مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – نوفمبر 2023م

 

مونارخية الآب في الدراسات الأكاديمية – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفهرست

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري.. 1

العلامة كليمندس الإسكندري.. 1

الآب هو علة الابن.. 1

العلامة أوريجينوس الإسكندري.. 5

الابن يأخذ من الآب ما هو عليه. 5

الآب هو بداية الابن.. 6

الابن يأخذ كيانه من الآب بلا بداية أو زمان. 7

الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس… 8

الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث.. 9

ق. ديونيسيوس الإسكندري.. 11

الابن والروح القدس متحدان في الآب الرأس… 11

إكرام الابن للآب كرأس له. 12

الآب هو مصدر الابن.. 13

الآب هو نبع الابن.. 14

العلامة ديديموس الضرير. 16

خروج الابن والروح القدس من الآب.. 16

ق. أثناسيوس الرسولي.. 17

الآب هو أصل الابن ووالده. 17

الله الآب هو الينبوع الأزلي لحكمته الذاتية. 18

الآب هو البدء والينبوع.. 18

ق. كيرلس الإسكندري.. 20

الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث.. 20

الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية. 21

الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية. 21

الآب هو أصل الكلمة الخالق.. 22

الآب هو الجذر والينبوع للابن.. 23

الآب هو البداية الأزلية للكلمة. 23

الآب هو بداية الابن.. 24

الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعي منه. 24

الخلاصة. 27

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري

سوف نستعرض في هذا البحث الموجز الإشارات إلى مونارخية الآب في تعليم وكتابات آباء كنيسة الإسكندرية في حقبة ما قبل نيقية وحقبة نيقية وما بعد نيقية، وذلك من أجل الوقوف على أفضل تصور حول مفهوم المونارخية في الثالوث، وهل كان يؤمن آباء الإسكندرية بمونارخية الآب أم بمونارخية الثالوث، كما يدَّعي بعض الباحثين في العصر الحديث؟

العلامة كليمندس الإسكندري

الآب هو علة الابن

يشير العلامة كليمندس الإسكندريّ إلى العلاقة العلية والسببية بين الآب والابن، فلا يسبق الابن الآب كالتالي:

”وكل سبب يُدرَك كسبب بالعقل، ينشغل بشيءٍ ما، ويُدرِك صلته بشيءٍ ما. أي أن البعض يُؤثِّر، كما السيف في القطع. ولبعض الموضوعات، كتلك التي لها استعداد، كما النار في الخشب، لأنها لن تحرق الصُلب. والسبب يخص الأشياء التي لها علاقة بشيءٍ ما. لأنه يُدرَك بعلاقته بشيءٍ آخر، حتى أننا نستخدم أذهاننا في الاثنين، لكي نتصوّر السبب كسبب. نفس العلاقة نجدها في الخالق، والصانع، والآب. فالشيء ليس سببًا لذاته، ولا المرء أبًا لنفسه. لأن الأول سيصير الثاني. الآن، السبب يعمل ويُؤثِّر. فالمنتج بالسبب هو مفعول ومُتأثر. ولكن نفس الشيء عندما يُؤخَذ في حد ذاته لا يمكن أن يكون فعلاً ومُتأثرًا، ولا يمكن أن يكون ابنًا وأبًا. وإلا يسبق السبب ما قام به، كأن [يسبق] القطع السيف. ونفس الشيء لا يمكن أن يسبق في نفس اللحظة، كما للمادة كسبب، وفي نفس الوقت أيضًا، تكون بعد ولاحقة لأثر السبب. والآن تختلف الكينونة عن الصيرورة، كما السبب عن الأثر، والآب عن الابن. لأن نفس الشيء لا يمكن أن ’يكون‘ وأن ’يصير‘ في نفس اللحظة. وبالتالي، هو ليس سببًا لنفسه. فالأشياء ليست أسبابًا لبعضها البعض، ولكنها أسبابٌ لكلٌّ من الأخرى“.[1]

ويستطرد العلامة كليمندس الإسكندريّ في نفس السياق مؤكدًا على أن الآب هو العلة الأبعد وأبو الكون، وهو الأقدم والأكثر خيرية للجميع كالتالي:

”إذًا، هدفنا هو إثبات أن الغنوسيّ وحده قديس وتقي، ويعبد الإله الحقيقيّ بطريقةٍ جديرةٍ به. وأن هذه العبادة المقدَّمة لله، يتبعها حب [الله] وحب من الله [له]. […] يكثرث بالفلسفة الأكثر قدمًا، وبالنبوة الأولى. ومن بين الأفكار المعقولة، [يكترث] بما هو أقدم في أصله، وبالمبدأ الأول الذي بلا زمن أو نشأةٍ، [الذي] هو بادئ الوجود – الابن – الذي منه يتعيَّن أن نتعلَّم العلة الأبعد، أبُ الكون، الأقدم والأكثر خيرية للجميع، غير القابل للتعبير عنه بكلامٍ، ولكن يُبجَّل بالتبجيل والصمت، والعجب المقدَّس، ويُبجَّل بأقصى درجة. ويُعلَن عنه بواسطة الرب، بقدر ما يكون أولئك الذين تعلَّموا قادرين على الإدراك والفهم، مِن أولئك الذين أختارهم الربّ للمعرفة، ’الذين صارت لهم الحواس مُدرَّبةً‘، كما يقول الرسول“.[2]

يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ أن الآب هو العلة الأولى لجميع الأشياء التي تتمُّ بواسطة الابن قائلاً:

”وبشكلٍ عامٍ، كل الفوائد الخاصة بالحياة، في أقصى تعقل لها، تنبع من سلطان الله، الذي هو الآب للجميع، وتتمُّ بالابن، الذي هو أيضًا، بسبب كُونه ’مخلِّص جميع الناس ولا سيما المؤمنين‘، كما يقول الرسول (1تي 4: 10)، أقرب إلى العلة الأولى، أي إلى الربّ [الآب]“.[3]

ويشير العلامة كليمندس إلى أن الآب هو علة كل شيء جيد، وأنه ملك الكل، وأن الابن هو الثاني، وكل شيء به كان بحسب إرادة الآب، والروح القدس هو الثالث، وكل شيء به كان وفقًا لإرادة الآب قائلاً:

”حتى أنه عندما يقول: ’حول ملك الكل، كل شيء يوجد، وبسببه كل شيء. وهو علة كل الأشياء الجيدة. وحول الثاني الأشياء الثانية في الترتيب، وحو الثالث الثالثة‘. فإنني لا أفهم شيئًا آخر سوى أن المقصود هو الثالوث القدوس، لأن الثاني هو الابن الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب، والثالث الروح القدس، الذي به كان كل شيء وفقًا لإرادة الآب“.[4]

العلامة أوريجينوس الإسكندري

الابن يأخذ من الآب ما هو عليه

يشير العلامة أوريجينوس في إشارة إلى مونارخية الآب، أن الابن الوحيد المولود من الآب، يأخذ منه ما هو عليه، دونما أي بدء زمنيًا كان أم تعليليًا كالتالي:

”لهذا، نعلم أن الله هو أبدًا أب لابنه الوحيد المولود منه، والآخذ عنه ما هو عليه، دونما أيّ بدء، زمنيًا كان أم تعليليًا، مما يقدر العقل وحده أن يتمثله في ذاته ويُمحِّصه في فهمه المجرَّد، إلى حدّ ما، وفي تفكيره“.[5]

ويؤكد العلامة أوريجينوس على المفهوم السابق في موضع آخر، حيث يشير إلى أن الابن يستمد من الآب كل ما هو عليه، إذ لم يكن هناك وقت لم يكن الابن في الآب، داحضًا بذلك المزاعم الآريوسية بأن هناك وقت كان فيه الآب بدون الابن كالتالي:

”وهو [الابن] – كما يقول الكتاب – بخار قوة الله الأولى وغير المولودة، يستمد منه كل ما هو عليه، إذ لم يكن حينٌ لم يكن فيه“.[6]

الآب هو بداية الابن

يوضح العلامة أوريجينوس أن الابن هو بخار قوة الله، وإنه كان هكذا على الدوام، ولم يكن للابن بدءًا آخر سوى الله الآب نفسه كالتالي:

”يُبيِّن هذا أن بخار قوة الله هذا كان دائمًا ولم يكن له بدء ما خلا الله نفسه. إذ لا يليق، في سائر الأحوال، أن يكون قد حظى بابتداءٍ آخر له سوى الله نفسه، الذي يستمد منه الكيان والولادة“.[7]

ويشير العلامة أوريجينوس في موضع آخر إلى أن الآب هو بداية الابن في الأزلية، وذلك في سياق تفسيره لآية (يو 1: 1) ”في البدء كان الكلمة…“ قائلاً:

”يمكن للمرء أن يفترض بالاستناد على نقطة أن الله نفسه هو بداية كافة الأشياء، أن الآب هو بداية الابن. وهكذا إن الفساد هو بداية أعمال السخط، فبكلمةٍ واحدةٍ، [الله] هو بمثابة البداية لكل ما هو موجودٌ. هذا الرأي مدعوم من قبلنا (في القول المقدَّس) ’في البدء كان الكلمة‘. ففي لفظة (الكلمة) يمكن للمرء أن يرى الابن، ولأن (الابن) كان في الآب، فمن هنا يمكن بالمثل أن يُقال أنه، أي الابن، كان أيضًا في البدء [الآب]“.[8]

ويؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو بداية الابن، والابن بدوره هو بداية كل الذين خُلِقوا بحسب صورة الله كالتالي:

”بالإضافة إلى هذه المعاني، فهناك ما نتحدَّث فيه عن البدء أو البداية بحسب الشكل [الهيئة]. ومن هنا (نقول) أنه لئن كان (المسيح) بكر كل مخلوق أو كائن يُمثِّل صورة الإله غير المنظور. هكذا فإن الآب يُعدّ كبدايته. وبنفس الطريقة، فإن المسيح هو مبدأ هؤلاء الذين خُلِقوا بحسب صورة الله. لأنه إذَا كان البشر (قد خُلِقوا) بحسب الصورة، أمَّا الصورة فهي بحسب الآب، ففي الحالة الأولى، فإن الآب هو مبدأ المسيح، وعلى الجانب الآخر، فإن المسيح هو بمثابة الأصل أو الابتداء بالنسبة للبشر، هؤلاء الذين خُلِقوا ليس بحسب ما هو عليه، بل بحسب الصورة“.[9]

الابن يأخذ كيانه من الآب بلا بداية أو زمان

يرى العلامة أوريجينوس أن كيان الالن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ وبلا بداية، بل من الله نفسه كالتالي:

”فالحكمة أزلية وضياء أزليته في آنٍ واحدٍ. إن نفهم جيدًا هذا يغدُ جليًا أن كيان الابن يتحدر من الآب نفسه، ولكن بطريقةٍ لا زمنيةٍ ودونما بدء، بل من الله ذاته“.[10]

الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس

يشير العلامة أوريجينوس إلى أن الآب هو الجودة في مبدئه، التي منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء، لذا يلائمه والحق يُقال أن الابن يُدعَى صورة جودته، إذ ليس في الابن جودة أخرى سوى الجودة التي عند الآب كالتالي:

فالآب هو، بلا مراء، الجودة في مبدئه؛ منها وُلِدَ الابن الذي هو صورة الآب في كل شيء. لذا يلائم والحق يُقال أن يُدعَى صورة جودته؛ إذ ليس في الابن من جودة أخرى غير الجودة التي عند الآب. […] وقد دُعِيَ بصوابٍ صورته، لأنه لا ينحدر من سوى هذه الجودة التي هي المبدأ، حتى لا تُرى في الابن جودةٌ غير تلك التي عند الآب، ولا جودة مغايرة أو مختلفة. […] بل يجب وضع الجودة في الآب في مبدئها، كما قُلنا أعلاه. فالابن المولود منه، أو الروح القدس الذي منه ينبثق، يستنسخان في ذاتهما بلا أدنى ريبٍ طبيعة هذه الجودة المكنونة في المصدر، الذي منه يُولد الابن وينبثق الروح القدس“.[11]

الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث

يؤكد العلامة أوريجينوس على أنه لا يوجد أقل أو أكثر في الثالوث، مادام هناك مصدر ألوهية وحيد هو الآب يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس كالتالي:

”وفي سائر الأحوال، ما من أكثر أو أقل في الثالوث، ما دام مصدر ألوهيةٍ وحيدٌ يسوس الكون بكلمته وعقله، ويُقدِّس بروح فيه كل خليق بالتقديس، على حسب ما كُتِبَ في المزمور: بكلمة الرب صُنِعَت السماوات، وبروح فيه كل جنودها (مز 32: 6). أجل، إنها عملية رئيسية من قِبل الله الآب، علاوةً على تلك التي يمنح بموجبها الكائنات جميعًا أن توجد، على وفق طبيعة كل منها“.[12]

ويشير العلامة أوريجينوس أيضًا إلى أن الآب هو نبع الألوهة للابن والروح القدس قائلاً:

”والله دُعِيَ محبة، والمسيح لُقِّبَ بأنه ’ابن المحبة‘، وبالتالي، إذَا وجدنا ’روح المحبة‘، و ’ابن المحبة‘ و ’إله المحبة‘، فمن المؤكَّد أنه يجب أن نفهم أن الابن والروح القدس كليهما ينبعان من نبعٍ واحدٍ لألوهة الآب“.[13]

