جوهر الحياة المسيحية ج3 سر الله وسر الإنسان

جوهر الحياة المسيحية ج3 سر الله وسر الإنسان

للرجوع للجزء الثاني أضغط هنا.

 

تابع – سلسلة معرفة النفس ومعرفة الله

 

3- سرّ الله وسرّ الإنسان (1)

 

س: من أنا ومن أنت ؟ من أين أتينا ؟ إلى أين نذهب ؟
سؤال مطروح للجميع، ومن منا يستطيع أن يجاوب !!!

 

مَن يعي نفسه ويكتشف حقيقتها يستيقظ فجأة ليرى الحقائق أمام عينيه ساطعة كشمس النهار، ويحيا حياة الهدوء والسلام العميق والسعادة في ملئها، وفي أشد الظروف قسوة يصبر ويعبرها بسلام ونظره مُعَلَّق على مجد القيامة الذي لا يزول متيقن أن وراء الصليب حتماً قيامة…

 

 

في أعماقنا – إن دققنا – يوجد حنين جارف وشوق عظيم جداً وجوع لمعرفة الله والقرب منه للشركة معه …

 

لذلك – لو كنا أمناء – نظل نفتش ولسان حالنا: أين الطريق وكيف نسير ؟

 

وأحياناً نُريد أن نعرف أنفسنا ونفهمها ! لأننا نقع في حيرة من أمرنا إذ نجدنا تارة نريد أن نتوب ونقترب من الله جداً، وأحياناً أخرى نسير وراء الشهوة والخطية بكل جموح وعدم انضباط ونصير مثل مجنون مسك سيف وظل يطعن به نفسه !!!؛ وأحياناً أُخرى نبقى في حالة وسط لا نريد خطية ولا برّ، بل في ضيق وقلق دون أن نفهم السرّ، وفي النهاية كلنا في داخلنا صارخين بحزن: ماذا نُريد ؟ وإلى أين نذهب ؟ وكيف نسير ؟ ونأن في أنفسنا ونصرخ كيف نعرف أنفسنا ونفهمها ؟

 

 

ولكننا كثيراً ما نشعر بانقسام داخلي بين معرفتين، وهي إما أن نعرف الله فنكره أنفسنا ونبغضها جداً ونصير في خصومه معها لأننا نجدها تحرمنا منه بجموحها وعدم قدرتها على الثبوت في حالة التوبة بالبرّ ومخافة الله !!!…
أو قد نعرف أنفسنا في ذاتها فنبتعد عن الله إذ نجده مانع عظيم أمام طموحنا ورغباتنا وأحلامنا، وقد نتخذ الآية حصن لنا وحجة دامغة على ذلك المفهوم: [ وقال للجميع إن أراد احد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم و يتبعني ] (لوقا 9: 23)

 

فنجد صعوبة في التوفيق بين المعرفتين، فنجد أنفسنا بين أربعة أمور:

 

1- إما أن نتخلى عن أنفسنا وأحلامنا ورغباتنا ونعرف الله.
2- أو نتخلى عن معرفة الله ونتنازل عن وصاياه لنعرف أنفسنا ونحقق كل رغباتنا بشتى الطرق وبقدر الإمكان، ونتعمق في أمور هذا الزمان ونأخذ منه على قدر طاقتنا ونغرف من بحور الشهوة، أو حتى ندخل في السعي للغنى بشعف حتى أننا نبيع كل شيء ونُضحي حتى براحتنا وأعز من نملك بل وقد نضحى بصداقتنا وأهلنا من أجل أن نصل لغايتنا.
3- أو نقف في حالة وسط ونحاول أن نوفق بين الأمور ونمسك العصا من المنتصف فتقلق أكثر ونصير في اضطراب عظيم وخلل نفسي فائق… 
4- أو نكون في حالة سلبية ولا مبالاة، ولا نتخذ أي قرار ونترك الأمور على ما هي ونتركها للظروف تسير كيفما شاءت !!!
ولكن بعبارة واضحة مختصرة وصريحة يقول القديس الأنبا انطونيوس الكبير: [ من عرف نفسه عرف الله، ومن عرف الله يستحق أن يعبده بالروح والحق ]

 

وهنا يكمُن سرّ الله وسرّ الإنسان، كيف ؟!!!

