما فسرها أوغسطينوس كدليل كتابي صريح على وراثة الخطية الأصلية، ولكن لأن ق. كيرلس السكندري لا يعرف شيء اسمه وراثة الخطية الأصلية، فقد فسر آية (مز٥١: ٥) “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي”، بل يدحض فكرة وراثة الخطية الأصلية كالتالي:

“ويقول (داود) هذا ليس لأن فعل الخطية طبيعي*، لأنه لو كان كذلك ما كان مستحق لعقابٍ، بل لأنه ورث بالطبيعة الانزلاق*، ولكنه ينتصر بالإرادة والأتعاب (الجهاد)، غير أنه لا ينضبط إجباريًا لأنه حر الإرادة.

ووفقًا لبعض الناس والبابليين، يوجهون كلامهم إلى الله قائلين: ‘إن أردت أن تحاكمنا على الخطايا التي فعلناها في حقك، فإنها ساعتك (أي الوقت المناسب لك) أن تحاكم أجدادنا، لأن أولئك لم يظهروا معترفين لك بالجميل، وبطريقة ما قد ورثتُ منهم الجحود، وكوني أخطئ فهذا بسبب أولئك الأجداد’.

لذا توجد عادة عند القديسين في تهدئة غضب الله، بأنهم يدعونه لكي ما يشفق عليهم بصرخات كثيرة جدًا، بل أيضًا يسرعون إلى إلقاء اللوم على ضعف الطبيعة البشرية، لذا يمكننا أن نسمعهم وهم يصرخون: ‘تذكر أننا تراب، وأيام الإنسان كمثل العشب’ (مز١٠٣: ١٤، ١٥/ مز١٠٢: ١٤، ١٥ سبعينية)، وأيضًا ‘تذكر ما هو وجودي’ (مز٨٩: ٤٧/ مز٨٨: ٤٧ سبعينية)، ويشرح أيضًا أيوب محتمل الألم هذا الأمر بوضوح صارخًا لله: ألم تصبُني كاللبن، وخثرتني كالجبن؟ كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ. منحتني حياةً ورحمةً (أي١٠: ١٠- ١٢)”.

(Cyrillus Alexandrinus, Expositio in Psalmos PG 69, 1089-1092).

ونستنتج من هنا أحبائي أختلاف مفاهيم وشروحات ق. كيرلس السكندري عن الخطية الجدية عن مفاهيم وشروحات أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية، حتى أن الدليل الكتابي الواضح آية (مز٥١: ٥) “هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي” الذي يوجهه إليك مباشرةً أي واحد يؤمن بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب المفهوم اﻷوغسطيني، لم يفسره ق. كيرلس كدليل على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج كما فهم أوغسطينوس من نفس النص هذا المعنى.

وبالتالي نلاحظ اختلافًا جذريًا بين مفاهيم ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس حول موضوع الخطية الجدية ونتائجها وآثارها على البشرية، فكيف يعتقد البعض في أيامنا إنهما كانا متفقين في المفاهيم والشروحات لموضوع الخطية الجدية؟ بالرغم من أن النصوص من القديسين كيرلس وأوغسطينوس لا تدعم هذا الاتفاق المزعوم.

تفسير (مز٥١: ٥) – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وق. أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

في حين يستخدم أوغسطينوس نظرية رواقية في الأصل هي نظرية “العلل البذرية” لإثبات انتقال الخطية الأصلية عن طريق الجسد بسبب أن بذرة الجسد التي تتكون منها أجساد البشر هي بذرة آدم المشوهة بالخطية، لذا تنتقل الخطية الأصلية عن طريق بذرة جسد المعصية الأول الذي لآدم إلى أجساد ذريته، وعن طريقها تنتقل خطيته الأصلية إلى ذريته وتتوارثها بالتناسل عن طريق هذه العلل البذرية أو الجسدية، حيث يؤكد على وجود العلل البذرية في أجساد البشر كالتالي:

“هنالك علل جسدية* أو بذرية*، سواء أكان ذلك بمساهمة الملائكة، أو البشر، أو أي كائن حي آخر، أم بمجامعة الجنسين التي تؤدي إلى الإنجاب النوعي، أيًا كانت القوة التي تمارسها حركات الأمهات ورغباتها على ثمرة الحشا للتعديل في الملامح أو اللون، فإن تلك الطبائع ذاتها مهما طغى على كيانها من تأثيرات متنوعة، تظل عمل الله السامي دون سواه”.

(مدينة الله ١٢: ٢٥)

ثم يستخدم أوغسطينوس نظرية العلل الجسدية أو البذرية في تفسير انتقال الخطية الأصلية بالوراثة من آدم إلى نسله كالتالي:

“ولكن الإنسان قد أخطأ بحريته، فعوقب بعدلٍ، وانتقل إلى ذريته فساده والعقاب، لأننا جميعنا كنا فيه عندما كان وحده يمثلنا جميعًا. لقد سقط في الخطيئة بواسطة المرأة، التي استُلت من جنبه قبل الخطيئة. لم يكن آنذاك الشكل الخاص لكل وجود مخلوقًا، وما كان أحد منا مالكًا لحياته الخاصة، بيد أن البذرة* التي كان علينا أن نخرج منها* قد شوهتها الخطيئة*، وحملت أثقال الموت بحكمٍ عادلٍ، وجعلت الإنسان مولود الإنسان في الحالة عينها*”.