ق. ديونيسيوس الإسكندري

الابن والروح القدس متحدان في الآب الرأس

يشير ق. ديونيسيوس الإسكندري إلى مونارخية الآب أو وحدة الرأس في الآب، حيث يؤكد على أن الكلمة الإلهي مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومستقر فيه، وهكذا فإن الثالوث القدوس متجمع معًا ومتَّحِد في واحد، أي أنهم مُتَّحِدون في الرأس الذي هو الله الآب ضابط الكل كالتالي:

”لأنه لا محالة إن الكلمة الإلهيّ مُتَّحِد بإله الكل، وإن الروح القدس قائم في الله ومُستقر فيه، وهكذا، فإن الثالوث القدوس مُتجمِع ومُتَّحِد في واحد، كما قيل، إنهم متحدون في هذا الرأس، الذي هو الله [الآب] ضابط الكل“.[14]

ويستطرد ق. ديونيسيوس مؤكدًا على مونارخية الآب في نفس الرسالة، حيث يرفض فصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاث ألوهيات، ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة في الثالوث، ويؤكد على تمايُّز الأقانيم الثلاثة في الثالوث القدوس، ضد السابيليين القائلين بأقنوم واحد في الثالوث القدوس. وهكذا ينسب ق. ديونيسيوس لقب ”ضابط الكل“ لله الآب أبو ربنا يسوع المسيح، ويُشدِّد على أننا ينبغي أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، وبيسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس. ويشير إلى أن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ”أنا والآب واحدٌ“ (يو 10: 30)، وكذلك ”أنا في الآب والآب فيَّ“ (يو 14: 10)، مُميِّزًا بين أقنوم الآب وأقنوم الابن. وفي النهاية، يُؤكِّد على ضرورة حفظ الثالوث الإلهيّ ووحدة المصدر أو المونارخية في الآب دون انتقاص كالتالي:

”فلا ينبغي إذًا أن نفصل الوحدة الإلهية العجيبة إلى ثلاثة ألوهيات، ولا ينبغي أن كرامة الرب وعظمته الفائقة تُنتقص الوصف ’مصنوع‘، لكن لا بد أن نؤمن بالله الآب ضابط الكل، ويسوع المسيح ابنه، وبالروح القدس، وبأن الكلمة مُتَّحِد بإله الكل، لأنه قال: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30)، وكذلك ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وهكذا يكون من البيَّن أن الثالوث الإلهيّ، ووحدة المصدر، يكونان محفوظين دون انتقاص“.[15]

إكرام الابن للآب كرأس له

يشير ق. ديونيسيوس في إشارة واضحة إلى مونارخية الآب في الثالوث القدوس، حيث يؤكد على وحدة مشيئة الآب والابن في تدبير الآلام الخلاصية، وهكذا يُكرِّم الابن الآب كرأسٍ له قائلاً:

قطعًا ويقينًا إن إرادة الابن ليست شيئًا آخر غير إرادة الآب، لأنَّ مَن يريد ما يريده الآب تكون له نفس مشيئة الآب. هذا بشكلٍ هندسيّ، لذلك فعندما يقول: ’لا إرادتي بل إرادتك‘، فليس معناها أنه يرغب أن تنزاح عنه الكأس، بل إنه يشير إلى أن إرادة الآب هي في أن يتألم، وهكذا يُكرِّم الآب كرأسٍ άρχήν، لأنه إذَا لقَّب الآباء إرادة شخص بأنها مُجرَّد رأي [أو علامة رمزية أو شكلية]، وإنْ كانت مثل هذه الإرادة ترتبط بما هو خفيّ وله غاية كامنة، فكيف يقول البعض إن الربَّ الذي هو فوق كل هذه الأشياء له إرادة شكلية؟ إن هذا واردٌ فقط إذَا كان لدينا خلَّل في الفكر“.[16]

الآب هو مصدر الابن

يشير ق. ديونيسيوس إلى ولادة الابن من الآب غير المبتدئ، مؤكدًا على أن الابن كنسلٍ ليس بلا مصدر، لأن مصدره هو الله الآب نفسه غير المولود قائلاً:

”السؤال الأول: أيهما [أصح] هل الابن ولد نفسه أم وُلِدَ من الآب؟ الإجابة: الابن وُلِدَ من الآب، وليس هو الذي وَلَدَ نفسه. […] السؤال الثالث، أنت تقول: غير مبتدئ من غير مبتدئ [أي ليس له بدء]؟ الإجابة: [الابن] هو كنسلٍ ليس بلا مصدر، ولكن الآب غير مبتدئ، لأنه غير مولود“.[17]

الآب هو نبع الابن

يستخدم ق. ديونيسيوس مثل النبع والنهر لتشبيه الولادة الأزلية للابن من الآب، مشبهًا الآب بالنبع الحقيقيّ والابن هو النهر المتدفق من هذا النبع كالتالي:

”لأنه لا يمكن أن يُدعَى النبع نهرًا ولا النهر نبعًا، لكنهما يظلان حقيقتين، وأن هذا النبع هو الآب بالحقيقة، بينما النهر هو الماء المتدفِق من النبع. […] لقد قيل بعاليه أن الله هو علة كل الأشياء الصالحة، لكن الابن دُعِيَ النهر الذي يتدفق منه [أي من الله]، لأن الكلمة هي لفظة العقل، أو باللغة البشرية، هي منبعثة بواسطة الفم من العقل. لكن الفكر الذي يُنطَق باللسان هو متمايز عن الكلمة الموجودة في العقل. لأن هذه الأخيرة بعدما تلفظ الأولى، تبقى كما كانت عليه مِن قبل، لكن الفكر قد أُرسِلَ وانتشر في كل مكانٍ من حوله، وهكذا كل منهما يكون في الآخر، رغم أن الواحد ينبع من الآخر، وهم واحدٌ رغم أنهما اثنان. وبنفس الطريقة، نقول إن الآب والابن هما واحدٌ، وأحدهما يكون في الآخر“.[18]

ويستطرد ق. ديونيسيوس في نفس السياق مؤكدًا على أن العقل هو آب [أقنوم] الكلمة الموجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر، هكذا الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ كان له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه كالتالي:

”وبالمثل لأن العقل هو آب الكلمة، موجود في ذاته، لكن الكلمة كابنٍ للعقل، لا يمكن أن يكون موجودًا قبله أو بدونه، لكنه موجود معه، ووجد فيه المنبع والمصدر. وبنفس الطريقة، فإن الآب ضابط الكل والعقل الكونيّ له ابن قبل كل الأشياء، هو الكلمة والنطق، وهو إعلانه والمخبِر عنه“.[19]

العلامة ديديموس الضرير

خروج الابن والروح القدس من الآب

يُوضِّح العلامة ديديموس أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج الابن أو المخلِّص نفسه من الله، ويشير إلى أن الروح القدس يُقال عنه أنه ’ينبثق من عند الآب‘ (يو 15: 26)، وذلك وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة، أي المصدرية. وبالرغم من أن المسيح قال إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه خاصية الانبثاق عند حديثه عن علاقته بالآب، لأن خاصية الانبثاق هي خاصة بالروح القدس فقط كالتالي:

”فعلينا أن ندرك أن الروح القدس يخرج من الآب مثلما يخرج المخلِّص نفسه من الله، وهو ما شهد له [المخلِّص] بقوله: ’لأني خرجت من قِبَل الله وأتيت‘ (يو 8: 42) […] وهكذا فعلينا أن نؤمن بالإقرارات التالية التي استخدمت كلمات لا يُنطق بها وهي مُدرَكة بالإيمان وحده عن أن المخلِّص ’خرج من عند الآب‘ (يو 8: 42)، و ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26)، والآب نفسه الذي قال: ’الروح الذي يخرج مني‘ (إش 57: 16 سبعينية). وبالحقيقة قد قيل حسنًا بالنص: ’روح الحق الذي من عند الآب ينبثق‘ (يو 15: 26). وكان من الممكن أن يقول: ’من الله‘، أو ’من الربّ‘، أو ’من ضابط الكل‘، ولكنه لم يستعمل أيًا من هذه. بل عوضًا قال: ’من الآب‘، وهذا مردَّه لا لأن الآب مختلف عن الله ضابط الكل – فإن مجرَّد التفكير في هذا يُعدّ جرمًا – بل بالحري أن روح الحق يُقال عنه ’ينبثق من الآب‘ (يو 15: 26)، وفق خاصة الآب المتفردة، ووفق مفهوم الأبوة. وبالرغم من أن المسيح قال في مواقفٍ عديدةٍ إنه قد خرج من قِبَل الله، لكنه لم ينسب لنفسه المزيَّة [أي الخاصية الأقنومية] التي ناقشناها لتونا [أي الانبثاق]، عند حديثه عن علاقته بالآب، بل عندما يتحدَّث عنها يقول: ’أنا في الآب والآب فيَّ‘ (يو 14: 10)، وفي موضع آخر: ’أنا والآب واحدٌ‘ (يو 10: 30). والقارئ الحصيف سيجد في الإنجيل فقرات أخرى عديدة مُشابهة لهذه“.[20]

ق. أثناسيوس الرسولي

الآب هو أصل الابن ووالده

يشير ق. أثناسيوس إلى أن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخ، ولا يوجد أصل سابق عليهما في الوجود كالتالي:

”فالآب والابن لم يُولَدا من أصل سابق عليهما في الوجود، حتى يمكن اعتبارهما أخوين، ولكن الآب هو أصل الابن وهو والده. والآب هو آب، وهو لم يكن ابنًا لأحد، والابن هو ابن وليس بأخٍ“.[21]

الله الآب هو الينبوع الأزلي لحكمته الذاتية

يرى ق. أثناسيوس أن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، أي أقنوم الكلمة أو الابن، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة تكون الحكمة أزليةً أيضًا كالتالي:

”أمَّا الحقيقة فتشهد بأن الله هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ولمَّا كان الينبوع أزليًا، فبالضرورة يجب أن تكون الحكمة أزليةً أيضًا، لأنه من خلال هذه الحكمة خُلِقَت كل الأشياء“.[22]

الآب هو البدء والينبوع

يصف ق. أثناسيوس الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس، مُميِّزًا بينه وبين أقنومي الكلمة والروح القدس كالتالي:

”وهكذا يُكرَز بإلهٍ واحدٍ في الكنيسة: ’الذي على الكل وبالكل وفي الكل‘ (أف 4: 6). ’على الكل‘ أي كأب وكبدءٍ وكينبوع، و ’بالكل‘ أي بالكلمة، و ’في الكل‘ أي في الروح القدس. هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام، بل بالحق والوجود الفعليّ“.[23]

ويصف ق. أثناسيوس أقنوم الآب أيضًا بأنه ينبوع ونور وأب، ولا يمكن أن يكون الينبوع جافًا بدون ماء، ولا أب بدون ابن، ولا نور بدون شعاع كالتالي:

”إذَا كان الله ينبوعًا ونورًا وأبًا، فليس من الجائز القول بأن الينبوع جافٌ، أو أن النور بلا شعاع، أو أن الله بلا كلمة، لئلا يكون الله غير حكيم، وغير عاقل، وبلا شعاع. وإذًا، فحيث إن الآب أزليّ، فبالضرورة يكون الابن أيضًا أزليًا، لأن كل ما هو للآب فهو بلا شك للابن أيضًا“.[24]

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

ق. كيرلس الإسكندري

الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندريّ عن أن الآب هو المصدر أو الينبوع في الثالوث، وأن أقنوم الكلمة فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده قائلاً:

”أمَّا بالنسبة للابن فالبدء ليس بدءًا زمنيًا ولا جغرافيًا، فهو أزليّ وأقدم من كل الدهور، ولم يُولد من الآب في الزمان، لأنه كان مع الآب، مثل الماء في الينبوع، أو كما قال هو ’خرجت من عند الآب وقد أتيت إلى العالم‘ (يو 16: 28). فإذَا اعتبرنا الآب المصدر أو الينبوع، فإن الكلمة كان فيه لأنه حكمته وقوته وصورة جوهره وشعاع مجده. […] هل من اعتراض على أن الابن في الآب مثل الماء في الينبوع، أو أن الآب هو الينبوع؟ إنَّ كلمة ’ينبوع‘ تعني هنا المعية. لأن الابن في الآب وهو من الآب، ليس كمَّن يأتي من الخارج في الزمن، بل هو من ذات جوهر الآب“.[25]

الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية

يشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الآب هو بدء الابن، والبدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية قائلاً:

”ولذلك وصف القديسون الله الآب أنه هو ’بدء‘ الابن، وكانوا يقصدون من ذلك أنه مع الآب. […] وحقًا سوف يأتي مع الآب لأنه في الآب، وهو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية، وهي التي تجعل الآب هو البدء بالنسبة للابن من ناحية المعية لأن الابن من الآب“.[26]

الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية

ويوضح ق. كيرلس الإسكندري أن الآب هو البدء άρχή بمعنى القوة والسيادة على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة المدعوة للوجود بإرداة اللاهوت كالتالي:

”والإنجيليّ المبارك – على ما يبدو لي – يُسمِّي الآب البدء άρχή أي القوة والسيادة التي على الكل، أي الطبيعة الإلهية التي فوق الكل، والتي تحت أقدامها تستقر الطبائع المخلوقة التي هي كائنة ومدعوة للوجود بسبب إرادة اللاهوت. في هذا البدء άρχή الذي هو فوق الكل وعلى الكل ’كان الكلمة‘، ليس مع الطبائع المخلوقة التي تحت قدمي البدء، وإنما عاليًا عنها جميعًا، لأنه ’في البدء‘ أي من ذات الطبيعة والكائن دائمًا مع الآب، وله طبيعة الذي ولده كمكانٍ أزليّ قبل الكل. لذلك هو مولودٌ حرٌ من الآب الحر، ومنه ومعه له السيادة άρχή على الكلّ“.[27]