 

[ فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكراً وأنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم أنموا وأكثروا واملئوا الأرض .. ] (تكوين 1: 27 – 28 )

 

قبل السقوط نجد إن الإنسان – بطبيعة تكوينه وصورة الله المخلوق عليها – كان في حالة من الانسجام التام مع الله ومع نفسه، ولا يوجد خصومة أو تعارض بين رغباته وإرادته وإرادة الله، بل هناك انسجام واضح في لقاء حي مع الله والتعلَّم منه …

 

ويشرح القديس غريغوريوس النيصي سرّ حنين النفس وشوقها لله قائلاً: [ إذا كان الإنسان قد دُعيَّ للحياة ليكون شريكاً في “الطبيعة الإلهية”، فلا بدَّ أن يكون تكوينه أساساً يؤهَّله لهذه المشاركة …

 

كان من الضروري أن شيئاً من المماثلة الإلهية يُمزج بالطبيعة البشرية حتى تجعله هذه العلاقة يميل إلى ما تمُت إليه.. من أجل هذا وهب للإنسان كل السجايا الجديرة باللاهوت، حتى يتوق كل من هذه الفضائل (الحكمة ، البصيرة … الخ) إلى مثيله في الله. ولأن الأبدية ملازمة للاهوتية على الإطلاق، كان لابُدَّ من أن لا تُحرم منها طبيعتنا، بل أن تُذوَّد بعنصر الخلود.

 

وبفضل هذه الهبة الممنوحة، نجدها – النفس – مشدودة دائماً إلى ما يفوق قامتها، يحدوها دائماً الحنين إلى الأبدية. هذا ما تُشير إليه رواية خلق الإنسان في عبارة واحدة جامعة شاملة عندما تقول أن ” الإنسان عُمل على صورة الله ” (تكوين 1: 26 ) ] 
والقديس أثناسيوس الرسولي يعلّق على نفس الآية شارحاً معنى صورة الله في الرسالة عن الروح القدس قائلاً: [ يعني أن نفهم الإنسان باعتباره أبناً لله في الابن الحقيقي ]

 

  • من هنا نستطيع أن نعي، أنهُ ينبغي أن نقوم برحلة، وهي أن نغوص في داخل أنفسنا، ولنصغي لكلمات القديس مقاريوس الكبير: [ إن المسيحيين يعرفون جيداً أن النفس هي أثمن من جميع الأشياء المخلوقة، فإن الإنسان وحده هو الذي صُنع على صورة الله ومثاله… الإنسان هو أعظم قدراً… فهو وحده الذي سُرَّ به الرب… فتأمل في كرامتك وقدرك العظيم، حتى أن الله جعلك فوق الملائكة، لأنه لأجل معونتك وخلاصك جاء هو بنفسه شخصياً إلى الأرض. ] ( عظة 15: 43 )

 

الحقيقة أن الإنسان موضوع سرور الله وسرّ شبع ربنا يسوع – حسب التدبير – وقد أظهره بمعنى بديع في الكتاب المقدس عند لقاؤه بالسامرية: فقال لها يسوع أعطيني لأشرب، لأن تلاميذه مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعاماً، فبعد لقاء السامرية أتى التلاميذ بالطعام [ … سأله تلاميذه يا مُعلم كُل. فقال لهم أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم، فقال التلاميذ بعضهم لبعض: ألعل أحد أتاهُ بشيء ليأكل. قال لهم يسوع: طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمم عمله ] ( أنظر يوحنا 4: 31 – 34 )