(مدينة الله ١٣: ١٤)

وهذا ما يقرره أوغسطينوس في موضع آخر، حيث يؤكد على أن طبيعتنا البشرية المريضة والخاطئة نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول الذي لا يستطيع من تلقاء نفسه إتمام الناموس وتكميل البر، حيث يقول التالي:

“إن طبيعتنا البشرية أصبحت مريضة وخاطئة* لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول* الذي لا يقدر من تلقاء نفسه أن يتمم ناموس الله، ولا يستطيع أن يكمل البر”.

(الطبيعة والنعمة ١: ٢)

ويؤكد أوغسطينوس على العكس من آباء الشرق عامةً، والقديس كيرلس السكندري خاصةً، أننا نولد خطأة ومذنبين ومدانين ومعاقبين من آدم، حيث يقول التالي:

“كل هؤلاء هم بالعدل تحت دينونة الله، لأنهم ليسوا أبرياء من الخطيئة سواء تلك الخطيئة التي وُلدوا بها*، أو الخطايا التي أضافوها بسوء سلوكهم، ‘لأن الجميع قد أخطأوا – سواء من آدم* أو من أنفسهم – وأعوزهم مجد الله’ (رو٣: ٢٣)، طالما أن جميع الناس بلا استثناء قد أخطأوا في آدم*، إذًا، فهم مذنبون* وتحت الدينونة والمعاقبة”.

(الطبيعة والنعمة ١: ٤، ٥)

ولا أجد قولاً عند ق. كيرلس السكندري يشير إلى انتقال الخطية الأصلية، كما يدّعي أوغسطينوس، عن طريق العلل الجسدية أو البذرية من جسد آدم أو جسد المعصية الأول. فلم يستخدم ق. كيرلس السكندري مثل هذه النظرية الرواقية الشهيرة في إثبات انتقال الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج من آدم عن طريق الجسد إلى أجساد ذريته.

فكيف بعد ذلك نقول إن القديس كيرلس السكندري وأوغسطينوس متقاربين ومتشابهين في تعليمهما حول الخطية الجدية، يبدو مما سبق، وجود اختلاف جذري في المفاهيم بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس فيما يتعلق بالخطية الجدية، ولا يمكننا الإدعاء بأن تعاليم ق. كيرلس السكندري مثل تعاليم أوغسطينوس في هذا الصدد، لأنه سيكون من الظلم إدعاء ذلك على ق. كيرلس السكندري وتعليمه الأرثوذكسي السليم عن وراثة نتائج الخطية الجدية أي الفساد والموت، وليس وراثة ذنب أو خطية أو معصية آدم بأية طريقة، سواء نفسًا عن طريق النفس المولودة، أو جسدًا عن طريق العلل البذرية أو الجسدية.

نظرية العلل البذرية – مفارقات بين ق. كيرلس السكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

وراثة الذنب الشخصي أم وراثة الفساد والموت؟ – د. أنطون جرجس

وراثة الذنب الشخصي أم وراثة الفساد والموت؟ – د. أنطون جرجس

وراثة الذنب الشخصي أم وراثة الفساد والموت؟ – د. أنطون جرجس

وراثة الذنب الشخصي أم وراثة الفساد والموت؟

الجدل حول وراثة الخطية الجدية – د. أنطون جرجس

تحميل هذا البحث

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس
 
هذا البحث عبارة عن مفهوم الخطية الأصلية في اللاهوت المدرسي حتى مجمع ترنت ١٥٤٦م.
 
ويحتوي البحث على النقاط التالية:
 
– جوتشالك GOTTSCHALK ومقاومة هينسمار HINCMAR لآرائه عن سبق التعيين في مجمع كويرسي QUIERCY.
– سكوتس إريجينا SCOTUS ERIGENA ومجمع كويرسي QUIERCY الثاني.
– أنسلم الكانتربري ومحاولة إرساء ”اللاهوت الطبيعي“.
– التمييز بين الفرد والجنس كنظرية للخطية الأصلية عند أنسلم.
– نظرية أنسلم عن حرية الإرادة.
– نقد نظرية أنسلم.
– توما الأكويني (١٢٢٧- ١٢٧٤ م).
– توما الأكويني ومفهومه عن الخطية الأصلية.
– توما الأكويني ومفهومه عن حرية الإرادة.
– توما الأكويني ومفهومه عن النعمة.
– جون دنس سكوتس JOHN DUNS SCOTUS.
– ويليام من أوكام WILLIAM OF OCKHAM.
– مجمع ترنت ١٥٤٦م والنزعة النصف بيلاجية في القرارات التريدنتينية