ويشير ق. كيرلس أيضًا إلى أن الآب هو البدء للابن، موضحًا مفهوم ’في البدء‘ أن البدء ليس أي شيء آخر سوى الآب ذاته قائلاً:

”يبدو الإنجيليّ الطوباويّ، وكأنه يُفسِّر لنا بوضوحٍ تامٍ مفهوم ’البدء‘، فيقول ليس البدء شيئًا آخر إلا الآب ذاته، الذي منه أشرق الكلمة المحيي، مثل النور من الشمس، والذي يُدرَك على أنه شيء آخر غير الشمس، لكنه ليس خارجًا عن جوهر ذاك الذي بعثه. فبدء الابن إذن هو الآب“.[28]

الآب هو أصل الكلمة الخالق

يقول ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس الرسوليّ، أن الآب هو أصل الكلمة الخالق، وأنه كائن طبيعيًا في الابن كالتالي:

”لأن الابن هو قوة أقنوم الآب الخاصة به وبجوهره. وأيضًا عندما يعمل الابن، يعمل الآب أيضًا، فالآب أصل الكلمة الخالق، وهو كائن طبيعيًا في الابن مثل النار في الحرارة الصادرة منها“.[29]

الآب هو الجذر والينبوع للابن

يؤكد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده، أي ابنه الوحيد، وهكذا كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي يصدر منه الابن كالتالي:

”لأن الآب يعمل بواسطة الابن. لأن كل ما يعمله الابن يُنسَب إلى الآب الذي منه يصدر الابن، إذ أن الآب هو الجذر والينبوع لوليده“.[30]

الآب هو البداية الأزلية للكلمة

يُفرِّق ق. كيرلس بين البداية الأزلية للكلمة في الآب خارج حدود الزمان والمكان، وبين البداية الزمنية للمخلوقات كالتالي:

”وحين حدَّد الكتاب أن الكلمة هو بداية المخلوقات، يقول: ’في البدء خلق‘، بينما عن كلمة الله ’في البدء كان الكلمة‘. بالنسبة للمخلوقات، البداية هي الزمن، بينما بالنسبة لكلمة الله، الكائن منذ الأزل، فإن البداية άρχή هي فقط أباه الأزليّ، الذي ليس له بداية، طالما أنه كائن معه أزليًا“.[31]

الآب هو بداية الابن

يفسر ق. كيرلس، مثله مثل ق. أثناسيوس[32] وق. باسيليوس الكبير، أن الآب أعظم من الابن، لأن الابن كمساوٍ للآب في الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، اتَّخذ الآب الذي بلا بداية كبدايةٍ له لأنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه كالتالي:

”إذًا، الابن مساوٍ للآب من جهة الجوهر ومتماثل معه في كل شيء، لكنه يقول عن الآب إنه أعظم؛ لأنه أتَّخذ الآب الذي بلا بداية فقط بسبب أنه يأتي منه، بالرغم من أن وجوده أزليّ معه“.[33]

الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعي منه

يرد ق. كيرلس على إدعاء الآريوسيين الهراطقة بأن الآب هو علة وجود الابن المخلوق، مؤكدًا على أن الآب هو علة وجود الابن كوالدٍ بحسب الطبيعة، وليس كخالق قائلاً:

”بأية طريقة، يا محاربي المسيح، تزعمون أن الآب صار علة وجود الابن؟ حسنًا. إذَا كُنتم تظنون أنه مخلوق، فإنه عندئذٍ يكون مخلوقًا وليس ابنًا، محاربين بوضوحٍ الآب الذي يقول للذي ولده: ’ولدتك من بطني قبل يوسيفوروس [كوكب الصبح]“ (مز 109: 3 سبعينية). أمَّا لو اعترفتم بأنه – حقًا – هو الابن وآمنتم بأنه هكذا يكون، عندئذٍ يتحتم عليكم ألا تقولوا إن الآب علة الابن كخالق، بل كوالدٍ بحسب الطبيعة. ولن يعيقكم عن ذلك شيءٌ؛ لأن الذي يأتي من آخر بحسب الطبيعة، يتحتم أن يكون من نفس جوهره، حتى لو كان ذاك هو علة وجوده“.[34]

ويستطرد ق. كيرلس في شرح كيف أن الآب هو علة وجود الابن، إلا أن الابن من نفس جوهر الآب، مولود منه أزليًا خارج حدود الزمان والمكان، وهو كائن معه أبديًا كالتالي:

”إنْ لم يكن الابن شبيهًا بالآب بحسب الجوهر، ولا مساويًا للآب في الجوهر، باعتبار أن الآب لا يأتي من علةٍ ما، بينما الآب هو علة الابن، فما الذي يمنع أن نقول أيضًا إن قايين لم يكن مساويًا لأبيه في الجوهر؟ لأن آدم لم يُولَد من أحد؛ لأنه كان الإنسان الأول، وفي ذات الوقت كان آدم هو علة قايين، إذ صار قايين منه. وبما أن هذا الافتراض كاذب (لأن قايين كان من نفس جوهر آدم)، فيكون الابن أيضًا – على أية حال – من نفس جوهر الآب، حتى لو كان الآب بالنسبة له علة وجوده، طالما أتى [وُلِدَ] منه أزليًا، وهو كائن معه أبديًا“.[35]

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخلاصة

نستخلص من هذا البحث تعليم الآباء الإسكندريين بدءًا من العلامة كليمندس الإسكندري وصولاً إلى ق. كيرلس الإسكندريّ بمونارخية الآب، وهكذا يتفق التعليم الإسكندريّ مع التعليم الكبادوكيّ بمونارخية الآب.

حيث يرى العلامة كليمندس الإسكندريّ في سياق تعليمه عن مونارخية الآب أن الآب هو علة الابن. ويتبعه تلميذه العلامة أوريجينوس الإسكندريّ في نفس الأمر، حيث يرى أن الابن يأخذ من الآب ما هو عليه، وأن الآب هو بداية الابن، وهكذا يأخذ الابن كيانه من الآب بلا بداية أو زمان. كما يؤكد العلامة أوريجينوس على أن الآب هو مبدأ ومصدر الابن والروح القدس، وأن الآب هو مصدر الألوهية في الثالوث.

وهكذا يتبع العلامة أوريجينوس تلميذه ق. ديونيسيوس الإسكندريّ، الذي يؤكد على اتحاد الابن والروح القدس في الآب الرأس، ويشير ق. ديونيسيوس إلى إكرام الابن للآب كرأسٍ له. ويرى أن الآب هو مصدر الابن، وأن الآب نبع الابن. ويشدد العلامة ديديموس الضرير، أحد تلاميذ العلامة أوريجينوس، على خروج أو صدور الابن والروح القدس من الآب.

ويتبع ق. أثناسيوس الرسوليّ التقليد الإسكندريّ السابق عليه، والذي يؤكد على مونارخية الآب. يقول ق. أثناسيوس بأن الآب هو أصل الابن ووالده، وأن الله الآب هو الينبوع الأزليّ لحكمته الذاتية، ويصف الآب بأنه البدء والينبوع في الثالوث القدوس.

ويتبعه في ذلك ق. كيرلس الإسكندريّ الذي يؤكد على أن الآب هو المصدر والينبوع في الثالوث، وأن الآب هو البدء غير المبتدئ للطبيعة الإلهية. ويرى ق. كيرلس أن الآب هو البدء والقوة والسيادة في الطبيعة الإلهية، ويقول، مثلما قال ق. أثناسيوس، بأن الآب هو أصل الكلمة الخالق. ويؤكد ق. كيرلس في نفس السياق أيضًا على أن الآب هو الجذر والينبوع للابن، وأن الآب هو البداية الأزلية لأقنوم الكلمة. ويقول، كما قال العلامة أوريجينوس من قبله، إن الآب هو بداية الابن. ويقول، مثلما قال الآباء الإسكندريين والكبادوكيين من قبله، إن الآب هو علة وجود الابن كمولود طبيعيّ منه.

[1] كليمندس الإسكندري (علامة)، المتفرقات (نسخة إليكترونية)، ترجمة: الأب الدكتور بولا ساويروس، (القاهرة، موقع الكنوز القبطية)، 8: 9: 18-20، ص 1429، 1430.

[2] المرجع السابق، 7: 1: 4، 5، ص 1210، 1211.

[3] المرجع السابق، 6: 17: 36، ص 1192.

[4] المرجع السابق، 5: 14: 28، 29، ص 945، 946.

[5] أوريجينوس (علامة)، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002)، 1: 2: 2، ص 85.

[6] المرجع السابق، 1: 2: 9، ص 94، 95.

[7] المرجع السابق، ص 95.

[8] أوريجينوس (علامة)، تفسير إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الراهب مكاري البهنساوي، تحت إشراف: الأنبا اسطفانوس أسقف ببا والفشن، (القاهرة، 2020)، ص 122، 123.

[9] المرجع السابق، ص 125-128.

[10] أوريجينوس (علامة)، في المبادئ، ترجمة: الأب جورج خوام البولسي، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2002)، 1: 2: 11، ص 99.

[11] المرجع السابق، 1: 2: 13، ص 100.

[12] المرجع السابق، 1: 3: 7، ص 113.

[13] أوريجينوس (علامة)، تفسير الرسالة إلى رومية ج1، ترجمة: د. عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2020)، 4: 9: 12، ص 312.

[14] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، الرسالة الثانية عن الثالوث ضد مَن يؤمنون بثلاثة آلهة وضد السابيليين، ص 167.

[15] المرجع السابق، ص 168، 169.

[16] المرجع السابق، تفسير إنجيل لوقا (لو 22: 42-48)، ص 211، 212.

[17] المرجع السابق، أسئلة وأجوبة، ص 237، 238.

[18] المرجع السابق، رسالة ق. ديونيسيوس الإسكندري إلى البابا ديونيسيوس الروماني، ص 289.

[19] المرجع السابق، ص 292، 293.

[20] ديديموس الضرير (علامة)، الروح القدس، ترجمة: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2015)، 4: 113-115، ص 73-75.

[21] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ صموئيل كامل وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 1: 5: 14، ص 61.

[22] المرجع السابق، 1: 6: 3، ص 70.

[23] أثناسيوس (قديس)، الرسائل عن الروح القدس للأسقف سرابيون، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 1: 28، ص 96.

[24] المرجع السابق، 2: 2، ص 113، 114.

[25] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 1: 1، ص 43.

[26] المرجع السابق، ص 44.

[27] المرجع السابق، ص 45.

[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 32: 121، ص 504.

[29] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، 1: 1، ص 80.

[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 401.

[31] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 15: 50، ص 252.

[32] يفسر ق. أثناسيوس آية ”أبي أعظم مني“ كالتالي: ”لذلك، فإن الابن نفسه لم يقل ’أبي أعظم مني‘ حتى لا يظن أحدٌ أنه غريب عن طبيعة الآب، بل قال: ’أعظم مني‘، ليس من جهة الحجم ولا من جهة الزمن، بل بسبب ميلاده من أبيه ذاته، فإنه حتى عندما يُقال: ’أعظم مني‘، أَظهر مرةً أخرى أنه من ذاتية جوهره الذاتيّ“ (أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرين، القاهرة، المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017، 1: 13: 58، ص 140).

[33] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. جورج عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 11: 4، ص 137.

[34] المرجع السابق، مقالة 10: 10، ص 124.

[35] المرجع السابق، مقالة 10: 12، ص 125.

مونارخية الآب في اللاهوت الآبائي الإسكندري – د. أنطون جرجس عبد المسيح

جوهر الحياة المسيحية 5 الجزء الأخير ماذا نفعل بالتحديد!

جوهر الحياة المسيحية 5 الجزء الأخير ماذا نفعل بالتحديد!

جوهر الحياة المسيحية 5 الجزء الأخير ماذا نفعل بالتحديد!

 

 

للرجوع للجزء الرابع أضغط هــنــا.