 

  • فلننتبه لأننا أمام سرّ متبادل عظيم للغاية إن أدركناه بالقلب سنلقي أنفسنا على شخص المسيح الحلو ولن نصدق عدو الخير أو نتمسك بالخطية، بل سنتوب بسهولة ونشبع بلقاء الرب المبدع والمريح للنفس فعلاً وعلى مستوى خبرة اللقاء الحي بشخصه الرائع، فهنا نحن أمام سرّ عظيم متبادل بين طرفين، أي بين الله والإنسان، فالإنسان هو شبع الله وفرح قلبه وموضوع مسرته، والله أيضاً شبع الإنسان الحقيقي وفرح قلبه وسعادته الداخلية، ويُعبَّر عن ذلك القديس أغسطينوس قائلاً [ خلقتنا لأجلك (لذاتك)، وقلوبنا لن تجد راحتها إلا فيك…

    سأطلبك ربي داعياً إياك، وسأدعوك مؤمناً بك، لأنك لنا كرزت. سيدعوك ربي إيماني؛ إيماني الذي وهبتني إياه، ألهمتني إياه في تجسد ابنك ] (اعترافات القديس أغسطينوس ترجمة برتي شاكر – الطبعة الثالثة ص 7)

 

من هنا نقدر أن نميز ونعي تمام الوعي، لماذا يُفتش الله عن الإنسان باستمرار وإصرار مهما كانت خطاياه فادحة وعيوبه خطيرة، وهذا ما نلاحظه في جلوسه مع الخطاة والأثمة كما حدث مع المرأة الخاطئة والسامرية وغيرها، ونتحسس موضوعنا وسطهم … وندرك أيضاً لماذا يُفتش الإنسان عن الله بحنين وشوق داخلي يظهر في كل الديانات !!!

 

فمنذ السقوط ونسمع قول الله [ آدم أين أنت ] !!! (أنظر تكوين 3: 9)

 

وأيضاً نجد صوت الإنسان يصرخ في عبادة الله بطرق مختلفة، عله يجد الطريق، وهو يُعبر بطريقة ضعيفة بأنين داخلي [ أين أنت يا الله ]:
[ أين الطريق إلى حيث يسكن النور ] (أيوب 38: 19) 

[ صارت لي دموعي خبزا نهاراً وليلاً إذ قيل لي كل يوم أين إلهك ] (مزمور 42: 3)

 

[ ثم ذكر الأيام القديمة موسى وشعبه أين الذي أصعدهم من البحر مع راعي غنمه أين الذي جعل في وسطهم روح قدسه ] (أشعياء 63: 11)

 

[ تطلع من السماوات وانظر من مسكن قدسك ومجدك أين غيرتك وجبروتك، زفير أحشائك ومراحمك نحوي (هل) امتنعت !!! ] (أشعياء 63: 15)

 

  • وفي قمة صراخ الإنسان وعوزه نجد ما يذهلنا جداً، ففي وسط التفتيش المتبادل بين الله والإنسان، وفي صميم فشل الإنسان الأكيد للوصول إلى الله ومعرفته الحقيقية في حياة الشركة وعلى مستوى المعاينة بالرؤية، ربط الله بملء محبته المتدفقة نحو محبوبة الإنسان مصيره بمصيرنا، ليحدث اللقاء، فنجد الله، أو بمعنى أدق الله يجدنا، ويلتقي بنا مثل ما فعل مع السامرية: [ لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون لهُ الحياة الأبدية ] (يوحنا 3: 16)

 

نستطيع الآن أن نفهم ما هو سرّ المرض الإنساني على ضوء ما شرحناه سابقاً: فالإنسان المريض روحياً والمتعب في داخله – وهذا التعب ينعكس على كل أعماله التي تظهر قلق قلبه المستتر – هو إنسان تاهت منه نفسه وقد انغلقت على نفسها – انعزلت – وأخفت سرها، فتاه معها حل مشكلته الحقيقية المخفية فيه !!!