الخطية الأصلية ما بعد أوغسطينوس في الغرب – د. أنطون جرجس

تحميل هذا البحث

مفهوم الخطية الأصلية بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

مفهوم الخطية الأصلية بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

مفهوم الخطية الأصلية بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

مفهوم الخطية الأصلية بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس

يتحدث عالم الآبائيات جوهانس كواستن (لاهوتي كاثوليكي) عن مفهوم الخطية الأصلية عند ق. يوحنا ذهبي الفم، موضحًا الاختلاف الشديد بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس في مفهوم وراثة الخطية الأصلية كالتالي:

“يشير ق. ذهبي الفم بالتفصيل في عظته” إلى المعمدين الجدد” (Ad neophytos) التي أعاد هايداشر اكتشافها إلى مفاعيل المعمودية قائلاً: “وبالتالي هل نعمد أيضًا الأطفال الصغار، بالرغم من أنهم ليس لديهم خطايا (άμαρτήματα)”. وقد استخلص يوليانوس أسقف إكلانوم البيلاجي أن ق. ذهبي الفم قد أنكر الخطية الأصلية، ويرد ق. أوغسطينوس في (Contra Julianaum 1, 22) أن كلا من الجمع “خطايا” والسياق يثبتان أن ق. ذهبي الفم قد قصد الخطايا الشخصية (propria peccata) ويدعم حجته بثمان اقتباسات إضافية من أعمال أخرى للقديس يوحنا ذهبي الفم ليوضح بأنه قد علّم بوضوح بوجود الخطية الأصلية. ومع ذلك، ففي كل هذه الفقرات، لا يتطابق مفهوم ق. يوحنا ذهبي الفم تمامًا مع أفكار ومصطلحات ق. أوغسطينوس*.

وبالرغم من أن ق. ذهبي الفم يؤكد مرارًا وتكرارًا أن نتائج وعواقب خطية آدم لم تؤثر فقط على والدينا الأولين، ولكن أيضًا على نسلهما، إلا أنه لم يذكر صراحةً أن ذريتهم قد ورثوا الخطية نفسها*، وأنها قد أصبحت موروثة في طبيعتهم*. وهو يعلق على (رو٥: ١٩) على سبيل المثال قائلاً:

“ما هي المشكلة؟ هي القول إنه بمعصية واحد جُعل كثيرون خطاة. لأن المبدأ أنه حينما أخطأ (آدم) وأصبح فانيًا، فهؤلاء الذين من نسله يجب أن يكونوا كذلك، ليس شيئًا غريبًا. ولكن كيف يكون أنه بمعصيته (آدم) يصبح آخر (المسيح) خطية؟ لأنه في هذه الحالة، لا يستحق كهذا عقابًا، لأنه لم يصبح خاطئًا من نفسه. إذًا، ماذا تعني هنا كلمة “خطاة”؟ بالنسبة لي يبدو أنها تعني خاضعًا لحكم الدينونة ومحكومًا عليه بالموت” (Hom. 10 in Rom. 1. 2. 4,LFC).”

جواهانس كواستن، علم الآبائيات “باترولوجي” مج ٣، ترجمة: الراهب غريغوريس البراموسي ود. نادر مدحت، مراجعة: د

جوزيف موريس ود. عماد موريس، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي)، ص ٦٢٣، ٦٢٤.

مفهوم الخطية الأصلية بين القديسين يوحنا ذهبي الفم وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس

في حين يتحدث أوغسطينوس عن موت وخطية آدم كشرور موروثة، وكأن الخطية والموت صارا كشيئين أو كيانين يمكن أن يتم توراثهما بين البشر، وكأن الشر صار له كيان يورث بين البشر، حيث يقول:

“ثم يضيف الرسول أيضًا: من أجل ذلك كإنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع فيه… (رو٥: ١٢). ويتحدث هنا بقدر ما عن الإنسانين: الإنسان الأول آدم الذي بخطيته وبموته نحن نسله مقيدين بهما كشرور موروثة، والإنسان الآخر آدم الثاني الذي لم يكن إنسانًا فقط، بل وإلهًا أيضًا”.

(الثالوث ١٣: ١٦: ٢١)

 

بينما يؤكد ق. غريغوريوس النيسي على العكس من القديس أوغسطينوس أن الشر والخطية عدم وليس لهما كيان يمكن توراثه بالتناسل، بل الخطية فعل إرادي يمارسه الإنسان بإرادته، ولو لم يمارس الإنسان الخطية، لن يكون لها أي وجود، حيث يقول التالي:

“لذا بما أن الشر يعتبر كنقيض الخير، والفضيلة المطلقة هي الله، فلا بد أن الشر خارج الله، لأن طبيعته لا تُدرك في كونها شيئًا، بل في كونها عدم الخير، لأننا نعطي اسم ‘الشر’ لما هو مدرك خارج الخير. وبالتالي يعتبر الشر نقيض الخير، بالطريقة نفسها التي يتمايز فيها العدم عن الوجود.