                                                                                                

تابع – سلسلة معرفة النفس ومعرفة الله
5 – العودة للنفس ومعرفة الله 
+ ماذا نفعل بالتحديد +

يقول القديس أغسطينوس: [ عُد إلى نفسك مما هو خارج عنها، ثم سلِّم نفسك إلى خالقك الذي بحث عنك ضائعاً، ووجدك ضالاً، وردك إليه… عُد إلى نفسك وكمل سيرك إلى خالقك ] وهنا يلزمنا شيئين:

  • أولاً العودة إلى النفس مما هو خارج عنها:

أي ما هو ليس من طبعها الأصلي، أي كل ما هو دخيل عليها وغريب عنها، وهناك مثل قوي يشرح لنا هذه الحقيقة وهو مثل الابن الضال، الذي عاد إلى نفسه بعد أن رأى المزلة التي يعيشها بعد ما أفلس من كل ما كان له من أبيه، ويقول الشيخ الروحاني القديس يوحنا سابا: [ لا يقدر إنسان أن ينظُر الحُسن الذي داخله، قبل أن يُهين ويرذل كل حُسن (باطل) خارجه. ولا يُمكنه التمتع بالله قبل أن يحتقر العالم كله (طبعاً يقصد الشر والفساد وكل رغبة في غناه الزائل والاعتماد عليه) ]

ويقول القديس مقاريوس الكبير: [ إن الكتاب المقدس يقول: ” من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته “، وذلك من أجل حفظ كيان المحبة الجسدية، فكم يكون علينا إذا أردنا أن نشترك مع الله في حياة الحب الإلهي والعِشرة معه، يتحتم علينا أن نتجرد من كل حب العالم وكل الأمور الخارجية المنظورة ]

ولنصغي لوصية القديس الأنبا أنطونيوس الكبير: [ وأنا أطلب إليكم باسم ربنا يسوع المسيح أن لا تتوانوا عن حياتكم وخلاصكم، ولا تَدعوا هذا الزمان الزائل يسرق منكم الحياة الأبدية، ولا هذا الجسد اللحمي الفانييُبعدكم عن المملكة النورانية. ولا هذا الكرسي الفاني (المراكز العالمية) الهالك يُنزلكم عن كراسي محفل الملائكة. بالحقيقة يا أولادي إن نفسي لمندهشة، وروحي مُنزعجة، لأننا أُعطينا كُلنا الحرية أن نكون قديسين،ونحن بعمانا سكرنا بأوجاع هذا العالم ] 

فبالرغم من دعوتنا للقداسة في المسيح، ومع ذلك نحن لا نهتم بها ونشرب من كأس خمر العالم الذي يتسبب في الأوجاع الداخلية للنفس ويُدمرها تماماً حتى تصير حِطاماً مثل الجيفة التي لا حياة فيها، لأننا نمس فيه كل رجس ونجس وننجرف بتيار الفساد والشرّ ونشرب من نبع الغم ونحمل الهم والقلق ونحيا بالاضطراب في عدم سلام…

لذلك واجب علينا أولاً أن نعرف حالنا تمام المعرفة بفحص أنفسنا بأمانة وإخلاص أمام مرآة الوصية، ونواجه أنفسنا بكل شجاعة تامة معترفين بهول مشكلتنا أمام محبة الله وحده، وهذا يقودنا للشيء الثاني الذي ينبغي أن نعمله…

  • ثانياً: أو الشيء الثاني كما قال القديس أغسطينوس: [ سَلِم نفسك إلى خالقك ]:

أي يستودع الإنسان نفسه في يد خالقه، أي يعطي نفسه ويقدمها لخالقه، أي بمعنى أدق بتسليم ذاته لله، أي يستسلم كاملاً لإرادة الله ويخضع له، أولاً يتركها (يترك نفسه) ليعمل الله فيها، متكلاً عليه طالباً أن يتدخل في حياته ليُصلحها ويقيمه إنساناً جديداً روحياً، ويثق فيه ثقة تامة (ثقة إيمان حي) مستودعاً نفسه في يد خالقه الأمين، قابلاً كل شيء من عنده، مطمئناً وغير قلق مما حدث وفيما سيحدث في حياته وما حوله، ويحيا دون قلق أو تزمر أو يأس مكتفياً بما عنده لأن الذي معه اقوى من الذي عليه

لا بمعنى أن يُبطل جهاده لحل المشاكل ودفع الأضرار بقدر إمكانه، بحسب ما وهبه الله من حكمة وفطنة ومعالجة الأمراض وحسم المواقف بمشيئة روحية يقظة مستمدة من الله الحي بإلهام الروح وحكمة عقل واعي مستنير…

عموماً القصد الحقيقي للاستسلام لإرادة الله هو: [ الرضا بكل النتائج النهائية – مهما كانت – بعد أن يبذل الإنسان قصارى جهده حسب حكمة الله باستنارة الفكر وتحكيم العقل، على أن يتحقق دائماً وباستمرار من إن إرادته وفق إرادة الله، ولا يعمل شيئاً بكبرياء أو حماقة أو تسرع واندفاع بمشيئته الخاصة، بدون معرفة مشيئة الله ]، أما إن كان هُناك جهل بمشيئة الله وإرادته، فعلاجه في الإنجيل والصلاة المستمرة…

  • ثالثاً: أو الشيء الثالث كما قال القديس أغسطينوس: [ كمل سيرك إلى خالقك ]:

الإنسان عموماً حينما يبدأ يعي نفسه يُدرك أنه مرتبط بالله لأنه منه وبه وله خُلق، لذلك تظل نفسه في حالة قلق واضطراب إلى أن يجد راحته فيه، وبذلك يبدأ المسيرة نحو الله، وكل يوم يحيا مُشابهاً له حينما يتطلع لنور وجهه في كلمته، فتُغرس فيه بالنعمة وهو يسقيها بالصلاة مهتماً بالتعليم الإلهي لكي يكون سماد قلبه القوي لتنمو الكلمة وتأتي بالثمر المطلوب وتنطبع فيه ملامح خالقه في داخله، وهذه مسيرة تحتاج أن تُكتمل

لذلك ففي النهاية لازم يحيا في هذه المسيرة بلا توقف إلى القبر، لذلك اكتمال المسيرة هي نتيجة ما قبلها – كما سبق وقلنا في النقاط السابقة – وعليها تعتمد، لأن بدون أن يسير وفق الخطوات التي سبق ذكرها فأنه لن يستطيع أن يسير نحو خالقه، وبذلك تتعطل حياته كلها ويخسر نفسه…

  • ملحوظة مهمة للغاية:

الخضوع لله والتسليم الكامل لمشيئته وتدبيره، هو في الواقع هبة ونعمة، لذلك فهو يحتاج إلى صلاة وتوسل مع ثقة الإيمان في نوال هذه الموهبة

+ كلمة في الختام +

عموماً إذا أردنا فعلاً أن نصل لهذه النتيجة، يلزمنا أولاً أن نعرف أنفسنا المُزيفة لنرفضها، أي لا بُدَّ أولاً من مواجهة النفس وكشف ضعفها وجهلها وفقرها الروحي واللاهوتي من جهة الخبرة وليس المعرفة وأيضاً مقدار عماها الداخلي وتورطها في الفساد الذي في العالم بالشهوة، وبعد أن نعرف هذا كله نقرّ بذلك معترفين أمام الله دون خوف من هول ما قد نكتشفه، ولنصغي لقول الله في هذه الحالة: [ لا تخف يا دودة يعقوب، يا شرذمة إسرائيل، أنا أُعينك يقول الرب، وفاديك قدوس إسرائيل ] (إشعياء 21: 14)
ولننظر للابن الضال وكيف عاقبه أبوه: عوض العقوبة = أعطاه قبله [ رآه أبوه فتحنن، ووقع على عنقه وقبله ] (لوقا 15: 20)
وعوض الفرقة = فتح له حضنه واحتضنه

يقول القديس مقاريوس الكبير: [ فلنقبل إذاً إلهنا وربنا – الشافي الحقيقي – الذي يستطيع وحده أن يأتي ويشفي نفوسنا… فأن طعامه وكساءه ومأواه وراحته، هي في نفوسنا، لذلك فأنه دائماً يقرع طالباً الدخول إلينا. فلنقبله إذن وندخله إلى داخل نفوسنا، لأنه هو طعامنا وشرابنا وحياتنا الأبدية ] (عظة 30: 9)

وبذلك نستطيع أن نحيا في مسيرة مقدسة، لأن الطريق الإلهي لا ينتهي، بل هو مسيرة النفس المُحبة لله، والإنسان الذي يتوقف سعيه نحو إلهه الحي، تتوقف مسيرته، وأي توقف كفيل أن يُصيب الإنسان بالشلل الروحي التام، وبخاصة لو اعتاد على حالة الجمود، لأن التوقف يعني الجمود، والجمود هو موت روحي يصيب النفس بالعطب، فتتعطل مسيرتها وتظل تفكر في الماضي وتنسى الحاضر ولا تتطلع لمستقبلها الأبدي، واستمرارها في هذه الحالة يجعلها تفقد كل شيء حتى نفسها فتتغرب عن الله، وقد تصل لحد المرض النفسي حتى تصل لليأس وتبتعد عن الله تماماً، وهذه هي مشكلة الكثيرين في الطريق الروحي..

وهو حالة الجمود والشلل التام والاعتماد على المضي فقط بدون استكمال المسيرة والاكتفاء بالذي كان عنده، مثل من افلس وعايش في قصر وظل لا يسعى لكي يعمل ليغتني مرة أخرى، فيصير لحالٍ أردأ، لأن بعد ذلك بسبب الإهمال سيصير القصر في حالة من الفوضى ويمتلئ من الحشرات الضارة ثم الروائح الكريهة.. الخ، ويصبح جحيماً لا يُطاق… لذلك علينا أن نحذر يا إخوتي من اي توقف أو جمود ونستمر في مسيرتنا، وحتى لو كنا سقطنا فلنذكر من أين سقطتنا ولنتب ونعود لنبدأ مسيرتنا مرة أخرى بلا توقف…

____تم الموضوع طالباً من الله أن يكون سبب بركة وتوبة كثيرين، النعمة معكم_____

جوهر الحياة المسيحية 5 الجزء الأخير ماذا نفعل بالتحديد!

جوهر الحياة المسيحية 4 العودة للنفس ومعرفة الله

جوهر الحياة المسيحية 4 العودة للنفس ومعرفة الله

جوهر الحياة المسيحية 4 العودة للنفس ومعرفة الله

 

للرجوع للجزء الثالث أضغط هنـــــا.

تابع – سلسلة معرفة النفس ومعرفة الله
4 – العودة للنفس ومعرفة الله (1)

من المستحيل على أي إنسان مهما كانت إمكانياته ومهما ما بلغ من مقدرة ومعرفة، بعد أن تشتت وانقسم على ذاته أن يقدر على أن يعود إلى نفسه ويتعرف على الله المنعكس على قلبه بحسب خلقته التي خُلق عليها، لأن الإنسان هو الوحيد الذي نال نفخة الله، لأن الخليقة كلها خُلقت بأمر من الله [ كن فكان ] أما الإنسان هو الوحيد، والوحيد فقط، لم يخلقه الله بأمر بل أخذ تراباً من الأرض ونفخ فيه فصار الإنسان نفساً حية …
 
وبعد السقوط وخبرة أوجاع الخطية اختفى سرّ الإنسان وطُمست فيه ملامح الله وتاهت نفسه عن مصدر وجوده وحياته لأن الخطية أعمت عينيه، لذلك حينما نُخطئ وعلى مستوى الخبرة نجدنا نُتمم شهوة الجسد، فتسود علينا الخطية فتعمينا عن الحق ونفقد توازننا النفسي وكأننا بلا عقل فنتورط فيها أكثر وأكثر حتى تفقدنا معرفة الله بالتمام، ولا نستطيع أن نُبصره أو نرى حنانه ورأفته
فنبتعد أكثر ونصير أشد تيهاً مما كنا عليه، لأن الخطية تطرح النفس بعيداً في صحراء جفاف الموت إذ تُعمي البصيرة، فأن لم تستفيق النفس سريعاً وتنال من الأعالي لمسة الله المُحيية، فحتماً ستصير كجيفة الجثة الميتة التي بلا روح، وكما قالت مريم عن لعازر الميت [ قد أنتن ] فتخرج منها رائحة الفساد والموت…

فالنفس تدخل في هذه الحالة إلى قبر الشهوة وتفقد كل شعور بالحياة ولا تدرك قيمتها ووضعها السليم والصحيح، لأن الشيطان ضحك عليها وأفقدها توازنها وجعلها تحت سلطانه التي يجعلها تخاف على الخروج منه لأنها تعيش في وهم اسمه الخطية والموت ورفض الله: [ فدعي اسم ذلك الموضع قبروت هتأوة (أي قبور الشهوة) لأنهم هناك دفنوا القوم الذين اشتهوا ] (عدد 11: 34)


وحينما يشعر الإنسان بأنين تحت ثقل سُلطان الخطية المُدمر للنفس، يحاول أن يخرج منها ويتحرر من سطوتها، فيُصيغ لنفسه معرفة خاصة ليتخلص من ثقل الخطية التي يحملها، فينشأ لنفسه منهج تدريبي شخصي ليتخلص من ثقل الضمير وتعب الخطية المتسلط على نفسه ويظن أن هذه هي طريق الخلاص، وتنشأ عنده توبة مريضة تدخله يا إما في الكبرياء لو كانت إرادته قوية وانتصر على ذاته وكف عن فعل الشر، يا إما تدخله في حزن ضميره الإنساني الذي يصل به إلى الفشل واليأس من رحمة الله وحنانه الفائق !!! 
ويقول القديس أثناسيوس الرسولي: [ لأن كل من يدير ظهره مبتعداً عن “كلمة” الله الكائن والموجود (في العالم) ويُصيغ لنفسه معرفة أخرى هي في الحقيقة ليست كائنة، فإنه يسقط حتماً إلى العدم ]
  • والسؤال الذي سيُطرح ما هو المطلوب من الإنسان لكي يدخل في سر معرفة الله الحقيقية ويتخلص من الموت الذي ساد عليه بالخطية ؟!!!

في الحقيقة أن الإنسان لا يستطيع ان يتعرف على وجهه ومدى اتساخه إلا في النور واقفاً أمام المرآة، لأن الأعمى والسالك في الظلمة لا يستطيع أحد منهم أن يعرف مدى اتساخه بل حتى أنه لا يعرف شكل وجهه، وبالمثل فأننا لن نعرف الله ولن نتحرر من الخطية إلا إذا التقينا معه شخصياً فيفتح أعيننا ونراه حاضراً معنا، وأن أردنا أن نرى الله حقاً، فلابدَّ من أن نراه حيث يكون سكناه ولا نبحث عنه بعيداً !!!؛ وأين يا تُرى مكان سكنى الله !!! 

في الحقيقة الله لا يسكن إلا في هيكله الخاص والذي هو صنعة يديه لا صنعة إنسان، لأنه لا يسكن في هياكل مصنوعة بيد بشر: [ الإله الذي خلق العالم وكل ما فيه، هذا إذ هو رب السماء والأرض لا يسكن في هياكل مصنوعة بالأيادي ] (أعمال 17: 24)، فنحن صنعة يديه ومقرّ سُكناه الحقيقي الذي شوهته الخطية وأفسدته، ووضعت غشاوة على أعيننا فلم نعد نُبصر الله ولا نشعره حتى لو كان قريب منا جداً..
 