 

  • ويقول القديس مقاريوس الكبير [ أن العالم الذي تراه من حولك، ابتداءً من الملك حتى الشحات جميعهم في حيره واضطراب وفتنة، وليس أحد منهم يعرف السبب في ذلك، مع أن السبب هو ظهور الشرّ الذي دخل الإنسان … وأعني به شوكة الموت ] (عظة 15: 49)

 

لقد تشتتنا في هذا العالم المضطرب وعيشنا الجسدي، وحملنا كل هم وغم في أنفسنا، وانطمست المعالم الإلهية فينا، والموت أصبح يسري في داخلنا بسبب سلطان الأهواء الذي يعمل في أعماق قلوبنا من الداخل، حتى صارت ثمارنا فاسدة [ كذب ونفاق وذات وكبرياء وتعصب… وغيرها من الأمور الناتجة من سلطان الخطية والموت ]…

 

إننا نجد الإنسان بتاريخه الطويل والمتعب، قد انغمس في هموم الدنيا والخطية والشهوة وتعظم المعيشة، وتعظيم الذات التي أصابته بالعمى ولهته عن التفتيش الدائم عن الله القدوس مُحيي النفس، فقد نسى الإنسان نفسه ولم يعرف حقيقتها ولم يعرف مصيره: [ أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب. وأما أنتم فلا تعلمون من أين آتي ولا إلى أين أذهب ] (يوحنا 8: 14)

 

لقد ضاعت كرامة الإنسان وإنسانيته التي لن يقدر على تحقيقها إلا في الله، وضاعت في التشتت والتفتت والانقسام، وصار صراخه عبر التاريخ الإنساني كله: ما هو الحل ؟!!!

 

وسوف نتحدث في الجزء القادم عن الحل وهو [ العودة للنفس ومعرفة الله ]

جوهر الحياة المسيحية ج3 سر الله وسر الإنسان

لاهوت الخبرة وسرّ الإيمان الحقيقي.

اللاهوت هو كل ما يختص بالله ومعرفته كشخص حي وحضور محيي. واللاهوت في حد ذاته ليس علماً أو معرفه تخضع لتسلسل الفكر أو منطقه، أو لمن له القدرة على الاستيعاب والقدرة على الحفظ والاستذكار !!! أو هو علم دراسي أو مدرسي مطروح للمناقشة ومتروك للحجة والبرهان، فمن هو برهانه أقوى هو الدارس والواعي للفكر اللاهوتي السليم !!!

فاللاهوت ليس معلومات عن الله، والمصطلحات اللاهوتية فيه تُأخذ وتحفظ وتُطرح لمجرد مناقشة بالحجة وبرهان الفكر العقلي والعلمي وبراعة الأشخاص في جريان الحديث وسياقه المتزن وقدراتهم على المناقشة والحوار وقدرتهم على الإقناع، ولكنهُ خبرة ما يفوق العقل أي إشراق النعمة على عقل الإنسان فيصير المصطلح اللاهوتي نور النفس وإشراق للعقل، وحب عميق لله الحي وتذوق قوة الحق في المحبة الإلهية، فيصبح عقل الإنسان مستنير بنور الله، بل والنفس أيضاً تشع نوراً، فتتحول المصطلحات اللاهوتية من مجرد معلومات وأفكار عن الله إلى إشراق نور النعمة وفرح القلب الذي رأى الله في داخله ففرح..