لذلك عندما نبتعد عن الخير بحرية دوافعنا*، مثل أولئك الذين يغلقون أعينهم في وضح النهار، ويقال إنهم ‘يرون الظلام’ لأن رؤية الظلام هي نمط رؤية العدم – بالتالي تأخذ الطبيعة الوهمية للشر جوهرًا في الذين قد سقطوا بعيدًا عن الخير، وتمتلك وجودًا كلما كنا خارج الخير، فإن انتُزعت الحركة الحرة لإرادتنا مرة ثانية بعيدًا عن سلوكها نحو الوهم، وصارت متحدة مع ما هو كائن، فلأن تلك الطبيعة لم تعد قادرة على الوجود داخلي، فستعجز عن الوجود إطلاقًا – لأنه لا يوجد شر باقٍ في حد ذاته بعيدًا عن حرية إرادتنا- ولكنني إن ألصقت وربطت ذاتي بذاك الذي هو كائن بالحقيقة، فسأظل فيما هو كائن، فهو الذي كان دائمًا، وسيكون إلى الأبد، وهو كائن الآن”.

(العظات على سفر الجامعة ٧: ٢٦-٢٧)

 

وهذا ما يقوله أيضًا ق. كيرلس السكندرى بأن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجهها نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيء موروث، حيث يقول التالي:

“لقد خُلق الإنسان منذ البداية متحملاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يفضله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلق حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطي للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة، التي تسمح له بالابتعاد عن الصلاح، حتى لو أنه فضل أن يعمل ما ليس صالحًا.

وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرة للخطيئة، واصاب طبيعته مرض الميل للشر*، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مفيدة وجد الموت الجسدي الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفظ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب”.

(الجلافيرا على سفر التكوين، المقالة الأولى، ص ١١٣- ١١٥)

 

وهذا هو ما يقوله معلمنا ساويرس الأنطاكي رافضًا التعليم بوراثة الخطية الأصلية، واعتبر هذا التعليم هو تعليم مانوي غير أرثوذكسي في رده على يوليان أسقف هاليكارنيسوس بآسيا الصغرى كالتالي:

“ويترتب على كل هذا أن خطيئة أولئك الذين أنجبونا، أي خطيئة آدم وحواء ليست مختلطة بالطبيعة مع كياننا (جوهرنا)، كمثل الرأي المنحرف والفاسد لجماعة المصلين*، أو كقول غيرهم من المانيين*، ولكن لأنهما فقدا نعمة الخلود بسبب الخطية والتعدي، ومن ثم فإن الإدانة والأحكام قد بلغت إلينا، لذا فإنه وفقًا لقانون الطبيعة*، فإننا نولد مائتين باعتبار أننا ولدنا من آبائنا مائتين، ولسنا خطأة لآننا ولدنا من آباء خاطئين*. وذلك لأن الخطية ليس لها كيان، ولا تنتقل طبيعيًا بالتناسل من الآباء إلى أطفالهم*”.

Sever of antiochene, Contra Additiones Juliani, (CSCO 296), p. 39, 40.

وهنا ينسف معلمنا ق. ساويروس الأنطاكي متبعًا تعاليم آباء الشرق من قبله، وعلى العكس من تعليم أوغسطينوس المانوي بوراثة الخطية الأصلية بالتناسل، التعليم بوراثة الخطية الأصلية وانتقالها بالتناسل والتزاوج طبيعيًا، معتبرًا هذا التعليم تعليم مانوي غير أرثوذكسي دخيل على الكنيسة، لأنه تعليم المانويين وجماعة المصلين الهرطوقية.

تعليم آباء الكنيسة عن الخطية الجدية مقابل تعليم أوغسطينوس – د. أنطون جرجس

الخطية الأصلية الجدية – مفهومها ونتاجئها – أمجد بشارة

الخطية الأصلية الجدية – مفهومها ونتاجئها – أمجد بشارة

الخطية الأصلية الجدية – مفهومها ونتاجئها – أمجد بشارة

الخطية الأصلية الجدية – مفهومها ونتاجئها – أمجد بشارة

هناك مفهوم خاطئ سائد في بعض الكنائس عن الخطية الجدية أو الخطية الأولى أو الخطية الأصلية كما سماها أُغسطينوس وهذا المفهوم يتلخص في أن آدم أخطأ ونحن كنا فيه فورثنا معه خطيته وأصبحنا خاطئين فيه أو ورثنا ذنب خطيته وأصبحنا مدانين بهذا الذنب. والخطية الأصلية بهذا المفهوم يعرفها فقط اللاهوت اللاتيني متمثلاً في ترتليان وكبريانوس أسقف قرطاجنة وأوغسطينوس الذي أسهب في شرح هذا الأمر كثيراً بسبب رده على بدعة بلاجيوس ثم انتقل إلى لاهوتيي العصر الوسيط ومنهم مارتن لوثر وجون كالفن.