ولكننا نَحِنْ إليه ونشعر أن هناك شيء عظيم جداً ينقصنا في داخلنا، لذلك نظل في قلق واضطراب عظيم كل أيام عُمرنا ولا يُشبعنا شيء في هذا العالم من مال أو جاه أو شهوة أو حتى خير نصنعه وأعمال حسنة نسلكها، أو تجربة حب نعيشها، لأننا نشعر أن كل هذا ناقص وغير مُشبع لأنفُسنا بل هو جوع لنا أكثر ويُسبب حزن لنا عظيم مع كل اضطراب وعدم راحة، لأننا لم نجد سرّ شِبعنا الحقيقي وراحة نفوسنا الذي هو الرب وحده !!!

وكيف يُمكننا أن نرى الله إن لم يُزال عن أعيُننا الغشاوة أو البرقع الحاجز للنور !!! وكيف يُمكننا أن نلتقي مع الله إذا لم نفتح قلبنا لاستقباله !!! لأن القلب هو مكان اللقاء الحقيقي، وقد دلنا الرب يسوع بفمه الطاهر على الطريق لمعاينته ورؤيته الحقيقية حين قال: [ طوبى لأنقياء القلب فأنهم يُعاينون الله ] (متى 5: 8)

  • ومن منا لم يحاول وسعى بكل قوته أن يُنقي قلبه بكل طريقة يراها ممكنه ولم يفشل !!!

لقد حاول الإنسان عَبر التاريخ الإنساني كله، أن يعود إلى نفسه ويُنقي قلبه، لكي تعود له الصورة الأولى من البراءة والحُرية الحقيقية، ولكنه ضلَّ وصار من تيه لتيه، ومن ضعف لموت، إذ أنه حينما عاد إلى نفسه، عادبمعزل عن الله، وحاول أن يصلح نفسه بنفسه بكثير من الأعمال الحسنة لكي يُرضي الله الذي وضع معرفته في قلبه حسب ما توصل إليه من معلومات وأفكار، فسار إلى ضلالٍ أشد، لأن ما يجمعه الإنسان عن الله ويضع له صورة في عقله لكي يصل إليها ويحياها

 
فأن هذه هي الوثنية عينها، لأنه يحاول أن يصل للإله المصنوع في فكره الشخصي حسب رأيه ومعلوماته وأفكاره ومعتقداته هوَّ وليس الله الحي الذي يُعلن عن ذاته بنفسه، لذلك حاول الإنسان جاهداً أن يعود لله [ بعمل ] شخصي يقوم به، ففشل فشل شديد [ فكل أعماله وتقواه مرفوضة أمام الله، لأنها ليست على المستوى الإلهي الفائق ] فكان يستحيل على الإنسان – مهما ما صنع – أن يصل لله الحي: [ اتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب ] (عبرانيين 12: 14)

لأن النفس الميتة لا تستطيع أن تقوم من تلقاء ذاتها بعمل الأحياء، فهل رأينا ميت يموت ويفسد ثم يقوم من تلقاء ذاته ويعمل الأعمال التي تليف بالأحياء!!! هذا بالطبع مستحيل مهما ما صنعنا له، بل ومهما ما وضعنا عليه أغلى العطور وأثمنها، بل وحتى لو تم تحنيطه في ناووس من الذهب والفضة والحجارة الكريمة، وهكذا هي أعمالنا، لأنها هي التابوت الخارجي الجميل الذي يحوي ممات نفوسنا الشقية في داخله، كقبور مُبيَّضة من الخارج ومن الداخل مملوءة عفونة وعظام نخرة يأكلها السوس !!!

ولكن الحل الحقيقي أتانا من فوق مُتجسداً [ والكلمة صار جسداً وحل فينا (حسب النص اليوناني) ] (يوحنا 1: 14)، لقد عَبَرَ المسيح كلمة الله المتجسد الفرقة والعُزلة التي بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والله، فقد وَحَدَّ الكل في نفسه مع الله، ويقول القديس أثناسيوس الرسولي: [ أنهُ منذ التجسد الإلهي لم يعُد الإنسان يُعرف بمعزل عن الله، ولا الله بمعزل عن الإنسان، لأن الكلمة صار جسداً ] 
وهذه الحقيقة التي يقولها القديس أثناسيوس الرسولي ليست فكرة نفرح بها ولكنها تحتاج لأن تتحقق فينا ونتذوقها على المستوى العملي بقبولنا لسرّ التجسد الإلهي على مستوى الخبرة !!!

  • وقبول تجسد الرب ليس هو فقط مجرد الإقرار به، بل هو:

* قبول تحولنا إلى صورة الابن بالروح القدس الذي يعمل في داخلنا سراً حتى به نعمل كل شيء صالح إذ يغرس فينا كلمته فتثمر فينا حسب قصده. 
* وأيضاً هو قبولنا لمعمودية الرب وتحقيقها فينا بمعموديتنا التي تتجدد فينا بالتوبة، ومعموديتنا هي قبولنا مسحة يسوع لكي نصير مسيحيين ولكي يقودنا الروح القدس إلى البرية، وإلى الجلجثة، بل وإلى القبر لنموت مع المسيح الرب عن إنسانيتنا القديمة، وندخل في سرّ القيامة معه، وهي قيامة النفس التي هي القيامة الأولى، التي تجعلنا ننتظر – طبيعياً – بسهر دائم على حياتنا خاضعين للنعمة مستعدين للقيامة الثانية والأخيرة، قيامة الجسد وتمجيده.

ومن صميم هذه العلاقة الجديدة في المسيح الرب نتذوق حضور الله في القلب، ومن هُنا نُدرك سرّ كرامتنا في المسيح، ويقول القديس مقاريوس الكبير: [ أعرف أيها الإنسان سموك وكرامتك وشرفك عند الله، لكونك أخاً للمسيح (من جهة أنه اتخذ بشريتنا)، وصديقاً للملك، وعروساً للعريس السماوي، لأن كل من استطاع أن يعرف كرامة نفسه، فأنه يستطيع أن يعرف قوة وأسرار اللاهوت، وبذلك ينسحق ويتضع أكثر.. ] (عظة 27: 1)

وسوف نتحدث في الجزء القادم والأخير عن [ ماذا نفعل على وجه التحديد ]

 

جوهر الحياة المسيحية 4 العودة للنفس ومعرفة الله

الابن من نفس ذات جوهر الآب – إيماننا المستقيم

الابن من نفس ذات جوهر الآب – إيماننا المستقيم

الابن من نفس ذات جوهر الآب – إيماننا المستقيم

 

الابن في الآب ومن الآب، ليس كمن يأتي من الخارج في الزمان، وليس هو من جوهر آخر أو من طبع آخر، بل هو من ذات جوهر الآب ومساوي له بالتمام بدون أي نقص أو ازدياد، وليس هو ثاني في الجوهر الواحد ولا الآب أول في الجوهر الواحد (من جهة التريب أو الأسبقية)، بل لا يوجد أول ولا ثاني في الجوهر الواحد ولا سابق ولا لاحق، بل تعبير أقنوم أول وثاني هو تعبير بشري من جهة الإعلان في ملئ الزمان من حيث معرفتنا نحن وليس من حيث طبيعة الله في جوهره.

فالابن هو من نفس ذات جوهر الآب يشع مثل شعاع الشمس أو صدور الحرارة من النار، وهذه الأمثلة لا نعنيها حرفياً، بل هي مجرد أمثله تعني أن نرى كيف يولد أو يصدر الابن من الآب، وفي نفس الوقت لا يصدر متأخراً أو بعد زمن، أو أن تكون له طبيعة مختلفة، بل مثلما يصدر النور من الشمس تلقائياً وفي نفس ذات الوقت من بادرة لحظة شروقها، ويظل كائناً مع الشمس لا ينفصل عنها، بل مستحيل أن يوجد نور بلا شمس أو شمس بلا نور تشعه من داخلها. ولا توجد نار بلا حرارة، ولا حرارة بلا نار؛ فالانفصال يعني أن يفقد شيئان معاً الطبيعة التي تُميزهما، فكيف تُصبح الشمس بلا أشعة، أو شمس بلا نور، أو نار بلا حرارة !!!

وكما أن الشمس مستحيل أن تبقى بلا نور، أو النار بلا حرارة، فوجود النور في الشمس أو الحرارة في النارأمراً ضرورياً لا انفصال فيه، بل تظل دائماً بمصدرها وتحتفظ بطبيعة المصدر. هكذا الأمر مع الآب والابن والروح القدس، لأننا نؤمن ونقول أن الابن في الآب ومن الآب ولهما معاً الروح الواحد عينه (فالروح القدس، هو روح الابن كما انه هو عينه روح الآب في الوقت عينه). وهذا يعني أن الابن الوحيد، المسيح الرب، ليس كائناً غريباً أو جاء في الترتيب بعد الآب، بل هو فيه ومعه دائماً بلا انفصال أزلاً ولا أبداً، ويُشرق منه دائماً حسب الميلاد الأزلي غير المُدرك أو المفحوص …

+ وهناك من يقول – في شرح الثالوث القدوس – بجهلٍ شديد أن الآب والابن والروح القدس غير متميزين إلا في الأسماء فقط، وانه ليس في الثالوث القدوس أقانيم، مع أن الكتاب المقدس صراحة يقول ” والكلمة كان عند الله ” أي أن الابن أقنوم آخر غير أقنوم الآب الذي معه الكلمة …

وبالرغم من أن الابن في الآب والآب في الابن، وهو مثل الآب الذي ولده أزلاً، مثله تماماً في كل شيء،ويُعلن الآب في ذاته بلا نقص، إلا أن هذا لا يعني أن الابن فقد أقنومه المتميز، ولا الآب فقد أقنومه الخاص به. فالتماثل التام بين الأقانيم لا يعني اختلاط الأقانيم، حتى أن الآب الذي منه يولد الابن أزلاً يصبح بعد ذلك ابناً، أو الروح القدس يصبح بعد ذلك آب، فالتماثل التام والمساواة بين الأقانيم لا يعني اختلاط الأقانيم أو تبادلهم. ولكن الطبيعة الإلهية الواحدة نفسها هي للأقانيم، مع تمايز كل منهما، حتى أن الآب هو الآب، والابن هو الابن، والروح القدس معهما إلهاً مثل الآب والابن، هذا هو كمال الثالوث القدوس المعبود، ولا ينبغي أن يتطرق للذهن قمية جمع الثالوث، 1+1+1= 3، لأن صيغة الجمع لا تنطبق على الله لأن الله ليس 3 عددياً، كما أن وحدته لا تساوي رقم واحد 1×1×1 = 1، لأن الله فوق الأرقام والأعداد، وطبيعته ليس لها مثيل لنقارنه به، وغير خاضع للزمن أو لرقم، سواء بالجمع أو حاصل الضرب.

وقد قال المخلَّص: [ أنا والآب واحد ] (يوحنا 10: 30) مؤكداً أن له كيان خاص متميز عن كيان الآب، كما أن الآب له كيان خاص متميز عن الابن، وإذا لم يكن هذا هو الحق الواضح، فلماذا قال ” أنا والآب ” ولم يكتفِ بكلمة ( واحد )، لأن ” أنا والآب ” لا يُمكن أن تعني أنهما أقنوم واحد أو محصوران في عدد أو رقم 1، بل واحد في الجوهر. 

والإنجيل لا يقول فقط بأن الكلمة كان “عند الله” بل ” وكان الكلمة الله” وذلك لكي يعلن وجوده مع الله وتمايزه عن الآب وأنه أقنوم آخر غير أقنوم الآب وأقنوم الروح القدس، ولكن في نفس الوقت هو الله ومن نفس ذات الجوهر الواحد الذي للآب والروح القدس بالطبع، فهو بالطبيعة إله من إله، نور من نور، لأنه من الغير معقول أن يكون اللاهوت واحداً ولا يكون هناك تماثل تام في الصفات الإلهية بين الأقانيم أو أن لا تكون الأقانيم متساوية تساوي مطلق. لذلك يقول عن الابن أنه ” كان الله ” ولم يقل أنه يُصبح في وقت معين، بل كان دائماً وأزلياً الله …

لأن ما يحدث في الزمان أو ما ليس له وجود ثم يوجد بعد ذلك ويُصبح الله ويصير أزلي، فهذا لا يمكن أن يكون إله بالطبيعة !!! لأن ما يُستحدث يصير خاضعاً لقانون البشر، والله لا يُمكن الاستحداث فيه أو يطرأ عليه أمراً جديداً، لأنه الكائن الأزلي حياته من ذاته ولا تُستمد من آخر، متحرراً من الضرورة ولا يعوزه شيئاً على الإطلاق، وليس معنى أن الابن اتخذ جسداً أنه تغير عن كينونته الله، أو خضع لشيء جديد آخر، لأن ما اتخذه الله انتسب إليه وليس هو الذي اصبح منسوباً إليه، لأن هذا الاتحاد هو اتحاداً سرياً فائقاً بلا اختلاط ولا امتزاج أو تغيير، وهذ لا يُمكن إدراكة بأي مقارنة أو فكر لأنه لم ولن توجد حاله مشابهه لذلك قط، في كون الله الكلمة يتخذ جسداً…

فالله الكلمة كائن منذ الأزل (( في البدء ( الأرخي = άρχη = الأزل ) كان الكلمة )) ومساوي للآب في الجوهر لأنه هو الله.
________________________________

  • هذا هو إيماننا المستقيم باختصار وإيجاز، وهو سرّ يُعلن بالروح في القلب وينفتح أمامه الذهن بالروح ليفهم هذا السرّ بالدخول فيه بنعمة الله الحي…

الابن من نفس ذات جوهر الآب – إيماننا المستقيم

جوهر الحياة المسيحية ج3 سر الله وسر الإنسان

جوهر الحياة المسيحية ج3 سر الله وسر الإنسان

للرجوع للجزء الثاني أضغط هنا.