وعلى ذلك لنا أن نُدرك أنه ليس لاهوتياً من يحمل شهادة من معهد لاهوتي،(1) فاللاهوتي – في الأساس –إنسان يتنفس نسائم الحياة في محضر الإله الحي، يعيش في لقاء دائم ومستمر، فيستنير ويزداد نور من الله الذي يشرق على قلبه وفكره بنوره الحلو، ويمتلئ من حياته ويشعر بقوة غلبة الموت ويتذوق خبرة التغيير والتجديد المستمر الظاهر في التغلب على ضعفاته بسهولة لأنه ينال دائماً قوة من الله في هذا اللقاء المجيد المُحبب لنفسه…

والحياة مع الله حياة توبة في عمق المحضر الإلهي، أي أن اللاهوتي من يقرب لله بالتوبة ويحياها، فالتوبة ليس علم مدرسي لاهوتي نتكلم فيه عن لاهوت التوبة في حياة الإنسان كفعل مجرد من حضور الله، بل اللاهوتي الحقيقي هو من يقرب من محضر الله فيرى نفسه ظلمة إذ يرى قلبه في نور وصية الله حسب توجيه الروح القدس في تلك الساعة، وبذلك يستطيع ان يُصلي حسب حاجته الحقيقية، إذ يطلب النور الإلهي أن يشرق على قلبه فيتغير ويصبح إنساناً نورانياً، وتنحل الظلمة فيه بسهولة بقوة نور الله الحي الطارد كل ظلمة ومبددها، وبذلك يصبح الله على مستوى الواقع المُعاش بالنسبة له هو [ النور الحقيقي الذي يُنير كل إنساناً آتياً إلى العالم ] (يوحنا 1: 9)

طريق معرفة الله أو التكلم بالإلهيات هوَّ التأله نفسه أي اتحادنا بالكلمة أي بشخص المسيح كلمة الله (2) ولذلك أعطت الكنيسة اسم لاهوتيين إلى أشخاص لم يدخلوا معاهد جامعية مثل:
القديس يوحنا الرسول، والقديس بطرس الرسول، والقديس الأنبا أنطونيوس الكبير، والقديس مقاريوس الكبير… وغيرهم الكثيرين جداً من الذين امتلئوا من الروح القدس وتشبَّعوا من النور الإلهي الذي أشرق عليهم بإشراق نوره البهي، فهم لم يدخلوا مدراس أو منهجوا الكتاب المقدس ووضعه له قواعد مدرسية للقراءة والحفظ للتسميع أو لتخريج جماعة من اللاهوتيين يحفظون منهج ولهم قدرة على النقاش لإقناع الآخرين بالحقيقة !!!

فمثلاً حينما نتعرف على صلاح الله، لا نقدر أن ندرس الصلاح كمنهج مدرسي ونطلق نظريات وأفكار من جهة معرفتنا بالصلاح، فالعبارات – في الكنيسة وعند آباءها – لم تكن مجرد وصف لصلاح الله دون أي علاقة بيننا وبينه (أي نظرية وفكر ومناقشة فلسفية عن الصلاح)، فنحن في الكنيسة من منطلق العلاقة أي علاقة الله بنا وإعلانه نقدر أن نصف الصلاح بطريقة عميقة، لأننا تذوقنا صلاحه في حياتنا على المستوى الشخصي !!!

فالكلمات أو العبارات التي نََّصف بها الله أنه ” الأكثر صلاحاً ” أو ” الأكثر حضوراً “، ” عظمتك مختبئة فيك “، ” المتعجب منه بالمجد “.. كلها تعبيرات تأتي من خبرة قرب الله منا وقربنا منه، أي رؤيته كشخص حي وحضور مُحيي يكشف عن ذاته ويُعلنها لنا بالسرّ في داخل القلب وباستنارة الذهن والعقل معاً…

وعبارة الأكثر: ( أي الأكثر صلاحاً، الأكثر حضوراً … الخ ) هيَّ نفي وإيجاب في آنٍ واحد، فهيَّ تحمل نوعاً ما من وصف لمن لا يُمكن إدراكه، وصفاً يقع في خبرة تُنشئ الوحدة.
فنحن نقر بحقيقة الله بقربه منا فنراه صالح، ولكننا حينما نقترب إليه نجده صالح ليس على مستوى علمنا ومعرفتنا بل نجده يفوق في صلاحه كل ما نعرفه عن الصلاح فيصير لنا أكثر من صالح، لذلك ندعوه بأنه أكثر صلاحاً، وهذه اللفظة لا يُمكن أن تخرج من قلبنا 
إلا إذا اقترب منا الله واقتربنا منه، وهذه هيَّ حياة الخبرة الشخصية