 

أما آباء الكنيسة الذين كتبوا باليونانية فرأوا أن خطيئة آدم كانت الخطية الأولى، وأنّ الجميع خطئوا بعد الإنسان الأول. فالخطية الأصلية مكوّنة إذاً، في نظرهم، ليس من خطيئة آدم وحسب، بل أيضاً من خطايا جميع الناس (إذ أخطأ الجميع: “من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع” رومية 5: 12)

 

لذلك بينما ينظر أوغسطينوس وآباء الكنيسة اللاتينية إلى الخطية في أصلها التاريخي، فيتكلمون عن “خطيئة أصلية” اقترفها آدم وانتقلت منه بالوراثة إلى جميع البشر، ينظر آباء الكنيسة اليونانية إلى الخطية في واقعها الإنساني الشامل. وفي هذه النظرة تصبح مسؤولية الخطية مسؤولية شخصية يتحمّلها جميع الناس كما تحمّلها الإنسان الأول.

 

وهذا الاختلاف في النظرة إلى الخطية الأصلية يبدو واضحاً عندما يتكلّم الآباء عن معمودية الأطفال. فالنظرة الأولى ترى أن المعمودية ضرورية للأطفال لتنزع عنهم الخطية الأصلية التي ورثوها عن آدم؛ أما النظرة الثانية فتؤيّد معمودية الأطفال، لا لنزع الخطية عنهم، بل لإدخالهم في حياة النعمة. وبينما يتساءل ترتليانوس: لماذا نعمِّد الأطفال، إذا كانوا أبراراً وبلا خطيئة؟ يجيب القديس كبريانوس: ولِمَ لا نعمِّدهم؟ إنهم بلا خطيئة، لذلك تستطيع النعمة أن تعمل فيهم بدون عائق. وهذا أيضاً رأي القديس يوحنا الذهبي الفم: “وإن كان الأطفال بلا خطايا، فإننا نعمِّدهم ليزداد فيهم البرّ والقداسة ويصبحوا هياكل للروح القدس”. [1]

 

فيفهم الآباء الشرقيون نصوص مثل “كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة”(رومية 5: 19). لا بمصطلحات قضائية ولكن “طبية”. بمعنى أن الطبيعة البشرية أصبحت مريضة. ويفسر القديس كيرلس السكندري هكذا:” بعدما سقط آدم بالخطية وغرق في الفساد، فعلى الفور تدفقت اللذات النجسة وانفجر قانون الغابة في أعضائنا. وهكذا أصبحت الطبيعة مريضة بالخطية من خلال معصية الواحد الذي هو آدم.

 

وبعد ذلك صار الكثيرون خطاة لا كشركاء في المعصية مع آدم لأنهم لم يكونوا حتى موجودين ولكن لكونهم من نفس الطبيعة التي سقطت تحت ناموس الخطية. لقد أصبحت الطبيعة البشرية مريضة في آدم من خلال فساد المعصية وهكذا دخلت إليها الأهواء” [2].

 

ويستخدم نفس الأب في موضع آخر صورة الجذر. لقد أتى الموت لكل الجنس البشري بواسطة آدم تماماً مثلما يصاب جذر النبات فيتعين على كل البراعم الصغيرة التي تأتي منه أن تذبل” [3]. ويقول الأب متى المسكين: الخطية انتقلت وتفشت بطرق وأفعال لا حصر لها. نحن لم نرث الخطية كفعل، نحن ورثنا عنصر الخطية الفعال للموت وليس أنواع الخطية [4].

 

ويستفيض أكثر في شرح معني وراثة عنصر الخطية الفعال قائلاً: أخطر ما في خطية آدم هو استماعه لصوت الشيطان، لقد ورثنا منه الأُذن المفتوحة والعين المفتوحة، والفكر المفتوح على مشورة الشيطان لإفساد الذهن والحياة برمتها. هذا هو السم القاتل في الخطية الأصلية. وهو عنصر غريب علينا دخل في صميم ميراثنا الجسدي: (أخاف انه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تفسد ذهنكم عن البساطة التي في المسيح.. 2 كورنثوس 11: 3).

 

لذلك أصبح من المحتم خلع عنصر الفساد، هذا المميت والغريب على طبيعتنا والدخيل علينا، ونحصل بالمقابل على عنصر الشفاء كهبه فوق طبيعتنا: (ولكن ليس كالخطية هكذا أيضاً الهبه، لأنه إن كان بخطية الواحد مات الكثيرون فبالأولي كثيراً نعمة الله، العطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين.. رومية 5: 15) [5].

 

ويكمل شرحه أيضاً قائلاً: بخطيئة آدم قبلت الطبيعة البشرية عُنصر الموت الملازم للخطية، فأصبحت طبيعة الإنسان خاطئة أي واقعه تحت سلطان الخطية… نستطيع أن نقول إن عنصر الخطية كان هو فقدان النعمة والحرمان من برّ الله، وهذا ما وقع فيه آدم عندما أقترف العصيان والتعدي على وصية الله. فالذي أمات ادم هو فقدانه لنعمة الله وبره لما أخطأ. لأن نعمة الله هي قوة الحياة، وبرّ الله مُحيي. فنحن ورثنا من آدم ليس فعل خطيته بل الطبيعة التي فقدت نعمة الله وحُرِمَتْ من برّ الله، الطبيعة البشرية الخاطئة – أي المفتوحة على الخطية على الشيطان – وليس مجرد فعل الخطية التي اقترفها [6].