 

تابع – سلسلة معرفة النفس ومعرفة الله

 

3- سرّ الله وسرّ الإنسان (1)

 

س: من أنا ومن أنت ؟ من أين أتينا ؟ إلى أين نذهب ؟
سؤال مطروح للجميع، ومن منا يستطيع أن يجاوب !!!

 

مَن يعي نفسه ويكتشف حقيقتها يستيقظ فجأة ليرى الحقائق أمام عينيه ساطعة كشمس النهار، ويحيا حياة الهدوء والسلام العميق والسعادة في ملئها، وفي أشد الظروف قسوة يصبر ويعبرها بسلام ونظره مُعَلَّق على مجد القيامة الذي لا يزول متيقن أن وراء الصليب حتماً قيامة…

 

 

في أعماقنا – إن دققنا – يوجد حنين جارف وشوق عظيم جداً وجوع لمعرفة الله والقرب منه للشركة معه …

 

لذلك – لو كنا أمناء – نظل نفتش ولسان حالنا: أين الطريق وكيف نسير ؟

 

وأحياناً نُريد أن نعرف أنفسنا ونفهمها ! لأننا نقع في حيرة من أمرنا إذ نجدنا تارة نريد أن نتوب ونقترب من الله جداً، وأحياناً أخرى نسير وراء الشهوة والخطية بكل جموح وعدم انضباط ونصير مثل مجنون مسك سيف وظل يطعن به نفسه !!!؛ وأحياناً أُخرى نبقى في حالة وسط لا نريد خطية ولا برّ، بل في ضيق وقلق دون أن نفهم السرّ، وفي النهاية كلنا في داخلنا صارخين بحزن: ماذا نُريد ؟ وإلى أين نذهب ؟ وكيف نسير ؟ ونأن في أنفسنا ونصرخ كيف نعرف أنفسنا ونفهمها ؟

 

 

ولكننا كثيراً ما نشعر بانقسام داخلي بين معرفتين، وهي إما أن نعرف الله فنكره أنفسنا ونبغضها جداً ونصير في خصومه معها لأننا نجدها تحرمنا منه بجموحها وعدم قدرتها على الثبوت في حالة التوبة بالبرّ ومخافة الله !!!…
أو قد نعرف أنفسنا في ذاتها فنبتعد عن الله إذ نجده مانع عظيم أمام طموحنا ورغباتنا وأحلامنا، وقد نتخذ الآية حصن لنا وحجة دامغة على ذلك المفهوم: [ وقال للجميع إن أراد احد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم و يتبعني ] (لوقا 9: 23)

 

فنجد صعوبة في التوفيق بين المعرفتين، فنجد أنفسنا بين أربعة أمور:

 

1- إما أن نتخلى عن أنفسنا وأحلامنا ورغباتنا ونعرف الله.
2- أو نتخلى عن معرفة الله ونتنازل عن وصاياه لنعرف أنفسنا ونحقق كل رغباتنا بشتى الطرق وبقدر الإمكان، ونتعمق في أمور هذا الزمان ونأخذ منه على قدر طاقتنا ونغرف من بحور الشهوة، أو حتى ندخل في السعي للغنى بشعف حتى أننا نبيع كل شيء ونُضحي حتى براحتنا وأعز من نملك بل وقد نضحى بصداقتنا وأهلنا من أجل أن نصل لغايتنا.
3- أو نقف في حالة وسط ونحاول أن نوفق بين الأمور ونمسك العصا من المنتصف فتقلق أكثر ونصير في اضطراب عظيم وخلل نفسي فائق… 
4- أو نكون في حالة سلبية ولا مبالاة، ولا نتخذ أي قرار ونترك الأمور على ما هي ونتركها للظروف تسير كيفما شاءت !!!
ولكن بعبارة واضحة مختصرة وصريحة يقول القديس الأنبا انطونيوس الكبير: [ من عرف نفسه عرف الله، ومن عرف الله يستحق أن يعبده بالروح والحق ]

 

وهنا يكمُن سرّ الله وسرّ الإنسان، كيف ؟!!!

 

[ فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه ذكراً وأنثى خلقهم. وباركهم الله وقال لهم أنموا وأكثروا واملئوا الأرض .. ] (تكوين 1: 27 – 28 )

 

قبل السقوط نجد إن الإنسان – بطبيعة تكوينه وصورة الله المخلوق عليها – كان في حالة من الانسجام التام مع الله ومع نفسه، ولا يوجد خصومة أو تعارض بين رغباته وإرادته وإرادة الله، بل هناك انسجام واضح في لقاء حي مع الله والتعلَّم منه …

 

ويشرح القديس غريغوريوس النيصي سرّ حنين النفس وشوقها لله قائلاً: [ إذا كان الإنسان قد دُعيَّ للحياة ليكون شريكاً في “الطبيعة الإلهية”، فلا بدَّ أن يكون تكوينه أساساً يؤهَّله لهذه المشاركة …

 

كان من الضروري أن شيئاً من المماثلة الإلهية يُمزج بالطبيعة البشرية حتى تجعله هذه العلاقة يميل إلى ما تمُت إليه.. من أجل هذا وهب للإنسان كل السجايا الجديرة باللاهوت، حتى يتوق كل من هذه الفضائل (الحكمة ، البصيرة … الخ) إلى مثيله في الله. ولأن الأبدية ملازمة للاهوتية على الإطلاق، كان لابُدَّ من أن لا تُحرم منها طبيعتنا، بل أن تُذوَّد بعنصر الخلود.

 

وبفضل هذه الهبة الممنوحة، نجدها – النفس – مشدودة دائماً إلى ما يفوق قامتها، يحدوها دائماً الحنين إلى الأبدية. هذا ما تُشير إليه رواية خلق الإنسان في عبارة واحدة جامعة شاملة عندما تقول أن ” الإنسان عُمل على صورة الله ” (تكوين 1: 26 ) ] 
والقديس أثناسيوس الرسولي يعلّق على نفس الآية شارحاً معنى صورة الله في الرسالة عن الروح القدس قائلاً: [ يعني أن نفهم الإنسان باعتباره أبناً لله في الابن الحقيقي ]

 

  • من هنا نستطيع أن نعي، أنهُ ينبغي أن نقوم برحلة، وهي أن نغوص في داخل أنفسنا، ولنصغي لكلمات القديس مقاريوس الكبير: [ إن المسيحيين يعرفون جيداً أن النفس هي أثمن من جميع الأشياء المخلوقة، فإن الإنسان وحده هو الذي صُنع على صورة الله ومثاله… الإنسان هو أعظم قدراً… فهو وحده الذي سُرَّ به الرب… فتأمل في كرامتك وقدرك العظيم، حتى أن الله جعلك فوق الملائكة، لأنه لأجل معونتك وخلاصك جاء هو بنفسه شخصياً إلى الأرض. ] ( عظة 15: 43 )

 

الحقيقة أن الإنسان موضوع سرور الله وسرّ شبع ربنا يسوع – حسب التدبير – وقد أظهره بمعنى بديع في الكتاب المقدس عند لقاؤه بالسامرية: فقال لها يسوع أعطيني لأشرب، لأن تلاميذه مضوا إلى المدينة ليبتاعوا طعاماً، فبعد لقاء السامرية أتى التلاميذ بالطعام [ … سأله تلاميذه يا مُعلم كُل. فقال لهم أنا لي طعام لآكل لستم تعرفونه أنتم، فقال التلاميذ بعضهم لبعض: ألعل أحد أتاهُ بشيء ليأكل. قال لهم يسوع: طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمم عمله ] ( أنظر يوحنا 4: 31 – 34 )

 

  • فلننتبه لأننا أمام سرّ متبادل عظيم للغاية إن أدركناه بالقلب سنلقي أنفسنا على شخص المسيح الحلو ولن نصدق عدو الخير أو نتمسك بالخطية، بل سنتوب بسهولة ونشبع بلقاء الرب المبدع والمريح للنفس فعلاً وعلى مستوى خبرة اللقاء الحي بشخصه الرائع، فهنا نحن أمام سرّ عظيم متبادل بين طرفين، أي بين الله والإنسان، فالإنسان هو شبع الله وفرح قلبه وموضوع مسرته، والله أيضاً شبع الإنسان الحقيقي وفرح قلبه وسعادته الداخلية، ويُعبَّر عن ذلك القديس أغسطينوس قائلاً [ خلقتنا لأجلك (لذاتك)، وقلوبنا لن تجد راحتها إلا فيك…

    سأطلبك ربي داعياً إياك، وسأدعوك مؤمناً بك، لأنك لنا كرزت. سيدعوك ربي إيماني؛ إيماني الذي وهبتني إياه، ألهمتني إياه في تجسد ابنك ] (اعترافات القديس أغسطينوس ترجمة برتي شاكر – الطبعة الثالثة ص 7)

 

من هنا نقدر أن نميز ونعي تمام الوعي، لماذا يُفتش الله عن الإنسان باستمرار وإصرار مهما كانت خطاياه فادحة وعيوبه خطيرة، وهذا ما نلاحظه في جلوسه مع الخطاة والأثمة كما حدث مع المرأة الخاطئة والسامرية وغيرها، ونتحسس موضوعنا وسطهم … وندرك أيضاً لماذا يُفتش الإنسان عن الله بحنين وشوق داخلي يظهر في كل الديانات !!!

 

فمنذ السقوط ونسمع قول الله [ آدم أين أنت ] !!! (أنظر تكوين 3: 9)

 

وأيضاً نجد صوت الإنسان يصرخ في عبادة الله بطرق مختلفة، عله يجد الطريق، وهو يُعبر بطريقة ضعيفة بأنين داخلي [ أين أنت يا الله ]:
[ أين الطريق إلى حيث يسكن النور ] (أيوب 38: 19) 

[ صارت لي دموعي خبزا نهاراً وليلاً إذ قيل لي كل يوم أين إلهك ] (مزمور 42: 3)

 

[ ثم ذكر الأيام القديمة موسى وشعبه أين الذي أصعدهم من البحر مع راعي غنمه أين الذي جعل في وسطهم روح قدسه ] (أشعياء 63: 11)

 

[ تطلع من السماوات وانظر من مسكن قدسك ومجدك أين غيرتك وجبروتك، زفير أحشائك ومراحمك نحوي (هل) امتنعت !!! ] (أشعياء 63: 15)

 

  • وفي قمة صراخ الإنسان وعوزه نجد ما يذهلنا جداً، ففي وسط التفتيش المتبادل بين الله والإنسان، وفي صميم فشل الإنسان الأكيد للوصول إلى الله ومعرفته الحقيقية في حياة الشركة وعلى مستوى المعاينة بالرؤية، ربط الله بملء محبته المتدفقة نحو محبوبة الإنسان مصيره بمصيرنا، ليحدث اللقاء، فنجد الله، أو بمعنى أدق الله يجدنا، ويلتقي بنا مثل ما فعل مع السامرية: [ لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون لهُ الحياة الأبدية ] (يوحنا 3: 16)

 

نستطيع الآن أن نفهم ما هو سرّ المرض الإنساني على ضوء ما شرحناه سابقاً: فالإنسان المريض روحياً والمتعب في داخله – وهذا التعب ينعكس على كل أعماله التي تظهر قلق قلبه المستتر – هو إنسان تاهت منه نفسه وقد انغلقت على نفسها – انعزلت – وأخفت سرها، فتاه معها حل مشكلته الحقيقية المخفية فيه !!!

 

  • ويقول القديس مقاريوس الكبير [ أن العالم الذي تراه من حولك، ابتداءً من الملك حتى الشحات جميعهم في حيره واضطراب وفتنة، وليس أحد منهم يعرف السبب في ذلك، مع أن السبب هو ظهور الشرّ الذي دخل الإنسان … وأعني به شوكة الموت ] (عظة 15: 49)

 

لقد تشتتنا في هذا العالم المضطرب وعيشنا الجسدي، وحملنا كل هم وغم في أنفسنا، وانطمست المعالم الإلهية فينا، والموت أصبح يسري في داخلنا بسبب سلطان الأهواء الذي يعمل في أعماق قلوبنا من الداخل، حتى صارت ثمارنا فاسدة [ كذب ونفاق وذات وكبرياء وتعصب… وغيرها من الأمور الناتجة من سلطان الخطية والموت ]…

 

إننا نجد الإنسان بتاريخه الطويل والمتعب، قد انغمس في هموم الدنيا والخطية والشهوة وتعظم المعيشة، وتعظيم الذات التي أصابته بالعمى ولهته عن التفتيش الدائم عن الله القدوس مُحيي النفس، فقد نسى الإنسان نفسه ولم يعرف حقيقتها ولم يعرف مصيره: [ أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب. وأما أنتم فلا تعلمون من أين آتي ولا إلى أين أذهب ] (يوحنا 8: 14)

 

لقد ضاعت كرامة الإنسان وإنسانيته التي لن يقدر على تحقيقها إلا في الله، وضاعت في التشتت والتفتت والانقسام، وصار صراخه عبر التاريخ الإنساني كله: ما هو الحل ؟!!!