عموماً كلّما اختفى الله في سمو كيانه، أي عدم إدراكي الشخصي له على مستوى الفحص العقلي حسب إمكانياتي أنا، أو يحسب إمنكانياتي البشرية الضعيفة ومجهودي الخاص، أمكن اختباره في قُربه الداخلي بصفته حاضر وقريب، متجسد، ولكنه في داخلي يُنير عقلي ويشُدني إليه: [ والكلمة صار جسداً وحل بيننا (فينا) ورأينا مجده .. ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا نعمة فوق نعمة ] (يوحنا 1)

هذا هوَّ المقصود بالمصطلحات اللاهوتية، أي هي الذي نُعبر بها عن إيماننا الحي ذو الخبرة الواعية بالله بقربه منا وقربنا منه في سر استعلانه الخاص، وهذا يسمى لاهوت الخبرة !!!
وإزاء هذا اللاهوت نجد إننا لا بُدَّ أن نَعبُرّ هِوة سحيقة بين المحدود وغير المحدود، بين الزمني ومن هو فوق الزمن، بين المُعبرّ عنه وغير المُعَبرّ عنه،
 فنلتقي بالله في انسجام بواسطة المسيح الرب في الروح القدس، وهذا هوَّ قصد الآباء في مصطلحاتهم التي نطقوا بها وعبَّروا عن الله وعمله الحلو كخبرة تذوقوها وعاشوا بها. فمثلاً عندما يُعَبرّ القديس كيرلس الكبير عن التجسد قائلاً: ((اللاهوت اتحد بالناسوت بطريقةٍ ما، بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير)) فلا يُمكن أن نسبُر غور التجسد ونفهم هذا الاتحاد بحسب قصد القديس كيرلس الكبير، إلا بالعبور، العبور من عالم إلى عالم، من الذي يُرى إلى الذي لا يُرى، فنُدرك العمق بالمشاهدة السرية الفائقة الشرح، وهذه المشاهدة هيَّ الإيمان عينه:
[ الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فإن الحياة أُظهرت وقد 
رأينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نُخبركم به لكي يكون لكم أيضاً شركة معنا. وأما شركتنا نحن فهيَّ مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ونكتب إليكم هذا لكي يكون فرحكم كاملاً ] (1يوحنا 1: 1-4)

وهكذا يكون المسيحي الحقيقي، الذي يعيش الفضائل الإلهية وحياة التقوى، الإيمان والرجاء والمحبة، يشتاق ويستمرّ في الشوق لمعرفة خبرة أدق بالله، تحوَّله من الداخل، وتوطّد اتحاده بالله، وتجعله بالتاليأقدر على المحبة. وإذ يسعى ليجد الله، الله هوَّ الذي يجده؛ وإذ يسعى إلى الحقيقة الإلهية فهيَّ التي تسود عليه وترفعه إلى مستواها …
لِذلك يقول القديس إغريغوريوس النيصي: (( أن تجد الله يعني أن تبحث عنه بلا انقطاع .. والحقّ أن من لا يشبع من الشوق إلى الله فهوَّ الذي يعرف الله .. فالله هوَّ من يُبحث عنه أبدا ))