 

ويقول اللاهوتي الأرثوذكسي د. عدنان طرابلسي: بالنسبة للأرثوذكسية: الخطية ليست جريمة ضد العدالة الإلهية، لكنها مرض يتلف الإنسان. لم يأتِ المسيح لكي يشفي كرامه الله المجروحة، بل ليشفي الإنسان من مرضه. بسبب الخطية صار الإنسان أسير الموت والفساد. الله حياة، والإنسان قطع نفسه عن الله مصدر الحياة الأبدية. جاء المسيح ليُعيد هذه الحياة الضائعة للإنسان.

 

بسبب خطيئة آدم وحواء صارت الطبيعة البشرية فاسدة وأسيرة للموت. لم يرث الإنسان ذنب خطيئة آدم. هذا ذنب شخصي. بل ورث نتائج السقوط التي أصابت الطبيعة البشرية العامة ككل. أيضاً لم نرث طبيعة مائته فحسب، بل أيضاً طبيعة أصاب الفساد ملكتها. الإرادة البشرية صارت مشلولة بالخطية وتفضل الشرّ على الخير [7].

 

لكن السؤال الدائم الذي نتساءله هو: لماذا نعاقب على ذنب آدم؟

كما تبين لنا أننا لا نُعاقب على ذنب أحد، بل فقط ورثنا أو حملنا في طبيعتنا البشرية فساد ورغبه نحو فعل الشرّ ازدادت بخطايانا الشخصية لا بخطايا أحد آخر، ويقول القديس يوحنا ذهبي الفم: إنه حقاً قد دخلت العبودية بواسطة خطية الأولين بسبب عصيانهم، غير أنه بعد دخولها بواسطتهم قد تسيدت على اللاحقين بسبب خطاياهم الخاصة. لأنهم إن كانوا قد استطاعوا أن يحفظوا أنفسهم من أي خطية لأمكن اعتبار اعتراضهم على حق، ولكن إن كانوا هم أنفسهم مسئولين فإن كل تلك الحجج لا لزوم لها [8].

 

أما نتائج الخطية الأصلية المريرة التي حلَّت على طبيعة البشر جميعهم فقد تمثلت في:

 

أولاً: قام حاجز العداوة بين الله والإنسان

فيقول د/ موريس تواضروس: لقد أقامت الخطية حاجز عداوة بين الإنسان والله. فالخطية لم تبعدنا فقط عن الله، لكن بالإضافة إلى ذلك انتزعت السلام الذي كان قائماً بيننا وبين الله وأحلت بدله العداوة. إن الله في قداسته وكماله لا يُمكن أن يدخل في علاقة سلام مع الإنسان المذنب المُدان [9].

 

ثانياً: فقدنا نعمة الروح القدس وسكناه فينا

ومن أشهر الآباء الذين تحدثوا في هذا الأمر القديس كيرلس السكندري والذي اشتهر أيضاً بتفسيره لنص سفر التكوين (ونفخ في انفه نسمة حياة) إن هذه النسمة المعطية للحياة ليست شيء سوي الروح القدس [10] فيقول في هذا: بسبب تعدي آدم “ملكت الخطية على الكل “(رومية 5: 14). وفارق الروح القدس الطبيعة البشرية التي صارت مريضة في كل البشر [11].

 

ويكمل في موضع آخر: لأنه عندما انحرف الإنسان نحو العصيان وتجرب نتيجة محبته لشهوات جسده – بالخطية التي كانت غريبة عنه. فإنه أبعد عنه الروح الذي شكله على صورة الله والذي كان ساكناً فيه وبطريقة لا توصف وكأنه ختم، وهكذا صار واضحاً أنه قد جلب لنفسه الفساد والقُبح وكل ما هو غير شرعي [12].

 

ثالثاً: تشوهت جميع مفاهيم الإنسان

أصبحت معرفته بالله وبالأخرويات ضبابيه مشوهه، فيقول القديس يوحنا ذهبي الفم: إن أردتم أن تعرفوا أي نمط هذا الذي خلقه الله في البداية، فلنذهب إلى الفردوس، ونبحث في الإنسان الذي خُلق في البداية. فإن هذا الجسد لم يكن فاسداً ولا ميتاً، إنما كان أشبه بتمثالٍ من ذهبٍ خرج حالاً من الفرن، يشع بالبهاء، فكان هذا الجسد خالياً من كل فسادٍ. لم يكن التعب يضايقه ولا العرق. لم تكن الاهتمامات تحطمه، وليس شيء من هذا القبيل يحزنه [13].