 

وسوف نتحدث في الجزء القادم عن الحل وهو [ العودة للنفس ومعرفة الله ]

جوهر الحياة المسيحية ج3 سر الله وسر الإنسان

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس – معرفة الكتب وقوة الله

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس – معرفة الكتب وقوة الله

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس – معرفة الكتب وقوة الله

 

للرجوع للجزء الأول أضغط هنا.

 

تابع جوهر الحياة المسيحية 
على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس

 

2- مقدمـــــــــــــــــــــــة

 

معرفة الكتب وقوة الله

 

  • الله والنفس الإنسانية:

الله هو تحديداً مصدر الحياة وسرّ حياة النفس، هو الأول والآخر، الألف والياء، المبدأ والغاية، ومعرفته = حياة أبدية: [ هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ] (يوحنا 17: 3)، والمعرفة هنا هي جوهر الإيمان، أي قوة وعي إيماني تقربنا إلى الله وتُحضرنا أمامه كشخص حي وحضور محيي، نلمسه ونراه وتنسكب منه إلينا فيض من النعمة تعطينا حياة وقيامة لأنفسنا…

والحياة الأبدية التي تسري فينا بمعرفة الله، طبيعتها غير متغيرة وأحوالها دائمة ومستمرة، وكل من تسري فيه تنتعش روحه ويشعر بقرب الله منه في قلبه، ويحملها ذخيرة حيه في نفسه يواجه بها كل لحظات حياته وبخاصة المُعاكس منها فيعبرها بسلام عميق وثقة الإيمان والرجاء الحي…

والحياة الأبدية هي عينها الحضرة الإلهية، وهي نفسها تذوق العِشرة مع المسيح بالشركة، بل هي حياة الثالوث القدوس الله الواحد، لذلك صارت شركتنا مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح بالروح القدس روح الشركة، وصارت دعوة الرسل والتلاميذ ومن ثمَّ الكنيسة كلها على مرّ العصور بل وفي جيلنا هذا هي هي نفس الدعوة عينها: [ الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به لكي يكون لكم أيضا شركة معنا وأما شركتنا نحن فهيمع الآب ومع ابنه يسوع المسيح ] ( 1يوحنا 1: 3 )

  • والسؤال المطروح اليوم: هل يمكننا أن نعرف الله على هذا المستوى !!!

رغم من أن لنا إيمان بهذا الكلام، إنما للأسف عند كثيرين نظري فكري وأحياناً بحثي دراسي، وليس واقع في حياتهم الشخصية كخبرة على مستوى الواقع العملي المُعاش، ولا يشعرون بأن الحياة الأبدية تسري فيهم فعلاً !!!
لذلك علينا أن نعي ونعرف من نحن وما هي طبيعة نفوسنا في جوهرها، وما هي معرفة الله الحقيقية على مستوى الكتب وقوة الله….

النفس الإنسانية جوهرة ثمينة، التي ظهرت في أول ظهور لها، في حالة بريق أخاذ من النقاوة والطهارة والقداسة التي تعكس مجد الله وبهاؤه، إذ أنها صورته، لأنه خلقها على صورته ومثاله، ومعرفتها في حقيقتها هي معرفة صلاح الله واتساع محبته، إذ إنها تعكس صورته هوَّ … فهل يُمكنُنا أن نعرف أنفسنا على هذا المستوى ونلتقي بالله !!!

  • وهناك فرق شاسع بين معرفتين :

فإن أردنا أن نعرف الله ونعرف أنفسنا في عمق حقيقتها، لابد من أن نفرق بين معرفتين: [ معرفة الكتب ]، [ وقوة الله ]، لأن التي تعطي معرفة حقيقية بالله الحي هي قوة الله: [ فأجاب يسوع و قال لهم أليس لهذا تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله ] (مرقس 12: 24)

1- معرفة الكتب:

[ فتشوا الكتب لأنكم تظنون إن لكم فيها حياة أبدية وهي التي تشهد لي ] (يوحنا 5: 39)
فتشوا أتت في المعنى اليوناني لتدل على الفحص الدقيق الشديد المثابر للأسفار، أي التفتيش بتدقيق مع التتبع بدقة، والأسفار تشهد للمسيح الله الكلمة المتجسد: [ لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجداً (وهو في الجسد – بجسم بشريتنا) إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى هذا هو ابني الحبيب الذي أنا سررت به. ونحن سمعنا هذا الصوت مُقبلاً من السماء إذ كنا معه في الجبل المقدس. وعندنا الكلمة النبوية وهي أثبت التي تفعلون حسنا أن انتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضع مظلم إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم. عالمين هذا أولاً إن كل نبوة الكتاب ليست من تفسير خاص. لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ] ( 2بطرس 1: 17 – 21 )

ويعود القديس بطرس الرسول بموضوع البحث والتفتيش في الكتب وفي الزمان عن المسيح إلهنا الحي الحاضر معنا هكذا: [الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلكم. باحثين أي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها.] ( 1بطرس 1: 10و11 )

ولكن – يا أحبائي – معرفة الكتب في حد ذاتها لا تكفي على الإطلاق وحدها فقط لمعرفة الله، فيمكن أن يتعمق الإنسان في الكتب ويفحصها تماماً وبكل تدقيق، بل ويحفظها ويُدرسها بكل تفاصيلها ودقائقها ويكون بارع فيها جداً، ولكن ما المنفعة أن لم نبلغ لمعرفة الله كشخص حي وحضور مُحيي، فاليهود كمثال عرفوا الكتب وتعمقوا فيها ودرسوها وشرحوها بدقة وتدقيق شديد، وصاروا متخصصين في البحث في الأسفار المقدسة وشرحها وتأويلها، بل وانشئوا مدرسة فلسطين لتعليم الأسفار ودراستها وفحصها وشرحها، ومع ذلك مع خبرة هذه السنين كلها لم ينفتح ذهنهم على سرّ الحياة الأبدية الكائنة في الأسفار ليدركوا منها الأمور المختصة بالمسيح الإله الحي ؟

والأسفار في حد ذاتها استعلان كامل للرب يسوع المسيح: [ ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب ] ( لوقا 24: 27 )

فيا إخوتي، أن اعتمدنا على معرفتنا للكتب وحدها وارتكزنا على الشق الأول من الآية فقط، أي معرفة الكتب دون أن نبلغ الشق الآخر (قوة الله) ستبقى الكتب تكديس معلومات لفخر وحساب الذات وكبرياء مميت للنفس، لأن العلم ينفخ أن لم تمسه قوة الله !!!

وهذه مشكلتنا اليوم، فبالرغم من معرفة الكتب والتعمق في دراستها وكثرة الأبحاث وتلال المراجع الضخمة ومعرفة اللغات وانتشار التعليم الروحي واللاهوتي، فقد أخفقنا في أن نسمع صوت الله في الأسفار المقدسة، وأصبح إيمان الكثيرين ضعيف بلا رؤية، وتهتز النفس أمام أي تعليم، أو تنهار أمام المشكلات، وأحياناً يأتيها شك في الله، ولا تثبت في الحق الذي لم يُستعلن بعد في القلب والذهن بقوة الله !!!
بل المشكلة الأكبر أنه بالرغم من التفتيش والبحث الدقيق والركض وراء التعاليم الإلهية والنقاش حولها والدفاع عنها على كل وجه، أصبح هُناك قلة قليلة تسمع صوت الله وتسري فيها الحياة الأبدية، وذلك لأن كثيرين لم يكونوا على مستوى صوت الله في الأسفار فعثروا في صوت المسيح ولم يعرفوه:

  • [ الحق الحق أقول لكم: إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية ولا يأتي إلى دينونة، بل قد أنتقل من الموت إلى الحياة ] ( يوحنا 5: 24 )

فلنحذر جداً جداً، ونعرف أن ممكن معرفة الكتب، بدون قوة الله، تؤدي إلى تقوية العقل وتنشيطه ليصير بارع في الفلسفة والحوار والمجادلة رغم صحة الكلمات ودقة التعبيرات التي لا غبار عليها أو فيها خطأ بل صحيحة تماماً، فتؤدي حتماً إلى الكبرياء المُميت للنفس واحتقار الآخرين وعدم حفظ روح المحبة وهذا دليل على موت النفس وانتفاخها المشبه بالكبرياء، لأن كثيرين يحملون روح الجدل في بداية الكبرياء والتعالي على الآخرين دون أن يدروا، لأنهم يحملون خبرات قديمة في مصادمات مع الآخر الذي لم يتذوق معرفة الله الحقيقية كخبرة وشركة وحياة…

وطبعاً لا نُنكر أن الكتب في معرفتها بدقة وتدقيق فيها منفعة عظيمة وهي توليد اشتياق في النفس للوصوللقوة الله، وبذلك تصير المعرفة هنا كدرجة أولية ترتقي بالنفس للدرجة الثانية وهي قوة الله، ولنحذر ونعلم أنه أن لم تقودنا معرفتنا للشوق إلى الله والملء من قوته وحياة الشركة معه، فلنعلم أن ناقوس خطر الكبرياء بدأ يدق، وأن معرفتنا ستسير بنا نحو الباطل وقد تدفعنا للهاوية فتطرحنا بعيداً جداً عن الله، وبالتلي عن حفظ الوصية والطاعة لها، حتى لو كنا بنبشر بكلمة الله ونكرز بها…

2- المعرفة الشخصية لله – بقوة الله:

المعرفة الحقيقية لله، هي حس باطني ومعرفة مباشرة قلبية واعية لله الحي، وتؤدي – بطبيعتها – إلى فرح عميق وسلام فائق، لأنها فيها لقاء حقيقي حي وشخصي جداً، واتصال مباشر واعي بالله …

الله إله حي وهو كاشف ومعلن نفسه من خلال الابن الوحيد الذي خبر: [ الله لم يراه أحد قط الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هُوَّ خَبَّر ] (يوحنا 1: 18)، فالله يكشف عن ذاته لنا شخص حي وحضور محيي وهذه هي قوة الله التي تُستعلن لنا، إذ يعطينا حياة أبدية حقيقية تسري في كياننا فنشعر بقوتها تسري فينا ولا نقدر أن نفحصها إذ تشدنا إليها بقوة وتسبينا ونسير أسرى حب الله ونحبة بكل القلب …

  • [ فأجاب يسوع: إن أول كل الوصايا هيَّ: أسمع يا إسرائيل. الرب إلهنا ربٌ واحد. وتحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك. هذه هي الوصية الأولى ] ( مرقس 12: 29 و 30 )
  • اللقاء مع شخص المسيح الكلمة، هو لقاء لعازر الميت الذي سرت فيه قوة الحياة حينما سمع صوت الله الكلمة، لعازر هلم خارجاً …
  • أو هو لقاء نازفة الدم حينما لمست هدب ثوبه فبرأت في الحال …
  • أو هو لقاء التي أُمسكت في ذات الفعل متلبسة بجريمتها، فخرجت مبرره، لا دينونة عليها …
  • أو هو لقاء السامرية عند بئر المياه والتي كشف الله أعماق قلبها وبررها فتركت جرتها وركضت تنادي بفرح لتُعلن وتكشف أنها التقت بالله شخصياً …

هذه هي المعرفة الحقيقية لله الحي، معرفة شخصية فيها حياة ولا تحتاج إلى برهان أو إقناع عقلي أو إثبات من الآخرين، لأن فيها يقين قاطع داخلي بشهادة الروح القدس في القلب (الروح يشهد لأرواحنا)، فهي حقاًمعرفة تبرير وغفران قوي، وسلطان محبة يأسر القلب …

ونخرج من هذا اللقاء بيقين فرح لا ينقض قائلين بشهادة خبرة اجتزنا فيها في حياتنا الواقعيه: [ الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة فأن الحياة أظهرت وقد رأينا ونشهد ] (1يوحنا1)

ولنا الآن أن نسأل سؤال مهم للغاية:
كيف لنا أن نقول على منظر ما جميلاً ؟ أو قطعة موسيقية رائعة ؟ !!! أبالبرهان ؟ أم بالقراءة وتفتيش الكتب ؟ أم بسؤال الناس ورأيهم الخاص ؟ بالطبع لأ ، لأننا نرى جمال المنظر بأعيننا، ونسمع الموسيقى بآذاننا،ونتلامس معهم كأمر واقع لا حاجة لأن يقنعنا بهما أحد، ولا فائدة من أن يُناقشنا أحد ليقنعنا لما فيهم من جمال حتى نعترف بهما أو يكون لنا القناعة الداخلية !!!

فلو العالم كله تحدانا ووقف أمامنا ليقنعنا أن هذا ليس فيه جمال، لن نصدق إلا ما شعرنا به من خلال خبرةالرؤية والسمع، لأن هذا ما فحصناه على مستوى الخبرة الحقيقية في واقع حياتنا المعاش 
وهذا كان موقف القديس أثناسيوس حينما قال: [ وأنا ضد العالم ] حينما كان يتكلم عن الإيمان الحي ضد التشويش الحادث من الهراطقة…

… لكن كثيرون منا لا يرون جمال المنظر أو جمال الموسيقى !!! فالكثيرون يمرون أمام شمس الغروب البديع، ولا ينظرون إليها، والذين لا يتذوقون جمال الموسيقى عددهم يفوق بكثير جداً عدد الصُم الحقيقيين. والذين لا يشاهدون جمال الطبيعة عددهم يفوق العميان الذين لا يرون بأعينهم!!! لمـــــــــــاذا ؟!!!
ذلك لأنهم لم يستعدوا داخلياً ولم يهيئوا أنفسهم لتقبل هذا النوع من الجمال، وبهذا يغلقون على أنفسهم باب عالم بكاملة !!! وهكذا أيضاً بالنسبة لمعرفة الله ومعرفة النفس !!!