عموماً وباختصار:
إن لاهوت الخبرة – أي علاقتنا مع الله الحي – هوَّ الذي يُعلّم الموقف الصحيح الذي يجب أن يقفه كل لاهوتي أي كل من يؤمن إيمان حقيقي؛ فإننا لا نتفلسف ونُصيغ عبارات ونضع قوانين وإنما نتحول أينتغير، وهذا التحول أي التغيير الدائم يكون لصورة الله، أي التشبع بشخص الكلمة حتى نصير معهُ واحداً : ” نتغير لتلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح “ (حسب قول القديس بولس الرسول)
وفي هذا التحول المستمرّ الدائم، يُشاهد الإنسان بعقل مستنير بنور الحق الإلهي: الثالوث القدوس الواحد الوحيد الله محب البشرّ، أي يرى الله ثالوث وأيضاً يراه الله الواحد في أنٍ معاً، هذا الذي من شأنه أن يبقى خفياً في تجليه لذاته !! 
وهذه الخبرة اللاهوتية لا تُمارس إلا بالصلاة التأملية الرؤيوية التي هيَّ ثمرة الإيمان والمحبة !!
إلاَّ أنها أي الصلاة ، تُغذي بدورها هاتين الفضيلتين وتقوياهما (الإيمان والمحبة)، وبالتالي تزداد الصلاة كمالاً، حتى تُصبح النفس أقرب إلى الله. لأن في الواقع اللاهوتي الحقيقي هو أن الإنسان الذي يُخاطب اللاهوت ويمتلئ بالله هو الإنسان اللاهوتي الحقيقي، وهذا هو الطريق الوحيد بل والمنهج الأصيل للاهوتيه…

لكن هذا الأمر – بالطبع – لا يتمّ أبداً بفعل جُهد الإنسان وقدراته وذكائه ولا كثرة معارفة وقراءاته، بلّ بفعل الروح القدس وحده، الذي يُحوّل النفس المؤمنة من الداخل ويُغيرها على صورة المسيح الرب، وهيَّ بدورها (أي النفس) تطيع عمل الروح القدس بمساهمة حُرة ومسئوله.

والكل ( في الكنيسة من اصغر صغير لأكبر كبير فيها ) يشترك في هدف واحد هوَّ الامتلاء من الله والاتحاد به، عن طريق الصلاة التي لا يُمكن لغيرها أن يُهيئ قلب ووجدان الإنسان لاستقبال شخص الله الكلمة، والصلاة بعمقها هذا تبقى مرتبطة بالحياة والعمل، وليست تهرباً من الواقع والمسئولية: فهيَّ إذ توحدنا بالله، تجعلنا أكثر قدرة على محبة جميع الناس مهما كانوا وأينما كانوا، وأكثر قدرة على العمل وبناء المجتمع برؤية ومحبة عميقة ..
هذا هوَّ عمق الإيمان العقائدي، الذي يضع مسئولية على عاتق كل مسيحي إذ ينبغي أن يكون ذاك الوجه الذي يظهر به الله اليوم لبني جيلنا هذا.. 


____________
(1) طبعاً الدراسة مهمة للذين وهبهم الله حب الدراسة وقراءة الكتب بوعي وإفراز وتمييز وإدراك روحي بنور الحق، ولكن من المهم هوَّ أن لا تكون الدراسة مجرده من الإيمان العامل بالمحبة وعمل الله وإشراق النعمة على القلب والفكر، فمباركة هي الدراسة التي تُمزج بالإيمان ومحبة الرب من كل القلب والفكر والوجدان فالمصطلح اللاهوتي لن يبقى حبيس العقل بل سيتحول لقوة نور إلهي يفتح البصيرة ويقوي النفس ويُشعل الحب ليس فقط للإنسان الدارس بل لكل من يرى فيه نور النعمة..
(
2) وطبعاً المقصود هوَّ أننا نصير مع الله واحد وليس تحول جوهرنا الإنساني إلى جوهر الله أو تحول طبيعة الله إلى طبيعتنا. والله أعطانا طريقة الاتحاد به وهوَّ من خلال أروع سرّ أعطاه لنا هو سرّ الإفخارستيا وسرّ الكلمة.

Exit mobile version