 

سقوط الإنسان في الخطية أفسد طبيعته وشوّه مفاهيمه، فصار من الصعب، بل وأحيانًا من المستحيل أن يتصور الإنسان، حتى عظماء الفلاسفة المشهورين، أن يسترد الإنسان الحياة بعد الموت. هذا ما دفع بعض الفلاسفة أن ينادوا باللذة كمصدر السعادة، فيتمتع الإنسان بكل لذة جسدية في هذا العالم حتى يُسدل الستار على حياة الإنسان بلا عودة. بهذا صار الجسد بملذاته وشهواته مركز الحياة عند الكثيرين، الأمر الذي حجب عن الإنسان إمكانية تعرفه على حقيقة أعماقه.

 

هؤلاء دعاهم الكتاب المقدس وأيضًا آباء الكنيسة بالجسدانيين. لهذا اشتهى الرسول بولس أن يخلص من جسد هذا الموت أو الجسد المائت (رومية 7: 24)، لا بتدميره، بل بتقديسه بروح الله القدوس، فيخضع للنفس في المسيح يسوع ويسندها [14].

 

رابعاً: تشوهت داخلنا صورة الله التي خُلقنا عليها.

كما يقول القديس مقاريوس: هكذا حينما تعدى آدم وصية الله وأطاع الحيّة الخبيثة، صار مُباعاً أو باع نفسه للشيطان فاكتست النفس ـ تلك الخليقة الحسيّة التي صورّها الله على صورته الخاصة ـ اكتست بنفس الشرير مثل رداء. لذلك يقول الرسول: ” إذ جرّد الرياسات والسلاطين، ظفر بهم فى الصليب” (كولوسي 15:2)، وهذا هو الغرض الذي من أجله جاء الرب (إلى العالم)، لكي ما يطرحهم خارجًا ويسترجع بيته وهيكله، أي الإنسان [15].

 

ويكمل قائلاً: إن ملكوت الظلمة، أي الرئيس الشرير، لمّا أسر الإنسان في البدء، قد غمر النفس وكساها بقوة الظلمة كما يكسو الإنسان إنسانًا غيره “لكيما يجعلوه ملكًا، ويلبسونه الملابس الملوكية من رأسه إلى قدمه” [16]. وبنفس هذه الطريقة قد كسا الرئيس الشرير، النفس وكل جوهرها بالخطية. ولوثها بكليتها، وأخذها بكليتها أسيرة إلى ملكوته، ولم يدع عضواً واحداً منها حُراً منه، لا الأفكار، ولا القلب، ولا الجسد، بل كساها كلها بأرجوان الظلمة.

 

لأنه كما أن الجسد لا يتألم منه جزء أو عضو بمفرده، بل الجسد كله يتألم معًا، هكذا النفس بكليتها تألمت بأوجاع الشقاء والخطية. فالشرير كسا النفس كلها التي هي الجزء أو العضو الأساسي في الإنسان، كساها بشقائه الخاص، الذي هو الخطية، ولذلك أصبح الجسد قابلاً للألم والفساد (الاضمحلال) [17] .. لأنه بمعصية الإنسان الأول دخل فينا شيء غريب عن طبيعتنا، الذي هو كارثة الفساد والأهواء وقد اتخذ هذا الفساد مكانه كأنه جزء من طبيعتنا بطول العادة والميل [18].

 

ويختم شرحه بخلاصة القول قائلاً: وإذا حدث أن ملكًا له خيرات وخدم تحت سلطانه يخدمونه، قد أخذه أعداؤه أسيرًا، فإنه حينما يُؤسر ويبعد عن مملكته، فإن خدامه وعبيده يتبعونه في أسره.. وهذا ما حدث لآدم، فإن الله خلقه نقيا لخدمته وعبادته، وكل هذه المخلوقات أعطيت له لخدمة احتياجاته، وجعله الله سيداً وملكاً على جميع المخلوقات.. ولكن حينما جاءته الكلمة الشريرة (كلمة إبليس) وتحدث معها، قابلها أولاً بالسمع الخارجي، ثم نفذت إلى داخل قلبه وملكت على كل كيانه..

 

وحينما أُسر وأُمسك هكذا، فإن الخليقة التي كانت تخدمه وتلازمه أُمسكت وأُسرت معه.. وعن طريق آدم ملك الموت على كل نفس، وطُمست الصورة الإنسانية الكاملة نتيجة العصيان، حتى أن جنس البشر تحولوا وصاروا يعبدون الشياطين [19]

 

خامساً: دخل الموت إلى العالم بكل ما تبعه من آثار حزينة قاتمه… وهو ما سنستفيض في شرحه قليلاً في موضوع آخر.

وهكذا، فقد اختار الإنسان بإرادته الحُرة التي خلقه الله بها طريق الخطية، هذا الطريق الكرب الذي ينتج عنه انجذاب نحو الشهوة وعدم الشبع منها فيزداد أكثر: من شهوة إلى شهوة، حتى تسيطر الخطية على عقله وإرادته ومشاعره فتنتج فيه موتاً وهو حي وموتاً جسدياً.