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس – معرفة الكتب وقوة الله

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

 

أن حياة المسيحية الحقيقية لا تعتمد على الشكل الخارجي للإنسان وتنفيذه للطقوس والعقائد وحفظة البنود المعلنة من خلال القوانين والمعرفة المسيحية كمعلومات فكرية جدلية !!!
فحياة المسيحي الحقيقية هي في الداخل في أعماقه، في داخل كيانه الشخصي، فهي باختصار شديد وأكثر تحديد، هي الحياة في الله …
أي أن المسيحي الحقيقي هو الشخص الذي حياته في الله، بمعنى أني لو قلت أني مسيحي حقيقي، يعني الله في داخلي أكثر من أي شيء آخر في الوجود، وسعيي كله أن ألتقيه وأفتش عنه في الداخل وليس في الخارج، وذلك بسبب أن الكلمة صار جسداً وحل فينا، ونحن هياكل الله وروح الله يسكن فينا كهبة خاصة وكنز ثمين غالي للغاية، ويوجد في داخلنا طبيعياً – حسب الخلق – صورة الله المطبوعة في أعماقنا والذي أعاد شكلها الأصيل تجسد الكلمة واستعلانه في ملء الزمان …

فالإنسان بطبيعة خلقه هو صورة الله، أو بمعنى عملي هو الصورة المنظورة لله الغير منظور، له كيان روحي مستمد من خالقه العظيم، وهذا هو سر حنينه وعطشه المشتعل الدائم إلى خالقه وعدم شبعه بآخر مهما ما كانت مسرته ولذته فيه، ولكي نتعود أن نعيش في هذا المجد العظيم ونعود لأصل الصورة فينا، فلابد من أن ننزل ونغوص إلى داخلنا، أي نقطع مسيرة الدخول لأعماق قلوبنا في الداخل لنلتقي مع الله المطبوع سراً في أعماق القلب بصورة مجيده، هذه التي وضعنا عليها تراباً على مر الأيام وأخفيناها بالإهمال بسبب عُزلتنا عن الله
حتى صرنا في حالة قلق دائم واضطراب في هذا الزمان نحمل الأوجاع لأننا لم ندخل لهذا العمق ونعرف أنفسنا في جمال صورتها الحقيقية المخلوقة عليها والمطبوعة فيها !!!
فكل ما يُتعب النفس هو أنها أخفت سرها فضاع معه حل مشاكلها وضيقاتها الكثيرة والتي تشعر أن ليس لها سبب محدد، لأن مهما ما بلغ الإنسان من مراكز أو معرفة عقلانية أو راحة في العالم، يظل يشعر بضيق يزيد كلما ابتعد عن حقيقة جوهره الأصيل !!!
وطبعاً الرجوع للنفس والعودة إليها ليس شيئاً سهلاً على الإطلاق، بل هو صعب للغاية، لأننا في الواقع أصبحنا غُرباء عن أنفسنا، نجهل حقيقتها المخفية فيها !!
فمن السهل التعرف على العالم الخارجي والمحيط بنا بالحواس الجسدانية، ومن السهل أيضاً التعرف على الحياة المسيحية من جهة الفكر والبحث والمعرفة بالدراسة والأبحاث وكثرة القراءة، ومن السهولة لكل واحد أن يحيا الطقوس الكنسية ويقوم بكل واجبات العبادة
لأن كل هذا يأتينا عن طريق الحواس والعقل، وكل شخص يستطيع أن يستوعب كل شيء حسب قدراته العقلية، أما من جهة الداخل فصعب للغاية بل وقد يكون شبه مستحيل على الإنسان أن يفحصه أو يدركه، لأنه لا يأتي على مستوى العقل أو الفكر أو القدرة على المعرفة والفهم إنما على مستوى اللقاء الحي في الداخل !!!
فالحياة المسيحية الحقيقية هي باختصار وتركيز: الرجوع إلى النفس للدخول بالنعمة في الله، فحضرة الله بملء نوره العظيم هو أعمق ما في الإنسان من عظمة ومجد، لأن الإنسان خُلق في هذه الحضرة وهي أساس دعوته وأصل حياته كلها، ونبع حريته وكمال سعادته الحقيقية، بل هي مصيره الأبدي الذي لا يقدر أن يحيا بدونه قط !!!
إذن فالمنهج الأصيل للمسيحي الحقيقي هي حياته الداخلية، واستمرار وجوده في الحضرة الإلهية على مستوى اللمس من جهة كلمة الحياة [ الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة ] (1يوحنا 1: 1)
 
والعائق الرئيسي الذي يفصل الإنسان ويشوه طبعه ويشوش فكره ويجعل النور الإلهي منطفئ فيه هو الأهواء التي هي أصل الخطايا وسبب تحركها فيه، لأنها سبب الانفصال عن الله وتشويه طبعه الإنساني الأصيل، والإنسان أن لم يتحرر من هذه الأهواء لن يستطيع أن يكتشف في داخله اللؤلؤة الكثيرة الثمن فيبيع كل شيء لاقتنائها، حتى نفسه سيحسبها رخيصة عنده من أجل هذه الجوهرة الثمينة !!!

 

( معرفة النفس ومعرفة الله )
1- تمهيــــــــــــــــــــــــــــــــــد
دعوة الإنسان العليا

الكنيسة تعرف شخص يسوع المسيح، لأنه رأسها وهي جسده من لحمه وعظامه، فهو مُستعلن فيها، يتجلىفيها، ويحضر حضوراً سرياً فائقاً في كل أسرارها المقدسة …
والكنيسة كل عملها وشغلها الشاغل، إظهار وتمجيد واستعلان ربنا يسوع، وتقديمه إلهاً حياً مُحيياً من خلال سرّ الكلمة والإفخارستيا …
والكتاب المقدس في الكنيسة هو الاستعلان الحسي لصوت المسيح الحي والمحيي، الذي نادى لعازر هلم خارجاً فَسَرت فيه قوة حياة تُقيم من الموت، وهو هو نفس ذات الصوت – في كل وقت وزمان – التي تُنادي به الكنيسة أولادها بفم ربنا يسوع المسيح القائم من الموت، فقراءة الكلمة في الكنيسة سرّ قوة الحياة لكل من يسمع هذا الصوت بآذان انفتحت بالنعمة على الصوت الإلهي وميزته واستقبله القلب بإيمان دون أن يرتاب فيه
 
وعلى هذا الأساس نتقدم إلى سماع الكلمة من فم الله الذي نطق بها ولازال ينطق بها في كل زمان، وعلى الأخص في زماننا هذا، والكتاب المقدس إذ بلغنا سره الإلهي وأصغينا لهذا الصوت المُحيي، سنجد أن لغته لغة حوار بين طرفين، أي بين شخصين، الله والإنسان، ومن صميم هذا الحوار – حوار المحبة – نجد اللذة المتبادلة والحب المتدفق الحاصر للإنسان ( محبة المسيح تحصرنا )، ومن صميم هذا الحب الفائق نجد الدعوة الإلهية لكل إنسان يقترب من هذا المجد الفائق: (دعوة من الله للإنسان للتمتع بالشركة مع العريس السماوي، التي هي دعوة الوحدة والاتحاد والالتصاق كثمرة التجسد الإلهي وعمله الفائق على المستوى العملي في كل واحد على المستوى الشخصي وفي الكنيسة على المستوى العام)
[ وجعل يسوع يكلمهم أيضاً بأمثال قائلا: يُشبه ملكوت السماوات إنساناً ملكاً صنع عُرساً لابنه. وأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العُرس، فلم يريدوا أن يأتوا. فأرسل أيضا عبيداً آخرين قائلاً: قولوا للمدعوين هوذا غذائي أعددته، ثيراني ومسمناتي قد ذبحت، وكل شيء مُعد، تعالوا إلى العُرس. ولكنهم تهاونوا ومضوا واحد إلى حقله وآخر إلى تجارته. والباقون أمسكوا عبيده وشتموهم وقتلوهم.
 
فلما سمع الملك غضب وأرسل جنوده وأهلك أولئك القاتلين وأحرق مدينتهم. ثم قال لعبيده أما العُرس فمستعد وأما المدعوون فلم يكونوا مستحقين. فاذهبوا إلى مفارق الطرق وكل من وجدتموه فادعوه إلى العرس. فخرج أولئك العبيد إلى الطرق وجمعوا كل الذين وجدوهم أشراراً وصالحين فامتلأ العرس من المتكئين.
فلما دخل الملك لينظر المتكئين رأى هناك إنساناً لم يكن لابساً لُباس العُرس. فقال له يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لُباس العُرس فسكت. حينئذ قال الملك للخدام أربطوا رجليه و يديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان. لأن كثيرين يُدعون وقليلين يُنتخبون ] (متى 22: 1 – 14)
 
فالدعوة غالية جداً وكريمة للغاية، وثوب المدعوين هو شخص الكلمة المتجسد: [ لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح (في المسيح) قد لبستم المسيح ] (غلاطية 3: 27)
هذا هو ثوب البرّ المنسوج بعمل الله وحده بدم ربنا يسوع الذي سُفِكَ على عود الصليب، ثوب برّ مجاني مُهدَى من الملك نفسه بلا قيد أو شرط، لمن يقبل الدعوة فقط ويتوب ويعود للحضن الحلو ويكتسي بالنعمة …
[ ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح. لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة، مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض، لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً. ويُصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب، قاتلا العداوة به. فجاء وبشركم بسلام انتم البعيدين والقريبين. لأن به لنا كُلينا قدوماً في روح واحد إلى الآب. فلستم إذاً بعد غُرباء ونزلاً، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله. مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية. الذي فيه كل البناء مركباً معاً ينمو هيكلاً مقدساً في الرب. الذي فيه أنتم أيضاً مبنيون معاً مسكناً لله في الروح ] (أفسس 2: 13 – 22)
وما هي طبيعة الدعوة ؟
[ تعالوا لأن كل شيء قد اُعد؛ لأن الله الآب قد أعد في المسيح لسكان الأرض تلك العطايا التي مُنحت للعالم بواسطته، التي هي غفران الخطايا، والتطهير من كل دنس، وشركة الروح القدس، والتبني المجيد له، وملكوت السماوات . ] ( تفسير لوقا للقديس كيرلس الكبير عظة 104 عن كتاب تفسير إنجيل لوقا للقديس كيرلس الإسكندري ص502 ترجمة د/ نصحي عبد الشهيد 2007 )
 
[ مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح. كما اختارنا فيهقبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة. إذ سبق فعيننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته. لمدح مجد نعمته التي أنعم بها علينا في المحبوب. الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا حسب غنى نعمته. التي أجزلها لنا بكل حكمة و فطنة. إذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه.
 
لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شيء في المسيح ما في السماوات وما على الأرض في ذاك. الذي فيه أيضاً نلنا نصيباً مُعينين سابقاً حسب قصد الذي يعمل كل شيء حسب رأي مشيئته. لنكون لمدح مجده نحن الذين قد سبق رجاؤنا في المسيح الذي فيه أيضاً أنتم إذ سمعتم كلمة الحق انجيل خلاصكم الذي فيه أيضاً إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس. الذي هو عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده ] (أفسس1: 3 – 14)

وحينما نعي هذه الدعوة المقدسة المهيبة والمفرحة جداً لكل نفس، لن نتعجب أو نندهش من الذين باعوا كل شيء – بسهولة – ورضوا أن يخسروا كل ما للعالم وأن يحسبوه مع القديس بولس خسارة ونفاية من أجل أن يربحوا اللؤلؤة الواحدة الوحيدة الكثيرة الثمن، بل – نحن أنفسنا – سنبيع كل شيء بسهولة وبلا تردد، ونبغض الخطية فتسقط من تلقاء ذاتها دون معاناة أو صراع داخلي، إذ قد ربحنا الواحد الوحيد شخص ربنا يسوع، الذي هو الكنز الخفي الذي للنفس المخبئ في داخلها، بل صار هو ثوبها النفيس الذي يستحيل أن تفرط فيه أبداً أو تطرحه عنها !!!
وفي ختام المقدمة لنقرأ ما قاله القديس مقاريوس الكبير:
[ الديانة المسيحية ليست إذن شيئاً عادياً ” هذا السرّ عظيم ” (أفسس 5: 32)، لذلك فاعرف قدرتك وسموك لكونك دُعيت إلى الكرامة الملوكية ” جنس مختار كهنوت ملوكي وأمة مقدسة ” (1بطرس 2: 9)، لأن سرّ المسيحية هو غريب بالنسبة لهذا العالم. والمجد المنظور الذي للإمبراطور أو الملك (الأرضي) وكل غناه، إنما هو أرضي وفاني ومضمحل، وأما ذلك الملكوت وذلك الغنى السماوي فهو إلهي سماوي ومملوء مجداً، وهو لا يفنى ولا يضمحل لأن مثل هؤلاء المسيحيون يملكون مع الملك السماوي في الكنيسة السماوية “وهو البكر من الأموات” (كولوسي 1: 18)
وهم أيضاً أبكار، ولكن رغم أن هذه هي حالتهم وهم مختارون ومقبلون أمام الله، فإنهم يعتبرون أنفسهم أقل الكل وليس لهم أي استحقاق، وقد صار أمراً طبيعياً عندهم أن يعتبروا أنفسهم كلا شيء. ] (عظات القديس مقاريوس الكبير 27 : 4 صفحة 249، عن كتاب عظات القديس مقاريوس، الطبعة الرابعة – مؤسسة القديس أنطونيوس المركز الأرثوذكسي الآباء – نصوص آبائية 85)

جوهر الحياة المسيحية على ضوء معرفة الله ومعرفة النفس ج1

Exit mobile version