 

بعد أن تشبع كيان الإنسان بالانجذاب نحو الشرّ والعدم، قدم الله له الناموس كبداية بحسب التدبير الإلهي، فقد كان الإنسان وقتها كأعمى تائهاً يتلمس طريق الحق والنور، فجاء إليه الصوت الإلهي المرشد عن طريق الناموس، لكنه يأتي من بعيد، من بعيد جداً. فالناموس من وضع إلهي، وكان القصد منه أن يُقنن مسيرة الإنسان في الحق والبرّ والعدل والقداسة. ولكن الناموس وقف عاجزاً مشلولاً تماماً عن تأدية دوره بسبب طبيعة الإنسان المنجذبة للشرّ بصورة متواتره.

 

وبحسب القديس كيرلس الأورشليمي إن كل هذه الجراحات والنتائج التي حملتها الطبيعة البشرية صارت حديث الأنبياء وصراخهم بطول العهد القديم إلى الله ليخلصهم من هذا الفساد الذي تغلغل في الكيان البشري، ويعلق على ذلك القديس كيرلس الأورشليمي قائلاً: ما أعمق جرح الطبيعة البشرية “من القدم إلى الرأس. ليس فيه صحة، ليس من يقدر أن يستخدم دهناً أو زيتاً أو عصائب” (راجع إشعياء 1: 6).

 

لذلك ولول الأنبياء قائلين: “هل من صهيون خلاص إسرائيل؟!”… كما يتضرع أحد الأنبياء فيقول: “يا رب طأطئ سماواتك وانزل” (مزمور 144: 5). إن جروح الطبيعة البشرية لا تلتئم. “نقضوا مذابحك، وقتلوا أنبياءك” (1ملوك 19: 10)، وصرنا عاجزين عن إصلاح الشرّ، محتاجين إليك لتصلحه [20]. ويعلق الأب تادرس يعقوب: هذه هي ثمار استقلال الإنسان بذاتيته، وانفصاله عن الله.

 

لقد غلظ قلبه، وتشوهت نظرته ومفاهيمه. “القلب أخدع من كل شيء، وهو نجيس من يعرفه” (إرميا 17: 9). وكما يقول المرتل: “زاغ الأشرار من الرحم، ضلوا من البطن، متكلمين كذبًا” (مزمور 58: 3)، ويؤكد الرسول بولس “إذ هم مظلمو الفكر، ومتجنبون عن حياة الله لسبب الجهل الذي فيهم بسبب غلاظة قلوبهم” (أفسس 4: 18) [21].

[1]اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر. ج1. المطران كيرلس سليم بسترس. ص 114 ، 115. catechesesbabtismales , iii , 5 – 6 , dans sources chretiennes n . 50 , pp 153 , 154

[2]Commentary on Epistle to the Romans. PG 64, 788f

[3] Commentary on Epistle to the Romans. PG 64, 785f ، الطب النفسي الارثوذكسي .ايروثيئوسفلاخوس . ص 29 

[4] الأب متي المسكين . القديس بولس الرسول ، حياته . لاهوته . أعماله ، ص 234

[5] الأب متي المسكين . القديس بولس الرسول ، حياته . لاهوته . أعماله ، ص 235

[6] الأب متي المسكين . القديس بولس الرسول ، حياته . لاهوته . أعماله ، ص 234

[7] د/ عدنان أديب طرابلسي ومجموعه من العلماء واللاهوتيين الارثوذكس . سألتني فأجبتك الجزء الاول . ص 289

[8] القديس يوحنا ذهبي الفم. عظات علي سفر التكوين. ترجمة د/ جورج فرج ومراجعة د/ جورج عوض إبراهيم . ص 90

[9] الفكر اللاهوتي عند القديس بولس الرسول. ج1 . للدكتور موريس تاوضروس استاذ العهد الجديد واللغة اليونانية. ص 97

[10] أنظر السجود والعبادة بالروح والحق، المقالة الثالثة، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية.. وأيضاً جلافيرا تعليقات لامعه علي سفر التكوين ترجمة د / جورج عوض إبراهيم 

[11] تجسد الابن الوحيد. ترجمة د / جورج حبيب بباوي. إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية. فقره 1

[12] حوار حول الثالوث. ترجمة د / جوزيف موريس فلتس.  ج 6 ح 7 ص 55

[13] Concerning the Statues, homily 11.

[14] الحب الالهي. الأب تادرس يعقوب مالطي . ص 127

[15] عظات القديس مقاريوس 1: 7 ، ترجمة د / نصحي عبد الشهيد ، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية

[16] الاقتباس ـ لم يذكر مصدره ـ وهو ليس اقتباسًا من الكتاب المقدس، والقصد منه، على أية حال، هو إعطاء فكرة التغطية الكلّية بالملابس.

[17] عظات القديس مقاريوس 2: 1

[18] عظات القديس مقاريوس 4 : 8 

[19] عظات القديس مقاريوس 1 : 5

[20] القديس كيرلس الأورشليمي. حياته، مقالاته لطالبي العماد، الأسرار. تعريب الاب تادرس يعقوب مالطي إصدار كنيسة مارجرجس اسبورتينج. ص 169

[21] الحب الإلهي. الأب تادرس يعقوب.  ص 197

الخطية الأصلية الجدية – مفهومها ونتاجئها – أمجد بشارة

Exit mobile version